الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٩٢ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 304 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٢ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه ، كما ثبت في الصحيحين ، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " .
ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث ، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله ، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه .
وقوله : ( إلا خطأ ) قالوا : هو استثناء منقطع ، كقول الشاعر من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ على الأرض إلا ريط برد مرحل .
ولهذا شواهد كثيرة .
واختلف في سبب نزول هذه [ الآية ] فقال مجاهد وغير واحد : نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه - وهي أسماء بنت مخربة - وذلك أنه قتل رجلا كان يعذبه مع أخيه على الإسلام ، وهو الحارث بن يزيد العامري ، فأضمر له عياش السوء ، فأسلم ذلك الرجل وهاجر ، وعياش لا يشعر ، فلما كان يوم الفتح رآه ، فظن أنه على دينه ، فحمل عليه فقتله .
فأنزل الله هذه الآية .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : نزلت في أبي الدرداء ; لأنه قتل رجلا وقد قال كلمة الإسلام حين رفع السيف ، فأهوى به إليه ، فقال كلمته ، فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما قالها متعوذا .
فقال له : " هل شققت عن قلبه " [ وهذه القصة في الصحيح لغير أبي الدرداء ] .
وقوله : ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله [ إلا أن يصدقوا ] ) هذان واجبان في قتل الخطأ ، أحدهما : الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم ، وإن كان خطأ ، ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة فلا تجزئ الكفارة .
وحكى ابن جرير ، عن ابن عباس والشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري أنهم قالوا : لا يجزئ الصغير حتى يكون قاصدا للإيمان .
وروي من طريق عبد الرزاق عن معمر ، عن قتادة قال : في : ( فتحرير رقبة مؤمنة ) لا يجزئ فيها صبي .
واختار ابن جرير إن كان مولودا بين أبوين مسلمين أجزأ ، وإلا فلا .
والذي عليه الجمهور : أنه متى كان مسلما صح عتقه عن الكفارة ، سواء كان صغيرا أو كبيرا .
وقال الإمام أحمد : أنبأنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عبد الله بن عبد الله ، عن رجل من الأنصار ; أنه جاء بأمة سوداء ، فقال : يا رسول الله ، إن علي رقبة مؤمنة ، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها .
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أن لا إله إلا الله ؟
" قالت : نعم .
قال : " أني رسول الله ؟
" قالت نعم .
قال : " بالبعث بعد الموت ؟
" قالت : نعم ، قال : " أعتقها " .
وهذا إسناد صحيح ، وجهالة الصحابي لا تضر .
وفي موطأ [ الإمام ] مالك ومسندي الشافعي وأحمد ، وصحيح مسلم ، وسنن أبي داود والنسائي ، من طريق هلال بن أبي ميمونة ، عن عطاء بن يسار ، عن معاوية بن الحكم أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أين الله ؟
" قالت : في السماء .
قال : " من أنا " قالت : أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أعتقها فإنها مؤمنة " .
وقوله : ( ودية مسلمة إلى أهله ) هو الواجب الثاني فيما بين القاتل وأهل القتيل ، عوضا لهم عما فاتهم من قريبهم .
وهذه الدية إنما تجب أخماسا ، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن ، من حديث الحجاج بن أرطأة ، عن زيد بن جبير ، عن خشف بن مالك ، عن ابن مسعود قال : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ عشرين بنت مخاض ، وعشرين بني مخاض ذكورا ، وعشرين بنت لبون ، وعشرين جذعة وعشرين حقة .
لفظ النسائي ، وقال الترمذي : لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه ، وقد روي عن عبد الله موقوفا .
وكذا روي عن [ علي و ] طائفة .
وقيل : تجب أرباعا .
وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل ، لا في ماله ، قال الشافعي ، رحمه الله : لم أعلم مخالفا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة ، وهو أكثر من حديث الخاصة وهذا الذي أشار إليه ، رحمه الله ، قد ثبت في غير ما حديث ، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال : اقتتلت امرأتان من هذيل ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها ، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمة ، وقضى بدية المرأة على عاقلتها .
وهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ حكم الخطأ المحض في وجوب الدية ، لكن هذا تجب فيه الدية أثلاثا كالعمد ، لشبهه به .
وفي صحيح البخاري ، عن عبد الله بن عمر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ، فدعاهم إلى الإسلام ، فلم يحسنوا أن يقولوا : أسلمنا .
فجعلوا يقولون : صبأنا صبأنا .
فجعل خالد يقتلهم ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع يديه وقال : " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد " .
وبعث عليا فودى قتلاهم وما أتلف من أموالهم ، حتى ميلغة الكلب .
وهذا [ الحديث ] يؤخذ منه أن خطأ الإمام أو نائبه يكون في بيت المال .
وقوله : ( إلا أن يصدقوا ) أي : فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدقوا بها فلا تجب .
وقوله : ( فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) أي : إذا كان القتيل مؤمنا ، ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب ، فلا دية لهم ، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير .
وقوله : ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق [ فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ] ) الآية ، أي : فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة ، فلهم دية قتيلهم ، فإن كان مؤمنا فدية كاملة ، وكذا إن كان كافرا أيضا عند طائفة من العلماء .
وقيل : يجب في الكافر نصف دية المسلم ، وقيل : ثلثها ، كما هو مفصل في [ كتاب الأحكام ] ويجب أيضا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة .
( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ) أي : لا إفطار بينهما ، بل يسرد صومهما إلى آخرهما ، فإن أفطر من غير عذر ، من مرض أو حيض أو نفاس ، استأنف .
واختلفوا في السفر : هل يقطع أم لا ؟
على قولين .
وقوله : ( توبة من الله وكان الله عليما حكيما ) أي : هذه توبة القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين .
واختلفوا فيمن لا يستطيع الصيام : هل يجب عليه إطعام ستين مسكينا ، كما في كفارة الظهار ؟
على قولين ; أحدهما : نعم .
كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار ، وإنما لم يذكر هاهنا ; لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير ، فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل والترخيص .
القول الثاني : لا يعدل إلى الإطعام ; لأنه لو كان واجبا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة .
( وكان الله عليما حكيما ) قد تقدم تفسيره غير مرة .
وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ القول في تأويل قوله تعالى : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } يعني جل ثناؤه بقوله : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } وما أذن الله لمؤمن ولا أباح له أن يقتل مؤمنا .
يقول : ما كان ذلك له فيما جعل له ربه وأذن له فيه من الأشياء البتة .
كما : 7982 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } يقول : ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه من عهد الله الذي عهد إليه .
وأما قوله : { إلا خطأ } فإنه يقول : إلا أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ , وليس له مما جعل له ربه فأباحه له .
وهذا من الاستثناء الذي تسميه أهل العربية : الاستثناء المنقطع , كما قال جرير بن عطية : من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ على الأرض إلا ريط برد مرحل يعني : لم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد , وليس ذيلا لبرد من الأرض .
وذكر أن هذه الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي , وكان قد قتل رجلا مسلما بعد إسلامه وهو لا يعلم بإسلامه .
ذكر الآثار بذلك : 7983 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } قال : عياش بن أبي ربيعة قتل رجلا مؤمنا كان يعذبه مع أبي جهل , وهو أخوه لأمه , فاتبع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحسب أن ذلك الرجل كان كما هو وكان عياش هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا , فجاء أبو جهل وهو أخوه لأمه , فقال : إن أمك تناشدك رحمها وحقها أن ترجع إليها !
وهي أسماء ابنة مخرمة .
فأقبل معه , فربطه أبو جهل حتى قدم مكة ; فلما رآه الكفار زادهم ذلك كفرا وافتتانا , وقالوا : إن أبا جهل ليقدر من محمد على ما يشاء ويأخذ أصحابه .
* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد بنحوه , إلا أنه قال في حديثه : فاتبع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل وعياش يحسبه أنه كافر كما هو , وكان عياش هاجر إلى المدينة مؤمنا , فجاءه أبو جهل وهو أخوه لأمه , فقال : إن أمك تنشدك برحمها وحقها إلا رجعت إليها !
وقال أيضا : فيأخذ أصحابه فيربطهم .
7984 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد بنحوه .
قال ابن جريج , عن عكرمة , قال : كان الحارث بن يزيد بن نبيشة من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل .
ثم خرج الحارث بن يزيد مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف حتى سكت , وهو يحسب أنه كافر.
ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره , ونزلت : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } .
..
الآية , فقرأها عليه , ثم قال له : " قم فحرر " .
7985 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } قال : نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي , فكان أخا لأبي جهل بن هشام لأمه.
وإنه أسلم وهاجر في المهاجرين الأولين قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم , فطلبه أبو جهل والحارث بن هشام ومعهما رجل من بني عامر بن لؤي , فأتوه بالمدينة , وكان عياش أحب إخوته إلى أمه , فكلموه وقالوا : إن أمك قد حلفت أن لا يظلها بيت حتى تراك وهي مضطجعة في الشمس , فأتها لتنظر إليك ثم ارجع !
وأعطوه موثقا من الله لا يحجزونه حتى يرجع إلى المدينة .
فأعطاه بعض أصحابه بعيرا له نجيبا , وقال : إن خفت منهم شيئا فاقعد على النجيب.
فلما أخرجوه من المدينة أخذوه فأوثقوه , وجلده العامري , فحلف ليقتلن العامري .
فلم يزل محبوسا بمكة حتى خرج يوم الفتح , فاستقبله العامري وقد أسلم ولا يعلم عياش بإسلامه , فضربه فقتله , فأنزل الله : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } يقول : وهو لا يعلم أنه مؤمن , { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا } فيتركوا الدية.
وقال آخرون : نزلت هذه الآية في أبي الدرداء .
ذكر من قال ذلك : 7986 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ }.
..
الآية .
قال : نزل هذا في رجل قتله أبو الدرداء كانوا في سرية , فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له , فوجد رجلا من القوم في غنم له , فحمل عليه بالسيف , فقال : لا إله إلا الله , قال : فضربه ثم جاء بغنمه إلى القوم .
ثم وجد في نفسه شيئا , فأتى النبي صلى الله عليه وسلم , فذكر ذلك له , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا شققت عن قلبه ؟
" فقال : ما عسيت أجد !
هل هو يا رسول الله إلا دم أو ماء ؟
قال : " فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه " , قال : كيف بي يا رسول الله ؟
قال : " فكيف بلا إله إلا الله ؟
" قال : فكيف بي يا رسول الله ؟
قال : " فكيف بلا إله إلا الله " .
حتى تمنيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي.
قال : ونزل القرآن : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ }.
..
حتى بلغ : { إلا أن يصدقوا } قال : إلا أن يضعوها .
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله عرف عباده بهذه الآية ما على من قتل مؤمنا خطأ من كفارة ودية .
وجائز أن تكون الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة وقتيله , وفي أبي الدرداء وصاحبه .
وأي ذلك كان فالذي عنى الله تعالى بالآية تعريف عباده ما ذكرنا , وقد عرف ذلك من عقل عنه من عباده تنزيله , وغير ضائرهم جهلهم بمن نزلت فيه.ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ثم أخبر جل ثناؤه عباده بحكم من قتل من المؤمنين خطأ , فقال : { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة } يقول : فعليه تحرير رقبة مؤمنة من ماله ودية مسلمة يؤديها عاقلته إلى أهله : { إلا أن يصدقوا } يقول : إلا أن يصدق أهل القتيل خطأ على من لزمته دية قتيلهم , فيعفوا عنه ويتجاوزوا عن ذنبه , فيسقط عنه .
وموضع " أن " من قوله : { إلا أن يصدقوا } نصب , لأن معناه : فعليه ذلك إلا أن يصدقوا.
وأما الرقبة المؤمنة فإن أهل العلم مختلفون في صفتها , فقال بعضهم : لا تكون الرقبة مؤمنة حتى تكون قد اختارت الإيمان بعد بلوغها وصلت وصامت , ولا يستحق الطفل هذه الصفة .
ذكر من قال ذلك : 7987 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن أبي حيان , قال : سألت الشعبي عن قوله : { فتحرير رقبة مؤمنة } قال : قد صلت وعرفت الإيمان .
7988 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { فتحرير رقبة مؤمنة } يعني بالمؤمنة : من عقل الإيمان وصام وصلى .
7989 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن الأعمش , عن إبراهيم , قال : ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة فلا يجزي إلا من صام وصلى , وما كان في القرآن من رقبة ليست مؤمنة , فالصبي يجزئ.
7990 - حدثت عن يزيد بن هارون , عن هشام بن حسان , عن الحسن , قال : كل شيء في كتاب الله { فتحرير رقبة مؤمنة } فمن صام وصلى وعقل , وإذا قال : " فتحرير رقبة " : فما شاء .
7991 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن الأعمش , عن إبراهيم قال : كل شيء في القرآن { فتحرير رقبة مؤمنة } فالذي قد صلى , وما لم تكن " مؤمنة " , فتحرير من لم يصل .
7992 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { فتحرير رقبة مؤمنة } والرقبة المؤمنة عند قتادة : من قد صلى .
وكان يكره أن يعتق في هذا الطفل الذي لم يصل ولم يبلغ ذلك.
7993 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي , قال : ثنا فضيل بن عياض , عن مغيرة , عن إبراهيم في قوله : { فتحرير رقبة مؤمنة } قال : إذا عقل دينه .
7994 - حدثنا المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الرزاق , عن معمر , عن قتادة , قال في : { فتحرير رقبة مؤمنة } لا يجزئ فيها صبي.
7995 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { فتحرير رقبة مؤمنة } يعنى بالمؤمنة : من قد عقل الإيمان وصام وصلى , فإن لم يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين , وعليه دية مسلمة إلى أهله , إلا أن يصدقوا بها عليه.
وقال آخرون : إذا كان مولودا بين أبوين مسلمين فهو مؤمن وإن كان طفلا .
ذكر من قال ذلك : 7996 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن ابن جريج , عن عطاء , قال : كل رقبة ولدت في الإسلام فهي تجزي .
قال أبو جعفر : وأولى القولين بالصواب في ذلك , قول من قال : لا يجزئ في قتل الخطأ من الرقاب إلا من قد آمن وهو يعقل الإيمان من الرجال والنساء إذا كان ممن كان أبواه على ملة من الملل سوى الإسلام وولد يتيما وهو كذلك , ثم لم يسلما ولا واحد منهما حتى أعتق في كفارة الخطأ .
وأما من ولد بين أبوين مسلمين فقد أجمع الجميع من أهل العلم أنه وإن لم يبلغ حد الاختيار والتمييز ولم يدرك الحلم فمحكوم له بحكم أهل الإيمان في الموارثة والصلاة عليه إن مات , وما يجب عليه إن جنى , ويجب له إن جني عليه , وفي المناكحة .
فإذا كان ذلك من جميعهم إجماعا , فواجب أن يكون له من الحكم فيما يجزئ فيه من كفارة الخطأ إن أعتق فيها من حكم أهل الإيمان مثل الذي له من حكم الإيمان في سائر المعاني التي ذكرناها وغيرها.
ومن أبى ذلك عكس عليه الأمر فيه , ثم سئل الفرق بين ذلك من أصل أو قياس , فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في غيره مثله .ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا وأما الدية المسلمة إلى أهل القتيل فهي المدفوعة إليهم على ما وجب لهم موفرة غير منتقصة حقوق أهلهم منها .
وذكر عن ابن عباس أنه كان يقول : هي الموفرة .
7997 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قال ابن عباس , قوله : { ودية مسلمة إلى أهله } قال : موفرة.
وأما قوله : { إلا أن يصدقوا } فإنه يعني به : إلا أن يتصدقوا بالدية على القاتل أو على عاقلته ; فأدغمت التاء من قوله : " يتصدقوا " في الصاد فصارتا صادا .
وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي : " إلا أن يتصدقوا " .
7998 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا بكر بن الشرود : في حرف أبي : { إلا أن يتصدقوا } .فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة القول في تأويل قوله : { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } يعني جل ثناؤه بقوله : { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } فإن كان هذا القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم عدو لكم , يعني : من عداد قوم أعداء لكم في الدين مشركين , لم يأمنوكم الحرب على خلافكم على الإسلام , وهو مؤمن { فتحرير رقبة مؤمنة } يقول : فإذا قتل المسلم خطأ رجلا من عداد المشركين والمقتول مؤمن والقاتل يحسب أنه على كفره , فعليه تحرير رقبة مؤمنة .
واختلف أهل التأويل في معنى ذلك , فقال بعضهم : معناه : وإن كان المقتول من قوم هم عدو لكم وهو مؤمن ; أي بين أظهركم لم يهاجر , فقتله مؤمن , فلا دية عليه وعليه تحرير رقبة مؤمنة .
ذكر من قال ذلك : 7999 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن سفيان , عن سماك , عن عكرمة والمغيرة , عن إبراهيم في قوله : { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } قال : هو الرجل يسلم في دار الحرب , فيقتل .
قال : ليس فيه دية , وفيه الكفارة .
8000 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة في قوله : { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } قال : يعني : المقتول يكون مؤمنا وقومه كفار , قال : فليس له دية , ولكن تحرير رقبة مؤمنة .
8001 - حدثنا المثنى , قال : ثنا أبو غسان , قال : ثنا إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس في قوله : { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } قال : يكون الرجل مؤمنا وقومه كفار , فلا دية له , ولكن تحرير رقبة مؤمنة .
8002 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } في دار الكفر , يقول : { فتحرير رقبة مؤمنة } وليس له دية .
8003 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } ولا دية لأهله من أجل أنهم كفار , وليس بينهم وبين الله عهد ولا ذمة .
* - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , قال : أخبرنا عطاء بن السائب , عن ابن عباس أنه قال في قول الله : { وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } .
..
إلى آخر الآية , قال : كان الرجل يسلم , ثم يأتي قومه فيقيم فيهم وهم مشركون , فيمر بهم الجيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فيقتل فيمن يقتل , فيعتق قاتله رقبة ولا دية له .
8004 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن إبراهيم : { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة } قال : هذا إذا كان الرجل المسلم من قوم عدو لكم : أي ليس لهم عهد يقتل خطأ , فإن على من قتله تحرير رقبة مؤمنة .
* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } فإن كان في أهل الحرب وهو مؤمن , فقتله خطأ , فعلى قاتله أن يكفر بتحرير رقبة مؤمنة , أو صيام شهرين متتابعين , ولا دية عليه .
8005 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن } القتيل مسلم وقومه كفار , { فتحرير رقبة مؤمنة } ولا يؤدي إليهم الدية فيتقوون بها عليكم.
وقال آخرون : بل عنى به الرجل من أهل الحرب يقدم دار الإسلام فيسلم ثم يرجع إلى دار الحرب , فإذا مر بهم الجيش من أهل الإسلام هرب قومه , وأقام ذلك المسلم منهم فيها , فقتله المسلمون وهم يحسبونه كافرا .
ذكر من قال ذلك : 8006 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } فهو المؤمن يكون في العدو من المشركين يسمعون بالسرية من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم , فيفرون ويثبت المؤمن فيقتل , ففيه تحرير رقبة مؤمنة .وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة القول في تأويل قوله تعالى : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة } يعني جل ثناؤه بقوله : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } وإن كان القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم بينكم أيها المؤمنون وبينهم ميثاق : أي عهد وذمة , وليسوا أهل حرب لكم , { فدية مسلمة إلى أهله } يقول : فعلى قاتله دية مسلمة إلى أهله يتحملها عاقلته , وتحرير رقبة مؤمنة كفارة لقتله .
ثم اختلف أهل التأويل في صفة هذا القتيل الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق أهو مؤمن أو كافر ؟
فقال بعضهم : هو كافر , إلا أنه لزمت قاتله ديته ; لأن له ولقومه عهدا , فواجب أداء ديته إلى قومه للعهد الذي بينهم وبين المؤمنين , وأنها مال من أموالهم , ولا يحل للمؤمنين شيء من أموالهم بغير طيب أنفسهم .
ذكر من قال ذلك : 8007 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } يقول : إذا كان كافرا في ذمتكم فقتل , فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله , وتحرير رقبة مؤمنة , أو صيام شهرين متتابعين .
8008 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن أيوب , قال : سمعت الزهري يقول : دية الذمي دية المسلم .
قال : وكان يتأول : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله } .
8009 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الله بن إدريس , عن عيسى بن أبي المغيرة , عن الشعبي في قوله : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله } قال : من أهل العهد , وليس بمؤمن .
8010 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن مهدي , عن هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } وليس بمؤمن .
8011 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة } بقتله : أي بالذي أصاب من أهل ذمته وعهده ; { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله }.
..
الآية 8012 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله } يقول : فأدوا إليهم الدية بالميثاق .
قال : وأهل الذمة يدخلون في هذا , وتحرير رقبة مؤمنة , فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين .
وقال آخرون : بل هو مؤمن , فعلى قاتله دية يؤديها إلى قومه من المشركين , لأنهم أهل ذمة .
ذكر من قال ذلك : 8013 - حدثني ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن إبراهيم : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة } قال : هذا الرجل المسلم وقومه مشركون لهم عقد , فتكون ديته لقومه وميراثه للمسلمين , ويعقل عنه قومه ولهم ديته .
8014 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن هشيم , عن أبي إسحاق الكوفي , عن جابر بن زيد في قوله : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } قال : وهو مؤمن .
8015 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن مهدي , عن حماد بن سلمة , عن يونس , عن الحسن , في قوله : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } قال : هو كافر .
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية قول من قال : عنى بذلك المقتول من أهل العهد , لأن الله أبهم ذلك , فقال : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم } ولم يقل : " وهو مؤمن " كما قال في القتيل من المؤمنين وأهل الحرب ; أو عنى المؤمن منهم وهو مؤمن .
فكان في تركه وصفه بالإيمان الذي وصف به القتيلين الماضي ذكرهما قبل , الدليل الواضح على صحة ما قلنا في ذلك.
فإن ظن ظان أن في قوله تبارك وتعالى : { فدية مسلمة إلى أهله } دليلا على أنه من أهل الإيمان , لأن الدية عنده لا تكون إلا لمؤمن , فقد ظن خطأ ; وذلك أن دية الذمي وأهل الإسلام سواء , لإجماع جميعهم على أن ديات عبيدهم الكفار وعبيد المؤمنين من أهل الإيمان سواء , فكذلك حكم ديات أحرارهم سواء , مع أن دياتهم لو كانت على ما قال من خالفنا في ذلك , فجعلها على النصف من ديات أهل الإيمان أو على الثلث , لم يكن في ذلك دليل على أن المعني بقوله : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } من أهل الإيمان , لأن دية المؤمنة لا خلاف بين الجميع , إلا من لا يعد خلافا أنها على النصف من دية المؤمن , وذلك غير مخرجها من أن تكون دية , فكذلك حكم ديات أهل الذمة لو كانت مقصرة عن ديات أهل الإيمان لم يخرجها ذلك من أن تكون ديات , فكيف والأمر في ذلك بخلافه ودياتهم وديات المؤمنين سواء ؟
.
وأما الميثاق : فإنه العهد والذمة , وقد بينا في غير هذا الموضع أن ذلك كذلك والأصل الذي منه أخذ بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .
ذكر من قال ذلك : 8016 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي في قوله : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } يقول : عهد.
8017 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري في قوله : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } قال : هو المعاهدة .
8018 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو غسان , قال : ثنا إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } عهد .
8019 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , مثله .
فإن قال قائل : وما صفة الخطأ الذي إذا قتل المؤمن المؤمن أو المعاهد لزمته ديته والكفارة ؟
قيل : هو ما قال النخعي في ذلك.
وذلك ما : 8020 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا سفيان , عن المغيرة , عن إبراهيم قال : الخطأ أن يريد الشيء فيصيب غيره .
8021 - حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم , قالا : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : الخطأ أن يرمي الشيء فيصيب إنسانا وهو لا يريده , فهو خطأ , وهو على العاقلة .
فإن قال : فما الدية الواجبة في ذلك ؟
قيل : أما في قتل المؤمن فمائة من الإبل إن كان من أهل الإبل على عاقلة قاتله , لا خلاف بين الجميع في ذلك , وإن كان في مبلغ أسنانها اختلاف بين أهل العلم , فمنهم من يقول : هي أرباع : خمس وعشرون منها حقة , وخمس وعشرون جذعة , وخمس وعشرون بنت مخاض , وخمس وعشرون بنت لبون .
ذكر من قال ذلك : 8022 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن إبراهيم , عن علي رضي الله عنه : في الخطأ شبه العمد ثلاث وثلاثون حقة , وثلاث وثلاثون جذعة , وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها ; وفي الخطأ : خمس وعشرون حقة , وخمس وعشرون جذعة , وخمس وعشرون بنت مخاض , وخمس وعشرون بنت لبون .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن فراس والشيباني , عن الشعبي , عن علي بن أبي طالب , بمثله .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن أبي إسحاق , عن عاصم بن ضمرة , عن علي رضي الله عنه , بنحوه .
* - حدثني واصل بن عبد الأعلى , قال : ثنا ابن فضيل , عن أشعث بن سوار , عن الشعبي , عن علي رضي الله عنه أنه قال : في قتل الخطأ الدية مائة أرباعا , ثم ذكر مثله .
وقال آخرون : هي أخماس : عشرون حقة , وعشرون جذعة , وعشرون بنت لبون , وعشرون ابن لبون , وعشرون بنت مخاض .
ذكر من قال ذلك : 8023 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة عن أبي مجلز , عن أبي عبيدة عن أبيه , عن عبد الله بن مسعود قال : في الخطأ عشرون حقة , وعشرون جذعة , وعشرون بنت لبون , وعشرون ابن لبون , وعشرون بنت مخاض .
* - حدثنا واصل بن عبد الأعلى , قال : ثنا ابن فضيل , عن أشعث , عن عامر , عن عبد الله بن مسعود : في قتل الخطأ مائة من الإبل أخماسا : خمس جذاع , وخمس حقاق , وخمس بنات لبون , وخمس بنات مخاض , وخمس بني مخاض .
* - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا سليمان التيمي , عن أبي مجلز , عن أبي عبيدة عن عبد الله , قال : الدية أخماس دية الخطأ : خمس بنات مخاض , وخمس بنات لبون , وخمس حقاق , وخمس جذاع , وخمس بني مخاض .
واعتل قائل هذه المقالة بحديث : 8024 - حدثنا به أبو هشام الرفاعي , قال : ثنا يحيى بن أبي زائدة وأبو خالد الأحمر , عن حجاج , عن زيد بن جبير , عن الخشف بن مالك , عن عبد الله بن مسعود : أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الدية في الخطأ أخماسا .
قال أبو هشام : قال ابن أبي زائدة : عشرون حقة , وعشرون جذعة , وعشرون ابنة لبون , وعشرون ابنة مخاض , وعشرون ابن مخاض .
* - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا يحيى , عن أبيه , عن أبي إسحاق , عن علقمة , عن عبد الله أنه قضى بذلك .
وقال آخرون : هي أرباع , غير أنها ثلاثون حقة , وثلاثون بنت لبون , وعشرون بنت مخاض , وعشرون ابن لبون ذكور .
ذكر من قال ذلك : 8025 - حدثنا ابن بشار , قال : ثني محمد بن بكر , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن عبد ربه , عن أبي عياض , عن عثمان وزيد بن ثابت قالا : في الخطأ شبه العمد : أربعون جذعة خلفة , وثلاثون حقة , وثلاثون بنت مخاض ; وفي الخطأ : ثلاثون حقة , وثلاثون جذعة , وعشرون بنت مخاض , وعشرون ابن لبون ذكور.
8026 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , عن زيد بن ثابت في دية الخطأ : ثلاثون حقة , وثلاثون بنت لبون , وعشرون بنت مخاض , وعشرون ابن لبون ذكور .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن عثمة , قال : ثنا سعيد بن بشير , عن قتادة , عن عبد ربه , عن أبي عياض , عن عثمان بن عفان رضي الله عنه , قال : وحدثنا سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب عن زيد بن ثابت , مثله .
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن الجميع مجمعون أن في الخطأ المحض على أهل الإبل مائة من الإبل .
ثم اختلفوا في مبالغ أسنانها , وأجمعوا على أنه لا يقصر بها في الذي وجبت له الأسنان عن أقل ما ذكرنا من أسنانها التي حدها الذين ذكرنا اختلافهم فيها , وأنه لا يجاوز بها الذي وجبت عن أعلاها .
وإن كان ذلك من جميعهم إجماعا , فالواجب أن يكون مجزيا من لزمته دية قتل خطأ : أي هذه الأسنان التي اختلف المختلفون فيها أداها إلى من وجبت له , لأن الله تعالى لم يحد ذلك بحد لا يجاوز به ولا يقصر عنه ولا رسوله إلا ما ذكرت من إجماعهم فيما أجمعوا عليه , فإنه ليس للإمام مجاوزة ذلك في الحكم بتقصير ولا زيادة , وله التخيير فيما بين ذلك بما رأى الصلاح فيه للفريقين , وإن كانت عاقلة القاتل من أهل الذهب فإن لورثة القتيل عليهم عندنا ألف دينار , وعليه علماء الأمصار .
وقال بعضهم : ذلك تقويم من عمر رضي الله عنه لإبل على أهل الذهب في عصره , والواجب أن يقوم في كل زمان قيمتها إذا عدم الإبل عاقلة القاتل .
واعتلوا بما : 8027 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن أيوب بن موسى , عن مكحول , قال : كانت الدية ترتفع وتنخفض , فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ثمانمائة دينار , فخشي عمر من بعده , فجعلها اثني عشر ألف درهم أو ألف دينار.
وأما الذين أوجبوها في كل زمان على أهل الذهب ذهبا ألف دينار , فقالوا : ذلك فريضة فرضها الله على لسان رسوله , كما فرض الإبل على أهل الإبل .
قالوا : وفي إجماع علماء الأمصار في كل عصر وزمان إلا من شذ عنهم , على أنها لا تزاد على ألف دينار ولا تنقص عنها , أوضح الدليل على أنها الواجبة على أهل الذهب وجوب الإبل على أهل الإبل , لأنها لو كانت قيمة لمائة من الإبل لاختلف ذلك بالزيادة والنقصان لتغير أسعار الإبل.
وهذا القول هو الحق في ذلك لما ذكرنا من إجماع الحجة عليه .
وأما من الورق على أهل الورق عندنا , فاثنا عشر ألف درهم , وقد بينا العلل في ذلك في كتابنا " كتاب لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام " .
وقال آخرون : إنما على أهل الورق من الورق عشرة آلاف درهم .
وأما دية المعاهد الذي بيننا وبين قومه ميثاق , فإن أهل العلم اختلفوا في مبلغها , فقال بعضهم : ديته ودية الحر المسلم سواء .
ذكر من قال ذلك : 8028 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا بشر بن السري , عن إبراهيم بن سعد , عن الزهري : أن أبا بكر وعثمان رضوان الله عليهما كانا يجعلان دية اليهودي والنصراني إذا كانا معاهدين كدية المسلم .
8029 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا بشر بن السري , عن الدستوائي , عن يحيى بن أبي كثير , عن الحكم بن عيينة : أن ابن مسعود كان يجعل دية أهل الكتاب إذا كانوا أهل ذمة كدية المسلمين .
8030 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن حماد , قال : سألني عبد الحميد عن دية أهل الكتاب , فأخبرته أن إبراهيم قال : إن ديتهم وديتنا سواء .
8031 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا أبو الوليد , قال : ثنا حماد , عن إبراهيم وداود عن الشعبي أنهما قالا : دية اليهودي والنصراني والمجوسي مثل دية الحر المسلم.
8032 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : كان يقال : دية اليهودي والنصراني والمجوسي كدية المسلم إذا كانت له ذمة .
8033 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا ابن أبي نجيح , عن مجاهد وعطاء أنهما قالا : دية المعاهد دية المسلم.
* - حدثنا سوار بن عبد الله , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا المسعودي , عن حماد , عن إبراهيم , أنه قال : دية المسلم والمعاهد سواء .
8034 - حدثني يعقوب , قال : حدثنا ابن علية , عن أيوب , قال : سمعت الزهري يقول : دية الذمي دية المسلم .
8035 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن أشعث , عن عامر قال : دية الذمي مثل دية المسلم .
* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن سعيد بن أبي عروبة , عن أبي معشر , عن إبراهيم مثله .
* - حدثني أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن إبراهيم مثله .
8036 - ثنا عبد الحميد بن بيان , قال : أخبرنا محمد بن يزيد , عن إسماعيل , عن عامر , وبلغه أن الحسن كان يقول : دية المجوسي ثمانمائة ودية اليهودي والنصراني أربعة آلاف , فقال : ديتهم واحدة .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن قيس بن مسلم , عن الشعبي , قال : دية المعاهد والمسلم في كفارتهما سواء .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن إبراهيم , قال : دية المعاهد والمسلم سواء .
وقال آخرون : بل ديته على النصف من دية المسلم .
ذكر من قال ذلك : 8037 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا داود , عن عمرو بن شعيب في دية اليهودي والنصراني قال : جعلها عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصف دية المسلم , ودية المجوسي ثمانمائة .
فقلت لعمرو بن شعيب : إن الحسن يقول : أربعة آلاف , قال : لعله كان ذلك قبل , وقال : إنما جعل دية المجوسي بمنزلة العبد .
8038 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عبد الله الأشجعي , عن سفيان , عن أبي الزناد , عن عمر بن عبد العزيز قال : دية المعاهد على النصف من دية المسلم.
وقال آخرون : بل ديته على الثلث من دية المسلم .
ذكر من قال ذلك : 8039 - حدثني واصل بن عبد الأعلى , قال : ثنا ابن فضيل , عن مطرف , عن أبي عثمان - قال : كان قاضيا لأهل مرو - قال : جعل عمر رضي الله عنه دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف أربعة آلاف .
8040 - حدثنا عمار بن خالد الواسطي , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن الأعمش , عن ثابت , عن سعيد بن المسيب , قال : قال عمر : دية النصراني أربعة آلاف , والمجوسي ثمانمائة .
* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الصمد , قال : ثنا شعبة , عن ثابت , قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : قال عمر : دية أهل الكتاب أربعة آلاف , ودية المجوسي ثمانمائة .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن ثابت , عن سعيد بن المسيب , أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال , فذكر مثله .
8041 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن أبي المليح : أن رجلا من قومه رمى يهوديا أو نصرانيا بسهم فقتله , فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب , فأغرمه ديته أربعة آلاف.
* - وبه عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , قال : قال عمر : دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف , أربعة آلاف .
* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا أصحابنا , عن سعيد بن المسيب , عن عمر مثله .
8042 - قال : ثنا هشيم , عن ابن أبي ليلى , عن عطاء , عن عمر مثله .
8043 - قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا يحيى بن سعيد , عن سليمان بن يسار , أنه قال : دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف , والمجوسي ثمانمائة .
8044 - حدثنا سوار بن عبد الله , قال : ثنا خالد بن الحارث , قال : ثنا عبد الملك , عن عطاء , مثله .
8045 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ , قال : ثنا عبيد , قال : سمعت الضحاك في قوله : { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } الصيام لمن لا يجد رقبة , وأما الدية فواجبة لا يبطلها شيء .فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله القول في تأويل قوله تعالى : { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله } يعني تعالى ذكره بقوله : { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } فمن لم يجد رقبة مؤمنة يحررها كفارة لخطئه في قتله من قتل من مؤمن أو معاهد لعسرته بثمنها , { فصيام شهرين متتابعين } يقول : فعليه صيام شهرين متتابعين .
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم فيه بنحو ما قلنا .
ذكر من قال ذلك : 8046 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } قال : من لم يجد عتقا - أو عتاقة , شك أبو عصام - في قتل مؤمن خطأ , قال : وأنزلت في عياش بن أبي ربيعة قتل مؤمنا خطأ .
وقال آخرون : صوم الشهرين عن الدية والرقبة.
قالوا : وتأويل الآية : فمن لم يجد رقبة مؤمنة ولا دية يسلمها إلى أهلها فعليه صوم شهرين متتابعين .
ذكر من قال ذلك : 8047 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : ثنا ابن المبارك , عن زكريا , عن الشعبي , عن مسروق : أنه سئل عن الآية التي في سورة النساء : { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } صيام الشهرين عن الرقبة وحدها , أو عن الدية والرقبة ؟
فقال : من لم يجد فهو عن الدية والرقبة .
* - حدثنا بن وكيع , قال : ثنا أبي , عن زكريا , عن عامر , عن مسروق بنحوه .
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن الصوم عن الرقبة دون الدية , لأن دية الخطأ على عاقلة القاتل , والكفارة على القاتل بإجماع الحجة على ذلك , نقلا عن نبينا صلى الله عليه وسلم , فلا يقضي صوم صائم عما لزم غيره في ماله .
والمتابعة صوم الشهرين , ولا يقطعه بإفطار بعض أيامه لغير علة حائلة بينه وبين صومه .
ثم قال جل ثناؤه : { توبة من الله وكان الله عليما حكيما } يعني : تجاوزا من الله لكم إلى التيسير عليه بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من فرض تحرير الرقبة المؤمنة إذا أعسرتم بها بإيجابه عليكم صوم شهرين متتابعين.وكان الله عليما حكيما { وكان الله عليما حكيما } يقول : ولم يزل الله عليما بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه وغير ذلك , حكيما بما يقضي فيهم ويريد .
وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيمافيه عشرون مسألة :قوله تعالى : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ هذه آية من أمهات الأحكام .
والمعنى ما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ؛ فقوله : " وما كان " ليس على النفي وإنما هو على التحريم والنهي ، كقوله : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولو كانت على النفي لما وجد مؤمن قتل مؤمنا قط ؛ لأن ما نفاه الله فلا يجوز وجوده ، كقوله تعالى : ما كان لكم أن تنبتوا شجرها .
فلا يقدر العباد أن ينبتوا شجرها أبدا .
وقال قتادة : المعنى ما كان له ذلك في عهد الله .
وقيل : ما كان له ذلك فيما سلف ، كما ليس له الآن ذلك بوجه ، ثم استثنى استثناء منقطعا ليس من الأول وهو الذي يكون فيه " إلا " بمعنى " لكن " والتقدير ما كان [ ص: 269 ] له أن يقتله ألبتة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا ؛ هذا قول سيبويه والزجاج رحمهما الله .
ومن الاستثناء المنقطع قوله تعالى : ما لهم به من علم إلا اتباع الظن : وقال النابغة :وقفت فيها أصيلانا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا الأواري لأيا ما أبينهاوالنؤي كالحوض بالمظلومة الجلدفلما لم تكن " الأواري " من جنس أحد حقيقة لم تدخل في لفظه .
ومثله قول الآخر أبو خراش الهذلي :أمسى سقام خلاء لا أنيس به إلا السباع ومر الريح بالغرفوقال آخر :وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيسوقال آخر :وبعض الرجال نخلة لا جنى لها ولا ظل إلا أن تعد من النخلأنشده سيبويه ؛ ومثله كثير ، ومن أبدعه قول جرير :من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ على الأرض إلا ذيل مرط مرحلكأنه قال : لم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد .
ونزلت الآية بسبب قتل عياش بن أبي ربيعة الحارث بن يزيد بن أبي أنيسة العامري لحنة كانت بينهما ، فلما هاجر الحارث مسلما لقيه عياش فقتله ولم يشعر بإسلامه ، فلما أخبر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إنه قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت ، ولم أشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت الآية .
وقيل : هو استثناء متصل ، أي وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ولا يقتص منه إلا أن يكون خطأ ؛ فلا يقتص منه ؛ ولكن فيه كذا وكذا .
ووجه آخر وهو أن يقدر كان بمعنى استقر ووجد ؛ كأنه قال : وما وجد [ ص: 270 ] وما تقرر وما ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إذ هو مغلوب فيه أحيانا ؛ فيجيء الاستثناء على هذين التأويلين غير منقطع .
وتتضمن الآية على هذا إعظام العمد وبشاعة شأنه ؛ كما تقول : ما كان لك يا فلان أن تتكلم بهذا إلا ناسيا ؟
إعظاما للعمد والقصد مع حظر الكلام به ألبتة .وقيل : المعنى ولا خطأ .
قال النحاس : ولا يجوز أن تكون إلا بمعنى الواو ، ولا يعرف ذلك في كلام العرب ولا يصح في المعنى ؛ لأن الخطأ لا يحظر .
ولا يفهم من دليل خطابه جواز قتل الكافر المسلم فإن المسلم محترم الدم ، وإنما خص المؤمن بالذكر تأكيدا لحنانه وأخوته وشفقته وعقيدته .
وقرأ الأعمش " خطاء " ممدودا في المواضع الثلاثة .
ووجوه الخطأ كثيرة لا تحصى يربطها عدم القصد ؛ مثل أن يرمي صفوف المشركين فيصيب مسلما .
أو يسعى بين يديه من يستحق القتل من زان أو محارب أو مرتد فطلبه ليقتله فلقي غيره فظنه هو فقتله فذلك خطأ .
أو يرمي إلى غرض فيصيب إنسانا أو ما جرى مجراه ؛ وهذا مما لا خلاف فيه .
والخطأ اسم من أخطأ خطأ وإخطاء إذا لم يصنع عن تعمد ؛ فالخطأ الاسم يقوم مقام الإخطاء .
ويقال لمن أراد شيئا ففعل غيره : أخطأ ، ولمن فعل غير الصواب : أخطأ .
قال ابن المنذر : قال الله تبارك وتعالى : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إلى قوله تعالى : ودية مسلمة إلى أهله فحكم الله جل ثناؤه في المؤمن يقتل خطأ بالدية ، وثبتت السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وأجمع أهل العلم على القول به .الثانية : ذهب داود إلى القصاص بين الحر والعبد في النفس ، وفي كل ما يستطاع القصاص فيه من الأعضاء ؛ تمسكا بقوله تعالى : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس إلى قوله تعالى : والجروح قصاص ، وقوله عليه السلام : المسلمون تتكافأ دماؤهم فلم يفرق بين حر وعبد ؛ وهو قول ابن أبي ليلى .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا قصاص بين الأحرار والعبيد إلا في النفس فيقتل الحر بالعبد ، كما يقتل العبد بالحر ، ولا قصاص بينهما في شيء من الجراح والأعضاء .
وأجمع العلماء على أن قوله تعالى : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ أنه لم يدخل فيه العبيد ، وإنما أريد به الأحرار دون العبيد ؛ فكذلك قوله عليه السلام : المسلمون تتكافأ دماؤهم أريد به الأحرار خاصة .
والجمهور على ذلك وإذا لم يكن قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفس فالنفس أحرى بذلك ؛ وقد مضى هذا في " البقرة " .[ ص: 271 ] الثالثة : ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة أي فعليه تحرير رقبة ؛ هذه الكفارة التي أوجبها الله تعالى في كفارة القتل والظهار أيضا على ما يأتي .
واختلف العلماء فيما يجزئ منها ، فقال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وغيرهم : الرقبة المؤمنة هي التي صلت وعقلت الإيمان ، لا تجزئ في ذلك الصغيرة ، وهو الصحيح في هذا الباب قال عطاء بن أبي رباح : يجزئ الصغير المولود بين مسلمين .
وقال جماعة منهم مالك والشافعي : يجزئ كل من حكم له بحكم في الصلاة عليه إن مات ودفنه .
وقال مالك : من صلى وصام أحب إلي .
ولا يجزئ في قول كافة العلماء أعمى ولا مقعد ولا مقطوع اليدين أو الرجلين ولا أشلهما ، ويجزئ عند أكثرهم الأعرج والأعور .
قال مالك : إلا أن يكون عرجا شديدا .
ولا يجزئ عند مالك والشافعي وأكثر العلماء أقطع إحدى اليدين أو إحدى الرجلين ، ويجزئ عند أبي حنيفة وأصحابه .
ولا يجزئ عند أكثرهم المجنون المطبق ولا يجزئ عند مالك الذي يجن ويفيق ، ويجزئ عند الشافعي .
ولا يجزئ عند مالك المعتق إلى سنين ، ويجزئ عند الشافعي .
ولا يجزئ المدبر عند مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي ، ويجزئ في قول الشافعي وأبي ثور ، واختاره ابن المنذر .
وقال مالك : لا يصح من أعتق بعضه ؛ لقوله تعالى : فتحرير رقبة .
ومن أعتق البعض لا يقال حرر رقبة وإنما حرر بعضها .
واختلفوا أيضا في معناها فقيل : أوجبت تمحيصا وطهورا لذنب القاتل ، وذنبه ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم .
وقيل : أوجبت بدلا من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل ، فإنه كان له في نفسه حق وهو التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل له تصرف الأحياء .
وكان لله سبحانه فيه حق ، وهو أنه كان عبدا من عباده يجب له من أمر العبودية صغيرا كان أو كبيرا حرا كان أو عبدا مسلما كان أو ذميا ما يتميز به عن البهائم والدواب ، ويرتجى مع ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه ، فلم يخل قاتله من أن يكون فوت منه الاسم الذي ذكرنا ، والمعنى الذي وصفنا ، فلذلك ضمن الكفارة .
وأي واحد من هذين المعنيين كان ، ففيه بيان أن النص وإن وقع على القاتل خطأ فالقاتل عمدا مثله ، بل أولى بوجوب الكفارة عليه منه ، على ما يأتي بيانه ، والله أعلم .الرابعة : قوله تعالى : ودية مسلمة الدية ما يعطى عوضا عن دم القتيل إلى وليه .
مسلمة مدفوعة مؤداة ، ولم يعين الله في كتابه ما يعطى في الدية ، وإنما في الآية إيجاب الدية مطلقا ، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على القاتل ، وإنما أخذ ذلك من السنة ، ولا شك أن إيجاب المواساة على العاقلة خلاف قياس الأصول في الغرامات وضمان المتلفات ، والذي وجب على العاقلة لم يجب تغليظا ، ولا أن وزر القاتل عليهم ولكنه مواساة محضة .[ ص: 272 ] واعتقد أبو حنيفة أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل ديوانه .
وثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدية مائة من الإبل ، ووداها صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن سهل المقتول بخيبر لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن ، فكان ذلك بيانا على لسان نبيه عليه السلام لمجمل كتابه .
وأجمع أهل العلم على أن على أهل الإبل مائة من الإبل واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل ؛ فقالت طائفة : على أهل الذهب ألف دينار ، وهم أهل الشام ومصر والمغرب ؛ هذا قول مالك وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه ، في القديم .
وروي هذا عن عمر وعروة بن الزبير وقتادة .
وأما أهل الورق فاثنا عشر ألف درهم ، وهم أهل العراق وفارس وخراسان ؛ هذا مذهب مالك على ما بلغه عن عمر أنه قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم .
وقال المزني : قال الشافعي الدية الإبل ؛ فإن أعوزت فقيمتها بالدراهم والدنانير على ما قومها عمر ألف دينار على أهل الذهب واثنا عشر ألف درهم على أهل الورق .
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري : الدية من الورق عشرة آلاف درهم .
رواه الشعبي عن عبيدة عن عمر أنه جعل الدية على أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الشاء ألف شاة ، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل ، وعلى أهل الحلل مائتي حلة .
قال أبو عمر : في هذا الحديث ما يدل على أن الدنانير والدراهم صنف من أصناف الدية لا على وجه البدل والقيمة ؛ وهو الظاهر من الحديث عن عثمان وعلي وابن عباس .
وخالف أبو حنيفة ما رواه عن عمر في البقر والشاء والحلل .
وبه قال عطاء وطاوس وطائفة من التابعين ، وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين .
قال ابن المنذر : وقالت طائفة : دية الحر المسلم مائة من الإبل لا دية غيرها كما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم .
هذا قول الشافعي وبه قال طاوس .
قال ابن المنذر : دية الحر المسلم مائة من الإبل في كل زمان ، كما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم .
واختلفت الروايات عن عمر رضي الله عنه في أعداد الدراهم وما منها شيء يصح عنه لأنها مراسيل ، وقد عرفتك مذهب الشافعي وبه نقول .الخامسة : واختلف الفقهاء في أسنان دية الإبل ؛ فروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل : ثلاثون بنت مخاض ، وثلاثون بنت لبون ، وثلاثون حقة ، وعشر بني لبون .
قال الخطابي : هذا الحديث لا أعرف أحدا قال به من الفقهاء ، وإنما قال أكثر العلماء : دية الخطأ أخماس .
كذا [ ص: 273 ] قال أصحاب الرأي والثوري ، وكذلك مالك وابن سيرين وأحمد بن حنبل إلا أنهم اختلفوا في الأصناف ؛ قال أصحاب الرأي وأحمد : خمس بنو مخاض ، وخمس بنات مخاض ، وخمس بنات لبون ، وخمس حقاق ، وخمس جذاع .
وروي هذا القول عن ابن مسعود .
وقال مالك والشافعي : خمس حقاق ، وخمس جذاع ، وخمس بنات لبون ، وخمس بنات مخاض ، وخمس بنو لبون .
وحكي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والزهري وربيعة والليث بن سعد .
قال الخطابي : ولأصحاب الرأي فيه أثر ، إلا أن راويه عبد الله بن خشف بن مالك وهو مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث .
وعدل الشافعي عن القول به .
لما ذكرنا من العلة في راويه ، ولأن فيه بني مخاض ولا مدخل لبني مخاض في شيء من أسنان الصدقات .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة القسامة أنه ودى قتيل خيبر مائة من إبل الصدقة وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض .
قال أبو عمر : وقد روى زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الدية في الخطأ أخماسا ، إلا أن هذا لم يرفعه إلا خشف بن مالك الكوفي الطائي وهو مجهول ؛ لأنه لم يروه عنه إلا زيد بن جبير بن حرمل الطائي الجشمي من بني جشم بن معاوية أحد ثقات الكوفيين .قلت : قد ذكر الدارقطني في سننه حديث خشف بن مالك من رواية حجاج بن أرطأة عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود قال : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ مائة من الإبل ؛ منها عشرون حقة ، وعشرون جذعة ، وعشرون بنات لبون ، وعشرون بنات مخاض ، وعشرون بني مخاض .
قال الدارقطني : " هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عدة ؛ أحدها أنه مخالف لما رواه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه بالسند الصحيح عنه ، الذي لا مطعن فيه ولا تأويل عليه ، وأبو عبيدة أعلم بحديث أبيه وبمذهبه وفتياه من خشف بن مالك ونظرائه ، وعبد الله بن مسعود أتقى لربه وأشح على دينه من أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقضي بقضاء ويفتي هو بخلافه ؛ هذا لا يتوهم مثله على عبد الله بن مسعود وهو القائل في مسألة وردت عليه لم يسمع فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ولم يبلغه عنه فيها قول : أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله ورسوله ، وإن يكن خطأ فمني ؛ ثم بلغه بعد ذلك أن فتياه فيها وافق قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثلها ، فرآه أصحابه عند ذلك فرح فرحا شديدا لم يروه فرح مثله ، لموافقة فتياه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فمن كانت هذه صفته وهذا حاله فكيف يصح عنه أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ويخالفه .[ ص: 274 ] ووجه آخر : وهو أن الخبر المرفوع الذي فيه ذكر بني المخاض لا نعلمه رواه إلا خشف بن مالك عن ابن مسعود وهو رجل مجهول لم يروه عنه إلا زيد بن جبير بن حرمل الجشمي وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف ، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه عدلا مشهورا ، أو رجلا قد ارتفع عنه اسم الجهالة ، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعدا ؛ فإذا كانت هذه صفته ارتفع عنه حينئذ اسم الجهالة ، وصار حينئذ معروفا .
فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد وانفرد بخبر وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه عليه غيره .
والله أعلم .ووجه آخر : وهو أن حديث خشف بن مالك لا نعلم أحدا رواه عن زيد بن جبير عنه إلا الحجاج بن أرطأة ، والحجاج رجل مشهور بالتدليس وبأنه يحدث عمن لم يلقه ولم يسمع منه ؛ وترك الرواية عنه سفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وعيسى بن يونس بعد أن جالسوه وخبروه ، وكفاك بهم علما بالرجل ونبلا .
وقال يحيى بن معين : حجاج بن أرطأة لا يحتج بحديثه .
وقال عبد الله بن إدريس : سمعت الحجاج يقول لا ينبل الرجل حتى يدع الصلاة في الجماعة .
وقال عيسى بن يونس : سمعت الحجاج يقول : أخرج إلى الصلاة يزاحمني الحمالون والبقالون .
وقال جرير : سمعت الحجاج يقول : أهلكني حب المال والشرف .
وذكر أوجها أخر ؛ منها أن جماعة من الثقات رووا هذا الحديث عن الحجاج بن أرطأة فاختلفوا عليه فيه .
إلى غير ذلك مما يطول ذكره ؛ وفيما ذكرناه مما ذكروه كفاية ودلالة على ضعف ما ذهب إليه الكوفيون في الدية ، وإن كان ابن المنذر مع جلالته قد اختاره على ما يأتي .
وروى حماد بن سلمة حدثنا سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أبي عبيدة أن ابن مسعود قال : دية الخطأ خمسة أخماس : عشرون حقة ، وعشرون جذعة ، وعشرون بنات مخاض ، وعشرون بنات لبون ، وعشرون بني لبون ذكور .
قال الدارقطني : هذا إسناد حسن ورواته ثقات ، وقد روي عن علقمة عن عبد الله نحو هذا .قلت : وهذا هو مذهب مالك والشافعي أن الدية تكون مخمسة .
قال الخطابي : وقد روي عن نفر من العلماء أنهم قالوا دية الخطأ أرباع ؛ وهم الشعبي والنخعي والحسن البصري ، وإليه ذهب إسحاق بن راهويه ؛ إلا أنهم قالوا : خمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون بنات مخاض .
وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب .
قال أبو عمر : أما قول مالك والشافعي فروي عن سليمان بن يسار وليس فيه عن صحابي شيء ؛ ولكن عليه عمل أهل المدينة .
وكذلك حكى ابن جريج عن ابن شهاب .[ ص: 275 ] قلت : قد ذكرنا عن ابن مسعود ما يوافق ما صار إليه مالك والشافعي .
قال أبو عمر : وأسنان الإبل في الديات لم تؤخذ قياسا ولا نظرا ، وإنما أخذت اتباعا وتسليما ، وما أخذ من جهة الأثر فلا مدخل فيه للنظر ؛ فكل يقول بما قد صح عنده من سلفه ؛ رضي الله عنهم أجمعين .قلت : وأما ما حكاه الخطابي من أنه لا يعلم من قال بحديث عمرو بن شعيب فقد حكاه ابن المنذر عن طاوس ومجاهد ، إلا أن مجاهدا جعل مكان بنت مخاض ثلاثين جذعة .
قال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول .
يريد قول عبد الله وأصحاب الرأي الذي ضعفه الدارقطني والخطابي ، وابن عبد البر قال : لأنه الأقل مما قيل ؛ وبحديث مرفوع رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم يوافق هذا القول .قلت : وعجبا لابن المنذر ؟
مع نقده واجتهاده كيف قال بحديث لم يوافقه أهل النقد على صحته !
لكن الذهول والنسيان قد يعتري الإنسان ، وإنما الكمال لعزة ذي الجلال .السادسة : ثبتت الأخبار عن النبي المختار محمد صلى الله عليه وسلم أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة ، وأجمع أهل العلم على القول به .
وفي إجماع أهل العلم أن الدية في الخطأ على العاقلة دليل على أن المراد من قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي رمثة حيث دخل عليه ومعه ابنه : إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه العمد دون الخطأ .
وأجمعوا على أن ما زاد على ثلث الدية على العاقلة .
واختلفوا في الثلث ؛ والذي عليه جمهور العلماء أن العاقلة لا تحمل عمدا ولا اعترافا ولا صلحا ، ولا تحمل من دية الخطأ إلا ما جاوز الثلث وما دون الثلث في مال الجاني .
وقالت طائفة : عقل الخطأ على عاقلة الجاني ، قلت الجناية أو كثرت ؛ لأن من غرم الأكثر غرم الأقل .
كما عقل العمد في مال الجاني قل أو كثر ؛ هذا قول الشافعي .السابعة : وحكمها أن تكون منجمة على العاقلة ، والعاقلة العصبة .
وليس ولد المرأة إذا كان من غير عصبتها من العاقلة .
ولا الإخوة من الأم بعصبة لإخوتهم من الأب والأم ، فلا يعقلون عنهم شيئا .
وكذلك الديوان لا يكون عاقلة في قول جمهور أهل الحجاز .
وقال الكوفيون : يكون عاقلة إن كان من أهل الديوان ؛ فتنجم الدية على العاقلة في ثلاثة أعوام على ما قضاه عمر وعلي ؛ لأن الإبل قد تكون حوامل فتضر به .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيها دفعة واحدة لأغراض ؛ منها أنه كان يعطيها صلحا وتسديدا .
ومنها أنه كان يعجلها تأليفا .
فلما تمهد الإسلام قدرتها الصحابة على هذا النظام ؛ قاله ابن العربي .
وقال أبو عمر : أجمع العلماء [ ص: 276 ] قديما وحديثا أن الدية على العاقلة لا تكون إلا في ثلاث سنين ولا تكون في أقل منها .
وأجمعوا على أنها على البالغين من الرجال .
وأجمع أهل السير والعلم أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام ، وكانوا يتعاقلون بالنصرة ؛ ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك حتى جعل الديوان .
واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به .
وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا زمن أبي بكر ديوان ، وأن عمر جعل الديوان وجمع بين الناس ، وجعل أهل كل ناحية يدا ، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو .الثامنة : قلت : ومما ينخرط في سلك هذا الباب ويدخل في نظامه قتل الجنين في بطن أمه ؛ وهو أن يضرب بطن أمه فتلقيه حيا ثم يموت ؛ فقال كافة العلماء : فيه الدية كاملة في الخطأ وفي العمد بعد القسامة .
وقيل : بغير قسامة .
واختلفوا فيما به تعلم حياته بعد اتفاقهم على أنه إذا استهل صارخا أو ارتضع أو تنفس نفسا محققة حي ، فيه الدية كاملة ؛ فإن تحرك فقال الشافعي وأبو حنيفة : الحركة تدل على حياته .
وقال مالك : لا ، إلا أن يقارنها طول إقامة .
والذكر والأنثى عند كافة العلماء في الحكم سواء .
فإن ألقته ميتا ففيه غرة : عبد أو وليدة .
فإن لم تلقه وماتت وهو في جوفها لم يخرج فلا شيء فيه .
وهذا كله إجماع لا خلاف فيه .
وروي عن الليث بن سعد وداود أنهما قالا في المرأة إذا ماتت من ضرب بطنها ثم خرج الجنين ميتا بعد موتها : ففيه الغرة ، وسواء رمته قبل موتها أو بعد موتها ؛ المعتبر حياة أمه في وقت ضربها لا غير .
وقال سائر الفقهاء : لا شيء فيه إذا خرج ميتا من بطنها بعد موتها .
قال الطحاوي محتجا لجماعة الفقهاء بأن قال : قد أجمعوا والليث معهم على أنه لو ضرب بطنها وهي حية فماتت والجنين في بطنها ولم يسقط أنه لا شيء فيه ؛ فكذلك إذا سقط بعد موتها .التاسعة : ولا تكون الغرة إلا بيضاء .
قال أبو عمرو بن العلاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : في الجنين غرة عبد أو أمة - لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد بالغرة معنى لقال : في الجنين عبد أو أمة ، ولكنه عنى البياض ؛ فلا يقبل في الدية إلا غلام أبيض أو جارية بيضاء ، لا يقبل فيها أسود ولا سوداء .
واختلف العلماء في قيمتها ؛ فقال مالك : تقوم بخمسين دينارا أو ستمائة درهم ؛ نصف عشر دية الحر المسلم ، وعشر دية أمه الحرة ؛ وهو قول ابن شهاب وربيعة وسائر أهل المدينة .
وقال أصحاب الرأي : قيمتها خمسمائة درهم .
وقال الشافعي : سن الغرة سبع سنين أو ثمان سنين ؛ وليس عليه أن يقبلها معيبة .
ومقتضى مذهب مالك أنه مخير بين إعطاء غرة أو عشر دية الأم ، من الذهب عشرون دينارا إن كانوا أهل ذهب ، ومن الورق - إن كانوا أهل ورق - [ ص: 277 ] ستمائة درهم ، أو خمس فرائض من الإبل .
قال مالك وأصحابه : هي في مال الجاني ؛ وهو قول الحسن بن حي .
وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما ، هي على العاقلة .
وهو أصح ؛ لحديث المغيرة بن شعبة أن امرأتين كانتا تحت رجلين من الأنصار - في رواية فتغايرتا - فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها ، فاختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجلان فقالا : ندي من لا صاح ولا أكل ، ولا شرب ولا استهل فمثل ذلك يطل ؟
!
فقال : أسجع كسجع الأعراب ؟
فقضى فيه غرة وجعلها على عاقلة المرأة .
وهو حديث ثابت صحيح ، نص في موضع الخلاف يوجب الحكم .
ولما كانت دية المرأة المضروبة على العاقلة كان الجنين كذلك في القياس والنظر .
واحتج علماؤنا بقول الذي قضي عليه : كيف أغرم ؟
قالوا : وهذا يدل على أن الذي قضي عليه معين وهو الجاني .
ولو أن دية الجنين قضى بها على العاقلة لقال : فقال الذي قضى عليهم .
وفي القياس أن كل جان جنايته عليه ، إلا ما قام بخلافه الدليل الذي لا معارض له ؛ مثل إجماع لا يجوز خلافه ، أو نص سنة من جهة نقل الآحاد العدول لا معارض لها ، فيجب الحكم بها ، وقد قال الله تعالى : ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرىالعاشرة : ولا خلاف بين العلماء أن الجنين إذا خرج حيا فيه الكفارة مع الدية .
واختلفوا في الكفارة إذا خرج ميتا ؛ قال مالك : فيه الغرة والكفارة .
وقال أبو حنيفة والشافعي : فيه الغرة ولا كفارة .
واختلفوا في ميراث الغرة عن الجنين ؛ فقال مالك والشافعي وأصحابهما : الغرة في الجنين موروثة عن الجنين على كتاب الله تعالى ؛ لأنها دية .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : الغرة للأم وحدها ؛ لأنها جناية جني عليها بقطع عضو من أعضائها وليست بدية .
ومن الدليل على ذلك أنه لم يعتبر فيه الذكر والأنثى كما يلزم في الديات ، فدل على أن ذلك كالعضو .
وكان ابن هرمز يقول : ديته لأبويه خاصة ؛ لأبيه ثلثاها ولأمه ثلثها ، من كان منهما حيا كان ذلك له ، فإن كان أحدهما قد مات كانت للباقي منهما أبا كان أو أما ، ولا يرث الإخوة شيئا .الحادية عشرة : قوله تعالى : إلا أن يصدقوا أصله " أن يتصدقوا " فأدغمت التاء في الصاد .
والتصدق الإعطاء ؛ يعني إلا أن يبرئ الأولياء ورثة المقتول القاتلين مما أوجب لهم من الدية عليهم .
فهو استثناء ليس من الأول .
وقرأ أبو عبد الرحمن ونبيح " إلا أن تصدقوا " بتخفيف الصاد والتاء .
وكذلك قرأ أبو عمرو ، إلا أنه شدد الصاد .
ويجوز على هذه القراءة [ ص: 278 ] حذف التاء الثانية ، ولا يجوز حذفها على قراءة الياء .
وفي حرف أبي وابن مسعود " إلا أن يتصدقوا " وأما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم ؛ لأنه أتلف شخصا في عبادة الله سبحانه ، فعليه أن يخلص آخر لعبادة ربه وإنما تسقط الدية التي هي حق لهم .
وتجب الكفارة في مال الجاني ولا تتحمل .الثانية عشرة : قوله تعالى : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن هذه مسألة المؤمن يقتل في بلاد الكفار أو في حروبهم على أنه من الكفار .
والمعنى عند ابن عباس وقتادة والسدي وعكرمة ومجاهد والنخعي : فإن كان هذا المقتول رجلا مؤمنا قد أمن وبقي في قومه وهم كفرة عدو لكم فلا دية فيه ؛ وإنما كفارته تحرير الرقبة .
وهو المشهور من قول مالك ، وبه قال أبو حنيفة .
وسقطت الدية لوجهين : أحدهما : أن أولياء القتيل كفار فلا يصح أن تدفع إليهم فيتقووا بها .
والثاني : أن حرمة هذا الذي آمن ولم يهاجر قليلة ، فلا دية ؛ لقوله تعالى : والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا .
وقالت طائفة : بل الوجه في سقوط الدية أن الأولياء كفار فقط ؛ فسواء كان القتل خطأ بين أظهر المسلمين أو بين قومه ولم يهاجر أو هاجر ثم رجع إلى قومه كفارته التحرير ولا دية فيه ، إذ لا يصح دفعها إلى الكفار ، ولو وجبت الدية لوجبت لبيت المال على بيت المال ؛ فلا تجب الدية في هذا الموضع وإن جرى القتل في بلاد الإسلام .
هذا قول الشافعي وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو ثور .
وعلى القول الأول إن قتل المؤمن في بلاد المسلمين وقومه حرب ففيه الدية لبيت المال والكفارة .قلت : ومن هذا الباب ما جاء في صحيح مسلم عن أسامة قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا فقال : لا إله إلا الله ؛ فطعنته فوقع في نفسي من ذلك ، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقال لا إله إلا الله وقتلته !
قال : قلت يا رسول الله ، إنما قالها خوفا من السلاح ؛ قال : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ؟
.
فلم يحكم عليه صلى الله عليه وسلم بقصاص ولا دية .
وروي عن أسامة أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي بعد ثلاث مرات ، وقال : أعتق رقبة ولم يحكم بقصاص ولا دية .
فقال علماؤنا : أما سقوط القصاص فواضح إذ لم يكن القتل عدوانا ؛ وأما سقوط الدية فلأوجه ثلاثة :الأول : لأنه كان أذن له في أصل القتال فكان عنه إتلاف نفس محترمة غلطا كالخاتن [ ص: 279 ] والطبيب .الثاني : لكونه من العدو ولم يكن له ولي من المسلمين تكون له ديته ؛ لقوله تعالى : فإن كان من قوم عدو لكم كما ذكرنا .الثالث : أن أسامة اعترف بالقتل ولم تقم بذلك بينة ولا تعقل العاقلة اعترافا ، ولعل أسامة لم يكن له مال تكون فيه الدية .
والله أعلم .الثالثة عشرة : قوله تعالى : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق هذا في الذمي والمعاهد يقتل خطأ فتجب الدية والكفارة ؛ قاله ابن عباس والشعبي والنخعي والشافعي .
واختاره الطبري قال : إلا أن الله سبحانه وتعالى أبهمه ولم يقل وهو مؤمن ، كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب .
وإطلاقه ما قيد قبل يدل على أنه خلافه .
وقال الحسن وجابر بن زيد وإبراهيم أيضا : المعنى وإن كان المقتول خطأ مؤمنا من قوم معاهدين لكم فعهدهم يوجب أنهم أحق بدية صاحبهم ، فكفارته التحرير وأداء الدية .
وقرأها الحسن : " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمن " .
قال الحسن : إذا قتل المسلم الذمي فلا كفارة عليه .
قال أبو عمر : وأما الآية فمعناها عند أهل الحجاز مردود على قوله : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ثم قال تعالى : وإن كان من قوم يريد ذلك المؤمن .
والله أعلم .
قال ابن العربي : والذي عندي أن الجملة محمولة حمل المطلق على المقيد .قلت : وهذا معنى ما قال الحسن وحكاه أبو عمر عن أهل الحجاز .
وقوله فدية مسلمة على لفظ النكرة ليس يقتضي دية بعينها .
وقيل : هذا في مشركي العرب الذين كان بينهم وبين النبي عليه السلام عهد على أن يسلموا أو يؤذنوا بحرب إلى أجل معلوم : فمن قتل منهم وجبت فيه الدية والكفارة ثم نسخ بقوله تعالى : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركينالرابعة عشرة : وأجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل ؛ قال أبو عمر : إنما صارت ديتها - والله أعلم - على النصف من دية الرجل من أجل أن لها نصف ميراث الرجل ، وشهادة امرأتين بشهادة رجل .
وهذا إنما هو في دية الخطأ ، وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء لقوله عز وجل : النفس بالنفس .
و الحر بالحر كما تقدم في " البقرة " .[ ص: 280 ] الخامسة عشرة : روى الدارقطني من حديث موسى بن علي بن رباح اللخمي قال : سمعت أبي يقول إن أعمى كان ينشد في الموسم في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقول :يا أيها الناس لقيت منكرا هل يعقل الأعمى الصحيح المبصراخرا معا كلاهما تكسراوذلك أن الأعمى كان يقوده بصير فوقعا في بئر ، فوقع الأعمى على البصير فمات البصير ؛ فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى .
وقد اختلف العلماء في رجل يسقط على آخر فيموت أحدهما ؛ فروي عن ابن الزبير : يضمن الأعلى الأسفل ، ولا يضمن الأسفل الأعلى .
وهذا قول شريح والنخعي وأحمد وإسحاق .
وقال مالك في رجلين جر أحدهما صاحبه حتى سقطا وماتا : على عاقلة الذي جبذه الدية .
قال أبو عمر : ما أظن في هذا خلافا - والله أعلم - إلا ما قال بعض المتأخرين من أصحابنا وأصحاب الشافعي : يضمن نصف الدية ؛ لأنه مات من فعله ، ومن سقوط الساقط عليه .
وقال الحكم وابن شبرمة : إن سقط رجل على رجل من فوق بيت فمات أحدهما ، قالا : يضمن الحي منهما .
وقال الشافعي في رجلين يصدم أحدهما الآخر فماتا ، قال : دية المصدوم على عاقلة الصادم ، ودية الصادم هدر .
وقال في الفارسين إذا اصطدما فماتا : على كل واحد منهما نصف دية صاحبه ؛ لأن كل واحد منهما مات من فعل نفسه وفعل صاحبه ؛ وقال عثمان البتي وزفر .
وقال مالك والأوزاعي والحسن بن حي وأبو حنيفة وأصحابه في الفارسين يصطدمان فيموتان : على كل واحد منهما دية الآخر على عاقلته .
قال ابن خويز منداد : وكذلك عندنا السفينتان تصطدمان إذا لم يكن النوتي صرف السفينة ولا الفارس صرف الفرس .
وروي عن مالك في السفينتين والفارسين .
على كل واحد منهما الضمان لقيمة ما أتلف لصاحبه كاملا .السادسة عشرة : واختلف العلماء من هذا الباب في تفصيل دية أهل الكتاب ؛ فقال مالك وأصحابه : هي على النصف من دية المسلم ، ودية المجوسي ثمانمائة درهم ، ودية نسائهم على النصف من ذلك .
روي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وعمرو بن شعيب وقال به أحمد بن حنبل .
وهذا المعنى قد روى فيه سليمان بن بلال ، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية اليهودي والنصراني على النصف من دية المسلم .
وعبد الرحمن هذا قد روى عنه الثوري أيضا .
وقال ابن عباس والشعبي والنخعي : المقتول من أهل العهد خطأ لا [ ص: 281 ] تبالي مؤمنا كان أو كافرا على عهد قومه فيه الدية كدية المسلم ؛ وهو قول أبي حنيفة والثوري وعثمان البتي والحسن بن حي ؛ جعلوا الديات كلها سواء ، المسلم واليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد والذمي ، وهو قول عطاء والزهري وسعيد بن المسيب .
وحجتهم قوله تعالى : فدية وذلك يقتضي الدية كاملة كدية المسلم .
وعضدوا هذا بما رواه محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قصة بني قريظة والنضير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ديتهم سواء دية كاملة .
قال أبو عمر : هذا حديث فيه لين وليس في مثله حجة .
وقال الشافعي : دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم ، ودية المجوسي ثمانمائة درهم ؛ وحجته أن ذلك أقل ما قيل في ذلك ، والذمة بريئة إلا بيقين أو حجة .
وروي هذا القول عن عمر وعثمان ، وبه قال ابن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وعمرو بن دينار وأبو ثور وإسحاق .السابعة عشرة : قوله تعالى : فمن لم يجد أي الرقبة ولا اتسع ماله لشرائها .
فصيام شهرين أي فعليه صيام شهرين .
متتابعين حتى لو أفطر يوما استأنف ؛ هذا قول الجمهور .
وقال مكي عن الشعبي : إن صيام الشهرين يجزئ عن الدية والعتق لمن لم يجد .
قال ابن عطية : وهذا القول وهم ؛ لأن الدية إنما هي على العاقلة وليست على القاتل .
والطبري حكى هذا القول عن مسروق .الثامنة عشرة : والحيض لا يمنع التتابع من غير خلاف ، وإنها إذا طهرت ولم تؤخر وصلت باقي صيامها بما سلف منه ، لا شيء عليها غير ذلك إلا أن تكون طاهرا قبل الفجر فتترك صيام ذلك اليوم عالمة بطهرها ، فإن فعلت استأنفت عند جماعة من العلماء ؛ قاله أبو عمر .
واختلفوا في المريض الذي قد صام من شهري التتابع بعضها على قولين ؛ فقال مالك : وليس لأحد وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كتاب الله تعالى أن يفطر إلا من عذر أو مرض أو حيض ، وليس له أن يسافر فيفطر .
وممن قال يبني في المرض سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة وطاوس .
وقال سعيد بن جبير والنخعي والحكم بن عيينة وعطاء الخراساني : يستأنف في المرض ؛ وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والحسن بن حي ؛ وأحد قولي الشافعي ؛ وله قول آخر : أنه يبني كما قال مالك .
وقال ابن شبرمة : يقضي ذلك اليوم وحده إن كان عذر غالب ، كصوم رمضان .
قال أبو عمر : حجة من قال يبني لأنه معذور في قطع التتابع لمرضه ولم يتعمد ، وقد تجاوز الله عن غير المتعمد .
وحجة من قال يستأنف لأن التتابع فرض لا يسقط لعذر ، وإنما يسقط المأثم ؛ قياسا على الصلاة ؛ لأنها ركعات متتابعات فإذا قطعها عذرا استأنف ولم يبن .[ ص: 282 ] التاسعة عشرة : قوله تعالى : توبة من الله نصب على المصدر ، ومعناه رجوعا .
وإنما مست حاجة المخطئ إلى التوبة لأنه لم يتحرز وكان من حقه أن يتحفظ .
وقيل : أي فليأت بالصيام تخفيفا من الله تعالى عليه بقبول الصوم بدلا عن الرقبة ؛ ومنه قوله تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم أي خفف ، وقوله تعالى : علم أن لن تحصوه فتاب عليكم .الموفية عشرين : وكان الله أي في أزله وأبده .
عليما بجميع المعلومات حكيما فيما حكم وأبرم .
هذه الصيغة من صيغ الامتناع، أي: يمتنع ويستحيل أن يصدر من مؤمن قتل مؤمن، أي: متعمدا، وفي هذا الإخبارُ بشدة تحريمه وأنه مناف للإيمان أشد منافاة، وإنما يصدر ذلك إما من كافر، أو من فاسق قد نقص إيمانه نقصا عظيما، ويخشى عليه ما هو أكبر من ذلك، فإن الإيمان الصحيح يمنع المؤمن من قتل أخيه الذي قد عقد الله بينه وبينه الأخوة الإيمانية التي من مقتضاها محبته وموالاته، وإزالة ما يعرض لأخيه من الأذى، وأي أذى أشد من القتل؟
وهذا يصدقه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" فعلم أن القتل من الكفر العملي وأكبر الكبائر بعد الشرك بالله.
ولما كان قوله: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا } لفظا عاما لجميع الأحوال، وأنه لا يصدر منه قتل أخيه بوجه من الوجوه، استثنى تعالى قتل الخطأ فقال: { إِلَّا خَطَأً } فإن المخطئ الذي لا يقصد القتل غير آثم، ولا مجترئ على محارم الله، ولكنه لما كان قد فعل فعلاً شنيعًا وصورته كافية في قبحه وإن لم يقصده أمر تعالى بالكفارة والدية فقال: { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً } سواء كان القاتل ذكرًا أو أنثى حرًّا أو عبدًا، صغيرًا أو كبيرًا، عاقلاً أو مجنونًا، مسلمًا أو كافرًا، كما يفيده لفظ "مَنْ" الدالة على العموم وهذا من أسرار الإتيان بـ "مَنْ" في هذا الموضع، فإن سياق الكلام يقتضي أن يقول: فإن قتله، ولكن هذا لفظ لا يشمل ما تشمله "مَنْ" وسواء كان المقتول ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، كما يفيده التنكير في سياق الشرط، فإن على القاتل { تحرير رقبة مؤمنة } كفارة لذلك، تكون في ماله، ويشمل ذلك الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والصحيح والمعيب، في قول بعض العلماء.
ولكن الحكمة تقتضي أن لا يجزئ عتق المعيب في الكفارة؛ لأن المقصود بالعتق نفع العتيق، وملكه منافع نفسه، فإذا كان يضيع بعتقه، وبقاؤه في الرق أنفع له فإنه لا يجزئ عتقه، مع أن في قوله: { تحرير رقبة } ما يدل على ذلك؛ فإن التحرير: تخليص من استحقت منافعه لغيره أن تكون له، فإذا لم يكن فيه منافع لم يتصور وجود التحرير.
فتأمل ذلك فإنه واضح.
وأما الدية فإنها تجب على عاقلة القاتل في الخطأ وشبه العمد.
{ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ } جبرًا لقلوبهم، والمراد بأهله هنا هم ورثته، فإن الورثة يرثون ما ترك، الميت، فالدية داخلة فيما ترك وللدية تفاصيل كثيرة مذكورة في كتب الفقه.
وقوله: { إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا } أي: يتصدق ورثة القتيل بالعفو عن الدية، فإنها تسقط، وفي ذلك حث لهم على العفو لأن الله سماها صدقة، والصدقة مطلوبة في كل وقت.
{ فَإِنْ كَانَ } المقتول { مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ } أي: من كفار حربيين { وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } أي: وليس عليكم لأهله دية، لعدم احترامهم في دمائهم وأموالهم.
{ وَإِنْ كَانَ } المقتول { مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } وذلك لاحترام أهله بما لهم من العهد والميثاق.
{ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } الرقبة ولا ثمنها، بأن كان معسرا بذلك، ليس عنده ما يفضل عن مؤنته وحوائجه الأصلية شيء يفي بالرقبة، { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } أي: لا يفطر بينهما من غير عذر، فإن أفطر لعذر فإن العذر لا يقطع التتابع، كالمرض والحيض ونحوهما.
وإن كان لغير عذر انقطع التتابع ووجب عليه استئناف الصوم.
{ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ } أي: هذه الكفارات التي أوجبها الله على القاتل توبة من الله على عباده ورحمة بهم، وتكفير لما عساه أن يحصل منهم من تقصير وعدم احتراز، كما هو واقع كثيرًا للقاتل خطأ.
{ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } أي: كامل العلم كامل الحكمة، لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، في أي وقت كان وأي محل كان.
ولا يخرج عن حكمته من المخلوقات والشرائع شيء، بل كل ما خلقه وشرعه فهو متضمن لغاية الحكمة، ومن علمه وحكمته أن أوجب على القاتل كفارة مناسبة لما صدر منه، فإنه تسبب لإعدام نفس محترمة، وأخرجها من الوجود إلى العدم، فناسب أن يعتق رقبة ويخرجها من رق العبودية للخلق إلى الحرية التامة، فإن لم يجد هذه الرقبة صام شهرين متتابعين، فأخرج نفسه من رق الشهوات واللذات الحسية القاطعة للعبد عن سعادته الأبدية إلى التعبد لله تعالى بتركها تقربا إلى الله.
ومدها تعالى بهذه المدة الكثيرة الشاقة في عددها ووجوب التتابع فيها، ولم يشرع الإطعام في هذا الموضع لعدم المناسبة.
بخلاف الظهار، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ومن حكمته أن أوجب في القتل الدية ولو كان خطأ، لتكون رادعة وكافة عن كثير من القتل باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك.
ومن حكمته أن وجبت على العاقلة في قتل الخطأ، بإجماع العلماء، لكون القاتل لم يذنب فيشق عليه أن يحمل هذه الدية الباهظة، فناسب أن يقوم بذلك من بينه وبينهم المعاونة والمناصرة والمساعدة على تحصيل المصالح وكف المفاسد [ولعل ذلك من أسباب منعهم لمن يعقلون عنه من القتل حذرًا من تحميلهم] ويخف عنهم بسبب توزيعه عليهم بقدر أحوالهم وطاقتهم، وخففت أيضا بتأجيلها عليهم ثلاث سنين.
ومن حكمته وعلمه أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم، بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل.
قوله تعالى : ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ) الآية ، نزلت في عياش ( بن أبي ربيعة ) المخزومي ، وذلك أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة فأسلم ثم خاف أن يظهر إسلامه لأهله فخرج هاربا إلى المدينة ، وتحصن في أطم من آطامها ، فجزعت أمه لذلك جزعا شديدا وقالت لابنيها الحارث وأبي جهل بن هشام وهما أخواه لأمه : والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى تأتوني به ، فخرجا في طلبه ، وخرج معهما الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أتوا المدينة ، فأتوا عياشا وهو في الأطم ، قالا له : انزل فإن أمك لم يئوها سقف بيت بعدك ، وقد حلفت ألا تأكل طعاما ولا تشرب شرابا حتى ترجع إليها ( ولك عهد الله ) علينا أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك ، فلما ذكروا له جزع أمه وأوثقوا له بالله نزل إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه بنسعة ، فجلده كل واحد منهم مائة جلدة ، ثم قدموا به على أمه فلما أتاها قالت : والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به ، ثم تركوه موثقا مطروحا في الشمس ما شاء الله ، فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث بن زيد فقال : يا عياش أهذا الذي كنت عليه فوالله لئن كان هدى لقد تركت الهدى ، ولئن كانت ضلالة لقد كنت عليها ، فغضب عياش من مقالته ، وقال : والله لا ألقاك خاليا أبدا إلا قتلتك ، ثم إن عياشا أسلم بعد ذلك وهاجر ثم أسلم الحارث بن زيد بعده وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عياش حاضرا يومئذ ولم يشعر بإسلامه ، فبينا عياش يسير بظهر قباء إذ لقي الحارث فقتله ، فقال الناس : ويحك أي شيء صنعت؟
إنه قد أسلم ، فرجع عياش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت ، وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته ، فنزل : ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ) .
وهذا نهي عن قتل المؤمن كقوله تعالى : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ( الأحزاب - 53 ) .
( إلا خطأ ) استثناء منقطع معناه : لكن إن وقع خطأ ، ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ) أي : فعليه إعتاق رقبة مؤمنة كفارة ، ( ودية مسلمة ) كاملة ، ( إلى أهله ) أي : إلى أهل القتيل الذي يرثونه ، ( إلا أن يصدقوا ) أي : يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية ، ( فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) أراد به إذا كان الرجل مسلما في دار الحرب منفردا مع الكفار فقتله من لم يعلم بإسلامه فلا دية فيه ، وعليه الكفارة ، وقيل : المراد منه إذا كان المقتول مسلما في دار الإسلام وهو من نسب قوم كفار ، وقرابته في دار الحرب حرب للمسلمين ففيه الكفارة ولا دية لأهله ، وكان الحارث بن زيد من قوم كفار حرب للمسلمين وكان فيه تحرير رقبة ولم يكن فيه دية لأنه لم يكن بين قومه وبين المسلمين عهد .
قوله تعالى : ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ) أراد به إذا كان المقتول كافرا ذميا أو معاهدا فيجب فيه الدية والكفارة ، والكفارة تكون بإعتاق رقبة مؤمنة سواء كان المقتول مسلما أو معاهدا ، رجلا كان أو امرأة ، حرا كان أو عبدا ، وتكون في مال القاتل ، ( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ) والقاتل إن كان واجدا للرقبة أو قادرا على تحصيلها بوجود ثمنها فاضلا عن نفقته ونفقة عياله وحاجته من مسكن ونحوه فعليه الإعتاق ، ولا يجوز أن ينتقل إلى الصوم فإن عجز عن تحصيلها فعليه صوم شهرين متتابعين ، فإن أفطر يوما متعمدا في خلال الشهرين أو نسي النية ونوى صوما آخر وجب عليه استئناف الشهرين .
وإن أفطر يوما بعذر مرض أو سفر فهل ينقطع التتابع؟
اختلف أهل العلم فيه ، فمنهم من قال : ينقطع وعليه استئناف الشهرين ، وهو قول النخعي وأظهر قولي الشافعي رضي الله عنه لأنه أفطر مختارا ، ومنهم من قال : لا ينقطع وعليه أن يبني ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي .
ولو حاضت المرأة في خلال الشهرين أفطرت أيام الحيض ولا ينقطع التتابع ، فإذا طهرت بنت على ما صامت ، لأنه أمر مكتوب على النساء لا يمكنهن الاحتراز عنه .
فإن عجز عن الصوم فهل يخرج عنه بإطعام ستين مسكينا؟
فيه قولان ، أحدهما : يخرج كما في كفارة الظهار ، والثاني : لا يخرج لأن الشرع لم يذكر له بدلا فقال : ( فصيام شهرين متتابعين ) ( توبة من الله ) أي : جعل الله ذلك توبة لقاتل الخطإ ( وكان الله عليما ) بمن قتل خطأ ( حكيما ) فيما حكم به عليكم .
أما الكلام في بيان الدية ، فاعلم أن القتل على ثلاثة أنواع : عمد محض ، وشبه عمد ، وخطأ محض .
أما العمد المحض فهو : أن يقصد قتل إنسان بما يقصد به القتل غالبا فقتله ففيه القصاص عند وجود التكافؤ ، أو دية مغلظة في مال القاتل حالة .
وشبه العمد : أن يقصد ضربه بما لا يموت مثله من مثل ذلك الضرب غالبا ، بأن ضربه بعصا خفيفة ، أو حجر صغير ضربة أو ضربتين ، فمات فلا قصاص فيه ، بل يجب فيه دية مغلظة على عاقلته مؤجلة إلى ثلاث سنين .
والخطأ المحض هو : أن لا يقصد ضربه بل قصد شيئا آخر فأصابه فمات منه فلا قصاص فيه ، بل تجب دية مخففة على عاقلته مؤجلة إلى ثلاث سنين .
وتجب الكفارة في ماله في الأنواع كلها ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه : قتل العمد لا يوجب الكفارة ، لأنه كبيرة كسائر الكبائر .
ودية الحر المسلم مائة من الإبل فإذا عدمت الإبل وجبت قيمتها من الدراهم أو الدنانير في قول ، وفي قول يجب بدل مقدر منها وهو ألف دينار ، أو اثنا عشر ألف درهم ، لما روي عن عمر رضي الله عنه : فرض الدية على أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق اثنى عشر ألف درهم " .
وذهب قوم إلى أن الواجب في الدية مائة من الإبل ، أو ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم ، وهو قول عروة بن الزبير والحسن البصري رضي الله عنهما ، وبه قال مالك .
وذهب قوم إلى أنها مائة من الإبل أو ألف دينار ، أو عشرة آلاف درهم ، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي .
ودية المرأة نصف دية الرجل ، ودية أهل الذمة والعهد ثلث دية المسلم ، إن كان كتابيا ، وإن كان مجوسيا فخمس الدية ، روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم ، ودية المجوسي ثمانمائة ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه .
وذهب قوم إلى أن دية الذمي والمعاهد مثل دية المسلم ، روي ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي .
وقال قوم : دية الذمي نصف دية المسلم وهو قول عمر بن عبد العزيز ، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله .
والدية في العمد المحض وشبه العمد مغلظة بالسن فيجب ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها ، وهو قول عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت رضي الله عنهما ، وبه قال عطاء ، وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه ، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي رضي الله عنه ، أنا ابن عيينة ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن القاسم بن ربيعة ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا إن في قتل العمد الخطإ بالسوط أو العصا مائة من الإبل مغلظة ، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها " .
وذهب قوم إلى أن الدية المغلظة أرباع : خمس وعشرون بنت مخاض ، وخمس وعشرون بنت لبون ، وخمس وعشرون حقة ، وخمس وعشرون جذعة ، وهو قول الزهري وربيعة وبه قال مالك وأحمد وأصحاب الرأي .
وأما دية الخطإ فمخففة ، وهي أخماس بالاتفاق ، غير أنهم اختلفوا في تقسيمها ، فذهب قوم إلى أنها عشرون بنت مخاض ، وعشرون بنت لبون ، وعشرون ابن لبون ، وعشرون حقة ، وعشرون جذعة ، وهو قول عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والزهري وربيعة ، وبه قال مالك والشافعي رحمهم الله ، وأبدل قوم بني اللبون ببنات المخاض ، يروى ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه ، وبه قال أحمد وأصحاب الرأي .
ودية الأطراف على هذا التقدير ، ودية المرأة فيها على النصف من دية الرجل ، والدية في قتل الخطإ وشبه العمد على العاقلة ، وهم عصبات القاتل من الذكور ، ولا يجب على الجاني منها شيء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجبها على العاقلة .
«وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا» أي ما ينبغي أن يصدر منه قتل له «إلا خطئا» مخطئا في قتله من غير قصد «ومن قتل مؤمنا خطأ» بأن قصد رمي غيره كصيد أو شجرة فأصابه أو ضربه بما لا يقتل غالبا «فتحرير» عتق «رقبة» نسمة «مؤمنة» عليه «ودية مسلمة» مؤداة «إلى أهله» أي ورثة المقتول «إلا أن يصَّدقوا» يتصدقوا عليه بها بأن يعفوا عنها وبينت السنة أنها مائة من الإبل عشرون بنت مخاض وكذا بنات لبون وبنو لبون، وحقاق وجذاع وأنها على عاقلة القاتل وهم عصبته إلا الأصل والفرع موزعة عليهم على ثلاث سنين على الغني منهم نصف دينار والمتوسط ربع كل سنة فان لم يفوا فمن بيت المال فإن تعذر فعلى الجاني «فإن كان» المقتول «من قوم عدوٌ» حرب «لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة» على قاتله كفارة ولا دية تسلم إلى أهله لحرابتهم «وإن كان» المقتول «من قوم بينكم وبينهم ميثاق» عهد كأهل الذمة «فدية» له «مسلَّمة إلى أهله» وهي ثلث دية المؤمن إن كان يهوديا أو نصرانيا وثلثا عشرها إن كان مجوسيا «وتحرير رقبة مؤمنة» على قاتله «فمن لم يجد» الرقبة بأن فقدها وما يحصلها به «فصيام شهرين متتابعين» عليه كفارة ولم يذكر الله تعالى الانتقال إلى الطعام كالظهار وبه أخذ الشافعي في أصح قوليه «توبة من اللهِ» مصدر منصوب بفعله المقدر «وكان الله عليما» بخلقه «حكيما» فيما دبره لهم.
ولا يحق لمؤمن الاعتداء على أخيه المؤمن وقتله بغير حق، إلا أن يقع منه ذلك على وجه الخطأ الذي لا عمد فيه، ومن وقع منه ذلك الخطأ فعليه عتق رقبة مؤمنة، وتسليم دية مقدرة إلى أوليائه، إلا أن يتصدقوا بها عليه ويعفوا عنه.
فإن كان المقتول من قوم كفار أعداء للمؤمنين، وهو مؤمن بالله تعالى، وبما أنزل من الحق على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى قاتله عتق رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم عهد وميثاق، فعلى قاتله دية تسلم إلى أوليائه وعتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد القدرة على عتق رقبة مؤمنة، فعليه صيام شهرين متتابعين؛ ليتوب الله تعالى عليه.
وكان الله تعالى عليما بحقيقة شأن عباده، حكيمًا فيما شرعه لهم.
روى المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ) .
.
الآية ومن أشهر هذه الروايات ما جاء عن مجاهد وغيره أنها نزلت فى عياش بن أبى ربيعة ، وذلك أنه قتل رجلا كان يعذبه لكى يترك الإِسلام ، فأضمر عياش قتل ذلك الرجل .
ثم أسلم هذا الرجل دون أن يعلم عياش بإسلامه .
فلما لقيه فى يوم من الأيمان ظن عياش أن الرجل ما زال مشركا فقتله .
فلما علم بإسلامه أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، قتلته ولم أشعر بإسلامه فأنزل الله الآية .والآية الكريمة وإن كانت قد نزلت فى حادثة معينة إلا أن حكمها يتناول كل من قتل غيره خطأ ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .والنفى فى قوله - تعالى - ( وَمَا كَانَ ) ليس لنفى الوقوع ، لأنه لو كان كذلك ما وقع قتل على سبيل الخطأ أبداً ، وإنما النفى بمعنى النهى وعدم الجواز .وقد أشار القرطبى إلى ذلك بقوله : قوله - تعالى - ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ) هذه آية من أمهات الأحكام .
والمعنى ما ينبغى لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ، فقوله : ( وَمَا كَانَ ) ليس على النفى وإنما هو على التحريم والنهى كقوله : ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله ) ولو كانت على النفى لما وجد مؤمن قتل مؤمنا قط ، لأن ما نفاه الله فلا يجوز وجوده فهو كقوله - تعالى - ( مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا ) فلا يقدر العياد أن ينبتوا شجرها أبدا .
ثم استثنى استثناء منقطعاً ليس من الأول وهو الذى يكون فيه " إلا " لمعنى لكن .
والتقدير : ما كان له أن يقتله البتة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا .
والخطأ : اسم من أخطأ خطأ وإخطاء إذا لم يصنع عن تعمد ، فالخطأ الاسم يقوم مقام الإِخطاء .
ويقال لمن أراد شيئاً ففعل غيره : أخطأ .
ولمن فعل غير الصواب : أخطأ .وقال صاحب الكشاف : فإن قلت .
بم انتصب خطأ؟
قلت : بأنه مفعول له .
أى ما ينبغى له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده .
ويجوز أن يكون حالا بمعنى : لا يقتله فى حال من الأحوال إلا فى حال الخطأ .
وأن يكون صفة للمصدر أى : إلا قتلا خطأ .
والمعنى ، أن من شأن المؤمن أن ينتفى عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البته ، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد ، بأن يرمى كافرا فيصيب مسلما .
أو يرمى شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم .ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ فقال : ( وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ) .قوله ( فَتَحْرِيرُ ) ، التحرير : الإِعتاق وهو تفعيل من الحرية .
أى جعل الرقبة حرة .
وهو مبتدأ محذوف الخبر أى : فعليه تحرير رقبة مؤمنة .وقوله : ( وَدِيَةٌ ) الدية ما يعطى عوضا من دم القتيل إلى وليه .
وهى مأخوذة من الودى كالعدة من الوعد .
يقال : ودى القاتل القتيل يديه دية إذا أعطى وليه المال الذى هو بدل النفس .
وسمى المال دية تسمية بالمصدر .والمعنى : أن المؤمن لا يسوغ له ولا يليق به أن يقتل أخاه المؤمن ، لأن ذلك محرما تحريماً قاطعاً ، لكن إن وقع منه القتل له فى سبيل الخطأ فإن دم القتيل لا يذهب هدرا ، بل على من قتل أخاه المؤمن خطأ ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ) أى : إعتاق نفس مؤمنة : وعليه كذلك ( وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ) أى : مؤداة إلى ورثة القتيل عوضاً لهم عما فاتهم من قتيلهم .
وقوله ( إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ) أى إلا أن يتصدق أهل القتيل بهذه الدية على القاتل ، بأن يتنازلوا عنها له على سبيل العفو والصفح .وعبر - سبحانه - عن العتق بالتحرير فى قوله ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) للاشعار بأن الحرية للعبيد مقصد من مقاصد الإِسلام ، وأن شريعته قد أوجبت على أتباعها أن يعتقوا الأرقاء إذا ما وقعوا فى بعض الأخطاء حتى يتحرر أكبر عدد من الرقاب .والتعبير عن النفس بالرقبة من باب التعبير عن الكل بالجزء .
وكان التعبير بذلك للاشارة إلى أن الرق غل معنوى فى الرقاب ، وأن المؤمن الصادق فى إيمانه هو الذى يبذل قصارى جهده فى فك الرقاب من قيدها .وقيد الرقبة المحررة بأن تكون مؤمنة لتخرج الكافرة ، إذ الإِسلام يحرص على تحرير الأرقاء المؤمنين دون الكافرين .قال ابن كثير : وجمهور الفقهاء على أن الرقبة المؤمنة تجزئ سواء أكانت صغيرة أم كبيرة فقد أخرج الإِمام أحمد " عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء فقال : يا رسول الله ، إن على عتق رقبة مؤمنة .
فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقها .
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتشهدين أن لا إله إلا الله؟
قالت : نعم .
قال : أتشهدين أنى رسول الله؟
قالت : نعم قال : أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟
قالت : نعم .
قال : أعقتها " .ويرى بعضهم أنه لا تجزئ إلا الرقبة المؤمنة التى صلت وعقلت الإِيمان ، أما الصغيرة فإنها لا تجزئ .وقوله ( وَدِيَةٌ ) معطوف على " فتحرير " وقوله ( مُّسَلَّمَةٌ ) صفة لدية .
وقوله ( إلى أَهْلِهِ ) متعلقة بمسلمة .قال القرطبى ما ملخصه : لوم يعين الله فى كتابه ما يعطى فى الدية ، وإنما فى الآية إيجاب الدية مطلقا ، وليس فيها إيجابها على العاقلة أو على القاتل ، وإنما أخذ ذلك من السنة .والعاقلة : قرابات الرجل من جهة أبيه وهم عصبته .
.وثد ثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدية مائة من الإِبل .ووداها صلى الله عليه وسلم فى عبد الله بن سهل المقتول بخبير فكان ذلك بيانا على لسان النبى صلى الله عليه وسلم لمجمل الكتاب واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإِبل ، فقالت طائفة : على أهل الذهب ألف دينار .
وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم .وقد ثبتت الأخبار عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة .
وأجمع أهل العلم على القول به .ففى الصحيحين عن أبى هريرة قال : اقتتلت امرأتان من هذيل .
فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها ، وما فى بطنها .
فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة : عبد وأمة .
وقضى بدية المرأة على عاقلتها .قالوا : وإنما كانت دية القتل الخطأ على العاقلة ، لأن القاتل لو دفعها لأوشكت أن تأتى على جميع ماله ، وليكون ذلك دليلا على تضافر الأسرة وتعاونها .
وإذا كان القاتل فقيرا وأسرته فقيرة ، فإن دية المقتول تكون على بيت مال المسلمين ، حتى لا يهدر دم القتيل .قال القاسمى : تجب الدية على كل عاقلة القاتل .
وهم عصبته غير الأصول والفروع .
لأنه لما عفى عن القاتل فلا وجه للأخذ منه .
وأصوله وفورعه أجزاؤه فالأخذ منهم أخذ منه .
ولا وجه لإِهدار دم المؤمن .
فيؤخذ من عاقلته الذين يرثونه بأقوى الجهات وهى العصبية ، لأن الغرم بالغنم .
فإن لم يكن له عاقلة أو كانوا فقراء فعلى بيت المال .والتعبير عن أداء الدين بقوله ( وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ) يومئ إلى وجوب حسن الأداء بأن تسلم هذه الدية إلى أسرة القتيل بكل سماحة ولطف جبرا لخاطرها عما أصابها .والمراد بقوله ( إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ) أى : إلا أن يتبرع بها أولياء المقتول على سبيل العفو والصفح .وعبر عن ذلك بقوله ( يَصَّدَّقُواْ ) للإِشارة إلى أن تبرعهم هذا مرغوب فيه وأنه بمنزلة الصدقة التى لهم ثوابها الجزيل عند الله - تعالى - لا سيما إذا كان أولياء القاتل وعصبته يشق عليهم أداؤها فيتركها أولياء القتيل رأفة بأولياء القاتل وشفقة عليهم ، وفى الحديث الشريف " كل معروف صدقة " .ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ لمؤمن ينتمى إلى الأعداء فقال ( فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ) .أى : فإن كان المقتول خطأ ( مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ ) أى محاربين لكم ، ( وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) أى وكان المقتول مؤمنا ولم يعلم به القاتل ، لكونه بين أظهر قومه الكفار ولم يفارقهم ، أو أتاهم بعد أن فارقهم لأمر من الأمور ، فعلى القاتل فى هذه الحالة ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ) كفارة عن هذا القتل الخطأ ، وليس عليه دية ، لأن أولياء القتيل من الكفار ولا توارث بين المؤمن والكفار ، ولأن دفع الدية إليهم يؤدى إلى تقويتهم علينا ومن غير المعقول أن ندفع لأعدائنا ما يتقوون به علينا .روى الحاكم وغيره عن ابن عباس قال : كان الرجل يأتى النبى صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى قومه وهم مشركون .
فيصيبه المسلمون فى سرية أو غزوة .
فيعتق الذى يصيبه رقبة .ثم بين - سبحانه - حكم القتل الخطأ إذا كان المقتول من قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق فقال - تعالى - : ( وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) .أى : وإن كان المقتول خطأ ( مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ) أى : من قوم بينكم وبينهم - أيها المؤمنون - عهد من هدنة أو أمان وهم على دنيهم وأنتم على دينكم ، فعلى القاتل فى هذه الحالة دية تدفعها عاقلته إلى أهل القتيل ، لأن حكمهم كحكم المسلمين ، وعليه كذلك ( تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ) لتكون كفارة له عند الله ، وقدم الدية هنا على تحرير الرقبة على العكس مما جاء فى صدر الآية ، للإِشعار بوجوب المسارعة إلى تسليم الدية حتى لا يتردد القاتل فى دفعها إلى غير المسلمين الذين بينهم وبين المسلمين عهد يمنع عدم الاعتداء .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد جعل الحكم فى قتل المعاهد كالحكم فى قتل المسلم من الدية وتحرير الرقبة ، وبعضهم يرى أن المراد بالمقتول خطأ هنا المسلم الذى هو فى قوم معاهدين وأن الدية لا تدفع لهؤلاء القوم فيكون معنى الآية : وإن كان أى المقتول المؤمن ( مِن قَوْمٍ ) كفار بينكم وبينهم ميثاق ، فعلى قاتله دية ( مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ) من أهل الإِسلام إن وجدوا ، ولا تدفع إلى ذوى قرابته من الكفار وإن كانوا معاهدين ، اذ لا يرث الكافر المؤمن .ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأنه لو كان المراد بالمقتول خطأ هنا القتيل المسلم لكان مكررا ولما كان هناك معنى لإِفراده أذ حكمه يكون داخلا فى قوله - تعالى - فى صدر الآية ( وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ) .
فلما أفرده - سبحانه - بالذكر علمنا أن المقصود بالتقيل هنا من قتل خطأ من قوم كفار بيننا وبينهم ميثاق سواء أكان المقتول على دينننا أم على دينهم .وقد ذكر صاحب الكشاف هذا الوجه ولم يذكر سواه فقال : ( وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ ) - أى : وإن كان المقتول من قوم - كفره لهم ذمة كالمشركين الذين عاهدوا المسلمين وأهل الذمة من الكتابين فحكمه حكم مسلم من مسلمين .
ومن العلماء أيضا من يرى أن دية المسلم والكافر سواء ومنهم من يرى غير ذلك .وقد أشار الإِمام ابن كثير إلى هذين الرأيين بقوله : قوله - تعالى - ( وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ) .
الآية ، أى : فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم .فإن كان مؤمنا دفية كامل وكذا إن كان كفارا أيضا عند طائفة من العلماء .
وقيل يجب فى الكافر نصف دية المسلم وقيل ثلثها كما هو مفصل فى كتب الأحكام .ثم يبين - سبحانه - الحكم عند عدم استطاعة إعتاق الرقبة فقال : ( فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ الله وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ) .أى : فمن لم يجد رقبه مؤمنة يعتقها فعليه فى هذه الحالة صيام شهرين متواصلين فى أيامهما ، لا يفرق بنيهم فطر ، بحيث لو أفطر يوما فيها استأنف من جديد ابتداء الشهرين ، إلا أن يكون الفطر بسبب حيض أو نفاس أو مرض يتعذر معه الصوم .وقوله - ( تَوْبَةً مِّنَ الله ) مفعول لأجله والتقدير : أى شرع لكم ذلك توبة منه أى قبولا لها روحمة بكم .
من : تاب الله على فلان إذا قبل توبته .وهذه التوبة ليست من إثم القتل الخطأ ، لأن الإِثم مرفوع عن المخطئ كما فى الحديث الشريف " رفع من أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " .وإنما التوبة هنا من التقصير وقلة التثبت والتحقق ، ولكى يكون المسلم يعد ذلك متذكراً فلا يقع منه فى المستقبل ما وقع منه فى الماضى ، ولهذا قال الإِمام الزيلعى :" وبهذا النوع من القتل أى القتل الخطأ - لا يأثم إثم القتل ، وإنما يأثم إثم ترك التحرز والمبالغة فى التثبت ، لأن الأفعال المباحة لا تجوز مباشرتها إلا بشرط ألا تؤذى أحدا .
فإذا آذى أحدا فقد تحقق ترك الحرز " .وقوله ( وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ) تذييل قصد به زجر الناس عن اتباع الهوى وعن مخالفة شريعته .أى : وكان الله وما زال عليما بالنفوس وخباياها وحركاتها وبكل شئ فى هذا الكون : حكيما فى كل ما شرع وقضى .
وسيحاسب الناس على أقوالهم .
وأعمالهم يوم القيامة .
وسيجازيهم بما يستحقون من خير أو من شر .وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد بينت أن المؤمن إذا قتل على سبيل الخطأ أخاه المؤمن أو قتل رجلا من قوم كافرين ولكن بيننا وبينهم ميثاق أمان فعليه فى كل حالة من هاتين الحالتين عتق رقبة ودية .
أما إذا قتل المؤمن رجلا مؤمنا ولكن كان من قوم كافرين محاربين لنا وليس بيننا وبينهم عهد ولا ميثاق فعلى القاتل تحرير رقبة فقط .
فإن لم يستطع تحرير رقبة فعليه صيام شهرين متتابعين توبة من الله .
بهذه الأحكام الحكيمة تربى النفوس على الاحتراس والاحتياط وأخذ الحذر ، وتصان الدماء عن أن تذهب هدرا ، وتعوض أسرة القتيل عن فقيدها بما يخفف آلامها ، ويجير خاطرها ، وتعوض الجماعة الإِسلامية بتحرير رقبة مؤمنة تعمل لصالح الجماعة بحرية وانطلاق بعد أن كانت تعمل خدمة سيدها فحسب .
اعلم أنه تعالى لما رغب في مقاتلة الكفار، وحرض عليها ذكر بعد ذلك بعض ما يتعلق بهذه المحاربة، فمنها أنه تعالى لما أذن في قتل الكفار فلا شك أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلا يظنه كافرا حربيا فيقتله، ثم يتبين أنه كان مسلما، فذكر الله تعالى حكم هذه الواقعة في هذه الآية وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب النزول وجوها: الأول: روى عروة بن الزبير أن حذيفة بن اليمان كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار، فأخذوه وضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول: إنه أبي فلم يفهموا قوله إلا بعد أن قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فلما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ازداد وقع حذيفة عنده، فنزلت هذه الآية: الرواية الثانية: أن الآية نزلت في أبي الدرداء، وذلك لأنه كان في سرية فعدل إلى شعب لحاجة له فوجد رجلا في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال الرجل: لا إله إلا الله، فقتله وساق غنمه ثم وجد في نفسه شيئا، فذكر الواقعة للرسول صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: «هلا شققت عن قلبه» وندم أبو الدرداء فنزلت الآية.
الرواية الثالثة: روي أن عياش بن أبي ربيعة، وكان أخا لأبي جهل من أمه، أسلم وهاجر خوفا من قومه إلى المدينة، وذلك قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس تحت سقف حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه وطولا في الأحاديث، فقال أبو جهل: أليس أن محمداً يأمرك ببر الأم فانصرف وأحسن إلى أمك وأنت على دينك فرجع، فلما دنوا من مكة قيدوا يديه ورجليه، وجلده أبو جهل مائة جلدة، وجلده الحرث مائة أخرى، فقال للحرث: هذا أخي فمن أنت يا حرث، لله علي إن وجدتك خالي أن أقتلك.
وروي أن الحرث قال لعياش حين رجع: إن كان دينك الأول هدى فقد تركته وإن كان ضلالا فقد دخلت الآن فيه، فشق ذلك على عياش وحلف أن يقتله، فلما دخل على أمه حلفت أمه لا يزول عنه القيد حتى يرجع إلى دينه الأول ففعل، ثم هاجر بعد ذلك وأسلم الحرث أيضا وهاجر، فلقيه عياش خالياً ولم يشعر باسلامه فقتله، فلما أخبر بأنه كان مسلما ندم على فعله وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قتلته ولم أشعر باسلامه، فنزلت هذه الآية.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ ﴾ فيه وجهان: الأول: أي وما كان فيما أتاه من ربه وعهد إليه.
الثاني: ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك، والغرض منه بيان أن حرمة القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ إِلا خطأ ﴾ فيه قولان: الأول: أنه استثناء متصل، والذاهبون إلى هذا القول ذكروا وجوها: الأول: أن هذا الاستثناء ورد على طريق المعنى، لأن قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خطأ ﴾ معناه أنه يؤاخذ الإنسان على القتل إلا اذا كان القتل قتل خطأ فإنه لا يؤاخذ به.
الثاني: أن الاستثناء صحيح أيضا على ظاهر اللفظ، والمعنى أنه ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا ألبتة إلا عند الخطأ.
وهو ما إذا رأى عليه شعار الكفار، أو وجده في عسكرهم فظنه مشركا، فهاهنا يجوز قتله، ولا شك أن هذا خطأ، فانه ظن أنه كافر مع أنه ما كان كافرا.
الثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير: وما كان مؤمن ليقتل مؤمناً إلا خطأ، ومثله قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ﴾ تأويله: ما كان الله ليتخذ من ولد، لأنه تعالى لا يحرم عليه شيء، إنما ينفي عنه ما لا يليق به، وأيضا قال تعالى: ﴿ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا ﴾ معناه ما كنتم لتنبتوا، لأنه تعالى لم يحرم عليهم أن ينبتوا الشجر، إنما نفى عنهم أن يمكنهم إنباتها، فانه تعالى هو القادر على إنبات الشجر.
الرابع: أن وجه الاشكال في حمل هذا الاستثناء على الاستثناء المتصل، وهو أن يقال: الاستثناء من النفي إثبات، وهذا يقتضي الاطلاق في قتل المؤمن في بعض الأحوال، وذلك محال، إلا أن هذا الاشكال إنما يلزم اذا سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات، وذلك مختلف فيه بين الأصوليين، والصحيح أنه لا يقتضيه لأن الاستثناء يقتضي صرف الحكم عن المستثنى لا صرف المحكوم به عنه، واذا كان تأثير الاستثناء في صرف الحكم فقط بقي المستثنى غير محكوم عليه لا بالنفي ولا بالاثبات، وحينئذ يندفع الاشكال.
ومما يدل على أن الاستثناء من النفي ليس باثبات قوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة الا بطهور ولا نكاح الا بولي» ويقال: لا ملك الا بالرجال ولا رجال الا بالمال، والاستثناء في جملة هذه الصور لا يفيد أن يكون الحكم المستثنى من النفي إثباتا والله أعلم.
الخامس: قال أبو هاشم وهو أحد رؤساء المعتزلة: تقدير الآية: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا فيبقى مؤمنا، الا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذ مؤمنا، قال: والمراد أن قتل المؤمن للمؤمن يخرجه عن كونه مؤمنا، الا أن يكون خطأ فإنه لا يخرجه عن كونه مؤمنا.
واعلم أن هذا الكلام بناء على أن الفاسق ليس بمؤمن، وهو أصل باطل، والله أعلم.
القول الثاني: أن هذا الاستثناء منقطع بمعنى لكن، ونظيره في القرآن كثير.
قال تعالى: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة ﴾ وقال: ﴿ الذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم ﴾ وقال: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَٰمًا سَلَٰمًا ﴾ والله أعلم.
المسألة الرابعة: في انتصاب قوله: ﴿ خطأ ﴾ وجوه: الأول: أنه مفعوله له، والتقدير ما ينبغي أن يقتله لعلة من العلل، إلا لكونه خطأ.
الثاني: أنه حال، والتقدير: لا يقتله ألبتة إلا حال كونه خطأ.
الثالث: أنه صفة للمصدر.
والتقدير: إلا قتلا خطأ.
قوله تعالى: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رحمه الله: القتل على ثلاثة أقسام: عمد، وخطأ، وشبه عمد.
أما العمد: فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان ذلك جارحا أو لم يكن، وهذا قول الشافعي.
وأما الخطأ فضربان: أحدهما: أن يقصد رمي المشرك أو الطائر فأصاب مسلما.
والثاني: أن يظنه مشركا بأن كان عليه شعار الكفار، والأول خطأ في الفعل، والثاني خطأ في القصد.
أما شبه العمد: فهو أن يضربه بعصا خفيفة لا تقتل غالبا فيموت منه.
قال الشافعي رحمه الله: هذا خطأ في القتل وإن كان عمدا في الضرب.
المسألة الثانية: قال أبو حنيفة: القتل بالمثقل ليس بعمد محض، بل هو خطأ وشبه عمد، فيكون داخلا تحت هذه الآية فتجب فيه الدية والكفارة، ولا يجب فيه القصاص.
وقال الشافعي رحمه الله: إنه عمد محض يجب فيه القصاص.
أما بيان أنه قتل فيدل عليه القرآن والخبر، أما القرآن فهو أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه وكز القبطي فقضى عليه، ثم إن ذلك الوكز يسمى بالقتل، بدليل أنه حكى أن القبطي قال في اليوم الثاني: ﴿ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس ﴾ وكان الصادر عن موسى عليه السلام بالأمس ليس إلا الوكز، فثبت أن القبطي سماه قتلا، وأيضاً إن موسى صلوات الله عليه سماه قتلا حيث قال: ﴿ رَبّى إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴾ وأجمع المفسرون على أن المراد منه قتل ذلك القبطي بذلك الوكز، وأيضا إن الله تعالى سماه قتلا حيث قال: ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً فنجيناك مِنَ الغم وفتناك فُتُوناً ﴾ فثبت أن الوكز قتل بقول القبطي وبقول موسى وبقول الله تعالى، وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الابل» فسماه قتلا، فثبت بهذين الدليلين أنه حصل القتل، وأما أنه عمد فالشاك فيه داخل في السفسطة فإن من ضرب رأس إنسان بحجر الرحا، أو صلبه أو غرقه، أو خنقه ثم قال: ما قصدت به قتله كان ذلك إما كاذبا أو مجنونا، وأما أنه عدوان فلا ينازع فيه مسلم، فثبت أنه قتل عمد عدوان، فوجب أن يجب القصاص بالنص والمعقول.
أما النص: فهو جميع الآيات الدالة على وجوب القصاص، كقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى ﴾ ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس ﴾ ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا ﴾ ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ ﴾ .
وأما المعقول: فهو أن المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار.
قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة ﴾ وإذا كان المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار، والاهدار من المثقل كهو في المحدد كانت الحاجة إلى شرع الزاجر في إحدى الصورتين كالحاجة إليه في الصورة الأخرى، ولا تفاوت بين الصورتين في نفس الاهدار، إنما التفاوت حاصل في آلة الاهدار، والعلم الضروري حاصل بأن ذلك غير معتبر، والكلام في الفقهيات إذا وصل إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في التحقيق لمن ترك التقليد، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الابل» وهو عام سواء كان السوط والعصا صغيرا أو كبيرا.
والجواب: أن قوله: قتيل الخطأ يدل على أنه لابد وأن يكون معنى الخطأ حاصلا فيه، وقد بينا أن من خنق إنساناً أو ضرب رأسه بحجر الرحا، ثم قال: ما كنت أقصد قتله، فإن كل عاقل ببديهة عقله يعلم أنه كاذب في هذا المقال، فوجب حمل هذا الضرب على الضرب بالعصا الصغيرة حتى يبقى معنى الخطأ فيه.
والله أعلم.
المسألة الثالثة: قال أبو حنيفة: القتل العمد لا يوجب الكفارة، وقال الشافعي: يوجب.
احتج أبو حنيفة بهذه الآية، فقال قوله: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خطأ ﴾ شرط لوجوب الكفارة وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط، فيقال له: إنه تعالى قال: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ فقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ ﴾ ما كان شرطا لجواز نكاح الأمة على قولكم، فكذلك هاهنا.
ثم نقول: الذي يدل على وجوب الكفارة في القتل العمد الخبر والقياس.
أما الخبر فهو ما روى واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا أوجب النار بالقتل، فقال: اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار.
وأما القياس: فهو أن الغرض من إعتاق العبد هو أن يعتقه الله من النار، والحاجة الى هذا المعنى في القتل العمد أتم، فكانت الحاجة فيه الى ايجاب الكفارة أتم والله أعلم.
وذكر الشافعي رضي الله عنه حجة أخرى من قياس الشبه فقال: لما وجبت الكفارة في قتل الصيد في الاحرام سوينا بين العامد وبين الخاطئ إلا في الاثم، فكذا في قتل المؤمن، ولهذا الكلام تأكيد آخر وهو أن يقال: نص الله تعالى هناك في العامد، وأوجبنا على الخاطئ.
فهاهنا نص على الخاطئ، فبأن نوجبه على العامد مع أن احتياج العامد الى الاعتاق المخلص له عن النار أشد كان ذلك أولى.
المسألة الرابعة: قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي: لا تجزى الرقبة إلا إذا صام وصلى، وقال الشافعي ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم: يجزى الصبي إذا كان أحد أبويه مسلما.
حجة ابن عباس هذه الآية، فإنه تعالى أوجب تحرير الرقبة المؤمنة، والمؤمن من يكون موصوفا بالايمان، والايمان إما التصديق وإما العمل وإما المجموع، وعلى التقديرات فالكل فائت عن الصبي فلم يكن مؤمنا، فوجب أن لا يجزى.
حجة الفقهاء أن قوله: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خطأ ﴾ يدخل فيه الصغير، فكذا قوله: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ فوجب أن يدخل فيه الصغير.
المسألة الخامسة: قال الشافعي رحمه الله: الدية في العمد المحض وفي شبه العمد مغلظة مثلثة ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
وأما في الخطأ المحض فمخففة: عشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.
وأما أبو حنيفة فهو أيضاً هكذا يقول في الكل إلا في شيء واحد فإنه أوجب بني مخاض بدلا عن بنات لبون.
حجة الشافعي رحمه الله أنه تعالى أوجب الدية في القرآن ولم يبين كيفية الدية فرجعنا في معرفة الكيفية إلى السنة والقياس، فلم نجد في السنة ما يدل عليه.
وأما القياس فإنه لا مجال للمناسبات والتعليلات المعقولة في تعيين الأسباب وتعيين الأعداد، فلم يبق هاهنا مطمع إلا في قياس الشبه، ونرى أن الدية وجبت بسبب أقوى من السبب الموجب للزكاة، ثم إنا رأينا أن الشرع لم يجعل لبني مخاض دخلا في باب الزكاة، فوجب أن لا يكون لها دخل في باب الدية أيضاً.
وحجة أبي حنيفة أن البراءة كانت ثابتة، والأصل في الثابت البقاء، فكانت البراءة الأصلية باقية، ولا يعدل عن هذا الدليل إلا لدليل أقوى منه فنقول: الأول هو المتفق عليه فاعترفنا بوجوبه: وأما الزائد عليه فوجب أن يبقى على النفي الأصلي.
والجواب: أن الذمة مشغولة بوجوب الدية، والأصل في الثابت البقاء، وقد رأينا حصول الاتفاق على السقوط بأداء أكثر ما قيل فيه، فوجب أن لا يحصل ذلك السقوط عند أداء أقل ما فيه، والله أعلم.
المسألة السادسة: قال الشافعي رحمه الله: إذا لم توجد الابل، فالواجب إما ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم.
وقال أبو حنيفة: بل الواجب عشرة آلاف درهم.
حجة الشافعي: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
قال: كانت قيمة الدية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار.
وثمانية آلاف درهم، فلما استخلف عمر رضي الله عنه قام خطيبا.
وقال: إن الابل قد غلت أثمانها، ثم إن عمر فرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق أثنى عشر ألفا، وجه الاستدلال أن عمر ذكر ذلك في مجمع الصحابة وما أنكر عليه أحد فكان إجماعا.
حجة أبي حنيفة: أن الأخذ بالأقل أولى، وقد سبق جوابه.
المسألة السابعة: قال أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج: الدية واجبة على القاتل، قالوا: ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ خطأ ﴾ لا شك أنه إيجاب لهذا التحرير، والايجاب لابد فيه من شخص يجب عليه ذلك الفعل، والمذكور قبل هذه الآية هو القاتل، وهو قوله: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً ﴾ فهذا الترتيب يوجب القطع بأن هذا التحرير إنما أوجبه الله تعالى عليه لا على غيره، والثاني: أن هذه الجناية صدرت منه، والمعقول هو أن الضمان لا يجب إلا على المتلف، أقصى ما في الباب أن هذا الفعل صدر عنه على سبيل الخطأ.
ولكن الفعل الخطأ قائم في قيم المتلفات وأروش الجنايات، مع أن تلك الضمانات لا تجب إلا على المتلف، فكذا هاهنا.
الثالث: أنه تعالى أوجب في هذه الآية شيئين: تحرير الرقبة المؤمنة، وتسليم الدية الكاملة، ثم انعقد الاجماع على أن التحرير واجب على الجاني، فكذا الدية يجب أن تكون واجبة على القاتل، ضرورة أن اللفظ واحد في الموضعين.
الرابع: أن العاقلة لم يصدر عنهم جناية ولا ما يشبه الجناية، فوجب أن لا يلزمهم شيء للقرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ لا تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ﴾ وقال: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ﴾ وأما الخبر فما روي أن أبا رمثة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابنه فقال عليه الصلاة والسلام: «من هذا؟» فقال ابني، قال: «إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه»، ومعلوم أنه ليس المقصود منه الاخبار عن نفس الجناية إنما المقصود بيان أن أثر جنايتك لا يتعدى إلى ولدك وبالعكس، وكل ذلك يدل على أن إيجاب الدية على الجاني أولى من إيجابها عل الغير.
الخامس: أن النصوص تدل على أن مال الإنسان معصوم وأنه لا سبيل لأحد أن يأخذه منه.
قال تعالى: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «كل امرئ أحق بكسبه» وقال: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» وقال: «لا يحل مال المسلم إلا بطيبة من نفسه» تركنا العمل بهذه العمومات في الأشياء التي عرفنا بنص القرآن كونها موجبة لجواز الأخذ كما قلنا في الزكوات، وكما قلنا في أخذ الضمانات.
وأما في إيجاب الدية على العاقلة فالمعتمد فيه على خبر الواحد، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز، لأن القرآن معلوم، وخبر الواحد مظنون، وتقديم المظنون على المعلوم غير جائز، ولأن هذا خبر واحد ورد فيما تعم به البلوى فيرد، ولأنه خبر واحد ورد على مخالفة جميع أصول الشرائع، فوجب رده، وأما الفقهاء فقد تمسكوا فيه بالخبر والأثر والآية: أما الخبر: فما روى المغيرة أن امرأة ضربت بطن امرأة أخرى فألقت جنينا ميتا، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاقلة الضاربة بالغرة، فقام حمل بن مالك فقال: كيف ندى من لا شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك بطل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا من سجع الجاهلية»، وأما الأثر: فهو أن عمر رضي الله عنه قضى على علي بأن يعقل عن مولى صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها، وعلي كان ابن أخي صفية، وقضى للزبير بميراثها، فهذا يدل على أن الدية إنما تجب على العاقلة، والله أعلم.
المسألة الثامنة: مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل.
وقال الأصم وابن عطية: ديتها مثل دية الرجل.
حجة الفقهاء أن عليا وعمر وابن مسعود قضوا بذلك، ولأن المرأة في الميراث والشهادة على النصف من الرجل، فكذلك في الدية.
وحجة الأصم قوله تعالى: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ وأجمعوا على أن هذه الآية دخل فيها حكم الرجل والمرأة، فوجب أن يكون الحكم فيها ثابتا بالسوية، والله أعلم.
المسألة التاسعة: انفقوا على أن دية الخطأ مخففة في ثلاث سنين: الثلث في السنة، والثلثان في السنتين، والكل في ثلاث سنين.
استفاض ذلك عن عمر ولم يخالفه فيه أحد من السلف فكان إجماعا.
المسألة العاشرة: لا فرق في هذه الدية بين أين يقضي منها الدين وتنفذ منها الوصية، ويقسم الباقي بين الورثة على فرائض الله تعالى.
روي أن امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: لا أعلم لك شيئا، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه، فشهد بعض من الصحابة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يورث الزوجة من دية زوجها، فقضى عمر بذلك، وإذ قد ذكرنا هذه المسائل فلنرجع إلى تفسير الآية فنقول: قوله: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ معناه فعليه تحرير رقبة، والتحرير عبارة عن جعله حرا، والحر هو الخالص، ولما كان الإنسان في أصل الخلقة خلق ليكون مالكا للأشياء كما قال تعالى: ﴿ خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ﴾ فكونه مملوكا يكون صفة تكدر مقتضى الانسانية وتشوشها، فلا جرم سميت إزالة الملك تحريراً، أي تخليصا لذلك الإنسان عما يكدر إنسانيته، والرقبة عبارة عن النسمة كما قد يجعل الرأس أيضا عبارة عن نسمة في قولهم: فلان يملك كذا رأسا من الرقيق، والمراد برقبة مؤمنة كل رقبة كانت على حكم الاسلام عند الفقهاء، وعند ابن عباس لا تجزي إلا رقبة قد صلت وصامت، وقد ذكرنا هذه المسألة.
وقوله: ﴿ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ قال الواحدي: الدية من الودي كالشية من الوشي، والأصل ودية فحذفت الواو يقال: ودى فلانا فلانا، أي أدى ديته إلى وليه، ثم إن الشرع خصص هذا اللفظ بما يؤدى في بدل النفس دون ما يؤدى في بدل المتلفات، ودون ما يؤدى في بدل الاطراف والاعضاء.
ثم قال تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ أصله يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد، ومعنى التصدق الاعطاء قال الله تعالى: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ الله يَجْزِى المتصدقين ﴾ والمعنى: إلا أن يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية.
قال صاحب الكشاف: وتقدير الآية، ويجب عليه الدية وتسليمها إلى حين يتصدقون عليه، وعلى هذا فقوله: ﴿ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ في محل النصب على الظرف، ويجوز أن يكون حالا من أهله بمعنى إلا متصدقين.
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ .
فاعلم أنه تعالى ذكر في الآية الأولى: أن من قتل على سبيل الخطأ مؤمنا فعليه تحرير الرقبة وتسليم الدية، وذكر في هذه الآية أن من قتل على سبيل الخطأ مؤمنا من قوم عدو لنا فعليه تحرير الرقبة وسكت عن ذكر الدية، ثم ذكر بعد أن المقتول إن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وجبت الدية، والسكوت عن إيجاب الدية في هذه الآية مع ذكرها فيما قبل هذه الآية، وفيما بعدها يدل على أن الدية غير واجبة في هذه الصورة.
إذا ثبت هذا فنقول: كلمة من في قوله: ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ ﴾ إما أن يكون المراد منها كون هذا المقتول من سكان دار الحرب، أو المراد كونه ذا نسب منهم، والثاني باطل لانعقاد الاجماع على أن المسلم الساكن في دار الاسلام، وجميع أقاربه يكونون كفارا، فاذا قتل على سبيل الخطأ وجبت الدية في قتله، ولما بطل هذا القسم تعين الأول فيكون المراد: وإن كان المقتول خطأ من سكان دار الحرب وهو مؤمن، فالواجب بسبب قتله الواقع على سبيل الخطأ هو تحرير الرقبة، فأما وجوب الدية فلا.
قال الشافعي رحمه الله: وكما دلت هذه الآية على هذا المعنى فالقياس يقويه، أما أنه لا تجب الدية فلأنا لو أوجبنا الدية في قتل المسلم الساكن في دار الحرب لاحتاج من يريد غزو دار الحرب إلى أن يبحث عن كل أحد أنه هل هو من المسلمين أم لا، وذلك مما يصعب ويشف فيفضي ذلك إلى احتراز الناس عن الغزو، فالأولى سقوط الدية عن قاتله لأنه هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختياره السكنى في دار الحرب، وأما الكفارة فإنها حق الله تعالى، لأنه لما صار ذلك الإنسان مقتولا فقد هلك إنسان كان مواظبا على عبادة الله تعالى، والرقيق لا يمكنه المواظبة على عبادة الله، فاذا أعتقه فقد أقامه مقام ذلك المقتول في المواظبة على العبادات، فظهر أن القياس يقتضي سقوط الدية، ويقتضي بقاء الكفارة، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فيه قولان: الأول: أن المراد منه المسلم، وذلك لأنه تعالى ذكر أولا حال المسلم القاتل خطأ ثم ذكر حال المسلم المقتول خطأ إذا كان فيما بين أهل الحرب، ثم ذكر حال المسلم المقتول خطأ إذا كان فيما بين أهل العهد وأهل الذمة ولا شك أن هذا ترتيب حسن فكان حمل اللفظ عليه جائزا، والذي يؤكد صحة هذا القول أن قوله: ﴿ وَإِن كَانَ ﴾ لابد من إسناده إلى شيء جرى ذكره فيما تقدم، والذي جرى ذكره فيما تقدم هو المؤمن المقتول خطأ.
فوجب حمل اللفظ عليه.
القول الثاني: أن المراد منه الذمي، والتقدير: وإن كان المقتول من قوم بينكم وبينهم ميثاق ومعنى كون المقتول منهم أنه على دينهم ومذهبهم، والقائلون بهذا القول طعنوا في القول الأول من وجوه: الأول: أن المسلم المقتول خطأ سواء كان من أهل الحرب أو كان من أهل الذمة فهو داخل تحت قوله: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ فلو كان المراد من هذه الآية هو المؤمن لكان هذا عطفا للشيء على نفسه وانه لا يجوز، بخلاف ما إذا كان المؤمن المقتول خطأ من سكان دار الحرب، فانه تعالى إنما أعاده لبيان أنه لا تجب الدية في قتله، وأما في هذه الآية فقد أوجب الدية والكفارة، فلو كان المراد منه هو المؤمن لكان هذا إعادة وتكرارا من غير فائدة وإنه لا يجوز.
الثاني: أنه لو كان المراد منه ما ذكرتم لما كانت الدية مسلمة إلى أهله لأن أهله كفار لا يرثونه.
الثالث: أن قوله: ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ ﴾ يقتضي أن يكونوا من ذلك القوم في الوصف الذي وقع التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما، فإن كونه منهم مجمل لا يدرى أنه منهم في أي الأمور، وإذا حملناه على كونه منهم في ذلك الوصف زال الاجمال فكان ذلك أولى، وإذا دلت الآية على أنه منهم في كونه معاهدا وجب أن يكون ذميا أو معاهدا مثلهم ويمكن أن يجاب عن هذه الوجوه: أما الأول: فجوابه أنه تعالى ذكر حكم المؤمن المقتول على سبيل الخطأ، ثم ذكر أحد قسميه وهو المؤمن المقتول خطأ الذي يكون من سكان دار الحرب، فبين أن الدية لا تجب في قتله، وذكر القسم الثاني وهو المؤمن المقتول خطأ الذي يكون من سكان مواضع أهل الذمة، وبين وجوب الدية والكفارة في قتله، والغرض منه إظهار الفرق بين هذا القسم وبين ما قبله.
وأما الثاني: فجوابه أن أهله هم المسلمون الذين تصرف ديته إليهم.
وأما الثالث: فجوابه أن كلمة من صارت مفسرة في الآية السابقة بكلمة في يعني في قوم عدو لكم، فكذا هاهنا يجب أن يكون المعنى ذلك لا غير.
واعلم أن فائدة هذا البحث تظهر في مسألة شرعية، وهي أن مذهب أبي حنيفة أن دية الذمي مثل دية المسلم، وقال الشافعي رحمه الله تعالى: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المجوسي، ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم.
واحتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية: ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ ﴾ المراد به الذمي، ثم قال: ﴿ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ﴾ فأوجب تعالى فيهم تمام الدية، ونحن نقول: إنا بينا أن الآية نازلة في حق المؤمنين لا في حق أهل الذمة فسقط الاستدلال، وأيضا بتقدير أن يثبت لهم أنها نازلة في أهل الذمة لم تدل على مقصودهم، لأنه تعالى أوجب في هذه الآية دية مسلمة، فهذا يقتضي إيجاب شيء من الأشياء التي تسمى دية، فلم قلتم إن الدية التي أوجبها في حق الذمي هي الدية التي أوجبها في حق المسلم؟
ولم لا يجوز أن تكون دية المسلم مقداراً معينا.
ودية الذمي مقداراً آخر، فإن الدية لا معنى لها إلا المال الذي يؤدى في مقابلة النفس، فإن ادعيتم أن مقدار الدية في حق المسلم وفي حق الذمي واحد فهو ممنوع، والنزاع ما وقع إلا فيه، فسقط هذا الاحتجاج، والله أعلم.
المسألة الثانية: لقائل أن يقول: لم قدم تحرير الرقبة على الدية في الآية الأولى وهاهنا عكس هذا الترتيب، إذ لو أفاده لتوجه الطعن في إحدى الآيتين فصار هذا كقوله: ﴿ ادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ وفي آية أخرى ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وادخلوا الباب ﴾ والله أعلم.
المسألة الثالثة: في هؤلاء الذين بيننا وبينهم ميثاق قولان: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم أهل الذمة من أهل الكتاب.
الثاني: قال الحسن: هم المعاهدون من الكفار.
ثم قال تعالى: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ أي فعليه ذلك بدلا عن الرقبة إذا كان فقيرا، وقال مسروق إنه بدل عن مجموع الكفارة والدية، والتتابع واجب حتى لو أفطر يوما وجب الاستئناف إلا أن يكون الفطر بحيض أو نفاس، وقوله: ﴿ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ انتصب بمعنى صيام ما تقدم، كأنه قيل: اعملوا بما أوجب الله عليكم لأجل التوبة من الله، أي ليقبل الله توبتكم، وهو كما يقال: فعلت كذا حذر الشر.
فإن قيل: قتل الخطأ لا يكون معصية، فما معنى قوله: ﴿ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ .
قلنا فيه وجوه: الأول: أن فيه نوعين من التقصير، فإن الظاهر أنه لو بالغ في الاحتياط لم يصدر عنه ذلك الفعل، ألا ترى أن من قتل مسلما على ظن أنه كافر حربي، فلو أنه بالغ في الاحتياط والاستكشاف فالظاهر أنه لا يقع فيه، ومن رمى إلى صيد فأخطأ وأصاب إنسانا فلو احتاط فلا يرمي إلا في موضع يقطع بأنه ليس هناك إنسان فانه لا يقع في تلك الواقعة، فقوله: ﴿ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ تنبيه على أنه كان مقصرا في ترك الاحتياط.
الوجه الثاني في الجواب: أن قوله: ﴿ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ راجع إلى أنه تعالى أذن له في إقامة الصوم مقام الاعتاق عند العجز عنه، وذلك لأن الله تعالى اذا تاب على المذنب فقد خفف عنه، فلما كان التخفيف من لوازم التوبة أطلق لفظ التوبة لارادة التخفيف إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم.
الوجه الثالث في الجواب: أن المؤمن إذا اتفق له مثل هذا الخطأ فإنه يندم ويتمنى أن لا يكون ذلك مما وقع فسمى الله تعالى ذلك الندم وذلك التمني توبة.
ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ والمعنى أنه تعالى عليم بأنه لم يقصد ولم يتعمد حكيم في أنه ما يؤاخذه بذلك الفعل الخطأ، فإن الحكمة تقتضي أن لا يؤاخذ الإنسان إلا بما يختار ويتعمد.
واعلم أن أهل السنة لما اعتقدوا أن أفعال الله تعالى غير معللة برعاية المصالح قالوا: معنى كونه تعالى حكيما كونه عالما بعواقب الأمور.
وقالت المعتزلة: هذه الآية تبطل هذا القول لأنه تعالى عطف الحكيم على العليم، فلو كان الحكيم هو العليم لكان هذا عطفا للشيء على نفسه وهو محال.
والجواب: أن في كل موضع من القرآن ورد فيه لفظ الحكيم معطوفا على العليم كان المراد من الحكيم كونه محكما في أفعاله، فالأحكام والاعلام عائدان إلى كيفية الفعل، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله، كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ [آل عمران: 161] ، ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا ﴾ [الأعراف: 89] ، ﴿ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً ﴾ ابتداء غير قصاص ﴿ إِلا خَطَئاً ﴾ إلا على وجه الخطأ.
فإن قلت: بم انتصب خطأ؟
قلت: بأنه مفعول له، أي ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده.
ويجوز أن يكون حالاً بمعنى لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ.
وأن يكون صفة للمصدر إلا قتلاً خطأ.
والمعنى أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد، بأن يرمي كافراً فيصيب مسلماً، أو يرمي شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم.
وقرئ: ﴿ خطاء ﴾ بالمد و ﴿ خطا ﴾ ، بوزن عمى- بتخفيف الهمزة- وروى: أنّ عياش بن أبي ربيعة- وكان أخا أبي جهل لأمّه- أسلم وهاجر خوفاً من قومه إلى المدينة، وذلك قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا يؤويها سقف حتى يرجع.
فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه وهو في أطم ففتل منه أبو جهل في الذروة والغارب، وقال: أليس محمد يحثك على صلة الرحم، انصرف وبرَّ أمك وأنت على دينك، حتى نزل وذهب معهما، فلما فسحا عن المدينة كتفاه، وجلده كل واحد مائة جلدة.
فقال للحارث: هذا أخي، فمن أنت يا حارث؟
لله عليّ إن وجدتك خالياً أن أقتلك، وقدما به على أمه، فحلفت لا يحل كتافه أو يرتد.
ففعل ثم هاجر بعد ذلك وأسلم، وأسلم الحارث وهاجر، فلقيه عياش بظهر قباء ولم يشعر بإسلامه فأنحى عليه فقتله، ثم أخبر بإسلامه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلته ولم أشعر بإسلامه، فنزلت ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ فعليه تحرير رقبة.
والتحرير: الإعتاق.
والحر والعتيق: الكريم، لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد.
ومنه: عتاق الخيل، وعتاق الطير لكرامها.
وحرّ الوجه: أكرم موضع منه.
وقولهم للئيم عبد.
وفلان عبد الفعل: أي لئيم الفعل.
والرقبة: عبارة عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم: فلان يملك كذا رأساً من الرقيق.
والمراد برقبة مؤمنة: كل رقبة كانت على حكم الإسلام عند عامة العلماء.
وعن الحسن: لا تجزئ إلا رقبة قد صلت وصامت، ولا تجزئ الصغيرة.
وقاس عليها الشافعي كفارة الظهار، فاشترط الإيمان.
وقيل: لما أخرج نفساً مؤمنة عن جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار، لأنّ إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار ﴿ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء، يقضي منها الدين، وتنفذ الوصية وإن لم يبق وارثاً فهي لبيت المال، لأن المسلمين يقومون مقام الورثة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا وارث من لا وارث له» وعن عمر رضي الله عنه: أنه قضى بدية المقتول، فجاءت امرأته تطلب ميراثها من عقله فقال: لا أعلم لك شيئاً، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه.
فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: كتب إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم.
فورّثها عمر، وعن ابن مسعود: يرث كل وارث من الدية غير القاتل.
وعن شريك: لا يقضي من الدية دين، ولا تنفذ وصية.
وعن ربيعة: الغرة لأم الجنين وحدها، وذلك خلاف قول الجماعة.
(فإن قلت): على من تجب الرقبة والدية؟
قلت: على القاتل إلا أن الرقبة في ماله، والدية تتحملها عنه العاقلة، فإن لم تكن له عاقلة فهي في بيت المال، فإن لم يكن ففي ماله ﴿ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ إلا أن يتصدقوا عليه بالدية ومعناه العفو، كقوله: ﴿ إَّلا أَن يَعْفُونَ ﴾ [البقرة: 237] ونحوه ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ [البقرة: 280] وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة» ، وقرأ أبيّ: ﴿ إلا أن يتصدقوا ﴾ .
فإن قلت: بم تعلق أن يصدقوا، وما محله؟
قلت: تعلق بعليه، أو بمسلمة، كأنه قيل: وتجب عليه الدية أو يسلمها، إلا حين يتصدقون عليه.
ومحلها النصب على الظرف بتقدير حذف الزمان، كقولهم: اجلس ما دام زيد جالساً.
ويجوز أن يكون حالاً من أهله بمعنى إلا متصدقين ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ ﴾ من قوم كفار أهل الحرب وذلك نحو رجل أسلم في قومه الكفار وهو بين أظهرهم لم يفارقهم، فعلى قاتله الكفارة إذا قتله خطأ وليس على عاقلته لأهله شيء.
لأنهم كفار محاربون.
وقيل: كان الرجل يسلم؛ ثم يأتي قومه وهم مشركون فيغزوهم جيش المسلمين، فيقتل فيهم خطأ لأنهم يظنونه كافراً مثلهم ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ ﴾ كفرة لهم ذمة كالمشركين الذين عاهدوا المسلمين وأهل الذمة من الكتابيين، فحكمه حكم مسلم من مسلمين ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ ﴾ رقبة، بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليه ﴿ ف ﴾ عليه ﴿ فصِيَامٍ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ قبولاً من الله ورحمة منه، من تاب الله عليه إذا قبل توبته يعني شرع ذلك توبة منه، أو نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه.
هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ.
ومن ثم روى عن ابن عباس ما روى من أن توبة قاتل المؤمن عمداً غير مقبولة.
وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة.
وناهيك بمحو الشرك دليلاً.
وفي الحديث: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم» وفيه: «لو أن رجلاً قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه» وفيه: «إن هذا الإنسان بنيان الله.
ملعون من هدم بنيانه» وفيه: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله» والعجب من قوم يقرؤن هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس بمنع التوبة.
ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة واتباعهم هواهم وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24] ثم ذكر الله سبحانه وتعالى التوبة في قتل الخطأ، لما عسى يقع من نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ فيه حسم للأطماع وأي حسم، ولكن لا حياة لمن تنادي.
فإن قلت: هل فيها دليل على خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟
قلت: ما أبين الدليل وهو تناول قوله: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ ﴾ أيَّ قاتل كان، من مسلم أو كافر، تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه الدليل.
فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ وما صَحَّ لَهُ ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ.
﴿ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا ﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ.
﴿ إلا خَطَأً ﴾ فَإنَّهُ عَلى عُرْضَتِهِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ أوِ المَفْعُولِ لَهُ أيْ: لا يَقْتُلُهُ في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ الخَطَأِ، أوْ لا يَقْتُلُهُ لِعِلَّةٍ إلّا لِلْخَطَأِ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إلّا قَتْلًا خَطَأً.
وقِيلَ ما كانَ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ لَكِنْ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَجَزاؤُهُ ما يَذْكُرُ، والخَطَأُ ما لا يُضامُّهُ القَصْدُ إلى الفِعْلِ أوِ الشَّخْصِ أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ زُهُوقُ الرُّوحِ غالِبًا، أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ مَحْظُورٌ كَرَمْيِ مُسْلِمٍ في صَفِّ الكُفّارِ مَعَ الجَهْلِ بِإسْلامِهِ، أوْ يَكُونُ فِعْلُ غَيْرِ المُكَلَّفِ.
وقُرِئَ «خَطاءً» بِالمَدِّ و «خَطا» كَعَصا بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ أخِي أبِي جَهْلٍ مِنَ الأُمِّ، لَقِيَ حارِثَ بْنَ زَيْدٍ في طَرِيقٍ وكانَ قَدْ أسْلَمَ ولَمْ يَشْعُرْ بِهِ عَيّاشٌ فَقَتَلَهُ.
﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ أوْ فَواجِبُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، والتَّحْرِيرُ الإعْتاقُ، والحُرُّ كالعَتِيقِ لِلْكَرِيمِ مِنَ الشَّيْءِ ومِنهُ حُرُّ الوَجْهِ لِأكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنهُ، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّ الكَرَمَ في الأحْرارِ واللُّؤْمَ في العَبِيدِ، والرَّقَبَةُ عَبَّرَ بِها عَنِ النَّسَمَةِ كَما عَبَّرَ عَنْها بِالرَّأْسِ.
﴿ مُؤْمِنَةٍ ﴾ مَحْكُومٌ بِإسْلامِها وإنْ كانَتْ صَغِيرَةً.
﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ ﴾ مُؤَدّاةٌ إلى ورَثَتِهِ يَقْتَسِمُونَها كَسائِرِ المَوارِيثِ، لِقَوْلِ ضَحّاكِ بْنِ سُفْيانَ الكِلابِيِّ: « (كَتَبَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ يَأْمُرُنِي أنْ أُوَرِّثَ امْرَأةَ أشْيَمَ الضَّبابِيِّ مِن عَقْلِ زَوْجِها)» .
وَهِيَ عَلى العاقِلَةِ فَإنْ لَمْ تَكُنْ فَعَلى بَيْتِ المالِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَفي مالِهِ.
﴿ إلا أنْ يَصَّدَّقُوا ﴾ إلّا أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ بِالدِّيَةِ.
سُمِّيَ العَفْوُ عَنْها صَدَقَةً حَثًّا عَلَيْهِ وتَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ، وعَنِ النَّبِيِّ : «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ».» وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِعَلَيْهِ، أوْ بِمُسَلَّمَةٍ أيْ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ أوْ يُسَلِّمُها إلى أهْلِهِ إلّا حالَ تَصَدُّقِهِمْ عَلَيْهِ.
أوْ زَمانَهُ فَهو في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ القاتِلِ أوِ الأهْلِ أوِ الظَّرْفِ.
﴿ فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ أيْ فَإنْ كانَ المُؤْمِنُ المَقْتُولُ مِن قَوْمٍ كُفّارٍ مُحارِبِينَ، أوْ في تَضاعِيفِهِمْ ولَمْ يُعْلَمْ إيمانُهُ فَعَلى قاتِلِهِ الكَفّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ لِأهْلِهِ إذْ لا وِراثَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم ولِأنَّهم مُحارِبُونَ.
﴿ وَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ أيْ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ كَفَرَةٍ مُعاهِدِينَ، أوْ أهْلِ الذِّمَّةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ المُسْلِمِينَ في وُجُوبِ الكَفّارَةِ والدِّيَةِ ولَعَلَّهُ فِيما إذا كانَ المَقْتُولُ مُعاهِدًا، أوْ كانَ لَهُ وارِثٌ مُسْلِمٌ.
﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ ﴾ رَقَبَةً بِأنْ لَمْ يَمْلِكْها ولا ما يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها.
﴿ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ﴾ فَعَلَيْهِ أوْ فالواجِبُ عَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ.
﴿ تَوْبَةً ﴾ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ لَهُ أيْ شُرِعَ ذَلِكَ تَوْبَةً، مِن تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذا قَبِلَ تَوْبَتَهُ.
أوْ عَلى المَصْدَرِ أيْ وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم تَوْبَةً أوِ الحالِ بِحَذْفِ مُضافٍ أيْ فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ ذا تَوْبَةٍ.
﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ صِفَتُها.
﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بِحالِهِ.
﴿ حَكِيمًا ﴾ فِيما أمَرَ في شَأْنِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ} وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله {أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً} ابتداء من غير قصاص أي ليس المؤمن كالكافر الذى تقدم إباحة دمه {إلا خطأ} إلا على وجه الخطأ وهو استثناء منقطع بمعنى
لكن أي لكن إن وقع خطأ ويحتمل أن يكون صفة لمصدر أي إلا قتلاً خطأ والمعنى من شأن المؤمن أن ينتفى عنه وجوده قتل المؤمن ابتداء البتة إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي كافراً فيصيب مسلماً أو يرمي شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم {وَمَن قَتَلَ مؤمنا خطأ} صفة مصدر محذوف أي قتلاً خطأ {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} مبتدأ والخبر محذوف أي فعليه تحرير رقبة والتحرير الإعتاق والحر والعتيق الكريم لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد ومنه عتاق الطير وعتاق الخيل لكرامها والرقبة النسمة ويعبر عنها بالرأس في قولهم فلان يملك كذا رأساً من الرقيق {مُؤْمِنَةٍ} قيل ما أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات إذ الرق أثر من آثار الكفر والكفر موت حكماً أو من كان ميتا فأحييناه ولذا منع من تصرف الأحرار وهذا مشكل إذ لو كان كذلك لوجب في العمد أيضاً لكن يحتمل أن يقال إنما وجب عليه ذلك لأن الله تعالى أبقى للقاتل نفساً مؤمنة حيث لم يوجب القصاص فأوجب عليه مثلها رقبة مؤمنة {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أهله} مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء فيقضي منها الدين وتنفذ الوصية وإذا لم يبق وارث فهي لبيت المال وقد ورث رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم لكن الدية على العاقلة والكفارة على القاتل {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} إلا أن يتصدقوا عليه بالدية أي يعفوا عنه والتقدير فعليه دية فى كل حال إلا فى حال لتصدق عليه بها {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لكم} فإن فإن كان المقتول خطأ من قوم أعداءلكم أى كفرة فالعدو يطلق على الجميع {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي المقتول مؤمن {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} يعني إذا أسلم الحربي في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم خطأ تجب
الكفارة بقتله للعصمة المؤثمة وهي الإسلام ولا تجب الدية لأن العصمة المقومة بالدار ولم توجد {وإن كان} أى
النساء (٩٢ _ ٩٤)
المقتول {مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ} بين المسلمين {وَبَيْنَهُمْ ميثاق} عهد {فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً} أي وإن كان المقتول ذمياً فحكمه حكم المسلم وفيه دليل على أن دية الذمي كدية المسلم وهو قولنا {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} رقبة أي لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} فعليه صيام شهرين {مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ الله} قبولاً من الله ورحمة منه من تاب الله عليه إذا قبل توبته يعني شرع ذلك توبة منه أو فليتب توبة فهي نصب على المصدر {وكان الله عليما} بما أم {حَكِيماً} فيما قدّر
﴿ وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ بَيانِ حالِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، وقِيلَ: لَمّا رَغَّبَ سُبْحانَهُ في قِتالِ الكُفّارِ ذَكَرَ إثْرَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالمُحارَبَةِ في الجُمْلَةِ أيْ: ما صَحَّ لَهُ ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ ﴿ أنْ يَقْتُلَ ﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿ مُؤْمِنًا ﴾ فَإنَّ الإيمانَ زاجِرٌ عَنْ ذَلِكَ ﴿ إلا خَطَأً ﴾ فَإنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يُحْتَرَزُ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، وقَلَّما يَخْلُو المُقاتِلُ عَنْهُ، وانْتِصابُهُ إمّا عَلى أنَّهُ حالٌ أيْ: ما كانَ لَهُ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الخَطَأِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: ما كانَ لَهُ أنْ يَقْتُلَهُ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِلْخَطَأِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ أيْ: إلّا قَتْلًا خَطَأً، فالِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ ذَلِكَ مُفَرَّغٌ، وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ عَلى ما يُفْهِمُهُ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، ولا يَلْزَمُ جَوازُ القَتْلِ خَطَأً شَرْعًا، حَيْثُ كانَ المَعْنى: إنَّ مِن شَأْنِ المُؤْمِنِ أنْ لا يَقْتُلَ إلّا خَطَأً.
وقالَ بَعْضُهُمُ: الِاسْتِثْناءُ في الآيَةِ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَجَزاؤُهُ ما يُذْكَرُ، وقِيلَ: (إلّا) بِمَعْنى (ولا)، والتَّقْدِيرُ: وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا عَمْدًا ولا خَطَأً، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مِن مُؤْمِنٍ أيْ: إلّا خاطِئًا، والمُخْتارُ مَعَ الفَصْلِ الكَثِيرِ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّصْبُ، والخَطَأُ ما لا يُقارِنُهُ القَصْدُ إلى الفِعْلِ أوِ الشَّخْصِ، أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ زُهُوقُ الرُّوحِ غالِبًا، أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ مَحْظُورٌ كَرَمْيِ مُسْلِمٍ في صَفِّ الكُفّارِ مَعَ الجَهْلِ بِإسْلامِهِ، وقُرِئَ (خَطاءً) بِالمَدِّ، و(خَطًا) بِوَزْنِ عَمًى بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ، «أنَّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيَّ - وكانَ أخا أبِي جَهْلٍ والحَرْثِ بْنِ هِشامٍ لِأُمِّهِما - أسْلَمَ وهاجَرَ إلى النَّبِيِّ وكانَ أحَبَّ ولَدِ أُمِّهِ إلَيْها فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْها، فَحَلَفَتْ أنْ لا يَظِلَّها سَقْفُ بَيْتٍ حَتّى تَراهُ، فَأقْبَلَ أبُو جَهْلٍ والحَرْثُ حَتّى قَدِما المَدِينَةَ فَأخْبَرا عَيّاشًا بِما لَقِيَتْ أُمُّهُ، وسَألاهُ أنْ يَرْجِعَ مَعَهُما فَتَنْظُرَ إلَيْهِ، ولا يَمْنَعاهُ أنْ يَرْجِعَ، وأعْطَياهُ مَوْثِقًا أنْ يُخَلِّيا سَبِيلَهُ بَعْدَ أنْ تَراهُ أُمُّهُ، فانْطَلَقَ مَعَهُما، حَتّى إذا خَرَجا مِنَ المَدِينَةِ عَمَدا إلَيْهِ فَشَدّاهُ وِثاقًا، وجَلَداهُ نَحْوًا مِن مِائَةِ جِلْدَةٍ، وأعانَهُما عَلى ذَلِكَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ، فَحَلَفَ عِياشٌ لَيَقْتُلَنَّ الكِنانِيَّ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَقَدِما بِهِ مَكَّةَ فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا حَتّى فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - مَكَّةَ، فَخَرَجَ عِياشٌ فَلَقِيَ الكِنانِيَّ وقَدْ أسْلَمَ، وعِياشٌ لا يَعْلَمُ بِإسْلامِهِ فَضَرَبَهُ حَتّى قَتَلَهُ، فَأُخْبِرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ فَنَزَلَتْ،» ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، «عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ قَتَلَهُ أبُو الدَّرْداءِ، كانَ في سَرِيَّةٍ فَعَدَلَ أبُو الدَّرْداءِ إلى شِعْبٍ يُرِيدُ حاجَةً لَهُ، فَوَجَدَ رَجُلًا مِنَ القَوْمِ في غَنَمٍ لَهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَبَدَرَ، فَضَرَبَهُ ثُمَّ جاءَ بِغَنَمِهِ إلى القَوْمِ، ثُمَّ وجَدَ في نَفْسِهِ شَيْئًا فَأتى إلى النَّبِيِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : «ألا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ، وقَدْ أخْبَرَكَ بِلِسانِهِ فَلَمْ تُصَدِّقْهُ!
فَقالَ: كَيْفَ بِي يا رَسُولَ اللَّهِ؟
فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: فَكَيْفَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ»!
وتَكَرَّرَ ذَلِكَ، قالَ أبُو الدَّرْداءِ: فَتَمَنَّيْتُ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ مُبْتَدَأ إسْلامِي، ثُمَّ نَزَلَ القُرْآنُ».
﴿ ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ، أيْ: فَواجِبُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، والتَّحْرِيرُ الإعْتاقُ، وأصْلُ مَعْناهُ: جَعَلَهُ حُرًّا أيْ: كَرِيمًا؛ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مُكَرَّمٍ: حُرٌّ، ومِنهُ حُرُّ الوَجْهِ (لِلْخَدِّ) وأحْرارُ الطَّيْرِ، وكَذا تَحْرِيرُ الكِتابِ مِن هَذا أيْضًا.
والمُرادُ بِالرَّقَبَةِ النَّسَمَةُ تَعْبِيرًا عَنِ الكُلِّ بِالجُزْءِ، قالَ الرّاغِبُ: إنَّها في المُتَعارَفِ لِلْمَمالِيكِ، كَما يُعَبَّرُ بِالرَّأْسِ والظَّهْرِ عَنِ المَرْكُوبِ فَيُقالُ: فُلانٌ يَرْبُطُ كَذا رَأْسًا، وكَذا ظَهْرًا.
﴿ مُؤْمِنَةٍ ﴾ مَحْكُومٌ بِإيمانِها، وإنْ كانَتْ صَغِيرَةً، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَطاءٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، وإبْراهِيمَ، والحَسَنِ: لا يُجْزِئُ في كَفّارَةِ القَتْلِ الطِّفْلُ ولا الكافِرُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: في حَرْفِ أُبَيٍّ: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لا يُجْزِئُ فِيها صَبِيٌّ) وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ جَوازَ عِتْقِ كِتابِيٍّ صَغِيرٍ أوْ مَجُوسِيٍّ كَبِيرٍ أوْ صَغِيرٍ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى عَدَمِ إجْزاءِ نِصْفِ رَقَبَةٍ ونِصْفِ أُخْرى ﴿ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ ﴾ أيْ: مُؤَدّاةٌ إلى ورَثَةِ القَتِيلِ، يَقْتَسِمُونَها بَيْنَهم عَلى حَسَبِ المِيراثِ، فَقَدْ أخْرَجَ أصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ، عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ سُفْيانَ الكِلابِيِّ قالَ: ««كَتَبَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ يَأْمُرُنِي أنْ أُوَرِّثَ امْرَأةَ أشْيَمَ الضِّبابِيِّ مِن عَقْلِ زَوْجِها»» ويُقْضى مِنها الدَّيْنُ، وتُنَفَّذُ الوَصِيَّةُ، ولا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ سائِرِ التَّرِكَةِ، وعَنْ شَرِيكٍ: لا يُقْضى مِنَ الدِّيَةِ دِينٌ، ولا تُنَفَّذُ وصِيَّةٌ.
وعَنْ رَبِيعَةَ: الغُرَّةُ لِأُمِّ الجَنِينِ وحْدَها، وذَلِكَ خِلافُ قَوْلِ الجَماعَةِ، وتَجِبُ الرَّقَبَةُ في مالِ القاتِلِ، والدِّيَةُ تَتَحَمَّلُها عَنْهُ العاقِلَةُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ فَهي في بَيْتِ المالِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَفي مالِهِ ﴿ إلا أنْ يَصَّدَّقُوا ﴾ أيْ: يَتَصَدَّقُ أهْلُهُ عَلَيْهِ، وسَمّى العَفْوَ عَنْها صَدَقَةً حَثًّا عَلَيْهِ.
وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ، عَنِ النَّبِيِّ : ««كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»» وهو مُتَعَلِّقٌ بِعَلَيْهِ المُقَدَّرِ قَبْلُ، أوْ بِـ(مُسَلَّمَةٌ) أيْ: فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ أوْ يُسَلِّمُها في جَمِيعِ الأحْيانِ إلّا حِينَ أنَّ يَتَصَدَّقُ أهْلُهُ بِها، فَحِينَئِذٍ تَسْقُطُ، ولا يَلْزَمُ تَسْلِيمُها، ولَيْسَ فِيهِ - كَما قِيلَ - دَلالَةٌ عَلى سُقُوطِ التَّحْرِيرِ حَتّى يَلْزَمَ تَقْدِيرٌ عَلَيْهِ آخَرُ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ ﴾ فالمُنْسَبِكُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ المُنْسَبِكَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ القاتِلِ، أوِ الأهْلِ، أوِ الظَّرْفِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ كِلا التَّخْرِيجَيْنِ خَطَأٌ؛ لِأنَّ (أنْ) والفِعْلَ لا يَجُوزُ وُقُوعُهُما حالًا، ولا مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ النُّحاةُ، وذُكِرَ أنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَشْهَدَ عَلى وُقُوعِ (أنْ) وصِلَتِها مَوْقِعَ ظَرْفِ الزَّمانِ بِقَوْلِهِ: فَقُلْتُ لَها لا تَنْكِحِيهِ فَإنَّهُ لِأوَّلِ سَهْمٍ أنْ يُلاقِيَ مَجْمَعا أيْ: لِأوَّلِ سَهْمٍ زَمانَ مُلاقاتِهِ، وابْنُ مالِكٍ - كَما قالَ السَّفاقِسِيُّ - يُقَدِّرُ في الآيَةِ والبَيْتِ حَرْفَ الجَرِّ، أيْ بِأنْ يَصَّدَّقُوا، وبِأنْ يُلاقِيَ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (إلّا أنْ يَتَصَدَّقُوا).
﴿ فَإنْ كانَ ﴾ أيِ: المَقْتُولُ خَطَأً ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ ﴾ أيْ: كَفّارٌ يُناصِبُوكُمُ الحَرْبَ ﴿ وهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ ولَمْ يَعْلَمْ بِهِ القاتِلُ لِكَوْنِهِ بَيْنَ أظْهُرِ قَوْمِهِ بِأنْ أتاهم بَعْدَ أنْ أسْلَمَ لِمُهِمٍّ، أوْ بِأنْ أسْلَمَ فِيما بَيْنَهم ولَمْ يُفارِقْهُمْ، والآيَةُ نَزَلَتْ كَما قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ في مِرْداسِ بْنِ عَمْرٍو لَمّا قَتَلَهُ خَطَأً أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ أيْ: فَعَلى قاتِلِهِ الكَفّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ، إذْ لا وِراثَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أهْلِهِ ﴿ وإنْ كانَ ﴾ أيِ: المَقْتُولُ المُؤْمِنُ - كَما رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ ﴿ مِن قَوْمٍ ﴾ كُفّارٍ ﴿ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ﴾ أيْ: عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ أوْ مُؤَبَّدٌ ﴿ فَدِيَةٌ ﴾ أيْ: فَعَلى قاتِلِهِ دِيَةٌ ﴿ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ ﴾ مِن أهْلِ الإسْلامِ إنْ وجَدُوا، ولا تُدْفَعُ إلى ذَوِي قَرابَتِهِ مِنَ الكُفّارِ، وإنَّ كانُوا مُعاهَدِينَ؛ إذْ لا يَرِثُ الكافِرُ المُسْلِمَ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ هَذا الحُكْمِ - كَما قِيلَ - مَعَ تَأْخِيرِ نَظِيرِهِ فِيما سَلَفَ لِلْإشْعارِ بِالمُسارَعَةِ إلى تَسْلِيمِ الدِّيَةِ؛ تَحاشِيًا عَنْ تَوَهُّمِ نَقْضِ المِيثاقِ ﴿ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ كَما هو حُكْمُ سائِرِ المُسْلِمِينَ، ولَعَلَّ إفْرادَهُ بِالذِّكْرِ - كَما قِيلَ - أيْضًا مَعَ انْدِراجِهِ في حُكْمِ ما سَبَقَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً) إلَخْ لِبَيانِ أنَّ كَوْنَهُ فِيما بَيْنَ المُعاهَدِينَ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الدِّيَةِ كَما مَنَعَهُ كَوْنُهُ بَيْنَ المُحارِبِينَ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالمَقْتُولِ هُنا أحَدُ أُولَئِكَ القَوْمِ المُعاهَدِينَ، فَيَلْزَمُ قاتِلَهُ تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ وأداءُ الدِّيَةِ إلى أهْلِهِ المُشْرِكِينَ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، وأبِي مالِكٍ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ دِيَةَ المُسْلِمِ والذِّمِّيِّ سَواءٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في كُلٍّ الكَفّارَةَ والدِّيَةَ، فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ دِيَتُهُما سِواءً، كَما أنَّ الكَفّارَةَ عَنْهُما سَواءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: بَلَغَنا أنَّ دِيَةَ المُعاهَدِ كانَتْ كَدِيَةِ المُسْلِمِ، ثُمَّ نُقِصَتْ بَعْدُ في آخِرِ الزَّمانِ، فَجُعِلَتْ مِثْلَ نِصْفِ دِيَةِ المُسْلِمِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أنَّ دِيَةَ أهْلِ الكِتابِ كانَتْ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ النِّصْفَ مِن دِيَةِ المُسْلِمِينَ،» وبِذَلِكَ أخَذَ مالِكٌ.
وعَنِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - دِيَةُ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ، ودِيَةُ المَجُوسِيِّ ثُلُثا عُشْرِها، وزَعَمَ بَعْضُهم وُجُوبَ الدِّيَةِ أيْضًا فِيما إذا كانَ المَقْتُولُ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَنا وهو مُؤْمِنٌ لِعُمُومِ الآيَةِ الأُولى، وأنَّ السُّكُوتَ عَنِ الدِّيَةِ في آيَتِهِ لا يُنْفِيها، وإنَّما سُكِتَ عَنْها؛ لِأنَّهُ لا يَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ تُسَلَّمُ إلى أهْلِهِ؛ لِأنَّهم كُفّارٌ، بَلْ تَكُونُ لِبَيْتِ المالِ، فَأرادَ أنْ يُبَيِّنَ بِالسُّكُوتِ أنَّ أهْلَهُ لا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ في المُؤْمِنِ إذا كانَ مِن قَوْمٍ مُعاهَدِينَ، وتُدْفَعُ إلى أهْلِهِ الكُفّارِ، وهم أحَقُّ بِدِيَتِهِ لِعَهْدِهِمْ، ولَعَلَّ هَؤُلاءِ لا يَعُدُّونَ ذَلِكَ إرْثًا؛ إذْ لا يَرِثُ الكافِرُ - ولَوْ مُعاهَدًا - المُسْلِمَ، كَما بُرْهِنَ عَلَيْهِ ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ ﴾ رَقَبَةً يُحَرِّرُها، بِأنْ لَمْ يَمْلِكْها ولا ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها مِنَ الثَّمَنِ ﴿ فَصِيامُ ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ ﴿ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: لا يُفْطِرُ فِيهِما، ولا يَقْطَعُ صِيامَهُما، فَإنْ فَعَلَ - مِن غَيْرِ مُرْضٍ ولا عُذْرٍ - اسْتَقْبَلَ صِيامَهُما جَمِيعًا، فَإنْ عَرَضَ لَهُ مَرَضٌ أوْ عُذْرٌ صامَ ما بَقِيَ مِنهُما، فَإنْ ماتَ ولَمْ يَصُمْ أُطْعِمَ عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ، رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ.
وأُخْرِجَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: فَمَن لَمْ يَجِدْ دِيَةً أوْ عَتاقَةً فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ، وبِهِ أخَذَ مَن قالَ: إنَّ الصَّوْمَ لِفاقِدِ الدِّيَةِ والرَّقَبَةِ يَجْزِيهِ عَنْهُما، والِاقْتِصارُ عَلى تَقْدِيرِ الرَّقَبَةِ مَفْعُولًا هو المُرْوِيُّ عَنِ الجُمْهُورِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: الصِّيامُ لِمَن لَمْ يَجْدِ رَقَبَةً، وأمّا الدِّيَةُ فَواجِبَةٌ لا يُبْطِلُها شَيْءٌ، ثُمَّ قالَ: وهو الصَّوابُ؛ لِأنَّ الدِّيَةَ في الخَطَأِ عَلى العاقِلَةِ، والكَفّارَةَ عَلى القاتِلِ فَلا يُجْزِئُ صَوْمُ صائِمٍ عَمّا لَزِمَ غَيْرَهُ في مالِهِ.
واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّهُ لا إطْعامَ في هَذِهِ الكَفّارَةِ، ومَن قالَ: يُنْتَقَلُ إلَيْهِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ الصَّوْمِ، قاسَهُ عَلى الظِّهارِ، وهو أحَدُ قَوْلَيْنِ لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - وبِذِكْرِ الكَفّارَةِ في الخَطَأِ دُونَ العَمْدِ مَن قالَ: أنْ لا كَفّارَةَ في العَمْدِ، والشّافِعِيُّ يَقُولُ: هو أوْلى بِها مِنَ الخَطَأِ.
﴿ تَوْبَةً ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: شُرِعَ لَكم ذَلِكَ تَوْبَةً، أيْ: قَبُولًا لَها، مِن تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ إذا قَبِلَ تَوْبَتَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى التَّقْصِيرِ بِتَرْكِ الِاحْتِياطِ.
وقِيلَ: التَّوْبَةُ بِمَعْنى التَّخْفِيفِ، أيْ: شُرِعَ لَكم هَذا تَخْفِيفًا عَلَيْكُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في عَلَيْهِ بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ حالَ كَوْنِهِ ذا تَوْبَةٍ، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: تابَ عَلَيْكم تَوْبَةً.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، أيْ: تَوْبَةً كائِنَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُ هَذا القاتِلِ ﴿ حَكِيمًا ﴾ في كَلِّ ما شَرَعَ وقَضى مِنَ الأحْكامِ، الَّتِي مَن جُمْلَتِها ما شَرَعَ وقَضى في شَأْنِهِ <div class="verse-tafsir"
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً يقول: وما جاز لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً متعمداً إلا خطأ، بغير قصد منه.
ويقال: معناه: ولا خطأ أي ما جاز له يقتل عمداً ولا خطأ.
ثم قال تعالى: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً نزلت الآية في شأن عياش بن أبي ربيعة، حين قتل الحارث بن زيد، وذلك أن عياشاً هاجر إلى المدينة مؤمناً، فجاءه أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام، وهما أخواه لأمه، ومعهما الحارث بن زيد فقالوا له: إن أمك تناشدك بحقها ورحمها أن ترجع إليها وإنك أحب الأولاد إليها، وقد حلفت ألا يظلها بيت ولا تأكل طعاماً، ولا تشرب شراباً حتى ترجع إليها، فارجع إليها وكن على دينك.
فخرج معهم، فلما خرج من المدينة أوثقوه بحبل وضربوه، وحملوه إلى مكة، وألقوه في الشمس، وحلفت أمه بأن لا يحله أحد ما لم يكفر بالله، فتركوه على حاله حتى أعطاهم الذي أرادوه، فحلُّوه من الوثاق فقال له الحارث بن زيد: إن كان الذي كنت عليه هدى فقد تركته، وإن كان ضلالة، فقد كنت في ضلالة، فحلف عياش بأن يقتل الحارث بن زيد إذا لقيه خالياً.
ثم إن عياشاً خرج إلى المدينة إلى رسول الله ، ثم أسلم الحارث بن زيد بعد ذلك، فلقيه عياش في بعض سكك المدينة ولم يعلم بإسلامه فقتله، ثم علم بإسلامه فأتى رسول الله فأخبره بالأمر الذي كان منه، فنزلت هذه الآية فيه، وصارت الآية عامة لجميع الناس.
وهو قوله: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي فعليه عتق رقبة مؤمنة، ولو أعتق رقبة كافرة لم يجز بالإجماع وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أي وعليه دية مسلمة إلى أهل القتيل، والدية مائة من الإبل إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا وأصله يتصدقوا، فأدغم التاء في الصاد، وأقيم التشديد مقامه.
ومعناه: إلا أن يعفو عنه أولياء القتيل، ولا يأخذوا منه شيئاً.
ثم قال: فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ يعني إن كان القتيل من أهل الحرب وقد أسلم في دار الحرب، فقتله رجل في دار الحرب، فعلى القاتل الكفارة عتق رقبة مؤمنة، ولا دية عليه.
وهذا بالإجماع.
وقد نزلت في شأن أسامة بن زيد، قتل رجلاً يقال له مرداس وكان مسلماً، فنزلت هذه الآية.
وروى عن عطاء بن السائب عن ابن عباس أنه قال: كان الرجل يأتي فيسلم، ثم يأتي قومه وهم مشركون فيقيم فيهم، فتغزوهم جيوش من جيوش رسول الله فيقتل الرجل، فنزلت هذه الآية فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وليس عليه دية.
ثم قال: وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ يعني إن كان المقتول من أهل الذمة فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ أي فعليه دية مسلمة إِلى أَهْلِهِ وَعليه أيضاً تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وروي عن عبد الله بن عباس ما أن مستأمنين دخلا على رسول الله ، فكساهما وحملهما، فلما خرجا من عنده لقيهما عمرو بن أمية الضمري فقتلهما، ولم يعلم أنهما مستأمنان، ففداهما رسول الله بدية حرّين مسلمين، فنزلت هذه الآية وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ولهذا قال علماؤنا رحمهم الله: إن دية الذمي والمسلم سواء.
وهكذا روي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان- م- إن دية الذمي والمسلم سواء، مائة من الإبل.
ثم قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ أي قاتل الخطأ، إذا لم يجد رقبة مؤمنة فَصِيامُ شَهْرَيْنِ أي فعليه صيام شهرين مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ أي تلك الكفارة توبة للقاتل من الله تعالى، ويقال سبب التجاوز من الله.
ثم قال: وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً يعني عليماً بالقاتل حَكِيماً حكم بالكفارة على من قتل خطأ <div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ...
الآية: لما وصَفَ اللَّه سبحانه المحقِّقين في المْتَارَكَة وإلقاءِ السَّلَم، نَبَّهَ على طائفةٍ مخادِعَةٍ كانوا يريدُونَ الإقامَةَ في مَوَاضِعِهِمْ مع أهليهم، يقُولُونَ لهم: نَحْنُ معكم وعلى دينَكُمْ، ويقولُونَ أيضاً للمسلمين: نَحْنُ معَكُمْ، وعلى دينكم خَبْثَةً منهم وخَديعَةً، وقوله: إِلَى الْفِتْنَةِ:
معناه: إلى الاِختبارِ، حُكِيَ أنهم كانُوا يَرْجِعُون إلى قومهم، فيقالُ لأحدِهِمْ: قل: رَبِّيَ الخُنْفُسَاءُ، رَبِّيَ العودُ، رَبِّيَ العَقْرَبُ، ونحوه، فيقولُهَا، ومعنى: أُرْكِسُوا: أيْ: رَجَعوا رَجْعَ ضلالةٍ، أي: أُهْلِكُوا في الإختبار بما واقَعُوهُ من الكُفْر، وهذه الآيةُ حَضٌّ على قتل هؤلاءِ المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم، وثَقِفْتُمُوهُمْ: مأخوذٌ من الثِّقَافِ، أي:
ظَفرتُمْ بهم، مَغْلوبينَ متمكَّناً منْهم، والسُّلطانُ: الحُجَّة، قال عكرمةُ: حيثما وقع السلطانُ في كتابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، فهو الحجّة «١» .
وقوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ...
الآية: قال جمهورُ المفسِّرين: معنى الآية: وما كان في إذْنِ اللَّه، وفي أمره للمؤمن أن يَقْتُلَ مؤمناً بوَجْهٍ، ثم استثنَى استثناء/ منقطعاً ليس من الأول، وهو الذي تكُونُ فيه «إلاَّ» بمعنى «لَكِنْ» ، والتقديرُ: لَكِنِ الخطأُ قدْ يَقَعُ، ويتَّجِهُ في معنى الآيةِ وَجْهٌ آخر، وهو أنْ تقدَّر «كَانَ» بمعنى «استقر» ، و «وُجِدَ» كأنه قال: وما وُجِدَ، ولا تقرَّر، ولا سَاغَ لمؤْمِنٍ أنْ يقتُلَ مؤمناً إلا خطأً إذ هو مغلوبٌ فيه، فيجيءُ الإستثناءُ على هذا متَّصلاً، وتتضمَّن الآية على هذا إعْظَامَ العَمْد، وبَشَاعَةَ شأنه.
وقوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ...
الآية: حقيقةُ الخَطَإ ألاَّ يقصده بالقَتْلِ، ووجوهُ الخَطَإ كثيرةٌ لا تحصى، يربطها عدم القصد.
قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الرَّقَبَةُ المؤمنةُ: هي الكَبِيرَةُ الَّتي قَدْ صَلَّتْ وعَقَلَتِ الإيمان «١» ، وقالَتْ جماعة، منهم مالكُ بْنُ أنَسٍ: يجزىءُ كُلُّ مَنْ يُحْكَم له بحُكْم الإسلام في الصلاة عليه، إنْ مات «٢» ، قال مالك: ومَنْ صلى وصَامَ أحَبُّ إلَيَّ، ولا يجزىءُ ذو العَيْب الكثير كأقطع اليَدَيْنِ، أو الرجْلَيْن، أو الأعمى إجماعاً فيما علمت، ومُسَلَّمَةٌ: معناه: مؤَدَّاة مدفوعةٌ، وهي على العاقلةِ فيما جاوز ثلث الدية، وإِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا: يريدُ: أولياءَ القَتِيلِ، وقوله: فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ...
الآية: أيْ: وإنْ كان هذا المقتولُ خطأً مؤمناً قَدْ آمَنَ، وبَقِيَ في قَوْمِهِ، وهم كَفَرَةٌ عدُوٌّ لكم، فلا ديةَ فيه، وإنما كفَّارته تحريرُ الرَّقَبة قاله ابنُ عَبَّاس «٣» وغيره، وسقَطَتِ الديةُ عندهم لوجهين:
أحدهما: أنَّ أولياء المقتولِ كُفَّار، فلا يصحُّ دفع الديةِ إلَيْهم.
والآخر: قلَّة حُرْمَة هذا المقتولِ، فلا دِيَةَ فيه.
واحتجّوا بقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الأنفال: ٧٢] .
وقالت فرقةٌ: بل الوجْهُ في سقوط الدِّية أنَّ الأولياء كُفَّار فقطْ، وسواءٌ قُتِلَ بين أظْهُر المسلمين، أو بَيْن قومه الكُفَّار لأنه لا يصحُّ دفعها إلى الكفَّار.
قال ع «٤» : وقائِلُ المقالة الأولى يقول: إن قُتِلَ المؤمنُ في بَلَدِ المسلمينَ، وقومُهُ حَرْبٌ، ففيه الديةُ لبَيْتِ المالِ والكَفَّارة.
وقوله تعالى: وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ...
الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره: المقتولُ من أهل العَهْدِ خطأً لا نُبَالِي، كانَ مؤْمناً أو كافراً، على عهد قومِهِ فيه الدّية والتّحرير «٥» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: «أنَّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ أسْلَمَ بِمَكَّةَ قَبْلَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ، ثُمَّ خافَ أنْ يُظْهِرَ إسْلامَهُ لِقَوْمِهِ، فَخَرَجَ إلى المَدِينَةِ فَقالَتْ أُمُّهُ لِابْنَيْها أبِي جَهْلٍ، والحارِثِ ابْنَيْ هِشامٍ، وهُما أخَواهُ لِأُمِّهِ: واللَّهِ لا يُظِلُّنِي سَقْفٌ، ولا أذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا حَتّى تَأْتِيانِي بِهِ.
فَخَرَجا في طَلَبِهِ.
ومَعَهُما الحارِثُ بْنُ زَيْدٍ، حَتّى أتَوْا عَيّاشًا وهو مُتَحَصِّنٌ في أُطُمٍ، فَقالُوا لَهُ: انْزِلْ فَإنَّ أُمَّكَ لَمْ يُؤْوِها سَقْفٌ، ولَمْ تَذُقْ طَعامًا، ولا شَرابًا، ولَكَ عَلَيْنا أنْ لا نَحُولُ بَيْنَكَ وبَيْنَ دِينِكَ، فَنَزَلَ، فَأوْثَقُوهُ، وجَلَدُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَقَدِمُوا بِهِ عَلى أُمِّهِ، فَقالَتْ: واللَّهِ لا أحُلُّكَ مِن وِثاقِكَ حَتّى تَكْفُرَ، فَطُرِحَ مُوَثَّقًا في الشَّمْسِ حَتّى أعْطاهم ما أرادُوا، فَقالَ لَهُ الحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: يا عَيّاشُ: لَئِنْ كانَ ما كُنْتَ عَلَيْهِ هُدًى لَقَدْ تَرَكْتَهُ، وإنْ كانَ ضَلالًا لَقَدْ رَكِبْتَهُ.
فَغَضِبَ، وقالَ: واللَّهِ لا ألْقاكَ خالِيًا إلّا قَتَلْتُكَ، ثُمَّ أفْلَتَ عِياشٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وهاجَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ بِالمَدِينَةِ، ثُمَّ أسْلَمَ الحارِثُ بَعْدَهُ، وهاجَرَ ولَمْ يَعْلَمْ عِياشٌ، فَلَقِيَهُ يَوْمًا فَقَتْلَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ قَدْ أسْلَمَ، فَجاءَ إلى النَّبِيِّ فَأخْبَرَهُ بِما كانَ، وقالَ: لَمْ أشْعُرْ بِإسْلامِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ، والجُمْهُورِ.
والثّانِي: «أنَّ أبا الدَّرْداءِ قَتَلَ رَجُلًا قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في بَعْضِ السَّرايا، ثُمَّ أتى النَّبِيَّ ، فَذَكَرَ لَهُ ما صَنَعَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآَيَةِ: وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا البَتَّةَ.
والِاسْتِثْناءُ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وإنَّما المَعْنى: إلّا أنْ يُخْطِئَ المُؤْمِنُ.
ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ، عَنْ يُونُسَ: أنَّهُ سَألَ رُؤْبَةَ عَنْ هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ: لَيْسَ لَهُ أنْ يَقْتُلَهُ عَمْدًا ولا خَطَأً، ولَكِنَّهُ أقامَ "إلّا" مَقامَ "الواوِ" .
قالَ الشّاعِرُ: وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ أرادَ: والفَرْقَدانِ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: تَقْدِيرُ الآَيَةِ: لَكِنْ قَدْ يَقْتُلُهُ خَطَأً، ولَيْسَ ذَلِكَ فِيما جَعَلَ اللَّهُ لَهُ، لِأنَّ الخَطَأ لا تَصِحُّ فِيهِ الإباحَةُ، ولا النَّهْيُ.
وقِيلَ: إنَّما وقَعَ الِاسْتِثْناءُ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ الآَيَةُ مِنَ اسْتِحْقاقٍ الإثْمِ، وإيجابِ القَتْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: عِتْقُ الرَّقَبَةِ واجِبٌ عَلى القاتِلِ في مالِهِ، واخْتَلَفُوا في عِتْقِ الغُلامِ الَّذِي لا يَصِحُّ مِنهُ فِعْلُ الصَّلاةِ والصِّيامِ، فَرُوِيَ عَنْ أحْمَدَ جَوازُهُ، وكَذَلِكَ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ.
ورُوِيَ عَنْ أحْمَدَ: لا يُجَزِّئُ إلّا مَن صامَ وصَلّى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، وإبْراهِيمَ، وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ ﴾ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: لَيْسَ في هَذِهِ الآَيَةِ بَيانُ مَن تَلْزَمُهُ هَذِهِ الدِّيَةُ، واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّها عاقِلَةُ القاتِلِ، تَحْمِلُها عَنْهُ عَلى طَرِيقِ المُواساةِ، وتَلْزِمُ العاقِلَةَ في ثَلاثِ سِنِينَ، كُلُّ سَنَةٍ ثُلْثُها.
والعاقِلَةُ: العَصَباتُ مِن ذَوِي الأنْسابِ، ولا يَلْزَمُ الجانِيَ مِنها شَيْءٌ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: هو كَواحِدٍ مِنَ العاقِلَةِ.
٥٠ وَلِلنَّفْسِ سِتَّةُ أبْدالٍ: مِنَ الذَّهَبِ ألْفُ دِينارٍ، ومِنَ الوَرَقِ اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، ومِنَ الإبِلِ مِائَةٌ، ومِنَ البَقَرِ مِائَتا بَقَرَةٍ، ومِنَ الغَنَمِ ألْفا شاةٍ، وفي الحُلَلِ رِوايَتانِ عَنْ أحْمَدَ.
إحْداهُما: أنَّها أصْلٌ، فَتَكُونُ مِائَتا حُلَّةٍ.
فَهَذِهِ دِيَةُ الذَّكَرِ الحُرِّ المُسْلِمِ، وِدِيَةُ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ عَلى النِّصْفِ مِن ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يَصَّدَّقُوا ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إلّا أنْ يَتَصَدَّقَ أوْلِياءُ المَقْتُولِ بِالدِّيَةِ عَلى القاتِلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: وإنْ كانَ المَقْتُولُ خَطَأً مَن قَوْمٍ كُفّارٍ، فَفِيهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن غَيْرِ دِيَةٍ، لِأنَّ أهْلَ مِيراثِهِ كُفّارٌ.
والثّانِي: وإنْ كانَ مُقِيمًا بَيْنَ قَوْمِهِ، فَقَتَلَهُ مَن لا يَعْلَمُ بِإيمانِهِ، فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ولا دِيَةَ، لِأنَّهُ ضَيَّعَ نَفْسَهُ بِإقامَتِهِ مَعَ الكُفّارِ، والقَوْلانِ.
مَرْوِيّانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِالأوَّلِ قالَ النَّخْعِيُّ، وبِالثّانِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ "مَن" لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ بِمَعْنى: في.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ يُقْتَلُ خَطَأً، فَيَجِبُ عَلى قاتِلِهِ الدِّيَةُ.
والكَفّارَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ، والزُّهْرِيِّ، وأبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ.
ولِأصْحابِنا تَفْصِيلٌ في مِقْدارِ ما يَجِبُ مِنَ الدِّيَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ يُقْتَلُ، وقَوْمُهُ مُشْرِكُونَ، ولَهم عَقْدٌ، فَدِيَتُهُ لِقَوْمِهِ، ومِيراثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، هَذا قَوْلُ النَّخْعِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ﴾ اخْتَلَفُوا هَلْ هَذا الصِّيامُ بَدَلٌ مِنَ الرَّقَبَةِ وحْدَها إذا عَدِمَها، أوْ بَدَلٌ مِنَ الرَّقَبَةِ والدِّيَةِ؟
فَقالَ الجُمْهُورُ: عَنِ الرَّقَبَةِ وحْدَها، وقالَ مَسْرُوقٌ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ سِيرِينَ: عَنْهُما.
واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ إذا تَخَلَّلَ صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ إفْطارٌ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعَلَيْهِ الِابْتِداءُ، فَأمّا إذا تَخَلَّلَها المَرَضُ، أوِ الحَيْضُ، فَعِنْدَنا لا يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ، وبِهِ قالَ مالِكٌ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: المَرَضُ يَقْطَعُ، والحَيْضُ لا يَقْطَعُ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما بِأنَّهُ يُمْكِنُ في العادَةِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ بِلا مَرَضٍ، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ في الحَيْضِ، وعِنْدَنا أنَّها مَعْذُورَةٌ في المَوْضِعَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَوْبَةً مِنهُ.
قَوْلُهُ ﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ أيْ: لَمْ يَزَلْ عَلِيمًا بِما يُصْلِحُ خَلْقَهُ مِنَ التَّكْلِيفِ (حَكِيمًا) فِيما يَقْضِي بَيْنَهم، ويُدَبِّرُهُ في أُمُورِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلا أنْ يَصَّدَّقُوا فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِن اللهِ وكانَ اللهِ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وما كانَ في إذْنِ اللهِ، وفي أمْرِهِ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا بِوَجْهٍ، ثُمَّ اسْتَثْنى اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وهو الَّذِي تَكُونُ فِيهِ "إلّا" بِمَعْنى "لَكِنَّ"، والتَقْدِيرُ: لَكِنَّ الخَطَأ قَدْ يَقَعُ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: أمْسى سُقامُ خَلاءً لا أنِيسَ بِهِ إلّا السِباعَ ومَرَّ الرِيحِ بِالغَرَفِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: سُقامُ: اسْمُ وادٍ، والغَرَفُ شَجَرٌ يُدْبَغُ بِلُحائِهِ.
وكَما قالَ جَرِيرٌ: مِنَ البِيضِ لَمْ تَظْعن بَعِيدًا ولَمْ تَطَأْ ∗∗∗ عَلى الأرْضِ إلّا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ وفِي هَذا الشاهِدِ نَظَرٌ.
ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ تُقَدَّرَ "كانَ" بِمَعْنى: اسْتَقَرَّ ووُجِدَ، كَأنَّهُ قالَ: وما وُجِدَ ولا تَقَرَّرَ ولا ساغَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً، إذْ هو مَغْلُوبٌ فِيهِ أحْيانًا، فَيَجِيءُ الِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وتَتَضَمَّنُ الآيَةُ -عَلى هَذا- إعْظامَ العَمْدِ وبَشاعَةَ شَأْنِهِ، كَما تَقُولُ: ما كانَ لَكَ يا فُلانُ أنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذا إلّا ناسِيًا، إعْظامًا لِلْعَمْدِ والقَصْدِ مَعَ خَطَرِ الكَلامِ بِهِ البَتَّةَ.
وقَرَأ الزُهْرِيُّ "خَطًا" مَقْصُورًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ مَهْمُوزًا مَمْدُودًا.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ حِينَ قَتَلَ الحارِثَ بْنَ يَزِيدِ بْنِ نَبِيشَةَ، وذَلِكَ، أنَّهُ كانَ يُعَذِّبُهُ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أسْلَمَ الحارِثُ وجاءَ مُهاجِرًا فَلَقِيَهُ عَيّاشٌ بِالحَرَّةِ، فَظَنَّهُ عَلى كُفْرِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ جاءَ فَأخْبَرَ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ونَزَلَتِ الآيَةُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : "قُمْ فَحَرِّرْ".» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ قَتَلَهُ أبُو الدَرْداءِ، كانَ يَرْعى غَنَمًا وهو يَتَشَهَّدُ فَقَتَلَهُ وساقَ غَنَمَهُ إلى رَسُولِ اللهِ : ونَزَلَتِ الآيَةُ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي حُذَيْفَةَ اليَمانِيِّ حِينَ قُتِلَ خَطَأً يَوْمَ أُحُدٍ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، واللهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا ﴾ الآيَةُ.
بَيَّنَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمَ المُؤْمِنِ إذا قَتَلَ المُؤْمِنَ خَطَأً، وحَقِيقَةُ الخَطَإ ألّا يَقْصِدَهُ بِالقَتْلِ، ووُجُوهُ الخَطَإ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، يَرْبُطُها عَدَمُ القَصْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والنَخْعِيُّ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمُ: الرَقَبَةُ المُؤْمِنَةُ هي الكَبِيرَةُ الَّتِي قَدْ صَلَّتْ وعَلِقَتِ الإيمانَ، ولا يُجْزِئُ في ذَلِكَ الصَغِيرُ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: يُجْزِئُ كُلُّ مَن يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الإسْلامِ في الصَلاةِ عَلَيْهِ إنْ ماتَ ودَفْنِهِ، قالَ مالِكٌ: ومَن صَلّى وصامَ أحَبُّ إلَيَّ، وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ الناقِصَ النُقْصانَ الكَثِيرَ كَقَطْعِ اليَدَيْنِ، أوِ الرِجْلَيْنِ، أوِ الأعْمى لا يُجْزِئُ فِيما حَفِظْتُ، فَإنْ كانَ النُقْصانُ يَسِيرًا تَتَّفِقُ لَهُ مَعَهُ المَعِيشَةُ والتَحَرُّفُ كالعَرَجِ ونَحْوِهِ فَفِيهِ قَوْلانِ.
و"مُسَلَّمَةٌ" مَعْناهُ: مُؤَدّاةٌ مَدْفُوعَةٌ، وهي عَلى العاقِلَةِ فِيما جازَ ثُلُثَ الدِيَةِ، و"إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا" يُرِيدُ أولِياءَ القَتِيلِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "يَتَصَدَّقُوا"، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعَبْدُ الوارِثِ عن أبِي عَمْرٍو: "تَصَّدَّقُوا" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ لِلْحاضِرِ، وقَرَأ نُبَيْحٌ العنزِيُّ "تَصَدَّقُوا" بِالتاءِ وتَخْفِيفِ الصادِ.
والدِيَةُ: مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ عَلى أهْلِ الإبِلِ عِنْدَ قَوْمٍ، وعِنْدَ آخَرِينَ: عَلى الناسِ كُلِّهِمْ، إلّا ألّا يَجِدَ الإبِلَ أهْلُ الذَهَبِ والفِضَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَنْتَقِلُونَ إلى الذَهَبِ والفِضَّةِ، يُعْطُونَ مِنها قِيمَةَ الإبِلِ في وقْتِ النازِلَةِ بالِغَةً ما بَلَغَتْ، واخْتُلِفَ في المِائَةِ مِنَ الإبِلِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي مُرَبَّعَةٌ، ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثُونَ جَذَعَةً، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مُخَمَّسَةٌ، عِشْرُونَ حِقَّةً، وعِشْرُونَ جَذَعَةً، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا.
ولِبَعْضِ الفُقَهاءِ غَيْرُ هَذا التَرْتِيبِ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ "وَغَيْرُهُ" يَرى الدِيَةَ مِنَ البَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، ومِنَ الغَنَمِ ألْفَيْ شاةٍ، ومِنَ الحُلَلِ مِائَةَ حُلَّةٍ، ووَرَدَ بِذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ.
والحُلَّةُ: ثَوْبانِ مِن نَوْعٍ واحِدٍ في كَلامِ العَرَبِ، وكانَتْ في ذَلِكَ الزَمَنِ صِفَةً تُقاوِمُ المِائَةَ مِنَ الإبِلِ فَمَضى القَوْلُ عَلى ذَلِكَ، وأمّا الذَهَبُ فَهي ألْفُ دِينارٍ، قَرَّرَهاعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَشى الناسُ عَلَيْها، وأمّا الفِضَّةُ فَقَرَّرَها عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وجَماعَةٌ تَقُولُ: عَشْرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ ﴾ الآيَةُ، المَعْنى عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والسُدِّيِّ، وإبْراهِيمَ، وعِكْرِمَةَ، وغَيْرِهِمْ: فَإنْ كانَ هَذا المَقْتُولُ خَطَأً رَجُلًا مُؤْمِنًا قَدْ آمَنَ وبَقِيَ في قَوْمِهِ وهم كَفَرَةٌ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَلا دِيَةَ فِيهِ، وإنَّما كَفّارَتُهُ تَحْرِيرُ الرَقَبَةِ، والسَبَبُ عِنْدَهم في نُزُولِها أنَّ جُيُوشَ رَسُولِ اللهِ كانَتْ تَمُرُّ بِقَبائِلِ الكُفّارِ فَرُبَّما قُتِلَ مَن قَدْ آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ، أو مَن قَدْ هاجَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ فَيُقْتَلُ في حَمَلاتِ الحَرْبِ عَلى أنَّهُ مِنَ الكُفّارِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وتَسْقُطُ الدِيَةُ عِنْدَ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ لِوَجْهَيْنِ: أوَّلُهُما أنَّ أولِياءَ القَتِيلِ كُفّارٌ فَلا يَصِحُّ أنْ تُدْفَعَ الدِيَةُ إلَيْهِمْ يَتَقَوَّوْنَ بِها، والآخَرُ أنَّ حُرْمَةَ هَذا الَّذِي آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ قَلِيلَةٌ، فَلا دِيَةَ فِيهِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا ﴾ .
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ الوَجْهُ في سُقُوطِ الدِيَةِ أنَّ الأولِياءَ كُفّارٌ فَقَطْ، فَسَواءٌ كانَ القَتِيلُ خَطَأً بَيْنَ أظْهُرِ المُسْلِمِينَ أو بَيْنَ قَوْمِهِ لَمْ يُهاجِرْ، أو هاجَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ، كَفّارَتُهُ التَحْرِيرُ، ولا دِيَةَ فِيهِ، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ دَفْعُها إلى الكُفّارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقائِلُ المَقالَةِ الأُولى يَقُولُ: إنْ قُتِلَ المُؤْمِنُ في بَلَدِ المُسْلِمِينَ وقَوْمُهُ في حَرْبٍ فَفِيهِ الدِيَةُ لِبَيْتِ المالِ والكَفّارَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ﴾ المَعْنى عِنْدَ الحَسَنِ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وإبْراهِيمَ، وغَيْرِهِمْ: وإنْ كانَ هَذا المَقْتُولُ خَطَأً مُؤْمِنًا مِن قَوْمٍ مُعاهِدِينَ لَكُمْ، فَعَهْدُهم يُوجِبُ أنَّهم أحَقُّ بِدِيَةِ صاحِبِهِمْ، فَكَفّارَتُهُ التَحْرِيرُ وأداءُ الدِيَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ -وَهُوَ مُؤْمِنٌ-" وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ أيْضًا: المَقْتُولُ مِن أهْلِ العَهْدِ خَطَأً لا يُبالى كانَ مُؤْمِنًا أو كافِرًا عَلى عَهْدِ قَوْمِهِ، فِيهِ الدِيَةُ كَدِيَةِ المُسْلِمِ، والتَحْرِيرُ.
واخْتُلِفَ عَلى هَذا في دِيَةِ المُعاهِدِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وغَيْرُهُ: دِيَتُهُ كَدِيَةِ المُسْلِمِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وقالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ: دِيَتُهُ عَلى نِصْفِ دِيَةِ المُسْلِمِ، وقالَ الشافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ: دِيَتُهُ عَلى ثُلُثِ دِيَةِ المُسْلِمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُ عِنْدَ الجُمْهُورِ: فَمَن لَمْ يَجِدِ العِتْقَ، ولا اتَّسَعَ مالُهُ لَهُ فَيَجْزِيهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ في الأيّامِ لا يَتَخَلَّلُها فِطْرٌ، وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ الشَعْبِيِّ: صِيامُ الشَهْرَيْنِ يُجْزِئُ عَنِ الدِيَةِ والعِتْقِ لِمَن لَمْ يَجِدْهُما، وهَذا القَوْلُ وهْمٌ، لِأنَّ الدِيَةَ إنَّما هي عَلى العاقِلَةِ ولَيْسَتْ عَلى القاتِلِ، والطَبَرِيُّ حَكى القَوْلَ عن مَسْرُوقٍ.
و"تَوْبَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، ومَعْناهُ: رُجُوعًا بِكم إلى التَيْسِيرِ والتَسْهِيلِ.
<div class="verse-tafsir"
انتقالُ الغرض يعيد نشاط السامع بتفنّن الأغراض، فانتقل من تحديد أعمال المسلمين مع العدوّ إلى أحكام معاملة المسلمين بعضهم مع بعض: من وجوب كفّ عُدوان بعضهم على بعض.
والمناسبة بين الغرض المنتقل منه والمنتقَل إليه: أنّه قد كان الكلام في قتال المتظاهرين بالإسلام الذين ظهر نفاقهم، فلا جرم أن تتشوف النفس إلى حكم قتل المؤمنين الخلّص وقد روي أنّه حدث حادثُ قتللِ مُؤمن خطأ بالمدينة ناشئ عن حزازات أيّام القتال في الشرك أخطأ فيه القاتل إذ ظنّ المَقتول كافراً.
وحادثُ قتل مؤمن عمداً ممّن كان يظهر الإيمان، والحادث المشار إليه بقوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ﴾ [النساء: 94] وأنّ هذه الآيات نزلت في ذلك، فتزداد المناسبة وضوحاً لأنّ هذه الآية تصير كالمقدمة لما ورد بعدها من الأحكام في القتل.
هَوّل الله تعالى أمر قتل المسلم أخاه المسلم، وجعله في حَيّز ما لا يكون، فقال: ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطئاً ﴾ فجاء بصيغة المبالغة في النفي، وهي صيغة الجحود، أي ما وُجد لمؤمن أن يقتل مؤمناً في حال من الأحوال إلاّ في حال الخطأ، أو أن يَقتُل قَتْلاً من القتل إلاّ قَتْل الخطأ، فكان الكلام حصراً وهو حصر ادّعائي مراد به المبالغة كأنّ صفة الإيمان في القاتل والمقتول تنافي الاجتماع مع القتل في نفس الأمر منافاة الضدّين لقصد الإيذان بأنّ المؤمن إذا قتل مؤمناً فقد سُلب عنه الإيمان وما هو بمؤمن، على نحو «ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» فتكون هذه الجملة مستقلّة عمّا بعدها، غير مراد بها التشريع، بل هي كالمقدّمة للتشريع، لقصد تفظيع حال قتل المؤمننِ المؤمنَ قتلاً غيرَ خطإ، وتكون خبرية لفظاً ومعنًى، ويكون الاستثناء حقيقيّاً من عموم الأحوال، أي ينتفي قتل المؤمن مؤمناً في كلّ حال إلاّ في حال عدم القصد، وهذا أحسن ما يبدو في معنى الآية.
ولك أن تجعل قوله: ﴿ وما كان لمؤمن ﴾ خبراً مراداً به النهي، استعمل المركّب في لازم معناه على طريقة المجاز المرسل التمثيلي، وتجعل قوله: ﴿ إلاّ خطئاً ﴾ ترشيحاً للمجاز: على نحو ما قرّرناه في الوجه الأوّل، فيحصل التنبيه على أنّ صورة الخطأ لا يتعلّق بها النهي، إذ قد عَلم كلّ أحد أنّ الخطأ لا يتعلّق به أمر ولا نهي، يعني إن كان نوع من قتل المؤمن مأذوناً فيه للمؤمن، فهو قتل الخطأ، وقد عُلم أنّ المخطئ لا يأتِي فعلَه قاصداً امتثالاً ولا عصياناً، فرجع الكلام إلى معنى: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً قتلاً تتعلّق به الإرادة والقصدُ بحال أبداً، فتكون الجملة مبدأ التشريع، وما بعدها كالتفصيل لها؛ وعلى هذين الوجهين لا يشكل الاستثناء في قوله: ﴿ إلاّ خطئاً ﴾ .
وذهب المفسّرون إلى أنّ ﴿ ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً ﴾ مراد به النهي، أي خبر في معنى الإنشاء فالتجأوا إلى أنّ الاستثناء مُنقطع بمعنى (لَكِن) فراراً من اقتضاء مفهوم الاستثناء إباحةَ أن يقتل مؤمن مؤمناً خطأ، وقد فهمت أنّه غير متوهّم هنا.
وإنّما جيء بالقيد في قوله: ﴿ ومن قتل مؤمناً خَطَئاً ﴾ لأنّ قوله: ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطئاً ﴾ مراد به ادّعاء الحصر أو النهيُ كما علمتَ، ولو كان الخبر على حقيقته لاستغنى عن القيد لانحصار قتل المؤمن بمقتضاه في قتل الخطأ، فيستغنى عن تقييده به.
روى الطبري، والواحدي، في سبب نزول هذه الآية: أنّ عيّاشاً بن أبي ربيعة المخزومي كان قد أسلم وهاجر إلى المدينة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وكان أخَاً أبي جهل لأمّه فخرج أبو جهل وأخوه الحارث بن هشام والحارث بن زيد بن أبي أنيسة في طلبه، فأتوه بالمدينة وقالوا له: إنّ أمّك أقسمت أن لا يُظلِهَّا بيت حتّى تراك، فارجع معنا حتّى تنظر إليك ثم ارجع، وأعطوه موثقاً من الله أن لا يُهجوه، ولا يحولوا بينه وبين دِينه، فخرج معهم فلمّا جاوزوا المدينة أوثقوه، ودخلوا به مكة، وقالوا له «لا نحلّك من وثاقك حتّى تكفر بالذي آمنت به».
وكان الحارثُ بنُ زيد يجلده ويعذّبه، فقال عيّاش للحارث «والله لا ألقاك خالياً إلاّ قتلتك» فبقي بمكة حتّى خرج يوم الفتح إلى المدينة فلقي الحارث بن زيد بقُباء، وكان الحارثُ قد أسلم ولم يَعلم عياش بإسلامه، فضربه عياشٌ فقتله، ولما أعلم بأنّه مسلم رجع عيّاش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي صنع فنزلت: ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطئاً ﴾ فتكون هذه الآية قد نزلت بعد فتح مكة.
وفي ابن عطية: قيل نزلت في اليمان، والد حذيفة بن اليمان، حين قتله المسلمون يوم أحُد خطأ.
وفي رواية للطبري: أنّها نزلت في قضية أبي الدرداء حين كان في سريّة، فعدل إلى شعب فوجد رَجلاً في غنم له، فحمَل عليه أبو الدرداء بالسيف، فقال الرجل «لا إله إلاّ الله» فضربَه فقتله وجاء بغنمه إلى السرية، ثم وجد في نفسه شيئاً فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فنزلت الآية.
وقوله: ﴿ فتحرير رقبة ﴾ الفاء رابطة لِجواب الشرط، و(تحرير) مرفوع على الخبرية لمبتدأ محذوف من جملة الجواب: لظهور أنّ المعنى: فحكمهُ أو فشأنه تحرير رقبة كقوله: ﴿ فصبر جميل ﴾ [يوسف: 18].
والتحرير تفعيل من الحُريّة، أي جعل الرقبة حرّة.
والرقبة أطلقت على الذات من إطلاق البعض على الكلّ، كما يقولون، الجزية على الرؤوس على كل رأس أربعة دنانير.
ومن أسرار الشريعة الإسلامية حرصها على تعميم الحرية في الإسلام بكيفية منتظمة، فإنّ الله لمّا بعث رسوله بدين الإسلام كانت العبودية متفشيّة في البشر، وأقيمت عليها ثروات كثيرة، وكانت أسبابها متكاثرة: وهي الأسر في الحروب، والتصيير في الديوان، والتخطّف في الغارات، وبيع الآباء والأمّهات أبناءهُمْ، والرهائن في الخوف، والتداين.
فأبطل الإسلام جميع أسبابها عدا الأسر، وأبقى الأسر لمصلحة تشجيع الأبطال، وتخويف أهل الدعارة من الخروج على المسلمين، لأنّ العربي ما كان يتقيّ شيئاً من عواقب الحروب مثل الأسر، قال النابغة: حذاراً على أن لا تُنال مَقادتي *** ولا نِسْوَتهي حَتَّى يَمُتْنَ حَرَائِرا ثم داوَى تلك الجراحَ البشرية بإيجاد أسباب الحرية في مناسبات دينية جمّة: منها واجبة، ومنها مندوب إليها.
ومن الأسباب الواجبة كفّارة القتل المذكورة هنا.
وقد جُعلت كفّارة قتل الخطأ أمرين: أحدهما تحرير رقبة مؤمنة، وقد جعل هذا التحرير بَدلاً من تعطيل حقّ الله في ذات القتيل، فإنّ القتيل عبد من عباد الله ويرجى من نسله من يقوم بعبادة الله وطاعة دينه، فلم يَخْل القاتل من أن يكون فوّت بقتله هذا الوصف، وقد نَبهتْ الشريعة بهذا على أنّ الحرية حياة، وأنّ العبودية موت؛ فمن تسبّب في موت نفس حيّة كان عليه السعي في إحياء نفس كالميتة وهي المستعبَدة.
وسنزيد هذا بياناً عند قوله تعالى: ﴿ وإذ قال مُوسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً ﴾ في سورة المائدة (20)، فإنّ تأويله أنّ الله أنقذهم من استعباد الفراعنة فصاروا كالملوك لا يحكمهم غيرهم.
وثانيهما الدية.
والديّةُ مال يدفع لأهل القتيل خطأ، جبراً لمصيبة أهله فِيه من حيوان أو نقدين أو نحوهما، كما سيأتي.
والدية معروفة عند العرب بمعناها ومقاديرها فلذلك لم يفصّلها القرآن.
وقد كان العرب جعلوا الدية على كيفيات مختلفة، فكانت عوضاً عن دم القتيل في العمد وفي الخطأ، فأمّا في العمد فكانوا يتعيّرون بأخذها.
قال الحَماسي: فلَوْ أنّ حَيّا يقبل المال فدية *** لَسُقْنَا لهم سَيْباً من المال مُفْعَما ولكن أبى قومٌ أصيب أخُوهُمُ *** رِضَى العارِ فاخْتاروا على اللبن الدّما وإذا رضى أولياء القتيل بدية بشفاعة عظماء القبيلة قدروها بما يتراضون عليه.
قال زهير: تُعفَّى الكلوم بالمِئينَ فأصبحت *** يُنجِّمُها مَن ليس فيها بمجرم وأمّا في الخطأ فكانوا لا يأبون أخذ الدية، قيل: إنّها كانت عشرة من الإبل وأنّ أوّل من جعلها مائة من الإبل عبد المطلب بن هاشم، إذ فدى ولده عبد الله بعد أن نذر ذبحه للكعبة بمائة من الإبل، فجرت في قريش كذلك، ثمّ تبعهم العرب، وقيل: أوّل من جعل الدية مائة من الإبل أبو سيارة عُمَيْلَةُ العَدواني، وكانت ديَة المَلِك ألفاً من الإبل، ودية السادة مائتين من الإبل، وديّة الحليف نصف دية الصّميم.
وأوّل من وُدِي بالإبل هو زيد بن بكر بن هوازن.
إذ قتله أخوه معاوية جدّ بني عامر بن صعصعة.
وأكثر ما ورد في السنّة من تقدير الدية من مائة من الإبل مُخمسَّة أخماساً: عشرون حقّة، وعشرون جَذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون.
ودية العمد، إذا رضي أولياء القتيل بالدية، مربَّعة: خمسٌ وعشرون من كلّ صنف من الأصناف الأربعة الأوّل.
وتغلَّظ الدية على أحد الأبوين تغليظاً بالصنف لا بالعدد، إذا قتل ابنَه خطأ: ثلاثون جذعة، وثلاثون حقة، وأربعون خلفة، أي نوقاً في بطونها أجنّتُها.
وإذا كان أهل القتيل غير أهل إبل نقلت الدية إلى قيمة الإبل تقريباً فجعلت على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم.
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنّه جعل الديّة على أهل البَقر مائتي بقرة، وعلى أهل الغنم ألفيَ شاةٍ.
وفي حديث أبي داود أنّ الدية على أهل الحُلل، أي أهل النسيج مثل أهل اليمن، مائة حلّة.
والحلّة ثوبان من نوع واحد.
ومعيار تقدير الديات، باختلاف الأعصار والأقطار، الرجوع إلى قيمة مقدارها من الإبل المعيّن في السُّنَّة.
ودية المرأة القتيلة على النصف من دية الرجل.
ودية الكتابي على النصف من دية المسلم.
ودية المرأة الكتابية على النصف من دية الرجل الكتابي.
وتدفع الدية منجّمة في ثلاث سنين بعد كلّ سنة نجم، وابتداء تلك النجوم من وقت القضاء في شأن القتل أو التراوض بين أولياء القتيل وعاقلةِ القاتل.
والدية بتخفيف الياء مصدر وَدَي، أي أعطى، مثل رمَى، ومصدره وَدْي مثل وعد، حذفت فاء الكلمة تخفيفاً، لأنّ الواو ثقيلة، كما حذفت في عِدّة، وعوّض عنها الهاء في آخر الكلمة مثل شِيَة من الوشي.
وأشار قوله: مسلَّمَةٌ إلى أهله} إلى أنّ الدية ترضية لأهل القتيل.
وذُكر الأهل مجملاً فعُلم أنّ أحقّ الناس بها أقرب الناس إلى القتيل، فإنّ الأهل هو القريب، والأحقّ بها الأقرب.
وهي في حكم الإسلام يأخذها ورثة القتيل على حسب الميراث إلاّ أنّ القاتل خطأ إذا كان وارثاً للقتيل لا يرث من ديته.
وهي بمنزلة تعويض المتلفات، جعلت عوضاً لحياة الذي تسبّب القاتلُ في قتله، وربما كان هذا المعنى هو المقصود من عهد الجاهلية، ولذلك قالوا: تَكايُل الدّماء، وقالوا: هُما بَوَاء، أي كفآن في الدم وزادوا في دية سادتهم.
وجَعَل عفوَ أهل القتيل عن أخذ الدية صدقة منهم ترغيباً في العفو.
وقد أجمل القرآن من يجب عليه دفع الدية وبيّنته السنّة بأنّهم العاقلة، وذلك تقرير لِما كان عليه الأمر قبل الإسلام.
والعاقلة: القَرابة من القبيلة.
تجب على الأقرب فالأقرب بحسب التقدّم في التعصيب.
وقوله: ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مؤمن ﴾ الآية أي إن كان القتيل مؤمناً وكان أهله كفاراً، بينَهم وبين المسلمين عداوة، يقتصر في الكفّارة على تحرير الرقبة دون دفع دية لهم، لأنّ الدية: إذا اعتبرناها جبَراً لأولياء الدم، فلمّا كانوا أعداء لم تكن حكمة في جبر خواطرهم، وإذا اعتبرناها عِوضاً عن منافع قتيلهم، مثل قيم المتلفات، يَكون منعُها من الكفّار؛ لأنّه لا يرث الكافر المسلم، ولأنّا لا نعْطيهم مالَنا يَتقوون به علينا.
وهذا الحكم متّفق عليه بين الفقهاء، إن كان القتيل المؤمن باقياً في دار قومه وهم كفّار فأمّا إن كان القتيل في بلاد الإسلام وكان أولياؤه كفّاراً، فقال ابن عبّاس، ومالك، وأبو حنيفة: لا تسقط عن القاتل ديته، وتُدفع لبيت مال المسلمين.
وقال الشافعي، والأوزاعي، والثَّوري: تسقط الدية لأنّ سبب سقوطها أنّ مستحقيها كفّار.
وظاهر قوله تعالى: ﴿ وإن كان من قوم عدوّ ﴾ أنّ العبرة بأهل القتيل لا بمكان إقامته، إذ لا أثر لمكان الإقامة في هذا الحكم ولو كانت إقامته غير معذور فيها.
وأخبر عن ﴿ قوم ﴾ بلفظ ﴿ عدوّ ﴾ وهو مفرد، لأنّ فَعولاً بمعنى فاعل يكثر في كلامهم أن يكون مفرداً مذكَّراً غيرَ مطابق لموصوفه، كقوله: ﴿ إنّ الكافرين كانُوا لكم عدوّاً مبيناً ﴾ [النساء: 101] ﴿ لا تتّخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء ﴾ [الممتحنة: 1] ﴿ وكذلك جعلنا لكلّ نبيء عدوّاً شياطين الأنس ﴾ [الأنعام: 112]، وامرأة عدوّ وشذّ قولهم عَدوّة.
وفي كلام عمر بن الخطاب في «صحيح البخاري» أنّه قال للنسوة اللاتي كنّ بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فلمّا دخل عمر ابتدرن الحجاب لمّا رأينه «يا عدوّات أنفُسِهِنُّ».
ويجمع بكثرة على أعداء، قال تعالى: ﴿ ويوم نحشر أعداء الله إلى النار ﴾ [فصلت: 19].
وقوله: ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ أي إن كان القتيل المؤمن.
فجعل للقوم الذين بين المسلمين وبينهم ميثاق، أيّ عهدٌ من أهل الكفر، ديةَ قتيلهم المؤمننِ اعتداداً بالعهد الذي بيننا وهذا يؤذن بأنّ الدية جبر لأولياء القتيل، وليست مالاً موروثاً عن القاتل، إذ لا يرث الكافر المسلم، فلا حاجة إلى تأويل الآية بأن يكون للمقتول المؤمن وارثٌ مؤمنٌ في قوم معاهدَين، أو يكون المقتول معاهداً لا مؤمناً، بناء على أنّ الضمير في «كان» عائد على القتيل بدون وصف الإيمان، وهو تأويل بعيد لأنّ موضوع الآية فيمن قَتل مؤمناً خطأ.
ولا يهولنّكم التصريح بالوصف في قوله: ﴿ وهو مؤمن ﴾ لأنّ ذلك احتراس ودفع للتوهّم عند الخبر عنه بقوله: ﴿ من قوم عدوَ لكم ﴾ أن يَظُنَ أحد أنّه أيضاً عدوّ لنا في الدّين.
وشرط كون القتيل مؤمناً في هذا لحكم مدلول بحَمْل مطلقه هنا على المقيَّد في قوله هنالك ﴿ وهو مؤمن ﴾ ، ويكون موضوع هذا التفصيل في القتيل المسلم خطأ لتصدير الآية بقوله: ﴿ ومن قَتَل مؤمناً خطئاً ﴾ ، وهذا قول مالك، وأبي حنيفة.
وذهبت طائفة إلى إبقاء المطلق هنا على إطلاقه، وحملوا معنى الآية على الذمّي والمعاهَد، يُقتل خطأ فتجب الدية وتحريرُ رقبة، وهو قول ابن عباس، والشعبي، والنخعي، والشافعي، ولكنّهم قالوا: إنّ هذا كان حكماً في مشركي العرب الذين كان بينهم وبين المسلمين صلح إلى أجل، حتّى يسلموا أو يؤذَنوا بحَرب، وإنّ هذَا الحكم نسِخ.
وقوله: ﴿ فصيام شهرين متتابعين ﴾ وصف الشهران بأنّهما متتابعان والمقصود تتابع أيامهما.
لأنّ تتابع الأيام يستلزم توالي الشهرين.
وقوله: «توبة من الله» مفعول لأجله على تقدير: شرع الله الصيام توبة منه.
والتوبة هنا مصدر تاب بمعنى قبل التوبة بقرينة تعديته ب (من)، لأنّ تاب يطلق على معنى ندم وعلى معنى قبل منه، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ [النساء: 17] في هذه السورة، أي خفّف الله عن القاتل فشرع الصيام ليتوب عليه فيما أخطأ فيه لأنّه أخطأ في عظيم.
ولك أن تجعل ﴿ توبة ﴾ مفعولاً لأجله راجعاً إلى تحرير الرقبة والدية وبَدلِهِما، وهو الصيام، أي شرع الله الجميع توبة منه على القاتل، ولو لم يشرع له ذلك لعاقبهُ على أسباب الخطأ، وهي ترجع إلى تفريط الحذر والأخذ بالحزم.
أو هو حال من «صيام»، أي سببَ توبة، فهو حال مجازية عقلية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ وكانَ أخا أبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ قَتَلَ الحارِثَ بْنَ زَيْدٍ مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، لِأنَّهُ كانَ يُعَذِّبُ عَيّاشًا مَعَ أبِي جَهْلٍ واخْتُلِفَ أيْنَ قَتَلَهُ؟
فَقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: قَتَلَهُ بِالحَرَّةِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إلى المَدِينَةِ وهو لا يَعْلَمُ بِإسْلامِهِ، وقالَ السُّدِّيُّ: قَتَلَهُ يَوْمَ الفَتْحِ وقَدْ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وهو لا يَعْلَمُ بِإسْلامِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّرْداءِ حِينَ «قَتَلَ رَجُلًا بِالشِّعْبِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ، فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَبَدَرَ فَضَرَبَهُ ثُمَّ وجَدَ في نَفْسِهِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ لَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : (ألا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ)» وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً ﴾ يَعْنِي وما أذِنَ اللَّهُ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا.
ثُمَّ قالَ: ﴿ إلا خَطَأً ﴾ يَعْنِي أنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَقْتُلُ المُؤْمِنَ خَطَأً ولَيْسَ مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ، وهَذا مِنَ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: مِنَ البِيضِ لَمْ تُظْعِنْ بَعِيدًا ولَمْ تَطَأْ عَلى الأرْضِ إلّا رَيْطَ بُرْدٍ مُرَحَّلِ يَعْنِي ولَمْ تَطَأْ عَلى الأرْضِ إلّا أنْ تَطَأ ذَيْلَ البُرْدِ ولَيْسَ البُرْدَ مِنَ الأرْضِ.
﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لا يُجْزِئُ عِتْقُها في الكَفّارَةِ إلّا أنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً بالِغَةً قَدْ صَلَّتْ وصامَتْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، وإبْراهِيمَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الصَّغِيرَةَ المَوْلُودَةَ مِن أبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ تَكُونُ مُؤْمِنَةً تُجْزِئُ في الكَفّارَةِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ، والشّافِعِيِّ.
﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ ﴾ في الدِّيَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مُجْمَلَةٌ أُخِذَ بَيانُها مِن رَسُولِ اللَّهِ .
والثّانِي: أنَّها مَعْهُودَةٌ تَقَدَّمَ العَمَلُ بِها ثُمَّ تَوَجَّهَ الخِطابُ إلَيْها فَجَعَلَ اللَّهُ الرَّقَبَةَ تَكْفِيرًا لِلْقاتِلِ في مالِهِ والدِّيَةَ بَدَلًا مِن نَفْسِ المَقْتُولِ عَلى عاقِلَتِهِ.
﴿ فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْ إنْ كانَ قَوْمُهُ كُفّارًا وهو مُؤْمِنٌ فَفي قَتْلِهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ولَيْسَ فِيهِ دِيَةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا تُؤَدّى إلَيْهِمْ لِأنَّهم يَتَقَوَّوْنَ بِها.
والثّانِي: مَعْناهُ فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم يَعْنِي أهْلَ حَرْبٍ إذا كانَ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ فَقُتِلَ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِإيمانِهِ فَفِيهِ الكَفّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ سَواءٌ كانَ وارِثُهُ مُسْلِمًا أوْ كافِرًا وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي مُسْتَعْمَلَةٌ عَلى حَقِيقَتِها.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هم أهْلُ الذِّمَّةِ مِن أهْلِ الكِتابِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، يَجِبُ في قَتْلِهِمُ الدِّيَةُ والكَفّارَةُ.
والثّانِي: هم أهْلُ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ العَرَبِ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّالِثُ: هم كُلُّ مَن لَهُ أمانٌ بِذِمَّةٍ أوْ عَهْدٌ فَيَجِبُ في قَتْلِهِ الدِّيَةُ والكَفّارَةُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّوْمَ بَدَلٌ مِنَ الرَّقَبَةِ وحْدَها إذا عَدِمَها دُونَ الدِّيَةِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الرَّقَبَةِ والدِّيَةِ جَمِيعًا عِنْدَ عَدَمِها، وهَذا قَوْلُ مَسْرُوقٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في مَقِيسِ بْنِ صُبابَةَ، وقَدْ كانَ رَجُلًا مِن بَنِي فِهْرٍ قَتَلَ أخاهُ، فَأعْطاهُ النَّبِيُّ الدِّيَةَ وضَرَبَها عَلى بَنِي النَّجّارِ، فَقَبِلَها، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ مَقِيسَ بْنَ صُبابَةَ ومَعَهُ الفِهْرِيُّ في حاجَةٍ فاحْتَمَلَ مَقِيسٌ الفِهْرِيَّ وكانَ أيِّدًا فَضَرَبَ بِهِ الأرْضَ ورَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ثُمَّ ألْقى يُغَنِّي: قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وحَمَلَتْ عَقْلَهُ ∗∗∗ سَراةُ بَنِي النَّجّارِ أرْبابُ فارِعِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (أظُنُّهُ أحْدَثَ حَدَثًا، أما واللَّهِ لَئِنْ كانَ فَعَلَ لا أُؤَمِّنُهُ في حِلٍّ ولا حَرَمٍ فَقُتِلَ عامَ الفَتْحِ)» .
ورَوى سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ : « (وَمَن يَقْتُلْ مَؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ) الآيَةَ، فَقِيلَ لَهُ: وإنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.
قالَ: وأنّى لَهُ التَّوْبَةُ).» قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ.
فَنَزَلَتِ الشَّدِيدَةُ بَعْدَ الهُدْنَةِ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ﴾ يقول: ما كان له ذلك فيما آتاه من ربه من عهد الله الذي عهد إليه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ﴾ قال: المؤمن لا يقتل مؤمناً.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: كان الحرث بن يزيد بن نبيشة من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم خرج مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فنزلت ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ...
﴾ الآية.
فقرأها عليه ثم قال له: قم فحرر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ﴾ قال: عياش بن أبي ربيعة: قتل رجلاً مؤمناً كان يعذبه هو وأبو جهل، وهو أخوه لأمه في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وعياش يحسب أن ذلك الرجل كافر كما هو، وكان عياش هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً، فجاءه أبو جهل وهو أخوه لأمه فقال: إن أمك تناشدك رحمها وحقها أن ترجع إليها- وهي أميمة بنت مخرمة- فاقبل معه فربطه أبو جهل حتى قدم به مكة، فلما رآه الكفار زادهم كفراً وافتتاناً فقالوا: إن أبا جهل ليقدر من محمد على ما يشاء، ويأخذ أصحابه فيربطهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ...
﴾ الآية.
قال: نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، كان قد أسلم وهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عياش أخا أبي جهل، والحارث بن هشام لأمهما، وكان أحب ولدها إليها، فلما لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم شق ذلك عليها، فحلفت أن لا يظلها سقف بيت حتى تراه، فأقبل أبو جهل والحارث حتى قدما المدينة، فأخبرا عياشا بما لقيت أمه، وسألاه أن يرجع معهما فتنظر إليه ولا يمنعاه أن يرجع، وأعطياه موثقاً أن يخليا سبيله بعد أن تراه أمه.
فانطلق معهما حتى إذا خرجا من المدينة عمدا إليه فشداه وثاقاً، وجلداه نحو من مائة جلدة، وأعانهما على ذلك رجل من بني كنانة، فحلف عياش ليقتلن الكناني إن قدر عليه، فقدما به مكة فلم يزل محبوساً حتى فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، فخرج عياش فلقي الكناني وقد أسلم، وعياش لا يعلم بإسلام الكناني، فضربه عياش حتى قتله.
فأنزل الله: ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ﴾ يقول: وهو لا يعلم أنه مؤمن ﴿ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا ﴾ فيتركوا الدية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: إن عياش بن أبي ربيعة المخزومي كان حلف على الحارث بن يزيد مولى بني عامر بن لؤي ليقتلنه، وكان الحارث يومئذ مشركاً، وأسلم الحارث ولم يعلم به عياش، فلقيه بالمدينة فقتله، وكان قتله ذلك خطأ.
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن الحارث بن زيد كان شديداً على النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء وهو يريد الإسلام وعياش لا يشعر، فلقيه عياش بن أبي ربيعة فحمل عليه فقتله، فأنزل الله: ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، كانوا في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له، فوجد رجلاً من القوم في غنم له، فحمل عليه السيف، فقال: لا إله إلا الله.
فضربه، ثم جاء بغنمه إلى القوم، ثم وجد في نفسه شيئاً فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلا شققت عن قلبه؟!
فقال: ما عسيت أجد.
هل هو يا رسول الله إلا دم أو ماء؟!
فقال: فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه.
قال: كيف بي يا رسول الله؟
قال: فكيف بلا إله إلا الله!
قال: فكيف بي يا رسول الله؟
قال: فكيف بلا إله إلا الله حتى تمنيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي.
قال: ونزل القرآن ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ﴾ حتى بلغ ﴿ إلا أن يصدقوا ﴾ قال: إلا أن يضعوها» .
وأخرج الروياني وابن منده وأبو نعيم معاً في المعرفة عن بكر بن حارثة الجهني قال: «كنت في سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقتتلنا نحن والمشركون، وحملت على رجل من المشركين فتعوذ مني بالإسلام فقتلته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب وأقصاني، فاوحى الله إليه ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ...
﴾ الآية.
فرضي عني وأدناني» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ قال: يعني بالمؤمنة من قد عقل الإيمان وصام وصلى، وكل رقبة في القرآن لم تسم مؤمنة فإنه يجوز المولود فما فوقه ممن ليس به زمانة، وفي قوله: ﴿ ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا ﴾ قال: عليه الدية مسلمة إلا أن يتصدق بها عليه.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: في حرف أبي ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ لا يجري فيها صبي.
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والبيهقي في سننه عن أبي هريرة «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء، فقال: يا رسول الله إن عليَّ عتق رقبة مؤمنة.
فقال لها: أين الله؟
فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها: من أنا؟
فأشارت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء، أي أنت رسول الله فقال: اعتقها فإنها مؤمنة» .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إن علي رقبة مؤمنة وعندي أمة سوداء.
فقال: ائتني بها، فقال: أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟
قالت: نعم.
قال: اعتقها» .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد عن رجل من الأنصار «أنه جاء بأمة له سوداء فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة اعتقها.
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟
قالت: نعم.
قال: أتشهدين أني رسول الله؟
قالت: نعم.
قال: تؤمنين بالبعث بعد الموت؟
قالت: نعم.
قال: اعتقها فإنها مؤمنة» .
وأخرج الطيالسي ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن معاوية بن الحكم السلمي «أنه لطم جارية له فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعظم ذلك قال: فقلت: يا رسول الله أفلا اعتقها؟
قال: بلى، ائتني بها.
قال: فجئت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: أين الله؟
قالت: في السماء.
قال: فمن أنا؟
قالت: أنت رسول الله.
قال: إنها مؤمنة فاعتقها» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب في قوله: ﴿ ودية مسلمة ﴾ قال: «بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضها مائة من الإبل» .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن المنذر عن ابن مسعود قال: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكوراً، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقة» .
وأخرج أبو داود وابن المنذر عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الدية اثني عشر ألفاً» .
وأخرج ابن المنذر عن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده «أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، وفيه وعلى أهل الذهب ألف دينار، يعني في الدية» .
وأخرج أبو داود عن جابر بن عبد الله «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل القمح شيئاً لم يحفظه محمد بن إسحاق» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: ﴿ ودية مسلمة ﴾ قال: موفرة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ مسلمة إلى أهله ﴾ قال: المسلمة التامة.
وأخرج ابن المنذر عن السدي ﴿ مسلمة إلى أهله ﴾ قال: تدفع ﴿ إلا أن يصدقوا ﴾ إلا أن يدعوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ مسلمة إلى أهله ﴾ أي إلى أهل القتيل ﴿ إلا أن يصدقوا ﴾ إلا أن يصدق أهل القتيل، فيعفوا ويتجاوزوا عن الدية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ ودية مسلمة ﴾ يعني يسلمها عاقلة القاتل إلى أهله إلى أولياء المقتول ﴿ إلا أن يصدقوا ﴾ يعني إلا أن يصدق أولياء المقتول بالدية على القاتل فهو خير لهم، فأما عتق رقبة فانه واجب على القاتل في ماله.
وأخرج ابن جرير عن بكر بن الشرود قال: في حرف أبي ﴿ إلا أن يتصدقوا ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ قال: هذا المسلم الذي ورثته مسلمون ﴿ وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ﴾ قال: هذا الرجل المسلم وقومه مشركون، وبينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد فيقتل، فيكون ميراثه للمسلمين وتكون ديته لقومهم لأنهم يعقلون عنه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ﴾ يقول: فإن كان في أهل الحرب وهو مؤمن فقتله خطأ، فعلى قاتله أن يكفر بتحرير رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين ولا دية عليه، وفي قوله: ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ يقول: إذا كان كافراً في ذمتكم فقتل، فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ﴾ قال: هو المؤمن يكون في العدو من المشركين، يسمعون بالسرية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفرون ويثبت المؤمن فيقتل ففيه تحرير رقبة.
وأخرج ابن جرير والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مؤمن ﴾ قال: يكون الرجل مؤمناً وقومه كفار، فلا دية له ولكن تحرير رقبة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق عطاء بن السائب عن أبي عياض قال: كان الرجل يجيء فيسلم، ثم يأتي قومه وهم مشركون فيقيم فيهم، فتغزوهم جيوش النبي صلى الله عليه وسلم، فيقتل الرجل فيمن يقتل.
فأنزلت هذه الآية ﴿ وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وليست له دية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ﴾ قال: كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم، ثم يرجع إلى قومه فيكون فيهم وهم مشركون، فيصيبه المسلمون خطأ في سرية أو غارة، فيعتق الذي يصيبه رقبة، وفي قوله: ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ قال: كان الرجل يكون معاهداً وقومه أهل عهد، فيسلم إليهم ديته، ويعتق الذي أصابه رقبة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ﴾ قال: نزلت في مرداس بن عمرو، وكان أسلم وقومه كفار من أهل الحرب، فقتله أسامة بن زيد خطأ ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ ولا دية لهم لأنهم أهل الحرب.
وأخرج ابن المنذر عن جرير بن عبد الله البجلي.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي في قوله: ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ قال: من أهل العهد وليس بمؤمن.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن جابر بن زيد ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ قال: وهو مؤمن.
وأخرج ابن جرير عن الحسن ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ قال: هو كافر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ قال: عهد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب ﴿ وإن كان بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ﴾ قال: بلغنا أن دية المعاهد كانت كدية المسلم، ثم نقصت بعد في آخر الزمان فجعلت مثل نصف دية المسلم، وأن الله أمر بتسليم دية المعاهد إلى أهله، وجعل معها تحرير رقبة مؤمنة.
وأخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين، وكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيباً فقال: إن الإبل قد غلت، ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية.
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم وصححه عن أبي بكرة.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ريح الجنة يوجد من مسيرة مائة عام، وما من عبد يقتل نفساً معاهدة إلا حرم الله عليه الجنة ورائحتها أن يجدها» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن ماجه والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلاً من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً» .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إلا من قتل معاهداً له ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد خفر ذمة الله ولا يرح ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً» .
وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب: دية أهل الكتاب أربعة آلاف درهم، ودية المجوس ثمانمائة.
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم قال: الخطأ أن يريد الشيء فيصيب غيره.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ﴾ قال: من لم يجد عتقاً في قتل مؤمن خطأ.
قال: وأنزلت في عياش بن أبي ربيعة قتل مؤمناً خطأ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ فمن لم يجد ﴾ قال: فمن لم يجد رقبة فصيام شهرين.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ فمن لم يجد فصيام شهرين ﴾ قال: الصيام لمن لا يجد رقبة، وأما الدية فواجبة لا يبطلها شيء.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مسروق أنه سئل عن الآية التي في سورة النساء ﴿ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ﴾ صيام الشهرين عن الرقبة وحدها أو عن الدية والرقبة؟
قال: من لم يجد فهو عن الدية والرقبة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد.
أنه سئل عن صيام شهرين متتابعين؟
قال: لا يفطر فيها ولا يقطع صيامها، فإن فعل من غير مرض ولا عذر استقبل صيامها جميعاً، فإن عرض له مرض أو عذر صام ما بقي منهما، فإن مات ولم يصم أطعم عنه ستون مسكيناً لكل مسكين مد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ فصيام شهرين متتابعين ﴾ تغليظاً وتشديداً من الله قال: هذا في الخطأ تشديد من الله.
وأخرج عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ توبة من الله ﴾ يعني تجاوزاً من الله لهذه الأمة حين جعل في قتل الخطأ كفارة ودية ﴿ وكان الله عليماً حكيماً ﴾ يعني حكم الكفارة لمن قتل خطأ، ثم صارت دية العهد والموادعة لمشركي العرب منسوخة، نسختها الآية التي في براءة ﴿ اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتوارث أهل ملتين» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ﴾ نزلت بسبب قتل عياش بن ربيعة للحارث بن زيد وكان الحارث يعذبه على الإسلام، ثم أسلم وهاجر ولم يعلم عياش بإسلامه فقتله، وقيل: إنّ الاستثناء هنا منقطع، والمعنى: لا يحل لمؤمن أن يقتل مؤمناً بوجه، لكن الخطأ قد يقع، والصحيح أنه متصل، والمعنى لا ينبغي لمؤمن ولا يليق به أن يقتل مؤمناً على وجه الخطأ من غير قصد ولا تعد؛ إذ هو مغلوب فيه، وانتصاب خطأ على أنه مفعول من أجله أو حال أو صفة لمصدر محذوف ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ ﴾ هذا بيان ما يجب على القاتل خطأ فأوجب الله عليه التحرير والدية، فأما التحرير ففي مال القاتل.
وأما الدية ففي مال عاقلته، وجاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبيان للآية إذ لفظها يحتمل ذلك أو غيره، وأجمع الفقهاء عليه، واشترط مالك في الرقبة التي تعتق أن تكون مؤمنة، ليس فيها عقد من عقود الحرية، سالمة من العيوب أما إيمانها فنص هنا، ولذلك أجمع العلماء عليه هنا، واختلفوا في كفارة الظهار وكفارة اليمين، وأما سلامتها من عقود الحرية فيظهر من قوله تعالى: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ ، لأن ظاهره أنه ابتداء عتق عند التكفير بها وأما سلامتها من العيب، فزعموا أن إطلاق الرقبة يقتضيه وفي ذلك نظر، ولم يبين في الآية مقدار الدية وهي عند مالك مائة من الإبل على أهل الإبل، وألف دينار شرعية على أهل الذهب، واثنا عشر ألف درهم شرعية على أهل الورق، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ﴿ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ أي مدفوعة إليهم، والأهل هنا الورثة، واختلف في مدة تسليمها، فقيل: هي حالة عليهم، وقيل: يؤدونها في ثلاث سنين، وقيل: في أربع، ولفظ التسليم مطلق وهو أظهر في الحلول لولا ما جاء من السنة في ذلك ﴿ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ الضمير يعود على أولياء المقتول أي إذا أسقطوا الدية سقطت، وإذا أسقطها المقتول سقطت أيضاً عند مالك والجمهور، خلافاً لأهل الظاهر، وحجتهم عود الضمير على الأولياء، وقال الجمهور، إنما هذا إذا لم يسقطها المقتول ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ معنى الآية: أن المقتول خطأ إن كان مؤمناً وقومه كفاراً أعداء وهم المحاربون، فإنما في قتله التحرير خاصة دون الدية فلا تدفع لهم لئلا يتقووا بها على المسلمين، ورأى ابن عباس أن ذلك إنما هو فيمن آمن وبقي في دار الحرب لم يهاجر، وخالفه غيره ورأى مالك أن الدية في هذا لبيت المال فالآية عنده منسوخة، ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق ﴾ الآية: معناها أن المقتول خطأ إن كان قومه كفاراً معاهدين ففي مثله تحرير رقبة والدية إلى أهله لأجل معاهدتهم، والمقتول على هذا مؤمن، ولذلك قال مالك: لا كفارة في قتل الذمي، وقيل: إن المقتول في هذه الآية كافر، فعلى هذا تجب الكفارة في قتل الذميّ، وقيل: هي عامة في المؤمن والكافر، ولفظ الآية مطلق إلا أن قيده قوله: وهو مؤمن في الآية التي قبلها وقرأ الحسن هنا وهو مؤمن ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ ﴾ أي من لم يجد العتق ولم يقدر عليه فصيام الشهرين المتتابعين عوض منه ﴿ تَوْبَةً مِّنَ الله ﴾ منصوب على المصدرية ومعناه رحمة منه وتخفيفاً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فتثبتوا ﴾ من التثبت وكذلك في الحجرات: حمزة وعلي وخلف.
والباقون ﴿ فتبيّنوا ﴾ من التبين ﴿ السلم ﴾ مقصوراً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة وخلف والمفضل وسهل.
الباقون بالألف.
﴿ غير ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي وخلف.
الباقون ﴿ غير ﴾ بالرفع ﴿ الذين توفاهم ﴾ مشددة التاء: البزي وابن فليح.
الوقوف: ﴿ إلاّ خطأ ﴾ ج ﴿ يصدقوا ﴾ ط لابتداء حكم آخر.
﴿ مؤمنة ﴾ ط لذلك ﴿ مؤمنة ﴾ ج ﴿ متتابعين ﴾ ز لاحتمال كون ﴿ توبة ﴾ مصدراً لفعل محذوف والأوجه كونه مفعولاً له.
﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ 5 ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ مؤمناً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً ﴿ الدنيا ﴾ ز لانقطاع النظم مع اتصال الفاء.
﴿ كثيرة ﴾ ط ﴿ فتبينوا ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ 5 ﴿ وأنفسهم ﴾ الأول ط ﴿ درجة ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ 5 لا لأن ما بعده بدل / ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ فيم كنتم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ فتهاجروا فيها ﴾ ط لتناهي الاستفهام بجوابه.
﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ 5 للاستثناء.
﴿ سبيلاً ﴾ 5 لا ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ 5 ﴿ وسعة ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ من الصلاة ﴾ ق والأصح أن شرط تغليب في المسافر ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ 5.
التفسير: لما لم يكن بد في مجاهدة الكفار من أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلاً يظنه كافراً حربياً فيقتله ثم يتبين أنه كان مسلماً، ذكر الله حكم هذه الواقعة وأمثالها في هذه الآيات.
أما سبب النزول فقد روى عروة بن الزبير "أن حذيفة بن اليمان قاتل مع رسول الله يوم أُحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار فضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول: إنه أبي فلم يفهموا قوله إلاّ بعد أن قتلوه.
فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
فلما سمع الرسول ذلك زاد وقع حذيفة عنده" ونزلت الآية.
وقيل: نزلت في أبي الدرداء؛ "وذلك أنه كان في سرية فعدل إلى شعب لحاجة له فوجد رجلاً في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال الرجل: لا إله إلاّ الله فقتله وساق غنمه.
ثم وجد في نفسه شيئاً فذكر الواقعة للرسول فقال: هلا شققت عن قلبه؟
وندم أبو الدرداء" .
والذي عليه أكثر المفسرين ما ذكره الكلبي "أن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أسلم وخاف أن يظهر إسلامه فخرج هارباً إلى المدينة وذلك قبل هجرة رسول الله فقدمها، ثم أتى أُطُماً من آطامها فتحصن فيه فجزعت أمه جزعاً شديداً وأقسمت لا تأكل ولا تشرب ولا يؤوبها سقف حتى يرجع.
فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة وكان أبو جهل أخا عياش لأمه، فأتياه وهو في ألأطم فقالا: انزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، وحلفت لا تأكل طعاماً ولا شراباً حتى ترجع إليها، ولم يزل يفتل منه أبو جهل في الذروة والغارب ويقول: أليس محمد يحثك على صلة الرحم؟
انصرف وبرّ بأمك وأنت على دينك حتى نزل فذهب معهما.
فلما أخرجاه من المدينة وأوثقاه بنسعة وجلده كل منهما مائة جلدة ثم قدما به على أمه فقالت: والله ما أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به.
ثم تركوه موثقاً في الشمس فأعطاهم بعض الذي أرادوا، فأتاه الحرث بن زيد وقال: يا عياش، والله لئن كان الذي كنت عليه هدى لقد تركت الهدى، وإن كان ضلالة فقد دخلت الآن فيه.
فغضب عياش من مقالته وقال له: هذا أخي - يعني أبا جهل - فمن أنت يا حارث؟
لله عليّ، إن وجدتك خالياً أن أقتلك.
ثم إن عياشاً أسلم بعد هجرة رسول الله وهاجر إلى المدينة واسلم الحرث بعده وهاجر وليس عياش يومئذ حاضراً ولم يشعر بإسلامه، فبينما هو يسير بظهر قباء إذ لقي الحرث بن زيد، فلما رآه حمل عليه فقتله فقال الناس: أي شيء صنعت؟
إنه قد أسلم.
فرجع عياش إلى / رسول الله فقال: كان من أمري وأمر الحرث ما علمت وإني لم اشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت" ﴿ وما كان لمؤمن ﴾ أي ما صح له ولا استقام، أو ما كان له فيما أتاه من ربه وعهد إليه، أو ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك.
والغرض بيان أن حرمه القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف ﴿ إلا خطأ ﴾ إلاّ لهذا العذر وبهذا السبب فيكون مفعولاً له، أو إلاّ في حال الخطأ أو إلاّ قتلاً خطأ.
قال أبو هاشم - وهو أحد رؤساء المعتزلة -: التقدير، وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً فيبقى مؤمناً إلا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذٍ مؤمناً.
﴿ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير ﴾ فعليه إعتاق ﴿ رقبة ﴾ أي نسمة مؤمنة.
والحر العتيق الكريم لأنّ الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العيبد ومنه عتاق الخيل والطير لكرامها، وحر الوجه أكرم موضع منه.
وعبر عن النسمة بالرقبة كما عبر عنها بالرأس في قولهم: "فلان يملك كذا رأساً من الرقيق".
﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ الدية من الودي كالشية من الوشي.
والأصل ودية وهي مخصوصة ببدل النفس دون سائر المتلفات، وقد تستعمل في بدل الأطراف والأعضاء والمراد بالأهل الورثة ﴿ إلاّ أن يصدقوا ﴾ أي يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد.
والتصدق الإعطاء والمراد ههنا العفو ومحله النصب على الظرف أو الحال والعامل.
﴿ مسلمة ﴾ أو عليه كأنه قيل: يجب عليه الدية أو يسلمها إلاّ زمان التصدق أو إلاّ متصدقين.
وههنا مسائل: الأولى القتل على ثلاثة أقسام: عمد وخطأ وشبه عمد.
اما العمد فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان جارحاً أو لم يكن.
وأما الخطأ فضربان: أحدهما أن يقصد رمي مشرك أو طائر فأصاب مسلماً، والثاني أن يظنه مشركاً بأن كان عليه شعار الكفار.
فالأول خطأ في الفعل، والثاني خطأ في القصد.
وأما شبه العمد فهو أن يضربه مثلاً بعصا خفيفة لا تقتل غالباً فيموت منه فهذا خطأ في القتل وإن كان عمداً في الضرب.
الثانية قال أبو حنيفة: القتل بالمثقل ليس بعمد محض بل هو خطأ أو شبه عمد فيكون داخلاً تحت الآية فيجب في الدية والكفارة ولا يجب فيه القصاص.
وقال الشافعي: إنه عمد محض يجب فيه القصاص حجة الشافعي أنه قتل عمد عدوان أما إنه قتل فبقوله تعالى لموسى: ﴿ وقتلت نفساً فنجيناك من الغم ﴾ يعني القبطي إذ وكزه موسى فقضى عليه.
وأما أنه عمد عدوان فظاهر لأن من ضرب رأس الإنسان بحجر الرحى أو صلبه أو غرقه أو خنقه ثم قال ما قصدت قتله عد ماجنا، وإذا ثبت أنه قتل عمد عدوان فهو يوجب القصاص لقوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ وأن المقصود أن شرع القصاص صون الأرواح عن الإهدار والإهدار في المثقل كهو في المحدد، والعلم الضروري حاصل بأن التفاوت في آلة الإهدار غير معتبر.
حجة أبي حنيفة قوله : " "ألا إِنَّ قتيل العمد / والخطأ قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل " هذا عام سواء كان السوط أو العصا صغيراً أو كبيراً، وأجيب بأن العصا والسوط يجب حملهما على الخفيف ليتحقق معنى الخطأ، فإن من ضرب رأس إنسان بقطعه جبل ثم قال: ما كنت أقصد قتله لم يعبأ بقوله.
الثالثة قال أبو حنيفة: القتل العمد لا يوجب الكفارة لأنه شرط في الآية أن يكون القتل خطأ، وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط.
وقال الشافعي: يوجبها لما روي أن واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله في صاحب لنا أوجب النار بالقتل فقال: اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار.
وأيضاً نص الله على الكفارة في قتل الصيد عمداً في الحرم وفي الإحرام فأوجبها على الخاطىء بالاتفاق، فههنا نص على الخاطىء فبأن نوجبه على العامد كان أولى لأنه لما أخرج نفساً مؤمنة عن جملة الإحياء عمداً لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار لأن إطلاقها من قبل الرق كاحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار كما أن الميت ممنوع من التصرف مطلقاً، ولتحقيق هذا المعنى أوجب أن تكون الرقبة كاملة الرق، وأن تكون سليمة عن عيب مخل بالعمل كهرم وعمى وجنون.
الرابعة قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي: لا تجزىء الرقبة إلاّ إذا صام وصلى لأنه تعالى أوجب تحرير الرقبة المؤمنة.
والإيمان إما التصديق وإما العمل وإما المجموع وعلى التقديرات فالكل فائت عن الصبي.
وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي: يجزىء الصبي إذا كان أحد أبويه مسلماً لأن حكمه حكم المؤمن.
الخامسة أنه أوجب الدية في القرآن ولم يبين كيفيتها وإنما عرفت من السنة.
عن عمرو بن حزم "أن النبي كتب إلى أهل اليمن أن في النفس مائة من الإبل" .
وهذه المائة إذا كان القتل خطأ مخمسة عشرون منها بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون جذعة وعشرون حقة.
وبه قال مالك لما روي عن ابن مسعود "أن النبي قضى في دية الخطأ بمائة من الإبل" وفصلها كما ذكرنا.
وأبدل أبو حنيفة وأحمد أبناء اللبون بأبناء المخاض، لأن هذا الأقل متفق عليه والزائد منفي بالبراءة الأصلية.
وقال غيرهما: أبناء المخاض غير معتبرة في باب الزكاة فيجب أن لا تعتبر في الدية التي سببها أقوى من السبب الموجب للزكاة.
واتفقوا على أن الدية في العمد المحض مغلظة من ذلك التثليث في الإبل، وهو أن يكون ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
ومنه الحلول على قياس أبدال سائر المتلفات خلاف دية الخطأ فإنها مؤجلة الثلث في السنة الأولى، والثلث الآخر في السنة / الثانية، والباقي في السنة الثالثة، استفاض ذلك عن الخلفاء الراشدين ولم ينكره أحد فكان إجماعاً.
ومنه ثبوتها في ذمة الجاني لا تحملها العاقلة خلاف دية الخطأ فإنها تكون على العاقلة لما روي أن امرأتين من هذيل اقتتلنا فرمت إحداهما الأخرة بحجر، ويروى بعمود فسطاط.
فقتلتها فقضى رسول الله بالدية على عاقلة القاتلة.
وهذه صورة شبه العمد، والتحمل في الخطأ أولى.
وجهات التحمل ثلاث: القراب والولاء وبيت المال، والقرابة يعني بها العصبة الذين هم على حاشية النسب وهم الإخوة وبنوهم.
وقال أبو حنيفة ومالك: يتحمل الآباء والبنون كغيرهم ويراعى الترتيب في العصبات فيقدم الأقرب فالأقرب، فإن كان فيهم وفاء إذا وزع عليهم لكثرتهم أو لقلة المال وإلاّ شاركهم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
وقال أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج: الدية في الخطأ أيضاً تجب على القاتل كما أن تحرير الرقبة أيضاً عليه ويؤيده عطف الدية في الآية على التحرير.
وأيضاً الجناية صدرت عنه فلا يعقل تضمين غيره كما في سائر الإتلافات.
وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد غير جائز، وأجيب بإجماع الصحابة على ذلك.
السادسة مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل بإجماع المعتبرين من الصحابة، ولأن المرأة في الميراث وفي الشهادة نصف الرجل فكذلك في الدية.
وقال الأصم وابن علية: ديتها مثل دية الرجل لعموم قوله: ﴿ ومن قتل مؤمناً ﴾ .
السابعة إذا لم توجد الإبل فالواجب عند الشافعي في الجديد الرجوع إلى قيمة الإبل بالغة ما بلغت وإنما تقوم بغالب نقد البلد لما روي أن النبي كان يقوّم الإبل على أهل القرى، فإذا غلت رفع قيمتها.
وإذا هانت نقص من قيمتها، وقال أبو حنيفة: الواجب حينئذ ألف دينار أو عشرة آلاف درهم وعند مالك الدراهم اثنا عشر ألفاً.
الثامنة لا فرق بين هذه الدية وبين سائر الأموال في أنه يقضي منها الدين وينفذ منها الوصية ويقسم الباقي بين الورثة على فرائض الله لما روي أن امرأة جاءت في أيام عمر تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: لا أعلم لك شيئاً إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه.
فشهد بعض الصحابة بأن رسول الله أمر أن تورث الزوجة من دية زوجها فقضى عمر بذلك.
وعن ابن مسعود: يرث كل وارث من الدية غير القائل.
وعن شريك: لا يقضى من الدية دين ولا تنفذ وصية.
وعن ربيعة: الغرة لأم الجنين وحدها وهذا خلاف الجماعة.
واعلم أنّ الله ذكر في هذه الآية أن من قتل مؤمناً خطأ فعليه تحرير الرقبة وتسليم الدية ثم قال: ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وسكت عن الدية.
فالسكوت عن إيجاب الدية في هذه الصورة مع ذكرها فيما قبلها وفيما بعدها وهو قوله: ﴿ وإن كان من قوم من بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ﴾ / يدل على عدم وجوب الدية ههنا.
ثم المعنيّ بقوله: ﴿ من قوم عدوّ لكم ﴾ إما أن يكون أن هذا المقتول من سكان دار الحرب أو أنه ذو نسب منهم مع أنه في دار الإسلام، والثاني باطل بالإجماع لأن قتل هذا المسلم يوجب الدية ألبتة فتعين الأول.
وإنما سقطت الدية لأن إيجاب الدية في قتل المسلم الساكن في دار الحرب محوج إلى أن يبحث الغازي عن كل شخص من أشخاص قطان دار الحرب هل هو من المسلمين أم لا، وذلك يوجب المشقة والنفرة عن الجهاد على أنه هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختيار السكنى فيهم.
وأما الكفارة فإنها حق الله لأنه أهلك إنساناً مواظباً على طاعته فيلزمه إقامة آخر مقامه يمكنه المواظبة عليها.
أما قوله: ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ ففيه قولان: أحدهما أنّ المراد الذمي؛ فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب.
وعن الحسن هم المعاهدون ومنه الذمي؛ فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب.
وعن الحسن هم المعاهدون وثانيهما أن المراد منه المسلم لأنه عطف على قوله: ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم ﴾ والضمير فيه عائد إلى ما تقدم وهو المؤمن فكذا ههنا.
واعترض عليه بلزوم عطف الشيء على نفسه لأنّ المؤمن المقتول خطأ سواء كان من أهل الحرب أو من أهل الذمة داخل تحت قوله: ﴿ من قتل مؤمناً خطأ ﴾ إلاّ أنه أفرد المؤمن الساكن في دار الحرب لأن من حكمه سقوط ديته وههنا لا غرض في الإفراد فيكون تكراراً محضاً.
وأيضاً لو كان المراد ذلك لما كانت الدية مسلمة إلى أهله كفار لا يرثونه ولكان كونه منهم مبهماً مجملاً لأنه لا يدري أنه منهم في أي أمر من الأمور بخلاف ما لو حمل كونه منهم على الوصف الذي وقع التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما.
وأجيب بأنه لما أفرد حكم المؤمن المقتول في دار الحرب للغرض الذي ذكر، ثم أعاد ذكر المؤمن المقتول فيما بين المعاهدين تنصيصاً على الفرق بينه وبين ما قبله وتنبيهاً على التسوية بينه وبين المسلم المقتول في دار الإسلام.
وأما أهله فهم المسلمون الذين تصرف ديته إليهم، وأما الإبهام فيزول إذا جعل "من" بمعنى "في" كما في الآية المتقدمة عليه.
وههنا مسألة خلافية شرعية هي أن أبا حنيفة قال: دية الذمي مثل دية المسلم لقوله : ﴿ وإن كان ﴾ أي المقتول ﴿ من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ﴾ وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثلث خمسها هكذا روي من قضاء الصحابة.
ولا يخفى أن استدلال أبي حنيفة لا يتم على الثاني من قول المفسرين في الآية، وعلى القول الأول أيضاً يجوز أن يكون المراد بالدية الثانية مقداراً مغايراً للأول، وههنا سؤال وهو أنه لم قدم تحرير الرقبة على الدية في الآية الأولى وفي الأخيرة عكس الترتيب؟
ويمكن أن يقال: الفائدة فيه أن يعلم أنه لا ترتيب / بين التحرير والدية، وأيضاً ليقع الافتتاح والاختتام بحق الله .
ويترتب على التحرير قوله: ﴿ فمن لم يجد ﴾ أي رقبة بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها فعليه صيام شهرين متتابعين.
ومتى يعتبر الإعسار ليجوز له العدول إلى الصوم؟
الأصح عند الشافعي وقت الأداء، وعند بعضهم وقت الوجوب.
وأما الشهران فهما هلاليان ألبتة.
نعم لو ابتدأ في خلال الشهر تمم المنكسر ثلاثين.
والمراد بالتتابع أن لا يفطر يوماً منهما، فلو أفطر ولو بالمرض وجب الاستئناف إلاّ أن يكون الفطر بحيض أو نفاس، وعن مسروق أن الصوم بدل من مجموع الرقبة والدية ﴿ توبة من الله ﴾ أي شرع لكم ما شرع قبولاً من الله ورحمة منه من تاب الله عليه إذا قبل توبته.
ومعنى التوبة عن الخطأ أنه لا يخلو من ترك احتياط ومن ندم وأسف على ما فرط منه.
ويجوز أن يكون المعنى نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه أي تخفيفاً منه لأن التخفيف من لوازم التوبة.
﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأنه لم يقصد ولم يتعمد ﴿ حكيماً ﴾ محكم الفعل لا يؤاخذ الإنسان بما لا يختار ولا يتعمد.
وعند المعتزلة معنى الحكيم أن أفعاله واقعة على قانون الحكمة وقضية العدالة.
ثم لما ذكر حكم القتل الخطأ أردفه ببيان حكم القتل العمد وله أحكام وجوب الدية والكفارة عند غير أبي حنيفة ومالك والقصاص كما مر في البقرة، فلا جرم اقتصر ههنا على بيان ما فيه من الإثم والوعيد، ولا يخفى ما في الآية من التخويف والتهديد فلا جرم تمسكت الوعيدية بها في القطع بخلود الفاسق في النار.
وأجيب بوجهين: الأول إجماع المفسرين على أنها نزلت في كافر قتل مؤمناً.
روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أن مقيس بن ضبابة وجد أخاه قتيلاً في بني النجار وكان مسلماً، فأتى رسول الله فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله معه رسولاً من بني فهر وقال له: ائت بني النجار فاقرأهم السلام وقل لهم: إنّ رسول الله يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن ضبابة أن تدفعوه إلى أخيه فيقتص منه، وإن لم تعلموا له قاتلاً أن تدفعوا إليه ديته، فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي فقالوا: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلاً ولكنا نؤدي إليه ديته فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة وبينهما وبين المدينة قريب، فأتى الشيطان مقيساً فوسوس إليه فقال: أي شيء صنعت تقبل دية أخيك فيكون عليك مسبة؟
اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية.
فرمى الفهري بصخرة فشدخ رأسه ثم ركب بعيراً منها وساق بقتيها راجعاً إلى مكة كافراً وجعل يقول في شعره: *قتلت به فهراً وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارغ* *وأدركت ثأري واضطجعت مؤسداً * وكنت إلى الأوثان أول راجع" .
فنزلت الآية فيه ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ ثم أهدر النبي دمه يوم فتح مكة فأدركه الناس بالسوق فقتلوه.
الوجه الثاني أنه يجوز عندنا أن يخلف الله وعيد المؤمنين فإن خلف الوعيد كرم.
وضعف الوجه الأول بأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبأن ما قبل الآية وما بعدها في نهي المؤمن عن قتل المؤمن فكذا هذه الآية، وبأن ترتيب الحكم علىالوصف المناسب مشعر بالعلية فيجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو مجرد القتل العمد، وبأن الكفر بالاستقلال موجب لهذا الوعيد فأي فائدة في ضم القتل إليه؟
وإذا لا أثر للقتل في هذه الصورة فيكون الكلام جارياً مجرى قول القائل "إنّ من تنفس لجزاؤه جهنم" وزيف الوجه الثاني بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر.
وإذا جاز الكذب فيه لغرض إظهار الكرم فلم لا يجوز في القصص والأخبار وغير ذلك لغرض المصلحة؟
وفتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع.
قال القفال: الآية تدل على أنّ جزاء القتل العمد هو ما ذكر.
وقد يقول الرجل لغيره: جزاؤك أني أفعل بك كذا إلاّ أني لا أفعله.
ولا يخفى ضعف هذا الجواب أيضاً لدلالة سائر الآيات كقوله: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ ﴿ ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ على أنه يوصل الجزاء إلى المستحقين، ولأن قوله: ﴿ وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً ﴾ صريح في أنه سيفعل به ذلك لا سيما وقد أخبر عنه بلفظ الماضي ليعلم أنه كالواقع.
ولتأكد هذه المعاني نقل عن ابن عباس أن توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة.
وعن سفيان كان أهل العلم إذا سألوا قالوا: لا توبة له.
وحمله الجمهور على التغليظ والتشديد وإلاّ فكل ذنب ممحوّ بالتوبة حتى الشرك.
هذا عند المعتزلة، وعند الأشاعرة كل الذنوب يحتمل العفو إلاّ الشرك لقوله : ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ .
ثم بالغ في تحريم قتل المؤمن فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ﴾ لتفعل ههنا بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوّكوا فيه عن غير روية ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ﴾ وهو والسلم بمعن الاستسلام، وقيل الإسلام، وقيل التحية يعني سلام أهل الإسلام.
قال السدي: "بعث رسول الله أسامة بن زيد على سرية، فلقي مرداس بن نهيك رجلاً من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره وكان يقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ولم يهرب ثقة بإسلامه، فقتله أسامة واستاق غنماً كانت معه.
فلما قدم على رسول الله اخبره فقال: قتلت رجلاً يقول لا إله إلاّ الله.
فقال: يا رسول الله إنما تعوذ من القتل.
فقال: كيف أنت إذا خاصمك يوم القيامة بلا إله إلاّ الله؟
قال: فما زال يردّدها عليّ أقتلت رجلاً وهو يقول لا إله إلاّ الله حتى تمنيت لو أنّ إسلامي / كان يومئذٍ فنزلت الآية" .
وقد روى الكلبي وقتادة مثل ذلك.
وقال الحسن: "إنّ أصحاب النبي خرجوا يتطرّفون فلقوا المشركين فهزموهم فشذ منهم رجل فتبعه رجل من المسلمين وأراد متاعه، فلما غشيه بالسنان قال: إني مسلم فكذبه ثم أوجره السنان فقتله وأخذ متاعه وكان قليلاً، فرفع ذلك إلى النبي فقال: قتلته بعد ما زعم أنه مسلم.
قال: يا رسول الله إنما قالها متعوّذاً.
قال: فهلاّ شققت عن قلبه؟
قال: لم؟
قال: لتنظر أصادق هو أم كاذب.
قال: وكنت أعلم ذلك يا رسول الله؟
قال: ويلك إنك لم تكن لتعلم ذلك إنما يبين عنه لسانه.
قال: فما لبث القاتل أن مات فدفن فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره.
قال: ثم عادوا فحفروا له فأمكنوا ودفنوه فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره مرتين أوثلاثاً.
فلما رأو أنّ الأرض لا تقبله ألقوا عليه الحجارة" .
قال الحسن: إنّ الأرض تجن من هو شر منه ولكن وعظ القوم أن لا يعودوا.
وعن سعيد بن جبير قال: "خرج المقداد بن الأسود في سرية فإذا هم برجل في غنيمة له فأرادوا قتله فقال: لا إله إلاّ الله.
فقتله المقداد.
فقيل له: أقتلته وقد قال لا إله إلاّ الله؟
فقال: ودّ لو فرّ بأهله وماله.
فلما قدموا على رسول الله ذكروا ذلك له فنزلت" .
قال القفال: ولا منافاة بين هذه الروايات، فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته.
وعن أبي عبيدة قال: قال رسول الله : "إذا أشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح " قال الفقهاء: توبة الزنديق مقبولة لإطلاق هذه الآية.
وقال أبو حنيفة: إسلام الصبي يصح لإطلاق الآية.
وقال الشافعي: لا يصح وإلاّ لوجب عليه لأنه لو لم يجب لكان ذلك إذناً في الكفر وهو غير جائز، لكنه غير واجب عليه لقوله : " "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ " وقال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي أو النصراني أنا مؤمن أو مسلم لا يحكم بإسلامه لأنه يعتقد أن الإيمان والإسلام هو دينه.
ولو قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله فلا يحصل الجزم بإسلامه لأنّ منهم من يقول إنه رسول العرب وحدهم ومنهم من يقول إنّ محمداً الذي هو الرسول الحق المنتظر بعد، فلا بد أن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل، وأن الدين الذي هو موجود فيما بين المسلمين حق.
﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ قال أبو عبيدة: جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء.
يقال: إنّ الدنيا عرض حاضر / يأخذ منها البر والفاجر، سمي عرضاً لأنه عارض زائل غير باقٍ، ومنه العرض لمقابل الجوهر لقلة ثباته كما قيل: العرض لا يبقى زمانين ﴿ فعند الله مغانم كثيرة ﴾ يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام متعوّذاً به لتأخذوا ماله.
وقيل: يريد ما أعدّ لعباده من حسن الثواب في الآخرة ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ اختلفوا في وجه الشبه فقال الأكثرون: يريد أنكم أول ما دخلتم في الإسلام سمعت منكم كلمة الشهادة فحقنت دمائكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بالاستقامة والاشتهار بالإيمان وأن صرتم أعلاماً فيه، فعيلكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام ما فعل بكم.
واعترض بأن لهم أن يقولوا ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء لأنا آمنا بالاختيار وهؤلاء أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر؟
وعن سعيد بن جبير: المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى إيمانه هذا الراعي عن قومه ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم.
وأورد عليه أن إخفاء الإيمان ما كان عاماً فيهم.
وفي التفسير الكبير: المراد أنكم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام فمنّ الله عليكم بتقوية ذلك الميل وتزايد نور الإيمان، فكذا هؤلاء قد حدث لهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم إيمانهم إلى أن تتكامل رغبتهم فيه.
وقيل: إنّ قوله: ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ منقطع عما تقدمه.
وذلك أن القوم لما نهاهم عن قتل من تكلّم بلا إله إلاّ الله ذكر أن الله من عليكم بأن قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر، ثم أعاد الأمر بالتبين مبالغة في التحذير، ثم حذر عن الإضمار خلاف الإظهار فقال: ﴿ إنّ الله كان بما تعملون خبيراً ﴾ وفيه من الوعيد ما فيه.
ولما عاتبهم الله على ما صدر منهم وبدر عنهم كان مظنة أن يقع في قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد فذكر من فضل الجهاد ما يزيح علّتهم ويزيد رغبتهم، أو نقول: لما نهاهم عما نهاهم أتبعه فضيلة الجهاد ليبلغوا في الاحتراز عما يوجب خللاً في هذا المنصب الجليل فقال: ﴿ لا يستوي القاعدون ﴾ عن زيد بن ثابت قال: "كنت عند النبي حين نزلت عليه: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ﴾ ولم يذكر ﴿ أولى الضرر ﴾ فقال ابن أم مكتوم: فكيف وأنا أعمى لا أبصر؟
قال زيد: فتغشّى النبي في مجلسه الوحي فاتكأ على فخذي؛ فوالذي نفس بيده لقد ثقل عليّ حتى خشيت أن يرضها ثم سري عنه فقال: اكتب: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون ﴾ فكتبتها" .
رواه البخاري.
والمراد بالضرر النقصان سواء كان في البنية كعمى وعرج ومرض أو بسبب عدم الأهبة.
من قرأ ﴿ غير ﴾ بالنصب فعلى الاستثناء من القاعدين أو / على الحال عنهم، ومن قرأ بالرفع فعلى أنه صفة للقاعدين ويجوز أن يكون غير صفة للمعرفة كما سبق في تفسير ﴿ غير المغضوب عليهم ﴾ وقرىء بالجر على أنه صفة للمؤمنين.
قال الزجاج: ويجوز أن يكون رفعأً على جهة الاستثناء والمعنى لا يستوي القاعدون والمجاهدين، إلاّ أولي الضرر فإنه يساوون المجاهدين بدليل قوله عند انصرافه من بعض غزواته "لقد خلفتم بالمدينة أقوماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم العذر" وعنه : " إذا مرض العبد قال الله : اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ " .
ويعلم منه أن صحة النية وخلوص الطوية لها مدخل عظيم في قبول الأعمال.
وذكروا في معنى قوله: " نية المؤمن أبلغ من عمله " أنّ ما ينويه المؤمن أبلغ من عمله إذ ما ينويه المؤمن من دوامه على الإيمان والأعمال الصالحة لو بقي أبداً خير من عمله الذي أدركه في مدة حياته.
قيل: إنه قدّم ذكر النفس على المال في قوله: ﴿ إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ﴾ وههنا أخر لأنّ النفس أشرف من المال.
فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيهاً على أنّ الرغبة فيها أشد، والبائع أخر تنبيهاً على أنّ المماكسة فيها أشد فلا يرضى ببذلها، إلاّ في آخر الأمر.
وفائدة نفي الاستواء ومعلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان تبيين ما بينهما من التفاوت ليهتم القاعد للجهاد ويترفع بنفسه عن انحطاط مرتبته فيجاهد كقوله: ﴿ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ تحريكاً للجاهل لينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم.
ثم إن عدم الاستواء يحتمل الزيادة والنقصان فأوضح الحال بقوله: ﴿ فضل الله المجاهدين ﴾ كأنه قيل: مالهم لا يستوون؟
فأجيب بذلك.
وانتصب ﴿ درجة ﴾ على المصدر لأن الدرجة بدل على التفضيل.
وقيل: حال أي ذوي درجة.
وقيل: بنزع الخافض أي بدرحة.
وقيل: على الظرف أي في درجة ﴿ وكلا ﴾ وكل فريق من القاعدين والمجاهدين ﴿ وعد الله الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة.
قال الفقهاء: فيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية إذ لو كان واجباً على التعيين لم يكن القاعد أهلاً للوعد.
وانتصب ﴿ أجراً ﴾ بفضل لأنّ التفضيل يدل على الأجر.
وههنا سؤال وهو أنه لم ذكر أولاً درجة وثانياً درجات؟
وأجيب بأن اللام في قوله أوّلاً على القاعدين للعهد والمراد بهم أولو الضرر، وقوله ثانياً على القاعدين للأصحاء الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم لأن الغزو / فرض كفاية.
وقيل: المراد بالدرجة جنسها الذي يشمل الكثير بالنوع وهي الدرجات الرفيعة والمنازل الشريفة والمغفرة والرحمة.
وقيل: المراد بالدرجة والغنيمة في الدنيا، وبالدرجات مراتب الجنة.
قيل: المراد بالمجاهد الأول صاحب الجهاد الأصغر وهو الجهاد بالنفس والمال، وبالمجاهد الثاني صاحب الجهاد الأكبر وهو المجاهد بالرياضة والأعمال.
واستدلت الشيعة ههنا بأنّ علياً أفضل من أبي بكر وغيره من الصحابة لأنه بالنسبة إليهم مجاهد وهم بالإضافة إليه قاعدون بما اشتهر من وقائعه وأيامه وشجاعته وحماسته.
أجاب أهل السنة بأنّ جهاد أبي بكر بالدعوة إلى الدين وهو الجهاد الأكبر وحين كان الإسلام ضعيفاً والاحتياج إلى المدد شديداً، وأما جهاد علي فإنما ظهر بالمدينة في الغزوات وكان الإسلام في ذلك الوقت قوياً.
والحق أنه لا تدل الآية إلاّ على تفضيل المجاهدين على القاعدين، أما على تفضيل المجاهدين بعضهم على بعض فلا.
قالت المعتزلة: ههنا قد ظهر من الآية أنّ التفاوت في الفضل بحسب التفاوت في العمل، فعلة الثواب هو العمل ولهذا سمي أجراً.
وأجيب بأنّ العمل على الثواب لكن لا لذاته بل يجعل الشاعر ذلك العمل موجباً له.
قالت الشافعية: الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح لأنّ قوله: ﴿ وفضل الله المجاهدين ﴾ عام يشمل الجهاد الواجب والمندوب وهو الزائد على قدر الكفاية، والمشتغل بالنكاح قاعد، فالاشتغال بالجهاد المندوب أفضل منه بالنكاح.
ثم لما ذكر ثواب المجاهدين أتبعه وعيد القاعدين الراضين بالسكون في دار الكفر فقال: ﴿ إنّ الذين توفاهم ﴾ وأنه يحتمل أن يكون ماضياً فيكون إخباراً عن حال قوم انقرضوا ومضوا.
عن عكرمة عن ابن عباس قال: "كانوا قوماً من المسلمين بمكة فخرجوا في قوم من المشركين في قتال فقتلوا معهم فنزلت الآية" .
ويحتمل أن يكون مستقبلاً بحذف إحدى التاءين فيكون الوعيد عاماً في كل من كان بهذه الصفة.
قال الجمهور: معنى ﴿ تتوفاهم ﴾ تقبض أرواحهم عند الموت.
ولا منافاة بينه وبين قوله: ﴿ الله يتوفّى الأنفس ﴾ ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت ﴾ لأنه هو المتوفى والفاعل لكل الأشياء بالحقيقة إلاّ أن الرئيس المفوّض إليه هذا العمل ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه.
وعن الحسن: ﴿ توفاهم الملائكة ﴾ أي يحشرونهم إلى النار.
أما قوله: ﴿ ظالمي أنفسهم ﴾ فمنصوب على الحال عن مفعول توفي والإضافة فيه لفظية ولذا لم تفد تعريفاً فصح وقوعه حالاً.
والظلم قد يراد به الشرك ﴿ إنّ الشرك لظلم عظيم ﴾ فالمراد أنهم ظالمون أنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة.
وقد يراد به المعصية ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾ فالمراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك غير مهاجرين إلى دار / الإسلام حين كانت الهجرة فريضة.
وفي خبر "إنّ" وجوه: الأول ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ والعائد محذوف للدلالة أي قالوا لهم.
الثاني ﴿ فأولئك ﴾ فيكون ﴿ قالوا ﴾ حالاً من الملائكة بتقدير "قد".
الثالث إنّ الخبر محذوف وهو هلكوا.
ثم فسر الهلاك بقوله: ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟
والمراد التوبيخ على ترك الجهاد والرضا بالسكنى في دار الكفر وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم ليسوا من الدين في شيء، ولهذا لم يجيبوا بقولهم كنا في كذا أو لم نكن في شيء بل أجابوا بقولهم: ﴿ كنا مستضعفين ﴾ اعتذاراً مما وبخوا به واعتلالاً بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة من أرض مكة حتى يكونوا في شيء.
ثم إنّ الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر فبكتوهم قائلين: ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمتنعون فيها من إظهار دينكم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة.
ثم استثنى من أهل الوعيد المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.
فسئل لم عدّ الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد، ومن حق الاستثناء أن يدخل فيه المستثنى لو لم يخرج وليس الولدان من أصحاب الوعيد لأنهم ليسوا من أهل التكليف؟
وأجيب بأنّ المراد بالولدان العبيد والإماء البالغون، أو المراد المراهقون الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء حتى يتوجه التكليف عليهم فيما بينهم وبين الله.
سلمنا أن المراد بهم الأطفال لكن السبب في سقوط الوعيد هو العجز وإنه حاصل في الولدان فحسن استثناؤهم بهذا الوجه.
وقوله: ﴿ لا يستطيعون ﴾ قيل في موضع الحال، والأصح أنه صفة للمستضعفين.
وإنما جاز ذلك والجمل نكرات لأنّ المعرف تعريف الجنس قريب من المنكر.
والمعنى أنّ العاجزين هم الذين لا يقدرون على حيلة ولا نفقة، أو يكون بهم مرض، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم عن المهاجرة.
ومعنى ﴿ لا يهتدون سبيلاً ﴾ لا يعرفون الطريق ولا يجدون من يدلّهم على الطريق.
وإنما قال : ﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ بكلمة الإطماع تنبيهاً على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه حتى إن المضطر من حقه أن يعفو الله عنه بل يكون من العفو على ظن وحسبان لا على جزم وإيقان، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز ولا يكون في الواقع كذلك لأنّ الفطام عن المألوف شديد والفراق عن الأوطان شاق، فلعل حب الوطن يحمله على تأويل غير سديد.
ومع قيام هذا الاحتمال أنى يحصل الجزم بالعفو هذا من جانب العبد.
وأما من الرب فعسى إطماع وإطماع الكريم إيجاب.
فالجزم بالعفو حاصل إلا أنّه يرد على لفظ العفو أنه لا يتقرر إلاّ مع الذنب ولا ذنب مع العجز وجوابه أيضاً يخرج مما قلنا: ﴿ وكان الله عفوأً غفوراً ﴾ قال الزجاج: أي كان في الأزل موصوفاً بهذه الصفة، أو أنه مع جميع العباد بهذه الصفة أي أنه عادة أجراها في حق غيره.
وأيضاً لو قال إنه عفو غفور كان / إخباراً عن كونه كذلك وحيث قال كان دل على أنه إخبار وقع مخبره على وفقه فكان أدل على كونه حقاً وصدقاً.
قالت الأشاعرة: أخبر عن العفو والمغفرة مطلقاً غير مقيد بحال التوبة فدل على أن العفو مرجو من غير التوبة.
قال ابن عباس في رواية عطاء: "كان عبد الرحمن بن عوف يخبر أهل مكة بما ينزل فيهم من القرآن، فكتب إليهم: ﴿ إِنّ الذين توفاهم الملائكة ﴾ الآية.
فلما قرأها المسلمون قال ضمرة بن جندب الليثي لبنيه - وكان شيخاً كبيراً - احملوني فإني لست من المستضعفين وإني لأهتدي إلى الطريق.
فحمله بنوه على سرير متوجهاً إلى المدينة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله وقال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك به رسول الله ومات حميداً.
فبلغ خبره أصحاب النبي : فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتم أجراً فأنزل الله فيه: ﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً ﴾ " أي مذهباً ومهرباً ومضطرباً قاله الفراء.
وفي الكشاف يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك وأصله من الرغام وهو التراب فإنهم يقولون: رغم أنفه يريدون أنه وصل إليه شيء يكرهه، وذلك لأنّ الأنف عضو في غاية العزة والتراب في غاية الذلة.
ويمكن أن يقال: إنّ من فارق أهل بلدته فإذا استقام أمره في بلدة أخرى رغمت أنوف أهل بلدته بسبب سوء معاملتهم معه.
واعلم أنه لما رغب في الهجرة ذكر بعده ما لأجله يمتنع الإنسان عن هجرة الوطن، وبين الجواب عنه والمانع أمران: الأوّل أن يكون له في وطنه نوع رفاهية وراحة فيخاف زوال ذلك عنه فأجاب الله عنه بقوله: ﴿ ومن يهاجر ﴾ كأنه قيل للمكلف إن كنت تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر فلا تخف فإنّ الله يعطيك من النعم الجليلة والمراتب السنية في مهاجرك ما يكون سبباً لرغم أنوف أعدائك، ويصير سبباً لسعة عيشك، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج المهاجر بدولته من حيث إنها سبب رغم آناف الأعداء أشد من ابتهاجه بها من حيث إنها سبب سعة رزقه وعيشه.
المانع الثاني أن الإنسان يقول: إن خرجت من بيتي في طلب العمل والجهاد والمهاجرة إلى الله ورسوله، وفي معناه كل غرض ديني من طلب علم أو حج أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهداً في الدنيا وابتغاء رزق طيب، فربما وصلت إليه وربما لم أصل إليه، فالأولى أن لا أضيع الرفاهية الحاضرة لطلب شيء مظنون، فأجاب الله عنه بقوله: ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ﴾ قال بعضهم: ثبت له أجر قصده وأجر القدر الذي أتى به من ذلك العمل، وأما أجر تمام العمل فمحال.
والصحيح أن المراد من قصد طاعة / ثم عجز عن إتمامها فإن له ثواب تمام تلك الطاعة كما روي عن رسول الله : "إن المريض إذا عجز عما كان يفعله من الطاعة في حال الصحة كتب له ثواب مثل ذلك إلى أن يبرأ" .
وأيضاً من المعلوم أن كل من أتى بعمل فإنه يجد الثواب المرتب على ذلك القدر فلا يبقى في الآية فائدة الترغيب.
وأيضاً لا تكون الآية جواباً عن قول الصحابة في ضمرة لو وافى المدينة لكان أتم أجراً.
قالت المعتزلة: في الآية دليل على أن العمل يوجب الثواب على الله لأن الوقوع والوجوب السقوط.
قال : ﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ أي وقعت وسقطت ولفظ الأجر وكلمة "على" يؤكدان ما قلنا، وأجيب بأنا لا ننازع في أن الثواب يقع ألبتة لكن بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم.
واستدل بعض الفقهاء بالآية على أن الغازي، إذا مات في الطريق وجب سهمه في الغنيمة كما وجب أجره، وُردَّ بأن قسم الغنيمة يتوقف على حيازتها بخلاف الأجر.
﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ يغفر ما كان منه من القعود إلى أن خرج ويرحمه بإكمال أجر المجاهدين.
ومما يفتقر المجاهد إليه معرفة كيفية أداء الصلاة في زمان الخوف والاشتغال بمحاربة العدو فلا جرم قال: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ يقال: قصر صلاته وأقصرها وقصرها بمعنى.
ولفظ القصر مشعر بالتخفيف إلاّ أنه ليس صريحاً في أن التخفيف في كمية الركعات أو كيفية أدائها.
والجمهور على أن المراد القصر في العدد وهو أن كل صلاة تكون في الحضر أربع ركعات وهي الظهر والعصر والعشاء فإنها تصير في السفر ركعتين، ويبقى المغرب والصبح بحالهما، وعن ابن عباس: "فرض الله صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكم" .
وعنه أيضاً أن المراد التخفيف في كيفية الأداء كما يؤتى به عند شدة التحام القتال من الصلاة مع تلطخ الثوب بالدم ومن الإيمان مقام الركوع والسجود ويؤكد هذا الرأي بقوله: ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ فإن خوف فتنة العدو لا يزول فيما يؤتى بركعتين على تمام أوصافهما، وإنما يزول بالتجوز والتخفيف فيهما.
حجة الجمهور ما روي عن يعلى بن أمية أنه قال: "قلت لعمر بن الخطاب: كيف نقصر وقد أمنا وقال الله : ﴿ ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ﴾ ؟
فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت النبي فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" .
فهذا الخبر يدل على أنهم فهموا من القصر التخفيف في أعداد الركعات ويؤيده حديث ذي اليدين: "أقصرت الصلاة أم نسيت؟" وأيضاً القصر بمعنى تغيير هيئة الصلاة يجيء بعد ذلك، فحمل الكلام على ما لا يلزم من التكرار أولى.
أما تقييد القصر بحالة الخوف فلأن الآية نزلت على غالب أسفار النبي وأكثرها لم يخل عن خوف قتال الكفار فلا يمكن الاستدلال بمفهومها على عدم جواز القصر في حالة الأمن ولا في حالة الخوف بسبب آخر، على أن / كل محنة وبلية وشدة فهي فتنة.
ثم إن الشافعي قال: القصر رخصة كسائر رخص السفر فإن شاء أتم وإن شاء قصر لأن قوله: ﴿ لا جناح عليكم ﴾ مشعر بعدم الوجوب، ولما روي أن عائشة ا قالت: "اعتمرت مع رسول الله من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قلت: يا رسول الله بأبي وأمي قصرت.
وأتممت وصمت وأفطرت.
فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب عليّ" .
وكان عثمان يتم ويقصر وما ظهر إنكار من الصحابة عليه.
وقال أبو حنيفة: القصر واجب فإنّ صلى المسافر أربعاً ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته لما روي عن ابن عباس قال: كان النبي إذا خرج مسافراً صلى ركعتين، ولقوله : "فاقبلوا صدقته" وظاهر الأمر للوجوب.
وعن عائشة: أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا ﴾ قلت: كأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفي عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه.
وأجيب بأن هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم رخصت لكم في هذا القصر، أما إذا قال أوجبت عليكم هذا القصر.
وحرمت عليكم الإتمام وجعلته مفسداً لصلاتكم فلا يخطر هذا الاحتمال ببال عاقل.
وحديث ابن عباس إنما يدل على كون القصر مشروعاً لا على أن الإتمام غير جائز، وخبر عائشة لا تعاضده الآية لأن تقرير الصلاة على ركعتين لا يطلق عليه لفظ القصر.
ثم إن بعض الظاهريين زعموا أن قليل السفر وكثيره سواء في القصر لإطلاق قوله: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض ﴾ وجمهور الفقهاء على أن السفر المرخص مقدر بمقدار مخصوص، فعن الأوزاعي والزهري ويروى عن عمر أن القصر في يوم تام، وعن ابن عباس إذا زاد على يوم وليلة قصر.
وقال أنس بن مالك: المعتبر خمسة فراسخ.
وقال الحسن: مسيرة ليلتين.
وقال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المدائن وهو ثلاثة أيام.
وهو قول أبي حنيفة قياساً على مدة جواز المسح للمسافر، وأما أصحاب الشافعي فإنهم عوّلوا على ما روي عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن النبي قال: " يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان" .
والمراد بالبريد أربعة فراسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله ، هو الذي قدر أميال البادية كل ميل أثنا عشر ألف قدم وهي أربعة / آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة.
قالت الفقهاء: فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن الحكم غير مربوط بمطلق السفر.
وقال أهل الظاهر: اضطراب السلف في هذه الأقاويل يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلاً قوياً فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.
﴿ إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً ﴾ يريد أن العدواة الحاصلة بينكم وبينهم قديمة فكونوا على حذر منهم.
التأويل: ليس لمؤمن الروح أن يقصد قتل مؤمن القلب إلاّ أن يكون قتل خطأ؛ وذلك أن الروح إذا خلص عن حجب ظلمات الصفات البشرية يتجلى الروح للقلب فيتنور بأنوار الروحانية، ثم تنعكس أنوار الروح عن مرآة القلب إلى النفس الأمارة فتموت عن صفاتها الذميمة الظلمانية، وتحيا بالصفات الحميدة الروحانية، وتطمئن إلى ذكر الله كاطمئنان القلب به، ففي بعض الأحوال يتأيد الروح بوارد روح قدسي رباني ويتجلى في تلك الحالة الروح للقلب فيخر موسى القلب صعقاً ميتاً بسطوة تجلي الروح القدسي الرباني ويجعل جبل النفس دكاً.
وكان قتله خطأ لأنه ما كان مقصوداً بالقتل في هذا التجلي وكان القصد تنويره وتصفيته وقتل النفس الكافرة.
﴿ من قتل مؤمناً ﴾ أي قلباً مؤمناً: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وهي رقبة السر الروحاني فتصير رقبة السر محررة عن رق المخلوقات ﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ يعني يسلم العاقلة - وهو الله - دية القلب إلى أهل القلب وهم الأوصاف الحميدة الروحانية من جمال كمال ألطافه لتصير الأوصاف بها أخلاقاً ربانية إلاّ أن تتصدق الأوصاف بهذه الدية على مساكين أوصاف النفس الحيوانية والشيطانية ﴿ فإن كان ﴾ القتيل بالتجلي ﴿ من قوم عدوّ لكم ﴾ أي من صفات النفس ﴿ وهو مؤمن ﴾ أي هذه الصفة قد آمنت بأنوار الروح القدسي دون أخواتها من الصفات: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وهي رقبة القلب تصير محررة عن رق حب الدنيا ولادية لأهل القتيل.
﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ وهم صفات النفس وميثاقها قبول أحكام الشرع ظاهراً وترك المحاربة مع القلب وأوصافه ﴿ فدية مسلمة ﴾ على عاقلة الرحمة إلى أهل تلك الصفة المقبولة وهم بقية صفات النفس كما قال تعالى: ﴿ إلاّ ما رحم ربي ﴾ وتحرير رقبة مؤمنة وهي رقبة الروح يصيرها محررة عن رقة الكونين.
﴿ فمن لم يجد ﴾ رقبة مؤمنة من الروح والقلب والسر للتحرير بأن تكون رقابهم قد حررت عن رق ما سوى الله: ﴿ فصيام شهرين متتابعين ﴾ أي فعليه الإمساك وعن مشارب العالمين على التتابع والدوام مراقباً قلبه لا يدخله شيئاً من الدنيا والآخرة مراعياً وقته.
فلو أفطر بأدنى شيء من المشارب كلها يستأنف الصوم ولا يفطر بشيء دون لقاء الله تعالى.
قال قائلهم: لقد صام طرفي عن شهود سواكم *** وحق له لما اعتراه نواكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم *** ويبدو هلال الصب حين يراكم ﴿ توبة من الله ﴾ جذبة منه.
﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ أي النفس الكافرة إذا قتلت قلباً مؤمناً متعمداً للعداوة الأصلية بينهما ففي حياة أحدهما موت الآخر ﴿ فجزاؤه جهنم ﴾ وهي سفل عالم الطبيعة.
﴿ إذا ضربتم في سبيل الله ﴾ بقدم السلوك حتى صار الإيمان إيقاناً والإيقان إحساناً والإحسان عياناً والعيان عيناً والعين شهوداً والشهود شاهداً والشاهد مشهوداً وهذا مقام الشيخوخة ﴿ فتبينوا ﴾ عن حال المريد في الرد والقبول ﴿ ولا تقولوا ﴾ له ﴿ لست مؤمناً ﴾ صادقاً ولا تنفروه بالتشديدات والتصرف في النفس والمال ﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ أي تهتمون أجل رزقه فإن الضيف إذا نزل نزل برزقه ﴿ كذلك كنتم ﴾ ضعفاء في الصدق والطلب محتاجين إلى الصحبة في بدو الإرادة ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بصحبة المشايخ وقبولهم إياكم ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ﴾ هم العوام الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها ﴿ فيم كنتم ﴾ في أي غفلة كنتم تضيعون أعماركم وتبطلون استعدادكم الفطري، وفي أي واد من أودية الهوى تهيمون، وفي أي روضة من رياض الدنيا تسرحون؟
أكنتم تؤثرون الفاني على الباقي وتنسون الشراب الطهور والساقي؟
﴿ مستضعفين ﴾ عاجزين لاستيلاء النفس الأمارة وغلبة الهوى ﴿ ألم تكن أرض الله ﴾ أي أرض القلب ﴿ واسعة ﴾ فتخرجوا عن مضيق سجن البشرية إلى قضاء هواء الهوية ﴿ لا يستطيعون حيلة ﴾ في الخروج عن الدنيا لكثرة العيال وضعف الحال ﴿ ولا يهتدون سبيلاً ﴾ إلى صاحب ولاية وهؤلاء المستضعفون هم الخواص المقتصدون، وأما خواص الخواص، وهم السابقون بالخيرات فهم المجاهدون الجهاد الأكبر وقد مر.
﴿ ومن يهاجر ﴾ عن بلد البشرية في طلب حضرة الربوبية ﴿ يجد ﴾ في أرض الإنسانية ﴿ مراغماً ﴾ متحوّلاً ومنازل مثل القلب والروح والسر ﴿ وسعة ﴾ في تلك العوالم من رحمة الله: ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" فافهم يا قصير النظر كثير الفكر قليل العبر والله أجلوأكبر.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ﴾ اختلف فيه: عن ابن عباس - -: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ﴾ : أي: لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمناً بغير حق عمداً، إلا خطئاً فيما لا يملكه.
وقيل: ﴿ إِلاَّ ﴾ بموضع الواو، كأنه قال: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً متعمداً ولا خطأ، وذلك جائز في اللغة.
وقيل: وما كان ينبغي لمؤمن أن يترك قتله إذا قتل آخر عمداً إلا خطأ، فإنه يترك قتله ولا يقتل به؛ وهو قول أبي بكر الكسائي.
وقيل: وما كان ينبغي لمؤمن أن يترك حكم قتله إلا خطأ.
قال أبو بكر الكسائي: حكم القتل ما ذكرنا من القصاص والقود، أو كلام نحو هذا.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً ﴾ قط بعد ما سبق من الله بيانه في غير آي من القرآن، نحو قوله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ﴾ ، وغيرها من الآيات.
﴿ إِلاَّ خَطَئاً ﴾ فإنه لم يسبق منه الحكم فيه إلا في هذه الآية.
وقيل: وليس لمؤمن أن يقتل مؤمناً على كل حال إلا أن يقتله مخطئاً؛ فعليه ما في القرآن.
وهو قريب مما ذكرنا.
ثم الخطأ - عندنا - على وجهين: خطأ قصد، وخطأ دين.
فخطأ القصد: هو أن يقصد أحداً فيصيب غيره.
وخطأ الدين: هو أن يعرفه مشركاً كافراً من قبل حلال الدم؛ فيقتله على ما عرفه من قبل، وهو للحال مسلم.
فإن قيل: كيف لزمه في قتل الخطأ ما لزمه من الكفارة؟
وقد أخبر الله - عز جل - أنه لا يؤاخذه له، وأن لا حرج عليه في ذلك؛ بقوله: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ ، وغيرها من الآيات.
قيل: إن الفعل فعل مأثم، وإن كان لم يوجد منه القصد فيه، فما أُوجِبَ إنما أُوجِبَ؛ لما الفعل فعل مأثم.
والثاني: يجوز أن يكون الله يكلفنا بترك القتل والفعل في حال السهو والغفلة، ألا ترى أنه قال: ﴿ لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ ، والخطأ نقيض الصواب؛ فلا يجوز أن يؤمر بطلب الصواب ولا ينهي عن إتيان ضده؛ كقوله - -: ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا...
﴾ الآية [القصص: 77].
ثم اختلف في المعنى الذي أوجب عليه رقبة مؤمنة.
قيل: لا أنه أتلف نفساً خلقها الله - - لعبادته؛ فأوجب مكانها نفساً [مؤمنة]؛ لتعبد الله على ما عبدت تلك.
لكن التأويل لو كان هذا لكان يجب في العمد ما وجب في الخطأ؛ لأنه وجد ذلك المعنى، لكن أوجب لا لذلك المعنى - والله أعلم - ولكن تغليظاً وتشديداً عليه لما أتلف نفساً محظوراً لم يؤذن له في ذلك؛ لئلا يقدم على مثله، ولله أن يوجب على من شاء بما شاء لما شاء، من غير أن يقال: لم؟
وكيف؟
وأين؟
والثاني: أوجب عليه رقبة مؤمنة؛ لأنه أبقى له نفساً مؤمنة؛ فعلى ما أبقى له نفساً مؤمنة أوجب عليه مثلها رقبة مؤمنة.
وفي قوله - - أيضاً -: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ﴾ اختلف في تأويل ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ : فمنهم من يقول بإضمار: وما كان بمتروك لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ.
[و] يخرج معنى "بمتروك" على وجهين: أحدهما: ما قاله أبو بكر الملقب بالأصم: أي بمتروك له في القصاص إلا أن يقتله خطأ.
[و] لكن هذا يوجب منع العفو لما به الترك، ومعلوم أنه أمر رغب فيه؛ حتى دعا رسول الله ولي القتيل إلى العفو، ثم إلى أخذ الدية، ثم لما أبت نفسه عن ذلك أذن له في القصاص؛ ويدل على ذلك قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ...
﴾ الآية [البقرة: 178]، وقوله: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ...
﴾ ، إلى قوله: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ...
﴾ الآية [المائدة: 45] إلا أن يرجع في قوله: "بمتروك له" إلى الوجوب، أي: لا يدفع عنه إيجاب القصاص إلا من قتل [مؤمناً] خطأ؛ فإنه ليس عليه القصاص.
والثاني: أنه ما كان بمتروك له من التأنيب والتوبيخ والتعبير بسوء صنيعه بأخيه وتعديه حدّ الله وبمعونة ولي القتيل؛ إذ قال: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ فحق ذلك على الناس أن يظهروا له النكير عليه، ويقوموا بالنصر لوليه - والله أعلم - إلا أن يكون خطأ؛ فلا يتلقونه بشيء مما ذكرت، بل يقومون بالشفاعة له، والمعونة في احتمال ما لزمه؛ ولذلك جعل - والله أعلم - أمر العقل على ما به من إبقاء الألفة، ودفع الضغينة، واجتماع [التألم في المصيبة].
ومنهم من يقول في تأويل الآية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ أي: حرام عليه ذلك الفعل بما حرم الله، وبما بينهما من الأخوة في الدين، وبما هو شقيقه وجنسه، يتألم [بما يتألم به الآخر] ويتأذى بما يتأذى الآخر، والنفس عن مثله تنتهي، والطبع ينفر، فما كان له بعد هذا أن يقتل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ خَطَئاً ﴾ قيل فيه بوجوه: أحدها: أن يقع ذلك منه على الخطأ؛ فيكون على ما لا يلحقه اللائمة التي ذكرنا، ولا وصف التعدي الذي وصفنا.
والثاني: أن يكون الأمر في موضع الابتداء؛ لما بين له من الحكم بمعنى: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً ألبتة، لكن من قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة؛ كقوله: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً ﴾ بمعنى: لا يسمعون فيها لغواً ألبتة، لكن الذي يسمعون: يسمعون سلاماً.
وقيل: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ﴾ : إلا ألا يعلمه أنه مؤمن، وكان عرفه كافراً، له قتله بما روي من الإذن في البيات وقتل عيون الكفرة بما سبق من ظهور كفرهم، وإن احتمل إيمانهم فيما بين الوقتين؛ فيكون بمعنى: حرام عليهم إلا مَنْ هذا وصفُهُ.
ويجوز: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ﴾ أي: [ليس] لمؤمن ذلك قط إلا أن يقتل خطأ؛ فإنه ليس فيمن يقال كان له أو لا؛ لما يقع به إلا أن يفعله هو في التحقيق؛ إذ حقيقة الفعل أن يقع بإرادة ويخرج عليها، وهذا لا يقع بها، ولا يخرج عليها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ .
فلم يذكر في القاتل أنه مؤمن عند ذكر قتله، لكنه رجع إليه بوجهين: أحدهما: أن الآية في بيان قتل يكون من المؤمن، وعليها جرى تفسير الحكم عند الوقوع.
والثاني: قوله: ﴿ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ والتوبة بالتحرير تكون للمؤمن لا غيره، والله أعلم.
على أنه حق الشرع من العبادات؛ فلا يحتمل قصد الكافر به، وأيد ذلك المذكور من الصيام، وهو لا يقوم إلا بالإيمان، ثم جعل الإيمان شرطاً من حيث الذكر، وتأكده بأوجه ثلاثة: أحدها: بالتأكيد، يذكر كل قتيل على اختلاف أهل القتيل، وفي ذلك دليل أن ذلك جعل عليه لمكان أمر يدخل على دينه مما عليه من الحق أن يحفظ حرمته، وبحرمته يتقي قتل من ذكر؛ إذ حرم دينه عليه؛ فيصير في قتله مُضَيِّعاً، فالزم ما ذكرت في كل أنواع القتيل لرجوع أمر ذلك كله إلى تضييع من حق دينه؛ ولذلك قيل: ﴿ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: أن تحقيق معنى التوبة في فعل الله، وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: على ما تجاوز منه؛ إذ لم يأخذه بالخطأ؛ فيكون بحق جعل ذلك شكراً من العبد بما لم يؤاخذه بالخطأ؛ فيكون معنى التوبة منه أنه لم يؤاخذه بالخطأ، لا إن في الإعتاق ذلك، والإعتاق للشكر له فيما لم يكن أخذه، وقد يجوز أن يؤاخذه لما بالجهد في التحفظ قد يؤمن ذلك، فلما لم يكلفه وتجاوز عما كان على الخطأ؛ يأمر بالشكر لذلك.
والثاني: قبولا منه ذلك في حق التوبة عن غير القتل من الزلات؛ فيكون فيه قيام بما أمر توخيه في حكمة العفو عن مثله، يجعل ذلك من العبد مقبولا بحق التوبة من الزلات.
أو نُسب إلى التوبة منه إذا كان على التوفيق لفعله، وذلك تسمية الله "تواباً" على التوفيق والتجاوز، والله أعلم.
والثاني: يرجع إلى فعل العبد؛ فتكون توبة من الله على عبده القاتل بأن يتوب بإعتاق رقبة مؤمنة، وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون الفعل فعل مأثم، ولله - - مؤاخذته عليه؛ لأنه بالجهد يمكن اتقاء ذلك؛ ولذلك تعبد بقوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ ، وإذا كان كذلك؛ فيكون ذلك منه توبة إلى الله؛ ليحفظ عن مثله في أمر الدين.
والثاني: أن يكون عليه حفظ دينه عما يقع فيه من التضييع الذي يبلى بإنساء الشيطان، أو بفرط غفلة، أو نحو ذلك؛ فيلزم جبر ذلك بما ذكر وإن لم يعلم؛ إذ قد يجوز وقوع النقصان في ذي الحرمات من وجه لا إثم يلحقه نحو المذكور في المتأذي، وفي أمر السهو في ذلك: فيؤمر به؛ لينجبر ذلك، وذلك نحو ما قد يفسد بأمور من وجه لا يعلم به، فكذلك أمر النقصان؛ فيؤمر بالتوبة إلى الله - عز وجل - عن ذلك بما يمتحن الله به من الأمور - والله أعلم - مع ما قد يتصل بالقتل ما له حكم الخطأ يأثم المرء عليه ويحرج؛ فجائز أن يرجع حرف التوبة من الله إلى ذلك، وهو سمى خطأ العمد.
والثاني: مما يدل على جعل الإيمان شرطاً: أنه جعل لما وقع في حق الدين من التضييع إذا تعلقت الحرمة بالدين من الوجه الذي بينا، ولا فرق بين عبادة يشار إليها يقع فيها تضييع في حد منها يبرئ تلك بكفارة وبين جملة من العبادات يعتقدها الإنسان وضمن الوفاء بما يقع في حد منها تضييع أن مقدار حدها من الفرض لا يعلمه إلا من يعلم حد التضييع من الأصل، ولا يعلم حده غير الذي جعل الحدود؛ فيكن في ذلك بيان المبرئ، وبدونه لعله لا ينجبر؛ فألزم بالاحتياط ذلك، وعلى ذلك أمر الحدود للإجرام.
والثالث: متفق القول على موقع الشرط أنه بحق اللزوم، وعلى ذلك شرط في التتابع في الصيام له هذا المعنى والأول جميعاً، وعلى هذا الاتفاق جعل قوم أمر هذا أصلا لغيره من الكفارات، ونحن لا نجعلها؛ لوجهين: أَحَدُهما: لما لم يجعل ذكر التتابع في هذا أصلا لكل ما لم يذكر فيه التتابع.
والثاني: لما بينا من محل كل من أصل ذلك أنه إنما يعلم من علم ما حد ذا من الأصل؟
ومعلوم الاختلاف في الكل؛ لذلك لم يجب هذا، لكن يطلق المطلق ويقيد المقيد بالذكر، وأيد ذلك أن الله - - قد ذكر في كل قتل، ولو كان بالذي يحتمل درك الحد بالتدبير لكان ترك الذكر في هذا الإفهام الحكم في نوع المذكور أقرب منه في غير نوعه، فبين - والله أعلم - لوجهين: أحدهما: للتنبيه على لزوم الرجوع في هذا إلى الذكر.
والثاني: للتنبيه أنه لم يجعل لمكان القتيل، لكن لما وقع في الدين من التضييع.
وجائز أن يكون شرط الإيمان بما سبق منه تضييع حد من الحدود الذي اقتضى إيجابه عليه الإيمان، فأمر بإعتاق من يسلم له الرقبة؛ لحفظ ما ألزمه حق الإيمان من الشغل عنه بحق الرق فيه لغيره.
ويجوز أن يكون إنما أبقيت به نفسه وهي مؤمنة لله ، فأمر أن يشكر لله - - بإبقاء نفس مؤمنة؛ إذ بالعتق إحياء.
وعلى ما ذكر من اختلاف الحدود وما له حدود في حق الشرع لم يقس الطعام على الصيام عند العجز عنه، على ما قضى به في حق الظهار والفطر، مع ما في الظهار حق لها لم يكن له التأخير إلى القدرة عليه أو ملك الرقبة، وليس هاهنا، وأمر الفطر هو في بعض صيام قد جعل لأصله من الطعام عوضاً عرف حده بقوله - -: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ...
﴾ الآية [البقرة: 184] فعلى ذلك أمر عوض التعدي فيه، وليس في أمر القتل ذلك.
ودلت الآية بذكر الإيمان على أنه له حدّاً يعرف موقعه، ثم الذي يبين فيها آية التصديق خاصة ما جمع بين المؤمن الذي يحتمل أن يكون منه سائر الشرائع، والذي لا يحتمل سوى نفس الإيمان: وهو المؤمن الذي من قوم عدو لنا؛ إذ قد يؤمن في دار الحرب بما في العقل دليله، ولا يعلم به غيره من العبادات التي لها حق الشرائع.
وقد يجوز أن يكون في الإبلاغ في وصف ما يكفر به إبلاغ في التحذير عن الغفلة التي لديها خوف وقوع ما ذكر، وعلى ما ذكرت من تضييع حق ألزمه دينه لزم التعوذ كل واحد منهم الكفارة على التمام؛ لما انفرد كلٌّ بما لزمه من الحق بدينه في التضييع؛ وعلى هذا قولهم في المحرمين يقتلون الصيد: إن كل واحد منهم جنى على إحرامه الذي لم يتصل إحرامه بإحرام غيره، على أن النفس إذ هي لا تحتمل التجزئة؛ لم يتجزأ المجعول لها، وعلى ذلك أمر القصاص، والدية، لم تجب في الحقيقة للنفس؛ إذ هي قد تجب لما دونها فيما يحتمل التجزئة أكثر مما يجب للنفس، وإذا بلغت النفس فسقط بعض ما له منها حكم الوجوب، ولما هي ترجع إلى غير الجاني.
ومحال أخذ الكل ممن يرجع إليه بالكل بما يكون في طلب التخفيف الإجحاف وإهلاك الخلق، ولما كان حق النفس من حيث القتل في المال يختلف، ومن حيث القصاص والكفارة لا تثبت أن المرجع في هذين إلى أحوال في نفس القاتلين من دين يضيع حقه أو امتناع عن احتمال التجزئة أو إحياء أريد بالموضوع، ولو لم يجعل في الجماعة لذهب فائدة الإحياء؛ إذ الوجود بالآحاد غير فيبطل الإحياء في أبلغ أحوال الحاجة إليه، ثم إذا رجع أمر الكفارة إلى من تولى قتله وقد سبق عليه أمر الدية، كقوله - -: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ بمعنى: عليه تحرير ما ذكر، وقد أوجب عليه، وعلى ذلك جميع ما في القرآن من الأمر على إثر الأسباب.
ثم نسق على ذلك بقوله: ﴿ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ ﴾ فحقها أن تكون عليه والخبر الوارد عن رسول الله في أمر العقل الذي توارثته الأمة إلى يومنا هذا، بل الأمم، حتى كأن قد ظهر عن أمر الرسل السالفة بحق التواتر في المؤمنين بهم والمنكرين لهم؛ فكان ذلك بحق التعاون؛ ولذلك قال أصحابنا - رحمهم الله - في الذين لا عاقلة لهم: تجب الدية في أموالهم.
وعلى ذلك فيما يظهر بأقاويلهم دون البينات وهو الحق؛ إذ فيما يجب فيه القصاص أنفسهم تتلف، فعلى ذلك الدية.
والأصل في ذلك: أن معنى القصاص معقول أيد الذي ذكره الله - - في القرآن من قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ ﴾ فلا معنى لصرف ذلك إلى غير المتولى؛ لما يذهب الحياة.
وجائز شرع ذلك بحق العقل؛ لينزجر الناس به، ولتسلم لهم الحياة التي هي ألذ الأشياء؛ إذ بها تعرف اللذات كلها، وذلك المعنى ليس نفس القتيل أحق من غيره من أن يجعل القصاص لحقه، بل الأولى أن يجعل لا محالة للردع والزجر؛ مع ما كان معلوماً أن نفس القتيل لا [تنتفع بالقصاص]، بل إنما نفعها في أن يبقى؛ لخوف القصاص ممن يروم قتله؛ إشفاقاً على نفسه، وليس ذلك المعنى في أمر الدية بشيء، وإنما تُوجَبُ بعد الوفاة، ولم تجب من وجه يتولد منه الغضاضة والعداوة التي لديها سفك الدماء على حق تخصيص الدماء لما هي تجب بالخطأ من وجه يعلم عذر من منه ذلك، لكن الله - - بفضله بما جعل للمتصلين معونة في حياته، وشرفاً في كثرة الأقوام، ونباهة في الدنيا، مع ما يقع بها التناصر والتدافع الذي بمثله الدوام والقوام؛ فيعظم في مثله مصيبة العقل وبخاصة من وجه لعله تسبق إليهم الأفعال في التلبيس على أهله بالخطأ، وأن ذلك ليس بحق؛ فيخاف وقوع الشر بينهم والعداوة التي تولد الفساد؛ فجعل الله - بمنِّهِ وفضله - لهم ما تطيب بمثله أنفسهم، ويسكن المعنى الذي يخاف من حدوث الشر بينهم، مع ما له جعل ما للخلق له ابتداء المحنة بما ذكر بلا سبب يسبق، فهو بالسبب أحق، وإذا جعل بهذا من الوجه الذي له حق الابتداء، فله وضع ذلك في أموالهم، مَنَّ بإبقاء نفس القاتل لهم ما ذكرت من المنافع على ما جعل في ذلك، وإن لم يرجع منفعة الواجب في ذلك إلى القتيل بما لا يعلم أنه يقتل؛ ليجعل ذلك لوجه يتزود به لمعاده، وإن حرم ذلك في دنياه؛ فيصير المجعول في ذلك فيمن لهم وعليهم بالذي ذكرت من دفع الفساد، والقيام بحق الإحسان.
ثم الأصل في إتلاف الأموال: أن منافعها عند القيام ومضارّها عند الإتلاف ترجع إلى أربابها خاصة، والأنفس يرجع ما لها في ذلك إلى العشائر والمتصلين؛ فعلى ذلك المجعول فيها مع ما كانت الأموال تملك؛ فيصير من ضمنه كأنه اشتراه، وكل مشتري بالتسليم إليه الخروج منه؛ فلا يحتمل أن يضمن من لم يكن منه الجناية لما يسقط لو ضمن بعقد التسليم، ولا على ذلك أمر جنايات الأنفس؛ فجائز في حق الشرع الموضوع على غير من [يتولى الخروج]؛ إذ على غير التسليم إلى أحد يستوجب بدله.
ثم وقوع الخطأ يكون من وجهين: أحدهما: من جهة دينه: نحو أن ظنه القاتل كافراً بما كان عرفه كذلك، أوبما عليه سيماء الكفرة.
ومن جهة نفسه في أن يرمي غيره فيصيبه.
[والحكم في] وجهي الخطأ واحد.
والخطأ الثالث، وهو الذي [لم يقتضه حق] هذه الآية، وهو عند الضرب قد يقع ذلك فيما أخطأ الدين وفيما تعمد أو النفس جميعاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ ﴾ لم يبين من أهله؟
وقال في موضع آخر: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ﴾ ولم يبين من وليه؟
فكأن الأهل والولي هم ورثته، على ما جاء في الخبر: أنه ورَّث امرأة أشيم من دية زوجها، وإن كانت الدية لأهل العصبة منهم من قتل، ولأن هذه الدية إنما وجبت لمكان ما لهم من المنافع من القتيل في حال حياته، دون غيرهم فإذا قتل فذهب منافعه عنهم، أوجب ذلك لهم؛ لأنهم هم المنتفعون في حياته دون غيرهم.
وقيل: إن القتل يوجب الضغائن فيما بين أولياء القتيل وأولياء القاتل؛ فيحمل ذلك على الفساد والإهلاك، فإذاً وجبت هذه الدية لتطيب أنفسهم بذلك، ولا يحمل ذلك على الضغائن والحقد.
وقيل: أوجبت هذه الدية؛ لئلا يدعى الخطأ؛ فيسقط القصاص عن نفسه بدعوى الخطأ؛ فأوجب الدية لما إذا ادعى الخطأ - أخذ بالدية، وقد ذكرنا أن الخطأ على وجهين: وهو أن يقصد شيئاً، فيصيب إنساناً، فهو خطأ؛ لأنه أصاب غير الذي قصده بالضربة.
والثاني: خطأ الدِّين، وهو إن عرفه كافراً، فقتله على ذلك، قاصدا له، فهو خطأ.
وللخطأ وجه آخر: وهو أن يضرب الرجلُ الرجل قاصداً لذلك؛ بغيرحديدة، فإن كان الذي ضربه به حجراً صغيراً، أو عصاً صغيرة، فحكمه حكم الخطأ، وإن كان حجراً كبيراً مثله يَقْتُل، أو عصاً عظيمة - فإن أصحابنا - رحمهم الله - اختلفوا في ذلك.
قال أبو حنيفة - -: لا وقود في ذلك، وعلى عاقلته الدية مغلظة.
وقال محمد - رحمه الله -: يقتل به إذا كان مِنْ مِثْلِهِ لاَ يُنْجَى.
وقد رُوي عن النبي ما يبين أن العمد ما كان بحديد؛ فهو حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - في الحجر العظيم؛ ودليل على أن القصد بالضرب قد يكون خطأ.
وروي عن النعمان بن بشير، عن النبي قال: "كُلُّ شَيْءٍ خَطَأٌ إِلاَّ الحَديدَ والسَّيْفَ" وسنذكر هذه المسألة في باب شبه العمد، إن شاء الله .
ثم أجمع أهل العلم على أن الرقبة على القاتل، لا على العاقلة، وأما الدية فلم يذكر على من تجب؟
فقال أكثر السلف: الدية تجب على العاقلة، وعلى ذلك تواترت الآثار عن النبي .
وقال بعض الناس: الدية - أيضاً - على القاتل كالرقبة؛ فيقال له: إن الصيام بدل عن الدية، أو عن العتق؟
فإن قال: لا، بل بدل عن العتق؟
قيل له: فذلك يدل على أن الذي يجب على القاتل هو العتق؟
الذي إن لم يجده صام مكانه، ويدل على أن الدية ليست عليه.
وقد روي عن النبي أنه جعل الدية على العاقلة: عن مقسم عن ابن عباس قال: كتب النبي كتاباً بين المهاجرين والأنصار: أن يعقلوا معاقلهم، ويفدوا غائبهم بالمعروف، والإصلاح بين المسلمين.
وعن أبي هريرة - - أن النبي قضى في الجنين: عبداً أو أمة على العاقلة.
والتي ضربت ضرتها بعمود فسطاط فقتلتها، فقضى النبي بديتها على عصبة القاتلة، وفيما في بطنها غرة، فقال أعرابي: يا نبي الله، أتغرمني من لا طعم، ولا شرب، ولا صاح ولا استهل، فمثل ذلك يطلّ.
فقال النبي : "أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرابِ؟!
اغْرَمْ؛ فَإِنَّ الدِّيَةَ عَلَى العَاقِلَةِ، والميراثَ لإِهْلِ الفَرَائِضِ" وعمود الفسطاط مما يقتل مثله، ولم يوجب النبي على التي ضربت ضرتها به فقتلتها القصاصَ؛ فذلك حجة لأبي حنيفة - - في قوله: إن الخشبة العظيمة والصغيرة سواء، ولا قصاص فيه، والأخبار فيه كثيرة.
وقوله - عز وجل أيضاً -: ﴿ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ ﴾ ذكر - والله أعلم - مسلمة إلى أهله؛ على الحث والترغيب في التسليم، والنهي عن التعاسر الذي عنه توهم حدوث الشر والفساد الذي يوقع مثله جعل العوض في قتل الخطأ، وعلى ذلك قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾ ، وقد بينا من يسلم، ثم بين التسليم إلى أهل القتيل، ولم يبين مَنْ أهله؟
وقد أجمع السلفُ على أن أهله: ورثته، والأصل في ذلك: أن الدية جُعلت بدلا لنفس القتيل؛ فتصير متروكة عنه، وعلى ذلك لو كانت منه الوصايا أو عليه دين ينفذ منها، فصارت فيما قال الله - -: ﴿ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ...
﴾ الآيات التي فيها بيان من يرث من بعد الوصية والدين، فذلك لهم، فيصير أهله بعد وفاته من ينتفع بتركته؛ إذ كذلك وصف الأهل في الحياة أنه يرجع إلى المتصلين به، وبمنافعه مع ما كان اسم الأهل في الزوجة غير ممتنع استعماله على كل حال؛ فيجب دخولها في ذلك، وغيرها من الورثة أحق، وقد روي في مثل ذلك مرفوعاً في توريث امرأة أشيم الضَّبَابي، وعمل به عمر بحضرة الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - والذين لهم سائر الولايات سوى ولاية الميراث مع ولاية الميراث أحق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ فالثنيا من الدِّية؛ لأنه لا حق لأحد في العتق حتى يحتمل التصدق، وهو كقوله - - في القصاص: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ ، وذكر التصديق على ما عليه الترغيب في الديون من قوله: ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .
ثم الأصل: أن التصدق من المعروف إلى ذوي الحاجات، والعقل إنما وضع أصله على الأغنياء، لكن يخرج على وجهين: أحدهما: أن الآية جاءت بذكر القاتل، ووجود الدية المسلمة كلها لكل قاتل عسير؛ فكان الترغيب على ذلك.
والثاني: أنه معروف في الديون، وكذلك حكم الصدقات؛ إذ لا يقع له الثواب في الدنيا ربما يقع لغير المعروفين؛ فيكون فعلهم - في الحقيقة - لله، لا لابتغاء الجزاء، فسمي صدقة؛ إذ هو اسم لما يقع من المعروف لله مع ما يتمكن في ذلك أن العقل ليس شرطه الغناء الذي له يجب الزكوات، وغير ذلك النوع من الغناء لا يخرج أهله عن احتمال الصدقة، بل جعل على أهل الديوان، وهم الذين أموالهم هي التي تخرج بحق العطايا يؤخذ لوقت الخروج، لا بعد الوقوع بالملك، وتمام شرط الغناء له، وفي هذا صرف الثنيا إلى الذي يلي من الكلام دون الذي تقدم، وحمله على بعض الكلام دون الكلام؛ ليعلم أن موقع الفهم عن الحكم على ما يقتضيه حق الحكمة دون الذي ينتهي إليه حق اللسان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ .
عن ابن عباس: - قال: يكون الرجل مؤمناً وأهله كفار في دار الحرب، فيقتله مسلم، فلا دية عليه، ولكن عليه عتق رقبة مؤمنة.
وعنه - أيضاً - قال: كان الرجل يسلم، ثم يأتي قومَهُ فيقيم فيهم، ثم يمر بهم الجيش من المسلمين؛ فيصاب فيمن يصاب؛ فأنزل الله - -: ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ .
وقال بعضهم: كيف يكون للمؤمن المقيم في دار الحرب دية؛ وأولياؤه حرب لنا؟
فهل يجوز أن تعطى لهم الدية ونحن نغتنم أموالهم؟
فإن قيل: تكون الدية لبيت المال، قيل له: إنما يجوز أن تكون لبيت المال من لو كان حيّاً - كان له في بيت المال حق، فأما المسلم المقيم في دار الحرب فلا حق له في بيت المال؛ لأن حكمنا لا يجري على داره، فكيف يستحق بيت المال ديته؟!
وبعد: فإن المسلم في دارهم لم يصر بالإسلام محرزاً نفسه وماله؛ لأن دار الحرب ليست بدار يحرز بها الدماء والأموال، فإذا كان كذلك فلم يكن للأنفس والأموال هنالك بدل؛ لذلك لم تجب الدية، ألا ترى أنَّ من أتلف مال ذلك المسلم لم يغرم بَدَلَهُ؟
فعلى ذلك لم يغرم بدل نفسه؛ لأن حرمتهما سواء في دار الإسلام.
ثم اختلف في تأويل قوله - أيضاً -: ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ...
﴾ الآية، على الاتفاق أن لا دية فيه لكن الاختلاف في أنه: من يخرج؟
على ثلاثة أوجه: أحدها: أن ذلك فيما يقتل على الإغارة، نحو أن يغار على أهل الحرب وفيهم مسلم: فإنه لا دية فيه؛ لما أبيحت الإغارة؛ فيجب على هذا أمران: أحدهما: أن يكون دفع الكفارة في ذلك أحق من دفع الدية، ومن حيث كانت الكفارة حق الله بمعنى العبادة أو القربة، فإذا وقعت الإباحة من عنده فهي في السقوط أحق من الدية التي هي حق العباد، ولم يرد ممن هي له الإباحة، فلما أوجبت هي فالدية أحق أن تجب، فإذ لم تجب بان أنه ليس على ما قدروا.
والثاني: أن يكون لو كان كذلك، فيجيء أن يكون ذلك فيمن كان من قوم عدو لنا أو لا سواء جُعل من حيث الإغارة، بل إذا صارت الإغارة مباحة، وإن كان فيهم مسلم ذهب حق النفس من الأمرين جميعاً: من الدية، والكفارة، [وكذلك الجواب في قوم تترسوا بالمؤمنين أنه إذا أبيح الرمي فيستوي الأمران جميعاً من الدية والكفارة].
وعلى ذلك اختلف فيمن له القصاص فيما دون النفس؛ فمات من الاقتصاص: أن لا كفارة في ذلك، وقد اختلف في الدية، وعلى ذلك من يقتله ممن لا يحتمل العلم، وما أوجب من العقل في الوجود بلا دية يوجب أن تكون الدية أحق في الإيجاب من الكفارة؛ فإذ لم تجب بان أن ليس دفع الدية لما ظنوا.
والقول الثاني: ذهبوا إلى القتيل الذي قومه أهل الحرب أنه لا تجب فيه الدية؛ بقوله: ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ .
ويؤيد ذلك قوله: ﴿ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ ﴾ وأهله عدو لا يحتمل التسليم إليهم بما لنا أخذ أموالهم؛ فيصير بذلك لنا، وأما الكفارة فهي بين العبد وبين الله، فتلزمه؛ إذ هي في حق التوبة والكفارة؛ لما في ذلك من معنى الإثم؛ فيدخل على ذلك - أيضاً - أمران: أحدهما: إبطال الدية عن كل نفس لا وارث لها إذا قتل من أهل دار الإسلام في دار الإسلام؛ إذ لا أهل لها، وعدم الأهل أكثر من كون الأهل وهم أعداء له، بل يغرم الذي قتله وقومه لبيت المال، فعلى ذلك الأول لو كان يجب، ولكن لم يجب لا لهذا؛ إذ قد رأينا الوجوب مع ما هو أعظم في العدة من هؤلاء، وأيد ذلك الإيجاب في المؤمن الذي قومه من أهل الميثاق، أو الكافر الذي هو من أهل الميثاق، والعداوة لم تكن انقطعت بالميثاق.
والوجه الثاني: أنه لا توارث يجري بين المسلم وأهل الكفر ليبطل حق الدية بوجوبها لهم، بل يتحول الميراث بالإسلام إلى أهل الإسلام، وإن لم يكن له خصوص أهل، وعلى ذلك جميع تركته؛ فبان أنه لا لهذا لم يوجب.
والقول الثالث: أن الآية فيمن أسلم في دار الحرب ولم يخرج إلينا حتى يقتله مؤمن خطأ أنَّ عليه تحرير رقبة، ولا دية فيه؛ فيكون المعنى ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ ﴾ : هو من قوم في الظاهر عند القاتل لم يخرجوا بعد إظهار المعاداة، ثم يكون قتله الخطأ من وجهين: أحدهما: بما كان عرف كفره، ولم يظهر انتقاله عما كان عليه في الظاهر، لا بخروجه إلى دار الإسلام ولا سيما يظهر، وذلك ظاهر الوجود، وفي مثله نزل قوله - -: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً...
﴾ الآية [النساء: 94]، وقد أخبر أنهم كانوا كذلك يكتمون دينهم حتى مَنَّ الله عليهم بالإظهار؛ فيكون هذا بين أظهرهم على الأمر الأول، ولا على ذلك شأن المسلمين الذين دخلوا تلك الدار بالأمان، ولا يحتمل أن يلحقه هذا النوع من قتل الخطأ؛ فلزم في نفسه البدل [على كل] حال.
والثاني: أن يرمي غيره فيصيبه على ما يكون خطأ أهل هذه الدار، ولم تجب له الدية؛ لما يقع فيه الخطأ من الوجه الذي على الآمر يفعل على ما بينت؛ فلا يحتمل أن يجعل لنفسه بدل.
والأصل في ذلك: أن دار الحرب هي دار الحرب، وفي الحرب سفك الدماء وإتلاف الأموال؛ فلا يقع بها إحراز الدماء والأموال؛ فلذلك لم يجب فيها البدل، وليس كدار الإسلام؛ لأنها دار سلم وأمن حتى جعلت تحرز بها الدماء والأموال على ما كان أنفس الأعداء إذا دخلت بالميثاق إلينا استوجبت حق الأعراض ولزوم البدل، وإن كانوا من قوم عدو لنا؛ إذ هي الدار دار سلم وإحراز، ولا يشبه الذي أسلم، ولم يخرج، الذي خرج من هذه الدار مسلماً لما كان يخرج بأمان، وفي الأمان لزوم حفظ الأمر الأول، وليس في الأول ذلك على أن أحد الأمرين في ابتداء الإيجاب، والآخر في البقاء على ما وجب، ومعلوم تفاضل هذين في الأصول، واختلاف الأمر بينهما، وقد كان في إبقاء بعض ما يستوجب بالدين لترك الهجرة؛ كقوله - - ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ ﴾ وقد نسخت تلك الهجرة، ولم تنسخ الهجرة إلى دار الإسلام، وإن نسخت إلى المدينة، فلم يكن لنا من ولايتهم من شيء، وإنما حق بذل الأنفس لمن يبقى عنه من الأولياء والأهل، وقد بقي ذلك، فلذلك لم يجب.
وعلى هذا يخرج قولنا فيه: لو قتل عمداً أَلاَّ يجب القصاص ولا الدية؛ لأن الله - - قال: ﴿ فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ﴾ وقد بقي فيما نحن فيه الولاية؛ لذلك بطل السلطان، وفي بطلانه بطلان البدل، ويجوز معه بقاء الحق الذي بينه وبين الله؛ لثبات تلك الحرمة.
ووجه آخر في تأويل: قوله: ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ ﴾ \[أي: في قوم مظهري العداوة\]؛ دليل ذلك: أنه وإن خرج إلى هذه الدار فهم قومه، لكنه ليس يرجع إلى مؤمن آمن وهو يعد فيهم أن لا شيء، فإذا خرج إن عاد وإلا فله حكم نازله لم يقتضه حق الآية؛ فيجب فيه الذي يجب على حسب الدليل الموجب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك القتيل معاهد؛ من قوم بيننا وبينهم ميثاق؛ فاحتج بعض أصحابنا - رحمهم الله - بهذه الآية [الكريمة] في إيجاب الدية في قتل المعاهد: دية مسلمة، وهي مثل دية المسلم؛ لأن الله - - قال فيهما جميعاً: ﴿ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ...
﴾ فهما سواء.
وقد روي ذلك عن ابن عباس، .
والآية تحتمل غير هذا؛ لأن الله - - قال في أول الآية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ...
﴾ فيحتمل: أن يكون معناه: وإن كان المقتول المؤمن من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فاكتفي بذكر الإيمان في القتيلين الأولين عن إعادة ذكر الإيمان في القتيل الثالث، ولم يكتف بذكر الإيمان في القتيل الأول عن إعادته في الثاني؛ لأنه لو قال [الله - -:] ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ ، ولم يزد على هذا - كنا نوجب الدية في قتل كل مؤمن؛ فذكر الإيمان في الثاني للتفريق بينهما.
وأما ذكر الإيمان في الثاني أغنى عن ذكره في الثالث؛ لأنه لا تفرقة بينهما؛ لذلك كان ما ذكرنا.
وعن الحسن: ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ قال: مؤمن.
واستدل من ذهب إلى أن المقتول مسلم بأن الله - - قال: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ ولا تجب الكفارة على القاتل المعاهد إذا لم تكن ذمة، ألا ترى أن النبي فدى قتيلي عمرو بن أمية، وكان لهما عهد، ولم يبلغنا أنه أمر بالكفارة، فيقال: إن الكفارة واجبة على قاتل المعاهد المستأمن بظاهر الآية بقوله: ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ .
وقال أيضاً: ومما يدل أن المقتول معاهد: أنه لو كان مسلماً لم يجب لأهله من المعاهدين الدية؛ لأنهم لا يرثونه، وإنما يرثونه إذا كان معاهداً، وهذا يؤيد قول أصحابنا - رحمهم الله - في وجوب كمال دية المسلم على قاتل المعاهد.
وقد روي عن النبي أنه ودى ذميّاً دية مسلم، وحديث عمرو بن أمية: أنه كان ببعض الطريق، فأقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا في ظل هو فيه؛ وكان معهما عهد من رسول الله لم يعلم به عمرو، وقد علم أنهما من بني عامر، فلما ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه أصاب منهما ثأره من بني عامر، فلما قدم عمرو على رسول الله قال: لقد قتلت قتيلين لأدينهما.
فوداهما رسول الله .
ومعلوم أن الدية كانت تامة وإن لم تسم؛ لأن العرب كانت لا ترضى أن تنتقص دياتها عن ديات المسلمين.
وعن ابن عباس - -: أن النبي جعل دية العامِرِيَّيْنِ دية الْحُرَّيْنِ المسلمين.
وعن ابن مسعود - - قال: دية أهل الكتاب مثل دية المسلم.
فإن قيل: روي عن عمر - - قال: دية اليهودي والنصراني أربعة [آلاف درهم]، ودية المجوسي ثمانمائة درهم.
عن عثمان - - مثله.
قيل: يحتمل هذا ما روي عن عمر: أنه قوَّم الإبل فبلغت قيمتها أربعة آلاف درهم، ثم قومها ثانياً فبلغت ستة آلاف، إلى أن بلغت عشرة آلاف، أو ما ذكر، فيحتمل أنه لما قومها فبلغت أربعة آلاف كان ذلك في دية يهودي أو نصراني؛ فظن الراوي أنه إنما أوجب أربعة آلاف؛ لأنه دية النصراني أو اليهودي، فروي على ذلك مع ما رُوي عن عمر وعثمان - رضوان الله عليهم أجمعين - بعشرة آلاف.
وروي أن أبا بكر وعمر وعثمان - م - قالوا: دية المعاهد دية الحر المسلم، فهذا يوهن قولهما الأول.
أو يحتمل أن يكون على الاصطلاح: فإن قيل: روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي قال: "دِيَةُ الكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ" قيل: إن كلا الفريقين تركوا العمل بهذا الخبر؛ لأن من يقول بأربعة آلاف لم يأخذ به؛ لأن أربعة آلاف ثلث دية المسلم، على قوله؛ لأن دية المسلم الحر اثنا عشر ألفا عنده.
ومن يقول بعشرة آلاف لم يأخذ به؛ فقد أجمعوا على ترك العمل به؛ وذلك لما لم يثبت عندهم - والله أعلم - مع ما وصفنا في باب: قتل المسلم بالكافر ما يدل على أن ذلك واجب، فإذن وجب قتل المسلم بالذي وجب أن تكون ديتهما سواء، ألا ترى أن الكفارة على قاتلهما سواء.
وقوله - أيضاً - ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ...
﴾ اختلف في تأويل هذه الحرف من وجهين: أحدهما: أن الآية في المؤمنين خاصة، لكنهم على أقسام ثلاثة: أحدها: على النشوء على الإيمان.
والآخر: على إحداث الإيمان في دار الحرب من أهل الحرب.
والثالث: على إحداث الإيمان من أهل الميثاق في دار العهد.
والآخر من وجهي الآية: بيان جميع ما يجب في نفسه حق إذا قتل خطأ من مؤمن قد أحرز دمه بالإيمان، أو بالإيمان والدار، أو بالعهد، وفي ذلك إنما قطع الحق عن كثير ممن ينهى عن قتلهم إذا لم تتضمنهم هذه الآية، من نحو نساء أهل الحرب والذراري، فلم تجب الدية بما لم تحرز دماؤهم بدار الحرب، ولم تجب الكفارة بارتفاع الميثاق، وإن كنا لا نقتلهم.
فإن كان تأويل الآية هذا - فكان في الآية - أيضاً - على تخصيص القتيل المؤمن من أهل الحرب أن لا دية فيه، وعنها كان فَهْمُ الإجماع أن الله لو أراد الجمع بين القتيل لكان يخرج الأمر على الإبلاغ على ما في الكفارة وما فيها من صفة الإيمان، أو على الإيجاز والتدريج فيها بالمعنى، فالذكر في قتيل واحد كان، فلما ذكر في قتيلين ولم يذكر في الواحد - دل أنه على التفريق، وأيد ذلك أمر الصيام أنه ذكر مرة، والحكم به يأتي على الكل، [وعلى ذلك] حق الدية مع ما بين الذي هو وصفه.
وإن كان تأويل الآية الأولى فأوجب في المعاهد بالمروي عن رسول الله : أنه قضى في عامريَّيْنِ دخلا بأمانٍ فَقُتِلاَ - بدية حُرَّينِ مسلمين، وفي ذلك بيان أن الدية لم تكن وجبت بالنهي عن القتل؛ إذ هو في الذراري والنساء قائم، ولم تجب، لكن بالعهد، فإذا كان على الاتفاق في الدين والنهي فرق بينهما بالعهد؛ فعلى ذلك أمر المسلمين على الاتفاق في الدين والنهي يفرق بينهما بمكان العهد والإحراز.
وأيد التأويل الثاني شرط الإيمان في قوله - -: ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ فلولا أن الذكر يقتضي القتيل من العدو، لم يكن ليحتاج إلى ذكر المؤمن، وقد سبق بيان المقصود في ابتداء الآية في النهي والثنيا جميعاً، فإذا لم يذكر في أهل الميثاق فصار متروكاً على ما يقتضيه، وأيد ذلك الذي هو وصفه أن ذكر النوعين يدل على التفريق إذ ليس على حق الاقتضاء بالمعنى، ولا على حق الإبلاغ في البيان، وجميع الكل يخرج على [ذانك النوعين] في حق الحكمة؛ لذلك صار إلى حق التفريق.
ثم الظاهر قد يضمن الخطاب بأمرين: أحدهما: في حق هتك الحرمة.
والآخر: في حق العوض من غير تفريق في وزن الملفوظ، وجاء البيان للواجد، وهي دية المؤمن؛ فيصير كأن البيان في الآية، ومعلوم أنه لو كان - لكان يأخذ الكل، إلا أن يجيء التفريق على ما ذكر من أمر الصيام وحق التوبة، وأن ذكر الآحاد في حق بيان التضمين كذلك في الكل الدية على حد واحد مع ما استوى أمر الكفارة فيما له حق البيان التام أو بيان الكفاية، فعلى ذلك الأول، وأيد ذلك وجهان: أحدهما: أن الدية بمبلغها كانت في الجاهلية فأقرت على ذلك في الإسلام، وكذلك حق القسامة، وكانت كذلك في أهل الكفر عند الأمان، فعلى ذلك اليوم، أو يلزم الذي عرف حتى يظهر؛ ولذلك - والله أعلم - لم يجز في الأمر البيان؛ لأنه كان على معروف، وأيد ذلك جميع الأمور المنقسمة، من نحو الحدود بين العبيد والأحرار في التفريق، والديات بين الذكور والإناث؛ أنه يجب ذلك الانقسام في أهل الكفر، فعلى ذلك حد الجملة والنصف.
والثاني: خبر ابن عباس - - في العامريين، وعلى ذلك جاء عن عمر، وعلي - ما - وما روي عن عمر - - فهو في الوقت الذي بلغت قيمة الإبل أربعة آلاف، وسنذكر ذلك.
ثم الأصل: أن البدل حق المتلف، والإسلام والكفر أمران يرجعان إلى الدين والمذاهب، والناس لا يملكون الزيادة والنقصان من الأبدال لأنفسهم؛ لأنه لا بهم جعلت الدية، لكن بالشرع؛ فبه يُعرف التفريق والجمع، فما لم يثبت التفريق والمعنى في كل نفس من المنافع وإليها ما في غيرها لزم الجمع حتى يجيء علم التفريق.
والأصل: أن البدل أمر يرجع إلى منافع تقع للمجني عليه مكان ما ذهب منه، أو لغيره فيما يدخل عليهم من النقصان بفوت نفسه، ثم كل أمر مجعول للمنافع فالنظر فيها إلى قدر المنافع عند أهلها، وأهل الذمة أحق بالزيادة؛ لتعجيل المنفعة لهم في الدنيا؛ إذ لا حفظ لهم في الآخرة.
وقد زعم الشافعي أن العبد لو بيع على أنه كافر فوجده مسلماً أنه عيب يرد منه؛ فيصير الإسلام عيباً في قيمته؛ فلا يجيء أن يكون الحر منهم أقل قيمة من الحر منَّا، ومحل الدين ما ذكرت، فهذا - وإن كان القول به منه شنيعاً - لا يجوز أن يحتج به، فهو في موضع التنبيه، وقوله يلزمه، كقوله - وتعالى -: ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ فحاجهم بالذي عند أئمتهم، فعلى ذلك يحاجُّ بالذي عنده، ولا قوة إلا بالله.
وقد حاج بنفي الإلهية بما لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع ولا يبصر، وإن كان وجود ما انتفي لا يوجب القول به.
ثم القتل على أقسام ثلاثة: عمد، وهو ينقسم [إلى] قسمين: أحدهما: أن يتعمد نفس القتيل.
والثاني: أن يتعمد دينه فيقتل لأجل دينه.
وخطأ، وهو - أيضاً - على قسمين: أحدهما: أن يقع بأحد الجناية عن غير قصده.
والثاني: أن يقع له على قصده، لكن على ظن لزومه الدين الذي استوجب القتل به.
وبين الخطأ والعمد قتل آخر سمي: خطأ العمد، أو شبه العمد: مما لم يبين حكمه في منصوص القرآن، ولا هو مما يحتمل معرفة حقيقته بالعيان؛ لأنه ليس في العين جناية تقع من حيث الوقوع إلا عن عمد أو خطأ؛ فصار ذلك معروفاً حكمه بالشرع، ولله أن يشرِّع في حقيقة الخطأ والعمد شرعاً واحداً؛ على ما عليه أمر شرعه في جميع الأمور، وقد جاء الخبر فيه، واتفاق الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - على إيجاب الدية في ذلك، وليس في ذلك ذكر الكفارة، فلما ثبت إلحاقه بالذي هو خطأ في الحكم قيس على أمر الكفارة؛ مع ما كان لذلك أوجه تقدر: أحدهما: أن في العمد ما هو لنفسه كفارة وهو القصاص، وقد دفع ذلك في شبه العمد، والدية تلزم العاقلة، فلا بد من وضع كفارة في ذلك؛ كالذي ذكر في الخطأ فيه.
والثاني: أنه ذكر في الكفارة توبة من الله، والتوبة من الله تخرج على أوجه ثلاثة: على التوفيق لفعله.
أو على التجاوز لما كان من الزلة.
أو على جعل ذلك الفعل من توبة عن زلته.
وأي هذه الوجوه الثلاثة كان ففي ذلك معنى يحق وصف التوبة؛ فيكون في ذلك مما قد يتوجه إلى عمد يلحق وصف الزلة، أو أمر تجوز الكلفة به؛ فيقع العدول عنه؛ إذ قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ فإن جعل في ذا توبة فهو في وجه فيه جناح؛ فيدخل في ذلك قتل فيه جناح، ويكون له حكم الخطأ يبينه الخبر.
والثالث: اتفاق أهل الفتوى على القول به، وأيضاً أن الذي يقع الخطأ فيه لدينه فقد تعمد قتله، وأوجبت عليه الكفارة، فقد وجدت كفارة مع تعمد فيما لا بدل لنفسه، فإذا كان شبه العمد يجب فيه البدل فهو لوجوب الكفارة أحق.
وأما العمد الذي فيه القصاص ففيه أوجه ثلاثة: أحدها: أن الله - - بين ما فيه من الحق على نحو ما بين في الخطأ، وإنما يجب طلب العلم بالحكم فيما لم يُبَيَّنْ منصوصاً من النوازل التي يعلم أن لله - - فيها حكماً؛ إذ لم ينص عليه، فقد جعله مبيناً بالتضمن لا بالتصريح، فإذا بيّن سقطت الحاجة وبطل الاجتهاد والتعرف به، وعلى مثل ذلك يجاب لقتل الصيد عمداً أن الحكم فيه لم يبين بالتصريح، فهو متروك للتضمين.
والثاني: أن الكفارة في حق الزجر عنه، والتكفير لفعله، وفي السيف ذلك والزيادة فيه؛ فلذلك لم يضم إليه غيره.
ثم معلوم أن الكفارة إنما جُعلت بما معه الإبقاء حتى يصوم شهرين، وفيما فيه القصاص لا مهلة له يستوجب به بقاء النفس؛ لتقوم بالكفارة؛ فلذلك لم تجب.
والثالث: الاتفاق أن الذي يقتص لا يلزمه الكفارة، فمن وجب له حكم العمد لم تجب عليه الكفارة، ولو أجبنا الكفارة على القاتل جعلناها حقّاً لله من حيث النفس لا من حيث معنى في الجناية له تجب، وذلك المعنى في نفس القاتل والقتيل سواء؛ فيكون ولي القتيل آخذاً الذي له وقع القصاص والذي ليس له القصاص، لكن له الكفارة فتلزمه، فإذ لم تجب، بان أنها تجب بحال من النفس والجناية، فلم تجب فيما عدمت تلك الحالة.
والأصل: أنها لم تجعل للحظر ولا لنفس الحرمة؛ إذ قد يوجد قتل نفس محظورة ولم تجعل فيها الكفارة، نحو الذراري والنساء من أهل الشرك، بل لو كان كذلك كان الخطأ من أبعد ما يجعل له الكفارة؛ فثبت أنها لم تجعل لذلك، ومن يقس - يقس بذلك؛ فبطل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: لا يجزئ إلا من صام وصلى.
وعن ابن عباس قال: الرقبة المؤمنة: كل مولود ولد في الإسلام، صغيراً كان أو كبيراً.
والأشبه أن يجزئ الصغير من المسلمين، ألا ترى أنهم أجمعوا أن على قاتل الصغير من المؤمنين مثل ما كان على قاتل الكبير منهم؟!
فيجب أن يجزئ الصغير من المؤمنين على ما يجزئ عنه الكبير منهم؛ إذ كان حكم الصغير من المؤمنين حكم الكبير منهم.
ومما يدل على ذلك - أيضاً - أن حكم الصغير من المؤمنين، وميراثه، وتزويجه، وطلاق الرجل الزوجة الصغيرة - حكم الكبير، فهم مؤمنون في الحكم وإن كانوا صغاراً، ولكن لسنا نذكر عن أصحابنا رواية منصوصة في جوازه، والقياس ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ﴾ .
وصف الله - - الشهرين بالتتابع، ووصف الرقبة بالإيمان، فهو - والله أعلم - يحتمل أن يكون على التغليظ والتشديد؛ لما يجوز أن يجاوز جرم حكم الخطأ جرم غيره من الأشياء، نحو أن يقتله بعصاً، أو بسوط، ونحوه، قاصداً له، ولا شك أن جرمه أعظم من جرم غيره من الأفعال التي توجب الكفارة من الأيمان والظهار وغيره؛ فغلظ فيه ما لم يغلظ في غيره بالإيمان في الرقبة والتتابع في الصيام، وهذا كما يقولون: إن ضرب التعزير أشد من ضرب حد الزنا وحد شرب الخمر وغيره؛ لأن جرم فعل التعزير ربما يبلغ جرم الزنا أو يجاوز، وهو أن يخنق آخر مرة أو مرتين، لا شك أن حرمته أعظم من حرمة من قذف آخر، أو شرب قطرة من خمر؛ فغلظ فيه وشدد؛ لما ذكرنا، فعلى ذلك شرط الإيمان في العتاق في كفارة القتل، والتتابع في الصوم؛ تغليظاً وتشديداً للمعنى الذي ذكرنا، وهو أن يقتله قتل شبه العمد؛ أي: عمد القصد، خطأ الحكم، ألا ترى أنه غلظ في الدية في شبه العمد ولم يغلظ في غيره.
وروي [عن ابن عمر - -] أن النبي قال: "قتيلُ السَّوْطِ والعَصَا فيه الدِّيةُ مُغلَّظة" وعن النعمان بن بشير - - قال: قال رسول الله : "كُلُّ شَيْءٍ خَطَأٌ إِلاَّ السَّيْفَ وَالْحَدِيدَ، وَلِكُلِّ خَطَأ أَرْشٌ" ذكر الله - - قتل الخطأ والعمد، فبين حكمهما، ولم يذكر غيرهما في كتابه، لكنا عرفنا قبلُ شبه العمد والحكم فيه بما روينا من خبر ابن عمر - - عن رسول الله ، وحديث النعمان عنه حيث قال: "أَلاَ إِنَّ قَتِيلَ خَطَأ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ والعَصَا، ففيه الدِّية مُغَلظة: ثَلاثُونَ جَذَعةً، وثَلاثُونَ حِقَّةً، وَأَرْبَعُونَ ما بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِل عَامِهَا، كُلُّها خَلِفَة" واختلف الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -: روي عن عمر - - ما ذكرنا من الخبر المرفوع أثلاثاً.
وعن علي - - قريباً منه أثلاثاً.
وعن أبي موسى الأشعري والمغيرة ما روينا من الخبر المرفوع أثلاثاً.
وعن ابن مسعود - - في شبه العمد أرباعاً: خمسة وعشرين حقة، وخمسة وعشرين جذعة، وخمسة وعشرين بنات لبون، وخمسة وعشرين بنات مخاض.
ثم لا يحتمل أن يكون الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - قالوا ذلك رأياً من أنفسهم؛ لأن هذا باب ما لا يوقف إلا بالسمع والخبر من الله - - فيجعل كأنهم جميعاً سمعوا ذلك من رسول الله في وقت واحد؛ فدل أنه في وقتين مختلفين، فهو على التناسخ، فلم يظهر الأول منهما من الآخر؛ فأوجب الأخف باليقين، ولم يوجب الأغلظ بالشك، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله - حيث قال في شبه العمد بالأرباع، وأما محمد - رحمه الله - فإنه ذهب إلى ظاهر الخبر المرفوع بالأثلاث.
ثم اختلف أصحابنا - رحمهم الله - فيمن رمى آخر في بحر فغرق فمات: قال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا يُقتل به.
وقال فيمن أحرق آخر بالنار: قُتل به، وكان يفرق بينهما بوجهين: أحدهما: أن يكون الرامي في الماء حسب أنه يحسن أن يسبح، وذلك موجود في كثير من الناس؛ فصار ذلك شبهة يزول بها القصاص عن الرامي، وأما الذي رمى صاحبه في النار ليس له أن يدعي مثل تلك الشبهة؛ لذلك لم يزل عنه القصاص.
والثاني: أن النار جارحة؛ ألا ترى أنها تستعمل في موضع السلاح، ويحارب بها؟!
وهي من أشد السلاح، ولا كذلك الماء؛ لذلك افترقا.
ثم القول في مبلغ الدية من الإبل ما روي عن النبي أنه ودى رجلا بمائة من الإبل ورُوي أن الكتاب الذي كتبه رسول الله لعمرو بن حزم في العقول في النفس مائة من الإبل.
وما روينا من خبر ابن عمر - - قال: خطب [رسول الله ] فقال: "ألا إنَّ قَتيلَ خَطَأ العَمْد فيه الدِّيةُ مُغَلَّطَةٌ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ" ثم القول في أسنان الإبل في الدية ما رُوي عن عبد الله عن النبي قال: "دِيةُ الخَطَأ أَخْماسٌ" ، وكذلك رُوي عن عبد الله بالأخماس، وعن عمر - - كذلك.
وعلي بن أبي طالب في الخطأ أرباع.
وكان أبو حنيفة يذهب إلى ما روي عن النبي وإلى ما روي عن عمر وعبد الله - ما - ويجعل دية الخطأ أخماساً من الإبل، وفي شبه العمد أرباعا؛ لما ذكرنا، ومحمد - رحمه الله - يذهب إلى ما روي عن علي - - بالأرباع في الخطأ، وفي شبه العمد بالأثلاث؛ بالخبر المرفوع، والوجه فيه ما ذكرنا.
ثم المسألة في مبلغ الدية من الورق، رُوي في بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه سلم أنه قضى بالدية اثني عشر ألفاً.
وعن ابن عباس - - أن النبي جعل الدية اثني عشر ألفاً.
وروي عن عبيدة السلماني قال: وضع عمر بن الخطاب - - الديات: فوضع على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشياة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة.
ثم روي عن عمر - - أنه قال: قَوِّموا الإبل؛ فقوموها أوقية، ثم غلت الإبل، فقال: قوموا؛ فقُوِّمت أوقية ونصفاً، ثم غلت؛ حتى قومت عشرة آلاف درهم.
فلو علم عمر - رضي الله عنه - أن [رسول الله] قضى بالدراهم، لم يحتج إلى أن يقوموا الإبل، ومحال أن يخفى على عمر وغيره من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - سنةُ النبي حتى يضطروا إلى تقويم الإبل؛ فدل أن الخبر في اثني عشر غير ثابت.
ثم الاختلاف أن الدية من الدنانير ألف دينار؛ فوجب أن تكون الدية من الورق عشرة آلاف؛ لأنه رُوي عن عمر - - أنه جعل قيمة كل دينار عشرة.
ورُوي أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن تؤخذ الجزية من أهل الورق أربعين درهماً، ومن أهل الذهب أربعة دنانير.
وعن علي - - أنه قال: لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم.
دل ما ذكرنا من قول الصحابة أن قيمة كل دينار عشرة دراهم؛ فلما أجمعوا في أن الدية من الذهب ألف دينار - وجب أن تكون من الورق عشرة آلاف؛ ألا ترى أنه يؤخذ في الزكاة من مائتي درهم خمسة دراهم، وفي عشرين ديناراً: نصف دينار؟!
دل على أن الدية عشرة آلاف.
ثم يحتمل الخبر - إن ثبت - أن الدية اثنا عشر ألفاً، وزن ستة؛ لأن الدية كان أصلها الإبل، فقومت الإبل دراهم؛ فبلغت اثني عشر ألفاً من وزن ستة، ثم رُدَّت الأوزان إلى وزن سبعة؛ فكانت اثني عشر ألفاً، وكسر وزن سبعة، ألقوا الكسر؛ لأن القيم لا تُعرف منصوصاً؛ وإنما تُعرف بالاجتهاد، وقد تزداد وتنقص، ويكون بين القيمتين الشيء اليسير؛ فتركوا ذلك الكسر؛ لما وصفنا، ولأنه لم يكن في الدية في أصلها كسر، وهذا وجه محتمل؛ فأخذ أصحابنا - رحمهم الله - بآخر التقديرين؛ لأن الأوزان استقرت على وزن سبعة، وبطل وزن ستة، ولا شك أن وزن سبعة هي الآخرة؛ لاستقرارها في الناس على ذلك، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ﴾ قد ذكرنا معنى التتابع في ذلك.
وفي قوله - -: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ﴾ عند الجميع من جميع من ذكر من القائلين في هذه الآية، ثم قوله - -: ﴿ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .
قال بعض أهل العلم: ندامة من الله - - وقد يندم الرجل على [فعل يفعله] خطأ.
لكن عندنا على حقيقة التوبة؛ لأن الفعل فعلُ مأثم وإن كان خطأ، ولأنه يجوز أن يكلف الإنسان وينهى في حال الخطأ؛ لما لا يتأمل في ذلك ولا ينظر؛ لئلا يترك التأمل في ذلك والنظر؛ فتكون التوبة على الحقيقة؛ لما ذكرنا.
وفي قوله أيضاً: ﴿ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ قد بينا الوجه في ذلك.
وقال بعض أهل التأويل: التوبة - في الحقيقة: [هي] الندامة على الأمر، وكل من يتولد من فعله قتل أحد؛ فهو يندم على ذلك الفعل الذي حدث منه الذي ذكر، ويحزن عليه؛ فيكون - على هذا التقدير - معنى التوبة من الله: إلقاء ذلك الحزن في قلبه، أو رجوعه بالتأسف إلى الله بالإعتاق والصيام، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ .
لمن قتله خطأ ولم يقصد، ومن قصده، أو ﴿ عَلِيماً ﴾ بما حكم عليكم من الدية والكفارة، أو ﴿ عَلِيماً ﴾ بآجالكم، ﴿ حَكِيماً ﴾ في قضائه وحكمه؛ حيث وضع كل شيء موضعه، والله أعلم به.
وقوله - -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ يخرج ذلك عند ذكر هذه الآية، وهو كذلك بذاته على أوجه: أحدها: أنه عليم بالذي عليه خرج حقيقة فعل ذلك القاتل من القصد وغير القصد، وهو حكيم بما حكم علينا الذي ذكر بظاهر أحوال القتيل، وإن لم يُعْرف حقيقة الأمر في ذلك؛ إذ الذي له حكم العمد والخطأ لا يظهر لغيره.
والثاني: وكان الله لم يزل عليماً بالذي يكون من عباده، وبالذي به المصالح بينهم؛ فحكم بما فيه المصالح، فيما علم من وقوع الجنايات.
والثالث: يبين أنه لا عن جهل يقع الخلاف لأمره ولما [لم] يرض به من خلقه، ولا عن خطأ في التدبير، أي: عليم بالذي يكون من الخلق، لا عن جهل بهم خرج أمرهم، وحكيم في التدبير، أي: لا يلحقه الخطأ في تدبير الخلائق، على ما يكون منهم من الفساد والشر؛ إذ بمثله من غيره يعلم الخطأ والجهل؛ لما في ذلك ضرر يقع به، والله يتعالى عن هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا...
﴾ الآية [النساء: 93] قيل في بعض القصة: إن رجلا قتل آخر عمداً؛ فلما علم أنه يُقتل به ارتد عن الإسلام، ولحق بدار الحرب؛ فنزل الوعيد.
وهذا - والله أعلم - كقوله : ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ كانوا يمنعون الزكاة لما كان عندهم أن الزكاة تنقص المال؛ فجحدوا بها رأساً، وكقوله: ﴿ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ فتركوا الزكاة والصلاة؛ لما يلحقهم بذلك مؤن وأشغال، يشغلهم ذلك كله عما تهوى أنفسهم؛ فأنكروا رأساً، لأنهم إن صلوا وأدوا الزكاة [لا] يكون ذلك صلاة وزكاة؛ إذ كانوا يكذبون بيوم الدين؛ فعلى ذلك قاتل المسلم عمداً إذا علم أنه مقتول به ترك دينه؛ فصار من أهل النار خالداً مخلداً فيها.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً ﴾ لدينه يقتله عمداً، غير غالط فيه ولا جاهل، عالماً بذلك، وإلى قتله لدينه قاصداً، ومن كان هذه صفته فقد كفر، ووجب له هذا الوعيد الذي ذكره في كتابه الكريم، إلا أن يجدد إيماناً؛ فإن الله - - يقبل إيمانه وتوبته.
والرابع: أن يكون [الوعيد الذي ذكره في كتابه] ذلك جزاء، ولله الإفضال عليه بالعفو والمجاوزة؛ إذ ذلك جزاؤه إن لم يكن له حسنات يقابل به، فأما إذا كانت له حسنات يقابل به، يبدل الله بفضله - سيئاته حسنات، كقوله - -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ .
ثم الدليل أن الآية فيمن قتل مسلماً لدينه، قاصداً لنفسه دون دينه - قوله - ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ﴾ وإنما يكتب عليهم إذا كان القتل قتل عمد، وأبقى لهم بعد القتل اسم الإيمان، ثم قال: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ ؛ فأبقى لهم اسم الإخوة، ثم قال: ﴿ ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ : أطمعه في رحمته - عز وجل - وبعيد أن يكون له مع هذا خلود في النار؛ فدلت الآية على بقاء اسم الإيمان، وعلى رجاء الرحمة، وهما معنيان ينقضان قول المعتزلة؛ حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، ولأنه - - قال: ﴿ فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا ﴾ ولم يقل: يجزيه، وله أن يتفضل بالعفو عنه، على ما وصفنا، وبالله التوفيق والنجاة.
وروي عن ابن عباس - - في تأويل الآية ما يؤيد ما قلنا: روي عنه أنه قال في قوله: ﴿ فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ ، قال: هي جزاؤه، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
وروي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: "كَانَ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتلَ تسْعاً وَتِسْعِينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ؟
فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً، بِغَيْرِ حَقِّ؛ فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟
فَقَالَ: لاَ.
فَقَتَلَهُ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَ عَلَى رَجُلٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ مِائَةَ نَفْسٍ بِغَيْرٍ حَقٍّ؛ فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟!
انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا؛ فَإِنَّ فِيهَا أُنَاساً يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدْهُ مَعَهُمْ؛ فَانْطَلَقَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ نِصْفَ الطَّرِيقِ أَتَاهُ الْمَوتُ، فَاخْتَصَمَ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الَعَذابِ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ، فَجَعَلُوهُ حَكَماً بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرضينِ، أَيُّهُمَا كَانَ أَدْنَى وَأَقْرَبَ فَهُوَ لَهُ؛ فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى لِلأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ؛ فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرّحْمَةِ" أفلا ترى أنه لما كان كافراً، فقتل مائة نفس، فقبلت توبته، ولو كان مسلماً كانت مظالم المقتولين في عنقه باقية؛ فهذا الحديث يدل - والله أعلم - على أن التأويل ما ذكرنا، وبالله التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
وما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا أن يقع ذلك منه على وجه الخطأ، ومن قتل مؤمنًا على وجه الخطأ فعليه عتق نفس مملوكة مؤمنة كفارة عن فعله، وعلى قرابة القاتل الذين يرثونه دية مُسَلَّمَة إلى ورثة القتيل، إلا أن يعفوا عن الدية فتسقط، فإن كان القتيل من قوم محاربين لكم وهو مؤمن؛ فيجب على القاتل عتق نفس مملوكة مؤمنة، ولا دية عليه، وإن كان القتيل غير مؤمن لكنه من قوم بينكم وبينهم عهد مثل أهل الذمة، فعلى قرابة القاتل الذين يرثونه دية مُسَلَّمَة إلى ورثة القتيل، وعلى القاتل عتق نفس مملوكة مؤمنة كفارة عن فعله، فإن لم يجد من يعتقه أو لا يستطيع أن يدفع ثمنه، فعليه صيام شهرين متصلين بلا انقطاع لا يفطر فيهما، ليتوب الله عليه مما فعل، وكان الله عليمًا بأعمال عباده ونياتهم، حكيمًا في تشريعه وتدبيره.
<div class="verse-tafsir" id="91.RZzRk"
هذه الآية جاءت بعد أن ورد ما ورد في المذبذبين الذين أذن الله بقتلهم إلا من استثنى للتناسب وتتميم أحكام القتل، فذكر هنا أن شأن المؤمن أن لا يقتل مؤمنًا لأن الإيمان مانع ذلك وبيانه من وجهين: أحدهما: أن المؤمن إنما يصح إيمانه ويكمل إذا كان يشعر بحقوق الإيمان عليه وهي حقوق لله وحقوق للعباد، ومن حدود حقوق المؤمنين أن في القصاص حياة لما فيه من الزجر عن القتل فالمؤمن الصادق يشعر بهذا الحق وهذه الحياة وأنه إذا أخل بحقوق الدماء فقد استهزأ بحياة الأمة، ومن استهزأ بحياة الأمة ولم يحترم أكبر حقوقها ولم يبال بما يقع فيه المؤمنون من الخطر فأمره معلوم، فإنه باعتدائه على مؤمن قد هدم ركنًا من أركان قوة الإيمان وحزبه وذلك آية عدم المبالاة بقوة الإيمان وقوامه، والمؤمن غيور على الإيمان فلا يصدر منه ذلك أي ليس من شأنه أن يصدر عنه.
ثم ذكر سبب العقوبة على الخطأ في الأمور العظيمة كأمر القتل وهو أن الخطأ فيه لا يخلو من التهاون وعدم العناية بالاحتياط، ومثل الخطأ في هذا الأمر النسيان ولولا أن من شأنها أن يعاقب الله عليهما لما أمرنا تعالى بالدعاء بأن لا يؤاخذنا عليهما بقوله في آخر سورة البقرة: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ ولم يخبرنا أنه رفع عنا المؤاخذة عليهما في الدنيا والآخرة.
وقد ثبت بنص القرآن أن آدم نسى ومع ذلك سميت مخالفته معصية وعوقب عليها، ولكن ورد في الحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
وهو معقول ولا ينافي ما قلناه، فإن عقاب قتل الخطأ ليس هو عقاب قتل العمد وهو ﴿ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ وأما في الآخرة فلا يؤاخذنا بما نفعله مخالفًا لأمره إذا نسينا أو أخطأنا فيرجى أن يستجيب الله دعاءنا.
﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ هذا فرع عن كون القتل ليس من شأن المؤمن لأنه ينافي الإيمان.
وقال ابن عباس هذه الآية آخر آية نزلت في عقاب القتل.
وقال بعض الصحابة إن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ نزل قبل هذه الآية بستة أشهر فهذه الآية مخصصة له، وقد قلنا من قبل إن قوله تعالى: ﴿ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ فيه مع تغليظ أمر الشرك أن كل شيء بمشيئته تعالى فلو شاء أن يخصص أحدًا بالمغفرة فلا مرد لمشيئته.
وقد يقال إنه أخرج من هذه المشيئة من يقتل مؤمنًا متعمدًا فآية ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ نزلت ترغيبًا للمشركين الذين آذوا النبي في الإيمان، وهم الذين نزل فيهم ﴿ إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ وقد نقل عن ابن عباس أن قاتل العمد لا توبة له وقالوا إن آية الفرقان نزلت في المشركين والتوبة فيها متعلقة بعدة أعمال منها القتل ومنها الشرك.
وقد يقال كيف تقبل التوبة من المشرك القاتل الزاني ولا تقبل من المؤمن الذي ارتكب القتل وحده؟
ويمكن أن يجاب من القائلين بعدم توبة القاتل بأن المشرك الذي لم يؤمن بالشريعة التي تحرم هذه الأمور له شبه عذر لأنه كان متبعًا لهواه بالكفر وما يتبعه ولم يكن ظهر له صدق النبوة وما يتبع ذلك، فلما ظهر له الدليل على أن ما كان عليه هو كفر وضلال تاب وأناب وآمن وعمل الصالحات فهو جدير بالعفو وإن كان في إجرامه السابق مقصرًا في النظر والاستدلال، وأما المؤمن الموقن بصحة النبوة وتحريم الله للقتل وجعله قاتل النفس البريئة كقاتل الناس جميعًا فلا عذر له بل لا يعقل أن يرجح هواه على إيمانه مع أنه لا يطرأ على إيمانه من الشك الاضطراري ما يكون له شبه عذر، أما إذا طرأ عليه ذلك فإن حكمه حكم القاتل الكافر.
وذلك أن الكافر الذي بلغته الدعوة ولم يؤمن لم يعرض عن الإيمان، إلا لأن الدليل لم يظهر له على صحة النبوة، وهو يعاقب على التقصير في النظر وتصحيح الاستدلال حتى يخلد في النار.
وإذا أحسن النظر وتبين له الهدى فآمن واهتدى يغفر له ما قد سلف في زمن الكفر لأنه كان عملًا مرتبًا على الكفر، والكفر نفسه كان خطأ منه فأشبه قتله قتل الخطأ.
ومثله من أخطأ في الدليل بعد التسليم به لشبهة عرضت له فيه فمعصيته لم تكن تهاونًا بأمر الله ولا استهزاء بآياته ولا دليلًا على إيثاره لهواه على ما عند الله.
أما القاتل المؤمن فأمره على غير ذلك، فإنه مؤمن بالله وبرسوله وبما جاء به إيمان يقين وإذعان لما جاء به الدين من تعظيم أمر الدعاء، وهو يعلم أن المؤمن أخ له ونصير بحكم الإيمان فكيف يعمد بعد هذا إلى الاستهانة بأمر الله وحكمه، وحل ما عقده وتوهين أمر دينه بهدم أركان قوته وتجرئة الناس على مثل ذلك حتى يهن المسلمون ويضعفوا ويكون بأسهم بينهم شديدًا لا جرم أن عقابه يكون شديدًا بحيث لا تقبل توبته.
ومن نظر إلى انحلال أمر الإسلام والمسلمين بعدما أقدم بعضهم على سفك دم بعض من زمن طويل يظهر له وجه هذا، وأن القاتل لا يعذر بهذه الجراءة على هذه الجريمة وهو لم تعرض له شبهة في أمر الله، إذ لا رائحة للعذر في عمله، بل هو مرجح للغضب وحب الانتقام وشهوة النفس على أمر الله تعالى، ومن فضل شهوة نفسه الخسيسة الضارة على نظر الله وعلى كتابه ودينه ومصلحة المؤمنين بغير شبهة ما فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ وتأمل قوله: ﴿ يَعْلَمُونَ ﴾ ولو سمح الله أن يفضل أحد شهوته أو حميته وغضبه على الله ورسوله وكتابه ودينه والمؤمنين، ووعده بالمغفرة، لتجرأ الناس على كل شيء ولم يكن للدين ولا للشرع حرمة في قلوبهم.
فهذا تقرير قول من قالوا إن القاتل لا تقبل توبته ولابد من عقابه والروايات فيه عن الصحابة والسلف كثيرة تراجع في تفسير ابن جرير.
<div class="verse-tafsir"