الآية ٩٤ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٩٤ من سورة النساء

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًۭا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌۭ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا ٩٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 189 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٤ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٤ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن أبي بكير ، وحسين بن محمد ، وخلف بن الوليد ، قالوا : حدثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنما له ، فسلم عليهم فقالوا : ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا .

فعمدوا إليه فقتلوه ، وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا [ إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ] ) إلى آخرها .

ورواه الترمذي في التفسير ، عن عبد بن حميد ، عن عبد العزيز بن أبي رزمة ، عن إسرائيل ، به .

وقال : هذا حديث حسن ، وفي الباب عن أسامة بن زيد .

ورواه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، به .

ثم قال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى وعبد الرحيم بن سليمان ، كلاهما عن إسرائيل ، به وقال في بعض كتبه غير التفسير - وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط - : وهذا خبر عندنا صحيح سنده ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما ، لعلل منها : أنه لا يعرف له مخرج عن سماك إلا من هذا الوجه ، ومنها : أن عكرمة في روايته عندهم نظر ، ومنها : أن الذي أنزلت فيه الآية مختلف فيه ، فقال بعضهم : أنزلت في محلم بن جثامة ، وقال بعضهم : أسامة بن زيد .

وقيل غير ذلك .

قلت : وهذا كلام غريب ، وهو مردود من وجوه أحدها : أنه ثابت عن سماك ، حدث به عنه غير واحد من الكبار .

الثاني : أن عكرمة محتج به في الصحيح .

الثالث : أنه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس ، كما قال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس : ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) قال : قال ابن عباس : كان رجل في غنيمة له ، فلحقه المسلمون ، فقال : السلام عليكم .

فقتلوه وأخذوا غنيمته [ فأنزل الله ذلك إلى قوله : ( تبتغون عرض الحياة الدنيا ) تلك الغنيمة .

قرأ ابن عباس ( السلام ) وقال سعيد بن منصور : حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال : لحق المسلمون رجلا في غنيمة فقال : السلام عليكم ، فقتلوه وأخذوا غنيمته ] فنزلت : ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم ، من طريق سفيان بن عيينة ، به وأما قصة محلم بن جثامة فقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه عبد الله ابن أبي حدرد ، رضي الله عنه ، قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم ، فخرجت في نفر من المسلمين ، فيهم : أبو قتادة الحارث بن ربعي ، ومحلم بن جثامة بن قيس ، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي ، على قعود له ، معه متيع ووطب من لبن ، فلما مر بنا سلم علينا ، فأمسكنا عنه ، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله ، بشيء كان بينه وبينه ، وأخذ بعيره ومتيعه ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر ، نزل فينا القرآن : ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله [ فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون ] خبيرا .

) تفرد به أحمد وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا جرير ، عن ابن إسحاق ، عن نافع ; أن ابن عمر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محلم بن جثامة مبعثا ، فلقيهم عامر بن الأضبط ، فحياهم بتحية الإسلام وكانت بينهم حنة في الجاهلية ، فرماه محلم بسهم فقتله ، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتكلم فيه عيينة والأقرع ، فقال الأقرع : يا رسول الله ، سن اليوم وغير غدا .

فقال عيينة : لا والله ، حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي .

فجاء محلم في بردين ، فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا غفر الله لك " .

فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه ، فما مضت له سابعة حتى مات ، ودفنوه ، فلفظته الأرض ، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له ، فقال : " إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ، ولكن الله أراد أن يعظكم من حرمتكم " ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة ، ونزلت : ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ) الآية .

وقال البخاري : قال حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد : " إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار ، فأظهر إيمانه فقتلته ، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل " .

هكذا ذكر البخاري هذا الحديث معلقا مختصرا وقد روي مطولا موصولا فقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا أحمد بن علي البغدادي ، حدثنا جعفر بن سلمة ، حدثنا أبو بكر بن علي بن مقدم ، حدثنا حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ، فيها المقداد بن الأسود ، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا ، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح فقال : أشهد أن لا إله إلا الله .

وأهوى إليه المقداد فقتله ، فقال له رجل من أصحابه : أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله ؟

والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم .

فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله ، إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله ، فقتله المقداد .

فقال : " ادعوا لي المقداد .

يا مقداد ، أقتلت رجلا يقول : لا إله إلا الله ، فكيف لك بلا إله إلا الله غدا ؟

" .

قال : فأنزل الله : ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد : " كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار ، فأظهر إيمانه ، فقتلته ، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل " .

وقوله : ( فعند الله مغانم كثيرة ) أي : خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام ، وأظهر إليكم الإيمان ، فتغافلتم عنه ، واتهمتموه بالمصانعة والتقية ; لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ، فما عند الله من المغانم الحلال خير لكم من مال هذا .

وقوله : ( كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ) أي : قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه ، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفا ، وكما قال تعالى : ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض [ تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ] ) الآية [ الأنفال : 26 ] ، وهذا هو مذهب سعيد بن جبير ، كما رواه الثوري ، عن حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير في قوله : ( كذلك كنتم من قبل ) تخفون إيمانكم في المشركين .

ورواه عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، أخبرني عبد الله بن كثير ، عن سعيد بن جبير في قوله : ( كذلك كنتم من قبل ) تستخفون بإيمانكم ، كما استخفى هذا الراعي بإيمانه .

وهذا اختيار ابن جرير .

وقال ابن أبي حاتم : وذكر عن قيس ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير قوله : ( كذلك كنتم من قبل ) [ تورعون عن مثل هذا ، وقال الثوري عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق : ( كذلك كنتم من قبل ) ] لم تكونوا مؤمنين ( فمن الله عليكم [ فتبينوا ) وقال السدي : ( فمن الله عليكم ) ] أي : تاب عليكم ، فحلف أسامة لا يقتل رجلا يقول : " لا إله إلا الله " بعد ذلك الرجل ، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه .

وقوله : ( فتبينوا ) تأكيد لما تقدم .

وقوله : ( إن الله كان بما تعملون خبيرا ) قال سعيد بن جبير : هذا تهديد ووعيد .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يا أيها الذين آمنوا "، يا أيها الذين صدَّقوا الله وصدَّقوا رسوله فيما جاءهم به من عند ربهم=" إذا ضربتم في سبيل الله "، يقول: إذا سرتم مسيرًا لله في جهاد أعدائكم (72) =" فتبينوا "، يقول: فتأنَّوا في قتل من أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، (73) ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقينًا حرْبًا لكم ولله ولرسوله=" ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السَّلاَم "، (74) يقول: ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم، مظهرًا لكم أنه من أهل ملتكم ودَعوتكم (75) =" لست مؤمنًا "، فتقتلوه ابتغاء=" عرض الحياة الدنيا "، يقول: طلبَ متاعِ الحياة الدنيا، (76) فإن=" عند الله مغانم كثيرة "، من رزقه وفواضل نِعَمه، فهي خير لكم إن أطعتم الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فأثابكم بها على طاعتكم إياه، فالتمسوا ذلك من عنده=" كذلك كنتم من قبل "، يقول، كما كان هذا الذي ألقى إليكم السلم فقلتم له (77) " لست مؤمنًا " فقتلتموه، كذلك كنتم أنتم من قبل، يعني: من قبل إعزاز الله دينه بتُبَّاعه وأنصاره، تستخفُون بدينكم، كما استخفى هذا الذي قتلتموه وأخذتم ماله، بدينه من قومه أن يُظهره لهم، حذرًا على نفسه منهم.

وقد قيل إن معنى قوله: " كذلك كنتم من قبل " كنتم كفارًا مثلهم=" فمنَّ الله عليكم "، يقول: فتفضل الله عليكم بإعزاز دينه بأنصاره وكثرة تُبَّاعه.

وقد قيل، فمنَّ الله عليكم بالتوبة من قتلكم هذا الذي قتلتموه وأخذتم ماله بعد ما ألقى إليكم السلم (78) =" فتبينوا "، يقول: فلا تعجلوا بقتل من أردتم قتلَه ممن التبس عليكم أمرُ إسلامه، فلعلَّ الله أن يكون قد مَنَّ عليه من الإسلام بمثل الذي منَّ به عليكم، وهداه لمثل الذي هداكم له من الإيمان.

(79) =" إن الله كان بما تعملون خبيرًا "، يقول: إن الله كان بقتلكم من تقتلون، وكَفِّكم عمن تكفُّون عن قتله من أعداء الله وأعدائكم، وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم=" خبيرًا "، يعني: ذا خبرة وعلم به، (80) يحفظه عليكم وعليهم، حتى يجازى جميعكم به يوم القيامة جزاءه، المحسن بإحسانه، والمسيءَ بإساءته.

(81) * * * وذكر أن هذه الآية نـزلت في سبب قتيل قتلته سريّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما قال: " إنيّ مسلم " = أو بعد ما شهد شهادة الحق= أو بعد ما سلَّم عليهم= لغنيمة كانت معه، أو غير ذلك من ملكه، فأخذوه منه.

ذكر الرواية والآثار في ذلك: (82) 10211- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال (83) بعث النبي صلى الله عليه وسلم محلِّم بن جثَّامة مَبْعثًا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم حِنَةٌ في الجاهلية، (84) فرماه محلم بسهم، فقتله.

فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع: يا رسول الله، سُنَّ اليوم وغيِّر غدًا!

(85) فقال عيينة: لا والله، حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي (86) فجاء محلِّم في بُرْدين، (87) فجلس بين يديْ رسول الله ليستغفر له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا غفر الله لك!

فقام وهو يتلقى دموعه ببُرْديه، فما مضت به سابعة حتى مات، ودفنوه فلفظته الأرض.

فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم &; 9-73 &; فذكروا ذلك له، فقال: إن الأرض تقبل من هو شرٌّ من صاحبكم!

ولكن الله جل وعز أراد أن يَعِظكم.

ثم طرحوه بين صَدفَيْ جبل، (88) وألقوا عليه من الحجارة، ونـزلت: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا "، الآية (89) 10212- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد ابن عبد الله بن قسيط، (90) عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضَمٍ، (91) فخرجت في نَفَرٍ من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن رِبْعيّ، ومحلِّم بن جَثَّامة بن قيس الليثي.

فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضَم، مرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قَعود له، معه مُتَيِّعٌ له، ووَطْبٌ من لبن.

(92) فلما مر بنا سلَّم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلِّم بن جثَّامة الليثي لشيء كان بينه وبينه فقتله، وأخذ بعيره ومتَيِّعَه.

فلما قدِمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه الخبر، (93) نـزل فينا القرآن: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضَرِبتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لستَ مؤمنًا "، الآية (94) 10213- حدثني هارون بن إدريس الأصم قال، حدثنا المحاربي عبد الرحمن &; 9-75 &; بن محمد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن ابن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه بنحوه.

(95) 10214- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: لحق ناسٌ من المسلمين رجلا في غُنَيْمة له، فقال: السلام عليكم!

فقتلوه وأخذوا تلك الغُنَيْمة، فنـزلت هذه الآية: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا "، تلك الغُنَيْمة.

(96) 10215- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس بنحوه.

10216- حدثني سعيد بن الربيع قال، حدثنا سفيان، عن عمرو،عن عطاء، عن ابن عباس قال: لحق المسلمون رجلا ثم ذكر مثله.

(97) 10217- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مرّ رجل من بني سُلَيم على نفرٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو في غنم له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلّم عليكم إلا ليتعوذَ منكم!

فَعَمَدوا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا " إلى آخر الآية .

10218- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

(98) 10219- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان الرجل يتكلم بالإسلام، ويؤمن بالله والرسول، ويكون في قومه، فإذا جاءت سريَّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم أخبر بها حيّه= يعني قومه= ففرّوا، وأقام الرجل لا يخافُ المؤمنين من أجل أنه على دينهم، حتى يلقاهم فيلقي إليهم السلام، فيقولُ المؤمنون: " لست مؤمنًا "، وقد ألقى السلام فيقتلونه، فقال الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا "، إلى " تبتغون عرض الحياة الدنيا "، يعني: تقتلونه إرادةَ أن يحلَّ لكم ماله الذي وجدتم معه -وذلك عرضُ الحياة الدنيا- فإن عندي مغانم كثيرة، فالتمسوا من فضل الله.

وهو رجل اسمه " مِرْداس "، جَلا قومه هاربين من خيلٍ بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليها رجل من بني لَيْث اسمه " قُليب "، (99) ولم يجلُ معهم، (100) وإذْ لقيهم مرداس فسلم عليهم قتلوه، (101) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله بديته، ورد إليهم ماله، ونهى المؤمنين عن مثل ذلك.

10220- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا "، الآية، قال: وهذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشًا عليهم غالب اللَّيثي إلى أهل فَدَك، وبه ناس من غطفان، وكان مرداس منهم، ففرّ أصحابه، فقال مرداس: " إني مؤمن وإنيّ غيرُ مُتّبعكم " ، فصبَّحته الخيلُ غُدْوة، (102) فلما لقوه سلم عليهم مرداس، فرماه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوه، (103) وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنـزل الله جل وعز في شأنه: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا "، لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، وبها يُحَيِّي بعضهم بعضًا.

(104) 10221- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم فتبينوا "، (105) بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضَمْرة، فلقوا رجلا منهم يدعى مِرداس بن نهيك، معه غُنَيْمة له وجمل أحمر.

فلما رآهم أوى إلى كهف جبل، واتّبعه أسامة.

فلما بلغ مرداسٌ الكهفَ، وضع فيه غنمه، ثم أقبل إليهم فقال: " السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ".

فشدّ عليه أسامة فقتله، من أجل جمله وغُنَيْمته.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أحبَّ أن يُثْنَى عليه خيرٌ، ويسأل عنه أصحابَه.

فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدِّثون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: يا رسول الله، لو رأيت أسامة ولقيه رجل، فقال الرجل: " لا إله إلا الله، محمد رسول الله "، فشد عليه فقتله!

وهو معرض عنهم.

فلما أكثروا عليه، رفع رأسه إلى أسامة فقال: كيفَ أنت ولا إله إلا الله؟

قال: يا رسول الله، إنما قالها متعوذًا، تعوَّذ بها!.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هَلا شققت عن قلبه فنظرت إليه؟

قال: يا رسول الله، إنما قلبه بَضْعة من جسده!

(106) فأنـزل الله عز وجل خبر هذا، وأخبره إنما قتله من أجل جمله وغنمه، فذلك حين يقول: " تبتغون عرض الحياة الدنيا "، فلما بلغ: " فمنَّ الله عليكم "، يقول: فتاب الله عليكم، فحلف أسامةُ أن لا يقاتل رجلا يقول: " لا إله إلا الله "، بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه.

10222- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا "، قال: بلغني أن رجلا من المسلمين أغار على رجل من المشركين فَحَمَل عليه، فقال له المشرك: " إنّي مسلم، أشهد أن لا إله إلا الله "، فقتله المسلم بعد أن قالها.

فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال للذي قتله: أقتلته، وقد قال لا إله إلا الله؟

فقال، وهو يعتذر: يا نبي الله، إنما قالها متعوذًا، وليس كذلك!

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فهلا شققت عن قلبه؟

ثم ماتَ قاتلُ الرجل فقُبر، فلفظته الأرض.

فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يقبروه، ثم لفظته الأرض، حتى فُعل به ذلك ثلاث مرات.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الأرض أبتْ أن تقبَله، فألقوه في غارٍ من الغيران= قال معمر: وقال بعضهم: إن الأرض تَقْبَل من هو شرٌّ منه، ولكن الله جعله لكم عِبْرَة.

10223- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق: أن قومًا من المسلمين لقوا رجلا من المشركين في غُنَيْمة له، فقال: " السلام عليكم، إنِّي مؤمن "، فظنوا أنه يتعوّذ بذلك، فقتلوه وأخذوا غُنَيْمته.

قال: فأنـزل الله جل وعز: " ولا تقولوا لمن &; 9-80 &; ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا "، تلك الغُنَيْمة=" كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا ".

10224- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير قوله: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا "، قال: خرج المقداد بن الأسود في سريّة، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: فمُّروا برجل في غُنَيْمة له، فقال: " إنّي مسلم "، فقتله المقداد.

(107) فلما قدموا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنـزلت هذه الآية: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا "، قال: الغنيمة.

(108) 10225- حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: نـزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء= = فذكر من قصة أبي الدرداء، نحو القصة التي ذكرت عن أسامة بن زيد، وقد ذكرت في تأويل قوله: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً ، (109) ثم قال في الخبر: = ونـزل الفرقان: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً ، فقرأ حتى بلغ: " لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا "، غنمه التي كانت، عرض الحياة الدنيا =" فعند الله مغانم كثيرة "، خير من تلك الغنم، إلى قوله: " إن الله كان بما تعملون خبيرًا ".

10226- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا "، قال: راعي غنم، لقيه نفر من المؤمنين فقتلوه، (110) وأخذوا ما معه، ولم يقبلوا منه: " السلام عليكم، فإني مؤمن ".

10227- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا "، قال: حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن شهد أن لا إله إلا الله: " لست مؤمنًا "، كما حرم عليهم الميْتَة، فهو آمن على ماله ودمه، لا تردّوا عليه قوله.

* * * قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: " فَتَبَيَّنُوا ".

فقرأ ذلك عامة قرأة المكيين والمدنيين وبعضُ الكوفيين والبصريين: ( فَتَبَيَّنُوا ) بالياء والنون، من " التبين " بمعنى، التأني والنظر والكشف عنه حتى يتَّضح.

(111) وقرأ ذلك عُظْم قرأة الكوفيين: ( فَتَثَبَّتُوا )، بمعنى التثبُّت، الذي هو خلاف العَجَلة.

قال أبو جعفر: والقولُ عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة المسلمين بمعنى واحد، وإن اختلفت بهما الألفاظ.

لأن " المتثبت " متبيّن، و " المتبيِّن " متثبِّت، فبأي القراءتين قرأ القارئ، فمصيبٌ صوابَ القراءة في ذلك.

واختلفت القرأة في قراءة قوله: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ".

(112) فقرأ ذلك عامة قرأة المكيين والمدنيين والكوفيين: ( السَّلَمَ ) بغير ألف، بمعنى الاستسلام.

* * * وقرأ بعض الكوفيين والبصريين: ( السَّلامَ ) بألف، بمعنى التحية.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ( لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ) ، بمعنى: من استسلم لكم، مذعنًا لله بالتوحيد، مقرًّا لكم بملَّتكم.

وإنما اخترنا ذلك، لاختلاف الرواية في ذلك: فمن راوٍ رَوى أنه استسلم بأن شهد شهادة الحق وقال: " إنّي مسلم " = ومن راوٍ رَوى أنه قال: " السلام عليكم "، فحياهم تحية الإسلام= ومن راوٍ رَوى أنه كان مسلمًا بإسلامٍ قد تقدم منه قبل قتلهم إياه= وكل هذه المعاني يجمعه " السَّلَم "، لأن المسلم مستسلم، والمحيي بتحية الإسلام مستسلم، والمتشهد شهادة الحق مستسلم لأهل الإسلام، فمعنى " السَّلم " جامع جميع المعاني التي رُويت في أمر المقتول الذي نـزلت في شأنه هذه الآية وليس ذلك في" السلام "، (113) لأن " السلام " لا وجه له في هذا الموضع إلا التحية.

فلذلك وصفنا " السلم "، بالصواب.

* * * قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " كذلك كنتم من قبل ".

فقال بعضهم: معناه: كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السَّلَم، مستخفيًا في قومه بدينه خوفًا على نفسه منهم، كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرًا على أنفسكم منهم، فمنَّ الله عليكم.

*ذكر من قال ذلك: 10228- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن &; 9-83 &; جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله: " كذلك كنتم من قبل "، تستخفون بإيمانكم، (114) كما استخفى هذا الراعي بإيمانه.

10229- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير: " كذلك كنتم من قبل "، تكتمون إيمانكم في المشركين.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: كما كان هذا الذي قتلتموه، بعد ما ألقى إليكم السلم، (115) كافرًا، كنتم كفارًا، فهداه كما هداكم.

*ذكر من قال ذلك: 10230- حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم "، كفارًا مثله=" فتبينوا ".

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بتأويل الآية، القول الأول، وهو قول من قال: كذلك كنتم تخفون إيمانكم في قومكم من المشركين وأنتم مقيمون بين أظهرهم، كما كان هذا الذي قتلتموه مقيمًا بين أظهر قومه من المشركين مستخفيًا بدينه منهم.

وإنما قلنا: " هذا التأويل أولى بالصواب "، لأن الله عز ذكره إنما عاتب الذين قتلوه من أهل الإيمان بعد إلقائه إليهم السلم ولم يُقَدْ به قاتلوه، (116) للبْس الذي كان دخل في أمره على قاتليه بمقامه بين أظهر قومه من المشركين، وظنِّهم أنه ألقى &; 9-84 &; السلم إلى المؤمنين تعوّذًا منهم، ولم يعاتبهم على قتلهم إياه مشركًا فيقال: " كما كان كافرًا كنتم كفارًا "، بل لا وجه لذلك، لأن الله جل ثناؤه لم يعاتب أحدًا من خلقه على قتل محارِبٍ لله ولرسوله من أهل الشرك، بعد إذنه له بقتلِه.

واختلف أيضًا أهل التأويل في تأويل قوله: " فمنّ الله عليكم ".

فقال بعضهم: معنى ذلك: فمنّ الله عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أظهروا الإسلام بعد ما كانوا يكتتمون به من أهل الشرك.

(117) *ذكر من قال ذلك: 10231- حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير: " فمن الله عليكم "، فأظهر الإسلام.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: فمن الله عليكم= أيها القاتلون الذي ألقى إليكم السلم (118) طلبَ عرض الحياة الدنيا= بالتوبة من قتلكم إياه.

*ذكر من قال ذلك: 10232- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فمن الله عليكم "، يقول: تاب الله عليكم.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، التأويل الذي ذكرته عن سعيد بن جبير، لما ذكرنا من الدِّلالة على أن معنى قوله: " كذلك كنتم من قبل "، ما وصفنا قبل.

فالواجب أن يكون عَقِيب ذلك: " فمن الله عليكم "، فرفع ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم عنكم، بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به من توحيده وعبادته، حِذَارًا من أهل الشرك.

(119) * * * --------------- (72) انظر تفسير"سبيل الله" فيما سلف ص: 17 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.

(73) في المخطوطة: "فلما تعلموا" ، وهو خطأ.

(74) كان في المطبوعة هنا ، "السلام" ، كقراءتنا اليوم في مصحفنا ، والسلام التحية ، وهي إحدى القراءتين ، ولكن تفسير أبي جعفر بعد ، هو تفسير"السلم" ، وهو الاستسلام والانقياد ، وهي القراءة الأخرى التي اختارها.

فكتابتها هنا"السلام" خطأ.

لا يصح به المعنى من تفسيره.

(75) انظر تفسير"السلم" فيما سلف ص: 23 ، 24 ، 29 ومادة"سلم" من فهارس اللغة في الأجزاء السالفة.

(76) انظر تفسير"الابتغاء" فيما سلف 8 : 316 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(77) في المطبوعة: "ألقى إليكم السلام" ، وانظر التعليق السالف ص: 70 ، رقم: 4.

(78) في المطبوعة: "ألقى إليكم السلام" ، وانظر التعليق السالف ص: 70 ، رقم: 4.

(79) انظر تفسير"من" فيما سلف 7: 369.

(80) انظر تفسير"خبير" فيما سلف من فهارس اللغة.

(81) في المطبوعة: "جزاء المحسن بإحسانه.." ، وهو غير مستقيم ، والصواب من المخطوطة.

(82) في المطبوعة: "والآثار بذلك" ، والصواب من المخطوطة.

(83) في المطبوعة: "عن نافع أن ابن عمر" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(84) في المطبوعة: "إحنة في الجاهلية" ، وهو صواب ، و"الإحنة": الحقد في الصدر.

من"أحن" وأما "حنة" كما أثبتها من المخطوطة ، فهي من"وحن" ، وهي أيضًا الحقد.

وقد سلف التعليق على هذه اللفظة ، حيث وردت في الأثر رقم 2195 ، في الجزء الثالث: 152 ، 153 ، تعليق: 2.

وقد ذكرت هناك إنكار الأصمعي"حنة" ، وزعم الأزهري أنها ليست من كلام العرب.

وهذا دليل آخر على صواب هذه الكلمة ، وأن الذي قاله الأزهري ليس بشيء.

(85) في ابن كثير 2: 546 : "سر اليوم وغر غدا" وهو خطأ محض.

(86) في المخطوطة: "حتى تذوق بكاؤه" وهو تحريف من الناسخ ، والصواب من السياق ومن تفسير ابن كثير.

(87) في المخطوطة: "في برد" ، والصواب من ابن كثير ، وكما صححه في المطبوعة من سياق الخبر.

(88) "الصدف" (بفتحتين): جانب الجبل الذي يقابلك منه.

والصدف: كل شيء مرتفع عظيم كالحائط والجبل.

(89) الأثر: 10211 - في تفسير ابن كثير 2: 546 ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 200 مختصرًا.

(90) في المطبوعة: "عن يزيد عن عبد الله بن قسيط" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة وسائر المراجع.

(91) "إضم": واد يشق الحجاز حتى يفرغ في البحر ، من عند المدينة ، وهو واد لأشجع وجهينة.

(92) "القعود": هو البكر من الإبل ، حين يمكن ظهره من الركوب ، وذلك منذ تكون له سنتان حتى يدخل في السادسة.

و"متيع" تصغير"متاع": وهو السلعة ، وأثاث البيت ، وما يستمتع به الإنسان من حوائجه أو ماله.

و"الوطب": سقاء اللبن.

(93) في المطبوعة: "وأخبرناه" بالواو ، وأثبت ما في المخطوطة.

(94) الأثر: 10212 - هذا الأثر رواه ابن إسحاق في سيرته ، سيرة ابن هشام 4: 275 ، ورواه أحمد في مسنده 6: 11 ، وابن سعد في الطبقات 4 / 2 / 22 و2 / 1 / 96 (بغير إسناد) ، والطبري في تاريخه 3: 106 ، وابن عبد البر في الاستيعاب: 285 ، وابن الأثير في أسد الغابة 3 : 77 ، وابن كثير في تفسيره 2: 545 ، والحافظ ابن حجر في ترجمة"عبد الله بن أبي حدرد" ، والسيوطي في الدر المنثور 2: 199 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، والطبراني ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي نعيم والبيهقي ، وكلاهما في الدلائل.

وفي إسناد هذا الأثر اضطراب شديد أرجو أن أبلغ في بيانه بعض ما أريد في هذا المكان.

1- وإسناد محمد بن إسحاق في سيرة ابن هشام: "حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد ، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد".

2- وإسناد أحمد في مسنده: "حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق (وفي المطبوعة: عن إسحاق ، خطأ صوابه من تفسير ابن كثير) ، حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد ، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد".

3- وإسناد الطبري في تاريخه: "حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد= وقال بعضهم: عن ابن القعقاع= عن أبيه ، عن عبد الله بن أبي حدرد".

4- وإسناد ابن سعد في الطبقات: "أخبرنا محمد بن عمر قال ، حدثنا عبد الله بن يزيد بن قسيط ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ، عن أبيه".

والأسانيد الثلاثة الأولى ، وإسناد الطبري في التفسير ، جميعها من طريق محمد بن إسحاق ، وقد اتفق إسناد أحمد وإسناد ابن إسحاق في سيرة ابن هشام.

وأما إسنادا الطبري فقد خالف ما اتفق عليه أحمد وابن هشام في السيرة ، فجاء في التفسير هنا"عن أبي القعقاع" لا"عن القعقاع" ، ثم زاد الطبري الأمر إشكالا في التاريخ فقال"عن أبي القعقاع..

عن أبيه ، عن عبد الله بن أبي حدرد" ، فزاد"عن أبيه" ، ولا ذكر لها في تفسيره ، ولا في سائر الأسانيد ، والظاهر أنه خطأ ، وأن صوابه كما في التفسير"عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد".

وأما إسناد ابن سعد ، فقد خالف هذا كله فجعل مكان"القعقاع" ، أو "أبي القعقاع" ، "عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي حدرد" ، ولم أجد لعبد الرحمن هذا ذكرًا في كتب تراجم الرجال.

وجاء ابن عبد البر في الاستيعاب 2: 452 ، بما هو أغرب من هذا ، فسماه"عبد ربه بن أبي حدرد الأسلمي" ، وليس له ذكر في كتاب.

ولكني وجدت في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 2 / 228"عبد الرحمن بن أبي حدرد الأسلمي" ، سمع أبا هريرة.

روى عنه أبو مودود عبد العزيز بن أبي سليمان المديني.

ولا أظنه هذا الذي في إسناد ابن سعد.

(انظر أيضًا تهذيب التهذيب 6: 160).

وأما "القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد" فقد ترجم البخاري في الكبير 4 / 1 / 187 ، لصحابي هو"القعقاع بن أبي حدرد الأسلمي" وامرأته"بقيرة" ، وهو كما ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة ، أخو"عبد الله بن أبي حدرد" ثم عقب البخاري على هذه الترجمة بقوله: "ويقال: القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد ، ولا يصح" ، يعني أنه هذا الأخير لا تصح له صحبة ، وأنه غير الأول.

وكذلك فعل ابن أبي حاتم 3 / 2 / 136 ، كمثل ما في التاريخ الكبير.

أما الحافظ في تعجيل المنفعة: 344 ، فقد ترجم للقعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ووهم في نقله عن البخاري ، فظن البخاري قد ترجم له ، فذكر في ترجمته ما قال البخاري في ترجمة"القعقاع بن أبي حدرد" ، مع أنه صحح ذلك في ترجمة"القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد" في القسم الثالث من الإصابة.

أما ما ذكره الطبري من أنه"أبو القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد" أو "ابن القعقاع" ، فلم أجده في مكان آخر ، ولكني تركت ما كان في نص إسناده في التفسير"أبو القعقاع" ، مع أنه لا ذكر له في الكتب ولا ترجمة ، لأنه وافق ما في التاريخ ، ولأن ما رواه من قوله: "ويقال: ابن القعقاع" ، يستبعد معه كل تحريف أو زيادة من ناسخ أو غيره.

هذا ، وقد جاء في إسناد آخر في التاريخ 3: 125 عن ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق ، عن ابن شهاب الزهري ، عن ابن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ، "عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد".

فلم يذكر اسمه ، كما ذكر في الإسناد السالف ، كما سيأتي في الإسناد التالي أيضًا: "عن ابن أبي حدرد ، عن أبيه".

وهذا اضطراب غريب في إسناده ، أردت أن أجمعه في هذا المكان ، لأني لم أجد أحدًا استوفى ما فيه ، وعسى أن يتوجه لباحث فيه رأي ، وكتبه محمود محمد شاكر .

(95) الأثر: 10213 - انظر التعليق على الأثر السالف."هارون بن إدريس الأصم" شيخ الطبري ، مضى برقم: 1455.

و"المحاربي""عبد الرحمن بن محمد بن زياد" مضى برقم: 221 ، 875 ، 1455.

(96) "الغنيمة" تصغير"غنم" ، وهو قطيع من الغنم.

وإنما أدخلت التاء في"غنيمة" ، لأنه أريد بها القطعة من الغنم.

وانظر ما قاله أبو جعفر في دخول هذه التاء فيما سلف 6 : 412 ، 413.

(97) الأثر: 10216 - هذا الأثر ساقط من المخطوطة.

و"سعيد بن الربيع الرازي" مضى برقم: 3791 ، 5312.

(98) الأثران: 10217 ، 10218 - رواه أحمد في مسنده من طريق يحيى بن أبي بكير ، وحسين بن محمد ، وخلف بن الوليد ، ويحيى بن آدم ، جميعًا عن إسرائيل.

وأرقامه في المسند: 2023 ، 2462 ، 2988 ، وإسناده صحيح.

وقال ابن كثير في تفسيره 2: 544: "ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى ، وعبد الرحيم بن سليمان كلاهما عن إسرائيل به.

وقال في بعض كتبه غير التفسير: وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط (هكذا في الأصل).

وهذا خبر عندنا صحيح سنده ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما ، لعلل ، منها: أنه لا يعرف له مخرج عن سماك إلا عن هذا الوجه= ومنها: أن عكرمة في روايته عندهم نظر= ومنها: أن الذي نزلت فيه هذه الآية عندهم مختلف فيه ، فقال بعضهم: نزلت في محلم بن جثامة.

وقال بعضهم: أسامة بن زيد.

وقيل غير ذلك.

قلت [القائل ابن كثير]: وهذا كلام غريب ، وهو مردود من وجوه ، أحدها: أنه ثابت عن سماك ، حدث به غير واحد من الأئمة الكبار.

الثاني: أن عكرمة محتج به في الصحيح.

الثالث: أنه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس.." وهذا الذي نقله ابن كثير من بعض كتب أبي جعفر ، أرجح ، بل أقطع ، أنه في كتابه تهذيب الآثار ، وبيانه هذا الذي نقله ابن كثير ، مطابق لنهجه في تهذيب الآثار ، ونقلت هذا هنا للفائدة ، ولأنه أول نقل رأيته في تفسير ابن كثير عن تهذيب الآثار فيما أرجح.

(99) انظر الاختلاف في اسمه"قليب" بالقاف والباء ، أو فليت" بالفاء والتاء ، في الإصابة في موضعه.

(100) في المطبوعة والمخطوطة: "ولم يجامعهم" وظاهر أنه تحريف من الناسخ ، صوابه ما أثبت.

(101) في المطبوعة: "إذا لقيهم مرداس فسلم عليهم فقتلوه" وأثبت ما في المخطوطة إلا أني جعلت"وإذا""وإذ" ، لأن السياق يقتضيها.

(102) "صبحتهم الخيل (بفتحتين) وصبحتهم (بتشديد الباء)": أتتهم صباحًا ، وكانت أكثر غاراتهم في الصباح.

و"الغدوة" (بضم فسكون): البكرة ، ما بين صلاة الغداة (الفجر) وطلوع الشمس.

(103) في المخطوطة: "فدعاه" وهو تحريف ، صواب ما أثبت.

وفي المطبوعة: "فتلقوه" ، وهو رديء ، خير منه ما في الدر المنثور: "فتلقاه".

(104) الأثر: 10220 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 1: 200 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.

(105) كان في المطبوعة: "...

عرض الحياة الدنيا ، الآية ، قال: بعث..." ، وأثبت ما في المخطوطة ، وإن كان الناسخ قد غفل فأسقط من الآية في كتابته: "كذلك كنتم من قبل" .

(106) "البضعة" (بفتح فسكون): القطعة من اللحم.

(107) في المخطوطة: "فقتله الأسود" ، والصواب ما في المطبوعة ، أو أن تكون: "فقتله ابن الأسود".

(108) الأثر: 10224-"حبيب بن أبي عمرة" القصاب ، بياع القصب ، ويقال"اللحام" ، أبو عبد الله الحماني.

روى عن مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأم الدرداء.

روى عنه الثوري وجماعة.

قال ابن سعد: "ثقة قليل الحديث".

مترجم في التهذيب.

(109) انظر ما سلف رقم: 10221.

(110) في المخطوطة: "بعثه نفر من المؤمنين" ، وهو خطأ ، صوابه ما في المطبوعة.

(111) انظر تفسير"التبين" فيما سلف ص: 70.

(112) في المطبوعة: "...

السلام" بالألف ، والصواب إثباتها كرسم المصحف هنا ، حتى يظهر سياق اختلاف القراءة.

(113) في المطبوعة: "وليس كذلك في الإسلام" ، والصواب الجيد من المخطوطة.

(114) في المخطوطة: "مستخفون بإيمانكم" ، وما في المطبوعة أجود.

(115) قوله"كافرًا" ليس في المخطوطة ، والسياق يقتضيها كما في المطبوعة ، وانظر اعتراض أبي جعفر بعد ، فهو يوجب إثبات هذه الكلمة في هذا الموضع.

(116) في المطبوعة في هذا الموضع وما يليه"السلام" مكان"السلم" ، ولكني أثبت ما في المخطوطة ، لأن تفسير أبي جعفر جار على"السلم" لا على"السلام".

وقوله: "لم يقد" بالبناء للمجهول من"القود" (بفتح القاف والواو) وهو القصاص ، وقتل القاتل بدل القتيل ، يقال منه"أقدته به أقيده إقادة".

(117) في المطبوعة: "بعد ما كانوا يكتمونه" ، والجيد ما في المخطوطة."يكتتمون به" ، يستخفون به.

(118) في المخطوطة: "أيها القاتلو الذي ألقي إليكم السلم" ، وهو لا بأس به.

(119) في المطبوعة: "حذرًا" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهما سواء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرافيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا هذا متصل بذكر القتل والجهاد .

والضرب : السير في الأرض ؛ تقول العرب : ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيره ؛ مقترنة بفي .

وتقول : ضربت الأرض دون " في " إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان ؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا يخرج الرجلان يضربان الغائط يتحدثان كاشفين عن فرجيهما فإن الله يمقت على ذلك .

وهذه الآية نزلت في قوم من المسلمين مروا في سفرهم برجل معه جمل وغنيمة يبيعها فسلم على القوم وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله ؛ فحمل عليه أحدهم فقتله .

فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم شق عليه ونزلت الآية .

وأخرجه البخاري عن عطاء عن ابن عباس قال : قال ابن عباس : كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال : السلام عليكم ، فقتلوه وأخذوا غنيمته ؛ فأنزل الله تعالى ذلك إلى قوله : عرض الحياة الدنيا تلك الغنيمة .

قال : قرأ ابن عباس " السلام " .

في غير البخاري : وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته [ ص: 289 ] إلى أهله ورد عليه غنيماته .

واختلف في تعيين القاتل والمقتول في هذه النازلة ، فالذي عليه الأكثر وهو في سير ابن إسحاق ومصنف أبي داود والاستيعاب لابن عبد البر أن القاتل محلم بن جثامة ، والمقتول عامر بن الأضبط فدعا عليه السلام على محلم فما عاش بعد ذلك إلا سبعا ثم دفن فلم تقبله الأرض ثم دفن فلم تقبله ثم دفن ثالثة فلم تقبله ؛ فلما رأوا أن الأرض لا تقبله ألقوه في بعض تلك الشعاب ؛ وقال عليه السلام : إن الأرض لتقبل من هو شر منه .

قال الحسن : أما إنها تحبس من هو شر منه ولكنه وعظ القوم ألا يعودوا .

وفي سنن ابن ماجه عن عمران بن حصين قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا من المسلمين إلى المشركين فقاتلوهم قتالا شديدا ، فمنحوهم أكتافهم فحمل رجل من لحمتي على رجل من المشركين بالرمح فلما غشيه قال : أشهد أن لا إله إلا الله ؛ إني مسلم ؛ فطعنه فقتله ؛ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، هلكت !

قال : وما الذي صنعت ؟

مرة أو مرتين ، فأخبره بالذي صنع .

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه فقال : يا رسول الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما في قلبه ؟

قال : لا فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما في قلبه .

فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات فدفناه ، فأصبح على وجه الأرض .

فقلنا : لعل عدوا نبشه ، فدفناه ثم أمرنا غلماننا يحرسونه فأصبح على ظهر الأرض .

فقلنا : لعل الغلمان نعسوا ، فدفناه ثم حرسناه بأنفسنا فأصبح على ظهر الأرض ، فألقيناه في بعض تلك الشعاب .

وقيل : إن القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس بن نهيك الغطفاني ثم الفزاري من بني مرة من أهل فدك .

وقال ابن القاسم عن مالك .

وقيل : كان مرداس هذا قد أسلم من الليلة وأخبر بذلك أهله ؛ ولما عظم النبي صلى الله عليه وسلم الأمر على أسامة حلف عند ذلك ألا يقاتل رجلا يقول : لا إله إلا الله .

وقد تقدم القول فيه .

وقيل : القاتل أبو قتادة .

وقيل : أبو الدرداء .

ولا خلاف أن الذي لفظته الأرض حين مات هو محلم الذي ذكرناه .

ولعل هذه الأحوال جرت في زمان متقارب فنزلت الآية في الجميع .

وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على أهل المسلم الغنم والجمل وحمل ديته على طريق الائتلاف والله أعلم .

وذكر الثعلبي أن أمير تلك السرية رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي .

وقيل : المقداد حكاه السهيلي .الثانية : قوله تعالى : " فتبينوا " أي : تأملوا .

و " تبينوا " قراءة الجماعة ، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ، وقالا : من أمر بالتبين فقد أمر بالتثبيت ؛ يقال : تبينت الأمر وتبين الأمر بنفسه ، فهو متعد ولازم .

وقرأ حمزة " فتثبتوا " من التثبت بالثاء مثلثة وبعدها باء بواحدة " وتبينوا " في هذا أوكد ؛ لأن الإنسان قد يتثبت ولا يبين .

وفي إذا معنى الشرط ، فلذلك دخلت الفاء في قوله فتبينوا .

وقد يجازى بها كما قال :[ ص: 290 ]وإذا تصبك خصاصة فتجملوالجيد ألا يجازى بها كما قال الشاعر :والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنعوالتبين التثبت في القتل واجب حضرا وسفرا ولا خلاف فيه ، وإنما خص السفر بالذكر لأن الحادثة التي فيها نزلت الآية وقعت في السفر .الثالثة : قوله تعالى : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا السلم والسلم ، والسلام واحد ، قاله البخاري .

وقرئ بها كلها .

واختار أبو عبيد القاسم بن سلام " السلام " .

وخالفه أهل النظر فقالوا : " السلم " هاهنا أشبه ؛ لأنه بمعنى الانقياد والتسليم ، كما قال عز وجل : فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء فالسلم الاستسلام والانقياد .

أي لا تقولوا لمن ألقى بيده واستسلم لكم وأظهر دعوتكم لست مؤمنا .

وقيل : السلام قول السلام عليكم ، وهو راجع إلى الأول ؛ لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده ، ويحتمل أن يراد به الانحياز والترك .

قال الأخفش : يقال فلان سلام إذا كان لا يخالط أحدا .

والسلم ( بشد السين وكسرها وسكون اللام ) الصلح .الرابعة : وروي عن أبي جعفر أنه قرأ " لست مؤمنا " بفتح الميم الثانية ، من آمنته إذا أجرته فهو مؤمن .الخامسة : والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له جاز له قتله ؛ فإن قال : لا إله إلا الله لم يجز قتله ؛ لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله : فإن قتله بعد ذلك قتل به .

وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل أنهم كانوا في صدر الإسلام وتأولوا أنه قالها متعوذا وخوفا من السلاح ، وأن العاصم قولها مطمئنا ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاصم كيفما قالها ؛ ولذلك قال لأسامة : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا أخرجه مسلم .

أي تنظر أصادق هو في قوله أم كاذب ؟

وذلك لا يمكن فلم يبق إلا أن يبين عنه لسانه .

وفي هذا من الفقه باب عظيم ، وهو أن الأحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر .السادسة : فإن قال : سلام عليكم فلا ينبغي أن يقتل أيضا حتى يعلم ما وراء هذا ؛ لأنه موضع إشكال .

وقد قال مالك في الكافر يوجد فيقول : جئت مستأمنا أطلب الأمان : هذه أمور مشكلة ، وأرى أن يرد إلى مأمنه ولا يحكم له بحكم الإسلام ؛ لأن الكفر قد ثبت له [ ص: 291 ] فلا بد أن يظهر منه ما يدل على قوله ، ولا يكفي أن يقول أنا مسلم ولا أنا مؤمن ولا أن يصلي حتى يتكلم بالكلمة العاصمة التي علق النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بها عليه في قوله : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله .السابعة : فإن صلى أو فعل فعلا من خصائص الإسلام فقد اختلف فيه علماؤنا ؛ فقال ابن العربي : نرى أنه لا يكون بذلك مسلما ، أما أنه يقال له : ما وراء هذه الصلاة ؟

فإن قال : صلاة مسلم ، قيل له : قل لا إله إلا الله ؛ فإن قالها تبين صدقه ، وإن أبى علمنا أن ذلك تلاعب ، وكانت عند من يرى إسلامه ردة ، والصحيح أنه كفر أصلي ليس بردة .

وكذلك هذا الذي قال : سلام عليكم ، يكلف الكلمة ، فإن قالها تحقق رشاده ، وإن أبى تبين عناده وقتل .

وهذا معنى قوله : فتبينوا أي الأمر المشكل ، أو " تثبتوا " ولا تعجلوا المعنيان سواء .

فإن قتله أحد فقد أتى منهيا عنه .

فإن قيل : فتغليظ النبي صلى الله عليه وسلم على محلم ، ونبذه من قبره كيف مخرجه ؟

قلنا : لأنه علم من نيته أنه لم يبال بإسلامه فقتله متعمدا لأجل الحنة التي كانت بينهما في الجاهلية .الثامنة : قوله تعالى : تبتغون عرض الحياة أي تبتغون أخذ ماله : ويسمى متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير ثابت .

قال أبو عبيدة : يقال جميع متاع الحياة الدنيا عرض بفتح الراء ؛ ومنه : ( الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ) .

والعرض ( بسكون الراء ) ما سوى الدنانير والدراهم ؛ فكل عرض عرض ، وليس كل عرض عرضا .

وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس .

وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه :تقنع بما يكفيك واستعمل الرضا فإنك لا تدري أتصبح أم تمسيفليس الغنى عن كثرة المال إنما يكون الغنى والفقر من قبل النفسوهذا يصحح قول أبي عبيدة : فإن المال يشمل كل ما يتمول .

وفي كتاب العين : العرض ما نيل من الدنيا ؛ ومنه قوله تعالى : تريدون عرض الدنيا وجمعه عروض .

وفي المجمل لابن فارس : والعرض ما يعترض الإنسان من مرض أو نحوه وعرض الدنيا ما كان فيها من مال قل أو كثر .

والعرض من الأثاث ما كان غير نقد .

وأعرض الشيء إذا ظهر وأمكن .

والعرض خلاف الطول .[ ص: 292 ] التاسعة : قوله تعالى : فعند الله مغانم كثيرة عدة من الله تعالى بما يأتي به على وجهه ومن حله دون ارتكاب محظور ، أي فلا تتهافتوا .

كذلك كنتم من قبل أي كذلك كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم خوفا منكم على أنفسكم حتى من الله عليكم بإعزاز الدين وغلبة المشركين ، فهم الآن كذلك كل واحد منهم في قومه متربص أن يصل إليكم ، فلا يصلح إذ وصل إليكم أن تقتلوه حتى تتبينوا أمره .

وقال ابن زيد : المعنى كذلك كنتم كفرة فمن الله عليكم بأن أسلمتم فلا تنكروا أن يكون هو كذلك ثم يسلم لحينه حين لقيكم فيجب أن تتثبتوا في أمره .العاشرة : استدل بهذه الآية من قال : إن الإيمان هو القول ، لقوله تعالى : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا .

قالوا : ولما منع أن يقال لمن قال لا إله إلا الله لست مؤمنا منع من قتلهم بمجرد القول .

ولولا الإيمان الذي هو هذا القول لم يعب قولهم .

قلنا : إنما شك القوم في حالة أن يكون هذا القول منه تعوذا فقتلوه ، والله لم يجعل لعباده غير الحكم بالظاهر ؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وليس في ذلك أن الإيمان هو الإقرار فقط ؛ ألا ترى أن المنافقين كانوا يقولون هذا القول وليسوا بمؤمنين حسب ما تقدم بيانه في " البقرة " وقد كشف البيان في هذا قوله عليه السلام : أفلا شققت عن قلبه ؟

فثبت أن الإيمان هو الإقرار وغيره ، وأن حقيقته التصديق بالقلب ، ولكن ليس للعبد طريق إليه إلا ما سمع منه فقط .

واستدل بهذا أيضا من قال : إن الزنديق تقبل توبته إذا أظهر الإسلام ؛ قال : لأن الله تعالى لم يفرق بين الزنديق وغيره متى أظهر الإسلام .

وقد مضى القول في هذا في أول البقرة .

وفيها رد على القدرية ، فإن الله تعالى أخبر أنه من على المؤمنين من بين جميع الخلق بأن خصهم بالتوفيق ، والقدرية تقول : خلقهم كلهم للإيمان .

ولو كان كما زعموا لما كان لاختصاص المؤمنين بالمنة من بين الخلق معنى .الحادية عشرة : قوله تعالى : فتبينوا أعاد الأمر بالتبيين للتأكيد .

إن الله كان بما تعملون خبيرا تحذير عن مخالفة أمر الله ؛ أي احفظوا أنفسكم وجنبوها الزلل الموبق لكم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا خرجوا جهادًا في سبيله وابتغاء مرضاته أن يتبينوا ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة.

فإن الأمور قسمان: واضحة وغير واضحة.

فالواضحة البيِّنة لا تحتاج إلى تثبت وتبين، لأن ذلك تحصيل حاصل.

وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين، ليعرف هل يقدم عليها أم لا؟

فإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد وعقله ورزانته، بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها قبل أن يتبين له حكمها، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي، كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية لمـَّا لم يتثبتوا وقتلوا من سلم عليهم، وكان معه غنيمة له أو مال غيره، ظنًّا أنه يستكفي بذلك قتلَهم، وكان هذا خطأ في نفس الأمر، فلهذا عاتبهم بقوله: { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ } أي: فلا يحملنكم العرض الفاني القليل على ارتكاب ما لا ينبغي فيفوتكم ما عند الله من الثواب الجزيل الباقي، فما عند الله خير وأبقى.

وفي هذا إشارة إلى أن العبد ينبغي له إذا رأى دواعي نفسه مائلة إلى حالة له فيها هوى وهي مضرة له، أن يُذَكِّرها ما أعد الله لمن نهى نفسه عن هواها، وقدَّم مرضاة الله على رضا نفسه، فإن في ذلك ترغيبًا للنفس في امتثال أمر الله، وإن شق ذلك عليها.

ثم قال تعالى مذكرًا لهم بحالهم الأولى، قبل هدايتهم إلى الإسلام: { كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي: فكما هداكم بعد ضلالكم فكذلك يهدي غيركم، وكما أن الهداية حصلت لكم شيئًا فشيئًا، فكذلك غيركم.

فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة، ومعاملته لمن كان على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى، ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة - من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه، ولهذا أعاد الأمر بالتبين فقال: { فَتَبَيَّنُوا } فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل الله، ومجاهدة أعداء الله، وقد استعد بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم، مأمورًا بالتبين لمن ألقى إليه السلام، وكانت القرينة قوية في أنه إنما سلم تعوذا من القتل وخوفا على نفسه - فإن ذلك يدل على الأمر بالتبين والتثبت في كل الأحوال التي يقع فيها نوع اشتباه، فيتثبت فيها العبد، حتى يتضح له الأمر ويتبين الرشد والصواب.

{ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } فيجازي كُلًّا ما عمله ونواه، بحسب ما علمه من أحوال عباده ونياتهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ) الآية ، قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في رجل من بني مرة بن عوف يقال له مرداس بن نهيك ، وكان من أهل فدك وكان مسلما لم يسلم من قومه غيره ، فسمعوا بسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم تريدهم ، وكان على السرية رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي ، فهربوا وأقام الرجل لأنه كان على دين المسلمين ، فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل ، وصعد هو إلى الجبل فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون ، فلما سمع التكبير عرف أنهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكبر ونزل وهو يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، السلام عليكم ، فتغشاه أسامة بن زيد فقتله واستاق غنمه ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا ، وكان قد سبقهم قبل ذلك الخبر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قتلتموه إرادة ما معه " ؟

ثم قرأ هذه الآية على أسامة بن زيد ، فقال : يا رسول الله استغفر لي ، فقال فكيف بلا إله إلا الله؟

قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، قال أسامة : فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي بعد ثلاث مرات ، وقال : " اعتق رقبة " .

وروى أبو ظبيان عن أسامة رضي الله عنه قال قلت : يا رسول الله إنما قال خوفا من السلاح ، قال : " أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفا أم لا " ؟

وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : مر رجل من بني سليم على نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومعه غنم له فسلم عليهم ، قالوا : ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم فقاموا فقتلوه وأخذوا غنمه فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ) .

.

( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ) يعني إذا سافرتم في سبيل الله ، يعني : الجهاد .

( فتبينوا ) قرأ حمزة والكسائي هاهنا في موضعين وفي سورة الحجرات بالتاء والثاء من التثبيت ، أي : قفوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر ، وقرأ الآخرون بالياء والنون من التبين ، يقال : تبينت الأمر إذا تأملته ، ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم ) هكذا قراءة أهل المدينة وابن عامر وحمزة ، أي : المقادة ، وهو قول " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ، وقرأ الآخرون السلام ، وهو السلام الذي هو تحية المسلمين لأنه كان قد سلم عليهم ، وقيل : السلم والسلام واحد ، أي : لا تقولوا لمن سلم عليكم لست مؤمنا ، ( تبتغون عرض الحياة الدنيا ) يعني : تطلبون الغنم والغنيمة ، و " عرض الحياة الدنيا " منافعها ومتاعها ، ( فعند الله مغانم ) أي غنائم ، ( كثيرة ) وقيل : ثواب كثير لمن اتقى قتل المؤمن ، ( كذلك كنتم من قبل ) قال سعيد بن جبير : كذلك كنتم تكتمون إيمانكم من المشركين ( فمن الله عليكم ) بإظهار الإسلام ، وقال قتادة : كنتم ضلالا من قبل فمن الله عليكم بالإسلام والهداية .

وقيل معناه : كذلك كنتم من قبل تأمنون في قومكم بلا إله إلا الله قبل الهجرة فلا تخيفوا من قالها فمن الله عليكم بالهجرة ، فتبينوا أن تقتلوا مؤمنا .

( إن الله كان بما تعملون خبيرا ) قلت : إذا رأى الغزاة في بلد أو قرية شعار الإسلام فعليهم أن يكفوا عنهم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قوما فإن سمع أذانا كف عنهم ، وإن لم يسمع أغار عليهم .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سفيان ، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق ، عن ابن عصام ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية قال : " إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل لما مر نفر من الصحابة برجل من بني سليم وهو يسوق غنما فسلم عليهم فقالوا ما سلم علينا إلا تقية فقتلوه واستاقوا غنمه «يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم» سافرتم للجهاد «في سبيل الله فتبينوا» وفي قراءة فتثبتوا في الموضعين «ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام» بألف أو دونها أي التحية أو الانقياد بكلمة الشهادة التي هي أمارة على الإسلام «لست مؤمنا» وإنما قلت هذا تقيه لنفسك ومالك فقتلوه «تبتغون» تطلبون لذلك «عرَضَ الحياة الدنيا» متاعها من الغنيمة «فعند الله مغانم كثيرة» تغنيكم عن قتل مثله لماله «كذلك كنتم من قبل» تعصم دماؤكم وأموالكم بمجرد قولكم الشهادة «فمنَّ الله عليكم» بالاشتهار وبالإيمان والاستقامة «فتبينوا» أن تقتلوا مؤمناً وافعلوا بالداخل في الإسلام كما فُعل بكم «إن الله كان بما تعملون خبيرا» فيجازيكم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إذا خرجتم في الأرض مجاهدين في سبيل الله فكونوا على بينة مما تأتون وتتركون، ولا تنفوا الإيمان عمن بدا منه شيء من علامات الإسلام ولم يقاتلكم؛ لاحتمال أن يكون مؤمنًا يخفي إيمانه، طالبين بذلك متاع الحياة الدنيا، والله تعالى عنده من الفضل والعطاء ما يغنيكم به، كذلك كنتم في بدء الإسلام تخفون إيمانكم عن قومكم من المشركين فمَنَّ الله عليكم، وأعزَّكم بالإيمان والقوة، فكونوا على بيِّنة ومعرفة في أموركم.

إن الله تعالى عليم بكل أعمالكم، مطَّلع على دقائق أموركم، وسيجازيكم عليها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا التحذير الشديد من قتل النفس بغير حق ، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن القتل بدون تبين أو تثبت من أجل التوصل إلى رعض من أعراض الدنيا الفانية ، فقال - تعالى - : ( يَا أَيُّهَا الذين .

.

.

) .روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات متعددة إلا أنها متقاربة فى المعنى .

وقد حكى معظمها الإِمام القرطبى فقال ما ملخصه :هذه الآية نزلت فى قوم من المسلمين مروا فى سفرهم برجل معه جمل وغنيمة يبيعها فسلم على القوم وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فحمل عليه أحدهم فقتله - ظنا منه أن المقتول نطق بالشهادتين ليأمن القتل - فلما ذكر ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم شق عليه ونزلت الآية فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله ورد عليه غنيماته .وقد قيل : إن القاتل محلم بن جثامة والمقتول عامر بن الأضبط .

وقيل : إن القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس بن نهيك من بنى مرة من أهل فدك .وفى سنن ابن ماجه " عن عمران بن حصين قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا من المسلمين إلى المشركين فقاتلوهم قتالا شديدا فمنح المشركون المسلمين أكتافهم .

فحمل رجل من المسلمين على رجل من المشركين بالرمح .

فلما غشيه قال : أشد أن لا إله إلا الله إنى مسلم .

فطعنه فقتله .فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هلكت .

قال : " وما الذى صنعت " مرة أو مرتين .

فأخبره بالذى صنع .

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما فى قلبه "؟

فقال : " يا رسول الله لو شققت بطنه أكنت أعلم ما فى قلبه؟

قال : لا فلا أنت قبلت ما تكلم به ولا أنت تعلم ما فى قلبه " " .ثم قال القرطبى : ولعل هذه الأحوال جرت فى زمان متقارب فنزلت الآية فى الجميع .والضرب فى الأرض : السير فيها .

تقول العرب : ضربت فى الأرض إذا سرت لتجارة أو غزة أو غيره .

وكأن السير فى الأرض سمى بذلك؛ لأنه يضرب الأرض برجليه فى سيره .

والمراد بالضرب فى الأرض هنا : السفر والسير فيها من أجل الجهاد فى سبيل الله .وقوله ( فَتَبَيَّنُواْ ) معناه : فتثبتوا وتأكدوا وتأملوا فيما تأتون وتذرون .

وقرأ حمزة " فثبتوا " .قال القرطبى : والسلم والسلم والسلام بمعنى واحد .

قال البخارى .

وقرئ بها كلهاز واختار أبو عبيد " السلام " .

وخالفه أهل النظر فقالوا؛ السلم هنا أشبه؛ لأنه بمعنى الانقياد والاستسلام .

كما قال - تعالى - ( فَأَلْقَوُاْ السلم مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سواء ) والمعنى : يأيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق ، إذا خرجتم من بيوتكم وسرتم فى الأرض من أجل الجهاد فى سبيل الله وإعلاء كلمته ( فَتَبَيَّنُواْ ) أى فاطلبوا بيان الأمر فى كل ما تأتون وما تذرون ، واحذروا أن تضعوا سيوفكم فى غير موضعها .فإن الأصل فى الدماء الحرمة والصيانة وعدم الاعتداء عليها ، وقد حرم الله - تعالى - قتل النفس إلا بالحق .والتبين والتثبت فى القتل واجب حضراً وسفرا .

وإنما خص السفر بالذكر لأن الحادثة التى نزلت فيها الآية وقعت فى السفر .وقوله ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ ألقى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِناً ) أى : تأكدوا - أيها المؤمنون - وتثبتوا فى كل أحكامكم وأفعالكم ، ولا تقولوا لمن أظهر الانقياد لدعوتكم ودينكم فنطق بالشهادتين أو حياكم بتحية الإِسلام .

لا تقولوا له لست مؤمنا حقا وإنما قلت ما قلت بلسانك فقط لتأمن القتل .

بل الواجب عليكم أن تقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه؛ فإن علم السرائر والبواطن إنما هو لله - تعالى - وحده .وجملة ( لَسْتَ مُؤْمِناً ) مقول لقوله ( لاَ تَقُولُواْ ) : أى لا تنفوا عنه الإِيمان وهو يظهره أمامكم وفى هذا من الفقه - كما يقول القرطبى - باب عظيم ، وهو أن الأحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر .ولقد كان عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - ينهى عن قتل من أعلن الاستسلام ويحذر من يقتله بأنه سيقتله به ، وقد أرسل بذلك إلى قواد جويشه لأن الذين يقتلون من يطلب الأمان طمعا فى ماله لا يكون جهاده خالصا لله ، ولا تكون أعمال محل رضا الله - تعالى - ولذا قال - سبحانه - :( تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ) .

والابتغاء : الطلب الشديد والرغبة الملحة .وعرض الحياة الدنيا : جميع متاعها وأموالها .

وسمى متاع الدنيا عرضا ، لأنه مهما كثر فهو زائل غير دام ، وعارض غير باق .قال الراغب : والعرض - بفتح الراء والعين - مالا يكون له ثبات .

ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثابت له إلا بالجوهر .

وقيل : الدنيا عرض حاضر تنبيها على أنه لا ثابت لها ، والمغانم : جمع مغنم ويطلق على ما يؤخذ من مال العدو ، من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول .والمعنى : تثبتوا - أيها - فى كل أقوالكم وأعمالكم ، ولا تتعجلوا فى أحكامكم ، ولا تقولوا لمن حياكم بتحية الإِسلام أو نطق بالشهادتين لست مؤمنا ، وإنما فعلت ذلك تقية؛ ثم تقتلونه .

مبتغين من وراء قتله متاع الدنيا الزائل ، وعرضها الفانى ، إن هذا المسلك يتنافى مع الإِيمان الصادق والجهاد الخالص .

ومن كان منكم يريد متاع الدنيا فليطلبه من الله وحده - فإن خزائنه لا تنفد ، وعطاءه لا يحد - ولا يطلبه عن طريق الاعتداء على من أظهر الإِسلام أو التمس منكم الأمان .وقوله ( تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا ) حال من فاعل ( لاَ تَقُولُواْ ) لكن لا على أن يكون النهى راجعا للقيد فقط كما فى قولك : لا تطلب العلم تبتغى به الجاه والتفاخر ، بل على أنه راجع إليهما جميعا .أى : لا تقولوا له ذلك ولا تبتلغوا العرض الفانى .فالمقصود بهذه الجملة الكريمة توبيخهم على حرصهم على متاع الدنيا بطريقة لا تناسب مع الإِيمان الكامل ، ومع الهدف الذى خرجوا من أجله : وهو إعلاء كلمة الله تعالى - وضم أكبر عدد من الناس إلى دعوة الحق التى جاء بها النبى صلى الله عليه وسلم .وقوله ( فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ) تعليل للنهى عن ابتغاء عرض الحياة الدنيا بهذا الأسلوب فكأنه قال : لا تعودوا إلى ما فعلتموه من قتل من ألقى إليكم السلام طلبا لما له ، فإن الله - تعالى - عنده مغانم كثيرة ، وفى مقدوره أن يغنيكم من فضله؛ فالجأوا إلى جنابه وحده ، وخصوه بالسؤال ، وأخصلوا له العمل .وقوله ( كذلك كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ ) تعليل للنهى عما قالوه وما فعلوه .أى : أنتم - أيها المؤمنون - كنتم من قبل مثل ذلك الذى ألقى إليكم السلام ، فقد كنتم فى أول إسلامكم ولا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم من النطق بالشهادتين وتبادل تحية الإِسلام ، فمن الله عليكم بأن قبل منكم تلك المرتبة وعصم بها دماءكم وأموالكم ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم .وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقد قال : قوله ( كذلك كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ ) أول ما دخلتم فى الإِسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت من دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاععلى مواطأة قلوبكم لألسنتكم بالاستقامة والاشتهار بالإِيمان فعليكم أن تفعلوا بالداخلين فى الإِسلام كما فعل لكم ، وأن تعتبروا ظاهر الإِسلام فى المكانة ، ولا تقولوا إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية ، فتجعلوه سبيلا إلى استباحة دمه وماله وقد حرمها الله .فاسم الإِشارة راجع إلى ( مِّن ) فى قوله : ( لِمَنْ ألقى إِلَيْكُمُ السلام ) .ويجوز أن يكون اسم الإِشارة راجعا إلى الحالة التى كانوا عليها فى ابتداء إسلامهم .

أى كحال هذا الذى يسر إيمانه ويخفيه عن قومه كنتم من قبل .وقد جرح هذا المعنى ابن جرير فقال ما ملخصه : قوله ( كذلك كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ ) أى كذلك كنتم تخفون إيمانكم فى وقومكم من المشركين ، وأنتم مقيمون بين أظهرهم ، كما كان هذا الذى قتلتموه مقيما بين أظهر قومه من المشركين مستخفيا بدينه منهم ( فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ ) أى : فرفع منكم ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم بإظهار دينه وإعزاز أهله ، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به من توحيده وعبادته .

.والذى يبدو لنا أن الاية الكريمة تتسع لهذين التفسيرين ، إلا أن التفسير الأول الذى جرى عليه صاحب الكشاف أشمل وأنسب لسياق الآية؛ لأن المقصد الرئيس الذى تدعو إليه الآية الكريمة هو نهى المؤمنين عن سوء الظن بمن أظهر الإِسلام وعن الاعتداء عليه .

وأمرهم بان يعاملوا الناس بظاهرهم أما بواطنهم فأمرها إلى الله وحده .والفاء فى قوله ( فَتَبَيَّنُواْ ) فصيحة .

أى : إذا كان الأمر كذلك فتبينوا نعمة الله عليكم وداوموا على شكرها ، وقيسوا أحوال غيركم بما سبق من أحوالكم ، واقبلوا ظواهر الناس بدون فحص عن بواطنهم ، ولا تصدروا أحكامكم عليهم إلا بعد التثبت والتأكد من صحتها ولا تشهروا سيوفكم فى وجوههم إلا بعد التأكد من كفرهم وعدوانهم .وقوله : ( إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) تذييل قصد به تحذيرهم من مخالفة أمره .أى : إن الله مطلع على دقيق الأمور وجليلها ، خبير بما تسره نفوسكم وما تعلنه ، لا يخفى عليه شئ من ظواهركم وبواطنكم ، وسيحاسبكم على كل ذلك ، وسيجازيكم بما تستحقون من خير أو شر .هذا وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن الكافر إذا نطق بالشهادتين حرم قتله؛ لأنه قد اعتصم بعصام الإِسلام المانع من إهدار دمع وماله وأهله .كما أخذوا منها وجوب التثبت فى الأحكام وفى الأقوال .

وأخذ الناس بظواهرهم حتى يثبت خلاف ذلك .قال الفخر الرازى : اعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة فى تحريم قتل المؤمنين .

وأمر المجاهدين بالتثبت فيه ، لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف .وقال بعض العلماء : وقد دلت الآية على حكمة عظيمة فى حفظ الجامعة الدينية ، وهى بث الثقة والأمان بين أفراد الأمة وطرح ما من شأنه إدخال الشك لأنه إذا فتح هذا الباب عسر سده ، وكما يتهم المتهم غيره فللغير أن يتهم من اتهمه .

وبذلك ترتفع الثقة ، ويسهل على ضعفاء الإِيمان المروق ، إذ قد أصبحت التهمة تظل الصادق والمنافق .

وانظر معاملة النبى صلى الله عليه وسلم المنافقين معاملة المسلمين .على أن هذا الدين سريع السريان فى القلوب فيكتفى أهله بدخول الداخلين فيه من غير مناقشة .

إذ لا يلبثون أن يألفوه وتخالط بشاشته قلوبهم .

فهم يقتحمونه على شك وتردد فيصير إيمانا راسخا .

ومما يعين على ذلك ثقة السابقين فيه باللاحقين .ومن أجل ذلك أعاد الله الأمر فقال ( فَتَبَيَّنُواْ ) تأكيدا لقوله ( فَتَبَيَّنُواْ ) المذكور قبله .

.وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين بأن يعاملوا الناس على حسب ظواهرهم ونهاهم عند جهادهم عن التعجل فى القتل .

أتبع ذلك ببيان فضل المجاهدين المخلصين فقال - تعالى - ( لاَّ يَسْتَوِي .

.

.

.

غَفُوراً رَّحِيماً ) .لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)قال الآلوسى : قوله - تعالى - ( لاَّ يَسْتَوِي القاعدون ) .

شروع فى الحث على الجهاد ليأنفوا عن تركه ، وليرغبوا عما يوجب خللا فيه .

والمراد بالقاعدين : الذين أذن لهم فى القعود عن الجهاد اكتفاء بغيرهم .

وروى البخارى عن ابن عباس : هم القاعدون عن بدر وهو الظاهر الموافق للتاريخ على ما قيل .

وقال أبو حمزة : إنهم المتخلفون عن تبوك .

وروى أن الآية نزلت فى كعب بن مالك من بنى سلمة ومرارة بن الربيع من بنى عمرو بن عوف .

وهلال بن أمية من بنى واقف حين تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم فى تلك الغزوة .وقوله ( غَيْرُ أُوْلِي الضرر ) جملة معترضة جئ بها لبيان أنهم غير مقصودين بعدم المساواة مع المجاهدين فى الأجر .والضرر : مصد ضرِر مثل مرض .

وهذه الزنة تجئ - غالبا - فى العاهات ونحوها ، مثل عمى وحصر وعرج ورِمد .والمراد بقوله ( غَيْرُ أُوْلِي الضرر ) أى : غير أصحاب العلل والأمراض التى تحول بينهم وبين الجهاد فى سبيل الله من عمى أو عرج أو ضعف أو غير ذلك من الأعذار .وقد روى المفسريون فى سبب نزول قوله - تعالى - ( غَيْرُ أُوْلِي الضرر ) روايات منها ما أخرجه البخارى عن البراء قال : لما نزلت ( لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين ) .

دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها جاء ابن أم مكتوب فشكا ضرارته .

فأنزل الله : ( غَيْرُ أُوْلِي الضرر ) .وقال القرطبى : روى الأئمة - واللفظ لأبى داود عن زيد بن ثابت قال : كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذى فما وجدت ثقل شئ أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سرى عنه فقال : " أكتب " فكتبت فى كتف - أى فى عظم عريض كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم - ( لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِي الضرر والمجاهدون فِي سَبِيلِ الله ) .

.

.

.

الآية .فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - لما سمع فضيلة المجاهدين فقال : يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟

فلما قضى كلامه غشيت رسول الله السكينة فوقعت فخذه على خفذى .

ووجدت من ثقلها فى المرة الثاينة كما وجدت فى المرة الأولى ثم سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اقرأ يا زيد .

فقرأت :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ ﴾ .

أعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة في تحريم قتل المؤمنين، وأمر المجاهدين بالتثبيت فيه لئلا يسفكوا دماً حراماً بتأويل ضعيف، وهذه المبالغة تدل على أن الآية المتقدمة خطاب مع المؤمنين وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي هنا وكذلك في الحجرات ﴿ فتثبتوا ﴾ من ثبت ثباتاً، والباقون بالنون من البيان، والمعنيان متقاربان، فمن رجح التثبيت قال: إنه خلاف الإقدام، والمراد في الآية التأني وترك العجلة، ومن رجح التبيين قال المقصود من التثبيت التبيين، فكان التبيين أبلغ وأكمل.

المسألة الثانية: الضرب معناه السير فيها بالسفر للتجارة أو الجهاد، وأصله من الضرب باليد، وهو كناية عن الإسراع في السير فإن من ضرب إنساناً كانت حركة يده عند ذلك الضرب سريعة، فجعل الضرب كناية عن الإسراع في السير.

قال الزجاج: ومعنى ﴿ ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ أي غزوتم وسرتم إلى الجهاد.

ثم قال تعالى: ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى السلام لست مؤمناً ﴾ .

أراد الانقياد والاستسلام إلى المسلمين، ومنه قوله: ﴿ وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم  ﴾ أي استسلموا للأمر، ومن قرأ ﴿ السلام ﴾ بالألف فله معنيان: أحدها: أن يكون المراد السلام الذي يكون هو تحية المسلمين، أي لا تقولوا لمن حياتكم بهذه التحية إنه إنما قالها تعوذاً فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله ولكن كفوا واقبلوا منه ما أظهره.

والثاني: أن يكون المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم ولم يقتلكم لست مؤمناً، وأصل هذا من السلامة لأن المعتزل طالب للسلامة.

قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ مُؤْمِناً ﴾ بفتح الميم من آمنه أي لا نؤمنك.

المسألة الثالثة: في سبب نزول هذه الآية روايات: الرواية الأولى: أن مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره، فذهبت سرية الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه وأميرهم غالب بن فضالة، فهرب القوم وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد وساق غنمه، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجداً شديداً وقال: قتلتموه إرادة ما معه، ثم قرأ الآية على أسامة، فقال أسامة يا رسول الله استغفر لي، فقال: فكيف وقد تلا لا إله إلا الله!

قال أسامة فما زال يعيدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي وقال: أعتق رقبة.

الرواية الثانية: أن القاتل ملحم بن جثامة لقيه عامر بن الأضبط فحياه بتحية الإسلام، وكانت بين ملحم وبينه إحنة في الجاهلية فرماه بسهم فقتله، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «لا غفر الله لك» فما مضت به سبعة أيام حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض ثلاث مرات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يريكم عظم الذنب عنده» ثم أمر أن تلقى عليه الحجارة.

الرواية الثالثة: أن المقداد بن الأسود قد وقعت له مثل واقعة أسامة قال: فقلت يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ بشجرة، فقال أسلمت لله تعالى أفأقتله يا رسول الله بعد ذلك؟

فقال رسول الله لا تقتله، فقلت يا رسول الله إنه قطع يدي، فقال عليه الصلاة والسلام لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك بعد ما تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال وعن أبي عبيدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح».

قال القفال رحمه الله: ولا منافاة بين هذه الروايات فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها، فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته، والله أعلم.

المسألة الرابعة: اختلفوا في أن توبة الزنديق هل تقبل أم لا؟

فالفقهاء قبلوها واحتجوا عليه بوجوه: الأول: هذه الآية فإنه تعالى لم يفرق في هذه الآية بين الزنديق وبين غيره بل أوجب ذلك في الكل.

الحجة الثانية: قوله تعالى: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ وهو عام في جميع أصناف الكفرة.

الحجة الثالثة: أن الزنديق لا شك أنه مأمور بالتوبة، والتوبة مقبولة على الإطلاق لقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ  ﴾ وهذا عام في جميع الذنوب وفي جميع أصناف الخلق.

المسألة الخامسة: إسلام الصبي صحيح عند أبي حنيفة، وقال الشافعي لا يصح.

قال أبو حنيفة دلّت هذه الآية على صحة إسلام الصبي لأن قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾ عام في حق الصبي، وفي حق البالغ.

قال الشافعي: لو صح الإسلام منه لوجب، لأنه لو لم يجب لكان ذلك إذناً في الكفر، وهو غير جائز، لكنه غير واجب عليه لقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ» الحديث، والله أعلم.

المسألة السادسة: قال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي أو النصراني: أنا مؤمن أو قال أنا مسلم لا يحكم بهذا القدر بإسلامه، لأن مذهبه أن الذي هو عليه هو الإسلام وهو الإيمان، ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعند قوم لا يحكم بإسلامه، لأنه فيهم من يقول: إنه رسول الله إلى العرب لا إلى الكل، ومنهم من يقول: إن محمداً الذي هو الرسول الحق بعد ما جاء، وسيجيء بعد ذلك، بل لابد وأن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل وأن الدين الموجود فيما بين المسلمين هو الحق والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ قال أبو عبيدة: جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء، يقال: إن الدنيا عرض حاضر يأخذ منها البر والفاجر، والعرض بسكون الراء ما سوى الدراهم والدنانير، وإنما سمي متاع الدنيا عرضاً لأنه عارض زائل غير باق ومنه يسمي المتكلمون ما خالف الجوهر من الحوادث عرضاً لقلة لبثه، فقوله: ﴿ فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ يعني ثواباً كثيراً، فنبّه تعالى بتسميته عرضاً على كونه سريع الفناء قريب الانقضاء، وبقوله: ﴿ فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ على أن ثواب الله موصوف بالدوام والبقاء كما قال: ﴿ والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وكذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ ﴾ وهذا يقتضي تشبيه هؤلاء المخاطبين بأولئك الذين ألقوا السلم، وليس فيه بيان أن هذا التشبيه فيم وقع، فلهذا ذكر المفسرون فيه وجوهاً: الأول: أن المراد أنكم أول ما دخلتم في الإسلام كما سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة حقنت دماءكم وأموالكم من غير توقيف ذلك على حصول العلم بأن قلبكم موافق لما في لسانكم، فعليكم بأن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر القول، وأن لا تقولوا إن إقدامهم على التكلم بهذه الكلمة لأجل الخوف من السيف، هذا هو الذي اختاره أكثر المفسرين، وفي إشكال لأن لهم أن يقولوا: ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء، لأنا آمنا عن الطواعية والاختيار، وهؤلاء أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر.

الوجه الثاني: قال سعيد بن جبير: المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى هذا الداعي إيمانه عن قومه، ثم منَّ الله عليكم بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم، فأنتم عاملوهم بمثل هذه المعاملة، وهذا أيضاً فيه إشكال لأن إخفاء الإيمان ما كان عاماً فيهم.

الثالث: قال مقاتل: المراد كذلك كنتم من قبل الهجرة حين كنتم فيما بين الكفار تأمنون من أصحاب رسول الله بكلمة لا إله إلا الله فاقبلوا منهم مثل ذلك، وهذا يتوجه عليه الإشكال الأول، والأقرب عندي أن يقال: إن من ينتقل من دين إلى دين ففي أول الأمر يحدث ميل قليل بسبب ضعيف، ثم لا يزال ذلك الميل يتأكد ويتقوى إلى أن يكمل ويستحكم ويحصل الانتقال، فكأنه قيل لهم: كنتم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام، ثم من الله عليكم بالإسلام بتقوية ذلك الميل وتأكيد النفرة عن الكفر، فكذلك هؤلاء كما حدث فيهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم هذا الإيمان، فإن الله تعالى يؤكد حلاوة الإيمان في قلوبهم يقوي تلك الرغبة في صدورهم، فهذا ما عندي فيه.

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ ﴾ وفيه احتمالان: الأول: أن يكون هذا متعلقاً بقوله: ﴿ كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ ﴾ يعني إيمانكم كان مثل إيمانهم في أنه إنما عرف منه مجرد القول اللساني دون ما في القلب، أو في أنه كان في ابتداء الأمر حاصلاً بسبب ضعيف، ثم منَّ الله عليكم حيث قوي نور الإيمان في قلوبكم وأعانكم على العمل به والمحبة له.

والثاني: أن يكون هذا منقطعاً عن هذا الموضع، ويكون متعلقاً بما قبله، وذلك لأن القوم لما قتلوا من تكلم بلا إله إلا الله، ثم أنه تعالى نهاهم عن هذا الفعل وبين لهم أنه من العظائم قال بعد ذلك ﴿ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ ﴾ أي من عليكم بأن قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر.

ثم أعاد الأمر بالتبيّين فقال: ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ وإعادة الأمر بالتبيين تدل على المبالغة في التحذير عن ذلك الفعل.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ والمراد منه الوعيد والزجر عن الإظهار بخلاف الإضمار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ وقرئ: ﴿ فتثبتوا ﴾ ، وهما التفعل بمعنى الاستفعال.

أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوكوا فيه من غير روية.

وقرئ: ﴿ السلم ﴾ .

و ﴿ السلام ﴾ وهما الاستسلام.

وقيل: الإسلام.

وقيل: التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام ﴿ لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾ وقرئ ﴿ مؤمناً ﴾ بفتح الميم من آمنه، أي لا نؤمنك، وأصله: أن مرداس بن نهيك رجلاً من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره، فغزتهم سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان عليها غالب بن فضالة الليثي، فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد، فلمَّا تلاحقوا وكبروا كبر ونزل وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجداً شديداً وقال: قتلتموه إرادة ما معه، ثم قرأ الآية على أسامة، فقال: يا رسول الله استغفر لي.

قال: فكيف بلا إله إلا الله، قال أسامة: فما زال يعيدها حتى وددت أن لم أكن أسلمت إلا يومئذٍ، ثم استغفر لي وقال: أعتق رقبة ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا ﴾ تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع النفاد، فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه ﴿ فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوّذ به من التعرض له لتأخذوا ماله ﴿ كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ ﴾ أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة، فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم ﴿ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ ﴾ بالاستقامة والاشتهار بالإيمان والتقدم، وإن صرتم أعلاماً فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكافة، ولا تقولوا إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سلماً إلى استباحة دمه وماله وقد حرمهما الله وقوله: ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ تكرير للأمر بالتبين ليؤكد عليهم ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ سافَرْتُمْ وذَهَبْتُمْ لِلْغَزْوِ.

﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ فاطْلُبُوا بَيانَ الأمْرِ وثَباتَهُ ولا تَعْجَلُوا فِيهِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَتَثْبُتُوا في المَوْضِعَيْنِ هُنا، وفي «الحُجُراتِ» مِنَ التَّثَبُّتِ.

﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ ﴾ لِمَن حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ السَّلَمَ بِغَيْرِ الألْفِ أيِ الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ وفُسِّرَ بِهِ السَّلامُ أيْضًا.

﴿ لَسْتَ مُؤْمِنًا ﴾ وإنَّما فَعَلْتُ ذَلِكَ مُتَعَوِّذًا.

وقُرِئَ «مُؤَمَّنًا» بِالفَتْحِ أيْ مَبْذُولًا لَهُ الأمانُ.

﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ تَطْلُبُونَ مالَهُ الَّذِي هو حُطامٌ سَرِيعُ النَّفاذِ، وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في تَقُولُوا مُشْعِرٌ بِما هو الحامِلُ لَهم عَلى العَجَلَةِ وتَرْكِ التَّثَبُّتِ.

﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ ﴾ لَكم ﴿ كَثِيرَةٌ ﴾ تُغْنِيكم عَنْ قَتْلِ أمْثالِهِ لِمالِهِ.

﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ أوَّلَ ما دَخَلْتُمْ في الإسْلامِ تَفَوَّهْتُمْ بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ فَحُصِنَتْ بِها دِماؤُكم وأمْوالُكم مِن غَيْرِ أنْ يَعْلَمَ مُواطَأةَ قُلُوبِكم ألْسِنَتَكم.

﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ بِالِاشْتِهارِ بِالإيمانِ والِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ.

﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ وافْعَلُوا بِالدّاخِلِينَ في الإسْلامِ كَما فَعَلَ اللَّهُ بِكُمْ، ولا تُبادِرُوا إلى قَتْلِهِمْ ظَنًّا بِأنَّهم دَخَلُوا فِيهِ اتِّقاءً وخَوْفًا، فَإنَّ إبْقاءَ ألْفِ كافِرٍ أهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِن قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ.

وتَكْرِيرُهُ تَأْكِيدٌ لِتَعْظِيمِ الأمْرِ وتَرْتِيبِ الحُكْمِ عَلى ما ذُكِرَ مِن حالِهِمْ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ عالِمًا بِهِ وبِالغَرَضِ مِنهُ فَلا تَتَهافَتُوا في القَتْلِ واحْتاطُوا فِيهِ.

رُوِيَ « (أنَّ سَرِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ  غَزَتْ أهْلَ فَدَكَ فَهَرَبُوا وبَقِيَ مِرْداسُ ثِقَةً بِإسْلامِهِ، فَلَمّا رَأى الخَيْلَ ألْجَأ غَنَمَهُ إلى عاقُولٍ مِنَ الجَبَلِ وصَعِدَ، فَلَمّا تَلاحَقُوا بِهِ وكَبَّرُوا كَبَّرَ ونَزَلَ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكم فَقَتَلَهُ أُسامَةُ واسْتاقَ غَنَمَهُ.» وقِيلَ نَزَلَتْ في المِقْدادِ مَرَّ بِرَجُلٍ في غُنَيْمَةٍ فَأرادَ قَتْلَهُ فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

فَقَتَلَهُ وقالَ: ودَّ لَوْ فَرَّ بِأهْلِهِ ومالِهِ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ إيمانِ المُكْرَهِ وأنَّ المُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ وأنَّ خَطَأهُ مُغْتَفَرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)

{يا أيها الذين آمنوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله} سرتم في طريق الغزو

{فَتَبَيَّنُواْ} فتثبتوا حمزة وعلي وهما من التفعل بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوكوا فيه {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام} السلم مدني وشامي وحمزة وهما الاستسلام وقيل الإسلام وقيل التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام {لَسْتَ مُؤْمِناً} في موضع النصب بالقول وروي أن مرداس بن نهيك أسلم ولم يسلم من قومه غيره فغزتهم سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى منعرج من الجبل وصعد فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل وقال لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجدا شديدا وقتل قتلتموه إرادة ما معه ثم قرأ الآية على أسامة {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا} تطلبون الغنيمة التي هى حطام سريع النفاذ فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه والعرض المال سمى به لسرعة فنائه وتبتغون حال من ضمير الفاعل في تقولوا {فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} يغنّمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوذ به من التعرض له لتأخذوا ماله {كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ} أو ما دخلتم

النساء (٩٤ _ ٩٧)

في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم والكاف في كذلك حبر كان وقد تقدم عليها وعلى اسمها {فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ} بالاستقامة والاشتهار بالإيمان فافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم {فَتَبَيَّنُواْ} كرر الأمر بالتبين ليؤكد عليهم {إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ شُرُوعٌ في التَّحْذِيرِ عَمّا يُوجِبُ النَّدَمَ مِن قَتْلِ مَن لا يَنْبَغِي قَتْلُهُ.

﴿ إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ لِلْغَزْوِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّباقُ والسِّياقُ ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ أيْ: فاطْلُبُوا بَيانَ الأمْرِ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ ولا تَعْمَلُوا فِيهِ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ورَوِيَّةٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وخَلَفٌ (فَتَثَبَّتُوا) أيْ: فاطْلُبُوا ثَباتَ الأمْرِ ولا تَعْجَلُوا فِيهِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في (إذا) مِن مَعْنى الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ غَزَوْتُمْ فَتَبَيَّنُوا، ﴿ ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ ﴾ أيْ: حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، ومُقابِلُها تَحِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ كَأنْعَمِ صَباحًا، وحَيّاكَ اللَّهُ تَعالى.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، وأهْلُ الشّامِ (السَّلَمَ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ (السِّلْمَ) بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ، ومَعْناهُ في القِراءَتَيْنِ الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ، وبِهِ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ السَّلامَ أيْضًا في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، واللّامُ - عَلى ما قالَ السَّمِينُ -: لِلتَّبْلِيغِ، والماضِي بِمَعْنى المُضارِعِ، و(مَن) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والمُرادُ النُّهْيُ عَمّا هو نَتِيجَةٌ لِتَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ، وتَعْيِينُ مادَّةٍ مُهِمَّةٍ مِنَ المَوادِّ الَّتِي يَجِبُ فِيها التَّبْيِينِ والتَّثْبِيتِ، وتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ؛ لِأنَّ عَدَمَ التَّبْيِينِ كانَ فِيهِ لا لِأنَّهُ لا يَجِبُ إلّا فِيهِ، والمَعْنى لا تَقُولُوا لِمَن أظْهَرَ لَكم ما يَدُلُّ عَلى إسْلامِهِ: ﴿ لَسْتَ مُؤْمِنًا ﴾ وإنَّما فَعَلْتَ ذَلِكَ خَوْفَ القَتْلِ، بَلِ اقْبَلُوا مِنهُ ما أظْهَرَ وعامِلُوهُ بِمُوجِبِهِ.

ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وأبِي جَعْفَرٍ القارِّي أنَّهم قَرَءُوا (مُؤَمَّنًا) بِفَتْحِ المِيمِ الثّانِيَةِ أيْ: مَبْذُولًا لَكَ الأمانُ ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيْ: تَطْلُبُونَ مالَهُ الَّذِي هو حُطامٌ سَرِيعُ الزَّوالِ، وشِيكُ الِانْتِقالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (تَقُولُوا) مُشْعِرًا بِما هو الحامِلُ لَهم عَلى العَجَلَةِ، والنَّهْيُ راجِعٌ إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ القَيْدِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ الضِّمْنِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَبْتَغُوا ذَلِكَ العَرَضَ القَلِيلَ الزّائِلَ؛ فَإنَّ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وفي مَقْدُورِهِ (مَغانِمُ كَثِيرَةٌ) يُغَنِّمُكُمُوها فَيُغْنِيكم عَنْ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ المُقَيَّدِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ مِنهُ رَدُّ إيمانِ المُلْقِي لِظَنِّهِمْ أنَّ الإيمانَ العاصِمَ ما ظَهَرَتْ عَلى صاحِبِهِ دَلائِلُ تُواطِئُ الباطِنَ والظّاهِرَ، ولَمْ تَظْهَرْ فِيهِ، واسْمُ الإشارَةِ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والفاءُ في فَـ(مَنَّ) لِلْعَطْفِ عَلى (كُنْتُمْ) وقُدِّمَ خَبَرُها لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ المُشابِهَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَرُدُّوا إيمانَ مَن حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، و(تَقُولُوا): إنَّهُ لَيْسَ بِإيمانٍ عاصِمٍ، ولا يُعَدُّ المُتَّصَفُ بِهِ مُؤْمِنًا مَعْصُومًا لِظَنِّكُمُ اشْتِراطَ التَّواطُؤِ في العِصْمَةِ، ومُجَرَّدُ التَّحِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّكم كُنْتُمْ أنْتُمْ في مُبادِئِ إسْلامِكم مِثْلَ هَذا المُلْقِي في عَدَمِ ظُهُورِ شَيْءٍ لِلنّاسِ مِنكم غَيْرَ ما ظَهَرَ مِنهُ لَكم مِنَ التَّحِيَّةِ ونَحْوِها، ولَمْ يَظْهَرْ مِنكم ما تَظُنُّونَهُ شَرْطًا مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّواطُؤِ، ومُجَرَّدُ أنَّ الدُّخُولَ في الإسْلامِ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم بِأنْ قَبِلَ ذَلِكَ مِنكُمْ، ولَمْ يَأْمُرْ بِالفَحْصِ عَنْ تَواطُؤِ ألْسِنَتِكم وقُلُوبِكُمْ، وعَصَمَ بِذَلِكَ دِمائَكم وأمْوالَكُمْ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ (فَتَبَيَّنُوا) هَذا الأمْرَ، ولا تَعْجَلُوا، وتَدَبَّرُوا؛ لِيَظْهَرَ لَكم أنَّ ظاهِرَ الحالِ كافٍ في الإيمانِ العاصِمِ، حَيْثُ كَفى فِيكم مِن قَبْلُ، وأُخِّرَ هَذا التَّعْلِيلُ -عَلى ما قِيلَ -: لِما فِيهِ مِن نَوْعِ تَفْصِيلٍ، رُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ المُقارَنَةِ بَيْنَ التَّعْلِيلِ السّابِقِ وبَيْنَ ما عُلِّلَ بِهِ، أوْ لِأنَّ في تَقْدِيمِ الأوَّلِ إشارَةٌ ما إلى مَيْلِ القَوْمِ نَحْوَ ذَلِكَ العَرَضِ، وأنَّ سُرُورَهم بِهِ أقْوى، فَفي تَقْدِيمِهِ تَعْجِيلٌ لِمَسَرَّتِهِمْ، وفِيهِ نَوْعُ حَطٍّ عَلَيْهِمْ، رَفَعَ اللَّهُ تَعالى قَدْرَهم ورَضِيَ المَوْلى عَزَّ شَأْنُهُ عَنْهُمْ، أوْ لِأنَّهُ أوْضَحُ في التَّعْلِيلِ الأخِيرِ، وأسْبَقُ لِلذِّهْنِ مِنهُ، ولَعَلَّهُ لَمْ يُعْطَفْ أحَدُ التَّعْلِيلَيْنِ عَلى الآخَرِ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّهُما تَعْلِيلا شَيْءٍ واحِدٍ، أوْ أنَّ مَجْمُوعَهُما عِلَّةٌ، وقِيلَ: مُوافَقَةً لِما عُلِّلَ بِهِما مِنَ القَيْدِ والمُقَيَّدِ حَيْثُ لَمْ يَتَمايَزا بِالعَطْفِ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ يُعْطَفْ لِأنَّ الأوَّلَ تَعْلِيلٌ لِلنِّهْيِ الثّانِي بِالوَعْدِ بِأمْرٍ أُخْرَوِيٍّ؛ لِأنَّ المَعْنى: لا تَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ ثَوابًا كَثِيرًا في الآخِرَةِ، أعَدَّهُ لِمَن لَمْ يَبْتَغِ ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الثَّوابِ بِالمَغانِمِ مُناسِبَةً لِلْمَقامِ، والتَّعْلِيلُ الثّانِي لِلنَّهْيِ الأوَّلِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ في الآيَةِ ما رَدَّهُ شَيْخُ الإسْلامِ بِما يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ.

وقالَ بَعْضُ النّاسِ فِيها: إنَّ المَعْنى كَما كانَ هَذا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ مُسْتَخْفِيًا بِدِينِهِ في قَوْمِهِ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ مِنهم كُنْتُمْ أنْتُمْ مُسْتَخِفِينَ بِدِينِكم حَذَرًا مِن قَوْمِكم عَلى أنْفُسِكُمْ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم بِإظْهارِ دِينِهِ وإعْزازِ أهْلِهِ حَتّى أظْهَرْتُمُ الإسْلامَ بَعْدَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَهُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم أوْ (تَبَيَّنُوا) أمْرَ مَن تَقْتُلُونَهُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا - وإنْ كانَ بَعْضُهُ مَرْوِيًّا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ - غَيْرُ وافٍ بِالمَقْصُودِ.

عَلى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا مُسْتَخِفِينَ بِدِينِهِمْ حَذَرًا مِن قَوْمِهِمْ في حَيِّزِ المَنعِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ كَوْنَ البَعْضِ كانَ مُسْتَخْفِيًا كافٍ في الخِطابِ، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى القَوْمَ عَنْ قَتْلِ مَن ذُكِرَ أخْبَرَهم بَعْدُ بِأنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ قَبِلَ تَوْبَتَهم عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ المُنْكَرِ، ثُمَّ أعادَ الأمْرَ بِالتَّبَيُّنِ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ، أوْ أمَرَ بِتَبْيِينِ نِعْمَتِهِ سُبْحانَهُ شُكْرًا لِما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ، وهو كَما تَرى.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ الآيَةِ، فَأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ حُمَيْدٍ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««مَرَّ رَجُلٌ مِن بَنِي سُلَيْمٍ بِنَفَرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  وهو يَسُوقُ غَنَمًا لَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقالُوا: ما سَلَّمَ عَلَيْنا إلّا لِيَتَعَوَّذَ مِنّا، فَعَمَدُوا لَهُ فَقَتَلُوهُ، وأتَوْا بِغَنَمِهِ النَّبِيَّ  - فَنَزَلَتْ»».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  سَرِيَّةً عَلَيْها أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ إلى بَنِي ضَمْرَةَ، فَلَقُوا رَجُلًا مِنهم يُدْعى مِرْداسَ بْنَ نَهِيكٍ مَعَهُ غُنَيْمَةٌ لَهُ وجَمَلٌ أحْمَرُ، فَآوى إلى كَهْفِ جَبَلٍ، واتَّبَعَهُ أُسامَةُ، فَلَمّا بَلَغَ مِرْداسٌ الكَهْفَ وضَعَ فِيهِ غَنَمَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَشَدَّ عَلَيْهِ أُسامَةُ فَقَتَلَهُ مِن أجْلِ جَمَلِهِ وغُنَيْمَتِهِ، وكانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسُلِّمَ - إذا بَعَثَ أُسامَةَ أحَبَّ أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ خَيْرًا، ويَسْألَ عَنْ أصْحابِهِ، فَلَمّا رَجَعُوا لَمْ يَسْألْهم عَنْهُ، فَجَعَلَ القَوْمُ يُحَدِّثُونَ النَّبِيَّ  ويَقُولُونَ يا رَسُولَ اللَّهِ: لَوْ رَأيْتَ أُسامَةَ وقَدْ لَقِيَهُ رَجُلٌ فَقالَ الرَّجُلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَشَدَّ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وهو مُعْرِضٌ عَنْهُمْ، فَلَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى أُسامَةَ فَقالَ: كَيْفَ أنْتَ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ؟!

فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّما قالَها مُتَعَوِّذًا يَتَعَوَّذُ بِها، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ فَنَظَرْتَ إلَيْهِ؟!

ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ».

وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ قَتَلَهُ أبُو الدَّرْداءِ، وذَكَرَ مِن قِصَّتِهِ مِثْلَ ما ذُكِرَ مِن قِصَّةِ أُسامَةَ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ تَحِيَّةِ الإسْلامِ عَلى هَذا مَعَ أنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ والزَّجْرِ، والتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِ خَطَئِهِمْ بِبَيانِ أنَّ التَّحِيَّةَ كانَتْ في المَكافَّةِ والِانْجِزارِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِصاحِبِها، فَكَيْفَ وهي مَقْرُونَةٌ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ وسِياقِها عَلى صِحَّةِ إيمانِ المُكْرَهِ، وأنَّ المُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ، وأنَّ خَطَأهُ مُغْتَفَرٌ، وجْهُ الدَّلالَةِ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ مَعَ ظَنِّ القاتِلِينَ أنَّ إسْلامَ مَن ذُكِرَ لِخَوْفِ القَتْلِ، وهو إكْراهُ مَعْنًى أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَتَلَهُ فَلَوْلا صِحَّةُ إسْلامِهِ لَمْ يُنْكِرْ، ووَجْهُ الدَّلالَةِ عَلى الثّانِي أنَّهُ أمَرَ فِيها بِالتَّبْيِينِ المُشْعِرِ بِأنَّ العَجَلَةَ خَطَأٌ.

ووَجْهُ الدَّلالَةِ عَلى الثّالِثِ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّياقِ وعَدَمِ الوَعِيدِ عَلى تَرْكِ التَّبْيِينِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ لا عُذْرَ في تَرْكِ التَّثَبُّتِ في مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ، وأنَّ المُخْطِئَ آثِمٌ، واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ الحَسَنِ، «أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ذَهَبُوا يَتَطَرَّقُونَ، فَلَقُوا ناسًا مِنَ العَدُوِّ فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَهَزَمُوهُمْ، فَشَدَّ رَجُلٌ مِنهم فَتَبِعَهُ رَجُلٌ يُرِيدُ مَتاعَهُ، فَلَمّا غَشِيَهُ بِالسِّنانِ قالَ: إنِّي مُسْلِمٌ، إنِّي مُسْلِمٌ، فَأوْجَرَهُ بِالسِّنانِ فَقَتَلَهُ، وأخَذَ مُتَيِّعَهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -لِلْقاتِلِ: «أقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قالَ: إنِّي مُسْلِمٌ؟!

قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما قالَها مُتَعَوِّذًا، قالَ: أفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟!

قالَ: لِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

قالَ: لِتَعْلَمَ أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ، قالَ: كُنْتُ عالِمَ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: إنَّما كانَ يُبَيِّنُ عَنْهُ لِسانُهُ، إنَّما كانَ يُعَبِّرُ عَنْهُ لِسانُهُ» قالَ: فَما لَبِثَ القاتِلُ أنْ ماتَ، فَحَفَرَ لَهُ أصْحابُهُ فَأصْبَحَ وقَدْ وضَعَتْهُ الأرْضُ، ثُمَّ عادُوا فَحَفَرُوا لَهُ فَأصْبَحَ وقَدْ وضَعَتْهُ الأرْضُ إلى جَنْبِ قَبْرِهِ، قالَ الحَسَنُ: فَلا أدْرِي كَمْ قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  : دَفَنّاهُ؟

مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، كُلُّ ذَلِكَ لا تَقْبَلُهُ الأرْضُ، فَلَمّا رَأيْنا الأرْضَ لا تَقْبَلُهُ أخَذْنا بِرِجْلِهِ فَألْقَيْناهُ في بَعْضِ تِلْكَ الشِّعابِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ».

وفِي رِوايَةِ عَبْدِ الرَّزّاقِ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: ««إنَّ الأرْضَ أبَتْ أنْ تَقْبَلَهُ، فَألْقُوهُ في غارٍ مِنَ الغِيرانِ،» ووَجْهُ الدَّلالَةِ في هَذا عَلى الإثْمِ ظاهِرٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا القاتِلَ لَعَلَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِكَوْنِ المَقْتُولِ غَيْرَ مَقْبُولٍ في الإسْلامِ عِنْدَهُ، بَلْ لِأمْرٍ آخَرَ، واعْتَذَرَ بِما اعْتَذَرَ كاذِبًا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ  ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وجَماعَةٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي حَدْرَدٍ الأسْلَمِيِّ قالَ: «بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ  إلى إضَمٍ، فَخَرَجْتُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فِيهِمْ أبُو قَتادَةَ الحَرْثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، ومُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ بْنِ قَيْسٍ اللَّيْثِيُّ، فَخَرَجْنا حَتّى إذا كُنّا بِبَطْنِ إضَمٍ مَرَّ بِنا عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ الأشْجَعِيُّ عَلى قَعُودٍ مَعَهُ مُتَيِّعٌ لَهُ ووَطْبٌ مِن لَبَنٍ، فَلَمّا مَرَّ بِنا سَلَّمَ عَلَيْنا بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، فَأمْسَكْنا عَنْهُ، وحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ لِشَيْءٍ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَقَتَلَهُ وأخَذَ مُتَيِّعَهُ، فَلَمّا قَدِمْنا رَسُولَ اللَّهِ  وأخْبَرْناهُ الخَبَرَ نَزَلَ فِينا القُرْآنُ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلَخْ».

والظّاهِرُ أنَّ الرَّجُلَ المُبْهَمَ في خَبَرِ الحَسَنِ هو هَذا الرَّجُلُ المُصَرَّحُ بِهِ في هَذا الخَبَرِ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ القَتْلَ كانَ لِشَيْءٍ كانَ في القَلْبِ مِن ضَغائِنَ قَدِيمَةٍ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا هو الظّاهِرُ لِما في خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ مُحَلِّمَ بْنَ جَثّامَةَ لَمّا رَجَعَ جاءَ النَّبِيَّ  في بُرْدَيْنِ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -لِيَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَقالَ: غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ، فَقامَ وهو يَتَلَقّى دُمُوعَهُ بِبُرْدَيْهِ، فَما مَضَتْ ساعَةٌ حَتّى ماتَ، ودَفَنُوهُ فَلَفَظَتْهُ الأرْضُ، فَجاءُوا النَّبِيَّ  فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: «إنَّ الأرْضَ تَقْبَلُ مَن هو شَرٌّ مِن صاحِبِكم ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ أنْ يَعِظَكُمْ» ثُمَّ طَرَحُوهُ بَيْنَ صَدَفَيْ جَبَلٍ، وألْقَوْا عَلَيْهِ الحِجارَةَ،» فَإنَّ الَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ اتِّحادُ القِصَّةِ.

واعْتُرِضَ عَلى القَبُولِ بِعَدَمِ الوَعِيدِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ يُسْتَفادُ مِنهُ الوَعِيدُ، أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ بِكُلِّ ما تَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والخَفِيَّةِ وبِكَيْفِيّاتِها، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ التَّثْبِيتُ وتَرْكُهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا مُطَّلِعًا أتَمَّ اطِّلاعٍ، فَيُجازِيكم بِحَسَبِ ذَلِكَ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ (أنَّ) عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لِـ(تَبَيَّنُوا) أوْ عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي يقول إذا خرجتم وصرتم في الجهاد فَتَبَيَّنُوا نزلت الآية في شأن أسامة بن زيد، لقي رجلاً يقال له مرداس فقال له مرداس: لا إله إلا الله.

وسلم عليهم وقال: السلام عليكم إني مؤمن، فقتله أسامة ولم يصدقه بأنه مسلم، فأخبر بذلك رسول الله  فقال له رسول الله  : «أَقَتَلْتَ رَجُلاً يَقُولُ لا إله إلا الله» ؟

فقال أسامة: إنه قال بلسانه دون قلبه فقال  : «هَلاَّ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ» فقال أسامة: استغفر لي فقال له: «فَكَيْفَ لَكَ بلا إله إلا الله» .

ثلاث مرات.

ثم استغفر له الرابعة، وأمره بأن يعتق رقبة.

وروى شهر بن حوشب عن جندب بن سفيان، عن رجل من بجيلة قال: كنت عند رسول الله  إذ جاءه بشير من السرية فأخبره بالفتح وقال: يا رسول الله  ، بينما نحن نطلب القوم وقد هزمهم الله تعالى، فقصدت رجلاً بالسيف، فلما أحس أن السيف واقع به فقال إني مسلم فقتلته، فقال له رسول الله  : «أَقَتَلْتَ مُسْلِماً!» فقال: يا رسول الله أنه قال متعوّذا فقال  : «أَفَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ!» فقال يا رسول الله: استغفر لي فقال: «لاَ أَسْتَغْفِرُ لَكَ» .

فمات الرجل فدفنوه، ثم أصبح على وجه الأرض ثم دفنوه، ثم أصبح على وجه الأرض ثلاث مرات، فلما رأى ذلك قومه استحيوا وحزنوا، فحملوه وألقوه في شعب من تلك الشعاب فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا أي قفوا وانظروا من تقتلون.

قرأ حمزة والكسائي فَتَثَبَّتُوا بالثاء، وقرأ الباقون فَتَبَيَّنُوا بالباء، فمن قرأ بالثاء فهو من التثبت يقول: قفوا ولا تعجلوا في الأمر حتى يتبين لكم الكافر من المسلم.

ومن قرأ بالباء فهو من التبين ومعناهما قريب.

ثم قال تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً قرأ أبو عمرو وعاصم وابن كثير والكسائي: السَّلامَ بالألف.

وقرأ نافع وابن عامر وحمزة السلم بغير ألف.

وأما من قرأ السَّلامَ فلأن مرداساً قال لهم: السلام عليكم.

وأما من قرأ السلم فهو الدخول والانقياد والمتابعة، يعني إن انقاد لكم وتابعكم فلا تقولوا له لست مؤمناً، وأسلم واستسلم بمعنى واحد، أي دخل في الانقياد.

كما تقول: أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء، وأربع إذا دخل في الربيع.

ثم قال: تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وذلك أن الرجل كانت معه غنيمة حين قتلوه، وأخذوا ما كان معه من الغنيمة، فعيّرهم الله تعالى بطمعهم في المال.

ثم قال: فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ أي عند الله ثواب كثير في الآخرة لمن اتقى، ويقال: غنائم كثيرة في الدنيا، فاطلبوا من حيث أذن لكم وأبيح لكم.

ثم قال تعالى: كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ أي هكذا كنتم من قبل الهجرة بمنزلة مرداس، تأمنون في قومكم بالتوحيد من أصحاب رسول الله  ، ولا تخيفوا أحداً، وكنتم تأمنون بمثله قبل هجرتكم فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالهجرة ويقال: هكذا كنتم يعني كنتم تكتمون إيمانكم من قبل، ويقال: أي كنتم كفاراً، فمنَّ الله عليكم بالإسلام.

ثم قال تعالى: فَتَبَيَّنُوا أي قفوا وانظروا في أمركم لكي لا تقتلوا مؤمناً، فصارت الآية عامة لجميع السرايا إذا دخلوا دار الحرب ينبغي أن يتبينوا لكي لا يقتلوا مؤمناً.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً أي عالماً بكم وبأعمالكم.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ...

الآية: تقُولُ:

ضَرَبْتُ في الأرضِ إذا سرْتَ لتجارةٍ أو غَزْوٍ، أو غيره، مقترنةً ب «في» ، وضربْتُ الأرْضَ، دون «فِي» إذا قصَدتَّ قضاء الحاجَةِ.

وقال ص: ضربتم، أي: سافرتم.

قال ع «١» : وسببُ هذه الآية أنَّ سريَّةً مِنْ سرايا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لقيَتْ رجُلاً له جَمَلٌ، ومُتَيَّعٌ «٢» ، وقيلَ: غُنَيْمَةٌ، فسلَّم على القَوْمِ، وقال: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَحَمَلَ علَيْهِ أحدُهُمْ، فَقَتَلَهُ، واختلف في تَعْيين القَاتِلِ والمَقْتُولِ في هذه النازلة، والذي عليه الأكثر، وهو في سِيَر ابْنِ إسحَاقَ، وفي مُصنَّفِ أبي دَاوُد وغيرهما أنَّ القاتِلَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ «٣» ، والمقتولَ عَامِرُ بن الأَضْبطِ «٤» ، ولا خلافَ أنَّ الذي لَفَظَتْهُ الأرْضُ، حِينَ مات، هو مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَة «٥» ، وقرأ جمهورُ السَّبْعة: «فَتََبَيَّنُوا» ، وقرأ «٦» حمزة والكسائيُّ: «فَتَثَبَّتُوا» (بالثاء المثلَّثة) في الموضعَيْن هنا، وفي «الحجرات» ، وقرأ «٧» نافع

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ  بَعَثَ سَرِيَّةً فِيها المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ، فَلَمّا أتَوُا القَوْمَ، وجَدُوهم قَدْ تَفَرَّقُوا، وبَقِيَ رَجُلٌ لَهُ مالٌ كَثِيرٌ لَمْ يَبْرَحْ، فَقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَأهْوى إلَيْهِ المِقْدادُ فَقَتَلَهُ.

فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ: أقَتَلْتَ رَجُلًا يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؟

لَأذْكُرَنَّ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ  ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ  قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ رَجُلًا شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقَتَلَهُ المِقْدادُ، فَقالَ: ادْعُوا لِيَ المِقْدادَ فَقالَ: يا مِقْدادُ أقَتَلْتَ رَجُلًا قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَكَيْفَ لَكَ بِـ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ" غَدًا!

قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهِ عَلَيْكم فَتَبَيَّنُوا ﴾ فَقالَ: رَسُولُ اللَّهِ  لِلْمِقْدادِ: كانَ رَجُلًا مُؤْمِنًا يُخْفِي إيمانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفّارٍ، فَأظْهَرَ إيمانَهُ فَقَتَلْتَهُ؟

وكَذَلِكَ كُنْتَ تُخْفِي إيمانَكَ بِمَكَّةَ قَبْلُ.» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي سَلِيمٍ مَرَّ عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، ومَعَهُ غَنَمٌ، فَسَلَّمَ، فَقالُوا: ما سَلَّمَ عَلَيْكُمُ إلّا لِيَتَعَوَّذَ [مِنّا]، فَعَمَدُوا إلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وأخَذُوا غَنَمَهُ، فَأتَوْا بِها رَسُولَ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: «أنَّ قَوْمًا مِن أهْلِ مَكَّةَ سَمِعُوا بِسَرِيَّةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ أنَّها تُرِيدُهم فَهَرَبُوا، وأقامَ رَجُلٌ مِنهم كانَ قَدْ أسْلَمَ، يُقالُ لَهُ: مِرْداسُ، وكانَ عَلى السَّرِيَّةِ رِجْلٌ يُقالُ لَهُ: غالِبُ بْنُ فَضالَةَ، فَلَمّا رَأى مِرْداسُ الخَيْلَ، كَبَّرَ، ونَزَلَ إلَيْهِمْ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، واسْتاقَ غَنَمَهُ، ورَجَعُوا إلى النَّبِيِّ  فَأخْبَرُوهُ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ  مِن ذَلِكَ وجَدًا شَدِيدًا، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ أُسامَةُ أمِيرَ السَّرِيَّةِ.

والرّابِعُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَ أبا حَدْرَدِ الأسْلَمِيَّ، وأبا قَتادَةَ، ومُحْلِمَ بْنَ جَثّامَةَ في سَرِيَّةٍ إلى إضْمٍ، فَلَقُوا عامِرَ بْنَ الأضْبَطِ الأشْجَعِيَّ، فَحَيّاهم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحْلِمُ بْنُ جَثّامَةَ، فَقَتْلَهُ، وسَلْبَهُ بَعِيرًا وسِقاءً.

فَلَمّا قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ  ، أخْبَرُوهُ، فَقالَ: أقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قالَ آَمَنتُ؟!

ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ ابْنُ أبِي حَدْرِدٍ عَنْ أبِيهِ.

فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقَوْلُهُ ﴿ إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ: سِرْتُمْ وغَزَوْتُمْ.

وَقَوْلُهُ (فَتَبَيَّنُوا) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٍ، وابْنُ عامِرٍ: فَتَبَيَّنُوا بِالنُّونِ مِنَ التَّبْيِينِ لِلْأمْرِ قَبْلَ الإقْدامِ عَلَيْهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (فَتَثْبَّتُوا) بِالثّاءِ مِنَ الثَّباتِ وتَرْكِ الِاسْتِعْجالِ، وكَذَلِكَ قَرَؤُوا في (الحُجُراتِ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ: "السَّلامُ" بِالألِفِ مَعَ فَتْحِ السِّينِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: التَّسْلِيمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: الِاسْتِسْلامِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وخَلْفٌ، وجِبِلَّةُ، عَنِ المُفَضَّلِ، عَنْ عاصِمٍ: "السَّلَمُ" بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وهو مِنَ الِاسْتِسْلامِ.

وقَرَأ أبانُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ السِّينِ وإسْكانِ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، و "السَّلَمُ": الصُّلْحُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَسْتَ مُؤْمِنًا، بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةَ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وأبُو جَعْفَرَ: بِفَتْحِ المِيمِ مِنَ الأمانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ و "عَرْضُها": ما فِيها مِن مالٍ، قَلَّ أوْ كَثُرَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِهِ: ما غَنِمُوهُ مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي قَتَلُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ثَوابُ الجَنَّةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها أبْوابُ الرِّزْقِ في الدُّنْيا، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: كَذَلِكَ كُنْتُمْ تَأْمَنُونَ مَن قَوْمِكُمُ المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، فَلا تُخِيفُوا مَن قالَها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كَذَلِكَ كُنْتُمْ تُخْفُونَ إيمانَكم بِمَكَّةَ كَما كانَ هَذا يُخْفِي إيمانَهُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ مُشْرِكِينَ، قالَهُ مَسْرُوقٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ في الَّذِي مَنَّ بِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الهِجْرَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إعْلانُ الإيمانِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: الإسْلامُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومَسْرُوقٌ.

والرّابِعُ: التَّوْبَةُ عَلى الَّذِي قَتَلَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللهِ عَلَيْكم فَتَبَيَّنُوا إنَّ اللهِ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ تَقُولُ العَرَبُ: "ضَرَبْتُ في الأرْضِ" إذا سِرْتَ لِتِجارَةٍ أو غَزْوٍ أو غَيْرِهِ مُقْتَرِنَةً بِـ "فِي"، وتَقُولُ: "ضَرَبْتُ الأرْضَ" دُونَ "فِي" إذا قَصَدْتَ قَضاءَ حاجَةِ الإنْسانِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لا يَخْرُجِ الرَجُلانِ يَضْرِبانِ الغائِطَ يَتَحَدَّثانِ كاشِفَيْنِ عن فَرْجَيْهِما فَإنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلى ذَلِكَ".» وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ سَرِيَّةً مِن سَرايا رَسُولِ اللهِ لَقِيَتْ رَجُلًا لَهُ جَمَلٌ ومَتِيعٌ، وقِيلَ: غَنِيمَةٌ، فَسَلَّمَ عَلى القَوْمِ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أحَدُهم فَقَتَلَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللهِ ونَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ.» واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ القاتِلِ والمَقْتُولِ في هَذِهِ النازِلَةِ -فالَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ- وهو في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ، وفي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ، وغَيْرِهِما: أنَّ القاتِلَ: مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ، والمَقْتُولَ: عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ.

والحَدِيثُ بِكَمالِهِ في "المُصَنَّفِ" لِأبِي داوُدَ، وفي السِيَرِ، وفي الِاسْتِيعابِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: القاتِلُ: أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، والمَقْتُولُ: مِرْداسُ بْنُ نَهْيِكٍ الغَطَفانِيُّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: القاتِلُ: أبُو قَتادَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: القاتِلُ: غالِبٌ اللَيْثِيُّ، والمَقْتُولُ مِرْداسٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: القاتِلُ هو أبُو الدَرْداءِ، ولا خِلافَ أنَّ الَّذِي لَفِظَتْهُ الأرْضُ حِينَ ماتَ هو مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ "فَتَبَيَّنُوا" وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَتَثَبَّتُوا" بِالثاءِ مُثَلَّثَةً في المَوْضِعَيْنِ وفي [الحُجُراتِ].

وقالَ قَوْمٌ: "تَبَيَّنُوا" أبْلَغُ وأشَدُّ مِن "تَثَبَّتُوا"، لِأنَّ المُتَثَبِّتَ قَدْ لا يَتَبَيَّنُ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: هُما مُتَقارِبانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ ما قالَ أبُو عُبَيْدٍ، لِأنَّ تَبَيُّنَ الرَجُلِ لا يَقْتَضِي أنَّ الشَيْءَ بانَ لَهُ، بَلْ يَقْتَضِي مُحاوَلَةَ اليَقِينِ، كَما أنَّ تَثَبَّتَ تَقْتَضِي مُحاوَلَةَ اليَقِينِ، فَهُما سَواءٌ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ طُرُقِهِ: "السَلَمَ" بِتَشْدِيدِ السِينِ وفَتْحِهِ وفَتْحِ اللامِ، ومَعْناهُ: الِاسْتِسْلامُ، أيْ: ألْقى بِيَدِهِ واسْتَسْلَمَ لَكُمْ، وأظْهَرَ دَعْوَتَكُمْ، وقَرَأ بَقِيَّةُ السَبْعَةِ: "السَلامَ"، يَقُولُ: سَلَّمَ ذَلِكَ المَقْتُولُ عَلى السَرِيَّةِ، لِأنَّ سَلامَهُ بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ مُؤْذِنٌ بِطاعَتِهِ وانْقِيادِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الِانْحِيازُ والتَرْكُ، قالَ الأخْفَشُ، يُقالُ: "فُلانٌ سَلامٌ" إذا كانَ لا يُخالِطُ أحَدًا، ورُوِيَ في بَعْضِ طُرُقِ عاصِمٍ: "السِلْمَ" بِكَسْرِ السِينِ وشَدِّهِ وسُكُونِ اللامِ، وهو الصُلْحُ، والمَعْنى المُرادُ بِهَذِهِ الثَلاثَةِ يَتَقارَبُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "السَلْمَ" بِفَتْحِ السِينِ وسُكُونِ اللامِ.

والعَرَضُ: هو المَتِيعُ والجَمَلُ، أوِ الغَنِيمَةُ الَّتِي كانَتْ لِلرَّجُلِ المَقْتُولِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وأبُو حَمْزَةَ، واليَمانِيُّ: "لَسْتَ مُؤْمَنًا" بِفَتْحِ المِيمِ، أيْ: لَسْنا نُؤَمِّنُكَ في نَفْسِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ عِدَةٌ بِما يَأْتِي بِهِ اللهُ عَلى وجْهِهِ، ومِن حِلِّهِ دُونَ ارْتِكابِ مَحْظُورٍ، أيْ: فَلا تَتَهافَتُوا.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ ﴾ ، فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْناهُ: كُنْتُمْ مُسْتَخْفِينَ مِن قَوْمِكم بِإسْلامِكُمْ، خائِفِينَ مِنهم عَلى أنْفُسِكُمْ، فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكم بِإعْزازِ دِينِكُمْ، وإظْهارِ شَرِيعَتِكم.

فَهو الآنَ كَذَلِكَ، كُلُّ واحِدٍ مِنهم خائِفٌ مِن قَوْمِهِ، مُتَرَبِّصٌ أنْ يَصِلَ إلَيْكُمْ، فَلَمْ يَصْلُحْ إذا وصَلَ أنْ تَقْتُلُوهُ حَتّى تَتَبَيَّنُوا أمْرَهُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَذَلِكَ كُنْتُمْ كَفَرَةً، فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكم بِأنْ أسْلَمْتُمْ، فَلا تُنْكِرُوا أنْ يَكُونَ هو كافِرًا ثُمَّ يُسْلِمَ لِحِينِهِ حِينَ لَقِيَكُمْ، فَيَجِبُ أنْ يُتَثَبَّتَ في أمْرِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إشارَةً بِـ "ذَلِكَ" إلى القَتْلِ قَبْلَ التَثَبُّتِ، أيْ: عَلى هَذِهِ الحالِ كُنْتُمْ في جاهِلِيَّتِكم لا تَتَثَبَّتُونَ، حَتّى جاءَ اللهُ بِالإسْلامِ، ومَنَّ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ وكَّدَ تَبارَكَ وتَعالى الوَصِيَّةَ بِالتَبَيُّنِ، وأعْلَمَ أنَّهُ خَبِيرٌ بِما يَعْمَلُهُ العِبادُ، وذَلِكَ مِنهُ خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ تَحْذِيرًا مِنهُ تَعالى، لِأنَّ المَعْنى إنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، فاحْفَظُوا نُفُوسَكُمْ، وجَنِّبُوا الزَلَلَ المُوبِقَ بِكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي خوطب به المؤمنون، استقصاء للتحذير من قتل المؤمن بذكر أحواللٍ قد يُتساهَل فيها وتعرِض فيها شبهٌ.

والمناسبة ما رواه البخاري، عن ابن عبّاس، قال: كان رجل في غُنَيْمَة له فلَحقِه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غُنَيْمَتُه، فأنزل الله في ذلك هذه الآية.

وفي رواية وقال: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله.

وفي رواية أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حمل ديته إلى أهله وردّ غُنَيْمتَه واختلف في اسم القاتل والمقتول، بعد الاتّفاق على أنّ ذلك كان في سريّة، فروى ابن القاسم، عن مالك: أنّ القاتل أسَامة بن زيد، والمقتول مِرْدَاس بن نَهِيك الفَزَاري من أهل فَدَكَ، وفي سيرة ابن إسحاق أنّ القاتل مُحلَّم من جَثامة، والمقتول عامر بن الأضْبط.

وقيل: القاتل أبو قتادة، وقيل أبو الدرداء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وبّخ القاتل، وقال له: " فَهَلاّ شققت عن بَطْنه فعلمتَ ما في قلبه ".

ومخاطبتهم ب ﴿ أيها الذين آمنوا ﴾ تلوّح إلى أنّ الباعث على قتل من أظهر الإسلام منهي عنه، ولو كان قصْد القاتل الحرصَ على تحقَّق أنّ وصف الإيمان ثابت للمقتول، فإنّ هذا التحقّق غيرُ مراد للشريعة، وقد ناطت صفة الإسلام بقول: «لا إله إلاّ الله محمد رسول الله» أو بتحية الإسلام وهي «السلام عليكم».

والضرب: السير، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ﴾ في سورة آل عمران (156).

وقوله: في سبيل الله ظرف مستقرٌ هو حال من ضمير ﴿ ضربتم ﴾ وليس متعلّقاً ب«ضربتم» لأنّ الضرب أي السيّر لا يكون على سبيل الله إذ سبيل الله لقب للغزو، ألا ترى قوله تعالى: ﴿ وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزىًّ ﴾ الآية.

والتبيّن: شدّة طلب البيان، أي التأمّل القويّ، حسبما تقتضيه صيغة التفعّل.

ودخول الفاء على فِعل «تبيّنوا» لما في (إذا) من تضمّن معنى الاشتراط غالباً.

وقرأ الجمهور: ﴿ فتبيّنوا ﴾ بفوقية ثم موحّدة ثم تحتيّة ثم نون من التبيّن وهو تفعّل، أي تثبّتوا واطلبوا بيان الأمور فلا تعجلوا فتتّبعوا الخواطر الخاطفة الخاطئة.

وقرأه حمزة، والكسائي، وخَلف: ﴿ فتثبّتوا ﴾ بفاء فوقية فمثلّثة فموحّدة ففوقيّة بمعنى اطلبوا الثابت، أي الذي لا يتبدّل ولا يحتمل نقيض ما بَدَا لَكم.

وقوله: ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لستَ مؤمناً ﴾ قرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، وخلف «السَّلَم» بدون ألف بعد اللام وهو ضدّ الحرْب، ومعنى ألقى السلَم أظهره بينكم كأنّه رماه بينهم، وقرأ البقية «السَّلام» بالألف وهو مشترك بين معنى السلم ضدّ الحرب، ومعنى تحية الإسلام، فهي قول: السلام عليكم، أي من خاطبَكم بتحية الإسلام علامةً على أنّه مسلم.

وجملة ﴿ لست مؤمناً ﴾ مَقول ﴿ لا تقولوا ﴾ .

وقرأ الحمهور: ﴿ مؤمناً ﴾ بكسر الميم الثانية بصيغة اسم الفاعل، أي لا تنْفوا عنه الإيمان وهو يظهره لكم، وقرأه ابن وردان عن أبي جعفر بفتح الميم الثانية بصيغة اسم المفعول، أي لا تقولوا له لست مُحصّلاً تأمينَنَا إياك، أي إنّك مقتولا أو مأسُور.

و ﴿ عرض الحياة ﴾ : متاح الحياة، والمراد به الغنيمة فعبّر عنها ب ﴿ عرض الحياة ﴾ تحقيراً لها بأنّها نفع عارض زائل.

وجملة ﴿ تبتغون ﴾ حالية، أي ناقشتموه في إيمانه خشيَة أن يكون قصَد إحراز ماله، فكان عدمُ تصديقه آئلاً إلى ابتغاء غنيمة ماله، فأوخذوا بالمآل.

فالمقصود من هذا القيد زيادة التوبيخ، مع العلم بأنّه لو قال لمن أظهر الإسلام: لستَ مؤمناً، وقتَله غير آخذ منه مالاً لكان حكمه أوْلى ممّن قصَد أخذ الغنيمة، والقيد ينظر إلى سبب النزول، والحكمُ أعّم من ذلك.

وكذلك قوله: ﴿ فعند الله مغانم كثيرة ﴾ أي لم يحصر الله مغانمَكم في هذه الغَنيمة.

وزاد في التوبيخ قوله: ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ أي كنتم كفّاراً فدخلتم الإسلام بكلمة الإسلام، فلو أنّ أحداً أبى أن يصدّقكم في إسلامكم أكان يُرضيكم ذلك.

وهذه تربية عظيمة، وهي أن يستشعر الإنسان عند مؤاخذته غيره أحْوالاً كان هو عليها تساوي أحوال مَن يؤاخذه، كمؤاخذة المعلّم التلميذ بسوء إذا لم يقصّر في إعمال جهده.

وكذلك هي عظة لمن يمتحنون طلبة العلم فيعتادون التشديد عليهم وتطلّب عثراتهم، وكذلك ولاة الأمور وكبار الموظّفين في معاملة من لنظرهم من صغار الموظّفين، وكذلك الآباء مع أبنائهم إذا بلغت بهم الحماقة أن ينتهروهم على اللعب المعتاد أو على الضجر من الآلام.

وقد دلّت الآية على حكمة عظيمة في حفظ الجامعة الدينية، وهي بثّ الثقة والأمان بين أفراد الأمّة، وطرح ما من شأنه إدخال الشكّ لأنّه إذا فتح هذا الباب عسر سَدّه، وكما يتّهم المتّهمُ غيرَه فللغير أن يتّهم مَن اتّهمه، وبذلك ترتفع الثقة، ويسهل على ضعفاء الإيمان المروق، إذ قد أصبحت التهمة تُظلّ الصادق والمنافق، وانظر معاملة النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين معاملة المسلمين.

على أنّ هذا الدين سريع السريان في القلوب فيكتفي أهله بدخول الداخلين فيه من غير مناقشة، إذ لا يلبثون أن يألفوه، وتخالط بشاشتُه قلوبَهم، فهم يقتحمونه على شكّ وتردّد فيصير إيماناً راسخاً، وممّا يعين على ذلك ثقة السابقين فيه باللاحقين بهم.

ومن أجل ذلك أعاد الله الأمرَ فقال: ﴿ فتبَيّنوا ﴾ تأكيداً ل (تبينّوا) المذكورِ قبْله، وذيَّله بقوله: ﴿ إنّ الله كان بما تعملون خبيراً ﴾ وهو يجمع وعيداً ووعداً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ﴾ الآيَةَ.

قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في «رَجُلٍ كانَتْ مَعَهُ غُنَيْماتٌ لَقِيَتْهُ سَرِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَ لَهُمُ: السَّلامُ عَلَيْكم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَبَدَرَ إلَيْهِ بَعْضُهم فَقَتَلَهُ، فَلَمّا أتى رَسُولَ اللَّهِ  قالَ لَهُ: (لِمَ قَتَلْتَهُ وقَدْ أسْلَمَ؟

قالَ: إنَّما قالَها تَعَوُّذًا، قالَ: (هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ ثُمَّ حَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ  دِيَتَهُ إلى أهْلِهِ ورَدَّ عَلَيْهِمْ غَنَمَهُ).» واخْتُلِفَ في قاتِلِهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ المِقْدادُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أبُو الدَّرْداءِ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ الأشْجَعِيُّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

والخامِسُ: هو مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ اللَّيْثِيُّ.

وَيُقالُ: إنَّ القاتِلَ لَفِظَتْهُ الأرْضُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إنَّ الأرْضَ لَتَقْبَلُ مَن هو شَرٌّ مِنهُ ولَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ لَكم عِبْرَةً، ثُمَّ أمَرَ بِأنْ تُلْقى عَلَيْهِ الحِجارَةُ)» .

﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ كُفّارًا مِثْلَهم.

﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي بِالإسْلامِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لحق ناس من المسلمين رجلاً معه غنيمة له فقال: السلام عليكم.

فقتلوه وأخذوا غنيمته، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ﴾ إلى قوله: ﴿ عرض الحياة الدنيا ﴾ قال: تلك الغنيمة.

قال: قرأ ابن عباس ﴿ السلام ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والترمذي وحسنه وعبد بن حميد وصححه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: «مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنماً له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوّذ منا، فعمدوا له فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم الحرث بن ربعي أبو قتادة، ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن أضم، مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، معه متيع له وقطب من لبن، فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه، فقتله وأخذ بعيره ومتاعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن إسحاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبغوي في معجمه من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي حدرد الأسلمي عن أبيه نحوه، وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقتلته بعدما قال: آمنت بالله؟!فنزل القرآن» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محلم بن جثامة مبعثاً، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر له فقال: «لا غفر الله لك» .

فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت به ساعة حتى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له فقال: «إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم» ، ثم طرحوه في جبل وألقوا عليه الحجارة، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم...

﴾ الآية.

واخرج البزار والدارقطني في الأفراد والطبراني عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله.

فأهوى إليه المقداد فقتله.

فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله؟!

والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد.

فقال: «ادعوا إليَّ المقداد، فقال: يا مقداد أقتلت رجلاً يقول لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله غداً؟» فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ﴾ إلى قوله: ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: «كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فاظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر قال: أنزلت هذه الآية ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ﴾ في مرداس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان الرجل يتكلم بالإسلام، ويؤمن بالله والرسول، ويكون في قومه، فإذا جاءت سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بها حيه- يعني قومه- وأمام الرجل لا يخاف المؤمنين من أجل أنه على دينهم، حتى يلقاهم فيلقي إليهم السلام، فيقولون: لست مؤمناً وقد ألقى السلم فيقتلونه، فقال الله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ﴾ إلى ﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ يعني تقتلونه إرادة أن يحل لكم ماله الذي وجدتم معه، وذلك عرض الحياة الدنيا فإن عندي مغانم كثيرة، والتمسوا من فضل الله.

وهو رجل اسمه مرداس خلى قومه هاربين من خيل بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليها رجل من بني ليث اسمه قليب حتى إذا وصلت الخيل سلّم عليهم فقتلوه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله بديته، ورد إليهم ماله، ونهى المؤمنين عن مثل ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ﴾ قال: هذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً عليهم غالب الليثي إلى أهل فدك، وبه ناس من غطفان، وكان مرداس منهم.

ففر أصحابه فقال مرداس: إني مؤمن وعلى متبعكم.

فصبحته الخيل غدوة، فلما لقوه سلم عليهم مرداس، فتلقاه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوه، وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنزل الله في شأنه ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً ﴾ لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، وبها يحيي بعضهم بعضاً.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله...

﴾ الآية.

قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضمرة، فلقوا رجلاً منهم يدعى مرداس بن نهيك معه غنم له وجمل أحمر، فلما رآهم أوى إلى كهف جبل واتبعه أسامة، فلما بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه ثم أقبل إليهم فقال: السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فشد عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خير ويسأل عنه أصحابه، فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدثون النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون: يا رسول الله لو رأيت أسامة ولقيه رجل فقال الرجل: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشد عليه فقتله وهو معرض عنهم، فلما أكثروا عليه رفع رأسه إلى أسامة فقال: «كيف أنت ولا إله إلا الله؟» فقال: يا رسول الله إنما قالها متعوذاً تعوذ بها.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه...

!» فأنزل الله خبر هذا، وأخبر إنما قتله من أجل جمله وغنمه، فذلك حين يقول ﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ فلما بلغ ﴿ فمن الله عليكم ﴾ يقول: فتاب الله عليكم، فحلف أسامة أن لا يقاتل رجلاً يقول لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن الحسن أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبوا يتطرقون، فلقوا أناساً من العدو فحملوا عليهم فهزموهم، فشد رجل منهم فتبعه رجل يريد متاع، فلما غشيه بالسنان قال: إني مسلم، إني مسلم.

فأوجره السنان فقتله وأخذ متيعه، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقاتل: «أقتلته بعد أن قال إني مسلم؟!» يا رسول الله إنما قالها متعوّذاً.

قال: «أفلا شققت عن قلبه؟» قال: لمَ يا رسول الله؟

قال: «لتعلم أصادق هو أو كاذب!» قال: وكنت عالم ذلك يا رسول الله؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما كان يعبر عنه لسانه، إنما كان يعبر عنه لسانه» .

قال: فما لبث القاتل أن مات، فحفر له أصحابه، فأصبح وقد وضعته الأرض، ثم عادوا فحفروا له، فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره.

قال الحسن: فلا أدري كم قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كم دفناه، مرتين أو ثلاثة، كل ذلك لا تقبله الأرض، فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجليه فألقيناه في بعض تلك الشعاب، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيَّنوا ﴾ أهل الإسلام إلى آخر الآية.

قال الحسن: أما والله ما ذاك أن تكون الأرض تجن من هو شر منه، ولكن وعظ الله القوم أن لا يعودوا.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طريق معمر عن قتادة في قوله: ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً ﴾ قال: «بلغني أن رجلاً من المسلمين أغار على رجل من المشركين، فحمل عليه فقال له المشرك: إني مسلم أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المسلم بعد أن قالها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال للذي قتله: أقتله وقد قال لا إله إلا الله؟!

فقال وهو يعتذر: يا نبي الله إنما قال متعوّذاً وليس كذلك.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فهلا شققت عن قلبه!

ثم مات قاتل الرجل فقبر، فلفظته الأرض، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يقبروه، ثم لفظته حتى فعل ذلك به ثلاث مرات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الأرض أبت أن تقبله فألقوه في غار من الغيران.

قال معمر: وقال بعضهم: إن الأرض تقبل من هو شر منه، ولكن الله جعله لكم عبرة» .

وأخرج ابن جرير من طريق أبي الضحى عن مسروق.

أن قوماً من المسلمين لقوا رجلاً من المشركين ومعه غنيمة له، فقال: السلام عليكم، إني مؤمن.

فظنوا أنه يتعوّذ بذلك فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله: ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ تلك الغنيمة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: «خرج المقداد بن الأسود في سرية بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمروا برجل فيه غنيمة له، فقال: إني مسالم.

فقتله ابن الأسود، فلما قدموا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ قال: الغنيمة» .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: نزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء، فذكر من قصة أبي الدرداء نحو القصة التي ذكرت عن أسامة بن زيد، ونزل القرآن ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ﴾ فقرأ.

..

حتى بلغ إلى قوله: ﴿ إن الله كان بما تعلمون خبيراً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً ﴾ قال: راعي غنم لقيه نفر من المؤمنين فقتلوه وأخذوا ما معه، ولم يقبلوا منه السلام عليكم إني مؤمن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً ﴾ قال: حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن يشهد أن لا إله إلا الله لست مؤمناً كما حرم عليهم الميتة، فهو آمن على ماله ودمه، فلا تردوا عليه قوله.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن أبي رجاء والحسن.

أنهما كانا يقرآن «ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم» بكسر السين.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد وأبي عبد الرحمن السلمي.

أنهما كانا يقرآن ﴿ لمن ألقى إليكم السلام ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ قال: تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه.

وفي لفظ: تكتمون إيمانكم من المشركين ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ فأظهر الإسلام، فاعلنتم إيمانكم ﴿ فتبينوا ﴾ قال: وعيد من الله مرتين.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ قال: كنتم كفاراً حتى منّ الله عليكم بالإسلام وهداكم له.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مسروق ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ لم تكونوا مؤمنين.

وأخرج عبد بن حميد عن النعمان بن سالم أنه كان يقول: نزلت في رجل من هذيل.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ فتبينوا ﴾ بالياء.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أسامة قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا الله فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال لا إله إلا الله وقتلته؟!

قلت: يا رسول الله إنما قالها فرقاً من السلاح.

قال: ألا شققت عن قلبه حتى تعلم قالها أم لا..

!

فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يؤمئذ» .

وأخرج ابن سعد عن جعفر بن برقان قال: حدثنا الحضرمي رجل من أهل اليمامة قال: «بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أسامة بن زيد على جيش.

قال أسامة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أحدثه فقلت: فلما انهزم القوم أدركت رجلاً فأهويت إليه بالرمح، فقال: لا إله إلا الله فطعنته فقتلته.

فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ويحك يا أسامة..

!

فكيف لك بلا إله إلا الله؟

ويحك يا أسامة..

!

فكيف لك بلا إله إلا الله؟

فلم يزل يرددها علي حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته واستقبلت الإسلام يومئذ جديداً، فلا والله أقاتل أحداً قال لا إله إلا الله بعدما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج ابن سعد عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: قال أسامة بن زيد: لا أقاتل رجلاً يقول لا إله إلا الله أبداً.

فقال سعد بن مالك: وأنا- والله- لا أقاتل رجلاً يقول لا إله إلا الله أبداً.

فقال لهما رجل: ألم يقل الله ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ﴾ [ البقرة: 193] فقالا: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله.

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن عقبة بن مالك الليثي قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، فغارت على قوم، فأتبعه رجل من السرية شاهراً فقال الشاذ من القوم: إني مسلم، فلم ينظر فيما قال فضربه فقتله، فنمي الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال فيه قولاً شديداً، فبلغ القاتل.

فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ قال القاتل: والله ما قال الذي قال إلا تعوّذاً من القتل.

فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته ثم قال أيضاً: يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوّذاً من القتل.

فأعرض عنه وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته ثم لم يصبر فقال الثالثة: والله يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوّذاً من القتل.

فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرف المساءة في وجهه فقال: إن الله أبى عليّ لمن قتل مؤمناً ثلاث مراراً» .

وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن المقداد بن الأسود قال: قلت «يا رسول الله أرأيت إن اختلفت أنا ورجل من المشركين بضربتين فقطع يدي، فلما علوته بالسيف قال: لا إله إلا الله أضربه أم أدعه؟

قال: بل دعه.

قلت: قطع يدي!

قال: إن ضربته بعد أن قالها فهو مثلك قبل أن تقتله، وأنت مثله قبل أن يقولها» .

وأخرج الطبراني عن جندب البجلي قال: «إني لعند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه بشير من سريته، فأخبره بالنصر الذي نصر الله سريته، وبفتح الله الذي فتح لهم.

قال: يا رسول الله بينا نحن نطلب القوم وقد هزمهم الله تعالى، إذ لحقت رجلاً بالسيف، فلما خشي أن السيف واقعه، وهو يسعى ويقول: إني مسلم، إني مسلم.

قال: فقتلته...؟

فقال: يا رسول الله إنما تعوّذ.

فقال: فهلا شققت عن قلبه فنظرت أصادق هو أم كاذب؟!

فقال: لو شققت عن قلبه ما كان علمي هل قلبه إلا مضغة من لحم!

قال: لا ما في قلبه تعلم ولا لسانه صدقت قال: يا رسول الله استغفر لي.

قال: لا أستغفر لك.

فمات ذلك الرجل، فدفنوه فأصبح على وجه الأرض، ثم دفنوه فأصبح على وجه الأرض ثلاث مرات، فلما رأوا ذلك استحيوا وخزوا مما لقي، فاحتملوه فألقوه في شعب من تلك الشعاب» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ﴾ (١) (٢) قال ابن السكيت: يقال: ضربت في الأرض أبتغي الخير (٣) قال الزجاج: ومعنى ضربتم في الأرض أي سرتم وغزوتم (٤) قال ابن عباس في رواية الكلبي، وغيره من المفسرين: نزلت الآية في أسامة (٥)  قال لأسامة: "لم قتلته وقد أسلم؟

" قال: إنما قالها متعوذًا، فقال: "هلَّا شققت عن قلبه؟

" ثم حصل رسول الله  ديته إلى أهله، ورد عليهم غنمه (٦) وقوله تعالى: ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ .

وقرئ (فتثبتوا) (٧) "يقال: تبينت الأمر، أي تأملته وتوسمته، وقد تبين الأمر، يكون لازمًا وواقعًا" (٨) قال أبو عبيد في قوله  : ["ألا إن التبين من الله -جل ثناؤه-] (٩) (١٠) (١١) ﴿ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ﴾ وبعضهم: (فتثبتوا) (.........) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ ﴾ .

وقرئ (السلام) (١٧) أحدهما: أن يكون السلام الذي هو تحية المسلمين، أي لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية: إنما قالها تعوذًا، فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله، ولكن كفوا عنه، واقبلوا منه ما أظهره (١٨) والثاني: أن يكون المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم (وكف يده عنكم فلم يقاتلكم) (١٩) ﴿ لَسْتَ مُؤْمِنًا ﴾ (٢٠) (٢١) وأصل هذا من السلامة؛ لأن المعتزل طالب للسلامة.

ومن قرأ (السَّلَم) أراد الانقياد والاستسلام إلى المسلمين ومنه قوله: ﴿ وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ  ﴾ أي: استسلموا، ولما يراد منهم (٢٢) فأعلم الله عز وجل أن حق من ألقى السلام أن يُتبين أمره (٢٣) وكذا الحكم اليوم إذا دخل جيش المسلمين بلاد الحرب أن لا يتعرضوا لمن يُرى عليه سيما الإسلام، في سلام أو كلام (..

(٢٤) وقوله تعالى: ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ .

قال أبو عبيد: جميع متاع الدنيا عرَض، بفتح الراء، يقال: "إن الدنيا عرَض حاضر، يأخذ منها البر والفاجر (٢٥) والعرْض -بسكون الراء- ما سوى الدراهم والدنانير، فصار العرض من العرض، وليس كل عرض عرضًا (٢٦) قال بعض أهل اللغة: إنما سمي متاع الدنيا عرضًا؛ لأنه عارض زائل غير باق ثابت (٢٧) (٢٨) قال ابن عباس في هذه الآية: "يريد الغنائم" (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ .

يعني: ثوابًا كثيراً لمن ترك قتل من ألقى إليه السلم (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

قال الحسن وابن زيد: كنتم كفارًا مثلهم، فمن الله عليكم فهداكم (٣١) وهذا اختيار الزجاج، لأنه قال: أعلم الله أن كل من أسلم ممن كان كافرًا فبمنزلة هذا الذي تعود بالإسلام، فقال جل وعز ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ بالإسلام، وبأن قبل ذلك منكم على ما أظهرتم (٣٢) وظاهر قوله: ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ يوهم أن المقتول كان كافرًا، وليس الأمر على هذا، وإنما التشبيه وقع لحال كفرهم بحال كفر المقتول قبل إسلامه، ثم منَّ الله عليهم بالإسلام كما من على المقتول وقَبِلَ منه ظاهر الإسلام، فيجب أن يقبلوا هم بظاهر الإسلام، وفي هذا تبكيت بهم وتعيير لهم، حيث لم يقبلوا ما أظهره الذي قتلوه من الإسلام، إذ قيل لهم: أنتم كنتم مثله في الكفر، ثم قبل ظاهر الإسلام منًا من الله عليكم.

هذا قول واحد.

وقال سعيد بن جبير: "كذلك كنتم من قبل تستخفون بإيمانكم عن قومكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه عن قومه، فمنَّ الله عليكم بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم" (٣٣) والقول هو الأول، لأنه لا شك أنهم أسلموا بعد أن لم يكونوا مسلمين، فأما الاستخفاء فلم يكن عامًا فيهم كعموم الإسلام بعد أن لم يكونوا عليه.

وقال مقاتل: (كذلك كنتم من قبل (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا  ﴾ .

قال عطية العوفي: يقول: إنكم قتلتموه على ماله (٣٦) وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ تحذير وزجر عن الإضمار بخلاف الإظهار.

قال ابن عباس وغيره: ثم استغفر رسول الله  لأسامة، وأمره بعتق رقبة (٣٧) (١) بدأ تفسير هذِه الآية في صفحة (ب) لوحة (18) من المخطوط في أثناء الصفحة وقبله خمسة أسطر لتفسير الآية (93).

(٢) انظر: الطبري 5/ 221.

(٣) "تهذيب اللغة" 3/ 2102 (ضرب).

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 91.

(٥) هو أبو محمد أو أبو زيد، أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي حب رسول الله  وابن حبه، ولد في الإسلام، ومات النبي  وله عشرون سنة، كان عمر يجله ويكرمه.

توفي  سنة 54 هـ.

انظر: "الاستيعاب" 1/ 170، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 496، و"الإصابة" 1/ 31.

(٦) من طريق الكلبي في "الكشف والبيان" 4/ 104، و"معالم التنزيل" 2/ 268، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 93 بمعناه، وأخرجه من طريق العوفي عن ابن عباس الطبري 5/ 224، وعن السدي 9/ 78.

واسم هذا الرجل المقتول مرداس بن نُهيك.

وانظر: "بحر العلوم" 1/ 378، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 177.

ولهذا الحديث أصل في "صحيح مسلم" (96) كتاب: الإيمان، باب: تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله عن أسامة بن زيد قال: "بعثنا رسول الله  في سرية فصبحنا الحرقان من جيهنة فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا الله.

فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي  .

فقال رسول الله  :- "أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟

قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفًا من السلاح.

قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟!

" قال: فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ.

(٧) هذِه قراءة حمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون بالأولى: "فتبينوا" انظر: "الحجة" 3/ 173، و"المبسوط" ص 157، و"النشر" 2/ 251، و"تحبير التيسير" ص 105.

(٨) "تهذيب اللغة" 1/ 264 (بان).

(٩) ما بين القوسين قد طمست حروفه، والتسديد من "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 7، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 265 (بان).

(١٠) ما بين القوسين قد طمس حروفه في المخطوط، والتسديد من "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 227، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 265 (بان).

(١١) ما بين المعقوفين حصل عليه طمس، والتسديد من أبي عبيد في "غريب الحديث" 1/ 227.

وقد مر عزو القراءتين لمن قرأ بهما من العشرة.

(١٢) هنا لم تتضح بعض الكلمات في المخطوط بحدود نصف سطر تقريبًا، وعند أبي عبيد في "الغريب" 1/ 227 بعد قوله: "وبعضهم فتثبتوا" قال أبو عبيد: "والمعنى قريب بعضه من بعض".

(١٣) غير واضح في المخطوط بسبب التآكل وغيره بحدود ثلثي سطر.

(١٤) ما بين المعقوفين غير واضح في المخطوط، والتسديد من "الحجة" لأبي علي 3/ 174 لأن الكلام منه.

(١٥) "الحجة" 2/ 174.

(١٦) كلمة غير واضحة في المخطوط.

(١٧) قرأ بإثبات الألف ابن كثير وأبو عمرو وعاصم والكسائي ويعقوب، وقرأ الباقون بحذفها.

انظر: "السبعة" ص 236، و"الحجة" 3/ 175، 176، و"المبسوط" ص 158، و"النشر" 2/ 151.

(١٨) "الحجة" 3/ 176، 177، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 92، و"تهذيب اللغة" 2/ 1743 (سلم)، و"حجة القراءات" ص 209، و"الكشف" 1/ 395.

(١٩) ما بين القوسين جاء في "الحجة" 3/ 177 هكذا: "وكفوا أيديهم عنكم، ولم يقاتلوكم" ولعل ما عند المؤلف أصوب، لأن نهاية الكلام جاء بالإفراد.

(٢٠) "الحجة" 3/ 177، وانظر: "الكشف" 1/ 195.

(٢١) قول الأخفش من "الحجة" 3/ 177 ولم أقف عليه في كتابه "معاني القرآن".

وانظر: "الكشف" 1/ 395.

(٢٢) "الحجة" 3/ 177، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 92، و"حجة القراءات" ص == 209، و"الكشف" 1/ 395.

(٢٣) "معاني الزجاج" 2/ 92، و"حجة القراءات" ص 209.

(٢٤) غير واضح بسبب تآكل في المخطوط بقدر كلمة أو كلمتين، ولعلها: (بالأذى) أو (بالأخذ).

(٢٥) أشار في "اللسان" 5/ 2887 (عرض) إلى أن هذا القول يروى حديثًا.

ولم أقف عليه.

(٢٦) كلام أبي عبيد من "تهذيب اللغة" 3/ 2396 (عرض) بتصرف يسير، وانظر: القرطبي 5/ 340، و"اللسان" 5/ 2885 (عرض).

(٢٧) انظر: "المفردات" ص (331)، والقرطبي 5/ 339، و"عمدة الحفاظ" ص 353 (عرض).

(٢٨) انظر: المرجع السابق.

(٢٩) جاء معناه في أثر طويل عن ابن عباس أخرجه الطبري 5/ 223 من طريق العوفي، وأخرجه ابن أبي حاتم.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 356.

(٣٠) من "الكشف والبيان" 4/ 105 ب، وانظر: الطبري 5/ 221.

وقيل: غنائم كثيرة في الدنيا مما أذن الله فيه وأباحه.

انظر: "بحر العلوم" 1/ 379، و"زاد المسير" 2/ 172.

(٣١) أخرجه بنحوه عن ابن زيد الطبري 5/ 226، وانظر: "زاد المسير" 2/ 172، وأما عن الحسن فقد ذكره الهواري في "تفسيره" 1/ 413.

وقد ورد مثل هذا القول عن قتادة، ومسروق.

انظر: "زاد المسير" 2/ 172، و"الدر المنثور" 2/ 358 - 359.

(٣٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 92.

(٣٣) أخرجه الطبري 5/ 226، وأخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 359.

(٣٤) قول مقاتل في "تفسيره" 15/ 400: (كذلك) يعني هكذا (كنتم من قبل) الهجرة.

(٣٥) طمس وبياض بمقدار أربعة أسطر في المخطوط.

(٣٦) لم أقف عليه.

(٣٧) تقدم تخريج الأثر، لكن يشير فيه الأمر بالعتق.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خالدا ﴾ الآية: نزلت بسبب مِقْيَس بن صبابة كان قد أخذ دية أخيه هشام المقتول خطأ، ثم قتل رجلاً من القوم الذين قتلوا أخاه وارتدّ مشركاً، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله والمعتمد عند الجمهور هو الذي يقصد القتل بحديدة أو حجر أو عصا أو غير ذلك، وهذه الآية معطلة على مذهب الأشعرية وغيرهم ممن يقول: لا يخلد عصاة المؤمنين في النار، واحتج بها المعتزلة وغيرهم ممن يقول بتخليد العصاة في النار لقوله: خالداً فيها وتأولها الأشعرية بأربعة أوجه: أحدها: أن قالوا إنها في الكافر إذا قتل مؤمناً، والثاني: قالوا معنى المتعمد هنا المستحل للقتل، وذلك يؤول إلى الكفر، والثالث: قالوا الخلود فيها ليست بمعنى الدوام الأبدي، وإنما هو عبارة عن طول المدة، والرابع: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: 116] وأما المعتزلة فحملوها على ظاهرها ورأوا أنها ناسخة لقوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: 116]، واحتجوا على ذلك بقول زيد بن ثابت نزلت الشديدة بعد الهينة وبقول ابن عباس: الشرك والقتل من مات عليهما خلد، وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلاّ الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً» وتقتضي الآية وهذه الآثار أن للقتل حكماً يخصه من بين سائر المعاصي، واختلف الناس في القاتل عمداً إذا تاب، هل تقبل توبته أم لا؟

وكذلك حكى ابن رشد الخلاف في القاتل إذا اقتص منه هل يسقط عنه العقاب في الآخرة أم لا؟

والصحيح أنه يسقط عنه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصاب ذنباً فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة» وبذلك قال جمهور العلماء ﴿ ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ أي سافرتم في الجهاد ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ من البيان وقرأ حمزة والكسائي بالثاء المثلثة من الثبات والتفعل فيها بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر وثبوته ﴿ ألقى إِلَيْكُمُ السلام ﴾ بغير ألف أي انقاد وألقى بيده، وقرأ نافع وغيره السلام بمعنى التحية، ونزلت في سرية لقيت رجلاً فسلم عليهم، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان القاتل علم بن جثامة والمقتول عامر بن الأغبط، وقيل: القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس بن نهيك ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياوة الدنيا ﴾ يعني الغنيمة، وكان للرجل المقتول غنم ﴿ فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ وعد وتزهيد في غنيمة من أظهر الإسلام ﴿ كذلك كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ ﴾ قيل: معناه كنتم كفاراً فهداكم الله للإسلام، وقيل: كنتم تخفون إيمانكم من قومكم ﴿ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ ﴾ بالعزة والنصر حتى أظهرتموه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فتثبتوا ﴾ من التثبت وكذلك في الحجرات: حمزة وعلي وخلف.

والباقون ﴿ فتبيّنوا ﴾ من التبين ﴿ السلم ﴾ مقصوراً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة وخلف والمفضل وسهل.

الباقون بالألف.

﴿ غير ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي وخلف.

الباقون ﴿ غير ﴾ بالرفع ﴿ الذين توفاهم ﴾ مشددة التاء: البزي وابن فليح.

الوقوف: ﴿ إلاّ خطأ ﴾ ج ﴿ يصدقوا ﴾ ط لابتداء حكم آخر.

﴿ مؤمنة ﴾ ط لذلك ﴿ مؤمنة ﴾ ج ﴿ متتابعين ﴾ ز لاحتمال كون ﴿ توبة ﴾ مصدراً لفعل محذوف والأوجه كونه مفعولاً له.

﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ 5 ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ مؤمناً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً ﴿ الدنيا ﴾ ز لانقطاع النظم مع اتصال الفاء.

﴿ كثيرة ﴾ ط ﴿ فتبينوا ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ 5 ﴿ وأنفسهم ﴾ الأول ط ﴿ درجة ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ 5 لا لأن ما بعده بدل / ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ فيم كنتم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ فتهاجروا فيها ﴾ ط لتناهي الاستفهام بجوابه.

﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ 5 للاستثناء.

﴿ سبيلاً ﴾ 5 لا ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ 5 ﴿ وسعة ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ من الصلاة ﴾ ق والأصح أن شرط تغليب في المسافر ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ 5.

التفسير: لما لم يكن بد في مجاهدة الكفار من أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلاً يظنه كافراً حربياً فيقتله ثم يتبين أنه كان مسلماً، ذكر الله  حكم هذه الواقعة وأمثالها في هذه الآيات.

أما سبب النزول فقد روى عروة بن الزبير "أن حذيفة بن اليمان قاتل مع رسول الله  يوم أُحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار فضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول: إنه أبي فلم يفهموا قوله إلاّ بعد أن قتلوه.

فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.

فلما سمع الرسول  ذلك زاد وقع حذيفة عنده" ونزلت الآية.

وقيل: نزلت في أبي الدرداء؛ "وذلك أنه كان في سرية فعدل إلى شعب لحاجة له فوجد رجلاً في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال الرجل: لا إله إلاّ الله فقتله وساق غنمه.

ثم وجد في نفسه شيئاً فذكر الواقعة للرسول  فقال: هلا شققت عن قلبه؟

وندم أبو الدرداء" .

والذي عليه أكثر المفسرين ما ذكره الكلبي "أن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أسلم وخاف أن يظهر إسلامه فخرج هارباً إلى المدينة وذلك قبل هجرة رسول الله  فقدمها، ثم أتى أُطُماً من آطامها فتحصن فيه فجزعت أمه جزعاً شديداً وأقسمت لا تأكل ولا تشرب ولا يؤوبها سقف حتى يرجع.

فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة وكان أبو جهل أخا عياش لأمه، فأتياه وهو في ألأطم فقالا: انزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، وحلفت لا تأكل طعاماً ولا شراباً حتى ترجع إليها، ولم يزل يفتل منه أبو جهل في الذروة والغارب ويقول: أليس محمد يحثك على صلة الرحم؟

انصرف وبرّ بأمك وأنت على دينك حتى نزل فذهب معهما.

فلما أخرجاه من المدينة وأوثقاه بنسعة وجلده كل منهما مائة جلدة ثم قدما به على أمه فقالت: والله ما أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به.

ثم تركوه موثقاً في الشمس فأعطاهم بعض الذي أرادوا، فأتاه الحرث بن زيد وقال: يا عياش، والله لئن كان الذي كنت عليه هدى لقد تركت الهدى، وإن كان ضلالة فقد دخلت الآن فيه.

فغضب عياش من مقالته وقال له: هذا أخي - يعني أبا جهل - فمن أنت يا حارث؟

لله عليّ، إن وجدتك خالياً أن أقتلك.

ثم إن عياشاً أسلم بعد هجرة رسول الله  وهاجر إلى المدينة واسلم الحرث بعده وهاجر وليس عياش يومئذ حاضراً ولم يشعر بإسلامه، فبينما هو يسير بظهر قباء إذ لقي الحرث بن زيد، فلما رآه حمل عليه فقتله فقال الناس: أي شيء صنعت؟

إنه قد أسلم.

فرجع عياش إلى / رسول الله  فقال: كان من أمري وأمر الحرث ما علمت وإني لم اشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت" ﴿ وما كان لمؤمن ﴾ أي ما صح له ولا استقام، أو ما كان له فيما أتاه من ربه وعهد إليه، أو ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك.

والغرض بيان أن حرمه القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف ﴿ إلا خطأ ﴾ إلاّ لهذا العذر وبهذا السبب فيكون مفعولاً له، أو إلاّ في حال الخطأ أو إلاّ قتلاً خطأ.

قال أبو هاشم - وهو أحد رؤساء المعتزلة -: التقدير، وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً فيبقى مؤمناً إلا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذٍ مؤمناً.

﴿ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير ﴾ فعليه إعتاق ﴿ رقبة ﴾ أي نسمة مؤمنة.

والحر العتيق الكريم لأنّ الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العيبد ومنه عتاق الخيل والطير لكرامها، وحر الوجه أكرم موضع منه.

وعبر عن النسمة بالرقبة كما عبر عنها بالرأس في قولهم: "فلان يملك كذا رأساً من الرقيق".

﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ الدية من الودي كالشية من الوشي.

والأصل ودية وهي مخصوصة ببدل النفس دون سائر المتلفات، وقد تستعمل في بدل الأطراف والأعضاء والمراد بالأهل الورثة ﴿ إلاّ أن يصدقوا ﴾ أي يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد.

والتصدق الإعطاء والمراد ههنا العفو ومحله النصب على الظرف أو الحال والعامل.

﴿ مسلمة ﴾ أو عليه كأنه قيل: يجب عليه الدية أو يسلمها إلاّ زمان التصدق أو إلاّ متصدقين.

وههنا مسائل: الأولى القتل على ثلاثة أقسام: عمد وخطأ وشبه عمد.

اما العمد فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان جارحاً أو لم يكن.

وأما الخطأ فضربان: أحدهما أن يقصد رمي مشرك أو طائر فأصاب مسلماً، والثاني أن يظنه مشركاً بأن كان عليه شعار الكفار.

فالأول خطأ في الفعل، والثاني خطأ في القصد.

وأما شبه العمد فهو أن يضربه مثلاً بعصا خفيفة لا تقتل غالباً فيموت منه فهذا خطأ في القتل وإن كان عمداً في الضرب.

الثانية قال أبو حنيفة: القتل بالمثقل ليس بعمد محض بل هو خطأ أو شبه عمد فيكون داخلاً تحت الآية فيجب في الدية والكفارة ولا يجب فيه القصاص.

وقال الشافعي: إنه عمد محض يجب فيه القصاص حجة الشافعي أنه قتل عمد عدوان أما إنه قتل فبقوله تعالى لموسى: ﴿ وقتلت نفساً فنجيناك من الغم  ﴾ يعني القبطي إذ وكزه موسى فقضى عليه.

وأما أنه عمد عدوان فظاهر لأن من ضرب رأس الإنسان بحجر الرحى أو صلبه أو غرقه أو خنقه ثم قال ما قصدت قتله عد ماجنا، وإذا ثبت أنه قتل عمد عدوان فهو يوجب القصاص لقوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى  ﴾ وأن المقصود أن شرع القصاص صون الأرواح عن الإهدار والإهدار في المثقل كهو في المحدد، والعلم الضروري حاصل بأن التفاوت في آلة الإهدار غير معتبر.

حجة أبي حنيفة قوله  : " "ألا إِنَّ قتيل العمد / والخطأ قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل " هذا عام سواء كان السوط أو العصا صغيراً أو كبيراً، وأجيب بأن العصا والسوط يجب حملهما على الخفيف ليتحقق معنى الخطأ، فإن من ضرب رأس إنسان بقطعه جبل ثم قال: ما كنت أقصد قتله لم يعبأ بقوله.

الثالثة قال أبو حنيفة: القتل العمد لا يوجب الكفارة لأنه شرط في الآية أن يكون القتل خطأ، وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط.

وقال الشافعي: يوجبها لما روي أن واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله  في صاحب لنا أوجب النار بالقتل فقال: اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار.

وأيضاً نص الله  على الكفارة في قتل الصيد عمداً في الحرم وفي الإحرام فأوجبها على الخاطىء بالاتفاق، فههنا نص على الخاطىء فبأن نوجبه على العامد كان أولى لأنه لما أخرج نفساً مؤمنة عن جملة الإحياء عمداً لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار لأن إطلاقها من قبل الرق كاحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار كما أن الميت ممنوع من التصرف مطلقاً، ولتحقيق هذا المعنى أوجب أن تكون الرقبة كاملة الرق، وأن تكون سليمة عن عيب مخل بالعمل كهرم وعمى وجنون.

الرابعة قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي: لا تجزىء الرقبة إلاّ إذا صام وصلى لأنه تعالى أوجب تحرير الرقبة المؤمنة.

والإيمان إما التصديق وإما العمل وإما المجموع وعلى التقديرات فالكل فائت عن الصبي.

وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي: يجزىء الصبي إذا كان أحد أبويه مسلماً لأن حكمه حكم المؤمن.

الخامسة أنه  أوجب الدية في القرآن ولم يبين كيفيتها وإنما عرفت من السنة.

عن عمرو بن حزم "أن النبي  كتب إلى أهل اليمن أن في النفس مائة من الإبل" .

وهذه المائة إذا كان القتل خطأ مخمسة عشرون منها بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون جذعة وعشرون حقة.

وبه قال مالك لما روي عن ابن مسعود "أن النبي  قضى في دية الخطأ بمائة من الإبل" وفصلها كما ذكرنا.

وأبدل أبو حنيفة وأحمد أبناء اللبون بأبناء المخاض، لأن هذا الأقل متفق عليه والزائد منفي بالبراءة الأصلية.

وقال غيرهما: أبناء المخاض غير معتبرة في باب الزكاة فيجب أن لا تعتبر في الدية التي سببها أقوى من السبب الموجب للزكاة.

واتفقوا على أن الدية في العمد المحض مغلظة من ذلك التثليث في الإبل، وهو أن يكون ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها.

ومنه الحلول على قياس أبدال سائر المتلفات خلاف دية الخطأ فإنها مؤجلة الثلث في السنة الأولى، والثلث الآخر في السنة / الثانية، والباقي في السنة الثالثة، استفاض ذلك عن الخلفاء الراشدين ولم ينكره أحد فكان إجماعاً.

ومنه ثبوتها في ذمة الجاني لا تحملها العاقلة خلاف دية الخطأ فإنها تكون على العاقلة لما روي أن امرأتين من هذيل اقتتلنا فرمت إحداهما الأخرة بحجر، ويروى بعمود فسطاط.

فقتلتها فقضى رسول الله  بالدية على عاقلة القاتلة.

وهذه صورة شبه العمد، والتحمل في الخطأ أولى.

وجهات التحمل ثلاث: القراب والولاء وبيت المال، والقرابة يعني بها العصبة الذين هم على حاشية النسب وهم الإخوة وبنوهم.

وقال أبو حنيفة ومالك: يتحمل الآباء والبنون كغيرهم ويراعى الترتيب في العصبات فيقدم الأقرب فالأقرب، فإن كان فيهم وفاء إذا وزع عليهم لكثرتهم أو لقلة المال وإلاّ شاركهم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.

وقال أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج: الدية في الخطأ أيضاً تجب على القاتل كما أن تحرير الرقبة أيضاً عليه ويؤيده عطف الدية في الآية على التحرير.

وأيضاً الجناية صدرت عنه فلا يعقل تضمين غيره كما في سائر الإتلافات.

وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد غير جائز، وأجيب بإجماع الصحابة على ذلك.

السادسة مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل بإجماع المعتبرين من الصحابة، ولأن المرأة في الميراث وفي الشهادة نصف الرجل فكذلك في الدية.

وقال الأصم وابن علية: ديتها مثل دية الرجل لعموم قوله: ﴿ ومن قتل مؤمناً ﴾ .

السابعة إذا لم توجد الإبل فالواجب عند الشافعي في الجديد الرجوع إلى قيمة الإبل بالغة ما بلغت وإنما تقوم بغالب نقد البلد لما روي أن النبي  كان يقوّم الإبل على أهل القرى، فإذا غلت رفع قيمتها.

وإذا هانت نقص من قيمتها، وقال أبو حنيفة: الواجب حينئذ ألف دينار أو عشرة آلاف درهم وعند مالك الدراهم اثنا عشر ألفاً.

الثامنة لا فرق بين هذه الدية وبين سائر الأموال في أنه يقضي منها الدين وينفذ منها الوصية ويقسم الباقي بين الورثة على فرائض الله لما روي أن امرأة جاءت في أيام عمر تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: لا أعلم لك شيئاً إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه.

فشهد بعض الصحابة بأن رسول الله  أمر أن تورث الزوجة من دية زوجها فقضى عمر بذلك.

وعن ابن مسعود: يرث كل وارث من الدية غير القائل.

وعن شريك: لا يقضى من الدية دين ولا تنفذ وصية.

وعن ربيعة: الغرة لأم الجنين وحدها وهذا خلاف الجماعة.

واعلم أنّ الله  ذكر في هذه الآية أن من قتل مؤمناً خطأ فعليه تحرير الرقبة وتسليم الدية ثم قال: ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وسكت عن الدية.

فالسكوت عن إيجاب الدية في هذه الصورة مع ذكرها فيما قبلها وفيما بعدها وهو قوله: ﴿ وإن كان من قوم من بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ﴾ / يدل على عدم وجوب الدية ههنا.

ثم المعنيّ بقوله: ﴿ من قوم عدوّ لكم ﴾ إما أن يكون أن هذا المقتول من سكان دار الحرب أو أنه ذو نسب منهم مع أنه في دار الإسلام، والثاني باطل بالإجماع لأن قتل هذا المسلم يوجب الدية ألبتة فتعين الأول.

وإنما سقطت الدية لأن إيجاب الدية في قتل المسلم الساكن في دار الحرب محوج إلى أن يبحث الغازي عن كل شخص من أشخاص قطان دار الحرب هل هو من المسلمين أم لا، وذلك يوجب المشقة والنفرة عن الجهاد على أنه هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختيار السكنى فيهم.

وأما الكفارة فإنها حق الله  لأنه أهلك إنساناً مواظباً على طاعته فيلزمه إقامة آخر مقامه يمكنه المواظبة عليها.

أما قوله: ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ ففيه قولان: أحدهما أنّ المراد الذمي؛ فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب.

وعن الحسن هم المعاهدون ومنه الذمي؛ فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب.

وعن الحسن هم المعاهدون وثانيهما أن المراد منه المسلم لأنه عطف على قوله: ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم ﴾ والضمير فيه عائد إلى ما تقدم وهو المؤمن فكذا ههنا.

واعترض عليه بلزوم عطف الشيء على نفسه لأنّ المؤمن المقتول خطأ سواء كان من أهل الحرب أو من أهل الذمة داخل تحت قوله: ﴿ من قتل مؤمناً خطأ ﴾ إلاّ أنه أفرد المؤمن الساكن في دار الحرب لأن من حكمه سقوط ديته وههنا لا غرض في الإفراد فيكون تكراراً محضاً.

وأيضاً لو كان المراد ذلك لما كانت الدية مسلمة إلى أهله كفار لا يرثونه ولكان كونه منهم مبهماً مجملاً لأنه لا يدري أنه منهم في أي أمر من الأمور بخلاف ما لو حمل كونه منهم على الوصف الذي وقع التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما.

وأجيب بأنه لما أفرد حكم المؤمن المقتول في دار الحرب للغرض الذي ذكر، ثم أعاد ذكر المؤمن المقتول فيما بين المعاهدين تنصيصاً على الفرق بينه وبين ما قبله وتنبيهاً على التسوية بينه وبين المسلم المقتول في دار الإسلام.

وأما أهله فهم المسلمون الذين تصرف ديته إليهم، وأما الإبهام فيزول إذا جعل "من" بمعنى "في" كما في الآية المتقدمة عليه.

وههنا مسألة خلافية شرعية هي أن أبا حنيفة قال: دية الذمي مثل دية المسلم لقوله  : ﴿ وإن كان ﴾ أي المقتول ﴿ من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ﴾ وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثلث خمسها هكذا روي من قضاء الصحابة.

ولا يخفى أن استدلال أبي حنيفة لا يتم على الثاني من قول المفسرين في الآية، وعلى القول الأول أيضاً يجوز أن يكون المراد بالدية الثانية مقداراً مغايراً للأول، وههنا سؤال وهو أنه لم قدم تحرير الرقبة على الدية في الآية الأولى وفي الأخيرة عكس الترتيب؟

ويمكن أن يقال: الفائدة فيه أن يعلم أنه لا ترتيب / بين التحرير والدية، وأيضاً ليقع الافتتاح والاختتام بحق الله  .

ويترتب على التحرير قوله: ﴿ فمن لم يجد ﴾ أي رقبة بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها فعليه صيام شهرين متتابعين.

ومتى يعتبر الإعسار ليجوز له العدول إلى الصوم؟

الأصح عند الشافعي وقت الأداء، وعند بعضهم وقت الوجوب.

وأما الشهران فهما هلاليان ألبتة.

نعم لو ابتدأ في خلال الشهر تمم المنكسر ثلاثين.

والمراد بالتتابع أن لا يفطر يوماً منهما، فلو أفطر ولو بالمرض وجب الاستئناف إلاّ أن يكون الفطر بحيض أو نفاس، وعن مسروق أن الصوم بدل من مجموع الرقبة والدية ﴿ توبة من الله ﴾ أي شرع لكم ما شرع قبولاً من الله ورحمة منه من تاب الله عليه إذا قبل توبته.

ومعنى التوبة عن الخطأ أنه لا يخلو من ترك احتياط ومن ندم وأسف على ما فرط منه.

ويجوز أن يكون المعنى نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه أي تخفيفاً منه لأن التخفيف من لوازم التوبة.

﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأنه لم يقصد ولم يتعمد ﴿ حكيماً ﴾ محكم الفعل لا يؤاخذ الإنسان بما لا يختار ولا يتعمد.

وعند المعتزلة معنى الحكيم أن أفعاله واقعة على قانون الحكمة وقضية العدالة.

ثم لما ذكر حكم القتل الخطأ أردفه ببيان حكم القتل العمد وله أحكام وجوب الدية والكفارة عند غير أبي حنيفة ومالك والقصاص كما مر في البقرة، فلا جرم اقتصر ههنا على بيان ما فيه من الإثم والوعيد، ولا يخفى ما في الآية من التخويف والتهديد فلا جرم تمسكت الوعيدية بها في القطع بخلود الفاسق في النار.

وأجيب بوجهين: الأول إجماع المفسرين على أنها نزلت في كافر قتل مؤمناً.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أن مقيس بن ضبابة وجد أخاه قتيلاً في بني النجار وكان مسلماً، فأتى رسول الله  فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله  معه رسولاً من بني فهر وقال له: ائت بني النجار فاقرأهم السلام وقل لهم: إنّ رسول الله  يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن ضبابة أن تدفعوه إلى أخيه فيقتص منه، وإن لم تعلموا له قاتلاً أن تدفعوا إليه ديته، فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي  فقالوا: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلاً ولكنا نؤدي إليه ديته فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة وبينهما وبين المدينة قريب، فأتى الشيطان مقيساً فوسوس إليه فقال: أي شيء صنعت تقبل دية أخيك فيكون عليك مسبة؟

اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية.

فرمى الفهري بصخرة فشدخ رأسه ثم ركب بعيراً منها وساق بقتيها راجعاً إلى مكة كافراً وجعل يقول في شعره: *قتلت به فهراً وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارغ* *وأدركت ثأري واضطجعت مؤسداً * وكنت إلى الأوثان أول راجع" .

فنزلت الآية فيه ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ ثم أهدر النبي  دمه يوم فتح مكة فأدركه الناس بالسوق فقتلوه.

الوجه الثاني أنه يجوز عندنا أن يخلف الله وعيد المؤمنين فإن خلف الوعيد كرم.

وضعف الوجه الأول بأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبأن ما قبل الآية وما بعدها في نهي المؤمن عن قتل المؤمن فكذا هذه الآية، وبأن ترتيب الحكم علىالوصف المناسب مشعر بالعلية فيجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو مجرد القتل العمد، وبأن الكفر بالاستقلال موجب لهذا الوعيد فأي فائدة في ضم القتل إليه؟

وإذا لا أثر للقتل في هذه الصورة فيكون الكلام جارياً مجرى قول القائل "إنّ من تنفس لجزاؤه جهنم" وزيف الوجه الثاني بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر.

وإذا جاز الكذب فيه لغرض إظهار الكرم فلم لا يجوز في القصص والأخبار وغير ذلك لغرض المصلحة؟

وفتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع.

قال القفال: الآية تدل على أنّ جزاء القتل العمد هو ما ذكر.

وقد يقول الرجل لغيره: جزاؤك أني أفعل بك كذا إلاّ أني لا أفعله.

ولا يخفى ضعف هذا الجواب أيضاً لدلالة سائر الآيات كقوله: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به  ﴾ ﴿ ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره  ﴾ على أنه يوصل الجزاء إلى المستحقين، ولأن قوله: ﴿ وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً ﴾ صريح في أنه  سيفعل به ذلك لا سيما وقد أخبر عنه بلفظ الماضي ليعلم أنه كالواقع.

ولتأكد هذه المعاني نقل عن ابن عباس أن توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة.

وعن سفيان كان أهل العلم إذا سألوا قالوا: لا توبة له.

وحمله الجمهور على التغليظ والتشديد وإلاّ فكل ذنب ممحوّ بالتوبة حتى الشرك.

هذا عند المعتزلة، وعند الأشاعرة كل الذنوب يحتمل العفو إلاّ الشرك لقوله  : ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ .

ثم بالغ في تحريم قتل المؤمن فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ﴾ لتفعل ههنا بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوّكوا فيه عن غير روية ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ﴾ وهو والسلم بمعن الاستسلام، وقيل الإسلام، وقيل التحية يعني سلام أهل الإسلام.

قال السدي: "بعث رسول الله  أسامة بن زيد على سرية، فلقي مرداس بن نهيك رجلاً من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره وكان يقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله  ولم يهرب ثقة بإسلامه، فقتله أسامة واستاق غنماً كانت معه.

فلما قدم على رسول الله  اخبره فقال: قتلت رجلاً يقول لا إله إلاّ الله.

فقال: يا رسول الله إنما تعوذ من القتل.

فقال: كيف أنت إذا خاصمك يوم القيامة بلا إله إلاّ الله؟

قال: فما زال يردّدها عليّ أقتلت رجلاً وهو يقول لا إله إلاّ الله حتى تمنيت لو أنّ إسلامي / كان يومئذٍ فنزلت الآية" .

وقد روى الكلبي وقتادة مثل ذلك.

وقال الحسن: "إنّ أصحاب النبي  خرجوا يتطرّفون فلقوا المشركين فهزموهم فشذ منهم رجل فتبعه رجل من المسلمين وأراد متاعه، فلما غشيه بالسنان قال: إني مسلم فكذبه ثم أوجره السنان فقتله وأخذ متاعه وكان قليلاً، فرفع ذلك إلى النبي  فقال: قتلته بعد ما زعم أنه مسلم.

قال: يا رسول الله إنما قالها متعوّذاً.

قال: فهلاّ شققت عن قلبه؟

قال: لم؟

قال: لتنظر أصادق هو أم كاذب.

قال: وكنت أعلم ذلك يا رسول الله؟

قال: ويلك إنك لم تكن لتعلم ذلك إنما يبين عنه لسانه.

قال: فما لبث القاتل أن مات فدفن فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره.

قال: ثم عادوا فحفروا له فأمكنوا ودفنوه فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره مرتين أوثلاثاً.

فلما رأو أنّ الأرض لا تقبله ألقوا عليه الحجارة" .

قال الحسن: إنّ الأرض تجن من هو شر منه ولكن وعظ القوم أن لا يعودوا.

وعن سعيد بن جبير قال: "خرج المقداد بن الأسود في سرية فإذا هم برجل في غنيمة له فأرادوا قتله فقال: لا إله إلاّ الله.

فقتله المقداد.

فقيل له: أقتلته وقد قال لا إله إلاّ الله؟

فقال: ودّ لو فرّ بأهله وماله.

فلما قدموا على رسول الله  ذكروا ذلك له فنزلت" .

قال القفال: ولا منافاة بين هذه الروايات، فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته.

وعن أبي عبيدة قال: قال رسول الله  : "إذا أشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح " قال الفقهاء: توبة الزنديق مقبولة لإطلاق هذه الآية.

وقال أبو حنيفة: إسلام الصبي يصح لإطلاق الآية.

وقال الشافعي: لا يصح وإلاّ لوجب عليه لأنه لو لم يجب لكان ذلك إذناً في الكفر وهو غير جائز، لكنه غير واجب عليه لقوله  : " "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ " وقال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي أو النصراني أنا مؤمن أو مسلم لا يحكم بإسلامه لأنه يعتقد أن الإيمان والإسلام هو دينه.

ولو قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله  فلا يحصل الجزم بإسلامه لأنّ منهم من يقول إنه رسول العرب وحدهم ومنهم من يقول إنّ محمداً الذي هو الرسول الحق المنتظر بعد، فلا بد أن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل، وأن الدين الذي هو موجود فيما بين المسلمين حق.

﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ قال أبو عبيدة: جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء.

يقال: إنّ الدنيا عرض حاضر / يأخذ منها البر والفاجر، سمي عرضاً لأنه عارض زائل غير باقٍ، ومنه العرض لمقابل الجوهر لقلة ثباته كما قيل: العرض لا يبقى زمانين ﴿ فعند الله مغانم كثيرة ﴾ يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام متعوّذاً به لتأخذوا ماله.

وقيل: يريد ما أعدّ لعباده من حسن الثواب في الآخرة ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ اختلفوا في وجه الشبه فقال الأكثرون: يريد أنكم أول ما دخلتم في الإسلام سمعت منكم كلمة الشهادة فحقنت دمائكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بالاستقامة والاشتهار بالإيمان وأن صرتم أعلاماً فيه، فعيلكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام ما فعل بكم.

واعترض بأن لهم أن يقولوا ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء لأنا آمنا بالاختيار وهؤلاء أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر؟

وعن سعيد بن جبير: المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى إيمانه هذا الراعي عن قومه ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم.

وأورد عليه أن إخفاء الإيمان ما كان عاماً فيهم.

وفي التفسير الكبير: المراد أنكم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام فمنّ الله عليكم بتقوية ذلك الميل وتزايد نور الإيمان، فكذا هؤلاء قد حدث لهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم إيمانهم إلى أن تتكامل رغبتهم فيه.

وقيل: إنّ قوله: ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ منقطع عما تقدمه.

وذلك أن القوم لما نهاهم عن قتل من تكلّم بلا إله إلاّ الله ذكر أن الله من عليكم بأن قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر، ثم أعاد الأمر بالتبين مبالغة في التحذير، ثم حذر عن الإضمار خلاف الإظهار فقال: ﴿ إنّ الله كان بما تعملون خبيراً ﴾ وفيه من الوعيد ما فيه.

ولما عاتبهم الله  على ما صدر منهم وبدر عنهم كان مظنة أن يقع في قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد فذكر من فضل الجهاد ما يزيح علّتهم ويزيد رغبتهم، أو نقول: لما نهاهم عما نهاهم أتبعه فضيلة الجهاد ليبلغوا في الاحتراز عما يوجب خللاً في هذا المنصب الجليل فقال: ﴿ لا يستوي القاعدون ﴾ عن زيد بن ثابت قال: "كنت عند النبي  حين نزلت عليه: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ﴾ ولم يذكر ﴿ أولى الضرر ﴾ فقال ابن أم مكتوم: فكيف وأنا أعمى لا أبصر؟

قال زيد: فتغشّى النبي  في مجلسه الوحي فاتكأ على فخذي؛ فوالذي نفس بيده لقد ثقل عليّ حتى خشيت أن يرضها ثم سري عنه فقال: اكتب: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون ﴾ فكتبتها" .

رواه البخاري.

والمراد بالضرر النقصان سواء كان في البنية كعمى وعرج ومرض أو بسبب عدم الأهبة.

من قرأ ﴿ غير ﴾ بالنصب فعلى الاستثناء من القاعدين أو / على الحال عنهم، ومن قرأ بالرفع فعلى أنه صفة للقاعدين ويجوز أن يكون غير صفة للمعرفة كما سبق في تفسير ﴿ غير المغضوب عليهم  ﴾ وقرىء بالجر على أنه صفة للمؤمنين.

قال الزجاج: ويجوز أن يكون رفعأً على جهة الاستثناء والمعنى لا يستوي القاعدون والمجاهدين، إلاّ أولي الضرر فإنه يساوون المجاهدين بدليل قوله  عند انصرافه من بعض غزواته "لقد خلفتم بالمدينة أقوماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم العذر" وعنه  : " إذا مرض العبد قال الله  : اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ " .

ويعلم منه أن صحة النية وخلوص الطوية لها مدخل عظيم في قبول الأعمال.

وذكروا في معنى قوله: " نية المؤمن أبلغ من عمله " أنّ ما ينويه المؤمن أبلغ من عمله إذ ما ينويه المؤمن من دوامه على الإيمان والأعمال الصالحة لو بقي أبداً خير من عمله الذي أدركه في مدة حياته.

قيل: إنه قدّم ذكر النفس على المال في قوله: ﴿ إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم  ﴾ وههنا أخر لأنّ النفس أشرف من المال.

فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيهاً على أنّ الرغبة فيها أشد، والبائع أخر تنبيهاً على أنّ المماكسة فيها أشد فلا يرضى ببذلها، إلاّ في آخر الأمر.

وفائدة نفي الاستواء ومعلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان تبيين ما بينهما من التفاوت ليهتم القاعد للجهاد ويترفع بنفسه عن انحطاط مرتبته فيجاهد كقوله: ﴿ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون  ﴾ تحريكاً للجاهل لينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم.

ثم إن عدم الاستواء يحتمل الزيادة والنقصان فأوضح الحال بقوله: ﴿ فضل الله المجاهدين ﴾ كأنه قيل: مالهم لا يستوون؟

فأجيب بذلك.

وانتصب ﴿ درجة ﴾ على المصدر لأن الدرجة بدل على التفضيل.

وقيل: حال أي ذوي درجة.

وقيل: بنزع الخافض أي بدرحة.

وقيل: على الظرف أي في درجة ﴿ وكلا ﴾ وكل فريق من القاعدين والمجاهدين ﴿ وعد الله الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة.

قال الفقهاء: فيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية إذ لو كان واجباً على التعيين لم يكن القاعد أهلاً للوعد.

وانتصب ﴿ أجراً ﴾ بفضل لأنّ التفضيل يدل على الأجر.

وههنا سؤال وهو أنه لم ذكر أولاً درجة وثانياً درجات؟

وأجيب بأن اللام في قوله أوّلاً على القاعدين للعهد والمراد بهم أولو الضرر، وقوله ثانياً على القاعدين للأصحاء الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم لأن الغزو / فرض كفاية.

وقيل: المراد بالدرجة جنسها الذي يشمل الكثير بالنوع وهي الدرجات الرفيعة والمنازل الشريفة والمغفرة والرحمة.

وقيل: المراد بالدرجة والغنيمة في الدنيا، وبالدرجات مراتب الجنة.

قيل: المراد بالمجاهد الأول صاحب الجهاد الأصغر وهو الجهاد بالنفس والمال، وبالمجاهد الثاني صاحب الجهاد الأكبر وهو المجاهد بالرياضة والأعمال.

واستدلت الشيعة ههنا بأنّ علياً  أفضل من أبي بكر وغيره من الصحابة لأنه بالنسبة إليهم مجاهد وهم بالإضافة إليه قاعدون بما اشتهر من وقائعه وأيامه وشجاعته وحماسته.

أجاب أهل السنة بأنّ جهاد أبي بكر بالدعوة إلى الدين وهو الجهاد الأكبر وحين كان الإسلام ضعيفاً والاحتياج إلى المدد شديداً، وأما جهاد علي فإنما ظهر بالمدينة في الغزوات وكان الإسلام في ذلك الوقت قوياً.

والحق أنه لا تدل الآية إلاّ على تفضيل المجاهدين على القاعدين، أما على تفضيل المجاهدين بعضهم على بعض فلا.

قالت المعتزلة: ههنا قد ظهر من الآية أنّ التفاوت في الفضل بحسب التفاوت في العمل، فعلة الثواب هو العمل ولهذا سمي أجراً.

وأجيب بأنّ العمل على الثواب لكن لا لذاته بل يجعل الشاعر ذلك العمل موجباً له.

قالت الشافعية: الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح لأنّ قوله: ﴿ وفضل الله المجاهدين ﴾ عام يشمل الجهاد الواجب والمندوب وهو الزائد على قدر الكفاية، والمشتغل بالنكاح قاعد، فالاشتغال بالجهاد المندوب أفضل منه بالنكاح.

ثم لما ذكر ثواب المجاهدين أتبعه وعيد القاعدين الراضين بالسكون في دار الكفر فقال: ﴿ إنّ الذين توفاهم ﴾ وأنه يحتمل أن يكون ماضياً فيكون إخباراً عن حال قوم انقرضوا ومضوا.

عن عكرمة عن ابن عباس قال: "كانوا قوماً من المسلمين بمكة فخرجوا في قوم من المشركين في قتال فقتلوا معهم فنزلت الآية" .

ويحتمل أن يكون مستقبلاً بحذف إحدى التاءين فيكون الوعيد عاماً في كل من كان بهذه الصفة.

قال الجمهور: معنى ﴿ تتوفاهم ﴾ تقبض أرواحهم عند الموت.

ولا منافاة بينه وبين قوله: ﴿ الله يتوفّى الأنفس  ﴾ ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت  ﴾ لأنه  هو المتوفى والفاعل لكل الأشياء بالحقيقة إلاّ أن الرئيس المفوّض إليه هذا العمل ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه.

وعن الحسن: ﴿ توفاهم الملائكة ﴾ أي يحشرونهم إلى النار.

أما قوله: ﴿ ظالمي أنفسهم ﴾ فمنصوب على الحال عن مفعول توفي والإضافة فيه لفظية ولذا لم تفد تعريفاً فصح وقوعه حالاً.

والظلم قد يراد به الشرك ﴿ إنّ الشرك لظلم عظيم  ﴾ فالمراد أنهم ظالمون أنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة.

وقد يراد به المعصية ﴿ فمنهم ظالم لنفسه  ﴾ فالمراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك غير مهاجرين إلى دار / الإسلام حين كانت الهجرة فريضة.

وفي خبر "إنّ" وجوه: الأول ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ والعائد محذوف للدلالة أي قالوا لهم.

الثاني ﴿ فأولئك ﴾ فيكون ﴿ قالوا ﴾ حالاً من الملائكة بتقدير "قد".

الثالث إنّ الخبر محذوف وهو هلكوا.

ثم فسر الهلاك بقوله: ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟

والمراد التوبيخ على ترك الجهاد والرضا بالسكنى في دار الكفر وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم ليسوا من الدين في شيء، ولهذا لم يجيبوا بقولهم كنا في كذا أو لم نكن في شيء بل أجابوا بقولهم: ﴿ كنا مستضعفين ﴾ اعتذاراً مما وبخوا به واعتلالاً بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة من أرض مكة حتى يكونوا في شيء.

ثم إنّ الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر فبكتوهم قائلين: ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمتنعون فيها من إظهار دينكم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة.

ثم استثنى من أهل الوعيد المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.

فسئل لم عدّ الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد، ومن حق الاستثناء أن يدخل فيه المستثنى لو لم يخرج وليس الولدان من أصحاب الوعيد لأنهم ليسوا من أهل التكليف؟

وأجيب بأنّ المراد بالولدان العبيد والإماء البالغون، أو المراد المراهقون الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء حتى يتوجه التكليف عليهم فيما بينهم وبين الله.

سلمنا أن المراد بهم الأطفال لكن السبب في سقوط الوعيد هو العجز وإنه حاصل في الولدان فحسن استثناؤهم بهذا الوجه.

وقوله: ﴿ لا يستطيعون ﴾ قيل في موضع الحال، والأصح أنه صفة للمستضعفين.

وإنما جاز ذلك والجمل نكرات لأنّ المعرف تعريف الجنس قريب من المنكر.

والمعنى أنّ العاجزين هم الذين لا يقدرون على حيلة ولا نفقة، أو يكون بهم مرض، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم عن المهاجرة.

ومعنى ﴿ لا يهتدون سبيلاً ﴾ لا يعرفون الطريق ولا يجدون من يدلّهم على الطريق.

وإنما قال  : ﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ بكلمة الإطماع تنبيهاً على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه حتى إن المضطر من حقه أن يعفو الله عنه بل يكون من العفو على ظن وحسبان لا على جزم وإيقان، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز ولا يكون في الواقع كذلك لأنّ الفطام عن المألوف شديد والفراق عن الأوطان شاق، فلعل حب الوطن يحمله على تأويل غير سديد.

ومع قيام هذا الاحتمال أنى يحصل الجزم بالعفو هذا من جانب العبد.

وأما من الرب فعسى إطماع وإطماع الكريم إيجاب.

فالجزم بالعفو حاصل إلا أنّه يرد على لفظ العفو أنه لا يتقرر إلاّ مع الذنب ولا ذنب مع العجز وجوابه أيضاً يخرج مما قلنا: ﴿ وكان الله عفوأً غفوراً ﴾ قال الزجاج: أي كان في الأزل موصوفاً بهذه الصفة، أو أنه مع جميع العباد بهذه الصفة أي أنه عادة أجراها في حق غيره.

وأيضاً لو قال إنه عفو غفور كان / إخباراً عن كونه كذلك وحيث قال كان دل على أنه إخبار وقع مخبره على وفقه فكان أدل على كونه حقاً وصدقاً.

قالت الأشاعرة: أخبر عن العفو والمغفرة مطلقاً غير مقيد بحال التوبة فدل على أن العفو مرجو من غير التوبة.

قال ابن عباس في رواية عطاء: "كان عبد الرحمن بن عوف يخبر أهل مكة بما ينزل فيهم من القرآن، فكتب إليهم: ﴿ إِنّ الذين توفاهم الملائكة ﴾ الآية.

فلما قرأها المسلمون قال ضمرة بن جندب الليثي لبنيه - وكان شيخاً كبيراً - احملوني فإني لست من المستضعفين وإني لأهتدي إلى الطريق.

فحمله بنوه على سرير متوجهاً إلى المدينة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله وقال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك به رسول الله  ومات حميداً.

فبلغ خبره أصحاب النبي  : فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتم أجراً فأنزل الله  فيه: ﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً ﴾ " أي مذهباً ومهرباً ومضطرباً قاله الفراء.

وفي الكشاف يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك وأصله من الرغام وهو التراب فإنهم يقولون: رغم أنفه يريدون أنه وصل إليه شيء يكرهه، وذلك لأنّ الأنف عضو في غاية العزة والتراب في غاية الذلة.

ويمكن أن يقال: إنّ من فارق أهل بلدته فإذا استقام أمره في بلدة أخرى رغمت أنوف أهل بلدته بسبب سوء معاملتهم معه.

واعلم أنه  لما رغب في الهجرة ذكر بعده ما لأجله يمتنع الإنسان عن هجرة الوطن، وبين الجواب عنه والمانع أمران: الأوّل أن يكون له في وطنه نوع رفاهية وراحة فيخاف زوال ذلك عنه فأجاب الله  عنه بقوله: ﴿ ومن يهاجر ﴾ كأنه قيل للمكلف إن كنت تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر فلا تخف فإنّ الله  يعطيك من النعم الجليلة والمراتب السنية في مهاجرك ما يكون سبباً لرغم أنوف أعدائك، ويصير سبباً لسعة عيشك، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج المهاجر بدولته من حيث إنها سبب رغم آناف الأعداء أشد من ابتهاجه بها من حيث إنها سبب سعة رزقه وعيشه.

المانع الثاني أن الإنسان يقول: إن خرجت من بيتي في طلب العمل والجهاد والمهاجرة إلى الله ورسوله، وفي معناه كل غرض ديني من طلب علم أو حج أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهداً في الدنيا وابتغاء رزق طيب، فربما وصلت إليه وربما لم أصل إليه، فالأولى أن لا أضيع الرفاهية الحاضرة لطلب شيء مظنون، فأجاب الله  عنه بقوله: ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ﴾ قال بعضهم: ثبت له أجر قصده وأجر القدر الذي أتى به من ذلك العمل، وأما أجر تمام العمل فمحال.

والصحيح أن المراد من قصد طاعة / ثم عجز عن إتمامها فإن له ثواب تمام تلك الطاعة كما روي عن رسول الله  : "إن المريض إذا عجز عما كان يفعله من الطاعة في حال الصحة كتب له ثواب مثل ذلك إلى أن يبرأ" .

وأيضاً من المعلوم أن كل من أتى بعمل فإنه يجد الثواب المرتب على ذلك القدر فلا يبقى في الآية فائدة الترغيب.

وأيضاً لا تكون الآية جواباً عن قول الصحابة في ضمرة لو وافى المدينة لكان أتم أجراً.

قالت المعتزلة: في الآية دليل على أن العمل يوجب الثواب على الله لأن الوقوع والوجوب السقوط.

قال  : ﴿ فإذا وجبت جنوبها  ﴾ أي وقعت وسقطت ولفظ الأجر وكلمة "على" يؤكدان ما قلنا، وأجيب بأنا لا ننازع في أن الثواب يقع ألبتة لكن بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم.

واستدل بعض الفقهاء بالآية على أن الغازي، إذا مات في الطريق وجب سهمه في الغنيمة كما وجب أجره، وُردَّ بأن قسم الغنيمة يتوقف على حيازتها بخلاف الأجر.

﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ يغفر ما كان منه من القعود إلى أن خرج ويرحمه بإكمال أجر المجاهدين.

ومما يفتقر المجاهد إليه معرفة كيفية أداء الصلاة في زمان الخوف والاشتغال بمحاربة العدو فلا جرم قال: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ يقال: قصر صلاته وأقصرها وقصرها بمعنى.

ولفظ القصر مشعر بالتخفيف إلاّ أنه ليس صريحاً في أن التخفيف في كمية الركعات أو كيفية أدائها.

والجمهور على أن المراد القصر في العدد وهو أن كل صلاة تكون في الحضر أربع ركعات وهي الظهر والعصر والعشاء فإنها تصير في السفر ركعتين، ويبقى المغرب والصبح بحالهما، وعن ابن عباس: "فرض الله صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكم" .

وعنه أيضاً أن المراد التخفيف في كيفية الأداء كما يؤتى به عند شدة التحام القتال من الصلاة مع تلطخ الثوب بالدم ومن الإيمان مقام الركوع والسجود ويؤكد هذا الرأي بقوله: ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ فإن خوف فتنة العدو لا يزول فيما يؤتى بركعتين على تمام أوصافهما، وإنما يزول بالتجوز والتخفيف فيهما.

حجة الجمهور ما روي عن يعلى بن أمية أنه قال: "قلت لعمر بن الخطاب: كيف نقصر وقد أمنا وقال الله  : ﴿ ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ﴾ ؟

فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت النبي  فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" .

فهذا الخبر يدل على أنهم فهموا من القصر التخفيف في أعداد الركعات ويؤيده حديث ذي اليدين: "أقصرت الصلاة أم نسيت؟" وأيضاً القصر بمعنى تغيير هيئة الصلاة يجيء بعد ذلك، فحمل الكلام على ما لا يلزم من التكرار أولى.

أما تقييد القصر بحالة الخوف فلأن الآية نزلت على غالب أسفار النبي  وأكثرها لم يخل عن خوف قتال الكفار فلا يمكن الاستدلال بمفهومها على عدم جواز القصر في حالة الأمن ولا في حالة الخوف بسبب آخر، على أن / كل محنة وبلية وشدة فهي فتنة.

ثم إن الشافعي قال: القصر رخصة كسائر رخص السفر فإن شاء أتم وإن شاء قصر لأن قوله: ﴿ لا جناح عليكم ﴾ مشعر بعدم الوجوب، ولما روي أن عائشة  ا قالت: "اعتمرت مع رسول الله  من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قلت: يا رسول الله بأبي وأمي قصرت.

وأتممت وصمت وأفطرت.

فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب عليّ" .

وكان عثمان يتم ويقصر وما ظهر إنكار من الصحابة عليه.

وقال أبو حنيفة: القصر واجب فإنّ صلى المسافر أربعاً ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته لما روي عن ابن عباس قال: كان النبي  إذا خرج مسافراً صلى ركعتين، ولقوله  : "فاقبلوا صدقته" وظاهر الأمر للوجوب.

وعن عائشة: أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر.

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا ﴾ قلت: كأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفي عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه.

وأجيب بأن هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم رخصت لكم في هذا القصر، أما إذا قال أوجبت عليكم هذا القصر.

وحرمت عليكم الإتمام وجعلته مفسداً لصلاتكم فلا يخطر هذا الاحتمال ببال عاقل.

وحديث ابن عباس إنما يدل على كون القصر مشروعاً لا على أن الإتمام غير جائز، وخبر عائشة لا تعاضده الآية لأن تقرير الصلاة على ركعتين لا يطلق عليه لفظ القصر.

ثم إن بعض الظاهريين زعموا أن قليل السفر وكثيره سواء في القصر لإطلاق قوله: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض ﴾ وجمهور الفقهاء على أن السفر المرخص مقدر بمقدار مخصوص، فعن الأوزاعي والزهري ويروى عن عمر أن القصر في يوم تام، وعن ابن عباس إذا زاد على يوم وليلة قصر.

وقال أنس بن مالك: المعتبر خمسة فراسخ.

وقال الحسن: مسيرة ليلتين.

وقال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المدائن وهو ثلاثة أيام.

وهو قول أبي حنيفة قياساً على مدة جواز المسح للمسافر، وأما أصحاب الشافعي فإنهم عوّلوا على ما روي عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن النبي  قال: " يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان" .

والمراد بالبريد أربعة فراسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله  ، هو الذي قدر أميال البادية كل ميل أثنا عشر ألف قدم وهي أربعة / آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة.

قالت الفقهاء: فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن الحكم غير مربوط بمطلق السفر.

وقال أهل الظاهر: اضطراب السلف في هذه الأقاويل يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلاً قوياً فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.

﴿ إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً ﴾ يريد أن العدواة الحاصلة بينكم وبينهم قديمة فكونوا على حذر منهم.

التأويل: ليس لمؤمن الروح أن يقصد قتل مؤمن القلب إلاّ أن يكون قتل خطأ؛ وذلك أن الروح إذا خلص عن حجب ظلمات الصفات البشرية يتجلى الروح للقلب فيتنور بأنوار الروحانية، ثم تنعكس أنوار الروح عن مرآة القلب إلى النفس الأمارة فتموت عن صفاتها الذميمة الظلمانية، وتحيا بالصفات الحميدة الروحانية، وتطمئن إلى ذكر الله كاطمئنان القلب به، ففي بعض الأحوال يتأيد الروح بوارد روح قدسي رباني ويتجلى في تلك الحالة الروح للقلب فيخر موسى القلب صعقاً ميتاً بسطوة تجلي الروح القدسي الرباني ويجعل جبل النفس دكاً.

وكان قتله خطأ لأنه ما كان مقصوداً بالقتل في هذا التجلي وكان القصد تنويره وتصفيته وقتل النفس الكافرة.

﴿ من قتل مؤمناً ﴾ أي قلباً مؤمناً: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وهي رقبة السر الروحاني فتصير رقبة السر محررة عن رق المخلوقات ﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ يعني يسلم العاقلة - وهو الله  - دية القلب إلى أهل القلب وهم الأوصاف الحميدة الروحانية من جمال كمال ألطافه لتصير الأوصاف بها أخلاقاً ربانية إلاّ أن تتصدق الأوصاف بهذه الدية على مساكين أوصاف النفس الحيوانية والشيطانية ﴿ فإن كان ﴾ القتيل بالتجلي ﴿ من قوم عدوّ لكم ﴾ أي من صفات النفس ﴿ وهو مؤمن ﴾ أي هذه الصفة قد آمنت بأنوار الروح القدسي دون أخواتها من الصفات: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وهي رقبة القلب تصير محررة عن رق حب الدنيا ولادية لأهل القتيل.

﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ وهم صفات النفس وميثاقها قبول أحكام الشرع ظاهراً وترك المحاربة مع القلب وأوصافه ﴿ فدية مسلمة ﴾ على عاقلة الرحمة إلى أهل تلك الصفة المقبولة وهم بقية صفات النفس كما قال تعالى: ﴿ إلاّ ما رحم ربي  ﴾ وتحرير رقبة مؤمنة وهي رقبة الروح يصيرها محررة عن رقة الكونين.

﴿ فمن لم يجد ﴾ رقبة مؤمنة من الروح والقلب والسر للتحرير بأن تكون رقابهم قد حررت عن رق ما سوى الله: ﴿ فصيام شهرين متتابعين ﴾ أي فعليه الإمساك وعن مشارب العالمين على التتابع والدوام مراقباً قلبه لا يدخله شيئاً من الدنيا والآخرة مراعياً وقته.

فلو أفطر بأدنى شيء من المشارب كلها يستأنف الصوم ولا يفطر بشيء دون لقاء الله تعالى.

قال قائلهم: لقد صام طرفي عن شهود سواكم *** وحق له لما اعتراه نواكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم *** ويبدو هلال الصب حين يراكم ﴿ توبة من الله ﴾ جذبة منه.

﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ أي النفس الكافرة إذا قتلت قلباً مؤمناً متعمداً للعداوة الأصلية بينهما ففي حياة أحدهما موت الآخر ﴿ فجزاؤه جهنم ﴾ وهي سفل عالم الطبيعة.

﴿ إذا ضربتم في سبيل الله ﴾ بقدم السلوك حتى صار الإيمان إيقاناً والإيقان إحساناً والإحسان عياناً والعيان عيناً والعين شهوداً والشهود شاهداً والشاهد مشهوداً وهذا مقام الشيخوخة ﴿ فتبينوا ﴾ عن حال المريد في الرد والقبول ﴿ ولا تقولوا ﴾ له ﴿ لست مؤمناً ﴾ صادقاً ولا تنفروه بالتشديدات والتصرف في النفس والمال ﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ أي تهتمون أجل رزقه فإن الضيف إذا نزل نزل برزقه ﴿ كذلك كنتم ﴾ ضعفاء في الصدق والطلب محتاجين إلى الصحبة في بدو الإرادة ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بصحبة المشايخ وقبولهم إياكم ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ﴾ هم العوام الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها ﴿ فيم كنتم ﴾ في أي غفلة كنتم تضيعون أعماركم وتبطلون استعدادكم الفطري، وفي أي واد من أودية الهوى تهيمون، وفي أي روضة من رياض الدنيا تسرحون؟

أكنتم تؤثرون الفاني على الباقي وتنسون الشراب الطهور والساقي؟

﴿ مستضعفين ﴾ عاجزين لاستيلاء النفس الأمارة وغلبة الهوى ﴿ ألم تكن أرض الله ﴾ أي أرض القلب ﴿ واسعة ﴾ فتخرجوا عن مضيق سجن البشرية إلى قضاء هواء الهوية ﴿ لا يستطيعون حيلة ﴾ في الخروج عن الدنيا لكثرة العيال وضعف الحال ﴿ ولا يهتدون سبيلاً ﴾ إلى صاحب ولاية وهؤلاء المستضعفون هم الخواص المقتصدون، وأما خواص الخواص، وهم السابقون بالخيرات فهم المجاهدون الجهاد الأكبر وقد مر.

﴿ ومن يهاجر ﴾ عن بلد البشرية في طلب حضرة الربوبية ﴿ يجد ﴾ في أرض الإنسانية ﴿ مراغماً ﴾ متحوّلاً ومنازل مثل القلب والروح والسر ﴿ وسعة ﴾ في تلك العوالم من رحمة الله: ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء  ﴾ "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" فافهم يا قصير النظر كثير الفكر قليل العبر والله أجلوأكبر.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ...

﴾ الآية.

قيل: "إن رسول الله  بعث سرية إلى دار الحرب، فسمعوا سرية لرسول الله  تريدهم؛ فهربوا، وأقام رجل؛ لإسلامه؛ فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من العدو من حرب رسول الله  ؛ فألجأ غنمه إلى [كهف]، ثم قام دونها، فسمع التكبير؛ فهبط إليهم وهو يقول: لا إله إلا الله، فأتاه رجل من هؤلاء، فقتله واستاق غنمه وما معه، ثم رجعوا إلى رسول الله  فأخبروه الخبر؛ فقال رسول الله  : أَقَتَلْتُمُوهُ؛ إِرَادَةَ مَا مَعَهُ، وهُوَ يَقُولُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؟!

فقالوا: إنه قال [ذلك] متعوذا؛ فقال: هَلاَّ شَقَقْتُمْ عَنْ قَلْبِهِ؟!" وعن ابن عباس -  - "أن رسول الله  بعث سرية، فلقيهم رجل، فسلم عليهم وحياهم بتحية الإسلام، فحمل عليه رجل من السرية فقتله؛ فلامه أصحابه وقالوا: أقتلت رجلا حيانا بتحية الإسلام؟!

فلما قدموا على رسول الله  أخبره بالذي صنع؛ فقال رسول الله  : أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ؟!

فقال: يا رسول الله، إنما قالها متعوذاً؛ قال: فَهَلاَّ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِه فَتَعْلَمَ ذلك؟!؛ فنزل قوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾ " .

فلا ندري كيفما كانت القصة؟

ولكن فيه الأمر بالتثبت عند الشبهة, والنهي عن الإقدام عندها، وهكذا الواجب على المؤمن الوقف عند اعتراض الشبهة في كل فعل وكل خبر؛ لأن الله -  - أمر بالتثبت في الأفعال بقوله: ﴿ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾ ، وقال في الخبر: ﴿ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ  ﴾ أمر بالتثبت في الأخبار عند الشبهة، كما أمر في الأفعال لنبيه  : ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ  ﴾ .

وفي الآية دليل فساد قول المعتزلة؛ لأنه نهاهم أن يقولوا [لمن قال]: إني مسلم: لست مؤمناً، وهم يقولون: صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، وهو يقول ألف مرة على المثل: إني مسلم، فإذا نهى أن يقولوا: ليس بمؤمن، أمرهم أن يقولوا: هو مؤمن؛ فيقال لهم: ﴿ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ  ﴾ على ما قيل لأولئك.

وقوله - عز وجل - : ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

قيل: الغنيمة: ﴿ فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: ﴿ فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ أي: أجر عظيم وجزاء كثير.

ويحتمل: ﴿ فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ يعطيها لكم في غير هذا، كقوله -  - ﴿ وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا...

﴾ الآية [الفتح: 20].

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ...

﴾ الآية اختلف فيه.

قيل: ﴿ كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ ﴾ ضلالا كفارا؛ ﴿ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ بالإسلام والهجرة، وهداكم به.

وقيل: ﴿ كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ ﴾ تخفون إيمانكم من المشركين وتكتمونه؛ ﴿ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ بإظهار الإسلام وإبدائه.

وقيل: ﴿ كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ ﴾ تأمنون في قومكم من المؤمنين بـ"لا إله إلا الله"، ولا تخيفوا من قالها؛ ﴿ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ بالهجرة.

وعن ابن عباس قال: ﴿ كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ ﴾ كفاراً تقاتلون على الدنيا وعرضها.

وقوله -  -: ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ .

عاد إلى الأول، وأمر بالتثبت عند الشبهة؛ ألا ترى أنه روي في الخبر أنه قال: "المُؤْمِنُ وَقَّافٌ وَزَّانٌ": وقاف يقف عن الشبهة، ووزان يزن الأعمال فيختار أفضلها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، إذا خرجتم للجهاد في سبيل الله فتثبتوا في أمر من تقاتلون، ولا تقولوا لمن أظهر لكم ما يدل على إسلامه: لست مؤمنًا، وإنما حملك على إظهار الإسلام الخوف على دمك ومالك، فتقتلوه تطلبون بقتله متاع الدنيا الزهيد كالغنيمة منه، فعند الله مغانم كثيرة، وهي خير وأعظم من هذا، كذلك كنتم من قبل مثل هذا الذي يخفي إيمانه من قومه، فمنَّ الله عليكم بالإسلام فعصم دماءكم فتثبتوا، إن الله لا يخفى عليه شيء من عملكم وإن دق، وسيجازيكم به.

من فوائد الآيات جاء القرآن الكريم معظِّمًا حرمة نفس المؤمن، وناهيًا في انتهاكها، ومرتبًا على ذلك أشد العقوبات.

من عقيدة أهل السنة والجماعة أن المؤمن القاتل لا يُخلد أبدًا في النار، وإنما يُعذب فيها مدة طويلة ثم يخرج منها برحمة الله تعالى.

وجوب التثبت والتبين في الجهاد، وعدم الاستعجال في الحكم على الناس حتى لا يُعتدى على البريء.

<div class="verse-tafsir" id="91.lqW0w"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

بَيَّن الله تعالى في الآية السابقة بعض أحكام المنافقين ومنه نَهْي المؤمنين أن يتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا، ومنها أن الذين يلقون إلى المؤمنين السلم ويعتزلون قتالهم لا يجوز لهم أن يقاتلوهم، فنهى عن قتل من لم يقاتل، ثم ذكر أنه ليس من شأن المؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا على سبيل الخطأ.

وبعد هذا أراد تعالى أن ينبه المؤمنين على ضرب من ضروب قتل الخطأ كان يحصل في ذلك العهد عند السفر إلى أرض المشركين.

وذلك أن الإسلام كان قد انتشر ولم يبق مكان في بلاد العرب وقبائلهم يخلو من المسلمين أو ممن يميلون إلى الإسلام، ويتربصون الفرص للاتصال بأهله للدخول فيه فأعلم الله المؤمنين بذلك وأمرهم أن لا يحسبوا كل من يجدونه في دار الكفر كافرًا، وأن يتبينوا فيمن تظهر منهم علامات الإسلام كالشهادة أو السلام الذي هو تحية المؤمنين وعلامة الأمن والاستئمان، وأن لا يحملوا مثل هذا على المخادعة إذ ربما يكون الإيمان قد طاف على هذه القلوب وألم بها إن لم يكن تمكن فيها.

وقد أفادت الآية أن ما سبق من قتل من ألقى السلام لشبهة التقية قد مضى على أنه من قتل الخطأ وأن الله تعالى أراد بإنزالها أن يعد ما منه بعد نزلها من قتل العمد لأنه أمر فيها بالتثبت ونهى عن إنكار إسلام من يدعي الإسلام ولو بإلقاء تحيته فكيف بمن ينطق بالشهادتين، ثم ذكر ما من شأنه أن يقوي الشبهة في نفس من يظن أن إظهار الإسلام لأجل التقية وهو ابتغاء عرض الحياة الدنيا.

فهدى المؤمن بهذا إلى أن يتهم نفسه ويفتش عن قلبه ولا يبني الظن على ميله وهواه، بل أوجب عليه أن يبني على الظاهر ويقبله حتى يتبين له خلافه.

﴿ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا  ﴾ هذا تأكيد لذلك التنبيه في قوله: ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  ﴾ لأجل التحذير من الوقوع في مثل هذا الخطأ فهو شبيه بالوعيد، ويحتمل أن يكون وعيدًا إذا قلنا إن قوله تعالى: ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  ﴾ حكم جديد بأن قتل من ألقى السلام يعد من قتل المؤمن عمدًا.

والمعنى أن الله تعالى خبير بأعمالكم لا يخفى عليه شيء من مرجحات الحمل عليها في نفوسكم، فإن كان فيه ابتغاء حظ الحياة الدنيا فهو يجازيكم على ذلك فلا تغفلوا، بل تثبتوا وتبينوا، وحكم الآية يعمل به بصرف النظر عن سبب نزولها وهو؛ أن كل من أظهر الإسلام يقبل منه ويعد مسلمًا ولا يبحث عن الباعث له على ذلك، ولا يتهم في صدقه وإخلاصه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده