الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٩٦ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 126 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٦ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما ) وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن في الجنة مائة درجة ، أعدها الله للمجاهدين في سبيله ، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض " .
وقال الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من بلغ بسهم فله أجره درجة " فقال رجل : يا رسول الله ، وما الدرجة ؟
فقال : " أما إنها ليست بعتبة أمك ، ما بين الدرجتين مائة عام " .
القول في تأويل قوله : دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: " درجات منه "، فضائل منه ومنازل من منازل الكرامة.
(21) * * * واختلف أهل التأويل في معنى " الدرجات " التي قال جل ثناؤه: " درجات منه ".
فقال بعضهم بما:- 10256- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " درجات منه ومغفرة ورحمة "، كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد دَرَجة.
* * * وقال آخرون بما:- 10257- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألت ابن زيد عن قول الله تعالى: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ ،" الدرجات " هي السبع التي ذكرها في" سورة براءة ": مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ فقرأ حتى بلغ: &; 9-98 &; أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سورة التوبة: 120-121].
قال: هذه السبع الدرجات.
قال: وكان أول شيء، فكانت درجة الجهاد مُجْملة، فكان الذي جاهد بماله له اسمٌ في هذه، فلما جاءت هذه الدرجات بالتفصيل أخرج منها، فلم يكن له منها إلا النفقة، فقرأ: لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ ، وقال: ليس هذا لصاحب النفقة.
ثم قرأ: وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً ، قال: وهذه نفقة القاعد.
* * * وقال آخرون: عنى بذلك درجات الجنة.
ذكر من قال ذلك.
10258- حدثنا علي بن الحسن الأزدي قال، حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن هشام بن حسان، عن جبلة بن سحيم.
عن ابن محيريز في قوله: " فضل الله المجاهدين على القاعدين "، إلى قوله: " درجات "، قال: الدرجات سبعون درجة، ما بين الدرجتين حُضْرُ الفرس الجواد المُضَمَّر سبعين سنة.
(22) * * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلات بتأويل قوله: " درجات منه "، أن يكون معنيًّا به درجات الجنة، كما قال ابن محيريز.
لأن قوله تعالى ذكره: " درجات منه ": ترجمة وبيان عن قوله: " أجرًا عظيمًا "، ومعلوم أن " الأجر "، إنما هو الثواب والجزاء.
(23) &; 9-99 &; وإذْ كان ذلك كذلك، وكانت " الدرجات " و " المغفرة " و " الرحمة " ترجمة عنه، كان معلومًا أن لا وجه لقول من وجَّه معنى قوله: " درجات منه "، إلى الأعمال وزيادتها على أعمال القاعدين عن الجهاد، كما قال قتادة وابن زيد: وإذ كان ذلك كذلك، وكان الصحيح من تأويل ذلك ما ذكرنا، فبيِّنٌ أن معنى الكلام: وفضل الله المجاهدين في سبيل الله على القاعدين من غير أولي الضرر، أجرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلا وهو درجات أعطاهموها في الآخرة من درجات الجنة، رفعهم بها على القاعدين بما أبلوا في ذات الله.
* * * =" ومغفرة " يقول: وصفح لهم عن ذنوبهم، فتفضل عليهم بترك عقوبتهم عليها= " ورحمة "، يقول: ورأفة بهم=" وكان الله غفورًا رحيمًا "، يقول: ولم يزل الله غفورًا لذنوب عباده المؤمنين، يصفح لهم عن العقوبة عليها (24) =" رحيما " بهم، يتفضل عليهم بنعمه، مع خلافهم أمره ونهيه، وركوبهم معاصيه.
(25) ------------------ الهوامش : (21) انظر تفسير"الدرجة" فيما سلف 4: 533 ، 536 / 7 : 368 ، وما مضى ص: 95 ، تعليق: 2 (22) الأثر: 10258 -"علي بن الحسين الأزدي" ، شيخ الطبري ، لم أجد له ترجمة ، وقد روى عنه في تاريخه في مواضع منها 1 : 44 ، 49 / 6: 73 ، 143.
و"الأشجعي" ، هو: "عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي" مضت ترجمته برقم: 8622 .
و"سفيان" ، هو الثوري.
و"هشام بن حسان القردوسي" مضى برقم 2827 ، 7287.
و"جبلة بن سحيم" مضى برقم: 3003 .
و"ابن محيريز" ، هو عبد الله بن محيريز ، مضى برقم: 8720.
و"حضر الفرس" ارتفاعه في عدوه ، "أحضر الفرس يحضر إحضارًا" ، عدا عدوًا شديدًا.
و"الفرس المضمر" ، وهو الذي أعد إعدادًا للسباق والركض.
(23) انظر تفسير"الأجر" فيما سلف 8 : 542 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(24) في المطبوعة: "فيصفح" بزيادة الفاء ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الجيد.
(25) انظر تفسير"المغفرة" ، و"الرحمة" ، و"غفور" و"رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
ولما وعد المجاهدين بالمغفرة والرحمة الصادرَيْن عن اسميه الكريمين { الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } ختم هذا الآية بهما فقال: { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }
( درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما ) قال ابن محيريز في هذه الآية : هي سبعون درجة ما بين كل درجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين خريفا .
وقيل : الدرجات هي الإسلام والجهاد والهجرة والشهادة فاز بها المجاهدون ، أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني ، أنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي ، أنا عبد الله بن مسلم أبو بكر الجوربذي ، أنا يونس بن عبد الأعلى ، أنا ابن وهب ، حدثني أبو هانئ الخولاني ، عن أبي عبد الرحمن الجبلي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا أبا سعيد من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة " قال فعجب لها أبو سعيد فقال : أعدها علي يا رسول الله ، ففعل ، قال : " وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض " قال : وما هي يا رسول الله؟
فقال : " الجهاد في سبيل الله الجهاد في سبيل الله " .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن علي بن الشاه ، أنا أبي ، أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن صالح المطرز ، أنا محمد بن يحيى ، أنا شريح بن النعمان ، أنا فليح ، عن هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله عز وجل أن يدخله الجنة ، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها " ، قالوا : أفلا ننذر الناس بذلك؟
قال : " إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ، ما بين كل من الدرجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ، ومنه تفجر أنهار الجنة " .
واعلم أن الجهاد في الجملة فرض ، غير أنه ينقسم إلى فرض العين وفرض الكفاية .
ففرض العين : أن يدخل الكفار دار قوم من المؤمنين ، فيجب على كل مكلف من الرجال ، ممن لا عذر له من أهل تلك البلدة الخروج إلى عدوهم ، حرا كان أو عبدا ، غنيا كان أو فقيرا ، دفعا عن أنفسهم وعن جيرانهم .
وهو في حق من بعد منهم من المسلمين فرض على الكفاية ، فإن لم تقع الكفاية بمن نزل بهم يجب على من بعد منهم من المسلمين عونهم ، وإن وقعت الكفاية بالنازلين بهم فلا فرض على الأبعدين إلا على طريق الاختيار ، ولا يدخل في هذا القسم العبيد والفقراء ، ومن هذا القبيل أن يكون الكفار قارين في بلادهم ، فعلى الإمام أن لا يخلي سنة عن غزوة يغزوها بنفسه أو بسراياه حتى لا يكون الجهاد معطلا والاختيار للمطيق الجهاد مع وقوع الكفاية بغيره : أن لا يقعد عن الجهاد ، ولكن لا يفترض ، لأن الله تعالى وعد المجاهد والقاعد الثواب في هذه الآية فقال : ( وكلا وعد الله الحسنى ) ولو كان فرضا على الكافة لاستحق القاعد العقاب لا الثواب .
«درجات منه» منازل بعضها فوق بعض من الكرامة «ومغفرة ورحمة» منصوبان بفعلهما المقدر «وكان الله غفورا» لأوليائه «رحيما» بأهل طاعته.
ونزل في جماعة أسلموا ولم يهاجروا فقتلوا يوم بدر مع الكفار.
هذا الثواب الجزيل منازل عالية في الجنات من الله تعالى لخاصة عباده المجاهدين في سبيله، ومغفرة لذنوبهم ورحمة واسعة ينعمون فيها.
وكان الله غفورًا لمن تاب إليه وأناب، رحيمًا بأهل طاعته، المجاهدين في سبيله.
ثم فصل - سبحانه - هذا الأجر العظيم فقال ( دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ) .أى فضل الله - تعالى - المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين عن الجهاد بغير عذر بالأجر العظيم؛ الذى يرفعهم عند الله - تعالى - درجات عالية ويقربهم من مقامات قدسه ، ويغفر لهم ما فرط منهم ، ويتغمدهم بسابغ رحمته وكان الله كثير الغفران لأوليائه واسع الرحمة بأهل طاعته .وقوله ( دَرَجَاتٍ مِّنْهُ ) بدل أو عطف بيان من قوله ( أَجْراً عَظِيماً ) .
وقوله ( مِّنْهُ ) جار ومجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لدرجات .ونكرت الدرجات للإِشعار بأنها درجات عظيمة لا يحدها الحصر ، ولا يعينها المقدار ، بل هى شرف عظيم لا يناله إلا المقربون الأبرار .هذا ، وما جرينا عليه من أن المجاهدين يمتازون عن القاعدين بعذر بدرجة ، ويمتازون عن القاعدين بغير عذر بدرجات هو رأى كثير من المفسرين ، وقد عبر عنه صاحب الكشاف بقوله : فإن قلت : قد ذكر الله - تعالى - مفضلين درجة ومفضلين درجات فمن هم؟
قلت : أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء .وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم فى التخلف اكتفاء بغيرهم ، لأن الغزو فرض كفاية .ومن المفسرين من يرى أن الذين فضل الله عليهم المجاهدين بدرجة وبدرجات هم صنف واحد ، وهم الذين قعدوا عن الجهاد بدون عذر .
أما الذين قعدوا بعذر فهم متساوون فى الأجر مع المجاهدين .وعلى هذا الرأى سار الآلوسى فى تفسيره فقد قال ما ملخصه : ( فَضَّلَ الله المجاهدين ) فى سبيله ( بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين ) من المؤمنين غير أولى الضرر ( دَرَجَةً ) لا يقادر قدرها .
( وَكُلاًّ ) أى : كل واحد من الفريقين المجاهدين والقاعدين ( وَعَدَ الله الحسنى ) .
وقوله ( وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين ) عطف على ما قبله ( أَجْراً عَظِيماً ) .ثم قال : ولعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبئ عن المغايرة .
وتقييده تارة بدرجة وتارة بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل عليه .
إما لتنزيل الاختلاف العنوانى بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف الذاتى تمهيداً لسلوك طريق الإِبهام ثم التفسير .
.
.
.
وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين والدرجة والدرجات .وقد حكى الإِمام القرطبى هذين الوجهين فقال : قوله - تعالى - ( فَضَّلَ الله المجاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً ) وقد قال بعد هذا : ( دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ) فقال قوم : التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغى وبيان وتأكيد .وقيل : فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولى الضرر بدرجة واجدة .
وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات .والذى نراه أولى من هذين القولين من قال بأن الله - تعالى - فضل المجاهدين على القاعدين بعذر بدرجة ، وفضل المجاهدين على القاعدين بغير عذر بدرجات ، وذلك لأن هذا التفسير هو المأثور عن ابن عباس وغيره من الصحابة .
فقد قال ابن عباس فى قوله - تعالى - ( فَضَّلَ الله المجاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً ) أراد بالقاعدين هنا أولى الضرر ولأن القاعدين بعذر وإن كانوا لهم من حسن النية ما يرفع منزلتهم إلا أن المجاهدين الذين باشروا الجهاد وعرضوا أنفسهم لأخطار القتال يفوقونهم منزلة وأجراً .وهذا ما يقتضيه منطق العقول البشرية ، أما عطاء الله بعد ذلك لكل فريق فمرجعه إليه وحده على حسب ما تقتضيه حكمته وسعة رحمته .هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أن الجهاد من أفضل الأعمال وأن المجاهدين لهم عند الله - تعالى - منازل عالية .
ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن فى الجنة مائة درجة أعدها للمجاهدين فى سبيله .
بين كل درجتين كما بين السماء والأرض .
فإذا سألتم الله فاسألوه الفردون فإنه أوسط الجنة ومنه تتفجر أنهار الجنة " .
اعلم أن في كيفية النظم وجوهاً: الأول: ما ذكرناه أنه تعالى لما رغب في الجهاد أتبع ذلك بيان أحكام الجهاد.
فالنوع الأول من أحكام الجهاد: تحذير المسلمين عن قتل المسلمين، وبيان الحال في قتلهم على سبيل الخطأ كيف، وعلى سبيل العمد كيف، وعلى سبيل تأويل الخطأ كيف، فلما ذكر ذلك الحكم أتبعه بحكم آخر وهو بيان فضل المجاهد على غيره وهو هذه الآية.
الوجه الثاني: لما عاتبهم الله تعالى على ما صدر منهم من قتل من تكلم بكلمة الشهادة، فلعله يقع في قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد لئلا يقع بسببه في مثل هذا المحذور، فلا جرم ذكر الله تعالى في عقيبه هذه الآية وبيّن فيها فضل المجاهد على غيره إزالة لهذه الشبهة.
الوجه الثالث: أنه تعالى لما عاتبهم على ما صدر منهم من قتل تكلم بالشهادة ذكر عقيبه فضيلة الجهاد، كأنه قيل: من أتى بالجهاد فقد فاز بهذه الدرجة العظيمة عند الله تعالى، فليحترز صاحبها من تلك الهفوة لئلا يخل منصبه العظيم في الدين بسبب هذه الهفوة، والله أعلم وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرئ ﴿ غَيْرُ أُوْلِى الضرر ﴾ بالحركات الثلاث في ﴿ غَيْرِ ﴾ فالرفع صفة لقوله: ﴿ القاعدون ﴾ والمعنى لا يستوي القاعدون المغايرون لأولي الضرر والمجاهدون، ونظيره قوله: ﴿ أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِى الإربة ﴾ وذكرنا جواز أن يكون ﴿ غَيْرِ ﴾ صفة المعرفة في قوله: ﴿ غَيْرِ المغضوب ﴾ قال الزجاج: ويجو أن يكون ﴿ غَيْرِ ﴾ رفعاً على جهة الاستثناء، والمعنى لا يستوي القاعدون والمجهدون إلا أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين، أي الذين أقعدهم عن الجهاد الضرر، والكلام في رفع المستثنى بعد النفي قد تقدم في قوله: ﴿ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ ﴾ وأما القراءة بالنصب ففيها وجهان.
الأول: أن يكون استثناء القاعدين، والمعنى لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر، وهو اختيار الأخفش.
الثاني: أن يكون نصباً على الحال، والمعنى لا يستوي القاعدون في حال صحتهم، والمجاهدون، كما تقول: جاءني زيد غير مريض، أي جاءني زيد صحيحاً، وهذا قول الزجاج والفرّاء وكقوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلّى الصيد ﴾ وأما القراءة بالجر فعلى تقدير أن يجعل ﴿ غَيْرِ ﴾ صفة للمؤمنين، فهذا بيان الوجوه في هذه القراءات.
ثم هاهنا بحث آخر: وهو أن الأخفش قال: القراءة بالنصب على سبيل الاستثناء أولى لأن المقصود منه استثناء قوم لم يقدروا على الخروج.
روي في التفسير أنه لما ذكر الله تعالى فضيلة المجاهدين على القاعدين جاء قوم من أولي الضرر فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: حالتنا كما ترى، ونحن نشتهي الجهاد، فهل لنا من طريق؟
فنزل ﴿ غَيْرُ أُوْلِى الضرر ﴾ فاستثناهم الله تعالى من جملة القاعدين.
وقال آخرون: القراءة بالرفع أولى لأن الأصل في كلمة ﴿ غَيْرِ ﴾ أن تكون صفة، ثم أنها وإن كانت صفة فالمقصود والمطلوب من الإستثناء حاصل منها، لأنها في كلتا الحالتين أخرجت أولي الضرر من تلك المفضولية، وإذا كان هذا المقصود حاصلاً على كلا التقديرين وكان الأصل في كلمة ﴿ غَيْرِ ﴾ أن تكون صفة كانت القراءة بالرفع أولى.
المسألة الثانية: الضرر النقصان سواء كان بالعمى أو العرج أو المرض، أو كان بسبب عدم الأهبة.
المسألة الثالثة: حاصل الآية: لا يستوي القاعدون المؤمنون الأصحاء والمجاهدون في سبيل الله، واختلفوا في أن قوله: ﴿ غَيْرُ أُوْلِى الضرر ﴾ هل يدل على أن المؤمنين القاعدين الأضراء يساوون المجاهدين أم لا؟
قال بعضهم: أنه لا يدل لأنا إن حملنا لفظ ﴿ غَيْرِ ﴾ على الصفة وقلنا التخصيص بالصفة لا يدل على نفي الحكم عما عداه لم يلزم ذلك، وإن حملناه على الاستثناء وقلنا الاستثناء من النفي ليس بإثبات لم يلزم أيضاً ذلك، أما إذا حملناه على الاستثناء وقلنا الاستثناء من النفي إثبات لزم القول بالمساواة.
وأعلم أن هذه المساواة في حق الاضراء عند من يقول بها مشروطة بشرط آخر ذكره الله تعالى في سورة التوبة وهو قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى ﴾ إلى قوله: ﴿ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .
وأعلم أن القول بهذه المساواة غير مستبعد، ويدل عليه النقل والعقل، أما النقل فقوله عليه الصلاة والسلام عند انصرافه من بعض غزواته لقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم العذر وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا مرض العبد قال الله عز وجلّ اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ».
وذكر بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَٰهُ أَسْفَلَ سَٰفِلِينَ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ أن من صار هرما كتب الله تعالى له أجر ما كان يعمله قبل هرمه غير منقوص من ذلك شيئاً.
وذكروا في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام نية المؤمن خير من عمله أن ما ينويه المؤمن من دوامه على الإيمان والأعمال الصالحة لو بقي أبداً خير له من عمله الذي أدركه في مدة حياته، وأما المعقول فهو أن المقصود من جميع الطاعات والعبادات استنارة القلب بنور معرفة الله تعالى، فإن حصل الاستواء فيه للمجاهد والقاعد فقد حصل الاستواء في الثواب، وإن كان القاعد أكثر حظاً من هذا الاستغراق كان هو أكثر ثواباً.
المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: إنه تعالى قال: ﴿ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم ﴾ فقدم ذكر النفس على المال، وفي الآية التي نحن فيها وهي قوله: ﴿ المجاهدين بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ ﴾ قدم ذكر المال على النفس، فما السبب فيه؟
وجوابه: أن النفس أشرف من المال، فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيهاً على أن الرغبة فيها أشد، والبائع أخر ذكرها تنبيهاً على أن المضايقة فيها أشد، فلا يرضى ببذلها إلا في آخر المراتب.
وأعلم أنه تعالى لما بيّن أن المجاهدين والقاعدين لا يستويان ثم أن عدم الاستواء يحتمل الزيادة ويحتمل النقصان، لا جرم كشف تعالى عنه فقال: ﴿ فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً ﴾ وفي انتصاب قوله: ﴿ دَرَجَةً ﴾ وجوه: الأول: أنه يحذف الجار، والتقدير بدرجة فلما حذف الجار وصل الفعل فعمل الثاني: قوله: ﴿ دَرَجَةً ﴾ أي فضيلة، والتقدير: وفضل الله المجاهدين فضيلة كما يقال زيد أكرم عمراً إكراماً والفائدة في التنكير والتفخيم.
الثالث: قوله: ﴿ دَرَجَةً ﴾ نصب على التمييز.
ثم قال: ﴿ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى ﴾ أي وكلا من القاعدين والمجاهدين فقد وعده الله الحسنى وقال الفقهاء: وفيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية، وليس على كل واحد بعينه لأنه تعالى وعد القاعدين الحسنى كما وعد المجاهدين، ولو كان الجهاد واجباً على التعيين لما كان القاعد أهلاً لوعد الله تعالى إياه الحسنى.
ثم قال تعالى: ﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً درجات مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في انتصاب قوله: ﴿ أَجْراً ﴾ وجهان: الأول: انتصب بقوله: ﴿ وَفَضَّلَ ﴾ لأنه في معنى قولهم: آجرهم أجراً، ثم قوله: ﴿ درجات مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ﴾ بدل من قوله: ﴿ أَجْراً ﴾ .
الثاني: انتصب على التمييز و ﴿ درجات ﴾ عطف بيان ﴿ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ﴾ معطوفان على ﴿ درجات ﴾ .
المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إنه تعالى ذكر أولاً ﴿ دَرَجَةً ﴾ ، وهاهنا ﴿ درجات ﴾ ، وجوابه من وجوه: الأول: المراد بالدرجة ليس هو الدرجة الواحدة بالعدد، بل بالجنس، والواحد بالجنس يدخل تحته الكثير بالنوع، وذلك هو الأجر العظيم، والدرجات الرفيعة في الجنة المغفرة والرحمة.
الثاني: أن المجاهد أفضل من القاعد الذي يكون من الأضراء بدرجة، ومن القاعد الذي يكون من الأصحاء بدرجات، وهذا الجواب إنما يتمشى إذا قلنا بأن قوله: ﴿ غَيْرُ أُوْلِى الضرر ﴾ لا يوجب حصول المساواة بين المجاهدين وبين القاعدين الأضراء.
الثالث: فضل الله المجاهدين في الدنيا بدرجة واحدة وهي الغنيمة، وفي الآخرة بدرجات كثيرة في الجنة بالفضل والرحمة والمغفرة.
الرابع: قال في أول الآية ﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً ﴾ ولا يمكن أن يكون المراد من هذا المجاهد هو المجاهد بالمال والنفس فقط، وإلا حصل التكرار، فوجب أن يكون المراد منه من كان مجاهداً على الإطلاق في كل الأمور، أعني في عمل الظاهر، وهو الجهاد بالنفس والمال والقلب وهو أشرف أنواع المجاهدة، كما قال عليه السلام: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وحاصل هذا الجهاد صرف القلب من الالتفات إلى غير الله إلى الاستغراق في طاعة الله، ولما كان هذا المقام أعلى مما قبله لا جرم جعل فضيلة الأول درجة، وفضيلة هذا الثاني درجات.
المسألة الثالثة: قالت الشيعة: دلّت هذه الآية على أن علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل من أبي بكر، وذلك لأن عليا كان أكثر جهاداً، فالقدر الذي فيه حصل التفاوت كان أبو بكر من القاعدين فيه، وعلي من القائمين، وإذا كان كذلك وجب أن يكون عليّ أفضل منه لقوله تعالى: ﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً ﴾ فيقال لهم: إن مباشرة علي عليه السلام لقتل الكفار كانت أكثر من مباشرة الرسول لذلك، فليزمكم بحكم هذه الآية أن يكون عليّ أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يقوله عاقل، فإن قلتم إن مجاهدة الرسول مع الكفار كانت أعظم من مجاهدة علي معهم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجاهد الكفار بتقرير الدلائل والبينات وإزالة الشبهات والضلالات، وهذا الجهاد أكمل من ذلك الجهاد، فنقول: فاقبلوا منا مثله في حق أبي بكر، وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه لما أسلم في أول الأمر سعى في إسلام سائر الناس حتى أسلم على يده عثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون، وكان يبالغ في ترغيب الناس في الإيمان وفي الذب عن محمد صلى الله عليه وسلم بنفسه وبماله، وعلي في ذلك الوقت كان صبياً ما كان أحد يسلم بقوله، وما كان قادراً على الذب عن محمد عليه الصلاة والسلام، فكان جهاد أبي بكر أفضل من جهاد علي فإنما ظهر في المدينة في الغزوات، وكان الإسلام في ذلك الوقت قوياً.
والثاني: أن جهاد أبي بكر كان بالدعوة إلى الدين، وأكثر أفاضل العشرة إنما أسلموا على يده، وهذا النوع من الجهاد هو حرفة النبي عليه الصلاة والسلام وأما جهاد علي فإنما كان بالقتل، ولا شك أن الأول أفضل.
المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: دلّت الآية على أن نعيم الجنة لا ينال إلا بالعمل لأن التفاوت في العمل لما أوجب التفاوت في الثواب والفضيلة دل ذلك على أن علة الثواب هو العمل، وأيضاً لو لم يكن العمل موجباً للثواب لكان الثواب هبة لا أجراً، لكنه تعالى سماه أجراً، فبطل القول بذلك، فيقال لهم: لم لا يجوز أن يقال: العمل علة الثواب لكن لا لذاته، بل بجعل الشارع ذلك العمل موجباً له.
المسألة الخامسة: قالت الشافعية: دلت الآية على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح، لأنا بينا أن الجهاد فرض على الكفاية بدليل قوله: ﴿ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى ﴾ ولو كان الجهاد من فروض الأعيان لما كان القاعد عن الجهاد موعوداً من عند الله بالحسنى.
إذا ثبت هذا فنقول: إذا قامت طائفة بالجهاد سقط الفرض عن الباقين، فلو أقدموا عليه كان ذلك من النوافل لا محالة، ثم إن قوله: ﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً ﴾ يتناول جميع المجاهدين سواء كان جهاده واجباً أو مندوباً، والمشتغل بالنكاح قاعد عن الجهاد، فثبت أن الاشتغال بالجهاد المندوب أفضل من الاشتغال بالنكاح، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ غَيْرُ أُوْلِى الضرر ﴾ قرئ بالحركات الثلاث، فالرفع صفة للقاعدون، والنصب استثناء منهم أو حال عنهم، والجرّ صفة للمؤمنين.
والضرر: المرض، أو العاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها.
وعن زيد بن ثابت: كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة، فوقعت فخذه على فخذي حتى خشيت أن ترضها، ثم سري عنه فقال: اكتب فكتبت في كتف ﴿ لاَّ يَسْتَوِى القاعدون مِنَ المؤمنين ﴾ ﴿ والمجاهدون ﴾ فقال ابن أمّ مكتوم وكان أعمى: يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين.
فغشيته السكينة كذلك، ثم قال: اقرأ يا زيد، فقرأت ﴿ لاَّ يَسْتَوِى القاعدون مِنَ المؤمنين ﴾ فقال (غير أولي الضرر).
قال زيد: أنزلها الله وحدها، فألحقتها.
والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في الكتف.
وعن ابن عباس: لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون إليها.
وعن مقاتل: إلى تبوك.
فإن قلت: معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان، فما فائدة نفي الاستواء؟
قلت: معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته، ونحوه ﴿ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الزمر: 9] أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم، ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم ﴿ فَضَّلَ الله المجاهدين ﴾ جملة موضحة لما نفي من استواء القاعدين والمجاهدين كأنه قيل: ما لهم لا يستوون، فأجيب بذلك.
والمعنى على القاعدين غير أولي الضرر لكون الجملة بياناً للجملة الأولى المتضمنة لهذا الوصف ﴿ وَكُلاًّ ﴾ وكل فريق من القاعدين والمجاهدين ﴿ وَعَدَ الله الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم» وهم الذين صحت نياتهم ونصحت جيوبهم وكانت أفئدتهم تهوى إلى الجهاد، وبهم ما يمنعهم من المسير من ضرر أو غيره.
فإن قلت: قد ذكر الله تعالى مفضلين درجة ومفضلين درجات، فمن هم؟
قلت: أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم، لأن الغزو فرض كفاية.
فإن قلت: لم نصب (درجة) و(أجراً) و(درجات)؟
قلت: نصب قوله: (درجة) لوقوعها موقع المرة من التفضيل، كأنه قيل فضلهم تفضيلة واحدة.
ونظيره قولك: ضربه سوطاً، بمعنى ضربه ضربة.
وأما (أجراً) فقد انتصب بفضل، لأنه في معنى أجرهم أجراً ودرجات، ومغفرة، ورحمة: بدل من أجر.
أو يجوز أن ينتصب (درجات) نصب درجة.
كما تقول: ضربه أسواطاً بمعنى ضربات، كأنه قيل: وفضله تفضيلات.
ونصب ﴿ أَجْراً عَظِيماً ﴾ على أنه حال عن النكرة التي هي درجات مقدمة عليها، وانتصب مغفرة ورحمة بإضمار فعلهما بمعنى: وغفر لهم ورحمهم، مغفرة ورحمة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً ﴾ كُلُّ واحِدٍ مِنها بَدَلٌ مِن أجْرًا، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ دَرَجاتٍ عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِكِ: ضَرَبْتُهُ أسْواطًا، وأجْرًا عَلى الحالِ عَنْها تَقَدَّمَتْ عَلَيْها لِأنَّها نَكِرَةٌ، ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً عَلى المَصْدَرِ بِإضْمارِ فَعَلَيْهِما كَرَّرَ تَفْضِيلَ المُجاهِدِينَ، وبالَغَ فِيهِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا تَعْظِيمًا لِلْجِهادِ وتَرْغِيبًا فِيهِ.
وقِيلَ: الأوَّلُ ما خَوَّلَهم في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والظَّفَرِ وجَمِيلِ الذِّكْرِ، والثّانِي ما جَعَلَ لَهم في الآخِرَةِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالدَّرَجَةِ الأُولى ارْتِفاعُ مَنزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وبِالدَّرَجاتِ مَنازِلُهم في الجَنَّةِ.
وقِيلَ القاعِدُونَ الأوَّلُ هُمُ الأضِرّاءُ والقاعِدُونَ الثّانِي هُمُ الَّذِينَ أذِنَ لَهم في التَّخَلُّفِ اكْتِفاءً بِغَيْرِهِمْ.
وقِيلَ المُجاهِدُونَ الأوَّلُونَ مِن جاهَدَ الكُفّارَ والآخَرُونَ مِن جاهَدَ نَفْسَهُ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» .
﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ لِما عَسى أنْ يَفْرُطَ مِنهم.
﴿ رَحِيمًا ﴾ بِما وعَدَ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
{درجات مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً} قيل انتصب أجراً بفضل لأنه فى معنى أجرهم أجرا أو درجات ومغفرة ورحمة بدل من أجراً أو انتصب درجات نصب درجة كأنه قيل فضلهم تفطيلات كقولك ضربة أسواطا أى ضربات وأجرا عظيما على أنه حال من الكرة التى هى درجات مقدمة عليها مغفرة ورحمة باضمار فعلهما إى غفر لهم روحمهم مغفرة ورحمة حاصلة أن الله تعالى فضل المجاهدين على القاعدين بعذر درجة وعلى القاعدين بغير عذر بأمر النبى عليه السلام اكتفار بغيرهم
درجات لأن الجهاد فرض كفاية {وَكَانَ الله غَفُوراً} بتكفير العذر {رَّحِيماً} بتوفير الأجر ونزل فيمن أسلم ولم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة وخرج مع المشركين إلى بدر مرتدا فقتل كافرا
﴿ دَرَجاتٍ ﴾ قُدِّمَ عَلَيْها فانْتُصِبَ عَلى الحالِ، ولِكَوْنِهِ مَصْدَرًا في الأصْلِ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ جازَ نَعْتُ الجَمْعِ بِهِ بِعِيدٌ.
وجُوِّزَ في (دَرَجاتٍ) أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿ أجْرًا ﴾ بَدَلَ الكُلِّ مُبَيِّنًا لِكِمِّيَّةِ التَّفْضِيلِ، وأنْ يَكُونَ حالًا أيْ: ذَوِي دَرَجاتٍ، وأنْ يَكُونَ واقِعًا مَوْقِعَ الظَّرْفِ، أيْ: في دَرَجاتٍ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنهُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(دَرَجاتٍ) دالَّةً عَلى فَخامَتِها وعُلُوِّ شَأْنِها.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِزٍ أنَّهُ قالَ: «هِيَ سَبْعُونَ دَرَجَةً ما بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ عَدْوُ الفَرَسِ الجَوادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً».
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، عَنِ أبِي سَعِيدٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: ««مَن رَضِيَ بِاللَّهِ تَعالى رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -رَسُولًا وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ» فَعَجِبَ لَها أبُو سَعِيدٍ فَقالَ: أعِدْها عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأعادَها عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وأُخْرى يَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى بِها العَبْدَ مِائَةَ دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ، ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، قالَ: وما هي يا رَسُولَ اللَّهِ؟
قالَ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى»» وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّها سَبْعُمِائَةٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (دَرَجاتٍ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، كَما في قَوْلِكَ: ضَرَبْتُهُ أسْواطًا، أيْ: ضَرَباتٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلَهم تَفْضِيلاتٍ، وجَمْعُ القِلَّةِ هُنا قائِمٌ مَقامَ جَمْعِ الكَثْرَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى بابِهِ.
والمُرادُ بِالدَّرَجاتِ ما ذُكِرَ في آيَةِ (بَراءَةَ ﴿ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِنَ عَدُوٍّ نَيْلا إلا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، ونُسِبَ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ.
وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ ومَغْفِرَةً ﴾ عَطْفٌ عَلى (دَرَجاتٍ) الواقِعِ بَدَلًا مِن (أجْرًا) بَدَلَ الكُلِّ إلّا أنَّ هَذا بَدَلُ البَعْضِ مِنهُ؛ لِأنَّ بَعْضَ الأجْرِ لَيْسَ مِن بابِ المَغْفِرَةِ، أيْ: ومَغْفِرَةً عَظِيمَةً لِما يَفْرُطُ مِنهم مِنَ الذُّنُوبِ، الَّتِي لا يُكَفِّرُها سائِرُ الحَسَناتِ الَّتِي يِأْتِي بِها القاعِدُونَ، فَحِينَئِذٍ تُعَدُّ مِن خَصائِصِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ورَحْمَةً ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ أيْضًا، وهو بَدَلُ الكُلِّ مِن (أجْرًا) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُما بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: غَفَرَ لَهم مَغْفِرَةً، ورَحِمَهم رَحْمَةً.
هَذا ولَعَلَّ تَكْرِيرُ التَّفْضِيلِ بِطَرِيقِ العَطْفِ المُنْبِئِ عَنِ المُغايَرَةِ وتَقْيِيدُهُ تارَةً بِـ(دَرَجَةً) وأُخْرى بِـ(دَرَجاتٍ) مَعَ اتِّحادِ المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ حَسْبَما يَسْتَدْعِيهِ الظّاهِرُ إمّا لِتَنْزِيلِ الِاخْتِلافِ العُنْوانِيِّ بَيْنَ التَّفْضِيلَيْنِ وبَيْنَ الدَّرَجَةِ والدَّرَجاتِ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ الذّاتِيِّ تَمْهِيدًا لِسُلُوكِ طَرِيقِ الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرِ، وإمّا لِمَزِيدِ التَّحْقِيقِ والتَّقْرِيرِ المُؤْذِنِ بِأنَّ فَضْلَ المُجاهِدِينَ بِمَحَلٍّ لا تَسْتَطِيعُ طَيْرُ الأفْكارِ الخُضْرُ أنْ تَصِلَ إلَيْهِ، ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يَكادُ أنْ يُتَوَهَّمَ مِنهُ حَرَمانُ القاعِدِينَ اعْتَنى سُبْحانَهُ بِدَفْعِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿ وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى ﴾ ثُمَّ أرادَ جَلَّ شَأْنُهُ تَفْسِيرَ ما أفادَهُ التَّنْكِيرُ بِطَرِيقِ الإبْهامِ بِحَيْثُ يَقْطَعُ احْتِمالَ كَوْنِهِ لِلْوَحْدَةِ، فَقالَ ما قالَ وسَدَّ بابَ الِاحْتِمالِ.
ولا يَخْفى ما في الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ مِنَ العَطْفِ، وأمّا ما قِيلَ مِن إفْرادِ الدَّرَجَةِ أوَّلًا؛ لِأنَّ المُرادَ هُناكَ تَفْضِيلُ كُلِّ مُجاهِدٍ والجَمْعِ ثانِيًا؛ لِأنَّ المُرادَ فِيهِ تَفْضِيلُ الجَمْعِ فَفي الدَّرَجاتِ مُقابَلَةُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ فَلِكُلِّ مُجاهِدٍ دَرَجَةٌ، ومَآلُ العِبارَتَيْنِ واحِدٌ، والِاخْتِلافُ تَفَنُّنٌ فَمِنَ الكَلامِ المَلْفُوظِ، لا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
وإمّا لِلِاخْتِلافِ بِالذّاتِ بَيْنَ التَّفْضِيلَيْنِ وبَيْنَ الدَّرَجَةِ والدَّرَجاتِ، وفي هَذا رَغِبَ الرّاغِبُ، واسْتَطْيَبَهُ الطِّيبِيُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّفْضِيلِ الأوَّلِ ما خَوَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عاجِلًا في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والظَّفَرِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ الحَقِيقِيِّ بِكَوْنِهِ دَرَجَةً واحِدَةً، وبِالتَّفْضِيلِ الثّانِي ما ادَّخَرَهُ سُبْحانَهُ لَهم مِنَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ المُتَعالِيَةِ عَنِ الحَصْرِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْدِيمُ الأوَّلُ وتَأْخِيرُ الثّانِي وتَوْسِيطُ الوَعْدِ بِالجَنَّةِ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلَهم في الدُّنْيا دَرَجَةً واحِدَةً وفي الأُخْرى دَرَجاتٍ لا تُحْصى، وقَدْ وسَّطَ بَيْنَهُما في الذِّكْرِ ما هو مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُما في الوُجُودِ - أعْنِي الوَعْدَ بِالجَنَّةِ - تَوْضِيحًا لِحالِهِما، ومُسارَعَةً إلى تَسْلِيَةِ المَفْضُولِ، كَذا قَرَّرَهُ الفاضِلُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ.
وقِيلَ: المُرادُ مِنَ التَّفْضِيلِ الأوَّلِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى ونَعِيمُهُ الرُّوحانِيُّ، ومِنَ التَّفْضِيلِ الثّانِي نَعِيمُ الجَنَّةِ المَحْسُوسُ، وفِيهِ أنَّ عَطْفَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ يُبْعِدُ هَذا التَّخْصِيصَ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ المُجاهِدِينَ الأوَّلِينَ مَن جاهَدَ الكُفّارَ، ومِنَ المُجاهِدِينَ الآخَرِينَ مَن جاهَدَ نَفْسَهُ، وزِيدَ لَهم في الأجْرِ لِمَزِيدِ فَضْلِهِمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ»» وفِيهِ أنَّ السِّياقَ وسَبَبَ النُّزُولِ يَأْبَيانِ ذَلِكَ، والحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ لا أصْلَ لَهُ كَما قالَ المُحَدِّثُونَ.
وقِيلَ: المُرادُ مِنَ القاعِدِينَ في الأوَّلِ الأضِرّاءُ، وفي الثّانِي غَيْرُهُمْ، كَما قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وأخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وفِيهِ مِن تَفْكِيكِ النَّظْمِ ما لا يَخْفى.
بَقِيَ أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ نَصًّا عَلى حُكْمِ أُولِي الضَّرَرِ بِناءً عَلى التَّفْسِيرِ المَقْبُولِ عِنْدَنا، نَعَمْ، في بَعْضِ الأحادِيثِ ما يُؤْذِنُ بِمُساواتِهِمْ لِلْمُجاهِدِينَ، فَقَدْ صَحَّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا رَجَعَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنا مِنَ المَدِينَةِ قالَ: «إنَّ في المَدِينَةِ لَأقْوامًا ما سِرْتُمْ مِن سَيْرٍ ولا قَطَعْتُمْ مِن وادٍ إلّا كانُوا مَعَكم فِيهِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وهم بِالمَدِينَةِ؟!
قالَ: نَعَمْ، وهم بِالمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ»» وعَلَيْهِ دَلالَةُ مَفْهُومِ الصِّفَةِ والِاسْتِثْناءِ في ﴿ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴾ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: إلّا أُولُو الضَّرَرِ؛ فَإنَّهم يُساوُونَ المُجاهِدِينَ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: إنَّ هَذِهِ المُساواةَ مَشْرُوطَةٌ بِشَرِيطَةٍ أُخْرى غَيْرِ الضَّرَرِ قَدْ ذُكِرَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ والَّذِي يَشْهَدُ لَهُ النَّقْلُ والعَقْلُ أنَّ الأضِرّاءَ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِمْ دَرَجَةً، كَما أنَّهم دُونَ المُجاهِدِينَ في الدَّرَجَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وأما أنَّهم مُساوُونَ لَهم في الدَّرَجَةِ الأُخْرَوِيَّةِ فَلا قَطْعَ بِهِ، والآيَةُ - عَلى ما قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ - تَدُلُّ عَلى أنَّهم دُونَهم في ذَلِكَ أيْضًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ ثابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ يَغْزُو ويَقُولُ: «ادْفَعُوا إلَيَّ اللِّواءَ، وأقِيمُونِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَإنِّي لَنْ أفِرَّ».
وأخْرَجَ ابْنُ مَنصُورٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: «لَقَدْ رَأيْتُ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ بَعْدَ ذَلِكَ في بَعْضِ مَشاهِدِ المُسْلِمِينَ ومَعَهُ اللِّواءُ».
ويُعْلَمُ مَن نَفْيِ المُساواةِ في صَدْرِ الآيَةِ المُسْتَلْزِمِ لِلتَّفْضِيلِ المُصَرَّحِ بِهِ بَعْدُ بَيْنَ المُجاهِدِ بِالمالِ والنَّفْسِ والقاعِدِ نَفْيُها بَيْنَ المُجاهِدِ بِأحَدِهِما والقاعِدِ، واحْتِمالُ أنْ يُرادَ مِنَ الآيَةِ نَفْيُ المُساواةِ بَيْنَ القاعِدِ عَنِ الجِهادِ بِالمالِ والمُجاهِدِ بِهِ، وبَيْنَ القاعِدِ عَنِ الجِهادِ بِالنَّفْسِ والمُجاهِدِ بِها بِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمُ المُجاهِدِينَ فِيهِ بِأمْوالِهِمْ، والمُجاهِدِينَ فِيهِ بِأنْفُسِهِمْ، وبِالقاعِدِينَ - أيْضًا - قِسْمَيِ القاعِدِ، ويَكُونَ المُرادُ نَفْيُ المُساواةِ بَيْنَ كُلِّ قِسْمٍ مِنَ القاعِدِ ومُقابِلِهِ بَعِيدُ جِدًّا.
واحْتَجَّ بِها - كَما قالَ ابْنُ الغَرْسِ - مَنَّ فَضَّلَ الغِنى عَلى الفَقْرِ بِناءً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ فَضَّلَ المُجاهِدَ بِمالِهِ عَلى المُجاهِدِ بِغَيْرِ مالِهِ، ولا شَكَّ أنَّ الدَّرَجَةَ الزّائِدَةَ مِنَ الفَضْلِ لِلْمُجاهِدِ بِمالِهِ إنَّما هي مِن جِهَةِ المالِ، واسْتَدَلُّوا بِها أيْضًا عَلى تَفْضِيلِ المُجاهِدِ بِمالِ نَفْسِهِ عَلى المُجاهِدِ بِمالٍ يُعْطاهُ مِنَ الدِّيوانِ ونَحْوِهِ.
﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرُ لِما وعَدَ سُبْحانَهُ مِن قَبْلُ.
<div class="verse-tafsir"
لاَّ يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني القاعدين عن الجهاد لا يكون حالهم مثل حال الذين يجاهدون في الثواب والأجر غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ أي القاعدين الذين لا عذر لهم، ومن كان له عذر فهو خارج من هذا.
قال ابن عباس: يعني ابن أم مكتوم ومحمد بن جحش.
ويقال: عبد الله بن جحش.
فقال: إنا عميان فهل لنا من رخصة فنزلت غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ.
حدّثنا أبو الفضل بن أبي حفص، قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي، قال: حدثنا إبراهيم بن داود، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأوسي، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعدي قال: رأيت مروان بن الحكم جالساً في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله أملى عليه لاَّ يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها عليَّ، فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت.
وكان رجلاً أعمى، فأنزل الله تعالى على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت عليَّ حتى خفت أن يرضَّ فخذي، ثم سري عنه أي زال عنه التغير فأنزل الله تعالى: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ يعني: إلا أن يكون أولي الضرر.
قرأ نافع والكسائي وابن عامر: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ بنصب الراء، وقرأ حمزة وعاصم وابن كثير وأبو عمرو غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ بالضم.
وقرأ بعضهم غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ بالكسر.
فمن قرأ بالضم جعله نعتاً للقاعدين، أي يعني لا يستوي القاعدون غير أولي الضرر.
ومن قرأ بالنصب فهو على معنى الاستثناء، ويقال: هو نصب على الحال.
ومن قرأ بالكسر فلحرف الكسر وهو من قوله تعالى: وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ أي بغير عذر دَرَجَةً أي فضيلة في الآخرة وَكُلًّا يعني: المجاهدين والقاعدين والمعذورين وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أي وعد الله لهم الثواب وهو الجنة.
ثم قال تعالى: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً أي بغير عذر، ثم بيّن الأجر فقال: دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً أي فضائل من الله في الجنة أي سبعين درجة.
روى هشام بن حسان، عن جبلة بن عطية، عن ابن محيريز قال: ما بين الدرجتين حضر الفرس أو الجواد سبعين عاماً.
ثم قال تعالى: وَمَغْفِرَةً يعني مغفرة لذنوبهم وَرَحْمَةً نعمة في الجنة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لمن جاهد رَحِيماً إذ سوّى بين من له عذر بالفضل مع غيره.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وغيره: «السَّلَمَ» ، ومعناه: الاِستسلام، أي: ألقى بيده، واستسلَم لكُمْ، وأظهر دعوتكَم، وقرأ باقي السبعة: «السَّلاَمَ» (بالألف) ، يريد: سلاَمَ ذلك المَقْتُولِ على السَّريَّة لأن سلامَهُ بتحيَّة الإسلام مُؤْذِنٌ بطاعَتِهِ، وانقياده، وفي بَعْضِ طرق عاصم: «السِّلْمَ» - بكسر السين المشدَّدة، وسكونِ اللامِ-، وهو الصُّلْح، والمعنَى المرادُ بهذه الثلاثةِ مُتَقَارِبٌ، وقرىء:
«لَسْتَ مُؤْمَناً» «١» - بفتح الميم- أي: لَسْنَا نُؤَمِّنُكَ.
وقوله تعالى: فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ: عِدَةٌ منه سبحانه بما يأْتِي به مِنْ فَضْله من الحلال دون ارتكاب محْظُورٍ، أي: فلا تتهافَتُوا.
واختلف في قوله: كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ.
فقال ابنُ جُبَيْرٍ: معناه: كذلكَ كُنْتُمْ مستخْفِينَ مِنْ قومكم بإسلامِكُمْ، فَمَنَّ اللَّه عليكم بإعزازِ دينِكم، وإظهارِ شَرِيعتكم، فَهُمُ الآنَ كذلك كلُّ واحدٍ منهم خَائِفٌ مِنْ قومه، متربِّصٌ أَنْ يَصِلَ إلَيْكم، فلم يصْلُحْ إذا وَصَل أنْ تَقْتُلُوه حتى تتبيَّنوا أَمْرَهُ «٢» ، وقال ابنُ زَيْدٍ:
المعنى: كَذَلِكَ كُنْتُمْ كَفَرةً، فَمنَّ اللَّهُ علَيْكُمْ بِأنْ أسلَمْتُمْ، فلا تُنْكِرُوا أَنْ يكُونَ هو كافراً، ثم يسلم لِحِينه «٣» ، ثم وَكَّد تبارَكَ وتعالى الوصيَّةَ بالتبيُّن، وأعلم أنَّه خبيرٌ بما يعمَلُه العبادُ، وذلك منه خَبَرٌ يتضمَّن تحذيراً منه سبحانه، أي: فاحفظوا أنْفُسَكم، وجَنِّبوا الزَّلَل المُوبِقَ لكم.
وقوله تعالى: لاَّ يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ...
الآية: في قوله تعالى: لاَ يَسْتَوِي إبهامٌ على السَّامعِ/، وهو أبْلَغُ من تحديدِ المَنْزِلَةِ التي بَيْنَ المجاهد والقاعِدِ، فالمتأمِّل يَمْشِي مع فِكْرته، ولا يَزَالُ يتخيَّل الدرَجَاتِ بينهما، والقاعدُونَ عبارةٌ عن المتخلِّفين.
قلْتُ: وخرج أبو بكر بن الخطيب بسنده، عن عليِّ بْنِ أبي طالب (رضي اللَّه عنه) قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ أَعْلاَهَا الحُلَلُ، ومِنْ أَسْفَلِهَا خَيْلٌ بُلْقٌ مِنْ ذَهَبٍ مُسَرَّجَةٌ مُلْجَمَةٌ بالدُّرِّ واليَاقُوت، لاَ تَرُوثُ، وَلاَ تَبُولُ، ذَوَاتُ أَجْنِحَةٍ، فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ فتطِيرُ بِهِمْ حَيْثُ شَاءُوا، فَيَقُولُ الَّذِينَ أَسْفَلَ مِنْهُمْ: يأهْلَ الجَنَّة، ناصِفُونا، يا ربِّ، ما بَلَّغَ هؤلاءِ هذه الكرامَةَ؟!
فَيَقُولُ اللَّه تعالى: إنهم كانُوا يَصُومُونَ، وكُنْتُمْ تُفْطِرُونَ، وَكَانُوا يقُومُونَ باللَّيْلِ وَكُنْتُمْ تَنَامُونَ، وَكَانُوا يُنْفِقُونَ، وَكُنْتُمْ تَبْخَلُونَ، وَكَانُوا يُجَاهِدُونَ العَدُوَّ وَكُنْتُمْ تَجْبُنُونَ» «١» .
انتهى.
وقرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرو «٢» وحمزة: «غَيْرُ» - بالرفع- صفةً للقاعدين، وقرأ نافعٌ وغيره: «غَيْر» - بالنصب- استثناء من القاعدينَ، ورُوِيَ من غيرِ مَا طَرِيقٍ أنَّ الآية نزلَتْ:
«لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ» ، فجاء ابنُ أمِّ مكتومٍ، حين سمعها، فقال:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِنْ رُخْصَةٍ، فَإنِّي ضَرِيرُ البَصَرِ، فَنَزَلَتْ عِنْدَ ذلك غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «٣» ، ...
..
قَالَ الفَلَتَانُ بْنُ عَاصِمٍ «١» (رضي اللَّه عنه) : كنّا قعودا عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل علَيْه، وكان إذَا أُوحِيَ إلَيْهِ، دَامَ بَصَرُهُ مَفْتُوحَةً عَيْنَاهُ، وفَرَّغَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ لِمَا يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ لِلْكَاتِبِ: اكتب: «لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ ...
» إلَى آخر الآية، قال: فقام الأعمى، فقَاَل: يا رسُولَ اللَّهِ، مَا ذَنْبُنَا؟
قَالَ:
فأنزلَ اللَّهُ على رسولِهِ، فقلْنا للأعمى: إنه يَنْزِلُ عليه، قال: فَخَافَ أنْ ينزلَ فيه شيْءٌ، فبقيَ قائماً مكانَهُ، يقولُ: أَتُوبُ إلى رسُولِ اللَّهِ، حتّى فرغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال للكاتب:
اكتب: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «١» ، وأهْلُ الضررِ: هم أهل الأعذار، إذ قد أضرَّت بهم حتى منعتهم الجهَادَ قاله ابنُ عَبَّاس وغيره «٢» .
وقوله تعالى: بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، هي الغايةُ في كمالِ الجهَاد، قال ابن جُرَيْجٍ:
الفَضْلُ بدرجةٍ هو على القَاعِدِينَ مِنْ أهْل العذر.
قال ع «٣» : لأنهم مع المؤمنين بنيَّاتهم كما هو مذكورٌ في الحديثِ الصَّحيحِ.
قال ابنُ جُرَيجٍ: والتفضيلُ بالأجْر العظيمِ والدرجاتِ هُوَ على القَاعِدِينَ مِنْ غير عذر «٤» ، والْحُسْنى: الجنةُ التي وَعَدَهَا اللَّهُ المؤمِنِينَ وكذلك قال السُّدِّيُّ وغيره «٥» .
وقال ابنُ مُحَيْرِيزٍ «٦» : الدرجاتُ: هي درجاتٌ في الجنَّةِ سَبْعُونَ ما بَيْنَ الدرجَتَيْنِ حُضْرُ الجَوَادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً «٧» ، قُلْتُ: وفي «صحيح البُخاريِّ» ، عن أبي هريرةَ، عن رسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «إنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنّة» «٨» .
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَرَجاتٍ مِنهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: دَرَجاتٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: أجْرًا عَظِيمًا، وهو مُفَسِّرٌ لِلْأجْرِ.
وفي المُرادِ بِالدَّرَجاتِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها دَرَجاتُ الجَنَّةِ، قالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ: الدَّرَجاتُ: سَبْعُونَ دَرَجَةً ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حُضْرُ الفَرَسِ الجَوادِ المُضْمَرِ سَبْعِينَ سَنَةً، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى الدَّرَجاتِ: الفَضائِلُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ قَتادَةُ: كانَ يُقالُ: الإسْلامُ دَرَجَةٌ، والهِجْرَةُ في الإسْلامِ دَرَجَةٌ، والجِهادُ في الهِجْرَةِ دَرَجَةٌ، والقَتْلُ في الجِهادِ دَرَجَةٌ.
وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الدَّرَجاتُ: هي السَّبْعُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في بَراءَةَ حِينَ قالَ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلا كُتِبَ لَهُمْ ﴾ \[التَّوْبَةِ ١٢٠، ١٢١\] .
فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ الكَلامِ دَرَجَةً، وفي آَخِرِهِ دَرَجاتٍ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الدَّرَجَةَ الأُولى تَفْضِيلُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ مِن أُولِي الضَّرَرِ مَنزِلَةً، والدَّرَجاتُ: تَفْضِيلُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ مِن غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ مَنازِلَ كَثِيرَةً، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الدَّرَجَةَ الأُولى دَرَجَةُ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ، والدَّرَجاتُ: مَنازِلُ الجَنَّةِ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهِ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلا وعَدَ اللهِ الحُسْنى وفَضَّلَ اللهِ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ ﴿ دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فِي قَوْلِهِ: "لا يَسْتَوِي" إبْهامٌ عَلى السامِعِ هو أبْلَغُ مِن تَحْدِيدِ المَنزِلَةِ الَّتِي بَيْنَ المُجاهِدِ والقاعِدِ، فالمُتَأمِّلُ يَمْشِي مَعَ فِكْرَتِهِ، ولا يَزالُ يَتَخَيَّلُ الدَرَجاتِ بَيْنَهُما.
و"القاعِدُونَ" عِبارَةٌ عَنِ المُتَخَلِّفِينَ، إذِ القُعُودُ هَيْئَةُ مَن لا يَتَحَرَّكُ إلى الأمْرِ المَقْعُودِ عنهُ في الأغْلَبِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ" بِرَفْعِ الراءِ مِن "غَيْرُ"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ "غَيْرَ" بِالنَصْبِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، فَرُوِيَ عنهُ الرَفْعُ والنَصْبُ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "غَيْرِ" بِكَسْرِ الراءِ، فَمَن رَفَعَ جَعَلَ "غَيْرُ" صِفَةً لِلْقاعِدِينَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، كَما هي عِنْدَهُ صِفَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "غَيْرِ المَغْضُوبِ" ﴾ بِجَرِّ "غَيْرِ" صِفَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: وإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهِ إنَّما يَجْزِي الفَتى غَيْرُ الجَمَلْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَذا ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ، ويُرْوى: "لَيْسَ الجَمَلْ".
ومَن قَرَأ بِنَصْبِ الراءِ جَعَلَهُ اسْتِثْناءً مِنَ "القاعِدِينَ"، قالَ أبُو الحَسَنِ: ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَها عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ والِاسْتِدْراكِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ يَتَحَصَّلُ الِاسْتِدْراكُ بِتَخْصِيصِ القاعِدِينَ بِالصِفَةِ، قالَ الزَجّاجُ: يَجُوزُ أيْضًا في قِراءَةِ الرَفْعِ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قالَ: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ والمُجاهِدُونَ إلّا أُولُو الضَرَرِ فَإنَّهم يُساوُونَ المُجاهِدِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَرْدُودٌ، لِأنَّ أُولِي الضَرَرِ لا يُساوُونَ المُجاهِدِينَ، وغايَتُهم أنْ خَرَجُوا مِنَ التَوْبِيخِ والمَذَمَّةِ الَّتِي لَزِمَتِ القاعِدِينَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، قالَ: ويَجُوزُ في قِراءَةِ نَصْبِ الراءِ أنْ يَكُونَ عَلى الحالِ، وأمّا كَسْرُ الراءِ فَعَلى الصِفَةِ مِنَ "المُؤْمِنِينَ".
ورُوِيَ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ: ﴿ لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ ﴾ ، فَجاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ حِينَ سَمِعَها فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ هَلْ مِن رُخْصَةٍ فَإنِّي ضَرِيرُ البَصَرِ؟
فَنَزَلَتْ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ ﴾ ، قالَ الفِلَّقانُ بْنُ عاصِمٍ: كُنّا قُعُودًا عِنْدَ النَبِيِّ فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ، وكانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ دامَ بَصَرُهُ مَفْتُوحَةً عَيْناهُ، وفَرَغَ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ لِما يَأْتِيهِ مِنَ اللهِ، وكُنّا نَعْرِفُ ذَلِكَ في وجْهِهِ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ لِلْكاتِبِ: اكْتُبْ: ﴿ لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: فَقامَ الأعْمى فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما ذَنْبُنا؟
قالَ: فَأنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ، فَقُلْنا لِلْأعْمى: إنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قالَ: فَخافَ أنْ يَنْزِلَ فِيهِ شَيْءٌ فَبَقِيَ قائِمًا مَكانَهُ يَقُولُ: "أتُوبُ إلى رَسُولِ اللهِ" حَتّى فَرَغَ رَسُولُ اللهِ، فَقالَ لِلْكاتِبِ: اكْتُبْ ﴿ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ ﴾ ؛» وأُولُو الضَرَرِ هم أهْلُ الأعْذارِ إذْ قَدْ أضَرَّتْ بِهِمْ حَتّى مَنَعَتْهُمُ الجِهادَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ ﴾ هي الغايَةُ في كَمالِ الجِهادِ، ولَمّا كانَ أهْلُ الدِيوانِ مُتَمَلِّكِينَ بِذَلِكَ العَطاءِ، يَصْرِفُونَ في الشَدائِدِ، وتَرُوعُهُمُ البُعُوثُ والأوامِرُ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هم أعْظَمُ أجْرًا مِنَ المُتَطَوِّعِ، لِسُكُونِ جَأْشِهِ، ونِعْمَةِ بالِهِ في الصَوائِفِ الكِبارِ ونَحْوِها.
واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ المُظْهِرَةِ لِفَضْلِ المالِ مَن قالَ: إنَّ الغِنى أفْضَلُ مِنَ الفَقْرِ، وإنَّ مُتَعَلِّقَهُ بِها لَبَيِّنٌ.
وفَسَّرَ الناسُ الآيَةَ عَلى أنَّ تَكْمِلَةَ التَفْضِيلِ فِيها بِالدَرَجَةِ، ثُمَّ بِالدَرَجاتِ إنَّما هو مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدٌ وبَيانٌ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الفَضْلُ بِدَرَجَةٍ هو عَلى القاعِدِينَ مِن أهْلِ العُذْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ بِنِيّاتِهِمْ، كَما قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في غَزْوَةِ تَبُوكٍ: « "إنَّ بِالمَدِينَةِ رِجالًا ما قَطَعْنا وادِيًا ولا سَلَكْنا جَبَلًا ولا طَرِيقًا إلّا وهم مَعَنا، حَبَسَهُمُ العُذْرُ"،» قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:.
والتَفْضِيلُ بِالأجْرِ العَظِيمِ والدَرَجاتِ هو عَلى القاعِدِينَ مِن غَيْرِ أهْلِ العُذْرِ.
و"الحُسْنى": الجَنَّةُ: وهي الَّتِي وُعِدَها المُؤْمِنُونَ، وكَذَلِكَ قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ.
وقالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ: الدَرَجاتُ هي دَرَجاتٌ في الجَنَّةِ، ما بَيْنَ الدَرَجَتَيْنِ حُضْرُ الفَرَسِ الجَوادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً، وقالَ بِهَذا القَوْلِ الطَبَرِيُّ ورَجَّحَهُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الدَرَجاتُ في الآيَةِ هي السَبْعُ المَذْكُوراتُ في سُورَةِ [بَراءَةٍ]، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللهِ ﴾ الآياتُ، فَذَكَرَ فِيها المَوْطِئَ الغائِظَ لِلْكُفّارِ، والنَيْلَ مِنَ العَدُوِّ، والنَفَقَةَ الصَغِيرَةَ والكَبِيرَةَ، وقَطْعَ الأودِيَةِ والمَسافاتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ودَرَجاتُ الجِهادِ لَوْ حُصِرَتْ أكْثَرُ مِن هَذِهِ، لَكِنْ يَجْمَعُها بَذْلُ النَفْسِ والمالِ، والِاعْتِمالُ بِالبَدَنِ والمالِ في أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا، ولا شَكَّ أنَّ بِحَسَبِ مَراتِبِ الأعْمالِ ودَرَجاتِها تَكُونُ مَراتِبُ الجَنَّةِ ودَرَجاتُها، فالأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، وباقِي الآيَةِ وعْدٌ كَرِيمٌ وتَأْنِيسٌ.
ونَصْبُ "دَرَجاتٍ" إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ الأجْرِ، وإمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ عَلى أنْ تَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْأجْرِ، كَما تَقُولُ: "لَكَ عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ عُرْفًا"، كَأنَّكَ قُلْتَ: أعْرِفُها عُرْفًا.
<div class="verse-tafsir"
ولمّا لام الله بعض المجاهدين على ما صدر منهم من التعمّق في الغاية من الجهاد، عقَّب ذلك ببيان فضل المجاهدين كيْلا يكون ذلك اللومُ موهِماً انحطاط فضيلتهم في بعض أحوالهم، على عادة القرآن في تعقيب النذارة بالبشارة دفعاً لليأس من الرحمة عن أنفُس المسلمين.
يقول العرب «لا يستوي وليس سواءً» بمعنى أنّ أحد المذكورين أفضل من الآخر.
ويعتمدون في ذلك على القرينة الدالّة على تعيين المفضّل لأنّ من شأنه أن يكون أفضل.
قال السموأل أو غيره: فليس سواءً عالم وجهول *** وقال تعالى: ﴿ ليسوا سواء ﴾ [آل عمران: 113]، وقد يُتبعونه بما يصرّح بوجه نفي السوائية: إمّا لخفائه كقوله تعالى: ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴾ [الحديد: 10]، وقد يكون التصريح لمجرّد التأكيد كقوله: ﴿ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ﴾ [الحشر: 20].
وإذ قد كان وجه التفاضل معلوماً في أكثر مواقع أمْثال هذا التركيب، صار في الغالب أمثال هذا التركيب مستعملة في معنى الكناية، وهو التعريض بالمفضول في تفريطه وزُهده فيما هو خير مع المكنة منه، وكذلك هو هنا لظهور أنّ القَاعد عن الجهاد لا يساوي المجاهد في فضيلة نصرة الدين، ولا في ثوابه على ذلك، فتعيّن التعريض بالقاعدين وتشنيع حالهم.
وبهذا يظهر موقع الاستثناء بقوله: ﴿ غيرَ أولي الضرر ﴾ كيلا يحسِبَ أصحاب الضرر أنهم مقصودون بالتحريض فيَخرجوا مع المسلمين، فيكلفّوهم مؤونة نقلهم وحفظهم بلا جدوى، أو يظنّوا أنّهم مقصودون بالتعريض فتنكسر لذلك نفوسهم، زيادة على انكسارها بعجزهم، ولأنّ في استثنائهم إنصافاً لهم وعذراً بأنّهم لو كانوا قادرين لما قعدوا، فذلك الظنّ بالمؤمن، ولو كان المقصود صريحَ المعنى لما كان للاستثناء موقع.
فاحفظوا هذا فالاستثناء مقصود، وله موقع من البلاغة لايضاع، ولو لم يذكر الاستثناء لكان تجاوز التعريض أصحاب الضرر معلومات في سياق الكلام فالاستثناء عدول عن الاعتماد على القرينة إلى التصريح باللفظ.
ويدلّ لهذا ما في «الصحيحين»، عن زيد بن ثابت.
أنّه قال: نزل الوحي على رسول الله وأنا إلى جنبه ثم سريّ عنه فقال: اكتُب، فكتبت في كَتف (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدُون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم)، وخَلْفَ النبي ابنُ أمّ مكتوم فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، فنزلت مكانها ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غيرَ أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ﴾ الآية.
فابن أمّ مكتوم فَهم المقصود من نفي الاستواء فظنّ أنّ التعريض يشمله وأمثاله، فإنّه من القاعدين، ولأجل هذا الظنّ عُدل عن حراسة المقام إلى صراحة الكلام، وهما حالان متساويان في عرف البلغاء، هما حال مراعاة خطاب الذكي وخطاب الغبي، فلذلك لم تكن زيادة الاستثناء مفيتة مقتضى حال من البلاغة، ولكنها معوّضته بنظيره لأنّ السامعين أصناف كثيرة.
وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر، وخلف: ﴿ غيرَ ﴾ بنصب الراء على الحال من ﴿ القاعدون ﴾ ، وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب بالرفع على النعت ل ﴿ القاعدون ﴾ .
وجاز في «غير» الرفعُ على النعت، والنصب على الحال، لأنّ (القاعدون) تعريفهُ للجنس فيجوز فيه مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى.
والضرر: المرض والعاهة من عمّى أو عرج أو زَمانةٍ، لأنّ هذه الصيغة لمصادر الأدواء ونحوها، وأشهر استعماله في العمى، ولذلك يقال للأعمى: ضرير، ولا يقال ذلك للأعرج والزمن، وأحسب أنّ المراد في هذه الآية خصوص العمى وأنّ غيره مقيس عليه.
والضرر مصدر ضرِر بكسر الراء مثل مرض، وهذه الزنة تجيء في العاهات ونحوها، مثل عَمي وعَرج وحَصر، ومصدرها مفتوح العين مثل العَرج، ولأجل خفّته بفتح العين امتنع إدغام المثلين فيه، فقيل: ضَرَر بالفكّ، وبخلاف الضُرّ الذي هو مصدر ضَرّه فهو واجب الإدغام إذ لا موجب للفكّ.
ولا نعرف في كلام العرب إطلاق الضرر على غير العَاهات الضارّة؛ وأمّا ما روي من حديث " لا ضَرر ولا ضِرار " فهو نادرٌ أوْ جرى على الإتْباع والمزاوجة لاقترانه بلفظ ضِرَار وهو مفكّك.
وزعم الجوهري أنّ ضرر اسم مصدر الضرّ، وفيه نظر؛ ولم يحفظ عن غيره ولا شاهد عليه.
وقوله: ﴿ بأموالهم وأنفسهم ﴾ لأنّ الجهاد يقتضي الأمرين: بذل النفس وبذل المال، إلاّ أنّ الجهاد على الحقيقة هو بذل النفس في سبيل الله ولو لم يتفق شيئاً، بل ولو كان كَلاًّ على المؤمنين، كما أنّ من بَذل المال لإعانة الغزاة، ولم يجاهد بنفسه، لا يسمّى مجاهداً وإن كان له أجر عظيم، وكذلك من حبسه العذر وكان يتمنّى زوال عذره واللحاق بالمجاهدين، له فضل عظيم، ولكن فضل الجهاد بالفعل لا يساويه فضل الآخرين.
/ وجملة: ﴿ فضّل الله المجاهدين ﴾ بيان لجملة: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين ﴾ .
وحقيقة الدرجة أنّها جزء من مكان يكون أعلى من جزء أخرَ متّصل به، بحيث تتخطّى القدَم إليه بارتقاء من المكان الذي كانت عليه بصعود، وذلك مثل درجة العُلَيّة ودرجة السلَّم.
والدرجة هنا مستعارة للعلوّ المعنوي كما في قوله تعالى: ﴿ وللرجال عليهنّ درجة ﴾ [البقرة: 228] والعلوّ المراد هنا علوّ الفضل ووفرة الأجر.
وجيء ب (درجة) بصيغة الإفراد، وليس إفرادُها للوحدة، لأنّ درجة هنا جنس معنوي لا أفراد له، ولذلك أعيد التعبير عنها في الجملة التي جاءت بعدها تأكيداً لها بصيغة الجمع بقوله: ﴿ درَجاتتٍ منه ﴾ لأنّ الجمع أقوى من المفرد.
وتنوين ﴿ درجة ﴾ للتعظيم.
وهو يساوي مفاد الجمع في قوله الآتي ﴿ درجات منه ﴾ .
وانتصب ﴿ درجة ﴾ بالنيابة عن المفعول المطلق المبيّن للنوع في فعل ﴿ فَضْل ﴾ إذ الدرجة هنا زيادة في معنى الفضل، فالتقدير: فَضْل الله المجاهدين فَضْلاً هو درجة، أي درجةً فضلاً.
وجملة ﴿ وكُلاً وعد الله الحسنى ﴾ معترضة.
وتنوين «كلاً» تنوين عوض عن مضاف إليه، والتقدير: وكلُّ المجاهدين والقاعدين.
وعُطف ﴿ وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً ﴾ على جملة ﴿ فضّل الله المجاهدين ﴾ ، وإن كان معنى الجملتين واحداً باعتبار ما في الجملة الثانية من زيادة ﴿ أجراً عظيماً ﴾ فبذلك غايرت الجملةُ المعطوفة الجملةَ المعطوفَ عليها مغايرة سوّغت العطف، مع ما في إعادة معظم ألفاظها من توكيد لها.
والمراد بقوله: ﴿ المجاهدين ﴾ المجاهدون بأموالهم وأنفسهم فاستُغني عن ذكر القيد بما تقدّم من ذكره في نظيره السابق.
وانتصَب ﴿ أجراً عظيماً ﴾ على النيابة عن المفعول المطلق المبيِّن للنوع لأنّ الأجر هو ذلك التفضيل، ووصف بأنّه عظيم.
وانتصب درجات على البدل من قوله ﴿ أجراً عظيماً ﴾ ، أو على الحال باعتبار وصف درجات بأنّها ﴿ منه ﴾ أي من الله.
وجُمع ﴿ درجات ﴾ لإفادة تعظيم الدرجة لأنّ الجمع لما فيه من معنى الكثرة تستعار صيغته لمعنى القوّة، ألا ترى أنّ علقمة لمّا أنشد الحارثَ بنَ جبلة ملِكَ غسان قولَه يستشفع لأخيه شَأس بن عبْدة: وفي كلّ حي قد خَبَطْتَ بنعمة *** فحقّ لشَأس من نَداك ذَنُوب قال له الملك «وأذنبة».
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ﴾ في المُراغَمِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُتَحَوَّلُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ.
وَمِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ بَنِي جَعْدَةَ: كَطَوْدٍ يُلاذُ بِأرْكانِهِ عَزِيزِ المُراغَمِ والمَطْلَبِ والثّانِي: مَطْلَبُ المَعِيشَةِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إلى بَلَدٍ غَيْرِ دانِي المَحَلِّ ∗∗∗ بَعِيدِ المُراغَمِ والمَطْلَبِ والثّالِثُ: أنَّ المُراغَمُ المُهاجَرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: يَعْنِي بِالمُراغَمِ مَندُوحَةً عَمّا يَكْرَهُ.
والخامِسُ: أنْ يَجِدَ ما يُرْغِمُهم بِهِ، لِأنَّ كُلَّ مَن شَخِصَ عَنْ قَوْمِهِ رَغْبَةً عَنْهم فَقَدْ أرْغَمَهم، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.
وَأصْلُ ذَلِكَ الرُّغْمُ وهو الذُّلُّ.
والرَّغامُ: التُّرابُ لِأنَّهُ ذَلِيلٌ، والرُّغامُ بِضَمِّ الرّاءِ ما يَسِيلُ مِنَ الأنْفِ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ( وسَعَةً ) ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سَعَةٌ في الرِّزْقِ وهو قَوْلُابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَعْنِي مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى ومِنَ العَيْلَةِ إلى الغِنى، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: سَعَةٌ في إظْهارِ الدِّينِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن سعد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبغوي في معجمه والبيهقي في سننه عن البراء بن عازب قال: لما نزلت ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين ﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ادع فلاناً.
وفي لفظ: ادع زيداً، فجاء ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: اكتب ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ﴾ وخلف النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله إني ضرير؟!
فنزلت مكانها ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ﴾ » .
وأخرج ابن سعد وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل والبيهقي من طريق ابن شهاب قال: «حدثني سهل بن سعد الساعدي أن مروان بن الحكم أخبره: أن زيد بن ثابت أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ﴾ فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها عليّ فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت- وكان أعمى- فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وفخذه على فخذي، فثقلت عليّ حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله: ﴿ غير أولي الضرر ﴾ قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح قال: وفي هذا الحديث رواية رجل من الصحابة وهو سهل بن سعد عن رجل من التابعين وهو مروان بن الحكم، لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وأحمد وأبو داود وابن المنذر وابن الأنباري والطبراني والحاكم وصححه من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت قال: كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة، فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سري عنه: فقال: «اكتب» .
فكتبت في كتف ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ﴾ إلى آخر الآية.
فقال ابن أم مكتوم- وكان رجلاً أعمى- لما سمع فضل المجاهدين: يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟
فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اقرأ يا زيد» .
فقرأت ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اكتب ﴿ غير أولي الضرر...
﴾ الآية» .
قال زيد: أنزلها الله وحدها فألحقتها، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف.
وأخرج ابن فهر في كتاب فضائل مالك وابن عساكر من طريق عبد الله بن رافع قال: قدم هارون الرشيد المدينة، فوجه البرمكي إلى مالك وقال له: احمل إليّ الكتاب الذي صنفته حتى أسمعه منك.
فقال للبرمكي: أقرئه السلام وقل له: إن العلم يزار ولا يزور، وإن العلم يؤتى ولا يأتي.
فرجع البرمكي إلى هارون فقال له: يا أمير المؤمنين يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك فخالفك، اعزم عليه حتى يأتيك، فإذا بمالك قد دخل وليس معه كتاب، وأتاه مسلماً فقال: يا أمير المؤمنين إن الله جعلك في هذا الموضع لعلمك فلا تكن أنت أوّل من يضع العلم فيضعك الله، ولقد رأيت من ليس في حسبك ولا بيتك يعز هذا العلم ويجله فأنت أحرى أن تعز وتجل علم ابن عمك، ولم يزل يعدد عليه من ذلك حتى بكى هارون ثم قال أخبرني الزهري عن خارجة بن زيد قال: قال زيد بن ثابت: كنت أكتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في كتف ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون ﴾ وابن أم مكتوم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قد أنزل الله في فضل الجهاد ما أنزل، وأنا رجل ضرير فهل لي من رخصة؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أدري...» قال زيد بن ثابت: وقلمي رطب ما جف حتى غشي النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، ووقع فخذه على فخذي حتى كادت تدق من ثقل الوحي، ثم جلى عنه فقال لي: «اكتب يا زيد ﴿ غير أولي الضرر ﴾ في أمير المؤمنين حرف واحد بعث به جبريل والملائكة عليهم السلام من مسيرة خمسين ألف عام حتى أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي لي أن أعزه وأجله...؟!» .
وأخرج الترمذي وحسنه النسائي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق مقسم عن ابن عباس أنه قال: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ﴾ عن بدر والخارجين إلى بدر، لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش، وابن أم مكتوم: انا أعميان يا رسول الله فهل لنا رخصة؟
فنزلت ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ﴾ وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة، فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر ﴿ فضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً ﴾ درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مقسم عن ابن عباس.
أنه قال: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين ﴾ عن بدر والخارجين إليها.
وأخرج ابن جرير والطبراني في الكبير بسند رجاله ثقات عن زيد بن أرقم قال: «لما نزلت ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ﴾ جاء ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله أما لي من رخصة؟
قال: لا.
قال: اللهم إني ضرير فرخِّص لي.
فأنزل الله: ﴿ غير أولي الضرر ﴾ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابتها» .
وأخرج عبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن حبان والطبراني عن الفلتان بن عاصم قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل عليه، وكان إذا أنزل عليه دام بصره، مفتوحة عيناه، وفرغ سمعه وقلبه، لما يأتيه من الله قال: فكنا نعرف ذلك منه.
فقال للكاتب: اكتب ﴿ لا يستوي القاعدون والمجاهدون في سبيل الله ﴾ فقام الأعمى فقال: يا رسول الله ما ذنبنا؟
فأنزل الله، فقلنا للأعمى: إنه ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فخاف أن يكون ينزل عليه شيء في أمره، فبقي قائماً يقول: أعوذ بغضب رسول الله فقال للكاتب: اكتب ﴿ غير أولي الضرر ﴾ » .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ﴾ فسمع بذلك عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قد أنزل الله في الجهاد ما قد علمت، وأنا رجل ضرير البصر لا أستطيع الجهاد فهل لي من رخصة عند الله إن قعدت؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أمرت في شأنك بشيء، وما أدري هل يكون لك ولأصحابك من رخصة.
فقال ابن أم مكتوم: اللهم إني أنشدك بصري.
فأنزل الله: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد والطبراني والبيهقي من طريق أبي نضرة عن ابن عباس في الآية قال: نزلت في قوم كانت تشغلهم أمراض وأوجاع، فأنزل الله عذرهم من السماء.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن أنس بن مالك قال: نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم ﴿ غير أولي الضرر ﴾ لقد رأيته في بعض مشاهد المسلمين معه اللواء.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن عبد الله بن شداد قال «لما نزلت هذه الآية ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين ﴾ قام ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله إني ضرير كما ترى؟
فأنزل الله: ﴿ غير أولي الضرر ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: «ذكر لنا أنه لما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أم مكتوم: يا نبي الله عذري؟
فأنزل الله: ﴿ غير أولي الضرر ﴾ » .
وأخرج ابن جرير عن سعيد قال: «نزلت ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين...
والمجاهدين في سبيل الله ﴾ فقال رجل أعمى: يا نبي الله فإني أحب الجهاد ولا أستطيع أن أجاهد.
فنزلت ﴿ غير أولي الضرر ﴾ » .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: «لما نزلت هذه الآية قال ابن أم مكتوم: يا رسول الله إني أعمى ولا أطيق الجهاد.
فأنزل الله فيه ﴿ غير أولي الضرر ﴾ » .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير من طريق زياد بن فياض عن أبي عبد الرحمن قال: لما نزلت ﴿ لا يستوي القاعدون ﴾ قال عمرو بن أم مكتوم: يا رب ابتليتني فكيف أصنع؟
فنزلت ﴿ غير أولي الضرر ﴾ .
وأخرج ابن سعد وابن المنذر من طريق ثابت عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: لما نزلت ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ﴾ قال ابن أم مكتوم: أي رب أين عذري، أي رب أين عذري؟
فنزلت ﴿ غير أولي الضرر ﴾ فوضعت بينها وبين الأخرى، فكان بعد ذلك يغزو ويقول: ادفعوا إلي اللواء، وأقيموني بين الصفين فإني لن أفر.
وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال: نزلت في ابن أم مكتوم أربع آيات ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ﴾ ونزل فيه ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ [ النور: 61] ونزل فيه ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار...
﴾ [ الحج: 46] الآية.
ونزل فيه ﴿ عبس وتولى ﴾ [ عبس: 1] فدعا به النبي صلى الله عليه وسلم، فأدناه وقربه وقال: «أنت الذي عاتبني فيك ربي» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: لا يستوي في الفضل القاعد عن العدو والمجاهد درجة يعني فضيلة ﴿ وكلا ﴾ يعني المجاهد والقاعد المعذور ﴿ وفضل الله المجاهدين على القاعدين ﴾ الذين لا عذر لهم ﴿ أجراً عظيماً درجات ﴾ يعني فضائل ﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ بفضل سبعين درجة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ غير أولي الضرر ﴾ قال: أهل العذر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ﴾ قال: على أهل الضرر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ أي الجنة والله يؤتي كل ذي فضل فضله.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ﴾ قال: على القاعدين من المؤمنين ﴿ غير أولي الضرر ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ درجات منه ومغفرة ورحمة ﴾ قال: كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة درجة في الإسلام، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة.
وأخرج ابن جرير عن ابن وهب قال: سألت ابن زيد عن قول الله تعالى ﴿ وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ﴾ الدرجات هي السبع لتي ذكرها في سورة براءة ﴿ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ﴾ [ التوبة: 120] فقرأ حتى بلغ ﴿ أحسن ما كانوا يعملون ﴾ [ التوبة: 121] قال: هذه السبع درجات؟
قال: كان أول شيء فكانت درجة الجهاد مجملة، فكان الذي جاهد بماله له اسم في هذه، فلما جاءت هذه الدرجات بالتفضيل أخرج منها ولم يكن له منها إلا النفقة فقرأ ﴿ لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ﴾ [ التوبة: 120] وقال: ليس هذا لصاحب النفقة، ثم قرأ ﴿ ولا ينفقون نفقة ﴾ قال: وهذه نفقة القاعد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن محيريز في قوله: ﴿ وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات ﴾ قال: الدرجات سبعون درجة، ما بين الدرجتين عدو الجواد المضمر سبعون سنة.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن أبي محلز في قوله: ﴿ وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات ﴾ قال: بلغني أنها سبعون درجة، بين كل درجتين سبعون عاماً للجواد المضمر.
وأخرج ابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ درجات منه ومغفرة ورحمة ﴾ قال: ذكر لنا أن معاذ بن جبل كان يقول: إن للقتيل في سبيل الله ست خصال من خير: أول دفعة من دمه يكفر بها عنه ذنوبه، ويحلى عليه حلة الإيمان، ثم يفوز من العذاب، ثم يأمن من الفزع الأكبر، ثم يسكن الجنة، ويزوج من الحور العين.
وأخرج البخاري والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين بينهما كما بين السماء والأرض» .
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم عن أبي سعيد.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من رضي بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، وجبت له الجنة.
فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها عليّ يا رسول الله.
فأعادها عليه ثم قال: وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض.
قال: وما هي يا رسول الله؟
قال: الجهاد في سبيل الله» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بلغ بسهم في سبيل الله فله درجة.
فقال رجل: يا رسول الله وما الدرجة؟
قال: أما أنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبادة بن الصامت.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين منها كما بين السماء والأرض» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عن يزيد بن أبي مالك قال: كان يقال: الجنة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء إلى الأرض، فيهن الياقوت والخيل، في كل درجة أمير يرون له الفضل والسؤدد.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَة ﴾ قال أبو إسحاق: درجات نُصب (١) ﴿ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ : وهو مفسر للأجر، المعنى: فضل الله المجاهدين درجات، ﴿ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ﴾ قال: وجائز أن يكون منصوبًا على التوكيد لقوله ﴿ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ ، لأن الأجر العظيم هو رفع الدرجات من الله والمغفرة والرحمة (٢) وتفسير الدرجات ههنا: منازل بعضها أعلى من بعض من منازل الكرامة.
روى أبو هريرة أن النبي قال: "في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ببن الدرجتين كما بين السماء والأرض" (٣) قال السدي: فضلوا سبعمائة درجة (٤) وقال ابن مُحيريز (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ .
يريد للفريقين جميعًا، للمجاهدين والقاعدين.
(١) في "معاني الزجاج": "في محل نصب".
(٢) "معاني القرآن" وإعرابه 2/ 93، 94.
(٣) أخرجه البخاري (2790) حديث أبي هريرة مطولًا في كتاب: الجهاد، باب: درجات المجاهدين في سبيل الله.
(٤) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 680، ولم أقف عليه.
(٥) هو أبو محيريز عبد الله بن محيريز بالتصغير، ابن جنادة القرشي، المكي نشأ يتيمًا في حجر أبي محذورة، كان ثقة من فضلاء التابعين، وشبه بابن عمر في العبادة والفضل، توفي رحمه الله سنة 99هـ، وقيل قبلها.
انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 117، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 494، و"التقريب" ص 322 رقم (3604).
(٦) أخرجه الطبري 5/ 234، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 107 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 175 وغيرهما.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين ﴾ الآية: معناها تفضيل المجاهدين على من لم يجاهد وهم القاعدون ﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾ لما نزلت الآية: قام ابن أم مكتوم الأعمى، فقال يا رسول الله هل من رخصة فإني ضرير البصر، فنزل ﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾ وقرئ غير بالحركات الثلاث، بالرفع صفة للقاعدين، وبالنصب على الاستثناء أو الحال، وبالخفض صفة للمؤمنين ﴿ دَرَجَةً ﴾ قيل: هي تفضيل على القاعدين من أهل العذر والدرجات على القاعدين بغير عذر، وقيل: إن الدرجات مبالغة وتأكيد الدرجة ﴿ الحسنى ﴾ الجنة ﴿ أَجْراً ﴾ منصوب على الحال من درجات أو المصدرية من معنى فضل، وانتصب درجات على البدل من الأجر أو بفعل مضمر، وانتصب مغفرة ورحمة بإضمار فعلها: أي غفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة ﴿ إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة ﴾ [البقرة: 161] الآية: نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا، فلما كان يوم بدر خرجوا مع الكفار فقتلوا منهم قيس بن الفاكه والحارث بن زمعة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف، ويحتمل أن يكون توفاهم ماضياً أو مضارعاً، وانتصب ظالمي على الحال ﴿ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ أي في أي شيء كنتم في أمر دينكم ﴿ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض ﴾ اعتذار عن التوبيخ الذي وبخهم به الملائكة: أي لم تقدروا على الهجرة، وكان اعتذاراً بالباطل ﴿ قالوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً ﴾ رد عليهم؛ وتكذيب لهم في اعتذارهم ﴿ إِلاَّ المستضعفين ﴾ الذين كان استضعافهم حقاً، قال ابن عباس: كنت أنا وأبي وأمي ممن عنى الله بهذه الآية.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فتثبتوا ﴾ من التثبت وكذلك في الحجرات: حمزة وعلي وخلف.
والباقون ﴿ فتبيّنوا ﴾ من التبين ﴿ السلم ﴾ مقصوراً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة وخلف والمفضل وسهل.
الباقون بالألف.
﴿ غير ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي وخلف.
الباقون ﴿ غير ﴾ بالرفع ﴿ الذين توفاهم ﴾ مشددة التاء: البزي وابن فليح.
الوقوف: ﴿ إلاّ خطأ ﴾ ج ﴿ يصدقوا ﴾ ط لابتداء حكم آخر.
﴿ مؤمنة ﴾ ط لذلك ﴿ مؤمنة ﴾ ج ﴿ متتابعين ﴾ ز لاحتمال كون ﴿ توبة ﴾ مصدراً لفعل محذوف والأوجه كونه مفعولاً له.
﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ 5 ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ مؤمناً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً ﴿ الدنيا ﴾ ز لانقطاع النظم مع اتصال الفاء.
﴿ كثيرة ﴾ ط ﴿ فتبينوا ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ 5 ﴿ وأنفسهم ﴾ الأول ط ﴿ درجة ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ 5 لا لأن ما بعده بدل / ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ فيم كنتم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ فتهاجروا فيها ﴾ ط لتناهي الاستفهام بجوابه.
﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ 5 للاستثناء.
﴿ سبيلاً ﴾ 5 لا ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ 5 ﴿ وسعة ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ من الصلاة ﴾ ق والأصح أن شرط تغليب في المسافر ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ 5.
التفسير: لما لم يكن بد في مجاهدة الكفار من أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلاً يظنه كافراً حربياً فيقتله ثم يتبين أنه كان مسلماً، ذكر الله حكم هذه الواقعة وأمثالها في هذه الآيات.
أما سبب النزول فقد روى عروة بن الزبير "أن حذيفة بن اليمان قاتل مع رسول الله يوم أُحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار فضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول: إنه أبي فلم يفهموا قوله إلاّ بعد أن قتلوه.
فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
فلما سمع الرسول ذلك زاد وقع حذيفة عنده" ونزلت الآية.
وقيل: نزلت في أبي الدرداء؛ "وذلك أنه كان في سرية فعدل إلى شعب لحاجة له فوجد رجلاً في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال الرجل: لا إله إلاّ الله فقتله وساق غنمه.
ثم وجد في نفسه شيئاً فذكر الواقعة للرسول فقال: هلا شققت عن قلبه؟
وندم أبو الدرداء" .
والذي عليه أكثر المفسرين ما ذكره الكلبي "أن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أسلم وخاف أن يظهر إسلامه فخرج هارباً إلى المدينة وذلك قبل هجرة رسول الله فقدمها، ثم أتى أُطُماً من آطامها فتحصن فيه فجزعت أمه جزعاً شديداً وأقسمت لا تأكل ولا تشرب ولا يؤوبها سقف حتى يرجع.
فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة وكان أبو جهل أخا عياش لأمه، فأتياه وهو في ألأطم فقالا: انزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، وحلفت لا تأكل طعاماً ولا شراباً حتى ترجع إليها، ولم يزل يفتل منه أبو جهل في الذروة والغارب ويقول: أليس محمد يحثك على صلة الرحم؟
انصرف وبرّ بأمك وأنت على دينك حتى نزل فذهب معهما.
فلما أخرجاه من المدينة وأوثقاه بنسعة وجلده كل منهما مائة جلدة ثم قدما به على أمه فقالت: والله ما أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به.
ثم تركوه موثقاً في الشمس فأعطاهم بعض الذي أرادوا، فأتاه الحرث بن زيد وقال: يا عياش، والله لئن كان الذي كنت عليه هدى لقد تركت الهدى، وإن كان ضلالة فقد دخلت الآن فيه.
فغضب عياش من مقالته وقال له: هذا أخي - يعني أبا جهل - فمن أنت يا حارث؟
لله عليّ، إن وجدتك خالياً أن أقتلك.
ثم إن عياشاً أسلم بعد هجرة رسول الله وهاجر إلى المدينة واسلم الحرث بعده وهاجر وليس عياش يومئذ حاضراً ولم يشعر بإسلامه، فبينما هو يسير بظهر قباء إذ لقي الحرث بن زيد، فلما رآه حمل عليه فقتله فقال الناس: أي شيء صنعت؟
إنه قد أسلم.
فرجع عياش إلى / رسول الله فقال: كان من أمري وأمر الحرث ما علمت وإني لم اشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت" ﴿ وما كان لمؤمن ﴾ أي ما صح له ولا استقام، أو ما كان له فيما أتاه من ربه وعهد إليه، أو ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك.
والغرض بيان أن حرمه القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف ﴿ إلا خطأ ﴾ إلاّ لهذا العذر وبهذا السبب فيكون مفعولاً له، أو إلاّ في حال الخطأ أو إلاّ قتلاً خطأ.
قال أبو هاشم - وهو أحد رؤساء المعتزلة -: التقدير، وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً فيبقى مؤمناً إلا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذٍ مؤمناً.
﴿ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير ﴾ فعليه إعتاق ﴿ رقبة ﴾ أي نسمة مؤمنة.
والحر العتيق الكريم لأنّ الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العيبد ومنه عتاق الخيل والطير لكرامها، وحر الوجه أكرم موضع منه.
وعبر عن النسمة بالرقبة كما عبر عنها بالرأس في قولهم: "فلان يملك كذا رأساً من الرقيق".
﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ الدية من الودي كالشية من الوشي.
والأصل ودية وهي مخصوصة ببدل النفس دون سائر المتلفات، وقد تستعمل في بدل الأطراف والأعضاء والمراد بالأهل الورثة ﴿ إلاّ أن يصدقوا ﴾ أي يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد.
والتصدق الإعطاء والمراد ههنا العفو ومحله النصب على الظرف أو الحال والعامل.
﴿ مسلمة ﴾ أو عليه كأنه قيل: يجب عليه الدية أو يسلمها إلاّ زمان التصدق أو إلاّ متصدقين.
وههنا مسائل: الأولى القتل على ثلاثة أقسام: عمد وخطأ وشبه عمد.
اما العمد فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان جارحاً أو لم يكن.
وأما الخطأ فضربان: أحدهما أن يقصد رمي مشرك أو طائر فأصاب مسلماً، والثاني أن يظنه مشركاً بأن كان عليه شعار الكفار.
فالأول خطأ في الفعل، والثاني خطأ في القصد.
وأما شبه العمد فهو أن يضربه مثلاً بعصا خفيفة لا تقتل غالباً فيموت منه فهذا خطأ في القتل وإن كان عمداً في الضرب.
الثانية قال أبو حنيفة: القتل بالمثقل ليس بعمد محض بل هو خطأ أو شبه عمد فيكون داخلاً تحت الآية فيجب في الدية والكفارة ولا يجب فيه القصاص.
وقال الشافعي: إنه عمد محض يجب فيه القصاص حجة الشافعي أنه قتل عمد عدوان أما إنه قتل فبقوله تعالى لموسى: ﴿ وقتلت نفساً فنجيناك من الغم ﴾ يعني القبطي إذ وكزه موسى فقضى عليه.
وأما أنه عمد عدوان فظاهر لأن من ضرب رأس الإنسان بحجر الرحى أو صلبه أو غرقه أو خنقه ثم قال ما قصدت قتله عد ماجنا، وإذا ثبت أنه قتل عمد عدوان فهو يوجب القصاص لقوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ وأن المقصود أن شرع القصاص صون الأرواح عن الإهدار والإهدار في المثقل كهو في المحدد، والعلم الضروري حاصل بأن التفاوت في آلة الإهدار غير معتبر.
حجة أبي حنيفة قوله : " "ألا إِنَّ قتيل العمد / والخطأ قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل " هذا عام سواء كان السوط أو العصا صغيراً أو كبيراً، وأجيب بأن العصا والسوط يجب حملهما على الخفيف ليتحقق معنى الخطأ، فإن من ضرب رأس إنسان بقطعه جبل ثم قال: ما كنت أقصد قتله لم يعبأ بقوله.
الثالثة قال أبو حنيفة: القتل العمد لا يوجب الكفارة لأنه شرط في الآية أن يكون القتل خطأ، وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط.
وقال الشافعي: يوجبها لما روي أن واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله في صاحب لنا أوجب النار بالقتل فقال: اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار.
وأيضاً نص الله على الكفارة في قتل الصيد عمداً في الحرم وفي الإحرام فأوجبها على الخاطىء بالاتفاق، فههنا نص على الخاطىء فبأن نوجبه على العامد كان أولى لأنه لما أخرج نفساً مؤمنة عن جملة الإحياء عمداً لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار لأن إطلاقها من قبل الرق كاحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار كما أن الميت ممنوع من التصرف مطلقاً، ولتحقيق هذا المعنى أوجب أن تكون الرقبة كاملة الرق، وأن تكون سليمة عن عيب مخل بالعمل كهرم وعمى وجنون.
الرابعة قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي: لا تجزىء الرقبة إلاّ إذا صام وصلى لأنه تعالى أوجب تحرير الرقبة المؤمنة.
والإيمان إما التصديق وإما العمل وإما المجموع وعلى التقديرات فالكل فائت عن الصبي.
وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي: يجزىء الصبي إذا كان أحد أبويه مسلماً لأن حكمه حكم المؤمن.
الخامسة أنه أوجب الدية في القرآن ولم يبين كيفيتها وإنما عرفت من السنة.
عن عمرو بن حزم "أن النبي كتب إلى أهل اليمن أن في النفس مائة من الإبل" .
وهذه المائة إذا كان القتل خطأ مخمسة عشرون منها بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون جذعة وعشرون حقة.
وبه قال مالك لما روي عن ابن مسعود "أن النبي قضى في دية الخطأ بمائة من الإبل" وفصلها كما ذكرنا.
وأبدل أبو حنيفة وأحمد أبناء اللبون بأبناء المخاض، لأن هذا الأقل متفق عليه والزائد منفي بالبراءة الأصلية.
وقال غيرهما: أبناء المخاض غير معتبرة في باب الزكاة فيجب أن لا تعتبر في الدية التي سببها أقوى من السبب الموجب للزكاة.
واتفقوا على أن الدية في العمد المحض مغلظة من ذلك التثليث في الإبل، وهو أن يكون ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
ومنه الحلول على قياس أبدال سائر المتلفات خلاف دية الخطأ فإنها مؤجلة الثلث في السنة الأولى، والثلث الآخر في السنة / الثانية، والباقي في السنة الثالثة، استفاض ذلك عن الخلفاء الراشدين ولم ينكره أحد فكان إجماعاً.
ومنه ثبوتها في ذمة الجاني لا تحملها العاقلة خلاف دية الخطأ فإنها تكون على العاقلة لما روي أن امرأتين من هذيل اقتتلنا فرمت إحداهما الأخرة بحجر، ويروى بعمود فسطاط.
فقتلتها فقضى رسول الله بالدية على عاقلة القاتلة.
وهذه صورة شبه العمد، والتحمل في الخطأ أولى.
وجهات التحمل ثلاث: القراب والولاء وبيت المال، والقرابة يعني بها العصبة الذين هم على حاشية النسب وهم الإخوة وبنوهم.
وقال أبو حنيفة ومالك: يتحمل الآباء والبنون كغيرهم ويراعى الترتيب في العصبات فيقدم الأقرب فالأقرب، فإن كان فيهم وفاء إذا وزع عليهم لكثرتهم أو لقلة المال وإلاّ شاركهم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
وقال أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج: الدية في الخطأ أيضاً تجب على القاتل كما أن تحرير الرقبة أيضاً عليه ويؤيده عطف الدية في الآية على التحرير.
وأيضاً الجناية صدرت عنه فلا يعقل تضمين غيره كما في سائر الإتلافات.
وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد غير جائز، وأجيب بإجماع الصحابة على ذلك.
السادسة مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل بإجماع المعتبرين من الصحابة، ولأن المرأة في الميراث وفي الشهادة نصف الرجل فكذلك في الدية.
وقال الأصم وابن علية: ديتها مثل دية الرجل لعموم قوله: ﴿ ومن قتل مؤمناً ﴾ .
السابعة إذا لم توجد الإبل فالواجب عند الشافعي في الجديد الرجوع إلى قيمة الإبل بالغة ما بلغت وإنما تقوم بغالب نقد البلد لما روي أن النبي كان يقوّم الإبل على أهل القرى، فإذا غلت رفع قيمتها.
وإذا هانت نقص من قيمتها، وقال أبو حنيفة: الواجب حينئذ ألف دينار أو عشرة آلاف درهم وعند مالك الدراهم اثنا عشر ألفاً.
الثامنة لا فرق بين هذه الدية وبين سائر الأموال في أنه يقضي منها الدين وينفذ منها الوصية ويقسم الباقي بين الورثة على فرائض الله لما روي أن امرأة جاءت في أيام عمر تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: لا أعلم لك شيئاً إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه.
فشهد بعض الصحابة بأن رسول الله أمر أن تورث الزوجة من دية زوجها فقضى عمر بذلك.
وعن ابن مسعود: يرث كل وارث من الدية غير القائل.
وعن شريك: لا يقضى من الدية دين ولا تنفذ وصية.
وعن ربيعة: الغرة لأم الجنين وحدها وهذا خلاف الجماعة.
واعلم أنّ الله ذكر في هذه الآية أن من قتل مؤمناً خطأ فعليه تحرير الرقبة وتسليم الدية ثم قال: ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وسكت عن الدية.
فالسكوت عن إيجاب الدية في هذه الصورة مع ذكرها فيما قبلها وفيما بعدها وهو قوله: ﴿ وإن كان من قوم من بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ﴾ / يدل على عدم وجوب الدية ههنا.
ثم المعنيّ بقوله: ﴿ من قوم عدوّ لكم ﴾ إما أن يكون أن هذا المقتول من سكان دار الحرب أو أنه ذو نسب منهم مع أنه في دار الإسلام، والثاني باطل بالإجماع لأن قتل هذا المسلم يوجب الدية ألبتة فتعين الأول.
وإنما سقطت الدية لأن إيجاب الدية في قتل المسلم الساكن في دار الحرب محوج إلى أن يبحث الغازي عن كل شخص من أشخاص قطان دار الحرب هل هو من المسلمين أم لا، وذلك يوجب المشقة والنفرة عن الجهاد على أنه هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختيار السكنى فيهم.
وأما الكفارة فإنها حق الله لأنه أهلك إنساناً مواظباً على طاعته فيلزمه إقامة آخر مقامه يمكنه المواظبة عليها.
أما قوله: ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ ففيه قولان: أحدهما أنّ المراد الذمي؛ فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب.
وعن الحسن هم المعاهدون ومنه الذمي؛ فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب.
وعن الحسن هم المعاهدون وثانيهما أن المراد منه المسلم لأنه عطف على قوله: ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم ﴾ والضمير فيه عائد إلى ما تقدم وهو المؤمن فكذا ههنا.
واعترض عليه بلزوم عطف الشيء على نفسه لأنّ المؤمن المقتول خطأ سواء كان من أهل الحرب أو من أهل الذمة داخل تحت قوله: ﴿ من قتل مؤمناً خطأ ﴾ إلاّ أنه أفرد المؤمن الساكن في دار الحرب لأن من حكمه سقوط ديته وههنا لا غرض في الإفراد فيكون تكراراً محضاً.
وأيضاً لو كان المراد ذلك لما كانت الدية مسلمة إلى أهله كفار لا يرثونه ولكان كونه منهم مبهماً مجملاً لأنه لا يدري أنه منهم في أي أمر من الأمور بخلاف ما لو حمل كونه منهم على الوصف الذي وقع التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما.
وأجيب بأنه لما أفرد حكم المؤمن المقتول في دار الحرب للغرض الذي ذكر، ثم أعاد ذكر المؤمن المقتول فيما بين المعاهدين تنصيصاً على الفرق بينه وبين ما قبله وتنبيهاً على التسوية بينه وبين المسلم المقتول في دار الإسلام.
وأما أهله فهم المسلمون الذين تصرف ديته إليهم، وأما الإبهام فيزول إذا جعل "من" بمعنى "في" كما في الآية المتقدمة عليه.
وههنا مسألة خلافية شرعية هي أن أبا حنيفة قال: دية الذمي مثل دية المسلم لقوله : ﴿ وإن كان ﴾ أي المقتول ﴿ من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ﴾ وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثلث خمسها هكذا روي من قضاء الصحابة.
ولا يخفى أن استدلال أبي حنيفة لا يتم على الثاني من قول المفسرين في الآية، وعلى القول الأول أيضاً يجوز أن يكون المراد بالدية الثانية مقداراً مغايراً للأول، وههنا سؤال وهو أنه لم قدم تحرير الرقبة على الدية في الآية الأولى وفي الأخيرة عكس الترتيب؟
ويمكن أن يقال: الفائدة فيه أن يعلم أنه لا ترتيب / بين التحرير والدية، وأيضاً ليقع الافتتاح والاختتام بحق الله .
ويترتب على التحرير قوله: ﴿ فمن لم يجد ﴾ أي رقبة بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها فعليه صيام شهرين متتابعين.
ومتى يعتبر الإعسار ليجوز له العدول إلى الصوم؟
الأصح عند الشافعي وقت الأداء، وعند بعضهم وقت الوجوب.
وأما الشهران فهما هلاليان ألبتة.
نعم لو ابتدأ في خلال الشهر تمم المنكسر ثلاثين.
والمراد بالتتابع أن لا يفطر يوماً منهما، فلو أفطر ولو بالمرض وجب الاستئناف إلاّ أن يكون الفطر بحيض أو نفاس، وعن مسروق أن الصوم بدل من مجموع الرقبة والدية ﴿ توبة من الله ﴾ أي شرع لكم ما شرع قبولاً من الله ورحمة منه من تاب الله عليه إذا قبل توبته.
ومعنى التوبة عن الخطأ أنه لا يخلو من ترك احتياط ومن ندم وأسف على ما فرط منه.
ويجوز أن يكون المعنى نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه أي تخفيفاً منه لأن التخفيف من لوازم التوبة.
﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأنه لم يقصد ولم يتعمد ﴿ حكيماً ﴾ محكم الفعل لا يؤاخذ الإنسان بما لا يختار ولا يتعمد.
وعند المعتزلة معنى الحكيم أن أفعاله واقعة على قانون الحكمة وقضية العدالة.
ثم لما ذكر حكم القتل الخطأ أردفه ببيان حكم القتل العمد وله أحكام وجوب الدية والكفارة عند غير أبي حنيفة ومالك والقصاص كما مر في البقرة، فلا جرم اقتصر ههنا على بيان ما فيه من الإثم والوعيد، ولا يخفى ما في الآية من التخويف والتهديد فلا جرم تمسكت الوعيدية بها في القطع بخلود الفاسق في النار.
وأجيب بوجهين: الأول إجماع المفسرين على أنها نزلت في كافر قتل مؤمناً.
روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أن مقيس بن ضبابة وجد أخاه قتيلاً في بني النجار وكان مسلماً، فأتى رسول الله فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله معه رسولاً من بني فهر وقال له: ائت بني النجار فاقرأهم السلام وقل لهم: إنّ رسول الله يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن ضبابة أن تدفعوه إلى أخيه فيقتص منه، وإن لم تعلموا له قاتلاً أن تدفعوا إليه ديته، فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي فقالوا: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلاً ولكنا نؤدي إليه ديته فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة وبينهما وبين المدينة قريب، فأتى الشيطان مقيساً فوسوس إليه فقال: أي شيء صنعت تقبل دية أخيك فيكون عليك مسبة؟
اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية.
فرمى الفهري بصخرة فشدخ رأسه ثم ركب بعيراً منها وساق بقتيها راجعاً إلى مكة كافراً وجعل يقول في شعره: *قتلت به فهراً وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارغ* *وأدركت ثأري واضطجعت مؤسداً * وكنت إلى الأوثان أول راجع" .
فنزلت الآية فيه ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ ثم أهدر النبي دمه يوم فتح مكة فأدركه الناس بالسوق فقتلوه.
الوجه الثاني أنه يجوز عندنا أن يخلف الله وعيد المؤمنين فإن خلف الوعيد كرم.
وضعف الوجه الأول بأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبأن ما قبل الآية وما بعدها في نهي المؤمن عن قتل المؤمن فكذا هذه الآية، وبأن ترتيب الحكم علىالوصف المناسب مشعر بالعلية فيجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو مجرد القتل العمد، وبأن الكفر بالاستقلال موجب لهذا الوعيد فأي فائدة في ضم القتل إليه؟
وإذا لا أثر للقتل في هذه الصورة فيكون الكلام جارياً مجرى قول القائل "إنّ من تنفس لجزاؤه جهنم" وزيف الوجه الثاني بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر.
وإذا جاز الكذب فيه لغرض إظهار الكرم فلم لا يجوز في القصص والأخبار وغير ذلك لغرض المصلحة؟
وفتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع.
قال القفال: الآية تدل على أنّ جزاء القتل العمد هو ما ذكر.
وقد يقول الرجل لغيره: جزاؤك أني أفعل بك كذا إلاّ أني لا أفعله.
ولا يخفى ضعف هذا الجواب أيضاً لدلالة سائر الآيات كقوله: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ ﴿ ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ على أنه يوصل الجزاء إلى المستحقين، ولأن قوله: ﴿ وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً ﴾ صريح في أنه سيفعل به ذلك لا سيما وقد أخبر عنه بلفظ الماضي ليعلم أنه كالواقع.
ولتأكد هذه المعاني نقل عن ابن عباس أن توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة.
وعن سفيان كان أهل العلم إذا سألوا قالوا: لا توبة له.
وحمله الجمهور على التغليظ والتشديد وإلاّ فكل ذنب ممحوّ بالتوبة حتى الشرك.
هذا عند المعتزلة، وعند الأشاعرة كل الذنوب يحتمل العفو إلاّ الشرك لقوله : ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ .
ثم بالغ في تحريم قتل المؤمن فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ﴾ لتفعل ههنا بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوّكوا فيه عن غير روية ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ﴾ وهو والسلم بمعن الاستسلام، وقيل الإسلام، وقيل التحية يعني سلام أهل الإسلام.
قال السدي: "بعث رسول الله أسامة بن زيد على سرية، فلقي مرداس بن نهيك رجلاً من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره وكان يقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ولم يهرب ثقة بإسلامه، فقتله أسامة واستاق غنماً كانت معه.
فلما قدم على رسول الله اخبره فقال: قتلت رجلاً يقول لا إله إلاّ الله.
فقال: يا رسول الله إنما تعوذ من القتل.
فقال: كيف أنت إذا خاصمك يوم القيامة بلا إله إلاّ الله؟
قال: فما زال يردّدها عليّ أقتلت رجلاً وهو يقول لا إله إلاّ الله حتى تمنيت لو أنّ إسلامي / كان يومئذٍ فنزلت الآية" .
وقد روى الكلبي وقتادة مثل ذلك.
وقال الحسن: "إنّ أصحاب النبي خرجوا يتطرّفون فلقوا المشركين فهزموهم فشذ منهم رجل فتبعه رجل من المسلمين وأراد متاعه، فلما غشيه بالسنان قال: إني مسلم فكذبه ثم أوجره السنان فقتله وأخذ متاعه وكان قليلاً، فرفع ذلك إلى النبي فقال: قتلته بعد ما زعم أنه مسلم.
قال: يا رسول الله إنما قالها متعوّذاً.
قال: فهلاّ شققت عن قلبه؟
قال: لم؟
قال: لتنظر أصادق هو أم كاذب.
قال: وكنت أعلم ذلك يا رسول الله؟
قال: ويلك إنك لم تكن لتعلم ذلك إنما يبين عنه لسانه.
قال: فما لبث القاتل أن مات فدفن فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره.
قال: ثم عادوا فحفروا له فأمكنوا ودفنوه فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره مرتين أوثلاثاً.
فلما رأو أنّ الأرض لا تقبله ألقوا عليه الحجارة" .
قال الحسن: إنّ الأرض تجن من هو شر منه ولكن وعظ القوم أن لا يعودوا.
وعن سعيد بن جبير قال: "خرج المقداد بن الأسود في سرية فإذا هم برجل في غنيمة له فأرادوا قتله فقال: لا إله إلاّ الله.
فقتله المقداد.
فقيل له: أقتلته وقد قال لا إله إلاّ الله؟
فقال: ودّ لو فرّ بأهله وماله.
فلما قدموا على رسول الله ذكروا ذلك له فنزلت" .
قال القفال: ولا منافاة بين هذه الروايات، فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته.
وعن أبي عبيدة قال: قال رسول الله : "إذا أشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح " قال الفقهاء: توبة الزنديق مقبولة لإطلاق هذه الآية.
وقال أبو حنيفة: إسلام الصبي يصح لإطلاق الآية.
وقال الشافعي: لا يصح وإلاّ لوجب عليه لأنه لو لم يجب لكان ذلك إذناً في الكفر وهو غير جائز، لكنه غير واجب عليه لقوله : " "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ " وقال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي أو النصراني أنا مؤمن أو مسلم لا يحكم بإسلامه لأنه يعتقد أن الإيمان والإسلام هو دينه.
ولو قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله فلا يحصل الجزم بإسلامه لأنّ منهم من يقول إنه رسول العرب وحدهم ومنهم من يقول إنّ محمداً الذي هو الرسول الحق المنتظر بعد، فلا بد أن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل، وأن الدين الذي هو موجود فيما بين المسلمين حق.
﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ قال أبو عبيدة: جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء.
يقال: إنّ الدنيا عرض حاضر / يأخذ منها البر والفاجر، سمي عرضاً لأنه عارض زائل غير باقٍ، ومنه العرض لمقابل الجوهر لقلة ثباته كما قيل: العرض لا يبقى زمانين ﴿ فعند الله مغانم كثيرة ﴾ يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام متعوّذاً به لتأخذوا ماله.
وقيل: يريد ما أعدّ لعباده من حسن الثواب في الآخرة ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ اختلفوا في وجه الشبه فقال الأكثرون: يريد أنكم أول ما دخلتم في الإسلام سمعت منكم كلمة الشهادة فحقنت دمائكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بالاستقامة والاشتهار بالإيمان وأن صرتم أعلاماً فيه، فعيلكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام ما فعل بكم.
واعترض بأن لهم أن يقولوا ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء لأنا آمنا بالاختيار وهؤلاء أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر؟
وعن سعيد بن جبير: المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى إيمانه هذا الراعي عن قومه ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم.
وأورد عليه أن إخفاء الإيمان ما كان عاماً فيهم.
وفي التفسير الكبير: المراد أنكم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام فمنّ الله عليكم بتقوية ذلك الميل وتزايد نور الإيمان، فكذا هؤلاء قد حدث لهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم إيمانهم إلى أن تتكامل رغبتهم فيه.
وقيل: إنّ قوله: ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ منقطع عما تقدمه.
وذلك أن القوم لما نهاهم عن قتل من تكلّم بلا إله إلاّ الله ذكر أن الله من عليكم بأن قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر، ثم أعاد الأمر بالتبين مبالغة في التحذير، ثم حذر عن الإضمار خلاف الإظهار فقال: ﴿ إنّ الله كان بما تعملون خبيراً ﴾ وفيه من الوعيد ما فيه.
ولما عاتبهم الله على ما صدر منهم وبدر عنهم كان مظنة أن يقع في قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد فذكر من فضل الجهاد ما يزيح علّتهم ويزيد رغبتهم، أو نقول: لما نهاهم عما نهاهم أتبعه فضيلة الجهاد ليبلغوا في الاحتراز عما يوجب خللاً في هذا المنصب الجليل فقال: ﴿ لا يستوي القاعدون ﴾ عن زيد بن ثابت قال: "كنت عند النبي حين نزلت عليه: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ﴾ ولم يذكر ﴿ أولى الضرر ﴾ فقال ابن أم مكتوم: فكيف وأنا أعمى لا أبصر؟
قال زيد: فتغشّى النبي في مجلسه الوحي فاتكأ على فخذي؛ فوالذي نفس بيده لقد ثقل عليّ حتى خشيت أن يرضها ثم سري عنه فقال: اكتب: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون ﴾ فكتبتها" .
رواه البخاري.
والمراد بالضرر النقصان سواء كان في البنية كعمى وعرج ومرض أو بسبب عدم الأهبة.
من قرأ ﴿ غير ﴾ بالنصب فعلى الاستثناء من القاعدين أو / على الحال عنهم، ومن قرأ بالرفع فعلى أنه صفة للقاعدين ويجوز أن يكون غير صفة للمعرفة كما سبق في تفسير ﴿ غير المغضوب عليهم ﴾ وقرىء بالجر على أنه صفة للمؤمنين.
قال الزجاج: ويجوز أن يكون رفعأً على جهة الاستثناء والمعنى لا يستوي القاعدون والمجاهدين، إلاّ أولي الضرر فإنه يساوون المجاهدين بدليل قوله عند انصرافه من بعض غزواته "لقد خلفتم بالمدينة أقوماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم العذر" وعنه : " إذا مرض العبد قال الله : اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ " .
ويعلم منه أن صحة النية وخلوص الطوية لها مدخل عظيم في قبول الأعمال.
وذكروا في معنى قوله: " نية المؤمن أبلغ من عمله " أنّ ما ينويه المؤمن أبلغ من عمله إذ ما ينويه المؤمن من دوامه على الإيمان والأعمال الصالحة لو بقي أبداً خير من عمله الذي أدركه في مدة حياته.
قيل: إنه قدّم ذكر النفس على المال في قوله: ﴿ إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ﴾ وههنا أخر لأنّ النفس أشرف من المال.
فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيهاً على أنّ الرغبة فيها أشد، والبائع أخر تنبيهاً على أنّ المماكسة فيها أشد فلا يرضى ببذلها، إلاّ في آخر الأمر.
وفائدة نفي الاستواء ومعلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان تبيين ما بينهما من التفاوت ليهتم القاعد للجهاد ويترفع بنفسه عن انحطاط مرتبته فيجاهد كقوله: ﴿ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ تحريكاً للجاهل لينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم.
ثم إن عدم الاستواء يحتمل الزيادة والنقصان فأوضح الحال بقوله: ﴿ فضل الله المجاهدين ﴾ كأنه قيل: مالهم لا يستوون؟
فأجيب بذلك.
وانتصب ﴿ درجة ﴾ على المصدر لأن الدرجة بدل على التفضيل.
وقيل: حال أي ذوي درجة.
وقيل: بنزع الخافض أي بدرحة.
وقيل: على الظرف أي في درجة ﴿ وكلا ﴾ وكل فريق من القاعدين والمجاهدين ﴿ وعد الله الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة.
قال الفقهاء: فيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية إذ لو كان واجباً على التعيين لم يكن القاعد أهلاً للوعد.
وانتصب ﴿ أجراً ﴾ بفضل لأنّ التفضيل يدل على الأجر.
وههنا سؤال وهو أنه لم ذكر أولاً درجة وثانياً درجات؟
وأجيب بأن اللام في قوله أوّلاً على القاعدين للعهد والمراد بهم أولو الضرر، وقوله ثانياً على القاعدين للأصحاء الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم لأن الغزو / فرض كفاية.
وقيل: المراد بالدرجة جنسها الذي يشمل الكثير بالنوع وهي الدرجات الرفيعة والمنازل الشريفة والمغفرة والرحمة.
وقيل: المراد بالدرجة والغنيمة في الدنيا، وبالدرجات مراتب الجنة.
قيل: المراد بالمجاهد الأول صاحب الجهاد الأصغر وهو الجهاد بالنفس والمال، وبالمجاهد الثاني صاحب الجهاد الأكبر وهو المجاهد بالرياضة والأعمال.
واستدلت الشيعة ههنا بأنّ علياً أفضل من أبي بكر وغيره من الصحابة لأنه بالنسبة إليهم مجاهد وهم بالإضافة إليه قاعدون بما اشتهر من وقائعه وأيامه وشجاعته وحماسته.
أجاب أهل السنة بأنّ جهاد أبي بكر بالدعوة إلى الدين وهو الجهاد الأكبر وحين كان الإسلام ضعيفاً والاحتياج إلى المدد شديداً، وأما جهاد علي فإنما ظهر بالمدينة في الغزوات وكان الإسلام في ذلك الوقت قوياً.
والحق أنه لا تدل الآية إلاّ على تفضيل المجاهدين على القاعدين، أما على تفضيل المجاهدين بعضهم على بعض فلا.
قالت المعتزلة: ههنا قد ظهر من الآية أنّ التفاوت في الفضل بحسب التفاوت في العمل، فعلة الثواب هو العمل ولهذا سمي أجراً.
وأجيب بأنّ العمل على الثواب لكن لا لذاته بل يجعل الشاعر ذلك العمل موجباً له.
قالت الشافعية: الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح لأنّ قوله: ﴿ وفضل الله المجاهدين ﴾ عام يشمل الجهاد الواجب والمندوب وهو الزائد على قدر الكفاية، والمشتغل بالنكاح قاعد، فالاشتغال بالجهاد المندوب أفضل منه بالنكاح.
ثم لما ذكر ثواب المجاهدين أتبعه وعيد القاعدين الراضين بالسكون في دار الكفر فقال: ﴿ إنّ الذين توفاهم ﴾ وأنه يحتمل أن يكون ماضياً فيكون إخباراً عن حال قوم انقرضوا ومضوا.
عن عكرمة عن ابن عباس قال: "كانوا قوماً من المسلمين بمكة فخرجوا في قوم من المشركين في قتال فقتلوا معهم فنزلت الآية" .
ويحتمل أن يكون مستقبلاً بحذف إحدى التاءين فيكون الوعيد عاماً في كل من كان بهذه الصفة.
قال الجمهور: معنى ﴿ تتوفاهم ﴾ تقبض أرواحهم عند الموت.
ولا منافاة بينه وبين قوله: ﴿ الله يتوفّى الأنفس ﴾ ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت ﴾ لأنه هو المتوفى والفاعل لكل الأشياء بالحقيقة إلاّ أن الرئيس المفوّض إليه هذا العمل ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه.
وعن الحسن: ﴿ توفاهم الملائكة ﴾ أي يحشرونهم إلى النار.
أما قوله: ﴿ ظالمي أنفسهم ﴾ فمنصوب على الحال عن مفعول توفي والإضافة فيه لفظية ولذا لم تفد تعريفاً فصح وقوعه حالاً.
والظلم قد يراد به الشرك ﴿ إنّ الشرك لظلم عظيم ﴾ فالمراد أنهم ظالمون أنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة.
وقد يراد به المعصية ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾ فالمراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك غير مهاجرين إلى دار / الإسلام حين كانت الهجرة فريضة.
وفي خبر "إنّ" وجوه: الأول ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ والعائد محذوف للدلالة أي قالوا لهم.
الثاني ﴿ فأولئك ﴾ فيكون ﴿ قالوا ﴾ حالاً من الملائكة بتقدير "قد".
الثالث إنّ الخبر محذوف وهو هلكوا.
ثم فسر الهلاك بقوله: ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟
والمراد التوبيخ على ترك الجهاد والرضا بالسكنى في دار الكفر وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم ليسوا من الدين في شيء، ولهذا لم يجيبوا بقولهم كنا في كذا أو لم نكن في شيء بل أجابوا بقولهم: ﴿ كنا مستضعفين ﴾ اعتذاراً مما وبخوا به واعتلالاً بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة من أرض مكة حتى يكونوا في شيء.
ثم إنّ الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر فبكتوهم قائلين: ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمتنعون فيها من إظهار دينكم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة.
ثم استثنى من أهل الوعيد المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.
فسئل لم عدّ الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد، ومن حق الاستثناء أن يدخل فيه المستثنى لو لم يخرج وليس الولدان من أصحاب الوعيد لأنهم ليسوا من أهل التكليف؟
وأجيب بأنّ المراد بالولدان العبيد والإماء البالغون، أو المراد المراهقون الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء حتى يتوجه التكليف عليهم فيما بينهم وبين الله.
سلمنا أن المراد بهم الأطفال لكن السبب في سقوط الوعيد هو العجز وإنه حاصل في الولدان فحسن استثناؤهم بهذا الوجه.
وقوله: ﴿ لا يستطيعون ﴾ قيل في موضع الحال، والأصح أنه صفة للمستضعفين.
وإنما جاز ذلك والجمل نكرات لأنّ المعرف تعريف الجنس قريب من المنكر.
والمعنى أنّ العاجزين هم الذين لا يقدرون على حيلة ولا نفقة، أو يكون بهم مرض، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم عن المهاجرة.
ومعنى ﴿ لا يهتدون سبيلاً ﴾ لا يعرفون الطريق ولا يجدون من يدلّهم على الطريق.
وإنما قال : ﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ بكلمة الإطماع تنبيهاً على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه حتى إن المضطر من حقه أن يعفو الله عنه بل يكون من العفو على ظن وحسبان لا على جزم وإيقان، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز ولا يكون في الواقع كذلك لأنّ الفطام عن المألوف شديد والفراق عن الأوطان شاق، فلعل حب الوطن يحمله على تأويل غير سديد.
ومع قيام هذا الاحتمال أنى يحصل الجزم بالعفو هذا من جانب العبد.
وأما من الرب فعسى إطماع وإطماع الكريم إيجاب.
فالجزم بالعفو حاصل إلا أنّه يرد على لفظ العفو أنه لا يتقرر إلاّ مع الذنب ولا ذنب مع العجز وجوابه أيضاً يخرج مما قلنا: ﴿ وكان الله عفوأً غفوراً ﴾ قال الزجاج: أي كان في الأزل موصوفاً بهذه الصفة، أو أنه مع جميع العباد بهذه الصفة أي أنه عادة أجراها في حق غيره.
وأيضاً لو قال إنه عفو غفور كان / إخباراً عن كونه كذلك وحيث قال كان دل على أنه إخبار وقع مخبره على وفقه فكان أدل على كونه حقاً وصدقاً.
قالت الأشاعرة: أخبر عن العفو والمغفرة مطلقاً غير مقيد بحال التوبة فدل على أن العفو مرجو من غير التوبة.
قال ابن عباس في رواية عطاء: "كان عبد الرحمن بن عوف يخبر أهل مكة بما ينزل فيهم من القرآن، فكتب إليهم: ﴿ إِنّ الذين توفاهم الملائكة ﴾ الآية.
فلما قرأها المسلمون قال ضمرة بن جندب الليثي لبنيه - وكان شيخاً كبيراً - احملوني فإني لست من المستضعفين وإني لأهتدي إلى الطريق.
فحمله بنوه على سرير متوجهاً إلى المدينة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله وقال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك به رسول الله ومات حميداً.
فبلغ خبره أصحاب النبي : فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتم أجراً فأنزل الله فيه: ﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً ﴾ " أي مذهباً ومهرباً ومضطرباً قاله الفراء.
وفي الكشاف يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك وأصله من الرغام وهو التراب فإنهم يقولون: رغم أنفه يريدون أنه وصل إليه شيء يكرهه، وذلك لأنّ الأنف عضو في غاية العزة والتراب في غاية الذلة.
ويمكن أن يقال: إنّ من فارق أهل بلدته فإذا استقام أمره في بلدة أخرى رغمت أنوف أهل بلدته بسبب سوء معاملتهم معه.
واعلم أنه لما رغب في الهجرة ذكر بعده ما لأجله يمتنع الإنسان عن هجرة الوطن، وبين الجواب عنه والمانع أمران: الأوّل أن يكون له في وطنه نوع رفاهية وراحة فيخاف زوال ذلك عنه فأجاب الله عنه بقوله: ﴿ ومن يهاجر ﴾ كأنه قيل للمكلف إن كنت تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر فلا تخف فإنّ الله يعطيك من النعم الجليلة والمراتب السنية في مهاجرك ما يكون سبباً لرغم أنوف أعدائك، ويصير سبباً لسعة عيشك، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج المهاجر بدولته من حيث إنها سبب رغم آناف الأعداء أشد من ابتهاجه بها من حيث إنها سبب سعة رزقه وعيشه.
المانع الثاني أن الإنسان يقول: إن خرجت من بيتي في طلب العمل والجهاد والمهاجرة إلى الله ورسوله، وفي معناه كل غرض ديني من طلب علم أو حج أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهداً في الدنيا وابتغاء رزق طيب، فربما وصلت إليه وربما لم أصل إليه، فالأولى أن لا أضيع الرفاهية الحاضرة لطلب شيء مظنون، فأجاب الله عنه بقوله: ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ﴾ قال بعضهم: ثبت له أجر قصده وأجر القدر الذي أتى به من ذلك العمل، وأما أجر تمام العمل فمحال.
والصحيح أن المراد من قصد طاعة / ثم عجز عن إتمامها فإن له ثواب تمام تلك الطاعة كما روي عن رسول الله : "إن المريض إذا عجز عما كان يفعله من الطاعة في حال الصحة كتب له ثواب مثل ذلك إلى أن يبرأ" .
وأيضاً من المعلوم أن كل من أتى بعمل فإنه يجد الثواب المرتب على ذلك القدر فلا يبقى في الآية فائدة الترغيب.
وأيضاً لا تكون الآية جواباً عن قول الصحابة في ضمرة لو وافى المدينة لكان أتم أجراً.
قالت المعتزلة: في الآية دليل على أن العمل يوجب الثواب على الله لأن الوقوع والوجوب السقوط.
قال : ﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ أي وقعت وسقطت ولفظ الأجر وكلمة "على" يؤكدان ما قلنا، وأجيب بأنا لا ننازع في أن الثواب يقع ألبتة لكن بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم.
واستدل بعض الفقهاء بالآية على أن الغازي، إذا مات في الطريق وجب سهمه في الغنيمة كما وجب أجره، وُردَّ بأن قسم الغنيمة يتوقف على حيازتها بخلاف الأجر.
﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ يغفر ما كان منه من القعود إلى أن خرج ويرحمه بإكمال أجر المجاهدين.
ومما يفتقر المجاهد إليه معرفة كيفية أداء الصلاة في زمان الخوف والاشتغال بمحاربة العدو فلا جرم قال: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ يقال: قصر صلاته وأقصرها وقصرها بمعنى.
ولفظ القصر مشعر بالتخفيف إلاّ أنه ليس صريحاً في أن التخفيف في كمية الركعات أو كيفية أدائها.
والجمهور على أن المراد القصر في العدد وهو أن كل صلاة تكون في الحضر أربع ركعات وهي الظهر والعصر والعشاء فإنها تصير في السفر ركعتين، ويبقى المغرب والصبح بحالهما، وعن ابن عباس: "فرض الله صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكم" .
وعنه أيضاً أن المراد التخفيف في كيفية الأداء كما يؤتى به عند شدة التحام القتال من الصلاة مع تلطخ الثوب بالدم ومن الإيمان مقام الركوع والسجود ويؤكد هذا الرأي بقوله: ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ فإن خوف فتنة العدو لا يزول فيما يؤتى بركعتين على تمام أوصافهما، وإنما يزول بالتجوز والتخفيف فيهما.
حجة الجمهور ما روي عن يعلى بن أمية أنه قال: "قلت لعمر بن الخطاب: كيف نقصر وقد أمنا وقال الله : ﴿ ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ﴾ ؟
فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت النبي فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" .
فهذا الخبر يدل على أنهم فهموا من القصر التخفيف في أعداد الركعات ويؤيده حديث ذي اليدين: "أقصرت الصلاة أم نسيت؟" وأيضاً القصر بمعنى تغيير هيئة الصلاة يجيء بعد ذلك، فحمل الكلام على ما لا يلزم من التكرار أولى.
أما تقييد القصر بحالة الخوف فلأن الآية نزلت على غالب أسفار النبي وأكثرها لم يخل عن خوف قتال الكفار فلا يمكن الاستدلال بمفهومها على عدم جواز القصر في حالة الأمن ولا في حالة الخوف بسبب آخر، على أن / كل محنة وبلية وشدة فهي فتنة.
ثم إن الشافعي قال: القصر رخصة كسائر رخص السفر فإن شاء أتم وإن شاء قصر لأن قوله: ﴿ لا جناح عليكم ﴾ مشعر بعدم الوجوب، ولما روي أن عائشة ا قالت: "اعتمرت مع رسول الله من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قلت: يا رسول الله بأبي وأمي قصرت.
وأتممت وصمت وأفطرت.
فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب عليّ" .
وكان عثمان يتم ويقصر وما ظهر إنكار من الصحابة عليه.
وقال أبو حنيفة: القصر واجب فإنّ صلى المسافر أربعاً ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته لما روي عن ابن عباس قال: كان النبي إذا خرج مسافراً صلى ركعتين، ولقوله : "فاقبلوا صدقته" وظاهر الأمر للوجوب.
وعن عائشة: أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا ﴾ قلت: كأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفي عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه.
وأجيب بأن هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم رخصت لكم في هذا القصر، أما إذا قال أوجبت عليكم هذا القصر.
وحرمت عليكم الإتمام وجعلته مفسداً لصلاتكم فلا يخطر هذا الاحتمال ببال عاقل.
وحديث ابن عباس إنما يدل على كون القصر مشروعاً لا على أن الإتمام غير جائز، وخبر عائشة لا تعاضده الآية لأن تقرير الصلاة على ركعتين لا يطلق عليه لفظ القصر.
ثم إن بعض الظاهريين زعموا أن قليل السفر وكثيره سواء في القصر لإطلاق قوله: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض ﴾ وجمهور الفقهاء على أن السفر المرخص مقدر بمقدار مخصوص، فعن الأوزاعي والزهري ويروى عن عمر أن القصر في يوم تام، وعن ابن عباس إذا زاد على يوم وليلة قصر.
وقال أنس بن مالك: المعتبر خمسة فراسخ.
وقال الحسن: مسيرة ليلتين.
وقال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المدائن وهو ثلاثة أيام.
وهو قول أبي حنيفة قياساً على مدة جواز المسح للمسافر، وأما أصحاب الشافعي فإنهم عوّلوا على ما روي عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن النبي قال: " يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان" .
والمراد بالبريد أربعة فراسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله ، هو الذي قدر أميال البادية كل ميل أثنا عشر ألف قدم وهي أربعة / آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة.
قالت الفقهاء: فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن الحكم غير مربوط بمطلق السفر.
وقال أهل الظاهر: اضطراب السلف في هذه الأقاويل يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلاً قوياً فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.
﴿ إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً ﴾ يريد أن العدواة الحاصلة بينكم وبينهم قديمة فكونوا على حذر منهم.
التأويل: ليس لمؤمن الروح أن يقصد قتل مؤمن القلب إلاّ أن يكون قتل خطأ؛ وذلك أن الروح إذا خلص عن حجب ظلمات الصفات البشرية يتجلى الروح للقلب فيتنور بأنوار الروحانية، ثم تنعكس أنوار الروح عن مرآة القلب إلى النفس الأمارة فتموت عن صفاتها الذميمة الظلمانية، وتحيا بالصفات الحميدة الروحانية، وتطمئن إلى ذكر الله كاطمئنان القلب به، ففي بعض الأحوال يتأيد الروح بوارد روح قدسي رباني ويتجلى في تلك الحالة الروح للقلب فيخر موسى القلب صعقاً ميتاً بسطوة تجلي الروح القدسي الرباني ويجعل جبل النفس دكاً.
وكان قتله خطأ لأنه ما كان مقصوداً بالقتل في هذا التجلي وكان القصد تنويره وتصفيته وقتل النفس الكافرة.
﴿ من قتل مؤمناً ﴾ أي قلباً مؤمناً: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وهي رقبة السر الروحاني فتصير رقبة السر محررة عن رق المخلوقات ﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ يعني يسلم العاقلة - وهو الله - دية القلب إلى أهل القلب وهم الأوصاف الحميدة الروحانية من جمال كمال ألطافه لتصير الأوصاف بها أخلاقاً ربانية إلاّ أن تتصدق الأوصاف بهذه الدية على مساكين أوصاف النفس الحيوانية والشيطانية ﴿ فإن كان ﴾ القتيل بالتجلي ﴿ من قوم عدوّ لكم ﴾ أي من صفات النفس ﴿ وهو مؤمن ﴾ أي هذه الصفة قد آمنت بأنوار الروح القدسي دون أخواتها من الصفات: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وهي رقبة القلب تصير محررة عن رق حب الدنيا ولادية لأهل القتيل.
﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ وهم صفات النفس وميثاقها قبول أحكام الشرع ظاهراً وترك المحاربة مع القلب وأوصافه ﴿ فدية مسلمة ﴾ على عاقلة الرحمة إلى أهل تلك الصفة المقبولة وهم بقية صفات النفس كما قال تعالى: ﴿ إلاّ ما رحم ربي ﴾ وتحرير رقبة مؤمنة وهي رقبة الروح يصيرها محررة عن رقة الكونين.
﴿ فمن لم يجد ﴾ رقبة مؤمنة من الروح والقلب والسر للتحرير بأن تكون رقابهم قد حررت عن رق ما سوى الله: ﴿ فصيام شهرين متتابعين ﴾ أي فعليه الإمساك وعن مشارب العالمين على التتابع والدوام مراقباً قلبه لا يدخله شيئاً من الدنيا والآخرة مراعياً وقته.
فلو أفطر بأدنى شيء من المشارب كلها يستأنف الصوم ولا يفطر بشيء دون لقاء الله تعالى.
قال قائلهم: لقد صام طرفي عن شهود سواكم *** وحق له لما اعتراه نواكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم *** ويبدو هلال الصب حين يراكم ﴿ توبة من الله ﴾ جذبة منه.
﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ أي النفس الكافرة إذا قتلت قلباً مؤمناً متعمداً للعداوة الأصلية بينهما ففي حياة أحدهما موت الآخر ﴿ فجزاؤه جهنم ﴾ وهي سفل عالم الطبيعة.
﴿ إذا ضربتم في سبيل الله ﴾ بقدم السلوك حتى صار الإيمان إيقاناً والإيقان إحساناً والإحسان عياناً والعيان عيناً والعين شهوداً والشهود شاهداً والشاهد مشهوداً وهذا مقام الشيخوخة ﴿ فتبينوا ﴾ عن حال المريد في الرد والقبول ﴿ ولا تقولوا ﴾ له ﴿ لست مؤمناً ﴾ صادقاً ولا تنفروه بالتشديدات والتصرف في النفس والمال ﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ أي تهتمون أجل رزقه فإن الضيف إذا نزل نزل برزقه ﴿ كذلك كنتم ﴾ ضعفاء في الصدق والطلب محتاجين إلى الصحبة في بدو الإرادة ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بصحبة المشايخ وقبولهم إياكم ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ﴾ هم العوام الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها ﴿ فيم كنتم ﴾ في أي غفلة كنتم تضيعون أعماركم وتبطلون استعدادكم الفطري، وفي أي واد من أودية الهوى تهيمون، وفي أي روضة من رياض الدنيا تسرحون؟
أكنتم تؤثرون الفاني على الباقي وتنسون الشراب الطهور والساقي؟
﴿ مستضعفين ﴾ عاجزين لاستيلاء النفس الأمارة وغلبة الهوى ﴿ ألم تكن أرض الله ﴾ أي أرض القلب ﴿ واسعة ﴾ فتخرجوا عن مضيق سجن البشرية إلى قضاء هواء الهوية ﴿ لا يستطيعون حيلة ﴾ في الخروج عن الدنيا لكثرة العيال وضعف الحال ﴿ ولا يهتدون سبيلاً ﴾ إلى صاحب ولاية وهؤلاء المستضعفون هم الخواص المقتصدون، وأما خواص الخواص، وهم السابقون بالخيرات فهم المجاهدون الجهاد الأكبر وقد مر.
﴿ ومن يهاجر ﴾ عن بلد البشرية في طلب حضرة الربوبية ﴿ يجد ﴾ في أرض الإنسانية ﴿ مراغماً ﴾ متحوّلاً ومنازل مثل القلب والروح والسر ﴿ وسعة ﴾ في تلك العوالم من رحمة الله: ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" فافهم يا قصير النظر كثير الفكر قليل العبر والله أجلوأكبر.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ .
قال الحسن: كان هذا في الوقت الذي كان الجهاد تطوعاً؛ لأنه لو كان فرضاً لكان لا معنى لقوله: لا يستوي كذا من كذا، وهما غير مستويين: أحدهما فرض عليه، والآخر لا.
قيل له: هذا الذي ذكرت لا يدل على أن الجهاد ليس بفرض في ذلك الوقت؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ ﴾ ، وقال: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾ ، جمع بين متضادين، ثم قال: ﴿ لاَ يَسْتَوُونَ ﴾ ؛ فعلى ذلك [هذا]، وهو أولى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ ﴾ : استثنى أهل الضرر مجملا في هذه الآية، وبيّن أمرهم وما زال عنهم من فرض الجهاد في آية أخرى، وهو قوله - -: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ ، وقوله عز وجل: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ...
﴾ الآية [التوبة: 91]، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم، وأزالوا الحرج عمن كان في مثل حال هؤلاء الذين وصفهم الله - - وعَذَرَهم في تخلفهم عن الجهاد.
وعن ابن عباس - -: قال: لما ذكر الله - - فضيلة المجاهدين على القاعدين رغبهم في الجهاد بقوله: ﴿ لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ...
﴾ الآية - أتاه عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، فقال: يا رسول الله، ذكر الله فضيلة المجاهدين على القاعدين، وحالنا ما ترى، ونحن نشتهي الجهاد؛ فنزل ﴿ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ ﴾ فجعل لهم من الأجر ما للمجاهدين؛ لزمانتهم.
وعلى ذلك أكثر أهل التفسير.
وقال الكسائي: ﴿ ٱلضَّرَرِ ﴾ مصدر الضرير والمضرور، والضرير: الأعمى، يقال: ضُرَّ بَصَرُهُ، فهو ضرير ومضرور: إذا عمي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .
القاعد والمجاهد.
﴿ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ﴾ .
قيل: هذا الفضل للمجاهد على القاعد الذي قعد لا لعذر[، جعل له الأجر العظيم.
وقوله: ﴿ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةً ﴾ .
على القاعد الذي قعد لعذر؛] لأنه جعل فضيلته عليه بدرجة، وفي الثاني جعل فضيلته عليه بدرجات.
لكن قوله: "درجة"، و"درجات" عندنا: واحد؛ ألا ترى أنه - - قال: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ ليس هو شيئاً واحداً؛ ولكنه أشياء، والذي قعد لعذر يستوي في الأجر مع الذي خرج؛ إذا كان يتمنى أن يخرج إن قدر؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكان لا معنى للاستثناء.
وفي الآية دلالة أن فرض الجهاد - فرضُ كفاية: يسقط عن الباقين بقيام بعضهم، وإن كان الخطاب يعمهم في ذلك، وهو قوله - -: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ ﴾ ، وفرض الخروج لطلب العلم فرضُ كفاية: إذا خرج بعضهم لطلبه يسقط عن الباقين ذلك؛ فعلى ذلك فرض الجهاد، وإن كان ذلك خلاف ما عاتب الله - - عليه الثلاثة الذين خلفوا في سورة "براءة"؛ لأن أولئك تخلفوا عن رسول الله وقد قال الله - - ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ﴾ ؛ فإنما عاتب أولئك لتخلفهم عن رسول الله .
وقوله - : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .
عن ابن عباس - - قال: نزلت [هذه] الآية في قوم من المنافقين خرجوا مع المشركين إلى بدر، فلما التقى المسلمون والمشركون، أبصروا قلة المسلمين - وهم مع المشركين على المؤمنين، فقالوا: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ .
وأظهروا النفاق، فقتلوا، عامتهم؛ ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، فقالت لهم الملائكة: ﴿ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
وقيل: إنها نزلت في نفر أسلموا بمكة مع [رسول الله] ثم أقاموا عن الهجرة، وخرجوا مع المشركين إلى القتال، فلما رأوا قلة المؤمنين شكّوا في النبي فقالوا: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ﴾ ، فقتلوا، فقالت الملائكة: فيم كنتم؟
قالوا: كذا.
وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا، وكانت الهجرة يومئذ مفترضة؛ فكفروا بترك الهجرة، وهو كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ ﴾ فلا ندري كيف كانت القصة، وليس لنا إلى معرفة القصة؟
حاجة بعد أن يُعرف ما أصابهم بماذا أصابهم؟.
وقوله: ﴿ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ ﴾ .
هذا يتوجه وجوهاً: أحدها: مع من كنتم: مع محمد كنتم وأصحابه أو مع أعدائهم؟
والثاني: ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ أي: في دين مَنْ كنتم: في دين محمد أو في دين أعدائه؟
والثالث: "قالوا" بمعنى: "يقولون" أي: يقولون لهم في الآخرة: ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ ؟
﴿ قَالُواْ ﴾ : كنا كذا.
وقولهم: ﴿ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : هذا ليس جواباً لقوله: ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ ؛ جوابه أن يقال: كنا في كذا، ولكنه كأنه على الإضمار، قالوا لهم: ما الذي منعكم عن الخروج والهجرة إلى محمد، ؟
قالوا عند ذلك: ﴿ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : اعتذروا؛ أن كانوا مستضعفين في الأرض.
وظاهر هذا: أنْ مُنِعْنا عن الخروج إلى الهجرة، وحالَ المشركون بيننا وبين إظهار الإسلام.
فقالوا: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ﴾ .
يعني: المدينة واسعة، آمنة لكم من العدو، فتخرجوا إليها، فتقلبوا بين أظهرهم، فهذا - والله أعلم - كأنهم اعتذروا في التخلف عن ذلك؛ لما كانوا يتقلبون بين أظهر الكفرة ويتعيشون فيهم، فقالوا: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ﴾ قطعوا عليهم.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أنهم إن منعوكم عن الإسلام ظاهراً وحالوا بينكم وبين إظهاره؛ ألستم تقدرون على ادِّيَان الإسلام سرّاً، لا يعلمون هم بذلك؟!
﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً ﴾ .
أخبر أنْ لا عذر لهم في ذلك.
وفي قوله - -: ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ دلالة إحياء الموتى في القبر والسؤال فيه عما عملوا في الدنيا والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ...
﴾ الآية.
بين الله - - أهل العذر في ذلك؛ حيث قال: ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ﴾ .
قال ابن عباس - -: كنت أنا وأمي من المستضعفين.
﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ .
و"عسى" من الله واجب؛ كأنه يقول: فأولئك يعفو الله عنهم.
<div class="verse-tafsir"
هذا الثواب منازل بعضها فوق بعض، مع مغفرة ذنوبهم ورحمته بهم، وكان الله غفورًا لعباده رحيمًا بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.ym6Gy"
ذكر تعالى في الآية السابقة فضل المجاهدين في سبيل الله على القاعدين لغير عجز فعلم أن العاجز معذور، ومعنى سبيل الله الطريق الذي يرضيه ويقيم دينه، ثم ذكر حال قوم أخلدوا إلى السكون وقعدوا عن نصر الدين بل وعن إقامته حيث هو، وعذروا أنفسهم بأنهم في أرض الكفر حيث اضطهدهم الكافرون ومنعوهم من إقامة الحق وهم عاجزون عن مقاومتهم، ولكن في الحقيقة غير معذورين لأنه يجب عليهم الهجرة إلى المؤمنين الذي يعتزون بهم، فهم يحبون لبلادهم، وإخلادهم إلى أرضهم، وسكونهم إلى أهليهم ومعارفهم، ضعفاء في الحق لا مستضعفون، وهم بضعفهم هذا فظلمهم لأنفسهم عبارة عن تركهم العمل بالحق خوفًا من الأذى وفقد الكرامة عند عشرائهم المبطلين.
وهذا الاعتذار هو نحو مما يعتذر به الذين جاءوا أهل البدع على بدعهم في هذا العصر وفي كثير من الأعصار، يعتذرون بأنهم يجبّون الغيبة عن أنفسهم ويدارون المبطلين وهو عذر باطل، فالواجب عليهم إقامة الحق مع احتمال الأذى في سبيل الله، أو الهجرة إلى حيث يتمكنون من إقامة دينهم، وللفقهاء خلاف في الهجرة هل وجوبها مضى أو هو مستمر في كل زمان؟
والمالكية على الوجوب.
ولا معنى عندي للخلاف في وجوب الهجرة من الأرض التي يمنع فيها المؤمن من العمل بدينه، أو يؤذي فيه إيذاء لا يقدر على احتماله، وأما المقيم في دار الكافرين ولكنه لا يمنع ولا يؤذي إذا هو عمل بدينه بل يمكنه أن يقيم جميع أحكامه بلا نكير فلا يجب عليه أن يهاجر وذلك كالمسلمين في بلاد الإنكليز لهذا العهد بل ربما كانت الإقامة في دار الكفر سببًا لظهور محاسن الإسلام وإقبال الناس عليه.
قال تعالى: ﴿ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ﴾ دل الوعيد في الآية السابقة مع الاستثناء في هذه الآية على أن أولئك الذين اعتذروا عن عدم إقامة دينهم وعدم الفرار به هجرة إلى الله ورسوله غير صادقين في اعتذارهم، فإن الاستضعاف الحقيقي عذر صحيح ولذلك استثنى أهله من الوعيد بهذه الآية، وقرن الرجال بالنساء والولدان فيها يشعر أن المراد بالرجال والشيوخ الضعفاء والعجزة الذين هم كمن ذكر معهم ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴾ ، أي قد ضاقت بهم الحيل كلها فلم يستطيعوا ركوب واحدة منها، وعميت عليهم الطرق جميعًا فلم يهتدوا طريقًا منها، إما للزمانة والمرض، وإما للفقر والجهل بمسالك الأرض وأخراتها ومضايقها، قال بعض المفسرين: "بحيث لو خرجوا هلكوا" أي بركوب التعاسيف أو قلة الزاد أو عدم الراحلة.
وفسر بعضهم الولدان بالعبيد والإماء، وقال بعضهم بل هم الأولاد الصغار الذين لا يستطيعون ضربًا في الأرض.
وروي عن ابن عباس أنه قال كنت أنا وأمي من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون إلى الهجرة سبيلاً، واستشكل بأن الأولاد غير مكلفين فلا يتناولهم الوعيد فيحتاج إلى استثنائهم، وأجاب في الكشاف بأنه "يجوز أن يكون المراد المراهقين منهم الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء فليحقوا بهم في التكليف".
﴿ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ قالوا: إن "عسى" في كلام الله للتحقيق.
ولا يصح على إطلاقه لأنه يسلب الكلمة معناها فكأنه لا محل لها، ونقول فيها ما قلناه في لعل وهو أن معناها الإعداد والتهيئة، والمعنى أنه تعالى يعدهم ويهيؤهم لعفوه، والنكتة في اختيار التعبير عن التحقيق بعسى الدالة على الترجي -أن صح- هي تعظيم أمر ترك الهجرة وتغليظ جرمه.
<div class="verse-tafsir"