الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ١ من سورة فصلت
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 82 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة فصلت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
سورة فصلت وهي مكية قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسـره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان.
ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور.
قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الم وحم والمص وص.
فواتح افتتح الله بها القرآن.
القول في تأويل قوله تعالى : حم (1) قال أبو جعفر: قد تقدم القول منا فيما مضى قبلُ في معنى ( حم ) والقول في هذا الموضع كالقول في ذلك.
اختلف في معناه ; فقال عكرمة : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( " حم " اسم من أسماء الله تعالى وهي مفاتيح خزائن ربك ) قال ابن عباس : " حم " اسم الله الأعظم .وعنه : " الر " و " حم " و " ن " حروف الرحمن مقطعة .وعنه أيضا : اسم من أسماء الله تعالى أقسم به .وقال قتادة : إنه اسم من أسماء القرآن .مجاهد : فواتح السور .وقال عطاء الخراساني : الحاء افتتاح اسمه حميد وحنان وحليم وحكيم , والميم افتتاح اسمه ملك ومجيد ومنان ومتكبر ومصور ; يدل عليه ما روى أنس أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : ما " حم " فإنا لا نعرفها في لساننا ؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( بدء أسماء وفواتح سور ) وقال الضحاك والكسائي : معناه قضي ما هو كائن .كأنه أراد الإشارة إلى تهجي " حم " ; لأنها تصير حم بضم الحاء وتشديد الميم ; أي قضي ووقع .وقال كعب بن مالك : فلما تلاقيناهم ودارت بنا الرحى وليس لأمر حمه الله مدفع وعنه أيضا : إن المعنى حم أمر الله أي قرب ; كما قال الشاعر : قد حم يومي فسر قوم قوم بهم غفلة ونوم ومنه سميت الحمى ; لأنها تقرب من المنية .والمعنى المراد قرب نصره لأوليائه , وانتقامه من أعدائه كيوم بدر .وقيل : حروف هجاء ; قال الجرمي : ولهذا تقرأ ساكنة الحروف فخرجت مخرج التهجي وإذا سميت سورة بشيء من هذه الحروف أعربت ; فتقول : قرأت " حم " فتنصب ; قال الشاعر : يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم وقرأ عيسى بن عمر الثقفي : " حم " بفتح الميم على معنى اقرأ حم أو لالتقاء الساكنين .ابن أبي إسحاق وأبو السمال بكسرها .والإمالة والكسر لالتقاء الساكنين , أو على وجه القسم .وقرأ أبو جعفر بقطع الحاء من الميم .الباقون بالوصل .وكذلك في " حم .عسق " .وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة والكسائي وخلف وابن ذكوان بالإمالة في الحاء .وروي عن أبي عمرو بين اللفظين وهي قراءة نافع وأبي جعفر وشيبة .الباقون بالفتح مشبعا .
الحروف المقطعة في أوائل السور ، الأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي ، مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها.
مكية " حم "
«حم» الله أعلم بمراده.
(حم) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
سورة " فصلت " من السور التى بدئت ببعض حروف التهجى .والرأى الراجح فى هذه الحروف أنها جئ بها للإِيقاظ والتنبيه على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - ، بدليل أنه مؤلف من جنس الحروف التى يتخاطب بها المشركون ، ومع ذلك فقد عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله .
اعلم أن في أول هذه السورة احتمالات أحدها: وهو الأقوى أن يقال حام اسم للسورة وهو في موضع المبتدأ وتنزيل خبره.
وثانيها: قال الأخفش: تنزيل رفع بالابتداء وكتاب خبره.
وثالثها: قال الزجاج: تنزيل رفع بالابتداء وخبره كتاب فصلت آياته ووجهه أن قوله: ﴿ تَنزِيلَ ﴾ تخصص بالصفة وهو قوله: ﴿ مِّنَ الرحمن الرحيم ﴾ فجاز وقوعه مبتدأ.
واعلم أنه تعالى حكم على السورة المسماة بحام بأشياء أولها: كونه تنزيلاً والمراد المنزّل والتعبير عن المفعول بالمصدر مجاز مشهور، يقال هذا بناء الأمير أي مبنيه، وهذا الدرهم ضرب السلطان أي مضروبه، والمراد من كونها منزلاً أن الله تعالى كتبها في اللوح المحفوظ وأمر جبريل عليه السلام بأن يحفظ تلك الكلمات ثم ينزل بها على محمد صلى الله عليه وسلم ويبلغها إليه، فلما حصل تفهيم هذه الكلمات بواسطة نزول جبريل عليه السلام سمي لذلك تنزيلاً.
وثانيها: كون التنزيل من الرحمن الرحيم، وذلك يدل على كون التنزيل نعمة عظيمة من الله تعالى لأن الفعل المقرون بالصفة لابد وأن يكون مناسباً لتلك الصفة، فكونه تعالى رحماناً رحيماً صفتان دالتان على كمال الرحمة، فالتنزيل المضاف إلى هاتين الصفتين لابد وأن يكون دالاً على أعظم وجوه النعمة، والأمر في نفسه كذلك، لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى والزمنى والمحتاجين، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية وعلى كل ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية، فكان أعظم النعم عند الله تعالى على أهل هذا العالم إنزال القرآن عليهم.
وثالثها: كونه كتاباً وقد بينا أن هذا الاسم مشتق من الجمع وإنما سمي كتاباً لأنه جمع فيه علوم الأولين والآخرين.
ورابعها: قوله: ﴿ فُصّلَتْ ءاياته ﴾ والمراد أنه فرقت آياته وجعلت تفاصيل في معان مختلفة فبعضها في وصف ذات الله تعالى وشرح صفات التنزيه والتقديس وشرح كمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته وعجائب أحوال خلقه السموات والأرض والكواكب وتعاقب الليل والنهار وعجائب أحوال النبات والحيوان والإنسان، وبعضها في أحوال التكاليف المتوجهة نحو القلوب ونحو الجوارح، وبعضها في الوعد والوعيد والثواب والعقاب درجات أهل الجنة ودرجات أهل النار، وبعضها في المواعظ والنصائح وبعضها في تهذيب الأخلاق ورياضة النفس، وبعضها في قصص الأولين وتواريخ الماضين، وبالجملة فمن أنصف علم أنه ليس في يد الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم المختلفة والمباحث المتباينة مثل ما في القرآن.
وخامسها: قوله: ﴿ قُرْءَاناً ﴾ والوجه في تسميته قرآناً قد سبق وقوله تعالى: ﴿ قُرْءاناً ﴾ نصب على الاختصاص والمدح أي أُريد بهذا الكتاب المفصل قرآناً من صفته كيت وكيت، وقيل هو نصب على الحال.
وسادسها: قوله: ﴿ عَرَبِيّاً ﴾ والمعنى أن هذا القرآن إنما نزل بلغة العرب وتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ .
وسابعها: قوله تعالى: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ والمعنى إنا جعلناه عربياً لأجل أنا أنزلناه على قوم عرب فجعلناه بلغة العرب ليفهموا منه المراد، فإن قيل قوله: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ متعلق بماذا؟
قلنا يجوز أن يتعلق بقوله: ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ أو بقوله: ﴿ فُصِّلَتْ ﴾ أي تنزيل من الله لأجلهم أو فصلت آياته لأجلهم، والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده، أي قرآناً عربياً كائناً لقوم عرب، لئلا يفرق بين الصلات والصفات.
وثامنها.
وتاسعها: قوله: ﴿ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ يعني بشيراً للمطيعين بالثواب ونذيراً للمجرمين بالعقاب، والحق أن القرآن بشارة ونذارة إلا أنه أطلق اسم الفاعل عليه للتنبيه على كونه كاملاً في هذه الصفة، كما يقال شعر شاعر وكلام قائل.
الصفة العاشرة: كونهم معرضين عنه لا يسمعون ولا يلتفتون إليه، فهذه هي الصفات العشرة التي وصف الله القرآن بها، ويتفرع عليها مسائل: المسألة الأولى: القائلون بخلق القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه: الأول: أنه وصف القرآن بكونه تنزيلاً ومنزلاً والمنزل والتنزيل مشعر بالتصيير من حال، فوجب أن يكون مخلوقاً الثاني: أن التنزيل مصدر والمصدر هو المفعول المطلق باتفاق النحويين الثالث: المراد بالكتاب إما الكتاب وهو المصدر الذي هو المفعول المطلق أو المكتوب الذي هو المفعول الرابع: أن قوله: ﴿ فُصّلَتْ ﴾ يدل على أن متصرفاً يتصرف فيه بالتفصيل والتمييز، وذلك لا يليق بالقديم الخامس: أنه إنما سمي قرآناً لأنه قرن بعض أجزائه بالبعض وذلك يدل على كونه مفعول فاعل ومجعول جاعل السادس: وصفه بكونه عربياً، وإنما صحت هذه النسبة لأجل أن هذه الألفاظ إنما دخلت على هذه المعاني بحسب وضع العرب واصطلاحاتهم، وما جعل بجعل جاعل وفعل فاعل فلابد وأن يكون محدثاً ومخلوقاً الجواب: أن كل هذه الوجوه التي ذكرتموها عائدة إلى اللغات وإلى الحروف والكلمات، وهي عندنا محدثة مخلوقة، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر سوى هذه الألفاظ، والله أعلم.
المسألة الثانية: ذهب أكثر المتكلمين إلى أنه يجب على المكلف تنزيل ألفاظ القرآن على المعاني التي هي موضوعة لها بحسب اللغة العربية، فأما حملها على معان أُخر لا بهذا الطريق فهذا باطل قطعاً، وذلك مثل الوجوه التي يذكرها أهل الباطن، مثل أنهم تارة يحملون الحروف على حساب الجمل وتارة يحملون كل حرف على شيء آخر، وللصوفية طرق كثيرة في الباب ويسمونها علم المكاشفة والذي يدلل على فساد تلك الوجوه بأسرها قوله تعالى: ﴿ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً ﴾ وإنما سماه عربياً لكونه دالاً على هذه المعاني المخصوصة بوضع العرب وباصطلاحاتهم، وذلك يدل على أن دلالة هذه الألفاظ لم تحصل إلا على تلك المعاني المخصوصة، وأن ما سواه فهو باطل.
المسألة الثالثة: ذهب قوم إلى أنه حصل في القرآن من سائر اللغات كقوله: ﴿ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ و ﴿ سِجّيلٍ ﴾ فإنهما فارسيان، وقوله: ﴿ مشكاة ﴾ فإنها من لغة الحبشة وقوله: ﴿ قسطاس ﴾ فإنه من لغة الروم والذي يدل على فساد هذا المذهب قوله: ﴿ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ .
المسألة الرابعة: قالت المعتزلة لفظ الإيمان والكفر والصلاة والزكاة والصوم والحج ألفاظ شرعية لا لغوية، والمعنى أن الشرع نقل هذه الألفاظ عن مسمياتها اللغوية الأصلية إلى مسميات أخرى، وعندنا أن هذا باطل، وليس للشرع تصرف في هذه الألفاظ عن مسمياتها إلا من وجه واحد، وهو أنه خصص هذه الأسماء بنوع واحد من أنواع مسمياتها مثلاً، الإيمان عبارة عن التصديق فخصصه الشرع بنوع معين من التصديق، والصلاة عبارة عن الدعاء فخصصه الشرع بنوع معين من الدعاء، كذا القول في البواقي ودليلنا على صحة مذهبنا قوله تعالى: ﴿ قُرْءاناً عَرَبِيّاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ .
المسألة الخامسة: إنما وصف الله القرآن بكونه ﴿ عَرَبِيّاً ﴾ في معرض المدح والتعظيم وهذا المطلوب لا يتم إلا إذا ثبت أن لغة العرب أفضل اللغات.
واعلم أن هذا المقصود إنما يتم إذا ضبطنا أقسام فضائل اللغات بضابط معلوم، ثم بينا أن تلك الأقسام حاصلة فيه لا في غيره، فنقول لا شك أن الكلام مركب من الكلمات المفردة، وهي مركبة من الحروف، فالكلمة لها مادة وهي الحروف، ولها صورة وهي تلك الهيئة المعينة الحاصلة عند التركيب.
فهذه الفضيلة إنما تحصل إما بحسب مادتها أو بحسب صورتها، أما التي بحسب مادتها فهي آحاد الحروف، واعلم أن الحروف على قسمين بعضها بينة المخارج ظاهرة المقاطع وبعضها خفية المخارج مشتبهة المقاطع، وحروف العرب بأسرها ظاهرة المخارج بينة المقاطع، ولا يشتبه شيء منها بالآخر.
وأما الحروف المستعملة في سائر اللغات فليست كذلك بل قد يحصل فيها حرف يشتبه بعضها بالبعض، وذلك يخل بكمال الفصاحة، وأيضاً الحركات المستعملة في سائر لغة العرب حركات ظاهرة جلية وهي النصب والرفع والجر، وكل واحد من هذه الثلاثة فإنه يمتاز عن غيره امتيازاً ظاهراً جلياً، وأما الإشمام والروم فيقل حصولهما في لغات العرب، وذلك أيضاً من جنس ما يوجب الفصاحة، وأما الكلمات الحاصلة بحسب التركيب فهي أنواع: أحدها: أن الحروف على قسمين متقاربة المخرج ومتباعدة المخرج، وأيضاً الحروف على قسمين منها صلبة ومنها رخوة، فيحصل من هذا التقسيم أقسام أربعة الصلبة المتقاربة، والرخوة المتقاربة، والصلبة المتباعدة، والرخوة المتباعدة، فإذا توالى في الكلمة حرفان صلبان متقاربان.
صعب اللفظ بها، لأن بسبب تقارب المخرج يصير التلفظ بها جارياً مجرى ما إذا كان الإنسان مقيداً ثم يمشي، وبسبب صلابة تلك الحروف تتوارد الأعمال الشاقة القوية على الموضع الواحد من المخرج، وتوالي الأعمال الشاقة يوجب الضعف والإعياء، ومثل هذا التركيب في اللغة العربية قليل.
وثانيها: أن جنس بعض الحروف ألذ وأطيب في السمع، وكل كلمة يحصل فيها حرف من هذا الجنس كان سماعها أطيب.
وثالثها: الوزن فنقول: الكلمة إما أن تكون ثنائية أو ثلاثية أو رباعية، وأعدلها هو الثلاثي لأن الصوت إنما يتولد بسبب الحركة، والحركة لابد لها من مبدأ ووسط ومنتهى، فهذه ثلاث مراتب، فالكلمة لابد وأن يحصل فيها هذه المراتب الثلاثة حتى تكون تامة، أما الثنائية فهي ناقصة وأما الرباعية فهي زائدة، والغائب في كلام العرب الثلاثيات، فثبت بما ذكرنا ضبط فضائل اللغات، والاستقراء يدل على أن لغة العرب موصوفة بها، وأما سائر اللغات فليست كذلك، والله أعلم.
المسألة السادسة: قوله: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ يعني إنما جعلناه ﴿ عَرَبِيّاً ﴾ لأجل أن يعلموا المراد منه، والقائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح والحكم، تمسكوا بهذه الآية وقالوا إنها تدل على أنه إنما جعله ﴿ عَرَبِيّاً ﴾ لهذه الحكمة، فهذا يدل على أن تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه جائز.
المسألة السابعة: قال قوم القرآن كله غير معلوم بل فيه ما يعلم وفيه ما لا يعلم، وقال المتكلمون لا يجوز أن يحصل فيه شيء غير معلوم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ قرءاناً عربياً لقوم يعلمون ﴾ يعني إنما جعلناه عربياً ليصير معلوماً والقوم بأنه غير معلوم يقدح فيه.
المسألة الثامنة: قوله تعالى: ﴿ فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ يدل على أن الهادي من هداه الله وأن الضال من أضله الله وتقريره أن الصفات التسعة المذكورة للقرآن توجب قوة الاهتمام بمعرفته وبالوقوف على معانيه، لأنا بينا أن كونه نازلاً من عند الإله الرحمن الرحيم يدل على اشتماله على أفضل المنافع وأجل المطالب، وكونه ﴿ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً ﴾ مفصلاً يدل على أنه في غاية الكشف والبيان، وكونه ﴿ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ يدل على أن الاحتياج إلى فهم ما فيه من أهم المهمات، لأن سعي الإنسان في معرفة ما يوصله إلى الثواب أو إلى العقاب من أهم المهمات، وقد حصلت هذه الموجبات الثلاثة في تأكيد الرغبة في فهم القرآن وفي شدة الميل إلى الإحاطة به، ثم مع ذلك فقد أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه ونبذوه وراء ظهورهم، وذلك يدل على أنه لا مهدي إلا من هداه الله، ولا ضال إلا من أضله الله.
واعلم أنه تعالى لما وصف القرآن بأنهم أعرضوا عنه ولا يسمعونه، بيّن أنهم صرحوا بهذه النفرة والمباعدة وذكروا ثلاثة أشياء أحدها: أنهم قالوا: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ وأكنة جمع كنان كأغطية جمع غطاء، والكنان هو الذي يجعل فيه السهام.
وثانيها: قولهم: ﴿ وفي آذاننا وقر ﴾ أي صمم وثقل من استماع قولك.
وثالثها: قولهم: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ والحجاب هو الذي يمنع من الرؤية والفائدة في كلمة ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا ﴾ أنه لو قيل: وبيننا وبينك حجاب، لكان المعنى أن حجاباً حصل وسط الجهتين، وأما بزيادة لفظ ﴿ مِنْ ﴾ كأن المعنى أن الحجاب ابتدأ منا وابتدأ منك، فالمسافة الحاصلة بيننا وبينك مستوعبة بالحجاب، وما بقي جزء منها فارغاً عن هذا الحجاب فكانت هذه اللفظة دالة على قوة هذا الحجاب، هكذا ذكره صاحب الكشاف وهو في غاية الحسن.
واعلم أنه إنما وقع الاقتصار على هذه الأعضاء الثلاثة، وذلك لأن القلب محل المعرفة وسلطان البدن والسمع والبصر هما الآلتان المعينتان لتحصيل المعارف، فلما بيّن أن هذه الثلاثة محجوبة كان ذلك أقصى ما يمكن في هذا الباب.
واعلم أنه إذا تأكدت النفرة عن الشيء صارت تلك النفرة في القلب فإذا سمع منه كلاماً لم يفهم معناه كما ينبغي، وإذا رآه لم تصر تلك الرؤية سبباً للوقوف على دقائق أحوالك ذلك المرئي، وذلك المدرك والشاعر هو النفس، وشدة نفرة النفس عن الشيء تمنعها من التدبر والوقوف على دقائق ذلك الشيء، فإذا كان الأمر كذلك كان قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ استعارات كاملة في إفادة المعنى المراد، فإن قيل إنه تعالى حكى هذا المعنى عن الكفار في معرض الذم، وذكر أيضاً ما يقرب منه في معرض الذم فقال: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ ﴾ .
ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء الثلاثة بعينها في معرض التقرير والإثبات في سورة الأنعام فقال: ﴿ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْراً ﴾ فكيف الجمع بينهما؟
قلنا إنه لم يقل هاهنا أنهم كذبوا في ذلك إنما الذي ذمهم عليه أنهم قالوا: إنا إذا كنا كذلك لم يجز تكليفنا وتوجيه الأمر والنهي علينا، وهذا الثاني باطل، أما الأول فلأنه ليس في الآية ما يدل على أنهم كذبوا فيه.
واعلم أنهم لما وصفوا أنفسهم بهذه الصفات الثلاثة قالوا: ﴿ فاعمل إِنَّنَا عاملون ﴾ والمراد فاعمل على دينك إننا عاملون على ديننا، ويجوز أن يكون المراد فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك، والحاصل عندنا أن القوم ما كذبوا في قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أكنة مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ بل إنما أتوا بالكفر والكلام الباطل في قولهم: ﴿ فاعمل إِنَّنَا عاملون ﴾ .
ولما حكى الله عنهم هذه الشبهة أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن هذه الشبهة بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ ﴾ وبيان هذا الجواب كأنه يقول إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبراً وقهراً فإني بشر مثلكم ولا امتياز بيني وبينكم إلا بمجرد أن الله عزّ وجلّ أوحى إليّ وما أوحى إليكم فأنا أبلغ هذا الوحي إليكم، ثم بعد ذلك إن شرفكم الله بالتوحيد والتوفيق قبلتموه، وإن خذلكم بالحرمان رددتموه، وذلك لا يتعلق بنبوتي ورسالتي، ثم بيّن أن خلاصة ذلك الوحي ترجع إلى أمرين: العلم والعمل، أما العلم فالرأس والرئيس فيه معرفة التوحيد، ذلك لأن الحق هو أن الله واحد وهو المراد من قوله: ﴿ أَنَّمَا إلهكم إله واحد ﴾ وإذا كان الحق في نفس الأمر ذلك وجب علينا أن نعترف به، وهو المراد من قوله: ﴿ فاستقيموا إِلَيْهِ ﴾ ونظيره قوله: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿ فاستقيموا إِلَيْهِ ﴾ وجهان الأول: فاستقيموا متوجهين إليه الثاني: أن يكون قوله: ﴿ فاستقيموا إِلَيْهِ ﴾ معناه فاستقيموا له لأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض.
واعلم أن التكليف له ركنان أحدهما: الاعتقاد والرأس والرئيس فيه اعتقاد التوحيد، فلما أمر بذلك انتقل إلى وظيفة العمل والرأس والرئيس فيه الاستغفار، فلهذا السبب قال: ﴿ واستغفروه ﴾ فإن قيل المقصود من الاستغفار والتوبة إزالة ما لا ينبغي وذلك مقدم على فعل ما ينبغي، فلم عكس هذا الترتيب هاهنا وقدم ما ينبغي على إزالة ما لا ينبغي؟
قلنا ليس المراد من هذا الاستغفار الاستغفار عن الكفر، بل المراد منه أن يعمل ثم يستغفر بعده لأجل الخوف من وقوع التقصير في العمل الذي أتى به كما قال صلى الله عليه وسلم: «وإنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة».
ولما رغب الله تعالى في الخير والطاعة أمر بالتحذير عما لا ينبغي، فقال: ﴿ وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ * الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ بالآخرة هُمْ كافرون ﴾ وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: وجه النظم في هذه الآية من وجوه: الأول: أن العقول والشرائع ناطقة بأن خلاصة السعادات مربوطة بأمرين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وذلك لأن الموجودات، إما الخالق وإما الخلق، فأما الخالق فكمال السعادة في المعاملة معه أن يقر بكونه موصوفاً بصفات الجلال والعظمة، ثم يأتي بأفعال دالة على كونه في نهاية العظمة في اعتقادنا وهذا هو المراد من التعظيم لأمر الله، وأما الخلق فكمال السعادة في المعاملة معهم أن يسعى في دفع الشر عنهم وفي إيصال الخير إليهم، وذلك هو المراد من الشفقة على خلق الله، فثبت أن أعظم الطاعات التعظيم لأمر الله، وأفضل أبواب التعظيم لأمر الله الإقرار بكونه واحداً وإذا كان التوحيد أعلى المراتب وأشرفها كان ضده وهو الشرك أخس المراتب وأرذلها، ولما كان أفضل أنواع المعاملة مع الخلق هو إظهار الشفقة عليهم كان الامتناع من الزكاة أخس الأعمال، لأنه ضد الشفقة على خلق الله، إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى أثبت الويل لمن كان موصوفاً بصفات ثلاثة أولها: أن يكون مشركاً وهو ضد التوحيد.
وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
وثانيها: كونه ممتنعاً من الزكاة وهو ضد الشفقة على خلق الله، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة ﴾ .
وثالثها: كونه منكراً للقيامة مستغرقاً في طلب الدنيا ولذاتها، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَهُمْ بالآخرة هُمْ كافرون ﴾ وتمام الكلام في أنه لا زيادة على هذه المراتب الثلاثة أن الإنسان له ثلاثة أيام: الأمس واليوم والغد.
أما معرفة أنه كيف كانت أحوال الأمس في الأزل فهو بمعرفة الله تعالى الأزلي الخالق لهذا العالم.
وأما معرفة أنه كيف ينبغي وقوع الأحوال في اليوم الحاضر فهو بالإحسان إلى أهل العالم بقدر الطاقة، وأما معرفة الأحوال في اليوم المستقبل فهو الإقرار بالبعث والقيامة، وإذا كان الإنسان على ضد الحق في هذه المراتب الثلاثة كان في نهاية الجهل والضلال، فلهذا حكم الله عليه بالويل، فقال: ﴿ وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ * الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ بالآخرة هُمْ كافرون ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن، والله أعلم الوجه الثاني: في تقرير كيفية النظم أن يقال المراد بقوله: ﴿ لاَ يُؤْتُونَ الزكواة ﴾ أي لا يزكون أنفسهم من لوث الشرك بقولهم: لا إله إلا الله، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ الثالث: قال الفرّاء: إن قريشاً كانت تطعم الحاج، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا في إثبات أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام بهذه الآية، فقالوا إنه تعالى ألحق الوعيد الشديد بناء على أمرين أحدهما: كونه مشركاً والثاني: أنه لا يؤتي الزكاة، فوجب أن يكون لكل واحد من هذين الأمرين تأثير في حصول ذلك الوعيد، وذلك يدل على أن لعدم إيتاء الزكاة من المشرك تأثيراً عظيماً في زيادة الوعيد، وذلك هو المطلوب.
المسألة الثالثة: احتج بعضهم على أن الامتناع من إيتاء الزكاة يوجب الكفر، فقال إنه تعالى لما ذكر هذه الصفة ذكر قبلها ما يوجب الكفر، وهو قوله: ﴿ فَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ ﴾ وذكر أيضاً بعدها ما يوجب الكفر، وهو قوله: ﴿ وَهُمْ بالآخرة هُمْ كافرون ﴾ فلو لم يكن عدم إيتاء الزكاة كفراً لكان ذكره فيما بين الصفتين الموجبتين للكفر قبيحاً، لأن الكلام إنما يكون فصيحاً إذا كانت المناسبة مرعية بين أجزائه، ثم أكدوا ذلك بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حكم بكفر مانعي الزكاة والجواب: لما ثبت بالدليل أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان وهما حاصلان عند عدم إيتام الزكاة، فلم يلزم حصول الكفر بسبب عدم إيتاء الزكاة، والله أعلم.
ثم إنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أردفه بوعد المؤمنين، فقال: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ أي غير مقطوع، من قولك مننت الحبل، أي قطعته، ومنه قولهم قد منه السفر، أي قطعه، وقيل لا يمن عليهم، لأنه تعالى لما سماه أجراً، فإذاً الأجر لا يوجب المنّة، وقيل نزلت في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأحسن ما كانوا يعملون.
<div class="verse-tafsir"
إن جعلت ﴿ حم ﴾ اسماً للسورة كانت في موضع المبتدأ.
و ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ خبره.
وإن جعلتها تعديداً للحروف وكان ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ خبراً لمبتدأ محذوف و ﴿ كِتَابٌ ﴾ بدل من تنزيل.
أو خبر بعد خبر.
أو خبر مبتدأ محذوف، وجوّز الزجاج أن يكون ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ مبتدأ، و ﴿ كِتَابٌ ﴾ خبره.
ووجهه أن تنزيلاً تخصص بالصفة فساغ وقوعه مبتدأ ﴿ فُصّلَتْ ءاياته ﴾ ميزت وجعلت تفاصيل في معان مختلفة: من أحكام وأمثال ومواعظ، ووعد ووعيد، وغير ذلك، وقرئ: ﴿ فصلت ﴾ ، أي: فرقت بين الحق والباطل.
أو فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها، من قولك: فصل من البلد ﴿ قُرْءاناً عَرَبِيّاً ﴾ نصب على الاختصاص والمدح، أي: أريد بهذا الكتاب المفصل قرآناً من صفته كيت وكيت.
وقيل: هو نصب على الحال، أي: فصلت آياته في حال كونه قرآناً عربياً ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي المبين، لا يلتبس عليهم شيء منه.
فإن قلت: بم يتعلق قوله: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ؟
قلت: يجوز أن يتعلق بتنزيل أو بفصلت، أي: تنزيل من الله لأجلهم.
أو فصلت آياته لهم.
والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده، أي قرآناً عربياً كائناً لقوم عرب، لئلا يفرق بين الصّلات والصفات.
وقرئ: ﴿ بشير ونذير ﴾ صفة ل (لكتاب).
أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ لا يقبلون ولا يطيعون، من قولك: تشفعت إلى فلان فلم يسمع قولي، ولقد سمعه ولكنه لما لم يقبله ولم يعمل بمقتضاه، فكأنه لم يسمعه.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ فُصِّلَتْ مَكِّيَّةٌ وآيُها ثَلاثٌ أوْ أرْبَعٌ وخَمْسُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ حم ﴾ إنْ جَعَلْتَهُ مُبْتَدَأً فَخَبَرُهُ: ﴿ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ وإنْ جَعَلْتَهُ تَعْدِيدًا لِلْحُرُوفِ فَـ تَنْزِيلٌ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أوْ مُبْتَدَأٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ وخَبَرُهُ: ﴿ كِتابٌ ﴾ وهو عَلى الأوَّلَيْنِ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرٌ آخَرُ أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، ولَعَلَّ افْتِتاحَ هَذِهِ السُّوَرِ السَّبْعِ بِـ حم وتَسْمِيَتَها بِهِ لِكَوْنِها مُصَدَّرَةً بِبَيانِ الكِتابِ مُتَشاكِلَةً في النَّظْمِ والمَعْنى، وإضافَةُ ال تَنْزِيلٌ إلى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مَناطُ المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
﴿ فُصِّلَتْ آياتُهُ ﴾ مُيِّزَتْ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والمَعْنى.
وقُرِئَ «فُصِّلَتْ» أيْ فُصِّلَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ بِاخْتِلافِ الفَواصِلِ والمَعانِي، أوْ فُصِّلَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوِ الحالِ مِن فُصِّلَتْ، وفِيهِ امْتِنانٌ بِسُهُولَةِ قِراءَتِهِ وفَهْمِهِ.
﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ العَرَبِيَّةَ أوْ لِأهْلِ العِلْمِ والنَّظَرِ، وهو صِفَةٌ أُخْرى لِـ قُرْآنًا أوْ صِلَةٌ لِـ تَنْزِيلٌ، أوْ لِـ فُصِّلَتْ، والأوَّلُ أوْلى لِوُقُوعِهِ بَيْنَ الصِّفاتِ.
<div class="verse-tafsir"
حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)
{حم تنزيل من الرحمن الرحيم}
سورة فصلت مكية وهى ثلاث وخمسون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
{حم} إن جعلته اسماً للسورة كان مبتدأ {تَنزِيلٌ} خبره وإن جعلته تعديداً للحروف كان تنزيل خبرا لمبتدا محذوف وكتاب بدل من تَنزِيل أو خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أو تنزيل مبتدأ {مِّنَ الرحمن الرحيم} صفته
سُورَةُ فُصِّلَتْ وتُسَمّى سُورَةَ السَّجْدَةِ وسُورَةَ حم السَّجْدَةِ وسُورَةَ المَصابِيحِ وسُورَةَ الأقْواتِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ ولَمْ أقِفْ فِيها عَلى اسْتِثْناءٍ، وعَدَدُ آياتِها كَما قالَ الدّانِيُّ خَمْسُونَ وآيَتانِ بَصْرِيٌّ وشامِيٌّ وثَلاثٌ مَكِّيٌّ ومَدَنِيٌّ وأرْبَعٌ كُوفِيٌّ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ قَبْلُ ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ ..
إلَخْ.
وكانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا تَهْدِيدًا وتَقْرِيعًا لِقُرَيْشٍ وذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ هُنا نَوْعًا آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ والتَّقْرِيعِ لَهم وخَصَّهم بِالخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ كَيْفِيَّةَ إهْلاكِهِمْ وفِيهِ نَوْعُ بَيانٍ لِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا ﴾ الآيَةَ، وبَيْنَهُما أوْجَهٌ مِنَ المُناسَبَةِ غَيْرُ ما ذُكِرَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ تَبارَكَ وحم السَّجْدَةَ».
( بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ) ﴿ حم ﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ أوِ القُرْآنِ فَهو إمّا خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ تَنْزِيلٌ ﴾ عَلى المُبالَغَةِ أوِ التَّأْوِيلِ المَشْهُورِ، وهو عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وخَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ حم مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ عِنْدَ الفَرّاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ مِن تَتِمَّتِهِ مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ أوْ تَنْزِيلٌ مُبْتَدَأٌ لِتَخَصُّصِهِ بِما بَعْدَهُ خَبَرُهُ <div class="verse-tafsir"
وهي أربع وخمسون آية مكية قوله تبارك وتعالى حم اسم السورة.
ويقال: حم يعني: قضي ما هو كائن ويقال هو قسم أقسم الله تعالى به.
تَنْزِيلٌ أي: نزل بهذا القرآن جبريل، مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تنزيل صار رفعاً بالابتداء، وخبره، كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ ويقال: صار رفعاً بإضمار فيه.
ومعناه: هذا تنزيل من الرحمن الرحيم، كِتابٌ يعني: القرآن فُصِّلَتْ آياتُهُ يعني: بينت، وفسرت دلائله، وحججه.
ويقال: بيّن حلاله، وحرامه، قُرْآناً عَرَبِيًّا صار نصباً على الحال.
أي: بينت آياته في حال جمعه، لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي: يصدقون، ويقرون بالرسل.
ويقال: يعلمون ما فيه، ويفهمونه.
قُرْآناً عَرَبِيًّا أخذ من الجمع، ولو كان غير عربي لم يعلموه.
قوله تعالى: بَشِيراً وَنَذِيراً يعني: بَشِيراً للمؤمنين بالجنة وَنَذِيراً للكافرين بالنار.
فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ يعني: أعرض أكثر أهل مكة، فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ يعني: لا يسمعون سمعاً ينفعهم، لأنهم لا يجيبون، ولا يطيعون.
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ يعني: في غطاء لا نفقه ما تقول، مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ من التوحيد لا يصل إلى قلوبنا، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ يعني: ثقلاً فلا نسمع قولك.
يعني: نحن في استماع قولك، كالصم لا نسمع ما تقول، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ أي ستر، وغطاء، فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ يعني: اعمل على أمرك، نعمل على أمرنا.
ويقال: اعمل لإلهك الذي أرسلك، إننا عاملون لآلهتنا، وهذا قول مقاتل، والأول قول الكلبي.
ويقال: اعمل في هلاكنا، إننا عاملون في هلاكك.
روى محمد بن كعب القرظي عمن حدثه: أن عتبة بن ربيعة قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش: ألا أقُوم إلى هذا الرجل، وأكلمه، وأعرض عليه أموراً، لعله يقبل منا بعضها، فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا، وذلك حين رأوا أصحاب النبيّ يزيدون، ويكثرون.
فقالوا: بلى يا أبا الوليد.
فقام عتبة: حتى جلس إلى رسول الله فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من المكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت جماعتهم، وعبت آلهتهم، ودينهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فإن كنت، إنما تريد بما جئت به مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثر مالاً، وإن كنت تريد شرفاً شرفناك علينا، حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه، أي: خيالاً، لا تستطيع أن تردّه عنك نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا لك فيه أموالنا حتى نبريك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل، حتى يداوى منه.
فلما فرغ منه، قال رسول الله : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ حتى انتهى إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (13) [فصلت: 13] » فقام عتبة، وجاء إلى أصحابه.
فقال بعضهم لبعض: تالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك؟
قال: سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة.
يا معشر قريش أطيعوني، وخلوا بيني وبين الرجل، وبين ما هو فيه.
فقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.
فقال: هذا الرأي لكم، فاصنعوا ما بدا لكم.
<div class="verse-tafsir"
[تفسير سورة فصلت]
وهي مكّيّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩)
رُوِيَ أَنَّ عُتْبَةَ بْنُ رَبِيعَةَ ذَهَبَ إلَى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليحْتَجَّ عَلَيْهِ، وَيُبَيِّنَ لَهُ أَمْرُ مُخَالَفَتِهِ لِقَوْمِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ عُتْبَةُ مِنْ كَلاَمِهِ، قَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ» :
حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [السجدة: ١٣] فَأُرْعِدَ الشَّيْخُ، وقَفَّ شَعْرُهُ، وأَمْسَكَ على فَمِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وَنَاشَدَهُ بِالرَّحِمِ أنْ يُمْسِكَ «١» ، وقَالَ حِينَ فَارَقَهُ: وَاللَّهِ، لَقَدْ سَمِعْتُ شَيْئاً مَا هُوَ بالشِّعْرِ، وَلاَ هُوَ بِالكَهَانَةِ، وَلاَ هُوَ بِالسِّحْرِ، ولَقَدْ ظننت أنّ صاعقة العذاب على رأسي، والرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: صِفَتَا رَجَاءٍ ورحمةٍ للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وفُصِّلَتْ معناه بيّنت آياتُهُ أي: فُسِّرَتْ معانيه، / فَفُصِّلَ بين حلاله وحرامه، ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وقيل: فُصِّلَتْ في التنزيلِ، أي: نزل نجوماً، ولم ينزلْ مرةً واحدةً، وقيل: فُصِّلَتْ بالمواقف وأنواعٍ أَوَاخِرِ الآيِ، ولم يكن يرجعُ إلى قافية ونَحْوِها كالسَّجْعِ والشِّعْرِ.
وقوله تعالى: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قالت فرقة: يعلمون الأشياء، ويعقلون الدلائل، فكأنَّ القرآن فُصِّلَتْ آياته لهؤلاء إذ هم أهل الانتفاع بها، فَخُصُّوا بالذكر تشريفا، وقالت فرقة:
يَعْلَمُونَ: متعلِّقٌ في المعنى بقوله: عَرَبِيًّا: أي: لقوم يعلمون ألفاظه، ويتحقَّقون أنَّها لم يخرجْ شيْءٌ منها عن كلام العرب، وَكأَنَّ الآيَةَ على هذا التأْويلِ رَادَّةٌ على مَنْ زَعَمَ أنَّ في كتابِ اللَّهِ ما لَيْسَ في كلامِ العَرَبِ، والتأويلُ الأوَّلُ أَبْيَنُ وأَشْرَفُ مَعْنًى وبَيِّنٌ أنَّه ليس في القرآن إلاَّ ما هو مِنْ كَلاَمِ العَرَبِ، إمَّا مِنْ أصْلِ لغتِها، وإمَّا مِمَّا عرَّبته من لغة غيرها، ثم ذُكِرَ في القرآن وهو مُعَرَّبٌ مُسْتَعْمَلٌ.
وقوله تعالى: فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ نفي لسماعهم النافِعِ الذي يُعْتَدُّ به، ثم حكى عنهم مقالتهم التي باعدوا فيها كُلَّ المباعدة، وأرادوا أن يُؤْيِسُوهُ من قبولهم ما جاء به، وهي:
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وأكِنَّةً: جمع كِنَانٍ، والوَقْر: الثِّقْلُ في الأذن الذي يمنع السمع.
وقوله تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ...
الآية: قال الحسن:
المراد بالزكاة: زكاة المال «١» ، وقال ابن عباس والجمهور: الزكاة في هذه الآية: لاَ إله إلاَّ اللَّهُ التَّوْحِيدُ «٢» كما قال موسى لفرعَوْنَ: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى [النازعات: ١٨] ويُرَجِّحُ هذا التأويل أَنَّ الآية مَكِّيَّةٌ، وزكاة المال إنما نزلَتْ بالمدينة وإنَّما هذه زكاة القلب والبدن، أي: تطهيره من المعاصي وقاله مجاهد والربيع «٣» ، وقال الضَّحَّاكُ ومقاتلُ: معنى الزكاة هنا: النفقة في الطاعة «٤» ، وغَيْرُ مَمْنُونٍ قال ابن عباس: معناه: غَيْر منقوصٍ «٥» ، وقالت فرقة: معناه: غَيْر مَقْطُوعٍ يقال: مَنَنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، وقال مجاهد: معناه:
غير محسوب «٦» ، قال ع «٧» : ويظهر في الآية أَنَّهُ وصفه بعدم المَنِّ والأذى من حيثُ هو من جهة اللَّه تعالى، فهو شرِيفٌ لا مَنَّ فيه، وأُعْطِيَاتُ البشر هي التي يدخلها المَنُّ، والأنداد: الأشباهُ والأَمثَالُ، وهي إشارةٌ إلى كلّ ما عبد من دون الله.
وقوله تعالى: وَبارَكَ فِيها أي: جعلها منبتَّةً للطَّيِّبات والأطعمة، وجعلها طهوراً إلى غير ذلك من وجوه البركة، وفي قراءةِ ابن مسعود: «وَقَسَّمَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا» «١» واخْتُلِفَ في معنى قوله: أَقْواتَها فقال السُّدِّيُّ: هي أقواتُ البَشَرِ وأرزاقُهُمْ، وأضافها إلى الأرض، من حيثُ هي فيها وَعَنْهَا «٢» ، وقال قتادة: هي أقواتُ الأرض: من الجبال، والأنهار، والأشجار، والصُّخُور، والمعادن، والأشياءِ التي بها قِوَامُ الأَرْضِ ومَصَالِحُها «٣» ، وروى ابنُ عباس في هذا حديثاً مرفوعاً، فشبَّهها بالقُوتِ الذي به قِوَامُ الحيوان، وقال مجاهَدٌ أراد أقواتَهَا من المَطَرِ والمياه، وقال الضَّحَّاكُ وغيره: أراد بقوله: أَقْواتَها: خصائصها التي قَسَّمها في البلاد من المَلْبُوسِ والمطعومِ «٤» ، فجعل في بَلَدٍ وفي قُطْرٍ ما ليس في الآخِرِ، لِيَحْتَاجَ بعضُهم إلى بعضٍ، ويُتَقوَّت مِنْ هذه في هذه، وهذا قريبٌ من الأَوَّلِ.
وقوله تعالى: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يريد: باليومين الأولين، وقرأ الجمهور: «سَوَاءً» بالنصب على الحال «٥» ، أي: سَوَاءً هي وما انقضى فيها، وقرأ أبو جعفر بن القَعْقَاعِ:
«سَوَاءٌ» «٦» - بالرفع-، أي: هِيَ سَوَاءٌ، وقرأ الحسن «٧» : «سَوَاءٍ» بالخفض على نعت الأيَّامِ، واخْتُلِفَ في معنى: «للسائلين» : فقال قتادة معناه: سواءٌ لِمَنْ سَأَلَ واستفهم/ عن الأمْرِ وحقيقةِ وُقُوعِهِ، وأراد العِبْرَةَ فيه، فإنَّه يجده «٨» ، كما قال تعالى، وقال ابن زيد وجماعة:
معناه: مستوٍ مُهَيَّأٌ أمر هذه المخلوقات ونَفْعُهَا للمحتاجِينَ إلَيْهَا من البشر، فعبّر عنهم ب السَّائِلِينَ بمعنى «الطالبين» لأَّنَّهُ من شَأْنهم، ولاَ بُدَّ طَلَبَ ما ينتفعون به، فهم في حُكْمِ مَنْ سَأَلَ هذه الأشياء، إذ هُمْ أهل حاجة إليها، ولفظة «سواء» تجري مَجْرَى عَدْل وزَوْر، في أنْ تَرِدَ على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث.
سُورَةُ السَّجْدَةِ مَكِّيَّةٌ [كُلُّها] بِإجْماعِهِمْ، ويُقالُ لَها: سَجْدَةُ المُؤْمِنِ، ويُقالُ لَها: المَصابِيحُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلٌ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ "تَنْزِيلُ" بِـ ﴿ حم ﴾ ،وَيَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِإضْمارِ "هَذا" .
وقالَ الزَّجّاجُ: "تَنْزِيلُ" مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ "كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ"، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ.
و ﴿ قُرْآنًا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: بُيِّنَتْ آياتُهُ في حالِ جَمْعِهِ، ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: لِمَن يَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ فَهم لا يَسْمَعُونَ ﴾ تَكَبُّرًا عَنْهُ، ﴿ وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ فَلا نَفْقَهُ قَوْلَكَ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ "الأكِنَّةِ" و "الوَقْرِ" في [الأنْعامِ: ٢٥] .
ومَعْنى الكَلامِ: إنّا في تَرْكِ القَبُولِ مِنكَ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ، ﴿ وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ ﴾ أيْ: حاجِزٌ في النِّحْلَةِ والدِّينِ.
قالَ الأخْفَشُ: و "مِن" هاهُنا لِلتَّوْكِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْمَلْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنّا عامِلُونَ عَلى إبْطالِ أمْرِكَ.
والثّانِي: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنّا عامِلُونَ عَلى دِينِنا.
﴿ قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ أيْ: لَوْلا الوَحْيُ لَما دَعَوْتُكم.
﴿ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ ﴾ أيْ: تَوَجَّهُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، واسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الشِّرْكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا يَشْهَدُونَ أنْ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والمَعْنى: لا يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهم مِنَ الشِّرْكِ بِالتَّوْحِيدِ.
والثّانِي: لا يُؤْمِنُونَ بِالزَّكاةِ ولا يُقِرُّونَ بِها، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: لا يُزَكُّونَ أعْمالَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ.
والرّابِعُ: لا يَتَصَدَّقُونَ، ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعاتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.
والخامِسُ: لا يُعْطُونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ، قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانُوا يَحُجُّونَ ويَعْتَمِرُونَ ولا يُزَكُّونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ فُصِّلَتْ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ويُرْوى «أنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللهِ لِيُبَيِّنَ عَلَيْهِ أمْرَ مُخالَفَتِهِ لِقَوْمِهِ، ولْيَحْتَجَّ عَلَيْهِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، ولْيُبْعِدْ ما جاءَ بِهِ، فَلَمّا تَكَلَّمَ عُتْبَةُ قَرَأ رَسُولُ اللهِ : "حم" ومَرَّ في صَدْرِ هَذِهِ السُورَةِ، حَتّى انْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ ﴾ ، فَأُرْعِدَ الشَيْخُ وقَفَّ شَعْرُهُ، وأمْسَكَ عَلى فَمِ رَسُولِ اللهِ بِيَدِهِ وناشَدَهُ بِالرَحِمِ أنْ يُمْسِكَ، وقالَ حِينَ فارَقَهُ: "واللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ شَيْئًا ما هو بِالشِعْرِ ولا بِالسِحْرِ ولا بِالكِهانَةِ، ولَقَدْ ظَنَنْتُ أنَّ صاعِقَةَ العَذابِ عَلى رَأْسِي".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴾ ﴿ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلِ في أوائِلِ السُورِ مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ الحَوامِيمُ، وأمالَ الأعْمَشُ "حم" في كُلِّها، و"تَنْزِيلٌ" خَبَرُ الِابْتِداءِ، إمّا عَلى أنْ يُقَدِّرَ الِابْتِداءِ في "حم" عَلى ما تَقْتَضِيهِ بَعْضُ الأقاوِيلِ فِيها، إذا جُعِلَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ أو لِلْقُرْآنِ أو إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، وإمّا عَلى أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: هَذا تَنْزِيلٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "تَنْزِيلٌ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كِتابٌ فُصِّلَتْ ﴾ ، عَلى مَعْنى: ذُو تَنْزِيلٍ.
و ﴿ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴾ صِفَتا رَجاءٍ ورَحْمَةٍ لِلَّهِ تَعالى، و"فُصِّلَتْ" قالَ السَدِّيُّ: مَعْناهُ: بُيِّنَتْ آياتُهُ، أيْ فُسِّرَتْ مَعانِيهِ، فَفَصَلَ بَيْنَ حَلالِهِ وحَرامِهِ، وزَجْرِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ، ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وقِيلَ: فُصِّلَتْ في التَنْزِيلِ، أيْ نَزَلَ نُجُومًا، ولَمْ يَنْزِلْ مَرَّةً واحِدَةً، وقِيلَ: فُصِّلَتْ بِالمَواقِفِ وأنْواعِ أواخِرِ الآيِ، ولَمْ يَكُنْ يَرْجِعُ إلى قافِيَةٍ ونَحْوَها كالشِعْرِ والسَجْعِ، و"قُرْآنًا" نَصْبٌ عَلى الحالِ عِنْدَ قَوْمٍ، وهي مُؤَكَّدَةٌ لِأنَّ هَذِهِ الحالَ لَيْسَتْ مِمّا تَنْتَقِلُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "قُرْآنًا" تَوْطِئَةٌ لِلْحالِ و"عَرَبِيًّا" حالٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "قُرْآنًا" نَصْبٌ عَلى المَدْحِ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: يَعْلَمُونَ الأشْياءَ ويَعْقِلُونَ الدَلائِلَ ويَنْظُرُونَ عَلى طَرِيقِ النَظَرِ، فَكَأنَّ القُرْآنَ فُصِّلَتْ آياتُهُ لِهَؤُلاءِ إذْ هم أهْلُ الِانْتِفاعِ بِها، فَخُصُّوا بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا، ومَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِالتَفْصِيلِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يُفَصَّلْ لَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ "يَعْلَمُونَ" ﴾ مُتَعَلِّقٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "عَرَبِيًّا"، ﴾ أيْ: جَعَلْناهُ بِكَلامِ العَرَبِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ألْفاظَهُ، ويَتَحَقَّقُونَ أنَّها لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنها عن كَلامِ العَرَبِ، وكَأنَّ الآيَةَ رادَّةٌ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ في كِتابِ اللهِ تَعالى ما لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ، فالعِلْمُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - أخَصُّ مِنَ العِلْمِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ، والأوَّلُ أشْرَفُ مَعْنى، وبَيِّنٌ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ إلّا ما هو مِن كَلامِ العَرَبِ، إمّا عَلى أصْلِ لُغَتِها، وإمّا عَرَّبَتْهُ مِن لُغَةِ غَيْرِها، ثُمَّ ذُكِرَ في القُرْآنِ وهو مُعَرَّبٌ مُسْتَعْمَلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَشِيرًا ونَذِيرًا ﴾ نَعْتٌ لِلْقُرْآنِ، أيْ يُبَشِّرُ مَن آمَنَ بِالجَنَّةِ ويُنْذِرُ مَن كَفَرَ بِالنارِ، والضَمِيرُ في ﴿ "أكْثَرُهُمْ" ﴾ عائِدٌ عَلى القَوْمِ المَذْكُورِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم لا يَسْمَعُونَ ﴾ نَفْيٌ لِسَمْعِهِمُ النافِعَ، الَّذِي يُعْتَدُّ بِهِ سَمْعًا.
ثُمَّ حُكِيَ عنهم مَقالَتُهُمُ الَّتِي باعَدُوا فِيها كُلَّ المُباعَدَةِ، وأرادُوا أنْ يُؤْيِسُوهُ مِن قُبُولِهِمْ دِينَهُ، وهِيَ: ﴿ قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ ﴾ ، و"أكِنَّةٌ": جَمْعُ كِنانٍ، وهو بابُ فِعالِ وأفْعِلَةٍ، والكِنانُ: ما يَجْمَعُ الشَيْءَ ويَضُمُّهُ ويَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، ومِنهُ الكِنُّ، ومِنهُ كِنانَةُ النُبْلِ، وبِها فَسَّرَ مُجاهِدٌ هَذِهِ الآيَةَ، و"مِن" في قَوْلِهِمْ: ﴿ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وكَذَلِكَ هي في قَوْلِهِمْ: ﴿ وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"الوَقْرُ" الثِقَلٍ في الأُذُنِ الَّذِي يَمْنَعُ السَمْعَ، وقَرَأ ابْنُ مَصْرِفٍ: "وِقَرٌ" بِكَسْرِ الواوِ، و"الحِجابُ" الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ هو مُخالَفَتُهُ إيّاهُمْ، ودَعْوَتُهُ إلى اللهِ تَعالى دُونَ أصْنامِهِمْ، أيْ: هَذا أمْرٌ يَحْجُبُنا عنكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ مَقالَةٌ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعَها قَرِينَةُ الجَدِّ في المُحاوَرَةِ وتَتَضَمَّنُ المُباعَدَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعَها قَرِينَةُ الهَزْلِ والِاسْتِخْفافِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ تَهْدِيدًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتارَكَةً مَحْضَةً.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "قُلْ إنَّما" عَلى الأمْرِ لِمُحَمَّدٍ ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "قُلْ إنَّما" عَلى المُضِيِّ والخَبَرِ عنهُ، وهَذا هو الصَدْعُ بِالتَوْحِيدِ والرِسالَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ: عَلَّمَهُ اللهُ تَعالى التَواضُعَ، و"إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما إلَهُكُمُ ﴾ رَفْعٌ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ "فاسْتَقِيمُوا" ﴾ أيْ عَلى مَحَجَّةِ الهُدى وطَرِيقِ الشَرْعِ والتَوْحِيدِ، وهَذا المَعْنى مُضَمِّنٌ قَوْلُهُ: "إلَيْهِ"، و"الوَيْلُ": الحُزْنُ والثُبُورُ، وفَسَّرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقُبْحِ أهْلِ النارِ وما يَسِيلُ مِنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَكاةَ ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: هي زَكاةُ المالِ، ورُوِيَ أنَّ الزَكاةَ قَنْطَرَةُ الإسْلامِ، مَن قَطَعَها نَجا، ومَن جانَبَها هَلَكَ، واحْتُجَّ لِهَذا التَأْوِيلِ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في الزَكاةِ وقْتَ الرِدَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والجُمْهُورُ: الزَكاةُ في هَذِهِ الآيَةِ: "لا إلَهَ إلّا اللهَ" التَوْحِيدُ، كَما قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِفِرْعَوْنَ: ﴿ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ ، ويُرَجِّحُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ الآيَةَ مِن أوَّلِ المَكِّيِّ، وزَكاةَ المالِ إنَّما نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وإنَّما هَذِهِ زَكاةُ القَلْبِ والبَدَنِ، أيْ تَطْهِيرِهِما مِنَ الشِرْكِ والمَعاصِي، وقالَهُ مُجاهِدٌ والرَبِيعُ، وقالَ الضَحّاكُ ومُقاتِلٌ: مَعْنى الزَكاةِ هُنا: النَفَقَةُ في الطاعاتِ، وأعادَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هم كافِرُونَ ﴾ تَوْكِيدًا.
<div class="verse-tafsir"
القول في الحروف الواقعة فاتحةَ هذه السورة كالقول في {ألام.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ فُصِّلَتْ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حم ﴾ قَدْ مَضى تَأْوِيلُهُ.
﴿ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ﴿ كِتابٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحْيِمِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ فِيهِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ تَنْزِيلُ القُرْآنِ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ثُمَّ وصَفَهُ فَقالَ ﴿ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ ﴾ وفي تَفْصِيلِ آياتِهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فُسِّرَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: فُصِّلَتْ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: فُصِّلَتْ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ سُفْيانُ.
الرّابِعُ: فُصِّلَتْ بِبَيانِ حَلالِهِ مِن حَرامِهِ وطاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: فُصِّلَتْ مِن ذِكْرِ مُحَمَّدٍ ، فَحَكَمَ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن خالَفَهُ، قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْلَمُونَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ نَزَلَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: يَعْلَمُونَ العَرَبِيَّةَ فَيَعْجَزُونَ عَنْ مِثْلِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أغْطِيَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: كالجُعْبَةِ لِلنَّبْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَفِي آذانِنا وقْرٌ ﴾ أيْ صَمَمٌ وهُما في اللُّغَةِ يَفْتَرِقانِ فالوَقْرُ ثُقْلُ السَّمْعِ والصَّمَمُ ذَهابُ جَمِيعِهِ.
﴿ وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي سِتْرًا مانِعًا عَنِ الإجابَةِ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الثّانِي: فُرْقَةٌ في الأدْيانِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَمْثِيلٌ بِالحِجابِ لِيُؤْيِسُوهُ مِنَ الإجابَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: أنَّ أبا جَهْلٍ اسْتَغْشى عَلى رَأْسِهِ ثَوْبًا وقالَ: يا مُحَمَّدُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حِجابٌ، اسْتِهْزاءً مِنهُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
﴿ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فاعْمَلْ بِما تَعْلَمْ مِن دِينِكَ فَإنّا نَعْمَلُ بِما نَعْلَمُ مِن دِينِنا، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: فاعْمَلْ في هَلاكِنا فَإنّا نَعْمَلُ في هَلاكِكَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: فاعْمَلْ لِإلَهِكَ الَّذِي أرْسَلَكَ فَإنّا نَعْمَلُ لِآلِهَتِنا الَّتِي نَعْبُدُها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: فاعْمَلْ لِآخِرَتِكَ فَإنّا نَعْمَلُ لِدُنْيانا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت ﴿ حم ﴾ السجدة بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير رضي الله عنه، مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن عساكر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «اجتمع قريش يوماً فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر، والكهانة، والشعر، فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه؟
فقالوا: ما نعلم أحداً غير عتبة بن ربيعة قالوا: أنت يا أبا الوليد.
فأتاه فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله.
أنت خير أم عبد المطلب.
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع لك، أما والله ما رأينا سلحة قط اشأم على قومه منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب.
حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف.
يا أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً واحداً، وإن كان نما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوّجك عشراً.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرغت قال: نعم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ حم، تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون ﴾ حتى بلغ ﴿ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود ﴾ فقال عتبة: حسبك..
!
ما عندك غير هذا؟
قال: لا.
فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟
قال: ما تركت شيئاً أرى أنكم تكلمون به إلا كلمته قالوا: فهل أجابك؟
قال: والذي نصبها بنية ما فهمت شيئاً مما قال، غير أنه قال: ﴿ أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ قالوا: ويلك..
!
يكلمك الرجل بالعربية وما تدري ما قال؟
قال: لا.
والله ما فهمت شيئاً مما قال غير ذكر الصاعقة» .
وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: «حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان أشد قريش حلماً.
قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده في المسجد؛ يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأكلمه، فأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل منها بعضه، ويكف عنا؟
قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث فيما قال له عتبة، وفيما عرض عليه من المال، والملك، وغير ذلك.
حتى إذا فرغ عتبة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفرغت يا أبا الوليد؟
قال: نعم.
قال: فاستمع مني قال افعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ حم، تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون ﴾ فلما سمعها عتبة انصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة، فسجد فيها ثم قال: سمعت يا أبا الوليد؟
قال: سمعت قال: أنت وذاك.
فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟
قال: والله إني قد سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة.
والله ليكونن لقوله الذي سمعت نبا» .
وأخرج أبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على عتبة بن ربيعة ﴿ حم، تنزيل من الرحمن الرحيم ﴾ أتى أصحابه فقال: يا قوم أطيعوني في هذا اليوم، واعصوني بعده، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاماً ما سمعت مثله قط، وما دريت ما أرد عليه.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير، فنزل في بني غنم على أسعد بن زرارة، فجعل يدعو الناس، فجاء سعد بن معاذ فتوعده فقال له: أسعد بن زرارة اسمع من قوله؟
فإن سمعت منكراً فأردده يا هذا، وإن سمعت حقاً فأجب إليه.
فقال: ماذا تقول؟
فقرأ مصعب ﴿ حم، والكتاب المبين إنا جعلناه قرآناً عربياً لقوم يعقلون ﴾ قال: سعد بن معاذ رضي الله عنه: ما أسمع الا ما أعرف، فرجع وقد هداه الله.
وأخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «قال أبو جهل والملأ من قريش: قد انتشر علينا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فلو التمستم رجلاً عالماً بالسحر، والكهانة، والشعر.
فقال عتبة: علمت من ذلك علماً، وما يخفى علي إن كان كذلك، فأتاه فلما أتاه قال له: يا محمد أنت خير أم هاشم، أنت خير أم عبد المطلب.
فلم يجبه قال: فيم تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا؟
فإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسنا ما بقيت، وإن كان بك الباءة زوّجناك عشرة نسوة تختار من أي بنات قريش، وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك- ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم- فلما فرغ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿ حم، تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فأمسك عتبة على فيه، وناشده الرحم أن يكف عنه، لم يخرج إلى أهله، واحتبس عنهم فقال أبو جهل: يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته انتقلوا بنا إليه.
فأتوه فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما حسبنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره، فإن كنت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن محمد.
فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمداً أبداً وقال: لقد علمتم أني أكثر قريش مالاً ولكني أتيته.
فقص عليهم القصة، فأجابني بشيء والله ما هو بسحر، ولا شعر، ولا كهانة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿ حمتنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً ﴾ حتى بلغ ﴿ أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود ﴾ فأمسكت بغيه وناشدته الرحم فكيف وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب» .
وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما، «أن قريشاً اجتمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، فقال لهم عتبة بن ربيعة: دعوني حتى أقوم إلى محمد أكلمه، فإني عسى أن أكون ارفق به منكم.
فقام عتبة حتى جلس إليه، فقال: يا ابن أخي إنك أوسطنا بيتاً، وأفضلنا مكاناً، وقد أدخلت في قومك ما لم يدخل رجل على قومه قبلك، فإن كنت تطلب بهذا الحديث مالاً فذلك لك على قومك أن نجمع لك حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً فنحن مشرفوك حتى لا يكون أحد من قومك فوقك ولا نقطع الأمور دونك، وإن كان هذا عن لمم يصيبك لا تقدر على النزوع عنه بذلنا لك خزائننا في طلب الطب لذلك منه، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفرغت يا أبا الوليد؟
قال: نعم.
فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ حم ﴾ السجدة حتى مر بالسجدة فسجد وعتبة ملق يده خلف ظهره حتى فرغ من قراءتها، وقام عتبة لا يدري ما يراجعه به.
حتى أتى نادي قوله، فلما رأوه مقبلاً قالوا: لقد رجع إليكم بوجه ما قام به من عندكم، فجلس إليهم فقال: يا معشر قريش قد كلمته بالذي أمرتموني به.
حتى إذا فرغت كلمني بكلام لا والله ما سمعت أذناي بمثله قط، فما دريت ما أقول له!
يا معشر قريش أطيعوني اليوم، واعصوني فيما بعده.
اتركوا الرجل واعتزلوه، فوالله ما هو بتارك ما هو عليه، وخلوا بينه وبين سائر العرب، فإن يكن يظهر عليهم يكن شرفه شرفكم، وعزه عزكم، وملكه ملككم، وان يظهروا عليه تكونوا قد كفيتموه بغيركم.
قالوا: أصبأت إليه يا أبا الوليد؟» .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه قال: «جئت أزور عائشة رضي الله عنها ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه، ثم سرى عنه فقال: يا عائشة ناوليني ردائي، فناولته، ثم أتى المسجد فإذا مذكر يذكر، فجلس حتى إذا قضى المذكر تذكره إفتتح ﴿ حم، تنزيل من الرحمن الرحيم ﴾ [ فصلت: 1-2] فسجد حتى طالت سجدته، ثم تسامع به من كان على ميلين، وتلا عليه السجدة فأرسلت عائشة رضي الله عنها في خاصتها أن احضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد رأيت ما لم أره منذ كنت معه، فرفع رأسه فقال: سجدت هذه السجدة شكراً لربي فيما أبلاني في أمتي فقال له أبو بكر رضي الله عنه: وماذا ابلاك في أمتك؟
قال: أعطاني سبعين ألفاً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب.
فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله إن أمتك كثير طيب فازدد قال: قد فعلت فأعطاني مع كل واحد من السبعين ألفاً، سبعين ألفاً فقال: يا رسول الله ازدد لأمتك فقال بيده، ثم قال بها على صدره فقال عمر رضي الله عنه: وعيت يا رسول الله» .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الخليل بن مرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ تبارك، وحم السجدة.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سواء ﴾ بالرفع: يزيد.
وقرأ يعقوب بالجر.
الباقون: بالنصب ﴿ نحسات ﴾ بسكون الحاء: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وسهل ويعقوب ﴿ وأما ثمود ﴾ بالنصب: المفضل ﴿ نحشر ﴾ بالنون ﴿ أعداء ﴾ بالنصب: نافع ويعقوب.
الآخرون: بالياء مجهولاً ﴿ أعداء ﴾ مرفوعاً.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ﴿ الرحيم ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ كتاب ﴾ يصلح أن يكون بدلاً من ﴿ تنزيل ﴾ وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب.
ويجوز أن يكون ﴿ تنزيل ﴾ هو مع وصفه مبتدأ ﴿ وكتاب ﴾ خبره ﴿ يعلمون ﴾ ه ج لأن ﴿ وبشيراً ﴾ صفة أخرى لـ ﴿ قرآناً ﴾ ﴿ ونذيراً ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ واستغفروه ﴾ ج ﴿ للمشركين ﴾ ه لا ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ممنون ﴾ ه ﴿ وأنداداً ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه لا للآية مع العطف ﴿ أيام ﴾ ط لمن نصب ﴿ سواء ﴾ أو رفع ومن خفض لم يقف ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط ﴿ طائعين ﴾ ه ﴿ أمرها ﴾ ج للعدول ﴿ بمصابيح ﴾ ج لحق المحذوف أي وحفظناها حفظاً ولعل الوصل أولى لما يجيء ﴿ وحفظاً ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه بناء على أن "إذ" يتعلق بمحذوف هو اذكر أو بمعنى الفعل في الصاعقة أي يصعقون إذ ذاك، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿ أنذرتكم ﴾ ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ منا قوّة ﴾ ط ﴿ منهم قوّة ﴾ ط للفصل بين الإخبار والاستخبار ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ مثوى لهم ﴾ ط ﴿ المعتبين ﴾ ه.
التفسير: ﴿ حم ﴾ قال بعضهم: الحاء من الحكمة، والميم من المنة أي منّ على عباده بتنزيل الحكمة من الرحمن في الأزل، الرحيم في الأبد وهي ﴿ كتاب فصلت آياته ﴾ أي ميزت أمثالاً ومواعظ وأحكاماً وقصصاً إلى غير ذلك.
وقد مر في أوّل "هود".
وانتصب ﴿ قرآناً ﴾ على المدح والاختصاص أو على الحال الموطئة ﴿ لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم عرب يفهمون معانيه يعني بالأصالة وللباقين بعدهم، وذلك أن النبي منهم فالدعوة تحصل أوّلاً لهم.
والأظهر عندي أنه كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وذلك أنه لا ينتفع بالقرآن إلا أهل العلم به.
قال أهل السنة: الصفات المذكورة ههنا للقرآن توجب شدة الاهتمام بمعرفته.
والوقوف على معانيه بيانه أن كونه نازلاً من الرحمن الرحيم دليل على أن تنزيله رحمة للعالمين، وفيه شفاء لأمراض القلوب، وكونه كتاباً.
والتركيب يدور على الجمع كما سبق في أول الكتاب يدل على أن فيه علوم الأوّلين والآخرين.
وقوله ﴿ فصلت آياته ﴾ دليل على أنه في غاية الكشف والبيان وكونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ ولغة العرب أفصح اللغات مما يوجب أن تتوفر عليه الرغبات ولا سيما للعرب ومن داناهم.
وكونه ﴿ بشيراً ونذيراً ﴾ يدل على أن الاحتياج إليه من أهم المهمات لأنه سعي في معرفة ما يوصل إلى الثواب الأبديّ، ويخلص من العقاب السرمدي.
فإذا علم المخاطبون هذه الفوائد ثم أعرض أكثرهم عن القرآن ولم يسمعوه سماع قبول دل ذلك على أن المهديّ من هداه الله ومن يضلله فلا هادي له.
ثم أكد بيان إعراضهم بقوله ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة ﴾ ولا يخفى أنه ذكر هذا في معرض الذم فوجه الجمع بينه وبين قوله ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ﴾ هو أن الذم إنما يتوجه على اعتقادهم أنهم إذا كانوا كذلك لم يجز تكليفهم ولا خطابهم بالأمر والنهي، أو أنهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء.
قال جار الله: فائدة "من" في قوله ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ دون أن يقول "وبيننا" هو أن العبارة الثانية تدل على مطلق الحجاب، ولكن العبارة الواردة في القرآن تفيد أن المسافة التي بينهم وبين رسول الله مملوءة من الحجاب لا فراغ فيها كأنه قيل: إن الحجاب ابتدأ منا ومنك.
ثم حكى عنهم ما قالوا على سبيل التهديد أو التحلية ﴿ فاعمل ﴾ أي على دينك أو في إبطال ديننا ﴿ إننا عاملون ﴾ على ديننا أو في إبطال أمرك.
ثم أمر رسوله أن يجيب عن شبهتهم بقوله ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ وتوجيه النظم إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبراً فإني بشر مثلكم ولا امتياز إلا أني أوحي إليّ بالتوحيد والأمر به، فعليّ البلاغ وحده.
ثم إن قبلتم قولي أثابكم الله وإلا عاقبكم.
قال في الكشاف: أراد إن نبوّتي صحت بالوحي وإذا صحت وجب اتباعي ومن جملة ذلك القول بالتوحيد.
ثم بين أن خلاصة الوحي ترجع إلى أمرين: الاستقامة والإقامة على التوحيد المتوجهين إلى الله والاستغفار من تقصير قد يقع في الطاعة.
ثم هددّ أهل الشرك بقوله ﴿ وويل للمشركين ﴾ وقرن منع الزكاة بالكفر بالله أوّلاً وبالآخرة ثانياً، لأن المال شقيق الروح، وبه وببذله في سبيل الله يعرف الموافق من المنافق، ففيه بعث شديد لأهل الإيمان على أداء الزكاة، وفيه أن الشفقة على خلق الله قرينة التعظيم لأمر الله.
وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج ولا يطعمون المؤمنين فنزلت قاله الفراء.
وقيل: أراد بالزكاة ههنا الإيمان لأنه يزكي النفس من دون الشرك.
ثم ذكر جزاء المطيعين وهو ظاهر.
والممنون المقطوع.
وقيل: هو من المنة.
قال جمع من المفسرين: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.
لما حكى بعض قبائح المشركين وسائر الكفرة أراد أن يورد دليلاً على التوحيد فأمر رسوله أن يوبخهم بقوله ﴿ أئنكم لتكفرون بالذي ﴾ سمعتم ممن تصدّقونهم من أهل الكتاب غيركم أنه ﴿ خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ﴾ عمم الكفر أوّلاً ثم خصص بنوع الشرك ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ ومعنى ﴿ من فوقها ﴾ أي بالنسبة إلى سكان المعمورة تذكيراً لنعمة فوق نعمة فإن الجبال منافعها أكثر من أن تحصى يعرف بعضها أهلها ولعلنا قد عددنا في أوّل "البقرة" طرفاً منها.
﴿ وبارك فيها ﴾ بوضع الخيرات الكثيرة فيها.
قال ابن عباس: يريد شق الأنهار وخلق الجبال والأشجار والحيوانات وكل ما يحتاج إليه ﴿ وقدّر فيها أقواتها ﴾ عن مجاهد: يعني المطر فإنه بمنزلة الغذاء للأرض به حياتها.
وعن محمد بن كعب: أراد أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم.
وقيل: لا حاجة إلى الإضمار فإن الإضافة تحسن لأدنى ملابسة أي وقدر فيها أقواتها التي يختص حدوثها بها ﴿ في أربعة أيام ﴾ يعني مع اليومين الأوّلين فيكون إيجاد نفس الأرض في يومين وإيجاد هذه الأشياء في يومين آخرين والمجموع أربعة أيام وخلق السماء في تتمة ستة فتكون هذه الآية موافقة لسائر الآيات، وقد سبق هذا المعنى في أوّل سورة البقرة.
من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فمعناه أن تلك الأيام مستوية في الطول والقصر كأيام خط الاستواء، أو هي تامة غير ناقصة بشيء فقد يطلق لفظ الكل على الأكثر، وهذه إحدى فوائد العدول عن العبارة الصريحة وهي أن لو قال في يومين آخرين.
وقال بعضهم: من فوائده أنه لا يجوز عطف قوله ﴿ وجعل ﴾ على ﴿ خلق ﴾ لأن قوله ﴿ وتجعلون ﴾ معطوف على ﴿ لتكفرون ﴾ ولا يجوز أن يحال بين صلة الموصول وما يعطف عليه بأجنبي لا يقال: جاءني الذي يكتب وجلس يقرأ فلا بدّ من إضمار فعل مثل الأول فتقدير الكلام: ذلك أن رب العالمين خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام، وهو كلام لا يرد عليه سؤال أصلاً.
ومن قرأ بالجر فعلى وصف الأربعة بالاستواء والمعنى كما مر.
ومن قرأ بالنصب فعلى المصدر أي استوت استواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فالمعنى كما قلنا، وإن كان للأقوات.
وكذا في قراءة الرفع احتمل أن يكون ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً به أي الأقوات والأرزاق سواء لمن سأل ولمن لم يسأل لما روى عن ابن عباس قال: سمعت النبي وأنا رديفه يقول: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل، وأنا من الذين لم يسألوا الله الرزق، ومن سأل فهو جهل منه.
واحتمل أن يكون قوله ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً بقوله ﴿ وقدّر ﴾ أي قدّر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها وهم في الاحتياج سواء.
وقيل: إنه متعلق بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر والبيان لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها، لأن اليهود سألوا رسول الله عن ذلك.
قوله ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ أي توجه بداعي الحكمة بعد خلق الأرض لا دحوها إلى خلق السماء، وقد مر في أول "البقرة".
قوله ﴿ وهي دخان ﴾ ذكر أصحاب الأثر وجاء في أوّل توراة اليهود أن عرش الله قبل خلق السموات والأرض كان على الماء فأحدث في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق الله منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات.
وزعم المتكلمون أن الله خلق الأجزاء التي لا تتجزأ فكانت مظلمة عديمة النور، ثم ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة فصحت تسمية تلك الأجزاء قبل استنارتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أنها أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور.
واعلم أن ظاهر قوله ﴿ ثم استوى ﴾ يدل على أن خلق السماء متأخر عن خلق الأرض وقد جاء مثله في آيات أخر.
وفي الآثار، إلا أن الواحدي نقل في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الأرض فتأوّل الآية بأن لفظة كان مضمرة أي ثم كان قد استوى كما في قوله ﴿ إن يسرق فقد ﴾ أي إن يكن يسرق.
وزيف بأن الجمع بين "ثم" الدال على التأخر وبين إضمار "كان" الدال على التقدم جمع بين النقيضين.
ويمكن أن يجاب بأن "ثم" ههنا لترتيب الأخبار.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار عندي أن تكوين السماء مقدم على تكوين الأرض والخلق الوارد في الآية بمعنى التقدير كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ فإن إيجاد الموجود محال.
فمعنى الآية أنه قضى بحدوث الأرض في يومين أي حكم بأنه سيحدث كذا في مدة كذا.
قلت: لو لم يكن قوله ﴿ وجعل فيها رواسي من فوقها ﴾ إلى قوله ﴿ أربعة أيام ﴾ لكان هذا التأويل له وجه.
وقال بعض الصوفية: خلق أرض البشرية في يومي الهواء والطبيعة وهما من الأنداد، وجعل لها رواسخ العقل من فوقها لتستقر بها، وبارك فيها بالحواس الخمسة، وقدر فيها أقواتها من سائر القوى البشرية في تتمة أربعة أيام يعني في يومي الروح الحيواني والطبيعي، ثم استوى إلى سماء القلب وهي دخان نار الروحانية فقضى سماء القلب أطواراً سبعة كقوله ﴿ وقد خلقكم أطواراً ﴾ أوّلها الوسوسة ثم الهواجس ثم الرؤية ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ ثم الحكمة "ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه" ثم ظهور المغيبات ثم المحبة ثم التجلي في يومي الروح والإلهام الرباني.
قوله ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا ﴾ الآية.
للمفسرين فيه قولان: الأول إجراء الكلام على ظاهره فإنه ليس بمستبعد من الله إنطاق أيّ جسم فرض بل إيداع الحياة والفهم فيه ولهذا قال ﴿ طائعين ﴾ على لفظ جمع المذكر السالم، فإن جمع المؤنث السالم لا يختص بالعقلاء.
ووجه الجمع أن أقل الجمع اثنان أو لأن كل واحد منهما سبع.
ومن هؤلاء من قال: نطق من الأرض موضع الكعبة، ومن السماء ما بحذائها، فجعل الله لها حرمة على سائر الأرض.
وعلى هذا القول لا بد أن يكون هذا التخاطب بعد الوجود فقالوا: معناه ائتيا بما خلقت فيكما أما أنت يا سماء فأطلعي الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فاخرجي ما خلقت فيك من النبات فقالتا: جئنا بما أحدثت فينا مستجيبين لأمرك.
ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما يقال: أتى عمله مرضياً.
ويجوز أن يراد لتأت كل منكما صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة من كون الأرض قراراً والسماء سقفاً لها.
وقوله ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ إظهار لكمال القدرة والتقدير أبيتما أو شئتما كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو كارهين.
والقول الثاني أن هذا تمثيل لنفوذ قدرته فيهما ولا قول ثمة، وعلى هذا لا يبعد أن يكون المقصود إيجادهما على وفق إرادته وهما في حيز العدم، وأن يكون المراد ما تقدم.
وقال بعضهم: الطوع يرجع إلى السماء لأن أحوالها على نهج واحد لا يختلف.
وشبه مكلف مطيع والكره يعود إلى الأرض لأنها مكان تغيير الأحوال ومحل الحوادث والمكاره.
قلت: لعل هذين الوصفين لهما باعتبار سكانهما.
قوله ﴿ فقضاهن ﴾ قضاء الشيء إتمامه والفراغ منه مع الإتقان.
والضمير إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سموات سبع.
وانتصب ﴿ سبع سموات ﴾ على الحال.
وإما مبهم مميز بما بعده.
يروى أنه خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وأسكنه الجنة وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة.
﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ أي أمر أهلها من العبادة والتكليف الخاص بكل منهم، فبعضهم وقوف وبعضهم ركوع وبعضهم سجود، وعلى هذا احتمل أن يكون خلق الملائكة مع السموات وقبلها.
وقيل: الإيحاء ههنا التكوين والإيجاد وأمرها شأنها وما يصلحها ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ أي بالنيرات المضيئة كالمصباح ﴿ وحفظناها ﴾ حفظاً من الشياطين المسترقة للسمع كما مرّ مراراً.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ حفظاً ﴾ مفعولاً له على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة ﴿ وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ فلكمال عزته قدر على خلق ما خلق ولشمول علمه دبر ما دبر.
ثم قال لنبيه ﴿ فإن أعرضوا ﴾ عن التوحيد بعد هذا البيان الباهر والبرهان القاهر ﴿ فقل أنذرتكم صاعقة ﴾ لأن الإصرار على الجهل بعد وضوح الحق عناد، ولا علاج للمعاند سوى التأديب بما يناسبه.
يروى أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره.
فقال عتبة بن ربيعة: أنا ذاك.
فأتاه وقال: أنت خير أم هاشم؟
أنت خير أم عبد المطلب؟
أنت خير أم عبد الله؟
فبم تشتم آلهتنا وتضللنا.
وعرض عليه الرياسة والنساء والأموال إن ترك ذلك فقال رسول الله : ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إلى قوله ﴿ مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فهال عتبة بذاك وناشده بالرحم ورجع ولم يأت قريشاً.
فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ.
فانطلقوا إليه فقال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ولما بلغ ﴿ صاعقة عاد وثمود ﴾ ناشدته بالرحم أن يكف.
ولقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب.
فإن قيل: كيف يصح هذا الإنذار وقد أخبر الله في قوله ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ وإن هذه الأمة آمنون من العذاب؟
قلنا: الأنفال مدنية وهذه مكية.
قوله ﴿ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ﴾ قيل: الضميران عائدان إلى الرسل أي جاءهم رسل بعد الرسل.
وقيل: من بين أيديهم أي حذروهم الدنيا ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة.
وقيل: من بين أيديهم الذين عاينوهم، ومن خلفهم الذين وصل إليهم خبرهم وكتبهم.
وحقيقة بين يديه أن يستعمل للشيء الحاضر، ومجازه أن يستعمل للشيء الماضي بزمان قريب.
وقال بعض المحققين: معناه أتاهم الرسل من كل جهة وأعملوا في إرشادهم كل حيلة ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ويجوز أن تكون "أن" مفسرة أو مخففة وضمير الشأن مقدر.
والفاء في قوله ﴿ فإنا ﴾ للجزاء كأنه قيل: فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فانا لا نؤمن بكم.
وقولهم ﴿ ربنا ﴾ وكذا بما أرسلتم أي على زعمكم، أو أرادوا التهكم.
ثم فصل حال كل فريق قائلاً ﴿ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ﴾ وهذا إخلال بالشفقة على الخلق ﴿ وقالوا من أشد منا قوّة ﴾ وهذا إخلال بالتعظيم لأمر الله ولهذا وبخهم بقوله ﴿ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة ﴾ لأن الفاعل والعلة أقوى من القابل والمعلول، والقوة في الإنسان نتيجة صحة البنية والاعتدال وحقيقتها زيادة القدرة فلذلك جاز أن يقال: الله أقوى منهم كما صح أن يقال: الله أقدر، الله أكبر.
وإن كان لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.
وقوله ﴿ وكانوا بآياتنا يجحدون ﴾ معطوف على قوله ﴿ فاستكبروا ﴾ وقالوا: إن التوبيخ المذكور وقع اعتراضاً في البين.
ثم أخبر عن إهلاكهم والصرصر الريح الباردة الشديدة ضوعفت من الصر بالكسر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض، أو من صرير الباب.
والتركيب يدور على الضم والجمع.
عن ابن عباس أن الله ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي ومع ذلك أهلكت الكل.
والأيام النحسات هي التي فسرها الله في الحاقة ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ﴾ والنحس بالسكون ضد السعد وهو إما مخفف نحس بالكسر أو هو أصل في نفسه كضخم، أو وصف لمصدر.
واستدل به بعض الأحكاميين على أن بعض الأيام يصح وصفه بالسعادة وبعضها بضدها.
وأجاب بعض المتكلمين بأن المراد بالنحوسة كونها ذات غبار وتراب وبرد.
والإنصاف أنه تكلف خارج عن قانون اللغة.
والإضافة في قوله ﴿ عذاب الخزي ﴾ كهي في قولك: رجل صدق.
وقوله ﴿ ولعذاب الآخرة أخزى ﴾ من الإسناد المجازي فإن الذل والهوان لصاحبه.
قوله ﴿ وأما ثمود ﴾ مرتفع على الابتداء.
قوله ﴿ فهديناهم ﴾ خبره قال سيبويه: هذا أفصح لأن أما من مظان وقوع المبتدأ بعده.
وقرىء بالنصب إضماراً على شريطة التفسير.
واتفقوا على أن المراد بالهداية ههنا الدلالة المجردة لقوله بعده ﴿ فاستحبوا العمى ﴾ يعني عمى البصيرة وهي الضلالة ﴿ على الهدى ﴾ إلا أن المعتزلة تأوّلوه بأنه إنما شاع استعماله في الدلالة المجردة لأنه مكنهم وأزاح علتهم فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها.
على أن المراد المعقولة ونقيضها، وقد مر هذا البحث في أول "البقرة" في قوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وصاعقة العذاب داهيته وقارعته، والهون مصدر بمعنى الهوان وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه وكسبهم شركهم وتكذيبهم صالحاً وعقرهم الناقة.
ثم بين أحوال الذين آمنوا واتقوا المعاصي بقوله ﴿ ونجينا ﴾ الآية.
وحين بين عقوبتهم في الدنيا أخبر عن عذابهم وعذاب أمثالهم في الآخرة فقال ﴿ ويوم يحشر ﴾ الآية.
والعامل فيه "اذكر" محذوفاً، أو هو ظرف لما يدل عليه ﴿ يوزعون ﴾ كأنه قيل: يمنعون يوم يحشر فيحبس أوائلهم حتى يلحق بهم أواخرهم.
قال جار الله: هو عبارة عن كثرة أهل النار.
قلت: وذلك لأن الإيزاع لا يحتاج إليه إلا عند كثرة العدد كما مر في "النحل".
وما الإبهامية في قوله ﴿ حتى إذا ما جاؤها ﴾ تفيد التأكيد.
وهو أن عند وقت مجيئهم لا بد أن تحصل هذه الشهادة وشهادة الجلود بملامسة ما هو محرم.
وعن ابن عباس: المراد شهادة الفروج فيكون كناية.
وعن النبي : "أوّل ما يتكلم من الآدميّ فخذه وكفه" وفيه وعيد شديد في فعل الزنا لأن مقدمته تحصل بالكف ونهايته تكون بمساعدة الفخذ.
قوله ﴿ أنطق كل شيء ﴾ من العمومات المخصوصة أي ممن يصح النطق منه.
والمراد أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى في الدنيا، ثم خلقكم وإنطاقكم مرة أخرى، وثالثة في القبر وفي القيامة، كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟
وقد مر تمام البحث في "يس".
عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشيّ فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟
فقال آخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمع وإلا لم يسمع.
وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا أصواتنا يسمع إذا خفضنا.
فذكرت ذلك للنبي فنزل ﴿ وما كنتم تستترون ﴾ الآية.
وذلك أنهم كانوا يستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب القبائح فقيل لهم: ما كان استتاركم ذلك خفية أن تشهد عليكم جوارحكم هذه، لأن ذلك غير ممكن فإنها متصلة بكم وهي أعوانكم ومع ذلك لم يكن استتاركم في اعتقادكم أنها تشهد عليكم ولكنكم استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم.
وفيه ردّ على بعض الجهلة الذين يستخفون من الناس ولا يمكنهم الاستخفاء من الله، وفيه تنبيه على أن المؤمن يجب عليه أن يكون في أوقات خلواته أهيب لربه وأوفر احتشاماً ومراقبة.
ثم أخبر ﴿ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ﴾ ولا ينتج الصبر لهم فرجاً وخلاصاً ﴿ وإن يستعتبوا ﴾ يطلبوا من الله الرضا عنهم ﴿ فما هم من المعتبين ﴾ أي من المرضيين.
والمراد أنهم باقون في مكروههم أبداً، سكتوا أو نطقوا.
قال الضعيف مؤلف الكتاب: إذا كان هذا وعيد من ظن أنه يمكن إخفاء بعض الأعمال من الله بالأستار والحجب فما ظنكم بوعيد من جزم أنه غير عالم بالجزئيات نعوذ بالله من هذا الاعتقاد والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ .
ظاهر هذا أن تفسير ﴿ حـمۤ ﴾ هو قوله: ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ ، وحم خبر لمبتدأ محذوف مقدر ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ مبتدأ من: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ وكذلك قوله: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ ، والأصل في حواميم وسائر الحروف المقطعة: أنها تبعث سامعها على التفكر والتأمل؛ لأنه لا يفهمها وقت قرعها السمع حتى يتأمل ويتفكر فيها؛ لأنها كلام لم يسمعوه قبل ذلك، فيحملهم ذلك على الاستماع والتفكر فيها والنظر، فيقع ما هو المقصود من الخطاب في سماعهم ويعرفوا وجه الإعجاز؛ فيتوصلوا بذلك إلى الحق، وقد ذكرنا في الحروف المقطعة وجوهاً أخر فيما تقدم.
ثم ذكر هاهنا رحمته ورأفته؛ ليرغبهم فيما يرحمهم ويرأف بهم، وهو قوله: ﴿ حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، وذكر في السورة الأولى عزه وقدرته وسلطانه وعلمه؛ ليحذروا مخالفته وعصيانه ظاهرا وباطناً حيث قال: ﴿ حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ ، ليطلبوا العز من عنده.
وقوله: ﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ .
قال أهل التأويل: ﴿ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: ثبت فيه من الحلال والحرام، وما لهم وما عليهم، وما يؤتى وما يتقى ونحوه.
وعندنا يحتمل قوله: ﴿ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ وجهين: أحدهما: ﴿ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: فرقت كل آية من الأخرى، من نحو: آية التوحيد فرقت من آية الرسالة، وفرقت آية البعث من غيرها، فرق كل آية من الأخرى.
والثاني: يحتمل التفريق في الإنزال، أي: فرقت آياته في الإنزال، لم يجمع بينها في الإنزال، ولكن فرق في أوقات متباعدة.
ويحتمل قوله: ﴿ فُصِّلَتْ ﴾ : ثبتت، على غير ما قاله أهل التأويل، وهو أن يثبت آياته بالحجج والبراهين حتى يعلم أنها آيات من الله .
وقوله: ﴿ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .
أي: أنزله بلسان يعلمونه ويفهمونه لا بلسان لا يعلمونه ولا يفهمونه، أي: أنزله بلسانهم.
ويحتمل ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: ينتفعون بعلمهم، أي: حصل إنزاله لقوم ينتفعون، فأما من لم ينتفع به، فلم يحصل إلا الإنزال له، والله أعلم.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ قرآنا عربيا لقوم يعقلون ﴾ .
وقوله: ﴿ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ .
البشارة والنذارة هي بيان ما يكون في العاقبة من الخير والشر، أو يقال: البشارة هي الدعاء إلى ما يوجب لهم من الحسنات والخيرات في العاقبة، والنذارة هي الزجر عما يوجب لهم من السيئات والمكروهات في العاقبة، والنذارة هي الزجر؛ فصار معنى الآية: أن النبي أرسل داعياً إلى الحسنات وزاجراً عن السيئات، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ ﴾ .
يحتمل إعراضهم عنه وجهين: أحدهما: أي: أعرضوا عن التفكر فيه والتأمل.
والثاني: أعرضوا عن اتباعه بعدما تأملوا فيه وتفكروا، وعرفوا أنه حق وأنه من الله ، لكنهم تركوا اتباعه عناداً منهم ومكابرة؛ حذرا عن ذهاب الرياسة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ .
أي: لا يجيبون على ما ذكرناه.
قوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ ﴾ .
لا شك أن قلوبهم على ما ذكروا أنها في أكنة وفي آذانهم وقر؛ لأنه ذكر - جلا وعلا - أنه جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا؛ حيث قال : ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً ﴾ على ما أخبروا أن قلوبهم في أكنة وغطاء، وفي آذانهم وقر، لا يفقهون ما يدعون إليه، ولا يسمعون ذلك وإن كانوا يفقهون غيره ويسمعون؛ لأنهم كذلك قالوا: ﴿ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ .
إن ثبت ما ذكر بعض أهل التأويل: أن ثوباً فيما بينهم وبين رسول الله فقالوا: كن أنت يا محمد في جانب، ونكون نحن في جانب آخر، ونحوه من الكلام - فهو ذلك، وإلا احتمل أن يكون قوله: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ : هو ما حجبتهم ظلمة الكفر وغطتهم عن فهم ما دعوا إليه وعلم ما دعاهم إليه محمد .
وقوله: ﴿ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴾ ، هذا يحتمل وجهين: أحدهما: اعمل أنت بدينك فإنا عاملون بديننا؛ كقوله : ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ .
والثاني: فاعمل أنت في كيدنا فإنا عاملون في كيدكم والمكر بكم، والله أعلم.
ويحتمل أن يقولوا: اعمل أنت لإلهك فإنا عاملون لإلهنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .
هذا الحرف يخرج على وجهين: أحدهما: كأنه يقول لهم: إنما أنا بشر مثلكم أفهم وأعقل يوحى إليَّ وأسمع ذلك، فأنتم في قولكم: إن قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر - لا عذر لكم في ذلك؛ لأنه إنما يحجبكم عن ذلك ويغطي قلوبكم عن فهم ذلك الكفرُ الذي أنتم عليه والضلال الذي أنتم فيه، فاتركوا ذلك حتى تفهموا وتعقلوا ما تدعون إليه وتؤمرون به، كما أفهم أنا وأعقل إذ أنا بشر، والله أعلم.
والثاني: يقول: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ ﴾ ، أي: إنما أنا بشر مثلكم أمرت أن أبلغ إليكم أن إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه، وإلا لو [لم] أؤمر بتبليغ الرسالة إليكم إنما إلهكم إله واحد - لكنت أترككم وما أنتم عليه؛ لقولكم: إن قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر فاعمل إننا عاملون.
على هذين الوجهين تأويل الآية، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ .
قال بعضهم: أي: فاستقيموا إليه بالطاعة.
وقيل: أي: استقيموا إلى ما دعاكم إليه من التوحيد.
وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ﴾ .
أي: انتهوا عما أنتم عليه من الكفر والضلال؛ ليغفر لكم ما كان منكم في حال الكفر؛ كقوله : ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
ويحتمل: أي: كونوا على حال بحيث يقبل استغفاركم وطلب تجاوزكم.
وقوله: ﴿ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
والإشكال: أنه لماذا خص المشرك الذي لم يؤتِ الزكاة، وينكر الآخرة - بالويل، وقد يلحق الويل للمشرك آتى الزكاة أو لم يؤت، آمن بالآخرة أو كفر بها - فنقول: قال بعض أهل التأويل: معناه: وويل للمشركين الذين لا يؤمنون بإيتاء الزكاة، ولا يؤمنون بالآخرة، وخصهم بذكر جحود الزكاة والآخرة؛ لما كان سبب كفرهم مختلفاً: منهم [من] كان سبب كفره بخله في المال وشحه، حمله ذلك على إنكار الزكاة والامتناع عن الإيتاء، [و]منهم من كان كفره إنكاره جزاء الأعمال، حمله ذلك على إنكار الآخرة، ومنهم من كان سبب كفره الخضوع لمن دونه أو مثله في أمر الدنيا، حمله ذلك على إنكار الرسالة والجحود لها، وغير ذلك من الأسباب التي حملتهم على الكفر والضلال وهي مختلفة.
ويحتمل قوله: ﴿ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ ﴾ لا على زكاة الأموال، ولكن على زكاة الأنفس؛ كأنه يقول: وويل للمشركين الذين لا يعلمون ولا يسمعون فيما به تركوا أنفسهم ويشرف ذكرها ويصلح أعمالهم به ولا ما يجزون به في الآخرة، أي: ويل لمن لا يعمل ذلك، والله أعلم.
وهذان الوجهان جواب عمّن تعلق بظاهر هذه الآية على أن الكفار يخاطبون بالشرائع؛ حيث ألحق الوعيد بهم بترك إيتاء الزكاة، والزكاة من الشرائع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ .
أي: غير مقطوع وذلك في الآخرة.
وقال بعضهم: أي: غير ممتن عليهم، وذلك في الآخرة أيضاً، ومعناه - والله أعلم -: أنه يزاد لهم في الآخرة على قدر أعمالهم، ولا يمن عليهم في تلك الزيادة، وقال بعضهم: ﴿ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ أي: غير منقوص ولا ممنوع، وذلك - والله أعلم - أن من كان يعمل في حال شبابه وقوته الصالحات والطاعات، ثم كبر وعجز عن إتيانها أنه لا يمنع ولا ينقص منه الأجر الذي كان مُجرى عليه ويكتب له في حال شبابه وقوته، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حم ﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.jaRXx"