الآية ٣٦ من سورة فصلت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٣٦ من سورة فصلت

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌۭ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٣٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 71 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٦ من سورة فصلت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة فصلت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ) أي : إن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه ، فأما شيطان الجن فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه عليك ، فإذا استعذت بالله ولجأت إليه ، كفه عنك ورد كيده .

وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا قام إلى الصلاة يقول : " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه " .

وقد قدمنا أن هذا المقام لا نظير له في القرآن إلا في " سورة الأعراف " عند قوله : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) [ الأعراف : 199 ، 200 ] ، وفي سورة المؤمنين عند قوله : ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ) [ المؤمنون : 96 - 98 ] .

[ لكن الذي ذكر في الأعراف أخف على النفس مما ذكر في سورة السجدة ; لأن الإعراض عن الجاهل وتركه أخف على النفس من الإحسان إلى المسيء فتتلذذ النفس من ذلك ولا انتقاد له إلا بمعالجة ويساعدها الشيطان في هذه الحال ، فتنفعل له وتستعصي على صاحبها ، فتحتاج إلى مجاهدة وقوة إيمان ; فلهذا أكد ذلك هاهنا بضمير الفصل والتعريف باللام فقال : ( فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ) ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَإِمَّا يَنـزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نـزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ )...

الآية, يقول تعالى ذكره: وإما يلقين الشيطان يا محمد في نفسك وسوسة من حديث النفس إرادة حملك على مجازاة المسيء بالإساءة, ودعائك إلى مساءته, فاستجر بالله واعتصم من خطواته, إن الله هو السميع لاستعاذتك منه واستجارتك به من نـزغاته, ولغير ذلك من كلامك وكلام غيرك, العليم بما ألقى في نفسك من نـزغاته, وحدثتك به نفسك ومما يذهب ذلك من قبلك, وغير ذلك من أمورك وأمور خلقه.

كما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَإِمَّا يَنـزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نـزغٌ ) قال: وسوسة وحديث النفس ( فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ).

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد ( وَإِمَّا يَنـزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نـزغٌ ) هذا الغضب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ تقدم في آخر الأعراف مستوفى .

فاستعذ بالله من كيده وشره " إنه هو السميع " لاستعاذتك " العليم " بأفعالك وأقوالك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تعالى ما يقابل به العدو من الإنس، وهو مقابلة إساءته بالإحسان، ذكر ما يدفع به العدو الجني، وهو الاستعاذة بالله، والاحتماء من شره فقال:{ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ } أي: أي وقت من الأوقات، أحسست بشيء من نزغات الشيطان، أي: من وساوسه وتزيينه للشر، وتكسيله عن الخير، وإصابة ببعض الذنوب، وإطاعة له ببعض ما يأمر به { فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ } أي: اسأله، مفتقرًا إليه، أن يعيذك ويعصمك منه، { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } فإنه يسمع قولك وتضرعك، ويعلم حالك واضطرارك إلى عصمته وحمايته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع ) لاستعاذتك وأقوالك ، ( العليم ) بأفعالك وأحوالك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإما» فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة «ينزغنك من الشيطان نزغ» أي يصرفك عن الخصلة وغيرها من الخير صارف «فاستعذ بالله» جواب الشرط وجواب الأمر محذوف، أي يدفعه عنك «إنه هو السميع» للقول «العليم» بالفعل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإما يلقينَّ الشيطان في نفسك وسوسة من حديث النفس لحملك على مجازاة المسيء بالإساءة، فاستجر بالله واعتصم به، إن الله هو السميع لاستعاذتك به، العليم بأمور خلقه جميعها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أرشد - سبحانه - عباده إلى ما يبعدهم عن كيد الشيطان ، فقال : ( وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله إِنَّهُ هُوَ السميع العليم ) .والنزغ والنخس والغرز بمعنى واحد .

وهو إدخال الإِبرة أو طرف العصا فى الجلد .

المراد به هنا : وسوسة الشيطان وكيده للإِنسان .والمعنى : وإن تعرض لك من الشيطان وسوسة تثير غضبك ، وتحملك على خلاف ما أمرك الله - تعالى - به .

.

.

فاستعذ بالله ، أى : فالتجئ إلى حماه واستجر به من كيد الشيطان ( إنه ) - سبحانه - هو السميع لدعائك ، العليم بكل أحوالك ، القادر على دفع كيد الشيطان عنك .فالآية الكريمة ترشد المؤمن إلى العلاج الذى يحميه من وسوسة الشيطان وكيده ، ألا وهو الاستعاذة بالله السميع لكل شئ ، العليم بكل شئ القادر على كل شئ .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: أنا ذكرنا أن الكلام من أول هذه السورة إنما ابتدئ حيث قالوا للرسول ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ  ﴾ ومرادهم ألا نقبل قولك ولا نلتفت إلى دليلك، ثم ذكروا طريقة أخرى في السفاهة، فقالوا: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ  ﴾ وإنه سبحانه ذكر الأجوبة الشافية، والبيانات الكافية في دفع هذه الشبهات وإزالة هذه الضلالات، ثم إنه سبحانه وتعالى بيّن أن القوم وإن أتوا بهذه الكلمات الفاسدة، إلا أنه يجب عليك تتابع المواظبة على التبليغ والدعوة، فإن الدعوة إلى الدين الحق أكمل الطاعات ورأس العبادات، وعبّر عن هذا المعنى فقال: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صالحا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ المسلمين ﴾ فهذا وجه شريف حسن في نظم آيات هذه السورة.

وفيه وجه آخر وهو أن مراتب السعادات اثنان: التام، وفوق التام، أما التام: فهو أن يكتسب من الصفات الفاضلة ما لأجلها يصير كاملاً في ذاته، فإذا فرغ من هذه الدرجة اشتغل بعدها بتكميل الناقصين وهو فوق التام، إذا عرفت هذا فنقول إن قوله: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا  ﴾ إشارة إلى المرتبة الأولى، وهي اكتساب الأحوال التي تفيد كمال النفس في جوهرها، فإذا حصل الفراغ من هذه المرتبة وجب الانتقال إلى المرتبة الثانية وهي الاشتغال بتكميل الناقصين، وذلك إنما يكون بدعوة الخلق إلى الدين الحق، وهو المراد من قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله ﴾ فهذا أيضاً وجه حسن في نظم هذه الآيات.

واعلم أن من آتاه الله قريحة قوية ونصاباً وافياً من العلوم الإلهية الكشفية، عرف أنه لا ترتيب أحسن ولا أكمل من ترتيب آيات القرآن.

المسألة الثانية: من الناس من قال المراد من قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله ﴾ هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال هم المؤذنون، ولكن الحق المقطوع به أن كل من دعا إلى الله بطريق من الطرق فهو داخل فيه، والدعوة إلى الله مراتب: فالمرتبة الأولى: دعوة الأنبياء عليهم السلام راجحة على دعوة غيرهم من وجوه: أحدها: أنهم جمعوا بين الدعوة بالحجة أولاً، ثم الدعوة بالسيف ثانياً، وقلما اتفق لغيرهم الجمع بين هذين الطريقين.

وثانيها: أنهم هم المبتدئون بهذه الدعوة، وأما العلماء فإنهم يبنون دعوتهم على دعوة الأنبياء، والشارع في إحداث الأمر الشريف على طريق الابتداء أفضل.

وثالثها: أن نفوسهم أقوى قوة، وأرواحهم أصفى جوهراً، فكانت تأثيراتها في إحياء القلوب الميتة وإشراق الأرواح الكدرة أكمل، فكانت دعوتهم أفضل.

ورابعها: أن النفوس على ثلاثة أقسام: ناقصة وكاملة لا تقوى على تكميل الناقصين وكاملة تقوى على تكميل الناقصين فالقسم الأول: العوام والقسم الثاني: هم الأولياء والقسم الثالث: هم الأنبياء، ولهذا السبب قال صلى الله عليه وسلم: علماء أمتي كأنبياء إسرائيل وإذا عرفت هذا فنقول: إن نفس الأنبياء حصلت لها مزيتان: الكمال في الذات، والتكميل للغير، فكانت قوتهم على الدعوة أقوى، وكانت درجاتهم أفضل وأكمل، إذا عرفت هذا فنقول: الأنبياء عليهم السلام لهم صفتان: العلم والقدرة، أما العلماء، فهم نواب الأنبياء في العلم، وأما الملوك، فهم نواب الأنبياء في القدرة، والعلم يوجب الإستيلاء على الأرواح، والقدرة توجب الاستيلاء على الأجساد، فالعلماء خلفاء الأنبياء في عالم الأرواح، والملوك خلفاء الأنبياء في عالم الأجساد.

وإذا عرفت هذا ظهر أن أكمل الدرجات في الدعوة إلى الله بعد الأنبياء درجة العلماء، ثم العلماء على ثلاثة أقسام: العلماء بالله، والعلماء بصفات الله، والعلماء بأحكام الله.

أما العلماء بالله، فهم الحكماء الذين قال الله تعالى في حقهم ﴿ يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا  ﴾ وأما العلماء بصفات الله تعالى فهم أصحاب الأصول، وأما العلماء بأحكام الله فهم الفقهاء، ولكل واحد من هذه المقامات ثلاث درجات لا نهاية لها، فلهذا السبب كان للدعوة إلى الله درجات لا نهاية لها، وأما الملوك فهم أيضاً يدعون إلى دين الله بالسيف، وذلك بوجهين إما بتحصيله عند عدمه مثل المحاربة مع الكفار، وإما بإبقائه عند وجوده وذلك مثل قولنا المرتد يقتل، وأما المؤذنون فهم يدخلون في هذا الباب دخولاً ضعيفاً، أما دخولهم فيه فلأن ذكر كلمات الأذان دعوة إلى الصلاة، فكان ذلك داخلاً تحت الدعاء إلى الله، وأما كون هذه المرتبة ضعيفة فلأن الظاهر من حال المؤذن أنه لا يحيط بمعاني تلك الكلمات وبتقدير أن يكون محيطاً بها إلا أنه لا يريد بذكرها تلك المعاني الشريفة، فهذا هو الكلام، في مراتب الدعوة إلى الله.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله ﴾ يدل على أن الدعوة إلى الله أحسن من كل ما سوها، إذا عرفت هذا فنقول: كل ما كان أحسن الأعمال وجب أن يكون واجباً، لأن كل ما لا يكون واجباً فالواجب أحسن منه، فثبت أن كل ما كان أحسن الأعمال فهو واجب، إذا عرفت هذا فنقول الدعوة إلى الله أحسن الأعمال بمتقضى هذه الآية، وكل ما كان أحسن الأعمال فهو واجب، ثم ينتج أن الدعوة إلى الله واجبة، ثم نقول الأذان دعوة إلى الله والدعوة إليه واجبة فينتج الأذان واجب، واعلم أن الأكثرين من الفقهاء زعموا أن الأذان غير واجب، وزعموا أن الأذان غير داخل في هذه الآية، والدليل القاطع عليه أن لدعوة المرادة بهذه الآية يجب أن تكون أحسن الأقوال، وثبت أن الأذان ليس أحسن الأقوال، لأن الدعوة إلى دين الله سبحانه وتعالى بالدلائل اليقينية أحسن من الأذان، ينتج من الشكل الثاني أن الداخل تحت هذه الآية ليس هو لأذان.

المسألة الرابعة: اختلف الناس في أن الأولى أن يقول الرجل أنا المسلم أو الأولى أن يقول أنا مسلم إن شاء الله، فالقائلون بالقول الأول احتجوا على صحة قولهم بهذه الآية فإن التقدير ومن أحسن قولاً ممن قال إني من المسلمين، فحكم بأن هذا القول أحسن الأقوال، ولو كان قولنا إن شاء الله معتبراً في كونه أحسن الأقوال لبطل ما دل عليه ظاهر هذه الآية.

المسألة الخامسة: الآية تدل على أن أحسن الأقوال قول من جمع بين خصال ثلاثة أولها: الدعوة إلى الله.

وثانيها: العمل الصالح.

وثالثها: أن يكون من المسلمين، أما الدعوة إلى الله فقد شرحناها وهي عبارة عن الدعوة إلى الله بإقامة الدلائل اليقينية والبراهين القطعية.

وأما قوله: ﴿ وَعَمِلَ صالحا ﴾ فاعلم أن العمل الصالح إما أن يكون عمل القلوب وهو المعرفة، أو عمل الجوارح وهو سائر الطاعات.

وأما قوله: ﴿ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المسلمين ﴾ فهو أن ينضم إلى عمل القلب وعمل الجوارح الإقرار باللسان، فيكون هذا الرجل موصوفاً بخصال أربعة أحدها: الإقرار باللسان، والثاني: الأعمال الصالحة بالجوارح والثالث: الاعتقاد الحق بالقلب والرابع: الاشتغال بإقامة الحجة على دين الله، ولا شك أن الموصوف بهذه الخصال الأربعة أشرف الناس وأفضلهم، وكمال الدرجة في هذه المراتب الأربعة ليس إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة ﴾ وعلم أنا بينا أن الكلام من أول السورة ابتدئ من أن الله حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ  ﴾ فأظهروا من أنفسهم الإصرار الشديد على أديانهم القديمة وعدم التأثر بدلائل محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنه تعالى أطنب في الجواب عنه وذكر الوجوه الكثيرة وأردفها بالوعد والوعيد، ثم حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم: ﴿ لا تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ  ﴾ وأجاب عنها أيضاً بالوجوه الكثيرة، ثم إنه تعالى بعد الإطناب في الجواب عن تلك الشبهات رغب محمداً صلى الله عليه وسلم في أن لا يترك الدعوة إلى الله فابتدأ أولاً بأن قال: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ﴾ فلهم الثواب العظيم ثم ترقى من تلك الدرجة إلى درجة أخرى وهي أن الدعوة إلى الله من أعظم الدرجات، فصار الكلام من أول السورة إلى هذا الموضع واقعاً على أحسن وجوه الترتيب، ثم كأن سائلاً سأل فقال إن الدعوة إلى الله وإن كانت طاعة عظيمة، إلا أن الصبر على سفاهة هؤلاء الكفار شديد لا طاقة لنا به، فعند هذا ذكر الله ما يصلح لأن يكون دافعاً لهذا الإشكال فقال: ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة ﴾ والمراد بالحسنة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الدين الحق، والصبر على جهالة الكفار، وترك الانتقام، وترك الالتفات إليهم، والمراد بالسيئة ما أظهروه من الجلافة في قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ وما ذكروه في قولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ ﴾ فكأنه قال يا محمد فعلك حسنة وفعلهم سيئة، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، بمعنى أنك إذا أتيت بهذه الحسنة تكون مستوجباً للتعظيم في الدنيا والثواب في الآخرة، وهم بالضد من ذلك، فلا ينبغي أن يكون إقدامهم على تلك السيئة مانعاً لك من الاشتغال بهذه الحسنة.

ثم قال: ﴿ ادفع بالتي هِىَ أَحْسَنُ ﴾ يعني ادفع سفاهتهم وجهالتهم بالطريق الذي هو أحسن الطرق، فإنك إذا صبرت على سوء أخلاقهم مرة بعد أخرى، ولم تقابل سفاهتهم بالغضب ولا إضرارهم بالإيذاء والإيحاش استحيوا من تلك الأخلاق المذمومة وتركوا تلك الأفعال القبيحة.

ثم قال: ﴿ فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ يعني إذا قابلت إساءتهم بالإحسان، وأفعالهم القبيحة بالأفعال الحسنة تركوا أفعالهم القبيحة وانقلبوا من العداوة إلى المحبة ومن البغضة إلى المودة، ولما أرشد الله تعالى إلى هذا الطريق النافع في الدين والدنيا والآخرة عظمة فقال: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ ﴾ قال الزجاج: أي وما يلقى هذه الفعلة إلا الذين صبروا على تحمل المكاره وتجرع الشدائد وكظم الغيظ وترك الانتقام.

ثم قال: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ ﴾ من الفضائل النفسانية والدرجة العالية في القوة الروحانية، فإن الاشتغال بالانتقام والدفع لا يحصل إلا بعد تأثر النفس، وتأثر النفس من الواردات الخارجية لا يحصل إلا عند ضعف النفس فأما إذا كانت النفس قوية الجوهر لم تتأثر من الواردات الخارجية، وإذا لم تتأثر منها لم تضعف ولم تتأذ ولم تشتغل بالانتقام، فثبت أن هذه السيرة التي شرحناها لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم من قوة النفس وصفاء الجوهر وطهارة الذات، ويحتمل أن يكون المراد: وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم من ثواب الآخرة، فعلى هذا الوجه قوله: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ ﴾ مدح بفعل الصبر، وقوله: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ ﴾ وعد بأعظم الحظ من الثواب.

ولما ذكر هذا الطريق الكامل في دفع الغضب والانتقام، وفي ترك الخصومة ذكر عقيبه طريقاً آخر عظيم النفع أيضاً في هذا الباب، فقال: ﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله إِنَّهُ هُوَ السميع العليم ﴾ وهذه الآية مع ما فيها من الفوائد الجليلة مفسرة في آخر سورة الأعراف على الاستقصاء، قال صاحب الكشاف النزغ والنسغ بمعنى واحد وهو شبه النخس والشيطان ينزغ الإنسان، كأنه ينخسه ببعثه على ما لا ينبغي وجعل النزغ نازغاً، كما قيل: جد جده أو أُريد ﴿ وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ ﴾ نازغ وصفاً للشيطان بالمصدر، وبالجملة فالمقصود من الآية وإن صرفك الشيطان عما شرعت من الدفع بالتي هي أحسن، فاستعذ بالله من شره، وامض على شأنك ولا تطعه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

النزغ والنسغ بمعنى: وهو شبه النخس.

والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه ببعثه على ما لا ينبغي.

وجعل النزغ نازغاً، كما قيل: جد جدّه.

أو أريد: وإما ينزغنك نازغ وصفاً للشيطان بالمصدر.

أو لتسويله.

والمعنى: وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن ﴿ فاستعذ بالله ﴾ من شرّه، وامض على شأنك ولا تطعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما يُلَقّاها ﴾ وما يُلَقّى هَذِهِ السَّجِيَّةُ وهي مُقابَلَتُهُ الإساءَةَ بِالإحْسانِ.

﴿ إلا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ فَإنَّها تَحْبِسُ النَّفْسَ عَنِ الِانْتِقامِ.

﴿ وَما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ مِنَ الخَيْرِ وكَمالِ النَّفْسِ وقِيلَ: الحَظُّ العَظِيمُ الجَنَّةُ.

﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ﴾ نَخْسٌ شَبَّهَ بِهِ وسْوَسَتَهُ لِأنَّها تَبْعَثُ الإنْسانَ عَلى ما لا يَنْبَغِي كالدَّفْعِ بِما هو أسْوَأُ، وجَعَلَ النَّزْغَ نازِغًا عَلى طَرِيقَةٍ جَدِيدَةٍ، أوْ أُرِيدَ بِهِ نازِغٌ وصْفًا لِلشَّيْطانِ بِالمَصْدَرِ.

﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ مِن شَرِّهِ ولا تُطِعْهُ.

﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ ﴾ لِاسْتِعاذَتِكَ.

﴿ العَلِيمُ ﴾ بِنِيَّتِكَ أوْ بِصَلاحِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ} النزغ شبه النخس والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه يبعثه على مالا ينبغي وجعل النزغ نازغاً كما قيل جد جده أو أريد وإما ينزغنك نازغ وصفاً للشيطان بالمصدر أو لتسويله والمعنى وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن {فاستعذ بالله} من شره وامض على حلمك ولا تطعه {إِنَّهُ هُوَ السميع} لاستعاذتك {العليم} بنزغ الشيطان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ﴾ النَّزْعُ النَّخْسُ وهو المَسُّ بِطَرْفِ قَضِيبٍ أوْ أُصْبُعٍ بِعُنْفٍ مُؤْلِمٍ اسْتُعِيرَ هُنا لِلْوَسْوَسَةِ الباعِثَةِ عَلى الشَّرِّ وجُعِلَ نازِغًا لِلْمُبالَغَةِ عَلى طَرِيقَةِ جَدَّ جِدُّهُ - فَمِن - عَلى هَذا ابْتِدائِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ نازِغٌ عَلى أنَّ المَصْدَرَ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ وصْفًا لِلشَّيْطانِ - فَمِن - بَيانِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ هي ابْتِدائِيَّةٌ أيْضًا لَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنّازِغِ وسْوَسَةَ الشَّيْطانِ و«إنْ» شَرْطِيَّةٌ و«ما» مَزِيدَةٌ أيْ وإنْ يَنْزَغَنَّكَ ويَصْرِفَنَّكَ الشَّيْطانُ عَمّا وُصِّيتَ بِهِ مِنَ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ مِن شَرِّهِ ولا تُطِعْهُ ﴿ إنَّهُ ﴾ عَزَّ وجَلَّ ﴿ هُوَ السَّمِيعُ ﴾ فَيَسْمَعُ سُبْحانَهُ اسْتِعاذَتَكَ ﴿ العَلِيمُ ﴾ فَيَعْلَمُ جَلَّ شَأْنُهُ نِيَّتَكَ وصَلاحَكَ، وقِيلَ: السَّمِيعُ لِقَوْلِ مَن أذاكَ العَلِيمُ بِفِعْلِهِ فَيَنْتَقِمُ مِنهُ مُغْنِيًا عَنِ انْتِقامِكَ، وقِيلَ: العَلِيمُ بِنَزْغِ الشَّيْطانِ، وفي جَعْلِ تَرْكِ الدَّفْعِ مِن آثارِ نَزَغاتِ الشَّيْطانِ مَزِيدَ تَحْذِيرٍ وتَنْفِيرٍ عَنْهُ، ولَعَلَّ الخِطابَ مِن بابِ إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالشَّيْطانِ ما يَعُمُّ شَيْطانَ الإنْسِ فَإنَّ مِنهم مَن يُصْرَفُ عَنِ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ويَقُولُ: إنَّهُ عَدُوُّكَ الَّذِي فَعَلَ بِكَ كَيْتَ وكَيْتَ فانْتَهِزِ الفُرْصَةَ فِيهِ وخُذْ ثَأْرَكَ مِنهُ لِتَعْظُمَ في عَيْنِهِ وأعْيُنِ النّاسِ ولا يُظَنُّ فِيكَ العَجْزُ وقِلَّةُ الهِمَّةِ وعَدَمُ المُبالاةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الكَلِماتِ الَّتِي رُبَّما لا تَخْطُرُ أبَدًا بِبالِ شَيْطانِ الجِنِّ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى السَّمِيعِ العَلِيمِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ، وفَسَّرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ النَّزْغُ بِالغَضَبِ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ الِاسْتِعاذَةِ عِنْدَهُ.

وقَدْ رَوى الحاكِمُ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدَ قالَ: «( اِسْتَبَّ ) رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاشْتَدَّ غَضَبُ أحَدِهِما فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنِّي لَأعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قالَها لَذَهَبَ عَنْهُ الغَضَبُ.

أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فَقالَ الرَّجُلُ: أمَجْنُونًا تَرانِي ؟

فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ»».

ولَعَلَّ الغَضَبَ مِن آثارِ الوَسْوَسَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا يعني: قالوا ربنا الله، فعرفوه، واستقاموا على المعرفة.

وقال القتبي: يعني: آمنوا، ثم استقاموا على طاعة الله.

وقال ابن عباس في رواية الكلبي: ثُمَّ اسْتَقامُوا على ما افترض الله عليهم.

وروي عن أبي بكر الصديق  أنه قرأ هذه الآية، ثم قال: أتدرون ما استقاموا عليه؟

فقالوا: ما هو يا خليفة رسول الله  ؟

قال: «اسْتَقَامُوا، وَلَمْ يُشْرِكُوا» .

وقال عمر بن الخطاب  : ثُمَّ اسْتَقامُوا ولم يروغوا روغان الثعلب على طاعة الله.

فقال ابن عباس في رواية القتبي: ثُمَّ اسْتَقامُوا.

وعن أبي العالية أنه قال: ثُمَّ اسْتَقامُوا أي: أخلصوا له الدين، والعمل.

ويقال: وحّدوا الله تعالى، واستقاموا على طاعته، ولزموا سنة نبيه.

وقال بعض المتأخرين: معناه: ثم استقاموا أفعالاً، كما استقاموا أقوالاً.

وقد قيل أيضاً: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا يعني: يقولون الله مانعنا، ومعطينا، وضارنا، ونافعنا، ثُمَّ اسْتَقامُوا على ذلك القول، ولا يرون النفع، ولا يرجون من أحد دون الله تعالى، ولا يخافون أحداً دون الله، فذكر أعمالهم، ثم ذكر ثوابهم.

فقال: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ قال الكلبي يعني: تتنزل عليهم الملائكة عند قبض أرواحهم، ويبشرونهم، ويقولون: أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا يعني: لا تخافوا ما أمامكم من العذاب.

وَلاَ تَحْزَنُواْ على ما خلفكم من الدنيا.

وقال مقاتل: تتنزل عليهم الملائكة يعني: تتنزل عليهم الحفظة من السماء، يوم القيامة، فتقول له: أتعرفني؟

فيقول: لا.

فيقول: أنا الذي كنت أكتب عملك، وبشره بالجنة، فذلك قوله: وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدنيا.

وقال زيد بن أسلم البشرى: في ثلاث مواطن، عند الموت، وفي القبر، وفي البعث.

وقال بعض المتأخرين: هذه البشرى للخائف الحزين، لا للآمن المستبشر.

يعني: الذي كان خائفاً في الدنيا.

ثم قال عز وجل: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: تقول لهم الحفظة، نحن كنا أولياؤكم في الحياة الدنيا، ونحن أولياؤكم، وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ يعني: لكم في الجنة ما تحب، وتتمنى قلوبكم، وَلَكُمْ فِيها مَا تَدَّعُونَ يعني: تسألون.

ثم قال: نُزُلًا أي: رزقاً مِنْ غَفُورٍ للذنوب العظام، رَحِيمٍ بالمؤمنين.

حكى الزجاج عن الأخفش: نُزُلًا منصوباً من وجهين، أحدهما على المصدر، فمعناه: أنزلناه نزلاً.

ويجوز أن يكون على الحال.

قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً قال بعضهم: الآية نزلت في شأن المؤذنين، يدعون الناس إلى الصلاة.

وَعَمِلَ صالِحاً يعني: صلى بين الأذان، والإقامة.

ويقال: الأنبياء يدعون الخلق إلى توحيد الله تعالى عَمِلَ صالِحاً يعني: الطاعات.

ويقال: العلماء يعلمون الناس أمور دينهم، ويدعونهم إلى طريق الآخرة وَعَمِلَ صالِحاً يعني: عملوا بالعلم.

ويقال: نزلت الآية في الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر.

يعني: يأمرون بالمعروف، ويعملون به، ويصبرون على ما أصابهم.

قوله: وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ يعني: أكون على دين الإسلام، لأنه لا تقبل طاعة بغير دين الإسلام.

فقال عز وجل: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ قال الزجاج: لا زائدة، مؤكدة، والمعنى: لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ يعني: لا تستوي الطاعة، والمعصية.

ولا يستوي الكفر، والإيمان.

ويقال: لا يستوي البصير، والأعمى.

ويقال: لا يستوي الصبر، والجزع، واحتمال الأذى، والإساءة.

وذلك أن النبيّ  كان يؤذيه أبو جهل لعنة الله عليه، وكان النبيّ  يكره رؤيته بُغْضاً له، فأمره الله تعالى بالعفو، والصفح، فقال: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني: ادفع بالكلمة الحسنة، الكلمة القبيحة، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ يعني: إذا فعلت ذلك، يصير الذي بينك وبينه عداوة، بمنزلة القرابة في النسب.

قوله تعالى: وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا يعني: الكلمة الحسنة، ودفع السيئة، ما يعطاها إلا الذين صبروا على طاعة الله، وأداء الفرائض، وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ يعني: ذو نصيب وافر في الآخرة.

ويقال: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني: بقول لا إله إلا الله السيئة.

يعني: الشرك.

وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا على كظم الغيظ.

ثم قال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ يعني: يصيبك مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ يعني: وسوسة على الاحتمال، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من شره، وامض على احتمالك.

وقال مقاتل: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ يعني: يفتتنك مِنَ الشَّيْطَانِ.

نَزْغٌ أي: فتنة.

وقال الكلبي: الذنب عند دفع السيئة.

ويقال: يَنْزَغَنَّكَ يعني: يغوينك فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ يعني: تعوذ بالله، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ للاستعاذة، الْعَلِيمُ بقول الكفار وعقوبتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ومقاتلٌ وجماعةٌ «١» ، وقيل: إنَّ الآية نزلَتْ في المُؤَذِّنينَ، وهذا ضعيفٌ لأَنَّ الآية مَكِّيَّةٌ، والأذانُ شُرِعَ بالمدينةِ، قال أبو حَيّان «٢» : وَلَا السَّيِّئَةُ «لا» زائدة للتوكيدِ، انتهى.

وقوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ آية جَمَعَتْ مكارمَ الأخلاقِ وأنواعَ الحِلْمِ، والمعنى: ادفع ما يعرض لك مع الناس في مخالطتهم بالفعلة أو بالسيرة التي هي أَحْسَنُ، قال ابن عبَّاس: أمره اللَّه تعالى في هذه الآية بالصَّبْر عند الغَضَبِ، وَالحِلْمِ عند الجَهْل، والعَفْوِ عِنْدَ الإسَاءَةِ، فإذا فعل المؤمنُونَ ذلك، عَصَمَهُمُ اللَّه من الشيطان، وخضع لهم عَدُوُّهم، كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ «٣» البخاريُّ: «وليُّ حميم» أي: قريب، انتهى،، وفسَّر مجاهدٌ وعطاءٌ هذه الآية بالسَّلاَمِ عند اللِّقاء «٤» ، قال ع «٥» : ولا شَكَّ أنَّ السلام هو مبدأُ الدَّفْعِ بالتي هي أحسن، وهو جزء منه، والضمير في قوله: يُلَقَّاها عائد على هذه الخُلُقِ التي يقتضيها قوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وقالت فرقة: / المراد: وما يُلَقَّى «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» ، وهذا تفسير لا يقتضيه اللفظ.

وقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا: مدح بليغ للصابرين، وذلك بَيِّنٌ للمتأَمِّلِ لأنَّ الصَّبْرَ على الطاعات وعنِ الشهوات جامع لخصَالِ الْخَيْر كلِّها، والحظُّ العظيمُ: يَحْتَمِلُ أن يريد من العقل والفضلِ فتكونَ الآية مدحاً لِلْمُتَّصِفِ بذلك، ويحتمل أن يريد: ذو حظ عظيم من الجنة وثواب الآخرة، فتكونَ الآية وعداً، وبالجنة فسر قتادة الحظّ هنا «٦» .

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)

وقوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ «إِمَّا» : شرطٌ وجوابُ الشرطِ قوله: فَاسْتَعِذْ والنَّزْغُ: فِعْلُ الشيطانِ في قَلْبٍ أو يدٍ من إلقاءِ غَضَبٍ، أو حقدٍ، أو بطشٍ في اليد.

فمن الغضب هذه الآية، ومن الحقد قوله: نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف: ١٠٠] ، ومن البطش قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يُشِرْ أَحَدُكُمْ عَلَى أخِيهِ بالسِّلاَح لاَ يَنْزَغُ الشَّيْطَانُ في يَدِهِ فَيُلْقِيَهُ في حُفْرَةٍ مِنْ حُفَرِ النَّارِ» «١» .

ومن دعاء الشيخِ الوليِّ العارف باللَّه سبحانه، محمَّد بن مَسَرَّة القُرْطُبِيِّ: اللَّهُمَّ، لاَ تَجْعَلْ صدري للشيطان مَرَاغاً، ولا تُصَيِّرْ قلبي له مجالاً، ولا تَجْعَلْنِي، مِمَّنِ استفزَّهُ بصوته، وأجلب عليه بخيله ورَجْلِهِ، وكُنْ لي من حبائله مُنْجِياً، ومن مصائده مُنْقِذاً، ومن غَوَايَتِهِ مُبْعِداً، اللهم إنَّه وَسْوَسَ في القلب، وألقى في النَّفْس ما لا يطيقُ اللِسانُ ذِكْرَهُ، ولا تستطيعُ النَّفْس نشره مِمَّا نَزَّهَك عنه عُلُوُّ عِزِّكَ، وسُمُوُّ مجدك، فَأَزِلْ يا سيِّدِي ما سَطَرَ، وامح ما زَوَّرَ بوَابِلِ من سحائِبِ عَظَمَتِكَ وطُوفَانٍ مِنْ بِحَارِ نُصْرَتِكَ، واسلل عليه سيفَ إبعادك، وارشقه بسهام إقصائِكَ، وأحْرِقْهُ بنار/ انتقامك، واجعل خَلاَصِي منه زائداً في حُزْنِهِ، وَمُؤَكِّداً لأسفه، ثم قال رحمه اللَّه: اعلم أَنَّه ربما كان العبد في خَلْوَتِهِ مشتغلاً بتلاوته، ويجدُ في نفسه من الوسوسة ما يحولُ بينه وبين رَبِّه، حتى لا يَجِدَ لطعمِ الذِّكْرِ حلاوةً، ويجدَ في قلبه قساوةً، وربما اعتراه ذلك مع الاجتهاد في قراءته وعِلَّةُ ذلك أَنَّ الذِّكْرَ ذِكْرَانِ: ذكرُ خَوْفٍ ورهبةٍ، وذكْرُ أَمْنٍ وغفلةٍ، فإذا كان [الذِّكْرُ بالخَوْفِ والرهبة، خَنَسَ الشيطانُ، ولم يحتملِ الحَمْلَةَ، وأذهب الوسوسة لأنَّ الذكر إذا كان] «٢» باجتماع القلب وصِدْقِ النية، لم يكُنْ للشيطانِ قُوَّةٌ عند ذلك، وانقطعَتْ علائقُ حِيَلِهِ وإنَّما قُوَّتُهُ ووسوستُهُ مع الغَفْلَة، وإذا كان [الذِّكْرُ بالأَمْنِ والغَفْلَةِ لَمْ تفارقْهُ الوَسْوَسَةُ، وإنِ استدام العَبْدُ الذِّكْرَ والقراءةَ لأَنَّ على قلب الغافلِ غشاوةً ولا يجد] «٣» صاحبها لطعم الذكْرِ حلاوةً، فَتَحَفَّظْ على دينك من هذا العدوّ، وليس لك أن تزيله عن

مرتبته، ولا أَنْ تزيحَهُ عن وطنه، وإنما أُبِيحَ لك مجاهدته، فاستعنْ باللَّه يُعِنْك، وثِقْ باللَّه فإنَّهُ لا يَخْذُلُكَ قال تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩] ، انتهى من تصنيفه- رحمه اللَّه-.

وندب سبحانه في الآية المتقدمة إلى الأخذ بمكارم الأخلاق، ووعد على ذلك، وعَلِمَ سبحانه أَنَّ خِلْقَةَ البشر تغلب أحياناً وتَثُورُ بِهِمْ سَوْرَةُ الغضب ونَزْغُ الشيطان فَدَلَّهُمْ في هذه الآية على ما يُذْهِبُ ذلك، وهي الاستعاذة به عزَّ وجلَّ، ثم عَدَّدَ سبحانه آياته ليعتبر فيها، فقال: وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، ثم قال تعالى: لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ: وإِنْ كانت لكم فيهما منافع لأَنَّ النفع منهما إنَّما هو بتسخير اللَّهِ إيَّاهما، فهو الذي ينبغي أَنْ يُسْجَدَ له، والضمير في خَلَقَهُنَّ قيل: هو عائد على الآيات المتقدم ذكرُهَا، وقيل: عائد على الشمس والقمر، والاثنان جمع، وأيضاً جمع ما لاَ يَعْقِلُ يُؤنَّثُ/، فلذلك قال: خَلَقَهُنَّ ومن حيث يقال: شُمُوسٌ وأقمار لاِختلافهما بالأَيَّامِ ساغ أنْ يعود الضميرُ مجموعاً، وقيل: هو عائد على الأربعة المذكورة.

ت: ومن كتاب «المستغيثين باللَّه» لأبي القاسم بن بَشْكَوَال حَدَّثَ بسنده إلى أَنس بن مالك، قال: تقرأ «حم السجدة» ، وتَسْجُدُ عند السجدة، وتَدْعُو فإنَّه يُسْتَجَابُ لك، قال الراوي: وَجَرَّبْتُهُ فوجدته مُسْتَجاباً، انتهى،، ثم خاطب جل وعلا نَبِيَّهُ- عليه السلام- بما يتضمَّن وعيدهم وحقارَة أمرهم، وأَنَّهُ سبحانه غَنِيٌّ عن عبادتهم بقوله: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا ...

الآية، وقوله: فَالَّذِينَ يعني بهم الملائكة هم صَافُّونَ يسبحون، وعِنْدَ هنا ليست بظرف مكان وإِنَّما هي بمعنى المنزلة والقربةِ [كما تقول: زَيْدٌ عنْدَ الْمَلِكِ جليلٌ، ويروى أَنَّ تَسبيحَ الملائكة قد صار لهم كالنّفس لبني آدم، وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ معناه: لا] «١» يَملُّون، ثم ذكر تعالى آيةً منصوبةً ليعتبر بها في أمر البعث من القبور، ويستدِلَّ بما شُوهِدَ من هذه على ما لم يشاهد، فقال: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً ...

الآية، وخشوع الأرض هو ما يظهر عليها من استكانة وشَعَثٍ بالجَدْبِ، فهي عابسةٌ كما الخاشِعُ عَابِسٌ يكاد يَبْكِي، واهتزاز الأرض: هو تَخَلْخُلُ أجْزَائِهَا وَتَشَقُّقُهَا للنبات، ورُبُوُّهَا: هو انتفاخها بالماء وعُلُوُّ سطحِها به، وعبارة البخاريِّ: اهتزت بالنبات، ورَبَت:

ارتفعَت اهـ، ثم ذكر تعالى بالأمر الذي ينبغي أنْ يُقَاسَ على هذه الآية، والعبرة، وذلك إحياء الموتى، فقال: إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ والشيء في اللغة: الموجود.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ ﴾ فِيمَن أُرِيدَ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ المُؤَذِّنُونَ.

رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: "نَزَلَتْ في المُؤَذِّنِينَ"،» وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  دَعا إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المُؤْمِنُ أجابَ اللَّهَ إلى ما دَعاهُ، ودَعا النّاسَ إلى ذَلِكَ ﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ في إجابَتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: صَلّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الأذانِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، ومُجاهِدٍ.

ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ: ﴿ وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ ﴾ قالَ: الأذانُ ﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ قالَ: الصَّلاةُ بَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ.

والثّانِي: أدّى الفَرائِضَ وقامَ لِلَّهِ بِالحُقُوقِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: صامَ وصَلّى، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "لا" زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ والمَعْنى: ولا تَسْتَوِي [الحَسَنَةُ] والسَّيِّئَةُ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِما ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ: الإيمانُ، والسَّيِّئَةَ: الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الحِلْمُ والفُحْشُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: النُّفُورُ والصَّبْرُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ وذَلِكَ كَدَفْعِ الغَضَبِ بِالصَّبْرِ، والإساءَةِ بِالعَفْوِ، فَإذا فَعْلْتَ ذَلِكَ صارَ الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كالصَّدِيقِ القَرِيبِ.

وقالَ عَطاءٌ: هو السَّلامُ عَلى مَن تُعادِيهِ إذا لَقِيتَهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُلَقّاها ﴾ أيْ: ما يُعْطاها.

قالَ الزَّجّاجُ: ما يُلَقّى هَذِهِ الفَعْلَةَ: وهي دَفْعُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ ﴿ إلا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ عَلى كَظْمِ الغَيْظِ ﴿ وَما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ مِنَ الخَيْرِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: إلّا ذُو جَدٍّ.

وقالَ قَتادَةُ: الحَظُّ العَظِيمُ: الجَنَّةُ؛ فالمَعْنى: ما يُلَقّاها إلّا مَن وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في [الأعْرافِ: ٢٠٠] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنَّهُ هو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ اللَيْلُ والنَهارُ والشَمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَيْلِ والنَهارِ وهم لا يَسْأمُونَ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [إمّا] شَرْطٌ، وجَوابُ الشَرْطِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [فاسْتَعِذْ]،﴾ و"النَزْغُ": فِعْلُ الشَيْطانِ في قَلْبٍ أو يَدٍ، مِن إلْقاءِ غَضَبٍ وحِقْدٍ أو بَطْشٍ في اليَدِ، فَمِنَ الغَضَبِ هَذِهِ الآيَةُ، ومِنَ الحِقْدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَزَغَ الشَيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي  ﴾ ، ومِنَ البَطْشِ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ لا يَنْزَغُ الشَيْطانُ في يَدِهِ، فَيُلْقِيهِ في حُفْرَةٍ مِن حُفَرِ النارِ"،» ونَدَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ إلى مَكارِمِ الخُلُقِ في الدَفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، ثُمَّ أثْنى تَعالى عَلى مَن لَقِيَها ووَعَدَهُ، وعَلِمَ أنَّ خِلْقَةَ البَشَرِ تَغْلِبُ أحْيانًا وتَثُورُ بِهِمْ ثَوْرَةَ الغَضَبِ ونَزْغِ الشَيْطانِ، فَدَلَّهم عَلى مُذْهِبِ ذَلِكَ وهي الِاسْتِعاذَةُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ.

ثُمَّ عَدَّدَ آياتِهِ لِيَعْتَبِرَ فِيها مِن صَدَفَ عَنِ التَوْحِيدِ، بِذِكْرِ اللَيْلِ والنَهارِ، وذِكْرُهِما يَتَضَمَّنُ ما فِيهِما مِنَ القِصَرِ والطُولِ والتَداخُلِ والِاسْتِواءِ في مَواضِعَ وسائِرَ عِبَرِهِما، وكَذَلِكَ الشَمْسُ والقَمَرُ مُتَضَمِّنٌ عَجائِبَهُما وحِكْمَةَ اللهِ تَعالى فِيهِما ونَفَعَهُ عِبادَهُ بِهِما، ثُمَّ قالَ تَعالى: لا تَسْجُدُوا لِهَذِهِ المَخْلُوقاتِ وإنْ كانَتْ تَنْفَعُكُمْ؛ لِأنَّ النَفْعَ مِنهُما إنَّما هو بِتَسْخِيرِ اللهِ إيّاهُما، فَهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لَهُ، والضَمِيرُ في ﴿ "خَلَقَهُنَّ" ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الأيّامِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرِها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الشَمْسِ والقَمَرِ، والِاثْنانِ جَمْعٌ، وجَمْعُ ما لا يَعْقِلُ يُؤَنَّثُ، فَلِذَلِكَ قالَ: "خَلَقَهُنَّ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن حَيْثُ يُقالُ: شُمُوسٌ وأقْمارٌ لِاخْتِلافِهِما بِالأيّامِ، ساغَ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ مَجْمُوعًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، وشَأْنُ ضَمِيرِ ما لا يُعْقَلُ، إذا كانَ العَدَدُ أقَلَّ مِنَ العَشْرَةِ أنْ يَجِيءَ هَكَذا، فَإذا زادَ أُفْرِدَ مُؤَنَّثًا، فَتَقُولُ: الأجْذاعُ انْكَسَرْنَ، والجُذُوعُ انْكَسَرَتْ، ومِنهُ: ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ  ﴾ الآيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدَةِ دَمًا وقالَ السَمَوْألُ: ولا عَيْبَ فِينا غَيْرَ أنَّ سُيُوفَنا ∗∗∗ ∗∗∗ بِها مِن قِراعِ الدارِعِينَ فُلُولُ وَهَذا كَثِيرٌ مَهْيَعٌ وإنْ كانَ الأمْرُ قَدْ يُوجَدُ مُتَداخِلًا بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.

ثُمَّ خاطَبَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  بِما يَتَضَمَّنُ وعِيدَهم وحَقارَةَ أمْرِهِمْ، وأنَّ اللهَ تَعالى غَيَّرَ مُحْتاجٍ إلى عِبادَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا ﴾ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي بِهِمُ المَلائِكَةَ وهم صافُّونَ يُسَبِّحُونَ، و"عِنْدَ" في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتْ بِظَرْفِ مَكانٍ، وإنَّما هي بِمَعْنى المَنزِلَةِ والقُرْبَةُ، كَما تَقُولُ: زِيدٌ عِنْدَ المَلِكِ جَلِيلٌ، وفي نَفْسِهِ رَفِيعٌ، ويُرْوى أنَّ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ قَدْ صارَ لَهم كالنَفْسِ لِابْنِ آدَمَ، و"يَسْأمُونَ" مَعْناهُ: يَمَلُّونَ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى آيَةً مَنصُوبَةً لِيُعْتَبَرَ بِها في أمْرِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، ويُسْتَدَلُّ بِما شُوهِدَ مِن هَذِهِ عَلى ما لَمْ يُشاهَدْ بَعْدُ مِن تِلْكَ، وهي آيَةٌ يَراها عِيانًا كُلَّ مَفْطُورٍ عَلى عَقْلٍ.

و"خُشُوعُ الأرْضِ" هو ما يَظْهَرُ عَلَيْها مِنَ اسْتِكانَةٍ وشَعَثٍ بِالجَدْبِ وصَلِيمِ السُمُومِ، فَهي عابِسَةٌ كَما الخاشِعُ عابِسٌ يَكادُ يَبْكِي، و"الماءُ المُنَزَّلُ" هو المَطَرُ، و"اهْتِزازُ الأرْضِ" هو تَخَلْخُلُ أجْزائِها بِالماءِ وتَشَقُّقُها لِلنَّباتِ، و"رَبُّوُها" هو انْتِفاخُها بِالماءِ وعُلُوُّ سَطْحِها بِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرَبَتْ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "وَرَبَأتْ" بِألْفِ مَهْمُوزَةٍ، ورَواها الرَواسِيُّ عن أبِي عَمْرُو، وهو أيْضًا بِمَعْنى: عَلَتْ وارْتَفَعَتْ، ومِنهُ الرَبِيئَةُ وهو الَّذِي يَرْتَفِعُ حَتّى يُرْصَدَ لِلْقَوْمِ، ثُمَّ ذَكَّرَ تَعالى بِالأمْرِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُقاسَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ والعِبْرَةِ، وذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: ﴾ عُمُومٌ، و"الشَيْءُ" في اللُغَةِ: المَوْجُودُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ وما يلقاها إلا الذين صبروا ﴾ [فصلت: 35]، فبعد أن أُرشد إلى ما هو عون على تحصيل هذا الخلق المأمور به وهو دفع السيئة بالتي هي أحسن، وبعد أن شرحت فائدة العمل بها بقوله: ﴿ فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ﴾ [فصلت: 34] صُرِف العنان هنا إلى التحذير من عوائقها التي تجتمع كثرتها في حقيقة نزغ الشيطان، فأمر بأنه إن وجد في نفسه خواطر تَصْرِفه عن ذلك وتدعوه إلى دفع السيئة بمثلها فإن ذلك نزغ من الشيطان دواؤه أن تستعيذ بالله منه فقد ضمن الله له أن يعيذه إذا استعاذه لأنه أمره بذلك، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وفائدة هذه الاستعاذة تجديد داعية العصمة المركوزة في نفس النبي صلى الله عليه وسلم لأن الاستعاذة بالله من الشيطان استمداد للعصمة وصقل لزكاء النفس مما قد يقترب منها من الكدرات.

وهذا سر من الاتصال بين النبي صلى الله عليه وسلم وربه وقد أشار إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم «إنه لَيُغانَ على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» فبذلك تسلم نفسه من أن يغشَاها شيء من الكدرات ويلحق به في ذلك صالحو المؤمنين.

وفي الحديث القدسي عند الترمذي «ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحِبَّه فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأُعطينَّه ولئن استعاذني لأعِيذَنَّه».

ثم يلتحق بذلك بقية المؤمنين على تفاوتهم كما دل عليه حديث ابن مسعود عند الترمذي قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن للشيطان لَمّة بابن آدم وللمَلَك لَمَّة، فأما لَمّة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لَمة الملَك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليستعذ بالله من الشيطان».

والنزغ: النخس، وحقيقته: مسّ شديد للجِلد بِطرَف عُود أو إصبَع، فهو مصدر، وهو هنا مستعار لاتصال القوة الشيطانية بخواطر الإنسان تأمره بالشر وتصرفه عن الخير، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وإما ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ باللَّه إنه سميع عليم ﴾ في سورة الأعراف (200) وإسناد ﴿ يَنزَغَنَّكَ ﴾ إلى ﴿ نَزْغٌ ﴾ مجاز عقلي من باب: جدّ جدّه، و ﴿ مِن ﴾ ابتدائية.

ويجوز أن يكون المراد بالنزغ هنا: النازغ، وهو الشيطان، وصف بالمصدر للمبالغة، و ﴿ من ﴾ بيانية، أي ينزغنّك النازغ الذي هو الشيطان.

والمبالغة حاصلة على التقديرين مع اختلاف جهتها.

وجيء في هذا الشرط ب (إنْ) التي الأصل فيها عدم الجزم بوقوع الشرط ترفيعاً لقدر النبي صلى الله عليه وسلم فإن نزغ الشيطان له إنما يفرض كما يفرض المُحال، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ [الأعراف: 201] فجاء في ذلك الشرط بحرف (إذا) التي الأصل فيها الجزم بوقوع الشرط أو بغلبة وقوعه.

و(ما) زائدة بعد حرف الشرط لتوكيد الربط بين الشرط وجوابه وليست لتحقيق حصول الشرط فإنها تزاد كثيراً بعد (إن) دون أن تكون دالة على الجزم بوقوع فعل الشرط.

وضمير الفصل في قوله: إنَّه هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} لتقوية الحكم وهو هنا حكم كِنائي لأن المقصود لازمُ وصف السميع العليم وهو مؤاخذة من تصدر منهم أقوال وأعمال في أذى النبي صلى الله عليه وسلم والكيدِ له ممن أُمِر بأن يدفع سيئاتهم بالتي هي أحسن.

والمعنى: فإن سوّل لك الشيطان أن لا تعامل أعداءك بالحسنة وزين لك الانتقام وقال لك: كيف تحسن إلى أعداء الدين، وفي الانتقام منهم قطعُ كيدهم للدين، فلا تأخذ بنزغه وخذ بما أمرناك واستعذ بالله من أن يزلّك الشيطان فإن الله لا يخفى عليه أمر أعدائك وهو يتولى جزاءهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَهُ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ دَعَوْا إلى اللَّهِ، قالَهُ قَيْسُ بْنُ أبِي حازِمٍ ومُجاهِدٌ.

﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أداءُ الفَرائِضِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُمُ المُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ، قالَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

وَرَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ بِلالٌ إذا قامَ يُؤَذِّنُ قالَتِ اليَهُودُ قامَ غُرابٌ - لا قامَ - فَنادى بِالصَّلاةِ، وإذا رَكَعُوا في الصَّلاةِ قاَلُوا قَدْ جَثَوْا - لا جَثَوْا - فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بِلالٍ والمُصَلِّينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ المُداراةُ، والسَّيِّئَةَ الغِلْظَةُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: الحَسَنَةُ الصَّبْرُ والسَّيِّئَةُ النُّفُورُ.

الثّالِثُ: الحَسَنَةُ الإيمانُ، والسَّيِّئَةُ الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: الحَسَنَةُ العَفْوُ والسَّيِّئَةُ الِانْتِصارُ، حَكاهُ ابْنُ عُمَيْرٍ.

الخامِسُ: الحَسَنَةُ الحِلْمُ والسِّيِّئَةُ الفُحْشُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

السّادِسُ: الحَسَنَةُ حُبُّ آلِ رَسُولِ اللَّهِ  والسَّيِّئَةُ بُغْضُهم، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ادْفَعْ بِحِلْمِكَ جَهْلَ مَن يَجْهَلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ادْفَعْ بِالسَّلامَةِ إساءَةَ المُسِيءِ، قالَهُ عَطاءٌ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ادْفَعْ بِالتَّغافُلِ إساءَةَ المُذْنِبِ، والذَّنْبُ مِنَ الأدْنى، والإساءَةُ مِنَ الأعْلى.

﴿ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ قالَهُ عِكْرِمَةُ: الوَلِيُّ الصَّدِيقُ، والحَمِيمُ القَرِيبُ.

وَقِيلَ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ كانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ  ، فَأمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ والصَّفْحِ عَنْهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما يُلَقّى دَفْعَ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى الحِلْمِ.

الثّانِي: ما يُلَقّى الجَنَّةَ إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى الطّاعَةِ.

﴿ وَما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ذُو جَدٍّ عَظِيمٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: ذُو نَصِيبٍ [وافِرٍ] مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الحَظَّ العَظِيمَ الجَنَّةُ.

قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما عَظُمَ حَظٌّ قَطُّ دُونَ الجَنَّةِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ ذُو الخُلُقِ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ النَّزْغُ الغَضَبُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الوَسْوَسَةُ وحَدِيثُ النَّفْسِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ النَّجِسُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: أنَّهُ الفِتْنَةُ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ الهَمَزاتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ أيِ اعْتَصِمْ بِاللَّهِ.

﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ ﴾ لِاسْتِعاذَتِكَ ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِأذِيَّتِكَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والحاكم وابن مردويه عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد غضب أحدهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الغضب.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

فقال الرجل أمجنون تراني؟

فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى عرف الغضب في وجه أحدهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب غضبه.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إتقوا الغضب فإنها جمرة توقد في قلب ابن آدم، ألم ترَ انتفاخ أوداجه، وحمرة عينيه، فمن أحس من ذلك شيئاً فليلزق بالأرض» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن خيثمة رضي الله عنه قال: كان يقال إن الشيطان يقول: كيف يغلبني ابن آدم إذا رضي حيث أكون في قلبه، وإذا غضب طرت حيث أكون على رأسه؟.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ﴾ قال: «ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يصلي إذ جعل يسند حتى يستند السارية، ثم يقول ألعنك بلعنة الله التامة فقال بعض أصحابه: يا نبي الله ما شيء رأيناك تصنعه؟

قال: أتاني الشيطان بشهاب من نار ليحرقني به، فلعنته بلعنة الله التامة، فانكب لفيه وطفئت ناره» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ ﴾ إن شرطية دخلت عليها ما الزائدة، ونزغ الشيطان: وساوسه وأمره بالسوء ﴿ الذي خَلَقَهُنَّ ﴾ الضمير يعود على الليل والنهار والشمس والقمر، لأن جماعة ما لا يعقل كجماعة المؤنث، أو كالواحدة المؤنثة، وقيل: إنما يعود على الشمس والقمر، وجمعهما لأن الاثنين جمع هذا بعيد ﴿ فالذين عِندَ رَبِّكَ ﴾ الملائكة ﴿ لاَ يَسْأَمُونَ ﴾ أي لا يملون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الخامس والعشرون من أجزاء القرآن الكريم القراءات: ﴿ ربنا أرنا ﴾ بسكون الراء: ابن كثير وابن عامر وأبو بكر ورويس أبو عمرو بالاختلاس.

الآخرون: بكسر الراء.

﴿ اللذين ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.

﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة.

الباقون: بضم الياء وكسر الحاء ﴿ أعجمي ﴾ بهمزة واحدة: هشام.

وقرأ بتحقيق الهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص إلا الخزاز.

الباقون: بالمد ﴿ ثمرات ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل.

﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ من وراي ﴾ على وزن ﴿ عصاي ﴾ قد مر في سورة مريم ﴿ إلى ربي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ ونأى بجانب ﴾ وقد مر في السورة ﴿ سبحان الذي أسرى ﴾ .

الوقوف: ﴿ والإنس ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال كونه جواب القسم في حق ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ تغلبون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي كائناً لهم فيها ﴿ دار الخلد ﴾ ج ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم بتقدير الجار مع اتحاد المقول ﴿ تدعون ﴾ 5 ط لحق المحذوف أي أصبتم أو وجدتم نزلاً ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع تكرارها للتوكيد ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ يسأمون ﴾ ه سجدة ﴿ اهتزت وربت ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ شئتم ﴾ ه لا ليكون ما بعده دالاً على أنه أمر تهديد ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ لما جاءهم ﴾ ج لأن خبر أن محذوف فيتقدر ههنا أو بعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ كما يجيء ﴿ عزيز ﴾ ه لا لاتصال الصفة ﴿ من خلفه ﴾ ط ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وآياته ﴾ ط ﴿ وعربي ﴾ ط ﴿ وشفاء ﴾ ط ﴿ عمى ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فعليها ﴾ ط ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ج ﴿ شركائي ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ عامل ﴿ يوم ﴾ ﴿ آنذاك ﴾ لا لأنه في معنى القول وقع على الجملة بعده ﴿ من شهيد ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الخير ﴾ ز لاختلاف الجملتين إلا أن مقصود الكلام يتم بهما ﴿ قنوط ﴾ ه ﴿ هذا لي ﴾ لا تحرز إعمالاً يقوله مسلم قائمة كذلك ﴿ للحسنى ﴾ ه ج لابتداء الأمر بالتوكيد مع فاء التعقيب ﴿ عملوا ﴾ إمهالاً للتذكر في الحالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ عريض ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر وعيد الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر.

ومعنى ﴿ قيضنا ﴾ سببنا لهم من حيث لا يحتسبون أو قدرنا أو سلطنا وأصله من القيض وهو البدل، والمقايضة المعاوضة كأن القرينين يصلح كل منهما أن يقوم مقام الآخر.

والقرناء إخوانهم من الشياطين جمع قرين ﴿ فزينوا لهم ما بين أيديهم ﴾ وهو الدنيا وما فيها من الشهوات ﴿ وما خلفهم ﴾ وهو الآخرة بأن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب وقيل: ما بين أيديهم أعمالهم التي عملوها، وما خلفهم ما عزموا على فعله وزينوا لهم فعل مفسدي زمانهم والذين تقدم عصرهم.

والآية على مذهب الأشاعرة واضحة.

وقالت المعتزلة: معناها أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين.

ومعنى ﴿ في أمم ﴾ كائنين في جملة أمم وقد مر في أوائل الأعراف كانوا يقولون إذا سمعتم القرآن من محمد فارفعوا أصواتكم باللغو وهو الساقط من الكلام فنزلت ﴿ وقال الذين كفروا ﴾ الآية.

يقال: لغى بكسر الغين يلغى بالفتح، ولغا يلغو فلهذا قرىء بالضم أيضاً، والمقصود أنهم علموا أن القرآن كلام كامل لفظاً ومعنى، وكل من سمعه ووقف على معانيه وأنصف حكم بأنه واجب القبول فدبروا هذا التدبير الفاسد وهو قول بعضهم لبعض ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ إذا قرىء وتشاغلوا عن قراءته برفع الصوت بالمكاء والهذيان والرجز ﴿ لعلكم تغلبون ﴾ القارىء على قراءته فلا يحصل غرضه من التفهيم والإرشاد.

وحين حكى حيلتهم ذكر وعيدهم بقوله ﴿ فلنذيقن ﴾ الآية.

والمضاف في قوله ﴿ أسوأ ﴾ محذوف أي جزاء أسوأ الذي ولذلك أشار اليه بقوله ﴿ ذلك جزاء أعداء الله ﴾ وقوله ﴿ النار ﴾ بدل من الجزاء أو خبر مبتدأ مضمر.

و ﴿ دار الخلد ﴾ موضع المقام.

قال الزجاج: هو كما يقول لك في هذه الدار دار السرور وأنت تعني الدار بعينها وقد وضع قوله ﴿ بما كانوا بآياتنا يجحدون ﴾ موضع أن لو قال بما كانوا يلغون إقامة للسبب مقام المسبب ثم حكى عنهم ما سيقولون في النار وهو قولهم ﴿ ربنا أرنا ﴾ أي أبصرنا ﴿ اللذين أضلانا من الجن والإنس ﴾ وذلك أن الشياطين ضربان: جني وإنسي، وقد ورد في القرآن كثيراً، وقيل: هما إبليس الذي سن الكفر، وقابيل الذي سن القتل.

ومن قرأ بسكون الراء فلثقل الكسرة.

وقد يقال: معناه إذ ذاك أعطناه.

وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر فمعناه بصرنيه، وإذا قلت بالسكون فهو بمعنى الإعطاء ونظيره اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء وأصله الإحضار.

﴿ نجعلهما تحت أقدامنا ﴾ أي نطأهما إذلالاً وإهانة ﴿ ليكونا من الأسفلين ﴾ الأذلين وقيل: في الدرك الأسفل.

وتأوله بعض حكماء الإسلام بأنهما الشهوة والغضب المشار إليهما في قوله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  ﴾ كأنهم سألوا توفيق أن يجعلوا القرينين تحت قدم النفس الناطقة.

وحين أطنب في الوعيد أردفه بالوعد على العادة المستمرة فقوله ﴿ ربنا الله ﴾ إشارة إلى العلوم النظرية التي هذه المسألة رأسها وأصلها.

وقوله ﴿ ثم استقاموا ﴾ إشارة إلى الحكمة العملية وجملتها الاستقامة على الوسط دون الميل إلى أحد شقي الإفراط والتفريط كما سبق تقرير ذلك في تفسير قوله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم  ﴾ ومعنى "ثم" تراخي الاستقامة في الرتبة عن الإقرار، وفيه أن حصول العلوم النظرية بدون القسم العملي كشجرة بلا ثمرة.

وقال أهل العرفان: قالوا ربنا الله يوم الميثاق في عالم الأرواح، ثم استقاموا على ذلك في عالم الأشباح.

وعن أبي بكر الصديق: معناه لم يلتفتوا إلى إله غيره.

﴿ تتنزل عليهم الملائكة ﴾ عند الموت أو عنده وفي القبر وفي القيامة.

و "أن" مفسرة أو مخففة.

ولقد فسرنا الخوف والحزن مراراً والإبشار لازم.

قال الجوهري: يقال بشرته بمولود فأبشر إبشاراً.

وقوله ﴿ ألا تخافوا ولا تحزنوا ﴾ إشارة إلى رفع المضار في المآل وفي الحال.

وقوله ﴿ وأبشروا ﴾ إخبار عن حصول المنافع.

وقوله ﴿ نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا ﴾ يقابل قوله ﴿ وقضينا لهم قرناء ﴾ فللملائكة تأثيرات في الأرواح بالإلهامات الحسنة والخواطر الشريفة كما للشياطين تأثيرات بإلقاء الوساوس والهواجس، وقد تقدم في أول الكتاب في تفسير الاستعاذة.

وإذا كانت هذه الولاية ثابتة في الدنيا بحكم المناسبة النورية كانت بعد الموت أقوى وأظهر لزوال العلائق الجسمانية.

وقيل: في الحياة الدنيا بالاستغفار.

﴿ وفي الآخرة ﴾ بالشفاعة.

وقيل: كنا نحفظكم في الدنيا ولا نفارقكم في الآخرة حتى تدخلوا الجنة ﴿ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ﴾ يعني الحظوظ الجسمانية ﴿ ولكم فيها ما تدعون ﴾ أي تمنون من المواهب الروحانية، وقد مر في "يس" سائر الوجوه.

والنزل ما يهيأ للضيف وقد مر.

وفي ذكر الغفور الرحيم ههنا مناسبة لا تخفى.

قال أهل النظم إن القوم لما أتوا بأنواع السفاهة والإيذاء كقولهم ﴿ قلوبنا غلف  ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ حرض  نبيه  على مواظبة التبليغ والدعوة واحتمال أعباء الرسالة والتزام السيرة الفاضلة إظهار المزية على الجهال وتحصيلاً للغرض بالرفق واللطف ما أمكن فقال ﴿ ومن أحسن قولاً ﴾ ووجه آخر في النظم وهو أنه لما مدح الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وذكر جزاءهم وهم أهل الكمال، أراد أن يبين حال المشتغلين بتكميل الناقصين.

زعم بعض المفسرين أن المراد بهذا الدعاء الأذان، والعمل الصالح الصلاة بين الأذان والإقامة، ورفعوه إلى عائشة.

والأصح أنه عام لجميع الأئمة والدعاة إلى طاعة الله وتوحيده، ولا ريب أن مصطفاهم ومقتداهم هو رسول الله  وآله وبعده العلماء بالله وهم الحكماء المتألهون، وبعدهم العلماء بصفات الله وهم الأصوليون، ثم العلماء بأحكام الله وهم الفقهاء، ثم الملوك العادلون الذين يدعون إلى الله بالسيف والسبب.

وفي الاستفهام الإنكاري دلالة على أنه لا قول أحسن من الدعاء إلى الله فمن زعم أنه الأذان ذهب إلى أنه واجب وإلا لكان الواجب أحسن منه.

ونوقض بأنا نعلم بالدلائل اليقينية أن الدعوة إلى الدين القويم بالحجة أو السيف أحسن من الأذان فلا يدخل الأذان تحت الآية.

قال جار الله: ليس معنى قوله ﴿ وقال إنني من المسلمين ﴾ أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن المراد أنه جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده كما تقول: هذا قول أبي حنيفة.

وقال آخرون: أراد به التلفظ به تفاخراً بالإسلام وتمدحاً.

وزعموا أن فيه إبطال قول من جوز: أنا مسلم إن شاء الله.

فإنه لو كان ذلك معتبراً لورد في الآية كذلك ولا يخفى ضعفه، فإن التجويز غير الإيجاب.

ثم صبر رسوله  على سفاهة الكفار وعلمه الأدب الجميل في باب الدعاء أي الدين بل في مطلق أمور التمدن فقال ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ﴾ "لا" زائدة لتأكيد نفي الاستواء، والمعنى لا تستوي الحسنة والسيئة قط ومثالهما الإيمان والشرك والحلم والغضب والطاعة والمعصية واللطف والعنف ثم إن سائلاً كأنه سأل: فكيف نصنع؟

فأجيب ﴿ ادفع بالتي هي أحسن ﴾ فإن الحسنة أحسن من السيئة كما يقال: الصيف أحر من الشتاء وذهب صاحب الكشاف إلى أن "لا" غير مزيدة والمعنى أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة.

مثاله: رجل أساء إليك فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إسائته.

قال: ومن جعل "لا" مزيدة فالقياس على تفسيره أن يقال: ادفع بالتي هي حسنة.

ولكنه وضع أحسن موضع الحسنة ليكون أبلغ لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما هو دونها.

قال العارفون: الحسنة التوجه إلى الله بصدق الطلب، والسيئة الالتفات إلى غيره.

﴿ فإذا الذي ﴾ إذا فعلت ذلك انقلب عدوك ولياً مصافياً.

قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان وكان مؤذياً لرسول الله  فصار يتحاب بعد ذلك لما رأى من لطف رسول الله  وعطفه.

ثم مدح هذه السيرة وأهلها بقوله ﴿ وما يلقاها إلا الذين صبروا ﴾ أي لا يعمل بها إلا كل صبار على تجرع المكاره.

﴿ وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ﴾ من قوة جوهر النفس الناطقة بحيث لا يتأثر من الواردات الخارجية، وقد يفسر الحظ العظيم بالثواب الجزيل.

وعن الحسن: ما عظم حفظ دون الجنة.

ثم ذكر طريقاً آخر في دفع الغضب والانتقام قائلاً ﴿ وإما ينزغنك ﴾ وقد مر في آخر الأعراف.

والمعنى إن صرفك الشيطان عما أمرت به فاستعذ بالله من شره وإنما قال ههنا ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ بالفصل وتعريف الخبر ليكون مناسباً لما تقدّمه من قوله ﴿ وما يلقاها ﴾ مؤكداً بالتكرار وبالنفي والإثبات ولم يكن هذا المقتضى في الأعراف فجاء على أصل الاسم معرفة والخبر نكرة.

وحين ذكر أن أحسن الأقوال هو الدعوة إلى الله بين الدلائل على وجوده فقال ﴿ ومن آياته ﴾ الخ.

والضمير في ﴿ خلقهن ﴾ للآيات أو الليل وما عطف عليه.

ولم يغلب المذكر لأن ذلك قياس مع العقلاء.

وفي قوله ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ تزييف لطريقة الصابئين وسائر عبدة الكواكب جهلاً منهم وزعماً أنها الواسطة بين الخلق والإله، فنهوا عن هذا التوسيط لأن ذلك مظنة العبادة المستقلة لرفعة شأنها وارتفاع مكانها، وهذا بخلاف التوجه في الصلاة إلى القبلة فإن الحجر قلما يظن به أنه معبود بالحق والجزم حاصل بأنه لتوحيد متوجهات المصلين عند صلاتهم مع أن للبيت شرفاً ظاهراً في نفسه ﴿ فإن استكبروا ﴾ عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر ﴿ فالذين عند ربك ﴾ عندية بالشرف والرتبة وهم الملائكة المقربون ﴿ يسبحون له بالليل والنهار ﴾ أي على الدوام والاستمرار ﴿ وهم لا يسأمون ﴾ من السآمة والملالة.

والحاصل أنهم إن يمتثلوا ما أمروا به ونهوا عنه وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم فإن ربك لا يعدم عابداً مخلصاً.

ولما فرغ من تقرير الآيات السماوية شرع في الدلائل الأرضية فقال ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ﴾ وأصل الخشوع التذلل فاستعير للأرض التي لا خضرة بها ولا نفع كما وصفها بالهمود وقد مرّ في سورة الحج، وذلك أنها إذا اهتزت وربت أي انتفخت حين يهم النبت بالخروج منها كانت بمنزلة المختال في زيه وهي قبل ذلك كالفقير الكاسف البال المتلبس بثوب أطمار.

وبعد تقرير الدلائل الباهرة ذكر وعيد الملحدين في آياته المنحرفين عن الجادة والوعيد قوله ﴿ لا يخفون علينا ﴾ وكفى به وعيداً.

ثم أكده بالاستفهام على سبيل التقرير وهو قوله ﴿ أفمن يلقى ﴾ الخ.

وقوله ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرف لآمنا أو ليأتي.

ثم هددهم بقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ الخ.

ثم أبدل من قوله ﴿ إن الذين كفروا بالذكر ﴾ أي القرآن لأنهم بكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا معانيه، وعلى هذا فالخبر هو ما تقدم من قوله ﴿ لا يخفون ﴾ وإنه كلام مستأنف.

وعلى هذا فاختلفوا في خبر "إن".

فالأكثرون على أنه ﴿ أولئك ينادون ﴾ وما بينهما اعتراض من تتمة الذكر.

وقيل: خبره ما يقال إذ التقدير ما يقولون لك.

وقيل: هو محذوف.

ثم اختلفوا فقال قوم: إن الذين كفروا بالذكر كفروا لما جاءهم.

وقال آخرون: هلكوا أو يجازون بكفرهم ونحو ذلك، وهذا يمكن تقديره بعد قوله ﴿ لما جاءهم ﴾ وبعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ وبعد قوله ﴿ حميد ﴾ والعزيز معناه الغالب القاهر بقوة حجته على ما سواه من الكتب، والمراد أنه عديم النظير لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته.

ثم أكد هذا الوصف بقوله ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ قال جار الله: وهو تمثيل أي لا يتطرق البطلان إليه بجهة من الجهات فلا ينقص منه شيء ولا يزاد عليه شيء.

وقيل: أراد أنه لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل ولن يجيء بعده ما يخالفه.

وقد يحتج أبو مسلم بالآية على عدم وقوع النسخ في القرآن زعماً منه أن النسخ نوع من البطلان، ولا يخفى ضعفه فإن بيان انتهاء حكم لا يقتضي إبطاله فإنه حق في نفسه ومأمور به في وقته.

﴿ تنزيل ﴾ أي هو منزل ﴿ من ﴾ إله ﴿ حكيم ﴾ في جميع أفعاله ﴿ حميد ﴾ إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه.

ثم سلى نبيه  بقوله ﴿ ما يقال لك ﴾ وفيه وجهان: أحدهما ما يقول لك كفار قريش إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من المطاعن فيهم وفي كتبهم.

﴿ إن ربك لذو مغفرة ﴾ للمحقين ﴿ وذو عقاب أليم ﴾ للمبطلين، ففوض الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به من الدعاء إلى دينه.

وثانيهما ما يقول لك الله إلا مثل ما قال لغيرك من الرسل من الصبر على سفاهة الأقوام وإيذائهم.

ويجوز أن يكون المقول هو قوله ﴿ إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب ﴾ فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخشاه أهل عصيانه.

كانوا يقولون: لولا أنزل القرآن بلغة العجم تعنتاً منهم فأجابهم الله بقوله ﴿ ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا ﴾ معترضين منكرين ﴿ لولا فصلت آياته ﴾ أي بينت بلسان نفهمه.

أقرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي؟

وإنما جاز هذا التقدير الثاني مع أن المرسل إليهم كثيرون وهم غير أمة العرب، لأن الغرض بيان تنافر حالتي القرآن، والذين أنزل القرآن إليهم من العجمية والعربية لا بيان أنهم جمع أو واحد كما تقول: وقد رأيت لباساً طويلاً على امرأة قصيرة اللباس طويل واللابس قصير.

ولو قلت: واللابسة قصيرة جئت بما هو أفضل.

ومن قرأ بغير همزة الاستفهام فعلى حذفها أو على الإخبار بأن القران أعجمي والرسول أو المرسل إليه عربي، والغرض أنهم لعنادهم لا ينفكون عن المراء والاعتراض سواء كان القرآن عربياً أو أعجمياً.

وفيه إفحام لهم وجواب عن قولهم ﴿ قلوبنا في أكنة ﴾ فإن القرآن إذا كان بلغتهم وهم فصحاء وبلغاء فكيف لا يفهمونه إلا إذا كان هناك مانع إلهي ولذلك قال ﴿ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ﴾ لداء الجهل ﴿ والذين ﴾ أي وللذين ﴿ لا يؤمنون في آذانهم وقر ﴾ وهذا التقدير عند من يجوز العطف على عاملين، ومن لم يجوز زعم أن الرابط محذوف تقديره: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر أو في آذانهم منه.

وقرأ والذين لا يؤمنون به الخ.

والحاصل أنهم لعدم انتفاعهم بالقرآن كأنهم صم عمي.

ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾ فلهذا لا يسمعون النداء أي مثلهم كمثل الشخص الذي ينادي من بعد فلا يسمع، وإن سمع لم يفهم.

ثم شبه حال القرآن بحال الكتب المتقدمة في أنها اختلف فيها كما اختلف فيه إلا أنه خص كتاب موسى بالذكر لكثرة أحكامه وعجيب قصته.

والكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وتأخر العذاب والقضاء بين المصدقين والمكذبين إلى وقتئذ.

ثم ذكر أن جزاء كل أحد يختص به سواء كان له أو عليه وأن الله لا يظلم أحداً ثم كان لسائل أن يسأل: متى القيامة التي يتعلق بها الجزاء فقال ﴿ إليه ﴾ لا إلى غيره ﴿ يرد علم الساعة ﴾ أي إذا سأل عنها.

قيل: لا يعلمها إلا هو.

ثم عمم بعد هذا التخصيص وذكر مثالين يعرف منهما أن علم جميع الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا له  .

والكم بكسر الكاف وعاء الثمرة.

ثم ذكر من أحوال القيامة طرفاً آخر فقال ﴿ ويوم يناديهم أين شركائي ﴾ وهو نداء تهكم أو توبيخ كما مر مراراً ﴿ قالوا آذناك ﴾ قال ابن عباس: أي أسمعناك من أذن بالكسر أذناً بالفتح إذا استمع.

وقال الكلبي: أعلمناك قال الإمام فخر الدين الرازي: هو بعيد لأن أهل القيامة يعلمون أنه  يعلم الأشياء علماً واجباً، فالإعلام في حقه محال.

قلت: لو أريد أظهرنا معلومك أين الاستبعاد؟

والمعنى ظهر وحصل في الواقع من جهة قولنا ما كان ثابتاً في علمك القديم أنا سنقوله كقوله ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ أي لم يحصل بعد معلومه في الواقع وقد مر.

وقولهم ﴿ آذناك ﴾ ماض في معنى المستقبل على عادة القرآن أو إنشاء للإيذان أو إخبار عما قيل لهم قبل ذلك فإنه يمكن أن يعاد عليهم هذا الاستفهام مرات لمزيد التوبيخ.

ومعنى ﴿ ما منا من شهيد ﴾ ليس منا من يشهد اليوم بأنهم شركاؤك لأنا عرفنا عياناً أنه لا شريك لك.

أو هو كلام الشركاء أحياها الله وأنطقها فتبرأ مما أضيف إليها من الشركة.

ومعنى الضلال على هذا التفسير عدم النفع، ويجوز أن يراد ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم غابوا عنا.

ومعنى ﴿ يدعون ﴾ يعبدون.

والظن بمعنى اليقين، والمحيص المهرب.

وحين بين أن الكفار تبرؤا في الآخرة من شركائهم بعد أن كانوا مصرين في الدنيا على عبادتهم، بين أن الكافر تبدله في حالاته كلي أو أكثري.

ففي حالة الإقبال لا يسأم من طلب الجاه والمال، في حالة الإدبار يصير في غاية اليأس والانكسار، وإن عاودته النعمة بعد يأسه فلا بد أن يقول هذا إنما وجدته باستحقاق لي وهذا لا يزول عني ويبقى علي وعلى عقبي وأنكر البعث، وعلى فرض وجوده زعم بل جزم أن له عند الله الحالة الحسنى قائساً أمر الآخرة على أمر الدنيا، ونظير الآية ما سبق في سورة الكهف { ﴿ ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً  ﴾ فلا جرم خيب الله أمله وعكس ما تصوره بقوله ﴿ فلننبئن ﴾ وحين حكى قول الكافر أخبر عن أفعاله بقوله ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ﴾ أي تعظم وتجبر.

وقد سلف في "سبحان".

واستعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه، وقد يستعار الطول لكثرة الدعاء ودوامه أيضاً وإن لم يكن الشيء ذا جزم كما استعير الغلظ لشدة العذاب.

فإن قيل: كيف قال أولاً ﴿ فيؤس قنوط ﴾ ثم قال ﴿ فذو دعاء عريض ﴾ ؟

قلنا: أراد أنه يؤس بالقلب دعاء باللسان، أو قنوط من الصنم دعاء الله، أو الأول في قوم والثاني في آخرين.

ولما ذكر مرات في السورة مبالغة الكفار في العداوة والنفرة من اتباع الرسول والقرآن أرشدهم إلى طريق أحوط مما فيه فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وتقريره أنكم كما سمعتم القرآن أعرضتم عنه ثم كفرتم به حتى قلتم ﴿ قلوبنا في أكنة  ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ ومن المعلوم أن هذا ليس ببديهي فقبل الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً وحينئذ يلزم أن يكون بعدم قبوله العقاب الأبدي.

وقوله ﴿ ممن هو في شقاق بعيد ﴾ من وضع الظاهر مقام المضمر وهو منكم بياناً لبعد شوطهم في الشقاق والخلاف قاله في الكشاف.

وأقول: جواب الشرط بالحقيقة محذوف وهو قوله مثلاً فمن أضل منكم.

وإنما قال في الأحقاف ﴿ وكفرتم  ﴾ بالواو لأن معناه في السورة كان عاقبة أمركم بعد الإمهال للنظر الكفر فحسن دخول "ثم" مع أنها تفيد التراخي في الرتبة، وهناك عطف عليه قوله ﴿ وشهد شاهد ﴾ فلم يحسن إلا الواو.

ثم بين أن الإسلام يعلو ولا يعلى وأن الغلبة والنصرة تكون لذويه فقال ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق ﴾ وهي الفتوح الواقعة على أيدي الخلفاء الراشدين والتي ستقع على أيدي أنصار دينه إلى يوم القيامة.

﴿ وفي أنفسهم ﴾ وهي فتح مكة وسائر الفتوح التي وجدت في عصر النبي  ﴿ حتى يتبين لهم أنه ﴾ أي محمداً أو القرآن أو الدين ﴿ الحق ﴾ ووجه التبين أن هذا إخبار عن الغيب فإذا وقع مطابقاً دل على صدق المخبر بل إعجازه.

وواحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض والسماء.

وعند المحققين الآيات الآفاقية هي الخارجة عن حقيقة الإنسان وبدنه كالأفلاك والكواكب والظلم والأنوار والعناصر والمواليد سواه.

ولا ريب أن العجائب المودعة في هذه الأشياء مما لا نهاية لها، وإنما يوقف عليها حيناً بعد حين.

وقد أكثر الله  من تقدير تلك الدلائل في القرآن، بعضها في السور المكيات وكثير منها في المدنيات، والآيات النفسية هي التي أودعها في تركيب الإنسان وفي ربط روحه العلوي ببدنه السفلي كقوله ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون  ﴾ وفي قوله ﴿ سنريهم ﴾ دلالة على أن رؤية الأدلة إنما تكون بإراءة الله.

قال جار الله: معنى قوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ هو أن هذه الآيات الموعودة تكفيهم دلالة على أن القرآن منزل من عالم الغيب المطلع على كل شيء.

وقال حكماء الإسلام: أراد بقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ توبيخ من ليس له رتبة الاستدلال بنفس الوجود على واجب الوجود، فإن هذا هو طريقة الصديقين، وأما غيرهم فإنهم يستدلون بالممكن على الواجب فيفتقرون إلى النظر في الآفاق.

قال أهل المعرفة: النظر في الآفاق لأجل العوام والأنفس للخواص وقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ لخواص الخواص.

وقيل: أولم يكف الإنسان من الزاجر والرادع عن المعاصي كون الله شهيداً عليهم.

وقيل: أراد أنه لا يخلف ما وعد لاطلاعه على الأشياء كلها.

ثم ختم السورة بتوبيخ الشاكين في أمر البعث وبالنعي عليهم وأوعدهم بأنه عالم بكل شيء فيجازي كلاً على حسب ما يستحقه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ﴾ .

قيل: و"لا" الأخير هاهنا زائدة كأنه قال: ولا تستوي الحسنة والسيئة، وقد يزاد حرف "لا" في الكلام وقد ينقص؛ فعلى ذلك هذا.

ثم جائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ كل واحد منها موصولاً بالآخر، يقول: لا تستوي الحسنة، وجائز أن يكون كل واحد منها مقطوعاً من الآخر على الابتداء، فإن كان أحدهما موصولا بالآخر يقول: لا تستوي الحسنة والسيئة في جلب حب القلوب واللين والعطف لها؛ بل الحسنة تجلب حب القلوب والميل إليها لا السيئة.

﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ أي: ادفع بالحسنة دون السيئة؛ وهو كقوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ...

﴾ الآية [آل عمران: 159]؛ فعلى ذلك يقول هاهنا أنْ: لا تستوي الحسنة والسيئة في الطاعة والميل وجلب حب القلوب، بل هما مختلفان مفترقان فادفع سيئتهم بالحسنة، والله أعلم.

وجائز أن يكونا جميعاً على الابتداء لا اتصال لأحدهما بالآخر، فإن كان الابتداء فمعناه - والله أعلم -: أنكم تعلمون بعقولكم أن لا استواء بين الحسنة والسيئة ولا بين المحسن والمسيء، وكذا لا استواء بينهما في الحكمة، وقد رأيتم أنهما قد استويا في هذه الدنيا في جميع منافعها ولذاتها، وجمع بينهما في هذه، وفي الحكمة والعقول التفريق بينهما، دل أن هنالك دارا أخرى يفرق بينهما في الجزاء والثواب فيهما - والله أعلم - وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ  مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ  ﴾ أي: لا نجعل هذا كهذا في هذه الحياة الدنيا؛ فدل ذلك على أن هناك دارا أخرى فيها يقع ذلك التمييز والتفريق، فعلى ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ .

صرف عامة أهل التأويل ذلك إلى رسول الله  وإلى أبي جهل - لعنه الله - أنه أمر رسوله  أن يدفع سيئة أبي جهل بالحسنة، لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه لم يذكر أن أبا جهل صار لرسول الله  كما ذكر حيث قال: ﴿ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ، بل دامت عداوته إياه إلى أن خرج على رسول الله  يوم بدر وأغرى الناس عليه، فرجع ذلك الإغراء إليه فقتل في ذلك اليوم؛ فدل أنه لا وجه لصرف الآية إلى هذا.

ثم يخرج قوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ على وجهين: أحدهما: ادفع سيئتهم في حادث الوقت بحسنة تكون منك إليهم، أي: إذا أحسنت إليهم كفوا هم عن الإساءة إليك في حادث الوقت - والله أعلم - فيكون كقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ  ﴾ .

والثاني: أي ادفع سيئتهم بالعفو والصفح عنهم، أي: لا تكافئهم بمساويهم ولكن تجاوز عنهم واصفح، فإذا فعلت ذلك يصير الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، أي: لا يعاد ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ﴾ : على أمر الله  والقيام بجميع أموره، أو يقول: لا يعطى ولا يؤتى المعاملة التي ذكر ولا يوفق لذلك إلا من عزم على الصبر على ما أمر الله  والصبر على ذلك.

وقوله: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ .

يقول: ولا يعطى هذه المعاملة التي ذكر من الدفع بالحسنة والصفح عن المجرم إلا من كان له حظ ونصيب عظيم عند الله  ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: جائز أن يكون الاستعاذة التي ذكر هي مباشرة الأسباب التي بها يدفع نزغ الشيطان ووساوسه، أمره أن يأتي بالأسباب التي يتهيأ له أن يدفع بها نزغاته وغمزاته، وهذا كالاستغفار الذي أمره به، ليس هو أمراً بأن يقولوا: نستغفر الله بألسنتهم، ولكن أَمْرٌ بمباشرة أسباب يقع ويجب لهم المغفرة بها؛ فعلى ذلك الاستعاذة.

والثاني: جائز أن يكون أمره بالاستعاذة إياه أمراً له بسؤال لطف من عند الله يدفع به نزغاته وهمزاته، والله أعلم.

وعلى قول المعتزلة لا يصح الاستعاذة منه؛ لأنهم يقولون: إنه قد أعطى كلاماً به يدفع نزغاته وهمزاته متى لم يبق عنده شيء يملك إعطاءه إياهم من اللطف وغيره، والله الهادي.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن وسوس لك الشيطان في أي وقت بشرٍّ فاعتصم بالله والجأ إليه، إنه هو السميع لما تقوله، العليم بحالك.

<div class="verse-tafsir" id="91.5ryRx"

مزيد من التفاسير لسورة فصلت

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده