الآية ٥٠ من سورة فصلت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٥٠ من سورة فصلت

وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةًۭ مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةًۭ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ ٥٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٠ من سورة فصلت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٠ من سورة فصلت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي ) أي : إذا أصابه خير ورزق بعد ما كان في شدة ليقولن : هذا لي ، إني كنت أستحقه عند ربي ، ( وما أظن الساعة قائمة ) أي : يكفر بقيام الساعة ، أي : لأجل أنه خول نعمة يفخر ، ويبطر ، ويكفر ، كما قال تعالى : ( كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) [ العلق : 6 ، 7 ] .

( ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ) أي : ولئن كان ثم معاد فليحسنن إلي ربي ، كما أحسن إلي في هذه الدار ، يتمنى على الله ، عز وجل ، مع إساءته العمل وعدم اليقين .

قال تعالى : ( فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ ) يتهدد تعالى من كان هذا عمله واعتقاده بالعقاب والنكال .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) يقول تعالى ذكره: ولئن نحن كشفنا عن هذا الكافر ما أصابه من سقم في نفسه وضرّ, وشدّة في معيشته وجهد, رحمة منا, فوهبنا له العافية في نفسه بعد السقم, ورزقناه مالا فوسعنا عليه في معيشته من بعد الجهد والضرّ.( لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي ) عند الله, لأن الله راض عني برضاه عملي, وما أنا عليه مقيم.

كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي ): أي بعملي, وأنا محقوق بهذا.

يقول: وما أحسب القيامة قائمة يوم تقوم.

يقول: وإن قامت أيضا القيامة, ورددت إلى الله حيا بعد مماتي.

يقول: إن لي عنده غنى ومالا.

كما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى ) يقول: غنى.

يقول تعالى ذكره: فلنخبرن هؤلاء الكفار بالله, المتمنين عليه الأباطيل يوم يرجعون إليه بما عملوا في الدنيا من المعاصي, واجترحوا من السيئات, ثم لنجازينّ جميعهم على ذلك جزاءهم.

وذلك العذاب الغليظ تخليدهم في نار جهنم, لا يموتون فيها ولا يحيون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولئن أذقناه رحمة منا عاقبة ورخاء وغنى من بعد ضراء مسته ضر وسقم وشدة وفقر .

ليقولن هذا لي أي هذا شيء أستحقه على الله لرضاه بعملي ، فيرى النعمة حتما واجبا على الله تعالى ، ولم يعلم أنه ابتلاه بالنعمة والمحنة ، ليتبين شكره وصبره .

وقال ابن عباس : هذا لي أي : هذا من عندي .

وما أظن الساعة قائمة ولإن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى [ ص: 333 ] أي الجنة ، واللام للتأكيد .

يتمنى الأماني بلا عمل .

قال الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب : للكافر أمنيتان ، أما في الدنيا فيقول : لإن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ، وأما في الآخرة فيقول : يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين و " يا ليتني كنت ترابا " .

فلننبئن الذين كفروا بما عملوا أي لنجزينهم .

قسم أقسم الله عليه .

ولنذيقنهم من عذاب غليظ شديد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم قال تعالى: { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ } أي: الإنسان الذي يسأم من دعاء الخير، وإن مسه الشر فيئوس قنوط { رَحْمَةً مِنَّا } أي: بعد ذلك الشر الذي أصابه، بأن عافاه الله من مرضه، أو أغناه من فقره، فإنه لا يشكر الله تعالى، بل يبغى، ويطغى، ويقول: { هَذَا لِي } أي: أتاني لأني له أهل، وأنا مستحق له { وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً } وهذا إنكار منه للبعث، وكفر للنعمة والرحمة، التي أذاقها الله له.

{ وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى } أي: على تقدير إتيان الساعة، وأني سأرجع إلى ربي، إن لي عنده، للحسنى، فكما حصلت لي النعمة في الدنيا، فإنها ستحصل ]لي[ في الآخرة وهذا من أعظم الجراءة والقول على الله بلا علم، فلهذا توعده بقوله: { فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } أي: شديد جدًا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولئن أذقناه رحمة منا ) آتيناه خيرا وعافية وغنى ، ( من بعد ضراء مسته ) من بعد شدة وبلاء أصابته ، ( ليقولن هذا لي ) أي : بعملي وأنا محقوق بهذا ، ( وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ) يقول هذا الكافر : لست على يقين من البعث ، فإن كان الأمر على ذلك ، ورددت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ، أي : الجنة ، أي : كما أعطاني في الدنيا سيعطيني في الآخرة .

( فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : لنقفنهم على مساوئ أعمالهم ، ( ولنذيقنهم من عذاب غليظ ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولئن» لام قسم «أذقناه» آتيناه «رحمة» غنى وصحة «منا من بعد ضراء» شدة وبلاء «مسته ليقولن هذا لي» أي بعلمي «وما أظن الساعة قائمة ولئن» لام قسم «رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى» أي الجنة «فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ» شديد، واللام في الفعلين لام قسم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولئن أذقنا الإنسان نعمة منا من بعد شدة وبلاء لم يشكر الله تعالى، بل يطغى ويقول: أتاني هذا؛ لأني مستحق له، وما أعتقد أن الساعة آتية، وذلك إنكار منه للبعث، وعلى تقدير إتيان الساعة وأني سأرجع إلى ربي، فإن لي عنده الجنة، فلنخبرن الذين كفروا يوم القيامة بما عملوا من سيئات، ولنذيقنهم من العذاب الشديد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حالة أخرى من حالات هذا الإِنسان فقال ( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى .

.

.

) .أى : ولئن أعطينا هذا الإِنسان الجحود نعمة منا تتعلق بالمال أو بالصحة أو بغيرهما ، من بعد أن كان فقيرا أو مريضا .

.

ليقولن على سبيل الغرور والبطر : هذا الذى أعطيته شئ استحقه ، لأنه جاءنى بسبب جهدى وعلمى .ثم يضيف إلى ذلك قوله : ( وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً ) أى : وما أعتقد أن هناك بعثا أو حسابا أو جزاء .( وَلَئِن رُّجِعْتُ إلى ربي ) على سبيل الغرض والتقدير ( إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى ) أى إن لى عنده ما هو أحسن وأفضل مما أنا فيه من نعم فى الدنيا .وقوله - تعالى - ( فَلَنُنَبِّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ) بيان للعاقبة السيئة التى يكون عليها هذا الإِنسانت الجاحد .أى : فلنعلمن هؤلاء الكافرين بأعمالهم السيئة ، ولنرينهم عكس ما اعتقدوا بأن ننزل بهم الذل والهوان بدل الكرامة والحسنى التى أيقنوا أنهم سيحصلون عليها ، ولنذيقنهم عذابا غليظا ، لا يمكنهم الفكاك منه أو التفصى عنه لشدته وإحاطته بهم من كل جانب ، فهو كالوثاق الغليظ الذى لا يمكن للإِنسان أن يخرج منه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما هدد الكفار في الآية المتقدمة بقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا  ﴾ ومعناه أن جزاء كل أحد يصل إليه في يوم القيامة، وكأن سائلاً قال ومتى يكون ذلك اليوم؟

فقال تعالى إنه لا سبيل للخلق إلى معرفة ذلك اليوم ولا يعلمه إلا الله فقال: ﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة ﴾ وهذه الكلمة تفيد الحصر أي لا يعلم وقت الساعة بعينه إلا الله، وكما أن هذا العلم ليس إلا عند الله فكذلك العلم بحدوث الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا عند الله سبحانه وتعالى، ثم ذكر من أمثلة هذا الباب مثالين أحدهما: قوله: ﴿ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثمرات مّنْ أَكْمَامِهَا ﴾ والثاني: قوله: ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ قال أبو عبيدة أكمامها أوعيتها وهي ما كانت فيه الثمرة واحدها كم وكمة، قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم (من ثمرات) بالألف على الجمع والباقون (من ثمرة) بغير ألف على الواحد.

واعلم أن نظير هذه الآية قوله: ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزّلُ الغيث  ﴾ إلى آخر لآية، فإن قيل أليس أن المنجمين قد يتعرفون من طالع سنة العالم أحوالاً كثيرة من أحوال العالم، وكذلك قد يتعرفون من طوالع الناس أشياء من أحوالهم، وهاهنا شيء آخر يسمى علم الرمل وهو كثير الإصابة وأيضاً علم التعبير بالاتفاق قد يدل على أحوال المغيبات، فكيف الجمع بين هذه العلوم المشاهدة وبين هذه الآية؟

قلنا إن أصحاب هذه العلوم لا يمكنهم القطع والجزم في شيء من المطالب ألبتة وإنما الغاية القصوى ادعاء ظن ضعيف والمذكور في هذه الآية أن علمها ليس إلا عند الله والعلم هو الجزم واليقين وبهذ لطريق زالت المنافاة والمعاندة والله أعلم، ثم إنه تعالى لما ذكر القيامة أردفه بشيء من أحوال يوم القيامة، وهذا الذي ذكره هاهنا شديد التعلق أيضاً بما وقع الابتداء به في أول السورة، وذلك لأن أول السورة يدل على أن شدة نفورهم عن استماع القرآن إنما حصلت من أجل أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى التوحيد وإلى البراءة عن الأصنام والأوثان بدليل أنه قال في أول السورة ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ  ﴾ فذكر في خاتمة السورة وعيد القائلين بالشركاء ولأنداد فقال: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِى ﴾ أي بحسب زعمكم واعتقادكم ﴿ قَالُواْ آذناك ﴾ قال ابن عباس أسمعناك كقوله تعالى: ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا وَحُقَّتْ  ﴾ بمعنى سمعت، وقال الكلبي أعلمناك وهذا بعيد، لأن أهل القيامة يعلمون الله ويعلمون أنه يعلم الأشياء علماً واجباً، فالإعلام في حقه محال.

ثم قال: ﴿ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ وفيه وجوه: الأول: ليس أحد منا يشهد بأن لك شريكاً، فالمقصود أنهم في ذلك اليوم يتبرءون من إثبات الشريك لله تعالى الثاني: ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم لا يبصرونها في ساعة التوبيخ الثالث: أن قوله: ﴿ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ كلام الأصنام فإن الله يحييها، ثم إنها تقول ما منا من أحد يشهد بصحة ما أضافوا إلينا من الشركة، وعلى هذا التقدير فمعنى أنها لا تنفعهم فكأنهم ضلوا عنهم.

ثم قال: ﴿ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ ﴾ وهذا ابتداء كلام من الله تعالى يقول إن الكفار ظنوا أولاً ثم أيقنوا أنه لا محيص لهم عن النار والعذاب، ومنهم من قال إنهم ظنوا أولاً أنه لا محيص لهم عن النار ثم أيقنوا ذلك بعده، وهذا بعيد لأن أهل النار يعلمون أن عقابهم دائم، ولما بيّن الله تعالى من حال هؤلاء الكفار أنهم بعد أن كانوا مصرين على القول بإثبات الشركاء والأضداد لله في الدنيا تبرءوا عن تلك الشركاء في الآخرة بين أن الإنسان في جميع الأوقات متبدل الأحوال متغير المنهج، فإن أحس بخير وقدرة انتفخ وتعظم وإن أحسّ ببلاء ومحنة ذبل، كما قيل في المثل: إن هذا كالقرلى، إن رأى خيراً تدلى، وإن رأى شراً تولى، فقال: ﴿ لاَّ يَسْأمُ الإنسان مِن دُعَاء الخير وَإِن مَّسَّهُ الشر فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ يعني أنه في حال الإقبال ومجيء المرادات لا ينتهي قط إلى درجة إلا ويطلب الزيادة عليها ويطمع بالفوز بها، وفي حال الإدبار والحرمان يصير آيساً قانطاً، فالانتقال من ذلك الرجاء الذي لا آخر له إلى هذا اليأس الكلي يدل على كونه مبتدل الصفة متغير الحال وفي قوله: ﴿ يئوس قنوط ﴾ مبالغة من وجهين: أحدهما: من طريق بناء فعول والثاني: من طريق التكرير واليأس من صفة القلب، والقنوط أن يظهر آثار ليأس في الوجه والأحوال الظاهرة.

ثم بيّن تعالى أن هذا الذي صار آيساً قانطاً لو عاودته النعمة والدولة، وهو المراد من قوله: ﴿ وَلَئِنْ أذقناه رَحْمَةً مّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ ﴾ فإن هذا الرجل يأتي بثلاثة أنواع من الأقاويل الفاسدة والمذاهب الباطلة الموجبة للكفر والبعد عن الله تعالى فأولها أنه لابد وأن يقول هذا لي وفيه وجهان الأول: معناه أن هذا حقي وصل إلي، لأني استوجبته بما حصل عندي من أنواع الفضائل وأعمال البر والقربة من الله ولا يعلم المسكين أن أحداً لا يستحق على الله شيئاً، وذلك لأنه إن كان ذلك الشخص عارياً عن الفضائل، فهذا الكلام ظاهر الفساد وإن كان موصوفاً بشيء من الفضائل والصفات الحميدة، فهي بأسرها إنما حصلت له بفضل الله وإحسانه، وإذ تفضل الله بشيء على بعض عبيده، امتنع أن يصير تفضله عليه بتلك العطية سبباً لأن يستحق على الله شيئاً آخر، فثبت بهذا فساد قوله إنما حصلت هذه الخيرات بسبب استحقاقي والوجه الثاني: أن هذا لي أي لا يزول عني ويبقى علي وعلى أولادي وذريتي.

والنوع الثاني: من كلماتهم الفاسدة أن يقول: ﴿ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ﴾ يعني أنه يكون شديد الرغبة في الدنيا عظيم النفرة عن الآخرة، فإذا آل الأمر إلى أحوال الدنيا يقول إنها لي وإذا آل الأمر إلى الآخرة يقول: ﴿ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ﴾ .

والنوع الثالث: من كلماتهم الفاسدة أن يقول ﴿ وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى رَبّي إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى ﴾ يعني أن الغالب على الظن أن القول بالبعث والقيامة باطل، وبتقدير أن يكون حقاً فإن لي عنده للحسنى، وهذه الكلمة تدل على جزمهم بوصولهم إلى الثواب من وجوه: الأول: أن كلمة إن تفيد التأكيد.

الثاني: أن تقديم كلمة لي تدل على هذا التأكيد الثالث: قوله: ﴿ عِندَهُ ﴾ يدل على أن تلك الخيرات حاضرة مهيئة عنده كما تقول لي عند فلان كذا من الدنانير، فإن هذا يفيد كونها حاضرة عنده، فلو قلت إن لي عند فلان كذا من الدنانير لا يفيد ذلك والرابع: اللام في قوله: ﴿ للحسنى ﴾ تفيد التأكيد الخامس: للحسنى يفيد الكمال في الحسنى.

ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأقوال الثلاثة الفاسدة قال: ﴿ فَلَنُنَبّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ أي نظهر لهم أن الأمر على ضد ما اعتقدوه وعلى عكس ما تصوروه كما قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً  ﴾ ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ في مقابلة قولهم: ﴿ إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى ﴾ .

ولما حكى الله تعالى أقوال الذي أنعم عليه بعد وقوعه في الآفات حكى أفعاله أيضاً فقال: ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ ﴾ عن التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ﴿ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ أي ذهب بنفسه وتكبر وتعظم، ثم إن مسه الضر والفقر أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع، وقد استعير العرض لكثرة الدماء ودوامه وهو من صفات الأجرام ويستعار له الطول أيضاً كما استعير الغلظ لشدة العذاب.

واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد العظيم على الشرك وبين أن المشركين يرجعون عن القول بالشرك في يوم القيامة، ويظهرون من أنفسهم الذلة والخضوع بسبب استيلاء الخوف عليهم، وبين أن الإنسان جبل على التبدل، فإن وجد لنفسه قوة بالغ في التكبر والتعظم، وإن أحسّ بالفتور والضعف بالغ في إظهار الذلة والمسكنة ذكر عقيبة كلاماً آخر يوجب على هؤلاء الكفار أن لا يبالغوا في إظهار النفرة من قبول التوحيد، وأن لا يفرطوا في إظهار العداوة مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ وتقرير هذا الكلام أنكم كلما سمعتم هذا القرآن أعرضتم عنه وما تأملتم فيه وبالغتم في النفرة عنه حتى قلتم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي ءَاذانِنَا وَقْرٌ  ﴾ ثم من المعلوم بالضرورة أنه ليس العلم بكون القرآن باطلاً علماً بديهياً، وليس العلم بفساد القول بالتوحيد والنبوة علماً بديهياً، فقبل الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً وأن يكون فاسداً بتقدير أن يكون صحيحاً كان إصراركم على دفعه من أعظم موجبات العقاب، فهذا الطريق يوجب عليكم أن تتركوا هذه الثغرة، وأن ترجعوا إلى النظرة والاستدلال فإن دل الدليل على صحته قبلتموه، وإن دل على فساده تركتموه، فأما قبل الدليل فالإصرار على الدفع والإعراض بعيد عن العقل، وقوله: ﴿ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ موضوع موضع منكم بياناً بحالهم وصفاتهم، ولما ذكر هذه الوجوه الكثيرة في تقرير التوحيد والنبوة، وأجاب عن شبهات المشركين وتمويهات الضالين قال: ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الآفاق وَفِي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق ﴾ قال الواحدي واحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض، وكذلك آفاق السماء ونواحيها وأطرافها، وفي تفسير قوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الآفاق وَفِي أَنفُسِهِمْ ﴾ قولان الأول: أن المراد بآيات الآفاق الآيات الفلكية والكوكبية وآيات الليل والنهار وآيات الأضواء والإضلال والظلمات وآيات عالم العناصر الأربعة وآيات المواليد الثلاثة، وقد أكثر الله منها في القرآن، وقوله: ﴿ وَفِي أَنفُسِهِمْ ﴾ المراد منها الدلائل المأخوذة من كيفية تكون الأجنة في ظلمات الأرحام وحدوث الأعضاء العجيبة والتركيبات الغريبة، كما قال تعالى: ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ  ﴾ يعني نريهم من هذه الدلائل مرة بعد أخرى إلى أن تزول الشبهات عن قلوبهم ويحصل فيها الجزم والقطع بوجود الإله القادر الحكيم العليم المنزّه عن المثل والضد، فإن قيل هذا الوجه ضعيف لأن قوله تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ ﴾ يقتضي أنه تعالى ما أطلعهم على تلك الآيات إلى الآن وسيطلعهم عليها بعد ذلك، والآيات الموجودة في العالم الأعلى والأسفل قد كان الله أطلعهم عليها قبل ذلك فثبت أنه تعذر حمل هذا اللفظ على هذا الوجه، قلنا إن القوم وإن كانوا قد رأوا هذه الأشياء إلا أن العجائب التي أودعها الله تعالى في هذه الأشياء مما لا نهاية لها، فهو تعالى يطلعهم على تلك العجائب زماناً فزماناً، ومثاله كل أحد رأى بعينه بنية الإنسان وشاهدها، إلا أن العجائب التي أبدعها الله في تركيب هذا البدن كثيرة وأكثر الناس لا يعرفونها، والذي وقف على شيء منها فكلما ازداد وقوفاً على تلك العجائب والغرائب فصح بهذا الطريق قوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الآفاق وَفِى أَنفُسِهِمْ ﴾ والقول الثاني: أن المراد بآيات الآفاق فتح البلاد المحيطة بمكة وبآيات أنفسهم فتح مكة والقائلون بهذا القول رجّحوه على القول الأول لأجل أن قوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ ﴾ يليق بهذا الوجه ولا يليق بالأول إلا أنا أجبنا عنه بأن قوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ ﴾ لائق بالوجه الأول كما قررناه، فإن قيل حمل الآية على هذا الوجه بعيد لأن أقصى ما في الباب أن محمداً صلى الله عليه وسلم استولى على بعض البلاد المحيطة بمكة، ثم استولى على مكة، إلا أن الاستيلاء على بعض البلاد لا يدل على كون المستولي محقاً، فإنا نرى أن الكفار قد يحصل لهم استيلاء على بلاد الإسلام وعلى ملوكهم، وذلك لا يدل على كونهم محقين، ولهذا السبب قلنا إن حمل الآية على الوجه الأول أولى، ثم نقول إن أردنا تصحيح هذا الوجه، قلنا إنا لا نستدل بمجرد استيلاء محمد صلى الله عليه وسلم على تلك البلاد على كونه محقاً في ادعاء النبوة، بل نستدل به من حيث إنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن مكة أنه يستولي عليها ويقهر أهلها ويصير أصحابه قاهرين للأعداء، فهذا إخبار عن الغيب وقد وقع مخبره مطابقاً لخبره، فيكون هذا إخباراً صدقاً عن الغيب، والإخبار عن الغيب معجزة، فبهذا الطريق يستدل بحصول هذا الاستيلاء على كون هذا الدين حقاً.

ثم قال: ﴿ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَّهُ على كُلّ شَيْء شَهِيدٌ ﴾ وقوله: ﴿ بِرَبّكَ ﴾ في موضع الرفع على أنه فاعل ﴿ يَكُفَّ ﴾ و ﴿ أنه على كل شيء شهيد ﴾ بدل منه، وتقديره: أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد، ومعنى كونه تعالى شهيداً على الأشياء أنه خلق الدلائل عليها، وقد اسقضينا ذلك في تفسير قوله: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله  ﴾ والمعنى ألم تكفهم هذه الدلائل الكثيرة التي أوضحها الله تعالى وقررها في هذه السورة وفي كل سور القرآن الدالة على التوحيد والتنزيه والعدل والنبوة.

ثم ختم السورة بقوله: ﴿ أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مّن لّقَاء رَبّهِمْ ﴾ أي إن القوم في شك عظيم وشبهة شديدة من البعث والقيامة، وقرئ ﴿ فِى مِرْيَةٍ ﴾ بالضم.

ثم قال: ﴿ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَيْء مُّحِيطُ ﴾ أي عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها فيعلم بواطن هؤلاء الكفار وظواهرهم، ويجازي كل أحد على فعله بحسب ما يليق به إن خيراً فخير، وإن شراً فشر فإن قيل قوله: ﴿ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَيْء مُّحِيطُ ﴾ يقتضي أن تكون علومه متناهية، قلنا قوله: ﴿ بِكُلّ شَيْء مُّحِيطُ ﴾ يقتضي أن يكون علمه محيطاً بكل شيء من الأشياء فهذا يقتضي كون كل واحد منها متناهياً، لا كون مجموعها متناهياً، والله أعلم بالصواب.

تم تفسير هذه السورة وقت ظهر الرابع من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة والحمد لله رب العالمين وصلاته على خاتم النبيين محمد وآله وصحبه وسلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مِن دُعَاءِ الخير ﴾ من طلب السعة في المال والنعمة.

وقرأ ابن مسعود: من دعاء بالخير ﴿ وَإِن مَّسَّهُ الشر ﴾ أي الضيقة والفقر ﴿ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ بولغ فيه من طريقين: من طريق بناء فعول، ومن طريق التكرير والقنوط أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر، أي: يقطع الرجاء من فضل الله وروحه، وهذه صفة الكافر بدليل قوله تعالى: ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ [يوسف: 87] وإذا فرجنا عنه بصحة بعد مرض أو سعة بعد ضيق قال: ﴿ هذا لِى ﴾ أي هذا حق وصل إلي؛ لأني استوجبته بما عندي من خير وفضل وأعمال برّ.

أو هذا لي لا يزول عني، ونحوه قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هذه ﴾ [الأعراف: 131] ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ﴾ ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾ [الجاثية: 32] يريد: وما أظنها تكون، فإن كانت على طريق التوهم ﴿ أَنَّ لِى ﴾ عند الله الحالة الحسنى من الكرامة والنعمة، قائساً أمر الآخرة على أمر الدنيا.

وعن بعضهم: للكافر أمنيتان، يقول في الدنيا: ولئن رجعت إلى ربي إنّ لي عنده للحسنى.

ويقول في الآخرة: يا ليتني كنت تراباً.

وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة.

فلنخبرنهم بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب.

ولنبصرنهم عكس ما اعتقدوا فيها أنهم يستوجبون عليها كرامة وقربة عند الله ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً ﴾ [الفرقان: 23] وذلك أنهم كانوا ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلباً للافتخار والاستكبار لا غير، وكانوا يحسبون أنّ ما هم عليه سبب الغنى والصحة، وأنهم محقوقون بذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لا يَسْأمُ الإنْسانُ ﴾ لا يَمَلُّ.

﴿ مِن دُعاءِ الخَيْرِ ﴾ مِن طَلَبِ السَّعَةِ في النِّعْمَةِ، وقُرِئَ «مِن دُعاءٍ بِالخَيْرِ» .

﴿ وَإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ ﴾ الضِّيقَةُ.

﴿ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ مِن فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ وهَذا صِفَةُ الكافِرِ لِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ ﴾ وقَدْ بُولِغَ في يَأْسِهِ مِن جِهَةِ البِنْيَةِ والتَّكْرِيرِ وما في القُنُوطِ مِن ظُهُورِ أثَرِ اليَأْسِ.

﴿ وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ ﴾ بِتَفْرِيجِها عَنْهُ.

﴿ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي ﴾ حَقِّي أسْتَحِقُّهُ لِما لِي مِنَ الفَضْلِ والعَمَلِ، أوْ لِي دائِمًا لا يَزُولُ.

﴿ وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ﴾ تَقُومُ.

﴿ وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ﴾ أيْ ولَئِنْ قامَتْ عَلى التَّوَهُّمِ كانَ لِي عِنْدَ اللَّهِ الحالَةُ الحُسْنى مِنَ الكَرامَةِ، وذَلِكَ لِاعْتِقادِهِ أنَّ ما أصابَهُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا فَلِاسْتِحْقاقٍ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ.

﴿ فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فَلْنُخْبِرَنَّهم.

﴿ بِما عَمِلُوا ﴾ بِحَقِيقَةِ أعْمالِهِمْ ولِنُبَصِّرَنَّهم عَكْسَ ما اعْتَقَدُوا فِيها.

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ لا يُمْكِنُهُمُ التَّقَصِّي عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَئِنْ أذقناه رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِى} وإذا فرجنا عنه بصحة بعد مرض أو سعة بعد ضيق قال هذا لي أي هذا حقي وصل

إليّ لأني استوجبته بما عندي من خير وفضل وأعمال بر أو هذا لي لا يزول عني {وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً} أي ما أظنها تكون قائمة {وَلَئِن رُّجِعْتُ إلى رَبِّى} كما يقول المسلمون {إِنَّ لِى عِندَهُ} عند الله {للحسنى} أي الجنة أو الحالة الحسنى من الكرامة والنعمة قائساً أمر الآخرة على أمر الدنيا {فَلَنُنَبِّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عملوا} فلخبرنهم بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} شديد لا يفتر عنهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ ﴾ أيْ لَئِنْ فَرَّجْنا عَنْهُ بِصِحَّةٍ بَعْدَ مَرَضٍ أوْ سَعَةٍ بَعْدَ ضِيقٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي ﴾ أيْ حَقِّي أسْتَحِقُّهُ لِما لِي مِنَ اَلْفَضْلِ والعَمَلِ لا تَفَضُّلٌ مِنَ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فاللّامُ لِلِاسْتِحْقاقِ أوْ هو لِي دائِمًا لا يَزُولُ فاللّامُ لِلْمِلْكِ وهو يَشْعُرُ بِالدَّوامِ ولَعَلَّ اَلْأوَّلَ أقْرَبُ.

﴿ وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ﴾ أيْ تَقُومُ فِيما سَيَأْتِي ﴿ ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي ﴾ عَلى تَقْدِيرِ قِيامِها ﴿ إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ﴾ أيْ لَلْحالَةَ اَلْحُسْنى مِنَ اَلْكَرامَةِ، والتَّأْكِيدُ بِالقَسَمِ هُنا لَيْسَ لِقِيامِ اَلسّاعَةِ بَلْ لِكَوْنِهِ مَجْزِيًّا بِالحُسْنى بِاسْتِحْقاقِهِ لِلْكَرامَةِ لِاعْتِقادِهِ أنَّ ما أصابَهُ مِن نِعَمِ اَلدُّنْيا لِاسْتِحْقاقِهِ لَهُ وأنَّ نِعَمَ اَلْآخِرَةِ كَذَلِكَ فَلا تَنافِيَ بَيْنَ أنَّ اَلَّتِي اَلْأصْلُ فِيها أنْ تُسْتَعْمَلَ لِغَيْرِ اَلْمُتَّقِينَ وبَيْنَ اَلتَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ وإنَّ واللّامِ وتَقْدِيمِ اَلظَّرْفَيْنِ وصِيغَةِ اَلتَّفْضِيلِ ﴿ فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ﴾ لَنُعْلِمَنَّهم بِحَقِيقَةِ أعْمالِهِمْ ولَنُبْصِرَنَّهم بِعَكْسِ ما اِعْتَقَدُوا فِيها فَيَظْهَرُ لَهم أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلْإهانَةِ لا اَلْكَرامَةِ كَما تَوَهَّمُوا ﴿ ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ لا يُمْكِنُهُمُ اَلتَّفَصِّي عَنْهُ لِشِدَّتِهِ فَهو كَوِثاقٍ غَلِيظٍ لا يُمْكِنُ قَطْعُهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ يعني: لا يعلم قيام الساعة أحد إلا الله.

يعني: يرد الخلق كلهم علم قيام الساعة إلى ربهم.

وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها يعني: من أجوافها.

يعني: حين تطلع، وغلاف كل شيء كلمه أي: تخرج من موضعها الذي كانت فيه.

قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، في إحدى رواية حفص: مِنْ ثَمَراتٍ بلفظ الجمع.

والباقون: مِن ثَمَرَةٍ بلفظ الواحد.

ثم قال: وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ يعني: إلا وهو يعلمه، ولا يعلم أحد قبل الولادة، قبل صفته، ولا يعلم أحد بعد وضعه، كم أجله.

وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ يعني: يدعوهم، أَيْنَ شُرَكائِي يعني: الذين كنتم تدعون من دون الله، قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ يعني: أعلمناك، وقلنا لك: ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ يعني: يشهد بأن لك شريك تبرؤوا من أن يكون مع الله شريك.

وقالوا: ما منا من أحد يشهد لك أنه عبد أحد دونك.

وقال القتبي: هذا قول الآلهة التي كانوا يعبدون في الدنيا.

وما منا من شهيد لهم كما قالوا.

وادعوه في الدنيا فينا.

وَضَلَّ عَنْهُمْ يعني: بطل عنهم، مَّا كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ في الدنيا، وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ يعني: علموا، واستيقنوا ما لهم من ملجأ، ولا مفر من النار.

قوله تعالى: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ يعني: لا يمل الكافر.

قال الضحاك: نزلت في شأن النضر بن الحارث.

مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ يعني: من سؤال الخير.

يعني: العافية في الجسد، والسعة في الرزق.

وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ يعني: أصابته الشدة، والبلاء، والفقر، فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ يعني: آيساً من الخير، قانطاً من رحمة الله تعالى.

ويقال: لا يمل من دعاء الخير، وإذا نزلت به شدة.

يقول: اللهم عافني، وإذا مسه الشر فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ يعني: آيساً من معبوده.

وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا يعني: أصبناه عافية منا، وَغِنًى، مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ يعني: من بعد شدة أصابته، لَيَقُولَنَّ هذا لِي يعني: أنا أهل لهذا، ومستحق له.

ويقال: أنا أحق بهذا.

ويقال: هذا بعملي، وأنا محقوق به.

وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً يعني: ما أحسب القيامة كائنة، وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي يعني: يوم القيامة، إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى يعني: الجنة ولئن كان يوم القيامة، كما يقول محمد  فلي الجنة.

يقول الله تعالى: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: لنخبرنهم، بِما عَمِلُوا من أعمالهم الخبيثة، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ يعني: لنجزينهم، مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ يعني: عذاب شديد لا يفتر عنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠)

وقوله تعالى: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ...

الآية، المعنى: إنَّ علم الساعة ووقتَ مجيئها يَرُدُّهُ كلّ مؤمن متكلّم فيه إلى الله عز وجل.

وقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي ...

الآية، التقدير: واذكر يوم يناديهم، والضمير في يُنادِيهِمْ الأظهر والأسبق فيه للفهم: أنَّه يريد الكفارَ عَبَدَةَ الأوثان، ويحتمل أنْ يريد كلَّ مَنْ عُبِدَ من دون اللَّه من إنسانٍ وغَيْرِهِ، وفي هذا ضَعْفٌ، وأَمَّا الضمير/ في قوله: وَضَلَّ عَنْهُمْ فلا احتمال لِعَوْدَتِهِ إلاَّ على الكفار، وآذَنَّاكَ قال ابن عباس وغيره: معناه: أعلمناك ما مِنَّا مَنْ يشهدُ، ولا مَنْ شَهِدَ بأنَّ لك شريكاً وَضَلَّ عَنْهُمْ أي:

نَسُوا ما كانوا يقولُونَ في الدنيا، ويَدْعُونَ من الآلهة والأصنام، ويحتمل أن يريد: وضَلَّ عنهم الأصنام، أي: تلفت، فلم يجدوا منها نَصْراً، وتلاشى لهم أمْرُهَا.

وقوله: وَظَنُّوا يحتمل أنْ يكونَ متَّصِلاً بما قبله، ويكون الوقْفُ عليه، ويكون قوله: مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ استئنافاً، نفَى أنْ يكُونَ لهم مَلْجَأً أو موضِعَ رَوَغَانٍ، تقول:

حَاصَ الرَّجُلُ: إذَا رَاغَ لِطَلَبِ النجاةِ مِنْ شَيْءٍ ومنه الحديثُ: «فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إلَى الأَبْوَابِ» «١» ، ويكونَ الظَّنُّ على هذا التأويل على بابه، أي: ظَنُّوا أَنَّ هذه المقالة مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ مَنْجَاةٌ لهم، أو أمر يموِّهون به، ويحتمل أنْ يكون الوقف في قوله: مِنْ قَبْلُ، ويكون وَظَنُّوا متصلاً بقوله: مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ أي: ظنوا ذلك، ويكون الظن على هذا التأويل بمعنى اليقين، وقد تقدَّم البحثُ في إطلاق الظن على اليقين.

ت: وهذا التأويلُ هو الظاهرُ، والأوَّلُ بعيدٌ جدًّا.

وقوله تعالى: لاَّ يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ هذه آياتٌ نزلَتْ في كفّار، قيل: في

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْأمُ الإنْسانُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ الكافِرُ؛ فالمَعْنى: لا يَمَلُّ الكافِرُ ﴿ مِن دُعاءِ الخَيْرِ ﴾ أيْ: مِن دُعائِهِ بِالخَيْرِ، وهو المالُ والعافِيَةُ.

﴿ وَإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ ﴾ وهو الفَقْرُ والشِّدَّةُ؛ والمَعْنى: إذا اخْتُبِرَ بِذَلِكَ يَئِسَ مِن رَوْحِ اللَّهِ، وقَنِطَ مَن رَحْمَتِهُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اليَؤُوسُ، فَعُولٌ مِن يَأسَ، والقَنُوطُ، فَعُولٌ مَن قَنَطَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا ﴾ أيْ: خَيْرًا وعافِيَةً وغِنًى، ﴿ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي ﴾ أيْ: هَذا واجِبٌ لِي بِعَمَلِي وأنا مَحْقُوقٌ بِهِ، ثُمَّ يَشُكُّ في البَعْثِ فَيَقُولُ: ﴿ وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ﴾ أيْ: لَسْتُ عَلى يَقِينٍ مِنَ البَعْثِ ﴿ وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ، أيْ: كَما أعْطانِي في الدُّنْيا يُعْطِينِي في الآخِرَةِ ﴿ فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ: لِنُخْبِرَنَّهم بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ.

وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ [إبْراهِيمَ: ١٧، الإسْراءِ: ٨٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنَأى بِجانِبِهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَنَأى" مِثْلُ "نَعى" .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَناءَ" مَفْتُوحَةَ النُّونِ مَمْدُودَةً والهَمْزَةُ بَعْدَ الألِفِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "نِئِيَ" مَكْسُورَةَ النُّونِ والهَمْزَةِ.

﴿ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى العَرِيضِ: الكَثِيرُ، وإنْ وصَفْتَهُ بِالطُّولِ أوْ بِالعَرْضِ جازَ في الكَلامِ.

﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ ﴾ القُرْآنُ ﴿ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مِن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ ﴾ أيْ: خِلافٍ لِلْحَقِّ ﴿ بَعِيدٍ ﴾ عَنْهُ؟!

وهو اسْمٌ؛ والمَعْنى: فَلا أحَدَ أضَلُّ مِنكم.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ: ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ في شِقاقٍ لِلْحَقِّ وبُعْدٍ عَنِ الصَّوابِ؟!

فَجُعِلَ مَكانَ هَذا باقِي الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ ﴾ ﴿ وَضَلَّ عنهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ ﴿ لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ المَعْنى: أنَّ وقْتَ عِلْمِ الساعَةِ ومَجِيئِها يَرُدُّهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مُتَكَلِّمٍ فِيهِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ تَعالى الثِمارَ وخُرُوجَها مِنَ الأكْمامِ وحَمْلَ الإناثِ مِثالًا لِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ إذْ كَلُّ شَيْءٍ خَفِيٌّ، فَهو في حُكْمِ هَذَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: [مِن ثَمَرَةِ] بِالإفْرادِ عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: [مِن ثَمَراتِ] بِالجَمْعِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والأعْرَجِ، والحَسَنِ - بِخِلافٍ - وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "فِي ثَمَرَةٍ".

و"الأكْمامُ" جَمْعُ كُمٍّ، وهو غِلافُ التَمْرِ قَبْلَ ظُهُورِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ ﴾ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ يُنادِيهِمْ، والضَمِيرُ في ﴿ "يُنادِيهِمْ" ﴾ ظاهِرُهُ والأسْبَقُ فِيهِ أنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الكُفّارَ عَبَدَةَ الأوثانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ كُلَّ مَن عُبِدَ مَن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى مِن إنْسانٍ وغَيْرِهِ، وفي هَذا ضَعْفٌ.

وأمّا الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَضَلَّ عنهُمْ ﴾ فَلا احْتِمالٌ لِعَوْدَتِهِ، إلّا عَلى الكُفّارِ.

و[آذَنّاكَ] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: أعْلَمْناكَ ما مِنّا مِن يَشْهَدُ ولا مَن شَهِدَ بِأنَّ لَكَ شَرِيكًا.

و" ضَلَّ عنهم " أيْ نَسُوا ما كانُوا يَقُولُونَ في الدُنْيا ويَدْعُونَ مِنَ الآلِهَةِ والأصْنامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وضَلَّ عنهُمُ الأصْنامَ، أيْ تَلْفِتُ عنهُمْ، فَلَمْ يَجِدُوا مِنها نَصْرًا وتَلاشى لَهم أمْرَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [وَظَنُّوا]﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِما قَبِلَهُ ويَكُونُ الوَقْفُ عَلَيْهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ اسْتِئْنافٌ، نَفى أنْ يَكُونَ لَهم مَنجى أو مَوْضِعُ رَوَغانِ، تَقُولُ: حاصَ الرَجُلُ، إذا راغَ يَطْلُبُ النَجاةَ مِن شَيْءٍ، ومِنهُ في الحَدِيثِ: « "فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ"،» ويَكُونُ الظَنُّ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَلى بابِهِ، أيْ: ظَنُّوا أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ ﴿ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ ﴾ مَنجاةٌ لَهم أو أمْرٌ يُمَوِّهُونَ بِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ، ويَكُونُ [وَظَنُّوا] مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ ، أيْ: ظَنُّوا ذَلِكَ، ويَكُونُ الظَنُّ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِمَعْنى اليَقِينِ، وبِهِ فَسَّرَ السَدِّيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِبارَةٌ يُطْلِقُها أهْلُ اللِسانِ عَلى الظَنِّ، ولَسْتَ تَجِدُ ذَلِكَ، إلّا فِيما عَلِمَ عِلْمًا قَوِيًّا وتَقَرَّرَ في النَفْسِ ولَمْ يَتَلَبَّسْ بِهِ بَعْدُ، وإلّا فَمَتى تَلْبَسُ بِالشَيْءِ وحَصَلَ تَحْتَ إدْراكِ الحَواسِّ، فَلَسْتُ تَجِدُهم يُوقِعُونَ عَلَيْهِ لَفْظَةَ الظَنِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْأمُ الإنْسانُ ﴾ آياتٌ نَزَلَتْ في كُفّارٍ، قِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وَقِيلَ: في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وجُلُّ الآيَةِ يُعْطِي أنَّها نَزَلَتْ في كُفّارٍ وإنْ كانَ أوَّلُها يَتَضَمَّنُ خُلُقًا رُبَّما شارَكَ فِيها بَعْضُ المُؤْمِنِينَ، و"دُعاءُ الخَيْرِ" إضافَتُهُ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِن دُعاءِ الخَيْرِ هُوَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مِن دُعاءٍ بِالخَيْرِ" والخَيْرُ في هَذِهِ الآيَةِ: المالُ والصِحَّةُ، وبِذَلِكَ تَلِيقُ الآيَةُ بِالكافِرِينَ، وإنْ قَدَّرْناهُ خَيْرَ الآخِرَةِ فَهي لِلْمُؤْمِنِينَ، وأمّا اليَأْسُ والقَنَطُ عَلى الإطْلاقِ، فَمِن صِفَةِ الكافِرِ وحْدَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي ﴾ أيْ بِفِعْلِي وبِما سَعَيْتُ، ولا يَرى أنَّ النِعَمَ إنَّما هي بِتَفَضُّلٍ مِنَ اللهِ تَعالى، ﴿ وَما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً ﴾ قَوْلٌ بَيِّنٌ فِيهِ الجُحْدُ والكُفْرُ، ثُمَّ يَقُولُ هَذا الكافِرُ: ولَئِنْ كانَ ثَمَّ رُجُوعٍ كَما تَقُولُونَ، لَتَكُونَنَّ لِي حالٌ تُرْضِينِي مِن غِنًى ومالٍ وبَنِينٍ، فَتَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ سَيُعَرِّفُهم بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ مَعَ إذاقَتِهِمِ العَذابُ عَلَيْها، فَهَذا عَذابٌ وخِزْيٌ، وغَلْظَةُ العَذابِ: شِدَّتُهُ وصُعُوبَتُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لِلْكافِرِ أُمْنِيَّتانِ، أمّا في دُنْياهُ فَهَذِهِ: ﴿ إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ﴾ ، وأمّا في الآخِرَةِ فَـ"لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأمانِي عَلى اللهِ تَعالى وتَرْكُ الجَدِّ في الطاعَةِ مَذْمُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ، وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَنِ اتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها، وتَمَنّى عَلى اللهِ الأمانِيَ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ مَّحِيصٍ * لاَّ يَسْھَمُ الانسان مِن دُعَآءِ الخير وَإِن مَّسَّهُ الشر فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ ﴿ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أذقناه رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِى ﴾ .

اعتراض بين أجزاء الوعيد.

والمعنى: وعلموا ما لهم من محيص.

وقد كانوا إذا أصابتهم نعماء كذّبوا بقيام السّاعة فجملة ﴿ لا يسأم الإنسان من دعاء الخير ﴾ إلى قوله: ﴿ قنوط ﴾ تمهيد لجملة ﴿ ولئن أذقناه رحمةً منا ﴾ الخ...

وموقع هذه الآيات عقب قوله ﴿ ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ﴾ [فصلت: 47] الخ يقتضي مناسبة في النّظم داعية إلى هذا الاعتراض فتلك قاضية بأنّ الإنسان المخبر عنه بأنّه لا يسأمُ من دعاء الخير وما عطف عليه هو من صنف النّاس الذين جرى ذِكر قصصهم قبل هذه الآية وهم المشركون، فإمّا أن يكون المراد فريقاً من نوع الإنسان، فيكون تعريف ﴿ الإنسان ﴾ تعريف الجنس العام لكن عمومه عرفي بالقرينة وهو الممَثل له في علم المعاني بقولكَ: جمع الأمير الصاغة.

وإمّا أن يكون المراد إنساناً معيناً من هذا الصنف فيكون التعريف تعريف العهد.

كما أن الإخبار عن الإنسان بأنّه يقول: ما أظنّ الساعة قائمة، صريح أن المخبر عنه من المشركين معيناً كان أو عاماً عموماً عرفياً.

فقيل المراد بالإنسان: المشركون كلّهم، وقيل أريد به مشرك معين، قيل هو الوليد بن المغيرة، وقيل عتبة بن ربيعة.

وأيًّا مَّا كان فالإخبار عن إنسان كافر.

ومحمل الكلام البليغ يرشد إلى أنَّ إناطة هذه الأخبار بصنف من المشركين أو بمشرك معين بعنوان إنسان يومئ بأنّ للجبلة الإنسانية أثراً قوياً في الخُلُق الذي منه هذه العقيدة إلا من عصمه الله بوازع الإيمان.

فأصل هذا الخُلق أمر مرتكز في نفس الإنسان، وهو التوجه إلى طلب الملائم والنافع ونسيان ما عسى أن يحل به من المؤلم والضار، فبذلك يأنس بالخير إذا حصل له فيزداد من السعي لتحصيله ويحسبه كالملازم الذاتي فلا يتدبر في مُعطيه حتى يشكره ويسأله المزيد تخضعاً، وينسى ما عسى أن يطرأ عليه من الضرّ فلا يستعد لدفعه عن نفسه بسؤال الفاعل المختار أن يدفعه عنه ويعيذه منه.

فأما أنّ الإنسان لا يسأم من دعاء الخير فمعناه: أنّه لا يكتفي، فأطلق على الاكتفاء والاقتناع السآمة، وهي الملَل على وجه الاستعارة بتشبيه استرسال الإنسان في طلب الخير على الدوام بالعمل الدائم الذي شأنه أن يسأم منه عامله فنفيُ السآمة عنه رمزٌ للاستعارة.

وفي الحديث: «لوْ أن لابن آدم واديين من ذهب لأحبّ لهما ثالثاً، ولو أن له ثلاثة لأحبّ لهما رابعاً، ولا يملأ عين ابن آدم إلاّ التراب» وقال تعالى: ﴿ وإنّه لِحُبّ الخير لشديد ﴾ [العاديات: 8].

والدعاء: أصله الطلب بالقول، وهو هنا مجاز في الطلب مطلقاً فتكون إضافته إلى الخير من إضافة المصدر إلى ما في معنى المفعول، أي الدعاء بالخير أو طلب الخير.

ويجوز أن يكون الدعاء استعارة مكنية، شبه الخير بعاقل يسأله الإنسان أن يُقبِل عليه، فإضافة الدعاء من إضافة المصدر إلى مفعوله.

وأما أن الإنسان يؤوس قنوط إن مسه الشر فذلك من خُلق قلة صبر الإنسان على ما يتعبه ويَشق عليه فيضجر إن لحقه شرّ ولا يوازي بين ما كان فيه من خير فيقول: لئن مسني الشرّ زمناً لقد حلّ بي الخير أزماناً، فمن الحق أن أتحمل ما أصابني كما نعمت بما كان لي من خير، ثم لا ينتظر إلى حين انفراج الشرّ عنه وينسى الإقبال على سؤال الله أن يكشف عنه الضر بل ييأس ويقنط غضباً وكبراً ولا ينتظر معاودة الخير ظاهراً عليه أثرُ اليأس بانكسار وحزن.

واليأس فعل قلبي هو: اعتقاد عدم حصوله الميؤوس منه.

والقُنوط: انفعال يدني من أثَر اليأس وهو انكسار وتضاؤل.

ولم يذكر هنا أنّه ذو دعاء لله كما ذكر في قوله الآتي: ﴿ وإذا مسه الشرُّ فذو دعاء عريض ﴾ [فصلت: 51].

لأنّ المقصود أهل الشرك وهم إنّما ينصرفون إلى أصنامهم.

وقد جاءت تربية الشريعة للأمّة على ذم القنوط، قال تعالى حكاية عن إبراهيم ﴿ قال ومن يَقنَط من رحمة ربّه إلاّ الضَّالون ﴾ [الحجر: 56]، وفي الحديث «انتظار الفرج بعد الشدّة عبادة».

فالآية وصفت خُلقين ذميمين: أحدهما خلق البطر بالنعمة والغفلة عن شكر الله عليها.

وثانيهما اليأس من رجوع النعمة عند فقدها.

وفي نظم الآية لطائف من البلاغة: الأولى: التعبير عن دوام طلب النّعمة بعَدم السآمة كما علمْتَه.

الثانية: التعبير عن محبّة الخير بدُعاء الخير.

الثالثة: التعبير عن إضافة الضر بالمسّ الذي هو أضعف إحساس الإصابة قال تعالى: ﴿ لا يَمَسُّهم السوء ﴾ [الزمر: 61].

الرّابعة: اقتران شرط مسّ الشر ب ﴿ إنْ ﴾ التي من شأنها أن تدخل على النادر وقوعُه فإن إصابة الشر الإنسانَ نادرة بالنسبة لما هو مغمور به من النعم.

الخامسة: صيغة المبالغة في ﴿ يَؤُوس ﴾ .

السّادسة: إتْباع ﴿ يؤوس ﴾ ب ﴿ قنوط ﴾ الذي هو تجاوز إحساس اليأس إلى ظاهر البدن بالانكسار، وهو من شدّة يَأسه، فحصلت مبالغتان في التّعبير عن يأسه بأنّه اعتقاد في ضميره وانفعال في سحناته.

فالمشرك يتأصّل فيه هذا الخُلق ويتزايد باستمرار الزّمان.

والمؤمن لا تزال تربية الإيمان تكفه عن هذا الخلق حتى يزول منه أو يكاد.

ثم بينت الآية خلقاً آخر في الإنسان وهو أنّه إذا زال عنه كربه وعادت إليه النّعمة نسي ما كان فيه من الشّدة ولم يتفكر في لطف الله به فبطر النّعمةَ، وقال: قد استرجعت خيراتي بحيلتي وتدبيري، وهذا الخير حق لي حصلت عليه، ثمّ إذا كان من أهل الشرك وهم المتحدث عنهم تراه إذا سمع إنذار النبي صلى الله عليه وسلم بقيام الساعة أو هجس في نفسه هاجس عاقبة هذه الحياة قال لمن يدعوه إلى العمل ليوم الحساب أو قال في نفسه ﴿ ما أظنّ السّاعة قائمة ﴾ ولئن فَرَضت قِيام السّاعة على احتمال ضعيف فإنّي سأجد عند الله المعاملة بالحسنى لأنّي من أهل الثراء والرفاهية في الدّنيا فكذلك سأكون يوم القيامة.

وهذا من سوء اعتقادهم أن يحسبوا أحوال الدّنيا مقارنة لهم في الآخرة، كما حكى الله تعالى عن العاصي بن وائل حين اقتضاه خبَّاب بن الأرتِّ مالاً له عنده من أجر صناعةِ سيف فقال له: حتى تكفر بمحمد؟

فقال خبَّاب: لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ويبعثك، فقال: أوَ إنِّي لميّت فمبعوث؟

قال: نعم.

فقال: لئن بعثني الله فسيكون لي مالي فأقضيك، فأنزل الله تعالى: ﴿ أفرَأيت الذي كفَر بآياتنا وقال لأوتيَنَّ مالاً وولداً ﴾ الآيات من سورة مريم (77).

ولَعَل قوله: ﴿ ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ﴾ إنّما هو على سبيل الاستهزاء كما في مقالة العاصي بن وائل.

وذِكر إنكار البعث هنا إدماج بذكر أحوال الإنسان المشرك في عموم أحوال الإنسان.

وجيء في حكاية قوله ﴿ ولئن رجعت ﴾ بحرف (إنْ) الشرطية التي يَغلب وقوعها في الشرط المشكوك وقوعه لأنّه جعل رجوعه إلى الله أمراً مفروضاً ضعيف الاحتمال.

وأما دخول اللام الموطئة للقسم عليه فمورد التحقيق بالقسم هو حصول الجواب لو حصل الشرط.

وكذلك التأكيد ب ﴿ إن ﴾ ولام الابتداء مورده هو جواب الشرط، وكذلك تقديم ﴿ لي ﴾ و ﴿ عنده ﴾ على اسم ﴿ إنَّ ﴾ هو لتقوّي ترتب الجواب على الشرط.

والحسنى: صفة لموصوف محذوف، أي الحالة الحسنى، أو المعاملة الحسنى.

والأظهر أن الحسنى صارت اسماً للإحسان الكثير أخذاً من صيغة التفضيل.

واعلم أن الإنسان متفاوتة أفراده في هذا الخُلق المعزوّ إليه هنا على تفاوت أفراده في الغرور، ولما كان أكثر النّاس يومئذٍ المشركين كان هذا الخلق فاشياً فيهم يقتضيه دين الشرك.

ولا نظر في الآية لمن كان يومئذٍ من المسلمين لأنهم النادر، على أن المسلم قد يخامره بعض هذا الخلق وترتسم فيه شِيَات منه ولكن إيمانه يصرفه عنه انصرافاً بقدر قوة إيمانه، ومعلوم أنّه لا يبلغ به إلى الحد الذي يقول ﴿ وما أظنّ الساعة قائمة ﴾ ، ولكنه قد تجري أعمال بعض المسلمين على صورة أعمال من لا يظنّ أن الساعة قائمة مثل أولئك الذّين يأتون السيئات ثم يقولون: إن الله غفور رحِيم، والله غني عن عذابنا، وإذا ذكر لهم يوم الجزاء قالوا: ما ثَمّ إلا الخير ونحو ذلك، فجعل الله في هذه الآية مذمّة للمشركين وموعظة للمؤمنين كمَداً للأوّلين وانتشالاً للآخرين.

﴿ للحسنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ ﴾ .

تفريع على جملة ﴿ ويوم يناديهم أين شركائي ﴾ [فصلت: 47] وما اتصل بها أي فلنعلمنّهم بما عَمِلوا عَلناً يعلَمُون به أنّا لا يخفى علينا شيء مما عملوه وتقريعاً لهم.

وقول: ﴿ الذين كفروا ﴾ إظهار في مقام الإضمار، ومقتضى الظّاهر أن يقال: ولننبئنّهم بما عملوا، فعدل إلى الموصول وصلته لما تؤذن به الصلة من علة استحقاقهم الإذاقة بما عملوا وإذاقة العذاب.

وقوله: ﴿ ولنذيقنهم من عذاب غليظ ﴾ هو المقصود من التفريع.

والغليظ حقيقته: الصلب، قال تعالى: ﴿ فاستغلظ فاستوى على سوقه ﴾ [الفتح: 29]، وهو هنا مستعار للقويّ في نوعه، أي عذاب شديد الإيلام والتعذيب، كما استعير للقساوة في المعاملة في قوله ﴿ واغلظ عليهم ﴾ [التوبة: 73] وقوله: ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ [التوبة: 123].

والإذاقة: مجاز في مطلق الإصابة في الحسّ لإطماعهم أنّها إصابة خفيفة كإصابة الذوق باللّسان.

وهذا تجريد للمجاز كما أن وصفه بالغليظ تجريد ثان فحصل من ذلك ابتداء مُطمِع وانتهاء مُؤيِس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ ﴾ أيْ لا يَمَلُّ مِن دُعائِهِ بِالخَيْرِ، والخَيْرُ هُنا المالُ والصِّحَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، والإنْسانُ هُنا يُرادُ بِهِ الكافِرُ.

﴿ وَإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ يَعْنِي الفَقْرَ والمَرَضَ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَؤُوسٌ مِنَ الخَيْرِ قَنُوطٌ مِنَ الرَّحْمَةِ.

الثّانِي: يَؤُوسٌ مِن إجابَةِ الدُّعاءِ، قَنُوطٌ بِسُوءِ الظَّنِّ بِرَبِّهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: رَخاءٌ بَعْدَ شِدَّةٍ.

الثّانِي: غِنًى بَعْدَ فَقْرٍ.

﴿ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هَذا بِاجْتِهادِي.

الثّانِي: هَذا بِاسْتِحْقاقِي.

﴿ وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ﴾ إنْكارًا مِنهُ لِلْبَعْثِ والجَزاءِ مَعَ ما حُظَّ بِهِ مِنَ النِّعْمَةِ والرَّخاءِ ودُفِعَ عَنْهُ مِنَ الضُّرِّ والبَلاءِ.

﴿ وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ﴾ الآيَةَ.

إنْ كانَ كَما زَعَمْتُمْ رَجْعَةٌ وجَزاءٌ فَإنَّ لِي عِنْدَهُ آجِلًا مِثْلَ ما أوْلانِيهِ عاجِلًا.

وَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ وتَباعَدَ مِنَ الواجِبِ.

الثّانِي: أعْرَضَ عَنِ الشُّكْرِ وبَعُدَ مِنَ الرُّشْدِ.

الثّالِثُ: أعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ وبَعُدَ مِنَ القَبُولِ.

﴿ وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تامٌّ لِخُلُوصِ الرَّغْبَةِ فِيهِ.

الثّانِي: كَثِيرٌ لِدَوامِ المُواصَلَةِ لَهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ، وإنَّما وُصِفَ التّامُّ والكَثِيرُ بِالعَرِيضِ دُونَ الطَّوِيلِ لِأنَّ العَرْضَ يَجْمَعُ طُولًا وعَرْضًا فَكانَ أعَمَّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكافِرُ يَعْرِفُ رَبَّهُ في البَلاءِ ولا يَعْرِفُهُ في الرَّخاءِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما تخرج من ثمرة من أكمامها ﴾ قال: حين تطلع.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ آذناك ﴾ أعلمناك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ لا يسأم الإِنسان ﴾ قال: لا يمل.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولئن أذقناه رحمة منا..

﴾ الآية.

قال: عافية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق ﴾ قال: كانوا يسافرون فيرون آثار عاد وثمود يقولون والله لقد صدق محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وما أراهم في أنفسهم ﴾ قال: الأمراض.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَيَقُولَنَّ هذا لِي ﴾ أي هذا حقي الواجب لي، وليس تفضلاً من الله ولا يقول هذا إلا كافر، ويدل على ذلك قوله: ﴿ وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً ﴾ وقوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى ﴾ معناه إن بعثت تكون لي الجنة، وهذا تخرص وتكبر، وروي أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة ﴿ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ ذكر في [الإسراء: 83] أي كثير، وذكر الله هذه الأخلاق على وجه الذم لها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الخامس والعشرون من أجزاء القرآن الكريم القراءات: ﴿ ربنا أرنا ﴾ بسكون الراء: ابن كثير وابن عامر وأبو بكر ورويس أبو عمرو بالاختلاس.

الآخرون: بكسر الراء.

﴿ اللذين ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.

﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة.

الباقون: بضم الياء وكسر الحاء ﴿ أعجمي ﴾ بهمزة واحدة: هشام.

وقرأ بتحقيق الهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص إلا الخزاز.

الباقون: بالمد ﴿ ثمرات ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل.

﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ من وراي ﴾ على وزن ﴿ عصاي ﴾ قد مر في سورة مريم ﴿ إلى ربي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ ونأى بجانب ﴾ وقد مر في السورة ﴿ سبحان الذي أسرى ﴾ .

الوقوف: ﴿ والإنس ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال كونه جواب القسم في حق ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ تغلبون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي كائناً لهم فيها ﴿ دار الخلد ﴾ ج ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم بتقدير الجار مع اتحاد المقول ﴿ تدعون ﴾ 5 ط لحق المحذوف أي أصبتم أو وجدتم نزلاً ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع تكرارها للتوكيد ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ يسأمون ﴾ ه سجدة ﴿ اهتزت وربت ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ شئتم ﴾ ه لا ليكون ما بعده دالاً على أنه أمر تهديد ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ لما جاءهم ﴾ ج لأن خبر أن محذوف فيتقدر ههنا أو بعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ كما يجيء ﴿ عزيز ﴾ ه لا لاتصال الصفة ﴿ من خلفه ﴾ ط ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وآياته ﴾ ط ﴿ وعربي ﴾ ط ﴿ وشفاء ﴾ ط ﴿ عمى ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فعليها ﴾ ط ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ج ﴿ شركائي ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ عامل ﴿ يوم ﴾ ﴿ آنذاك ﴾ لا لأنه في معنى القول وقع على الجملة بعده ﴿ من شهيد ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الخير ﴾ ز لاختلاف الجملتين إلا أن مقصود الكلام يتم بهما ﴿ قنوط ﴾ ه ﴿ هذا لي ﴾ لا تحرز إعمالاً يقوله مسلم قائمة كذلك ﴿ للحسنى ﴾ ه ج لابتداء الأمر بالتوكيد مع فاء التعقيب ﴿ عملوا ﴾ إمهالاً للتذكر في الحالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ عريض ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر وعيد الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر.

ومعنى ﴿ قيضنا ﴾ سببنا لهم من حيث لا يحتسبون أو قدرنا أو سلطنا وأصله من القيض وهو البدل، والمقايضة المعاوضة كأن القرينين يصلح كل منهما أن يقوم مقام الآخر.

والقرناء إخوانهم من الشياطين جمع قرين ﴿ فزينوا لهم ما بين أيديهم ﴾ وهو الدنيا وما فيها من الشهوات ﴿ وما خلفهم ﴾ وهو الآخرة بأن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب وقيل: ما بين أيديهم أعمالهم التي عملوها، وما خلفهم ما عزموا على فعله وزينوا لهم فعل مفسدي زمانهم والذين تقدم عصرهم.

والآية على مذهب الأشاعرة واضحة.

وقالت المعتزلة: معناها أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين.

ومعنى ﴿ في أمم ﴾ كائنين في جملة أمم وقد مر في أوائل الأعراف كانوا يقولون إذا سمعتم القرآن من محمد فارفعوا أصواتكم باللغو وهو الساقط من الكلام فنزلت ﴿ وقال الذين كفروا ﴾ الآية.

يقال: لغى بكسر الغين يلغى بالفتح، ولغا يلغو فلهذا قرىء بالضم أيضاً، والمقصود أنهم علموا أن القرآن كلام كامل لفظاً ومعنى، وكل من سمعه ووقف على معانيه وأنصف حكم بأنه واجب القبول فدبروا هذا التدبير الفاسد وهو قول بعضهم لبعض ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ إذا قرىء وتشاغلوا عن قراءته برفع الصوت بالمكاء والهذيان والرجز ﴿ لعلكم تغلبون ﴾ القارىء على قراءته فلا يحصل غرضه من التفهيم والإرشاد.

وحين حكى حيلتهم ذكر وعيدهم بقوله ﴿ فلنذيقن ﴾ الآية.

والمضاف في قوله ﴿ أسوأ ﴾ محذوف أي جزاء أسوأ الذي ولذلك أشار اليه بقوله ﴿ ذلك جزاء أعداء الله ﴾ وقوله ﴿ النار ﴾ بدل من الجزاء أو خبر مبتدأ مضمر.

و ﴿ دار الخلد ﴾ موضع المقام.

قال الزجاج: هو كما يقول لك في هذه الدار دار السرور وأنت تعني الدار بعينها وقد وضع قوله ﴿ بما كانوا بآياتنا يجحدون ﴾ موضع أن لو قال بما كانوا يلغون إقامة للسبب مقام المسبب ثم حكى عنهم ما سيقولون في النار وهو قولهم ﴿ ربنا أرنا ﴾ أي أبصرنا ﴿ اللذين أضلانا من الجن والإنس ﴾ وذلك أن الشياطين ضربان: جني وإنسي، وقد ورد في القرآن كثيراً، وقيل: هما إبليس الذي سن الكفر، وقابيل الذي سن القتل.

ومن قرأ بسكون الراء فلثقل الكسرة.

وقد يقال: معناه إذ ذاك أعطناه.

وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر فمعناه بصرنيه، وإذا قلت بالسكون فهو بمعنى الإعطاء ونظيره اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء وأصله الإحضار.

﴿ نجعلهما تحت أقدامنا ﴾ أي نطأهما إذلالاً وإهانة ﴿ ليكونا من الأسفلين ﴾ الأذلين وقيل: في الدرك الأسفل.

وتأوله بعض حكماء الإسلام بأنهما الشهوة والغضب المشار إليهما في قوله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  ﴾ كأنهم سألوا توفيق أن يجعلوا القرينين تحت قدم النفس الناطقة.

وحين أطنب في الوعيد أردفه بالوعد على العادة المستمرة فقوله ﴿ ربنا الله ﴾ إشارة إلى العلوم النظرية التي هذه المسألة رأسها وأصلها.

وقوله ﴿ ثم استقاموا ﴾ إشارة إلى الحكمة العملية وجملتها الاستقامة على الوسط دون الميل إلى أحد شقي الإفراط والتفريط كما سبق تقرير ذلك في تفسير قوله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم  ﴾ ومعنى "ثم" تراخي الاستقامة في الرتبة عن الإقرار، وفيه أن حصول العلوم النظرية بدون القسم العملي كشجرة بلا ثمرة.

وقال أهل العرفان: قالوا ربنا الله يوم الميثاق في عالم الأرواح، ثم استقاموا على ذلك في عالم الأشباح.

وعن أبي بكر الصديق: معناه لم يلتفتوا إلى إله غيره.

﴿ تتنزل عليهم الملائكة ﴾ عند الموت أو عنده وفي القبر وفي القيامة.

و "أن" مفسرة أو مخففة.

ولقد فسرنا الخوف والحزن مراراً والإبشار لازم.

قال الجوهري: يقال بشرته بمولود فأبشر إبشاراً.

وقوله ﴿ ألا تخافوا ولا تحزنوا ﴾ إشارة إلى رفع المضار في المآل وفي الحال.

وقوله ﴿ وأبشروا ﴾ إخبار عن حصول المنافع.

وقوله ﴿ نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا ﴾ يقابل قوله ﴿ وقضينا لهم قرناء ﴾ فللملائكة تأثيرات في الأرواح بالإلهامات الحسنة والخواطر الشريفة كما للشياطين تأثيرات بإلقاء الوساوس والهواجس، وقد تقدم في أول الكتاب في تفسير الاستعاذة.

وإذا كانت هذه الولاية ثابتة في الدنيا بحكم المناسبة النورية كانت بعد الموت أقوى وأظهر لزوال العلائق الجسمانية.

وقيل: في الحياة الدنيا بالاستغفار.

﴿ وفي الآخرة ﴾ بالشفاعة.

وقيل: كنا نحفظكم في الدنيا ولا نفارقكم في الآخرة حتى تدخلوا الجنة ﴿ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ﴾ يعني الحظوظ الجسمانية ﴿ ولكم فيها ما تدعون ﴾ أي تمنون من المواهب الروحانية، وقد مر في "يس" سائر الوجوه.

والنزل ما يهيأ للضيف وقد مر.

وفي ذكر الغفور الرحيم ههنا مناسبة لا تخفى.

قال أهل النظم إن القوم لما أتوا بأنواع السفاهة والإيذاء كقولهم ﴿ قلوبنا غلف  ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ حرض  نبيه  على مواظبة التبليغ والدعوة واحتمال أعباء الرسالة والتزام السيرة الفاضلة إظهار المزية على الجهال وتحصيلاً للغرض بالرفق واللطف ما أمكن فقال ﴿ ومن أحسن قولاً ﴾ ووجه آخر في النظم وهو أنه لما مدح الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وذكر جزاءهم وهم أهل الكمال، أراد أن يبين حال المشتغلين بتكميل الناقصين.

زعم بعض المفسرين أن المراد بهذا الدعاء الأذان، والعمل الصالح الصلاة بين الأذان والإقامة، ورفعوه إلى عائشة.

والأصح أنه عام لجميع الأئمة والدعاة إلى طاعة الله وتوحيده، ولا ريب أن مصطفاهم ومقتداهم هو رسول الله  وآله وبعده العلماء بالله وهم الحكماء المتألهون، وبعدهم العلماء بصفات الله وهم الأصوليون، ثم العلماء بأحكام الله وهم الفقهاء، ثم الملوك العادلون الذين يدعون إلى الله بالسيف والسبب.

وفي الاستفهام الإنكاري دلالة على أنه لا قول أحسن من الدعاء إلى الله فمن زعم أنه الأذان ذهب إلى أنه واجب وإلا لكان الواجب أحسن منه.

ونوقض بأنا نعلم بالدلائل اليقينية أن الدعوة إلى الدين القويم بالحجة أو السيف أحسن من الأذان فلا يدخل الأذان تحت الآية.

قال جار الله: ليس معنى قوله ﴿ وقال إنني من المسلمين ﴾ أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن المراد أنه جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده كما تقول: هذا قول أبي حنيفة.

وقال آخرون: أراد به التلفظ به تفاخراً بالإسلام وتمدحاً.

وزعموا أن فيه إبطال قول من جوز: أنا مسلم إن شاء الله.

فإنه لو كان ذلك معتبراً لورد في الآية كذلك ولا يخفى ضعفه، فإن التجويز غير الإيجاب.

ثم صبر رسوله  على سفاهة الكفار وعلمه الأدب الجميل في باب الدعاء أي الدين بل في مطلق أمور التمدن فقال ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ﴾ "لا" زائدة لتأكيد نفي الاستواء، والمعنى لا تستوي الحسنة والسيئة قط ومثالهما الإيمان والشرك والحلم والغضب والطاعة والمعصية واللطف والعنف ثم إن سائلاً كأنه سأل: فكيف نصنع؟

فأجيب ﴿ ادفع بالتي هي أحسن ﴾ فإن الحسنة أحسن من السيئة كما يقال: الصيف أحر من الشتاء وذهب صاحب الكشاف إلى أن "لا" غير مزيدة والمعنى أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة.

مثاله: رجل أساء إليك فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إسائته.

قال: ومن جعل "لا" مزيدة فالقياس على تفسيره أن يقال: ادفع بالتي هي حسنة.

ولكنه وضع أحسن موضع الحسنة ليكون أبلغ لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما هو دونها.

قال العارفون: الحسنة التوجه إلى الله بصدق الطلب، والسيئة الالتفات إلى غيره.

﴿ فإذا الذي ﴾ إذا فعلت ذلك انقلب عدوك ولياً مصافياً.

قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان وكان مؤذياً لرسول الله  فصار يتحاب بعد ذلك لما رأى من لطف رسول الله  وعطفه.

ثم مدح هذه السيرة وأهلها بقوله ﴿ وما يلقاها إلا الذين صبروا ﴾ أي لا يعمل بها إلا كل صبار على تجرع المكاره.

﴿ وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ﴾ من قوة جوهر النفس الناطقة بحيث لا يتأثر من الواردات الخارجية، وقد يفسر الحظ العظيم بالثواب الجزيل.

وعن الحسن: ما عظم حفظ دون الجنة.

ثم ذكر طريقاً آخر في دفع الغضب والانتقام قائلاً ﴿ وإما ينزغنك ﴾ وقد مر في آخر الأعراف.

والمعنى إن صرفك الشيطان عما أمرت به فاستعذ بالله من شره وإنما قال ههنا ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ بالفصل وتعريف الخبر ليكون مناسباً لما تقدّمه من قوله ﴿ وما يلقاها ﴾ مؤكداً بالتكرار وبالنفي والإثبات ولم يكن هذا المقتضى في الأعراف فجاء على أصل الاسم معرفة والخبر نكرة.

وحين ذكر أن أحسن الأقوال هو الدعوة إلى الله بين الدلائل على وجوده فقال ﴿ ومن آياته ﴾ الخ.

والضمير في ﴿ خلقهن ﴾ للآيات أو الليل وما عطف عليه.

ولم يغلب المذكر لأن ذلك قياس مع العقلاء.

وفي قوله ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ تزييف لطريقة الصابئين وسائر عبدة الكواكب جهلاً منهم وزعماً أنها الواسطة بين الخلق والإله، فنهوا عن هذا التوسيط لأن ذلك مظنة العبادة المستقلة لرفعة شأنها وارتفاع مكانها، وهذا بخلاف التوجه في الصلاة إلى القبلة فإن الحجر قلما يظن به أنه معبود بالحق والجزم حاصل بأنه لتوحيد متوجهات المصلين عند صلاتهم مع أن للبيت شرفاً ظاهراً في نفسه ﴿ فإن استكبروا ﴾ عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر ﴿ فالذين عند ربك ﴾ عندية بالشرف والرتبة وهم الملائكة المقربون ﴿ يسبحون له بالليل والنهار ﴾ أي على الدوام والاستمرار ﴿ وهم لا يسأمون ﴾ من السآمة والملالة.

والحاصل أنهم إن يمتثلوا ما أمروا به ونهوا عنه وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم فإن ربك لا يعدم عابداً مخلصاً.

ولما فرغ من تقرير الآيات السماوية شرع في الدلائل الأرضية فقال ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ﴾ وأصل الخشوع التذلل فاستعير للأرض التي لا خضرة بها ولا نفع كما وصفها بالهمود وقد مرّ في سورة الحج، وذلك أنها إذا اهتزت وربت أي انتفخت حين يهم النبت بالخروج منها كانت بمنزلة المختال في زيه وهي قبل ذلك كالفقير الكاسف البال المتلبس بثوب أطمار.

وبعد تقرير الدلائل الباهرة ذكر وعيد الملحدين في آياته المنحرفين عن الجادة والوعيد قوله ﴿ لا يخفون علينا ﴾ وكفى به وعيداً.

ثم أكده بالاستفهام على سبيل التقرير وهو قوله ﴿ أفمن يلقى ﴾ الخ.

وقوله ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرف لآمنا أو ليأتي.

ثم هددهم بقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ الخ.

ثم أبدل من قوله ﴿ إن الذين كفروا بالذكر ﴾ أي القرآن لأنهم بكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا معانيه، وعلى هذا فالخبر هو ما تقدم من قوله ﴿ لا يخفون ﴾ وإنه كلام مستأنف.

وعلى هذا فاختلفوا في خبر "إن".

فالأكثرون على أنه ﴿ أولئك ينادون ﴾ وما بينهما اعتراض من تتمة الذكر.

وقيل: خبره ما يقال إذ التقدير ما يقولون لك.

وقيل: هو محذوف.

ثم اختلفوا فقال قوم: إن الذين كفروا بالذكر كفروا لما جاءهم.

وقال آخرون: هلكوا أو يجازون بكفرهم ونحو ذلك، وهذا يمكن تقديره بعد قوله ﴿ لما جاءهم ﴾ وبعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ وبعد قوله ﴿ حميد ﴾ والعزيز معناه الغالب القاهر بقوة حجته على ما سواه من الكتب، والمراد أنه عديم النظير لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته.

ثم أكد هذا الوصف بقوله ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ قال جار الله: وهو تمثيل أي لا يتطرق البطلان إليه بجهة من الجهات فلا ينقص منه شيء ولا يزاد عليه شيء.

وقيل: أراد أنه لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل ولن يجيء بعده ما يخالفه.

وقد يحتج أبو مسلم بالآية على عدم وقوع النسخ في القرآن زعماً منه أن النسخ نوع من البطلان، ولا يخفى ضعفه فإن بيان انتهاء حكم لا يقتضي إبطاله فإنه حق في نفسه ومأمور به في وقته.

﴿ تنزيل ﴾ أي هو منزل ﴿ من ﴾ إله ﴿ حكيم ﴾ في جميع أفعاله ﴿ حميد ﴾ إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه.

ثم سلى نبيه  بقوله ﴿ ما يقال لك ﴾ وفيه وجهان: أحدهما ما يقول لك كفار قريش إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من المطاعن فيهم وفي كتبهم.

﴿ إن ربك لذو مغفرة ﴾ للمحقين ﴿ وذو عقاب أليم ﴾ للمبطلين، ففوض الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به من الدعاء إلى دينه.

وثانيهما ما يقول لك الله إلا مثل ما قال لغيرك من الرسل من الصبر على سفاهة الأقوام وإيذائهم.

ويجوز أن يكون المقول هو قوله ﴿ إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب ﴾ فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخشاه أهل عصيانه.

كانوا يقولون: لولا أنزل القرآن بلغة العجم تعنتاً منهم فأجابهم الله بقوله ﴿ ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا ﴾ معترضين منكرين ﴿ لولا فصلت آياته ﴾ أي بينت بلسان نفهمه.

أقرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي؟

وإنما جاز هذا التقدير الثاني مع أن المرسل إليهم كثيرون وهم غير أمة العرب، لأن الغرض بيان تنافر حالتي القرآن، والذين أنزل القرآن إليهم من العجمية والعربية لا بيان أنهم جمع أو واحد كما تقول: وقد رأيت لباساً طويلاً على امرأة قصيرة اللباس طويل واللابس قصير.

ولو قلت: واللابسة قصيرة جئت بما هو أفضل.

ومن قرأ بغير همزة الاستفهام فعلى حذفها أو على الإخبار بأن القران أعجمي والرسول أو المرسل إليه عربي، والغرض أنهم لعنادهم لا ينفكون عن المراء والاعتراض سواء كان القرآن عربياً أو أعجمياً.

وفيه إفحام لهم وجواب عن قولهم ﴿ قلوبنا في أكنة ﴾ فإن القرآن إذا كان بلغتهم وهم فصحاء وبلغاء فكيف لا يفهمونه إلا إذا كان هناك مانع إلهي ولذلك قال ﴿ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ﴾ لداء الجهل ﴿ والذين ﴾ أي وللذين ﴿ لا يؤمنون في آذانهم وقر ﴾ وهذا التقدير عند من يجوز العطف على عاملين، ومن لم يجوز زعم أن الرابط محذوف تقديره: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر أو في آذانهم منه.

وقرأ والذين لا يؤمنون به الخ.

والحاصل أنهم لعدم انتفاعهم بالقرآن كأنهم صم عمي.

ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾ فلهذا لا يسمعون النداء أي مثلهم كمثل الشخص الذي ينادي من بعد فلا يسمع، وإن سمع لم يفهم.

ثم شبه حال القرآن بحال الكتب المتقدمة في أنها اختلف فيها كما اختلف فيه إلا أنه خص كتاب موسى بالذكر لكثرة أحكامه وعجيب قصته.

والكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وتأخر العذاب والقضاء بين المصدقين والمكذبين إلى وقتئذ.

ثم ذكر أن جزاء كل أحد يختص به سواء كان له أو عليه وأن الله لا يظلم أحداً ثم كان لسائل أن يسأل: متى القيامة التي يتعلق بها الجزاء فقال ﴿ إليه ﴾ لا إلى غيره ﴿ يرد علم الساعة ﴾ أي إذا سأل عنها.

قيل: لا يعلمها إلا هو.

ثم عمم بعد هذا التخصيص وذكر مثالين يعرف منهما أن علم جميع الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا له  .

والكم بكسر الكاف وعاء الثمرة.

ثم ذكر من أحوال القيامة طرفاً آخر فقال ﴿ ويوم يناديهم أين شركائي ﴾ وهو نداء تهكم أو توبيخ كما مر مراراً ﴿ قالوا آذناك ﴾ قال ابن عباس: أي أسمعناك من أذن بالكسر أذناً بالفتح إذا استمع.

وقال الكلبي: أعلمناك قال الإمام فخر الدين الرازي: هو بعيد لأن أهل القيامة يعلمون أنه  يعلم الأشياء علماً واجباً، فالإعلام في حقه محال.

قلت: لو أريد أظهرنا معلومك أين الاستبعاد؟

والمعنى ظهر وحصل في الواقع من جهة قولنا ما كان ثابتاً في علمك القديم أنا سنقوله كقوله ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ أي لم يحصل بعد معلومه في الواقع وقد مر.

وقولهم ﴿ آذناك ﴾ ماض في معنى المستقبل على عادة القرآن أو إنشاء للإيذان أو إخبار عما قيل لهم قبل ذلك فإنه يمكن أن يعاد عليهم هذا الاستفهام مرات لمزيد التوبيخ.

ومعنى ﴿ ما منا من شهيد ﴾ ليس منا من يشهد اليوم بأنهم شركاؤك لأنا عرفنا عياناً أنه لا شريك لك.

أو هو كلام الشركاء أحياها الله وأنطقها فتبرأ مما أضيف إليها من الشركة.

ومعنى الضلال على هذا التفسير عدم النفع، ويجوز أن يراد ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم غابوا عنا.

ومعنى ﴿ يدعون ﴾ يعبدون.

والظن بمعنى اليقين، والمحيص المهرب.

وحين بين أن الكفار تبرؤا في الآخرة من شركائهم بعد أن كانوا مصرين في الدنيا على عبادتهم، بين أن الكافر تبدله في حالاته كلي أو أكثري.

ففي حالة الإقبال لا يسأم من طلب الجاه والمال، في حالة الإدبار يصير في غاية اليأس والانكسار، وإن عاودته النعمة بعد يأسه فلا بد أن يقول هذا إنما وجدته باستحقاق لي وهذا لا يزول عني ويبقى علي وعلى عقبي وأنكر البعث، وعلى فرض وجوده زعم بل جزم أن له عند الله الحالة الحسنى قائساً أمر الآخرة على أمر الدنيا، ونظير الآية ما سبق في سورة الكهف { ﴿ ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً  ﴾ فلا جرم خيب الله أمله وعكس ما تصوره بقوله ﴿ فلننبئن ﴾ وحين حكى قول الكافر أخبر عن أفعاله بقوله ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ﴾ أي تعظم وتجبر.

وقد سلف في "سبحان".

واستعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه، وقد يستعار الطول لكثرة الدعاء ودوامه أيضاً وإن لم يكن الشيء ذا جزم كما استعير الغلظ لشدة العذاب.

فإن قيل: كيف قال أولاً ﴿ فيؤس قنوط ﴾ ثم قال ﴿ فذو دعاء عريض ﴾ ؟

قلنا: أراد أنه يؤس بالقلب دعاء باللسان، أو قنوط من الصنم دعاء الله، أو الأول في قوم والثاني في آخرين.

ولما ذكر مرات في السورة مبالغة الكفار في العداوة والنفرة من اتباع الرسول والقرآن أرشدهم إلى طريق أحوط مما فيه فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وتقريره أنكم كما سمعتم القرآن أعرضتم عنه ثم كفرتم به حتى قلتم ﴿ قلوبنا في أكنة  ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ ومن المعلوم أن هذا ليس ببديهي فقبل الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً وحينئذ يلزم أن يكون بعدم قبوله العقاب الأبدي.

وقوله ﴿ ممن هو في شقاق بعيد ﴾ من وضع الظاهر مقام المضمر وهو منكم بياناً لبعد شوطهم في الشقاق والخلاف قاله في الكشاف.

وأقول: جواب الشرط بالحقيقة محذوف وهو قوله مثلاً فمن أضل منكم.

وإنما قال في الأحقاف ﴿ وكفرتم  ﴾ بالواو لأن معناه في السورة كان عاقبة أمركم بعد الإمهال للنظر الكفر فحسن دخول "ثم" مع أنها تفيد التراخي في الرتبة، وهناك عطف عليه قوله ﴿ وشهد شاهد ﴾ فلم يحسن إلا الواو.

ثم بين أن الإسلام يعلو ولا يعلى وأن الغلبة والنصرة تكون لذويه فقال ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق ﴾ وهي الفتوح الواقعة على أيدي الخلفاء الراشدين والتي ستقع على أيدي أنصار دينه إلى يوم القيامة.

﴿ وفي أنفسهم ﴾ وهي فتح مكة وسائر الفتوح التي وجدت في عصر النبي  ﴿ حتى يتبين لهم أنه ﴾ أي محمداً أو القرآن أو الدين ﴿ الحق ﴾ ووجه التبين أن هذا إخبار عن الغيب فإذا وقع مطابقاً دل على صدق المخبر بل إعجازه.

وواحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض والسماء.

وعند المحققين الآيات الآفاقية هي الخارجة عن حقيقة الإنسان وبدنه كالأفلاك والكواكب والظلم والأنوار والعناصر والمواليد سواه.

ولا ريب أن العجائب المودعة في هذه الأشياء مما لا نهاية لها، وإنما يوقف عليها حيناً بعد حين.

وقد أكثر الله  من تقدير تلك الدلائل في القرآن، بعضها في السور المكيات وكثير منها في المدنيات، والآيات النفسية هي التي أودعها في تركيب الإنسان وفي ربط روحه العلوي ببدنه السفلي كقوله ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون  ﴾ وفي قوله ﴿ سنريهم ﴾ دلالة على أن رؤية الأدلة إنما تكون بإراءة الله.

قال جار الله: معنى قوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ هو أن هذه الآيات الموعودة تكفيهم دلالة على أن القرآن منزل من عالم الغيب المطلع على كل شيء.

وقال حكماء الإسلام: أراد بقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ توبيخ من ليس له رتبة الاستدلال بنفس الوجود على واجب الوجود، فإن هذا هو طريقة الصديقين، وأما غيرهم فإنهم يستدلون بالممكن على الواجب فيفتقرون إلى النظر في الآفاق.

قال أهل المعرفة: النظر في الآفاق لأجل العوام والأنفس للخواص وقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ لخواص الخواص.

وقيل: أولم يكف الإنسان من الزاجر والرادع عن المعاصي كون الله شهيداً عليهم.

وقيل: أراد أنه لا يخلف ما وعد لاطلاعه على الأشياء كلها.

ثم ختم السورة بتوبيخ الشاكين في أمر البعث وبالنعي عليهم وأوعدهم بأنه عالم بكل شيء فيجازي كلاً على حسب ما يستحقه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ﴾ ، هاتان الآيتان في ظاهر المخرج: إحداهما: مخالفة للأخرى؛ لأنه ذكر في إحداهما الإياس والقنوت إذا مسه الشر، وفي الأخرى كثرة الدعاء إذا مسه الشدة والبلاء، ومن طباع الخلق والعرف فيها أنهم [إذا] أيسوا وقنتوا لا يدعون ولا يسألون، بل يتركون سؤالهم، وإذا طمعوا ورجوا عند ذلك سألوا ودعوا، هذا هو العرف فيهم؛ فدل أن بينهما مخالفة من حيث الظاهر، لكن نقول: إن الآية تخرج على وجوه: يحتمل: أن كل واحدة من الآيتين في إنسان بعينه يشار إليه سوى الآخر، كان عادة أحدهما - على الإياس والقنوط من الخير - ترك الدعاء والسؤال، وكان عادة الآخر الدعاء والتضرع إليه والسؤال عن كشف ذلك عنه، فأخبر - جل وعلا - رسوله عليه الصلاة والسلام ما أضمر كل واحد منهما: في نفس أحدهما الإياس والقنوت، والآخر الدعاء والسؤال والطمع في الخير؛ ليكون له عليهم دلالة الرسالة وآية النبوة إذ أنبأه عن ضمير كل واحد منهما وما في نفسه؛ ليعلم أنه رسول، وإنما علم ذلك بالله جلا وعلا، والله أعلم.

والثاني: أن الكفرة كانوا فرقا، وكانوا على مذاهب شتى مختلفة: فرقة كانت تطمئن في حال الرخاء والسعة، وتيأس وتنقلب في حال البلاء والشدة؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ...

﴾ الآية [الحج: 11].

وفرقة كانت تفزع إلى الله  وتقبل إليه عند إصابة الشدة والبلاء، وتعرض عنه عند كشف ذلك عنهم وتوسيع النعم عليهم؛ نحو قوله  : ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ...

﴾ الآية [العنكبوت: 65] ونحوه كثير في القرآن.

وفرقة كانت في الحالين جميعا على الإعراض عنهم، وترك الإقبال إليه والطاعة له، لا يفزعون ولا يقبلون لا في حال الرخاء والسعة ولا في حال البلاء والشدة؛ كقوله: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ .

وفرقة كانت ترى الحسنة والخير من أنفسهم، وإذا صارت سيئة وشدة تطيروا بالرسل عليهم السلام؛ كقوله  : ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ  ﴾ .

وإذا كانت الكفرة على هذه المذاهب المختلفة وكانت أجناسا شتى، فيكون كل آية منهما في جنس غير الجنس الآخر، وفي أهل مذهب غير أهل مذهب آخر، فأما المسلمون فيكونون في الحالين جميعاً على التوحيد والإقبال إلى الله  في حال الرخاء والسعة، وفي حال البلاء والشدة، وهو على ما استثناهم الله  عند ذكر الكفرة؛ حيث قال: ﴿ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ  إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ الآية [العصر: 1-2]، وأمثال ذلك من الآيات، وصفهم - جل وعلا - بالثبات والقرار على دينهم في الأحوال كلها، والله أعلم.

والثالث: جائز أن يكون ما ذكر من الآيتين على ما ذكر إخباراً عما طبع عليه البشر وأنشئ، وإنما أنشئ البشر وطبع على الرغبة في الخير والسعة والنفار عن الشدة والبلاء والكراهة له؛ فهذا إخبار عما طبعوا عليه وأنشئوا، ليس على حقيقة إظهار ذلك منهم قولا أو فعلا، [ولكن] على ما طبع كل إنسان؛ راغبا حريصا في السعة والرخاء، وأنه ما ذكر لا يسأم من دعاء الخير، كارها نافرا عن البلاء والشدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ هَـٰذَا لِي ﴾ ، أي: أعطانيه من خير علمه مني.

وجائز أن يكون ما ذكرنا أنهم كانوا يتطيرون بالرسل عند البلاء والشدة، والسعة يرونها من أنفسهم؛ حيث قال: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ...

﴾ الآية [الأعراف: 131].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً ﴾ .

كانوا ينكرون البعث والجزاء لما عملوا في الدنيا، ثم يقولون: ولئن كان يذكر محمد من البعث والجزاء للأعمال والجنة؛ إن ذلك لنا دونهم، وهو قوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ  ﴾ أي: إن رجعت إلى ربي على ما يقوله محمد: ﴿ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ﴾ وهو على ما قالوا في الدنيا: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ  ﴾ لما رأوا السعة لأنفسهم في الدنيا دون المؤمنين؛ فعلى ذلك في الآخرة قالوا لنا دونهم، والله الهادي.

ثم أخبر  عما ينزل بهم بأعمالهم في الآخرة، وهو قوله  : ﴿ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ .

أي: ننبئنهم بخبر ما عملوا؛ لأن ذلك كان منهم تمنياً وتشهياً بمن يذيقهم العذاب الغليظ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ﴾ .

هو ما ذكرنا من دعائهم وسؤالهم الخير وطمعهم ذلك.

وقوله: ﴿ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ﴾ ، قال أبو عوسجة: ﴿ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ أي: تباعد عما أمر به، ﴿ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ﴾ أي: كثير الدعاء لا يمل ولا يسأم، وكذا قال القتبي.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولئن أذقناه منا صحة وغنى وعافية بعد بلاء ومرض أصابه ليقولنَّ: هذا لي؛ لأني أهل له ومستحق، وما أظن الساعة قائمة، ولئن فُرِض أن الساعة قائمة فإن لي عند الله الغنى والمال، فكما أنعم عليَّ في الدنيا لاستحقاقي ذلك ينعم عليَّ في الآخرة، فلنخبرنَّ الذين كفروا بالله بما عملوا من الكفر والمعاصي، ولنذيقنَّهم من عذاب بالغ في الشدة.

<div class="verse-tafsir" id="91.OOomY"

مزيد من التفاسير لسورة فصلت

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله