الآية ١٦ من سورة الشورى

الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ١٦ من سورة الشورى

وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ٱسْتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌۭ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌ ١٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة الشورى عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى - متوعدا الذين يصدون عن سبيل الله من آمن به - : ( والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له ) أي : يجادلون المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله ، ليصدوهم عما سلكوه من طريق الهدى ، ( حجتهم داحضة عند ربهم ) أي : باطلة عند الله ، ( وعليهم غضب ) أي : منه ، ( ولهم عذاب شديد ) أي : يوم القيامة .

قال ابن عباس ، ومجاهد : جادلوا المؤمنين بعد ما استجابوا لله ولرسوله ؛ ليصدوهم عن الهدى ، وطمعوا أن تعود الجاهلية .

وقال قتادة : هم اليهود والنصارى ، قالوا لهم : ديننا خير من دينكم ، ونبينا قبل نبيكم ، ونحن خير منكم ، وأولى بالله منكم .

وقد كذبوا في ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16) يقول تعالى ذكره: والذين يخاصمون في دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من بعد ما استجاب له الناس, فدخلوا فيه من الذين أورثوا الكتاب ( حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ) يقول: خصومتهم التي يخاصمون فيه باطلة ذاهبة عند ربهم ( وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ) يقول: وعليهم من الله غضب, ولهم في الآخرة عذاب شديد, وهو عذاب النار.

وذكر أن هذه الآية نـزلت في قوم من اليهود خاصموا أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في دينهم, وطمعوا أن يصدوهم عنه, ويردوهم عن الإسلام إلى الكفر.

* ذكر الرواية عمن ذكر ذلك عنه: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) قال: هم أهل الكتاب كانوا يجادلون المسلمين, ويصدّونهم عن الهدى من بعد ما استجابوا لله.

وقال: هم أهل الضلالة كان استجيب لهم على ضلالتهم, وهم يتربصون بأن تأتيهم الجاهلية.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ ) قال: طمع رجال بأن تعود الجاهلية.

حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن منصور, عن مجاهد, أنه قال في هذه الآية ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ ) قال: بعد ما دخل الناس في الإسلام.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) قال: هم اليهود والنصارى, قالوا: كتابنا قبل كتابكم, ونبينا قبل نبيكم, ونحن خير منكم.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ).....

الآية, قال: هم اليهود والنصارى حاجوا أصحاب نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقالوا: كتابنا قبل كتابكم, ونبينا قبل نبيكم, ونحن أولى بالله منكم.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ )....

إلى آخر الآية, قال: نهاه عن الخصومة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد .قوله تعالى : والذين يحاجون في الله رجع إلى المشركين .

( من بعد ما استجيب له ) قال مجاهد : من بعد ما أسلم الناس .

قال : وهؤلاء قد توهموا أن الجاهلية تعود .

وقال قتادة : الذين يحاجون في الله اليهود والنصارى ، ومحاجتهم قولهم : نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ، وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل الكتاب وأنهم أولاد الأنبياء .

وكان المشركون يقولون : أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا فقال الله تعالى : والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم أي : لا ثبات لها كالشيء الذي يزل عن موضعه .

والهاء في ( له ) يجوز أن يكون لله - عز وجل - ، أي : من بعد ما وحدوا الله وشهدوا له بالوحدانية .

ويجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم ، أي : من بعد ما استجيب محمد - صلى الله عليه وسلم - في دعوته من أهل بدر ونصر الله المؤمنين .

يقال : دحضت حجته دحوضا بطلت .

وأدحضها الله .

والإدحاض : [ ص: 15 ] الإزلاق .

ومكان دحض ودحض أيضا ( بالتحريك ) أي : زلق .

ودحضت رجله تدحض دحضا زلقت .

ودحضت الشمس عن كبد السماء زالت .

وعليهم غضب يريد في الدنيا .

ولهم عذاب شديد يريد في الآخرة عذاب دائم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا تقرير لقوله: لا حجة بيننا وبينكم، فأخبر هنا أن { الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ } بالحجج الباطلة، والشبه المتناقضة { مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ } أي: من بعد ما استجاب للّه أولو الألباب والعقول، لما بين لهم من الآيات القاطعة، والبراهين الساطعة، فهؤلاء المجادلون للحق من بعد ما تبين { حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ } أي: باطلة مدفوعة { عِنْدَ رَبِّهِمْ } لأنها مشتملة على رد الحق وكل ما خالف الحق، فهو باطل.{ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ } لعصيانهم وإعراضهم عن حجج اللّه وبيناته وتكذيبها.

{ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } هو أثر غضب اللّه عليهم، فهذه عقوبة كل مجادل للحق بالباطل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والذين يحاجون في الله ) يخاصمون في دين الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - .

وقال قتادة : هم اليهود قالوا : كتابنا قبل كتابكم ، ونبينا قبل نبيكم ، فنحن خير منكم ، فهذه خصومتهم .

( من بعد ما استجيب له ) أي : استجاب له الناس فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته ، ( حجتهم داحضة ) خصومتهم باطلة ، ( عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد ) في الآخرة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين يحاجُّون في» دين «الله» نبيه «من بعد ما استجيب له» بالإيمان لظهور معجزته وهم اليهود «حجتهم داحضة» باطلة «عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين يجادلون في دين الله الذي أرسلتُ به محمدًا صلى الله عليه وسلم، مِن بعد ما استجاب الناس له وأسلموا، حجتهم ومجادلتهم باطلة ذاهبة عند ربهم، وعليهم من الله غضب في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب شديد، وهو النار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين يجادلون بالباطل فقال : ( والذين يُحَآجُّونَ فِي الله مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ ) .وقوله : ( دَاحِضَةٌ ) من الدحض بمعنى الزلل والزوال .

وأصله : الطين الذى لا تستقر عليه الأقدام .

يقال : دحضت رجل فلان ، إذا زلت وزلقت .أى : والذين يخاصمون فى الله .

فى دينه وشريعته ، ( مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ ) أى : من بعد أن استجاب العقلاء من الناس لهذا الدين الحق ، واتبعوا رسوله .( حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ ) أى : حجة هؤلاء المجادلين بالباطل ، زائلة وزاهقة ( وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ) لا يقادر قدره من ربهم ( وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) يوم القيام .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما عظم وحيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم  ﴾ ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال: ﴿ شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ والمعنى شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به نوحاً ومحمداً وإبراهيم وموسى وعيسى، هذا هو المقصود من لفظ الآية، وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة، إلا أنه بقي في لفظ الآية إشكالات أحدها: أنه قال في أول الآية ﴿ مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ وفي آخرها ﴿ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ وفي الوسط ﴿ والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ فما الفائدة في هذا التفاوت؟.

وثانيها: أنه ذكر نوحاً عليه السلام على سبيل الغيبة فقال: ﴿ مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ والقسمين الباقيين على سبيل التكلم فقال: ﴿ والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

وثالثها: أنه يصير تقدير الآية: شرع الله لكم من الدين الذي أوحينا إليك فقوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم ﴾ خطاب الغيبة وقوله: ﴿ والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ خطاب الحضور، فهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد، وهو مشكل، فهذه المضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها، وبالجملة فالمقصود من الآية أنه يقال شرع لكم من الدين ديناً تطابقت الأنبياء على صحته، وأقول يجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئاً مغايراً للتكاليف والأحكام، وذلك لأنها مختلفة متفاوتة قال تعالى: ﴿ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا  ﴾ فيجب أن يكون المراد منه الأمور التي لا تختلف باختلاف الشرائع، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان يوجب الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والسعي في مكارم الأخلاق والاحتراز عن رذائل الأحوال، ويجوز عندي أن يكون المراد من قوله: ﴿ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ ﴾ أي لا تتفرقوا بالآلهة الكثيرة، كما قال يوسف عليه السلام: ﴿ أأربابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون  ﴾ واحتج بعضهم بقوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ على أن النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر كان مبعوثاً بشريعة نوح عليه السلام، والجواب ما ذكرناه أنه عطف عليه سائر الأنبياء وذلك يدل على أن المراد هو الأخذ بالشريعة المتفق عليها بين الكل، ومحل ﴿ أَنْ أَقيمُوا الدين ﴾ إما نصب بدل من مفعول ﴿ شَرَعَ ﴾ والمعطوفين عليه، وإما رفع على الاستئناف كأنه قيل ما ذاك المشروع؟

فقيل هو إقامة الدين ﴿ كَبُرَ عَلَى المشركين ﴾ عظم عليهم وشق عليهم ﴿ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ﴾ من إقامة دين الله تعالى على سبيل الاتفاق والإجماع، بدليل أن الكفار قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَيْء عُجَابٌ  ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: احتج نفاة القياس بهذه الآية قالوا إنه تعالى أخبر أن أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحيث لا يفضي إلى الاختلاف والتنازع، والله تعالى ذكر في معرض المنّة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالي عن التفرق والمخالفة ومعلوم أن فتح باب القياس يفضي إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة، فإن الحس شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على الأخذ بالقياس تفرقوا تفرقاً لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى آخر القيامة، فوجب أن يكون ذلك محرماً ممنوعاً عنه.

المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن هذه الشرائع قسمين منها ما يمتنع دخول النسخ والتغيير فيه، بل يكون واجب البقاء في جميع الشرائع والأديان، كالقول بحسن الصدق والعدل والإحسان، والقول بقبح الكذب والظلم والإيذاء، ومنها ما يختلف باختلاف الشرائع والأديان، ودلت هذه الآية على أن سعي الشرع في تقرير النوع الأول أقوى من سعيه في تقرير النوع الثاني، لأن المواظبة على القسم الأول مهمة في اكتساب الأحوال المفيدة لحصول السعادة في الدار الآخرة.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ مشعر بأن حصول الموافقة أمر مطلوب في الشرع والعقل، وبيان منفعته من وجوه: الأول: أن للنفوس تأثيرات، وإذا تطابقت النفوس وتوافقت على واحد قوي التأثير الثاني: أنها إذا توافقت صار كل واحد منها معيناً للآخر في ذلك المقصود المعين، وكثرة الأعوان توجب حصول المقصود، أما إذا تخالفت تنازعت وتجادلت فضعفت فلا يحصل المقصود الثالث: أن حصول التنازع ضد مصلحة العالم لأن ذلك يفضي إلى الهرج والمرج والقتل والنهب، فلهذا السبب أمر الله تعالى في هذه الآية بإقامة الدين على وجه لا يفضي إلى التفرق وقال في آية أخرى ﴿ وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ وفيه وجهان الأول: أنه تعالى لما أرشد أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى التمسك بالدين المتفق عليه بيّن أنه تعالى إنما أرشدهم إلى هذا الخير، لأنه اجتباهم واصطفاهم وخصهم بمزيد الرحمة والكرامة الثاني: أنه إنما كبّر عليهم هذا الدعاء من الرسل لما فيه من الانقياد لهم تكبراً وأنفة فبيّن تعالى أنه يخص من يشاء بالرسالة ويلزم الانقياد لهم، ولا يعتبر الحسب والنسب والغنى، بل الكل سواء في أنه يلزمهم اتباع الرسل الذين اجتباهم الله تعالى، واشتقاق لفظ الاجتباء يدل على الضم والجمع، فمنه جبى الخراج واجتباه وجبى الماء في الحوض فقوله: ﴿ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ ﴾ أي يضمه إليه ويقربه منه تقريب الإكرام والرحمة، وقوله: ﴿ مَن يَشَآء ﴾ كقوله تعالى: ﴿ يُعَذّبُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء  ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ وهو كما روي في الخبر من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة أي من أقبل إليّ بطاعته أقبلت إليه بهدايتي وإرشادي بأن أشرح له صدره وأسهل أمره.

واعلم أنه تعالى لما بيّن أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه، كان لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم متفرقين؟

فأجاب الله تعالى عنهم بقوله: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة فحملتهم الحمية النفسانية والأنفة الطبعية، على أن ذهب كل طائفة إلى مذهب ودعا الناس إليه وقبح ما سواه طلباً للذكر والرياسة، فصار ذلك سبباً لوقوع الاختلاف، ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل، إلا أنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب، لأن لكل عذاب عنده أجلاً مسمى، أي وقتاً معلوماً، إما لمحض المشيئة كما هو قولنا، أو لأنه علم أن الصلاح تحقيقه به كما عند المعتزلة، وهو معنى قوله: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ ﴾ والأجل المسمى قد يكون في الدنيا وقد يكون في القيامة، واختلفوا في الذين أريدوا بهذه الصفة من هم؟

فقال الأكثرون هم اليهود والنصارى، والدليل قوله تعالى في آل عمران ﴿ وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ  ﴾ وقال في سورة لم يكن ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة  ﴾ ولأن قوله: ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم ﴾ لائق بأهل الكتاب، وقال آخرون: إنهم هم العرب، وهذا باطل للوجوه المذكورة، لأن قوله تعالى بعد هذه الآية ﴿ وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ ﴾ لا يليق بالعرب، لأن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم، هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ من كتابهم ﴿ مُرِيبٍ ﴾ لا يؤمنون به حق الإيمان.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلِذَلِكَ فادع واستقم كَمَا أُمِرْتَ ﴾ يعني فلأجل ذلك التفرق ولأجل ما حدث من الاختلافات الكثيرة في الدين، فادع إلى الاتفاق على الملة الحنيفية واستقم عليها وعلى الدعوة إليها، كما أمرك الله، ولا تتبع أهواءهم المختلفة الباطلة ﴿ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ الله مِن كتاب ﴾ أي بأي كتاب صح أن الله أنزله، يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة، لأن المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، ونظيره قوله: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك هُمُ الكافرون  ﴾ ثم قال: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ أي في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي، قل القفال: معناه أن ربي أمرني أن لا أفرق بين نفسي وأنفسكم بأن آمركم بما لا أعمله، أو أخالفكم إلى ما نهيتكم عنه، لكني أسوي بينكم وبين نفسي، وكذلك أسوي بين أكابركم وأصاغركم فيما يتعلق بحكم الله.

ثم قال: ﴿ الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المصير ﴾ والمعنى أن إله الكل واحد، وكل واحد مخصوص بعمل نفسه، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه، فإن الله يجمع بين الكل في يوم القيامة ويجازيه على عمله، والمقصود منه المتاركة واشتغال كل أحد بمهم نفسه، فإن قيل كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟

قلنا هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء، ودخل فيه التوحيد، وترك عبادة الأصنام، والإقرار بنبوة الأنبياء، وبصحة البعث والقيامة، فلما لم يقبلوا هذا الدين، فحينئذٍ فات الشرط، فلا جرم فات المشروط.

وأعلم أنه ليس المراد من قوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ تحريم ما يجري مجرى محاجتهم، ويدل عليه وجوه: الأول: أن هذا الكلام مذكور في معرض المحاجة، فلو كان المقصود من هذه الآية تحريم المحاجة، لزم كونها محرمة لنفسها وهو متناقض والثاني: أنه لولا الأدلة لما توجه التكليف الثالث: أن الدليل يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه، بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما تركوا تصديقه بغياً وعناداً، فبيّن تعالى أنه قد حصل الاستغناء عن محاجتهم لأنهم عرفوا بالحجة صدقه فلا حاجة معهم إلى المحاجة ألبتة، ومما يقوي قولنا: أنه لا يجوز تحريم المحاجة، قوله: ﴿ وجادلهم بالتي هِىَ أَحْسَنُ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ  ﴾ وقوله: ﴿ ولا تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ وقوله: ﴿ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا  ﴾ وقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ والذين يُحَاجُّونَ فِي الله ﴾ أي يخاصمون في دينه ﴿ مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ ﴾ أي من بعد ما استجاب الناس لذلك الدين ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ أي باطلة وتلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف؟

فنبوّة موسى وحقية التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد ليست متفقاً عليها، فإذا بنيتم كلامكم في هذه الآية على أن الأخذ بالمتفق أولى، وجب أن يكون الأخذ باليهودية أولى، فبيّن تعالى أن هذه الحجة داحضة، أي باطلة فاسدة، وذلك لأن اليهود أطبقوا على أنه إنما وجب الإيمان بموسى عليه السلام لأجد ظهور المعجزات على وفق قوله، وهاهنا ظهرت المعجزات على وفق قول محمد عليه السلام، واليهود شاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق، فهاهنا يجب الإعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنبوته.

وأما الإقرار بنبوة موسى والإصرار على إنكار نبوة محمد مع استوائهما في ظهور المعجزة يكون متناقضاً، ولما قرر الله هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة، فقال: ﴿ الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ ﴾ والمعنى أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على أنواع الدلائل والبينات، وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم، وأنهم لا يعلمون أن القيامة متى تفاجئهم ومتى كان الأمر كذلك، وجب على العاقل أن يجد ويجتهد في النظر والاستدلال، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد، ولما كان الرسول يهددهم بنزول القيامة وأكثر في ذلك، وأنهم ما رأوا منه أثراً قالوا على سبيل السخرية: فمتى تقوم القيامة، وليتها قامت حتى يظهر لنا أن الحق ما نحن عليه أو الذي عليه محمد وأصحابه، فلدفع هذه الشبهة قال تعالى: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا ﴾ والمعنى ظهر، وإنما يشفقون ويخافون لعلمهم أن عندها تمتنع التوبة، وأما منكر البعث فلأن لا يحصل له هذا الخوف.

ثم قال: ﴿ أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ فَي الساعة لَفِي ضلال بَعِيدٍ ﴾ والممارة الملاجة، قال الزجاج: الذين تدخلهم المرية والشك في وقوع الساعة، فيمارون فيها ويجحدون ﴿ لَفِي ضلال بَعِيدٍ ﴾ لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب في العدل، فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله تعالى، وهذا من أمحل المحالات، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالاً بعيداً.

ثم قال: ﴿ الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ ﴾ أي كثير الإحسان بهم، وإنما حسن ذكر هذا الكلام هاهنا لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، فكان ذلك من لطف الله بعباده، وأيضاً المتفرقون استوجبوا العذاب الشديد، ثم إنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضاً من لطف الله تعالى، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم ودفع أعظم المضار عنهم، لا جرم حسن ذكره هاهنا، ثم قال: ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ﴾ يعني أن أصل الإحسان والبر عام في حق كل العباد، وذلك هو الإحسان بالحياة والعقل والفهم، وإعطاء ما لابد منه من الرزق، ودفع أكثر الآفات والبليات عنهم، فأما مراتب العطية والبهجة فمتفاوتة مختلفة.

ثم قال: ﴿ وهو القوي ﴾ أي القادر على كل ما يشاء ﴿ العزيز ﴾ الذي لا يغالب ولا يدافع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يُحَاجُّونَ فِي الله ﴾ يخاصمون في دينه ﴿ مِن بَعْدِ ﴾ ما استجاب له الناس ودخلوا في الإسلام، ليردّوهم إلى دين الجاهلية، كقوله تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا ﴾ [البقرة: 109] كان اليهود والنصارى يقولون للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم وأولى بالحق.

وقيل: من بعد ما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر وأظهر دين الإسلام ﴿ دَاحِضَةٌ ﴾ باطلة زالة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلِذَلِكَ ﴾ فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ أوِ الكِتابِ، أوِ العِلْمِ الَّذِي أُوتِيتَهُ.

﴿ فادْعُ ﴾ إلى الِاتِّفاقِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ أوِ الِاتِّباعِ لِما أُوتِيتَ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في مَوْضِعِ إلى لِإفادَةِ الصِّلَةِ والتَّعْلِيلِ.

﴿ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ﴾ واسْتَقِمْ عَلى الدَّعْوَةِ كَما أمَرَكَ اللَّهُ تَعالى.

﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ ﴾ الباطِلَةَ.

﴿ وَقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ﴾ يَعْنِي جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ لا كالكُفّارِ الَّذِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ.

﴿ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ في تَبْلِيغِ الشَّرائِعِ والحُكُوماتِ، والأوَّلُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ وهَذا إشارَةٌ إلى كَمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ.

﴿ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكُمْ ﴾ خالِقُ الكُلِّ ومُتَوَلِّي أمْرِهِ.

﴿ لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ وكُلٌّ مُجازًى بِعَمَلِهِ.

﴿ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ ﴾ لا حِجاجَ بِمَعْنى لا خُصُومَةَ إذِ الحَقُّ قَدْ ظَهَرَ ولَمْ يَبْقَ لِلْمُحاجَّةِ مَجالٌ ولا لِلْخِلافِ مَبْدَأٌ سِوى العِنادِ.

﴿ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ وَإلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ مَرْجِعُ الكُلِّ لِفَصْلِ القَضاءِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى مُتارَكَةِ الكُفّارِ رَأْسًا حَتّى تَكُونَ مَنسُوخَةً بِآيَةِ القِتالِ.

﴿ والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ ﴾ في دِينِهِ.

﴿ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ ﴾ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ لَهُ النّاسُ ودَخَلُوا فِيهِ، أوْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ فَأظْهَرَ دِينَهُ بِنَصْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ لَهُ أهْلُ الكِتابِ بِأنْ أقَرُّوا بِنُبُوَّتِهِ واسْتَفْتَحُوا بِهِ.

﴿ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ زائِلَةٌ باطِلَةٌ.

﴿ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ﴾ لِمُعانَدَتِهِمْ.

﴿ وَلَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ عَلى كُفْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والذين يُحَآجُّونَ فِى الله} يخاصمون في دينه {من بعد ما استجيب له} من بعدما استجاب له الناس ودخلوا في الإسلام ليردوهم إلى دين الجاهلية كقوله وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إيمانكم كفارا كان اليهود والنصارى يقولون للمؤمنين كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن خير منكم واولى بالحق وقيل من بعد فاستجيب لمحمد عليه السلام دعاؤه على المشركين يوم بدر {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ} باطلة وسماها حجة وإن كانت شبهة لزعمهم أنها حجة {عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} بكفرهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} في الاخرة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ ﴾ أيْ يُخاصِمُونَ في دِينِهِ، قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ.

ومُجاهِدٌ نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هَمَّتْ بِرَدِّ اَلنّاسِ عَنِ اَلْإسْلامِ وإضْلالِهِمْ فَقالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم فَدِينُنا أفْضَلُ مِن دِينِكُمْ، وفي رِوايَةٍ بَدَلَ فَدِينُنا إلَخْ فَنَحْنُ أوْلى بِاَللَّهِ تَعالى مِنكُمْ، وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ﴾ قالَ اَلْمُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ لِمَن بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ: قَدْ دَخَلَ اَلنّاسُ في دِينِ اَللَّهِ أفْواجًا فاخْرُجُوا مِن بَيْنِ أظْهُرِنا أوِ اُتْرُكُوا اَلْإسْلامَ، والمُحاجَّةَ فِيهِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ ولَعَلَّهم مَعَ هَذا يَذْكُرُونَ ما فِيهِ ذَلِكَ ﴿ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما اِسْتَجابَ اَلنّاسُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ لِدِينِهِ ودَخَلُوا فِيهِ وأذْعَنُوا لَهُ لِظُهُورِ اَلْحُجَّةِ ووُضُوحِ اَلْمَحَجَّةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالِاسْتِجابَةِ بِاعْتِبارِ دَعْوَتِهِمْ إلَيْهِ ﴿ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ زائِلَةٌ باطِلَةٌ لا تُقْبَلُ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ بَلْ لا حُجَّةَ لَهم أصْلًا، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ أباطِيلِهِمْ بِالحُجَّةِ وهي اَلدَّلِيلُ هَهُنا مُجاراةً مَعَهم عَلى زَعْمِهِمُ اَلْباطِلِ.

وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ ﴿ لَهُ ﴾ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِهِ في حُكْمِ اَلْمَذْكُورِ والمُسْتَجِيبِ أهْلِ اَلْكُتُبِ واسْتِجابَتُهم لَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إقْرارُهم بِنُعُوتِهِ واسْتِفْتاحُهم بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ فَإذا كانُوا هُمُ اَلْمُحاجِّينَ كانَ اَلْكَلامُ في قُوَّةِ واَلَّذِينَ يُحاجُّونَ في دِينِ اَللَّهِ مِن بَعْدِ ما اِسْتَجابُوا لِرَسُولِهِ وأقَرُّوا بِنُعُوتِهِ حُجَّتُهم في تَكْذِيبِهِ باطِلَةٌ لِما فِيها مِن نَفْيِ ما أقَرُّوا بِهِ قَبْلُ وصَدَّقَهُ اَلْعِيانُ، وقِيلَ: اَلْمُسْتَجِيبُ هو اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وضَمِيرُ ﴿ لَهُ ﴾ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، واسْتِجابَتُهُ تَعالى لَهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإظْهارِ اَلْمُعْجِزاتِ اَلدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ اَلْجُبّائِيُّ حَيْثُ قالَ: أيْ مِن بَعْدِ ما اِسْتَجابَ اَللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ في كُفّارِ بَدْرٍ حَتّى قَتَلَهم بِأيْدِي اَلْمُؤْمِنِينَ ودُعاءَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ حَتّى قَحِطُوا ودُعاءَهُ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ حَتّى خَلَّصَهُمُ اَللَّهُ تَعالى مِن أيْدِي قُرَيْشٍ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ تَعْدادُهُ، وبَطَلانُ حُجَّتِهِمْ لِظُهُورِ خِلافِ ما تَقْتَضِيهِ بِزَعْمِهِمْ بِذَلِكَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ هَذِهِ اَلْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ بَعْدَ اَلْهِجْرَةِ وحَمْلُ ﴿ اسْتُجِيبَ ﴾ عَلى اَلْوَعْدِ خِلافُ اَلظّاهِرِ جِدًّا، وكَذا ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وقِيلَ: إنَّ حَمْلَ اَلِاسْتِجابَةِ عَلى اِسْتِجابَةِ أهْلِ اَلْكِتابِ يَقْتَضِي ذَلِكَ أيْضًا إذْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أحَدٌ مِنهُمْ، وقِيلَ: لا يَقْتَضِيهِ لِأنَّ خَبَرَ اِسْتِجابَتِهِمْ وإقْرارِهِمْ بِنُعُوتِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُبِمَكَّةَ بَلَغَ أهْلَ مَكَّةَ والمُجادِلُونَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِمْ فَلا مانِعَ مِن كَوْنِها مَكِّيَّةٌ ﴿ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ﴾ عَظِيمٌ لِمُكابَرَتِهِمُ اَلْحَقَّ بَعْدَ ظُهُورِهِ ﴿ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ يعني: يخاصمون في توحيد الله ودين الله مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ يعني: من بعد ما أجابوا إياه، أي: بعد ما أجاب المؤمنون بتوحيد الله لنبيه.

وقال مجاهد: طمع رجال بأن يعودوا إلى الجاهلية فنزل وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ إلى قوله: حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ وروى معمر عن قتادة قال: والذين يحاجون في الله، يعني: في دينه قال: هم اليهود، والنصارى.

قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم.

فنزل وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ أي: في دين الله مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ يعني: من بعد ما دخل الناس في الإسلام حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ يعني: خصومتهم باطلة.

ويقال: احتجاجهم زائل، ساقط.

يقال دحض أي: زال، ومعناه: ليس لهم حجة.

وسمى قولهم حجة على وجه المجاز، يعني: حجتهم كما قال: فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ يعني: الآلهة بزعمهم، ولم يكونوا آلِهَة في الحقيقة عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ يعني: كما يكابرون عقولهم وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بما كانوا يفعلون.

قوله عز وجل: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ أي: لبيان الحق، وأنزل الميزان وهو العدل ويقال: وأنزل الميزان في زمان نوح.

ويقال: هي الحدود والأحكام والأمر والنهي.

قوله: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ يعني: قيام الساعة قريب.

وهذا كقوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وقال تعالى: لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ولم يقل قريبة، لأن تأنيثها ليس بحقيقي، ولأنه انصرف إلى المعنى، يعني: للبعث.

قوله تعالى: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِها يعني: أن المشركين كانوا يقولون: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ويقولون: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها يعني: خائفين من قيام الساعة، لأنهم يعلمون أنهم مبعوثون، محاسبون وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ يعني: يعلمون أن الساعة كائنة.

أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ يعني: يشكون ويخاصمون فيها.

لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ أي: في خطأ طويل، بعيد عن الحق.

قوله عز وجل: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يعني: عالم بعباده.

ويقال: رحيم بعباده، ويقال اللطيف الذي يرزقهم في الدنيا، ولا يعاقبهم في الآخرة.

ويقال: اللطيف بعباده، بالبر، والفاجر لا يهلكهم جوعاً يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حساب.

ويقال يرزق من يشاء، مقدار ما يشاء، في الوقت الذي يشاء وَهُوَ الْقَوِيُّ على هلاكهم.

الْعَزِيزُ يعني: المنيع لا يغلبه أحد.

قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ يعني: ثواب الآخرة بعمله.

نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ يعني: ينال كليهما وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا يعني: ثواب الدنيا بعمله.

نُؤْتِهِ مِنْها يعني: نعطه منها.

وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ لأنه عمل لغير الله تعالى.

قال أبو الليث رحمه الله: حدّثنا الفقيه أبو جعفر، قال: حدثنا محمد بن عقيل قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال: حدّثنا الحجاج قال: حدّثنا شعبة، عن عمر بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، عن النبيّ  أنه قال: «مَنْ كانَتْ نِيَّتُهُ الآخِرَةَ جَمَعَ الله شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا، فَرَّقَ الله عَلَيْهِ أمْرَهُ، وَجَعلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَهُ» .

وقال القتبي: الحرث في اللغة العمل.

يعني: من كان يريد بحرثه، أي: بعمله الْآخِرَةِ نضاعف له الحسنات.

ومن أراد بعمله الدنيا أعطيناه ولا نصيب له في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ يعني: قُرَيْشاً.

ت: وفَرَضَ الفَخْرُ هذه القَضِيَّةَ في أهْلِ الكتاب، وذكر ما وقع من اليهود ومحاجَّتهم في دفع الحقِّ وجَحْدِ الرسالة، وعلى هذا فالضمير في: أَهْواءَهُمْ عائدٌ عليهم، واللَّه أعلم.

اهـ.

ثم أَمَرَهُ تعالى أَنْ يَقُولَ: آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ، وهو أَمْرٌ يَعُمُّ سائِرَ أمته.

وقوله: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ قالت فرقة: اللام في لِأَعْدِلَ بمعنى: أنْ أعدل بينكم، وقالت فرقة: المعنى وَأُمِرْتُ بما أُمِرْتُ به من التبليغ والشَّرْعِ لِكَيْ أعدلَ بينكم.

وقوله: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ إلى آخر الآية- ما فيه من مُوَادَعَةٍ منسوخٌ بآية السَّيْفِ.

وقوله: لاَ حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ أي: لا جدال، ولا مناظرةَ قد وَضَحَ الحق، وأنتم تعاندون، وفي قوله: اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا: وعيد بيّن.

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ ...

الآية، قال ابن عباس ومجاهد:

نزلت في طائفة من بني إسرائيل هَمَّتْ بردِّ الناس عن الإسلام وإضلالهم «١» ، وقيل:

نزلت في قريشٍ لأنَّها كانت أبدا تحاول هذا المعنى، ويُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ معناه: في دين اللَّه أو توحيدِ اللَّه، أي: يحاجُّون فيه بالإبطال والإلحاد وما أشبهه، والضمير في لَهُ يحتمل أنْ يعودَ على اللَّه تبارك وتعالى، ويحتمل أنْ يعودَ على الدِّينِ والشرع، ويحتمل أنْ يعودَ على النبي ع وداحِضَةٌ معناه: زاهقة، والدَّحْضُ الزَّهقُ، وباقي الآية بَيِّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلِذَلِكَ فادْعُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَإلى ذَلِكَ، تَقُولُ: دَعَوْتُ إلى فُلانٍ، ودَعَوْتُ لِفُلانٍ، و "ذَلِكَ" بِمَعْنى "هَذا"؛ ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّوْحِيدُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ، لِأنَّهم دَعَوْهُ إلى دِينِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: المَعْنى: أُمِرْتُ كَيْ أعْدِلَ.

وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: أُمِرْتُ بِالعَدْلِ.

وتَقَعُ "أُمِرْتُ" عَلى "أنْ"، وعَلى "كَيْ"، وعَلى "اللّامِ"؛ يُقالُ: أُمِرْتُ أنْ أعْدِلَ، وكَيْ أعْدِلَ، ولِأعْدِلَ.

ثُمَّ في ما أُمِرَ أنْ يَعْدِلَ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في الأحْكامِ إذا تَرافَعُوا إلَيْهِ.

والثّانِي: في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكُمْ ﴾ أيْ: هو إلَهُنا وإنِ اخْتَلَفْنا، فَهو يُجازِينا بِأعْمالِنا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ لَنا أعْمالُنا ﴾ أيْ: جَزاؤُها.

﴿ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: لا خُصُومَةَ بَيْنَنا وبَيْنَكم.

* فَصْلٌ وَفِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّها اقْتَضَتِ الِاقْتِصارَ عَلى الإنْذارِ، وذَلِكَ قَبْلَ القِتالِ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ السَّيْفِ فَنَسَخَتْها، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناها: إنَّ الكَلامَ -بَعْدَ ظُهُورِ الحُجَجِ والبَراهِينِ- قَدْ سَقَطَ بَيْنَنا، فَعَلى هَذا هي مُحْكَمَةٌ، حَكاهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ طائِفَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ.

قالَ قَتادَةُ: هُمُ اليَهُودُ، قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، فَنَحْنُ خَيْرٌ مِنكم.

وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ: هُمُ المُشْرِكُونَ، طَمِعُوا أنْ تَعُودَ الجاهِلِيَّةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إجابَةِ النّاسِ إلى الإسْلامِ ﴿ حُجَّتُهم داحِضَةٌ ﴾ أيْ: خُصُومَتُهم باطِلَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فَلِذَلِكَ" ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَنزِلَةِ "إلى"، كَما قالَ تَعالى: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها  ﴾ أيْ: إلَيْها، كَأنَّهُ قالَ: فَإلى ما وصّى بِهِ الأنْبِياءَ مِنَ التَوْحِيدِ فادْعُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي بِمَعْنى "مِن أجْلِ"، كَأنَّهُ قالَ: فَمِن أجْلِ أنَّ الأمْرَ كَذا ولِكَوْنِهِ كَذا، فادْعُ أنْتِ إلى رَبِّكَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ.

وخُوطِبَ  بِأمْرِ الِاسْتِقامَةِ، وهو عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ كانَ مُسْتَقِيمًا، بِمَعْنى: دُمْ عَلى اسْتِقامَتِكَ، وهَكَذا الشَأْنُ في كُلِّ مَأْمُورٍ بِشَيْءٍ هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ إنَّما مَعْناهُ الدَوامُ، وهَذِهِ الآيَةُ ونَحْوَها كانَتْ نَصْبُ عَيْنِ النَبِيِّ  ، وكانَتْ شَدِيدَةُ المَوْقِعِ مِن نَفْسِهِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ﴾ لِأنَّها جُمْلَةً تَحْتَها جَمِيعُ الطاعاتِ وتَكالِيفِ النُبُوَّةِ، وفي هَذا المَعْنى قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها"،» فَقِيلَ لَهُ: لِمَ ذَلِكَ؟

فَقالَ: لِأنَّ فِيها ﴿ فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ  ﴾ ، وهَذا الخِطابُ لَهُ  بِحَسَبِ قُوَّتِهِ في أمْرِ اللهِ تَعالى، وقالَ هو عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِأُمَّتِهِ بِحَسَبِ ضَعْفِهِمِ: « "اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ ﴾ يَعْنِي: قُرَيْشًا فِيما كانُوا يَهْوَوْنَهُ مِن أنْ يُعَظِّمَ مُحَمَّدٌ  آلِهَتَهم وغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُؤْمِنَ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، وهو أمْرٌ يَعُمُّ سائِرَ أُمَّتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ : قالَتْ فِرْقَةٌ: اللامُ" في ﴿ "لأعْدِلَ" ﴾ بَمَعْنى: أنْ، لَأنَّ التَقْدِيرَ: بِأنَّ أعْدِلَ بَيْنَكم.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: وأمَرْتُ بِما أُمِرْتُ بِهِ مِنَ التَبْلِيغِ والشَرْعِ لِكَيْ أعْدِلَ، فَحَذَفَ مِنَ الكَلامِ ما يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ مَنسُوخٌ ما فِيهِ مِن مُوادَعَةٍ بِآيَةِ السَيْفِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ ﴾ أيْ: لا جِدالَ ولا مُناظَرَةَ، قَدْ وضَحَ الحَقُّ وأنْتُمْ تُعانِدُونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا ﴾ وعِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللهِ ﴾ : قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، ومُجاهِدٌ: إنَّها نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هَمَّتْ بِرَدِّ الناسِ عَنِ الإسْلامِ وإضْلالِهِمْ ومُجادَلَتِهِمْ بِأنْ قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، فَدِينُنا أفْضَلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، لِأنَّها كانَتْ أبَدًا تُحاوِلُ هَذا المَعْنى، وتَطْمَعُ في رَدِّ الجاهِلِيَّةِ، وُ ﴿ يُحاجُّونَ في اللهِ ﴾ مَعْناهُ: في تَوْحِيدِ اللهِ، أيْ: بِالإبْطالِ والإلْحادِ وما أشْبَهَ، والضَمِيرُ فِي: ﴿ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُوَدَ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ: بَعْدَ ما دَخَلَ في دِينِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُوَدَ عَلى الدِينِ والشَرْعِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى مُحَمَّدٍ  ، و"داحِضَةٌ" مَعْناهُ: زاهِقَةٌ.

والدَحْضُ: الزَلَقُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ وقل آمنت بما أنزل الله ﴾ [الشورى: 15] الخ، وهو يقتضي انتقال الكلام، فلما استوفى حظ أهل الكتاب في شأن المحاجّة معهم، رجع إلى المشركين في هذا الشأن بقوله: ﴿ والذين يحاجون في الله ﴾ .

وتغيير الأسلوب بالإتيان بالاسم الظاهر الموصول وكوننِ صلته مادة الاحتجاج مؤذن بتغيير الغرض في المتحدث عنهم مع مناسبة ما ألحق به من قوله: ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ [الشورى: 18] وقوله: «أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدّين ما لم يأذن به الله» [الشورى: 21]، فالمقصود ب ﴿ الذين يحاجّون في الله من بعد ما استجيب له ﴾ : المشركون لأنهم يحاجّون في شأن الله وهو الوحدانية دون اليهود من أهل الكتاب فإنهم لا يحاجّون في تفرد الله بالإلهاية.

وعن مجاهد أنه قال: ﴿ الذين يحاجون في الله ﴾ رجال طمعوا أن تعود الجاهلية بعد ما دَخل الناس في الإسلام.

ووقع في كلام ابن عباس عند الطبري: أنّهم اليهود والنصارى.

فمعنى محاجتهم في الله محاجتهم في دين الله، أي إدخالهم على النّاس الشك في صحّة دين الإسلام أو في كونه أفضل من اليهودية والنصرانية.

ومحاجتهم هي ما يُلبسوه به على المسلمين لإدخال الشك عليهم في اتّباع الإسلام كقول المشركين ﴿ ما لهذا الرّسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملَك فيكون معه نذيراً ﴾ [الفرقان: 7] وقولهم في الأصنام ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18] وقولِهم في إنكار البعث ﴿ أإِذَا مِتْنا وكنا تراباً ذلك رَجعٌ بعيدٌ ﴾ [ق: 3] وقولهم: ﴿ إنْ نتبععِ الهُدى معَك نُتَخَطَّف من أرضنا ﴾ [القصص: 57]، وكقول أهل الكتاب: نحن الذين على دين إبراهيم، وقولهم: كتابنا أسبق من كتاب المسلمين.

وإطلاق اسم الحجة على شبُهاتهم مجاراة لهم بطريق التهكم، والقرينةُ قوله ﴿ داحضة عند ربهم ﴾ .

ومفعول ﴿ يحاجون ﴾ محذوف دلّ عليه قوله: ﴿ من بعد ما استجيب له ﴾ ، والتقدير: يحاجون المستجيبين لله من بعد ما استجابوا له، أي استجابوا لدعوته على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وحذف فاعل ﴿ استجيب ﴾ إيجازاً لأن المقصود من بعد حصول الاستجابة المعروفة.

والداحضة: التي دَحَضت بفتح الحاء، يقال: دَحَضت رِجلُه تدحض (بفتح الحاء) دُحوضاً، أي زلت.

استعير الدحض للبطلان بجامع عدم الثبوت كما لا تثبت القدَم في المكان الدَّحْضضِ، ولم يبيَّن وجه دحضها اكتفاء بما بُيِّن في تضاعيف ما نَزل من القرآن من الأدلة على فساد تعدد الآلهة، وعلى صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم وعلى إمكان البعث، وبما ظهر للعيان من تزايد المسلمين يوماً فيوماً، وأمنهم من أن يُعتدى عليهم.

والغَضب: غضب الله، وإنما نكّر للدلالة على شدته.

ولم يُحْتَجْ إلى إضافته إلى اسم الجلالة أو ضميره لظهور المقصود من قوله: ﴿ حجتهم داحضة عند ربهم ﴾ فالتقدير: وعليهم غضب منه.

وإنما قدم المسند على المسند إليه بقوله: ﴿ وعليهم غضب ﴾ للاهتمام بوقوع الغضب عليهم كما هو مقتضى حرف الاستعلاء المَجازي.

وكذلك القول في ﴿ ولهم عذاب شديد ﴾ .

ولعل المراد به عذاب السيف في الدّنيا بالقتل يوم بدر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في تَوْحِيدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

الثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم، ونَحْنُ خَيْرٌ مِنكم، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن بَعْدِ ما أجابَهُ اللَّهُ إلى إظْهارِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ.

الثّانِي: مِن بَعْدِ ما أجابَ اللَّهُ الرَّسُولَ مِنَ المَحاجَّةِ.

الثّالِثُ: مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ المُسْلِمُونَ لِرَبِّهِمْ وآمَنُوا بِكِتابِهِ ورَسُولِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ حُجَّتُهم داحِضَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: باطِلَةٌ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: خاسِرَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالمُعْجِزِ الدّالِّ عَلى صِحَّتِهِ.

الثّانِي: بِالصِّدْقِ فِيما أخْبَرَ بِهِ مِن ماضٍ ومُسْتَقْبَلٍ.

﴿ والمِيزانَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الجَزاءُ عَلى الطّاعَةِ بِالثَّوابِ وعَلى المَعْصِيَةِ بِالعِقابِ.

الثّانِي: أنَّهُ العَدْلُ فِيما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المِيزانُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، أنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ وعَلَّمَ عِبادَهُ الوَزْنَ بِهِ لِئَلّا يَكُونَ بَيْنَهم تَظالُمٌ وتَباخُسٌ، قالَ قَتادَةُ: المِيزانُ العَدْلُ.

﴿ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ ﴾ فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِها، ولَمْ يُؤَنِّثْ (قَرِيبٌ) لِأنَّ السّاعَةَ تَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ لِأنَّها كالوَقْتِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة، ﴿ وأمرت لأعدل بينكم ﴾ قال: أمر نبي الله- صلى الله عليه وسلم- ان يَعْدلَ فعدل، حتى مات.

والعدل، ميزان الله في الأرض، به يأخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل، يصدق الله الصادق ويكذب الكاذب، وبالعدل، يرد المعتدي ويوبخه.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا حجة بيننا وبينكم ﴾ قال: لا خصومة بيننا وبينكم.

قوله تعالى: ﴿ والذين يحاجون في الله ﴾ .

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ والذين يُحَاجُّون في الله من بعد ما استجيب له ﴾ قال: هم أهل الكتاب، كانوا يجادلون المسلمين ويصدونهم عن الهدى من بعد ما استجابوا لله.

وقال: هم قوم من أهل الضلالة، وكان استجيب على ضلالتهم، وهم يتربصون بأن تأتيهم الجاهلية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له ﴾ قال: طمع رجال بأن تعود الجاهلية.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين يحاجون في الله ﴾ الآية قال: هم اليهود والنصارى، حاجوا المسلمين في ربهم، فقالوا: أنزل كتابنا قبل كتابتكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن أولى بالله منكم، فأنزل الله: ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ﴾ [ آل عمران: 6] وأما قوله: ﴿ من بعد ما استجيب له ﴾ قال: من بعد ما استجاب المسلمون لله وصلوا لله.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له ﴾ الآية قال: قال أهل الكتاب لأصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم- نحن أولى بالله منكم، فأنزل الله: ﴿ والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم ﴾ يعني أهل الكتاب.

وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ [ النصر: 1] قال المشركون بمكة: لمن بين أظهرهم من المؤمنين، قد دخل الناس في دين الله أفواجاً، فاخرجوا من بين أظهرنا، فعلام تقيمون بين أظهرنا؟

فنزلت ﴿ والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له ﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين يُحَآجُّونَ فِي الله ﴾ أي يجادلون المؤمنين في دين الإسلام، ويعني كفار قريش، وقيل: اليهود ﴿ مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ ﴾ الضمير يعود على الله أي من بعد ما استجاب الناس له ودخلوا في دينه، وقيل: يعود على الدين وقيل: على محمد صلى الله عليه وسلم والأول أظهر وأحسن ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ أي زاهقة باطلة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يوحي ﴾ على البناء للمفعول: ابن كثير وعباس ﴿ يكاد ﴾ بالياء التحتانية: نافع وعلي ﴿ تنفطرن ﴾ بالنون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.

﴿ يبشر الله ﴾ مخففاً من البشارة: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي.

الوقوف: ﴿ حم عسق ﴾ كوفي ﴿ من قبلك ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يوحى ﴾ مجهولاً كأنه قيل: من الموحي فقال الله أي هو الله ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لمن في الأرض ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ز والوصل أوجه لأن نفي ما بعده تقرير لإثبات ما قبله ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للفصل بين الاستخبار والأخبار مع دخول الفاء ﴿ الموتى ﴾ ط فصلاً بين المقدور المخصوص وبين القدرة على العموم مع اتفاق الجملتين ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أزواجاً ﴾ الثاني ط لأن ضمير ﴿ فيه ﴾ يحتمل أن يعود إلى الازدواج الذي في مدلول الأزواج أو إلى التدبير وإن لم يسبق ذكره ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال والعامل معنى الفعل في له أو في الملك.

﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط كذلك ما بعده ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فادع ﴾ ج ﴿ كما أمرت ﴾ ج ﴿ أهواءهم ﴾ ج ﴿ كتاب ﴾ ج كل ذلك للترتيل في القراءة وإن اتفقت الجملتان ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بيننا ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ والميزان ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ منها ﴾ ج للعطف أو الحال ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال عطف وهو على جملة قوله ﴿ الله لطيف ﴾ وهما متفقتان ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ في حرثه ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ نصيب ﴾ ه ﴿ به الله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الجنات ﴾ ط لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ في القربى ﴾ ط ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه.

التفسير: الكلام في ﴿ حم ﴾ كما سبق وأما ﴿ عسق ﴾ فقد قيل: إنه مع ﴿ حم ﴾ اسم للسورة.

وقيل: رموز إلى فتن كان عليّ يعرفها.

وقيل: الحاء حكم الله، والميم ملكه، والعين علمه، والسين سناؤه، والقاف قدرته.

وقيل: الحاء حرب علي ومعاوية، والميم ولاية المروانية، والعين ولاية العباسية، والسين ولاية السفيانية، والقاف قدرة المهدي.

وهذه الأقاويل مما لا معول عليها.

وقال أهل التصوف: حاء حبه، وميم محبوبية محمد، وعين عشقه، وقاف قربه إلى سيده.

أقسم أنه يوحي إليه وإلى سائر الأنبياء من قبله أنه محبوبه في الأزل وبتبعيته خلق الكائنات.

والأولى تفويض علمها إلى الله كسائر الفواتح.

وإنما فصل ﴿ حم ﴾ من ﴿ عسق ﴾ حتى عدا آيتين خلاف ﴿ كهيعص  ﴾ لتقدم ﴿ حم ﴾ قبله واستقلالها بنفسها، ولأن جميعها ذكر الكتاب بعدها صريحاً إلا هذه فإنها دلت عليه دلالة التضمن بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب.

روي عن ابن عباس أنه لا نبي صاحب كتاب إلا أوحى الله إليه ﴿ حم عسق ﴾ والله أعلم بصحة هذه الرواية.

والأظهر أن يقال: مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى الأنبياء قبلك.

والمراد المماثلة في أصول الدين كالتوحيد والعدل والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في الآخرة كقوله ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى  ﴾ وفي ورود لفظ ﴿ يوحى ﴾ مستقبلاً لا ماضياً إشارة إلى أن إيحاء مثله عادته.

ثم بين سعة ملكه وأخبر عن غاية جلاله بقوله ﴿ له ما في السموات ﴾ الخ.

ثم أخبر عن فظاعة ما ارتكبه أهل الشرك فقال ﴿ تكاد السموات يتفطرن ﴾ وقد سبق في آخر سورة مريم.

ومعنى ﴿ من فوقهن ﴾ أن الانفطار يبتدىء من أعلى السموات أو ما فوقها من العرش والكرسي إلى أن ينتهي إلى السفلي، وفي الابتداء من جهة الفوق زيادة تفظيع وتهويل.

قال جار الله: كأنه قيل يتفطرن من الجهة التي فوقهن دع الجهة التي تحتهن.

وقيل: معناه من الجهة التي حصلت هذه السموات فيها وفيه ضعف لأنه كقول القائل: السماء فوقنا.

وقيل: الضمير للأرض وقد تقدم ذكرها أي من فوق الأرضين وروى عكرمة عن ابن عباس: يتفطرن من ثقل الرحمن.

فإن صحت الرواية كان في الظاهر دليل المجسمة.

ولأهل السنة أن يتأولوا الثقل بالهيبة والجلال أو يقدروا مضافاً محذوفاً أي من ثقل ملائكة الرحمن كقوله  "أطت السماء أطأ وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد." ثم انتقل من وصف الجسمانيات إلى ذكر الروحانيات، وأنهم بالوجه الذي لهم إلى عالم الأرواح يسبحون بالوجه الذي لهم إلى عالم الأجسام يستغفرون فقال ﴿ والملائكة ﴾ قيل: هو عام.

وقيل: حملة العرش كما مر في أول سورة المؤمن إلا أنه عمم ههنا فقال ﴿ لمن في الأرض ﴾ أي يطلبون أن لا يعاجل الله أهل الأرض بالعذاب طمعاً في توبة الكفار والفساق منهم.

وقيل: هو مخصوص بما مر أي يستغفرون للمؤمنين منهم.

ثم سلى نبيه  بأن المشركين إنما يحاسبهم الله وما عليك إلا البلاغ.

قوله ﴿ وكذلك أوحينا ﴾ قال ابن بحر: هو الكلام الأول أعيد لما اعترض بين الكلامين ما اعترض.

وقال جار الله: الكاف مفعول به لأوحينا، ﴿ وذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله من أن الله هو عليهم الرقيب وما أنت عليهم برقيب.

وقد كرر الله هذا المعنى في كتابه في مواضع.

﴿ وقرآناً عربياً ﴾ حال.

والمعنى مثل ذلك المذكور أوحينا إليك وهو قرآن عربي بين لا لبس فيه ليفهم معناه ولا يتجاوز حد الإنذار.

ويجوز أن يكون ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الإيحاء أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك وأوحينا إليك، فيجوز أن تكون المماثلة بالحروف المفردة وأن تكون بأصول الدين كما مر.

قال أهل اللغة: يقال أنذرته كذا وبكذا.

فمن الاستعمال الثاني قوله ﴿ لتنذر أم القرى ﴾ أي أهل مكة على حذف المضاف، والمفعول الثاني وهو القرآن محذوف.

ومن الاستعمال الأول قوله ﴿ وتنذر يوم الجمع ﴾ والمفعول الأول محذوف وتنذر الناس يوماً تجمع فيه الخلائق أو يجمع فيه بين الأرواح والأجساد أو بين كل عامل وعمله.

قلت: ومن الجائز أن يكون الكل من الاستعمال الأول ولا حذف إلا ان قوله ﴿ وتنذر ﴾ يكون مكرراً للمبالغة والتقدير الأصلي: لتنذر أم القرى يوم الجمع.

وقد مر في القصص في قوله ﴿ حتى يبعث في أمها  ﴾ أن مكة لم سميت أم القرى.

وقوله ﴿ ومن حولها ﴾ يحتمل عموم أطراف الأرض لأن مكة في وسطها، ويحتمل أن يكون المراد به سائر جزيرة العرب ويدخل باقي الأمم بالتبعية أو بنص آخر كقوله ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس  ﴾ وقوله ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض لا محل له أو صفة للجمع بناء على أن التعريف الجنسي قريب من النكرة.

وقوله ﴿ فريق ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي منهم فريق كذا ومنهم فريق كذا، أي هذا مآل حالهم بعد الحشر والاجتماع.

ثم بين بقوله ﴿ ولو شاء الله ﴾ الخ.

أن السعادة والشقاوة والهداية والضلالة متعلق بمشيئته وإرادته.

وهذا على مذهب أهل السنة ظاهر، وتأوله المعتزلة بمشيئة القسر والإلجاء، وقد مر نظائره مراراً.

والظاهر أن المراد بكونهم أمة واحدة أن يكونوا مسلمين كلهم.

وقيل: أن يكونوا أهل ضلالة قياساً على قوله ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة  ﴾ ثم أنكر على أهل الشرك بأم المنقطعة قائلاً ﴿ أم اتخذوا من دونه أولياء ﴾ إن أرادوا أولياء بحق ﴿ فالله هو الولي ﴾ الذي يجب أن يعتقد أنه المولى والسيد لا ولي سواه ومن شأنه أنه ﴿ يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾ وهو الحقيق بأن يتخذ ولياً.

وحين منع الرسول  من التحزن على من كفر أراد أن يمنع المؤمنين من الاختلاف والتنازع فقال ﴿ وما اختلفتم ﴾ والتقدير: قل يا محمد كذا بدليل قوله ﴿ ذلكم الله ربي ﴾ الآية.

والمراد أن الذي اختلفتم أنتم والكفرة فيه من أمور الدين فحكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله وهو إثابة المحقين ومعاقبة المبطلين.

وقيل: وما اختلفتم فيه فتحاكموا إلى رسول الله  كقوله ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول  ﴾ وقيل: وما اختلفتم فيه من الآيات المتشابهات فارجعوا في بيانه إلى المحكمات أو إلى الظاهر من السنة.

وقيل: ما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بالتكاليف فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح وغيره.

قال في الكشاف: ولا يندرج فيه اختلاف المجتهدين لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول  .

قلت: إن لم يجز بحضرته فإنه جائز بعده.

وقوله ﴿ وما اختلفتم ﴾ شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة مثل ﴿ يا أيها الناس ﴾ ومثل ﴿ أقيموا الصلاة ﴾ والأظهر أن اختلافهم يدخل فيه، وأن المراد بحكمه تعريفه من بيان الله سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس أو بالاجتهاد.

فإن قيل: المقصود من التحاكم قطع الاختلاف ولا قطع مع القياس ولا مع الاجتهاد.

قلنا: إذا كان القياس مأموراً به وكذا الاجتهاد بل يكون كل مجتهد مصيباً، كانت المخالفة في حكم الموافقة ولهذا قال "اختلاف أمتي رحمة" ثم وصف نفسه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال تأكيداً لصحة أحكامه فقال ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ وهو أحد أخبار ذلكم أو خبر مبتدأ محذوف.

ومعنى ﴿ ومن الأنعام أزواجاً ﴾ أنه خلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ يكثركم في هذا التدبير وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجاً حتى حصل بين الذكور والإناث التوالد والتناسل.

والضمير في ﴿ يذرؤكم ﴾ راجع إلى المخاطبين وإلى الأنعام وهو من الأحكام ذوات العلتين، وذلك أن فيه تغليبين تغليب المخاطبين على الغائبين وهم من سيوجد إلى يوم القيامة، وتغليب العقلاء على غيرهم.

وعلة الأول الخطاب، وعلة الثاني العقل.

وإنما قال ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ ولم يقل به لأنه جعل التدبير منبعاً ومعدناً للتكثير كقوله ﴿ ولكم في القصاص حياة  ﴾ ولأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض ومعنى ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ نفي المثلية عنه بطريق الالتزام وذلك أنه لو كان له مثل والله  شيء لكان مثل مثله شيء وهو خلاف نص المخبر الصادق وهذا المحال إنما لزم من فرض وجود المثل له فوجود المثل محال وهو المطلوب، ولعل هذا التقرير مختص بنا.

قال في الكشاف: إنه من باب الكناية كقولهم: مثلك لا يبخل.

يعنون أنت لا تبخل.

وكذا ههنا يريد ليس كالله شيء.

وجوز أن يكون تكرير حرف التشبيه للتأكيد.

وقد يستدل بالآية على نفي الجسمية ولوازمها عنه  لأن الأجسام متماثلة في حقيقة الجسمانية.

قوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ أي له مفاتيح خزائنها وقد مر في الزمر والباقي واضح وقد سبق أيضاً.

وحين عظم وحيه إلى محمد  بقوله ﴿ كذلك يوحى إليك ﴾ إلى آخره ذكر تفصيل ذلك فقال ﴿ شرع لكم ﴾ أي أوجب وبين لأجلكم ﴿ من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ وهو أقدم الأديان بعد الطوفان ﴿ والذي أوحينا إليك ﴾ وهو ختمها ﴿ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ وهي الملل المعتبرة المتوسطة.

ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأكابر من رسله فيه بقوله ﴿ أن أقيموا الدين ﴾ الحنيفي ومحله نصب بدلاً من مفعول ﴿ شرع ﴾ أو رفع على الاستئناف كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟

فقيل: هو إقامة الدين.

يعني إقامة أصوله من التوحيد والنبوة والمعاد ونحو ذلك دون الفروع التي تختلف بحسب الأوقات لقوله { ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً  ﴾ وفي بناء الكلام على الغيبة ثم الالتفات إلى التكلم في ﴿ أوحينا ﴾ والخطاب في ﴿ إليك ﴾ تفخيم شأن الرسول  .

ثم حكى حسد أهل الشرك بقوله ﴿ كبر على المشركين ﴾ أي شق وعظم عليهم ما تدعوهم إليه من الدين المبرأ من عبادة غير الله.

ثم أجاب عن شبهتهم بأن الاجتباء والاصطفاء يتعلق بمشيئة الله لا بتمني كل واحد ولا بكثرة المال والجاه.

يقال: اجتباه إليه أي اصطفاه لنفسه، والتركيب يدل على الجمع والضم، ويحتمل أن يراد يجتبي إلى الدين.

ثم أخبر عن وقت تفرق كلمة أهل الكتاب وعن سبب ذلك فقال ﴿ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ ببعث محمد  وصحة نبوته كقوله في آل عمران ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم  ﴾ وقيل: وما تفرق الأمم الذين تقدم ذكرهم إلا بعد العلم بصحة ما أمروا به.

قال أهل البرهان: لما ذكر مبدأ كفرهم وهو قوله ﴿ إلا من بعدما جاءهم العلم ﴾ حسن ذكر نهاية إمهالهم وهو قوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ ليكون محدوداً من الطرفين.

وإنما ترك ذكر النهاية في السورة المتقدمة لعدم ذكر البداية ﴿ وإن الذين أورثوا الكتاب ﴾ هم العرب ورثوا القرآن من بعدما أورث أهل الكتابين كتابهم أو هم أهل الكتاب المعاصرون لرسول الله  وقيل: جاءهم أسباب العلم فلم ينظروا فيها لأنه حكم عليهم في آخر الآية بأنهم في شك من كتابهم وهو مع العلم غير مجتمعين ﴿ فلذلك ﴾ أي فلأجل تشعب الملل وتفرق الكلم ﴿ فادع ﴾ إلى الملة الحنيفية.

وقيل: اللام بمعنى "إلى" والإشارة إلى القرآن ﴿ وأستقم ﴾ عليها كما أمرت ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ المختلفة ﴿ وقل آمنت بما أنزل الله من ﴾ أي ﴿ كتاب ﴾ كان ﴿ وأمرت لأعدل بينكم ﴾ أي في التبليغ أو إذا تحاكمتم إليّ حتى لا أفرق بين نفسي ونفس غيري.

ثم أشار إلى ما هو أصل في الدين فقال ﴿ الله ربنا وربكم لنا ﴾ جزاء ﴿ أعمالنا ولكم ﴾ جزاء ﴿ أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ﴾ وليس المراد منه تحريم المحاجة فإنه لولا الأدلة لما توجه التكليف بل المراد أنهم بعد أن وقفوا على الحجج الباهرة والدلائل الظاهرة على حقية دين الإسلام لم يبق معهم حجة لسانية وإنما بقي السيف.

وقيل: إنه منسوخ بآية القتال وقوله ﴿ الله يجمع بيننا ﴾ إشارة إلى المهاجرة التي اقتضاها إصرارهم على الباطل وتفويض للأمر إلى المجازي المنتقم.

ثم أخبر عن وعيد المخاصمين في أمر دين الله ﴿ من بعدما استجيب له ﴾ أي من بعدما استجاب له الناس وقبلوا دينه، أو بعدما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر ﴿ حجتهم داحضة ﴾ أي باطلة زائلة ﴿ عند ربهم ﴾ وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فأنتم أولى باتباعنا.

وأيضاً أنتم تقولون الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، ونبوة موسى وحقية التوراة متفق عليها ونبوة محمد  مختلف فيها.

والجواب أن نبوّة موسى إنما صحت بالمعجزة فإن كانت المعجزة في حقه مصححة للنبوة ففي حق محمد  كذلك وإلا فأنتم القادحون في نبوة نبيكم أيضاً.

ثم حث على سلوك طريقة العدل حذراً من عقاب يوم القيامة فقال ﴿ الله الذي أنزل الكتاب ﴾ أي جنسه متلبساً بالغرض الصحيح ﴿ والميزان ﴾ أي أنزل العدل والسوية في كتبه أو ألهم اتخاذ الميزان.

وقيل: هو العقل.

وقيل: الميزان نفسه وذلك في زمن نوح.

وقيل: هو محمد  يقضي بينهم بالكتاب ﴿ وما يدريك ﴾ يا محمد أو أيها المكلف ﴿ لعل الساعة ﴾ أي مجيئها ﴿ قريب ﴾ أو ذكر بتأويل البعث أو الحشر ونحوه، أو أراد شيء قريب.

ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في أداء ما عليه من التكاليف.

ولا يتأنى في سلوك سبيل الإنصاف مع الخالق والخلق فإنه لا يعلم أن القيامة متى تفاجئه.

ثم قبح طريقة منكري الساعة فقال ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ يقولون على سبيل السخرية: متى تقوم الساعة؟

وليتها قامت حتى تظهر لنا جلية الحال.

ثم مدح المقربين بأنهم يخافون القيامة هيبة من الله وإجلالاً له أو حذراً من تقصير وخلل وقع في العمل إلا أن خوفهم يجب أن يكون ممتزجاً بالرجاء، وقد مر تحقيقه مراراً.

ثم هدد الشاكين المجادلين في أمر البعث بقوله ﴿ ألا إن الذين يمارون ﴾ وأصله من المرية الشك ﴿ لفي ضلال بعيد ﴾ عن الصواب لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب على فضله أو في حكمه، ولأن في إنكاره نسبة الله  إلى ضد العلم والقدرة.

ثم إنه لا ريب في أن إنزال الكتاب والميزان لطف من الله على خلقه فلذلك قال ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ عمم البر ثم خصص بقوله ﴿ يرزق من يشاء ﴾ يعني الزائد على مقدار الضرورة، فلكم من إنسان فاق أقرانه في المال أو الجاه أو الأولاد أو في العلم أو في سائر أسباب المزية إلا أن أحداً منهم لا يخلو من بره الذي يتعيش به كقوله ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ﴾ وقيل: معنى لطيف يرزقهم من حيث لا يعلمون، أو يلطف بهم فلا يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا.

وقد مر معناه في الأنعام بوجه آخر في قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير  ﴾ وأما قوله ﴿ القوي العزيز ﴾ ففيه إشارة إلى أن لطفه مقرون بقهره.

وحين ذكر أنه يرزق من يشاء الزائد على مقدار كفايته وكان فيه كسر قلوب أرباب الضنك والضيق جبر كسرهم بقوله ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ﴾ سماه حرثاً تشبيهاً للعامل الطالب لثواب الآخرة أضعافاً مضاعفة بالزارع الذي يلقي البذر في الأرض طلباً للزيادة والنماء، ومن فضائل حرث الآخرة أن طالبها قد يحصل له الدنيا بالتبعية ويرى ثواب عمله أضعافاً مضاعفة، وطالب الدنيا لا تحصل له المطالب بأسرها ولهذا قال ﴿ نؤته منها ﴾ أي بعض ذلك ﴿ وما له في الآخرة من نصيب ﴾ قط وفي زيادة لفظ الحرث فائدة أخرى وهي أن يعلم أن شيئاً من القسمين لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق.

عن النبي  "من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه همه وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة" هذا لفظه أو لفظ هذا معناه.

وعن قتادة إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا.

وفي ظاهر اللفظ دلالة على أن من صلى لطلب الثواب أو لدفع العقاب فإنه تصح صلاته لأنه صلى لأجل ما يتعلق بالآخرة.

قال بعض أصحاب الشافعي: إذا توضأ بغير نية لم يصح لأن هذا الإنسان غفل عن الآخرة وعن ذكر الله، والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة فلا يحصل بالوضوء العاري عن النية، وحيث بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الدارين نبه على أحوال الضلال بقوله ﴿ أم لهم شركاء ﴾ وهي المنقطعة عند بعضهم.

وقال آخرون: هي المعادلة لألف الاستفهام تقديره أفيقبلون ما شرع الله لهم من الدين أم لهم آلهة.

﴿ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ﴾ أي لم يأمرهم به أو لم يعلمه كقوله ﴿ أتنبؤن الله بما لا يعلم  ﴾ والأذن بالفتح العلم بالمسموعات وتحقيقه شرعوا ما ليس بشريعة إذ لو كان شريعة لعلمها الله ﴿ ولولا كلمة الفصل ﴾ أي القضاء السابق بتأخير الجزاء ﴿ لقضي بينهم ﴾ والضمير للمؤمنين والكافرين أو المشركين والشركاء ﴿ ترى الظالمين ﴾ في القيامة ﴿ مشفقين ﴾ خائفين ﴿ مما كسبوا ﴾ من الجرائم ﴿ وهو ﴾ أي وبال ذلك ﴿ واقع بهم ﴾ واصل إليهم لا محالة ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ﴾ أي منتزهاتها.

قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن غيرها من الأماكن في الجنة لغير المذكورين وغيرهم ليس إلا بالذي آمن ولم يعمل صالحاً وهو الفاسق.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون إضافة الروضات إلى الجنات من إضافة العام إلى الخاص فيكون الجنات كلها روضات.

ولكن الروضات قد لا تكون في الجنة لثبوتها في الدنيا.

والفضل الكبير قد تقدم في "فاطر".

﴿ ذلك ﴾ المذكور أو الثواب أو التبشير هو ﴿ الذي يبشر الله ﴾ به ﴿ عباده ﴾ ثم حذف الجار، ثم الراجع إلى الموصول، ثم أمر رسوله بأن يقول ﴿ لا أسألكم عليه ﴾ على هذا التبليغ ﴿ أجراً إلا المودة ﴾ الكائنة ﴿ في القربى ﴾ جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها ولهذا لم يقل "مودة القربى" أو "المودة للقربى" وهي مصدر بمعنى القرابة أي في أهل القربى وفي حقهم.

فإن قيل: استثناء المودة من الأجر دليل على أنه طلب الأجر على تبليغ الوحي وذلك غير جائز كما جاء في قصص سائر الأنبياء ولا سيما في "الشعراء".

وقد جاء في حق نبينا  أيضاً ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم  ﴾ ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين  ﴾ والمعقول منه أن التبليغ واجب عليه وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بالمروءة.

وأيضاً أنه يوجب التهمة ونقصان الحشمة.

قلنا: إن من جعل الآية منسوخة باللتين لا استثناء فيهما فلا إشكال عليه، وأما الآخرون فمنهم من قال: الاستثناء متصل ولكنه من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب والمعنى لا أطلب منكم أجراً، إلا هذا وهو في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب ولا سيما في حق الأقارب كما قال عز من قائل ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل  ﴾ ومنهم من قال: الاستثناء منقطع أي لا أسألكم عليه أجراً ألبتة، ولكن أذكركم المودة في القربى، وفي تفسير ﴿ المودة في القربى ﴾ أربعة أقوال: الأول قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فأجاب بأن رسول الله  كان واسطة النسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد كان بينهم وبينه قرابة فقال الله: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا أن تودوني لقرابتي منكم يعني أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذونني ولا تهيجوا عليّ.

القول الثاني: روى الكعبي عن ابن عباس أن النبي  كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا.

ثم أتوه فرده عليهم ونزلت الآية بحثهم على مودة أقاربهم وصلة أرحامهم.

القول الثالث: عن الحسن: إلا أن توددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح.

الرابع: عن سعيد بن جبير: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم لقرابتك؟

فقال: علي وفاطمة وابناهما.

ولا ريب أن هذا فخر عظيم وشرف تام، ويؤيده ما روي أن علياً  شكا إلى رسول الله  حسد الناس فيه فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف أزواجنا وعنه  "حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة" " وكان يقول "فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" وثبت بالنقل المتواتر أنه كان يحب علياً والحسن والحسين، وإذا كان ذلك وجب علينا محبتهم لقوله ﴿ فاتبعوه  ﴾ وكفى شرفاً لآل رسول الله  وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كل صلاة.

قال بعض المذكرين: إن النبي  قال "مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق" وعنه  "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فنحن نركب سفينة حب آل محمد  ونضع أبصارنا على الكواكب النيرة أعني آثار الصحابة لنتخلص من بحر التكليف وظلمة الجهالة ومن أمواج الشبه والضلالة.

ثم أكد إيصال الثواب على المودة بقوله ﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ أي يكتسب طاعة، قال بعض أهل اللغة: الاقتراف مستعمل في الشر فاستعاره ههنا للخير.

عن السدي أنها المودة في آل رسول الله  نزلت في أبي بكر الصديق ومودته فيهم، والظاهر العموم في كل حسنة ولا شك أن هذه مرادة قصداً أولياً لذكرها عقيبها.

ومعنى زيادة حسنها تضعيف ثوابها ﴿ إن الله غفور ﴾ لمن أذنب ﴿ شكور ﴾ لمن أطاع الله والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً ﴾ الدين يذكر، ويراد به الجزاء، وهو قوله: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ  ﴾ أي: يوم الجزاء، أو يذكر ويراد به الحكم؛ كقوله -  - خبراً عن يوسف -  -: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ  ﴾ أي: في حكم الملك، ويذكر ويراد به المذهب والمعتقد؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ  ﴾ ، فكأن المعنى في قوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً ﴾ : هو المذهب وما يعتقد، وقد ذكر الدين معرفاً بالألف واللام وأنه للجنس، فيكون كأنه قال: شرع لكم من الأديان جملة الدين الذي وصى به نوحاً ومن ذكر من الأنبياء، وهو التوحيد لله -  - والعبادة له، والأنبياء والرسل جميعاً إنما بعثوا للدعاء إلى توحيد الله، وجعل العبادة له، وإن اختلفت شرائعهم وأحكامهم، وذلك قوله: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً  ﴾ .

ومن الناس من يقول: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ ﴾ أي: شرع لكم الدين، ويجعل ﴿ مِّنَ ﴾ صلة زائدة فيه؛ أي: شرع لكم الدين الذي وصى به نوحاً ومن ذكر، والوجه فيه ما ذكرنا.

فإن قيل: [ما] معنى تخصيص نوح ومن ذكر من الأنبياء هنا، والكل بعثوا للدعاء إلى هذا الدين، وقد وصى الكل بهذا الدين.

فنقول: قال بعضهم: إنما خص نوحاً ومن ذكر بهذا؛ لأن التحليل والتحريم لم يكن قبل زمن نوح  ، وإنما جاء ذلك في زمن نوح؛ لذلك خصّ نوحاً بما ذكر.

ويحتمل أن يكون ذكر هؤلاء لا على تخصيصهم بذلك من بين غيرهم من الأنبياء، ولكن ذكر بعضاً هاهنا، وترك ذكر البعض، ليس أنه شرع له ما وصى به نوحاً ومن ذكر من الأنبياء ولم يشرع له ما وصى به غيرهم؛ بل شرع له ما وصى به هؤلاء وغيرهم من الدين؛ كقوله -  -: ﴿ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ  ﴾ ذكر بعض هؤلاء وغيرهم، ثم أمره أن يقتدي بما هم عليه؛ دل أن ذكر البعض في موضع ليس للتخصيص، لما ذكر البعض في موضع آخر، والكل في موضع آخر، والله أعلم.

ويحتمل تخصيص هؤلاء بالذكر لمعنى لم يطلعنا الله على ذلك المعنى، كما خص إبراهيم بالصلاة عليه على ما أمرنا به النبي  لقوله: "كما صليت على إبراهيم" لمعنى لم يطلعنا على ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ ، أي: في عبادة الله -  - أي: اعبدوه جميعاً.

والثاني: ﴿ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ أي: في الدين الذي ذكر، وهو التوحيد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ﴾ أي: عظم عليهم دعاؤكم إلى التوحيد وعبادة الله وحده.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ هذا ينقض على المعتزلة: إنه -  - أخبر أنه يجتبي إليه من يشاء، ولو كان على ما يقوله المعتزلة أنه قد أعطى الكافر جميع ما أعطى المؤمن، فالمؤمن حيث صار مجتبى مصطفى مختاراً إنما كان منه بفعله لا من الله -  - وقد أخبر أنه هو يجتبي من يشاء، وهو يهديه؛ فبطل قولهم.

وقوله: ﴿ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ أي: هو يهدي من يطلب منه ما به يكون الهدى، وهو التوفيق؛ أي: ما لم يطلب منه ذلك ولم يسأل فإنه لا يهدي به ولا يوفقه.

وقال بعضهم: ﴿ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ تفسير قوله -  -: ﴿ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: يجتبي للهداية من ينيب إليه، فأمّا من لم ينب إليه فلا يجتبيه للهداية، لكن المراد من الهداية - هاهنا - ليس هدى البيان؛ لأن هدى البيان قد كان عامّاً لمن أناب إليه ومن لم ينب، ولكن الهدى - هاهنا - هدى الرحمة، أو هدى النعمة، والنعمة سمّى التوحيد والإيمان مرة: رحمة؛ كقوله -  -: ﴿ وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ  ﴾ ، وسمّاه: نعمة؛ كقوله: ﴿ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، وسمّاه: منة؛ كقوله -  - ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ  ﴾ ، وسماه: نوراً؛ كقوله  : ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ ؛ فلذلك قلنا: إن الهدى المذكور - هاهنا - ليس هو هدى البيان، ولكن سواه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: أنهم تفرقوا في رسول الله محمد - عليه أفضل الصلاة - بعدما جاءهم العلم في كتبهم أنه رسول؛ لما كانوا يجحدون نعته وصفته في كتبهم، لكنّهم اختلفوا وتفرقوا؛ فآمن بعضهم به على ما وجدوه في كتبهم، وكفر بعضهم، وحرفوا ما في كتبهم من نعته وصفته، والله أعلم.

والثاني: أي: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ ﴾ فيما جاء به محمد  من الدين ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ ؛ إذ الذي جاء به محمد  هو الذي وصى به نوحاً ومن ذكر من الأنبياء عليهم السلام.

ويحتمل أي: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ ﴾ في الإيمان بالرسل والكفر بهم ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ أنهم على الحق، وأنهم رسل الله مبعوثون إليهم، فتفرقوا، فآمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض بغياً بينهم.

ويحتمل: أي: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ : أن الفرقة ضلالة وهلاك، وعن علم بالفرقة أنها ضلال وهلاك تفرقوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ يحتمل: حسداً بينهم؛ لما قيل: إنهم كانوا مؤمنين به قبل أن يبعث؛ لما وجدوا نعته وصفته في كتبهم ظنّاً منهم أنه يبعث منهم، فلما بعث من غيرهم حسدوه وكفروا به والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ أي: عدواناً وظلماً يكون فيما بينهم ذلك التفرق.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ ﴾ أي: لولا كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب عنهم إلى وقت وإلا كانت الكلمة منه في تعجيل العذاب بهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أي: إنّ الذين أعطوا الكتاب من بعد الرسل الذين ذكر ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ ، أخبر أنهم كانوا في شك مما جاء به الرسل، لكنهم لم يعذروا في شكهم؛ لما تركوا النظر والتفكر في ذلك، ولو نظروا في ذلك وتفكروا فيه، لوقع ذلك لهم وبان الحق؛ فلم يعذروا في ذلك؛ لأنه منهم كان ذلك الشك والريب، ولو تفكروا ونظروا لتجلى لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ﴾ اختلف في قوله -  -: ﴿ فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ ﴾ : عن ابن عباس -  -: أي: فبهذا القرآن الذي أنزل إليك فادع.

وكذا قال قتادة: فبهذا القرآن فادعُ.

وقيل: فلذلك وعد أن ينزل عليك فادع.

وقال بعضهم: أي: وإلى ذلك الكتاب فادعُ.

وقيل: فإلى التوحيد الذي بعث الرسل إلى الدعاء إليه فادع.

وقال بعضهم: ﴿ فَلِذَلِكَ ﴾ ، أي: فلأجل الذي بعث الرسل فادع؛ أي: ادع إلى التوحيد الذي لأجله بعث الرسل، والله أعلم.

ثم إن قوله: ﴿ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ﴾ دليل على أنه كان قد سبق له الأمر بالاستقامة.

ثم يحتمل ما ذكر من الاستقامة التي أمر بها هو تبليغ الرسالة إليهم.

ويحتمل: العبادة له والطاعة.

ويحتمل: الاستقامة في التوحيد له ودعاء الخلق إليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن تَابَ مَعَكَ  ﴾ على هذين الوجهين الآخرين يخرج الأمر بالاستقامة لمن تاب معه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ أي: في ترك الدعاء إلى التوحيد؛ إذ هو هوى الكفرة أن يترك هو الدعاء إلى التوحيد.

ويحتمل أنه نهى عن إجابته إياهم فيما دعَوْا هم؛ إذ هوى الكفرة أن يجيبهم فيما دعَوْا هم إليه من الشرك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ ﴾ أمره بأن يخبر بأنه مؤمن بجميع الكتب التي أنزل الله؛ ليوافقوه في الإيمان بجميع الكتب، [و]أولئك الكفرة كانوا يؤمنون ببعض الكتب، ويكفرون ببعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أي: أمرت لأعدل بينكم يحتمل: في الحكم؛ أي: أحكم فيما بينكم بالعدل؛ كقوله -  -: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ في الدعاء إلى توحيد الله ودينه، والعدل في الدعاء، دعاؤهم إلى دينه الذي أمر أن يدعوهم إليه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ أي: أمرت أن أكون عدلا فيما بينكم؛ أي: يسوي بينهم.

ثم نعت الذي كان يدعوهم إلى توحيده، وهو قوله: ﴿ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ .

وقوله: ﴿ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على المنابذة؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ ، وإنما يقال هذا بعدما انتهت الحجج غايتها، والحجاج نهايته، فلم ينجع ذلك فيهم وأيسوا منهم.

والثاني: يقول: إنا لا نؤاخذ بأعمالكم، ولا أنتم تؤاخذون بأعمالنا، ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ونحوه.

وقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ أي: لا حجة بقيت فيما ادعيت ودعوتكم إليه إلا وقد أقمتها عليكم؛ أي: لم يبق حجة في ذلك وقد أقمتها.

ويحتمل أن يقول: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا ﴾ أي: لا حجة ولا خصومة بيننا بعدما بلغ الأمر ما بلغ.

ثم قال: ﴿ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ﴾ في الآخرة وإليه المصير.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ ﴾ قال بعضهم: إن أهل الكفر قالوا للمؤمنين: إن دينكم الإسلام إنما كان ما دام محمد بين أظهركم وما دام حيّاً، فإذا مات فتصيرون أنتم ومن تبع الإسلام إلى ديننا أو كلام نحوه؛ فنزل لقولهم ذا قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ .

وقال بعضهم: إن اليهود قدموا على رسول الله  فقالوا للمؤمنين: إن ديننا أفضل؛ فنزلت الآية فيهم بقولهم هذا: إن ديننا أفضل - لأنه دين الأنبياء - عليهم السلام - فقال: ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ أي: هكذا إذا كانوا على دين الأنبياء، وهو الإسلام؛ فأما إذا تركوا دين الإسلام وتمسكوا باليهودية واختاروها فليس بأفضل، ولا شيء دونها.

وقال بعضهم: إن قريشاً قالوا: كيف نعبد من لم نره؟

ولم نعاينه إنه مم هو؟

وكيف هو؟

أو كلام نحوه فنزلت: ﴿ ٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ عند ربهم؛ لأن التوحيد ومعرفة الله  إنما يكون بالدلائل والآيات في الدنيا عن غيب، ليس بالمعاينة والمشاهدة؛ فيزول الامتحان.

ثم احتمل أن يكون نزول الآية لقول كان من أولئك على ما ذكر أهل التأويل.

ويحتمل أن يكون على غير ذلك، ومعناه: والذين يحاجون في الله في دفع آيات الله وردها.

ويحتمل: أي: في دفع توحيد الله وألوهيته ﴿ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ ﴾ أي: من بعد ما استجيب له بحق الخلقة: أنه واحد، وأنه رب كل شيء.

ويحتمل قوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ ﴾ بما في كتبهم من الإيمان بها وبما فيها من نعوت رسول الله  وصفاته.

ثم أخبر أن ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ هذا يخرج على هذين.

يحتمل: أي: ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ يوم القيامة؛ أي: باطلة غير مقبولة.

ويحتمل: أي: ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ في الدنيا بما أقام الله -  - من حجج التوحيد؛ فأبطل حججهم.

وقوله: ﴿ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ بيان الجزاء لهم في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين يجادلون بالحجج الباطلة في هذا الدين المنزل على محمد  بعدما استجاب الناس له، هؤلاء المجادلون حجتهم ذاهبة وساقطة عند ربهم وعند المؤمنين، لا أثر لها، وعليهم غضب من الله لكفرهم ورفضهم الحق، ولهم عذاب شديد ينتظرهم يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.0kyGo"

مزيد من التفاسير لسورة الشورى

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله