الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ٢٠ من سورة الشورى
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 96 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٠ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( من كان يريد حرث الآخرة ) أي : عمل الآخرة ( نزد له في حرثه ) أي : نقويه ونعينه على ما هو بصدده ، ونكثر نماءه ، ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، إلى ما يشاء الله ( ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) أي : ومن كان إنما سعيه ليحصل له شيء من الدنيا ، وليس له إلى الآخرة همة ألبتة بالكلية ، حرمه الله الآخرة والدنيا إن شاء أعطاه منها ، وإن لم يشأ لم يحصل له لا هذه ولا هذه ، وفاز هذا الساعي بهذه النية بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة .
والدليل على هذا أن هذه الآية هاهنا مقيدة بالآية التي في " سبحان " وهي قوله تعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) [ الإسراء : 18 - 21 ] .
وقال الثوري ، عن مغيرة ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب [ رضي الله عنه ] قال : قال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة ، والنصر والتمكين في الأرض ، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا ، لم يكن له في الآخرة من نصيب " .
( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نـزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ) يقول تعالى ذكره: من كان يريد بعمله الآخرة نـزد له في حرثه: يقول: نـزد له في عمله الحسن, فنجعل له بالواحدة عشرا, إلى ما شاء ربنا من الزيادة ( وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ) يقول: ومن كان يريد بعمله الدنيا ولها يسعى لا للآخرة, نؤته منها ما قسمنا له منها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نـزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ )...
إلى ( وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ) قال: يقول: من كان إنما يعمل للدنيا نؤته منها.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نـزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا ) ....
الآية, يقول: من آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيبا في الآخرة إلا النار, ولم نـزده بذلك من الدنيا شيئا إلا رزقا قد فرغ منه وقسم له.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نـزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ) قال: من كان يريد الآخرة وعملها نـزد له في عمله ( وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا )...
إلى آخر الآية, قال: من أراد الدنيا وعملها آتيناه منها, ولم نجعل له في الآخرة من نصيب, الحرث العمل, من عمل للآخرة أعطاه الله, ومن عمل للدنيا أعطاه الله.
حدثني محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نـزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ) قال: من كان يريد عمل الآخرة نـزد له في عمله.
وقوله: ( وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ) قال: للكافر عذاب أليم.
قوله تعالى : من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب .قوله تعالى : من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه الحرث العمل والكسب .
ومنه قول عبد الله بن عمر : واحرث لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا .
ومنه سمي الرجل حارثا .
والمعنى أي : من طلب بما رزقناه حرثا لآخرته ، فأدى حقوق الله وأنفق في إعزاز الدين ، فإنما نعطيه ثواب ذلك للواحد عشرا إلى سبعمائة فأكثر .
ومن كان يريد حرث الدنيا أي : طلب بالمال الذي آتاه الله رياسة الدنيا والتوصل إلى المحظورات ، فإنا لا نحرمه الرزق أصلا ، ولكن لا حظ له في الآخرة من ماله ، قال الله تعالى : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا وقيل : نزد له في حرثه نوفقه للعبادة ونسهلها عليه .
وقيل : حرث الآخرة الطاعة ، أي : من أطاع فله الثواب .
قيل : نزد له في حرثه أي : نعطه الدنيا مع الآخرة .
وقيل : الآية في الغزو ، أي : من أراد بغزوه الآخرة أوتي الثواب ، ومن أراد بغزوه الغنيمة أوتي منها .
قال القشيري : والظاهر أن الآية في الكافر ، يوسع له في الدنيا ، أي : لا ينبغي له أن يغتر بذلك لأن الدنيا لا تبقى .
وقال قتادة : إن الله يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا ، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا .
وقال أيضا : يقول الله تعالى : ( من عمل لآخرته زدناه في عمله وأعطيناه من الدنيا ما [ ص: 19 ] كتبنا له ومن آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيبا في الآخرة إلا النار ولم يصب من الدنيا إلا رزقا قد قسمناه له لا بد أن كان يؤتاه مع إيثار أو غير إيثار ) .
وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال : وقوله - عز وجل - : من كان يريد حرث الآخرة من كان من الأبرار يريد بعمله الصالح ثواب الآخرة نزد له في حرثه أي : في حسناته .ومن كان يريد حرث الدنيا أي : من كان من الفجار يريد بعمله الحسن الدنيا نؤته منها ثم نسخ ذلك في الإسراء سبحان : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) .
والصواب أن هذا ليس بنسخ ; لأن هذا خبر والأشياء كلها بإرادة الله عز وجل .
ألا ترى أنه قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت .
وقد قال قتادة ما تقدم ذكره ، وهو يبين لك أن لا نسخ .
وقد ذكرنا في ( هود ) أن هذا من باب المطلق والمقيد ، وأن النسخ لا يدخل في الأخبار .
والله المستعان .مسألة : هذه الآية تبطل مذهب أبي حنيفة في قوله : إنه من توضأ تبردا أنه يجزيه عن فريضة الوضوء الموظف عليه ، فإن فريضة الوضوء من حرث الآخرة والتبرد من حرث الدنيا ، فلا يدخل أحدهما على الآخر ، ولا تجزي نيته عنه بظاهر هذه الآية ، قاله ابن العربي .
ثم قال تعالى: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ } أي: أجرها وثوابها، فآمن بها وصدق، وسعى لها سعيها { نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } بأن نضاعف عمله وجزاءه أضعافا كثيرة، كما قال تعالى: { وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا } ومع ذلك، فنصيبه من الدنيا لا بد أن يأتيه.{ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا } بأن: كانت الدنيا هي مقصوده وغاية مطلوبه، فلم يقدم لآخرته، ولا رجا ثوابها، ولم يخش عقابها.
{ نُؤْتِهِ مِنْهَا } نصيبه الذي قسم له، { وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ } قد حرم الجنة ونعيمها، واستحق النار وجحيمها.وهذه الآية، شبيهة بقوله تعالى: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ } إلى آخر الآيات.
( من كان يريد حرث الآخرة ) الحرث في اللغة : الكسب ، يعني : من كان يريد بعمله الآخرة ، ( نزد له في حرثه ) بالتضعيف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة .
( ومن كان يريد حرث الدنيا ) يريد بعمله الدنيا ، ( نؤته منها ) قال قتادة : أي : نؤته بقدر ما قسم الله له ، كما قال : " عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد " ( الإسراء - 18 ) .
( وما له في الآخرة من نصيب ) لأنه لم يعمل للآخرة .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا أبو طاهر الزيادي ، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال ، حدثنا أبو الأزهر أحمد بن منيع العبدي ، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي ، حدثنا سفيان عن المغيرة عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بشرت هذه الأمة بالسنا والرفعة والنصر والتمكين في الأرض ، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب " .
«من كان يريد» بعمله «حرث الآخرة» أي كسبها وهو الثواب «نزد له في حرثه» بالتضعيف فيه الحسنة إلى العشرة وأكثر «ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها» بلا تضعيف ما قسم له «وما له في الآخرة من نصيب».
من كان يريد بعمله ثواب الآخرة فأدى حقوق الله وأنفق في الدعوة إلى الدين، نزد له في عمله الحسن، فنضاعف له ثواب الحسنة إلى عشر أمثالها إلى ما شاء الله من الزيادة، ومن كان يريد بعمله الدنيا وحدها، نؤته منها ما قسمناه له، وليس له في الآخرة شيء من الثواب.
ثم حكى - تعالى - سنته التى لا تتخلف فقال : ( مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ) .والحرث فى الأصل؛ مصدر بمعنى إلقاء البذور فى الأرض ، لتنبت ما ينفع الناس من زرع .
والمرد به ثمرات الأعمال ونتائجها ، تشبيها لها بثمرات البذور .والمعنى : من كان يريد من الناس بأعمال ثواب الآخرة ، ورضا الله - تعالى - ضاعف الله - عز وجل - له الأجر والثواب والعطاء .( وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا ) أى : ومن كان يريد بعمله شهوات الدنيا نؤته منها ، ما قدرناه له من حطامها وزخارفها .( وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ ) أى : وليس له فى الآخرة نصيب من خيراتها الباقية ، ونعيمها الدائم .وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : ( مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً كُلاًّ نُّمِدُّ هؤلاء وهؤلاء مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ).
اعلم أنه تعالى لما بيّن كونه لطيفاً بعباده كثير الإحسان إليهم بيّن أنه لابد لهم من أن يسعوا في طلب الخيرات وفي الاحتراز عن القبائح فقال: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الأخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ قال صاحب الكشاف إنه تعالى سمى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى أظهر الفرق في هذه الآية بين من أراد الآخرة وبين من أراد الدنيا من وجوه: الأول: أنه قدم مريد حرث الآخرة في الذكر على مريد حرث الدنيا، وذلك يدل على التفضيل، لأنه وصفه بكونه آخرة ثم قدمه في الذكر تنبيهاً على قوله: «نحن لآخرون السابقون» الثاني: أنه قال في مريد حرث الآخرة ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ وقال في مريد حرث الدينا ﴿ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ وكلمة من للتبعيض، فالمعنى أنه يعطيه بعض ما يطلبه ولا يؤتين كله، وقال في سورة بني إسرائيل ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ﴾ وأقول البرهان العقلي مساعد على البابين، وذلك لأن كل من عمل للآخرة وواظب على ذلك العمل، فكثرة الأعمال سبب لحصول الملكات، فكل من كانت مواظبته على تلك الأعمال أكثر كان ميل قلبه إلى طلب الآخرة أكثر، وكلما كان الأمر كذلك كان الابتهاج أعظم والسعادات أكثر، وذلك هو المراد بقوله: ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ وأما طالب الدنيا فكلما كانت مواظبته على أعمال ذلك الطلب أكثر كانت رغبته في الفوز بالدنيا أكثر وميله إليها أشد، وإذا كان الميل أبداً في التزايد، وكان حصول المطلوب باقياً على حالة واحدة كان الحرمان لازماً لامحالة الثالث: أنه تعالى قال في طالب حرث الآخرة ﴿ نزد لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ ولم يذكر أنه تعالى يعطيه الدنيا أم لا، بل بقي الكلام ساكتاً عنه نفياً وإثباتاً، وأما طالب حرث الدنيا فإنه تعالى بيّن أنه لا يعطيه شيئاً من نصيب الآخرة على التنصيص، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول الآخرة أصل والدنيا تبع، فواجد الأصل يكون واجداً للتبع بقدر الحاجة، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيهاً على أن الدنيا أخس من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة والرابع: أنه تعالى بيّن أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه، وبيّن أن طالب الدنيا يعطي بعض مطلوبه من الدنيا، وأما في الآخرة فإنه لا يحصل له نصيب ألبتة، فبيّن بالكلام الأول أن طالب الآخرة يكون حاله أبداً في الترقي والتزايد وبيّن بالكلام الثاني أن طالب الدنيا يكون حاله في المقام الأول في النقصان وفي المقام الثاني في البطلان التام الخامس: أن الآخرة نسيئة والدنيا نقد والنسيئة مرجوحة بالنسبة إلى النقد، لأن الناس يقولون النقد خير من النسيئة فبيّن تعالى أن هذه القضية انعكست بالنسبة إلى أحوال الآخرة والدنيا، فالآخرة وإن كانت نقداً إلا أنها متوجهة للزيادة والدوام فكانت أفضل وأكمل، والدنيا وإن كانت نقداً إلا أنها متوجهة إلى النقصان ثم إلى البطلان فكانت أخس وأرذل، فهذا يدل على أن حال الآخرة لا يناسب حال الدنيا ألبتة، وأنه ليس في الدنيا من أحوال الآخرة إلا مجرد الاسم كما هو مروي عن ابن عباس السادس: الآية دالة على أن منافع الآخرة والدنيا ليست حاضرة بل لابد في البابين من الحرث، والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق في البذر ثم التسقية والتنمية والحصد ثم التنقية، فلما سمى الله كلا القسمين حرثاً علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق، ثم بيّن تعالى أن مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وإن مصير الدنيا إلى النقصان ثم الفناء، فكأنه قيل إذا كان لابد في القسمين جميعاً من تحمل متاعب الحراثة والتسمية والتنمية والحصد والتنقية، فلأن تصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد والبقاء أولى من صرفها إلى ما يكون في النقصان والانقضاء والفناء.
المسألة الثانية: في تفسير قوله: ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ قولان الأول: المعنى أنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبل الخيرات والطاعات عليه، وقال مقاتل ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ بتضعيف الثواب، قال تعالى: ﴿ لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أصبح وهمه الدنيا شتت الله تعالى عليه همه وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلى ما كتب له، ومن أصبح همه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة عن أنفها» أو لفظًا يقرب من أن يكون هذا معناه.
المسألة الثالثة: ظاهر اللفظ يدل على أن من صلّى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته، وأجمعوا على أنها لا تصح والجواب: أنه تعالى قال: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة ﴾ والحرث لا يتأتى إلا بإلقاء البذر الصحيح في الأرض، والبذر الصحيح لجميع الخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله تعالى.
المسألة الرابعة: قال أصحابنا إذا توضأ بغير نية لم يصح، قالوا لأن هذا الإنسان ما أراد حرث الآخرة، لأن الكلام فيما إذا كان غافلاً عن ذكر الله وعن الآخرة، فوجب أن لا يحصل له نصيب فيما يتعلق بالآخرة والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة، فوجب أن لا يحصل في الوضوء العاري عن النية.
وأعلم أن الله تعالى لما بيّن القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الآخرة والدنيا أردفه بالتنبيه على ما هو الأصل في باب الضلالة والشقاوة فقال: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله ﴾ ومعنى الهمزة في أم التقرير والتقريع و ﴿ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ شياطينهم الذين زينوا الشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا لأنهم يعلمون غيرها، وقيل ﴿ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم لأنهم هم الذين اتخذوها شركاء لله، ولما كان سبباً لضلالتهم جعلت شارعة لدين الضلالة كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس ﴾ وقوله: ﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ مّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله ﴾ يعني أن تلك الشرائع بأسرها على ضدين لله، ثم قال: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل ﴾ أي القضاء السابق بتأخير الجزاء، أو يقال ولولا الوعد بأن الفصل أن يكون يوم القيمة ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي بين الكافرين والمؤمنين أو بين المشركين وشركائهم ﴿ وَإِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ وقرأ بعضهم، وأن بفتح الهمزة في أن عطفاً له على كلمة الفصل يعني ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل ﴾ وأن تقريره تعذيب الظالمين في الآخرة ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ في الدنيا ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب الأول: فهو قوله: ﴿ تَرَى الظالمين مُشْفِقِينَ ﴾ خائفين خوفاً شديداً ﴿ مِمَّا كَسَبُواْ ﴾ من السيئات ﴿ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ يريد أن وباله واقع بهم سواء أشفقوا أو لم يشفقو، أما الثاني: فهو أحوال أهل الثواب وهو قوله تعالى: ﴿ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي روضات الجنات ﴾ لأن روضة الجنة أطيب بقعة فيها، وفي الآية تنبيه على أن الفساق من أهل الصلاة كلهم في الجنة، إلا أنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات، وهي البقاع الشريفة من الجنة، فالبقاع التي دون تلك الروضات لابد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم قال: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ وهذا يدل على أن كل الأشياء حاضرة عنده مهيأة، ثم قال تعالى في تعظيم هذه الدرجة ﴿ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير ﴾ وأصحابنا استدلوا بهذه الآية على أن الثواب غير واجب على الله، وإنما يحصل بطريق الفضل من الله تعالى لأنه تعالى قال: ﴿ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي روضات الجنات لَهُمْ مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ فهذا يدل على أن روضات الجنات ووجدان كل ما يريدونه إنما كان جزاءً على الإيمان والأعمال الصالحات.
ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير ﴾ وهذا تصريح بأن الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل لا بطريق الاستحقاق.
ثم قال: ﴿ ذَلِكَ الذي يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ قال صاحب الكشاف قرئ يبشر من بشره ويبشر من أبشره ويبشر من بشره.
واعلم أن هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه: الأول: أن الله سبحانه رتب على الإيمان وعمل الصالحات روضات الجنات، والسلطان الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاء، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كنهه إلا الله تعالى الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ ﴾ يدخل في باب غير المتناهي لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منهالثالث: أنه تعالى قال: ﴿ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير ﴾ والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق كان في غاية الكبر الرابع: أنه تعالى أعاد البشارة على سبيل التعظيم فقال: ﴿ الذي يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ ﴾ وذلك يدل أيضاً على غاية العظمة، نسأل الله الفوز بها والوصول إليها.
واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب الشريف العالي وأودع فيه الثلاثة أقسام الدلائل وأصناف التكاليف، ورتب على الطاعة الثواب، وعلى المعصية العقاب، بين أني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعاً عاجلاً ومطلوباً حاضراً، لئلا يتخيل جاهل أن مقصود محمد صلى الله عليه وسلم من هذا التبليغ المال والجاه فقال: ﴿ قُل لاَّ أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكر الناس في هذه الآية ثلاثة أقوال: الأول: قال الشعبي أكثر الناس علينا في هذه الآية، فكتبنا إلى بن عباس نسأله عن ذلك فكتب ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده فقال الله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ ﴾ على ما أدعوكم إليه ﴿ أَجْراً إِلاَّ ﴾ أن تودوني لقرابتي منكم، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي.
والقول الثاني: روى الكلبي عن بن عباس رضي الله عنهما قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كانت تعروه نوائب وحقوق وليس في يده سعة، فقال الأنصار إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا ثم أتوه به فرده عليهم، فنزل قوله تعلى: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ أي على الإيمان إلا أنتودوا أقاربي فحثهم على مودة أقاربه.
القول الثالث: ما ذكره الحسن فقال: إلا أن تودوا إلى الله فيما يقربكم إليه من التودد إليه بالعمل الصالح، فالقربى على القول الأول القرابة التي هي بمعنى الرحم وعلى الثاني القرابة التي هي بمعنى الأقارب، وعلى الثالث هي فعلى من القرب والتقريب، فإن قيل الآية مشكلة، ذلك لأن طلب الأجر على تبليغ الوحي لايجوز ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء عليهم السلام أنهم صرّحوا بنفي طلب الأجرة، فذكر في قصة نوح عليه السلام ﴿ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين ﴾ وكذا في قصة هود وصالح، وفي قصة لوط وشعيب عليهم السلام، ورسولنا أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام فكان بأن لا يطلب الأجر على النوبة والرسالة أولى الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم صرح بنفي طلب الأجر في سائر الآيات فقال: ﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ﴾ وقال: ﴿ قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المتكلفين ﴾ الثالث: العقل يدل عليه وذلك لأن ذلك التبليغ كان واجباً عليه قال تعالى: ﴿ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلاً عن أعلم العلماء الرابع: أن النبوة أفضل من الحكمة وقد قال تعالى في صفة الحكمة ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ وقال في صفة الدنيا ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ ﴾ فكيف يحسن في العقل مقابلة أشرف الأشياء بأخس الأشياء الخامس: أن طلب الأجر كان يوجب التهمة، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب أجراً ألبتة على التبليغ والرسالة، وظاهر هذه الآية يقتضي أنه طلب أجراً على التبليغ والرسالة، وهو المودة في القربى هذا تقرير السؤال، والجواب عنه: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ والرسالة، بقي قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ نقول الجواب عنه من وجهين: الأول: أن هذا من باب قوله: ولا عيب غير أن سيوفهم *** بها من قراع الدارعين فلول المعنى أنا لا أطلب منكم إلا هذا وهذا في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: «المؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضاً» والآيات والأخبار في هذا الباب كثيرة وإذا كان حصول المودة بين جمهور المسلمين واجباً فحصولها في حق أشرف المسلمين وأكابرهم أولى، وقوله تعلى: ﴿ قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ تقديره والمودة في القربى ليست أجراً، فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة الوجه الثاني: في الجواب أن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ .
ثم قال: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ أي لكن أذكركم قرابتي منكم وكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر.
المسألة الثالثة: نقل صاحب الكشاف: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مات على حب آل محمد مات شهيداً ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنّة ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنّة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة».
هذا هو الذي رواه صاحب الكشاف، وأنا أقول: آل محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين يؤول أمرهم إليه فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل، ولا شك أن فاطمة وعلياً والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد التعلقات وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل، وأيضاً اختلف الناس في الآل فقيل هم الأقارب وقيل هم أمته، فإن حملناه على القرابة فهم الآل، وإن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل فثبت أن على جميع التقديرات هم الآل، وأما غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل؟
فمختلف فيه.
وروى صاحب الكشاف أنه لما نزلت هذه الآية قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟
فقال علي وفاطمة وابناهما، فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم ويدل عليه وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ ووجه الاستدلال به ما سبق الثاني: لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب فاطمة عليها السلام قال صلى الله عليه وسلم: «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها» وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب علياً والحسن والحسين وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله لقوله: ﴿ واتبعوه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ ولقوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ ﴾ ولقوله: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى يُحْبِبْكُمُ الله ﴾ ولقوله سبحانه: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ الثالث: أن الدعاء للآل منصب عظيم ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة وهو قوله اللّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد وارحم محمداً وآل محمد، وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل، فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب، وقال الشافعي رضي الله عنه: يا راكباً قف بالمحصب من منى *** واهتف بساكن خيفها والناهض سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى *** فيضاً كما نظم الفرات الفائض إن كان رفضاً حب آل محمد *** فليشهد الثقلان أنى رافضي المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ فيه منصب عظيم للصحابة لأنه تعالى قال: ﴿ والسابقون السابقون أُوْلَئِكَ المقربون ﴾ فكل من أطاع الله كان مقرباً عند الله تعالى فدخل تحت قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ والحاصل أن هذه الآية تدل على وجوب حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، وهذا المنصب لا يسلم إلا على قول أصحابنا أهل السنّة والجماعة الذين جمعوا بين حب العترة والصحابة، وسمعت بعض المذكرين قال إنه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا» وقال صلى الله عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ونحن الآن في بحر التكليف وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات وراكب البحر يحتاج إلى أمرين أحدهما: السفينة الخالية عن العيوب والثقب والثاني: الكواكب الظاهرة الطالعة النيرة، فإذا ركب تلك السفينة ووقع نظره على تلك الكواكب الظاهرة كان رجاء السلامة غالباً، فكذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة فرجوا من الله تعالى أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدينا والآخرة.
ولنرجع إلى التفسير: أورد صاحب الكشاف: على نفسه سؤالاً فقال: هلا قيل إلا مودة القربى، أو إلا مودة للقربى، وما معنى قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ ؟
وأجاب عنه بأن قال جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها كقوله لي في آل فلان مودة ولي فيهم هوى وحب شديد، تريد أحبهم وهم مكان حبى ومحله.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ﴾ قيل نزلت هذه الآية في أبي بكر رضي الله عنه، والظاهر العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب ذكر المودة في القربى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودة.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ والشكور في حق الله تعالى مجاز والمعنى أنه تعالى يحسن إلى المطيعين في إيصال الثواب إليهم وفي أن يزيد عليه أنواعاً كثيرة من التفضيل.
وقال تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افَتَرَى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ واعلم أن الكلام في أول السورة إنما اتبدئ في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بوحي الله وهو قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم ﴾ واتصل الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق البعض بالبعض حتى وصل إلى هاهنا، ثم حكى هاهنا شبهة القوم وهي قولهم: إن هذا ليس وحياً من الله تعالى فقال: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ قال صاحب الكشاف: أم منقطعة، ومعنى الهمزة نفس التوبيخ كأنه قيل: أيقع في قلوبهم ويجري في ألسنتهم أن ينسبوا مثله إلى الافتراء على الله الذي هو أقبح أنواع الفرية وأفحشها، ثم أجاب عنه بأن قال: ﴿ فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال مجاهد يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك قولهم إنه مفتر كذاب والثاني: يعني بهذا الكلام أنه إن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى يفتري عليه الكذب فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل هذه الحالة، والمقصود من ذكر هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد، ومثاله أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين، لعلّ الله خذلني لعلّ الله أعمى قلبي، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب لنفسه، وإنما يريد استبعاد صدور الخيانة عنه.
ثم قال تعالى: ﴿ وَيَمْحُ الله الباطل وَيُحِقُّ الحق ﴾ أي ومن عادة الله إبطال الباطل وتقرير الحق فلو كان محمد مبطلاً كذاباً لفضحه الله ولكشف عن باطله ولما أيده بالقوة والنصرة، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس من الكاذبين المفترين على الله، ويجوز أن يكون هذا وعداً من الله لرسوله بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والفرية والتكذيب ويثبت الحق الذي كان محمد صلى الله عليه وسلم عليه.
ثم قال: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ أي إن الله عليم بما في صدرك وصدورهم فيجري الأمر على حسب ذلك، وعن قتادة يختم على قلبك ينسيك القرآن ويقطع عنك الوحي، بمعنى لو افترى على الله الكذب لفعل الله به ذلك.
واعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾ ثم برأ رسوله مما أضافوه إليه من هذا وكان من المعلوم أنهم قد استحقوا بهذه الفرية عقاباً عظيماً، لا جرم ندبهم الله إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء وإن عظمت إساءته، فقال: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: يقال قبلت منه الشيء وقبلته عنه، فمعنى قبلته منه أخذته منه وجعلته مبدأ قبلو ومنشأه، ومعنى قبلته عنه أخذته وأثبته عنه وقد سبق البحث المستقصى عن حقيقة التوبة في سورة البقرة، وأقل ما لابد منه الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل، وروى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اللّهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر، فلما فرغ من صلاته قال له علي عليه السلام يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين فتوبتك تحتاج إلى توبة، فقال يا أمير المؤمنين وما التوبة؟
فقال اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته.
المسألة الثانية: قالت المعتزلة يجب على الله تعالى عقلاً قبول التوبة، وقال أصحابنا لا يجب على الله شيء وكل ما يفعله فإنما يفعله بالكرم والفضل، واحتجوا على صحة مذهبهم بهذه الآية فقالوا إنه تعالى تمدح بقبول التوبة، ولو كان ذلك القبول واجباً لما حصل التمدح العظيم، ألا ترى أن من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلماً ولا يقتلهم غضباً، كان ذلك مدحاً قليلاً، أما إذا قال إني أحسن إليهم مع أن ذلك لا يجب عليَّ كان ذلك مدحاً وثناءً.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد الإتيان بالتوبة، أو المراد منه أنه يعفو عن الصغائر، أو المراد منه أنه يعفو عن الكبائر قبل التوبة، والأول باطل وإلا لصار قوله: ﴿ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ عين قوله: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة ﴾ والتكرار خلاف الأصل، والثاني أيضاً باطل لأن ذلك واجب وأداء الواجب لا يتمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة وتارة يعفو ابتداء من غير توبة.
ثم قال: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء على المخاطبة والباقون بالياء على المغايبة، والمعنى أنه تعالى يعلمه فيثيبه على حسناته ويعاقبه على سيئاته.
ثم قال: ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ ﴾ وفيه قولان أحدهما: الذين آمنوا وعملوا الصالحات رفع على أنه فاعل تقديره ويجيب المؤمنون الله فيما دعاهم إليه.
والثاني: محله نصب والفاعل مضمر وهو الله وتقديره، ويستجيب الله للمؤمنين إلا أنه حذف اللام كما حذف في قوله: ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ ﴾ وهذا الثاني أولى لأن الخبر فيما قبل وبعد عن الله لأن ما قبل الآية قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ وما بعدها قوله: ﴿ وَيَزِيدُهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ فيزيد عطف على ويستجيب، وعلى الأول ويجيب العبد ويزيد الله من فضله.
أما من قال إن الفعل للذين آمنوا ففيه وجهان: أحدهما: ويجيب المؤمنون ربهم فيما دعاهم إليه والثاني: يطيعونه فيما أمرهم به، والاستجابة الطاعة.
وأما من قال إن الفعل لله فقد اختلفوا، فقيل يجيب الله دعاء المؤمنين ويزيدهم ما طلبوه من فضله، فإن قالوا تخصيص المؤمنين بإجابة الدعاء هل يدل على أنه تعالى لا يجيب دعاء اكفار؟
قلنا قال بعضهم لا يجوز لأن إجابة الدعاء تعظيم، وذلك لا يليق بالكفار، وقيل يجوز على بعض الوجوه، وفائدة التخصيص أن إجابة دعاء المؤمنين تكون على سلبيل التشريف، وإجابة دعاء الكافرين تكون على سبيل الاستدراج، ثم قال: ﴿ وَيَزِيدُهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ أي يزيدهم على ما طلبوه بالدعاء ﴿ والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ والمقصود التهديد.
<div class="verse-tafsir"
سمى ما يعمله العامل مما يبغى به الفائدة والزكاء حرثاً على المجاز.
وفرق بين عملي العاملين: بأن من عمل للآخرة وفق في عمله وضوعفت حسناته، ومن كان عمله للدنيا أعطى شيئاً منها لا ما يريده ويبتغيه.
وهو رزقه الذي قسم له وفرغ منه وماله نصيب قط في الآخرة، ولم يذكر في معنى عامل الآخرة وله في الدنيا نصيب، على أن رزقه المقسوم له واصل إليه لا محالة، للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده من زكاء عمله وفوزه في المآب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ ﴾ بَرَّ بِهِمْ بِصُنُوفٍ مِنَ البِرِّ لا تَبْلُغُها الأفْهامُ.
﴿ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ ﴾ أيْ يَرْزُقُهُ كَما يَشاءُ فَيَخُصُّ كُلًّا مِن عِبادِهِ بِنَوْعٍ مِنَ البِرِّ عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ.
﴿ وَهُوَ القَوِيُّ ﴾ الباهِرُ القُدْرَةِ.
﴿ العَزِيزُ ﴾ المَنِيعُ الَّذِي لا يُغْلَبُ.
﴿ مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ ﴾ ثَوابَها شَبَّهَهُ بِالزَّرْعِ مِن حَيْثُ إنَّهُ فائِدَةٌ تَحْصُلُ بِعَمَلِ الدُّنْيا ولِذَلِكَ قِيلَ: الدُّنْيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ، والحَرْثُ في الأصْلِ إلْقاءُ البِذْرِ في الأرْضِ ويُقالُ لِلزَّرْعِ الحاصِلِ مِنهُ.
﴿ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ﴾ فَنُعْطِهِ بِالواحِدِ عَشْرًا إلى سَبْعِمِائَةٍ فَما فَوْقَها.
﴿ وَمَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ﴾ شَيْئًا مِنها عَلى ما قَسَّمْنا لَهُ.
﴿ وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ ﴾ إذِ الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى.
<div class="verse-tafsir"
{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة} سمى ما يعمله العامل مما يبتغي به الفائدة حرثاً مجازاً {نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ} بالتوفيق في عمله أو التضعيف في إحسانه أو بأن ينال به الدنيا والآخرة {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا} أي من كان عمله للدنيا ولم يؤمن بالآخرة {نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي شيئاً منها لأن من للتبعيض وهو رزقه الذي قسم له لا ما يريد ويبتغيه {وَمَا لَهُ فِى الآخرة مِن نَّصِيبٍ} وماله نصيب قط في الآخرة وله في الدنيا نصيب ولم يذكر في عامل الآخرة أن رزقه المقسوم يصل إليه للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده من زكاء عمله وفوزه في المآب
﴿ مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ﴾ اَلْآيَةَ وِزانَ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ ونَفْسٍ وما سَوّاها ﴾ ﴿ فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ﴾ ﴿ قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها ﴾ ﴿ وقَدْ خابَ مَن دَسّاها ﴾ ويَنْتَظِمُ اَلْكَلامُ أتَمَّ اِنْتِظامٍ وتَلْتَئِمُ أطْرافُهُ أشَدَّ اِلْتِئامٍ، ولا يُقالُ حِينَئِذٍ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ ﴾ حُكْمٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى اَلسّابِقِ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَعُمَّ عُمُومُهُ والعُمُومُ أظْهَرُ، وحَدِيثُ اَلتَّخْصِيصِ في ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ ﴾ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ صاحِبُ اَلتَّقْرِيبِ فَقالَ: إنَّما خَصَّصَ اَلرِّزْقَ بِمَن يَشاءُ مَعَ أنَّهم كُلَّهم بَرَّ سُبْحانَهُ بِهِمْ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ يَخُصُّ أحَدًا بِنِعْمَةٍ وغَيْرَهُ بِأُخْرى فالعُمُومُ لِجِنْسِ اَلْبِرِّ والخُصُوصُ لِنَوْعِهِ.
وأشارَ جارُ اَللَّهِ إلى أنَّهُ لا تَخْصِيصَ بِالحَقِيقَةِ فَإنَّ اَللَّهَ تَعالى بَلِيغُ اَلْبِرِّ بِجَمِيعِ عِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ مِنهُ - فَيُرْزَقُ مَن يَشاءُ - بَيانٌ لِتَوْزِيعِهِ عَلى جَمِيعِهِمْ فَلَيْسَ اَلرِّزْقُ إلّا اَلنَّصِيبُ اَلْخاصُّ لِكُلِّ واحِدٍ، ولَمّا شَمِلَ اَلدّارَيْنِ لاءَمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ ﴾ إلَخْ كُلَّ اَلْمُلاءَمَةِ، ولا يَتَوَقَّفُ هَذا عَلى ما قالَهُ اَلطَّيِّبِيُّ، ولَعَلَّ أمْرَ اَلتَّذْيِيلِ بِالِاسْمَيْنِ اَلْجَلِيلَيْنِ عَلى اَلْقَوْلِ بِالعُمُومِ أظْهَرُ والتَّعْلِيلَ أنْسَبُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَطِيفٌ بِعِبادِهِ عامُّ اَلْإحْسانِ بِهِمْ لِأنَّهُ تَعالى اَلْقَوِيُّ اَلْباهِرُ اَلْقُدْرَةِ اَلَّذِي غَلَبَ وغَلَبَتْ قُدْرَتُهُ سُبْحانَهُ جَمِيعَ اَلْقُدَرِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ لِأنَّهُ اَلْعَزِيزُ اَلَّذِي لا يُغْلَبُ عَلى ما يُرِيدُ فَكُلٌّ مِنَ اَلِاسْمَيْنِ اَلْجَلِيلَيْنِ ناظِرٌ إلى حُكْمٍ فافْهَمْ ﴿ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ .
فَكَمْ لِلَّهِ مِن لُطْفٍ خَفِيٍّ يَدِقُّ خَفاهُ عَنْ فَهْمِ اَلذَّكِيِّ والحَرْثُ في اَلْأصْلِ إلْقاءُ اَلْبَذْرِ في اَلْأرْضِ يُطْلَقُ عَلى اَلزَّرْعِ اَلْحاصِلِ مِنهُ، ويُسْتَعْمَلُ في ثَمَراتِ اَلْأعْمالِ ونَتائِجِها بِطَرِيقِ اَلِاسْتِعارَةِ اَلْمَبْنِيَّةِ عَلى تَشْبِيهِها بِالغِلالِ اَلْحاصِلَةِ مِنَ اَلْبُذُورِ اَلْمُتَضَمِّنِ لِتَشْبِيهِ اَلْأعْمالِ بِالبُذُورِ أيْ مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ ثَوابَ اَلْآخِرَةِ نُضاعِفْ لَهُ ثَوابَهُ بِالواحِدِ عَشَرَةً إلى سَبْعِمِائَةٍ فَما فَوْقَها ﴿ ومَن كانَ يُرِيدُ ﴾ بِأعْمالِهِ ﴿ حَرْثَ الدُّنْيا ﴾ وهو مَتاعُها وطَيِّباتُها ﴿ نُؤْتِهِ مِنها ﴾ أيْ شَيْئًا مِنها حَسْبَما قَدَّرْناهُ لَهُ بِطَلَبِهِ وإرادَتِهِ ﴿ وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ ﴾ إذْ كانَتْ هِمَّتُهُ مَقْصُورَةً عَلى اَلدُّنْيا وقَرَأ اِبْنُ مُقْسِمٍ والزَّعْفَرانِيُّ ومَحْبُوبٌ والمِنقَرِيُّ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو (يَزِدْ) و(يُؤْتِهِ) بِالياءِ فِيهِما، وقَرَأ سَلّامٌ (نُؤْتِهُ) بِضَمِّ اَلْهاءِ وهي لُغَةُ أهْلِ اَلْحِجازِ وقَدْ جاءَ في اَلْآيَةِ فِعْلُ اَلشَّرْطِ ماضِيًا والجَوابُ مُضارِعًا مَجْزُومًا قالَ أبُو حَيّانَ: ولا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ اَلْجَزْمِ في مِثْلِ ذَلِكَ وأنَّهُ فَصِيحٌ مُخْتارٌ مُطْلَقًا إلّا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ كِتابِ اَلْإعْرابِ أبُو اَلْحَكَمِ بْنُ عُذْرَةَ عَنْ بَعْضِ اَلنَّحْوِيِّينَ أنَّهُ لا يَجِيءُ في اَلْفَصِيحِ إلّا إذا كانَ فِعْلُ اَلشَّرْطِ كانَ، وإنَّما يَجِيءُ مَعَها لِأنَّها أصْلُ اَلْأفْعالِ ونَصُّ كَلامِ سِيبَوَيْهِ والجَماعَةِ أنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِكانَ بَلْ سائِرُ اَلْأفْعالِ مِثْلُها في ذَلِكَ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ: دَسَّتْ رَسُولًا بِأنَّ اَلْقَوْمَ إنْ قَدَرُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُورًا ذاتَ تَوْغِيرِ وقالَ أيْضًا: ؎تَعِشْ فَإنْ عاهَدَتْنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ يعني: يخاصمون في توحيد الله ودين الله مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ يعني: من بعد ما أجابوا إياه، أي: بعد ما أجاب المؤمنون بتوحيد الله لنبيه.
وقال مجاهد: طمع رجال بأن يعودوا إلى الجاهلية فنزل وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ إلى قوله: حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ وروى معمر عن قتادة قال: والذين يحاجون في الله، يعني: في دينه قال: هم اليهود، والنصارى.
قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم.
فنزل وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ أي: في دين الله مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ يعني: من بعد ما دخل الناس في الإسلام حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ يعني: خصومتهم باطلة.
ويقال: احتجاجهم زائل، ساقط.
يقال دحض أي: زال، ومعناه: ليس لهم حجة.
وسمى قولهم حجة على وجه المجاز، يعني: حجتهم كما قال: فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ يعني: الآلهة بزعمهم، ولم يكونوا آلِهَة في الحقيقة عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ يعني: كما يكابرون عقولهم وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بما كانوا يفعلون.
قوله عز وجل: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ أي: لبيان الحق، وأنزل الميزان وهو العدل ويقال: وأنزل الميزان في زمان نوح.
ويقال: هي الحدود والأحكام والأمر والنهي.
قوله: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ يعني: قيام الساعة قريب.
وهذا كقوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وقال تعالى: لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ولم يقل قريبة، لأن تأنيثها ليس بحقيقي، ولأنه انصرف إلى المعنى، يعني: للبعث.
قوله تعالى: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِها يعني: أن المشركين كانوا يقولون: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ويقولون: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها يعني: خائفين من قيام الساعة، لأنهم يعلمون أنهم مبعوثون، محاسبون وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ يعني: يعلمون أن الساعة كائنة.
أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ يعني: يشكون ويخاصمون فيها.
لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ أي: في خطأ طويل، بعيد عن الحق.
قوله عز وجل: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يعني: عالم بعباده.
ويقال: رحيم بعباده، ويقال اللطيف الذي يرزقهم في الدنيا، ولا يعاقبهم في الآخرة.
ويقال: اللطيف بعباده، بالبر، والفاجر لا يهلكهم جوعاً يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حساب.
ويقال يرزق من يشاء، مقدار ما يشاء، في الوقت الذي يشاء وَهُوَ الْقَوِيُّ على هلاكهم.
الْعَزِيزُ يعني: المنيع لا يغلبه أحد.
قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ يعني: ثواب الآخرة بعمله.
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ يعني: ينال كليهما وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا يعني: ثواب الدنيا بعمله.
نُؤْتِهِ مِنْها يعني: نعطه منها.
وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ لأنه عمل لغير الله تعالى.
قال أبو الليث رحمه الله: حدّثنا الفقيه أبو جعفر، قال: حدثنا محمد بن عقيل قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال: حدّثنا الحجاج قال: حدّثنا شعبة، عن عمر بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، عن النبيّ أنه قال: «مَنْ كانَتْ نِيَّتُهُ الآخِرَةَ جَمَعَ الله شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا، فَرَّقَ الله عَلَيْهِ أمْرَهُ، وَجَعلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَهُ» .
وقال القتبي: الحرث في اللغة العمل.
يعني: من كان يريد بحرثه، أي: بعمله الْآخِرَةِ نضاعف له الحسنات.
ومن أراد بعمله الدنيا أعطيناه ولا نصيب له في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ معناه: مضمناً الحق، أي: بالحق في أحكامه، وأوامره، ونواهيه، وأخباره، وَالْمِيزانَ هنا: العدل قاله ابن عباس ومجاهد «١» ، والناس، وحكى الثعلبيُّ عن مجاهد أَنَّهُ قال: هو هنا الميزان الذي بأيدي الناس «٢» ، قال ع «٣» : ولا شَكَّ أَنَّه داخل في العدل وجزء منه.
وقوله تعالى: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ وعيدٌ للمشركين، وجاء لفظ قَرِيبٌ مُذَكَّراً من حيثُ تأنيثُ السَّاعَةِ- غيرُ حقيقيٍّ-، وإذْ هي بمعنى الوقت.
ت: ينبغي للمؤمن العاقل أنْ يتدبَّر هذه الآيةَ ونظائرها، ويقدِّر في نفسه أَنَّه المقصود بها: [البسيط]
لاَهٍ بِدُنْيَاهُ وَالأَيَّامُ تَنْعَاهُ ...
وَالْقَبْرُ غَايَتُهُ وَاللَّحْدُ مَأْوَاهُ
يَلْهُو فَلَوْ كَانَ يَدْرِي مَا أُعِدَّ لَه ...
إذَنْ لأَحْزَنَهُ مَا كَانَ أَلْهَاهُ
قال الغَزَّاليُّ في «الإحياء» قال أبو زكريَّا التَّيْمِيُّ: بينما سليمانُ بنُ عبد الملك في المسجد الحرام إذ أُوتِيَ بحَجَرٍ منقوشٍ، فَطَلَبَ مَنْ يَقْرَؤُهُ، فأوتي بِوهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فإذا فيه: ابنَ آدمَ، إنك لو رأيْتَ قُرْبَ ما بَقِيَ من أَجْلِك، لَزَهِدْتَ في طول أملك وَلَرَغِبْتَ في الزيادَةِ مِنْ عَمَلِك، وَلَقَصَّرْتَ مِنْ حِرْصِكَ وحِيَلِكَ، وإنما يلقاك غَداً نَدَمُك لو قد زَلَّتْ بك قَدَمُك، وأسلمك أَهلُكَ وَحْشَمُك، فَفَارَقَكَ الوَلَدُ والقَرِيب وَرَفَضَكَ الوَالِدُ والنَّسِيب، فلا أَنْتَ إلى دُنْيَاك عائد ولا في حَسَنَاتِك زَائِد، فاعمل ليومِ القيامهْ، قبل الحسرة والندامهْ.
فبكى سليمان بكاءً شديداً، انتهى،، وباقي الآية بيِّن.
ثم رَجَّى تبارك وتعالى عباده بقوله: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ ولَطِيفٌ هنا بمعنى رفيق مُتَحَفٍّ، والعباد هنا المؤمنون.
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)
وقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ معناه: إرادة مُسْتَعِدٍّ عاملٍ، لا إرادةُ مُتَمَنٍّ مُسَوِّفٍ، والحَرْثُ في هذه الآية: عبارةٌ عن السَّعْيِ والتكسُّبِ والإعْدَاد.
وقوله تعالى: نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَعْدٌ مُتَنَجَّزٌ قال الفَخْرُ «١» : وفي تفسير قوله:
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ قولان:
الأوَّلُ: نزد له في توفيقه وإعانته، وتسهيلِ سبيل الخيرات والطاعات عليه، وقال مقاتل: نزد له في حَرْثِهِ بتضعيفِ الثواب قال تعالى: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [فاطر: ٣٠] انتهى، وقوله: وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها معناه: ما شئنا منها ولمن شئنا، فَرُبَّ مُمْتَحَنٍ مُضَيَّقٌ عليه حريصٌ على حَرْثِ الدنيا، مريدٌ له، لا يَحُسُّ بغيره، نعوذُ بالله من ذلك!
وهذا الذي لا يعقل غيرَ الدنيا هو الذي نفى أنْ يكون له نصيبٌ في الآخرة.
وقوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ «أم» هذه منقطعةٌ لا معادلةٌ، وهي بتقدير «بل» ، وألف الاستفهام، والشركاء في هذه الآية يحتمل أنْ يكونَ المراد بهم الشياطين والمُغْوِينَ من أسلافهم، ويكون الضمير في لَهُمْ للكفار المعاصرين لمحمّد ع فالاشتراك هاهنا هو في الكفر والغواية، وليس بشركة الإشراك باللَّه- ويحتمل أنْ يكون المراد بالشركاء: الأصنام والأوثان على معنى: أم لهم أصنام جعلوها شركاءَ للَّه في أُلُوهِيَّتِهِ، ويكون الضمير في شَرَعُوا لهؤلاء المعاصرين من الكفار ولآبائهم، والضمير في لَهُمْ للأصنام الشركاء، وشَرَعُوا معناه: أثبتوا، ونهجوا، ورسموا والدِّينِ هنا: العوائدُ والأحكامُ والسِّيرَةُ، ويَدْخُلُ في ذلك أيضاً المُعْتَقَدَاتُ السُّوء لأَنَّهُم في جمِيع ذلك وضعوا ذلك أوضاعاً فاسدة وكلمة الفصل هي ما سبق من قضاء اللَّه تعالى بأَنَّهُ يُؤخِّرُ عقابهم للدار الآخرة، والقضاء بينهم هو عذابهم في الدنيا ومجازاتهم.
وقوله تعالى: تَرَى الظَّالِمِينَ هي رؤية بصر، ومُشْفِقِينَ حال، وليس لهم في هذا الإشفاق مدح لأنَّهم إنَّما أشفقوا حين نزل بهم، وليسوا كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مُشْفِقُون من أمر الساعة، كما تقدم، وهو واقع بهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْهُ لِغَيْرِ شَيْءٍ ﴿ والمِيزانَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ العَدْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، حُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.
ومَعْنى إنْزالِهِ: إلْهامُ الخَلْقِ أنْ يَعْمَلُوا بِهِ، وأمْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إيّاهم بِالإنْصافِ.
وسُمِّي العَدْلُ مِيزانًا؛ لِأنَّ المِيزانَ آلَةُ الإنْصافِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الخَلْقِ.
وتَمامُ الآيَةِ مَشْرُوحٌ في [الأحْزابِ: ٦٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها ﴾ لِأنَّهم لا يَخافُونَ ما فِيها، إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِكَوْنِها، فَهم يَطْلُبُونَ قِيامَها اسْتِبْعادًا واسْتِهْزاءً ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ ﴾ أيْ: خائِفُونَ ﴿ مِنها ﴾ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم مُحاسَبُونَ ومَجْزِيُّونَ، ولا يَدْرُونَ ما يَكُونُ مِنهم ﴿ وَيَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ﴾ أيْ: أنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ ﴿ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في كَوْنِها ﴿ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴾ حِينَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا، فَيَعْلَمُوا قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى إقامَتِها.
﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ ﴾ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى [اسْمِهِ] "اللَّطِيفِ" في [الأنْعامِ: ١٠٣] .
وفي عِبادِهِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في الكُلِّ.
ولُطْفُهُ بِالفاجِرِ: أنَّهُ لا يُهْلِكُهُ.
﴿ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لَهُ الرِّزْقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عَمَلَ الآخِرَةِ، يُقالُ: فُلانٌ يَحْرُثُ الدُّنْيا، أيْ: يَعْمَلُ لَها ويَجْمَعُ المالَ؛ فالمَعْنى: مَن أرادَ بِعَمَلِهِ الآخِرَةَ ﴿ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ﴾ أيْ: نُضاعِفُ لَهُ الحَسَناتِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن أرادَ العَمَلَ لِلَّهِ بِما يُرْضِيهِ، أعانَهُ اللَّهُ عَلى عِبادَتِهِ، ومَن أرادَ الدُّنْيا مُؤْثِرًا لَها عَلى الآخِرَةِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِالآخِرَةِ، يُؤْتِهُ مِنها، وهو الَّذِي قَسَّمَ لَهُ، ﴿ وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ ﴾ لِأنَّهُ كافِرٌ بِها لَمْ يَعْمَلْ لَها.
* فَصْلٌ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ أوَّلَ هَذِهِ الآيَةِ إلى "حَرْثِهِ" مُحْكَمٌ، واخْتَلَفُوا في باقِيها عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنهم مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّ الآيَتَيْنِ مُحْكَمَتانِ مُتَّفِقَتانِ في المَعْنى، لِأنَّهُ لَمْ يُقَلْ في هَذِهِ الآيَةِ: نُؤْتِهِ مُرادَهُ، فَعُلِمَ أنَّهُ إنَّما يُؤْتِيهِ اللَّهُ ما أرادَ، وهَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ: "لِمَن نُرِيدُ"، ويُحَقِّقُ هَذا أنَّ لَفْظَ الآيَتَيْنِ لَفْظُ الخَبَرِ ومَعْناهُما مَعْنى الخَبَرِ، وذَلِكَ لا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ، وهَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنهم قَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةَ قَرِيبٌ ﴾ ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في الساعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ ﴾ ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مَن نَصِيبٍ ﴾ لَمّا أنْهى اللهُ تَعالى القَوْلَ عَلى الَّذِينَ يُحاجُّونَ في تَوْحِيدِ اللهِ ويَرُومُونَ إخْفاءَ نُورِهِ، صَدَعَ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفَتِهِ تَعالى مِن إنْزالِ الكِتابِ الهادِي لِلنّاسِ، و"الكِتابُ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِالحَقِّ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: بِأنْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا واجِبًا لِلْمَصْلَحَةِ والهُدى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مُضَمَّنًا الحَقُّ، أيْ: بِالحَقِّ في أحْكامِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، و"المِيزانُ" هُنا: العَدْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والناسُ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: هو هُنا المِيزانُ الَّذِي بِأيْدِي الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ أنَّهُ داخِلٌ في العَدْلِ وجُزْءٍ مِنهُ، وكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ، فالعَدْلُ فِيهِ إنَّما هو بِتَقْدِيرٍ ووَزْنٍ مُسْتَقِيمٍ، فَيَحْتاجُ في الأجْرامِ إلى آلَةٍ، وهي العَمُودُ والكَفَّتانِ الَّتِي بِأيْدِي البَشَرِ، ويَحْتاجُ في المَعانِي إلى هَيْئاتٍ في النُفُوسِ وفُهُومٍ تُوازِنُ بَيْنَ الأشْياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةَ قَرِيبٌ ﴾ وعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ، أيْ: فانْظُرْ في أيِّ غَرَرٍ هُمْ، وجاءَ لَفْظُ "قَرِيبٌ" مُذَكِّرًا مِن حَيْثُ تَأْنِيثُ الساعَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وإذْ هي بِمَعْنى الوَقْتِ، ثُمَّ وصَفَ تَعالى حالَةَ الجَهَلَةِ الكاذِبِينَ بِها، فَهم لِذَلِكَ يَسْتَعْجِلُونَ بِها، أيْ: يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَها لِيُبَيِّنَ العَجْزَ مِمَّنْ يُحَقِّقُها، فالمُصَدِّقُ بِها مُشْفِقٌ خائِفٌ، والمُكَذِّبُ مُسْتَعْجِلٌ مُقِيمٌ لِحُجَّتِهِ عَلى تَكْذِيبِهِ بِذَلِكَ المُسْتَعْجَلِ بِهِ.
ثُمَّ اسْتَفْتَحَ تَعالى الإخْبارَ عَنِ المُمارِينَ في الساعَةِ في أنَّهم في ضَلالٍ قَدْ بَعُدَ بِهِمْ، فَرُجُوعُهم عنهُ صَعْبٌ مُتَعَذِّرٌ، وفي هَذا الِاسْتِفْتاحِ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدٌ وتَهْيِئَةٌ لِنَفْسِ السامِعِ.
ثُمَّ رَجّى تَبارَكَ وتَعالى عِبادَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ ﴾ ، و"لَطِيفٌ" هُنا بِمَعْنى: رَفِيقٌ مُتَحَفٍّ، والعِبادُ هُنا: المُؤْمِنُونَ ومَن سَبَقَ لَهُ الخُلُودُ في الجَنَّةِ، وذَلِكَ أنَّ الأعْمالَ بِخَواتِمِها، ولا لُطْفَ إلّا ما آلَ إلى الرَحْمَةِ، وأمّا الإنْعامُ عَلى الكافِرِينَ في الدُنْيا فَلَيْسَ بِلُطْفٍ بِهِمْ، بَلْ هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ، وقالَ الجُنَيْدُ: لَطَفَ بِأولِيائِهِ حَتّى عَرِفُوهُ، ولَوْ لَطَفَ بِالكُفّارِ لَما جَحَدُوهُ، وقِيلَ: لَطِيفٌ بِأنْ نَشَرَ عنهُمُ المَناقِبَ، وسَتَرَ عَلَيْهِمُ المَثالِبَ، وقِيلَ: هو الَّذِي لا يُخافُ إلّا عَدْلُهُ، ولا يُرْجى إلّا فَضْلُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ ﴾ مَعْناهُ: إرادَةُ مُسْتَعِدٍّ عامِلٍ عارِفٍ لا إرادَةَ مُتَمَنٍّ لَمْ يُدِنْ نَفْسَهُ، و"الحَرْثُ" هُنا عِبارَةٌ عَنِ السَعْيِ والتَكَسُّبِ والإعْدادِ، ولَمّا كانَ حَرْثُ الأرْضِ أصْلًا مِن أُصُولِ المَكاسِبِ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ تَكَسُّبٍ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ رِضى اللهُ عنهُما: "احْرُثْ لِدُنْياكَ كَأنَّكَ تَعِيشُ أبَدًا، واعْمَلْ لِآخِرَتِكَ كَأنَّكَ تَمُوتُ غَدًا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ﴾ وعْدٌ مُنْتَجَزٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى في حَرْثِ الدُنْيا: ﴿ نُؤْتِهِ مِنها ﴾ مَعْناهُ: ما شِئْنا ولِمَن شِئْنا، فَرُبَّ مُمْتَحِنٍ مُضَيِّقٌ عَلَيْهِ حَرِيصٌ عَلى حَرْثِ الدُنْيا مُرِيدٌ لَهُ لا يُحِسُّ بِغَيْرِهِ، نَعُوذُ بِاللهِ مِن ذَلِكَ، وهَذا الَّذِي لا يَعْقِلُ غَيْرَ الدُنْيا هو الَّذِي نَفى أنْ يَكُونَ لَهُ نَصِيبٌ في الآخِرَةِ.
وقَرَأ سَلامٌ: "نُؤْتِهِ" بِرَفْعِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ لِأهْلِ الحِجازِ، ومَثْلُهُ قِراءَةُ أهْلِ الحِجازِ: "فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ" بِرَفْعِ الهاءِ فِيهِما.
<div class="verse-tafsir"
هذه الآية متصلة بقوله: ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ﴾ [الشورى: 18] الآية، لِمَا تضمنته من وجود فريقين: فريق المؤمنين أكبر همهم حياةُ الآخرة، وفريق الذين لا يؤمنون همهم قاصرة على حياة الدّنيا، فجاء في هذه الآية تفصيل معاملة الله الفريقين معاملة متفاوتة مع استوائهم في كونهم عبيده وكونهم بمحل لطف منه، فكانت جملة ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ [الشورى: 19] تمهيداً لهذه الجملة، وكانت هاته الجملة تفصيلاً لحظوظ الفريقين في شأن الإيمان بالآخرة وعدم الإيمان بها.
ولأجل هذا الاتصال بينها وبين جملة ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ [الشورى: 18] تُرك عطفها عليها، وترك عطف توطئتها كذلك، ولأجل الاتصال بينها وبين جملة ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ [الشورى: 19] اتصالَ المقصود بالتوطئة تُرك عطفها على جملة والحَرث: أصله مصدر حَرَث، إذ شقّ الأرض ليزرع فيها حَبّاً أو ليغرس فيها شجراً، وأطلق على الأرض التي فيها زرع أو شجر وهو إطلاق كثير كما في قوله تعالى: ﴿ أنْ اغدُوا على حَرْثِكم إن كُنتم صارمين ﴾ [القلم: 22]، أي جنتكم لقوله قبله ﴿ كما بَلونا أصحابَ الجنّة ﴾ [القلم: 17] وقال: ﴿ زُين للناس حبّ الشهوات من النساء ﴾ إلى قوله: ﴿ والأنعاممِ والحَرث ﴾ وقد تقدم في سورة آل عمران (14).
والحرث في هذه الآية تمثيل للإقبال على كسب ما يُعده الكاسب نفعاً له يرجو منه فائدة وافرة بإقبال الفلاَّح على شقّ الأرض وزرعها ليحصل له سنابل كثيرة وثمار من شجر الحرث، ومنه قول امرئ القيس: كِلانَا إذا ما نَال شيئاً أفاته *** ومن يَحْتَرث حَرثي وحَرْثَكَ يَهزِل وإضافة حرث } إلى ﴿ الآخرة ﴾ وإلى ﴿ الدنيا ﴾ على معنى اللام كقوله: ﴿ ومن أراد الآخرة وسعَى لها سعيها ﴾ [الإسراء: 19]، وهي لام الاختصاص وهو في مثل هذا اختصاص المعلَّل بعلته، وما لام التعليل إلا من تصاريف لام الاختصاص.
ومعنى ﴿ يريد حرث الآخرة ﴾ يبْتغي عملاً لأجل الآخرة.
وذلك المريد: هو المؤمن بالآخرة لأن المؤمن بالآخرة لا يخلو عن أن يريد الآخرة ببعض أعماله كثيراً كان أو قليلاً، والذي يريد حرث الدّنيا مراد به: من لا يسعى إلا لعمل الدّنيا بقرينة المقابلة بمن يريد حرث الآخرة، فتعيّن أن مريد حرث الدّنيا في هذه الآية: هو الذي لا يؤمن بالآخرة.
ونظيرها في هذا قوله تعالى في سورة هود (15، 16) ﴿ من كان يريد الحياة الدّنيا وزينتها نُوَفِّ إليهم أعمالَهم فيها وهم فيها لا يُبْخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبِط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ﴾ ألا ترى إلى قوله: ﴿ ليس لهم في الآخرة إلا النار ﴾ [هود: 16] وقوله في سورة الإسراء (18، 19) ﴿ مَن كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنّم يصلاها مذموماً مدحوراً ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيُهم مشكوراً.
﴾ وفعل نزد له في حرثه } يتحمل معنيين: أن تكون الزيادة في ثواب العمل، كقوله: ﴿ ويُرْبِي الصدقات ﴾ [البقرة: 276] وقوله: ﴿ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء ﴾ [البقرة: 261]، وسيأتي قريباً قوله: ﴿ ومن يقترِفْ حسنة نزِدْ له فيها حُسناً ﴾ [الشورى: 23].
وعلى هذا فتعليق الزيادة بالحرث مجاز عقلي علقت الزيادة بالحَرثثِ وحقُّها أن تعلق بسببه وهو الثواب، فالمعنى على حذف مضاف.
وأن تكون الزيادة في العمل، أي نقدر له العون على الازدياد من الأعمال الصالحة ونيسّر له ذلك فيزداد من الصالحات.
وعلى هذا فتعليق الزيادة بالحرث حقيقة فيكون من استعمال المركب في حقيقته ومجازه العقليين.
ومعنى ﴿ نؤته منها ﴾ : نقدر له من متاع الدنيا مِن: مدة حياة وعافية ورزق لأن الله قدر لمخلوقاته أرزاقهم وأمدادهم في الدّنيا، وجعل حظ الآخرة خاصاً بالمؤمنين كما قال: ﴿ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ﴾ [الإسراء: 19].
وقد شملت آية سورة الإسراء فريقاً آخر غير مذكور هنا، وهو الذي يؤمن بالآخرة ويبْتغي النجاة فيها ولكنه لم يؤمن بالإسلام مثلُ أهل الكتاب، وهذا الفريق مذكور أيضاً في سورة البلد (11 17) بقوله تعالى: ﴿ فَلا اقْتَحَمَ العقبةَ وما أدراك ما العقبةُ فكُّ رقبةٍ أو إطعام ﴾ إلى قوله: ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ } .
فلا يَتوهمَنَّ متوهم أن هذه الآية ونحوها تحجر تناول المسلم حظوظَ الدّنيا إذا أدى حق الإيمان والتكليف، ولا أنها تصدّ عن خلط الحظوظ الدنيوية مع حظوظ الآخرة إذا وقع الإيفاء بكليهما، ولا أن الخلط بين الحظين ينافي الإخلاص كطلب التبرد مع الوضوء وطلببِ الصحة مع التطوع بالصوم إذا كان المقصد الأصلي الإيفاء بالحق الديني.
وقد تعرض لهذه المسألة أبو إسحاق الشاطبي في فصل أول من المسألة السادسة من النوع الرابع من كتاب «المقاصد» من كتاب «الموافقات».
وذكر فيها نظرين مختلفين للغزالي وأبي بكر بن العربي ورجح فيها رأي أبي بكر بن العربي فانظره.
والنصيب: ما يُعيَّن لأحد من الشيء المقسوم، وهو فَعيل من نَصَبَ لأن الحظ يُنصب، أي يجعل كالصُّبرة لصاحبه، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ أولئك لهم نصيب مما كسبوا ﴾ في سورة البقرة (202).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ﴾ الآيَةَ.
فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الآخِرَةِ مَن شاءَ مِن أمْرِ الدُّنْيا، ولا يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الدُّنْيا إلّا الدُّنْيا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مَعْناهُ مَن عَمِلَ لِلْآخِرَةِ أعْطاهُ اللَّهُ بِالحَسَنَةِ عَشْرَ أْمَثالِها، ومَن عَمِلَ لِلدُّنْيا لَمْ يَزِدْ عَلى مَن عَمِلَ لَها.
﴿ وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ ﴾ في الجَنَّةِ وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ وشَبَّهَ العامِلَ الطّالِبَ بِالزّارِعِ لِاجْتِماعِهِما في طَلَبِ النَّفْعِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ من كان يريد حرث الآخرة ﴾ قال: عيش الآخرة، ﴿ نزد له في حرثه ﴾ ﴿ ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ﴾ الآية قال: من يؤثر دنياه على آخرته، لم يجعل له نصيباً في الآخرة إلا النار، ولم يزدد بذلك من الدنيا شيئاً، إلا رزقاً قد فرغ منه وقسم له.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة ﴿ من كان يريد حرث الآخرة ﴾ قال: من كان يريد عيش الآخرة نزد له في حرثه ﴿ ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ﴾ قال: من يؤثر دنياه على آخرته لم يجعل الله له نصيباً في الآخرة إلا النار، ولم يزدد بذلك من الدنيا شيئاً، إلا رزقاً قد فرغ منه وقُسِمَ له.
وأخرج ابن مردويه من طريق قتادة، عن أنس رضي الله عنه ﴿ ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ﴾ قال: نزلت في اليهود.
وأخرج أحمد والحاكم وصححه وابن مردويه وابن حبان، عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والنصر والتمكين في الأرض، ما لم يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب» .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ﴾ الآية.
ثم قال: يقول الله: ابن آدم تفرغ لعبادتي، أملأ صدرك غنى، وأسُدُّ فقرك، وإلا تفعل، ملأت صدرك شغلاً، ولم أسدّ فقرك» .
وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- مرفوعاً «من جعل الهم هماً واحداً اكفاه الله هم دنياه.
ومن تشعبته الهموم لم يبال الله في أي أودية الدنيا هلك» .
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر، عن علي رضي الله عنه قال: الحرث حرثان، فحرث الدنيا المال والبنون، وحرث الآخرة، الباقيات الصالحات.
وأخرج ابن المبارك، عن مرة رضي الله عنه قال: ذكر عند عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قوم قتلوا في سبيل الله، فقال: إنه ليس على ما تذهبون وترون، إنه إذا التقى الزحقان، نزلت الملائكة، فكتبت الناس على منازلهم، فلان يقاتل للدنيا، وفلان يقاتل للملك، وفلان يقاتل للذكر، ونحو هذا، وفلان يقاتل يريد وجه الله، فمن قتل يريد وجه الله، فذلك في الجنة.
وأخرج ابن النجار في تاريخه، عن رزين بن حصين رضي الله عنه قال: قرأت القرآن من أوله إلى آخره على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فلما بلغت الحواميم، قال لي: قد بلغت عرائس القرآن، فلما بلغت اثنتين وعشرين آية من ﴿ حمعاساقا ﴾ بكى ثم قال: اللهم إني أسألك اخبات المخبتين، وخلاص الموقنين، ومرافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإِيمان، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، ورجوت رحمتك والفوز بالجنة والنجاة من النار، ثم قال: يا رزين، إذا ختمت فادع بهذه، فإن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمرني أن أدعو بهن عند ختم القرآن.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ حَرْثَ الآخرة ﴾ عبارة عن العمل لها، وكذلك حرث الدنيا، وهو مستعار من حرث الأرض؛ لأن الحراث يعمل وينتظر المنفعة بما عمل ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ عبارة عن تضعيف الثواب ﴿ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ أي نؤته منها ما قدّر له، لأن كل واحد لابد أن يصل إلى ما قسم له ﴿ وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ ﴾ هذا للكفار، أو لمن كان يريد الدنيا خاصة، ولا رغبة له في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يوحي ﴾ على البناء للمفعول: ابن كثير وعباس ﴿ يكاد ﴾ بالياء التحتانية: نافع وعلي ﴿ تنفطرن ﴾ بالنون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.
﴿ يبشر الله ﴾ مخففاً من البشارة: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي.
الوقوف: ﴿ حم عسق ﴾ كوفي ﴿ من قبلك ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يوحى ﴾ مجهولاً كأنه قيل: من الموحي فقال الله أي هو الله ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لمن في الأرض ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ز والوصل أوجه لأن نفي ما بعده تقرير لإثبات ما قبله ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للفصل بين الاستخبار والأخبار مع دخول الفاء ﴿ الموتى ﴾ ط فصلاً بين المقدور المخصوص وبين القدرة على العموم مع اتفاق الجملتين ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أزواجاً ﴾ الثاني ط لأن ضمير ﴿ فيه ﴾ يحتمل أن يعود إلى الازدواج الذي في مدلول الأزواج أو إلى التدبير وإن لم يسبق ذكره ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال والعامل معنى الفعل في له أو في الملك.
﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط كذلك ما بعده ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فادع ﴾ ج ﴿ كما أمرت ﴾ ج ﴿ أهواءهم ﴾ ج ﴿ كتاب ﴾ ج كل ذلك للترتيل في القراءة وإن اتفقت الجملتان ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بيننا ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ والميزان ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ منها ﴾ ج للعطف أو الحال ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال عطف وهو على جملة قوله ﴿ الله لطيف ﴾ وهما متفقتان ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ في حرثه ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ نصيب ﴾ ه ﴿ به الله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الجنات ﴾ ط لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ في القربى ﴾ ط ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه.
التفسير: الكلام في ﴿ حم ﴾ كما سبق وأما ﴿ عسق ﴾ فقد قيل: إنه مع ﴿ حم ﴾ اسم للسورة.
وقيل: رموز إلى فتن كان عليّ يعرفها.
وقيل: الحاء حكم الله، والميم ملكه، والعين علمه، والسين سناؤه، والقاف قدرته.
وقيل: الحاء حرب علي ومعاوية، والميم ولاية المروانية، والعين ولاية العباسية، والسين ولاية السفيانية، والقاف قدرة المهدي.
وهذه الأقاويل مما لا معول عليها.
وقال أهل التصوف: حاء حبه، وميم محبوبية محمد، وعين عشقه، وقاف قربه إلى سيده.
أقسم أنه يوحي إليه وإلى سائر الأنبياء من قبله أنه محبوبه في الأزل وبتبعيته خلق الكائنات.
والأولى تفويض علمها إلى الله كسائر الفواتح.
وإنما فصل ﴿ حم ﴾ من ﴿ عسق ﴾ حتى عدا آيتين خلاف ﴿ كهيعص ﴾ لتقدم ﴿ حم ﴾ قبله واستقلالها بنفسها، ولأن جميعها ذكر الكتاب بعدها صريحاً إلا هذه فإنها دلت عليه دلالة التضمن بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب.
روي عن ابن عباس أنه لا نبي صاحب كتاب إلا أوحى الله إليه ﴿ حم عسق ﴾ والله أعلم بصحة هذه الرواية.
والأظهر أن يقال: مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى الأنبياء قبلك.
والمراد المماثلة في أصول الدين كالتوحيد والعدل والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في الآخرة كقوله ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ وفي ورود لفظ ﴿ يوحى ﴾ مستقبلاً لا ماضياً إشارة إلى أن إيحاء مثله عادته.
ثم بين سعة ملكه وأخبر عن غاية جلاله بقوله ﴿ له ما في السموات ﴾ الخ.
ثم أخبر عن فظاعة ما ارتكبه أهل الشرك فقال ﴿ تكاد السموات يتفطرن ﴾ وقد سبق في آخر سورة مريم.
ومعنى ﴿ من فوقهن ﴾ أن الانفطار يبتدىء من أعلى السموات أو ما فوقها من العرش والكرسي إلى أن ينتهي إلى السفلي، وفي الابتداء من جهة الفوق زيادة تفظيع وتهويل.
قال جار الله: كأنه قيل يتفطرن من الجهة التي فوقهن دع الجهة التي تحتهن.
وقيل: معناه من الجهة التي حصلت هذه السموات فيها وفيه ضعف لأنه كقول القائل: السماء فوقنا.
وقيل: الضمير للأرض وقد تقدم ذكرها أي من فوق الأرضين وروى عكرمة عن ابن عباس: يتفطرن من ثقل الرحمن.
فإن صحت الرواية كان في الظاهر دليل المجسمة.
ولأهل السنة أن يتأولوا الثقل بالهيبة والجلال أو يقدروا مضافاً محذوفاً أي من ثقل ملائكة الرحمن كقوله "أطت السماء أطأ وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد." ثم انتقل من وصف الجسمانيات إلى ذكر الروحانيات، وأنهم بالوجه الذي لهم إلى عالم الأرواح يسبحون بالوجه الذي لهم إلى عالم الأجسام يستغفرون فقال ﴿ والملائكة ﴾ قيل: هو عام.
وقيل: حملة العرش كما مر في أول سورة المؤمن إلا أنه عمم ههنا فقال ﴿ لمن في الأرض ﴾ أي يطلبون أن لا يعاجل الله أهل الأرض بالعذاب طمعاً في توبة الكفار والفساق منهم.
وقيل: هو مخصوص بما مر أي يستغفرون للمؤمنين منهم.
ثم سلى نبيه بأن المشركين إنما يحاسبهم الله وما عليك إلا البلاغ.
قوله ﴿ وكذلك أوحينا ﴾ قال ابن بحر: هو الكلام الأول أعيد لما اعترض بين الكلامين ما اعترض.
وقال جار الله: الكاف مفعول به لأوحينا، ﴿ وذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله من أن الله هو عليهم الرقيب وما أنت عليهم برقيب.
وقد كرر الله هذا المعنى في كتابه في مواضع.
﴿ وقرآناً عربياً ﴾ حال.
والمعنى مثل ذلك المذكور أوحينا إليك وهو قرآن عربي بين لا لبس فيه ليفهم معناه ولا يتجاوز حد الإنذار.
ويجوز أن يكون ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الإيحاء أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك وأوحينا إليك، فيجوز أن تكون المماثلة بالحروف المفردة وأن تكون بأصول الدين كما مر.
قال أهل اللغة: يقال أنذرته كذا وبكذا.
فمن الاستعمال الثاني قوله ﴿ لتنذر أم القرى ﴾ أي أهل مكة على حذف المضاف، والمفعول الثاني وهو القرآن محذوف.
ومن الاستعمال الأول قوله ﴿ وتنذر يوم الجمع ﴾ والمفعول الأول محذوف وتنذر الناس يوماً تجمع فيه الخلائق أو يجمع فيه بين الأرواح والأجساد أو بين كل عامل وعمله.
قلت: ومن الجائز أن يكون الكل من الاستعمال الأول ولا حذف إلا ان قوله ﴿ وتنذر ﴾ يكون مكرراً للمبالغة والتقدير الأصلي: لتنذر أم القرى يوم الجمع.
وقد مر في القصص في قوله ﴿ حتى يبعث في أمها ﴾ أن مكة لم سميت أم القرى.
وقوله ﴿ ومن حولها ﴾ يحتمل عموم أطراف الأرض لأن مكة في وسطها، ويحتمل أن يكون المراد به سائر جزيرة العرب ويدخل باقي الأمم بالتبعية أو بنص آخر كقوله ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس ﴾ وقوله ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض لا محل له أو صفة للجمع بناء على أن التعريف الجنسي قريب من النكرة.
وقوله ﴿ فريق ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي منهم فريق كذا ومنهم فريق كذا، أي هذا مآل حالهم بعد الحشر والاجتماع.
ثم بين بقوله ﴿ ولو شاء الله ﴾ الخ.
أن السعادة والشقاوة والهداية والضلالة متعلق بمشيئته وإرادته.
وهذا على مذهب أهل السنة ظاهر، وتأوله المعتزلة بمشيئة القسر والإلجاء، وقد مر نظائره مراراً.
والظاهر أن المراد بكونهم أمة واحدة أن يكونوا مسلمين كلهم.
وقيل: أن يكونوا أهل ضلالة قياساً على قوله ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ ثم أنكر على أهل الشرك بأم المنقطعة قائلاً ﴿ أم اتخذوا من دونه أولياء ﴾ إن أرادوا أولياء بحق ﴿ فالله هو الولي ﴾ الذي يجب أن يعتقد أنه المولى والسيد لا ولي سواه ومن شأنه أنه ﴿ يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾ وهو الحقيق بأن يتخذ ولياً.
وحين منع الرسول من التحزن على من كفر أراد أن يمنع المؤمنين من الاختلاف والتنازع فقال ﴿ وما اختلفتم ﴾ والتقدير: قل يا محمد كذا بدليل قوله ﴿ ذلكم الله ربي ﴾ الآية.
والمراد أن الذي اختلفتم أنتم والكفرة فيه من أمور الدين فحكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله وهو إثابة المحقين ومعاقبة المبطلين.
وقيل: وما اختلفتم فيه فتحاكموا إلى رسول الله كقوله ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ وقيل: وما اختلفتم فيه من الآيات المتشابهات فارجعوا في بيانه إلى المحكمات أو إلى الظاهر من السنة.
وقيل: ما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بالتكاليف فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح وغيره.
قال في الكشاف: ولا يندرج فيه اختلاف المجتهدين لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول .
قلت: إن لم يجز بحضرته فإنه جائز بعده.
وقوله ﴿ وما اختلفتم ﴾ شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة مثل ﴿ يا أيها الناس ﴾ ومثل ﴿ أقيموا الصلاة ﴾ والأظهر أن اختلافهم يدخل فيه، وأن المراد بحكمه تعريفه من بيان الله سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس أو بالاجتهاد.
فإن قيل: المقصود من التحاكم قطع الاختلاف ولا قطع مع القياس ولا مع الاجتهاد.
قلنا: إذا كان القياس مأموراً به وكذا الاجتهاد بل يكون كل مجتهد مصيباً، كانت المخالفة في حكم الموافقة ولهذا قال "اختلاف أمتي رحمة" ثم وصف نفسه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال تأكيداً لصحة أحكامه فقال ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ وهو أحد أخبار ذلكم أو خبر مبتدأ محذوف.
ومعنى ﴿ ومن الأنعام أزواجاً ﴾ أنه خلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ يكثركم في هذا التدبير وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجاً حتى حصل بين الذكور والإناث التوالد والتناسل.
والضمير في ﴿ يذرؤكم ﴾ راجع إلى المخاطبين وإلى الأنعام وهو من الأحكام ذوات العلتين، وذلك أن فيه تغليبين تغليب المخاطبين على الغائبين وهم من سيوجد إلى يوم القيامة، وتغليب العقلاء على غيرهم.
وعلة الأول الخطاب، وعلة الثاني العقل.
وإنما قال ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ ولم يقل به لأنه جعل التدبير منبعاً ومعدناً للتكثير كقوله ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ ولأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض ومعنى ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ نفي المثلية عنه بطريق الالتزام وذلك أنه لو كان له مثل والله شيء لكان مثل مثله شيء وهو خلاف نص المخبر الصادق وهذا المحال إنما لزم من فرض وجود المثل له فوجود المثل محال وهو المطلوب، ولعل هذا التقرير مختص بنا.
قال في الكشاف: إنه من باب الكناية كقولهم: مثلك لا يبخل.
يعنون أنت لا تبخل.
وكذا ههنا يريد ليس كالله شيء.
وجوز أن يكون تكرير حرف التشبيه للتأكيد.
وقد يستدل بالآية على نفي الجسمية ولوازمها عنه لأن الأجسام متماثلة في حقيقة الجسمانية.
قوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ أي له مفاتيح خزائنها وقد مر في الزمر والباقي واضح وقد سبق أيضاً.
وحين عظم وحيه إلى محمد بقوله ﴿ كذلك يوحى إليك ﴾ إلى آخره ذكر تفصيل ذلك فقال ﴿ شرع لكم ﴾ أي أوجب وبين لأجلكم ﴿ من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ وهو أقدم الأديان بعد الطوفان ﴿ والذي أوحينا إليك ﴾ وهو ختمها ﴿ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ وهي الملل المعتبرة المتوسطة.
ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأكابر من رسله فيه بقوله ﴿ أن أقيموا الدين ﴾ الحنيفي ومحله نصب بدلاً من مفعول ﴿ شرع ﴾ أو رفع على الاستئناف كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟
فقيل: هو إقامة الدين.
يعني إقامة أصوله من التوحيد والنبوة والمعاد ونحو ذلك دون الفروع التي تختلف بحسب الأوقات لقوله { ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ﴾ وفي بناء الكلام على الغيبة ثم الالتفات إلى التكلم في ﴿ أوحينا ﴾ والخطاب في ﴿ إليك ﴾ تفخيم شأن الرسول .
ثم حكى حسد أهل الشرك بقوله ﴿ كبر على المشركين ﴾ أي شق وعظم عليهم ما تدعوهم إليه من الدين المبرأ من عبادة غير الله.
ثم أجاب عن شبهتهم بأن الاجتباء والاصطفاء يتعلق بمشيئة الله لا بتمني كل واحد ولا بكثرة المال والجاه.
يقال: اجتباه إليه أي اصطفاه لنفسه، والتركيب يدل على الجمع والضم، ويحتمل أن يراد يجتبي إلى الدين.
ثم أخبر عن وقت تفرق كلمة أهل الكتاب وعن سبب ذلك فقال ﴿ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ ببعث محمد وصحة نبوته كقوله في آل عمران ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم ﴾ وقيل: وما تفرق الأمم الذين تقدم ذكرهم إلا بعد العلم بصحة ما أمروا به.
قال أهل البرهان: لما ذكر مبدأ كفرهم وهو قوله ﴿ إلا من بعدما جاءهم العلم ﴾ حسن ذكر نهاية إمهالهم وهو قوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ ليكون محدوداً من الطرفين.
وإنما ترك ذكر النهاية في السورة المتقدمة لعدم ذكر البداية ﴿ وإن الذين أورثوا الكتاب ﴾ هم العرب ورثوا القرآن من بعدما أورث أهل الكتابين كتابهم أو هم أهل الكتاب المعاصرون لرسول الله وقيل: جاءهم أسباب العلم فلم ينظروا فيها لأنه حكم عليهم في آخر الآية بأنهم في شك من كتابهم وهو مع العلم غير مجتمعين ﴿ فلذلك ﴾ أي فلأجل تشعب الملل وتفرق الكلم ﴿ فادع ﴾ إلى الملة الحنيفية.
وقيل: اللام بمعنى "إلى" والإشارة إلى القرآن ﴿ وأستقم ﴾ عليها كما أمرت ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ المختلفة ﴿ وقل آمنت بما أنزل الله من ﴾ أي ﴿ كتاب ﴾ كان ﴿ وأمرت لأعدل بينكم ﴾ أي في التبليغ أو إذا تحاكمتم إليّ حتى لا أفرق بين نفسي ونفس غيري.
ثم أشار إلى ما هو أصل في الدين فقال ﴿ الله ربنا وربكم لنا ﴾ جزاء ﴿ أعمالنا ولكم ﴾ جزاء ﴿ أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ﴾ وليس المراد منه تحريم المحاجة فإنه لولا الأدلة لما توجه التكليف بل المراد أنهم بعد أن وقفوا على الحجج الباهرة والدلائل الظاهرة على حقية دين الإسلام لم يبق معهم حجة لسانية وإنما بقي السيف.
وقيل: إنه منسوخ بآية القتال وقوله ﴿ الله يجمع بيننا ﴾ إشارة إلى المهاجرة التي اقتضاها إصرارهم على الباطل وتفويض للأمر إلى المجازي المنتقم.
ثم أخبر عن وعيد المخاصمين في أمر دين الله ﴿ من بعدما استجيب له ﴾ أي من بعدما استجاب له الناس وقبلوا دينه، أو بعدما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر ﴿ حجتهم داحضة ﴾ أي باطلة زائلة ﴿ عند ربهم ﴾ وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فأنتم أولى باتباعنا.
وأيضاً أنتم تقولون الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، ونبوة موسى وحقية التوراة متفق عليها ونبوة محمد مختلف فيها.
والجواب أن نبوّة موسى إنما صحت بالمعجزة فإن كانت المعجزة في حقه مصححة للنبوة ففي حق محمد كذلك وإلا فأنتم القادحون في نبوة نبيكم أيضاً.
ثم حث على سلوك طريقة العدل حذراً من عقاب يوم القيامة فقال ﴿ الله الذي أنزل الكتاب ﴾ أي جنسه متلبساً بالغرض الصحيح ﴿ والميزان ﴾ أي أنزل العدل والسوية في كتبه أو ألهم اتخاذ الميزان.
وقيل: هو العقل.
وقيل: الميزان نفسه وذلك في زمن نوح.
وقيل: هو محمد يقضي بينهم بالكتاب ﴿ وما يدريك ﴾ يا محمد أو أيها المكلف ﴿ لعل الساعة ﴾ أي مجيئها ﴿ قريب ﴾ أو ذكر بتأويل البعث أو الحشر ونحوه، أو أراد شيء قريب.
ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في أداء ما عليه من التكاليف.
ولا يتأنى في سلوك سبيل الإنصاف مع الخالق والخلق فإنه لا يعلم أن القيامة متى تفاجئه.
ثم قبح طريقة منكري الساعة فقال ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ يقولون على سبيل السخرية: متى تقوم الساعة؟
وليتها قامت حتى تظهر لنا جلية الحال.
ثم مدح المقربين بأنهم يخافون القيامة هيبة من الله وإجلالاً له أو حذراً من تقصير وخلل وقع في العمل إلا أن خوفهم يجب أن يكون ممتزجاً بالرجاء، وقد مر تحقيقه مراراً.
ثم هدد الشاكين المجادلين في أمر البعث بقوله ﴿ ألا إن الذين يمارون ﴾ وأصله من المرية الشك ﴿ لفي ضلال بعيد ﴾ عن الصواب لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب على فضله أو في حكمه، ولأن في إنكاره نسبة الله إلى ضد العلم والقدرة.
ثم إنه لا ريب في أن إنزال الكتاب والميزان لطف من الله على خلقه فلذلك قال ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ عمم البر ثم خصص بقوله ﴿ يرزق من يشاء ﴾ يعني الزائد على مقدار الضرورة، فلكم من إنسان فاق أقرانه في المال أو الجاه أو الأولاد أو في العلم أو في سائر أسباب المزية إلا أن أحداً منهم لا يخلو من بره الذي يتعيش به كقوله ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ وقيل: معنى لطيف يرزقهم من حيث لا يعلمون، أو يلطف بهم فلا يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا.
وقد مر معناه في الأنعام بوجه آخر في قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ وأما قوله ﴿ القوي العزيز ﴾ ففيه إشارة إلى أن لطفه مقرون بقهره.
وحين ذكر أنه يرزق من يشاء الزائد على مقدار كفايته وكان فيه كسر قلوب أرباب الضنك والضيق جبر كسرهم بقوله ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ﴾ سماه حرثاً تشبيهاً للعامل الطالب لثواب الآخرة أضعافاً مضاعفة بالزارع الذي يلقي البذر في الأرض طلباً للزيادة والنماء، ومن فضائل حرث الآخرة أن طالبها قد يحصل له الدنيا بالتبعية ويرى ثواب عمله أضعافاً مضاعفة، وطالب الدنيا لا تحصل له المطالب بأسرها ولهذا قال ﴿ نؤته منها ﴾ أي بعض ذلك ﴿ وما له في الآخرة من نصيب ﴾ قط وفي زيادة لفظ الحرث فائدة أخرى وهي أن يعلم أن شيئاً من القسمين لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق.
عن النبي "من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه همه وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة" هذا لفظه أو لفظ هذا معناه.
وعن قتادة إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا.
وفي ظاهر اللفظ دلالة على أن من صلى لطلب الثواب أو لدفع العقاب فإنه تصح صلاته لأنه صلى لأجل ما يتعلق بالآخرة.
قال بعض أصحاب الشافعي: إذا توضأ بغير نية لم يصح لأن هذا الإنسان غفل عن الآخرة وعن ذكر الله، والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة فلا يحصل بالوضوء العاري عن النية، وحيث بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الدارين نبه على أحوال الضلال بقوله ﴿ أم لهم شركاء ﴾ وهي المنقطعة عند بعضهم.
وقال آخرون: هي المعادلة لألف الاستفهام تقديره أفيقبلون ما شرع الله لهم من الدين أم لهم آلهة.
﴿ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ﴾ أي لم يأمرهم به أو لم يعلمه كقوله ﴿ أتنبؤن الله بما لا يعلم ﴾ والأذن بالفتح العلم بالمسموعات وتحقيقه شرعوا ما ليس بشريعة إذ لو كان شريعة لعلمها الله ﴿ ولولا كلمة الفصل ﴾ أي القضاء السابق بتأخير الجزاء ﴿ لقضي بينهم ﴾ والضمير للمؤمنين والكافرين أو المشركين والشركاء ﴿ ترى الظالمين ﴾ في القيامة ﴿ مشفقين ﴾ خائفين ﴿ مما كسبوا ﴾ من الجرائم ﴿ وهو ﴾ أي وبال ذلك ﴿ واقع بهم ﴾ واصل إليهم لا محالة ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ﴾ أي منتزهاتها.
قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن غيرها من الأماكن في الجنة لغير المذكورين وغيرهم ليس إلا بالذي آمن ولم يعمل صالحاً وهو الفاسق.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون إضافة الروضات إلى الجنات من إضافة العام إلى الخاص فيكون الجنات كلها روضات.
ولكن الروضات قد لا تكون في الجنة لثبوتها في الدنيا.
والفضل الكبير قد تقدم في "فاطر".
﴿ ذلك ﴾ المذكور أو الثواب أو التبشير هو ﴿ الذي يبشر الله ﴾ به ﴿ عباده ﴾ ثم حذف الجار، ثم الراجع إلى الموصول، ثم أمر رسوله بأن يقول ﴿ لا أسألكم عليه ﴾ على هذا التبليغ ﴿ أجراً إلا المودة ﴾ الكائنة ﴿ في القربى ﴾ جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها ولهذا لم يقل "مودة القربى" أو "المودة للقربى" وهي مصدر بمعنى القرابة أي في أهل القربى وفي حقهم.
فإن قيل: استثناء المودة من الأجر دليل على أنه طلب الأجر على تبليغ الوحي وذلك غير جائز كما جاء في قصص سائر الأنبياء ولا سيما في "الشعراء".
وقد جاء في حق نبينا أيضاً ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ﴾ ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ﴾ والمعقول منه أن التبليغ واجب عليه وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بالمروءة.
وأيضاً أنه يوجب التهمة ونقصان الحشمة.
قلنا: إن من جعل الآية منسوخة باللتين لا استثناء فيهما فلا إشكال عليه، وأما الآخرون فمنهم من قال: الاستثناء متصل ولكنه من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب والمعنى لا أطلب منكم أجراً، إلا هذا وهو في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب ولا سيما في حق الأقارب كما قال عز من قائل ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ ومنهم من قال: الاستثناء منقطع أي لا أسألكم عليه أجراً ألبتة، ولكن أذكركم المودة في القربى، وفي تفسير ﴿ المودة في القربى ﴾ أربعة أقوال: الأول قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فأجاب بأن رسول الله كان واسطة النسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد كان بينهم وبينه قرابة فقال الله: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا أن تودوني لقرابتي منكم يعني أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذونني ولا تهيجوا عليّ.
القول الثاني: روى الكعبي عن ابن عباس أن النبي كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا.
ثم أتوه فرده عليهم ونزلت الآية بحثهم على مودة أقاربهم وصلة أرحامهم.
القول الثالث: عن الحسن: إلا أن توددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح.
الرابع: عن سعيد بن جبير: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم لقرابتك؟
فقال: علي وفاطمة وابناهما.
ولا ريب أن هذا فخر عظيم وشرف تام، ويؤيده ما روي أن علياً شكا إلى رسول الله حسد الناس فيه فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف أزواجنا وعنه "حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة" " وكان يقول "فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" وثبت بالنقل المتواتر أنه كان يحب علياً والحسن والحسين، وإذا كان ذلك وجب علينا محبتهم لقوله ﴿ فاتبعوه ﴾ وكفى شرفاً لآل رسول الله وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كل صلاة.
قال بعض المذكرين: إن النبي قال "مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق" وعنه "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فنحن نركب سفينة حب آل محمد ونضع أبصارنا على الكواكب النيرة أعني آثار الصحابة لنتخلص من بحر التكليف وظلمة الجهالة ومن أمواج الشبه والضلالة.
ثم أكد إيصال الثواب على المودة بقوله ﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ أي يكتسب طاعة، قال بعض أهل اللغة: الاقتراف مستعمل في الشر فاستعاره ههنا للخير.
عن السدي أنها المودة في آل رسول الله نزلت في أبي بكر الصديق ومودته فيهم، والظاهر العموم في كل حسنة ولا شك أن هذه مرادة قصداً أولياً لذكرها عقيبها.
ومعنى زيادة حسنها تضعيف ثوابها ﴿ إن الله غفور ﴾ لمن أذنب ﴿ شكور ﴾ لمن أطاع الله والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : الذي لله عليهم، أو ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ الذي لبعضهم على بعض، و ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ : بالعدل فيما بينهم؛ أي: بالعدل فيما بينهم، أعني: الخلق.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالصدق بما فيه من الأنباء والأخبار ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ أي: بالعدل في الأحكام؛ جعل الميزان كناية عن العدل؛ أي: هو طريق العدل وسببه، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ ﴾ وقوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ ، أي: صدقا فيما فيه من النبأ والخبر، وعدلا في الحكم فيما بينهم، والله أعلم.
ثم قوله - - ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ يحتمل أن يكون على الكتاب، وهو الظاهر، والمراد منه العدل؛ فيصير تقدير الآية - والله أعلم -: الله الذي أنزل الكتاب بالحق، وأنزل العدل فيما بين الخلق، أو أنزل العدل في الأحكام.
ويحتمل أن يكون عطفاً على الحق؛ فيصير تقديره: أنزل الكتاب بالحق وبالعدل في الأحكام فيما بينهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ﴾ ، لم يطلع الله - جل وعلا - أحداً [على] العلم بوقت الساعة؛ على ما ذكرنا في غير موضع.
وقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا ﴾ : كان استعجالهم بها استهزاء منهم وتكذيباً لها أنها كائنة؛ لأن رسول الله كان يوعدهم بها، ويخبر أنها كائنة، فكانوا يستعجلون استعجال تكذيب لها.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ ﴾ ؛ لأن لأهل الإيمان والتوحيد زلات ومساوئ لم يتبين لهم التجاوز عنها والعفو منها؛ فيكونوا أبداً خائفين مشفقين لتلك الزلات والمساوئ وما يكون فيها من الأهوال والأفزاع، فأمّا أهل الكفر فهم لا يؤمنون بها، ولا يصدقون أنها كائنة؛ فلا يخافونها وما فيها من الأهوال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ : قوله: ﴿ يُمَارُونَ ﴾ يحتمل يجادلون ويخاصمون فيها أنها ليست بكائنة.
ويحتمل: ﴿ يُمَارُونَ ﴾ من المرية، وهو الريب والشك؛ أي: يشكون فيها.
ودل قوله: ﴿ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ : أنهم لا يؤمنون أبداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ﴾ : من الناس من قال: إن الآية وإن جاءت مجيئاً عامّاً فهي خاصة للمؤمنين، هو لطيف؛ أي: بار للمؤمنين بها.
ومنهم من يقول: إن الآية للفريقين جميعاً: للكافر والمؤمن، بار بهما، لطيف بهما بما يرزقهم جميعاً: الكافر والمؤمن، فأما في الآخرة فهو رحيم بار بالمؤمنين خاصة.
ويحتمل أن يكون رحيماً بارّاً بالفريقين، أما في حق المؤمنين لا شك أنه بار رحيم بهم، وأما الكفرة: بار في حقهم، حيث أخر عنهم العذاب في الدنيا.
ثم في حق المحنة يجوز أن يوصف بالرحمة في الفريقين جميعاً على ما ذكرنا.
فإن قيل: إنه وصف بالحلم والرحمة، وقد أخبر أنه يعذبهم في الآخرة.
قيل: إنه وإن عذبهم فإن ذلك لا يخرجه عن الحلم والرحمة؛ لأنه لو ترك تعذيبهم يكون سفيهاً؛ لأنهم قد استحقوا بالكفر التعذيب أبداً، وليس في التعذيب خروج عن الرحمة والحلم؛ بل في ترك التعذيب سفه وخروج عن الحكمة؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ﴾ قد ذكرنا في قوله - -: ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ تأويله ومعناه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أنه لا يقوى بشيء مما أمرهم به وامتحنهم، ولا يعز بذلك؛ لأنه قوي بذاته، عزيز بنفسه.
والثاني: ﴿ ٱلْقَوِيُّ ﴾ في الانتقام والانتصار من أعدائه لأوليائه، ﴿ ٱلْعَزِيزُ ﴾ : الذي لا يعجزه شيء، ولا يلحقه الذل في ترك الطاعة له والائتمار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ : جعل الله - - الدنيا مزارع لأهلها ما زرعوا فيها حصدوا ذلك في الآخرة، إن زرعوا خيراً حسناً حصدوا خيراً ونعيماً في الآخرة، وإن زرعوا شرّاً وسوءاً، حصدوا في الآخرة شرّاً وعذاباً دائماً.
وكذلك صيّرها متجراً يتجّرون فيها، فإن اتجروا خيراً وحسناً ربحوا في الآخرة، وإن اتجروا شرّاً وسوءاً خسروا في الآخرة.
وكذلك صيرها مسلكاً إلى الآخرة، والآخرة غاية لها، فإن سلكوا سبيل الخير وما أمروا به أفضى بهم ذلك إلى الخير والنعيم الدائم والسرور، وإن سلكوا سبيل الشر وما نهوا عنه أفضى بهم إلى العذاب الدائم والحزن الدائم.
وما ذكر في غير آي من القرآن من قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ...
﴾ الآية [التوبة: 111]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية [البقرة: 207]، وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ...
﴾ الآية [البقرة: 16-175]، وقوله: ﴿ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ...
﴾ الآية [الإسراء: 18]، ونحو ذلك كثير؛ على هذا بنى أمر الدنيا والآخرة، والله أعلم.
ثم قوله - -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: من كان يريد حرث الآخرة، نزد له في حرثه، أي: من كان يريد بمحاسنه في الدنيا وخيراته ثواب الآخرة وخيراتها نزد له في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا هو التوفيق على الطاعات، والزيادة له والنماء، وأما في الآخرة فالنعيم الدائم والسرور الدائم.
والثاني: أي: من كان عَمِل للآخرة وسعي لها نزد له ما ذكر من المحاسن، وتكون الإرادة هاهنا صفة لكل فاعل، كقوله: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ وهي لا تكون بدون الفعل، فكان ذكرها ذكراً للفعل ضرورة؛ فكان المراد منها الإرادة مع الفعل، فكذلك يخرج قوله: ﴿ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ على وجهين: أحدهما: من كان يريد محاسن الدنيا وسعتها، نؤته منها، ونوسع عليه.
والثاني: ﴿ وَمَن كَانَ يُرِيدُ ﴾ أي: من عمل للدنيا وسعى لها، نؤته منها وما عمل لها وما له في الآخرة من نصيب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ قال بعض أهل التأويل: أم لهم آلهة دوني ﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ ﴾ أي: سنوا لهم ﴿ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ ، يعني بالشركاء: الأصنام التي عبدوها، لكن علموا أن الأصنام لم يشرعوا لهم من الدين شيئاً، إلا أن يقال بأنه أضاف ذلك إلى الأصنام؛ لما هم شرعوا لأنفسهم عبادتها فأضيف إليها لذلك، وهو كقوله - -: ﴿ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ وأنهن لم يضللن أحداً، لكنه أضاف إليهن الإضلال؛ لما بهن ضلوا، فأضاف إليهن على التسبب؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ذلك.
ويشبه أن يكون غيره أولى بذلك، وهو أن القادة والرؤساء هم الذين سنوا للأتباع و ﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ ؛ أي: ما لم يأمر به الله، وهم كذلك كانوا يفعلون، يشرعون للأتباع دينا من ذات أنفسهم بلا حجة ولا برهان، فيتبعون به، والرسل - عليهم السلام - قد أتوهم بالدين بالحجج والبراهين من الله - - فلم يتبعوهم، فيقولون: إنهم بشر، ثم يتبعون بشراً بلا حجة ولا برهان؛ يذكر سفههم فيما ذكر، فكأن المراد من الشركاء هم الرؤساء والقادة، والله أعلم.
قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ ﴾ أي: عمل الآخرة، يقال: فلان يحرث للدنيا؛ أي: يعمل لها، ويجمع المال، ومنه قول ابن عمر - -: "احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"، ومنه سمّى الرجل: حارثاً.
﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ ﴾ أي: ابتدعوا وسنوا، وكذلك في قوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم ﴾ أي: ابتدع وسن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: الحكم؛ كأنه يقول: لولا أن الله - - حكم في هذه الآية بتأخير العذاب إلى يوم القيامة، وهو ما ذكر أنه بعث رسوله رحمة لهم بقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .
والثاني: ﴿ ٱلْفَصْلِ ﴾ : البيان تأويله: لولا ما وعد في الدنيا أنه يفصل بينهم في الآخرة فيما ذكر: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ ﴾ ونحوه، وقيل: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ ﴾ أي: القضاء السابق: أن الجزاء يوم القيامة - لقضي بينهم في الدين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ ذكر إشفاق الكفرة والظلمة وخوفهم في الآخرة، وإشفاق المؤمنين وخوفهم في الدنيا، فمن خاف عقوبته في الدنيا آمنه الله - - عن خوف الآخرة، ومن استهزأ بعذاب الله في الدنيا خوفه الله في الآخرة، وعلى ذلك يخرج قوله - -: "لا يجمع الله على أحد خوفين: خوف الدنيا وخوف الآخرة: من خافه في الدنيا أمن في الآخرة، ومن لم يخف في الدنيا خاف في الآخرة" ثم أخبر ما للمؤمنين في الآخرة، وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ ذكر ما لكل فريق بما كسبوا في الدنيا والآخرة.
قال القتبي وأبو عوسجة: الروضة: البستان.
وقال الكسائي: الروضة: العشب حول القَرِيِّ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ﴾ أخبر أن ما يعطى لهم من الآخرة والفضل منه، لا أنهم يستوجبون ذلك، وسماه: كبيراً؛ لأنه دائم لا ينقطع أبداً.
وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ : قوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ ﴾ أي: الذي ذكر من الفضل الكبير، ووعد أنه يعطيهم، يبشر الله - - به من ذكر: ﴿ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ قال بعض أهل التأويل: "قالت الأنصار: إنا فعلنا، وفعلنا كذا؛ فكأنهم افتخروا، وقالوا: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك النبي فأتاهم فقال: يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله ؟
قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ألم تكونوا فقراء فأغناكم الله ؟
قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أفلا تجيبونني؟
قالوا: ما نقول يا رسول الله؟
قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟
أولم يكذبوك فصدقناك؟
أولم يخذلوك فنصرناك؟
قال: فما زال يقول حتى جثوا للركب بين يديه، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لرسول الله، والفضل لرسوله؛ فنزل قوله - -: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ " لكن ذكر في الخبر ما لا يليق ذلك بالأنصار أن يظنوا ذلك برسول الله، وكذلك ما ذكر من فخرهم وقولهم: "لنا الفضل عليكم" هذا لا يحتمل منهم؛ فدل أن الحديث غير صحيح، أو الزيادة التي لا تحتمل، والله أعلم.
وفي بعض الأخبار: أن الأنصار - م - قالوا: إن رسول الله تنوبه النوائب من القرابة وغيرهم، فتعالوا حتى نجمع له شيئاً من أموالنا، فيستعين على من ينوبه من الحقوق، ففعلوا، ثم أتوا به، فقالوا: إنك قد تنوبك نوائب وحقوق، وليس عندك لها سعة، فأتيناك بشيء تستعين به على ما ينوبك من النفقة في أهلك والنازلين بك، فنزل قوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ \[وهو يخرج\] على وجوه: أحدها: يقول: لا أسألكم على ما أبلغكم من الرسالة، وأدعوكم إلى الإيمان بالله - - وبي أجرا إلا صلة أرحامكم وقرابتكم؛ أي: لا أسألكم على تبليغ الرسالة إليكم و[ما] أدعوكم إليه أجراً، إلا أن تصلوا قراباتكم وأرحامكم؛ فتدل الآية على وجوب صلة الأرحام.
ويحتمل أن يكون ذكر هذا ردّاً لقول أولئك الكفرة؛ حيث قالوا: إن محمداً جاء يقطع الأرحام ويفرق القرابات، حتى فرق بين [من] أجابه إلى ما دعاه إليه وبين من لم يجبه، من الوالد والولد، والزوج والزوجة، ونحو ذلك؛ فقال عند ذلك: لا أسألكم عليه أجراً، ولا أدعوكم إلى قطع الأرحام والقرابات؛ بل ما أطلب منكم إلا صلة الأرحام بما دعوتكم إليه.
ويحتمل أن يقول: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً، ولا أقبله منكم إن أعطيتموني، إلا أن تصلوني بحق القرابة والرحم التي بيني وبينكم فأقبله منكم، وقد كان بينه وبينهم قرابات ورحم.
ويحتمل ما قال الحسن فقال: والله ما كان نبي الله - - يسأل عن هذا القرآن أجراً، ولكنه أمر أن يتقربوا إلى الله بطاعته وحبّ كتابه، فكان معنى الآية: ﴿ إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ ، أي: إلا التقرب إلى الله - - والتودد بالعمل الصالح.
وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ إلا أن تودوني لأجل قرابتي كما تودون لقرابتكم وتواصلون بها، ليس هذا الذي جئت به يقطع ذلك عنّي، ولست أبتغي على الذي جئت به أجراً آخذه منكم على ذلك.
وقال قتادة: إن الله - - أمر محمداً ألا يسأل على هذا القرآن والتبليغ أجراً: ﴿ إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ إلا أن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة، وكل بطون قريش بينه وبينهم قرابة.
وقال بعضهم: إلا أن تودّوا قرابتي.
وقال بعضهم: قال رسول الله : "إن لم تتبعوني إلى ما أدعوكم إليه وآمركم به فاحفظوني في قرابتي" وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ﴾ هو كقوله - -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ ، والله أعلم.
قال أبو عوسجة: الاقتراف: الاكتساب، والمقارفة: المعاشرة، وقرف فلان فهو مقروف؛ أي: اتهم بشيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ، قوله: ﴿ غَفُورٌ ﴾ أي: يغفر لهم وإن لم يحققوا التوبة والرجوع سرّاً وعلانية، ولم يستوجبوا الغفران والعفو.
وقوله: ﴿ شَكُورٌ ﴾ أي: يشكر ويقبل منهم الشكر وإن لم يحققوا له الشكر، ولم يستحقوا قبوله، فضلا منه ونعمة، والله أعلم.
وقال أهل التأويل: ﴿ غَفُورٌ ﴾ للذنوب، ﴿ شَكُورٌ ﴾ للحسنات يضاعفها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
من كان يريد ثواب الآخرة عاملًا لها عملها، نضاعف له ثوابه، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن كان يريد الدنيا وحدها أعطيناه نصيبه المقدر له فيها، وليس له في الآخرة من حظ لإيثاره الدنيا عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.nOlxd"