الآية ٢٢ من سورة الشورى

الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ٢٢ من سورة الشورى

تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا۟ وَهُوَ وَاقِعٌۢ بِهِمْ ۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ ۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 115 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة الشورى عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا ) أي : في عرصات القيامة ، ( وهو واقع بهم ) أي : الذي يخافون منه واقع بهم لا محالة ، هذا حالهم يوم معادهم ، وهم في هذا الخوف والوجل ، ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ) فأين هذا من هذا : أين من هو في العرصات في الذل والهوان والخوف المحقق عليه بظلمه ، ممن هو في روضات الجنات ، فيما يشاء من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومناظر ومناكح وملاذ ، فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

قال : الحسن بن عرفة : حدثنا عمر بن عبد الرحمن الأبار ، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري عن أبي طيبة ، قال : إن الشرب من أهل الجنة لتظلهم السحابة فتقول : ما أمطركم ؟

قال : فما يدعو داع من القوم بشيء إلا أمطرتهم ، حتى إن القائل منهم ليقول : أمطرينا كواعب أترابا .

رواه ابن جرير ، عن الحسن بن عرفة ، به .

ولهذا قال تعالى : ( ذلك هو الفضل الكبير ) أي : الفوز العظيم ، والنعمة التامة السابغة الشاملة العامة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ترى يا محمد الكافرين بالله يوم القيامة ( مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا ) يقول: وَجِلين خائفين من عقاب الله على ما كسبوا في الدنيا من أعمالهم الخبيثة.( وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ) يقول: والذين هم مشفقون منه من عذاب الله نازل بهم, وهم ذائقوه لا محالة.

وقوله: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ ) يقول تعالى ذكره: والذين آمنوا بالله وأطاعوه فيما أمر ونهى في الدنيا في روضات البساتين في الآخرة.

ويعني بالروضات: جمع روضة, وهي المكان الذي يكثر نبته, ولا تقول العرب لمواضع الأشجار رياض; ومنه قول أبي النجم.

والنَّغــضَ مِثْـلَ الأجْـرَبِ المُدَّجَّـلِ حَــدائِقَ الـرَّوْضِ التـي لَـمْ تُحْـلَلِ (1) يعني بالروض: جمع روضة.

وإنما عنى جل ثناؤه بذلك: الخبر عما هم فيه من السرور والنعيم.

كما: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ ) إلى آخر الآية.

قال في رياض الجنة ونعيمها.

وقوله: ( لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) يقول للذين آمنوا وعملوا الصالحات عند ربهم في الآخرة ما تشتهيه أنفسهم, وتلذّه أعينهم, ذلك هوالفوز الكبير, يقول تعالى ذكره: هذا الذي أعطاهم الله من هذا النعيم, وهذه الكرامة في الآخرة: هو الفضل من الله عليهم, الكبير الذي يفضل كلّ نعيم وكرامة في الدنيا من بعض أهلها على بعض.

------------------------ الهوامش: (1) هذان بيتان من مشطور الرجز ، لأبي النجم الفضل بن قدامة العجلي والأرجوزة بتمامها في مجلة المجمع العلمي ( مجلد 8 : 472 ) وروى البيت الأول منهما وفسره ابن قتيبة في كتابه ( المعاني الكبير ، طبع الهند 332 - 333) والنغض من أسماء الظليم ، لأنه يحرك رأسه إذا عدا .

والمدجل : المهنوء بالقطران .

وشبهه بالأجرب ، لأنه قد أسن وذهب ريشه من أرفاغه .

وفي ( اللسان : دجل) : شدة طلي الجرب بالقطران .

والمدجل : المهنوء بالقطران .

ونغض برأسه ينغض نغضا : حركه .

وإنما سمي الظليم نغضا ، لأنه إذا عجل في مشيته ارتفع وانخفض .

ا هـ .

والنغض منصوب بالفعل" راعت" في البيت قبله ، أي راقبته ونظرت إليه .

والحدائق : جمع حديقة ، وهي القطعة من الزرع ؛ وكل بستان كان عليه حائط فهو حديقة .

وما لم يكن عليه حائط ، لم يقل له حديقة .

وقال الزجاج : الحدائق البساتين والشجر الملتف .

وحدائق الروض : ما أعشب منه والتف .

يقال : روضة بني فلان ما هي إلا حديقة .

وإذا لم يكن فيها عشب فهي روضة ( اللسان : حدق ) ونصب قوله حدائق بقوله" تبقلت من أول التبقل" وهو بيت في أول الأرجوزة .

والتي لم تحال : التي لم توطأ ولم ترعها الحيوانات ، فيقل نبتها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير .قوله تعالى : ترى الظالمين مشفقين أي خائفين مما كسبوا أي من جزاء ما كسبوا .

والظالمون هاهنا الكافرون ، بدليل التقسيم بين المؤمن والكافر .

( وهو واقع بهم ) أي نازل بهم .

والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات الروضة : الموضع النزه الكثير الخضرة .

وقد مضى في ( الروم ) .لهم ما يشاءون عند ربهم أي من النعيم والثواب الجزيل .

ذلك هو الفضل الكبير أي لا يوصف ولا تهتدي العقول إلى كنه صفته ; لأن الحق إذا قال ( كبير ) فمن ذا الذي يقدر قدره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وفي ذلك اليوم { تَرَى الظَّالِمِينَ } أنفسهم بالكفر والمعاصي { مُشْفِقِينَ } أي: خائفين وجلين { مِمَّا كَسَبُوا } أن يعاقبوا عليه.ولما كان الخائف قد يقع به ما أشفق منه وخافه، وقد لا يقع، أخبر أنه { وَاقِعٌ بِهِمْ } العقاب الذي خافوه، لأنهم أتوا بالسبب التام الموجب للعقاب، من غير معارض، من توبة ولا غيرها، ووصلوا موضعا فات فيه الإنظار والإمهال.{ وَالَّذِينَ آمَنُوا } بقلوبهم بالله وبكتبه ورسله وما جاءوا به، { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } يشمل كل عمل صالح من أعمال القلوب، وأعمال الجوارح من الواجبات والمستحبات، فهؤلاء { فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ } أي: الروضات المضافة إلى الجنات، والمضاف يكون بحسب المضاف إليه، فلا تسأل عن بهجة تلك الرياض المونقة، وما فيها من الأنهارالمتدفقة، والفياض المعشبة، والمناظر الحسنة، والأشجار المثمرة، والطيور المغردة، والأصوات الشجية المطربة، والاجتماع بكل حبيب، والأخذ من المعاشرة والمنادمة بأكمل نصيب، رياض لا تزداد على طول المدى إلا حسنا وبهاء، ولا يزداد أهلها إلا اشتياقا إلى لذاتها وودادا، { لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ } فيها، أي: في الجنات، فمهما أرادوا فهو حاصل، ومهما طلبوا حصل، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

{ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } وهل فوز أكبر من الفوز برضا الله تعالى، والتنعم بقربه في دار كرامته؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ترى الظالمين ) المشركين يوم القيامة ، ( مشفقين ) وجلين ( مما كسبوا وهو واقع بهم ) جزاء كسبهم واقع بهم .

( والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ترى الظالمين» يوم القيامة «مشفقين» خائفين «مما كسبوا» في الدنيا من السيئات أن يجازوا عليها «وهو» أي الجزاء عليها «واقع بهم» يوم القيامة لا محالة «والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات» أنزهها بالنسبة إلى من دونهم «لهم ما يشاءُون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ترى -أيها الرسول- الكافرين يوم القيامة خائفين من عقاب الله على ما كسبوا في الدنيا من أعمال خبيثة، والعذاب نازل بهم، وهم ذائقوه لا محالة، والذين آمنوا بالله وأطاعوه في بساتين الجنات وقصورها ونعيم الآخرة، لهم ما تشتهيه أنفسهم عند ربهم، ذلك الذي أعطاه الله لهم من الفضل والكرامة هو الفضل الذي لا يوصف، ولا تهتدي إليه العقول.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم صور - سبحانه - أحوالهم السيئة يوم القيامة تصويرا مؤثرا فقال : ( تَرَى الظالمين مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ) .أى : ترى - أيها العاقل - هؤلاء الظالمين يوم القيامة ( مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ ) أى خائفين خوفا شديدا ، بسبب ما اكتسبوه فى الدنيا من سيئات على رأسها الكفر ، وهذا الذعر الشديد لن ينفعهم ، فإن العذاب واقع بهم لا محالة ، سواء أخافوا أم لم يخافوا .وقوله - تعالى - : ( والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي رَوْضَاتِ الجنات لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ) بيان للثواب العظيم الذى أعده الله - تعالى - لعباده المؤمنين .والروضات : جمع روضة ، وهو أشرف بقاع الجنة وأطيبها وأعلاها .أى : هذا هو مصير الظالمين يوم القيامة ، أما الذين آمنوا وعملوا فى دنياهم الأعمال الصالحات ، فهم يوم القيامة يكونون فى أشرف بقاع الجنات وأطيبها وأسماها منزلة ، حالة كونهم لهم ما يشاءون من خيرات عند ربهم .( ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير ) أى : الذى أعطيناه للمؤمنين من خيرات ، هو الفضل الكبير .

الذى لا يعادله فضل ، ولا يماثله كرم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن كونه لطيفاً بعباده كثير الإحسان إليهم بيّن أنه لابد لهم من أن يسعوا في طلب الخيرات وفي الاحتراز عن القبائح فقال: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الأخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ قال صاحب الكشاف إنه تعالى سمى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى أظهر الفرق في هذه الآية بين من أراد الآخرة وبين من أراد الدنيا من وجوه: الأول: أنه قدم مريد حرث الآخرة في الذكر على مريد حرث الدنيا، وذلك يدل على التفضيل، لأنه وصفه بكونه آخرة ثم قدمه في الذكر تنبيهاً على قوله: «نحن لآخرون السابقون» الثاني: أنه قال في مريد حرث الآخرة ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ وقال في مريد حرث الدينا ﴿ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ وكلمة من للتبعيض، فالمعنى أنه يعطيه بعض ما يطلبه ولا يؤتين كله، وقال في سورة بني إسرائيل ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ  ﴾ وأقول البرهان العقلي مساعد على البابين، وذلك لأن كل من عمل للآخرة وواظب على ذلك العمل، فكثرة الأعمال سبب لحصول الملكات، فكل من كانت مواظبته على تلك الأعمال أكثر كان ميل قلبه إلى طلب الآخرة أكثر، وكلما كان الأمر كذلك كان الابتهاج أعظم والسعادات أكثر، وذلك هو المراد بقوله: ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ وأما طالب الدنيا فكلما كانت مواظبته على أعمال ذلك الطلب أكثر كانت رغبته في الفوز بالدنيا أكثر وميله إليها أشد، وإذا كان الميل أبداً في التزايد، وكان حصول المطلوب باقياً على حالة واحدة كان الحرمان لازماً لامحالة الثالث: أنه تعالى قال في طالب حرث الآخرة ﴿ نزد لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ ولم يذكر أنه تعالى يعطيه الدنيا أم لا، بل بقي الكلام ساكتاً عنه نفياً وإثباتاً، وأما طالب حرث الدنيا فإنه تعالى بيّن أنه لا يعطيه شيئاً من نصيب الآخرة على التنصيص، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول الآخرة أصل والدنيا تبع، فواجد الأصل يكون واجداً للتبع بقدر الحاجة، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيهاً على أن الدنيا أخس من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة والرابع: أنه تعالى بيّن أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه، وبيّن أن طالب الدنيا يعطي بعض مطلوبه من الدنيا، وأما في الآخرة فإنه لا يحصل له نصيب ألبتة، فبيّن بالكلام الأول أن طالب الآخرة يكون حاله أبداً في الترقي والتزايد وبيّن بالكلام الثاني أن طالب الدنيا يكون حاله في المقام الأول في النقصان وفي المقام الثاني في البطلان التام الخامس: أن الآخرة نسيئة والدنيا نقد والنسيئة مرجوحة بالنسبة إلى النقد، لأن الناس يقولون النقد خير من النسيئة فبيّن تعالى أن هذه القضية انعكست بالنسبة إلى أحوال الآخرة والدنيا، فالآخرة وإن كانت نقداً إلا أنها متوجهة للزيادة والدوام فكانت أفضل وأكمل، والدنيا وإن كانت نقداً إلا أنها متوجهة إلى النقصان ثم إلى البطلان فكانت أخس وأرذل، فهذا يدل على أن حال الآخرة لا يناسب حال الدنيا ألبتة، وأنه ليس في الدنيا من أحوال الآخرة إلا مجرد الاسم كما هو مروي عن ابن عباس السادس: الآية دالة على أن منافع الآخرة والدنيا ليست حاضرة بل لابد في البابين من الحرث، والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق في البذر ثم التسقية والتنمية والحصد ثم التنقية، فلما سمى الله كلا القسمين حرثاً علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق، ثم بيّن تعالى أن مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وإن مصير الدنيا إلى النقصان ثم الفناء، فكأنه قيل إذا كان لابد في القسمين جميعاً من تحمل متاعب الحراثة والتسمية والتنمية والحصد والتنقية، فلأن تصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد والبقاء أولى من صرفها إلى ما يكون في النقصان والانقضاء والفناء.

المسألة الثانية: في تفسير قوله: ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ قولان الأول: المعنى أنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبل الخيرات والطاعات عليه، وقال مقاتل ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ بتضعيف الثواب، قال تعالى: ﴿ لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ  ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أصبح وهمه الدنيا شتت الله تعالى عليه همه وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلى ما كتب له، ومن أصبح همه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة عن أنفها» أو لفظًا يقرب من أن يكون هذا معناه.

المسألة الثالثة: ظاهر اللفظ يدل على أن من صلّى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته، وأجمعوا على أنها لا تصح والجواب: أنه تعالى قال: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة ﴾ والحرث لا يتأتى إلا بإلقاء البذر الصحيح في الأرض، والبذر الصحيح لجميع الخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله تعالى.

المسألة الرابعة: قال أصحابنا إذا توضأ بغير نية لم يصح، قالوا لأن هذا الإنسان ما أراد حرث الآخرة، لأن الكلام فيما إذا كان غافلاً عن ذكر الله وعن الآخرة، فوجب أن لا يحصل له نصيب فيما يتعلق بالآخرة والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة، فوجب أن لا يحصل في الوضوء العاري عن النية.

وأعلم أن الله تعالى لما بيّن القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الآخرة والدنيا أردفه بالتنبيه على ما هو الأصل في باب الضلالة والشقاوة فقال: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله ﴾ ومعنى الهمزة في أم التقرير والتقريع و ﴿ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ شياطينهم الذين زينوا الشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا لأنهم يعلمون غيرها، وقيل ﴿ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم لأنهم هم الذين اتخذوها شركاء لله، ولما كان سبباً لضلالتهم جعلت شارعة لدين الضلالة كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس  ﴾ وقوله: ﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ مّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله ﴾ يعني أن تلك الشرائع بأسرها على ضدين لله، ثم قال: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل ﴾ أي القضاء السابق بتأخير الجزاء، أو يقال ولولا الوعد بأن الفصل أن يكون يوم القيمة ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي بين الكافرين والمؤمنين أو بين المشركين وشركائهم ﴿ وَإِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ وقرأ بعضهم، وأن بفتح الهمزة في أن عطفاً له على كلمة الفصل يعني ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل ﴾ وأن تقريره تعذيب الظالمين في الآخرة ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ في الدنيا ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب الأول: فهو قوله: ﴿ تَرَى الظالمين مُشْفِقِينَ ﴾ خائفين خوفاً شديداً ﴿ مِمَّا كَسَبُواْ ﴾ من السيئات ﴿ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ يريد أن وباله واقع بهم سواء أشفقوا أو لم يشفقو، أما الثاني: فهو أحوال أهل الثواب وهو قوله تعالى: ﴿ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي روضات الجنات ﴾ لأن روضة الجنة أطيب بقعة فيها، وفي الآية تنبيه على أن الفساق من أهل الصلاة كلهم في الجنة، إلا أنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات، وهي البقاع الشريفة من الجنة، فالبقاع التي دون تلك الروضات لابد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم قال: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ وهذا يدل على أن كل الأشياء حاضرة عنده مهيأة، ثم قال تعالى في تعظيم هذه الدرجة ﴿ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير ﴾ وأصحابنا استدلوا بهذه الآية على أن الثواب غير واجب على الله، وإنما يحصل بطريق الفضل من الله تعالى لأنه تعالى قال: ﴿ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي روضات الجنات لَهُمْ مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ فهذا يدل على أن روضات الجنات ووجدان كل ما يريدونه إنما كان جزاءً على الإيمان والأعمال الصالحات.

ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير ﴾ وهذا تصريح بأن الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل لا بطريق الاستحقاق.

ثم قال: ﴿ ذَلِكَ الذي يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ قال صاحب الكشاف قرئ يبشر من بشره ويبشر من أبشره ويبشر من بشره.

واعلم أن هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه: الأول: أن الله سبحانه رتب على الإيمان وعمل الصالحات روضات الجنات، والسلطان الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاء، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كنهه إلا الله تعالى الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ ﴾ يدخل في باب غير المتناهي لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منهالثالث: أنه تعالى قال: ﴿ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير ﴾ والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق كان في غاية الكبر الرابع: أنه تعالى أعاد البشارة على سبيل التعظيم فقال: ﴿ الذي يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ ﴾ وذلك يدل أيضاً على غاية العظمة، نسأل الله الفوز بها والوصول إليها.

واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب الشريف العالي وأودع فيه الثلاثة أقسام الدلائل وأصناف التكاليف، ورتب على الطاعة الثواب، وعلى المعصية العقاب، بين أني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعاً عاجلاً ومطلوباً حاضراً، لئلا يتخيل جاهل أن مقصود محمد صلى الله عليه وسلم من هذا التبليغ المال والجاه فقال: ﴿ قُل لاَّ أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكر الناس في هذه الآية ثلاثة أقوال: الأول: قال الشعبي أكثر الناس علينا في هذه الآية، فكتبنا إلى بن عباس نسأله عن ذلك فكتب ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده فقال الله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ ﴾ على ما أدعوكم إليه ﴿ أَجْراً إِلاَّ ﴾ أن تودوني لقرابتي منكم، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي.

والقول الثاني: روى الكلبي عن بن عباس رضي الله عنهما قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كانت تعروه نوائب وحقوق وليس في يده سعة، فقال الأنصار إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا ثم أتوه به فرده عليهم، فنزل قوله تعلى: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ أي على الإيمان إلا أنتودوا أقاربي فحثهم على مودة أقاربه.

القول الثالث: ما ذكره الحسن فقال: إلا أن تودوا إلى الله فيما يقربكم إليه من التودد إليه بالعمل الصالح، فالقربى على القول الأول القرابة التي هي بمعنى الرحم وعلى الثاني القرابة التي هي بمعنى الأقارب، وعلى الثالث هي فعلى من القرب والتقريب، فإن قيل الآية مشكلة، ذلك لأن طلب الأجر على تبليغ الوحي لايجوز ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء عليهم السلام أنهم صرّحوا بنفي طلب الأجرة، فذكر في قصة نوح عليه السلام ﴿ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين  ﴾ وكذا في قصة هود وصالح، وفي قصة لوط وشعيب عليهم السلام، ورسولنا أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام فكان بأن لا يطلب الأجر على النوبة والرسالة أولى الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم صرح بنفي طلب الأجر في سائر الآيات فقال: ﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المتكلفين  ﴾ الثالث: العقل يدل عليه وذلك لأن ذلك التبليغ كان واجباً عليه قال تعالى: ﴿ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ  ﴾ وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلاً عن أعلم العلماء الرابع: أن النبوة أفضل من الحكمة وقد قال تعالى في صفة الحكمة ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا  ﴾ وقال في صفة الدنيا ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ  ﴾ فكيف يحسن في العقل مقابلة أشرف الأشياء بأخس الأشياء الخامس: أن طلب الأجر كان يوجب التهمة، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب أجراً ألبتة على التبليغ والرسالة، وظاهر هذه الآية يقتضي أنه طلب أجراً على التبليغ والرسالة، وهو المودة في القربى هذا تقرير السؤال، والجواب عنه: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ والرسالة، بقي قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ نقول الجواب عنه من وجهين: الأول: أن هذا من باب قوله: ولا عيب غير أن سيوفهم *** بها من قراع الدارعين فلول المعنى أنا لا أطلب منكم إلا هذا وهذا في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ  ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: «المؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضاً» والآيات والأخبار في هذا الباب كثيرة وإذا كان حصول المودة بين جمهور المسلمين واجباً فحصولها في حق أشرف المسلمين وأكابرهم أولى، وقوله تعلى: ﴿ قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ تقديره والمودة في القربى ليست أجراً، فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة الوجه الثاني: في الجواب أن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ .

ثم قال: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ أي لكن أذكركم قرابتي منكم وكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر.

المسألة الثالثة: نقل صاحب الكشاف: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مات على حب آل محمد مات شهيداً ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنّة ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنّة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة».

هذا هو الذي رواه صاحب الكشاف، وأنا أقول: آل محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين يؤول أمرهم إليه فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل، ولا شك أن فاطمة وعلياً والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد التعلقات وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل، وأيضاً اختلف الناس في الآل فقيل هم الأقارب وقيل هم أمته، فإن حملناه على القرابة فهم الآل، وإن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل فثبت أن على جميع التقديرات هم الآل، وأما غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل؟

فمختلف فيه.

وروى صاحب الكشاف أنه لما نزلت هذه الآية قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟

فقال علي وفاطمة وابناهما، فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم ويدل عليه وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ ووجه الاستدلال به ما سبق الثاني: لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب فاطمة عليها السلام قال صلى الله عليه وسلم: «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها» وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب علياً والحسن والحسين وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله لقوله: ﴿ واتبعوه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  ﴾ ولقوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ  ﴾ ولقوله: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى يُحْبِبْكُمُ الله  ﴾ ولقوله سبحانه: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  ﴾ الثالث: أن الدعاء للآل منصب عظيم ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة وهو قوله اللّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد وارحم محمداً وآل محمد، وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل، فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب، وقال الشافعي رضي الله عنه: يا راكباً قف بالمحصب من منى *** واهتف بساكن خيفها والناهض سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى *** فيضاً كما نظم الفرات الفائض إن كان رفضاً حب آل محمد *** فليشهد الثقلان أنى رافضي المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ فيه منصب عظيم للصحابة لأنه تعالى قال: ﴿ والسابقون السابقون أُوْلَئِكَ المقربون  ﴾ فكل من أطاع الله كان مقرباً عند الله تعالى فدخل تحت قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ والحاصل أن هذه الآية تدل على وجوب حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، وهذا المنصب لا يسلم إلا على قول أصحابنا أهل السنّة والجماعة الذين جمعوا بين حب العترة والصحابة، وسمعت بعض المذكرين قال إنه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا» وقال صلى الله عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ونحن الآن في بحر التكليف وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات وراكب البحر يحتاج إلى أمرين أحدهما: السفينة الخالية عن العيوب والثقب والثاني: الكواكب الظاهرة الطالعة النيرة، فإذا ركب تلك السفينة ووقع نظره على تلك الكواكب الظاهرة كان رجاء السلامة غالباً، فكذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة فرجوا من الله تعالى أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدينا والآخرة.

ولنرجع إلى التفسير: أورد صاحب الكشاف: على نفسه سؤالاً فقال: هلا قيل إلا مودة القربى، أو إلا مودة للقربى، وما معنى قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ ؟

وأجاب عنه بأن قال جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها كقوله لي في آل فلان مودة ولي فيهم هوى وحب شديد، تريد أحبهم وهم مكان حبى ومحله.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ﴾ قيل نزلت هذه الآية في أبي بكر رضي الله عنه، والظاهر العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب ذكر المودة في القربى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودة.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ والشكور في حق الله تعالى مجاز والمعنى أنه تعالى يحسن إلى المطيعين في إيصال الثواب إليهم وفي أن يزيد عليه أنواعاً كثيرة من التفضيل.

وقال تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افَتَرَى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ واعلم أن الكلام في أول السورة إنما اتبدئ في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بوحي الله وهو قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم  ﴾ واتصل الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق البعض بالبعض حتى وصل إلى هاهنا، ثم حكى هاهنا شبهة القوم وهي قولهم: إن هذا ليس وحياً من الله تعالى فقال: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ قال صاحب الكشاف: أم منقطعة، ومعنى الهمزة نفس التوبيخ كأنه قيل: أيقع في قلوبهم ويجري في ألسنتهم أن ينسبوا مثله إلى الافتراء على الله الذي هو أقبح أنواع الفرية وأفحشها، ثم أجاب عنه بأن قال: ﴿ فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال مجاهد يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك قولهم إنه مفتر كذاب والثاني: يعني بهذا الكلام أنه إن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى يفتري عليه الكذب فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل هذه الحالة، والمقصود من ذكر هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد، ومثاله أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين، لعلّ الله خذلني لعلّ الله أعمى قلبي، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب لنفسه، وإنما يريد استبعاد صدور الخيانة عنه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَيَمْحُ الله الباطل وَيُحِقُّ الحق ﴾ أي ومن عادة الله إبطال الباطل وتقرير الحق فلو كان محمد مبطلاً كذاباً لفضحه الله ولكشف عن باطله ولما أيده بالقوة والنصرة، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس من الكاذبين المفترين على الله، ويجوز أن يكون هذا وعداً من الله لرسوله بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والفرية والتكذيب ويثبت الحق الذي كان محمد صلى الله عليه وسلم عليه.

ثم قال: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ أي إن الله عليم بما في صدرك وصدورهم فيجري الأمر على حسب ذلك، وعن قتادة يختم على قلبك ينسيك القرآن ويقطع عنك الوحي، بمعنى لو افترى على الله الكذب لفعل الله به ذلك.

واعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾ ثم برأ رسوله مما أضافوه إليه من هذا وكان من المعلوم أنهم قد استحقوا بهذه الفرية عقاباً عظيماً، لا جرم ندبهم الله إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء وإن عظمت إساءته، فقال: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: يقال قبلت منه الشيء وقبلته عنه، فمعنى قبلته منه أخذته منه وجعلته مبدأ قبلو ومنشأه، ومعنى قبلته عنه أخذته وأثبته عنه وقد سبق البحث المستقصى عن حقيقة التوبة في سورة البقرة، وأقل ما لابد منه الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل، وروى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اللّهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر، فلما فرغ من صلاته قال له علي عليه السلام يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين فتوبتك تحتاج إلى توبة، فقال يا أمير المؤمنين وما التوبة؟

فقال اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة يجب على الله تعالى عقلاً قبول التوبة، وقال أصحابنا لا يجب على الله شيء وكل ما يفعله فإنما يفعله بالكرم والفضل، واحتجوا على صحة مذهبهم بهذه الآية فقالوا إنه تعالى تمدح بقبول التوبة، ولو كان ذلك القبول واجباً لما حصل التمدح العظيم، ألا ترى أن من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلماً ولا يقتلهم غضباً، كان ذلك مدحاً قليلاً، أما إذا قال إني أحسن إليهم مع أن ذلك لا يجب عليَّ كان ذلك مدحاً وثناءً.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد الإتيان بالتوبة، أو المراد منه أنه يعفو عن الصغائر، أو المراد منه أنه يعفو عن الكبائر قبل التوبة، والأول باطل وإلا لصار قوله: ﴿ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ عين قوله: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة ﴾ والتكرار خلاف الأصل، والثاني أيضاً باطل لأن ذلك واجب وأداء الواجب لا يتمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة وتارة يعفو ابتداء من غير توبة.

ثم قال: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء على المخاطبة والباقون بالياء على المغايبة، والمعنى أنه تعالى يعلمه فيثيبه على حسناته ويعاقبه على سيئاته.

ثم قال: ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ ﴾ وفيه قولان أحدهما: الذين آمنوا وعملوا الصالحات رفع على أنه فاعل تقديره ويجيب المؤمنون الله فيما دعاهم إليه.

والثاني: محله نصب والفاعل مضمر وهو الله وتقديره، ويستجيب الله للمؤمنين إلا أنه حذف اللام كما حذف في قوله: ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ  ﴾ وهذا الثاني أولى لأن الخبر فيما قبل وبعد عن الله لأن ما قبل الآية قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ وما بعدها قوله: ﴿ وَيَزِيدُهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ فيزيد عطف على ويستجيب، وعلى الأول ويجيب العبد ويزيد الله من فضله.

أما من قال إن الفعل للذين آمنوا ففيه وجهان: أحدهما: ويجيب المؤمنون ربهم فيما دعاهم إليه والثاني: يطيعونه فيما أمرهم به، والاستجابة الطاعة.

وأما من قال إن الفعل لله فقد اختلفوا، فقيل يجيب الله دعاء المؤمنين ويزيدهم ما طلبوه من فضله، فإن قالوا تخصيص المؤمنين بإجابة الدعاء هل يدل على أنه تعالى لا يجيب دعاء اكفار؟

قلنا قال بعضهم لا يجوز لأن إجابة الدعاء تعظيم، وذلك لا يليق بالكفار، وقيل يجوز على بعض الوجوه، وفائدة التخصيص أن إجابة دعاء المؤمنين تكون على سلبيل التشريف، وإجابة دعاء الكافرين تكون على سبيل الاستدراج، ثم قال: ﴿ وَيَزِيدُهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ أي يزيدهم على ما طلبوه بالدعاء ﴿ والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ والمقصود التهديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تَرَى الظالمين ﴾ في الآخرة ﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ خائفين خوفاً شديداً أرق قلوبهم ﴿ مِمَّا كَسَبُواْ ﴾ من السيئات ﴿ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ يريد: ووباله واقع بهم وواصل إليهم لابد لهم منه، أشفقوا أو لم يشفقوا.

كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها وأنزهها ﴿ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ منصوب بالظرف لا بيشاؤون قرئ ﴿ يبشر ﴾ من بشره.

ويبشر من أبشره.

ويبشر، من بشره.

والأصل: ذلك الثواب الذي يبشر الله به عباده، فحذف الجار، كقوله تعالى: ﴿ واختار موسى قَوْمَهُ ﴾ [الأعراف: 155] ثم حذف الراجع إلى الموصول، كقوله تعالى: ﴿ أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً ﴾ [الفرقان: 41] أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده.

روي أنه اجتمع المشركون في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض: أترون محمداً يسأل على ما يتعاطاه أجراً؟

فنزلت الآية: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ يجوز أن يكون استثناء متصلاً، أي: لا أسألكم أجراً إلا هذا، وهو أن تودوا أهل قرابتي؛ ولم يكن هذا أجراً في الحقيقة؛ لأنّ قرابته قرابتهم، فكانت صلتهم لازمة لهم في المروءة.

ويجوز أن يكون منقطعاً، أي: لا أسألكم أجراً قط ولكنني أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم.

فإن قلت: هلا قيل: إلا مودّة القربى: أو إلا المودة للقربى.

وما معنى قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ [الشورى: 23] ؟

قلت: جلعوا مكاناً للمودة ومقراً لها، كقولك: لي في آل فلان مودّة.

ولي فيهم هوى وحب شديد، تريد: أحبهم وهم مكان حبي ومحله، وليست (في) بصلة للمودَّة، كاللام إذا قلت: إلا المودّة للقربى.

إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس.

وتقديره: إلا المودّة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها.

والقربى: مصدر كالزلفى والبشرى، بمعنى: قرابة.

والمراد في أهل القربى.

وروى أنها لما نزلت قيل: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟

قال: «عليّ وفاطمة وابناهما» ويدل عليه ما روى عن علي رضي الله عنه: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حسد الناس لي.

فقال: ﴿ أما ترضى أن تكون رابع أربعة: أوّل من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذريتنا خلف أزواجنا ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي.

ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة» وروي: أنّ الأنصار قالوا: فعلنا وفعلنا، كأنهم افتخروا، فقال عباس أو ابن عباس رضي الله عنهما: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم في مجالسهم فقال: «يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي» ؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: «ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي» ؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: «أفلا تجيبونني» ؟

قالوا: ما نقول يا رسول الله؟

قال: «ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك، أو لم يكذبوك فصدقناك، أو لم يخذلوك فنصرناك» قال: فما زال يقول حتى جثوا على الركب وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله.

فنزلت الآية.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات على حب آل محمد مات شهيداً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة، ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة» وقيل: لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم قربى، فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه نزلت.

والمعنى: إلا أن تودوني في القربى، أي: في حق القربى أو من أجلها، كما تقول: الحب في الله والبغض في الله، بمعنى: في حقه ومن أجله، يعني: أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذوني ولا تهيجوا عليّ.

وقيل: أتت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال جمعوه وقالوا: يا رسول الله، قد هدانا الله بك وأنت ابن أختنا وتعروك نوائب وحقوق ومالك سعة، فاستعن بهذا على ما ينوبك، فنزلت وردّه.

وقيل ﴿ القربى ﴾ : التقرب إلى الله تعالى، أي: إلا أن تحبوا الله ورسوله في تقرّبكم إليه بالطاعة والعمل الصالح.

وقرئ: ﴿ إلا مودّة في القربى ﴾ ﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ﴾ عن السدّي أنها المودّة في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ومودّته فيهم.

والظاهر: العموم في أي حسنة كانت؛ إلا أنها لما ذكرت عقيب ذكر المودّة في القربى: دل ذلك على أنها تناولت المودّة تناولاً أوّلياً، كأنّ سائر الحسنات لها توابع.

وقرئ ﴿ يزد ﴾ أي: يزد الله.

وزيادة حسنها من جهة الله مضاعفتها، كقوله تعالى: ﴿ مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ [البقرة: 245] وقرئ ﴿ حسنى ﴾ وهي مصدر كالبشرى، الشكور في صفة الله: مجاز للاعتداد بالطاعة، وتوفيه ثوابها، والتفضل على المثاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ تَرى الظّالِمِينَ ﴾ في القِيامَةِ.

﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ خائِفِينَ.

﴿ مِمّا كَسَبُوا ﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ.

﴿ وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ ﴾ أيْ وبالُهُ لاحِقٌ بِهِمْ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ ﴾ في أطْيَبِ بِقاعِها وأنْزَهِها.

﴿ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ ما يَشْتَهُونَهُ ثابِتٌ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ.

﴿ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ الَّذِي يَصْغُرُ دُونَهُ ما لِغَيْرِهِمْ في الدُّنْيا.

﴿ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ ذَلِكَ الثَّوابُ الَّذِي يُبَشِّرُهُمُ اللَّهُ بِهِ فَحَذَفَ الجارَّ ثُمَّ العائِدَ، أوْ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ الَّذِي يُبَشِّرُهُ اللَّهُ عِبادَهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُبَشِّرُ مَن بَشَّرَهُ وقُرِئَ «يُبْشِرُ» مِن أبْشَرَهُ.

﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ عَلى ما أتَعاطاهُ مِنَ التَّبْلِيغِ والبِشارَةِ.

﴿ أجْرًا ﴾ نَفْعًا مِنكم.

﴿ إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ أيْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكُمْ، أوْ تَوَدُّوا قَرابَتِي، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ والمَعْنى: لا أسْألُكم أجْرًا قَطُّ ولَكِنِّي أسْألُكُمُ المَوَدَّةَ، وفي القُرْبى حالٌ مِنها أيْ إلّا المَوَدَّةَ ثابِتَةً في ذَوِي القُرْبى مُتَمَكِّنَةً في أهْلِها، أوْ في حَقِّ القَرابَةِ ومِن أجْلِها كَما جاءَ فِي الحَدِيثِ: «الحُبُّ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ».» رُوِيَ: «أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ مَوَدَّتُهم عَلَيْنا؟

قالَ: «عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما».» وَقِيلَ: القُرْبى التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ أيْ إلّا أنْ تَوَدُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ في تَقَرُّبِكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وقُرِئَ «إلّا مَوَدَّةً في القُرْبى» .

﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ﴾ ومَن يَكْتَسِبْ طاعَةً سِيَّما حُبَّ آلِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومَوَدَّتِهِ لَهم.

﴿ نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا ﴾ في الحَسَنَةِ بِمُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وقُرِئَ «يَزِدْ» أيْ يَزِدِ اللَّهُ وحُسْنى.

﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لِمَن أذْنَبَ.

﴿ شَكُورٌ ﴾ لِمَن أطاعَ بِتَوْفِيَةِ الثَّوابِ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِ بِالزِّيادَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{تَرَى الظالمين} المشركين في الآخرة {مُشْفِقِينَ} خائفين {مِمَّا كَسَبُواْ} من جزاء كفرهم {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} نازل بهم لا محالة أشفقوا أو لم يشفقوا {والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات فِى روضات الجنات} كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها وأنزهها {لَهُم ما يشاؤون عند ربهم} عند نصب بالظرف لا بيشاءون {ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير} على العمل القليل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ تَرى الظّالِمِينَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما قَبْلَ، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لَهُ لِلْقَصْدِ إلى اَلْمُبالَغَةِ في سُوءِ حالِهِمْ أنْ تَرى يا مَن يَصِحُّ مِنهُ اَلرُّؤْيا اَلظّالِمِينَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ ﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ خائِفِينَ اَلْخَوْفَ اَلشَّدِيدَ ﴿ مِمّا كَسَبُوا ﴾ في اَلدُّنْيا مِنَ اَلسَّيِّئاتِ، والكَلامُ قِيلَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.

و(مِن) صِلَةُ اَلْإشْفاقِ أيْ مُشْفِقِينَ مِن وبالِ ما كَسَبُوا ﴿ وهُوَ ﴾ أيِ اَلْوَبالُ ﴿ واقِعٌ بِهِمْ ﴾ أيْ حاصِلٌ لَهم لاحِقٌ بِهِمْ، واخْتارَ بَعْضُهم أنْ لا تَقْدِيرَ ومِن تَعْلِيلِيَّةٍ لِأنَّهُ أُدْخِلَ في اَلْوَعِيدِ، والجُمْلَةُ اِعْتِراضٌ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إشْفاقَهم لا يَنْفَعُهُمْ، وإيثارُ ﴿ واقِعٌ ﴾ عَلى يَقَعُ مِن أنَّ اَلْمَعْنى عَلى اَلِاسْتِقْبالِ لِأنَّ اَلْخَوْفَ إنَّما يَكُونُ مِنَ اَلتَّوَقُّعِ بِخِلافِ اَلْحَزَنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ وظاهِرُ ما سَمِعْتُ أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ ﴾ أيْ مُسْتَقِرُّونَ في أطْيَبِ بِقاعِها وأنْزَهِها.

وقالَ اَلرّاغِبُ: هي مَحاسِنُها ومَلاذُّها، وأصْلُ اَلرَّوْضَةِ مُسْتَنْقَعُ اَلْماءِ والخُضْرَةِ واللُّغَةُ اَلْكَثِيرَةُ في واوِها جَمْعًا اَلتَّسْكِينُ كَما في اَلْمُنْزَلِ ولُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ فَتْحُها فَيَقُولُونَ رَوَضاتِ إجْراءً لِلْمُعْتَلِّ مَجْرى اَلصَّحِيحِ نَحْوَ جَفَناتٍ ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ فِيما عَلِمْنا بِلُغَتِهِمْ ﴿ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ ما يَشْتَهُونَهُ مِن فُنُونِ اَلْمُسْتَلَذّاتِ حاصِلٌ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ فالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُتَعَلِّقِ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ اَلْواقِعِ خَبَرًا لِما أوْ بِهِ واخْتارَهُ جارُ اَللَّهِ ونَفى أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِيَشاؤُونَ مَعَ أنَّهُ اَلظّاهِرُ نَحْوًا، وبَيَّنَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ ذَلِكَ بِأنَّهُ كَلامٌ في مَعْرِضِ اَلْمُبالَغَةِ في وصْفِ ما يَكُونُ أهْلُ اَلْجَنَّةِ فِيهِ مِنَ اَلنَّعِيمِ اَلدّائِمِ فَأُفِيدَ أنَّهم في أنْزَهِ مَوْضِعٍ مِنَ اَلْجَنَّةِ وأطْيَبِ مَقْعَدٍ مِنها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي رَوْضاتِ الجَنّاتِ ﴾ لِأنَّ رَوْضَةَ اَلْجَنَّةِ أنْزَهُ مَوْضِعٍ مِنها لا سِيَّما والإضافَةُ في هَذا اَلْمَقامِ تُنْبِئُ عَنْ تَمَيُّزِها بِالشَّرَفِ والطِّيبِ، والتَّعْقِيبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهم ما يَشاءُونَ ﴾ أيْضًا ثَمَّ أفْيَدُ أنَّ لَهم ما يَشْتَهُونَ مِن رَبِّهِمْ ولا خَفاءَ أنَّكَ إذا قُلْتَ: لِي عِنْدَ فُلانٍ ما شِئْتُ كانَ أبْلَغَ في حُصُولِ كُلِّ مَطالِبِكَ مِنهُ مِمّا إذا قُلْتَ: لِي ما شِئْتُ عِنْدَ فُلانٍ بِالنِّسْبَةِ إلى اَلطّالِبِ والمَطْلُوبِ مِنهُ.

أمّا اَلْأوَّلُ فَلِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّ جَمِيعَ ما تَشاؤُهُ مَوْجُودٌ مَبْذُولٌ لَكَ مِنهُ، والثّانِي يُفِيدُ أنَّ ما شِئْتَ عِنْدَهُ مَبْذُولٌ لا جَمِيعَ ما تَشاؤُهُ، وأمّا اَلثّانِي فَلِأنَّكَ وصَفْتَهُ بِأنَّهُ يَبْذُلُ جَمِيعَ اَلْمُراداتِ، وفي اَلثّانِي وصَفْتَهُ بِأنَّ ما شِئْتَ عِنْدَهُ مَبْذُولٌ لَكَ إمّا مِنهُ وإمّا مِن غَيْرِهِ ثُمَّ في اَلْأوَّلِ مُبالَغَةٌ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ وثُبُوتِهِ كَما تَقُولُ: لِي عِنْدَكَ وقِبَلَكَ كَذا، فاَللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ أخْبَرَ بِأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهم ثابِتٌ مَقْضِيٌّ في ذِمَّةِ فَضْلِهِ سُبْحانَهُ ولا كَذَلِكَ في اَلثّانِي، ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّ اَلْأوْجُهَ أنْ يُجْعَلَ ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ خَبَرًا آخَرَ أيِ اَلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ عِنْدَ رَبِّهِمْ في رَوْضاتِ اَلْجَنّاتِ لَهم فِيها ما يَشاؤُونَ، وإنَّما أخَّرَ تَوَخِّيًا لِسُلُوكِ طَرِيقِ اَلْمُبالَغَةِ في اَلتَّرَقِّي مِنَ اَلْأدْنى إلى اَلْأعْلى ومُراعاةً لِتَرْتِيبِ اَلْوُجُودِ أيْضًا فَإنَّ اَلْوافِدَ والضَّيْفَ يَنْزِلُ في أنْزَهِ مَوْضِعٍ ثُمَّ يُحْضَرُ بَيْنَ يَدَيْهِ اَلَّذِي يَشْتَهِيهِ ومِلاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ أنْ يَخْتَصَّهُ رَبُّ اَلْمَنزِلِ بِالقُرْبِ والكَرامَةِ، وأنْ جَعَلَهُ حالًا مِن فاعِلِ يَشاؤُونَ أوْ مِنَ اَلْمَجْرُورِ في ﴿ لَهُمْ ﴾ أفادَ هَذا اَلْمَعْنى أيْضًا لَكِنَّهُ يَقْصُرُ عَمّا آثَرْناهُ لِأنَّهُ قَدْ أتى بِهِ إتْيانُ اَلْفَضْلَةِ وهو مَقْصُودٌ بِذاتِهِ عُمْدَةٌ، ولَعَمْرِي إنَّ ما آثَرَهُ حَسَنٌ مَعْنًى إلّا أنَّهُ أبْعَدُ لَفْظًا مِمّا آثَرَهُ جارُ اَللَّهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما هو اَلْأنْسَبُ بِالتَّنْزِيلِ.

وفِي اَلْخَبَرِ عَنْ أبِي ظَبْيَةَ قالَ: إنِ اَلسِّرْبَ مِن أهْلِ اَلْجَنَّةِ لَتُظِلُّهُمُ اَلسَّحابَةُ فَتَقُولُ: ما أُمْطِرُكُمْ؟

فَما يَدْعُو داعٍ مِنَ اَلْقَوْمِ إلّا أمْطَرَتْهُ حَتّى أنَّ اَلْقائِلَ مِنهم لِيَقُولَ: أمْطِرِينا كَواعِبَ أتْرابًا ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِن حالِ اَلْمُؤْمِنِينَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى اَلْبُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ اَلْمُشارِ إلَيْهِ ﴿ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ اَلَّذِي لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ ولا تُبْلَغُ غايَتُهُ ويَصْغُرُ دُونَهُ ما لِغَيْرِهِمْ في اَلدُّنْيا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ يعني: ألهم آلهة دوني.

شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ أي: بينوا لهم من الدين ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ يعني: ما لم يأمر به.

ويقال: معناه ألهم آلهة ابتدعوا لهم من الدين.

أي: من الشريعة والطريقة.

ويقال: سنوا لهم ما لم يأذن به الله، يعني: ما لم ينزل به الله من الكتاب والدين وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ يعني: القضاء الذي سبق، ألا يعذب هذه الأمة، ويؤخر عذابهم إلى الآخرة.

لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ يعني: أنزل بهم العذاب في الدنيا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ يعني: المشركين.

لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة.

قوله تعالى: تَرَى الظَّالِمِينَ يعني: ترى الكافرين يوم القيامة.

مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا يعني: خائفين مما عملوا في الدنيا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ يعني: نازل بهم ما كانوا يحذرون.

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: الذين صدقوا بالتوحيد، وأدّوا الفرائض، والسنن فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ يعني: في بساتين الجنة.

لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ من الكرامة.

ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ يعني: المن العظيم.

قوله تعالى: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ يعني: ذلك الثواب الذى يُبَشِّرُ الله عِبادَهُ في الدنيا قرأ حمزة، والكسائي، وابن كثير، وأبو عمرو يُبَشِّرُ بنصب الياء، وجزم الباء، وضم الشين مع التخفيف.

والباقون بالتشديد وقد ذكرناه الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: يبشرهم بتلك الجنة، وبذلك الثواب ثم قال: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً يعني: قل يا محمد لأهل مكة، لا أسألكم عليه أجرا، أي على ما جئتكم به أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قال مقاتل: يعني: إلا أن تصلوا قرابتي، وتكفوا عني الأذى.

ثم نسخ بقوله: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ويقال: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى يعني: إلا، ألاَّ تؤذونني بقرابتي منكم.

قال ابن عباس: ليس حي من أحياء العرب إلا وللنبي  فيه قرابة.

وقال الحسن: إِلاَّ المودة فِى القربى، يعني: إلا أن تتوددوا إلى الله تعالى، بما يقربكم منه، وهكذا قال مجاهد، وقال سعيد بن جبير: إِلاَّ المودة فِى القربى، يعني: إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم.

ثم قال: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً يعني: يكتسب حَسَنَةً، نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً يعني: للواحد عشرة.

ويقال: نزد له التوفيق في الدنيا، ونضاعف له الثواب في الآخرة.

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ يعني: غفور لمن تاب، شكور يقبل اليسير، ويعطي الجزيل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ معناه: مضمناً الحق، أي: بالحق في أحكامه، وأوامره، ونواهيه، وأخباره، وَالْمِيزانَ هنا: العدل قاله ابن عباس ومجاهد «١» ، والناس، وحكى الثعلبيُّ عن مجاهد أَنَّهُ قال: هو هنا الميزان الذي بأيدي الناس «٢» ، قال ع «٣» : ولا شَكَّ أَنَّه داخل في العدل وجزء منه.

وقوله تعالى: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ وعيدٌ للمشركين، وجاء لفظ قَرِيبٌ مُذَكَّراً من حيثُ تأنيثُ السَّاعَةِ- غيرُ حقيقيٍّ-، وإذْ هي بمعنى الوقت.

ت: ينبغي للمؤمن العاقل أنْ يتدبَّر هذه الآيةَ ونظائرها، ويقدِّر في نفسه أَنَّه المقصود بها: [البسيط]

لاَهٍ بِدُنْيَاهُ وَالأَيَّامُ تَنْعَاهُ ...

وَالْقَبْرُ غَايَتُهُ وَاللَّحْدُ مَأْوَاهُ

يَلْهُو فَلَوْ كَانَ يَدْرِي مَا أُعِدَّ لَه ...

إذَنْ لأَحْزَنَهُ مَا كَانَ أَلْهَاهُ

قال الغَزَّاليُّ في «الإحياء» قال أبو زكريَّا التَّيْمِيُّ: بينما سليمانُ بنُ عبد الملك في المسجد الحرام إذ أُوتِيَ بحَجَرٍ منقوشٍ، فَطَلَبَ مَنْ يَقْرَؤُهُ، فأوتي بِوهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فإذا فيه: ابنَ آدمَ، إنك لو رأيْتَ قُرْبَ ما بَقِيَ من أَجْلِك، لَزَهِدْتَ في طول أملك وَلَرَغِبْتَ في الزيادَةِ مِنْ عَمَلِك، وَلَقَصَّرْتَ مِنْ حِرْصِكَ وحِيَلِكَ، وإنما يلقاك غَداً نَدَمُك لو قد زَلَّتْ بك قَدَمُك، وأسلمك أَهلُكَ وَحْشَمُك، فَفَارَقَكَ الوَلَدُ والقَرِيب وَرَفَضَكَ الوَالِدُ والنَّسِيب، فلا أَنْتَ إلى دُنْيَاك عائد ولا في حَسَنَاتِك زَائِد، فاعمل ليومِ القيامهْ، قبل الحسرة والندامهْ.

فبكى سليمان بكاءً شديداً، انتهى،، وباقي الآية بيِّن.

ثم رَجَّى تبارك وتعالى عباده بقوله: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ ولَطِيفٌ هنا بمعنى رفيق مُتَحَفٍّ، والعباد هنا المؤمنون.

مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)

وقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ معناه: إرادة مُسْتَعِدٍّ عاملٍ، لا إرادةُ مُتَمَنٍّ مُسَوِّفٍ، والحَرْثُ في هذه الآية: عبارةٌ عن السَّعْيِ والتكسُّبِ والإعْدَاد.

وقوله تعالى: نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَعْدٌ مُتَنَجَّزٌ قال الفَخْرُ «١» : وفي تفسير قوله:

نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ قولان:

الأوَّلُ: نزد له في توفيقه وإعانته، وتسهيلِ سبيل الخيرات والطاعات عليه، وقال مقاتل: نزد له في حَرْثِهِ بتضعيفِ الثواب قال تعالى: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [فاطر: ٣٠] انتهى، وقوله: وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها معناه: ما شئنا منها ولمن شئنا، فَرُبَّ مُمْتَحَنٍ مُضَيَّقٌ عليه حريصٌ على حَرْثِ الدنيا، مريدٌ له، لا يَحُسُّ بغيره، نعوذُ بالله من ذلك!

وهذا الذي لا يعقل غيرَ الدنيا هو الذي نفى أنْ يكون له نصيبٌ في الآخرة.

وقوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ «أم» هذه منقطعةٌ لا معادلةٌ، وهي بتقدير «بل» ، وألف الاستفهام، والشركاء في هذه الآية يحتمل أنْ يكونَ المراد بهم الشياطين والمُغْوِينَ من أسلافهم، ويكون الضمير في لَهُمْ للكفار المعاصرين لمحمّد ع فالاشتراك هاهنا هو في الكفر والغواية، وليس بشركة الإشراك باللَّه- ويحتمل أنْ يكون المراد بالشركاء: الأصنام والأوثان على معنى: أم لهم أصنام جعلوها شركاءَ للَّه في أُلُوهِيَّتِهِ، ويكون الضمير في شَرَعُوا لهؤلاء المعاصرين من الكفار ولآبائهم، والضمير في لَهُمْ للأصنام الشركاء، وشَرَعُوا معناه: أثبتوا، ونهجوا، ورسموا والدِّينِ هنا: العوائدُ والأحكامُ والسِّيرَةُ، ويَدْخُلُ في ذلك أيضاً المُعْتَقَدَاتُ السُّوء لأَنَّهُم في جمِيع ذلك وضعوا ذلك أوضاعاً فاسدة وكلمة الفصل هي ما سبق من قضاء اللَّه تعالى بأَنَّهُ يُؤخِّرُ عقابهم للدار الآخرة، والقضاء بينهم هو عذابهم في الدنيا ومجازاتهم.

وقوله تعالى: تَرَى الظَّالِمِينَ هي رؤية بصر، ومُشْفِقِينَ حال، وليس لهم في هذا الإشفاق مدح لأنَّهم إنَّما أشفقوا حين نزل بهم، وليسوا كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مُشْفِقُون من أمر الساعة، كما تقدم، وهو واقع بهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم شُرَكاءُ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ؛ والمَعْنى: ألَهم آلِهَةٌ ﴿ شَرَعُوا ﴾ أيِ: ابْتَدَعُوا ﴿ لَهُمْ ﴾ دِينًا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ؟!

﴿ وَلَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ ﴾ وَهِيَ: القَضاءُ السّابِقُ بِأنَّ الجَزاءَ يَكُونُ في القِيامَةِ ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ في الدُّنْيا بِنُزُولِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ.

والظّالِمُونَ في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي تَلِيها: يُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ.

والإشْفاقُ: الخَوْفُ.

والَّذِي كَسَبُوا: هو الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ، ﴿ وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ ﴾ يَعْنِي جَزاءَهُ.

وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي: ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الجَنّاتِ ﴿ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: "ذَلِكَ" بِمَعْنى: هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكم بِهِ بُشْرى يُبَشِّرُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِّينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ  بِمَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَتْ تَنُوبُهُ نَوائِبُ ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فَقالَ الأنْصارُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ هَداكُمُ اللَّهُ بِهِ، ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فاجْمَعُوا لَهُ مِن أمْوالِكم مالا يَضُرُّكُمْ، فَفَعَلُوا ثُمَّ أتَوْهُ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ اجْتَمَعُوا في مَجْمَعٍ لَهُمْ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتُرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ عَلى ما يَتَعاطاهُ أجْرًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والهاءُ في "عَلَيْهِ" كِنايَةٌ عَمّا جاءَ بِهِ مِنَ الهُدى.

وَفِي الِاسْتِثْناءِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الجِنْسِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ سائِلًا أجْرًا.

وقَدْ أشارَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ إلى هَذا المَعْنى، ثُمَّ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم.

.

.

﴾ \[الآيَةُ\] [سَبَأٍ: ٤٧]، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَسْألُونَ عَلى تَبْلِيغِهِمْ أجْرًا؛ وإنَّما المَعْنى: لَكِنِّي أُذَكِّرُكُمُ المَوَدَّةَ في القُرْبى، وقَدْ رَوى هَذا المَعْنى جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِنهُمُ العَوْفِيُّ، وهَذا اخْتِيارُ المُحَقِّقِينَ، وهو الصَّحِيحُ، فَلا يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ أصْلًا.

وَفِي المُرادِ بِالقُرْبى خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في الأكْثَرِينَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ إلّا ولِرَسُولِ اللَّهِ  فِيهِمْ قَرابَةٌ.

والثّانِي: إلّا [أنْ] تَوَدُّوا قَرابَتِي، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.

ثُمَّ في المُرادِ بِقَرابَتِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَدُها، وقَدْ رَوَوْهُ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ ويُقَسَّمُ فِيهِمُ الخُمُسُ، وهم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ تَعالى فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والرّابِعُ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي، كَما تَوَدُّونَ قَرابَتَكُمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: إلّا أنْ تَوَدُّوا قَرابَتَكم وتَصِلُوا أرْحامَكُمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والأوَّلُ: أصَحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ ﴾ أيْ: مَن يَكْتَسِبْ ﴿ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا ﴾ أيْ: نُضاعِفْها بِالواحِدَةِ عَشْرًا فَصاعِدًا.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: "يَزِدْ لَهُ" بِالياءِ ﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لِلذُّنُوبِ ﴿ شَكُورٌ ﴾ لِلْقَلِيلِ حَتّى يُضاعِفَهُ.

﴿ أمْ يَقُولُونَ ﴾ أيْ: بَلْ يَقُولُ كُفّارُ مَكَّةَ ﴿ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ حِينَ زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ!

﴿ فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ فَيُنْسِيكَ القُرْآنَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم فَلا يَشُقُّ عَلَيْكَ قَوْلُهُمْ: إنَّكَ مُفْتَرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ بِمَرْدُودٍ عَلى "يَخْتِمُ" فَيَكُونُ جَزْمًا، وإنَّما هو مُسْتَأْنَفٌ، ومِثْلُهُ مِمّا حُذِفَتْ مِنهُ الواوُ ﴿ وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ  ﴾ .

وقالَ الكِسائِيُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

تَقْدِيرُهُ: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الوَقْفُ عَلَيْها "وَيَمْحُوا" بِواوِ وألِفِ؛ والمَعْنى: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ عَلى كُلِّ حالٍ، غَيْرَ أنَّها كُتِبَتْ في المَصاحِفِ بِغَيْرِ واوٍ، لِأنَّ الواوَ تَسْقُطُ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَكُتِبَتْ عَلى الوَصْلِ، ولَفْظُ الواوِ ثابِتٌ؛ والمَعْنى: ويَمْحُو اللَّهُ الشِّرْكَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِما أنْزَلَهُ مِن كِتابِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ  .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ تَرى الظالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ ﴿ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ "أمْ" هَذِهِ هي مُنْقَطِعَةٌ لا مُعادِلَةٌ، وهي بِتَقْدِيرِ "بَلْ وألْفِ الِاسْتِفْهامِ"، و"الشُرَكاءُ في هَذِهِ الآيَةِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمِ: الشَياطِينُ والمُغْوِينَ مِن أسْلافِهِمْ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِلْكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ  ، أيْ: شَرَعَ الشُرَكاءُ لَهم ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ، فالِاشْتِراكُ هُنا هو في الكُفْرِ والغَوايَةِ، ولَيْسَ بِشَرِكَةِ الإشْراكِ بِاللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ"الشُرَكاءِ": الأصْنامَ والأوثانَ عَلى مَعْنى: أمْ لَهم أصْنامٌ جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ في أُلُوهِيَّتِهِ؟

ويَكُونُ الضَمِيرُ في شَرَعُوا" لِهَؤُلاءِ المُعاصِرِينَ مِنَ الكُفّارِ ولِآبائِهِمْ، والضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِلْأصْنامِ الشُرَكاءِ، أيْ: شَرَعَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ وأوثانِهِمْ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ تَعالى، و"شَرَعُوا" مَعْناهُ: أثْبَتُوا ونَهَجُوا ورَسَمُوا، و"الدِينُ" هُنا: العَوائِدُ والأحْكامُ والسِيرَةُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ أيْضًا المُعْتَقَداتُ، لِأنَّهم في جَمِيعِ ذَلِكَ وضَعُوا أوضاعًا، فَأمّا في المُعْتَقَداتِ فَقَوْلُهُمْ: إنَّ الأصْنامَ آلِهَةٌ، وقَوْلُهُمْ: إنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ زُلْفى، وغَيْرَ ذَلِكَ، وأمّا في الأحْكامِ فَكالبَحِيرَةِ والوَصِيلَةِ والحامِي، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ السَوائِبِ ونَحْوَها، و"الإذْنُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الأمْرُ.

و"كَلِمَةُ الفَصْلِ": هي ما سَبَقَ مِن قَضاءِ اللهِ تَعالى بِأنَّهُ يُؤَخِّرُ عِقابَهم إلى الآخِرَةِ، و"القَضاءُ بَيْنَهُمْ": هو عَذابُهم في الدُنْيا ومُجازاتُهم.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَإنَّ الظالِمِينَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جَنْدَبِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى: "كَلِمَةُ"، المَعْنى: وأنَّ الظالِمِينَ لَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرى الظالِمِينَ مُشْفِقِينَ ﴾ هي رُؤْيَةُ بَصَرٍ، و"الظالِمِينَ": مَفْعُولٌ، و"مُشْفِقِينَ" حالٌ، ولَيْسَ لَهم في هَذا الإشْفاقِ مَدْحٌ، لِأنَّهم إنَّما أشْفَقُوا حِينَ نَزَلَ بِهِمْ ووَقَعَ، ولَيْسُوا كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم في الدُنْيا مُشْفِقُونَ مِنَ الساعَةِ كَما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، و"الرَوْضاتُ": المَواضِعُ المُؤَنَّقَةُ النَضِرَةُ، وهي مُرْتَفِعَةٌ في الأغْلَبِ مِنَ الِاسْتِعْمالِ، وهي المَمْدُوحَةُ عِنْدَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ  ﴾ ، ومِن ذَلِكَ تَفْضِيلُهم رَوْضاتُ الحُزْنِ لِجَوْدَةِ هَوائِها، قالَ الطَبَرِيُّ: ولا تَقُولُ العَرَبُ لِمَوْضِعِ الأشْجارِ: رِياضُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا  ﴾ .

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "يُبَشِّرُ" ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ وشَدِّ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وذَلِكَ عَلى التَعْدِيَةِ والتَضْعِيفِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ: "يُبْشِرُ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وكَسْرِ الشِينِ عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ يَعْمَرُ وابْنُ أبِي إسْحاقٍ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ: "يَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِينِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ الجَحْدَرِيُّ في تَفْسِيرِها: تَرى النَضْرَةَ في الوُجُوهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هي آيَةٌ مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ في صَدْرِ الإسْلامِ، ومَعْناها: اسْتِكْفافُ شَرِّ الكُفّارِ ودَفْعُ أذاهُمْ، أيْ: ما أسْألُكم عَلى القُرْآنِ والدِينِ والدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَةِ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، فَتَكُفُّوا عَنِّي أذاكُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ إسْحاقٍ، وقَتادَةُ: ولَمْ يَكُنْ في قُرَيْشٍ بَطْنٌ إلّا ولِرَسُولِ اللهِ  فِيهِ نَسَبٌ أو صِهْرٌ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- هي اسْتِعْطافٌ ما، ودَفْعُ أذى وطَلَبُ سَلامَةٍ مِنهُمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، ويُحْتَمِلُ هَذا التَأْوِيلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الكَلامِ اسْتِدْعاءَ نَصْرِهِمْ، أيْ: لا أسْألُكم غَرامَةً ولا شَيْئًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم وأنْ تَكُونُوا أولى بِي مِن غَيْرِكم.

وقالَ مُجاهِدٌ: إلّا أنْ تَصِلُوا رَحِمِي بِاتِّباعِيِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أيْضًا ما يَقْتَضِي أنَّها مَدَنِيَّةُ، وسَبَبُها أنَّ قَوْمًا مِن شَبابِ الأنْصارِ فاخَرُوا المُهاجِرِينَ ومالُوا بِالقَوْلِ عَلى قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى مَعْنى: إلّا أنْ تَوَدُّونِي فَتُراعُونِيِ في قَرابَتِي وتَحْفَظُونَنِي فِيهِمْ، وقالَ بِهَذا المَعْنى في الآيَةِ عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، واسْتَشْهَدَ بِالآيَةِ حِينَ سِيقَ إلى الشامِ أسِيرًا، وهو تَأْوِيلُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، مَن قَرابَتُكَ الَّذِينَ أُمِرْنا بِمَوَدَّتِهِمْ؟

فَقالَ: "عَلِيُّ وفاطِمَةُ وابْناهُما"،» وقِيلَ: هو ولَدُ عَبْدِ المُطَّلَبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقُرَيْشُ كُلُّها عِنْدِي قُرْبى وإنْ كانَتْ تَتَفاضَلُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "مَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ شَهِيدًا، ومَن ماتَ عَلى بُغْضِهِمْ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الجَنَّةِ"،» وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أيْضًا في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: سَبَبٌ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ الأنْصارَ جَمَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ  مالًا وساقَتْهُ إلَيْهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أيْضًا: مَعْنى الآيَةِ: مِن قُرْبى الطاعَةِ والتَزَلُّفِ إلى اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي، لِأنِّي أقْرَبَكم مِنَ اللهِ تَعالى، وأُرِيدُ هِدايَتَكم وأدْعُوكم إلَيْها، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللهِ تَعالى بِالتَقَرُّبِ إلَيْهِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ القاسِمِ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: مَعْنى الآيَةِ: إلّا أنَّ تَتَوَدَّدُوا بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتَصِلُوا قُراباتِكُمْ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- أمْرٌ بِصِلَةِ الرَحِمِ.

وذَكَرَ النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ، والسَدِّيُّ، أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿ قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ  ﴾ ، والصَوابُ أنَّها مُحْكَمَةٌ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، و"إلّا" بِمَعْنى "لَكِنْ".

و"يَقْتَرِفْ" مَعْناهُ: يَكْتَسِبُ، ورَجُلٌ قِرْفَةٌ: إذا كانَ مُحْتالًا كَسُوبًا، وقَرَأتْ فَرْقَةٌ: "يَزِدْ" عَلى إسْنادِ الفِعْلِ لِلَّهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَزِدْ" عَلى نُونِ العَظَمَةِ، وزِيادَةُ الحُسْنِ هو التَضْعِيفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ مُؤْمِنِي عِبادِهِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، و"غَفُورٌ" مَعْناهُ: ساتِرُ عُيُوبِ عَبِيدِهِ.

و"شَكُورٌ" مَعْناهُ: مُجازٍ عَلى الدَقِيقَةِ مِنَ الخَيْرِ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ العامِلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا ﴾ بيان لِجملة ﴿ وإن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ [الشورى: 21]، بُيِّن حال هذا العذاب ببيان حال أصحابه حينَ تَوقُّعِ حلوله، وكفى بذلك منبئاً عن هوله.

والخطاب ب ﴿ تَرى ﴾ لغير معيّن فيعم كل من تُمكن منه الرؤية يومئذٍ كقوله: ﴿ وترى الظالمين لمّا رأوا العذاب يقولون هل إلى مردَ من سبيل وتراهم يُعرضون عليها خاشعين من الذلّ ﴾ [الشورى: 44، 45].

والمقصود استحضار صورة حال الظالمين يوم القيامة في ذهن المخاطب.

والإشفاق: توقع الشيء المضرّ وهو ضد التمَنّي.

و (ما كسبوا) هو أعمالهم السيئة.

والمراد: جزاؤها بقرينة المقام.

وجملة ﴿ وهو واقع بهم ﴾ في موضع الحال، أي مشفقين إشفاقاً يقارب اليأس وهو أشد الإشفاق حين يعلمون أن المشفَق منه لا يُنجي منه حَذَر، لأن الإشفاق إذا حصل قبل اقتراب المشفَق منه قد يحاول المشفِق وسائلَ التخلص منه، فأما إذا وقع العذاب فقد حال دون التخلص حائله.

والمعنى: مشفقين من عقاب أعمالهم في حال نزول العقاب بهم.

وليس المعنى: أنهم مشفقون في الدّنيا من أعمالهم السيئة لأنهم لا يدينون بذلك، فما بُني على ذلك الاحتمال من التفسير ليس بَيِّناً.

والباء في قوله ﴿ واقع بهم ﴾ للاستعلاء، كقول غاوي السُّلَمي: أَرَبٌّ يبول الثُعْلُبَانُ بِرأسه *** وهذا الاستعمال قريب من معنى الإلصاق المجازي.

وضمير ﴿ وهو واقع ﴾ عائد على ﴿ ما كسبوا ﴾ باعتبار تقدير مضاف، أي جزاء ما كسبوا، أي في حال أن الجزاء واقع عليهم.

وجملة ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ﴾ حال من الظّالمين، والواو واو الحال، أي ترى الظالمين في إشفاق في حال أن الذين آمنوا يطمئنون في روضات الجنات، وفي هذه الحال دلالة على أن الذين آمنوا قد استقرّوا في الروضات من قبل عرض الظالمين على الحساب وإشفاقهم من تبعاته.

وهذا من تضاد شأني الفريقين في الآخرة على عكسه بما كانوا عليه في الدّنيا المتقدم في قوله: ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ﴾ [الشورى: 18]، أي فاليوم انقلب إشفاق المؤمنين اطمئناناً واطمئنان المشركين إشفاقاً، وشتّان بين الاطمئنانين والإشفاقين، وبهذه المضادة في الحالتين وأسبابهما صحّ اعتبار كينونة الذين آمنوا في الجنة حالاً من ﴿ الظالمين ﴾ .

والروضات: جمع روضة، وهي اسم لمجموع ماء وشجرٍ حافَ به وخضرةٌ حوله.

وجملة ﴿ لهم ما يشاءون عند ربهم ﴾ خبر ثان عن ﴿ الذين آمنوا ﴾ ، و ﴿ عند ﴾ ظرف متعلق بالكون الذي تعلق به الجَار والمجرور في ﴿ لهم ما يشاءون ﴾ .

والعندية تشريف لمعنى الاختصاص الذي أفادته اللام في قوله: ﴿ لهم ﴾ وعناية بما يُعطَوْنَه من رغبة.

والمعنى: ما يشاؤونه حق لهم محفوظ عند ربهم.

ولا ينبغي جعل ﴿ عند ﴾ متعلقاً بفعل ﴿ يشاءون ﴾ لأن ﴿ عند ﴾ حينئذٍ تكون ظرفاً لمشيئتهم، أي مشيئةٍ منهم متوجهةٍ إلى ربّهم، فتؤول المشيئة إلى معنى الطلب أن يعطيهم ما يطلبون فيفوت قصد التشريف والعناية.

ولك أن تجعل عند ربّهم خبراً ثالثاً عن الذين آمنوا، أي هم عند ربّهم، أي في ضيافته وقِراه، كما قال تعالى: ﴿ إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴾ [القمر: 54، 55]، ويكون ترتيب الأخبار الثلاثة جارياً على نمط الارتقاء من الحَسن إلى الأحسن بأن: أخبر عنهم بأنهم نزلوا في أحسن منزل، ثم أحضر لهم ما يشتهون، ثم ارتقي إلى ما هو أعظم وهو كونهم عند ربهم على حد قوله تعالى: ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ [التوبة: 72].

ومن لطائف هذا الوجه أنه جاء على الترتيب المعهود في الحصول في الخارج فإن الضيف أو الوافد ينزل أول قدومه في منزل إكرام ثم يحضر إليه القرى ثم يخالطه رب المنزل ويقترب منه.

وجملة ﴿ ذلك هو الفضل الكبير ﴾ تذييل.

والإشارةُ إلى مضمون قوله: ﴿ في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ﴾ بتأويل: ذلك المذكورُ.

وجيء باسم إشارة البعيد استعارة لكون المشار إليه بعيد المكانة بُعد ارتفاع مجازي وهو الشرف.

و ﴿ الفضل ﴾ يجوز أن يكون مصدراً بمعنى الشرف والتفوق على الغير فيكون في معنى: فَضْلُهم، ويجوز أن يكون اسماً لما يُتفضل به من عطاء فيكون في معنى: ذلك فضْلُنا عليهم، وفي هذا الأخير دلالة على أن ثواب الأعمال فضل من الله لأن طاعة العباد واجبة عليهم فإذا أدّوها فقد فعلوا ما لا يسعهم إلا فعله فلو لم يثابوا على ذلك لم يكن عدم إثابتهم ظُلماً.

وضمير الفَصْل يفيد قصراً ادعائياً للمبالغة في أعظمية الفضل، و ﴿ الفضل ﴾ يصلح لأن يعتبر كالمضاف إلى المفعول، أي فضل الله عليهم، وأن يعتبر كالمضاف إلى الفاعل فضلهم، أي شرفهم وبركتهم فيؤول معنى القصر إلى أن الفضل الذي حصل للذين آمنوا وعملوا الصالحات أكبر فضل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الآخِرَةِ مَن شاءَ مِن أمْرِ الدُّنْيا، ولا يُعْطِي عَلى نِيَّةِ الدُّنْيا إلّا الدُّنْيا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مَعْناهُ مَن عَمِلَ لِلْآخِرَةِ أعْطاهُ اللَّهُ بِالحَسَنَةِ عَشْرَ أْمَثالِها، ومَن عَمِلَ لِلدُّنْيا لَمْ يَزِدْ عَلى مَن عَمِلَ لَها.

﴿ وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ ﴾ في الجَنَّةِ وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ وشَبَّهَ العامِلَ الطّالِبَ بِالزّارِعِ لِاجْتِماعِهِما في طَلَبِ النَّفْعِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولولا كلمة الفصل ﴾ ، قال: يوم القيامة أخروا إليه، وفي قوله: ﴿ روضات الجنة ﴾ قال: المكان الموفق.

أما قوله تعالى: ﴿ لهم ما يشاؤون ﴾ .

أخرج ابن جرير، عن أبي ظبية رضي الله عنه قال: إن السرب من أهل الجنة لتظلهم السحابة، فتقول ما أمطركم؟

قال: فما يدعو داع من القوم بشيء إلا أمطرتهم، حتى أن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طريق طاوس، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه سئل عن قوله: ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ فقال سعيد بن جبير: رضي الله عنه قربى آل محمد، فقال ابن عباس:- رضي الله عنهما- عجلت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش، إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم، وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن الشعبي رضي الله عنه قال: أكثر الناس علينا في هذه الآية ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ فكتبنا إلى ابن عباس رضي الله عنه نسأله، فكتب ابن عباس- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان واسط النسب لي قريش، ليس بطن من بطونهم، إلا وقد ولدوه، فقال الله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً ﴾ على ما أدعوكم إليه ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ تودوني لقرابتي منكم وتحفظوني بها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ قال: «كان لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- قرابة من جميع قريش، فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه، قال: يا قوم،إذا أبيتم أن تبايعوني فاحفظوا قرابتي فيكم ولا يكون غيركم من العرب أولى بحفظي ونصرتي منكم» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الضحاك، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: نزلت هذه الآية بمكة.

وكان المشركون يؤذون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله تعالى: ﴿ قل ﴾ لهم يا محمد، ﴿ لا أسألكم عليه ﴾ يعني على ما أدعوكم إليه ﴿ أجراً ﴾ عوضاً من الدنيا ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ إلا الحفظ لي في قرابتي فيكم، قال: المودة إنما هي لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- في قرابته، فلما هاجر إلى المدينة أحب أن يلحقه بإخوته من الأنبياء- عليهم السلام- فقال: ﴿ لا أسألكم عليه أجراً ﴾ فهو لكم ﴿ إن أجري إلا على الله ﴾ يعني ثوابه وكرامته في الآخرة، كما قال نوح عليه السلام: ﴿ وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ [ الشعراء: 109] وكما قال هود وصالح وشعيب: لم يستثنوا أجراً، كما استثنى النبي صلى الله عليه وسلم، فرده عليهم.

وهي منسوخة.

وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه من طريق مجاهد رضي الله عنه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية ﴿ قل لا أسألكم ﴾ على ما أتيتكم به من البينات والهدى ﴿ أجراً ﴾ إلا أن تودوا الله، وأن تتقربوا إليه بطاعته.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ قال: أن تتبعوني وتصدقوني وتصلوا رحمي.

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في الآية قال: إن محمداً قال: لقريش: «لا أسألكم من أموالكم شيئاً، ولكن أسألكم أن تودوني لقرابة ما بيني وبينكم فإنكم قومي وأحق من أطاعني وأجابني» .

وأخرج ابن مردويه من طريق ابن المبارك، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ قال: تحفظوني في قرابتي.

وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في الآية- قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في قريش بطن إلا وله فيهم أم، حتى كانت له من هذيل أم، فقال الله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً ﴾ إلا أن تحفظوني في قرابتي، إن كذبتموني فلا تؤذوني.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق مقسم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: «قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا وكأنهم فخروا، فقال ابن عباس- رضي الله عنهما- لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم في مجالسهم، فقال يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله؟

قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أفلا تجيبوني؟

قالوا: ما تقول يا رسول الله؟

قال: ألا تقولون ألم يخرجك قومك فآويناك؟

أو لم يكذبوك فصدقناك؟

أو لم يخذلوك فنصرناك؟

فما زال يقول: حتى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ورسوله، فنزلت ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ » .

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير، قال: قالت الأنصار فيما بينهم: لولا جمعنا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- مالاً يبسط يده لا يحول بينه وبينه أحد، فقالوا: يا رسول الله، إنا أردنا أن نجمع لك من أموالنا، فأنزل الله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ فخرجوا مختلفين، فقالوا: لمن ترون ما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟

فقال بعضهم: إنما قال هذا، لنقاتل عن أهل بيته، وننصرهم.

فأنزل الله: ﴿ أم يقولون افترى على الله كذباً ﴾ إلى قوله: ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ فعرض لهم بالتوبة إلى قوله: ﴿ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ﴾ هم الذين قالوا هذا: أن يتوبوا إلى الله ويستغفرونه.

وأخرج أبو نعيم والديلمي من طريق مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ أن تحفظوني في أهل بيتي وتودّوهم بي» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم؟

قال: علي وفاطمة وولداها» .

وأخرج سعيد بن منصور، عن سعيد بن جبير ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ قال: قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير عن أبي الديلم، قال: لما جيء بعلي بن الحسين رضي الله عنه أسيراً، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، فقال له علي بن الحسين رضي الله عنه أقرأت القرآن؟

قال: نعم.

قال: أقرأت آل حم؟

قال: لا.

قال: أما قرأت ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ قال: فإنكم لأنتم هم؟

قال: نعم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ قال: المودة لآل محمد.

وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي والحاكم، عن المطلب بن ربيعة رضي الله عنه قال: «دخل العباس على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: إنا لنخرج فنرى قريشاً تحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغصب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ودر عرق بين عينيه، ثم قال: والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان، حتى يحبكم لله ولقرابتي» .

وأخرج مسلم والترمذي والنسائي، عن زيد بن أرقم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أذكركم الله في أهل بيتي» .

وأخرج الترمذي وحسنه وابن الأنباري في المصاحف، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما» .

وأخرج الترمذي وحسنه والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي» .

وأخرج البخاري، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: ارقبوا محمداً- صلى الله عليه وسلم- في أهل بيته.

وأخرج ابن عدي، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أبغضنا أهل البيت فهو منافق» .

وأخرج الطبراني، عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبغضنا أحد ولا يحسدنا أحد، إلا ذيد يوم القيامة بسياط من نار» .

وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل، إلا أدخله الله النار» .

وأخرج الطبراني والخطيب من طريق أبي الضحى، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء العباس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: إنك قد تركت فينا ضغائن منذ صنعت الذي صنعت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يبلغوا الخير أو الإِيمان حتى يحبوكم» .

وأخرج الخطيب من طريق أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: «أتى العباس بن عبد المطلب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إنا لنعرف الضغائن في أناس من قومنا؛ من وقائع أوقعناها، فقال: أما والله إنهم لن يبلغوا خيراً حتى يحبوكم، لقرابتي، ترجو سليم شفاعتي، ولا يرجوها بنو عبد المطلب» .

وأخرج ابن النجار في تاريخه، عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل شيء أساس وأساس الإِسلام حب أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وحب أهل بيته» .

وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ قال: ما كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يسألهم على هذا القرآن أجراً، ولكنه أمرهم أن يتقربوا إلى الله؛ بطاعته وحب كتابه.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، عن الحسن رضي الله عنه في الآية، قال: كل من تقرب إلى الله بطاعته وجبت عليه محبته.

وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن في قوله: ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ قال: إلا التقرب إلى الله بالعمل الصالح.

وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة في الآية، قال: كن له عشر أمهات في المشركات، وكان إذا مر بهم أذوه في تنقيصهن وشتمهن، فهو قوله: ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ يقول: لا تؤذوني في قرابتي.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله غفور شكور ﴾ قال: غفور للذنوب شكور للحسنات يضاعفها.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة في قوله: ﴿ فإن يشإ الله يختم على قلبك ﴾ قال: إن يشإ الله أنساك ما قد آتاك، والله تعالى أعلم.

أخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن الزهري في قوله: ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف أن يقتله فيه العطش» .

وأخرج مسلم والترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أفرح بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها» .

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلاً مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه العطش والحر قال: ارجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فرجع، فنام نومة، ثم رفع رأسه، فإذا راحلته عنده عليه زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده» .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه سئل عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوّجها، قال: لا بأس به ثم قرأ ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، عن عتبة بن الوليد، حدثني بعض الرهاويين قال: سمع جبريل عليه السلام، خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وهو يقول: يا كريم العفو، فقال: له جبريل عليه السلام، وتدري ما كريم العفو؟

قال: لا يا جبريل.

قال: «ان يعفو عن السيئة ويكتبها حسنة» .

وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن الأخنس قال: امترينا في قراءة هذا الحرف، ويعلم ما يفعلون أو تفعلون، فأتينا ابن مسعود فقال: تفعلون.

وأخرج عبد بن حميد، عن علقمة رضي الله عنه، أنه قرأ في ﴿ حمعاساقا ﴾ ﴿ ويعلم ما تفعلون ﴾ بالتاء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن سلمة بن سبرة رضي الله عنه قال: خطبنا معاذ رضي الله عنه، فقال: أنتم المؤمنون وأنتم أهل الجنة والله إني لأطمع أن يكون عامة من تنصبون بفارس والروم في الجنة؛ فإن أحدهم يعمل الخير، فيقول أحسنت بارك الله فيك، أحسنت رحمك الله، والله يقول: ﴿ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ﴾ .

وأخرج ابن جرير من طريق قتادة، عن أبي إبراهيم اللخمي في قوله: ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ قال يشفعون في إخوان اخوانهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تَرَى الظالمين ﴾ يعني في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يوحي ﴾ على البناء للمفعول: ابن كثير وعباس ﴿ يكاد ﴾ بالياء التحتانية: نافع وعلي ﴿ تنفطرن ﴾ بالنون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.

﴿ يبشر الله ﴾ مخففاً من البشارة: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي.

الوقوف: ﴿ حم عسق ﴾ كوفي ﴿ من قبلك ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يوحى ﴾ مجهولاً كأنه قيل: من الموحي فقال الله أي هو الله ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لمن في الأرض ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ز والوصل أوجه لأن نفي ما بعده تقرير لإثبات ما قبله ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للفصل بين الاستخبار والأخبار مع دخول الفاء ﴿ الموتى ﴾ ط فصلاً بين المقدور المخصوص وبين القدرة على العموم مع اتفاق الجملتين ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أزواجاً ﴾ الثاني ط لأن ضمير ﴿ فيه ﴾ يحتمل أن يعود إلى الازدواج الذي في مدلول الأزواج أو إلى التدبير وإن لم يسبق ذكره ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال والعامل معنى الفعل في له أو في الملك.

﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط كذلك ما بعده ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فادع ﴾ ج ﴿ كما أمرت ﴾ ج ﴿ أهواءهم ﴾ ج ﴿ كتاب ﴾ ج كل ذلك للترتيل في القراءة وإن اتفقت الجملتان ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بيننا ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ والميزان ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ منها ﴾ ج للعطف أو الحال ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال عطف وهو على جملة قوله ﴿ الله لطيف ﴾ وهما متفقتان ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ في حرثه ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ نصيب ﴾ ه ﴿ به الله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الجنات ﴾ ط لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ في القربى ﴾ ط ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه.

التفسير: الكلام في ﴿ حم ﴾ كما سبق وأما ﴿ عسق ﴾ فقد قيل: إنه مع ﴿ حم ﴾ اسم للسورة.

وقيل: رموز إلى فتن كان عليّ يعرفها.

وقيل: الحاء حكم الله، والميم ملكه، والعين علمه، والسين سناؤه، والقاف قدرته.

وقيل: الحاء حرب علي ومعاوية، والميم ولاية المروانية، والعين ولاية العباسية، والسين ولاية السفيانية، والقاف قدرة المهدي.

وهذه الأقاويل مما لا معول عليها.

وقال أهل التصوف: حاء حبه، وميم محبوبية محمد، وعين عشقه، وقاف قربه إلى سيده.

أقسم أنه يوحي إليه وإلى سائر الأنبياء من قبله أنه محبوبه في الأزل وبتبعيته خلق الكائنات.

والأولى تفويض علمها إلى الله كسائر الفواتح.

وإنما فصل ﴿ حم ﴾ من ﴿ عسق ﴾ حتى عدا آيتين خلاف ﴿ كهيعص  ﴾ لتقدم ﴿ حم ﴾ قبله واستقلالها بنفسها، ولأن جميعها ذكر الكتاب بعدها صريحاً إلا هذه فإنها دلت عليه دلالة التضمن بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب.

روي عن ابن عباس أنه لا نبي صاحب كتاب إلا أوحى الله إليه ﴿ حم عسق ﴾ والله أعلم بصحة هذه الرواية.

والأظهر أن يقال: مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى الأنبياء قبلك.

والمراد المماثلة في أصول الدين كالتوحيد والعدل والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في الآخرة كقوله ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى  ﴾ وفي ورود لفظ ﴿ يوحى ﴾ مستقبلاً لا ماضياً إشارة إلى أن إيحاء مثله عادته.

ثم بين سعة ملكه وأخبر عن غاية جلاله بقوله ﴿ له ما في السموات ﴾ الخ.

ثم أخبر عن فظاعة ما ارتكبه أهل الشرك فقال ﴿ تكاد السموات يتفطرن ﴾ وقد سبق في آخر سورة مريم.

ومعنى ﴿ من فوقهن ﴾ أن الانفطار يبتدىء من أعلى السموات أو ما فوقها من العرش والكرسي إلى أن ينتهي إلى السفلي، وفي الابتداء من جهة الفوق زيادة تفظيع وتهويل.

قال جار الله: كأنه قيل يتفطرن من الجهة التي فوقهن دع الجهة التي تحتهن.

وقيل: معناه من الجهة التي حصلت هذه السموات فيها وفيه ضعف لأنه كقول القائل: السماء فوقنا.

وقيل: الضمير للأرض وقد تقدم ذكرها أي من فوق الأرضين وروى عكرمة عن ابن عباس: يتفطرن من ثقل الرحمن.

فإن صحت الرواية كان في الظاهر دليل المجسمة.

ولأهل السنة أن يتأولوا الثقل بالهيبة والجلال أو يقدروا مضافاً محذوفاً أي من ثقل ملائكة الرحمن كقوله  "أطت السماء أطأ وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد." ثم انتقل من وصف الجسمانيات إلى ذكر الروحانيات، وأنهم بالوجه الذي لهم إلى عالم الأرواح يسبحون بالوجه الذي لهم إلى عالم الأجسام يستغفرون فقال ﴿ والملائكة ﴾ قيل: هو عام.

وقيل: حملة العرش كما مر في أول سورة المؤمن إلا أنه عمم ههنا فقال ﴿ لمن في الأرض ﴾ أي يطلبون أن لا يعاجل الله أهل الأرض بالعذاب طمعاً في توبة الكفار والفساق منهم.

وقيل: هو مخصوص بما مر أي يستغفرون للمؤمنين منهم.

ثم سلى نبيه  بأن المشركين إنما يحاسبهم الله وما عليك إلا البلاغ.

قوله ﴿ وكذلك أوحينا ﴾ قال ابن بحر: هو الكلام الأول أعيد لما اعترض بين الكلامين ما اعترض.

وقال جار الله: الكاف مفعول به لأوحينا، ﴿ وذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله من أن الله هو عليهم الرقيب وما أنت عليهم برقيب.

وقد كرر الله هذا المعنى في كتابه في مواضع.

﴿ وقرآناً عربياً ﴾ حال.

والمعنى مثل ذلك المذكور أوحينا إليك وهو قرآن عربي بين لا لبس فيه ليفهم معناه ولا يتجاوز حد الإنذار.

ويجوز أن يكون ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الإيحاء أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك وأوحينا إليك، فيجوز أن تكون المماثلة بالحروف المفردة وأن تكون بأصول الدين كما مر.

قال أهل اللغة: يقال أنذرته كذا وبكذا.

فمن الاستعمال الثاني قوله ﴿ لتنذر أم القرى ﴾ أي أهل مكة على حذف المضاف، والمفعول الثاني وهو القرآن محذوف.

ومن الاستعمال الأول قوله ﴿ وتنذر يوم الجمع ﴾ والمفعول الأول محذوف وتنذر الناس يوماً تجمع فيه الخلائق أو يجمع فيه بين الأرواح والأجساد أو بين كل عامل وعمله.

قلت: ومن الجائز أن يكون الكل من الاستعمال الأول ولا حذف إلا ان قوله ﴿ وتنذر ﴾ يكون مكرراً للمبالغة والتقدير الأصلي: لتنذر أم القرى يوم الجمع.

وقد مر في القصص في قوله ﴿ حتى يبعث في أمها  ﴾ أن مكة لم سميت أم القرى.

وقوله ﴿ ومن حولها ﴾ يحتمل عموم أطراف الأرض لأن مكة في وسطها، ويحتمل أن يكون المراد به سائر جزيرة العرب ويدخل باقي الأمم بالتبعية أو بنص آخر كقوله ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس  ﴾ وقوله ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض لا محل له أو صفة للجمع بناء على أن التعريف الجنسي قريب من النكرة.

وقوله ﴿ فريق ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي منهم فريق كذا ومنهم فريق كذا، أي هذا مآل حالهم بعد الحشر والاجتماع.

ثم بين بقوله ﴿ ولو شاء الله ﴾ الخ.

أن السعادة والشقاوة والهداية والضلالة متعلق بمشيئته وإرادته.

وهذا على مذهب أهل السنة ظاهر، وتأوله المعتزلة بمشيئة القسر والإلجاء، وقد مر نظائره مراراً.

والظاهر أن المراد بكونهم أمة واحدة أن يكونوا مسلمين كلهم.

وقيل: أن يكونوا أهل ضلالة قياساً على قوله ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة  ﴾ ثم أنكر على أهل الشرك بأم المنقطعة قائلاً ﴿ أم اتخذوا من دونه أولياء ﴾ إن أرادوا أولياء بحق ﴿ فالله هو الولي ﴾ الذي يجب أن يعتقد أنه المولى والسيد لا ولي سواه ومن شأنه أنه ﴿ يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾ وهو الحقيق بأن يتخذ ولياً.

وحين منع الرسول  من التحزن على من كفر أراد أن يمنع المؤمنين من الاختلاف والتنازع فقال ﴿ وما اختلفتم ﴾ والتقدير: قل يا محمد كذا بدليل قوله ﴿ ذلكم الله ربي ﴾ الآية.

والمراد أن الذي اختلفتم أنتم والكفرة فيه من أمور الدين فحكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله وهو إثابة المحقين ومعاقبة المبطلين.

وقيل: وما اختلفتم فيه فتحاكموا إلى رسول الله  كقوله ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول  ﴾ وقيل: وما اختلفتم فيه من الآيات المتشابهات فارجعوا في بيانه إلى المحكمات أو إلى الظاهر من السنة.

وقيل: ما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بالتكاليف فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح وغيره.

قال في الكشاف: ولا يندرج فيه اختلاف المجتهدين لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول  .

قلت: إن لم يجز بحضرته فإنه جائز بعده.

وقوله ﴿ وما اختلفتم ﴾ شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة مثل ﴿ يا أيها الناس ﴾ ومثل ﴿ أقيموا الصلاة ﴾ والأظهر أن اختلافهم يدخل فيه، وأن المراد بحكمه تعريفه من بيان الله سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس أو بالاجتهاد.

فإن قيل: المقصود من التحاكم قطع الاختلاف ولا قطع مع القياس ولا مع الاجتهاد.

قلنا: إذا كان القياس مأموراً به وكذا الاجتهاد بل يكون كل مجتهد مصيباً، كانت المخالفة في حكم الموافقة ولهذا قال "اختلاف أمتي رحمة" ثم وصف نفسه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال تأكيداً لصحة أحكامه فقال ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ وهو أحد أخبار ذلكم أو خبر مبتدأ محذوف.

ومعنى ﴿ ومن الأنعام أزواجاً ﴾ أنه خلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ يكثركم في هذا التدبير وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجاً حتى حصل بين الذكور والإناث التوالد والتناسل.

والضمير في ﴿ يذرؤكم ﴾ راجع إلى المخاطبين وإلى الأنعام وهو من الأحكام ذوات العلتين، وذلك أن فيه تغليبين تغليب المخاطبين على الغائبين وهم من سيوجد إلى يوم القيامة، وتغليب العقلاء على غيرهم.

وعلة الأول الخطاب، وعلة الثاني العقل.

وإنما قال ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ ولم يقل به لأنه جعل التدبير منبعاً ومعدناً للتكثير كقوله ﴿ ولكم في القصاص حياة  ﴾ ولأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض ومعنى ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ نفي المثلية عنه بطريق الالتزام وذلك أنه لو كان له مثل والله  شيء لكان مثل مثله شيء وهو خلاف نص المخبر الصادق وهذا المحال إنما لزم من فرض وجود المثل له فوجود المثل محال وهو المطلوب، ولعل هذا التقرير مختص بنا.

قال في الكشاف: إنه من باب الكناية كقولهم: مثلك لا يبخل.

يعنون أنت لا تبخل.

وكذا ههنا يريد ليس كالله شيء.

وجوز أن يكون تكرير حرف التشبيه للتأكيد.

وقد يستدل بالآية على نفي الجسمية ولوازمها عنه  لأن الأجسام متماثلة في حقيقة الجسمانية.

قوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ أي له مفاتيح خزائنها وقد مر في الزمر والباقي واضح وقد سبق أيضاً.

وحين عظم وحيه إلى محمد  بقوله ﴿ كذلك يوحى إليك ﴾ إلى آخره ذكر تفصيل ذلك فقال ﴿ شرع لكم ﴾ أي أوجب وبين لأجلكم ﴿ من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ وهو أقدم الأديان بعد الطوفان ﴿ والذي أوحينا إليك ﴾ وهو ختمها ﴿ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ وهي الملل المعتبرة المتوسطة.

ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأكابر من رسله فيه بقوله ﴿ أن أقيموا الدين ﴾ الحنيفي ومحله نصب بدلاً من مفعول ﴿ شرع ﴾ أو رفع على الاستئناف كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟

فقيل: هو إقامة الدين.

يعني إقامة أصوله من التوحيد والنبوة والمعاد ونحو ذلك دون الفروع التي تختلف بحسب الأوقات لقوله { ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً  ﴾ وفي بناء الكلام على الغيبة ثم الالتفات إلى التكلم في ﴿ أوحينا ﴾ والخطاب في ﴿ إليك ﴾ تفخيم شأن الرسول  .

ثم حكى حسد أهل الشرك بقوله ﴿ كبر على المشركين ﴾ أي شق وعظم عليهم ما تدعوهم إليه من الدين المبرأ من عبادة غير الله.

ثم أجاب عن شبهتهم بأن الاجتباء والاصطفاء يتعلق بمشيئة الله لا بتمني كل واحد ولا بكثرة المال والجاه.

يقال: اجتباه إليه أي اصطفاه لنفسه، والتركيب يدل على الجمع والضم، ويحتمل أن يراد يجتبي إلى الدين.

ثم أخبر عن وقت تفرق كلمة أهل الكتاب وعن سبب ذلك فقال ﴿ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ ببعث محمد  وصحة نبوته كقوله في آل عمران ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم  ﴾ وقيل: وما تفرق الأمم الذين تقدم ذكرهم إلا بعد العلم بصحة ما أمروا به.

قال أهل البرهان: لما ذكر مبدأ كفرهم وهو قوله ﴿ إلا من بعدما جاءهم العلم ﴾ حسن ذكر نهاية إمهالهم وهو قوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ ليكون محدوداً من الطرفين.

وإنما ترك ذكر النهاية في السورة المتقدمة لعدم ذكر البداية ﴿ وإن الذين أورثوا الكتاب ﴾ هم العرب ورثوا القرآن من بعدما أورث أهل الكتابين كتابهم أو هم أهل الكتاب المعاصرون لرسول الله  وقيل: جاءهم أسباب العلم فلم ينظروا فيها لأنه حكم عليهم في آخر الآية بأنهم في شك من كتابهم وهو مع العلم غير مجتمعين ﴿ فلذلك ﴾ أي فلأجل تشعب الملل وتفرق الكلم ﴿ فادع ﴾ إلى الملة الحنيفية.

وقيل: اللام بمعنى "إلى" والإشارة إلى القرآن ﴿ وأستقم ﴾ عليها كما أمرت ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ المختلفة ﴿ وقل آمنت بما أنزل الله من ﴾ أي ﴿ كتاب ﴾ كان ﴿ وأمرت لأعدل بينكم ﴾ أي في التبليغ أو إذا تحاكمتم إليّ حتى لا أفرق بين نفسي ونفس غيري.

ثم أشار إلى ما هو أصل في الدين فقال ﴿ الله ربنا وربكم لنا ﴾ جزاء ﴿ أعمالنا ولكم ﴾ جزاء ﴿ أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ﴾ وليس المراد منه تحريم المحاجة فإنه لولا الأدلة لما توجه التكليف بل المراد أنهم بعد أن وقفوا على الحجج الباهرة والدلائل الظاهرة على حقية دين الإسلام لم يبق معهم حجة لسانية وإنما بقي السيف.

وقيل: إنه منسوخ بآية القتال وقوله ﴿ الله يجمع بيننا ﴾ إشارة إلى المهاجرة التي اقتضاها إصرارهم على الباطل وتفويض للأمر إلى المجازي المنتقم.

ثم أخبر عن وعيد المخاصمين في أمر دين الله ﴿ من بعدما استجيب له ﴾ أي من بعدما استجاب له الناس وقبلوا دينه، أو بعدما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر ﴿ حجتهم داحضة ﴾ أي باطلة زائلة ﴿ عند ربهم ﴾ وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فأنتم أولى باتباعنا.

وأيضاً أنتم تقولون الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، ونبوة موسى وحقية التوراة متفق عليها ونبوة محمد  مختلف فيها.

والجواب أن نبوّة موسى إنما صحت بالمعجزة فإن كانت المعجزة في حقه مصححة للنبوة ففي حق محمد  كذلك وإلا فأنتم القادحون في نبوة نبيكم أيضاً.

ثم حث على سلوك طريقة العدل حذراً من عقاب يوم القيامة فقال ﴿ الله الذي أنزل الكتاب ﴾ أي جنسه متلبساً بالغرض الصحيح ﴿ والميزان ﴾ أي أنزل العدل والسوية في كتبه أو ألهم اتخاذ الميزان.

وقيل: هو العقل.

وقيل: الميزان نفسه وذلك في زمن نوح.

وقيل: هو محمد  يقضي بينهم بالكتاب ﴿ وما يدريك ﴾ يا محمد أو أيها المكلف ﴿ لعل الساعة ﴾ أي مجيئها ﴿ قريب ﴾ أو ذكر بتأويل البعث أو الحشر ونحوه، أو أراد شيء قريب.

ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في أداء ما عليه من التكاليف.

ولا يتأنى في سلوك سبيل الإنصاف مع الخالق والخلق فإنه لا يعلم أن القيامة متى تفاجئه.

ثم قبح طريقة منكري الساعة فقال ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ يقولون على سبيل السخرية: متى تقوم الساعة؟

وليتها قامت حتى تظهر لنا جلية الحال.

ثم مدح المقربين بأنهم يخافون القيامة هيبة من الله وإجلالاً له أو حذراً من تقصير وخلل وقع في العمل إلا أن خوفهم يجب أن يكون ممتزجاً بالرجاء، وقد مر تحقيقه مراراً.

ثم هدد الشاكين المجادلين في أمر البعث بقوله ﴿ ألا إن الذين يمارون ﴾ وأصله من المرية الشك ﴿ لفي ضلال بعيد ﴾ عن الصواب لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب على فضله أو في حكمه، ولأن في إنكاره نسبة الله  إلى ضد العلم والقدرة.

ثم إنه لا ريب في أن إنزال الكتاب والميزان لطف من الله على خلقه فلذلك قال ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ عمم البر ثم خصص بقوله ﴿ يرزق من يشاء ﴾ يعني الزائد على مقدار الضرورة، فلكم من إنسان فاق أقرانه في المال أو الجاه أو الأولاد أو في العلم أو في سائر أسباب المزية إلا أن أحداً منهم لا يخلو من بره الذي يتعيش به كقوله ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ﴾ وقيل: معنى لطيف يرزقهم من حيث لا يعلمون، أو يلطف بهم فلا يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا.

وقد مر معناه في الأنعام بوجه آخر في قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير  ﴾ وأما قوله ﴿ القوي العزيز ﴾ ففيه إشارة إلى أن لطفه مقرون بقهره.

وحين ذكر أنه يرزق من يشاء الزائد على مقدار كفايته وكان فيه كسر قلوب أرباب الضنك والضيق جبر كسرهم بقوله ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ﴾ سماه حرثاً تشبيهاً للعامل الطالب لثواب الآخرة أضعافاً مضاعفة بالزارع الذي يلقي البذر في الأرض طلباً للزيادة والنماء، ومن فضائل حرث الآخرة أن طالبها قد يحصل له الدنيا بالتبعية ويرى ثواب عمله أضعافاً مضاعفة، وطالب الدنيا لا تحصل له المطالب بأسرها ولهذا قال ﴿ نؤته منها ﴾ أي بعض ذلك ﴿ وما له في الآخرة من نصيب ﴾ قط وفي زيادة لفظ الحرث فائدة أخرى وهي أن يعلم أن شيئاً من القسمين لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق.

عن النبي  "من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه همه وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة" هذا لفظه أو لفظ هذا معناه.

وعن قتادة إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا.

وفي ظاهر اللفظ دلالة على أن من صلى لطلب الثواب أو لدفع العقاب فإنه تصح صلاته لأنه صلى لأجل ما يتعلق بالآخرة.

قال بعض أصحاب الشافعي: إذا توضأ بغير نية لم يصح لأن هذا الإنسان غفل عن الآخرة وعن ذكر الله، والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة فلا يحصل بالوضوء العاري عن النية، وحيث بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الدارين نبه على أحوال الضلال بقوله ﴿ أم لهم شركاء ﴾ وهي المنقطعة عند بعضهم.

وقال آخرون: هي المعادلة لألف الاستفهام تقديره أفيقبلون ما شرع الله لهم من الدين أم لهم آلهة.

﴿ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ﴾ أي لم يأمرهم به أو لم يعلمه كقوله ﴿ أتنبؤن الله بما لا يعلم  ﴾ والأذن بالفتح العلم بالمسموعات وتحقيقه شرعوا ما ليس بشريعة إذ لو كان شريعة لعلمها الله ﴿ ولولا كلمة الفصل ﴾ أي القضاء السابق بتأخير الجزاء ﴿ لقضي بينهم ﴾ والضمير للمؤمنين والكافرين أو المشركين والشركاء ﴿ ترى الظالمين ﴾ في القيامة ﴿ مشفقين ﴾ خائفين ﴿ مما كسبوا ﴾ من الجرائم ﴿ وهو ﴾ أي وبال ذلك ﴿ واقع بهم ﴾ واصل إليهم لا محالة ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ﴾ أي منتزهاتها.

قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن غيرها من الأماكن في الجنة لغير المذكورين وغيرهم ليس إلا بالذي آمن ولم يعمل صالحاً وهو الفاسق.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون إضافة الروضات إلى الجنات من إضافة العام إلى الخاص فيكون الجنات كلها روضات.

ولكن الروضات قد لا تكون في الجنة لثبوتها في الدنيا.

والفضل الكبير قد تقدم في "فاطر".

﴿ ذلك ﴾ المذكور أو الثواب أو التبشير هو ﴿ الذي يبشر الله ﴾ به ﴿ عباده ﴾ ثم حذف الجار، ثم الراجع إلى الموصول، ثم أمر رسوله بأن يقول ﴿ لا أسألكم عليه ﴾ على هذا التبليغ ﴿ أجراً إلا المودة ﴾ الكائنة ﴿ في القربى ﴾ جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها ولهذا لم يقل "مودة القربى" أو "المودة للقربى" وهي مصدر بمعنى القرابة أي في أهل القربى وفي حقهم.

فإن قيل: استثناء المودة من الأجر دليل على أنه طلب الأجر على تبليغ الوحي وذلك غير جائز كما جاء في قصص سائر الأنبياء ولا سيما في "الشعراء".

وقد جاء في حق نبينا  أيضاً ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم  ﴾ ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين  ﴾ والمعقول منه أن التبليغ واجب عليه وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بالمروءة.

وأيضاً أنه يوجب التهمة ونقصان الحشمة.

قلنا: إن من جعل الآية منسوخة باللتين لا استثناء فيهما فلا إشكال عليه، وأما الآخرون فمنهم من قال: الاستثناء متصل ولكنه من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب والمعنى لا أطلب منكم أجراً، إلا هذا وهو في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب ولا سيما في حق الأقارب كما قال عز من قائل ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل  ﴾ ومنهم من قال: الاستثناء منقطع أي لا أسألكم عليه أجراً ألبتة، ولكن أذكركم المودة في القربى، وفي تفسير ﴿ المودة في القربى ﴾ أربعة أقوال: الأول قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فأجاب بأن رسول الله  كان واسطة النسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد كان بينهم وبينه قرابة فقال الله: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا أن تودوني لقرابتي منكم يعني أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذونني ولا تهيجوا عليّ.

القول الثاني: روى الكعبي عن ابن عباس أن النبي  كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا.

ثم أتوه فرده عليهم ونزلت الآية بحثهم على مودة أقاربهم وصلة أرحامهم.

القول الثالث: عن الحسن: إلا أن توددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح.

الرابع: عن سعيد بن جبير: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم لقرابتك؟

فقال: علي وفاطمة وابناهما.

ولا ريب أن هذا فخر عظيم وشرف تام، ويؤيده ما روي أن علياً  شكا إلى رسول الله  حسد الناس فيه فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف أزواجنا وعنه  "حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة" " وكان يقول "فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" وثبت بالنقل المتواتر أنه كان يحب علياً والحسن والحسين، وإذا كان ذلك وجب علينا محبتهم لقوله ﴿ فاتبعوه  ﴾ وكفى شرفاً لآل رسول الله  وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كل صلاة.

قال بعض المذكرين: إن النبي  قال "مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق" وعنه  "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فنحن نركب سفينة حب آل محمد  ونضع أبصارنا على الكواكب النيرة أعني آثار الصحابة لنتخلص من بحر التكليف وظلمة الجهالة ومن أمواج الشبه والضلالة.

ثم أكد إيصال الثواب على المودة بقوله ﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ أي يكتسب طاعة، قال بعض أهل اللغة: الاقتراف مستعمل في الشر فاستعاره ههنا للخير.

عن السدي أنها المودة في آل رسول الله  نزلت في أبي بكر الصديق ومودته فيهم، والظاهر العموم في كل حسنة ولا شك أن هذه مرادة قصداً أولياً لذكرها عقيبها.

ومعنى زيادة حسنها تضعيف ثوابها ﴿ إن الله غفور ﴾ لمن أذنب ﴿ شكور ﴾ لمن أطاع الله والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : الذي لله عليهم، أو ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ الذي لبعضهم على بعض، و ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ : بالعدل فيما بينهم؛ أي: بالعدل فيما بينهم، أعني: الخلق.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالصدق بما فيه من الأنباء والأخبار ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ أي: بالعدل في الأحكام؛ جعل الميزان كناية عن العدل؛ أي: هو طريق العدل وسببه، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ  ﴾ وقوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً  ﴾ ، أي: صدقا فيما فيه من النبأ والخبر، وعدلا في الحكم فيما بينهم، والله أعلم.

ثم قوله -  - ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ يحتمل أن يكون على الكتاب، وهو الظاهر، والمراد منه العدل؛ فيصير تقدير الآية - والله أعلم -: الله الذي أنزل الكتاب بالحق، وأنزل العدل فيما بين الخلق، أو أنزل العدل في الأحكام.

ويحتمل أن يكون عطفاً على الحق؛ فيصير تقديره: أنزل الكتاب بالحق وبالعدل في الأحكام فيما بينهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً  ﴾ ، لم يطلع الله - جل وعلا - أحداً [على] العلم بوقت الساعة؛ على ما ذكرنا في غير موضع.

وقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا ﴾ : كان استعجالهم بها استهزاء منهم وتكذيباً لها أنها كائنة؛ لأن رسول الله  كان يوعدهم بها، ويخبر أنها كائنة، فكانوا يستعجلون استعجال تكذيب لها.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ ﴾ ؛ لأن لأهل الإيمان والتوحيد زلات ومساوئ لم يتبين لهم التجاوز عنها والعفو منها؛ فيكونوا أبداً خائفين مشفقين لتلك الزلات والمساوئ وما يكون فيها من الأهوال والأفزاع، فأمّا أهل الكفر فهم لا يؤمنون بها، ولا يصدقون أنها كائنة؛ فلا يخافونها وما فيها من الأهوال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ : قوله: ﴿ يُمَارُونَ ﴾ يحتمل يجادلون ويخاصمون فيها أنها ليست بكائنة.

ويحتمل: ﴿ يُمَارُونَ ﴾ من المرية، وهو الريب والشك؛ أي: يشكون فيها.

ودل قوله: ﴿ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ : أنهم لا يؤمنون أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ﴾ : من الناس من قال: إن الآية وإن جاءت مجيئاً عامّاً فهي خاصة للمؤمنين، هو لطيف؛ أي: بار للمؤمنين بها.

ومنهم من يقول: إن الآية للفريقين جميعاً: للكافر والمؤمن، بار بهما، لطيف بهما بما يرزقهم جميعاً: الكافر والمؤمن، فأما في الآخرة فهو رحيم بار بالمؤمنين خاصة.

ويحتمل أن يكون رحيماً بارّاً بالفريقين، أما في حق المؤمنين لا شك أنه بار رحيم بهم، وأما الكفرة: بار في حقهم، حيث أخر عنهم العذاب في الدنيا.

ثم في حق المحنة يجوز أن يوصف بالرحمة في الفريقين جميعاً على ما ذكرنا.

فإن قيل: إنه وصف بالحلم والرحمة، وقد أخبر أنه يعذبهم في الآخرة.

قيل: إنه وإن عذبهم فإن ذلك لا يخرجه عن الحلم والرحمة؛ لأنه لو ترك تعذيبهم يكون سفيهاً؛ لأنهم قد استحقوا بالكفر التعذيب أبداً، وليس في التعذيب خروج عن الرحمة والحلم؛ بل في ترك التعذيب سفه وخروج عن الحكمة؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ﴾ قد ذكرنا في قوله -  -: ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ  ﴾ تأويله ومعناه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أنه لا يقوى بشيء مما أمرهم به وامتحنهم، ولا يعز بذلك؛ لأنه قوي بذاته، عزيز بنفسه.

والثاني: ﴿ ٱلْقَوِيُّ ﴾ في الانتقام والانتصار من أعدائه لأوليائه، ﴿ ٱلْعَزِيزُ ﴾ : الذي لا يعجزه شيء، ولا يلحقه الذل في ترك الطاعة له والائتمار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ : جعل الله -  - الدنيا مزارع لأهلها ما زرعوا فيها حصدوا ذلك في الآخرة، إن زرعوا خيراً حسناً حصدوا خيراً ونعيماً في الآخرة، وإن زرعوا شرّاً وسوءاً، حصدوا في الآخرة شرّاً وعذاباً دائماً.

وكذلك صيّرها متجراً يتجّرون فيها، فإن اتجروا خيراً وحسناً ربحوا في الآخرة، وإن اتجروا شرّاً وسوءاً خسروا في الآخرة.

وكذلك صيرها مسلكاً إلى الآخرة، والآخرة غاية لها، فإن سلكوا سبيل الخير وما أمروا به أفضى بهم ذلك إلى الخير والنعيم الدائم والسرور، وإن سلكوا سبيل الشر وما نهوا عنه أفضى بهم إلى العذاب الدائم والحزن الدائم.

وما ذكر في غير آي من القرآن من قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ...

﴾ الآية [التوبة: 111]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [البقرة: 207]، وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ...

﴾ الآية [البقرة: 16-175]، وقوله: ﴿ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ...

﴾ الآية [الإسراء: 18]، ونحو ذلك كثير؛ على هذا بنى أمر الدنيا والآخرة، والله أعلم.

ثم قوله -  -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: من كان يريد حرث الآخرة، نزد له في حرثه، أي: من كان يريد بمحاسنه في الدنيا وخيراته ثواب الآخرة وخيراتها نزد له في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا هو التوفيق على الطاعات، والزيادة له والنماء، وأما في الآخرة فالنعيم الدائم والسرور الدائم.

والثاني: أي: من كان عَمِل للآخرة وسعي لها نزد له ما ذكر من المحاسن، وتكون الإرادة هاهنا صفة لكل فاعل، كقوله: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ  ﴾ وهي لا تكون بدون الفعل، فكان ذكرها ذكراً للفعل ضرورة؛ فكان المراد منها الإرادة مع الفعل، فكذلك يخرج قوله: ﴿ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ على وجهين: أحدهما: من كان يريد محاسن الدنيا وسعتها، نؤته منها، ونوسع عليه.

والثاني: ﴿ وَمَن كَانَ يُرِيدُ ﴾ أي: من عمل للدنيا وسعى لها، نؤته منها وما عمل لها وما له في الآخرة من نصيب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ قال بعض أهل التأويل: أم لهم آلهة دوني ﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ ﴾ أي: سنوا لهم ﴿ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ ، يعني بالشركاء: الأصنام التي عبدوها، لكن علموا أن الأصنام لم يشرعوا لهم من الدين شيئاً، إلا أن يقال بأنه أضاف ذلك إلى الأصنام؛ لما هم شرعوا لأنفسهم عبادتها فأضيف إليها لذلك، وهو كقوله -  -: ﴿ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ وأنهن لم يضللن أحداً، لكنه أضاف إليهن الإضلال؛ لما بهن ضلوا، فأضاف إليهن على التسبب؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ذلك.

ويشبه أن يكون غيره أولى بذلك، وهو أن القادة والرؤساء هم الذين سنوا للأتباع و ﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ ؛ أي: ما لم يأمر به الله، وهم كذلك كانوا يفعلون، يشرعون للأتباع دينا من ذات أنفسهم بلا حجة ولا برهان، فيتبعون به، والرسل - عليهم السلام - قد أتوهم بالدين بالحجج والبراهين من الله -  - فلم يتبعوهم، فيقولون: إنهم بشر، ثم يتبعون بشراً بلا حجة ولا برهان؛ يذكر سفههم فيما ذكر، فكأن المراد من الشركاء هم الرؤساء والقادة، والله أعلم.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ ﴾ أي: عمل الآخرة، يقال: فلان يحرث للدنيا؛ أي: يعمل لها، ويجمع المال، ومنه قول ابن عمر -  -: "احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"، ومنه سمّى الرجل: حارثاً.

﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ ﴾ أي: ابتدعوا وسنوا، وكذلك في قوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم  ﴾ أي: ابتدع وسن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: الحكم؛ كأنه يقول: لولا أن الله -  - حكم في هذه الآية بتأخير العذاب إلى يوم القيامة، وهو ما ذكر أنه بعث رسوله  رحمة لهم بقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ .

والثاني: ﴿ ٱلْفَصْلِ ﴾ : البيان تأويله: لولا ما وعد في الدنيا أنه يفصل بينهم في الآخرة فيما ذكر: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ونحوه، وقيل: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ ﴾ أي: القضاء السابق: أن الجزاء يوم القيامة - لقضي بينهم في الدين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ ذكر إشفاق الكفرة والظلمة وخوفهم في الآخرة، وإشفاق المؤمنين وخوفهم في الدنيا، فمن خاف عقوبته في الدنيا آمنه الله -  - عن خوف الآخرة، ومن استهزأ بعذاب الله في الدنيا خوفه الله في الآخرة، وعلى ذلك يخرج قوله -  -: "لا يجمع الله على أحد خوفين: خوف الدنيا وخوف الآخرة: من خافه في الدنيا أمن في الآخرة، ومن لم يخف في الدنيا خاف في الآخرة" ثم أخبر ما للمؤمنين في الآخرة، وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ  ﴾ ذكر ما لكل فريق بما كسبوا في الدنيا والآخرة.

قال القتبي وأبو عوسجة: الروضة: البستان.

وقال الكسائي: الروضة: العشب حول القَرِيِّ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ﴾ أخبر أن ما يعطى لهم من الآخرة والفضل منه، لا أنهم يستوجبون ذلك، وسماه: كبيراً؛ لأنه دائم لا ينقطع أبداً.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ : قوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ ﴾ أي: الذي ذكر من الفضل الكبير، ووعد أنه يعطيهم، يبشر الله -  - به من ذكر: ﴿ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ قال بعض أهل التأويل: "قالت الأنصار: إنا فعلنا، وفعلنا كذا؛ فكأنهم افتخروا، وقالوا: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك النبي  فأتاهم فقال: يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله  ؟

قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ألم تكونوا فقراء فأغناكم الله  ؟

قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أفلا تجيبونني؟

قالوا: ما نقول يا رسول الله؟

قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟

أولم يكذبوك فصدقناك؟

أولم يخذلوك فنصرناك؟

قال: فما زال يقول حتى جثوا للركب بين يديه، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لرسول الله، والفضل لرسوله؛ فنزل قوله -  -: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ " لكن ذكر في الخبر ما لا يليق ذلك بالأنصار أن يظنوا ذلك برسول الله، وكذلك ما ذكر من فخرهم وقولهم: "لنا الفضل عليكم" هذا لا يحتمل منهم؛ فدل أن الحديث غير صحيح، أو الزيادة التي لا تحتمل، والله أعلم.

وفي بعض الأخبار: أن الأنصار -  م - قالوا: إن رسول الله  تنوبه النوائب من القرابة وغيرهم، فتعالوا حتى نجمع له شيئاً من أموالنا، فيستعين على من ينوبه من الحقوق، ففعلوا، ثم أتوا به، فقالوا: إنك قد تنوبك نوائب وحقوق، وليس عندك لها سعة، فأتيناك بشيء تستعين به على ما ينوبك من النفقة في أهلك والنازلين بك، فنزل قوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ \[وهو يخرج\] على وجوه: أحدها: يقول: لا أسألكم على ما أبلغكم من الرسالة، وأدعوكم إلى الإيمان بالله -  - وبي أجرا إلا صلة أرحامكم وقرابتكم؛ أي: لا أسألكم على تبليغ الرسالة إليكم و[ما] أدعوكم إليه أجراً، إلا أن تصلوا قراباتكم وأرحامكم؛ فتدل الآية على وجوب صلة الأرحام.

ويحتمل أن يكون ذكر هذا ردّاً لقول أولئك الكفرة؛ حيث قالوا: إن محمداً جاء يقطع الأرحام ويفرق القرابات، حتى فرق بين [من] أجابه إلى ما دعاه إليه وبين من لم يجبه، من الوالد والولد، والزوج والزوجة، ونحو ذلك؛ فقال عند ذلك: لا أسألكم عليه أجراً، ولا أدعوكم إلى قطع الأرحام والقرابات؛ بل ما أطلب منكم إلا صلة الأرحام بما دعوتكم إليه.

ويحتمل أن يقول: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً، ولا أقبله منكم إن أعطيتموني، إلا أن تصلوني بحق القرابة والرحم التي بيني وبينكم فأقبله منكم، وقد كان بينه وبينهم قرابات ورحم.

ويحتمل ما قال الحسن فقال: والله ما كان نبي الله -  - يسأل عن هذا القرآن أجراً، ولكنه أمر أن يتقربوا إلى الله  بطاعته وحبّ كتابه، فكان معنى الآية: ﴿ إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ ، أي: إلا التقرب إلى الله -  - والتودد بالعمل الصالح.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ إلا أن تودوني لأجل قرابتي كما تودون لقرابتكم وتواصلون بها، ليس هذا الذي جئت به يقطع ذلك عنّي، ولست أبتغي على الذي جئت به أجراً آخذه منكم على ذلك.

وقال قتادة: إن الله -  - أمر محمداً  ألا يسأل على هذا القرآن والتبليغ أجراً: ﴿ إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ إلا أن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة، وكل بطون قريش بينه وبينهم قرابة.

وقال بعضهم: إلا أن تودّوا قرابتي.

وقال بعضهم: قال رسول الله  : "إن لم تتبعوني إلى ما أدعوكم إليه وآمركم به فاحفظوني في قرابتي" وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ﴾ هو كقوله -  -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ ، والله أعلم.

قال أبو عوسجة: الاقتراف: الاكتساب، والمقارفة: المعاشرة، وقرف فلان فهو مقروف؛ أي: اتهم بشيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ، قوله: ﴿ غَفُورٌ ﴾ أي: يغفر لهم وإن لم يحققوا التوبة والرجوع سرّاً وعلانية، ولم يستوجبوا الغفران والعفو.

وقوله: ﴿ شَكُورٌ ﴾ أي: يشكر ويقبل منهم الشكر وإن لم يحققوا له الشكر، ولم يستحقوا قبوله، فضلا منه ونعمة، والله أعلم.

وقال أهل التأويل: ﴿ غَفُورٌ ﴾ للذنوب، ﴿ شَكُورٌ ﴾ للحسنات يضاعفها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ترى -أيها الرسول- الظالمين أنفسهم بالشرك والمعاصي خائفين من العقاب بما كسبوا من الإثم، والعقاب واقع بهم لا محالة، فلا ينفعهم الخوف المجرد عن توبة، والذين آمنوا بالله وبرسله وعملوا الأعمال الصالحات على النقيض منهم؛ فهم في بساتين الجنات يتنعمون، لهم ما يشاؤون عند ربهم من أنواع النعيم الذي لا ينقطع أبدًا، ذلك هو الفضل الكبير الذي لا يدانيه فضل.

من فوائد الآيات خوف المؤمن من أهوال يوم القيامة يعين على الاستعداد لها.

لطف الله بعباده حيث يوسع الرزق على من يكون خيرًا له، ويضيِّق على من يكون التضييق خيرًا له.

خطر إيثار الدنيا على الآخرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.baAeG"

مزيد من التفاسير لسورة الشورى

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله