الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ٢٣ من سورة الشورى
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 170 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٣ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى لما ذكر روضات الجنة ، لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات : ( ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أي : هذا حاصل لهم كائن لا محالة ، ببشارة الله لهم به .
وقوله : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) أي : قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش : لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم ما لا تعطونيه ، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني وتذروني أبلغ رسالات ربي ، إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة .
قال البخاري : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عبد الملك بن ميسرة قال : سمعت طاوسا عن ابن عباس : أنه سئل عن قوله تعالى : ( إلا المودة في القربى ) فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد .
فقال ابن عباس : عجلت إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة ، فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة .
انفرد به البخاري .
ورواه الإمام أحمد ، عن يحيى القطان ، عن شعبة به .
وهكذا روى عامر الشعبي ، والضحاك ، وعلي بن أبي طلحة ، والعوفي ، ويوسف بن مهران وغير واحد ، عن ابن عباس ، مثله .
وبه قال مجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، والسدي ، وأبو مالك ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيرهم .
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا هاشم بن يزيد الطبراني وجعفر القلانسي قالا حدثنا آدم بن أبي إياس ، حدثنا شريك ، عن خصيف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم ، وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم " .
وروى الإمام أحمد ، عن حسن بن موسى : حدثنا قزعة يعني ابن سويد - وابن أبي حاتم - عن أبيه ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن قزعة بن سويد - عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجرا ، إلا أن توادوا الله ، وأن تقربوا إليه بطاعته " .
وهكذا روى قتادة عن الحسن البصري ، مثله .
وهذا كأنه تفسير بقول ثان ، كأنه يقول : ( إلا المودة في القربى ) أي : إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقربكم عند الله زلفى .
وقول ثالث : وهو ما حكاه البخاري وغيره ، رواية عن سعيد بن جبير ، ما معناه أنه قال : معنى ذلك أن تودوني في قرابتي ، أي : تحسنوا إليهم وتبروهم .
وقال السدي ، عن أبي الديلم قال : لما جيء بعلي بن الحسين أسيرا ، فأقيم على درج دمشق ، قام رجل من أهل الشام فقال : الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم ، وقطع قرني الفتنة .
فقال له علي بن الحسين : أقرأت القرآن ؟
قال : نعم .
قال : أقرأت آل حم ؟
قال : قرأت القرآن ، ولم أقرأ آل حم .
قال : ما قرأت : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) ؟
قال : وإنكم أنتم هم ؟
قال : نعم .
وقال : أبو إسحاق السبيعي : سألت عمرو بن شعيب عن قوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) فقال : قربى النبي - صلى الله عليه وسلم - .
رواهما ابن جرير .
ثم قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا عبد السلام ، حدثني يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : قالت الأنصار : فعلنا وفعلنا ، وكأنهم فخروا فقال ابن عباس - أو : العباس ، شك عبد السلام - : لنا الفضل عليكم .
فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاهم في مجالسهم فقال : " يا معشر الأنصار ، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي ؟
" قالوا : بلى ، يا رسول الله .
قال : ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي ؟
" قالوا : بلى يا رسول الله قال : " أفلا تجيبوني ؟
" قالوا : ما نقول يا رسول الله ؟
قال : " ألا تقولون : ألم يخرجك قومك فآويناك ؟
أولم يكذبوك فصدقناك ؟
أولم يخذلوك فنصرناك " ؟
قال : فما زال يقول حتى جثوا على الركب ، وقالوا : أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله .
قال : فنزلت : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) .
وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن علي بن الحسين ، عن عبد المؤمن بن علي ، عن عبد السلام ، عن يزيد بن أبي زياد - وهو ضعيف - بإسناده مثله ، أو قريبا منه .
وفي الصحيحين - في قسم غنائم حنين - قريب من هذا السياق ، ولكن ليس فيه ذكر نزول هذه الآية .
وذكر نزولها في المدينة فيه نظر ; لأن السورة مكية ، وليس يظهر بين هذه الآية الكريمة وبين السياق مناسبة ، والله أعلم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا رجل سماه ، حدثنا حسين الأشقر ، عن قيس ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قالوا : يا رسول الله ، من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم ؟
قال : " فاطمة وولدها ، عليهم السلام " .
وهذا إسناد ضعيف ، فيه مبهم لا يعرف ، عن شيخ شيعي متخرق ، وهو حسين الأشقر ، ولا يقبل خبره في هذا المحل .
وذكر نزول هذه الآية في المدينة بعيد ; فإنها مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية ، فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة .
والحق تفسيرها بما فسرها به الإمام حبر الأمة ، وترجمان القرآن ، عبد الله بن عباس ، كما رواه عنه البخاري [ رحمه الله ] ولا تنكر الوصاة بأهل البيت ، والأمر بالإحسان إليهم ، واحترامهم وإكرامهم ، فإنهم من ذرية طاهرة ، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض ، فخرا وحسبا ونسبا ، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية ، كما كان عليه سلفهم ، كالعباس وبنيه ، وعلي وأهل بيته وذريته ، رضي الله عنهم أجمعين .
[ وقد ثبت ] في الصحيح : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته بغدير خم : " إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ، وإنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث ، عن العباس بن عبد المطلب قال : قلت : يا رسول الله ، إن قريشا إذا لقي بعضهم بعضا لقوهم ببشر حسن ، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها ؟
قال : فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - غضبا شديدا ، وقال : " والذي نفسي بيده ، لا يدخل قلب الرجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله " .
ثم قال أحمد حدثنا جرير ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث ، عن عبد المطلب بن ربيعة قال : دخل العباس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إنا لنخرج فنرى قريشا تحدث ، فإذا رأونا سكتوا .
فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودر عرق بين عينه ، ثم قال : " والله لا يدخل قلب امرئ إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي " .
وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب ، حدثنا خالد ، حدثنا شعبة ، عن واقد قال : سمعت أبي يحدث عن ابن عمر ، عن أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، قال : ارقبوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - في أهل بيته .
وفي الصحيح أن الصديق قال لعلي ، رضي الله عنهما : والله لقرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحب إلي أن أصل من قرابتي .
وقال عمر بن الخطاب للعباس ، رضي الله عنهما : والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم ; لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب .
فحال الشيخين ، رضي الله عنهما ، هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك ; ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين ، رضي الله عنهما ، وعن سائر الصحابة أجمعين .
وقال الإمام أحمد ، رحمه الله : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أبي حيان التيمي ، حدثني يزيد بن حيان قال : انطلقت أنا وحسين بن ميسرة ، وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم ، فلما جلسنا إليه قال له حصين : لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا ، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسمعت حديثه وغزوت معه ، وصليت معه .
لقد رأيت يازيد خيرا كثيرا .
حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
فقال : يا ابن أخي ، والله كبرت سني ، وقدم عهدي ، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما حدثتكم فاقبلوه ، وما لا فلا تكلفونيه .
ثم قال : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما خطيبا فينا ، بماء يدعى خما - بين مكة والمدينة - فحمد الله وأثنى عليه ، وذكر ووعظ ، ثم قال : " أما بعد ، ألا أيها الناس ، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين ، أولهما : كتاب الله ، فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به " فحث على كتاب الله ورغب فيه ، وقال : " وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي " فقال له حصين : ومن أهل بيته يا زيد ؟
أليس نساؤه من أهل بيته ؟
قال : إن نساءه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال : ومن هم ؟
قال : هم آل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل العباس ، قال : أكل هؤلاء حرم الصدقة ؟
قال : نعم .
وهكذا رواه مسلم [ في الفضائل ] والنسائي من طرق عن يزيد بن حيان به .
وقال أبو عيسى الترمذي حدثنا علي بن المنذر الكوفي ، حدثنا محمد بن فضيل ، حدثنا الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد - والأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن زيد بن أرقم - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، والآخر عترتي : أهل بيتي ، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما " تفرد بروايته الترمذي ثم قال : هذا حديث حسن غريب .
وقال الترمذي أيضا حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي ، حدثنا زيد بن الحسن ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجته يوم عرفة ، وهو على ناقته القصواء يخطب ، فسمعته يقول : " يا أيها الناس ، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي " تفرد به الترمذي أيضا ، وقال : حسن غريب .
وفي الباب عن أبي ذر ، وأبي سعيد ، وزيد بن أرقم ، وحذيفة بن أسيد .
ثم قال الترمذي : حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث ، حدثنا يحيى بن معين ، حدثنا هشام بن يوسف ، عن عبد الله بن سليمان النوفلي ، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن جده عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه ، وأحبوني بحب الله ، وأحبوا أهل بيتي بحبي " ثم قال حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه .
وقد أوردنا أحاديث أخر عند قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) [ الأحزاب : 33 ] ، بما أغنى عن إعادتها هاهنا ، ولله الحمد والمنة .
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا سويد بن سعيد ، حدثنا مفضل بن عبد الله ، عن أبي إسحاق ، عن حنش قال : سمعت أبا ذر وهو آخذ بحلقة الباب يقول : يا أيها الناس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن أنكرني فأنا أبو ذر ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح ، من دخلها نجا ، ومن تخلف عنها هلك " .
هذا بهذا الإسناد ضعيف .
وقوله : ( ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ) أي : ومن يعمل حسنة ( نزد له فيها حسنا ) أي : أجرا وثوابا ، كقوله ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) [ النساء : 40 ] .
وقال بعض السلف : [ إن ] من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ، ومن جزاء السيئة ( السيئة ) بعدها .
وقوله : ( إن الله غفور شكور ) أي : يغفر الكثير من السيئات ، ويكثر القليل من الحسنات ، فيستر ويغفر ، ويضاعف فيشكر .
القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) يقول تعالى ذكره: هذا الذي أخبرتكم أيها الناس أني أعددته للذين آمنوا وعملوا الصالحات في الآخرة من النعيم والكرامة, البشرى التي يبشر الله عباده الذين آمنوا به في الدنيا, وعملوا بطاعته فيها.( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل يا محمد للذين يمارونك في الساعة من مشركي قومك: لا أسألكم أيها القوم على دعايتكم إلى ما أدعوكم إليه من الحق الذي جئتكم به, والنصيحة التي أنصحكم ثوابا وجزاء, وعوضا من أموالكم تعطوننيه ( إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ).
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ).
فقال بعضهم: معناه: إلا أن تودّوني في قرابتي منكم, وتصلوا رحمي بيني وبينكم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب ويعقوب, قالا ثنا إسماعيل بن إبراهيم, عن داود بن أبي هند, عن الشعبي, عن ابن عباس, في قوله: ( لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وبينهم قرابة, فقال: " قل لا أسألكم عليه أجرا أن تودّوني في القرابة التي بيني وبينكم ".
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا أبو أسامة, قال: ثنا شعبة, عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس, في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: سئل عنها ابن عباس, فقال ابن جبير: هم قربى آل محمد, فقال ابن عباس: عجلت, إن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لم يكن بطن من بطون قريش إلا وله فيهم قرابة, قال: فنـزلت ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: " إلا القرابة التي بيني وبينكم أن تصلوها ".
حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: كان لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قرابة في جميع قريش, فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه قال: " يا قوم إذا أبيتم أن تبايعوني فاحفظوا قرابتي فيكم لا يكن غيركم من العرب أولى بحفظي ونُصرتي منكم ".
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) يعني محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, قال لقريش: " لا أسألكم من أموالكم شيئا, ولكن أسألكم أن لا تؤذوني لقرابة ما بيني وبينكم, فإنكم قومي وأحقّ من أطاعني وأجابني".
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن عكرمة, قال: إن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان واسطا من قريش, كان له في كلّ بطن من قريش نسب, فقال: " ولا أسْألُكُمْ على ما أدْعُوكُمْ إلَيْهِ إلا أنْ تَحْفظُوني في قَرَابَتِي, قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ".
حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا حصين, عن أبي مالك, قال: كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم واسط النسب من قريش, ليس حيّ من أحياء قريش إلا وقد ولدوه; قال: فقال الله عز وجل: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) : " إلا أن تودّوني لقرابتي منكم وتحفظوني".
حدثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس, قال: ثنا عبثر, قال: ثنا حصين, عن أبي مالك في هذه الآية: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من بني هاشم وأمه من بني زهرة وأم أبيه من بني مخزوم, فقال: " احفظوني في قرابتي".
حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا حرمي, قال: ثنا شعبة, قال: أخبرني عمارة, عن عكرمة, في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: تعرفون قرابتي, وتصدّقونني بما جئت به, وتمنعوني.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) وإن الله تبارك وتعالى أمر محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن لا يسأل الناس على هذا القرآن أجرا إلا أن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة, وكلّ بطون قريش قد ولدته وبينه وبينهم قرابة.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) أن تتبعوني, وتصدقوني وتصلوا رحمي.
حدثنا محمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, فى قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: لم يكن بطن من بطون قريش إلا لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فيهم ولادة, فقال: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني لقرابتي منكم.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) يعني قريشا.
يقول: إنما أنا رجل منكم, فأعينوني على عدويّ, واحفظوا قرابتي, وإن الذي جئتكم به لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى, أن تودّوني لقرابتي, وتعينوني على عدويّ.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: يقول: إلا أن تودّوني لقرابتي كما توادّون في قرابتكم وتواصلون بها, ليس هذا الذي جئت به يقطع ذلك عني, فلست أبتغي على الذي جئت به أجرا آخذه على ذلك منكم.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب, عن عطاء بن دينار, في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) يقول: لا أسألكم على ما جئتكم به أجرا, إلا أن تودّوني في قرابتي منكم, وتمنعوني من الناس.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: كل قريش كانت بينهم وبين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قرابة, فقال: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني بالقرابة التي بيني وبينكم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: قل لمن تبعك من المؤمنين: لا أسألكم على ما جئتكم به أجرا إلا أن تودّوا قرابتي.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمارة, قال: ثنا إسماعيل بن أبان, قال: ثنا الصباح بن يحيى المريّ, عن السديّ, عن أبي الديلم قال: لما جيء بعليّ بن الحسين رضي الله عنهما أسيرا, فأقيم على درج دمشق, قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم, وقطع قربى الفتنة, فقال له عليّ بن الحسين رضي الله عنهما: أقرأت القرآن؟
قال: نعم, قال: أقرأت آل حم؟
قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم, قال: ما قرأت ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ؟
قال: وإنكم لأنتم هم؟
قال نعم.
حدثنا أبو كُرَيب قال: ثنا مالك بن إسماعيل, قال: ثنا عبد السلام, قال: ثنا يزيد بن أبي زياد, عن مقسم, عن ابن عباس, قال: قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا, فكأنهم فخروا, قال ابن عباس, أو العباس, شكّ عبد السلام: لنا الفضل عليكم, فبلغ ذلك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فأتاهم في مجالسهم, فقال: " يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ ألَمْ تَكُونُوا أذِلَّةً فأعَزَّكُمُ الله بِي؟" قالوا: بلى يا رسول الله, قال: " ألَمْ تَكُونُوا ضُلالا فَهَدَاكُمْ الله بِي؟" قالوا: بلى يا رسول الله, قال: " أفلا تُجِيبُونِي؟" قالوا: ما نقول يا رسول الله؟
قال: " ألا تقولون: ألَمْ يُخْرِجْكَ قَوْمُكَ فآوَيْناكَ, أوَلَمْ يُكَذِّبُوكَ فَصَدَّقْنَاكَ, أوَلَمْ يَخْذُلُوكَ فَنَصَرْنَاكَ؟" قال: فما زال يقول حتى جثوا على الركب, وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله, قال: فنـزلت ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ).
حدثني يعقوب, قال: ثنا مروان, عن يحيى بن كثير, عن أبي العالية, عن سعيد بن جُبير, في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: هي قُربى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
حدثني محمد بن عمارة الأسدي ومحمد بن خلف قالا ثنا عبيد الله قال: أخبرنا إسرائيل, عن أبي إسحاق قال: سألت عمرو بن شعيبٍ, عن قول الله عزّ وجلّ: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: قُربى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: قل لا أسألكم أيها الناس على ما جئتكم به أجرا إلا أن تودّدوا إلى الله, وتتقربوا بالعمل الصالح والطاعة.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ بن داود ومحمد بن داود أخوه أيضًا قالا ثنا عاصم بن عليّ, قال: ثنا قزعة بن سويد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن عباس, عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " قل لا أسألُكُمْ على ما أَتَيْتُكُمْ بِهِ مِنَ البَيِّنَاتِ والهُدَى أجْرًا إلا أنْ تَوَدَّدُوا الله وتَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بطاعَتِهِ".
حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن منصور بن زاذان, عن الحسن أنه قال في هذه الآية ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: القُربى إلى الله.
حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا عوف, عن الحسن, في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: إلا التقرّب إلى الله, والتودّد إليه بالعمل الصالح.
بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: قال الحسن: في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قل لا أسألكم على ما جئتكم به, وعلى هذا الكتاب أجرا, إلا المودّة في القربى, إلا أن تودّدوا إلى الله بما يقرّبكم إليه, وعمل بطاعته.
قال بشر: قال يزيد: وحدثنيه يونس, عن الحسن, حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) إلا أن توددوا إلى الله فيما يقرّبكم إليه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا أن تصلوا قرابتكم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا أبو عامر, قال: ثنا قرة, عن عبد الله بن القاسم, في قوله: ( إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال: أمرت أن تصل قرابتك.
وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب, وأشبهها بظاهر التنـزيل قول من قال: معناه: قل لا أسألكم عليه أجرا يا معشر قريش, إلا أن تودّوني في قرابتي منكم, وتصلوا الرحم التي بيني وبينكم.
وإنما قلت: هذا التأويل أولى بتأويل الآية لدخول " في" في قوله: ( إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) , ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال: إلا أن تودوا قرابتي, أو تقربوا إلى الله, لم يكن لدخول " في" في الكلام في هذا الموضع وجه معروف, ولكان التنـزيل: إلا مودّة القُربى إن عُنِي به الأمر بمودّة قرابة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, أو إلا المودّة بالقُرْبَى, أو ذا القربى إن عُنِي به التودّد والتقرب.
وفي دخول " في" في الكلام أوضح الدليل على أن معناه: إلا مودّتي في قرابتي منكم, وأن الألف واللام فى المودّة أدخلتا بدلا من الإضافة, كما قيل: فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى وقوله: " إلا " في هذا الموضع استثناء منقطع.
ومعنى الكلام: قل لا أسألكم عليه أجرا, لكني أسألكم المودّة في القُربى, فالمودّة منصوبة على المعنى الذي ذكرت.
وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: هي منصوبة بمضمر من الفعل, بمعنى: إلا أن أذكر مودّة قرابتي.
وقوله: ( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نـزدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) يقول تعالى ذكره: ومن يعمل حسنة, وذلك أن يعمل عملا يطيع الله فيه من المؤمنين ( نـزدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) يقول: نضاعف عمله ذلك الحسن, فنجعل له مكان الواحد عشرا إلى ما شئنا من الجزاء والثواب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قول الله عز وجل: ( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ) قال: يعمل حسنة.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نـزدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) قال: من يعمل خيرا نـزد له.
الاقتراف: العمل.
وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) يقول: إن الله غفور لذنوب عباده, شكور لحسناتهم وطاعتهم إياه.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة: ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ) للذنوب ( شَكُورٌ ) للحسنات يضاعفها.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) قال: غفر لهم الذنوب, وشكر لهم نعما هو أعطاهم إياها, وجعلها فيهم.
قوله تعالى : ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور .قوله تعالى : ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا قرئ يبشر من بشره ، ( ويبشر ) من أبشره ، ( ويبشر ) من بشره ، وفيه حذف ، أي : يبشر الله به عباده المؤمنين ليتعجلوا السرور ويزدادوا منه وجدا في الطاعة .[ ص: 21 ] قوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى .فيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا أي : قل يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة جعلا .
( إلا المودة في القربى ) قال الزجاج : إلا المودة استثناء ليس من الأول ، أي : إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني .
والخطاب لقريش خاصة ، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو مالك والشعبي وغيرهم .
قال الشعبي : أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها ، فكتب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أوسط الناس في قريش ، فليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده ، فقال الله له : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى إلا أن تودوني في قرابتي منكم ، أي : تراعوا ما بيني وبينكم فتصدقوني .
ف القربى هاهنا قرابة الرحم ، كأنه قال : اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة .
قال عكرمة : وكانت قريش تصل أرحامها فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعته ، فقال : صلوني كما كنتم تفعلون .
فالمعنى على هذا : قل لا أسألكم عليه أجرا لكن أذكركم قرابتي ، على استئناء ليس من أول ، ذكره النحاس .
وفي البخاري عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى : إلا المودة في القربى فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد ، فقال ابن عباس : عجلت!
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة ، فقال : إلا أن تصلوا ما بينكم من القرابة .
فهذا قول .
وقيل : القربى قرابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، أي : لا أسألكم أجرا إلا أن تودوا قرابتي وأهل بيتي ، كما أمر بإعظامهم ذوي القربى .
وهذا قول علي بن حسين وعمرو بن شعيب والسدي .
وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس : لما أنزل الله - عز وجل - : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قالوا : يا رسول الله ، من هؤلاء الذين نودهم ؟
قال : علي وفاطمة وأبناؤهما .
ويدل عليه أيضا ما روي عن علي - رضي الله عنه - قال : شكوت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 22 ] حسد الناس لي .
فقال : أما ترضى أن تكون رابع أربعة ؛ أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذريتنا خلف أزواجنا .
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غدا إذا لقيني يوم القيامة .
وقال الحسن وقتادة : المعنى إلا أن يتوددوا إلى الله - عز وجل - ويتقربوا إليه بطاعته .
فالقربى على هذا بمعنى القربة .
يقال : قربة وقربى بمعنى ، ، كالزلفة والزلفى .
وروى قزعة بن سويد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( قل لا أسألكم على ما آتيتكم به أجرا إلا أن توادوا وتقربوا إليه بالطاعة ) .
وروى منصور وعوف عن الحسن قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قال : يتوددون إلى الله - عز وجل - ويتقربون منه بطاعته .
وقال قوم : الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة ، وكان المشركون يؤذون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية ، وأمرهم الله بمودة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وصلة رحمه ، فلما هاجر آوته الأنصار ونصروه ، وأراد الله أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء حيث قالوا : ( وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) فأنزل الله تعالى : قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله فنسخت بهذه الآية وبقوله : قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين وقوله .
أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير ، وقوله : أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون قاله الضحاك والحسين بن الفضل .
ورواه جويبر عن الضحاك عن ابن عباس .
قال الثعلبي : وليس بالقوي ، وكفى قبحا بقول من يقول : إن التقرب إلى الله بطاعته ومودة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته منسوخ ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من مات على حب آل محمد مات شهيدا .
ومن مات على حب آل محمد جعل الله زوار قبره الملائكة والرحمة .
ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم [ ص: 23 ] القيامة مكتوبا بين عينيه أيس اليوم من رحمة الله .
ومن مات على بغض آل محمد لم يرح رائحة الجنة .
ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له في شفاعتي .قلت : وذكر هذا الخبر الزمخشري في تفسيره بأطول من هذا فقال : وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من مات على حب آل محمد مات شهيدا ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الإيمان .
ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير .
ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة .
ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة .
ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة .
ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله .
ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا .
ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة .
قال النحاس : ومذهب عكرمة ليست بمنسوخة ، قال : كانوا يصلون أرحامهم فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعوه فقال : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني وتحفظوني لقرابتي ولا تكذبوني .قلت : وهذا هو معنى قول ابن عباس في البخاري والشعبي عنه بعينه ، وعليه لا نسخ .
قال النحاس : وقول الحسن حسن ، ويدل على صحته الحديث المسند عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال أخبرنا الربيع بن سليمان المرادي قال أخبرنا أسد بن موسى قال حدثنا قزعة - وهو ابن يزيد البصري - قال حدثنا عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا أسألكم على ما أنبئكم به من البينات والهدى أجرا إلا أن توادوا الله - عز وجل - وأن تتقربوا إليه بطاعته .
فهذا المبين عن الله - عز وجل - قد قال هذا ، وكذا قالت الأنبياء - صلى الله عليهم - قبله : إن أجري إلا على الله .[ ص: 24 ] الثانية : واختلفوا في سبب نزولها ، فقال ابن عباس : لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما في يديه ، فقالت الأنصار : إن هذا الرجل هداكم الله به وهو ابن أخيكم ، وتنوبه نوائب وحقوق لا يسعها ما في يديه فنجمع له ، ففعلوا ، ثم أتوه به فنزلت .
وقال الحسن : نزلت حين تفاخرت الأنصار والمهاجرون ، فقالت الأنصار نحن فعلنا ، وفخرت المهاجرون بقرابتهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
روى مقسم عن ابن عباس قال : سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا فخطب فقال للأنصار : ألم تكونوا أذلاء فأعزكم الله بي .
ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي .
ألم تكونوا خائفين فأمنكم الله بي ، ألا تردون علي ؟
فقالوا : بم نجيبك ؟
قال : تقولون ألم يطردك قومك فآويناك .
ألم يكذبك قومك فصدقناك .
.
.
فعدد عليهم .
قال فجثوا على ركبهم فقالوا : أنفسنا وأموالنا لك ، فنزلت : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى وقال قتادة : قال المشركون لعل محمدا فيما يتعاطاه يطلب أجرا ، فنزلت هذه الآية ، ليحثهم على مودته ومودة أقربائه .
قال الثعلبي : وهذا أشبه بالآية ، لأن السورة مكية .قوله تعالى : ومن يقترف حسنة أي يكتسب .
وأصل القرف الكسب ، يقال : فلان يقرف لعياله ، أي : يكسب .
والاقتراف الاكتساب ، وهو مأخوذ من قولهم رجل قرفة ، إذا كان محتالا .
وقد مضى في ( الأنعام ) القول فيه .
وقال ابن عباس : ومن يقترف حسنة قال المودة لآل محمد صلى الله عليه وسلم .
نزد له فيها حسنا أي نضاعف له الحسنة بعشر فصاعدا .
إن الله غفور شكور قال قتادة : غفور للذنوب شكور للحسنات .
وقال السدي : غفور لذنوب آل محمد - عليه السلام - ، شكور لحسناتهم .
{ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي: هذه البشارة العظيمة، التي هي أكبر البشائر على الإطلاق، بشر بها الرحيم الرحمن، على يد أفضل خلقه لأهل الإيمان والعمل الصالح، فهي أجل الغايات، والوسيلة الموصلة إليها أفضل الوسائل.{ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي: على تبليغي إياكم هذا القرآن ودعوتكم إلى أحكامه.
{ أَجْرًا } فلست أريد أخذ أموالكم، ولا التولي عليكم والترأس، ولا غير ذلك من الأغراض { إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } يحتمل أن المراد: لا أسألكم عليه أجرا إلا أجرا واحدا هو لكم، وعائد نفعه إليكم، وهو أن تودوني وتحبوني في القرابة، أي: لأجل القرابة.
ويكون على هذا المودة الزائدة على مودة الإيمان، فإن مودة الإيمان بالرسول، وتقديم محبته على جميع المحاب بعد محبة الله، فرض على كل مسلم، وهؤلاء طلب منهم زيادة على ذلك أن يحبوه لأجل القرابة، لأنه صلى الله عليه وسلم، قد باشر بدعوته أقرب الناس إليه، حتى إنه قيل: إنه ليس في بطون قريش أحد، إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيه قرابة.ويحتمل أن المراد إلا مودة الله تعالى الصادقة، وهي التي يصحبها التقرب إلى الله، والتوسل بطاعته الدالة على صحتها وصدقها، ولهذا قال: { إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } أي: في التقرب إلى الله، وعلى كلا القولين، فهذا الاستثناء دليل على أنه لا يسألهم عليه أجرا بالكلية، إلا أن يكون شيئا يعود نفعه إليهم، فهذا ليس من الأجر في شيء، بل هو من الأجر منه لهم صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: { وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } وقولهم: \"ما لفلان ذنب عندك، إلا أنه محسن إليك\" { وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً } من صلاة، أو صوم، أو حج، أو إحسان إلى الخلق { نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا } بأن يشرح الله صدره، وييسر أمره، وتكون سببا للتوفيق لعمل آخر، ويزداد بها عمل المؤمن، ويرتفع عند الله وعند خلقه، ويحصل له الثواب العاجل والآجل.{ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ } يغفر الذنوب العظيمة ولو بلغت ما بلغت عند التوبة منها، ويشكر على العمل القليل بالأجر الكثير، فبمغفرته يغفر الذنوب ويستر العيوب، وبشكره يتقبل الحسنات ويضاعفها أضعافا كثيرة.
( ذلك الذي ) ذكرت من نعيم الجنة ( يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) فإنهم أهله ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عبد الملك بن ميسرة قال : سمعت طاوسا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن قوله : " إلا المودة في القربى " قال سعيد بن جبير : قربى آل محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : عجلت ، إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة ، فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة .
وكذلك روى الشعبي وطاوس عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : " إلا المودة في القربى " يعني : أن تحفظوا قرابتي وتودوني وتصلوا رحمي .
وإليه ذهب مجاهد ، وقتادة ، وعكرمة ، ومقاتل ، والسدي ، والضحاك - رضي الله عنهم - .
وقال عكرمة : لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرا إلا أن تحفظوني في قرابتي بيني وبينكم ، وليس كما يقول الكذابون .
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في معنى الآية : إلا أن تودوا الله وتتقربوا إليه بطاعته ، وهذا قول الحسن قال : هو القربى إلى الله ، يقول : إلا التقرب إلى الله والتودد إليه بالطاعة والعمل الصالح .
وقال بعضهم : معناه إلا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم ، وهو قول سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب .
واختلفوا في قرابته قيل : هم فاطمة وعلي وأبناؤهما ، وفيهم نزل : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت " ( الأحزاب - 33 ) .
وروينا عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي " ، قيل لزيد بن أرقم : من أهل بيته ؟
قال : هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب ، حدثنا خالد ، حدثنا شعبة عن واقد قال : سمعت أبي يحدث عن ابن عمر عن أبي بكر قال : ارقبوا محمدا في أهل بيته .
وقيل : هم الذين تحرم عليهم الصدقة من أقاربه ويقسم فيهم الخمس ، وهم بنو هاشم ، وبنو المطلب ، الذين لم يتفرقوا في جاهلية ولا في إسلام .
وقال قوم : هذه الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة ، وكان المشركون يؤذون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأنزل الله هذه الآية فأمرهم فيها بمودة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلة رحمه ، فلما هاجر إلى المدينة وآواه الأنصار ونصروه أحب الله - عز وجل - أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء - عليهم السلام - حيث قالوا : " وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين " ( الشعراء - 109 ) فأنزل الله تعالى : " قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله " فهي منسوخة بهذه الآية ، وبقوله : " قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين " ( الزمر - 86 ) ، وغيرها من الآيات .
وإلى هذا ذهب الضحاك بن مزاحم ، والحسين بن الفضل .
وهذا قول غير مرضي ; لأن مودة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكف الأذى عنه ومودة أقاربه ، والتقرب إلى الله بالطاعة والعمل الصالح من فرائض الدين ، وهذه أقاويل السلف في معنى الآية ، فلا يجوز المصير إلى نسخ شيء من هذه الأشياء .
وقوله : " إلا المودة في القربى " ، ليس باستثناء متصل بالأول حتى يكون ذلك أجرا في مقابلة أداء الرسالة ، بل هو منقطع ، ومعناه : ولكني أذكركم المودة في القربى وأذكركم قرابتي منكم ، كما روينا في حديث زيد بن أرقم : " أذكركم الله في أهل بيتي " .
قوله عز وجل : ( ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ) أي : من يزد طاعة نزد له فيها حسنا بالتضعيف ، ( إن الله غفور ) للذنوب ، ( شكور ) للقليل حتى يضاعفها .
«ذلك الذي يَبْشُرُ» من البشارة مخففاً ومثقلاً به «الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه» على تبليغ الرسالة «أجراً إلا المودة في القربى» استثناء منقطع، أي لكن أسألكم أن تودوا قرابتي التي هي قرابتكم أيضاً فإن له في كل بطن من قريش قرابة «ومن يقترف» يكتسب «حسنة» طاعة «تزد له فيها حسناً» بتضعيفها «إن الله غفور» للذنوب «شكور» للقليل فيضاعفه.
ذلك الذي أخبرتكم به- أيها الناس- من النعيم والكرامة في الآخرة هو البشرى التي يبشر الله بها عباده الذين آمنوا به في الدنيا وأطاعوه.
قل -أيها الرسول- للذين يشكون في الساعة من مشركي قومك: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من الحق الذي جئتكم به عوضًا من أموالكم، إلا أن تَوَدُّوني في قرابتي منكم، وتَصِلوا الرحم التي بيني وبينكم.
ومن يكتسب حسنة نضاعفها له بعشر فصاعدًا.
إن الله غفور لذنوب عباده، شكور لحسناتهم وطاعتهم إياه.
واسم الإِشارة فى قوله - تعالى - : ( ذَلِكَ الذي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ) .أى : ذلك الفضل الكبير ، هو البشارة العظمى؛ والعطاء الجزيل ، الذى يمنحه الله - تعالى - يوم القيامة لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات .قال الآلوسى قوله : ( ذَلِكَ ) أى : الفضل الكبير ، أو الثواب المفهوم من السياق ، هو ( الذي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ) أى : يبشر به فحذف الجار ثم العائد إلى الموصول ، كما هو عادتهم فى التدريج فى الحذف ولا مانع من حذفهما دفعة .وجوز كون ( ذَلِكَ ) إشارة إلى التبشير المفهوم من " يبشر " .
أى : ذلك التبشير يبشره الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات .ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم - أن يؤكد لأولئك المشركين من قومه ، أنه لا يسألهم أجرا على دعوته ، وإنما يسألهم المودة والمعاملة الحسنة لقرابته منهم فقال : ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى ) .والضمير المجرور فى ( عَلَيْهِ ) يعود إلى التبليغ والتبشير والإِنذار الذى يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - معهم ( القربى ) مصدر كالقرابة والخطاب لكفار قريش .وللعلماء فى تفسير هذه الآية أقوال : أولها : أن المراد بالقربى : الصلة والقرابة التى تربط بين الرسول وبين كفار قريش .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين إنى لا اسألكم على التبليغ أجرا ، لكن أسألكم أن تودونى لقرابتى فيكم ، فتكفوا عنى أذاكم ، وتمنعوا عنى أذى غيركم ، وتستجيبوا لدعوتى ، فإن صلة القرابة والرحم التى بينى وبينكم توجب عليكم ذلك .فالقربى هنا : بمعنى القرابة وصلة الرحم .
و ( فِي ) للسببية بمعنى لام التعليل كما جاء فى الحديث الشريف : " دخلت امرأة النار فى هرة " .ولا شك أن منع أذاهم عنه - صلى الله عليه وسلم - بسبب قرابته فيهم ليس أجرا .وثانيها : أن المراد بالقربى : هنا : أقاربه وعشيرته وعترته فيكون المعنى لا أسألكم أجرا على دعوتى لكم إلى الخير والحق ، ولكن أسألكم أن تحفظونى فى قرابتى وأهل بيتى ، بأن تحسنوا إليهم ولا تؤذوهم بأى نوع من الأذى .ولا شك - أيضا - أن إحسانهم إلى أقاربه ، ليس أجرا منهم له على ذلك لأن الإِحسان إلى الناس ، شئ قررته جميع الشرائع وتقتضيه مكارم الأخلاق .وثالثها : أن المراد بالقربى هنا : التقرب إلى الله - تعالى - بالإِيمان والعمل الصالح .أى : لا أسألكم على التبليغ أجرا ، ولكن أسألكم أن تتقربوا إلى الله - تعالى - بما يرضيه بأن تتركوا الكفر والفسوق والعصيان ، وتدخلوا فى الإِيمان والطاعة لله - تعالى - .وهذا الذى طلبه منهم ، ليس أجرا على التبليغ ، لأن التقرب إلى الله بالطاعات فرض عليهم .
وقد رجح العلماء القول الأول ، واستدلوا على هذا الترجيح بأحاديث منها : ما رواه البخارى عن ابن عباس أن سئل عن معنى قوله - تعالى - ( إِلاَّ المودة فِي القربى ) ، فقال سعيد بن جبير : " قربى آل محمد " فقال ابن عباس : عَجِلت .
إن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة .
فقال : إلا أن تصلوا ما بينى وبينكم من القرابة .وقال ابن كثير بعد أن ساق هذا الحديث وغيره ، وبهذا الرأى قال مجاهد وعكرمة ، وقتادة ، والسدى ، وأبو مالك ، وعبد الرحمن بن زيد ، وغيرهم .وقال الإِمام ابن جرير - بعد أن ساق هذه الأقوال فى ذلك بالصواب ، وأشببها بظاهر التنزيل ، قول من قال معناه : لا أسألكم عليه أجرا يا معشر قريش ، إلا أن تودونى فى قرابتى منكم ، وتصلوا الرحم حتى بينى وبينكم .وإنما قلت هذا التأويل أولى بتأويل الآية ، لدخول ( فِي ) فى قوله : ( إِلاَّ المودة فِي القربى ) .ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال إلا أن تودوا قرابتى ، أو تتقربوا إلى الله ، لم يكن لدخول ( فِي ) فى الكلام فى هذا الموضع وجه معروف ولكان التنزيل إلا مودة القربى ، إن عنى به الأمر بمودة قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو إلا المودة بالقربى إن عنى به الأمر بالتودد والتقرب إلى الله - تعالى - .وفى دخول ( فِي ) فى الكلام أوضح الدليل على أن معناه إلا مودتى فى قرابتى منكم .ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على عباده فقال : ( وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ ) .وقوله ( يَقْتَرِفْ ) من القرف بفتح إلى الله تعالى ، نضاعف له - بفضلنا وإحساننا - ثوابها ، إن الله تعالى واسع المغفرة لعباده .
كثير الشكر للطائعين بأن يعطيهم من فضله أكثر مما يستحقون ويرجون .
اعلم أنه تعالى لما بيّن كونه لطيفاً بعباده كثير الإحسان إليهم بيّن أنه لابد لهم من أن يسعوا في طلب الخيرات وفي الاحتراز عن القبائح فقال: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الأخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ قال صاحب الكشاف إنه تعالى سمى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى أظهر الفرق في هذه الآية بين من أراد الآخرة وبين من أراد الدنيا من وجوه: الأول: أنه قدم مريد حرث الآخرة في الذكر على مريد حرث الدنيا، وذلك يدل على التفضيل، لأنه وصفه بكونه آخرة ثم قدمه في الذكر تنبيهاً على قوله: «نحن لآخرون السابقون» الثاني: أنه قال في مريد حرث الآخرة ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ وقال في مريد حرث الدينا ﴿ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ وكلمة من للتبعيض، فالمعنى أنه يعطيه بعض ما يطلبه ولا يؤتين كله، وقال في سورة بني إسرائيل ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ﴾ وأقول البرهان العقلي مساعد على البابين، وذلك لأن كل من عمل للآخرة وواظب على ذلك العمل، فكثرة الأعمال سبب لحصول الملكات، فكل من كانت مواظبته على تلك الأعمال أكثر كان ميل قلبه إلى طلب الآخرة أكثر، وكلما كان الأمر كذلك كان الابتهاج أعظم والسعادات أكثر، وذلك هو المراد بقوله: ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ وأما طالب الدنيا فكلما كانت مواظبته على أعمال ذلك الطلب أكثر كانت رغبته في الفوز بالدنيا أكثر وميله إليها أشد، وإذا كان الميل أبداً في التزايد، وكان حصول المطلوب باقياً على حالة واحدة كان الحرمان لازماً لامحالة الثالث: أنه تعالى قال في طالب حرث الآخرة ﴿ نزد لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ ولم يذكر أنه تعالى يعطيه الدنيا أم لا، بل بقي الكلام ساكتاً عنه نفياً وإثباتاً، وأما طالب حرث الدنيا فإنه تعالى بيّن أنه لا يعطيه شيئاً من نصيب الآخرة على التنصيص، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول الآخرة أصل والدنيا تبع، فواجد الأصل يكون واجداً للتبع بقدر الحاجة، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيهاً على أن الدنيا أخس من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة والرابع: أنه تعالى بيّن أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه، وبيّن أن طالب الدنيا يعطي بعض مطلوبه من الدنيا، وأما في الآخرة فإنه لا يحصل له نصيب ألبتة، فبيّن بالكلام الأول أن طالب الآخرة يكون حاله أبداً في الترقي والتزايد وبيّن بالكلام الثاني أن طالب الدنيا يكون حاله في المقام الأول في النقصان وفي المقام الثاني في البطلان التام الخامس: أن الآخرة نسيئة والدنيا نقد والنسيئة مرجوحة بالنسبة إلى النقد، لأن الناس يقولون النقد خير من النسيئة فبيّن تعالى أن هذه القضية انعكست بالنسبة إلى أحوال الآخرة والدنيا، فالآخرة وإن كانت نقداً إلا أنها متوجهة للزيادة والدوام فكانت أفضل وأكمل، والدنيا وإن كانت نقداً إلا أنها متوجهة إلى النقصان ثم إلى البطلان فكانت أخس وأرذل، فهذا يدل على أن حال الآخرة لا يناسب حال الدنيا ألبتة، وأنه ليس في الدنيا من أحوال الآخرة إلا مجرد الاسم كما هو مروي عن ابن عباس السادس: الآية دالة على أن منافع الآخرة والدنيا ليست حاضرة بل لابد في البابين من الحرث، والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق في البذر ثم التسقية والتنمية والحصد ثم التنقية، فلما سمى الله كلا القسمين حرثاً علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق، ثم بيّن تعالى أن مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وإن مصير الدنيا إلى النقصان ثم الفناء، فكأنه قيل إذا كان لابد في القسمين جميعاً من تحمل متاعب الحراثة والتسمية والتنمية والحصد والتنقية، فلأن تصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد والبقاء أولى من صرفها إلى ما يكون في النقصان والانقضاء والفناء.
المسألة الثانية: في تفسير قوله: ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ قولان الأول: المعنى أنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبل الخيرات والطاعات عليه، وقال مقاتل ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ بتضعيف الثواب، قال تعالى: ﴿ لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أصبح وهمه الدنيا شتت الله تعالى عليه همه وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلى ما كتب له، ومن أصبح همه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة عن أنفها» أو لفظًا يقرب من أن يكون هذا معناه.
المسألة الثالثة: ظاهر اللفظ يدل على أن من صلّى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته، وأجمعوا على أنها لا تصح والجواب: أنه تعالى قال: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة ﴾ والحرث لا يتأتى إلا بإلقاء البذر الصحيح في الأرض، والبذر الصحيح لجميع الخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله تعالى.
المسألة الرابعة: قال أصحابنا إذا توضأ بغير نية لم يصح، قالوا لأن هذا الإنسان ما أراد حرث الآخرة، لأن الكلام فيما إذا كان غافلاً عن ذكر الله وعن الآخرة، فوجب أن لا يحصل له نصيب فيما يتعلق بالآخرة والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة، فوجب أن لا يحصل في الوضوء العاري عن النية.
وأعلم أن الله تعالى لما بيّن القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الآخرة والدنيا أردفه بالتنبيه على ما هو الأصل في باب الضلالة والشقاوة فقال: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله ﴾ ومعنى الهمزة في أم التقرير والتقريع و ﴿ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ شياطينهم الذين زينوا الشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا لأنهم يعلمون غيرها، وقيل ﴿ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم لأنهم هم الذين اتخذوها شركاء لله، ولما كان سبباً لضلالتهم جعلت شارعة لدين الضلالة كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس ﴾ وقوله: ﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ مّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله ﴾ يعني أن تلك الشرائع بأسرها على ضدين لله، ثم قال: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل ﴾ أي القضاء السابق بتأخير الجزاء، أو يقال ولولا الوعد بأن الفصل أن يكون يوم القيمة ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي بين الكافرين والمؤمنين أو بين المشركين وشركائهم ﴿ وَإِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ وقرأ بعضهم، وأن بفتح الهمزة في أن عطفاً له على كلمة الفصل يعني ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل ﴾ وأن تقريره تعذيب الظالمين في الآخرة ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ في الدنيا ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب الأول: فهو قوله: ﴿ تَرَى الظالمين مُشْفِقِينَ ﴾ خائفين خوفاً شديداً ﴿ مِمَّا كَسَبُواْ ﴾ من السيئات ﴿ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ يريد أن وباله واقع بهم سواء أشفقوا أو لم يشفقو، أما الثاني: فهو أحوال أهل الثواب وهو قوله تعالى: ﴿ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي روضات الجنات ﴾ لأن روضة الجنة أطيب بقعة فيها، وفي الآية تنبيه على أن الفساق من أهل الصلاة كلهم في الجنة، إلا أنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات، وهي البقاع الشريفة من الجنة، فالبقاع التي دون تلك الروضات لابد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم قال: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ وهذا يدل على أن كل الأشياء حاضرة عنده مهيأة، ثم قال تعالى في تعظيم هذه الدرجة ﴿ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير ﴾ وأصحابنا استدلوا بهذه الآية على أن الثواب غير واجب على الله، وإنما يحصل بطريق الفضل من الله تعالى لأنه تعالى قال: ﴿ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي روضات الجنات لَهُمْ مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ فهذا يدل على أن روضات الجنات ووجدان كل ما يريدونه إنما كان جزاءً على الإيمان والأعمال الصالحات.
ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير ﴾ وهذا تصريح بأن الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل لا بطريق الاستحقاق.
ثم قال: ﴿ ذَلِكَ الذي يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ قال صاحب الكشاف قرئ يبشر من بشره ويبشر من أبشره ويبشر من بشره.
واعلم أن هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه: الأول: أن الله سبحانه رتب على الإيمان وعمل الصالحات روضات الجنات، والسلطان الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاء، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كنهه إلا الله تعالى الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ ﴾ يدخل في باب غير المتناهي لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منهالثالث: أنه تعالى قال: ﴿ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير ﴾ والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق كان في غاية الكبر الرابع: أنه تعالى أعاد البشارة على سبيل التعظيم فقال: ﴿ الذي يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ ﴾ وذلك يدل أيضاً على غاية العظمة، نسأل الله الفوز بها والوصول إليها.
واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب الشريف العالي وأودع فيه الثلاثة أقسام الدلائل وأصناف التكاليف، ورتب على الطاعة الثواب، وعلى المعصية العقاب، بين أني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعاً عاجلاً ومطلوباً حاضراً، لئلا يتخيل جاهل أن مقصود محمد صلى الله عليه وسلم من هذا التبليغ المال والجاه فقال: ﴿ قُل لاَّ أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكر الناس في هذه الآية ثلاثة أقوال: الأول: قال الشعبي أكثر الناس علينا في هذه الآية، فكتبنا إلى بن عباس نسأله عن ذلك فكتب ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده فقال الله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ ﴾ على ما أدعوكم إليه ﴿ أَجْراً إِلاَّ ﴾ أن تودوني لقرابتي منكم، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي.
والقول الثاني: روى الكلبي عن بن عباس رضي الله عنهما قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كانت تعروه نوائب وحقوق وليس في يده سعة، فقال الأنصار إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا ثم أتوه به فرده عليهم، فنزل قوله تعلى: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ أي على الإيمان إلا أنتودوا أقاربي فحثهم على مودة أقاربه.
القول الثالث: ما ذكره الحسن فقال: إلا أن تودوا إلى الله فيما يقربكم إليه من التودد إليه بالعمل الصالح، فالقربى على القول الأول القرابة التي هي بمعنى الرحم وعلى الثاني القرابة التي هي بمعنى الأقارب، وعلى الثالث هي فعلى من القرب والتقريب، فإن قيل الآية مشكلة، ذلك لأن طلب الأجر على تبليغ الوحي لايجوز ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء عليهم السلام أنهم صرّحوا بنفي طلب الأجرة، فذكر في قصة نوح عليه السلام ﴿ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين ﴾ وكذا في قصة هود وصالح، وفي قصة لوط وشعيب عليهم السلام، ورسولنا أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام فكان بأن لا يطلب الأجر على النوبة والرسالة أولى الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم صرح بنفي طلب الأجر في سائر الآيات فقال: ﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ﴾ وقال: ﴿ قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المتكلفين ﴾ الثالث: العقل يدل عليه وذلك لأن ذلك التبليغ كان واجباً عليه قال تعالى: ﴿ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلاً عن أعلم العلماء الرابع: أن النبوة أفضل من الحكمة وقد قال تعالى في صفة الحكمة ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ وقال في صفة الدنيا ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ ﴾ فكيف يحسن في العقل مقابلة أشرف الأشياء بأخس الأشياء الخامس: أن طلب الأجر كان يوجب التهمة، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب أجراً ألبتة على التبليغ والرسالة، وظاهر هذه الآية يقتضي أنه طلب أجراً على التبليغ والرسالة، وهو المودة في القربى هذا تقرير السؤال، والجواب عنه: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ والرسالة، بقي قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ نقول الجواب عنه من وجهين: الأول: أن هذا من باب قوله: ولا عيب غير أن سيوفهم *** بها من قراع الدارعين فلول المعنى أنا لا أطلب منكم إلا هذا وهذا في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: «المؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضاً» والآيات والأخبار في هذا الباب كثيرة وإذا كان حصول المودة بين جمهور المسلمين واجباً فحصولها في حق أشرف المسلمين وأكابرهم أولى، وقوله تعلى: ﴿ قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ تقديره والمودة في القربى ليست أجراً، فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة الوجه الثاني: في الجواب أن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ .
ثم قال: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ أي لكن أذكركم قرابتي منكم وكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر.
المسألة الثالثة: نقل صاحب الكشاف: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مات على حب آل محمد مات شهيداً ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنّة ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنّة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة».
هذا هو الذي رواه صاحب الكشاف، وأنا أقول: آل محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين يؤول أمرهم إليه فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل، ولا شك أن فاطمة وعلياً والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد التعلقات وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل، وأيضاً اختلف الناس في الآل فقيل هم الأقارب وقيل هم أمته، فإن حملناه على القرابة فهم الآل، وإن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل فثبت أن على جميع التقديرات هم الآل، وأما غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل؟
فمختلف فيه.
وروى صاحب الكشاف أنه لما نزلت هذه الآية قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟
فقال علي وفاطمة وابناهما، فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم ويدل عليه وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ ووجه الاستدلال به ما سبق الثاني: لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب فاطمة عليها السلام قال صلى الله عليه وسلم: «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها» وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب علياً والحسن والحسين وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله لقوله: ﴿ واتبعوه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ ولقوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ ﴾ ولقوله: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى يُحْبِبْكُمُ الله ﴾ ولقوله سبحانه: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ الثالث: أن الدعاء للآل منصب عظيم ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة وهو قوله اللّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد وارحم محمداً وآل محمد، وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل، فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب، وقال الشافعي رضي الله عنه: يا راكباً قف بالمحصب من منى *** واهتف بساكن خيفها والناهض سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى *** فيضاً كما نظم الفرات الفائض إن كان رفضاً حب آل محمد *** فليشهد الثقلان أنى رافضي المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ فيه منصب عظيم للصحابة لأنه تعالى قال: ﴿ والسابقون السابقون أُوْلَئِكَ المقربون ﴾ فكل من أطاع الله كان مقرباً عند الله تعالى فدخل تحت قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ والحاصل أن هذه الآية تدل على وجوب حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، وهذا المنصب لا يسلم إلا على قول أصحابنا أهل السنّة والجماعة الذين جمعوا بين حب العترة والصحابة، وسمعت بعض المذكرين قال إنه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا» وقال صلى الله عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ونحن الآن في بحر التكليف وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات وراكب البحر يحتاج إلى أمرين أحدهما: السفينة الخالية عن العيوب والثقب والثاني: الكواكب الظاهرة الطالعة النيرة، فإذا ركب تلك السفينة ووقع نظره على تلك الكواكب الظاهرة كان رجاء السلامة غالباً، فكذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة فرجوا من الله تعالى أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدينا والآخرة.
ولنرجع إلى التفسير: أورد صاحب الكشاف: على نفسه سؤالاً فقال: هلا قيل إلا مودة القربى، أو إلا مودة للقربى، وما معنى قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ ؟
وأجاب عنه بأن قال جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها كقوله لي في آل فلان مودة ولي فيهم هوى وحب شديد، تريد أحبهم وهم مكان حبى ومحله.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ﴾ قيل نزلت هذه الآية في أبي بكر رضي الله عنه، والظاهر العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب ذكر المودة في القربى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودة.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ والشكور في حق الله تعالى مجاز والمعنى أنه تعالى يحسن إلى المطيعين في إيصال الثواب إليهم وفي أن يزيد عليه أنواعاً كثيرة من التفضيل.
وقال تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افَتَرَى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ واعلم أن الكلام في أول السورة إنما اتبدئ في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بوحي الله وهو قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم ﴾ واتصل الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق البعض بالبعض حتى وصل إلى هاهنا، ثم حكى هاهنا شبهة القوم وهي قولهم: إن هذا ليس وحياً من الله تعالى فقال: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ قال صاحب الكشاف: أم منقطعة، ومعنى الهمزة نفس التوبيخ كأنه قيل: أيقع في قلوبهم ويجري في ألسنتهم أن ينسبوا مثله إلى الافتراء على الله الذي هو أقبح أنواع الفرية وأفحشها، ثم أجاب عنه بأن قال: ﴿ فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال مجاهد يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك قولهم إنه مفتر كذاب والثاني: يعني بهذا الكلام أنه إن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى يفتري عليه الكذب فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل هذه الحالة، والمقصود من ذكر هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد، ومثاله أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين، لعلّ الله خذلني لعلّ الله أعمى قلبي، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب لنفسه، وإنما يريد استبعاد صدور الخيانة عنه.
ثم قال تعالى: ﴿ وَيَمْحُ الله الباطل وَيُحِقُّ الحق ﴾ أي ومن عادة الله إبطال الباطل وتقرير الحق فلو كان محمد مبطلاً كذاباً لفضحه الله ولكشف عن باطله ولما أيده بالقوة والنصرة، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس من الكاذبين المفترين على الله، ويجوز أن يكون هذا وعداً من الله لرسوله بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والفرية والتكذيب ويثبت الحق الذي كان محمد صلى الله عليه وسلم عليه.
ثم قال: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ أي إن الله عليم بما في صدرك وصدورهم فيجري الأمر على حسب ذلك، وعن قتادة يختم على قلبك ينسيك القرآن ويقطع عنك الوحي، بمعنى لو افترى على الله الكذب لفعل الله به ذلك.
واعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾ ثم برأ رسوله مما أضافوه إليه من هذا وكان من المعلوم أنهم قد استحقوا بهذه الفرية عقاباً عظيماً، لا جرم ندبهم الله إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء وإن عظمت إساءته، فقال: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: يقال قبلت منه الشيء وقبلته عنه، فمعنى قبلته منه أخذته منه وجعلته مبدأ قبلو ومنشأه، ومعنى قبلته عنه أخذته وأثبته عنه وقد سبق البحث المستقصى عن حقيقة التوبة في سورة البقرة، وأقل ما لابد منه الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل، وروى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اللّهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر، فلما فرغ من صلاته قال له علي عليه السلام يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين فتوبتك تحتاج إلى توبة، فقال يا أمير المؤمنين وما التوبة؟
فقال اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته.
المسألة الثانية: قالت المعتزلة يجب على الله تعالى عقلاً قبول التوبة، وقال أصحابنا لا يجب على الله شيء وكل ما يفعله فإنما يفعله بالكرم والفضل، واحتجوا على صحة مذهبهم بهذه الآية فقالوا إنه تعالى تمدح بقبول التوبة، ولو كان ذلك القبول واجباً لما حصل التمدح العظيم، ألا ترى أن من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلماً ولا يقتلهم غضباً، كان ذلك مدحاً قليلاً، أما إذا قال إني أحسن إليهم مع أن ذلك لا يجب عليَّ كان ذلك مدحاً وثناءً.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد الإتيان بالتوبة، أو المراد منه أنه يعفو عن الصغائر، أو المراد منه أنه يعفو عن الكبائر قبل التوبة، والأول باطل وإلا لصار قوله: ﴿ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ عين قوله: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة ﴾ والتكرار خلاف الأصل، والثاني أيضاً باطل لأن ذلك واجب وأداء الواجب لا يتمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة وتارة يعفو ابتداء من غير توبة.
ثم قال: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء على المخاطبة والباقون بالياء على المغايبة، والمعنى أنه تعالى يعلمه فيثيبه على حسناته ويعاقبه على سيئاته.
ثم قال: ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ ﴾ وفيه قولان أحدهما: الذين آمنوا وعملوا الصالحات رفع على أنه فاعل تقديره ويجيب المؤمنون الله فيما دعاهم إليه.
والثاني: محله نصب والفاعل مضمر وهو الله وتقديره، ويستجيب الله للمؤمنين إلا أنه حذف اللام كما حذف في قوله: ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ ﴾ وهذا الثاني أولى لأن الخبر فيما قبل وبعد عن الله لأن ما قبل الآية قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ وما بعدها قوله: ﴿ وَيَزِيدُهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ فيزيد عطف على ويستجيب، وعلى الأول ويجيب العبد ويزيد الله من فضله.
أما من قال إن الفعل للذين آمنوا ففيه وجهان: أحدهما: ويجيب المؤمنون ربهم فيما دعاهم إليه والثاني: يطيعونه فيما أمرهم به، والاستجابة الطاعة.
وأما من قال إن الفعل لله فقد اختلفوا، فقيل يجيب الله دعاء المؤمنين ويزيدهم ما طلبوه من فضله، فإن قالوا تخصيص المؤمنين بإجابة الدعاء هل يدل على أنه تعالى لا يجيب دعاء اكفار؟
قلنا قال بعضهم لا يجوز لأن إجابة الدعاء تعظيم، وذلك لا يليق بالكفار، وقيل يجوز على بعض الوجوه، وفائدة التخصيص أن إجابة دعاء المؤمنين تكون على سلبيل التشريف، وإجابة دعاء الكافرين تكون على سبيل الاستدراج، ثم قال: ﴿ وَيَزِيدُهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ أي يزيدهم على ما طلبوه بالدعاء ﴿ والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ والمقصود التهديد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَرَى الظالمين ﴾ في الآخرة ﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ خائفين خوفاً شديداً أرق قلوبهم ﴿ مِمَّا كَسَبُواْ ﴾ من السيئات ﴿ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ يريد: ووباله واقع بهم وواصل إليهم لابد لهم منه، أشفقوا أو لم يشفقوا.
كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها وأنزهها ﴿ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ منصوب بالظرف لا بيشاؤون قرئ ﴿ يبشر ﴾ من بشره.
ويبشر من أبشره.
ويبشر، من بشره.
والأصل: ذلك الثواب الذي يبشر الله به عباده، فحذف الجار، كقوله تعالى: ﴿ واختار موسى قَوْمَهُ ﴾ [الأعراف: 155] ثم حذف الراجع إلى الموصول، كقوله تعالى: ﴿ أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً ﴾ [الفرقان: 41] أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده.
روي أنه اجتمع المشركون في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض: أترون محمداً يسأل على ما يتعاطاه أجراً؟
فنزلت الآية: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ يجوز أن يكون استثناء متصلاً، أي: لا أسألكم أجراً إلا هذا، وهو أن تودوا أهل قرابتي؛ ولم يكن هذا أجراً في الحقيقة؛ لأنّ قرابته قرابتهم، فكانت صلتهم لازمة لهم في المروءة.
ويجوز أن يكون منقطعاً، أي: لا أسألكم أجراً قط ولكنني أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم.
فإن قلت: هلا قيل: إلا مودّة القربى: أو إلا المودة للقربى.
وما معنى قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ [الشورى: 23] ؟
قلت: جلعوا مكاناً للمودة ومقراً لها، كقولك: لي في آل فلان مودّة.
ولي فيهم هوى وحب شديد، تريد: أحبهم وهم مكان حبي ومحله، وليست (في) بصلة للمودَّة، كاللام إذا قلت: إلا المودّة للقربى.
إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس.
وتقديره: إلا المودّة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها.
والقربى: مصدر كالزلفى والبشرى، بمعنى: قرابة.
والمراد في أهل القربى.
وروى أنها لما نزلت قيل: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟
قال: «عليّ وفاطمة وابناهما» ويدل عليه ما روى عن علي رضي الله عنه: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حسد الناس لي.
فقال: ﴿ أما ترضى أن تكون رابع أربعة: أوّل من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذريتنا خلف أزواجنا ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي.
ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة» وروي: أنّ الأنصار قالوا: فعلنا وفعلنا، كأنهم افتخروا، فقال عباس أو ابن عباس رضي الله عنهما: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم في مجالسهم فقال: «يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي» ؟
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: «ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي» ؟
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: «أفلا تجيبونني» ؟
قالوا: ما نقول يا رسول الله؟
قال: «ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك، أو لم يكذبوك فصدقناك، أو لم يخذلوك فنصرناك» قال: فما زال يقول حتى جثوا على الركب وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله.
فنزلت الآية.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات على حب آل محمد مات شهيداً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة، ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة» وقيل: لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم قربى، فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه نزلت.
والمعنى: إلا أن تودوني في القربى، أي: في حق القربى أو من أجلها، كما تقول: الحب في الله والبغض في الله، بمعنى: في حقه ومن أجله، يعني: أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذوني ولا تهيجوا عليّ.
وقيل: أتت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال جمعوه وقالوا: يا رسول الله، قد هدانا الله بك وأنت ابن أختنا وتعروك نوائب وحقوق ومالك سعة، فاستعن بهذا على ما ينوبك، فنزلت وردّه.
وقيل ﴿ القربى ﴾ : التقرب إلى الله تعالى، أي: إلا أن تحبوا الله ورسوله في تقرّبكم إليه بالطاعة والعمل الصالح.
وقرئ: ﴿ إلا مودّة في القربى ﴾ ﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ﴾ عن السدّي أنها المودّة في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ومودّته فيهم.
والظاهر: العموم في أي حسنة كانت؛ إلا أنها لما ذكرت عقيب ذكر المودّة في القربى: دل ذلك على أنها تناولت المودّة تناولاً أوّلياً، كأنّ سائر الحسنات لها توابع.
وقرئ ﴿ يزد ﴾ أي: يزد الله.
وزيادة حسنها من جهة الله مضاعفتها، كقوله تعالى: ﴿ مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ [البقرة: 245] وقرئ ﴿ حسنى ﴾ وهي مصدر كالبشرى، الشكور في صفة الله: مجاز للاعتداد بالطاعة، وتوفيه ثوابها، والتفضل على المثاب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَرى الظّالِمِينَ ﴾ في القِيامَةِ.
﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ خائِفِينَ.
﴿ مِمّا كَسَبُوا ﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ.
﴿ وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ ﴾ أيْ وبالُهُ لاحِقٌ بِهِمْ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا.
﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ ﴾ في أطْيَبِ بِقاعِها وأنْزَهِها.
﴿ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ ما يَشْتَهُونَهُ ثابِتٌ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ.
﴿ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ الَّذِي يَصْغُرُ دُونَهُ ما لِغَيْرِهِمْ في الدُّنْيا.
﴿ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ ذَلِكَ الثَّوابُ الَّذِي يُبَشِّرُهُمُ اللَّهُ بِهِ فَحَذَفَ الجارَّ ثُمَّ العائِدَ، أوْ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ الَّذِي يُبَشِّرُهُ اللَّهُ عِبادَهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُبَشِّرُ مَن بَشَّرَهُ وقُرِئَ «يُبْشِرُ» مِن أبْشَرَهُ.
﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ عَلى ما أتَعاطاهُ مِنَ التَّبْلِيغِ والبِشارَةِ.
﴿ أجْرًا ﴾ نَفْعًا مِنكم.
﴿ إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ أيْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكُمْ، أوْ تَوَدُّوا قَرابَتِي، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ والمَعْنى: لا أسْألُكم أجْرًا قَطُّ ولَكِنِّي أسْألُكُمُ المَوَدَّةَ، وفي القُرْبى حالٌ مِنها أيْ إلّا المَوَدَّةَ ثابِتَةً في ذَوِي القُرْبى مُتَمَكِّنَةً في أهْلِها، أوْ في حَقِّ القَرابَةِ ومِن أجْلِها كَما جاءَ فِي الحَدِيثِ: «الحُبُّ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ».» رُوِيَ: «أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ مَوَدَّتُهم عَلَيْنا؟
قالَ: «عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما».» وَقِيلَ: القُرْبى التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ أيْ إلّا أنْ تَوَدُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ في تَقَرُّبِكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وقُرِئَ «إلّا مَوَدَّةً في القُرْبى» .
﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ﴾ ومَن يَكْتَسِبْ طاعَةً سِيَّما حُبَّ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومَوَدَّتِهِ لَهم.
﴿ نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا ﴾ في الحَسَنَةِ بِمُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وقُرِئَ «يَزِدْ» أيْ يَزِدِ اللَّهُ وحُسْنى.
﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لِمَن أذْنَبَ.
﴿ شَكُورٌ ﴾ لِمَن أطاعَ بِتَوْفِيَةِ الثَّوابِ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِ بِالزِّيادَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{ذلك} أي الفضل الكبير {الذى يُبَشِّرُ الله} يَبْشُر مكي وأبو عمرو وحمزة وعلي {عِبَادَهُ الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات} أي به عباده الذين آمنوا فحذف الجار كفولة واختار موسى قومه ثم حذف الراجع إلى الموصول كقوله أهذا الذى بعث الله رسولا ولما قال المشركون ايبتغى على تبليغ الرسالة أجراً نزل {قُل لاَّ أسألكم عَلَيْهِ} على التبليغ {أَجْراً إِلاَّ المودة فِى القربى} يجوز أن يكون استثناء متصلاً أي لا أسألكم عليه أجراً إلا هذا وهو أن تودوا أهل قرابتي ويجوز أن يكون منقطعا اى لا اسالكم أجراً قط ولكني أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم ولم يقل إلا مودة القربى أو المودة للقربى لأنهم جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها كفولك لي في ال فلان موة ولي فيهم حب شديد تريد أحبهم وهم مكان حبى ومحله وليست في بصلة للمودة كاللام إذا قلت إلا المودة للقربى إنما هى متعلقة بمحذوف تعلق الظرف
به في قولك المال في الكيس وتقديره إلا المودة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها والقربى مصدر كالزلفى والبشرى بمعنى القرابة والمراد في أهل القربى ورُوي أنه لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال علي وفاطمة وابناهما وقل معناه إلا أن تودوني لقرابتي فيكم ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي إذ لم يكن من بطون قريش الا رسول الله وبينهم قرابة وقيل القربى التقرب إلى الله تعالى أي إلا أن تحبوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل الصالح {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} يكتسب طاعة عن السدي أنها المودة في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت في ابى بكر رضى الله عنه ومودته فيهم والظاهر العموم في أي حسنة كانت إلا أنها تتناول المودة تناولاً أولياً لذكرها عقيب ذكر المودة في القربى {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً} أي نضاعفها كقوله مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ له اضعافا كثيرة وقرىء
الشورى (٢٦ - ٢٣)
شكور {حسنا} وهو مصدر كالبشرى والضمير يعود إلى الحسنة أو إلى الجنة {إِنَّ الله غَفُورٌ} لمن أذنب بطوله {شَكُورٌ} لمن أطاع بفضله وقيل قابل للتوبة حامل عليها وقيل الشكور في صفة الله تعالى عبارة عن الاعتداد بالطاعة وتوفية ثوابها والتفضل عن المثاب
﴿ ذَلِكَ ﴾ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ أوِ اَلثَّوابُ اَلْمَفْهُومُ مِنَ اَلسِّياقِ هو ﴿ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ أيْ يُبَشِّرُ بِهِ فَحَذَفَ اَلْجارَّ ثُمَّ اَلْعائِدَ إلى اَلْمَوْصُولِ كَما هو عادَتُهم في اَلتَّدْرِيجِ في اَلْحَذْفِ، ولا مانِعَ كَما قالاَلشِّهابُ مِن حَذْفِهِما دَفْعَةً، وجَوَّزَ كَوْنَ ذَلِكَ إشارَةً إلى اَلتَّبْشِيرِ اَلْمَفْهُومِ مِن ﴿ يُبَشِّرُ ﴾ بَعْدُ والإشارَةُ قَدْ تَكُونُ لِما يُفْهَمُ بَعْدُ كَما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ ونَحْوِهِ، والعائِدُ إلى اَلْمَوْصُولِ ضَمِيرٌ مَنصُوبٌ بِيُبَشِّرُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لَهُ لِأنَّهُ ضَمِيرُ اَلْمَصْدَرِ أيْ ذَلِكَ اَلتَّبْشِيرُ يُبَشِّرُهُ اَللَّهُ عِبادَهُ وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ لا يَظْهَرُ جَعْلُ اَلْإشارَةِ إلى اَلتَّبْشِيرِ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ لَفْظِ اَلْبُشْرى ولا ما يَدُلُّ عَلَيْها وهو ناشِئٌ عَنِ اَلْغَفْلَةِ عَمّا سَمِعْتُ فَلا حاجَةَ في اَلْجَوابِ عَنْهُ أنَّ كَوْنَ ما تَقَدَّمَ تَبْشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ كافٍ في صِحَّةِ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ومِنَ اَلنَّحْوِيِّينَ مَن جَعَلَ اَلَّذِي مَصْدَرِيَّةً حَكاهُ اِبْنُ مالِكٍ عَنْ يُونُسَ وتَأوَّلَ عَلَيْهِ هَذِهِ اَلْآيَةَ أيْ ذَلِكَ تَبْشِيرُ اَللَّهِ تَعالى عِبادَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِلِاشْتِراكِ بَيْنَ مُخْتَلِفَيِ اَلْحَدِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وقَدْ ثَبَتَتِ اِسْمِيَّةُ اَلَّذِي فَلا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لا يَقُومُ بِهِ دَلِيلٌ ولا شُبْهَةٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ يَعْمُرَ.
وابْنُ أبِي إسْحاقَ.
والجَحْدَرِيُّ.
والأعْمَشُ.
وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ.
والكِسائِيُّ.
وحَمْزَةُ (يَبْشُرُ) ثُلاثِيًّا.
ومُجاهِدٌ.
وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ بِضَمِّ اَلْياءِ وتَخْفِيفِ اَلشِّينِ مِن أبْشَرَ وهو مُعَدّى بِالهَمْزَةِ مِن بَشِرَ اَللّازِمِ اَلْمَكْسُورِ اَلشِّينِ وإمّا بَشَرَ بِفَتْحِها فَمُتَعَدٍّ وبَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ اَلْمُعَدّى إلى واحِدٍ وهو مُخَفَّفٌ لا يُعَدّى بِالتَّضْعِيفِ إلَيْهِ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَلى ما أتَعاطاهُ لَكم مِنَ اَلتَّبْلِيغِ والبِشارَةِ وغَيْرِهِما ﴿ أجْرًا ﴾ أيْ نَفْعًا ما، ويَخْتَصُّ في اَلْعُرْفِ بِالمالِ ﴿ إلا المَوَدَّةَ ﴾ أيْ إلّا مَوَدَّتَكم إيّايَ ﴿ فِي القُرْبى ﴾ أيْ لِقَرابَتِي مِنكم فَفي لِلسَّبَبِيَّةِ مِثْلُها في «(إنَّ اِمْرَأةً دَخَلَتِ اَلنّارَ في هِرَّةٍ)» فَهي بِمَعْنى اَللّامِ لِتَقارُبِ اَلسَّبَبِ والعِلَّةِ، وإلى هَذا اَلْمَعْنى ذَهَبَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ والخِطابُ إمّا لِقُرَيْشٍ عَلى ما قِيلَ: إنَّهم جَمَعُوا لَهُ مالًا وأرادُوا أنْ يُرْشُوهُ عَلى أنْ يُمْسِكَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ فَلَمْ يَفْعَلْ ونَزَلَتْ.
ولَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ في جَمِيعِهِمْ قَرابَةٌ.
أخْرَجَ أحْمَدُ.
والشَّيْخانِ.
واَلتِّرْمِذِيُّ.
وغَيْرُهم عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبى آلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: عَجِلْتَ إنَّ اَلنَّبِيَّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا كانَ لَهُ فِيهِمْ قُرابَةٌ أوْ لِلْأنْصارِ بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّهم أتَوْهُ بِمالٍ لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلى ما يَنُوبُهُ فَنَزَلَتْ فَرَدَّهُ، ولَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قَرابَةٌ مِنهم لِأنَّهم أخْوالُهُ فَإنَّ أُمَّ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ وهي سَلْمى بِنْتُ زَيْدٍ اَلنَّجّارِيَّةُ مِنهم وكَذا أخْوالُ آمِنَةَ أُمِّهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا عَلى ما في بَعْضِ اَلتَّوارِيخِ مِنَ اَلْأنْصارِ أيْضًا أوْ لِجَمِيعِ اَلْعَرَبِ لِقَرابَتِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم جَمِيعًا في اَلْجُمْلَةِ كَيْفَ لا وهم إمّا عَدْنانِيُّونَ وقُرَيْشٌ مِنهم وإمّا قَحْطانِيُّونَ والأنْصارُ مِنهُمْ، وقَرابَتُهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ مِن كُلٍّ قَدْ عُلِمَتْ وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ قَرابَتَهُ مِن جَمِيعِ اَلْعَرَبِ، وقُضاعَةُ مِن قَحْطانَ لا قِسْمٌ بِرَأْسِهِ عَلى ما عَلَيْهِ مُعْظَمُ اَلنَّسّابِينَ، والمَعْنى إنْ لَمْ تَعْرِفُوا حَقِّي لِنُبُوَّتِي وكَوْنِي رَحْمَةً عامَّةً ونِعْمَةً تامَّةً فَلا أقَلَّ مِن مَوَدَّتِي لِأجْلِ حَقِّ اَلْقَرابَةِ وصِلَةِ اَلرَّحِمِ اَلَّتِي تَعْتَنُونَ بِحِفْظِها ورِعايَتِها.
وحاصِلُهُ لا أطْلُبُ مِنكم إلّا مَوَدَّتِي ورِعايَةَ حُقُوقِي لِقَرابَتِي مِنكم وذَلِكَ أمْرٌ لازِمٌ عَلَيْكُمْ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا في اَلصَّحِيحَيْنِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ بَلْ جاءَ ذَلِكَ عَنْهُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ في رِواياتٍ كَثِيرَةٍ وظاهِرُها أنَّ اَلْخِطابَ لِقُرَيْشٍ مِنها ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ.
وابْنُ سَعْدٍ.
وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ.
والحاكِمُ وصَحَّحَهُ.
وابْنُ مَرْدُوَيْهِ.
والبَيْهَقِيُّ في اَلدَّلائِلِ عَنِ اَلشَّعْبِيِّ قالَ: أكْثَرَ اَلنّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ اَلْآيَةِ ﴿ قُلْ لا أسْألُكُمْ ﴾ إلَخْ فَكَتَبْنا إلى اِبْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ فَكَتَبَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ وسَطَ اَلنَّسَبِ في قُرَيْشٍ لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدُوهُ قالَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ عَلى ما أدْعُوكم عَلَيْهِ ﴿ إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم وتَحْفَظُونِي بِها.
ومِنها ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ.
وابْنُ اَلْمُنْذِرِ.
وابْنُ أبِي حاتِمٍ.
والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَرابَةٌ مِن جَمِيعِ قُرَيْشٍ فَلَمّا كَذَّبُوهُ وأبَوْا أنْ يُتابِعُوهُ قالَ: يا قَوْمِ إذا أبَيْتُمْ أنْ تُتابِعُونِي فاحْفَظُوا قَرابَتِي فِيكم ولا يَكُونُ غَيْرُكم مِنَ اَلْعَرَبِ أوْلى بِحِفْظِي ونُصْرَتِي مِنكُمْ،»، والظّاهِرُ مِن هَذِهِ اَلْأخْبارِ أنَّ اَلْآيَةَ مَكِّيَّةٌ والقَوْلُ بِأنَّها في اَلْأنْصارِ يَقْتَضِي كَوْنَها مَدَنِيَّةً، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ بِناءً عَلى ما سَمِعْتُ مِن تَعْمِيمِ اَلْأجْرِ.
وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى اَلتَّعْمِيمِ.
وكَوْنُ اَلْمَوَدَّةِ اَلْمَذْكُورَةِ مِن أفْرادِ اَلْأجْرِ اِدِّعاءٌ كافٍ لِاتِّصالِ اَلِاسْتِثْناءِ، وقِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ إمّا بِناءً عَلى أنَّ اَلْمَوَدَّةَ لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَتْ أجْرًا أصْلًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِأنَّها لازِمَةٌ لَهم لِيُمْدَحُوا بِصِلَةِ اَلرَّحِمِ فَنَفْعُها عائِدٌ عَلَيْهِمْ والِانْقِطاعُ أقْطَعُ لِتَوَهُّمِ اَلْمُنافاةِ بَيْنَ هَذِهِ اَلْآيَةِ والآياتِ اَلْمُتَضَمِّنَةِ لِنَفْيِ سُؤالِ اَلْأجْرِ مُطْلَقًا وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ اَلْمَعْنى لا أطْلُبُ مِنكم أجْرًا إلّا مَحَبَّتَكم أهْلَ بَيْتِي وقَرابَتِي.
وفي اَلْبَحْرِ أنَّهُ قَوْلُ اِبْنِ جُبَيْرٍ.
والسُّدِّيِّ.
وعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، و(فِي) عَلَيْهِ لِلظَّرْفِيَّةِ اَلْمَجازِيَّةِ.
و(القُرْبى) بِمَعْنى اَلْأقْرِباءِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ اَلْحالِ أيْ إلّا اَلْمَوَدَّةَ ثابِتَةً في أقْرِبائِي مُتَمَكِّنَةً فِيهِمْ، ولِمَكانَةِ هَذا اَلْمَعْنى لَمْ يَقُلْ: إلّا مَوَدَّةَ اَلْقُرْبى، وذَكَرَ أنَّهُ عَلى اَلْأوَّلِ كَذَلِكَ وأمْرُ اِتِّصالِ اَلِاسْتِثْناءِ وانْقِطاعِهِ عَلى ما سَبَقَ، والمُرادُ بِقَرابَتِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ في هَذا اَلْقَوْلِ قِيلَ: ولَدُ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ، وقِيلَ عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَدُها رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، أخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ.
وابْنُ أبِي حاتِمٍ.
والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ اِبْنِ جُبَيْرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «(لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ ﴿ قُلْ لا أسْألُكُمْ ﴾ إلَخْ قالُوا: يا رَسُولَ اَللَّهِ مَن قَرابَتُكَ اَلَّذِينَ وجَبَتْ مَوَدَّتُهُمْ؟
قالَ عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَدُها صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى اَلنَّبِيِّ وعَلَيْهِمْ)».
وسَنَدُ هَذا اَلْخَبَرِ عَلى ما قالَ اَلسُّيُوطِيُّ في اَلدُّرِّ اَلْمَنثُورِ ضَعِيفٌ، ونَصَّ عَلى ضَعْفِهِ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ اَلْكَشّافِ اِبْنُ حَجَرٍ، وأيْضًا لَوْ صَحَّ لَمْ يَقُلِ اِبْنُ عَبّاسٍ ما حُكِيَ عَنْهُ في اَلصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما وقَدْ تَقَدَّمَ إلّا أنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِن أهْلِ اَلْبَيْتِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي اَلدَّيْلَمِ قالَ: لَمّا جِيءَ بِعَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما أسِيرًا فَأُقِيمَ عَلى دَرَجِ دِمَشْقَ قامَ رَجُلٌ مِن أهْلِ اَلشّامِ فَقالَ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي قَتَلَكم واسْتَأْصَلَكم فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أقَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ؟
قالَ: نَعَمْ قالَ: أقَرَأْتَ آلَ حم؟
قالَ: نَعَمْ قالَ: ما قَرَأْتَ: ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ قالَ: فَإنَّكم لَأنْتُمْ هُمْ؟
قالَ: نَعَمْ.
ورَوى ذاذانُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: فِينا في آلِ حم آيَةٌ لا يَحْفَظُ مَوَدَّتَنا إلّا مُؤْمِنٌ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ اَلْآيَةَ، وإلى هَذا أشارَ اَلْكُمَيْتُ في قَوْلِهِ: وجَدْنا لَكم في آلِ حم آيَةً تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ اَلسَّيِّدِ عُمَرَ اَلْهَيْتِيِّ أحَدِ اَلْأقارِبِ اَلْمُعاصِرِينَ حَيْثُ يَقُولُ: بِأيَّةِ آيَةٍ يَأْتِي يَزِيدُ ∗∗∗ غَداةَ صَحائِفُ اَلْأعْمالِ تُتْلى وقامَ رَسُولُ رَبِّ اَلْعَرْشِ يَتْلُو ∗∗∗ وقَدْ صُمَّتْ جَمِيعُ اَلْخَلْقِ قُلْ لا والخِطابُ عَلى هَذا اَلْقَوْلِ لِجَمِيعِ اَلْأُمَّةِ لا لِلْأنْصارِ فَقَطْ وإنْ ورَدَ ما يُوهِمُ ذَلِكَ فَإنَّهم كُلَّهم مُكَلَّفُونَ بِمَوَدَّةِ أهْلِ اَلْبَيْتِ، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ.
واَلتِّرْمِذِيُّ.
والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ (أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «أُذَكِّرُكُمُ اَللَّهَ تَعالى في أهْلِ بَيْتِي».
وأخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ.
وحَسَّنَهُ.
والطَّبَرانِيُّ.
والحاكِمُ.
والبَيْهَقِيُّ في اَلشُّعَبِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ «(أحِبُّوا اَللَّهَ تَعالى لِما يَغْذُوكم بِهِ مِن نِعْمَةٍ وأحِبُّونِي لِحُبِّ اَللَّهِ تَعالى وأحِبُّوا أهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي)» وأخْرَجَ اِبْنُ حِبّانَ.
والحاكِمُ.
عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَبْغَضُنا أهْلَ اَلْبَيْتِ رَجُلٌ إلّا أدْخَلَهُ اَللَّهُ تَعالى اَلنّارَ)» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً مِنَ اَلْأخْبارِ، وفي بَعْضِها ما يَدُلُّ عَلى عُمُومِ اَلْقُرْبى وشُمُولِها لِبَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ.
واَلتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ.
والنَّسائِيُّ عَنِ اَلْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: «دَخَلَ اَلْعَبّاسُ عَلى رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنّا لَنَخْرُجُ فَنَرى قُرَيْشًا تُحَدِّثُ فَإذا رَأوْنا سَكَتُوا فَغَضِبَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ودَرَّ عَرَقٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قالَ: واَللَّهِ لا يَدْخُلُ قَلْبَ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ إيمانٌ حَتّى يُحِبَّكم لِلَّهِ تَعالى ولِقَرابَتِي،» وهَذا ظاهِرٌ إنْ خَصَّ اَلْقُرْبى بِالمُؤْمِنِينَ مِنهم وإلّا فَقِيلَ: إنَّ اَلْحُكْمَ مَنسُوخٌ، وفِيهِ نَظَرٌ، والحَقُّ وُجُوبُ مَحَبَّةِ قَرابَتِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَيْثُ إنَّهم قَرابَتُهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَيْفَ كانُوا، وما أحْسَنَ ما قِيلَ: دارَيْتُ أهْلَكَ في هَواكَ وهم عِدا ∗∗∗ ولِأجْلِ عَيْنٍ ألْفُ عَيْنٍ تُكْرَمُ وكُلَّما كانَتْ جِهَةُ اَلْقَرابَةِ أقْوى كانَ طَلَبُ اَلْمَوَدَّةِ أشُدَّ، فَمَوَدَّةُ اَلْعَلَوِيِّينَ اَلْفاطِمِيِّينَ ألْزَمُ مِن مَحَبَّةِ اَلْعَبّاسِيِّينَ عَلى اَلْقَوْلِ بِعُمُومِ (اَلْقُرْبى) وهي عَلى اَلْقَوْلِ بِالخُصُوصِ قَدْ تَتَفاوَتُ أيْضًا بِاعْتِبارِ تَفاوُتِ اَلْجِهاتِ والِاعْتِباراتِ وآثارُ تِلْكَ اَلْمَوَدَّةِ اَلتَّعْظِيمُ والِاحْتِرامُ والقِيامُ بِأداءِ اَلْحُقُوقِ أتَمَّ قِيامٍ، وقَدْ تَهاوَنَ كَثِيرٌ مِنَ اَلنّاسِ بِذَلِكَ حَتّى عَدُّوا مِنَ اَلرَّفْضِ اَلسُّلُوكَ في هاتِيكَ اَلْمَسالِكِ.
وأنا أقُولُ قَوْلَ اَلشّافِعِيِّ اَلشّافِي اَلْعَيَّ: يا راكِبًا قِفْ بِالمُحَصَّبِ مِن مِنًى ∗∗∗ واهْتِفْ بِساكِنِ خِيفِها والنّاهِضِ سَحَرًا إذا فاضَ اَلْحَجِيجُ إلى مِنى ∗∗∗ فَيْضًا كَمُلْتَطِمِ اَلْفُراتِ اَلْفائِضِ إنْ كانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَلْيَشْهَدِ اَلثَّقَلانِ أنِّي رافِضِي ومَعَ هَذا لا أُعِدُّ اَلْخُرُوجَ عَمّا يَعْتَقِدُهُ أكابِرُ أهْلِ اَلسُّنَّةِ في اَلصَّحابَةِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم دِينًا وأرى حُبَّهم فَرْضًا عَلَيَّ مُبَيَّنًا فَقَدْ أوْجَبَهُ أيْضًا اَلشّارِعُ وقامَتْ عَلى ذَلِكَ اَلْبَراهِينُ اَلسَّواطِعُ.
ومِنَ اَلظَّرائِفِ ما حَكاهُ اَلْإمامُ عَنْ بَعْضِ اَلْمُذَكِّرِينَ قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «(مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي كَسَفِينَةِ نُوحٍ مَن رَكِبَ فِيها نَجا ومَن تَخَلَّفَ عَنْها هَلَكَ)» وقالَ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «(أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اِقْتَدَيْتُمُ اِهْتَدَيْتُمْ)» ونَحْنُ اَلْآنُ في بَحْرِ اَلتَّكْلِيفِ وتَضْرِبُنا أمْواجُ اَلشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ وراكِبُ اَلْبَحْرِ يَحْتاجُ إلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما اَلسَّفِينَةُ اَلْخالِيَةُ عَنِ اَلْعُيُوبِ، والثّانِي اَلْكَواكِبُ اَلطّالِعَةُ اَلنَّيِّرَةُ، فَإذا رَكِبَ تِلْكَ اَلسَّفِينَةَ ووَضَعَ بَصَرَهُ عَلى تِلْكَ اَلْكَواكِبِ كانَ رَجاءُ اَلسَّلامَةِ غالِبًا، فَلِذَلِكَ رَكِبَ أصْحابُنا أهْلُ اَلسُّنَّةِ سَفِينَةَ حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ووَضَعُوا أبْصارَهم عَلى نُجُومِ اَلصَّحابَةِ يَرْجُونَ أنْ يَفُوزُوا بِالسَّلامَةِ والسَّعادَةِ في اَلدُّنْيا والآخِرَةِ اِنْتَهى، والكَثِيرُ مِنَ اَلنّاسِ في حَقِّ كُلٍّ مِنَ اَلْآلِ والأصْحابِ في طَرَفَيِ اَلتَّفْرِيطِ والإفْراطِ وما بَيْنَهُما هو اَلصِّراطُ اَلْمُسْتَقِيمُ، ثَبَّتَنا اَللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ اَلصِّراطِ.
وقالَ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ اَلْقاسِمِ: اَلْمَعْنى لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ يَوَدَّ بَعْضُكم بَعْضًا وتَصِلُوا قُراباتِكُمْ، وأمْرُ (فِي) والِاسْتِثْناءُ لا يَخْفى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ اَلْحَسَنِ أنَّ اَلْمَعْنى لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا اَلتَّقَرُّبَ إلى اَللَّهِ تَعالى بِالعَمَلِ اَلصّالِحِ فالقُرْبى بِمَعْنى اَلْقَرابَةِ ولَيْسَ اَلْمُرادُ قُرابَةَ اَلنَّسَبِ؛ قِيلَ: ويَجْرِي في اَلِاسْتِثْناءِ اَلِاتِّصالُ والِانْقِطاعُ، واسْتَظْهَرَ اَلْخَفاجِيُّ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ وأنَّهُ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ اَلْبَيْتَ، وأراهُ عَلى اَلْقَوْلِ قَبْلَهُ كَذَلِكَ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما (إلّا مَوَدَّةً في اَلْقُرْبى) هَذا ومِنَ اَلشِّيعَةِ مَن أوْرَدَ اَلْآيَةَ في مَقامِ اَلِاسْتِدْلالِ عَلى إمامَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: عَلِيٌّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ واجِبُ اَلْمَحَبَّةِ وكُلُّ واجِبِ اَلْمَحَبَّةِ واجِبُ اَلطّاعَةِ وكُلُّ واجِبِ اَلطّاعَةِ صاحِبُ اَلْإمامَةِ يَنْتِجُ عَلِيٌّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ صاحِبُ اَلْإمامَةِ وجَعَلُوا اَلْآيَةَ دَلِيلَ اَلصُّغْرى، ولا يَخْفى ما في كَلامِهِمْ هَذا مِنَ اَلْبَحْثِ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ اَلِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى اَلصُّغْرى لا يَتِمُّ إلّا عَلى اَلْقَوْلِ بِأنَّ مَعْناها لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّوا قَرابَتِي وتُحِبُّوا أهْلَ بَيْتِي وقَدْ ذَهَبَ اَلْجُمْهُورُ إلى اَلْمَعْنى اَلْأوَّلِ، وقِيلَ في هَذا اَلْمَعْنى: إنَّهُ لا يُناسِبُ شَأْنَ اَلنُّبُوَّةِ لِما فِيهِ مِنَ اَلتُّهْمَةِ فَإنَّ أكْثَرَ طَلَبَةِ اَلدُّنْيا يَفْعَلُونَ شَيْئًا ويَسْألُونَ عَلَيْهِ ما يَكُونُ فِيهِ نَفْعٌ لِأوْلادِهِمْ وقُراباتِهِمْ، وأيْضًا فِيهِ مُنافاةُ ما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ ﴾ وأمّا ثانِيًا فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ واجِبِ اَلْمَحَبَّةِ واجِبُ اَلطّاعَةِ فَقَدْ ذَكَرَ اِبْنُ بابَوَيْهِ في كِتابِ اَلِاعْتِقاداتِ أنَّ اَلْإمامِيَّةَ أجْمَعُوا عَلى وُجُوبِ مَحَبَّةِ اَلْعَلَوِيَّةِ مَعَ أنَّهُ لا يَجِبُ طاعَةُ كُلٍّ مِنهُمْ، وأما ثالِثًا فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ واجِبِ اَلطّاعَةِ صاحِبُ اَلْإمامَةِ أيِ اَلزَّعامَةِ اَلْكُبْرى وإلّا لَكانَ كُلُّ نَبِيٍّ في زَمَنِهِ صاحِبَ ذَلِكَ ونَصُّ ﴿ إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا ﴾ يَأْبى ذَلِكَ، وأمّا رابِعًا فَلِأنَّ اَلْآيَةَ تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ اَلصُّغْرى أهْلُ اَلْبَيْتِ واجِبُو اَلطّاعَةِ ومَتى كانَتْ هَذِهِ صُغْرى قِياسُهم لا يَنْتِجُ اَلنَّتِيجَةَ اَلَّتِي ذَكَرُوها ولَوْ سَلَّمْتَ جَمِيعَ مُقَدِّماتِهِ بَلْ يَنْتِجُ أهْلُ اَلْبَيْتِ صاحِبُو اَلْإمامَةِ وهم لا يَقُولُونَ بِعُمُومِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اَلْأبْحاثِ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
﴿ ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ﴾ أيْ يَكْتَسِبُ أيَّ حَسَنَةٍ كانَتْ، والكَلامُ تَذْيِيلٌ، وقِيلَ اَلْمُرادُ بِالحَسَنَةِ اَلْمَوَدَّةُ في قُرْبى اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ.
والسُّدِّيِّ، وأنَّ اَلْآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِشَدَّةِ مَحَبَّتِهِ لِأهْلِ اَلْبَيْتِ، وقِصَّةِ فَدَكَ.
والعَوالِي لا تَأْبى ذَلِكَ عِنْدَ مَن لَهُ قَلْبٌ سَلِيمٌ، والكَلامُ عَلَيْهِ تَتْمِيمٌ، ولَعَلَّ اَلْأوَّلَ أوْلى، وحُبُّ آلِ اَلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أعْظَمِ اَلْحَسَناتِ وتَدْخُلُ في اَلْحَسَنَةِ هُنا دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ نَزِدْ لَهُ فِيها ﴾ أيْ في اَلْحَسَنَةِ ﴿ حُسْنًا ﴾ بِمُضاعَفَةِ اَلثَّوابِ عَلَيْها فَإنَّها يُزادُ بِها حُسْنُ اَلْحَسَنَةِ، فَفي لِلظَّرْفِيَّةِ و(حُسْنًا) مَفْعُولٌ بِهِ أوْ تَمْيِيزٌ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.
وعَبْدُ اَلْوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو.
وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ اَلْكِسائِيِّ (يَزِدْ) بِالياءِ أيْ يَزِدِ اَللَّهُ تَعالى.
وقَرَأ عَبْدُ اَلْوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو (حُسْنى) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وهو مَصْدَرٌ كَبُشْرى أوْ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ أيْ صِفَةً أوْ خَصْلَةً حُسْنى ﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ ساتِرٌ ذُنُوبَ عِبادِهِ ﴿ شَكُورٌ ﴾ مُجازٍ مَن أطاعَ مِنهم بِتَوْفِيَةِ اَلثَّوابِ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِ بِالزِّيادَةِ، وقالَ اَلسُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَكُورٌ لِحَسَناتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ يعني: ألهم آلهة دوني.
شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ أي: بينوا لهم من الدين ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ يعني: ما لم يأمر به.
ويقال: معناه ألهم آلهة ابتدعوا لهم من الدين.
أي: من الشريعة والطريقة.
ويقال: سنوا لهم ما لم يأذن به الله، يعني: ما لم ينزل به الله من الكتاب والدين وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ يعني: القضاء الذي سبق، ألا يعذب هذه الأمة، ويؤخر عذابهم إلى الآخرة.
لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ يعني: أنزل بهم العذاب في الدنيا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ يعني: المشركين.
لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة.
قوله تعالى: تَرَى الظَّالِمِينَ يعني: ترى الكافرين يوم القيامة.
مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا يعني: خائفين مما عملوا في الدنيا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ يعني: نازل بهم ما كانوا يحذرون.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: الذين صدقوا بالتوحيد، وأدّوا الفرائض، والسنن فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ يعني: في بساتين الجنة.
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ من الكرامة.
ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ يعني: المن العظيم.
قوله تعالى: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ يعني: ذلك الثواب الذى يُبَشِّرُ الله عِبادَهُ في الدنيا قرأ حمزة، والكسائي، وابن كثير، وأبو عمرو يُبَشِّرُ بنصب الياء، وجزم الباء، وضم الشين مع التخفيف.
والباقون بالتشديد وقد ذكرناه الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: يبشرهم بتلك الجنة، وبذلك الثواب ثم قال: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً يعني: قل يا محمد لأهل مكة، لا أسألكم عليه أجرا، أي على ما جئتكم به أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قال مقاتل: يعني: إلا أن تصلوا قرابتي، وتكفوا عني الأذى.
ثم نسخ بقوله: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ويقال: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى يعني: إلا، ألاَّ تؤذونني بقرابتي منكم.
قال ابن عباس: ليس حي من أحياء العرب إلا وللنبي فيه قرابة.
وقال الحسن: إِلاَّ المودة فِى القربى، يعني: إلا أن تتوددوا إلى الله تعالى، بما يقربكم منه، وهكذا قال مجاهد، وقال سعيد بن جبير: إِلاَّ المودة فِى القربى، يعني: إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم.
ثم قال: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً يعني: يكتسب حَسَنَةً، نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً يعني: للواحد عشرة.
ويقال: نزد له التوفيق في الدنيا، ونضاعف له الثواب في الآخرة.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ يعني: غفور لمن تاب، شكور يقبل اليسير، ويعطي الجزيل.
<div class="verse-tafsir"
أبو حيان «١» : ضمير هُوَ عائد على العذاب، أو على ما كسبوا بحذف مضاف، أي: وبال ما كسبوا، انتهى، والروضات: المواضع المونقة النضرة.
وقوله تعالى: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ إشارة إلى قوله تعالى في الآية الأخرى:
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً [الأحزاب: ٤٧] .
وقوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى اختلف الناسُ في معناه فقال ابن عباس وغيره: هي آية مَكِّيَّةٌ نزلت في صدر الإسلام، ومعناها: استكفاف شَرِّ الكفار ودفع أذاهم، أي: ما أسألكم على القرآن إلاَّ أَنْ تَوَدُّوني لقرابةٍ بيني وبينكم فَتَكُفُّوا عَنِّي أذاكم «٢» ، قال ابن عباس، وابن إسحاق، وقتادة: ولم يكن في قريش بطن إلّا وللنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيه نسب أو صِهْرٌ «٣» ، فالآية على هذا فيها استعطافٌ مَّا، ودفع أذًى، وطلبُ سلامة منهم، وذلك كله منسوخ بآية السيف، ويحتمل هذا التأويل أنْ يكون معنى الكلام استدعاء نصرهم، أي: لا أسألكم غرامة ولا شيئاً إلاَّ أَنْ تَوَدُّوني لقرابتي منكم، وأنْ تكونوا أولى بي من غيركم، قال ع «٤» : وقُرَيْشٌ كُلُّها عندي قربى، وإنْ كانت تتفاضل، وقد روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «مَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ شَهِيداً، ومَنْ مَاتَ على بُغْضِهِم، لَمْ يَشمَّ رَائِحَةَ الجَنَّةِ» «٥» ، وقال ابن عَبَّاس أيضاً: ما يقتضي أَنَّ الآية مَدَنِيَّةٌ، وأَنَّ
الأنصار جمعت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم مالاً وساقَتْهُ إليه، فَرَدَّهُ عليهم، وَنَزَلَتِ الآيةُ في ذلك «١» ، وقيلَ غَيْرُ هذا، وعلى كُلِّ قول، فالاستثناء منقطع، وإِلَّا بمعنى «لكن» ويَقْتَرِفْ معناه: يَكْتَسِب، ورَجُلٌ قُرَفَةٌ إذا كان محتالاً كسوبا وغَفُورٌ معناه: ساتر عيوب عباده، وشَكُورٌ معناه: مُجِازٍ على الدقيقة من الخير، لا يضيع عنده لعاملٍ عَمَلٌ.
وقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً «أم» هذه مقطوعةٌ مضمنة إضراباً عن كلام متقدِّم، وتقريراً على هذه المقالة منهم.
وقوله تعالى: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ معناه في قول قتادة وفرقة من المفسرين: ينسيك/ القرآن «٢» ، والمراد الرَّدُّ على مقالة الكُفَّار، وبيانُ إبْطَالِهَا، كأَنَّهُ يقُولُ:
وكيف يَصِحُّ أنْ تكون مفترياً، وأنت من اللَّه بمرأًى ومَسْمَعٍ؟
هو قَادِرٌ لو شاء أَنْ يختم على قلبك فلا تَعْقِلُ، ولا تنطق، ولا يستمرُّ افتراؤك فمقصد اللفظ: هذا المعنى، وحُذِفَ ما يَدُلُّ عليه الظاهر اختصاراً واقتصاراً، وقال مجاهد: المعنى: فإن يشإ اللَّه يختمْ على قلبك بالصبر لأذى الكفار، ويربطْ عليك بالجَلَدِ «٣» ، فهذا تأويل لا يتضمَّن الردَّ على مقالتهم قال أبو حَيَّان: وذكر القُشَيْرِيُّ أنَّ الخطاب للكفار، أي: يختم على قلبك أَيُّهَا القائلُ فيكون انتقالاً من الغيبة للخطاب، وَيَمْحُ: استئنافُ إخبارٍ لا داخل في الجواب، وتسقط الواو من اللفظ لالتقاء الساكنين، ومن المصحف حملاً على اللفظ، انتهى.
وقوله تعالى: وَيَمْحُ فعل مستقبل، خبر من اللَّه تعالى أَنَّهُ يمحو الباطل، ولا بُدَّ إمَّا في الدنيا وإمَّا في الآخرة، وهذا بحسب نازلة نازلة، وكتب يَمْحُ في المصحف بحاء مرسلة، كما كتبوا: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ [الإسراء: ١١] إلى غير ذلك مِمَّا ذهبوا فيه إلى الحذف والاختصار.
وقوله: بِكَلِماتِهِ معناه: بما سبق في قديم علمه وإرادته من كون الأشياء، فالكلمات: المعاني القائمة القديمة التي لا تبديلَ لها، ثم ذكر تعالى النعمة في تَفَضُّلِهِ بقبول التوبة من عباده، وقبول التوبة فيما يستأنف العبد من زمانه وأعماله- مقطوعٌ به بهذه الآية، وأمَّا ما سلف من أعماله فينقسم، فأمَّا التوبة من الكفر فَمَاحِيَةٌ كُلَّ ما تَقَدَّمَها من مظالم العباد
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم شُرَكاءُ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ؛ والمَعْنى: ألَهم آلِهَةٌ ﴿ شَرَعُوا ﴾ أيِ: ابْتَدَعُوا ﴿ لَهُمْ ﴾ دِينًا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ؟!
﴿ وَلَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ ﴾ وَهِيَ: القَضاءُ السّابِقُ بِأنَّ الجَزاءَ يَكُونُ في القِيامَةِ ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ في الدُّنْيا بِنُزُولِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ.
والظّالِمُونَ في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي تَلِيها: يُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ.
والإشْفاقُ: الخَوْفُ.
والَّذِي كَسَبُوا: هو الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ، ﴿ وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ ﴾ يَعْنِي جَزاءَهُ.
وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي: ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الجَنّاتِ ﴿ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: "ذَلِكَ" بِمَعْنى: هَذا الَّذِي أخْبَرْتُكم بِهِ بُشْرى يُبَشِّرُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِّينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ بِمَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَتْ تَنُوبُهُ نَوائِبُ ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فَقالَ الأنْصارُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ هَداكُمُ اللَّهُ بِهِ، ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فاجْمَعُوا لَهُ مِن أمْوالِكم مالا يَضُرُّكُمْ، فَفَعَلُوا ثُمَّ أتَوْهُ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ اجْتَمَعُوا في مَجْمَعٍ لَهُمْ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتُرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ عَلى ما يَتَعاطاهُ أجْرًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والهاءُ في "عَلَيْهِ" كِنايَةٌ عَمّا جاءَ بِهِ مِنَ الهُدى.
وَفِي الِاسْتِثْناءِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الجِنْسِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ سائِلًا أجْرًا.
وقَدْ أشارَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ إلى هَذا المَعْنى، ثُمَّ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم.
.
.
﴾ \[الآيَةُ\] [سَبَأٍ: ٤٧]، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَسْألُونَ عَلى تَبْلِيغِهِمْ أجْرًا؛ وإنَّما المَعْنى: لَكِنِّي أُذَكِّرُكُمُ المَوَدَّةَ في القُرْبى، وقَدْ رَوى هَذا المَعْنى جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِنهُمُ العَوْفِيُّ، وهَذا اخْتِيارُ المُحَقِّقِينَ، وهو الصَّحِيحُ، فَلا يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ أصْلًا.
وَفِي المُرادِ بِالقُرْبى خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في الأكْثَرِينَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ إلّا ولِرَسُولِ اللَّهِ فِيهِمْ قَرابَةٌ.
والثّانِي: إلّا [أنْ] تَوَدُّوا قَرابَتِي، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.
ثُمَّ في المُرادِ بِقَرابَتِهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَدُها، وقَدْ رَوَوْهُ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ .
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ ويُقَسَّمُ فِيهِمُ الخُمُسُ، وهم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ تَعالى فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والرّابِعُ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي، كَما تَوَدُّونَ قَرابَتَكُمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: إلّا أنْ تَوَدُّوا قَرابَتَكم وتَصِلُوا أرْحامَكُمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والأوَّلُ: أصَحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ ﴾ أيْ: مَن يَكْتَسِبْ ﴿ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا ﴾ أيْ: نُضاعِفْها بِالواحِدَةِ عَشْرًا فَصاعِدًا.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: "يَزِدْ لَهُ" بِالياءِ ﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لِلذُّنُوبِ ﴿ شَكُورٌ ﴾ لِلْقَلِيلِ حَتّى يُضاعِفَهُ.
﴿ أمْ يَقُولُونَ ﴾ أيْ: بَلْ يَقُولُ كُفّارُ مَكَّةَ ﴿ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ حِينَ زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ!
﴿ فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَخْتِمُ عَلى قَلْبِكَ فَيُنْسِيكَ القُرْآنَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم فَلا يَشُقُّ عَلَيْكَ قَوْلُهُمْ: إنَّكَ مُفْتَرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ بِمَرْدُودٍ عَلى "يَخْتِمُ" فَيَكُونُ جَزْمًا، وإنَّما هو مُسْتَأْنَفٌ، ومِثْلُهُ مِمّا حُذِفَتْ مِنهُ الواوُ ﴿ وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ ﴾ .
وقالَ الكِسائِيُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.
تَقْدِيرُهُ: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الوَقْفُ عَلَيْها "وَيَمْحُوا" بِواوِ وألِفِ؛ والمَعْنى: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ عَلى كُلِّ حالٍ، غَيْرَ أنَّها كُتِبَتْ في المَصاحِفِ بِغَيْرِ واوٍ، لِأنَّ الواوَ تَسْقُطُ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَكُتِبَتْ عَلى الوَصْلِ، ولَفْظُ الواوِ ثابِتٌ؛ والمَعْنى: ويَمْحُو اللَّهُ الشِّرْكَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِما أنْزَلَهُ مِن كِتابِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ تَرى الظالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ ﴿ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ "أمْ" هَذِهِ هي مُنْقَطِعَةٌ لا مُعادِلَةٌ، وهي بِتَقْدِيرِ "بَلْ وألْفِ الِاسْتِفْهامِ"، و"الشُرَكاءُ في هَذِهِ الآيَةِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمِ: الشَياطِينُ والمُغْوِينَ مِن أسْلافِهِمْ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِلْكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ، أيْ: شَرَعَ الشُرَكاءُ لَهم ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ، فالِاشْتِراكُ هُنا هو في الكُفْرِ والغَوايَةِ، ولَيْسَ بِشَرِكَةِ الإشْراكِ بِاللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ"الشُرَكاءِ": الأصْنامَ والأوثانَ عَلى مَعْنى: أمْ لَهم أصْنامٌ جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ في أُلُوهِيَّتِهِ؟
ويَكُونُ الضَمِيرُ في شَرَعُوا" لِهَؤُلاءِ المُعاصِرِينَ مِنَ الكُفّارِ ولِآبائِهِمْ، والضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِلْأصْنامِ الشُرَكاءِ، أيْ: شَرَعَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ وأوثانِهِمْ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ تَعالى، و"شَرَعُوا" مَعْناهُ: أثْبَتُوا ونَهَجُوا ورَسَمُوا، و"الدِينُ" هُنا: العَوائِدُ والأحْكامُ والسِيرَةُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ أيْضًا المُعْتَقَداتُ، لِأنَّهم في جَمِيعِ ذَلِكَ وضَعُوا أوضاعًا، فَأمّا في المُعْتَقَداتِ فَقَوْلُهُمْ: إنَّ الأصْنامَ آلِهَةٌ، وقَوْلُهُمْ: إنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ زُلْفى، وغَيْرَ ذَلِكَ، وأمّا في الأحْكامِ فَكالبَحِيرَةِ والوَصِيلَةِ والحامِي، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ السَوائِبِ ونَحْوَها، و"الإذْنُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الأمْرُ.
و"كَلِمَةُ الفَصْلِ": هي ما سَبَقَ مِن قَضاءِ اللهِ تَعالى بِأنَّهُ يُؤَخِّرُ عِقابَهم إلى الآخِرَةِ، و"القَضاءُ بَيْنَهُمْ": هو عَذابُهم في الدُنْيا ومُجازاتُهم.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَإنَّ الظالِمِينَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جَنْدَبِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى: "كَلِمَةُ"، المَعْنى: وأنَّ الظالِمِينَ لَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرى الظالِمِينَ مُشْفِقِينَ ﴾ هي رُؤْيَةُ بَصَرٍ، و"الظالِمِينَ": مَفْعُولٌ، و"مُشْفِقِينَ" حالٌ، ولَيْسَ لَهم في هَذا الإشْفاقِ مَدْحٌ، لِأنَّهم إنَّما أشْفَقُوا حِينَ نَزَلَ بِهِمْ ووَقَعَ، ولَيْسُوا كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم في الدُنْيا مُشْفِقُونَ مِنَ الساعَةِ كَما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، و"الرَوْضاتُ": المَواضِعُ المُؤَنَّقَةُ النَضِرَةُ، وهي مُرْتَفِعَةٌ في الأغْلَبِ مِنَ الِاسْتِعْمالِ، وهي المَمْدُوحَةُ عِنْدَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴾ ، ومِن ذَلِكَ تَفْضِيلُهم رَوْضاتُ الحُزْنِ لِجَوْدَةِ هَوائِها، قالَ الطَبَرِيُّ: ولا تَقُولُ العَرَبُ لِمَوْضِعِ الأشْجارِ: رِياضُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا ﴾ .
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "يُبَشِّرُ" ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ وشَدِّ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وذَلِكَ عَلى التَعْدِيَةِ والتَضْعِيفِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ: "يُبْشِرُ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وكَسْرِ الشِينِ عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ يَعْمَرُ وابْنُ أبِي إسْحاقٍ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ: "يَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِينِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ الجَحْدَرِيُّ في تَفْسِيرِها: تَرى النَضْرَةَ في الوُجُوهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هي آيَةٌ مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ في صَدْرِ الإسْلامِ، ومَعْناها: اسْتِكْفافُ شَرِّ الكُفّارِ ودَفْعُ أذاهُمْ، أيْ: ما أسْألُكم عَلى القُرْآنِ والدِينِ والدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَةِ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، فَتَكُفُّوا عَنِّي أذاكُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ إسْحاقٍ، وقَتادَةُ: ولَمْ يَكُنْ في قُرَيْشٍ بَطْنٌ إلّا ولِرَسُولِ اللهِ فِيهِ نَسَبٌ أو صِهْرٌ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- هي اسْتِعْطافٌ ما، ودَفْعُ أذى وطَلَبُ سَلامَةٍ مِنهُمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، ويُحْتَمِلُ هَذا التَأْوِيلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الكَلامِ اسْتِدْعاءَ نَصْرِهِمْ، أيْ: لا أسْألُكم غَرامَةً ولا شَيْئًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم وأنْ تَكُونُوا أولى بِي مِن غَيْرِكم.
وقالَ مُجاهِدٌ: إلّا أنْ تَصِلُوا رَحِمِي بِاتِّباعِيِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أيْضًا ما يَقْتَضِي أنَّها مَدَنِيَّةُ، وسَبَبُها أنَّ قَوْمًا مِن شَبابِ الأنْصارِ فاخَرُوا المُهاجِرِينَ ومالُوا بِالقَوْلِ عَلى قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى مَعْنى: إلّا أنْ تَوَدُّونِي فَتُراعُونِيِ في قَرابَتِي وتَحْفَظُونَنِي فِيهِمْ، وقالَ بِهَذا المَعْنى في الآيَةِ عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، واسْتَشْهَدَ بِالآيَةِ حِينَ سِيقَ إلى الشامِ أسِيرًا، وهو تَأْوِيلُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، مَن قَرابَتُكَ الَّذِينَ أُمِرْنا بِمَوَدَّتِهِمْ؟
فَقالَ: "عَلِيُّ وفاطِمَةُ وابْناهُما"،» وقِيلَ: هو ولَدُ عَبْدِ المُطَّلَبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقُرَيْشُ كُلُّها عِنْدِي قُرْبى وإنْ كانَتْ تَتَفاضَلُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "مَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ شَهِيدًا، ومَن ماتَ عَلى بُغْضِهِمْ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الجَنَّةِ"،» وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أيْضًا في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: سَبَبٌ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ الأنْصارَ جَمَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ مالًا وساقَتْهُ إلَيْهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أيْضًا: مَعْنى الآيَةِ: مِن قُرْبى الطاعَةِ والتَزَلُّفِ إلى اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي، لِأنِّي أقْرَبَكم مِنَ اللهِ تَعالى، وأُرِيدُ هِدايَتَكم وأدْعُوكم إلَيْها، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللهِ تَعالى بِالتَقَرُّبِ إلَيْهِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ القاسِمِ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: مَعْنى الآيَةِ: إلّا أنَّ تَتَوَدَّدُوا بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتَصِلُوا قُراباتِكُمْ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- أمْرٌ بِصِلَةِ الرَحِمِ.
وذَكَرَ النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ، والسَدِّيُّ، أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿ قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ ﴾ ، والصَوابُ أنَّها مُحْكَمَةٌ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، و"إلّا" بِمَعْنى "لَكِنْ".
و"يَقْتَرِفْ" مَعْناهُ: يَكْتَسِبُ، ورَجُلٌ قِرْفَةٌ: إذا كانَ مُحْتالًا كَسُوبًا، وقَرَأتْ فَرْقَةٌ: "يَزِدْ" عَلى إسْنادِ الفِعْلِ لِلَّهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَزِدْ" عَلى نُونِ العَظَمَةِ، وزِيادَةُ الحُسْنِ هو التَضْعِيفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ مُؤْمِنِي عِبادِهِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، و"غَفُورٌ" مَعْناهُ: ساتِرُ عُيُوبِ عَبِيدِهِ.
و"شَكُورٌ" مَعْناهُ: مُجازٍ عَلى الدَقِيقَةِ مِنَ الخَيْرِ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ العامِلِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الكبير * ذَلِكَ الذى يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات قُل لاَّ أَسْھَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِى القربى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا ﴾ .
اسم الإشارة مؤكد لنظيره الذي قبله، أي ذلك المذكور الذي هو فضل يحصل لهم في الجنّة هو أيضاً بشرى لهم من الحياة الدنيا.
والعائد من الصلة إلى الموصول محذوف تقديره: الذي يبشر الله به عباده.
وحذفه هنا لتنزيله منزلة الضمير المنصوب باعتبار حذف الجار على طريقة حذفه في نحو قوله: ﴿ واختار موسى قومه ﴾ [الأعراف: 155] بتقدير: من قومه، فلما عومل معاملة المنصوب حذف كما يحذف الضمير المنصوب.
وقرأ نافع وعاصم وابن عامر ويعقوب وخلف ﴿ يبشر ﴾ بضم التحتية وفتح الموحدة وتشديد الشين المكسورة، وهو من بشّره، إذا أخبره بحادثثٍ يسره.
وقرأه ابن كثير وأبو عمر وحمزة والكسائي ﴿ يَبْشُر ﴾ بفتح التحتية وسكون الموحدة وضم الشين مخففة، يقال: بشرت الرجل بتخفيف الشين أبشرُهُ من باب نصر إذا غبطه بحادث يَسرّه.
وجَمعُ العباد المضافُ إلى اسم الجلالة أو ضميرِه غَلَب إطلاقه في القرآن في معرض التقريب وترفيع الشّأن، ولذلك يكون موقع ﴿ الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ هنا موقع عطف البيان على نحو قوله تعالى: ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ [يونس: 62، 63] إذ وقع الصالحات قُل لاَّ أَسْھَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِى}.
استئناف ابتدائي بمناسبة ذكر ما أعد للمشركين من عذاب وما أعد للمؤمنين من خير، وضمير جماعة المخاطبين مراد به المشركون لا محالة وليس في الكلام السابق ما يتوهم منه أن يكون ﴿ قل لا أسألكم ﴾ جواباً عنه، فتعين أن جملة ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً ﴾ كلام مستأنف استئنافاً ابتدائياً.
ويظهر مما رواه الواحدي في «أسباب النزول» عن قتادة: أن المشركين اجتمعوا في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض: أترون محمداً يَسأل على ما يتعاطاه أجراً.
فنزلت هذه الآية، يعنون: إن كان ذلك جمعنا له مالاً كما قالوه له غير مرة، أنها لا اتصال لها بما قبلها وأنها لما عرض سبب نزولها نزلت في أثناء نزول الآيات التي قبلها والتي بعدها فتكون جملة ابتدائية.
وكان موقعها هنا لمناسبة ما سبق من ذكر حجاج المشركين وعنادهم فإن مناسبتها لما معها من الآيات موجودة إذ هي من جملة ما واجه به القرآن محاجّة المشركين، ونفَى به أوهامهم، واستفتح بصائرهم إلى النظر في علامات صدق الرسول؛ فهي جملة ابتدائية وقعت معترضة بين جملة ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ وجملة ﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ .
وابتدئت ب ﴿ قل ﴾ إما لأنها جواب عن كلام صدر منهم، وإمّا لأنها مما يهتم بإبلاغه إليهم كما أن نظائرها افتتحت بمثل ذلك مثل قوله تعالى: ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ﴾ [سبأ: 47] وقوله: ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ﴾ [ص: 86] وقوله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً ﴾ [الأنعام: 90].
وضمير ﴿ عليه ﴾ عائد إلى القرآن المفهوم من المقام.
والأجر: الجزاء الذي يعطاه أحد على عمل يعمله، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ إن الله عنده أجر عظيم ﴾ في سورة براءة (22).
والمودّة: المحبة والمعاملة الحسنة المشبهة معاملة المتحابين، وتقدمت عند قوله ﴿ مودّة بينكم في الحياة الدنيا ﴾ في سورة العنكبوت (25).
والكلام على تقدير مضاف أي معاملة المودة، أي المجاملة بقرينة أن المحبة لا تُسأل لأنها انبعاث وانفعال نفساني.
وفي } للظرفية المجازية لأنه مجرورها وهو ﴿ القربى ﴾ لا يصلح لأن يكون مظروفاً فيه.
ومعنى الظرفية المجازية هنا: التعليل، وهو معنى كثير العروض لحرف ﴿ في ﴾ كقوله: ﴿ وجاهدوا في الله ﴾ [الحج: 78].
و ﴿ القربى ﴾ : اسم مصدر كالرُجعى والبُشرى، وهي قَرابة النسب، قال تعالى: ﴿ وآتتِ ذا القُربى حقّه ﴾ [الإسراء: 26]، وقال زهير: وظُلمُ ذوي القربى أشدّ مضاضَةً *** البيت.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولذي القربى ﴾ في سورة الأنفال (41).
ومعنى الآية على ما يقتضيه نظمها: لا أسألكم على القرآن جزاء إلا أن تَوَدُّوني، أي أن تعاملوني معاملة الوِدِّ، أي غير معاملة العداوةِ، لأجل القرابة التي بيننا في النسب القرشي.
وفي «صحيح البخاري» و«جامع الترمذي» سئل ابن عباس عن هذه الآية بحضرة سعيد بن جبير فابتدر سعيد فقال: قُربى آل محمد، فقال ابنُ عباس: عَجِلْتَ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلاّ أنْ تَصِلُوا ما بيني وبينكم من القرابة.
وذكر القرطبي عن الشعبي أنه قال: أكثرَ الناسُ علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها فكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوسط الناس في قريش فليس بطن من بطونهم إلا وقد وَلَدَهُ فقال الله له: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ إلاَّ أن تَوَدوني في قرابتي منكم، أي تَرَاعُوا ما بيني وبينكم فتصدّقوني، فالقربى ههنا قرابة الرحم كأنه قال: اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنُبوءةِ.
انتهى كلام القرطبي.
وما فسر به بعض المفسرين أن المعنى: إلا أن تودّوا أقاربي تلفيق معنى عن فهم غير منظور فيه إلى الأسلوب العربي، ولا تصح فيه رواية عمن يعتد بفهمه.
أمّا كون محبة آل النبي صلى الله عليه وسلم لأجل محبة ما له اتصال به خُلُقاً من أخلاق المسلمين فحاصل من أدلة أخرى، وتحديد حدودها مُفصَّل في «الشفاء» لعياض.
والاستثناء منقطع لأن المودّة لأجل القرابة ليست من الجزاء على تبليغ الدعوة بالقرآن ولكنها مما تقتضيه المروءة فليس استثناؤها من عموم الأجر المنفي استثناء حقيقياً.
والمعنى: لا أسألكم على التبليغ أجراً وأسألُكم المودّة لأجل القربى.
وإنما سألهم المودّة لأن معاملتهم إياه معاملةَ المودّة معِينة على نشر دعوة الإسلام، إذ تَلِين بتلك المعاملة شكيمتهم فيتركون مقاومته فيتمكن من تبليغ دعوة الإسلام على وجه أكمل.
فصارت هذه المودة غرضاً دينياً لا نفع فيه لنفس النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعض الأخبار الموضوعة في أسباب النزول أن سبب نزول هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا قدم المدينة كانت تنوبه نوائب لا يسعها ما في يديه.
فقالت الأنصار: إن هذا الرجل هداكم الله به فنجمع له مالاً، ففعلوا ثم أتوه به، فنزلت.
وفي رواية: أن الأنصار قالوا له يوماً: أنفسُنا وأموالنا لك، فنزلت.
وقيل نزل ﴿ ذلك الذي يبشر الله عباده ﴾ إلى قوله: ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ [الشورى: 23، 24].
ولأجل ذلك قال فريق: إن هذه الآيات مدنية كما تقدم في أول السورة وهي أخبار واهية.
وتضمنت الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم منزّه عن أن يتطلب من الناس جزاء على تبليغ الهدى إليهم فإن النبوءة أعظم مرتبة في تعليم الحقّ وهي فوق مرتبة الحكمة، والحكماء تنزّهوا عن أخذ الأجر على تعليم الحكمة، فإن الحكمة خير كثير والخير الكثير لا تقابله أعراض الدنيا، ولذلك أمر الله رُسُله بالتنزّه عن طلب جزاء على التبليغ، فقال حكاية عن نوح ﴿ وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاّ على رب العالمين ﴾ [الشعراء: 109].
وكذلك حكى عن هود وصالح ولوط وشعيب.
﴿ القربى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ الله غَفُورٌ ﴾ .
تذييل لجملة ﴿ ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ والمعنى: وكلما عمل مؤمن حسنة زدناه حسناً من ذلك الفضل الكبير.
وهذا في معنى قوله تعالى: ﴿ والله يضاعف لمن يشاء ﴾ [البقرة: 261] والواو اعتراضية.
والاقتراف: افتعال من القَرْف، وهو الاكتساب، فالاقتراف مبالغة في الكسب نظيرَ الاكتساب، وليس خاصاً باكتساب السوء وإن كان قد غلب فيه، وأصله من قَرَفَ الشجرةَ، إذا قشر قِرْفَها، بكسر القاف، وهو لِحَاؤها، أي قَشْرُ عودها، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وليَقترفوا ما هم مقترفون ﴾ في سورة الأنعام (113)، وعند قوله: ﴿ وأموالٌ اقترفتموها ﴾ في سورة براءة (24).
والحسنة: الفَعْلة ذات الحسن صفة مشبهة غلبت في استعمال القرآن والسنة على الطاعة والقربة فصارت بمنزلة الجوامد عَلَماً بالغلبة وهي مشتقة من الحسن وهو جمال الصورة.
والحُسن: ضد القبح وهو صفة في الذات تقتضي قبول منظرها في نفوس الرّائين وميلهم إلى مداومة مشاهدتها.
وتوصف المعنويات بالحسن فيراد به كون الفعل أو الصفة محمودة عند العقول مرغوباً في الاتصاف بها.
ولما كانت الحسنة مأخوذة من الحُسن جعلت الزيادة فيها من الزيادة في الحسن مراعاة لأصل الاشتقاق فكان ذكر الحُسْن من الجناس المعبر عنه بجناس الاشتقاق نحو قوله تعالى: ﴿ فأقم وجهك للدّين القيم ﴾ [الروم: 43]، وصار المعنى نزِد له فيها مماثلاً لها.
ويتعين أن الزيادة فيها زيادة من غير عَملِه ولا تكون الزيادة بعمل يعمله غيره لأنها تصير عملاً يستحق الزيادة أيضاً فلا تنتهي الزيادة فتعيّن أن المراد الزيادة في جزاء أمثالها عند الله.
وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشْر أمثالها ﴾ [الأنعام: 160] وقوله ﴿ والله يضاعف لمن يشاء ﴾ [البقرة: 261]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «من هَم بحسنة فعمِلها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف».
وجملة ﴿ إن الله غفور شكور ﴾ تذييل وتعليل للزيادة لقصد تحقيقها بأن الله كثيرة مغفرته لمن يستحقها، كثير شكره للمتقربين إليه.
والمقصود بالتعليل هو وصف الشكور، وأما وصف الغفور فقد ذكر للإشارة إلى ترغيب المقترفين السيئات في الاستغفار والتوبة ليغفر لهم فلا يقنطوا من رحمة الله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ ألّا تُؤْذُونِي في نَفْسِي لِقَرابَتِي مِنكم، وهَذا لِقُرَيْشٍ خاصَّةً لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَرابَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ إلّا أنْ تُؤَدُّوا قَرابَتِي، وهَذا قَوْلُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ والسُّدِّيُّ.
وَرَوى مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ سَيِّئًا فَخَطَبَ فَقالَ لِلْأنْصارِ (ألَمْ تَكُونُوا أذِلّاءَ فَأعَزَكَّمُ اللَّهُ بِي؟
ألَمْ تَكُونُوا ضُلّالًا فَهَداكُمُ اللَّهُ بِي؟
ألَمْ تَكُونُوا خائِفِينَ فَأمَّنَكُمُ اللَّهُ بِي؟
ألا تَرُدُّوا عَلَيَّ فَقالُوا: بِمَ نُجِيبُكَ؟
فَقالَ تَقُولُونَ: (ألَمْ يَطْرُدْكَ قَوْمُكَ فَآوَيْناكَ؟
ألَمْ يُكَذِّبْكَ قَوْمُكَ فَصَدَّقْناكَ؟
فَعَدَّ عَلَيْهِمْ، قالَ: فَجَثَوْا عَلى رُكَبِهِمْ وقالُوا: أنْفُسُنا وأمْوالُنا لَكَ ).
فَنَزَلَتْ ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ » الثّالِثُ: مَعْناهُ إلّا أنْ تُوادُّونِي وتُؤازِرُونِي كَما تُوادُّونَ وتُؤازِرُونَ قَرابَتَكم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا وتَتَقَرَّبُوا إلى اللَّهِ بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
الخامِسُ: مَعْناهُ إلّا أنْ تَوُدُّوا قَرابَتَكم وتَصِلُوا أرْحامَكم، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ القاسِمِ.
﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ﴾ أيْ يَكْتَسِبْ، وأصْلُ القَرْفِ الكَسْبُ.
﴿ نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا ﴾ أيْ نُضاعِفُ لَهُ بِالحَسَنَةِ عَشْرًا.
﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ، شَكُورٌ لِلْحَسَناتِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ، شَكُورٌ لِحَسَناتِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ يُنْسِيكَ ما قَدْ آتاكَ مِنَ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مَعْناهُ يَرْبِطُ عَلى قَلْبِكَ فَلا يَصِلُ إلَيْهِ الأذى بِقَوْلِهِمُ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ لَوْ حَدَّثْتَ نَفْسَكَ أنْ تَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا لَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِكَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَيُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَنْصُرُ دِينَهُ بِوَعْدِهِ.
الثّانِي: يُصَدِّقُ رَسُولَهُ بِوَحْيِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولولا كلمة الفصل ﴾ ، قال: يوم القيامة أخروا إليه، وفي قوله: ﴿ روضات الجنة ﴾ قال: المكان الموفق.
أما قوله تعالى: ﴿ لهم ما يشاؤون ﴾ .
أخرج ابن جرير، عن أبي ظبية رضي الله عنه قال: إن السرب من أهل الجنة لتظلهم السحابة، فتقول ما أمطركم؟
قال: فما يدعو داع من القوم بشيء إلا أمطرتهم، حتى أن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طريق طاوس، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه سئل عن قوله: ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ فقال سعيد بن جبير: رضي الله عنه قربى آل محمد، فقال ابن عباس:- رضي الله عنهما- عجلت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش، إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم، وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن الشعبي رضي الله عنه قال: أكثر الناس علينا في هذه الآية ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ فكتبنا إلى ابن عباس رضي الله عنه نسأله، فكتب ابن عباس- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان واسط النسب لي قريش، ليس بطن من بطونهم، إلا وقد ولدوه، فقال الله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً ﴾ على ما أدعوكم إليه ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ تودوني لقرابتي منكم وتحفظوني بها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ قال: «كان لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- قرابة من جميع قريش، فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه، قال: يا قوم،إذا أبيتم أن تبايعوني فاحفظوا قرابتي فيكم ولا يكون غيركم من العرب أولى بحفظي ونصرتي منكم» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الضحاك، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: نزلت هذه الآية بمكة.
وكان المشركون يؤذون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله تعالى: ﴿ قل ﴾ لهم يا محمد، ﴿ لا أسألكم عليه ﴾ يعني على ما أدعوكم إليه ﴿ أجراً ﴾ عوضاً من الدنيا ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ إلا الحفظ لي في قرابتي فيكم، قال: المودة إنما هي لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- في قرابته، فلما هاجر إلى المدينة أحب أن يلحقه بإخوته من الأنبياء- عليهم السلام- فقال: ﴿ لا أسألكم عليه أجراً ﴾ فهو لكم ﴿ إن أجري إلا على الله ﴾ يعني ثوابه وكرامته في الآخرة، كما قال نوح عليه السلام: ﴿ وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ [ الشعراء: 109] وكما قال هود وصالح وشعيب: لم يستثنوا أجراً، كما استثنى النبي صلى الله عليه وسلم، فرده عليهم.
وهي منسوخة.
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه من طريق مجاهد رضي الله عنه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية ﴿ قل لا أسألكم ﴾ على ما أتيتكم به من البينات والهدى ﴿ أجراً ﴾ إلا أن تودوا الله، وأن تتقربوا إليه بطاعته.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ قال: أن تتبعوني وتصدقوني وتصلوا رحمي.
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في الآية قال: إن محمداً قال: لقريش: «لا أسألكم من أموالكم شيئاً، ولكن أسألكم أن تودوني لقرابة ما بيني وبينكم فإنكم قومي وأحق من أطاعني وأجابني» .
وأخرج ابن مردويه من طريق ابن المبارك، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ قال: تحفظوني في قرابتي.
وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في الآية- قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في قريش بطن إلا وله فيهم أم، حتى كانت له من هذيل أم، فقال الله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً ﴾ إلا أن تحفظوني في قرابتي، إن كذبتموني فلا تؤذوني.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق مقسم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: «قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا وكأنهم فخروا، فقال ابن عباس- رضي الله عنهما- لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم في مجالسهم، فقال يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله؟
قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أفلا تجيبوني؟
قالوا: ما تقول يا رسول الله؟
قال: ألا تقولون ألم يخرجك قومك فآويناك؟
أو لم يكذبوك فصدقناك؟
أو لم يخذلوك فنصرناك؟
فما زال يقول: حتى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ورسوله، فنزلت ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ » .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير، قال: قالت الأنصار فيما بينهم: لولا جمعنا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- مالاً يبسط يده لا يحول بينه وبينه أحد، فقالوا: يا رسول الله، إنا أردنا أن نجمع لك من أموالنا، فأنزل الله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ فخرجوا مختلفين، فقالوا: لمن ترون ما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟
فقال بعضهم: إنما قال هذا، لنقاتل عن أهل بيته، وننصرهم.
فأنزل الله: ﴿ أم يقولون افترى على الله كذباً ﴾ إلى قوله: ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ فعرض لهم بالتوبة إلى قوله: ﴿ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ﴾ هم الذين قالوا هذا: أن يتوبوا إلى الله ويستغفرونه.
وأخرج أبو نعيم والديلمي من طريق مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ أن تحفظوني في أهل بيتي وتودّوهم بي» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم؟
قال: علي وفاطمة وولداها» .
وأخرج سعيد بن منصور، عن سعيد بن جبير ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ قال: قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير عن أبي الديلم، قال: لما جيء بعلي بن الحسين رضي الله عنه أسيراً، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، فقال له علي بن الحسين رضي الله عنه أقرأت القرآن؟
قال: نعم.
قال: أقرأت آل حم؟
قال: لا.
قال: أما قرأت ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ قال: فإنكم لأنتم هم؟
قال: نعم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ قال: المودة لآل محمد.
وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي والحاكم، عن المطلب بن ربيعة رضي الله عنه قال: «دخل العباس على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: إنا لنخرج فنرى قريشاً تحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغصب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ودر عرق بين عينيه، ثم قال: والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان، حتى يحبكم لله ولقرابتي» .
وأخرج مسلم والترمذي والنسائي، عن زيد بن أرقم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أذكركم الله في أهل بيتي» .
وأخرج الترمذي وحسنه وابن الأنباري في المصاحف، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما» .
وأخرج الترمذي وحسنه والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي» .
وأخرج البخاري، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: ارقبوا محمداً- صلى الله عليه وسلم- في أهل بيته.
وأخرج ابن عدي، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أبغضنا أهل البيت فهو منافق» .
وأخرج الطبراني، عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبغضنا أحد ولا يحسدنا أحد، إلا ذيد يوم القيامة بسياط من نار» .
وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل، إلا أدخله الله النار» .
وأخرج الطبراني والخطيب من طريق أبي الضحى، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء العباس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: إنك قد تركت فينا ضغائن منذ صنعت الذي صنعت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يبلغوا الخير أو الإِيمان حتى يحبوكم» .
وأخرج الخطيب من طريق أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: «أتى العباس بن عبد المطلب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إنا لنعرف الضغائن في أناس من قومنا؛ من وقائع أوقعناها، فقال: أما والله إنهم لن يبلغوا خيراً حتى يحبوكم، لقرابتي، ترجو سليم شفاعتي، ولا يرجوها بنو عبد المطلب» .
وأخرج ابن النجار في تاريخه، عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل شيء أساس وأساس الإِسلام حب أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وحب أهل بيته» .
وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ قال: ما كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يسألهم على هذا القرآن أجراً، ولكنه أمرهم أن يتقربوا إلى الله؛ بطاعته وحب كتابه.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، عن الحسن رضي الله عنه في الآية، قال: كل من تقرب إلى الله بطاعته وجبت عليه محبته.
وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن في قوله: ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ قال: إلا التقرب إلى الله بالعمل الصالح.
وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة في الآية، قال: كن له عشر أمهات في المشركات، وكان إذا مر بهم أذوه في تنقيصهن وشتمهن، فهو قوله: ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ يقول: لا تؤذوني في قرابتي.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله غفور شكور ﴾ قال: غفور للذنوب شكور للحسنات يضاعفها.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة في قوله: ﴿ فإن يشإ الله يختم على قلبك ﴾ قال: إن يشإ الله أنساك ما قد آتاك، والله تعالى أعلم.
أخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن الزهري في قوله: ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف أن يقتله فيه العطش» .
وأخرج مسلم والترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أفرح بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها» .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلاً مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه العطش والحر قال: ارجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فرجع، فنام نومة، ثم رفع رأسه، فإذا راحلته عنده عليه زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده» .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه سئل عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوّجها، قال: لا بأس به ثم قرأ ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، عن عتبة بن الوليد، حدثني بعض الرهاويين قال: سمع جبريل عليه السلام، خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وهو يقول: يا كريم العفو، فقال: له جبريل عليه السلام، وتدري ما كريم العفو؟
قال: لا يا جبريل.
قال: «ان يعفو عن السيئة ويكتبها حسنة» .
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن الأخنس قال: امترينا في قراءة هذا الحرف، ويعلم ما يفعلون أو تفعلون، فأتينا ابن مسعود فقال: تفعلون.
وأخرج عبد بن حميد، عن علقمة رضي الله عنه، أنه قرأ في ﴿ حمعاساقا ﴾ ﴿ ويعلم ما تفعلون ﴾ بالتاء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن سلمة بن سبرة رضي الله عنه قال: خطبنا معاذ رضي الله عنه، فقال: أنتم المؤمنون وأنتم أهل الجنة والله إني لأطمع أن يكون عامة من تنصبون بفارس والروم في الجنة؛ فإن أحدهم يعمل الخير، فيقول أحسنت بارك الله فيك، أحسنت رحمك الله، والله يقول: ﴿ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ﴾ .
وأخرج ابن جرير من طريق قتادة، عن أبي إبراهيم اللخمي في قوله: ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ قال يشفعون في إخوان اخوانهم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ الذي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ ﴾ تقديره يبشر به، وحذف الجار والمجرور ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ فيه أربعة أقوال: الأول أن القرى بمعنى القرابة، وفي بمعنى من أجل، والمعنى لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوني لأجل القرابة التي بيني وبينكم؛ فالمقصد على هذا استعطاف قريش، ولم يكن فيهم بطن إلا وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم قرابة: الثاني أن القربى بمعنى الأقارب، أو ذوي القربى، والمعنى إلا أن تودّوا أقاربي وتحفظوني فيهم، والمقصد على هذا وصية بأهل البيت: الثالث أن القربى قرابة الناس بعضهم من بعض، والمعنى أن تودوا أقاربكم، والمقصود على هذا وصية بصلة الأرحام الرابع أن القربى التقرّب إلى الله، والمعنى إلا أن تتقربوا إلى الله بطاعته، والاستثناء على القول الثالث والرابع منقطع، وأما على الأول والثاني فيحتمل الانقطاع، لأن المودّة ليست بأجر، ويحتمل الاتصال على المجاز كأنه قال: لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة فجعل المودة كالأجر ﴿ يَقْتَرِفْ ﴾ أي يكتسب ﴿ نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ﴾ يعني مضاعفة الثواب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يوحي ﴾ على البناء للمفعول: ابن كثير وعباس ﴿ يكاد ﴾ بالياء التحتانية: نافع وعلي ﴿ تنفطرن ﴾ بالنون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.
﴿ يبشر الله ﴾ مخففاً من البشارة: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي.
الوقوف: ﴿ حم عسق ﴾ كوفي ﴿ من قبلك ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يوحى ﴾ مجهولاً كأنه قيل: من الموحي فقال الله أي هو الله ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لمن في الأرض ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ز والوصل أوجه لأن نفي ما بعده تقرير لإثبات ما قبله ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للفصل بين الاستخبار والأخبار مع دخول الفاء ﴿ الموتى ﴾ ط فصلاً بين المقدور المخصوص وبين القدرة على العموم مع اتفاق الجملتين ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أزواجاً ﴾ الثاني ط لأن ضمير ﴿ فيه ﴾ يحتمل أن يعود إلى الازدواج الذي في مدلول الأزواج أو إلى التدبير وإن لم يسبق ذكره ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال والعامل معنى الفعل في له أو في الملك.
﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط كذلك ما بعده ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فادع ﴾ ج ﴿ كما أمرت ﴾ ج ﴿ أهواءهم ﴾ ج ﴿ كتاب ﴾ ج كل ذلك للترتيل في القراءة وإن اتفقت الجملتان ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بيننا ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ والميزان ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ منها ﴾ ج للعطف أو الحال ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال عطف وهو على جملة قوله ﴿ الله لطيف ﴾ وهما متفقتان ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ في حرثه ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ نصيب ﴾ ه ﴿ به الله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الجنات ﴾ ط لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ في القربى ﴾ ط ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه.
التفسير: الكلام في ﴿ حم ﴾ كما سبق وأما ﴿ عسق ﴾ فقد قيل: إنه مع ﴿ حم ﴾ اسم للسورة.
وقيل: رموز إلى فتن كان عليّ يعرفها.
وقيل: الحاء حكم الله، والميم ملكه، والعين علمه، والسين سناؤه، والقاف قدرته.
وقيل: الحاء حرب علي ومعاوية، والميم ولاية المروانية، والعين ولاية العباسية، والسين ولاية السفيانية، والقاف قدرة المهدي.
وهذه الأقاويل مما لا معول عليها.
وقال أهل التصوف: حاء حبه، وميم محبوبية محمد، وعين عشقه، وقاف قربه إلى سيده.
أقسم أنه يوحي إليه وإلى سائر الأنبياء من قبله أنه محبوبه في الأزل وبتبعيته خلق الكائنات.
والأولى تفويض علمها إلى الله كسائر الفواتح.
وإنما فصل ﴿ حم ﴾ من ﴿ عسق ﴾ حتى عدا آيتين خلاف ﴿ كهيعص ﴾ لتقدم ﴿ حم ﴾ قبله واستقلالها بنفسها، ولأن جميعها ذكر الكتاب بعدها صريحاً إلا هذه فإنها دلت عليه دلالة التضمن بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب.
روي عن ابن عباس أنه لا نبي صاحب كتاب إلا أوحى الله إليه ﴿ حم عسق ﴾ والله أعلم بصحة هذه الرواية.
والأظهر أن يقال: مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى الأنبياء قبلك.
والمراد المماثلة في أصول الدين كالتوحيد والعدل والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في الآخرة كقوله ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ وفي ورود لفظ ﴿ يوحى ﴾ مستقبلاً لا ماضياً إشارة إلى أن إيحاء مثله عادته.
ثم بين سعة ملكه وأخبر عن غاية جلاله بقوله ﴿ له ما في السموات ﴾ الخ.
ثم أخبر عن فظاعة ما ارتكبه أهل الشرك فقال ﴿ تكاد السموات يتفطرن ﴾ وقد سبق في آخر سورة مريم.
ومعنى ﴿ من فوقهن ﴾ أن الانفطار يبتدىء من أعلى السموات أو ما فوقها من العرش والكرسي إلى أن ينتهي إلى السفلي، وفي الابتداء من جهة الفوق زيادة تفظيع وتهويل.
قال جار الله: كأنه قيل يتفطرن من الجهة التي فوقهن دع الجهة التي تحتهن.
وقيل: معناه من الجهة التي حصلت هذه السموات فيها وفيه ضعف لأنه كقول القائل: السماء فوقنا.
وقيل: الضمير للأرض وقد تقدم ذكرها أي من فوق الأرضين وروى عكرمة عن ابن عباس: يتفطرن من ثقل الرحمن.
فإن صحت الرواية كان في الظاهر دليل المجسمة.
ولأهل السنة أن يتأولوا الثقل بالهيبة والجلال أو يقدروا مضافاً محذوفاً أي من ثقل ملائكة الرحمن كقوله "أطت السماء أطأ وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد." ثم انتقل من وصف الجسمانيات إلى ذكر الروحانيات، وأنهم بالوجه الذي لهم إلى عالم الأرواح يسبحون بالوجه الذي لهم إلى عالم الأجسام يستغفرون فقال ﴿ والملائكة ﴾ قيل: هو عام.
وقيل: حملة العرش كما مر في أول سورة المؤمن إلا أنه عمم ههنا فقال ﴿ لمن في الأرض ﴾ أي يطلبون أن لا يعاجل الله أهل الأرض بالعذاب طمعاً في توبة الكفار والفساق منهم.
وقيل: هو مخصوص بما مر أي يستغفرون للمؤمنين منهم.
ثم سلى نبيه بأن المشركين إنما يحاسبهم الله وما عليك إلا البلاغ.
قوله ﴿ وكذلك أوحينا ﴾ قال ابن بحر: هو الكلام الأول أعيد لما اعترض بين الكلامين ما اعترض.
وقال جار الله: الكاف مفعول به لأوحينا، ﴿ وذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله من أن الله هو عليهم الرقيب وما أنت عليهم برقيب.
وقد كرر الله هذا المعنى في كتابه في مواضع.
﴿ وقرآناً عربياً ﴾ حال.
والمعنى مثل ذلك المذكور أوحينا إليك وهو قرآن عربي بين لا لبس فيه ليفهم معناه ولا يتجاوز حد الإنذار.
ويجوز أن يكون ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الإيحاء أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك وأوحينا إليك، فيجوز أن تكون المماثلة بالحروف المفردة وأن تكون بأصول الدين كما مر.
قال أهل اللغة: يقال أنذرته كذا وبكذا.
فمن الاستعمال الثاني قوله ﴿ لتنذر أم القرى ﴾ أي أهل مكة على حذف المضاف، والمفعول الثاني وهو القرآن محذوف.
ومن الاستعمال الأول قوله ﴿ وتنذر يوم الجمع ﴾ والمفعول الأول محذوف وتنذر الناس يوماً تجمع فيه الخلائق أو يجمع فيه بين الأرواح والأجساد أو بين كل عامل وعمله.
قلت: ومن الجائز أن يكون الكل من الاستعمال الأول ولا حذف إلا ان قوله ﴿ وتنذر ﴾ يكون مكرراً للمبالغة والتقدير الأصلي: لتنذر أم القرى يوم الجمع.
وقد مر في القصص في قوله ﴿ حتى يبعث في أمها ﴾ أن مكة لم سميت أم القرى.
وقوله ﴿ ومن حولها ﴾ يحتمل عموم أطراف الأرض لأن مكة في وسطها، ويحتمل أن يكون المراد به سائر جزيرة العرب ويدخل باقي الأمم بالتبعية أو بنص آخر كقوله ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس ﴾ وقوله ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض لا محل له أو صفة للجمع بناء على أن التعريف الجنسي قريب من النكرة.
وقوله ﴿ فريق ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي منهم فريق كذا ومنهم فريق كذا، أي هذا مآل حالهم بعد الحشر والاجتماع.
ثم بين بقوله ﴿ ولو شاء الله ﴾ الخ.
أن السعادة والشقاوة والهداية والضلالة متعلق بمشيئته وإرادته.
وهذا على مذهب أهل السنة ظاهر، وتأوله المعتزلة بمشيئة القسر والإلجاء، وقد مر نظائره مراراً.
والظاهر أن المراد بكونهم أمة واحدة أن يكونوا مسلمين كلهم.
وقيل: أن يكونوا أهل ضلالة قياساً على قوله ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ ثم أنكر على أهل الشرك بأم المنقطعة قائلاً ﴿ أم اتخذوا من دونه أولياء ﴾ إن أرادوا أولياء بحق ﴿ فالله هو الولي ﴾ الذي يجب أن يعتقد أنه المولى والسيد لا ولي سواه ومن شأنه أنه ﴿ يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾ وهو الحقيق بأن يتخذ ولياً.
وحين منع الرسول من التحزن على من كفر أراد أن يمنع المؤمنين من الاختلاف والتنازع فقال ﴿ وما اختلفتم ﴾ والتقدير: قل يا محمد كذا بدليل قوله ﴿ ذلكم الله ربي ﴾ الآية.
والمراد أن الذي اختلفتم أنتم والكفرة فيه من أمور الدين فحكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله وهو إثابة المحقين ومعاقبة المبطلين.
وقيل: وما اختلفتم فيه فتحاكموا إلى رسول الله كقوله ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ وقيل: وما اختلفتم فيه من الآيات المتشابهات فارجعوا في بيانه إلى المحكمات أو إلى الظاهر من السنة.
وقيل: ما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بالتكاليف فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح وغيره.
قال في الكشاف: ولا يندرج فيه اختلاف المجتهدين لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول .
قلت: إن لم يجز بحضرته فإنه جائز بعده.
وقوله ﴿ وما اختلفتم ﴾ شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة مثل ﴿ يا أيها الناس ﴾ ومثل ﴿ أقيموا الصلاة ﴾ والأظهر أن اختلافهم يدخل فيه، وأن المراد بحكمه تعريفه من بيان الله سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس أو بالاجتهاد.
فإن قيل: المقصود من التحاكم قطع الاختلاف ولا قطع مع القياس ولا مع الاجتهاد.
قلنا: إذا كان القياس مأموراً به وكذا الاجتهاد بل يكون كل مجتهد مصيباً، كانت المخالفة في حكم الموافقة ولهذا قال "اختلاف أمتي رحمة" ثم وصف نفسه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال تأكيداً لصحة أحكامه فقال ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ وهو أحد أخبار ذلكم أو خبر مبتدأ محذوف.
ومعنى ﴿ ومن الأنعام أزواجاً ﴾ أنه خلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ يكثركم في هذا التدبير وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجاً حتى حصل بين الذكور والإناث التوالد والتناسل.
والضمير في ﴿ يذرؤكم ﴾ راجع إلى المخاطبين وإلى الأنعام وهو من الأحكام ذوات العلتين، وذلك أن فيه تغليبين تغليب المخاطبين على الغائبين وهم من سيوجد إلى يوم القيامة، وتغليب العقلاء على غيرهم.
وعلة الأول الخطاب، وعلة الثاني العقل.
وإنما قال ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ ولم يقل به لأنه جعل التدبير منبعاً ومعدناً للتكثير كقوله ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ ولأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض ومعنى ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ نفي المثلية عنه بطريق الالتزام وذلك أنه لو كان له مثل والله شيء لكان مثل مثله شيء وهو خلاف نص المخبر الصادق وهذا المحال إنما لزم من فرض وجود المثل له فوجود المثل محال وهو المطلوب، ولعل هذا التقرير مختص بنا.
قال في الكشاف: إنه من باب الكناية كقولهم: مثلك لا يبخل.
يعنون أنت لا تبخل.
وكذا ههنا يريد ليس كالله شيء.
وجوز أن يكون تكرير حرف التشبيه للتأكيد.
وقد يستدل بالآية على نفي الجسمية ولوازمها عنه لأن الأجسام متماثلة في حقيقة الجسمانية.
قوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ أي له مفاتيح خزائنها وقد مر في الزمر والباقي واضح وقد سبق أيضاً.
وحين عظم وحيه إلى محمد بقوله ﴿ كذلك يوحى إليك ﴾ إلى آخره ذكر تفصيل ذلك فقال ﴿ شرع لكم ﴾ أي أوجب وبين لأجلكم ﴿ من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ وهو أقدم الأديان بعد الطوفان ﴿ والذي أوحينا إليك ﴾ وهو ختمها ﴿ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ وهي الملل المعتبرة المتوسطة.
ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأكابر من رسله فيه بقوله ﴿ أن أقيموا الدين ﴾ الحنيفي ومحله نصب بدلاً من مفعول ﴿ شرع ﴾ أو رفع على الاستئناف كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟
فقيل: هو إقامة الدين.
يعني إقامة أصوله من التوحيد والنبوة والمعاد ونحو ذلك دون الفروع التي تختلف بحسب الأوقات لقوله { ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ﴾ وفي بناء الكلام على الغيبة ثم الالتفات إلى التكلم في ﴿ أوحينا ﴾ والخطاب في ﴿ إليك ﴾ تفخيم شأن الرسول .
ثم حكى حسد أهل الشرك بقوله ﴿ كبر على المشركين ﴾ أي شق وعظم عليهم ما تدعوهم إليه من الدين المبرأ من عبادة غير الله.
ثم أجاب عن شبهتهم بأن الاجتباء والاصطفاء يتعلق بمشيئة الله لا بتمني كل واحد ولا بكثرة المال والجاه.
يقال: اجتباه إليه أي اصطفاه لنفسه، والتركيب يدل على الجمع والضم، ويحتمل أن يراد يجتبي إلى الدين.
ثم أخبر عن وقت تفرق كلمة أهل الكتاب وعن سبب ذلك فقال ﴿ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ ببعث محمد وصحة نبوته كقوله في آل عمران ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم ﴾ وقيل: وما تفرق الأمم الذين تقدم ذكرهم إلا بعد العلم بصحة ما أمروا به.
قال أهل البرهان: لما ذكر مبدأ كفرهم وهو قوله ﴿ إلا من بعدما جاءهم العلم ﴾ حسن ذكر نهاية إمهالهم وهو قوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ ليكون محدوداً من الطرفين.
وإنما ترك ذكر النهاية في السورة المتقدمة لعدم ذكر البداية ﴿ وإن الذين أورثوا الكتاب ﴾ هم العرب ورثوا القرآن من بعدما أورث أهل الكتابين كتابهم أو هم أهل الكتاب المعاصرون لرسول الله وقيل: جاءهم أسباب العلم فلم ينظروا فيها لأنه حكم عليهم في آخر الآية بأنهم في شك من كتابهم وهو مع العلم غير مجتمعين ﴿ فلذلك ﴾ أي فلأجل تشعب الملل وتفرق الكلم ﴿ فادع ﴾ إلى الملة الحنيفية.
وقيل: اللام بمعنى "إلى" والإشارة إلى القرآن ﴿ وأستقم ﴾ عليها كما أمرت ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ المختلفة ﴿ وقل آمنت بما أنزل الله من ﴾ أي ﴿ كتاب ﴾ كان ﴿ وأمرت لأعدل بينكم ﴾ أي في التبليغ أو إذا تحاكمتم إليّ حتى لا أفرق بين نفسي ونفس غيري.
ثم أشار إلى ما هو أصل في الدين فقال ﴿ الله ربنا وربكم لنا ﴾ جزاء ﴿ أعمالنا ولكم ﴾ جزاء ﴿ أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ﴾ وليس المراد منه تحريم المحاجة فإنه لولا الأدلة لما توجه التكليف بل المراد أنهم بعد أن وقفوا على الحجج الباهرة والدلائل الظاهرة على حقية دين الإسلام لم يبق معهم حجة لسانية وإنما بقي السيف.
وقيل: إنه منسوخ بآية القتال وقوله ﴿ الله يجمع بيننا ﴾ إشارة إلى المهاجرة التي اقتضاها إصرارهم على الباطل وتفويض للأمر إلى المجازي المنتقم.
ثم أخبر عن وعيد المخاصمين في أمر دين الله ﴿ من بعدما استجيب له ﴾ أي من بعدما استجاب له الناس وقبلوا دينه، أو بعدما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر ﴿ حجتهم داحضة ﴾ أي باطلة زائلة ﴿ عند ربهم ﴾ وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فأنتم أولى باتباعنا.
وأيضاً أنتم تقولون الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، ونبوة موسى وحقية التوراة متفق عليها ونبوة محمد مختلف فيها.
والجواب أن نبوّة موسى إنما صحت بالمعجزة فإن كانت المعجزة في حقه مصححة للنبوة ففي حق محمد كذلك وإلا فأنتم القادحون في نبوة نبيكم أيضاً.
ثم حث على سلوك طريقة العدل حذراً من عقاب يوم القيامة فقال ﴿ الله الذي أنزل الكتاب ﴾ أي جنسه متلبساً بالغرض الصحيح ﴿ والميزان ﴾ أي أنزل العدل والسوية في كتبه أو ألهم اتخاذ الميزان.
وقيل: هو العقل.
وقيل: الميزان نفسه وذلك في زمن نوح.
وقيل: هو محمد يقضي بينهم بالكتاب ﴿ وما يدريك ﴾ يا محمد أو أيها المكلف ﴿ لعل الساعة ﴾ أي مجيئها ﴿ قريب ﴾ أو ذكر بتأويل البعث أو الحشر ونحوه، أو أراد شيء قريب.
ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في أداء ما عليه من التكاليف.
ولا يتأنى في سلوك سبيل الإنصاف مع الخالق والخلق فإنه لا يعلم أن القيامة متى تفاجئه.
ثم قبح طريقة منكري الساعة فقال ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ يقولون على سبيل السخرية: متى تقوم الساعة؟
وليتها قامت حتى تظهر لنا جلية الحال.
ثم مدح المقربين بأنهم يخافون القيامة هيبة من الله وإجلالاً له أو حذراً من تقصير وخلل وقع في العمل إلا أن خوفهم يجب أن يكون ممتزجاً بالرجاء، وقد مر تحقيقه مراراً.
ثم هدد الشاكين المجادلين في أمر البعث بقوله ﴿ ألا إن الذين يمارون ﴾ وأصله من المرية الشك ﴿ لفي ضلال بعيد ﴾ عن الصواب لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب على فضله أو في حكمه، ولأن في إنكاره نسبة الله إلى ضد العلم والقدرة.
ثم إنه لا ريب في أن إنزال الكتاب والميزان لطف من الله على خلقه فلذلك قال ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ عمم البر ثم خصص بقوله ﴿ يرزق من يشاء ﴾ يعني الزائد على مقدار الضرورة، فلكم من إنسان فاق أقرانه في المال أو الجاه أو الأولاد أو في العلم أو في سائر أسباب المزية إلا أن أحداً منهم لا يخلو من بره الذي يتعيش به كقوله ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ وقيل: معنى لطيف يرزقهم من حيث لا يعلمون، أو يلطف بهم فلا يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا.
وقد مر معناه في الأنعام بوجه آخر في قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ وأما قوله ﴿ القوي العزيز ﴾ ففيه إشارة إلى أن لطفه مقرون بقهره.
وحين ذكر أنه يرزق من يشاء الزائد على مقدار كفايته وكان فيه كسر قلوب أرباب الضنك والضيق جبر كسرهم بقوله ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ﴾ سماه حرثاً تشبيهاً للعامل الطالب لثواب الآخرة أضعافاً مضاعفة بالزارع الذي يلقي البذر في الأرض طلباً للزيادة والنماء، ومن فضائل حرث الآخرة أن طالبها قد يحصل له الدنيا بالتبعية ويرى ثواب عمله أضعافاً مضاعفة، وطالب الدنيا لا تحصل له المطالب بأسرها ولهذا قال ﴿ نؤته منها ﴾ أي بعض ذلك ﴿ وما له في الآخرة من نصيب ﴾ قط وفي زيادة لفظ الحرث فائدة أخرى وهي أن يعلم أن شيئاً من القسمين لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق.
عن النبي "من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه همه وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة" هذا لفظه أو لفظ هذا معناه.
وعن قتادة إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا.
وفي ظاهر اللفظ دلالة على أن من صلى لطلب الثواب أو لدفع العقاب فإنه تصح صلاته لأنه صلى لأجل ما يتعلق بالآخرة.
قال بعض أصحاب الشافعي: إذا توضأ بغير نية لم يصح لأن هذا الإنسان غفل عن الآخرة وعن ذكر الله، والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة فلا يحصل بالوضوء العاري عن النية، وحيث بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الدارين نبه على أحوال الضلال بقوله ﴿ أم لهم شركاء ﴾ وهي المنقطعة عند بعضهم.
وقال آخرون: هي المعادلة لألف الاستفهام تقديره أفيقبلون ما شرع الله لهم من الدين أم لهم آلهة.
﴿ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ﴾ أي لم يأمرهم به أو لم يعلمه كقوله ﴿ أتنبؤن الله بما لا يعلم ﴾ والأذن بالفتح العلم بالمسموعات وتحقيقه شرعوا ما ليس بشريعة إذ لو كان شريعة لعلمها الله ﴿ ولولا كلمة الفصل ﴾ أي القضاء السابق بتأخير الجزاء ﴿ لقضي بينهم ﴾ والضمير للمؤمنين والكافرين أو المشركين والشركاء ﴿ ترى الظالمين ﴾ في القيامة ﴿ مشفقين ﴾ خائفين ﴿ مما كسبوا ﴾ من الجرائم ﴿ وهو ﴾ أي وبال ذلك ﴿ واقع بهم ﴾ واصل إليهم لا محالة ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ﴾ أي منتزهاتها.
قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن غيرها من الأماكن في الجنة لغير المذكورين وغيرهم ليس إلا بالذي آمن ولم يعمل صالحاً وهو الفاسق.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون إضافة الروضات إلى الجنات من إضافة العام إلى الخاص فيكون الجنات كلها روضات.
ولكن الروضات قد لا تكون في الجنة لثبوتها في الدنيا.
والفضل الكبير قد تقدم في "فاطر".
﴿ ذلك ﴾ المذكور أو الثواب أو التبشير هو ﴿ الذي يبشر الله ﴾ به ﴿ عباده ﴾ ثم حذف الجار، ثم الراجع إلى الموصول، ثم أمر رسوله بأن يقول ﴿ لا أسألكم عليه ﴾ على هذا التبليغ ﴿ أجراً إلا المودة ﴾ الكائنة ﴿ في القربى ﴾ جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها ولهذا لم يقل "مودة القربى" أو "المودة للقربى" وهي مصدر بمعنى القرابة أي في أهل القربى وفي حقهم.
فإن قيل: استثناء المودة من الأجر دليل على أنه طلب الأجر على تبليغ الوحي وذلك غير جائز كما جاء في قصص سائر الأنبياء ولا سيما في "الشعراء".
وقد جاء في حق نبينا أيضاً ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ﴾ ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ﴾ والمعقول منه أن التبليغ واجب عليه وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بالمروءة.
وأيضاً أنه يوجب التهمة ونقصان الحشمة.
قلنا: إن من جعل الآية منسوخة باللتين لا استثناء فيهما فلا إشكال عليه، وأما الآخرون فمنهم من قال: الاستثناء متصل ولكنه من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب والمعنى لا أطلب منكم أجراً، إلا هذا وهو في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب ولا سيما في حق الأقارب كما قال عز من قائل ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ ومنهم من قال: الاستثناء منقطع أي لا أسألكم عليه أجراً ألبتة، ولكن أذكركم المودة في القربى، وفي تفسير ﴿ المودة في القربى ﴾ أربعة أقوال: الأول قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فأجاب بأن رسول الله كان واسطة النسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد كان بينهم وبينه قرابة فقال الله: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا أن تودوني لقرابتي منكم يعني أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذونني ولا تهيجوا عليّ.
القول الثاني: روى الكعبي عن ابن عباس أن النبي كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا.
ثم أتوه فرده عليهم ونزلت الآية بحثهم على مودة أقاربهم وصلة أرحامهم.
القول الثالث: عن الحسن: إلا أن توددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح.
الرابع: عن سعيد بن جبير: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم لقرابتك؟
فقال: علي وفاطمة وابناهما.
ولا ريب أن هذا فخر عظيم وشرف تام، ويؤيده ما روي أن علياً شكا إلى رسول الله حسد الناس فيه فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف أزواجنا وعنه "حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة" " وكان يقول "فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" وثبت بالنقل المتواتر أنه كان يحب علياً والحسن والحسين، وإذا كان ذلك وجب علينا محبتهم لقوله ﴿ فاتبعوه ﴾ وكفى شرفاً لآل رسول الله وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كل صلاة.
قال بعض المذكرين: إن النبي قال "مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق" وعنه "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فنحن نركب سفينة حب آل محمد ونضع أبصارنا على الكواكب النيرة أعني آثار الصحابة لنتخلص من بحر التكليف وظلمة الجهالة ومن أمواج الشبه والضلالة.
ثم أكد إيصال الثواب على المودة بقوله ﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ أي يكتسب طاعة، قال بعض أهل اللغة: الاقتراف مستعمل في الشر فاستعاره ههنا للخير.
عن السدي أنها المودة في آل رسول الله نزلت في أبي بكر الصديق ومودته فيهم، والظاهر العموم في كل حسنة ولا شك أن هذه مرادة قصداً أولياً لذكرها عقيبها.
ومعنى زيادة حسنها تضعيف ثوابها ﴿ إن الله غفور ﴾ لمن أذنب ﴿ شكور ﴾ لمن أطاع الله والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : الذي لله عليهم، أو ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ الذي لبعضهم على بعض، و ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ : بالعدل فيما بينهم؛ أي: بالعدل فيما بينهم، أعني: الخلق.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالصدق بما فيه من الأنباء والأخبار ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ أي: بالعدل في الأحكام؛ جعل الميزان كناية عن العدل؛ أي: هو طريق العدل وسببه، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ ﴾ وقوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ ، أي: صدقا فيما فيه من النبأ والخبر، وعدلا في الحكم فيما بينهم، والله أعلم.
ثم قوله - - ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ يحتمل أن يكون على الكتاب، وهو الظاهر، والمراد منه العدل؛ فيصير تقدير الآية - والله أعلم -: الله الذي أنزل الكتاب بالحق، وأنزل العدل فيما بين الخلق، أو أنزل العدل في الأحكام.
ويحتمل أن يكون عطفاً على الحق؛ فيصير تقديره: أنزل الكتاب بالحق وبالعدل في الأحكام فيما بينهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ﴾ ، لم يطلع الله - جل وعلا - أحداً [على] العلم بوقت الساعة؛ على ما ذكرنا في غير موضع.
وقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا ﴾ : كان استعجالهم بها استهزاء منهم وتكذيباً لها أنها كائنة؛ لأن رسول الله كان يوعدهم بها، ويخبر أنها كائنة، فكانوا يستعجلون استعجال تكذيب لها.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ ﴾ ؛ لأن لأهل الإيمان والتوحيد زلات ومساوئ لم يتبين لهم التجاوز عنها والعفو منها؛ فيكونوا أبداً خائفين مشفقين لتلك الزلات والمساوئ وما يكون فيها من الأهوال والأفزاع، فأمّا أهل الكفر فهم لا يؤمنون بها، ولا يصدقون أنها كائنة؛ فلا يخافونها وما فيها من الأهوال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ : قوله: ﴿ يُمَارُونَ ﴾ يحتمل يجادلون ويخاصمون فيها أنها ليست بكائنة.
ويحتمل: ﴿ يُمَارُونَ ﴾ من المرية، وهو الريب والشك؛ أي: يشكون فيها.
ودل قوله: ﴿ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ : أنهم لا يؤمنون أبداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ﴾ : من الناس من قال: إن الآية وإن جاءت مجيئاً عامّاً فهي خاصة للمؤمنين، هو لطيف؛ أي: بار للمؤمنين بها.
ومنهم من يقول: إن الآية للفريقين جميعاً: للكافر والمؤمن، بار بهما، لطيف بهما بما يرزقهم جميعاً: الكافر والمؤمن، فأما في الآخرة فهو رحيم بار بالمؤمنين خاصة.
ويحتمل أن يكون رحيماً بارّاً بالفريقين، أما في حق المؤمنين لا شك أنه بار رحيم بهم، وأما الكفرة: بار في حقهم، حيث أخر عنهم العذاب في الدنيا.
ثم في حق المحنة يجوز أن يوصف بالرحمة في الفريقين جميعاً على ما ذكرنا.
فإن قيل: إنه وصف بالحلم والرحمة، وقد أخبر أنه يعذبهم في الآخرة.
قيل: إنه وإن عذبهم فإن ذلك لا يخرجه عن الحلم والرحمة؛ لأنه لو ترك تعذيبهم يكون سفيهاً؛ لأنهم قد استحقوا بالكفر التعذيب أبداً، وليس في التعذيب خروج عن الرحمة والحلم؛ بل في ترك التعذيب سفه وخروج عن الحكمة؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ﴾ قد ذكرنا في قوله - -: ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ تأويله ومعناه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أنه لا يقوى بشيء مما أمرهم به وامتحنهم، ولا يعز بذلك؛ لأنه قوي بذاته، عزيز بنفسه.
والثاني: ﴿ ٱلْقَوِيُّ ﴾ في الانتقام والانتصار من أعدائه لأوليائه، ﴿ ٱلْعَزِيزُ ﴾ : الذي لا يعجزه شيء، ولا يلحقه الذل في ترك الطاعة له والائتمار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ : جعل الله - - الدنيا مزارع لأهلها ما زرعوا فيها حصدوا ذلك في الآخرة، إن زرعوا خيراً حسناً حصدوا خيراً ونعيماً في الآخرة، وإن زرعوا شرّاً وسوءاً، حصدوا في الآخرة شرّاً وعذاباً دائماً.
وكذلك صيّرها متجراً يتجّرون فيها، فإن اتجروا خيراً وحسناً ربحوا في الآخرة، وإن اتجروا شرّاً وسوءاً خسروا في الآخرة.
وكذلك صيرها مسلكاً إلى الآخرة، والآخرة غاية لها، فإن سلكوا سبيل الخير وما أمروا به أفضى بهم ذلك إلى الخير والنعيم الدائم والسرور، وإن سلكوا سبيل الشر وما نهوا عنه أفضى بهم إلى العذاب الدائم والحزن الدائم.
وما ذكر في غير آي من القرآن من قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ...
﴾ الآية [التوبة: 111]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية [البقرة: 207]، وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ...
﴾ الآية [البقرة: 16-175]، وقوله: ﴿ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ...
﴾ الآية [الإسراء: 18]، ونحو ذلك كثير؛ على هذا بنى أمر الدنيا والآخرة، والله أعلم.
ثم قوله - -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: من كان يريد حرث الآخرة، نزد له في حرثه، أي: من كان يريد بمحاسنه في الدنيا وخيراته ثواب الآخرة وخيراتها نزد له في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا هو التوفيق على الطاعات، والزيادة له والنماء، وأما في الآخرة فالنعيم الدائم والسرور الدائم.
والثاني: أي: من كان عَمِل للآخرة وسعي لها نزد له ما ذكر من المحاسن، وتكون الإرادة هاهنا صفة لكل فاعل، كقوله: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ وهي لا تكون بدون الفعل، فكان ذكرها ذكراً للفعل ضرورة؛ فكان المراد منها الإرادة مع الفعل، فكذلك يخرج قوله: ﴿ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ على وجهين: أحدهما: من كان يريد محاسن الدنيا وسعتها، نؤته منها، ونوسع عليه.
والثاني: ﴿ وَمَن كَانَ يُرِيدُ ﴾ أي: من عمل للدنيا وسعى لها، نؤته منها وما عمل لها وما له في الآخرة من نصيب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ قال بعض أهل التأويل: أم لهم آلهة دوني ﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ ﴾ أي: سنوا لهم ﴿ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ ، يعني بالشركاء: الأصنام التي عبدوها، لكن علموا أن الأصنام لم يشرعوا لهم من الدين شيئاً، إلا أن يقال بأنه أضاف ذلك إلى الأصنام؛ لما هم شرعوا لأنفسهم عبادتها فأضيف إليها لذلك، وهو كقوله - -: ﴿ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ وأنهن لم يضللن أحداً، لكنه أضاف إليهن الإضلال؛ لما بهن ضلوا، فأضاف إليهن على التسبب؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ذلك.
ويشبه أن يكون غيره أولى بذلك، وهو أن القادة والرؤساء هم الذين سنوا للأتباع و ﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ ؛ أي: ما لم يأمر به الله، وهم كذلك كانوا يفعلون، يشرعون للأتباع دينا من ذات أنفسهم بلا حجة ولا برهان، فيتبعون به، والرسل - عليهم السلام - قد أتوهم بالدين بالحجج والبراهين من الله - - فلم يتبعوهم، فيقولون: إنهم بشر، ثم يتبعون بشراً بلا حجة ولا برهان؛ يذكر سفههم فيما ذكر، فكأن المراد من الشركاء هم الرؤساء والقادة، والله أعلم.
قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ ﴾ أي: عمل الآخرة، يقال: فلان يحرث للدنيا؛ أي: يعمل لها، ويجمع المال، ومنه قول ابن عمر - -: "احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"، ومنه سمّى الرجل: حارثاً.
﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ ﴾ أي: ابتدعوا وسنوا، وكذلك في قوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم ﴾ أي: ابتدع وسن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: الحكم؛ كأنه يقول: لولا أن الله - - حكم في هذه الآية بتأخير العذاب إلى يوم القيامة، وهو ما ذكر أنه بعث رسوله رحمة لهم بقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .
والثاني: ﴿ ٱلْفَصْلِ ﴾ : البيان تأويله: لولا ما وعد في الدنيا أنه يفصل بينهم في الآخرة فيما ذكر: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ ﴾ ونحوه، وقيل: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ ﴾ أي: القضاء السابق: أن الجزاء يوم القيامة - لقضي بينهم في الدين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ ذكر إشفاق الكفرة والظلمة وخوفهم في الآخرة، وإشفاق المؤمنين وخوفهم في الدنيا، فمن خاف عقوبته في الدنيا آمنه الله - - عن خوف الآخرة، ومن استهزأ بعذاب الله في الدنيا خوفه الله في الآخرة، وعلى ذلك يخرج قوله - -: "لا يجمع الله على أحد خوفين: خوف الدنيا وخوف الآخرة: من خافه في الدنيا أمن في الآخرة، ومن لم يخف في الدنيا خاف في الآخرة" ثم أخبر ما للمؤمنين في الآخرة، وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ ذكر ما لكل فريق بما كسبوا في الدنيا والآخرة.
قال القتبي وأبو عوسجة: الروضة: البستان.
وقال الكسائي: الروضة: العشب حول القَرِيِّ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ﴾ أخبر أن ما يعطى لهم من الآخرة والفضل منه، لا أنهم يستوجبون ذلك، وسماه: كبيراً؛ لأنه دائم لا ينقطع أبداً.
وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ : قوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ ﴾ أي: الذي ذكر من الفضل الكبير، ووعد أنه يعطيهم، يبشر الله - - به من ذكر: ﴿ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ قال بعض أهل التأويل: "قالت الأنصار: إنا فعلنا، وفعلنا كذا؛ فكأنهم افتخروا، وقالوا: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك النبي فأتاهم فقال: يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله ؟
قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ألم تكونوا فقراء فأغناكم الله ؟
قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أفلا تجيبونني؟
قالوا: ما نقول يا رسول الله؟
قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟
أولم يكذبوك فصدقناك؟
أولم يخذلوك فنصرناك؟
قال: فما زال يقول حتى جثوا للركب بين يديه، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لرسول الله، والفضل لرسوله؛ فنزل قوله - -: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ " لكن ذكر في الخبر ما لا يليق ذلك بالأنصار أن يظنوا ذلك برسول الله، وكذلك ما ذكر من فخرهم وقولهم: "لنا الفضل عليكم" هذا لا يحتمل منهم؛ فدل أن الحديث غير صحيح، أو الزيادة التي لا تحتمل، والله أعلم.
وفي بعض الأخبار: أن الأنصار - م - قالوا: إن رسول الله تنوبه النوائب من القرابة وغيرهم، فتعالوا حتى نجمع له شيئاً من أموالنا، فيستعين على من ينوبه من الحقوق، ففعلوا، ثم أتوا به، فقالوا: إنك قد تنوبك نوائب وحقوق، وليس عندك لها سعة، فأتيناك بشيء تستعين به على ما ينوبك من النفقة في أهلك والنازلين بك، فنزل قوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ \[وهو يخرج\] على وجوه: أحدها: يقول: لا أسألكم على ما أبلغكم من الرسالة، وأدعوكم إلى الإيمان بالله - - وبي أجرا إلا صلة أرحامكم وقرابتكم؛ أي: لا أسألكم على تبليغ الرسالة إليكم و[ما] أدعوكم إليه أجراً، إلا أن تصلوا قراباتكم وأرحامكم؛ فتدل الآية على وجوب صلة الأرحام.
ويحتمل أن يكون ذكر هذا ردّاً لقول أولئك الكفرة؛ حيث قالوا: إن محمداً جاء يقطع الأرحام ويفرق القرابات، حتى فرق بين [من] أجابه إلى ما دعاه إليه وبين من لم يجبه، من الوالد والولد، والزوج والزوجة، ونحو ذلك؛ فقال عند ذلك: لا أسألكم عليه أجراً، ولا أدعوكم إلى قطع الأرحام والقرابات؛ بل ما أطلب منكم إلا صلة الأرحام بما دعوتكم إليه.
ويحتمل أن يقول: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً، ولا أقبله منكم إن أعطيتموني، إلا أن تصلوني بحق القرابة والرحم التي بيني وبينكم فأقبله منكم، وقد كان بينه وبينهم قرابات ورحم.
ويحتمل ما قال الحسن فقال: والله ما كان نبي الله - - يسأل عن هذا القرآن أجراً، ولكنه أمر أن يتقربوا إلى الله بطاعته وحبّ كتابه، فكان معنى الآية: ﴿ إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ ، أي: إلا التقرب إلى الله - - والتودد بالعمل الصالح.
وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ إلا أن تودوني لأجل قرابتي كما تودون لقرابتكم وتواصلون بها، ليس هذا الذي جئت به يقطع ذلك عنّي، ولست أبتغي على الذي جئت به أجراً آخذه منكم على ذلك.
وقال قتادة: إن الله - - أمر محمداً ألا يسأل على هذا القرآن والتبليغ أجراً: ﴿ إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ إلا أن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة، وكل بطون قريش بينه وبينهم قرابة.
وقال بعضهم: إلا أن تودّوا قرابتي.
وقال بعضهم: قال رسول الله : "إن لم تتبعوني إلى ما أدعوكم إليه وآمركم به فاحفظوني في قرابتي" وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ﴾ هو كقوله - -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ ، والله أعلم.
قال أبو عوسجة: الاقتراف: الاكتساب، والمقارفة: المعاشرة، وقرف فلان فهو مقروف؛ أي: اتهم بشيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ، قوله: ﴿ غَفُورٌ ﴾ أي: يغفر لهم وإن لم يحققوا التوبة والرجوع سرّاً وعلانية، ولم يستوجبوا الغفران والعفو.
وقوله: ﴿ شَكُورٌ ﴾ أي: يشكر ويقبل منهم الشكر وإن لم يحققوا له الشكر، ولم يستحقوا قبوله، فضلا منه ونعمة، والله أعلم.
وقال أهل التأويل: ﴿ غَفُورٌ ﴾ للذنوب، ﴿ شَكُورٌ ﴾ للحسنات يضاعفها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ذلك التبشير العظيم الذي يبشر الله به على يد رسوله الذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا الأعمال الصالحات، قل -أيها الرسول-: لا أطلب منكم على تبليغ الحق ثوابًا إلا ثوابًا واحدًا عائدًا نفعه إليكم، وهو أن تحبوني لقرابتي فيكم، ومن يكسب حسنة نضاعف له أجره؛ الحسنة بعشر أمثالها، إن الله غفور لذنوب من تاب إليه من عباده، شكور لأعمالهم الصالحة التي يعملونها ابتغاء وجهه.
<div class="verse-tafsir" id="91.4yRMB"