الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ٢٧ من سورة الشورى
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٧ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ) أي : لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق ، لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض ، أشرا وبطرا .
وقال قتادة : كان يقال : خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك .
وذكر قتادة حديث : " إنما أخاف عليكم ما يخرج الله من زهرة الحياة الدنيا " وسؤال السائل : أيأتي الخير بالشر ؟
الحديث .
وقوله : ( ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير ) أي : ولكن يرزقهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم ، وهو أعلم بذلك فيغني من يستحق الغنى ، ويفقر من يستحق الفقر .
كما جاء في الحديث المروي : " إن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى ، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه ، وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الفقر ، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه "
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) ذكر أن هذه الآية نـزلت من أجل قوم من أهل الفاقة من المسلمين تمنوا سعة الدنيا والغنى, فمال جلّ ثناؤه: ولو بسط الله الرزق لعباده, فوسعه وكثره عندهم لبغوا, فتجاوزوا الحدّ الذي حدّه الله لهم إلى غير الذي حدّه لهم في بلاده بركوبهم في الأرض ما حظره عليهم, ولكنه ينـزل رزقهم بقدر لكفايتهم الذي يشاء منه.
* ذكر من قال ذلك: يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال أبو هانئ: سمعت عمرو بن حريث وغيره يقولون: إنما أزلت هذه الآية في أصحاب الصُّفَّة ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأرْضِ وَلَكِنْ يُنـزلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ) ذلك بأنهم قالوا: لو أن لنا, فتمنوا.
* حدثنا محمد بن سنان القزاز, قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقري, قال: ثنا حيوة, قال: أخبرني أبو هانئ, أنه سمع عمرو بن حريث يقول: إنما نـزلت هذه الآية, ثم ذكر مثله.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأرْضِ ) ...
الآية قال: كان يقال: خير الرزق ما لا يُطغيك ولا يُلهيك.
وذُكر لنا أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " أخْوَفُ ما أخافُ على أمَّتِي زَهْرَةُ الدُّنْيا وكَثْرَتُها ".
فقال له قاتل: يا نبيّ الله هل يأتي الخير بالشرّ؟
فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " وهَلْ يَأتِي الخَيْرُ بالشَّرِّ؟" فأنـزل الله عليه عند ذلك, وكان إذا نـزل عليه كرب (1) لذلك, وتربَّد وجهه, حتى إذا سرّي عن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " هَلْ يَأْتِي الخَيْرُ بالشَّرِّ" يقولها ثلاثا: " إنَّ الخَيْرَ لا يأتِي إلا بالخَيْرِ", يقولها ثلاثا.
وكان صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وتر الكلام: ولكنه والله ما كان ربيع قط إلا أحبط أو ألمّ فأما عبد أعطاه الله مالا فوضعه فى سبيل الله التي افترض وارتضى, فذلك عبد أريد به خير, وعزم له على الخير, وأما عبد أعطاه الله مالا فوضعه في شهواته ولذّاته, وعدل عن حقّ الله عليه, فذلك عبد أريد به شرّ, وعزم له على شرّ.
وقوله: ( إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) يقول تعالى ذكره: إن الله بما يصلح عباده ويفسدهم من غنى وفقر وسعة وإقتار, وغير ذلك من مصالحهم ومضارهم, ذو خبرة, وعلم, بصير بتدبيرهم, وصرفهم فيما فيه صلاحهم.
------------------------ الهوامش: (1) في ( اللسان : كرب ) : وفي الحديث : كان إذا أتاه الوحي كرب له ، أي أصابه الكرب فهو مكروب .
قوله تعالى : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير .فيه مسألتان : الأولى : في نزولها ، قيل : إنها نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الرزق .
وقال خباب بن الأرت : فينا نزلت ، نظرنا إلى أموال بني النضير وقريظة وبني قينقاع فتمنيناها فنزلت .
ولو بسط معناه وسع .
وبسط الشيء نشره .
وبالصاد أيضا .
لبغوا في الأرض [ ص: 27 ] طغوا وعصوا .
وقال ابن عباس : بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ودابة بعد دابة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس .
وقيل : أراد لو أعطاهم الكثير لطلبوا ما هو أكثر منه ، لقوله : ( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا ) وهذا هو البغي ، وهو معنى قول ابن عباس .
وقيل : لو جعلناهم سواء في المال لما انقاد بعضهم لبعض ، ولتعطلت الصنائع .
وقيل : أراد بالرزق المطر الذي هو سبب الرزق ، أي : لو أدام المطر لتشاغلوا به عن الدعاء ، فيقبض تارة ليتضرعوا ويبسط أخرى ليشكروا .
وقيل : كانوا إذا أخصبوا أغار بعضهم على بعض ، فلا يبعد حمل البغي على هذا .
الزمخشري : لبغوا من البغي وهو الظلم ، أي : لبغى هذا على ذاك وذاك على هذا ; لأن الغنى مبطرة مأشرة ، وكفى بقارون عبرة .
ومنه قوله - عليه السلام - : أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها .
ولبعض العرب :وقد جعل الوسمي ينبت بيننا وبين بني دودان نبعا وشوحطايعني أنهم أحيوا فحدثوا أنفسهم بالبغي والتغابن .
أو من البغي وهو البذخ والكبر ، أي : لتكبروا في الأرض وفعلوا ما يتبع الكبر من العلو فيها والفساد .
ولكن ينزل بقدر ما يشاء أي : ينزل أرزاقهم بقدر ما يشاء لكفايتهم وقال مقاتل : ينزل بقدر ما يشاء يجعل من يشاء غنيا ومن يشاء فقيرا .الثانية : قال علماؤنا : أفعال الرب سبحانه لا تخلو عن مصالح وإن لم يجب على الله الاستصلاح ، فقد يعلم من حال عبد أنه لو بسط عليه قاده ذلك إلى الفساد فيزوي عنه الدنيا ، مصلحة له .
فليس ضيق الرزق هوانا ولا سعة الرزق فضيلة ، وقد أعطى أقواما مع علمه أنهم يستعملونه في الفساد ، ولو فعل بهم خلاف ما فعل لكانوا أقرب إلى الصلاح .
والأمر على الجملة مفوض إلى مشيئته ، ولا يمكن التزام مذهب الاستصلاح في كل فعل من أفعال الله تعالى .
وروى أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال : ( من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ، وإني لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي ، وإني لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرد .
وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره إساءته ولا بد له منه .
وما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه .
وما يزال عبدي [ ص: 28 ] المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا فإن سألني أعطيته وإن دعاني أجبته .
وإن من عبادي المؤمنين من يسألني الباب من العبادة وإني عليم أن لو أعطيته إياه لدخله العجب فأفسده .
وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده الفقر .
وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده الغنى .
وإني لأدبر عبادي لعلمي بقلوبهم فإني عليم خبير ) .
ثم قال أنس : اللهم إني من عبادك المؤمنين الذين لا يصلحهم إلا الغنى ، فلا تفقرني برحمتك .
أي: لغفلوا عن طاعة الله، وأقبلوا على التمتع بشهوات الدنيا، فأوجبت لهم الإكباب على ما تشتهيه نفوسهم، ولو كان معصية وظلما.{ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ } بحسب ما اقتضاه لطفه وحكمته { إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } كما في بعض الآثار أن الله تعالى يقول: \"إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أمرضته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا المرض ولو عافيته لأفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني خبير بصير \"
( ولو بسط الله الرزق لعباده ) قال خباب بن الأرت : فينا نزلت هذه الآية ، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع فتمنيناها فأنزل الله عز وجل هذه الآية : " ولو بسط الله الرزق " وسع الله الرزق ( لعباده ) ( لبغوا ) لطغوا وعتوا ، ( في الأرض ) .
قال ابن عباس : بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس .
( ولكن ينزل ) أرزاقهم ( بقدر ما يشاء ) كما يشاء نظرا منه لعباده ، ( إنه بعباده خبير بصير ) .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو عمر بكر بن محمد المزني ، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله حفيد العباس بن حمزة ، حدثنا الحسين بن الفضل البجلي ، حدثنا أبو حفص عمر بن سعيد الدمشقي ، حدثنا صدقة عن عبد الله ، حدثنا هشام الكناني عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل عن الله عز وجل قال : " يقول الله عز وجل من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ، وإني لأغضب لأوليائي كما يغضب الليث الحرد ، وما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه ، وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا ، إن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته ، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت ، وأنا أكره مساءته ولا بد له منه ، وإن من عبادي المؤمنين لمن يسألني الباب من العبادة فأكفه عنه أن لا يدخله عجب فيفسده ذلك ، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك ، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بقلوبهم إني عليم خبير " .
«ولو بسط الله الرزق لعباده» جميعهم «لبغوا» جميعهم أي طغوا «في الأرض ولكن ينزل» بالتخفيف وضده من الأرزاق «بقدر ما يشاء» فيبسطها لبعض عباده دون، وينشأ عن البسط البغي «إنه بعباده خبير بصير».
ولو بسط الله الرزق لعباده فوسَّعه عليهم، لبغوا في الأرض أشَرًا وبطرًا، ولطغى بعضهم على بعض، ولكن الله ينزل أرزاقهم بقدر ما يشاء لكفايتهم.
إنه بعباده خبير بما يصلحهم، بصير بتدبيرهم وتصريف أحوالهم.
ثم بين - سبحانه - جانبا مما اقتضته فى تدبير أمور عباده فقال : ( وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ولكن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ ) .والبغى : تجاوز الحد فى كل شئ يقال : بغى الجرح ، إذا أظهر ما بداخله من دم أو غيره .وبغى القوم ، إذا تجاوزوا حدودهم فى العدوان على غيرهم .أى : ولو بسط الله - تعالى - الرزق لعباده ، بأن وسعه عليهم جميعا توسعة فوق حاجتهم ، ( لَبَغَوْاْ فِي الأرض ) أى : لتجاوزوا حدودهم ، ولتكبروا فيها ، ولطغوا وعتوا وتركوا الشكر لنا ، وقالوا ما قاله قارون : ( إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي ) وقوله : ( ولكن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ ) بيان لما اقتضته حكمته - تعالى - أى : أن حكمته - تعالى - قد اقتضت عدم التوسعة فى الرزق لجميع عباده ، لأن هذه التوسعة تحملهم على التكبر والغرور والبطر ، لذا أنزل الله - تعالى - لهم الرزق بتقدير محدد اقتضته حكمته ومشيئته ، كما قال - سبحانه - : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) وقوله - تعالى - : ( إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) تعليل لتنزيله الرزق على عباده بتقدير وتحديد دقيق .أى : فعل ما فعل - سبحانه - من إنزال الرزق على عباده بقدر ، لأنه - تعالى - خبير بخفايا أحوال عباده ، وبطوايا نفوسهم ، بصير بما يقولونه وبما يفعلونه .قال صاحب الكشاف : أى أنه - تعالى - يعلم ما يؤول إليه حالهم ، فيقدر لهم ما هو أصلح لهم ، واقرب إلى جمع شملهم ، فيفقر ويغنى ، ويمنع ويعطى ، ويقبض ويبسط ، كما توجبه الحكمة الربانية ، ولو أغناهم جميعا لبغوا ، ولو أفقرهم لهكلوا .ولا شبهة فى أن البغى مع الفقر أقل ، ومع البسط أكثر وأغلب ، وكلاهما سبب ظاهر للإقدام على البغى والإِحجام عنه ، فلو عم البسط ، لغلب البغى حتى ينقلب الأمر إلى عكس ما هو عليه الآن .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: إنه يجيب دعاء المؤمنين ورد عليه سؤال وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبلية وفقر ثم يدعو فلا يشاهد أثر الإجابة فكيف الحال فيه مع ما تقدم من قوله: ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الذين ءامَنُواْ ﴾ ؟
فأجاب تعالى عنه بقوله: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ﴾ أي ولأقدموا على المعاصي، ولما كان ذلك محذوراً وجب أن يعطيهم ما طلبوه، قال الجبائي: هذه الآية تدل على بطلان قول المجبرة من وجهين: الأول: أن حاصل الكلام أنه تعالى: ﴿ لَوْ بَسَطَ الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ﴾ والبغي في الأرض غير مراد فإرادة بسط الرزق غير حاصلة، فهذا الكلام إنما يتم إذا قلنا إنه تعالى يريد البغي في الأرض، وذلك يوجب فساد قول المجبرة الثاني: أنه تعالى بيّن أنه إنما لم يرد بسط الرزق لأنه يفضي إلى المفسدة فلما بيّن تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريداً للمفسدة كان أولى، أجاب أصحابنا بأن الميل الشديد إلى البغي والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن فلابد لها من فاعل، وفاعل هذه الأحوال إما العبد أو الله والأول باطل لأنه إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليها فيعود السؤال في أنه من المحدث لذلك الميل الثاني؟
ويلزم التسلسل، وأيضاً فالميل الشديد إلى الظلم والقسوة عيوب ونقصانات، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو الله تعالى، ثم أورد الجبائي في تفسيره على نفسه سؤالاً قال: فإن قيل أليس قد بسط الله الرزق لبعض عباده مع أنه بغى؟
وأجاب عنه بأن الذي عنده الرزق وبغى كان المعلوم من حاله أنه يبغي على كل حال سواء أعطى ذلك الرزق أو لم يعط، وأقول هذا الجواب فاسد ويدل عليه القرآن والعقل، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ ﴾ حكم مطلقاً بأن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان.
وأما العقل فهو أن النفس إذا كانت مائلة إلى الشر لكنها كانت فاقدة للآلات والأدوات كان الشر أقل، وإذا كانت واجدة لها كان الشر أكثر، فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان.
المسألة الثانية: في بيان الوجه الذي لأجله كان التوسع موجباً للطغيان ذكروا فيه وجوهاً الأول: أن الله تعالى لو سوى في الرزق بين الكل لامتنع كون البعض خادماً للبعض ولو صار الأمر كذلك لخرب العالم وتعطلت المصالح الثاني: أن هذه الآية مختصة بالعرب فإنه كلما اتسع رزقهم ووجدوا من المطر ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم أقدموا على النهب والغارة الثالث: أن الإنسان متكبر بالطبع فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر، وإذا وقع في شدة وبلية ومكروه انكسر فعاد إلى الطاعة والتواضع.
المسألة الثالثة: قال خباب بن الأرث فينا نزلت هذه الآية وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع فتمنيناها، وقيل نزلت في أهل الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى.
ثم قال تعالى: ﴿ ولكن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يُنَزّل ﴾ خفيفة والباقون بالتشديد، ثم نقول: ﴿ بِقَدَرٍ ﴾ بتقدير يقال قدره قدراً وقدراً ﴿ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ ﴾ يعني أنه عالم بأحوال الناس وبطباعهم وبعواقب أمورهم فيقدر أرزاقهم على وفق مصالحهم، ولما بيّن تعالى أنه لا يعطيهم ما زاد على قدر حاجتهم لأجل أنه علم أن تلك الزيادة تضرهم في دينهم بين أنهم إذا احتاجوا إلى الرزق فإنه لا يمنعهم منه فقال: ﴿ وَهُوَ الذي يُنَزّلُ الغيث مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ ﴾ قرأ نافع وابن عامر وعاصم ﴿ يُنَزّل ﴾ مشددة والباقون مخففة، قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ قَنَطُواْ ﴾ بفتح النون وكسرها، وإنزال الغيث بعد القنوط أدعى إلى الشكر لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتم، فكان إقدام صاحبه على الشكر أكثر ﴿ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ﴾ أي بركات الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب، وعن عمر رضي الله عنه أنه قيل له اشتد القحط وقنط الناس فقال: إذن مطروا أراد هذه الآية، ويجوز أن يريد رحمته الواسعة في كل شيء كأنه قيل ينزل الرحمة التي هي الغيث وينشر سائر أنواع الرحمة ﴿ وَهُوَ الولى الحميد ﴾ ﴿ الوالي ﴾ الذي يتولى عباده بإحسانه و ﴿ الحميد ﴾ المحمود على ما يوصل للخلق من أقسام الرحمة، ثم ذكر آية أخرى تدل على إلهيته فقال: ﴿ وَمِنْ ءاياته خَلْقُ السموات والأرض وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ ﴾ فنقول: أما دلالة خلق السموات والأرض على وجود الإله الحكيم فقد ذكرناها وكذلك دلالة وجود الحيوانات على وجود الإله الحكيم، فإن قيل كيف يجوز إطلاق لفظ الدابة على الملائكة؟
قلنا فيه وجوه: الأول: أنه قد يضاف الفعل إلى جماعة وإن كان فاعله واحداً منهم يقال بنو فلان فعلوا كذا، وإنما فعله واحد منهم ومنه قوله تعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ ﴾ الثاني: أن الدبيب هو الحركة، والملائكة لهم حركة الثالث: لا يبعد أن يقال إنه تعالى خلق في السموات أنواعاً من الحيوانات يمشون مشي الأناسي على الأرض.
ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ على جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ ﴾ قال صاحب الكشاف: إذا تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي، قال تعالى: ﴿ واليل إِذَا يغشى ﴾ ومنه ﴿ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ ﴾ والمقصود أنه تعالى خلقها متفرقة، لا لعجز ولكن لمصلحة، فلهذا قال: ﴿ وَهُوَ على جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ ﴾ يعني الجمع للحشر والمحاسبة، وإنما قال: ﴿ على جَمْعِهِمْ ﴾ ولم يقل على جمعها، لأجل أن المقصود من هذا الجمع المحاسبة، فكأنه تعالى قال: وهو على جمع العقلاء إذا يشاء قدير، واحتج الجبائي بقوله: ﴿ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ ﴾ على أن مشيئته تعالى محدثة بأن قال: إن كلمة ﴿ إِذَا ﴾ تفيد ظرف الزمان، وكلمة ﴿ يَشَاء ﴾ صيغة المستقبل، فلو كانت مشيئته تعالى قديمة لم يكن لتخصيصها بذلك الوقت المعين من المستقبل فائدة، ولما دل قوله: ﴿ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ ﴾ على هذا التخصيص علمنا أن مشيئته تعالى محدثة والجواب: أن هاتين الكلمتين كما دخلتا على المشيئة، أي مشيئة الله، فقد دخلتا أيضاً على لفظ القدير فلزم على هذا أن يكون كونه قادراً صفة محدثة، ولما كان هذا باطلاً، فكذا القول فيما ذكره، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر ﴿ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ بغير فاء، وكذلك هي في مصاحف الشام والمدينة، والباقون بالفاء وكذلك هي في مصاحفهم، وتقدير الأول أن ما مبتدأ بمعنى الذي، وبما كسبت خبره، والمعنى والذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم، وتقدير الثاني تضمين كلمة: ما معنى الشرطية.
المسألة الثانية: المراد بهذه الصمائب الأحوال المكروهة نحو الآلام والأسقام القحط والغرق والصواعق وأشباهها، واختلفوا في نحو الآلام أنها هل هي عقوبات على ذنوب سلفت أم لا؟
منهم من أنكر ذلك لوجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ بيّن تعالى أن الجزاء إنما يحصل في يوم القيامة، وقال تعالى في سورة الفاتحة ﴿ مالك يَوْمِ الدين ﴾ أي يوم الجزاء، وأطبقوا على أن المراد منه يوم القيامة.
والثاني: أن مصائب الدنيا يشترك فيها الزنديق والصديق، وما يكون كذلك امتنع جعله من باب العقوبة على الذنوب، بل الاستقراء يدل على أن حصول هذه المصائب للصالحين والمتقين أكثر منه للمذنبين، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «خص البلاء بالأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل».
الثالث: أن الدنيا دار التكليف، فلو جعل الجزاء فيها لكانت الدينا دار التكليف ودار الجزاء معاً، وهو محال، وأما القائلون بأن هذه المصائب قد تكون أجزية على الذنوب المتقدمة، فقد تمسكوا أيضاً بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: لا يصيب ابن آدم خدش عود ولا غيره إلا بذنب أو لفظ هذا معناه وتمسكوا أيضاً بهذه الآية، وتمسكوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ﴾ وتمسكوا أيضاً بقوله تعالى بعد هذه الآية ﴿ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا ﴾ وذلك تصريح بأن ذلك الإهلاك كان بسبب كسبهم، وأجاب الأولون عن التمسك بهذه الآية، فقالوا إن حصول هذه المصائب يكون من باب الامتحان في التكليف، لا من باب العقوبة كما في حق الأنبياء والأولياء، ويحمل قوله: ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ على أن الأصلح عند إتيانكم بذلك الكسب إنزال هذه المصائب عليكم، وكذا الجواب عن بقية الدلائل، والله أعلم.
المسألة الثالثة: احتج أهل التناسخ بهذه الآية، وكذلك الذين يقولون إن الأطفال البهائم لا تتألم، فقالوا دلّت الآية على أن حصول المصائب لا يكون إلا لسابقة الجرم، ثم إن أهل التناسخ قالوا: لكن هذه المصائب حاصلة للأطفال والبهائم، فوجب أن يكون قد حصل لها ذنوب في الزمان السابق، وأما القائلون بأن الأطفال والبهائم ليس لها ألم قالوا قد ثبت أن هذه الأطفال والبهائم ما كانت موجودة في بدن آخر لفساد القول بالتناسخ فوجب القطع بأنها لا تتألم إذ الألم مصيبة والجواب: أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ خطاب مع من يفهم ويعقل، فلا يدخل فيه البهائم والأطفال، ولم يقل تعالى: إن جميع ما يصيب الحيوان من المكاره فإنه بسبب ذنب سابق، والله أعلم.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ يقتضي إضافة الكسب إلى اليد، قال والكسب لا يكون باليد، بل بالقدرة القائمة باليد، وإذا كان المراد من لفظ اليد هاهنا القدرة، وكان هذا المجاز مشهوراً مستعملاً كان لفظ اليد الوارد في حق الله تعالى يجب حمله على القدرة تنزيهاً لله تعالى عن الأعضاء والأجزاء، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ ومعناه أنه تعالى قد يترك الكثير من هذه التشديدات بفضله ورحمته، وعن الحسن قال: دخلنا على عمران بن حصين في الوجع الشديد، فقيل له: إنا لنغتم لك من بعض ما نرى، فقال لا تفعلوا فوالله إن أحبه إلى الله أحبه إلي، وقرأ ﴿ وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ فهذا بما كسبت يداي، وسيأتيني عفو ربي، وقد روى أبو سخلة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: «ما عفى الله عنه فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة، وما عاقب عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد العذاب عليه في الآخرة» رواه الواحدي في البسيط، وقال إذا كان كذلك فهذه أرجى آية في كتاب الله لأن الله تعالى جعل ذنوب المؤمنين صنفين: صنف كفره عنهم بالمصائب في الدنيا، وصنف عفا عنه في الدنيا، وهو كريم لا يرجع في عفوه، وهذه سنّة الله مع المؤمنين، وأما الكافر فلأنه لا يعجل عليه عقوبة ذنبه حتى يوافي ربه يوم القيامة.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض ﴾ يقول ما أنتم معشر المشركين بمعجزين في الأرض، أي لا تعجزونني حيثما كنتم، فلا تسبقونني بسبب هربكم في الأرض ﴿ وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ والمراد بهم من يعبد الأصنام، بين أنه لا فائدة فيها ألبتة، والنصير هو الله تعالى، فلا جرم هو الذي تحسن عبادته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَبَغَوْاْ ﴾ من البغي وهو الظلم، أي: لبغى هذا على ذاك، وذاك على هذا، لأنّ الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بحال قارون عبرة.
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «أخوف ما أخاف على أمّتي زهرة الدنيا وكثرتها» ولبعض العرب: وَقَدْ جَعَلَ الْوَسْمِيَّ يَنْبُتُ بَيْنَنَا ** وَبَيْنَ بني رُومَانَ نَبْعاً وَشَوْحَطَا يعني: أنهم أحيوا فحدّثوا أنفسهم بالبغي والتفانن.
أو من البغي وهو البذخ والكبر، أي: لتكبروا في الأرض، وفعلوا ما يتبع الكبر من العلو فيها والفساد.
وقيل: نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى.
قال خباب بن الأرت: فينا نزلت، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع فتمنيناها ﴿ بِقَدَرٍ ﴾ بتقدير.
يقال قدره قدراً وقدرا.
﴿ خَبِيرُ بَصِيرٌ ﴾ يعرف ما يؤول إليه أحوالهم، فيقدّر لهم ما هو أصلح لهم وأقرب إلى جمع شملهم، فيفقر ويغنى، ويمنع ويعطي، ويقبض ويبسط كما توجبه الحكمة الربانية.
ولو أغناهم جميعاً لبغوا، ولو أفقرهم لهلكوا.
فإن قلت: قد نرى الناس يبغي بعضهم على بعض، ومنهم مبسوط لهم، ومنهم مقبوض عنهم؛ فإن كان المبسوط لهم لم يبغون، فلم بسط لهم: وإن كان المقبوض عنهم يبغون فقد يكون البغي بدون البسط، فلم شرطه؟
قلت: لا شبهة في أنّ البغي مع الفقر أقل ومع البسط أكثر وأغلب، وكلاهما سبب ظاهر للإقدام على البغي والإحجام عنه، فلو عم البسط لغلب البغي حتى ينقلب الأمر إلى عكس ما عليه الآن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ﴾ لَتَكَبَّرُوا وأفْسَدُوا فِيها بَطَرًا، أوْ لَبَغى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ اسْتِيلاءً واسْتِعْلاءً وهَذا عَلى الغالِبِ، وأصْلُ البَغْيِ طَلَبُ تَجاوُزِ الِاقْتِصادِ فِيما يُتَحَرّى كَمِّيَّةً أوْ كَيْفِيَّةً.
﴿ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ﴾ بِتَقْدِيرٍ.
﴿ ما يَشاءُ ﴾ كَما اقْتَضَتْهُ مَشِيئَتُهُ.
﴿ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ يَعْلَمُ خَفايا أمْرِهِمْ وجَلايا حالِهِمْ فَيُقَدِّرُ لَهم ما يُناسِبُ شَأْنَهم.
رُوِيَ أنَّ أهْلَ الصُّفَّةِ تَمَنَّوُا الغِنى فَنَزَلَتْ.
وَقِيلَ في العَرَبِ: كانُوا إذا أخْصَبُوا تَحارَبُوا وإذا أجْدَبُوا انْتَجَعُوا.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ} أي لو أغناهم جميعاً {لَبَغَوْاْ فِى الأرض} من البغي وهو الظلم أي لبغي هذا على ذاك وذاك على هذا لأن الغني مبطرة مأشرة وكفى بحال قارون وفرعون عبرة أو من البغي وهو الكبر أي لتكبّروا في الأرض {ولكن يُنَزِّلُ} بالتخفيف مكي وأبو عمرو {بِقَدَرٍ ما يشاء} بتقدير يقال قدره فدرا وقدراً {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ} يعلم أحوالهم فيقدر لهم ما تقتضيه حكمته فيفقر ويغني ويمنع ويعطي ويقبض ويبسط ولو أغناهم جميعاً لبغوا ولو أفقرهم لهلكوا وما ترى من البسط على من يبغي ومن البغي بدون البسط فهو قليل ولا شك أن البغي مع الفقر أقل ومع البسط أكثر وأغلب
﴿ ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ﴾ أيْ لَتَكَبَّرُوا فِيها بَطَرًا وتَجاوَزُوا اَلْحَدَّ اَلَّذِي يَلِيقُ بِالعَبِيدِ أوْ لَظَلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا فَإنَّ اَلْغِنى مَبْطَرَةٌ مَأْشَرَةٌ، وكَفى بِحالِ قارُونَ عِبْرَةً، وفي اَلْحَدِيثِ «(أخْوَفُ ما أخافُ عَلى أُمَّتِي زَهْرَةُ اَلدُّنْيا وكَثْرَتُها)» ولِبَعْضِ اَلْعَرَبِ: وقَدْ جَعَلَ اَلْوَسْمِيُّ يَنْبُتُ بَيْنَنا وبَيْنَ بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطا وأصْلُ اَلْبَغْيُ طَلَبُ أكْثَرَ مِمّا يَجِبُ بِأنْ يَتَجاوَزَ في اَلْقَدْرِ والكَمِّيَّةِ أوْ في اَلْوَصْفِ والكَيْفِيَّةِ ﴿ ولَكِنْ يُنَزِّلُ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ مِنَ اَلْإنْزالِ ﴿ بِقَدَرٍ ﴾ بِتَقْدِيرٍ ﴿ ما يَشاءُ ﴾ وهو ما اِقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ مُحِيطٌ بِخَفِيّاتِ أُمُورِهِمْ وجَلاياها فَيُقَدِّرُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم في كُلِّ وقْتٍ مِن أوْقاتِهِمْ ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ فَيُفْقِرُ ويُغْنِي ويَمْنَعُ ويُعْطِي ويَقْبِضُ ويَبْسُطُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ اَلْحِكْمَةُ اَلرَّبّانِيَّةُ ولَوْ أغْناهم جَمِيعًا لَبَغَوْا ولَوْ أفْقَرَهم لَهَلَكُوا.
واسْتَشْكَلَتِ اَلْآيَةُ بِأنَّ اَلْغِنى كَما يَكُونُ سَبَبَ اَلْبَغْيِ فَكَذَلِكَ اَلْفَقْرُ قَدْ يَكُونُ فَلا يَظْهَرُ اَلشَّرْطِيَّةُ، وأجابَ جارُ اَللَّهِ بِأنَّهُ لا شُبْهَةَ أنَّ اَلْبَغْيَ مَعَ اَلْفَقْرِ أقَلُّ ومَعَ اَلْبَسْطِ أكْثَرُ وأغْلَبُ وكِلاهُما سَبَبٌ ظاهِرٌ لِلْإقْدامِ عَلى اَلْبَغْيِ والإحْجامِ عَنْهُ فَلَوْ عَمَّ اَلْبَسْطُ لَغَلَبَ اَلْبَغْيُ حَتّى يَنْقَلِبَ اَلْأمْرُ إلى عَكْسِ ما عَلَيْهِ اَلْآنَ وأرادَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ نِظامَ اَلْعالَمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ يَسْتَمِرُّ وإنْ كانَ قَدْ يَصْدُرُ مِنَ اَلْغَنِيِّ في بَعْضِ اَلْأحْيانِ بَغْيٌ ومِنَ اَلْفَقِيرِ كَذَلِكَ لَكِنْ في أحَدِهِما ما يَدْفَعُ اَلْآخَرَ أمّا لَوْ أفْقَرَهم كُلَّهم لَكانَ اَلضَّعْفُ والهَلَكُ لازِمًا ولَوْ بَسَطَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ مَعَ أنَّ اَلْحاجَةَ طَبِيعِيَّةٌ لَكانَ مِنَ اَلْبَغْيِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ لِأنَّ نِظامَ اَلْعالَمِ بِالفَقْرِ أكْثَرُ مِنهُ بِالغِنى، وهَذا أمْرٌ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ ثُمَّ إنَّ اَلْفَقْرَ اَلْكُلِّيَّ لا يُتَصَوَّرُ مَعَهُ اَلْبَغْيُ لِلضَّعْفِ اَلْعامِّ ولِأنَّهُ لا يَجِدُ حاجَتَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ لِيَظْلِمَهُ، وأمّا اَلْغِنى اَلْكُلِّيُّ فَعِنْدَهُ اَلْبَغْيُ اَلتّامُّ، وأمّا اَلَّذِي عَلَيْهِ سُنَّةُ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو اَلَّذِي جَمَعَ اَلْأمْرَيْنِ مُشْتَمِلًا عَلى خَوْفٍ لِلْغَنِيِّ مِنَ اَلْفُقَراءِ يَزَعُهُ عَنِ اَلظُّلْمِ وخَوْفٍ لِلْفَقِيرِ مِنَ اَلْأغْنِياءِ أكْثَرَ مِنهُ يَدْعُوهُ إلى اَلتَّعاوُنِ لِيَفُوزَ بِمُبْتَغاهُ ويَزَعَهُ عَنِ اَلْبَغْيِ، ثُمَّ قَدْ يَتَّفِقُ بَغْيٌ مِن هَذا أوْ ذاكَ كَذا قَرَّرَهُ صاحِبُ اَلْكَشْفِ ثُمَّ قالَ: وهَذا جَوابٌ حَسَنٌ لا تَكَلُّفَ فِيهِ وهو إشارَةٌ إلى رَدِّ اَلْعَلّامَةِ اَلطَّيِّبِيِّ فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ جَوابٌ مُتَكَلَّفٌ وأنَّ اَلسُّؤالَ قَوِيٌّ، وذَهَبَ هو إلى أنَّ اَلْمُرادَ ﴿ بِعِبادِهِ ﴾ مَن خَصَّهُمُ اَللَّهُ تَعالى بِالكَرامَةِ وجَعَلَهم مِن أوْلِيائِهِ ثُمَّ قالَ: ويَنْصُرُهُ اَلتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ ووَضَعَ اَلْمُظْهَرَ مَوْضِعَ اَلْمُضْمَرِ أيْ إنَّهُ تَعالى خَبِيرٌ بِأحْوالِ عِبادِهِ اَلْمُكْرَمِينَ بَصِيرٌ بِما يُصْلِحُهم وما يُرْدِيهِمْ، وإلَيْهِ يُنْظَرُ ما ورَدَ عَنْهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا أحَبَّ اَللَّهُ تَعالى عَبْدًا حَماهُ اَلدُّنْيا كَما يَظَلُّ أحَدُكم يَحْمِي سَقِيمَهُ اَلْماءَ، ويَشُدُّ مِن عَضُدِهِ قَوْلُ خَبّابِ بْنِ اَلْأرَتِّ نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها فَنَزَلَتْ ﴿ ولَوْ بَسَطَ ﴾ اَلْآيَةَ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ طَلَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ اَلصُّفَّةِ مِنَ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُغْنِيَهُمُ اَللَّهُ تَعالى ويَبْسُطَ لَهُمُ اَلْأمْوالَ والأرْزاقَ فَنَزَلَتْ وعَلَيْهِ تَفْسِيرُ مُحْيِي اَلسُّنَّةِ اِنْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ اَلْأنْسَبَ بِحالِ اَلْمُكْرَمِينَ اَلْمُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ تَعالى أنْ لا يُبْطِرَهُمُ اَلْغِنى لِصَفاءِ بَواطِنِهِمْ وقُوَّةِ تَوَجُّهِهِمْ إلى حَظائِرِ اَلْقُدْسِ ومَزِيدِ تَعَلُّقِ قُلُوبِهِمْ بِمَحْبُوبِهِمْ ووُقُوفِهِمْ عَلى حَقائِقِ اَلْأشْياءِ وكَمالِ عِلْمِهِمْ بِمُنْتَهى زَخارِفِ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا، وأبْناءُ اَلدُّنْيا لَوْ فَكَّرُوا في ذَلِكَ حَقَّ اَلتَّفَكُّرِ لَهانَ أمْرُهم وقَلَّ شَغَفُهم كَما قِيلَ: لَوْ فَكَّرَ اَلْعاشِقُ في مُنْتَهى ∗∗∗ حُسْنِ اَلَّذِي يَسْبِيهِ لَمْ يَسْبِهْ فَلَعَلَّ اَلْأوْلى ما تَقَدَّمَ أوْ يُقالُ إنَّ هَذا في بَعْضِ اَلْعِبادِ اَلْمُؤْمِنِينَ فَتَأمَّلْ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: تقوله من ذات نفسه، ولم يأمره الله تعالى.
قال الله تعالى: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ يعني: يحفظ قلبك، حتى لا تدخل في قلبك المشقة والأذى من قولهم: وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ يعني: يهلك الله تعالى الشرك وَيُحِقُّ الْحَقَّ يعني: يظهر دينه الإسلام بِكَلِماتِهِ يعني: بتحقيقه، وبنصرته، وبالقرآن إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: يعلم ما في قلب محمد من الحزن، ويعلم ما في قلوب الكافرين من التكذيب.
قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ حتى يتجاوز عما عملوا قبل التوبة.
وروى عبد العزيز بن إسماعيل، عن محمد بن مطرف قال: «يقول الله تعالى: وَيْحَ ابْنَ آدَمَ، يُذْنِب الذَّنْبَ ثم يستغفر، فأغفر له، ثُمَّ يُذْنِبُ ذَنْباً ثُمَّ يستغفر، فأغفر له، ثم يُذْنِبُ ذَنْباً ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ، فَأغْفِرَ لَهُ لاَ هُوَ يَتْرك ذُنُوبَهُ، وَلاَ هُوَ يَيْأس مِن رَّحْمَتِي.
أشْهَدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ» وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ من خير أو شر.
قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص تَفْعَلُونَ بالتاء على معنى المخاطبة، والباقون بالياء على معنى الخبر عنهم وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: يجيب دعاءهم، ويعطيهم أكثر ما سألوا من المغفرة وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ يعني: يزيدهم على أعمالهم من الثواب.
ويقال: يعطيهم الثواب في الجنة، أكثر مما سألوا وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ يعني: دائماً لا يقتر عنهم.
قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ يعني: لو وسع الله تعالى عليهم المال لَبَغَوْا أي: لطغوا فِي الْأَرْضِ وعصوا وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشاءُ يعني: يوسع على كل إنسان، بمقدار صلاحه في ذلك، قال أبو الليث رحمه الله: حدّثنا أبو القاسم، حمزة بن محمد قال: حدّثنا أبو القاسم، أحمد بن حمزة، قال: حدّثنا نصر بن يحيى، قال: سمعت شقيق بن إبراهيم الزاهد يقول: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ قال: لو أن الله تعالى رزق العباد من غير كسب، لتفرغوا وتفاسدوا في الأرض، ولكن شغلهم بالكسب، حتى لا يتفرغوا للفساد.
ثم قال: إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ يعني: بالبر، والفاجر، والمؤمن، والكافر.
ويقال: يعني: عالم بصلاح كل واحد منهم.
قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ يعني: المطر مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا أي: حبس عنهم وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ يعني: المطر وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ يعني: الولي للمطر يرسله مرة بعد مرة الْحَمِيدُ يعني: أهل أن يحمد على صنعه.
قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ يعني: من علامات وحدانيته خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خلقين عظيمين، لا يقدر عليهما بنو آدم، ولا غيرهم وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ يعني: ما خلق فِى السموات والأرض من خلق أو بشر فيهما وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ يعني: على إحيائهم للبعث إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ يعني: قادر على ذلك.
ويقال: وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ يعني: في الأرض خاصة كما قال: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (22) [الرحمن: 22] يعني: من أحدهما ثم قال وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ يعني: ما تصابون من مصيبة في أنفسكم، وأموالكم فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ يعني: يصيبكم بأعمالكم، ومعاصيكم وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ يعني: ما عفى الله عنه، فهو أكثر.
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: «ألا أخبركم بأرجى آية في كتاب الله، أنزلت على النبي ؟
قالوا بلى.
فقرأ عليهم: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قال: فالمصائب في الدنيا بكسب الأيدي، وما عفى الله تعالى عنه في الدنيا، ولم يعاقب، فهو أجود وأمجد، وأكرم من أن يعذب فيه يوم القيامة.
وعن الضحاك قال: ما تعلم رجل القرآن، ثم نسيه، إلا بذنب.
ثم قرأ: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وأي: مصيبة أعظم من نسيان القرآن.
قرأ نافع وابن عامر «بما كسبت أيديكم» بحذف الفاء.
ويكون ما بمعنى الذي، ومعناه الذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم.
وقرأ الباقون: فَبِما كَسَبَتْ بالفاء، وتكون الفاء جواب الشرط، ومعناه: ما يصيبكم مِّن مُّصِيبَةٍ، فَبِمَا كَسَبَتْ أيديكم ثم قال: <div class="verse-tafsir"
الفائتة وغير ذلك، وأمَّا التوبة من المعاصي فلأهل السُّنَّةِ فيها قولان: هل تُذْهِبَ المعاصيَ السالفةَ للعبد بينه وبين خالقه؟
فقالت فرقة: هي مُذْهِبَةٌ لها، وقالت فرقة: هي في مشيئة اللَّه تعالى، / وأجمعوا أَنَّها لا تُذْهِبُ مظالم العباد، وحقيقةُ التوبة: الإقلاعُ عن المعاصِي، والإقبالُ، والرجوعُ إلى الطاعات، ويلزمها النَّدَمُ على ما فَاتَ والعَزْمُ على ملازمة الخَيْرَات.
وقال سَرِيٌّ السِّقَطِيُّ: التوبة: العَزْمُ على ترك الذنوب والإقبالُ بالقَلْبِ على عَلاَّم الغيوب، وقال يحيى بن مُعَاذٍ: التائبُ: مَنْ كَسَرَ شَبَابَهُ على رأسه، وكَسَرَ الدنيا على رأسِ الشيطان، [ولزم الفِطام] «١» حتى أتاه الحِمَام «٢» .
وقوله تعالى: عَنْ عِبادِهِ بمعنى مِنْ عباده، وكأنه قال: التوبة الصادرة عن عباده، وقرأ الجمهور: «يَفْعَلُونَ» بالياء على الغَيْبَة، وقرأ حمزة والكسائيُّ: «تَفْعَلُونَ» بالتاء على المخاطبة «٣» ، وفي الآية توعُّد.
وقوله تعالى: «ويستجيب» قال الزَّجَّاجُ وغيره: معناه: يجيبُ، والعَرَبُ تقول: أجاب واستجاب بمعنى، والَّذِينَ على هذا التأويل: مفعول «يستجيب» ، وروي هذا المعنى عن معاذِ بن جَبَلٍ، ونحوه عن ابن عباس «٤» ، وقالت فرقة: المعنى: ويستدعي الذين آمنوا الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحات، ودَلَّ قوله: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ على أنَّ المعنى: فيجيبهم، والَّذِينَ على هذا القول فَاعِلُ يَسْتَجِيبُ،، وقالتْ فرقة: المعنى: ويجيبُ المؤمنونَ رَبَّهم، ف الَّذِينَ فاعلٌ بمعنى: يجيبُونَ دَعْوَةَ شَرْعِهِ ورسالتِهِ، والزيادة من فضله هي تضعيفُ الحسنات، ورُوِيَ عن النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «هِيَ قَبُولُ الشَّفَاعَاتِ في المُذْنِبِينَ، والرضوان» .
وقوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ قال عمرو بن حُرَيْثٍ وغيره: إنَّها نزلت لأَنَّ قوماً من أهل الصفَّة طلبوا من رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم أنْ يُغْنِيَهُمُ/ اللَّه، ويبسطَ لهم الأموالَ والأرزاق، فأعلمهم اللَّه تعالى أنَّه لو جاء الرِّزْقُ على اختيار البَشَر واقتراحهم، لكان سَبَبَ بغيهم وإفسادهم ولكنّه عز وجل أعلمُ بالمَصْلَحَةِ في كُلِّ أحدٍ: إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ: بمصالحهم، فهو ينزل لهم من الرزق القَدْرَ الذي بِهِ صَلاَحُهُمْ فرُبَّ إنْسَانٍ لاَ يَصْلُحُ، وتَنْكَفُّ عاديته إلاَّ بالفقر.
ت: وقد ذكرنا في هذا المختصر أحاديثَ كثيرةً مختارةً في فضل الفقراء الصابرين- ما فيه كفايةٌ لمن وُفِّق، وقد روى ابن المبارك في «رقائقه» عن سعيد بن المُسَيِّبِ قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: أَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِجُلَسَاءِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قال: هُمُ الخَائِفُونَ، الخَاضِعُونَ، المُتَوَاضِعُونَ، الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيراً، قال:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهُمْ أَوَّلُ النَّاسِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ؟
قال: لا، قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ؟
قال: الفُقَرَاءُ يَسْبِقُونَ النَّاسَ إلَى الجَنَّةِ، فَتَخْرُجُ إلَيْهِمْ مِنْهَا مَلاَئِكَةٌ، فَيَقُولُونَ:
ارجعوا إلَى الْحِسَابِ، فَيَقُولُونَ: عَلاَمَ نُحَاسَبُ، وَاللَّهِ مَا أُفِيضَتْ عَلَيْنَا الأَمْوَالُ في الدُّنْيَا فَنَقْبِضَ فِيهَا وَنَبْسُطَ، وَمَا كُنَّا أُمَرَاءَ نَعْدِلُ وَنَجُورُ وَلَكِنَّا جَاءَنَا أَمْرُ اللَّهِ فعبدناه حتّى أتانا اليقين» «١» انتهى.
وقوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا ...
الآية، تعديدُ نِعَمِ اللَّه تعالى الدَّالَّةِ على وَحْدَانِيَّتِهِ، وأَنَّه المولى الذي يستحقُّ أَنْ يُعْبَدُ دونَ ما سواه من الأنداد، وقرأ الجمهور: «قَنَطُوا» بفتح النون، وقرأ الأعمش: «قَنِطُوا» بكسرها، وهما لغتان «٢» ، ورُوِيَ أَنَّ عمر- رضي اللَّه عنه- قيل له: أجدبت الأرض، وقَنِطَ النَّاس، فقال:
مُطِرُوا إذَنْ، بمعنى أنَّ الفرج عند الشِّدَّةِ.
وقوله تعالى: وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ قيل: أراد بالرحمة: المطر، وقيل: أراد بالرحمة هنا: الشمْسَ، فذلك تعديد نعمة غير الأولى، وذلك أَنَّ المطر إذا أَلَمَّ بعد القنط حَسُنَ موقعُهُ، فإذا دَامَ سُئِمَ، فتجيء الشمْسُ بعده عظيمة الموقع.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في [بَراءَةٍ: ١٠٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ﴾ أيْ: مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالتّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِالياءِ، عَلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ والتَّهْدِيدِ لَهم.
وَ "يَسْتَجِيبُ" بِمَعْنى يُجِيبُ.
وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الفِعْلَ فِيهِ لِلَّهِ، والمَعْنى: يُجِيبُهم إذا سَألُوهُ؛ وقَدْ رَوى قَتادَةُ عَنْ أبِي إبْراهِيمَ اللَّخْمِيِّ ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قالَ: يُشَفَّعُونَ في إخْوانِهِمْ، ﴿ وَيَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ ﴾ قالَ: يُشَفَّعُونَ في إخْوانِ إخْوانِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فالمَعْنى: يُجِيبُونَهُ.
والأوَّلُ أصَحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ ﴾ قالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ أنّا نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فَتَمَنَّيْناها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
ومَعْنى الآيَةِ: لَوْ أوْسَعَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَطَرُوا وعَصَوْا وبَغى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، ﴿ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ ﴾ أيْ: يَنْزِلُ أمْرُهُ بِتَقْدِيرِ ما يَشاءُ مِمّا يُصْلِحُ أُمُورَهم ولا يُطْغِيهِمْ ﴿ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ فَمِنهم مَن لا يُصْلِحُهُ إلّا الغِنى، ومِنهم مَن لا يُصْلِحُهُ إلّا الفَقْرُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللهِ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللهِ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَوْبَةَ عن عِبادِهِ ويَعْفُو عن السَيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ "أمْ" هَذِهِ أيْضًا مُنْقَطِعَةٌ مُضَمِّنَةٌ إضْرابًا عن كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ، وتَقْرِيرًا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ مِنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ يَشَأِ اللهُ يَخْتِمْ ﴾ مَعْناهُ: في قَوْلِ قَتادَةَ وفِرْقَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: يُنْسِيكَ القُرْآنُ، والمُرادُ الرَدُّ عَلى مَقالَةِ الكُفّارِ وبَيانِ إبْطالِها، وذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْتَرِيًا وأنْتَ بِمَرْأى مِنَ اللهِ تَعالى ومَسْمَعٍ، وهو قادِرٌ لَوْ شاءَ عَلى أنْ يَخْتِمَ عَلى قَلْبِكَ، فَلا تَعْقِلُ ولا تَنْطِقُ ولا يَسْتَمِرُّ افْتِراؤُكَ، فَمَقْصَدُ اللَفْظِ هَذا المَعْنى وحُذِفَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ اخْتِصارًا واقْتِصارًا.
وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ وغَيْرِهِ: المَعْنى: فَإنْ يَشَإ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَبْرِ لِأذى الكُفّارِ ويَرْبُطُ عَلَيْهِ بِالجَلَدِ، فَهَذا تَأْوِيلٌ لا يَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى مَقالَتِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمْحُ اللهُ الباطِلَ ﴾ فِعْلُ مُسْتَقْبَلٍ، خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنْ يَمْحُوَ الباطِلَ ولا بُدَّ، إمّا في الدُنْيا وإمّا في الآخِرَةِ، وهَذا بِحَسَبِ نازِلَةٍ نازِلَةٍ.
وكُتِبَتْ "يَمْحُ في المُصْحَفِ بِحاءٍ مُرْسَلَةٍ كَما كَتَبُوا: "وَيَدْعُ الإنْسانُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَهَبُوا فِيهِ إلى الحَذْفِ والِاخْتِصارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِكَلِماتِهِ ﴾ مَعْناهُ: بِما سَبَقَ في قَدِيمِ عِلْمِهِ وإرادَتِهِ مِن كَوْنِ الأشْياءِ، فالكَلِماتُ: المَعانِي القائِمَةُ القَدِيمَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ خَبَرٌ مُضَمَّنُهُ وعِيدٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى النِعْمَةَ في تَفَضُّلِهِ بِقَبُولِ التَوْبَةِ عن عِبادِهِ، وقَبُولِ التَوْبَةِ فِيما يَسْتَأْنِفُ العَبْدُ مِن زَمَنِهِ وأعْمالِهِ مَقْطُوعٌ بِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا ما سَلَفَ مِن أعْمالِهِ فَيَنْقَسِمُ: فَأمّا التَوْبَةُ مِنَ الكُفْرِ فَماحِيَةٌ كُلَّ ما تَقَدَّمُها مِن مَظالِمِ العِبادِ الفانِيَةِ، وغَيْرَ ذَلِكَ، وأمّا التَوْبَةُ مِنَ المَعاصِي فَلِأهْلِ السُنَّةِ قَوْلانِ: هَلْ تَذْهَبُ المَعاصِي السالِفَةُ لِلْعَبْدِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خالِقِهِ سُبْحانَهُ؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُذْهَبَةٌ لَها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو في مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى، وأجْمَعُوا عَلى أنَّها لا تُذْهِبُ مَظالِمَ العِبادِ، وحَقِيقَةُ التَوْبَةِ: الإقْلاعُ عَنِ المَعاصِي والإقْبالُ والرُجُوعُ إلى الطاعاتِ، ويُلْزِمُها النَدَمَ عَلى ما فاتَ، والعَزْمَ عَلى مُلازَمَةِ الخَيِّراتِ.
وقالَ سِرِّي السَقْطِي: التَوْبَةُ: العَزْمُ عَلى تَرْكِ الذُنُوبِ، والإقْبالُ بِالقَلْبِ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: التائِبُ مِن كَسَرَ شَبابَهُ عَلى رَأْسِهِ، وكَسَرَ الدُنْيا عَلى رَأْسِ الشَيْطانِ، ولَزَمَ الفِطامُ حَتّى أتاهُ الحِمامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عن عِبادِهِ ﴾ بِمَعْنى: مِن عِبادِهِ، وكَأنَّهُ تَعالى قالَ: التَوْبَةُ الصادِرَةُ عن عِبادِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقَتادَةُ: "يَفْعَلُونَ" بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عن غائِبٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ: "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وفي الآيَةِ تَوَعُّدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَيَسْتَجِيبُ" ﴾ قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يُجِيبُ، والعَرَبُ تَقُولُ: أجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنى ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ النَدى ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ و"الَّذِينَ" -عَلى هَذا القَوْلِ- مَفْعُولٌ بِـ "يَسْتَجِيبُ"، ورُوِيَ هَذا المَعْنى عن مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رِضى اللهِ عنهُ، ونَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: ويَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ مِن رَبِّهِمْ بِالأعْمالِ الصالِحَةِ، ودَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ ﴾ عَلى أنَّ المَعْنى: "فَيُجِيبُهُمْ" وحَمَلَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ "اسْتَجابَ" عَلى المَعْهُودِ مِن بابِ "اسْتَفْعَلَ"، أيْ / طَلَبُ الشَيْءِ.
و"الَّذِينَ" -عَلى هَذا القَوْلِ- فاعِلٌ بِـ "يَسْتَجِيبُ".
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ، فَــ "الَّذِينَ": فاعِلٌ بِمَعْنى: يُجِيبُونَ دَعْوَةَ شَرْعِهِ ورِسالَتِهِ، والزِيادَةَ مَن فَضْلِهِ هي تَضْعِيفُ الحَسَناتِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "هِيَ قَبُولُ الشَفاعاتِ في المُذْنِبِينَ والرِضْوانِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ﴾ ، قالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ وغَيْرُهُ: «إنَّها نَزَلَتْ لِأنَّ قَوْمًا مِن أهْلِ الصِفَةِ طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللهِ أنْ يُغْنِيَهُمُ اللهُ تَعالى، ويَبْسُطَ لَهُمُ الأرْزاقَ والأمْوالَ،» فَأعْلَمَهم تَعالى أنَّهُ لَوْ جاءَ الرِزْقُ عَلى اخْتِيارِ البَشَرِ واقْتِراحِهِمْ لَكانَ سَبَبَ بَغْيِهِمْ وإفْسادِهِمْ، ولَكِنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ في كُلِّ أحَدٍ، ولَهُ بِعَبِيدِهِ خِبْرَةٌ وبَصَرٌ بِأخْلاقِهِمْ ومَصالِحِهِمْ، فَهو يُنْزِلُ لَهم مِنَ الرِزْقِ القَدْرُ الَّذِي بِهِ صَلاحُهُمْ، فَرُبَّ إنْسانٍ لا يَصْلُحْ ولا تَكْتَفِ عادِيَتُهُ إلّا بِالفَقْرِ، وآخَرُ بِالغِنى.
ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ في هَذا المَعْنى والتَقَسُّمِ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ ، ثُمَّ قالَ أنَسُ رِضى اللهُ عنهُ: اللهُمَّ إنِّي مِن عِبادِكَ الَّذِينَ لا يُصْلِحُهم إلّا الغِنى، فَلا تُفْقِرُنِي.
وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ لِأنّا نَظَرْنا إلى أحْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي النَضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعٍ فَتَمَنَّيْناها.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ [الشورى: 26] أو على المجموع من جملة ﴿ ويستجيب الذين آمنوا ﴾ [الشورى: 26] ومن جملة ويزيدهم من فضله.
وموقع معناها موقع الاستدراك والاحتراس فإنها تشير إلى جواب عن سؤال مقدر في نفس السامع إذا سمع أن الله يستجيب للذين آمنوا وأنه يزيدهم من فضله أن يتساءل في نفسه: أن مما يَسأل المؤمنون سعة الرّزق والبسطةَ فيه فقد كان المؤمنون أيام صدر الإسلام في حاجة وضيق رزق إذ منعهم المشركون أرزاقهم وقاطعوا معاملتهم، فيجاب بأن الله لو بسط الرّزق للنّاس كلهم لكان بسطه مفسداً لهم لأن الذي يستغني يتطرقه نسيان الالتجاء إلى الله، ويحمله على الاعتداء على الناس فكان من خير المؤمنينَ الآجِللِ لهم أن لا يبسط لهم في الرّزق، وكان ذلك منوطاً بحكمة أرادها الله من تدبير هذا العالم تَطّرد في الناس مؤمِنهم وكافرِهم قال تعالى: ﴿ إن الإنسان ليَطْغَى أنْ رءاه اسْتَغْنَى ﴾ [العلق: 6، 7].
وقد كان في ذلك للمؤمن فائدة أخرى، وهي أن لا يشغله غناه عن العمل الذي به يفوز في الآخرة فلا تشغله أموالُه عنه، وهذا الاعتبار هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال للأنصار لما تعرّضوا له بعد صلاة الصبح وقد جاءه مال من البَحرين " فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم ولكنْ أخشى عليكم أن تُبْسَط عليكم الدنيا كما بُسطت على من قبلكم فتنَافَسُوها كما تنافَسُوها وتُهْلِككم كما أهلكتهم ".
وقد وردت هذه الآية مورداً كلياً لأن قوله ﴿ لعباده ﴾ يعُم جميع العباد.
ومن هذه الكلية تحصل فائدة المسؤول عليه الجزئي الخاص بالمؤمنين مع إفادة الحكمة العامة من هذا النظام التكويني، فكانت هذه الجملة بهذا الاعتبار بمنزلة التذييل لما فيها من العموم، أي أن الله أسس نظام هذا العالم على قوانينَ عامةٍ وليس من حكمته أن يخص أولياءه وحزبه بنظام تكويني دنيوي ولكنه خصهم بمعاني القرب والرضى والفوز في الحياة الأبدية.
وربما خصّهم بمَا أراد تخصيصهم به مما يرجع إلى إقامة الحق.
والبغي: العدوان والظلم، أي لبغى بعضهم على بعض لأن الغنى مظنة البطَر والأشر إذا صادف نفساً خبيثة، قال بعض بني جَرم من طيء من شعراء الحماسة: إذا أخصبتمو كنتمْ عَدُوًّا *** وإن أجْدَبتُمُو كنتمْ عيالاً ولبعض العرب أنشده في «الكشاف»: وقد جعل الوسْمِيُّ يُنبِتُ بينَنا *** وبينَ بني رُومَان نَبعاً وشَوْحَطا فأما الفَقر فقلما كان سبباً للبغي إلا بغياً مشوباً بمخافة كبغي الجائع بالافتكاك بالعنف فذلك لندرته لا يلتفت إليه، على أن السياق لبيان حكمة كون الرزق بقدَر لا لبيان حكمةٍ في الفقر.
فالتلازم بين الشرط وجوابه في قوله: ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا ﴾ حاصل بهذه السببية بقطع النظر عن كون هذا السبب قد يخلفه ضده أيضاً، على أن بَين بسط الرزق وبين الفقر مراتب أخرى من الكفاف وضيق الرزق والخصاصة، والفقر، وهي متفاوتة فلا إشكال في التعليل.
وعن خبّاب بن الأرتّ «فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنَّا نظرنا إلى أموال بني النَّضِير وبني قُريظة وبني قينُقاع فتمنَّيْناها فنزلت»، وهذا مما حمل قوماً على ظن هذه الآية مدنية كما تقدم في أول السورة.
وهذا إن صح عن خبَّاب فهو تأويل منه لأن الآية مكية وخبّاب أنصاري فلعله سمع تمثيل بعضهم لبعض بهذه الآية ولم يكن سمعها من قبل.
وروي أنها نزلت في أهل الصُّفَّة تمنوا سعة الرزق فنزلت، وهذا خبر ضعيف.
ومعنى الآية: لو جعل الله جميع الناس في بسطة من الرزق لاختلّ نظام حياتهم ببغي بعضهم على بعض لأن بعضهم الأغنياء تحدثه نفسه بالبغي لتوفر أسباب العُدوان كما علمت فيجد من المبغي عليه المقاومةَ وهكذا، وذلك مفض إلى اختلال نظامهم.
وبهذا تعلم أن بسط الرزق لبعض العباد كما هو مشاهَد لا يفضي إلى مثل هذا الفساد لأن الغِنى قد يصادف نفساً صالحة ونفساً لها وازع من الدين فلا يكون سبباً للبغي، فإن صادف نفساً خبيثة لا وازع لها فتلك حالة نادرة هي من جملة الأحوال السيئة في العالم ولها ما يقاومها في الشريعة وفصللِ القضاء وغَيرة الجماعة فلا يفضي إلى فساد عام ولا إلى اختلال نظام.
وإطلاق فعل التنزيل على إعطاء الرزق في قوله تعالى: ﴿ ولكن ينزل بقدر ﴾ استعارةٌ لأنه عطاء من رفيع الشأن، فشبه بالنازل من علوّ وتكرر مثل هذا الإطلاق في القرآن.
والقَدَر بفتحتين: المِقدار والتعيين.
ومعنى ﴿ ما يشاء ﴾ أن مشيئته تعالى جارية على وفْق عِلمه وعلى ما ييسرّه له من ترتيب الأسباب على حسب مختلف صالح مخلوقاته وتعارض بعضها ببعض، وكل ذلك تصرفات وتقديرات لا يحيط بها إلا علمه تعالى.
وكلها تدخل تحت قوله ﴿ إنه بعباده خبير بصير ﴾ ، وهي جملة واقعة موقع التعليل للتي قبلها.
وافتتحت ب (إنّ) التي لم يُرد منها تأكيد الخبر ولكنها لمجرد الاهتمام بالخبر والإيذان بالتعليل لأنّ (إنّ) في مثل هذا المقام تقوم مقام فاء التفريع وتفيد التعليل والربط، فالجملة في تقدير المعطوفة بالفاء.
والجمع بين وصفي ﴿ خبير ﴾ و ﴿ بصير ﴾ لأن وصف ﴿ خبير ﴾ دال على العلم بمصالح العبادِ وأحوالهم قبل تقديرها وتقدير أسبابها، أي العلم بما سيكون.
ووصف ﴿ بصير ﴾ دالّ على العلم المتعلق بأحوالهم التي حصلت، وفرق بين التعلقين للعلم الإلهي.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ﴾ والقُنُوطُ الإياسُ، قالَهُ قَتادَةُ.
قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: جَدَبَتِ الأرْضُ وقَنَطَ النّاسُ فَقالَ: مُطِرُوا إذَنْ.
والغَيْثُ ما كانَ نافِعًا في وقْتِهِ، والمَطَرُ قَدْ يَكُونُ ضارًّا ونافِعًا في وقْتِهِ وغَيْرِ وقْتِهِ.
﴿ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ﴾ بِالغَيْثِ فِيما يَعُمُّ ويَخُصُّ.
﴿ وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الوَلِيُّ المالِكُ، والحَمِيدُ مُسْتَحِقُّ الحَمْدِ.
الثّانِي: الوَلِيُّ المُنْعِمُ والحَمِيدُ المُسْتَحْمِدُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان بسند صحيح، عن أبي هانئ الخولاني، قال: سمعت عمرو بن حريث وغيره يقولون: إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب الصفة ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ وذلك أنهم قالوا: لو أن لنا فتمنوا الدنيا.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي، عن علي رضي الله عنه قال: إنما أنزلت هذه الآية، في أصحاب الصفة ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ وذلك أنهم قالوا: لو أن لنا فتمنوا الدنيا.
وأخرج ابن جرير، عن قتادة في الآية قال: يقال خير الرزق ما لا يطغيك، ولا يلهيك.
قال: «ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وزخرفها فقال له قائل: يا نبي الله، هل يأتي الخير بالشر؟
فأنزل الله عليه عند ذلك ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ وكان إذا نزل عليه، كُرْبُ لذلك وتَرَبَّدَ وجهه، حتى إذا سري عنه.
قال: هل يأتي الخير بالشر؟
يقولها ثلاثاً إن الخير لا يأتي إلا بالخير، ولكنه والله ما كان ربيع قط إلا أحبط أو ألم، فاما عبد أعطاه الله مالاً، فوضعه في سبيل الله، التي افترض وارتضى، فذلك عبد أريد به خير، وعزم له على الخير، وأما عبد أعطاه الله مالاً، فوضعه في شهواته ولذاته، وعدل عن حق الله عليه، فذلك عبد أريد به شر وعزم له على شر» .
وأخرج أحمد والطيالسي والبخاري ومسلم والنسائي وأبو يعلى وابن حبان، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا وزينتها فقال له رجل: يا رسول الله، أو يأتي الخير بالشر؟
فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأينا أنه ينزل عليه، فقيل له: ما شأنك تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يكلمك؟
فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يمسح عنه الرحضاء، فقال: أين السائل فرأينا أنه حمده فقال: إن الخير لا يأتي بالشر، وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً، أو يلم الا آكلة الخضر، فإنها أكلت حتى امتلأت خاصرتاها، فاستقبلت عين الشمس، فثلطت وبالت، ثم رتعت وان المال حلوة خضرة ونعم صاحبها المسلم هو، ان وصل الرحم وأنفق في سبيل الله، ومثل الذي يأخذه بغير حقه، كمثل الذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيداً يوم القيامة» .
وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ قال: كان يقال خير العيش ما لا يطغيك ولا يلهيك.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر في تاريخه، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن جبريل عن الله عز وجل قال: «يقول الله عز وجل: من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وإني لأغضب لأوليائي كما يغضب الليث الحرود، وما تقرب إلي عبدي المؤمن، بمثل أداء ما افترضت عليه، وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه، وإن من عبادي المؤمنين لمن يسألني الباب من العبادة، فأكفه عنه أن لا يدخله عجب فيفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا القسم، ولو أصححته لأفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بقلوبهم إني عليم خبير» .
وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا ﴾ قال: المطر.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ﴾ أي بغى بعضهم على بعض، وطغوا؛ لأن الغنى يوجب الطغيان، وقال بعض الصحابة: فينا نزلت لأنا نظرنا إلى أموال الكفار فتمنيناها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ما تفعلون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وحفص ﴿ ينزل الغيث ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم ﴿ ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ بما كسبت ﴾ بدون فاء الجزاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون ﴿ فبما كسبت ﴾ بالفاء ﴿ الجواري ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل.
وقرأ قتيبة ونصير وأبو عمرو بالإمالة ﴿ الرياح ﴾ نافع.على الجمع: أبو جعفر ونافع.
﴿ ويعلم الذين ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو جعفر ونافع.
الباقون: بالنصب ﴿ كبير الإثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.
﴿ أو يرسل ﴾ بالرفع ﴿ فيوحى ﴾ بالإسكان: نافع وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون: بالنصب فيهما.
الوقوف: ﴿ كذباً ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ قلبك ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ بكلماته ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تفعلون ﴾ ه لا ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ كثير ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ ولا نصير ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ط ﴿ على ظهره ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه لا ﴿ كثير ﴾ ه لا لمن رفع ﴿ ويعلم ﴾ ومن نصب فوقفه مجوز ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف جملتي الشرط، ويحتمل أن يكون الوقف مطلقاً بناء على أن الثانية أخبار مستأنف ﴿ يتوكلون ﴾ ه ط ﴿ يغفرون ﴾ ه ج ﴿ الصلاة ﴾ ص لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد المقول ﴿ بينهم ﴾ ص لذلك ﴿ ينفقون ﴾ ه ج ﴿ ينتصرون ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ خفي ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ حفيظاً ﴾ ط ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ج ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ الذكور ﴾ ه لا ﴿ وإناثاً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف أي وهو يجعل ﴿ عقيماً ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أمرنا ﴾ ط ﴿ عبادنا ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في أول السورة أن هذا القرآن إنما حصل بوحي الله وانجر الكلام إلى ههنا حكى شبهة القوم وهي زعمهم أنه مفترى وليس بوحي فقال ﴿ أم يقولون افترى ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيه التوبيخ كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى أعظم أنواع الفرية وهو الافتراء على الله، ثم أجابهم بقوله ﴿ فإن يشاء الله يختم على قلبك ﴾ أي يجعلك من المختوم على قلوبهم فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم.
والغرض المبالغة في استبعاد الافتراء من مثله والتعريض بأن من ينسبه إلى الافتراء فهو مختوم على قلبه.
وقيل: لأنساك ما أتاك من القرآن ولكنه لم يشأ فأثبته فيه، وقيل: لأماتك فإن قلب الميت كالمختوم عليه ومثله ﴿ لقطعنا منه الوتين ﴾ قاله قتادة.
وقال مجاهد ومقاتل: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يدخل قلبك حزن مما قالوه.
ثم استأنف فقال ﴿ ويمح الله الباطل ﴾ أي من عادته ذلك فلو كان محمد مبطلاً لفضحه وكشف عن باطله، وحذف الواو من الخط لا للجزم كما في قوله ﴿ ويدع الإنسان ﴾ ﴿ سندع الزبانية ﴾ وفي تفسير الجبائي أن الواو حذف للجزم، والمعنى إن افتريت ختم على قلبك ومحا الباطل المفترى، فالاستئناف على هذا من قوله ﴿ ويحق الحق بكلماته ﴾ أي يثبت ما هو الحق في نفسه بوحيه أو بقضائه.
ويجوز أن يكون وعداً لرسول الله بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب ويظهر الحق الذي أنت عليه وهو القرآن بحكمه السابق وبعلمه القديم ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ فيجازي المبطل والمحق على حسب حاليهما وحين وبخهم على البهت والتكذيب ندبهم إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء والآية واضحة مما سلف تارات ولا سيما في أوائل البقرة في توبة آدم.
أما الضمير في قوله ﴿ ويستجيب ﴾ فعائد إلى الله وأصله ويستجيب لهم فحذف الجار، والمراد أنه إذا دعوه استجاب لهم وأعطاهم ما طلبوا وزادهم على مطلوبهم تفضلاً.
وقيل: لا ضمير فيه وإنما الظاهر بعده فاعله.
قال سعيد بن جبير: أراد أن المؤمنين يجيبونه إذا دعاهم.
وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل: ما بالنا ندعو فلا نجاب؟
قال: لأنه دعاكم فلو تجيبوه وقرأ ﴿ والله يدعو إلى دار السلام ويستجيب الذين آمنوا ﴾ وحيث وعد الاستجابة للمؤمنين كان لسائل أن يقول: إنا نرى المؤمن في شدة وبلية وفقر ثم إنه يدعو الله فلا يشاهد أثر الإجابة فلا جرم قال ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ أي ظلم بعضهم بعضاً وعصوا الله.
وهذه ليست بقضية كلية دائمة ولكنها أكثرية، فإن المال معين قوي على تحصيل المطالب ودفع ما لا يلائم النفس، وإذا كانت الآلة موجودة وداعية الشر في طبع الإنسان مجبولة فقلما لا يقع مقتضاه في الخارج وأيضاً إن أكثر الناس إنما يخدم مثله ويتسخره طمعاً في ماله أو جاهه التابع للمال غالباً، فلو تساويا في المال استنكف كل منهما من الانقياد لصاحبه فارتفعت رابطة التعاون وانقطعت سلسلة التمدن، وقيل: إن الآية نزلت في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وأغار بعضهم على بعض ولبعضهم شعر قوم إذا نبت الربيع بأرضهم *** نبتت عداوتهم مع البقل وقال محمد بن جرير: نزلت في أصحاب الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى.
وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي على قدر المصلحة ووفق حال الشخص كقوله ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وحين بين أن حكمته اقتضت عدم توسيع الرزق على كل الخلق أراد أن يبين أنه لا يترك ما يحتاجون إليه وإن بلغ أمرهم إلى حد اليأس والقنوط فقال ﴿ وهو الذي ينزل الغيث ﴾ الآية.
ونشر الرحمة عموم المطر الأرض أو هي عامة في كل رحمة سوى المطر ﴿ وهو الولي ﴾ الذي يتولى أمور عباده ﴿ الحميد ﴾ على كل ما يفعله.
ولا ريب أن هذه من جملة دلائل القدرة فلذلك عطف عليها قوله ﴿ ومن آياته خلق السموات والأرض ﴾ ومحل قوله ﴿ وما بث ﴾ إما مجرور عطفاً على السموات أو مرفوع عطفاً على خلق.
وإنما قال ﴿ فيهما من دابة ﴾ مع أن الدواب في الأرض وحدها لأن الشيء قد ينسب إلى جميع المذكور وإن كان متلبساً ببعضه كما يقال: "بنو فلان فعلوا كذا" ولعله قد فعله واحد منهم فقط.
ويجوز أن يكون للملائكة مع الطيران مشى فيتصفوا بالدبيب كالإنسان، أو يكون في السموات أنواع أخر من الخلائق يدبون كما يدب الحيوان في الأرض.
﴿ وهو على جمعهم ﴾ أي إحيائهم بعد الموت ﴿ إذا يشاء قدير ﴾ وإذا يدخل على الماضي ومعنى الاستقبال في ﴿ يشاء ﴾ يعود إلى تعلق المشيئة لا إلى نفس المشيئة القديمة.
ثم بين حال المكلفين وأن ما يصيبهم من ألم ومكروه وبلاء فهو عقوبة للمعاصي التي اكتسبوها، وأن الله يعفو عن كثير من الذنوب أو الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة رحمة أو استدراجاً.
قال الحسن: أراد إقامة الحدود على المعاصي وأنه لم يجعل لبعض الذنوب حداً.
وقيل: إن هذه في يوم القيامة فإن الدنيا دار تكليف لا دار جزاء.
ولقائل أن يقول: كون الجزاء الأوفى على الإثم مخصوصاً بالقيامة لا ينافي وصول بعض الجزاء إلى المكلف في الدنيا، ولهذا قال علي : هذه أرجى آية للمؤمنين في كتاب الله.
وذلك أنه قسم ذنوب المؤمنين صنفين: صنف يكفره عنهم بالمصائب، وصنف يعفو وهو كريم لا يرجع في عفوه، نعم لو عكست القضية وقيل ما كسبت أيديكم فإنه يصيبكم به ألم وعذاب في الدنيا لكان هذا منافياً لكون الجزاء في الآخرة ولحصول العفو أيضاً.
روي عن علي بن أبي طالب أن النبي قرأ هذه الآية فقال: "ما عفا الله عنه.
فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة وما عاقب عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد عليه العذاب في الآخرة".
قال أهل التناسخ: لولا أن الأطفال والبهائم لهم حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة ما كانوا ليتألموا فإنهم لا ذنوب لهم الآن.
وأجيب بالتزام أنهم لا يتألمون من المصائب والآلام وفيه بعد، وبأن الخطاب في الآية لذوي العقول البالغين، وبأنها في البالغين عقوبة أو زيادة درجة، وفي الأطفال مثوبة لهم أو لوالديهم.
ثم خاطب المشركين بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ الآية ثم ذكر دليلاً آخر قائلاً ﴿ ومن آياته الجواري ﴾ أي السفن الجواري ﴿ في البحر كالأعلام ﴾ أي كالجبال في العظم.
ولا شك أن جريانها بواسطة هبوب الرياح فلذلك قال ﴿ إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ﴾ أي فيصرن واقفة على ظهر ماء البحر ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار ﴾ على البلاء ﴿ شكور ﴾ على الآلاء أو صبار في السفينة شكور إذا خرج منها ﴿ أو ﴾ أن يشأ ﴿ يوبقهن ﴾ أي يهلك السفينة بما فيها بالغرق أو الكسر لعصوف الريح وغيره ﴿ بما كسبوا ﴾ من كفران نعم الله وعصيانه ﴿ ويعف عن كثير ﴾ من الذنوب فلا يجازي عليها في الدنيا ولا في الآخرة.
والحاصل أنه إن يشأ يسكن الريح فتبقى الجواري واقفة على متن البحر، أو أن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم.
من رفع ﴿ ويعلم ﴾ فعلى الاستئناف، ومن نصب فللعطف على تعليل محذوف أي لينتقم منهم ويعلم قاله في الكشاف.
وقال الكوفيون ومنهم الزجاج: النصب بإضمار "أن" لأن قبلها جزاء.
تقول: ما تصنع أصنع وأكرمك.
ووجهه أن هذا في تأويل المصدر المعطوف على مصدر أصنع مقدراً.
ثم استأنف قوله ﴿ ما لهم من محيص ﴾ أي لا مهرب للمجادلين عن عقابه.
ثم رغب المكلفين عن الدنيا وفي الدنيا وفي الآخرة وقد مر نظيره في القصص إلا أنه ذكر ههنا أن هذه الخيرية تحصل للموصوفين بصفات إحداها الإيمان، والثانية التوكل على الرب، والثالثة الاجتناب عن الكبائر والفواحش كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ ﴿ إنما حرم ربي الفواحش ﴾ ومن قرأ ﴿ كبير ﴾ على التوحيد فللجنس، وفسره ابن عباس بالشرك، الرابعة الغفران عند الغضب "وهم" تأكيد للضمير أو مبتدأ ما بعده خبره.
قال بعض العلماء: يحتمل أن يراد بالكبائر ما يتعلق بالبدع والعقائد الفاسدة وهي من فساد القوة العقلية، وبالفواحش فساد القوة الشهوية، وبالأخيرة ما يتعلق بالقوة الغضبية.
قال المفسرون: نزل قوله ﴿ والذين استجابوا لربهم ﴾ في الأنصار دعاهم الله ورسوله إلى التوحيد فأطاعوا ورضوا بقضائه وواظبوا على الصلوات الخمس، وكانوا قبل الإسلام متشاورين في كل أمر دهمهم غير منفردين برأي، والشورى مصدر كالفتيا، والمضاف محذوف أي ذو التشاور.
وليس بين قوله ﴿ هم ينتصرون ﴾ أي ينتقمون وبين قوله ﴿ يغفرون ﴾ منافاة، فإن هذه أخص من الأولى إذ البغي هو الذي يؤدي إلى الفساد ولا يصير عفوه سبباً لتسكين ثائرة الفتنة ولرجوع الجاني عن جنايته، ويجوز أن يتوجه المدح في الانتصار إلى كون المظلوم بحيث يراعي حد الشرع ولا يتجاوزه حتى لو زاد عليه لم يكن منتصراً ولا يستحق المدح، فهذه خمس صفات أخرى للراغبين في الدار الآخرة.
ثم بين أن شرعة الانتصار مشروطة برعاية المماثلة فقال ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ حتى لو قال أخزاه الله لا يزيد في الجواب عليه شيئاً.
وسمى الثاني سيئة ازدواجاً للكلام أو لأن السيئة هي التي يكرهها الإنسان طبعاً كالقصاص والقطع وسائر الحدود.
وقد لا يمكن رعاية المماثلة كما في قتل الأنفس بنفس واحدة أو كقطع الأيدي بواحدة إذا تعاونوا على قطعها ذلك في الفقه.
وإنما عرف ذلك بنص آخر أو بقياس جلي.
ثم حث مع ذلك على العفو والصبر قائلاً ﴿ فمن عفى وأصلح ﴾ ما بينه وبين خصمه بالاغضاء والعفو ﴿ فأجره على الله ﴾ فإن الانتصار حسن في نفسه ولا سيما إذا كان فيه مصلحة دينية كزجر وارتداع إلا أن العفو أحسن لأنه لا يكاد يؤمن في الانتصار والتجاوز عن حد الاعتدال ولهذا حذر منه بقوله ﴿ إنه لا يحب الظالمين ﴾ روي عن النبي : " "إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له أجر على الله فليقم فيقوم خلق فيقال لهم: ما أجركم على الله؟
فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا.
فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله" ثم كرر أن الانتصار لا يؤاخذ به ولا سبيل للوم إليه لئلا يظن أن وعد الأجر على العفو يقتضي قبح الانتصار في نفسه فقال ﴿ ولمن انتصر ﴾ الآية.
وقوله ﴿ بعد ظلمه ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول والباقي واضح إلى قوله ﴿ الأمور ﴾ وإنما أدخل اللام في الخبر خلاف ما في لقمان لأن الصبر على المكروه الذي هو ظلم أشد من الصبر على الذي ليس بظلم، وتكرير الحث على الصبر لمزيد التأكيد أيضاً، ثم ذكر أن الإضلال والهداية التي هي نقيضه إنما تتعلق بمشيئته.
والمعتزلة يتأولون الإضلال بالخذلان أو بالإضلال عن طريق الجنة.
ثم حكى أن الكفار عند معاينة عذاب النار يتمنون الرجعة إلى الدنيا، ثم عقبه بذكر حالهم حين يعرضون على النار.
الخشوع بمعنى الهوان ولهذا علق بقوله ﴿ من الذل ﴾ وقد يعلق بـ ﴿ ينظرون ﴾ أي لهذا السبب يبتدىء نظرهم من تحريك أجفانهم وهو ضعيف فإن الناظر إلى المكاره لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، وقد يفسر الطرف الخفي بمعنى البصيرة بناء على أن الكفار يحشرون عمياً فلا ينظرون إلا بقلوبهم والأكثرون أجابوا عنه فقالوا: لعلهم يكونون في الابتداء هكذا ثم يجعلون عمياً، أو لعل هذا في قوم وذاك في قوم.
ثم حكى قول المؤمنين فيهم ﴿ ويوم القيامة ﴾ ظرف ﴿ لخسروا ﴾ كما في " الزمر" فيحتمل أن يكون قول المؤمنين فيه أو في الدنيا.
وجوز في الكشاف أن يكون ظرفاً لقال.
والنكير الإنكار أي ما لكم من مخلص ولا من قدرة أن تنكروا شيئاً مما دوّن في صحائف أعمالكم أو مالكم من ينكر علينا حتى يغير شيئاً من أحوالكم.
ثم سلى نبيه بقوله ﴿ فإن أعرضوا ﴾ ثم ذكر سبب إصرارهم على عقائدهم الفاسدة وهو الضعف الذي جبل عليه الإنسان من البطر عند الغنى، والفراغ في زمن الصحة، والأمن في زمن الكفران، ونسيان نعم الله عند البلاء.
وإنما جمع قوله ﴿ وإن تصبهم ﴾ لأن الإنسان جنس يشمل أهل الغفلة كلهم.
وقوله ﴿ فإن الإنسان ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير وفائدته التسجيل على أن هذا الجنس من شأنه ذلك إلا إذا أدّب النفس وراضها.
ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ الآية.
والمقصود أن الإنسان لا يغتر بما يملكه من الجاه والمال ولا يعتقد أنه حصل بجد أوجده فيعجب به ويعرض عن طاعة ربه.
ثم ذكر من أقسام تصرفه في ملكه أنه يخص البعض من الحيوان بالأولاد الإناث، والبعض بالذكور، والبعض بالصنفين، والبعض يجعله عديم الولد.
وقدم ذكر الإناث تطييباً لقلوب آبائهن أو لأنهن مكروهات عند العرب فناسب أن يقرن اللفظ الدال عليهن باللفظ الدال على البلاء.
أو لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء الإنسان فكان ذكر الإناث التي هي من جملة ما لا يشاء الإنسان أهم.
وفيه نقل الإنسان من الغم إلى الفرح.
ولا ريب أن هذا أولى من العكس.
وفيه أن الإنسان إذا رضي بالأنثى فإذا أعطاه الذكر علم أنه فضل من الله.
وفيه أن العجز كلما كان أتم كانت عناية الله بحاله أوفر.
ثم أراد أن يتدارك تأخيرهم وهم أحقاء بالتقديم فعرف الذكور لأنه مع رعاية الفاصلة تنويه وتشهير كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام.
ثم قال ﴿ أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ﴾ فأعطى كلا الجنسين حقه.
ونصبهما على الحال، والضمير للأولاد أو على المفعولية، والضمير لمن يشاء أي يجمع لهم كلا الصنفين سواء كانا متساويين في العدد أم لا.
وقيل: معناه أن تلد أولاً غلاماً ثم جارية ثم غلاماً ثم جارية وهكذا قاله مجاهد.
وقيل أن تلد ذكراً وأنثى في بطن واحد قاله ابن الحنفية: وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأنبياء، وهب لشعيب ولوط أناثاً، ولإبراهيم ذكوراً، ولمحمد ذكوراً وهم القاسم والطاهر وعبد الله وإبراهيم، وإناثاً هن فاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم، وجعل يحيى وعيسى عقيماً.
والحق أن هذا التقسيم وإن كان مطابقاً لحال هؤلاء الأنبياء إلا أن في التخصيص ضيق عطن.
وإن صحت الرواية عن ابن عباس فالعبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، وحمل بعض أهل التأويل الإناث على أمور الدنيا والذكور على أمور الآخرة، وتزويج الصنفين على الجامع بين الأمرين، والعقيم على من لا دين له ولا دنيا ثم أكد كمال القدرة بقوله ﴿ وما كان لبشر ﴾ أي وما صح لأحد ﴿ أن يكلمه الله إلا ﴾ على أحد ثلاثة أنحاء: الأول الوحي وهو الإلهام أو المنام كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم في ذبح ولده.
وعن مجاهد أن داود ألهمه الزبور فكتبه حفظاً.
الثاني التكليم بلا واسطة ولكن من وراء حجاب.
والمجسمة استدلوا به على أنه في جهة فإن الاحتجاب لا يصح إلا من ذي جهة ومكان، وأجيب بأن هذا مثل لأنه إذا سمع الصوت ولا يرى الشخص كان بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب كما كلم موسى ويكلم الملائكة.
وقيل: حجاب عن إدراك ذلك الكلام لا المتكلم.
وقيل: حجاب لموضع الكلام.
الثالث أن يرسل رسولاً كجبرائيل فيوحي الملك بإذن الله إلى النبي ما يشاؤه الله.
والأقسام الثلاثة كلها من قبيل الوحي ولكنه جعل الوحي في الآية خاصاً بالأول، وتقدير الكلام: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً أو إلا وحياً أو إسماعاً أو إرسالاً، أو إلا أن يوحى أو يسمع أو يرسل.
ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف بمعنى أو هو يرسل أو على الحال بمعنى مرسلاً عطفاً على ﴿ وحياً ﴾ بمعنى موحياً.
وقيل: الوحي هو الوحي إلى الرسل بواسطة الملائكة، وإرسال الرسل إرسال الأنبياء إلى الأمم، فإن الصحيح عند أهل الحق أن الشيطان لا يقدر على إلقاء الباطل في أثناء الوحي.
وقد يقال: إن توجيه التكليف إلى العبد لا يتم إلا بثلاث مراتب من المعجزات، وذلك أن التسلسل محال فلا بد من سماع الملك كلام الله بلا واسطة.
فالملك يحتاج إلى معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله، وإذا بلغ الملك ذلك الكلام إلى النبي فلا بد للنبي من مشاهدة معجزة تدل على صدقه، وإذا بلغ الرسول لأمته فالأمر كذلك.
وهذا الثالث مشهور متفق عليه، وأما الأولان فعلهما يعرفان بنور الباطن ولا يفتقر إلى المعجزة لا في أول الأمر ولا كل مرة.
قال أهل التصديق: إن الأقسام الثلاثة اجتمعت لنبينا ، لأنه في بدء الإسلام كان يرى الرؤيا الصادقة كفلق الصبح، وسمع الكلام من وراء الحجاب ليلة المعراج، وكان يأتيه جبرائيل إلى آخر عمره فلهذا قال عز من قائل ﴿ وكذلك أوحينا إليك ﴾ ويحتمل أن يراد كما أوحينا إلى سائر الأنبياء أوحينا إليك يعني بالطريق الأكثري وهو القسم الثالث.
ومعنى ﴿ روحاً من أمرنا ﴾ قرآنا من عندنا أو من عالم أمرنا كقوله ﴿ يلقى الروح من أمره ﴾ {غافر:15] و ﴿ ما كنت تدري ﴾ في المهد أو قبل البلوغ أو قبل الوحي ﴿ ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ يعني ما يتعلق بكمال الإيمان مما لا يكفي في معرفته مجرد العقل والنظر ويتوقف على النقل وإذن الشرع.
وقيل: أراد أهل الإيمان يعني من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للقرآن أو الإيمان أولهما جميعاً.
ووحد كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ وهداية الله خاصة.
وهداية النبي عامة وهي الدعوة، وصراط الله دينه، ومصير الكل إليه عبارة عن رجوعهم إلى حيث لا حكم لأحد سواه والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قال أهل التأويل: إن الآية نزلت في أهل الصفة، تمنوا أن يكون لهم الدنيا، فإن كانت فيهم فكأنه كتب عليهم الضيق والقتر.
وقال بعضهم: ﴿ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: يتقلبون من لباس إلى لباس، ومن مركب إلى مركب، ولكن ليس في ذلك كثير بغي؛ فلا يصح صرف التأويل إليه.
ثم عندنا يخرج ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ مخرج الامتنان والإفضال، وله أن يبسط عليهم وإن علم منهم البغي؛ ألا ترى أنه لو لم يوسع على فرعون لا يدعي الألوهية، لكنه مَنَّ على بعض المؤمنين فضيق عليهم حتى لا يبغوا، فيلزمهم بذلك القيام بشكر ما منّ عليهم وأنعم بالتضييق حتى لا يبغوا، وكذلك يخرج ما: روي "مَنْعُ الله عطاء"، وفيما ذكرنا جواب عمّن تعلق بظاهر الآية على أن الأصلح واجب؛ حيث قال: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ بيّن أن الأصلح لهم ألا يبسط؛ لأنا نقول: قد بسط كثيراً من الفراعنة والكفرة فبغوا، لكن ذكر هذا؛ لبيان المنة والإنعام بالتقتير والتضييق في حق البعض حتى لا يبغوا، والله أعلم.
ثم البغي: هو التعدي عن حد الله الذي حدّ لهم، والمجاوزة عنه.
ولكن لا نفسر ما الحد الذي يسمى التعدي عنه: بغياً؛ لما لا يعلم ما هو؟
ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أنه لو بسط عليهم ووسع، لزمهم الشكر، والبسط، وكثرة المال تشغلهم وتمنعهم عن القيام بشكره وما أوجب عليهم من الفرائض والأحكام، ولكن ينزل بقدر ما يشاء ما لا يشغلهم ولا يمنعهم عن القيام بالذي يلزمهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ قد تقدم تأويله.
ثم حاصل تأويلها يرجع إلى وجوه ثلاثة: أحدها: إلى أهل الكفر: أنه لو وسع عليهم وبسط، لبغوا في الأرض، أي: صاروا كلهم أهل كفر وضلال، كقوله - -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...
﴾ الآية [الزخرف: 33].
والثاني: يتوجه إلى خاص من المؤمنين؛ لما علم منهم: أنه لو بسط عليهم ووسع لبغوا في الأرض؛ فضيق عليهم وقتر؛ امتناناً منه وفضلا؛ لئلا يبغوا، وهو كما ذكرنا في أحد تآويل قوله - -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ : أنه إن كان على حقيقة خلقهم، فهو في الذين [علم] منهم أنهم يعبدونه لا محالة؛ ليعبدوه على ما ذكر، فأما الذين يعلم أنهم لا يعبدونه لا يحتمل أن يخلقهم للعبادة، ولكن يخلقهم لما علم أنه يكون منهم، والله أعلم.
فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يرجع إلى قوم خاص يعلم الله - - منهم: أنه لو بسط عليهم ووسع، لبغوا في الأرض؛ فضيق عليهم؛ فضلا منه ومنة؛ فيلزمهم القيام بشكر ذلك له، والله أعلم.
أو أن يرجع ذلك إلى جملة الخلق من مؤمن وكافر: أنه لو وسع وبسط على الكل لصاروا جميعاً ملوكاً ومن عادة الملوك وطباعهم البغي والغلبة على من نازعهم في ملكهم ومملكتهم، وفي ذلك التفاني والفساد؛ فوسع على بعضهم وبسط، وضيق على بعض؛ لئلا يبغي بعض على بعض، إذ في ذلك تفانٍ وتفاسد، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ ﴾ أي: من رحمته.
أو ﴿ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ ﴾ من الأصنام التي عبدوها؛ رجاء الغوث والشفاعة لهم والزلفى عند الله، قنطوا ما رجوا منها، كقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ .
ثم سمى المطر: رحمة وغيثاً، أي: الغوث؛ ليعلم أن له أن يمسك عنهم، ويمسكهم على الحال الأولى في القحط والضيق؛ إذ لو كان عليه إرساله ولم يكن له إمساكه لم يسمه: رحمة، ولا غوثاً؛ لأن من عليه فعل شيء لم يوصف بالفضل والرحمة، فهو على المعتزلة في الأصلح، والله الموفق.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْوَلِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ يحتمل ﴿ ٱلْوَلِيُّ ﴾ أي: هو الرب، ﴿ ٱلْحَمِيدُ ﴾ هو المستحق للحمد.
أو الولي: هو الحافظ لهم، وولي كل نعمة أعطاهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ قوله - -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ يحتمل: من آيات ربوبيته وتوحيده خلق السماوات والأرض وما ذكر.
أو [من] آيات حكمته وعلمه وتدبيره خلق ما ذكر.
أو [من] آيات قدرته وسلطانه ما ذكر.
أو من آيات إحسانه ونعمه وأياديه ما ذكر، وقد بينا وجه كل ذلك ودلالته على قدر فهمنا منه فيما تقدم.
ثم اختلفوا في قوله: ﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ : قال بعضهم: قوله - -: ﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا ﴾ أي: في الأرض خاصّة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ مِن دَآبَّةٍ ﴾ وهي اسم لما يدب، وأهل السماء ملائكة، ولهم الطيران دون الدبيب، وهو كقوله - -: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ وإنما يخرج من أحدهما.
وقال بعضهم: ﴿ فِيهِمَا ﴾ أي: في السماء الملائكة، وفي الأرض الدواب، لكنه سمّى أهل السماء باسم ما في الأرض من الدواب، وذلك جائز في اللغة ذكر شيئين باسم أحدهما؛ كقوله: ﴿ وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ﴾ والكناية ترجع إلى الصلاة لفظاً، والمراد ما سبق من الصبر والصلاة، وكذا قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا ﴾ كنى عن التجارة وأراد كليهما، ونحو ذلك؛ فعلى ذلك هذا.
ثم قوله: ﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا ﴾ قالوا: أي: نشر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ ﴾ يحتمل ما ذكر من جمعهم: بعثهم وإحياؤهم قدير على ذلك، كما هو قدير على ما ذكر من خلق السماوات والأرض وما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ يحتمل ما ذكر من المصيبة التي تصيبهم: المصيبة التي تعم الخلق جميعاً ممن كان منهم الزلة، وما ذكر من كسب اليد، وممن لم يكن منهم كسب اليد من الزلة والمعصية؛ من نحو الجدب، والقحط، وغلبة الأعداء، وغير ذلك من الأشياء التي تعم الخلائق ممن كان منه الجناية وممن لم يكن: من الصغار، والدواب، والأبرار، والأخيار، ويكون ما أصاب ممن كان ذلك منه واستوجب؛ تنبيهاً لهم وموعظة، أو كفارة لما كان منهم من كسب اليد، وما أصاب ذلك ممن لم يكن منهم ذلك من الصغار والأخيار فذلك في الحكمة، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: يصيب ذلك لهم ابتلاء بشيء سبق منهم؛ ليعلم أن ما يعطيهم من السلامة والصحة والحسنات والخيرات كان فضلا منه، وهم عبيده وإماؤه وملكه، إن شاء أهلكهم، وإن شاء أبقاهم.
أو أن يفعل بهم ما ذكر وإن لم يسبق منهم ما ذكر من كسب اليد والزلة؛ لعوض يعوّض في الآخرة.
وكيفما كان، فهو غير خارج عن الحكمة، والإيلام للتعويض جائز ممكن، لكن ليس بواجب لا محالة التعويض؛ خلافاً للمعتزلة؛ فإنه عندهم واجب، وبالله العصمة.
وجائز أن يكون ما ذكر من المصيبة التي تصيبهم بكسب اليد أن يريد ألما في نفسه يصيبه بما سبق منه من شيء ارتكبه واكتسبه، فالسبيل فيه أن ينظر كل في نفسه: ما الذي سبق منه حتى أصابه ما أصاب؟
فيراجع نفسه عن ذلك، ويتوب إلى الله - - ثم يخرج ذلك لهم إما تنبيهاً وزجراً عن المعاودة إلى مثله، وإما تكفيراً وتمحيصاً لما كان منهم، ولزمهم الشكر على ذلك.
وقد روي أن النبي كان يقول: "لا يصيب ابن آدم خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله كثير" وعلى قول المعتزلة ليس الله - - في إعطائهم الخيرات والحسنات والسعة محسناً مفضلا منعماً؛ لأن من أخذ شيئاً بعوض لا يوصف بالإفضال والإنعام، وقد سمى نفسه بذلك: محسناً منعماً؛ فيكون ما قالوا خلاف ذلك.
والثاني: إن كان بعوض على ما يقولون يجب أن يعوضهم عوضاً يرضون بذلك العوض، ويكون ذلك العوض مثل ما أخذ منهم، وهم لا يشترطون ذلك دل أن له أن يفعل لهم ما ذكرنا.
وأصله ما ذكرنا: أن الخلق كلهم عبيده وإماؤه، ولكن ذي ملك أن يفعل في ملكه ما شاء، لا لائمة عليه؛ إذ كان له حقيقة الملك؛ فعلى ذلك الله - وتعالى - إذ له حقيقة ملك الأشياء؛ فله أن يفعل ما يشاء بلا عوض ولا بدل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ ليس أحد يصيبه شيء من الشدة والبلاء إلا ويكون في ذلك عفو منه - لأنه ما من ألم إلا ويتوهم زيادة الألم في ذلك، فيكون منع تلك الزيادة عنه عفواً عنه وفضلا، وكذلك هذا في هلاك كل شيء من حقوقه ما يقل ويكثر.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ أي: لا بكل زلة منهم تكون يؤاخذ بها، بل يؤاخذ ببعض، ويتجاوز عنهم في بعض، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: لا تقدرون الهرب مما يريد أن يصيبكم بزلاتكم وما يريد أن يفعل بكم، ولا لكم ملجأ ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ ينصركم ويمنعكم من عذاب الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ يحتمل ﴿ آيَاتِهِ ﴾ ما ذكرنا من آيات وحدانيته وربوبيته، وآيات قدرته وسلطانه، وآيات علمه وتدبيره وحكمته، وآيات نعمه وإحسانه، وهو ما جعل الله - عز وجل - في سرية الخشب في السفن معنى لو اجتمع حكماء البشر؛ ليعرفوا ذلك المعنى واللطف الذي جعل في الخشب - ما قدروا على إدراكه، وذلك المعنى واللطف المجعول فيها وما جعل من طبعها السكون على وجه الماء والقرار عليه مع ثقلها وغلظها، وإن كان بدون ذلك الثقل والعظم بكثير من غير جوهر الخشب مما يتسرب في الأرض وينحدر، وكذلك ما يحمل في السفن من الأحمال العظيمة الثقيلة مما طبع كل من ذلك الحمل أن يتسرب وينحدر في الماء لو لم تكن السفن وما ذكر من الخشب، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ قال عامة أهل التأويل: أي: كالجبال في البحار.
وقال القتبي وأبو عوسجة: الأعلام: الجبال، واحدها علم.
ومعنى هذا الكلام هو ما ذكر من ميد الأرض بأهلها، والتسرب في الماء، ثم أرساها وأثبتها بالجبال، وطبع الجبال التسرب والانحدار في الماء فجيء أن تزيد في التسرب والانحدار في الماء، لا أن تثبتها وتقرها على وجه الماء، لكن بلطفه ومنّه أقر بها الأرض، وأثبتها ومنع بها عن التسرب والانحدار والميد بأهلها، فعلى ذلك السفن في البحار تستقر على الماء ولا تنحدر كالجبال مع الأرض في القرار على الماء، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ معنى آخر وهو الأعلام أنفسها، وهو أن جعل السفن سببا وطريقاً للوصول إلى منافع بعدت منهم، وصعبت عليهم، فإذا حمل فيها الأحمال من بلد إلى بلد آخر ومن مكان إلى مكان يسر أهل المحمول إليهم بتلك الأحمال والسفن إذا رأوها في البحار تحمل إليهم؛ لسعة يرجون بها ومنافع تصل لهم، وكذلك يسر أهل البلد المحمول إذا رأوها راجعة إليهم سالمة؛ لما يحصل لهم من الأثمان والأغراض بها، فتكون السفن أعلاماً وأدلة لهم على الوصول إلى الأغراض والمنافع، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ﴾ يذكر فضله ومنته بما أجرى هذه السفن في البحار التي ذكر، فأخبر أنه لو شاء لأمسكها ومنعها على الجريان ثم صير الريح نوعين: أحدهما: طيبة بها تجري السفن.
والأخرى: عاصفة شديدة تهلك بها السفن، وهو ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله - -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ...
﴾ الآية [يونس: 22].
ثم في ذلك خلال ثلاث تدل على أن الريح ليست تجري السفن وتهب بطبعها وبنفسها، ولكن بالله -: أحدها: أخبر أنه جعل نوعاً منها طيبة تجري السفن، والأخرى عاصفة، تهلك السفن، وتهيج الأمواج.
والثاني: ما ذكر في هذه الآية: ﴿ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ ﴾ أخبر أنه لو شاء لأسكن الريح فبقين رواكد على ظهر الماء؛ فدل أنه هو المجري لها حيث كان هو المسكن.
والثالث: أن فعل الطبيعي على سنن واحد كالحرارة في النار، والبرودة في الثلج وأمثال ذلك، ولو كان جريان الريح وهبوبها بنفسها وطبعها، لكانت لا تسكن في حال، ولا تكون مرة طيبة سالمة، ومرة شديدة عاصفة مهلكة؛ دل أن ذلك كان بالله - - لا بالطبع، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: سمى المؤمن: صبوراً شكوراً.
والثاني: سمى من صبر على ما أصاب من الشدائد والمصائب التي ذكر: صبوراً، ومن شكر ما ذكر من النعم في السفن وغيرها: شكوراً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ﴾ قال أبو عوسجة والقتبي: أي: وقوف، وصرفه: ركد يركد ركدا وركوداً.
وقوله: ﴿ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ ﴾ جائز أن يكون هذا صلة ما ذكر من السفن الجواري في البحر؛ حيث قال: ﴿ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ﴾ يقول: إن شاء أسكن الريح التي بها تجري السفن في البحار فبقين رواكد في الماء، وإن شاء أرسل ريحاً عاصفة شديدة فيهلكن - يعني: السفن - وأراد: أهل السفن؛ بما كان منهم؛ يخبر أن له أن يفعل ما ذكر من الإهلاك في البحر أو الإبقاء فيه، لكنه بفضله ينجي من أنجى وأخرج سالماً، والله أعلم.
وكذا قال أبو عوسجة ﴿ يُوبِقْهُنَّ ﴾ أي: يهلك أهل السفن.
ويحتمل أن يكون ذلك صلة ما تقدم من قوله - -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ فيكون ما يصيبهم من المصيبة ما بلغت النفس أو مما لم تبلغ النفس؛ فيكون كل ذلك لهم من كسب أيديهم على ما ذكر، ثم أخبر أنه يعفو عن كثير مما كسبت أيديهم مما يستوجبون الإهلاك ويتجاوز عنهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ﴾ المجادلة في آياته تخرج على وجهين: أحدهما: أن يجادلوه في تقدير أحكام الله - - وفهم ما ضمن فيها، وذلك ممدوح محمود، وهو كقوله - -: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً ﴾ فهذه المجادلة، والمراء المذكور في هذا محمود.
والمجادلة الثانية: هي المجادلة في دفع أحكام آيات الله - - عن فهم ما ضمن [فيها]، وهي مذمومة، وما ذكر هاهنا من قوله: ﴿ وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا ﴾ هي المجادلة في دفع أحكام آياته، ثم أخبر أنه لا محيص لهم ولا ملجأ من عذاب الله بمجادلتهم في دفع آياته والمنع عن فهم ما فيها.
<div class="verse-tafsir"
ولو وسَّع الله الرزق لجميع عباده لطغوا في الأرض بالظلم، ولكنه سبحانه ينزل من الرزق بقدر ما يشاء من توسيع وتضييق، إنه خبير بأحوال عباده بصير بها، فيعطي لحكمة، ويمنع لحكمة أيضًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.1xpK6"