الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ٣٦ من سورة الشورى
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 63 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٦ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى محقرا بشأن الحياة الدنيا وزينتها ، وما فيها من الزهرة والنعيم الفاني ، بقوله : ( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا ) أي : مهما حصلتم وجمعتم فلا تغتروا به ، فإنما هو متاع الحياة الدنيا ، وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة ، ( وما عند الله خير وأبقى ) أي : وثواب الله خير من الدنيا ، وهو باق سرمدي ، فلا تقدموا الفاني على الباقي ; ولهذا قال : ( للذين آمنوا ) أي : للذين صبروا على ترك الملاذ في الدنيا ، ( وعلى ربهم يتوكلون ) أي : ليعينهم على الصبر في أداء الواجبات وترك المحرمات .
وقوله: ( فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) يقول تعالى ذكره: فما أعطيتم أيها الناس من شيء من رياش الدنيا من المال والبنين, فمتاع الحياة الدنيا, يقول تعالى ذكره: فهو متاع لكم تتمتعون به في الحياة الدنيا, وليس من دار الآخرة, ولا مما ينفعكم في معادكم.( وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) يقول تعالى ذكره: والذي عند الله لأهل طاعته والإيمان به في الآخرة, خير مما أوتيتموه في الدنيا من متاعها وأبقى, لأن ما أوتيتم في الدنيا فإنه نافد, وما عند الله من النعيم في جنانه لأهل طاعته باق غير نافذ.
( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) يقول: وما عند الله للذين آمنوا به, وعليه يتوكلون في أمورهم, وإليه يقومون في أسبابهم, وبه يثقون, خير وأبقى مما أوتيتموه من متاع الحياة الدنيا.
قوله تعالى : فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون .قوله تعالى : فما أوتيتم من شيء يريد من الغنى والسعة في الدنيا .
فمتاع الحياة الدنيا أي فإنما هو متاع في أيام قليلة تنقضي وتذهب ، فلا ينبغي أن يتفاخر به .
والخطاب للمشركين .
: [ ص: 34 ] وما عند الله خير وأبقى يريد من الثواب على الطاعة للذين آمنوا صدقوا ووحدوا وعلى ربهم يتوكلون نزلت في أبي بكر الصديق حين أنفق جميع ماله في طاعة الله فلامه الناس .
وجاء في الحديث أنه : أنفق ثمانين ألفا .
هذا تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة، وذكر الأعمال الموصلة إليها فقال: { فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ } من ملك ورياسة، وأموال وبنين، وصحة وعافية بدنية.
{ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } لذة منغصة منقطعة.
{ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ } من الثواب الجزيل، والأجر الجليل، والنعيم المقيم { خَيْرٌ } من لذات الدنيا، خيرية لا نسبة بينهما { وَأَبْقَى } لأنه نعيم لا منغص فيه ولا كدر، ولا انتقال.ثم ذكر لمن هذا الثواب فقال: { لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } أي: جمعوا بين الإيمان الصحيح، المستلزم لأعمال الإيمان الظاهرة والباطنة، وبين التوكل الذي هو الآلة لكل عمل، فكل عمل لا يصحبه التوكل فغير تام، وهو الاعتماد بالقلب على الله في جلب ما يحبه العبد، ودفع ما يكرهه مع الثقة به تعالى.
( فما أوتيتم من شيء ) [ من رياش الدنيا ، ( فمتاع الحياة الدنيا ) ليس من زاد المعاد ، ( وما عند الله ) من الثواب ، ( خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) فيه بيان أن المؤمن والكافر يستويان في أن الدنيا متاع قليل لهما يتمتعان بها فإذا صارا إلى الآخرة كان ما عند الله خير للمؤمن .
«فما أوتيتم» خطاب للمؤمنين وغيرهم «من شيءٍ» من أثاث الدنيا «فمتاع الحياة الدنيا» يتمتع به فيها ثم يزول «وما عند الله» من الثواب «خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون» ويعطف عليه.
فما أوتيتم- أيها الناس- من شيء من المال أو البنين وغير ذلك فهو متاع لكم في الحياة الدنيا، سُرعان ما يزول، وما عند الله تعالى من نعيم الجنة المقيم خير وأبقى للذين آمنوا بالله ورسله، وعلى ربهم يتوكلون.
ثم بين - سبحانه - أن متاع الدنيا مهما كثر فهو إلى زوال ، فقال : ( فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا ) أى : فما أعطيتم من شئ من متع الحياة الدنيا كالغنى والصحة والجاه .
فإنما هو متاع زائل من متع الحياة الدنيا .( وَمَا عِندَ الله ) من عطاء وثواب فى الآخرة .
خير وأبقى ، أى : هو خير فى ذاته من متاع الحياة الدنيا ، وأبقى منه زمانا حيث لا يزول ولا يفنى .وقوله ( لِلَّذِينَ آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) متعلق بقوله ( خَيْرٌ وأبقى ) أى : هذا الذى ذكرناه لكم من نعم الآخرة خير وأبقى ، للذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا؛ وللذين هم يتوكلون ولا يعتمدون إلا على ربهم وحده ، لا على غيره أصلا .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وأبو عمرو ﴿ الجواري ﴾ بياء في الوصل والوقف، فإثبات الياء في الأصل وحذفها للتخفيف.
المسألة الثانية: الجواري، يعني السفن الجواري، فحذف الموصوف لعدم الالتباس.
المسألة الثالثة: اعام أنه تعالى ذكر من آياته أيضاً هذه السفن العظيمة التي تجري على وجه البحر عند هبوب الرياح، واعلم أن المقصود من ذكره أمران أحدهما: أن يستدل به على وجود القادر الحكيم والثاني: أن يعرف ما فيه من النعم العظيمة لله تعالى على العباد أما الوجه الأول: فقد اتفقوا على أن المراد بالأعلام الجبال، قالت الخنساء في مرثية أخيها: وإن صخراً لتأتم لهداة به *** كأنه علم في رأسه نار ونقل أن النبي صلى الله عليه وسلم استنشد قصيدتها هذه فلما وصل الراوي إلى هذا البيت، قال: «قاتلها الله ما رضيت بتشبيهها له بالجبل حتى جعلت على رأسه ناراً!» إذا عرفت هذا فنقول: هذه السفن العظيمة التي تكون كالجبال تجري على وجه البحر عند هبوب الرياح على أسرع الوجوه، وعند سكون هذه الرياح تقف، وقد بينا بالدليل في سورة النحل، أن محرك الرياح ومسكنها هو الله تعالى، إذ لا يقدر أحد على تحريكها من البشر ولا على تسكينها، وذلك يدل على وجود الإله القادر، وأيضاً أن السفينة تكون في غاية الثقل، ثم إنها مع ثقلها بقيت على وجه الماء، وهو أيضاً دلالة أخرى وأما الوجه الثاني: وهو معرفة ما فيها من المنافع، فهو أنه تعالى خص كل جانب من جوانب الأرض بنوع آخر من الأمتعة، وإذا نقل متاع هذا الجانب إلى ذلك الجانب في السفن وبالعكس حصلت المنافع العظيمة في التجارة، فلهذه الأسباب ذكر الله تعالى حال هذه السفينة.
ثم قال تعالى: ﴿ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ ﴾ قرأ أبو عمرو والجمهور: بهمزة ﴿ إِن يَشَأْ ﴾ لأن سكون الهمزة علامة للجزم، وعن ورش عن نافع بلا همزة، وقرأ نافع وحده ﴿ يُسْكِنِ الرياح ﴾ على الجمع، والباقون ﴿ الريح ﴾ على الواحد، قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ يظللن ﴾ بفتح اللام وكسرها من ظل يظل ويظل، وقوله تعالى: ﴿ رَوَاكِدَ ﴾ أي رواتب، أي لا تجري على ظهره، أي على ظهر البحر ﴿ إِنَّ فِي ذلك لأيات لّكُلّ صَبَّارٍ ﴾ على بلاء الله ﴿ شَكُورٍ ﴾ لنعمائه، والمقصود التنبيه، على أن المؤمن يجب أن لا يكون غافلاً عن دلائل معرفة الله ألبتة، لأنه لابد وأن يكون إما في البلاء، وإما في الآلاء، فإن كان في البلاء كان من الصابرين، وإن كان من النعماء كان من الشاكرين، وعلى هذا التقدير فإنه لا يكون ألبتة من الغافلين.
ثم قال تعالى: ﴿ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا ﴾ يعني أو يهلكهن، يقال أوبقه، أي أهلكه، ويقال للمجرم أوبقته ذنوبه، أي أهلكته، والمعنى أنه تعالى إن شاء ابتلى المسافرين في البحر بإحدى بليتين: إما أن يسكن الريح فتركد الجواري على متن البحر وتقف، وإما أن يرسل الرياح عاصفة فيها فيهلكن بسبب الإغراق، وعلى هذا التقدير فقوله: ﴿ أَوْ يُوبِقْهُنَّ ﴾ معطوف على قوله: ﴿ يُسْكِنِ ﴾ لأن التقدير إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها، وقوله: ﴿ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾ معناه إن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً عن طريق العفو عنهم، فإن قيل فما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث جعل مجزوماً مثله، قلنا معناه إن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم، وأما من قرأ ﴿ ويعفو ﴾ فقد استأنف الكلام.
ثم قال: ﴿ وَيَعْلَمَ الذين يجادلون فِي ءاياتنا مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ ﴾ قرأ نافع وابن عامر: يعلم بالرفع على الاستئناف، وقرأ الباقون بالنصب، فالقراءة بالرفع على الاستئناف، وأما بالنصب فللعطف على تعليل محذوف تقديره لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون في آياتنا والعطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَخَلَقَ السموات والأرض بالحق ولتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ قال صاحب الكشاف: ومن قرأ على جزم ﴿ وَيَعْلَمَ ﴾ فكأنه قال أو إن يشأ، يجمع بين ثلاثة أمور: هلاك قوم، ونجاة قوم، وتحذير آخرين.
إذا عرفت هذا فنقول معنى الآية ﴿ وِيَعْلَمَ الذين يجادلون ﴾ أي ينازعون على وجه التكذيب، أن لا مخلص لهم إذا وقفت السفن، وإذا عصفت الرياح فيصير ذلك سبباً لاعترافهم بأن الإله النافع الضار ليس إلا الله.
واعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد أردفها بالتفسير عن الدنيا وتحقير شأنها، لأن الذي يمنع من قبول الدليل إنما هو الرغبة في الدنيا بسبب الرياسة وطلب الجاه، فإذا صغرت الدنيا في عين الرجل لم يلتفت إليها، فحينئذ ينتفع بذكر الدلائل، فقال: ﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مّن شَيء فمتاع الحياة الدنيا ﴾ وسماه متاعاً تنبيهاً على قلته وحقارته، ولأن الحس شاهد بأن كل ما يتعلق بالدنيا فإنه يكون سريع الانقراض والانقضاء.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى ﴾ والمعنى أن مطالب الدنيا خسيسة منقرضة، ونبه على خساستها بتسميتها بالممتاع، ونبّه على انقراضها بأن جعلها من الدنيا، وأما الآخرة فإنها خير وأبقى، وصريح العقل يقتضي ترجيح الخير الباقي على الخسيس الفاني، ثم بيّن أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان موصوفاً بصفات: الصفة الأولى: أن يكون من المؤمنين بدليل قوله تعالى: ﴿ الذين آمَنُوا ﴾ .
الصفة الثانية: أن يكون من المتوكلين على فضل الله، بدليل قوله تعالى: ﴿ وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ فأما من زعم أن الطاعة توجب الثواب، فهو متكل على عمل نفسه لا على الله، فلا يدخل تحت الآية.
الصفة الثالثة: أن يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش، عن ابن عباس: كبير الإثم، هو الشرك، نقله صاحب الكشاف: وهو عندي بعيد، لأن شرط الإيمان مذكور أولاً وهو يغني عن عدم الشرك، وقيل المراد بكبائر الإثم ما يتعلق بالبدع واستخراج الشبهات، وبالفواحش ما يتعلق بالقوة الشهوانية، وبقوله: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ ما يتعلق بالقوة الغضبية، وإنما خص الغضب بلفظ الغفران، لأن الغضب على طبع النار، واستيلاؤه شديد ومقاومته صعبة، فلهذا السبب خصّه بهذا اللفظ، والله أعلم.
الصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ والذين استجابوا لِرَبّهِمْ ﴾ والمراد منه تمام الانقياد، فإن قالوا أليس أنه لما جعل الإيمان شرطاً فيه فقد دخل في الإيمان إجابة الله؟
قلنا الأقرب عندي أن يحمل هذا على الرضاء بقضاء الله من صميم القلب، وأن لا يكون في قلبه منازعة في أمر من الأمور.
ولما ذكر هذا الشرط قال: ﴿ وأقاموا الصلاةَ ﴾ والمراد منه إقامة الصلوات الواجبة، لأن هذا هو الشرط في حصول الثواب.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ ﴾ فقيل كان إذا وقعت بينهم واقعة اجتمعوا وتشاوروا فأثنى الله عليهم، أي لا ينفردون برأي بل ما لم يجتمعوا عليه لا يقدمون عليه، وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم، والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور، ومعنى قوله: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ ﴾ أي ذو شورى.
الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ والمعنى أن يقتصروا في الانتصار على ما يجعله الله لهم ولا يتعدونه، وعن النخعي أنه كان إذا قرأها قال كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم السفهاء، فإن قيل هذه الآية مشكلة لوجهين: الأول: أنه لما ذكر قبله ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ فكيف يليق أن يذكر معه ما يجري مجرى الضد له وهو قوله: ﴿ والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ ؟
الثاني: وهو أن جميع الآيات دالة على أن العفو أحسن قال تعالى: ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ وقال: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً ﴾ وقال: ﴿ خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين ﴾ وقال: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين ﴾ فهذه الآيات تناقض مدلول هذه الآية والجواب: أن العفو على قسمين أحدهما: أن يكون العفو سبباً لتسكين الفتنة وجناية الجاني ورجوعه عن جنايته والثاني: أن يصير العفو سبباً لمزيد جراءة الجاني ولقوة غيظه وغضبه، والآيات في العفو محمولة على القسم الأول، وهذه الآية محمولة على القسم الثاني، وحينئذ يزول التناقض والله أعلم، ألا ترى أن العفو عن المصر يكون كالإغراء له ولغيره، فلو أن رجلاً وجد عبده فجر بجاريته وهو مصر فلو عفا عنه كان مذموماً، وروي أن زينب أقبلت على عائشة فشتمتها فنهاها النبي صلى الله عليه وسلم عنها فلم تنته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دونك فانتصري» وأيضاً إنه تعالى لم يرغب في الانتصار بل بيّن أنه مشروع فقط، ثم بيّن بعده أن شرعه مشروط برعاية المماثلة، ثم بيّن أن العفو أولى بقوله: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ فزال السؤال، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ما ﴾ الأولى ضمنت معنى الشرط، فجاءت الفاء في جوابها بخلاف الثانية.
عن علي رضي الله عنه: اجتمع لأبي بكر رضي الله عنه مال فتصدق به كله في سبيل الله والخير، فلامه المسلمون وخطأه الكافرون، فنزلت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ﴾ عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مِثْلَ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ، أوْ عَلى الجَزاءِ ونُصِبَ نَصْبَ الواقِعِ جَوابًا لِلْأشْياءِ السِّتَّةِ لِأنَّهُ أيْضًا غَيْرُ واجِبٍ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى يَعْفُ فَيَكُونُ المَعْنى ويَجْمَعْ بَيْنَ إهْلاكِ قَوْمٍ وإنْجاءِ قَوْمٍ وتَحْذِيرِ آخَرِينَ.
﴿ ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ مَحِيدٍ مِنَ العَذابِ والجُمْلَةُ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ.
﴿ فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ تُمَتَّعُونَ بِهِ مُدَّةَ حَياتِكم.
﴿ وَما عِنْدَ اللَّهِ ﴾ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ.
﴿ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ لِخُلُوصِ نَفْعِهِ ودَوامِهِ وما الأُولى مَوْصُولَةٌ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الشَّرْطِ مِن حَيْثُ إنَّ إيتاءَ ما أُوتُوا سَبَبٌ لِلتَّمَتُّعِ بِها في الحَياةِ الدُّنْيا فَجاءَتِ الفاءُ في جَوابِها بِخِلافِ الثّانِيَةِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَصَدَّقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِمالِهِ كُلِّهِ فَلامَهُ جَمْعٌ فَنَزَلَتْ.
<div class="verse-tafsir"
فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)
{فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَىْءٍ فمتاع الحياة الدنيا وَمَا عِندَ الله} من الثواب {خَيْرٌ وأبقى للذين آمنوا وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} ما الأولى ضمنت معنى الشرط فجاءت الفا في جوابها بخلاف الثانية نزلت في أبي بكر الصديق رضى الله عنه حين تصدق بجميع ماله فلامه الناس
﴿ فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ شَيْءٍ كانَ مِن أسْبابِ اَلدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ اَلْخِطابَ لِلنّاسِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، وما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ أُوتِيتُمُوهُ والخَبَرُ ما بَعْدُ، ودَخَلَتِ اَلْفاءُ لِتَضَمُّنِها مَعْنى اَلشَّرْطِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هي شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِأُوتِيتُمْ و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لَها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيْ فَهو مَتاعُها تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مُدَّةَ حَياتِكم فِيها جَوابُ اَلشَّرْطِ، والأوَّلُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما عِنْدَ اللَّهِ ﴾ مِن ثَوابِ اَلْآخِرَةِ ﴿ خَيْرٌ ﴾ ذاتًا لِخُلُوصِ نَفْعِهِ ﴿ وأبْقى ﴾ زَمانًا حَيْثُ لا يَزُولُ ولا يَفْنى لِأنَّ اَلظّاهِرَ أنَّ ما فِيهِ مَوْصُولَةٌ وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ في خَبَرِها مَعَ أنَّ اَلْمَوْصُولَ اَلْمُبْتَدَأُ إذا وُصِلَ بِالظَّرَفِ يَتَضَمَّنُ مَعْنى اَلشَّرْطِ أيْضًا لِأنَّ مُسَبَّبِيَّةَ كَوْنِ اَلشَّيْءِ عِنْدَ اَللَّهِ تَعالى لِخَيْرِيَّتِهِ أمْرٌ مَعْلُومٌ مُقَرَّرٌ غَنِيٌّ عَنِ اَلدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِحَرْفٍ مَوْضُوعٍ لَهُ بِخِلافِ ما عِنْدَ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِأنَّهُ عِنْدَ اَللَّهِ تَعالى دُونَ ما اِدَّخَرَ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِأبْقى أوِ اَللّامِ لِبَيانِ مَن لَهُ هَذِهِ اَلنِّعْمَةُ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ذَلِكَ لِلَّذِينِ آمَنُوا.
﴿ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ لا عَلى غَيْرِهِ تَعالى أصْلًا، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ اِجْتَمَعَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ مالٌ فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلَّهُ في سَبِيلِ اَللَّهِ تَعالى فَلامَهُ اَلْمُسْلِمُونَ وخَطَّأهُ اَلْكافِرُونَ فَنَزَلَتْ؛ <div class="verse-tafsir"
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ يعني: ما أعطيتم من الدنيا فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: منفعة الحياة الدنيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أي: ما عِنْدَ الله في الآخرة من الثواب والكرامة، خير وأبقى.
يعني: أدوم.
ثم بين لمن يكون ذلك الثواب فقال: لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي: يثقون به تعالى، ويفوضون الأمر إليه.
قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وهذا نعت المؤمنين أيضاً، الذين يجتنبون كبائر الإثم، والفواحش.
قرأ حمزة والكسائي (كَبِير الإثْمِ) بغير ألف، بلفظ الواحد، لأن الواحد يدل على الجمع، والباقون (كبائر) وهو جمع كبيرة، والكبيرة: ما أوجب الله تعالى الحد عليها في الدنيا، أو العذاب في الآخرة.
ثم قال: وَإِذا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ يعني: إذا غضبوا على أحد يتجاوزون، ويكظمون الغيظ.
ثم قال: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ يعني: أجابوا وأطاعوا ربهم فيما يدعوهم إليه، ويأمرهم به.
وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: أتموا الصلوات الخمس، في مواقيتها وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ يعني: إذا أرادوا حاجة، تشاوروا فيما بينهم.
وروي عن الحسن أنه قال: هم الذين إذا حزبهم أمر، استشاروا أولي الرأي منهم وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يعني: يتصدقون في طاعة الله.
ثم قال: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ يعني: الظلم هُمْ يَنْتَصِرُونَ أي: ينتقمون ويقتصون.
روى سفيان، عن منصور، عن إبراهيم أنه قال: كانوا يكرهون أن يستذلوا، ويحبون العفو إذا قدروا.
قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها يعني: يعاقب مثل عقوبته لغيره فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ يعني: عفا عن مظلمته، وأصلح بالعفو فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ يعني: ثوابه على الله إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ يعني: لمن يبدأ بالظلم.
روي عن زيد بن أسلم، أنه قال: كانوا ثلاث فرق، فرقة بالمدينة، وفرقتان بمكة، إحداهم تصبر على الأذى، والثانية تنتصر، والثالثة تكظم، فنزلت الآية: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ نزلت في الذين بالمدينة وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ نزلت في الذين ينتصرون وقوله: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ نزلت في الذين يصبرون.
فأثنى الله تعالى عليهم جميعا.
قوله عز وجل: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ثم نزل في الظالمين إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وذكر أن أبا بكر ، كان عند النبيّ ورجل من المنافقين يسبه، وأبو بكر لم يجبه، ورسول الله ساكت يبتسم، فأجابه أبو بكر، فقام النبيّ وذهب، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله ما دام يسبني كنت جالساً، فلما أجبته قمت فقال : إن الملك كان يجيبه عنك، فلما أجبته ذهب الملك، وجاء الشيطان وأنا لا أجلس في مجلس يكون فيه الشيطان.
فنزل فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ.
وروى محمد بن المنكدر قال: ينادي المنادي يوم القيامة، من كان له عند الله حق، فليقم.
قال: فيقوم من عفا وأصلح.
قوله عز وجل: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ يعني: انتصف بعد ظلمه، واقتص منه فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ يعني: من مأثم.
وقال قتادة: هذا، فيما يكون بين الناس من القصاص، فأما لو ظلمك، لا يحل لك أن تظلمه، يعني: فيما لا يحتمل القصاص.
وقال الحسن: يعني: إذا قال: لعنك الله، أن تقول له: يلعنك الله، وإذا سبك، فلك أن تسبه ما لم يكن فيه حد، أو كلمة لا تصلح.
ثم قال تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ يعني: الإثم والحرج عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ يعني: يبدؤون بالظلم وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يعني: ويظلمون في الأرض، ويعملون المعاصي أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: وجيع.
<div class="verse-tafsir"
أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)
وقوله تعالى: أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا: أوْبَقْتُ الرَّجُلَ: إذا أَنْشَبْتَهُ في أمْرٍ يَهْلِكُ فِيهِ، وهو في السفن تغريقها وبِما كَسَبُوا أي: بذنوب رُكَّابها، وقرأ نافع، وابن عامر:
«وَيَعْلَمُ» بالرفع على القطع والاستئناف، وقرأ الباقون والجمهور: «وَيَعْلَمَ» بالنصب «١» على تقدير «أنْ» ، و «المَحِيصُ» : المنجى، وموضعُ الرَّوَغَانِ.
ثم وعَظَ سبحانه عبادَهُ، وحَقَّر عندهم أمر الدنيا وشأنها، ورَغَّبَهُمْ فيما عنده من النعيم والمنزلة الرفيعة لديه، وعَظَّم قَدْرَ ذلك في قوله: فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا [وزينتها] وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وقرأ الجمهور «٢» :
كَبائِرَ على الجمع قال الحسن: هي كُلُّ ما تُوُعِّدَ فيه بالنار «٣» ، وقد تقدَّم ما ذَكَرَهُ/ الناس في الكبائر في سورة النساء وغيرها، وَالْفَواحِشَ: قال السُّدِّيُّ «٤» : الزنا، وقال مقاتل: مُوجِبَاتُ الحدود «٥» .
وقوله تعالى: وَإِذا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ حَضٌّ على كسر الغضب والتدرُّب في إطفائه إذ هو جمرةٌ من جَهَنَّمَ، وبَابٌ مِنْ أبوابها، وقال رجل للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أوْصِنِي، قَالَ:
لاَ تَغْضَبْ، قَالَ: زِدْني، قَال: لا تغضب، قال: زدني، قال: لا تغضب» «٦» ، ومن جاهد
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ ﴾ والمُرادُ بِالجِوارِ: السُّفُنُ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "الجَوارِي" بِياءٍ في الوَصْلِ، إلّا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يَقِفُ أيْضًا بِياءٍ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ، ويَعْقُوبُ يُوافِقُ ابْنَ كَثِيرٍ، والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والقِياسُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ، ومَن حَذَفَ، فَقَدْ كَثُرَ حَذْفُ مِثْلِ هَذا في كَلامِهِمْ.
﴿ كالأعْلامِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كالجِبالِ، واحِدُها: عَلَمٌ.
ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٌ -عِنْدَ العَرَبِ- فَهو عَلَمٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ ﴾ الَّتِي تُجْرِيها ﴿ فَيَظْلَلْنَ ﴾ يَعْنِي الجَوارِيَ ﴿ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ ﴾ أيْ: سَواكِنَ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ [لا يَجْرِينَ] .
﴿ أوْ يُوبِقْهُنَّ ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُنَّ ويُغْرِقُهُنَّ، والمُرادُ أهْلُ السُّفُنِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ بِما كَسَبُوا ﴾ أيْ: مِنَ الذُّنُوبِ ﴿ وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ﴾ مِن ذُنُوبِهِمْ، فَيُنْجِيهِمْ مِنَ الهَلاكِ.
﴿ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "وَيَعْلَمُ" بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وقَطْعِهِ مِنَ الأوَّلِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ.
قالَ الفَرّاءُ: هو مَرْدُودٌ عَلى الجَزْمِ، إلّا أنَّهُ صُرِفَ، والجَزْمُ إذا صُرِفَ عَنْهُ مَعْطُوفُهُ نُصِبَ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ويَعْلَمُ الَّذِينَ يُخاصِمُونَ في آياتِ اللَّهِ حِينَ يُؤْخَذُونَ بِالغَرَقِ أنَّهُ لا مَلْجَأ لَهم.
والثّانِي: أنَّهم يَعْلَمُونَ بَعْدَ البَعْثِ أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهم مِنَ العَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ: ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الدُّنْيا فَهو مَتاعٌ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ، ثُمَّ يَزُولُ سَرِيعًا، ﴿ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لا لِلْكافِرِينَ، لِأنَّهُ إنَّما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ العَذابَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أو يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عن كَثِيرٍ ﴾ ﴿ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ ﴿ فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا وما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ أوبَقْتُ الرَجُلَ: إذا أنْشَبْتُهُ في أمْرٍ يَهْلَكُ فِيهِ، فالإيباقُ في السُفُنِ هو تَغْرِيقُها، والضَمِيرُ فِي: ﴿ "كَسَبُوا" ﴾ هو لِرُكّابِها مِنَ البَشَرِ، أيْ: بِذُنُوبِ البَشَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ثانِيَةً: ﴿ وَيَعْفُ عن كَثِيرٍ ﴾ مُبالِغَةً وإيضاحًا، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ: "وَيَعْلَمُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، وحَسُنَ ذَلِكَ إذا جاءَ بَعْدَ الجَزاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "وَيَعْلَمَ" بِالنَصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: "أنْ"، وهَذِهِ الواوُ ونَحْوَها هي الَّتِي يُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ "واوَ الصَرْفِ"، لِأنَّ حَقِيقَةَ واوِ الصَرْفِ هي الَّتِي تُرِيدُ بِها عَطْفَ فِعْلٍ عَلى اسْمٍ، فَيُقَدَّرُ "أنْ" لِتَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ فَيَجِيءُ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ، وذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ: ...........................
∗∗∗ تَقَضِّي لُباناتٍ ويَسْأمُ سائِمُ فَكَأنَّهُ أرادَ: وسَآمَةُ سائِمٌ، فَقَدَّرَ: "وَأنْ يَسْأمَ" لِيَكُونَ ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ الَّذِي هو "سَآمَةُ"، قالَ أبُو عَلِيِّ: حَسُنَ النَصْبُ إذا كانَ قَبْلَهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ واجِبٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ هو مَعْلُومُهُمُ الَّذِي أرادَ أنْ يَعْلَمَهُ المُجادِلُونَ في آياتِهِ عَزَّ وجَلَّ، و"المَحِيصُ": المَنجى ومَوْضِعُ الرَوَغانِ، يُقالُ: حاصَ إذا راغَ، وفي حَدِيثِ هِرَقْلٍ: « "فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمْرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ"،» ثُمَّ وعَظَ تَعالى عِبادَهُ وحَقَّرَ عِنْدَهم أمْرَ الدُنْيا وشَأْنَها، ورَغَّبَهم فِيما عِنْدَهُ مِن نَعِيمِهِمْ والمَنزِلَةِ الرَفِيعَةِ لَدَيْهِ، وعَظَّمَ قَدْرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ ﴾ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِينَ آمَنُوا"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "كَبائِرَ" ﴾ عَلى الجَمْعِ، قالَ الحَسَنُ: هي كُلُّ ما تَوَعَّدَ فِيهِ بِالنارِ، وقالَ الضَحّاكُ: أو كانَ فِيهِ حَدٌّ مِنَ الحُدُودِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رِضى اللهُ عنهُ: الكَبائِرُ مِن أوَّلِ سُورَةِ النِساءِ إلى رَأْسِ ثَلاثِينَ آيَةٍ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُمْ: هي كُلُّ ما خَتَمَهُ اللهُ تَعالى بِنارٍ أو غَضَبٍ أو لَعْنَةٍ أو عَذابٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ: "كَبِيرَ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: كَبِيرُ الإثْمِ: هو الشِرْكُ والفَواحِشُ، قالَ السَدِّيُّ: الزِنى، وقالَ مُقاتِلٌ: مُوجِباتُ الحُدُودِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "كَبِيرَ" اسْمَ جِنْسٍ بِمَعْنى "كَبائِرَ"، فَتَدْخُلُ فِيهِ المُوبِقاتُ السَبْعُ عَلى ما قَدْ تَفَسَّرَ مِن أمْرِها في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ ﴾ حَضٌّ عَلى كَسْرِ الغَضَبِ والتَدَرُّبِ في إطْفائِهِ، إذْ هو جَمْهَرَةٌ مِن جَهَنَّمَ، وبابٌ مِن أبْوابِها، «وَقالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ : أوصِنِي، قالَ: "لا تَغْضَبُ"، قالَ: زِدْنِي، قالَ: "لا تَغْضَبُ"، قالَ: زِدْنِي، قالَ: "لا تَغْضَبُ"،» ومَن جاهَدَ هَذا العارِضَ مِن نَفْسِهِ حَتّى غَلَبَهُ فَقَدْ كُفِيَ هَمًّا عَظِيمًا في دُنْياهُ وآخِرَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ ﴾ : مَدْحٌ لِكُلٍّ مَن آمَنَ بِاللهِ تَعالى وقَبِلَ شَرْعُهُ، ومَدَحَ تَعالى القَوْمَ الَّذِينَ أمْرُهم شُورى بَيْنِهِمْ، لِأنَّ في ذَلِكَ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ والتَحابَّ واتِّصالَ الأيْدِي والتَعاضُدَ عَلى الخَيْرِ، وفي الحَدِيثِ: « "ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأحْسَنِ ما بِحَضْرَتِهِمْ"»، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ مَعْناهُ: في سَبِيلِ اللهِ وبِرَسْمِ الشَرْعِ وعَلى حُدُودِهِ في القَوامِ الَّذِي مَدَحَهُ اللهُ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ ﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في الأنْصارِ، والظاهِرُ أنَّ اللهَ تَعالى مَدَحَ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفَةِ كائِنًا مَن كانَ، وهَلْ حَصَلَ الأنْصارُ في هَذِهِ الصِفَةِ إلّا بَعْدَ سَبْقِ المُهاجِرِينَ إلَيْها؟
رَضِيَ اللهُ تَعالى عن جَمِيعِهِمْ بِمَنِّهِ.
<div class="verse-tafsir"
تفريع على جملة ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا ﴾ [الشورى: 27] إلى آخرها، فإنها اقتضت وجود منعَم عليه ومحْروم، فذُكِّروا بأن ما أوتوه من رزق هو عَرَض زائل، وأن الخير في الثواب الذي ادخره الله للمؤمنين، مع المناسبة لما سبقه من قوله: ﴿ ويَعْفُ عن كثير ﴾ [الشورى: 34] من سلامة الناس من كثير من أهوال الأسفار البحرية فإن تلك السلامة نعمة من نعم الدنيا، ففرعت عليه الذكرى بأن تلك النعمة الدنيوية نعمة قصيرة الزمان صائرة إلى الزوال فلا يَجعلها الموفَّقُ غاية سعيه وليسعَ لعمل الآخرة الذي يأتي بالنعيم العظيم الدائم وهو النعيم الذي ادّخره الله عنده لعباده المؤمنين الصالحين.
والخطاب في قوله: أوتيتم } للمشركين جرياً على نسق الخطاب السابق في قوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ [الشورى: 30] وقوله: ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ [الشورى: 31]، وينسحب الحكم على المؤمنين بلحن الخطاب، ويجوز أن يكون الخطاب لِجميع الأمة، فالفاء الأولى للتفريع، ومَا } موصولة ضمنت معنى الشرط والفاء الثانية في قوله: ﴿ فمتاع الحياة الدنيا ﴾ داخلة على خبر ﴿ ما ﴾ الموصولة لتضمنها معنى الشرط وإنما لم نَجعل ﴿ ما ﴾ شرطية لأن المعنى على الإخبار لا على التعليق، وإنما تضمن معنى الشرط وهو مجرد ملازمة الخبر لمدلول اسم الموصول كما تقدم نظيره آنفاً في قوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ [الشورى: 30] في قراءة غير نافع وابننِ عامر.
ويتعلق قوله: خَيْرٌ وأبقى للذين آمنوا} على وجه التنازع، واتبعت صلة (الذين آمنوا) بما يدل على عملهم بإيمانهم في اعتقادهم فعطف على الصلة أنهم يتوكلون على ربّهم دون غيره.
وهذا التوكل إفراد لله بالتوجُّه إليه في كل ما تعجز عنه قدرة العبد، فإن التوجه إلى غيره في ذلك ينافي التوحيد لأن المشركين يتوكلون على آلهتهم أكثر من توكلهم على الله، ولكون هذا متمّماً لمعنى (الذين آمنوا) عطف على الصلة ولم يُؤت معه باسم موصول بخلاف ما ورد بعده.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُحافَظَةُ عَلى مَواقِيتِها، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: إتْمامُها بِشُرُوطِها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
﴿ وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ إلَيْهِمْ إذا أرادُوا أمْرًا تَشاوَرُوا فِيهِ ثُمَّ عَمِلُوا عَلَيْهِ فَمَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، قالَهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: يَعْنِي أنَّهم لِانْقِيادِهِمْ إلى الرَّأْيِ في أُمُورِهِمْ مُتَّفِقُونَ لا يَخْتَلِفُونَ فَمُدِحُوا عَلى اتِّفاقِ كَلِمَتِهِمْ.
قالَ الحَسَنُ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أُمُورِهِمْ.
الثّالِثُ: هو تَشاوُرُهم حِينَ سَمِعُوا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ووُرُودِ النُّقَباءِ إلَيْهِمْ حَتّى اجْتَمَعَ رَأْيُهم في دارِ أبِي أيُّوبَ عَلى الإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ لَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: أنَّهم يَتَشاوَرُونَ فِيما يَعْرِضُ لَهم فَلا يَسْتَأْثِرُ بَعْضُهم بِخَيْرٍ دُونَ بَعْضٍ.
﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ بِهِ أْداءَ الزَّكاةِ مِن أمْوالِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: إنْفاقُ الحَلالِ مِن أكْسابِهِمْ، وهو مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أصابَهم يَعْنِي المُشْرِكِينَ عَلى دِينِهِمُ انْتَصَرُوا بِالسَّيْفِ مِنهم.
قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أصابَهم يَعْنِي باغٍ عَلَيْهِمْ كَرِهَ لَهم أنْ يَسْتَذِلُّوا، فَإذا قَدَرُوا عَفَوْا، قالَهُ إبْراهِيمُ.
الثّالِثُ: إذا أصابَهُمُ البَغْيُ تَناصَرُوا عَلَيْهِ حَتّى يُزايِلُوهُ عَنْهم ويَدْفَعُوهُ عَنْهم، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن آياته الجوار في البحر ﴾ قال: السفن ﴿ كالأعلام ﴾ قال: كالجبال.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: سفن هذا البحر تجري بالريح، فإذا مسكت عنها الريح ركدت.
وأخرج ابن المنذر من طريق عطاء، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ فيظللن رواكد على ظهره ﴾ قال: لا يتحركن ولا يجرين في البحر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ رواكد ﴾ قال: وقوفاً ﴿ أو يوبقهن ﴾ قال: يهلكن.
وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك: ﴿ أو يوبقهن ﴾ قال: يغرقهن.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ أو يوبقهن ﴾ قال: يهلكهن.
وأخرج ابن جرير، عن السدي رضي الله عنه ﴿ ما لهم من محيص ﴾ من ملجأ.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة: ﴿ أو يوبقهن بما كسبوا ﴾ قال: بذنوب أهلها.
وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي ظبيان قال: كنا نعرض المصاحف عند علقمة رضي الله عنه فقرأ هذه الآية: ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ﴾ فقال: قال عبدالله: الصبر نصف الإِيمان.
وأخرج سعيد بن منصور، عن الشعبي رضي الله عنه قال: الشكر نصف الإِيمان، والصبر نصف الإِيمان، واليقين الإِيمان كله.
وقرأ ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ﴾ ﴿ وآية للموقنين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَعْلَمَ الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ﴾ أي يعلمون أنه لا مهرب له من الله، وقرأ نافع وابن عامر يعلم بالرفع على الاستئناف، وقرأ الباقون بالنصب واختلف في إعرابه على قولين: أحدهما أنه نصب بإضمار أن بعد الواو لما وقعت بعد الشرط والجزاء؛ لأنه غير واجب.
وأنكر ذلك الزمخشري وقال: إنه شاذ فلا ينبغي أن يحمل القرآن عليه، والثاني قول الزمخشري إنه معطوف على تعليل محذوف تقديره: لينتقم منهم ويعلم، قال: ونحوه من المعطوف على التعليل المحذوف في القرآن كثير، ومنه قوله: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ﴾ [مريم: 21] ﴿ كَبَائِرَ الإثم ﴾ ذكرنا الكبائر في [النساء: 31] وقيل: كبائر الإثم: هو الشرك، والفواحش: هي الزنا واللفظ أعم من ذلك.
﴿ والذين استجابوا لِرَبِّهِمْ ﴾ قيل: يعني الأنصار، لأنهم استجابوا لما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولاً بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر بن الخطاب، ثم صفات عثمان بن عفان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فكونه جمع هذه الصفات، ورتبها على هذا الترتيب يدل على أنه قصد بها من اتصف بذلك، فأما صفات أبي بكر فقوله: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ، وإنما جعلناها صفة أبي بكر وإن جميعهم متصفاً بها، لأن أبا بكر كانت له فيها مزية لم تكن لغيره فقد روي: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجحهم وورد: أنا مدينة الإيمان وأبو بكر بابا.
وقال أبو بكر: لو كشف الغطاء لما ازددت إلا يقيناً والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان.
أما صفات عمر فقوله: ﴿ والذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش ﴾ لأن ذلك هو التقوى، وقوله: إذا ما غضبوا هم يغفرون، وقوله: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ﴾ [الجاثية: 14] نزلت في عمر، وأما صفات عثمان فقوله: ﴿ والذين استجابوا لِرَبِّهِمْ ﴾ لأن عثمان لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان تبعه، وبادر إلى الإسلام وقوله، ﴿ وَأَقَامُواْ الصلاة ﴾ ، لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اليل سَاجِداً وَقَآئِماً ﴾ [الزمر: 9] الآية: وروي أنه كان يحي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن كله، وقوله: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ ﴾ لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ ، لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهّز جيش العسرة، وأما صفة عليّ فقوله: ﴿ والذين إِذَآ أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ ، لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها انتصاراً للحق، وانظر كيف سمّى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعلي الفئة الباغية حسبما ورد في الحديث الصحيح أنه قال لعمار بن ياسر تقتلك الفئة الباغية فذلك هو البغي الذي أصابه وقوله: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ إشارة إلى فعل الحسن بن عليّ حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن: «إن ابني هذا سيّد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» وقوله: ﴿ وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ ، فأولئك ما عليهم من سبيل إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت الحسن، وطلبه للخلافة وقوله: ﴿ إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس ﴾ إشارة إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس كما جاء في الحديث عنهم: أنهم جعلوا عباد الله خولاً وما الله دولاً، ويكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب على منابرهم وقوله: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ ﴾ الآية إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما نالهم من الضر والذل، طول مدّة بني أمية ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ سمى العقوبة باسم الذنب، وجعلها مثلها تحرزاً من الزيادة عليها ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ هذا يدل على أن العفو عن الظلمة أفضل من الانتصار، لأنه ضمن الأجر في العفو، وذكر الانتصار بلفظ الإباحة في قوله: ﴿ وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ فأولئك مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ ﴾ وقيل: إن الانتصار أفضل، والأول أصح فإن قيل: كيف ذكر الانتصار في صفات المدح في قوله: ﴿ والذين إِذَآ أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ والمباح لا مدح فيه ولا ذم، فالجواب: من ثلاثة أوجه أحدها أن المباح قد يمدح لأنه قيام بحق لا بباطل، والثاني أن مدح الانتصار لكونه كان بعد الظلم، تحرزاً ممن بدأ بالظلم فكأن المدح إنما هو بترك الابتداء بالظلم، والثالث إن كانت الإشارة بذلك إلى علي بن أبي طالب حسبما ذكرنا فانتصاره محمود، لأن قتال أهل البغي واجب لقوله تعالى: ﴿ فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي ﴾ [الحجرات: 9] ﴿ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ أي على النار ﴿ خَاشِعِينَ مِنَ الذل ﴾ عبارة عن الذل والكآبة، ومن الذل يتعلق بخاشعين ﴿ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ فيه قولان: أحدهما أنه عبارة عن الذل، لأن نظر الذليل بمهابة واستكانة، والآخر أنهم يحشرون عمياً فلا ينظرون بأبصارهم، وإنما ينظرون بقلوبهم واستبعد هذا ابن عطية والزمخشري: والظرف يحتمل أن يريد به العين أو يكون مصدراً ﴿ يَوْمَ القيامة ﴾ يتعلق بقال أو بخسروا ﴿ أَلاَ إِنَّ الظالمين ﴾ يحتمل أن يكون من كلام الذين آمنوا أو مستأنفاً من كلام الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ما تفعلون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وحفص ﴿ ينزل الغيث ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم ﴿ ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ بما كسبت ﴾ بدون فاء الجزاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون ﴿ فبما كسبت ﴾ بالفاء ﴿ الجواري ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل.
وقرأ قتيبة ونصير وأبو عمرو بالإمالة ﴿ الرياح ﴾ نافع.على الجمع: أبو جعفر ونافع.
﴿ ويعلم الذين ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو جعفر ونافع.
الباقون: بالنصب ﴿ كبير الإثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.
﴿ أو يرسل ﴾ بالرفع ﴿ فيوحى ﴾ بالإسكان: نافع وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون: بالنصب فيهما.
الوقوف: ﴿ كذباً ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ قلبك ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ بكلماته ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تفعلون ﴾ ه لا ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ كثير ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ ولا نصير ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ط ﴿ على ظهره ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه لا ﴿ كثير ﴾ ه لا لمن رفع ﴿ ويعلم ﴾ ومن نصب فوقفه مجوز ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف جملتي الشرط، ويحتمل أن يكون الوقف مطلقاً بناء على أن الثانية أخبار مستأنف ﴿ يتوكلون ﴾ ه ط ﴿ يغفرون ﴾ ه ج ﴿ الصلاة ﴾ ص لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد المقول ﴿ بينهم ﴾ ص لذلك ﴿ ينفقون ﴾ ه ج ﴿ ينتصرون ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ خفي ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ حفيظاً ﴾ ط ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ج ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ الذكور ﴾ ه لا ﴿ وإناثاً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف أي وهو يجعل ﴿ عقيماً ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أمرنا ﴾ ط ﴿ عبادنا ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في أول السورة أن هذا القرآن إنما حصل بوحي الله وانجر الكلام إلى ههنا حكى شبهة القوم وهي زعمهم أنه مفترى وليس بوحي فقال ﴿ أم يقولون افترى ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيه التوبيخ كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى أعظم أنواع الفرية وهو الافتراء على الله، ثم أجابهم بقوله ﴿ فإن يشاء الله يختم على قلبك ﴾ أي يجعلك من المختوم على قلوبهم فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم.
والغرض المبالغة في استبعاد الافتراء من مثله والتعريض بأن من ينسبه إلى الافتراء فهو مختوم على قلبه.
وقيل: لأنساك ما أتاك من القرآن ولكنه لم يشأ فأثبته فيه، وقيل: لأماتك فإن قلب الميت كالمختوم عليه ومثله ﴿ لقطعنا منه الوتين ﴾ قاله قتادة.
وقال مجاهد ومقاتل: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يدخل قلبك حزن مما قالوه.
ثم استأنف فقال ﴿ ويمح الله الباطل ﴾ أي من عادته ذلك فلو كان محمد مبطلاً لفضحه وكشف عن باطله، وحذف الواو من الخط لا للجزم كما في قوله ﴿ ويدع الإنسان ﴾ ﴿ سندع الزبانية ﴾ وفي تفسير الجبائي أن الواو حذف للجزم، والمعنى إن افتريت ختم على قلبك ومحا الباطل المفترى، فالاستئناف على هذا من قوله ﴿ ويحق الحق بكلماته ﴾ أي يثبت ما هو الحق في نفسه بوحيه أو بقضائه.
ويجوز أن يكون وعداً لرسول الله بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب ويظهر الحق الذي أنت عليه وهو القرآن بحكمه السابق وبعلمه القديم ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ فيجازي المبطل والمحق على حسب حاليهما وحين وبخهم على البهت والتكذيب ندبهم إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء والآية واضحة مما سلف تارات ولا سيما في أوائل البقرة في توبة آدم.
أما الضمير في قوله ﴿ ويستجيب ﴾ فعائد إلى الله وأصله ويستجيب لهم فحذف الجار، والمراد أنه إذا دعوه استجاب لهم وأعطاهم ما طلبوا وزادهم على مطلوبهم تفضلاً.
وقيل: لا ضمير فيه وإنما الظاهر بعده فاعله.
قال سعيد بن جبير: أراد أن المؤمنين يجيبونه إذا دعاهم.
وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل: ما بالنا ندعو فلا نجاب؟
قال: لأنه دعاكم فلو تجيبوه وقرأ ﴿ والله يدعو إلى دار السلام ويستجيب الذين آمنوا ﴾ وحيث وعد الاستجابة للمؤمنين كان لسائل أن يقول: إنا نرى المؤمن في شدة وبلية وفقر ثم إنه يدعو الله فلا يشاهد أثر الإجابة فلا جرم قال ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ أي ظلم بعضهم بعضاً وعصوا الله.
وهذه ليست بقضية كلية دائمة ولكنها أكثرية، فإن المال معين قوي على تحصيل المطالب ودفع ما لا يلائم النفس، وإذا كانت الآلة موجودة وداعية الشر في طبع الإنسان مجبولة فقلما لا يقع مقتضاه في الخارج وأيضاً إن أكثر الناس إنما يخدم مثله ويتسخره طمعاً في ماله أو جاهه التابع للمال غالباً، فلو تساويا في المال استنكف كل منهما من الانقياد لصاحبه فارتفعت رابطة التعاون وانقطعت سلسلة التمدن، وقيل: إن الآية نزلت في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وأغار بعضهم على بعض ولبعضهم شعر قوم إذا نبت الربيع بأرضهم *** نبتت عداوتهم مع البقل وقال محمد بن جرير: نزلت في أصحاب الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى.
وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي على قدر المصلحة ووفق حال الشخص كقوله ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وحين بين أن حكمته اقتضت عدم توسيع الرزق على كل الخلق أراد أن يبين أنه لا يترك ما يحتاجون إليه وإن بلغ أمرهم إلى حد اليأس والقنوط فقال ﴿ وهو الذي ينزل الغيث ﴾ الآية.
ونشر الرحمة عموم المطر الأرض أو هي عامة في كل رحمة سوى المطر ﴿ وهو الولي ﴾ الذي يتولى أمور عباده ﴿ الحميد ﴾ على كل ما يفعله.
ولا ريب أن هذه من جملة دلائل القدرة فلذلك عطف عليها قوله ﴿ ومن آياته خلق السموات والأرض ﴾ ومحل قوله ﴿ وما بث ﴾ إما مجرور عطفاً على السموات أو مرفوع عطفاً على خلق.
وإنما قال ﴿ فيهما من دابة ﴾ مع أن الدواب في الأرض وحدها لأن الشيء قد ينسب إلى جميع المذكور وإن كان متلبساً ببعضه كما يقال: "بنو فلان فعلوا كذا" ولعله قد فعله واحد منهم فقط.
ويجوز أن يكون للملائكة مع الطيران مشى فيتصفوا بالدبيب كالإنسان، أو يكون في السموات أنواع أخر من الخلائق يدبون كما يدب الحيوان في الأرض.
﴿ وهو على جمعهم ﴾ أي إحيائهم بعد الموت ﴿ إذا يشاء قدير ﴾ وإذا يدخل على الماضي ومعنى الاستقبال في ﴿ يشاء ﴾ يعود إلى تعلق المشيئة لا إلى نفس المشيئة القديمة.
ثم بين حال المكلفين وأن ما يصيبهم من ألم ومكروه وبلاء فهو عقوبة للمعاصي التي اكتسبوها، وأن الله يعفو عن كثير من الذنوب أو الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة رحمة أو استدراجاً.
قال الحسن: أراد إقامة الحدود على المعاصي وأنه لم يجعل لبعض الذنوب حداً.
وقيل: إن هذه في يوم القيامة فإن الدنيا دار تكليف لا دار جزاء.
ولقائل أن يقول: كون الجزاء الأوفى على الإثم مخصوصاً بالقيامة لا ينافي وصول بعض الجزاء إلى المكلف في الدنيا، ولهذا قال علي : هذه أرجى آية للمؤمنين في كتاب الله.
وذلك أنه قسم ذنوب المؤمنين صنفين: صنف يكفره عنهم بالمصائب، وصنف يعفو وهو كريم لا يرجع في عفوه، نعم لو عكست القضية وقيل ما كسبت أيديكم فإنه يصيبكم به ألم وعذاب في الدنيا لكان هذا منافياً لكون الجزاء في الآخرة ولحصول العفو أيضاً.
روي عن علي بن أبي طالب أن النبي قرأ هذه الآية فقال: "ما عفا الله عنه.
فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة وما عاقب عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد عليه العذاب في الآخرة".
قال أهل التناسخ: لولا أن الأطفال والبهائم لهم حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة ما كانوا ليتألموا فإنهم لا ذنوب لهم الآن.
وأجيب بالتزام أنهم لا يتألمون من المصائب والآلام وفيه بعد، وبأن الخطاب في الآية لذوي العقول البالغين، وبأنها في البالغين عقوبة أو زيادة درجة، وفي الأطفال مثوبة لهم أو لوالديهم.
ثم خاطب المشركين بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ الآية ثم ذكر دليلاً آخر قائلاً ﴿ ومن آياته الجواري ﴾ أي السفن الجواري ﴿ في البحر كالأعلام ﴾ أي كالجبال في العظم.
ولا شك أن جريانها بواسطة هبوب الرياح فلذلك قال ﴿ إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ﴾ أي فيصرن واقفة على ظهر ماء البحر ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار ﴾ على البلاء ﴿ شكور ﴾ على الآلاء أو صبار في السفينة شكور إذا خرج منها ﴿ أو ﴾ أن يشأ ﴿ يوبقهن ﴾ أي يهلك السفينة بما فيها بالغرق أو الكسر لعصوف الريح وغيره ﴿ بما كسبوا ﴾ من كفران نعم الله وعصيانه ﴿ ويعف عن كثير ﴾ من الذنوب فلا يجازي عليها في الدنيا ولا في الآخرة.
والحاصل أنه إن يشأ يسكن الريح فتبقى الجواري واقفة على متن البحر، أو أن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم.
من رفع ﴿ ويعلم ﴾ فعلى الاستئناف، ومن نصب فللعطف على تعليل محذوف أي لينتقم منهم ويعلم قاله في الكشاف.
وقال الكوفيون ومنهم الزجاج: النصب بإضمار "أن" لأن قبلها جزاء.
تقول: ما تصنع أصنع وأكرمك.
ووجهه أن هذا في تأويل المصدر المعطوف على مصدر أصنع مقدراً.
ثم استأنف قوله ﴿ ما لهم من محيص ﴾ أي لا مهرب للمجادلين عن عقابه.
ثم رغب المكلفين عن الدنيا وفي الدنيا وفي الآخرة وقد مر نظيره في القصص إلا أنه ذكر ههنا أن هذه الخيرية تحصل للموصوفين بصفات إحداها الإيمان، والثانية التوكل على الرب، والثالثة الاجتناب عن الكبائر والفواحش كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ ﴿ إنما حرم ربي الفواحش ﴾ ومن قرأ ﴿ كبير ﴾ على التوحيد فللجنس، وفسره ابن عباس بالشرك، الرابعة الغفران عند الغضب "وهم" تأكيد للضمير أو مبتدأ ما بعده خبره.
قال بعض العلماء: يحتمل أن يراد بالكبائر ما يتعلق بالبدع والعقائد الفاسدة وهي من فساد القوة العقلية، وبالفواحش فساد القوة الشهوية، وبالأخيرة ما يتعلق بالقوة الغضبية.
قال المفسرون: نزل قوله ﴿ والذين استجابوا لربهم ﴾ في الأنصار دعاهم الله ورسوله إلى التوحيد فأطاعوا ورضوا بقضائه وواظبوا على الصلوات الخمس، وكانوا قبل الإسلام متشاورين في كل أمر دهمهم غير منفردين برأي، والشورى مصدر كالفتيا، والمضاف محذوف أي ذو التشاور.
وليس بين قوله ﴿ هم ينتصرون ﴾ أي ينتقمون وبين قوله ﴿ يغفرون ﴾ منافاة، فإن هذه أخص من الأولى إذ البغي هو الذي يؤدي إلى الفساد ولا يصير عفوه سبباً لتسكين ثائرة الفتنة ولرجوع الجاني عن جنايته، ويجوز أن يتوجه المدح في الانتصار إلى كون المظلوم بحيث يراعي حد الشرع ولا يتجاوزه حتى لو زاد عليه لم يكن منتصراً ولا يستحق المدح، فهذه خمس صفات أخرى للراغبين في الدار الآخرة.
ثم بين أن شرعة الانتصار مشروطة برعاية المماثلة فقال ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ حتى لو قال أخزاه الله لا يزيد في الجواب عليه شيئاً.
وسمى الثاني سيئة ازدواجاً للكلام أو لأن السيئة هي التي يكرهها الإنسان طبعاً كالقصاص والقطع وسائر الحدود.
وقد لا يمكن رعاية المماثلة كما في قتل الأنفس بنفس واحدة أو كقطع الأيدي بواحدة إذا تعاونوا على قطعها ذلك في الفقه.
وإنما عرف ذلك بنص آخر أو بقياس جلي.
ثم حث مع ذلك على العفو والصبر قائلاً ﴿ فمن عفى وأصلح ﴾ ما بينه وبين خصمه بالاغضاء والعفو ﴿ فأجره على الله ﴾ فإن الانتصار حسن في نفسه ولا سيما إذا كان فيه مصلحة دينية كزجر وارتداع إلا أن العفو أحسن لأنه لا يكاد يؤمن في الانتصار والتجاوز عن حد الاعتدال ولهذا حذر منه بقوله ﴿ إنه لا يحب الظالمين ﴾ روي عن النبي : " "إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له أجر على الله فليقم فيقوم خلق فيقال لهم: ما أجركم على الله؟
فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا.
فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله" ثم كرر أن الانتصار لا يؤاخذ به ولا سبيل للوم إليه لئلا يظن أن وعد الأجر على العفو يقتضي قبح الانتصار في نفسه فقال ﴿ ولمن انتصر ﴾ الآية.
وقوله ﴿ بعد ظلمه ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول والباقي واضح إلى قوله ﴿ الأمور ﴾ وإنما أدخل اللام في الخبر خلاف ما في لقمان لأن الصبر على المكروه الذي هو ظلم أشد من الصبر على الذي ليس بظلم، وتكرير الحث على الصبر لمزيد التأكيد أيضاً، ثم ذكر أن الإضلال والهداية التي هي نقيضه إنما تتعلق بمشيئته.
والمعتزلة يتأولون الإضلال بالخذلان أو بالإضلال عن طريق الجنة.
ثم حكى أن الكفار عند معاينة عذاب النار يتمنون الرجعة إلى الدنيا، ثم عقبه بذكر حالهم حين يعرضون على النار.
الخشوع بمعنى الهوان ولهذا علق بقوله ﴿ من الذل ﴾ وقد يعلق بـ ﴿ ينظرون ﴾ أي لهذا السبب يبتدىء نظرهم من تحريك أجفانهم وهو ضعيف فإن الناظر إلى المكاره لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، وقد يفسر الطرف الخفي بمعنى البصيرة بناء على أن الكفار يحشرون عمياً فلا ينظرون إلا بقلوبهم والأكثرون أجابوا عنه فقالوا: لعلهم يكونون في الابتداء هكذا ثم يجعلون عمياً، أو لعل هذا في قوم وذاك في قوم.
ثم حكى قول المؤمنين فيهم ﴿ ويوم القيامة ﴾ ظرف ﴿ لخسروا ﴾ كما في " الزمر" فيحتمل أن يكون قول المؤمنين فيه أو في الدنيا.
وجوز في الكشاف أن يكون ظرفاً لقال.
والنكير الإنكار أي ما لكم من مخلص ولا من قدرة أن تنكروا شيئاً مما دوّن في صحائف أعمالكم أو مالكم من ينكر علينا حتى يغير شيئاً من أحوالكم.
ثم سلى نبيه بقوله ﴿ فإن أعرضوا ﴾ ثم ذكر سبب إصرارهم على عقائدهم الفاسدة وهو الضعف الذي جبل عليه الإنسان من البطر عند الغنى، والفراغ في زمن الصحة، والأمن في زمن الكفران، ونسيان نعم الله عند البلاء.
وإنما جمع قوله ﴿ وإن تصبهم ﴾ لأن الإنسان جنس يشمل أهل الغفلة كلهم.
وقوله ﴿ فإن الإنسان ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير وفائدته التسجيل على أن هذا الجنس من شأنه ذلك إلا إذا أدّب النفس وراضها.
ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ الآية.
والمقصود أن الإنسان لا يغتر بما يملكه من الجاه والمال ولا يعتقد أنه حصل بجد أوجده فيعجب به ويعرض عن طاعة ربه.
ثم ذكر من أقسام تصرفه في ملكه أنه يخص البعض من الحيوان بالأولاد الإناث، والبعض بالذكور، والبعض بالصنفين، والبعض يجعله عديم الولد.
وقدم ذكر الإناث تطييباً لقلوب آبائهن أو لأنهن مكروهات عند العرب فناسب أن يقرن اللفظ الدال عليهن باللفظ الدال على البلاء.
أو لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء الإنسان فكان ذكر الإناث التي هي من جملة ما لا يشاء الإنسان أهم.
وفيه نقل الإنسان من الغم إلى الفرح.
ولا ريب أن هذا أولى من العكس.
وفيه أن الإنسان إذا رضي بالأنثى فإذا أعطاه الذكر علم أنه فضل من الله.
وفيه أن العجز كلما كان أتم كانت عناية الله بحاله أوفر.
ثم أراد أن يتدارك تأخيرهم وهم أحقاء بالتقديم فعرف الذكور لأنه مع رعاية الفاصلة تنويه وتشهير كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام.
ثم قال ﴿ أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ﴾ فأعطى كلا الجنسين حقه.
ونصبهما على الحال، والضمير للأولاد أو على المفعولية، والضمير لمن يشاء أي يجمع لهم كلا الصنفين سواء كانا متساويين في العدد أم لا.
وقيل: معناه أن تلد أولاً غلاماً ثم جارية ثم غلاماً ثم جارية وهكذا قاله مجاهد.
وقيل أن تلد ذكراً وأنثى في بطن واحد قاله ابن الحنفية: وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأنبياء، وهب لشعيب ولوط أناثاً، ولإبراهيم ذكوراً، ولمحمد ذكوراً وهم القاسم والطاهر وعبد الله وإبراهيم، وإناثاً هن فاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم، وجعل يحيى وعيسى عقيماً.
والحق أن هذا التقسيم وإن كان مطابقاً لحال هؤلاء الأنبياء إلا أن في التخصيص ضيق عطن.
وإن صحت الرواية عن ابن عباس فالعبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، وحمل بعض أهل التأويل الإناث على أمور الدنيا والذكور على أمور الآخرة، وتزويج الصنفين على الجامع بين الأمرين، والعقيم على من لا دين له ولا دنيا ثم أكد كمال القدرة بقوله ﴿ وما كان لبشر ﴾ أي وما صح لأحد ﴿ أن يكلمه الله إلا ﴾ على أحد ثلاثة أنحاء: الأول الوحي وهو الإلهام أو المنام كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم في ذبح ولده.
وعن مجاهد أن داود ألهمه الزبور فكتبه حفظاً.
الثاني التكليم بلا واسطة ولكن من وراء حجاب.
والمجسمة استدلوا به على أنه في جهة فإن الاحتجاب لا يصح إلا من ذي جهة ومكان، وأجيب بأن هذا مثل لأنه إذا سمع الصوت ولا يرى الشخص كان بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب كما كلم موسى ويكلم الملائكة.
وقيل: حجاب عن إدراك ذلك الكلام لا المتكلم.
وقيل: حجاب لموضع الكلام.
الثالث أن يرسل رسولاً كجبرائيل فيوحي الملك بإذن الله إلى النبي ما يشاؤه الله.
والأقسام الثلاثة كلها من قبيل الوحي ولكنه جعل الوحي في الآية خاصاً بالأول، وتقدير الكلام: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً أو إلا وحياً أو إسماعاً أو إرسالاً، أو إلا أن يوحى أو يسمع أو يرسل.
ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف بمعنى أو هو يرسل أو على الحال بمعنى مرسلاً عطفاً على ﴿ وحياً ﴾ بمعنى موحياً.
وقيل: الوحي هو الوحي إلى الرسل بواسطة الملائكة، وإرسال الرسل إرسال الأنبياء إلى الأمم، فإن الصحيح عند أهل الحق أن الشيطان لا يقدر على إلقاء الباطل في أثناء الوحي.
وقد يقال: إن توجيه التكليف إلى العبد لا يتم إلا بثلاث مراتب من المعجزات، وذلك أن التسلسل محال فلا بد من سماع الملك كلام الله بلا واسطة.
فالملك يحتاج إلى معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله، وإذا بلغ الملك ذلك الكلام إلى النبي فلا بد للنبي من مشاهدة معجزة تدل على صدقه، وإذا بلغ الرسول لأمته فالأمر كذلك.
وهذا الثالث مشهور متفق عليه، وأما الأولان فعلهما يعرفان بنور الباطن ولا يفتقر إلى المعجزة لا في أول الأمر ولا كل مرة.
قال أهل التصديق: إن الأقسام الثلاثة اجتمعت لنبينا ، لأنه في بدء الإسلام كان يرى الرؤيا الصادقة كفلق الصبح، وسمع الكلام من وراء الحجاب ليلة المعراج، وكان يأتيه جبرائيل إلى آخر عمره فلهذا قال عز من قائل ﴿ وكذلك أوحينا إليك ﴾ ويحتمل أن يراد كما أوحينا إلى سائر الأنبياء أوحينا إليك يعني بالطريق الأكثري وهو القسم الثالث.
ومعنى ﴿ روحاً من أمرنا ﴾ قرآنا من عندنا أو من عالم أمرنا كقوله ﴿ يلقى الروح من أمره ﴾ {غافر:15] و ﴿ ما كنت تدري ﴾ في المهد أو قبل البلوغ أو قبل الوحي ﴿ ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ يعني ما يتعلق بكمال الإيمان مما لا يكفي في معرفته مجرد العقل والنظر ويتوقف على النقل وإذن الشرع.
وقيل: أراد أهل الإيمان يعني من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للقرآن أو الإيمان أولهما جميعاً.
ووحد كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ وهداية الله خاصة.
وهداية النبي عامة وهي الدعوة، وصراط الله دينه، ومصير الكل إليه عبارة عن رجوعهم إلى حيث لا حكم لأحد سواه والله أعلم.
قوله: ﴿ فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أن الله - - أعطى من أعطى هذه النعم واللذات في هذه الدنيا؛ ليكتسبوا بها نعمة دائمة ولذة باقية، وكذلك ما أعطاهم من السمع، والبصر، وغير ذلك من الحواس؛ ليكتسبوا بها ما يدوم ويبقى، فمن استعمل ما أعطاه من الأموال واللذات مما ذكرنا في غير ما أمر به وجعل سمي: خاسراً عابثاً، وكذلك من استعمل ما أعطاه من الحواس في غير ما جعلت وأمر باستعمالها يسمّى: أصم أبكم أعمى، وكذلك النفس؛ إذ المرء [لم] يكتسب بها حياة دائمة سمي: ميتاً، والله أعلم.
أو أن يقال: إنهم ما أعطوا في هذه الدنيا من اللذات والمتعة إلا ترغيباً فيما أبقى عنده ووعدهم في الآخرة، وكذلك ما امتحنوا من الشدائد والمصائب إلا تحذيراً وترهيباً عما أوعدهم وخوفهم في الآخرة.
ثم قوله: ﴿ فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: تتمتعون به فيفنى ويزول عن سريع وما أبقى، ولم يؤتكم هو الباقي الدائم، ثم بين أن ما أبقى عنده لمن؟
بقوله: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ آمنوا بأن له الدنيا والآخرة، وأن له الخلق والأمر، وأنه بريء عن جميع معاني الخلق ﴿ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ، أي: يكلون أمورهم إلى ربهم، هو مفزعهم ومعتمدهم، لا يفزعون إلى أحد سواه، ولا يعتمدون غيره في جميع أحوالهم.
ثم نعتهم - أيضاً - بما ذكر من الاجتناب عن الكبائر والفواحش فقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ ﴾ جائز أن يكون ما ذكر من كبائر الإثم هي الفواحش، والفواحش هي كبائر الإثم، كل واحد منهما في معنى الآخر، والله أعلم.
وقال بعضهم: كبائر الإثم: أنواع ما بها يصير المرء مشركاً، وهي كبائر الشرك، والفواحش هي التي توجب الحدود في الدنيا.
وقيل: الكبيرة: ما يكبر ويعظم من الذنب، والفاحشة: ما يفحش من العمل، وقد ذكرنا وجوهاً في ذلك فيما تقدم في سورة النساء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ أي: إذا ما غضبوا هم مما يرجع إلى الأموال والأنفس وأمر الدنيا - يغفرون، ويتجاوزون عن ذلك، فأما ما يرجع ذلك الغضب إلى أمر الدين فإنه لا يسع المغفرة عن ذلك، ولكن يجب الرجوع والتوبة إلى الله، والله - - أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ أي: أجابوا لربهم إلى ما دعاهم ربهم، وقد دعاهم إلى دار السلام بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ ﴾ ، لكن جعل لإجابتهم شرائط وأعلاماً فمن وفى بها استوجب الموعود، وهو كقوله - -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ...
﴾ الآية [البقرة: 40]، ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر؛ فعلى ذلك علم إجابتهم لربهم وشرطها ما ذكر من قوله - -: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾ ذكر بعضهم أن الأنصار كانوا يتشاورون فيما بينهم ورسول الله صلى الله عليهم عنهم غائب، فنزل هذا مدحاً لهم على فعلهم.
وذكر عن الحسن أنه تلا هذه الآية: قوله: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾ قال: والله ما شاور قوم قط إلا هداهم الله - - لأفضل ما بحضرتهم.
وأصله: أن الله - جل وعلا - أمر رسوله أن يشاور صحابته حيث قال: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ ﴾ .
وقال الحسن: ما شاور قوم في أمر قط إلا هداهم الله - - لأفضل [ما] بحضرتهم؛ لأن المشاورة اجتماع العقول والأذهان، وإذا اجتمعت كانت إلى استدراك الحق والصواب أسرع وأبلغ مما [لو] انفرد كل عقل بنفسه، والله أعلم.
وقال القتبي: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: يتشاورون فيه.
وقوله: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ : ظاهر.
وقوله -عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ صير المنتصر من الباغي، والغافر لمظلمة من ظلمه جميعاً في الذين استجابوا لربهم إلى ما دعاهم إليه، والمنتصر مستوفي حقٍّ جعل له، والغافر تارك الحق، لكن إذا جعل له الاستيفاء دخل فيما ذكر من المستجيبين لله ، لكن تارك الحق أفضل من مستوفي الحق، وعلى ذلك حث الله - - رسوله بالعفو عن المظلمة وترك الانتصار والمكافأة، وأخبر أنه من عزم الأمور؛ حيث قال: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ .
ويحتمل أن يكون قوله - -: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ راجع إلى الأذى باللسان؛ من نحو الشتيمة، والسب، والذي لا يؤثر في النفس أثرا، حثهم على المغفرة والعفو، ومدحهم على ذلك.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ راجع إلى ما يؤثر في الأنفس والأبدان تأثيراً من الجراحات وغيرها، حثهم على العفو فيما يرجع إلى الأذى باللسان، وألا يكافئوهم على ذلك، وفيما رجع إلى الأنفس والأبدان جعل لهم الاستيفاء والانتصار، وإن كان ترك الاستيفاء والعفو عن الكل أفضل؛ على ما قال: ﴿ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ سمى الثانية: سيئة وإن لم تكن في الحقيقة سيئة؛ لأنها جزاء السيئة؛ فسمّاها باسم الأولى.
أو سماها: سيئة؛ لأنه لو لم تكن الأولى كانت سيئة ثانية - أيضاً - فسماها على ما هو في نفسها من باب الإضرار والضرر - سيئة في نفسه، وإن كان حسناً لغيره، والله أعلم.
ويشبه أن يكون سماها بما ذكر؛ لاختلاف الأحوال: هي عند الذي يقتص منه ويُجَازَى بها سيئة، وتلك الحال عنده سيئة، وهو كقوله - -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ سمى حالة الضيق والشدة: سيئة؛ لأنها عندهم سيئة، وحال السعة والرخاء: حسنة؛ لأنها عندهم حسنة، وإن لم تكن تلك الحال في الحقيقة سيئة، لكنه سماها: سيئة على ما عندهم؛ فعلى ذلك جائز أنه سمى الثانية: سيئة؛ لما هي عند المفعول به سيئة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ هو ما ذكرنا أنه وإن جعل لهم حق الاستيفاء والانتصار، فالعفو عن ذلك أفضل.
ثم فيه دلالة ألا يجمع بين العفو وأخذ البدل إذا لم يكن من الآخر الرضا بذلك؛ لأنه قال: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أخبر أنه إذا عفا عنه يكون أجره على الله فليس له أن يأخذ من المعفو عنه شيئاً، والله أعلم.
فهو ينقض على من يقول بأنه يأخذ البدل من الجاني شاء أو أبى، وأن يعفو عنه ويأخذ البدل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ لأنه لا يحب الظلم، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فمن أخذ ما ليس له أَخْذُه فهو ظالم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ ﴾ أي: أولئك ما عليهم من حجة، أو ما عليهم من تبعة.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ ﴾ إنما الحجة والتبعة على الذين يظلمون الناس ابتداء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ أي: يأخذون من الناس ما ليس لهم أن يأخذوا؛ فالتبعة والحجة عليهم، فأما من يأخذ حقّاً وجب له واستوفاه فلا تبعة عليه ولا حجة.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويفسدون في الأرض ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ أي: من صبر على الأذى والمظلمة وعفا عنها وتجاوز فإن ذلك من عزم الأمور؛ أي: ذلك من تحقيق الأمور وإحكامها.
<div class="verse-tafsir"
فما أُعطيتم -أيها الناس- من مال أو جاه أو ولد، فمتاع الحياة الدنيا وهو زائل منقطع، والنعيم الدائم هو نعيم الجنة الذي أعده الله للذين آمنوا بالله ورسله، وعلى ربهم وحده يعتمدون في جميع أمورهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.ow5l9"