الآية ٥١ من سورة الشورى

الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ٥١ من سورة الشورى

۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًۭا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌۭ ٥١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 119 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥١ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥١ من سورة الشورى عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه مقامات الوحي بالنسبة إلى جناب الله ، عز وجل ، وهو أنه تعالى تارة يقذف في روع النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا لا يتمارى فيه أنه من الله عز وجل ، كما جاء في صحيح ابن حبان ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن روح القدس نفث في روعي : أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب " .

وقوله : ( أو من وراء حجاب ) كما كلم موسى ، عليه السلام ، فإنه سأل الرؤية بعد التكليم ، فحجب عنها .

وفي الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لجابر بن عبد الله : " ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب ، وإنه كلم أباك كفاحا " الحديث ، وكان [ أبوه ] قد قتل يوم أحد ، ولكن هذا في عالم البرزخ ، والآية إنما هي في الدار الدنيا .

وقوله : ( أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ) كما ينزل جبريل [ عليه السلام ] وغيره من الملائكة على الأنبياء ، عليهم السلام ، ( إنه علي حكيم ) ، فهو علي عليم خبير حكيم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) يقول تعالى ذكره: وما ينبغي لبشر من بني آدم أن يكلمه ربه إلا وحيا يوحي الله إليه كيف شاء, أو إلهاما (1) وإما غيره ( أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) يقول: أو يكلمه بحيث يسمع كلامه ولا يراه, كما كلم موسى نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا ) يقول: أو يرسل الله من ملائكته رسولا إما جبرائيل, وإما غيره ( فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ) يقول: فيوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن ربه ما يشاء, يعني: ما يشاء ربه أن يوحيه إليه من أمر ونهي, وغير ذلك من الرسالة والوحي.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله عز وجل: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا ) يوحي إليه ( أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) موسى كلمه الله من وراء حجاب,( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ) قال: جبرائيل يأتي بالوحي.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا ) فيوحي, فقرأته عامة قرّاء الأمصار ( فَيُوحِيَ ) بنصب الياء عطفا على ( يُرْسِلَ ), ونصبوا( يُرْسِلَ ) عطفا بها على موضع الوحي, ومعناه, لأن معناه وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يرسل إليه رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء.

وقرأ ذلك نافع المدني" فَيُوحِي" بإرسال الياء بمعنى الرفع عطفا به على ( يُرْسِلَ ), وبرفع ( يُرْسِلُ ) على الابتداء.

وقوله: ( إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) يقول تعالى ذكره إنه يعني نفسه جلّ ثناؤه: ذو علو على كل شيء وارتفاع عليه, واقتدار.

حكيم: يقول: ذو حكمة في تدبيره خلقه.

------------------------ الهوامش: (1) كذا في الخط ، ولعله إما إلقاء أو إلهاما الخ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم .فيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا سبب ذلك أن اليهود قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه ، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن موسى لن ينظر إليه فنزل قوله : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ، ذكره النقاش والواحدي والثعلبي .

( وحيا ) قال مجاهد : نفث ينفث في قلبه فيكون إلهاما ، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن روح القدس نفث في روعي إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب .

خذوا ما حل ودعوا ما حرم .

أو من وراء حجاب كما كلم موسى .

أو يرسل رسولا كإرساله جبريل عليه السلام .

وقيل : إلا وحيا رؤيا يراها في منامه ، قاله محمد بن زهير .

أو من وراء حجاب كما كلم موسى .

أو يرسل رسولا قال زهير : هو جبريل عليه السلام .

فيوحي بإذنه ما يشاء وهذا الوحي من الرسل خطاب منهم للأنبياء يسمعونه نطقا ويرونه عيانا .

وهكذا كانت حال جبريل - عليه السلام - إذا نزل بالوحي على النبي - صلى الله عليه وسلم .

قال ابن عباس : نزل جبريل - عليه السلام - على كل نبي فلم يره منهم إلا محمد وعيسى وموسى وزكريا عليهم السلام .

فأما غيرهم فكان وحيا إلهاما في المنام .

وقيل : إلا وحيا بإرسال جبريل أو من وراء حجاب كما كلم موسى .

أو يرسل رسولا إلى الناس كافة .

وقرأ الزهري وشيبة ونافع ( أو يرسل رسولا فيوحي ) برفع الفعلين .

الباقون بنصبهما .

فالرفع على الاستئناف ، [ ص: 51 ] أي : وهو يرسل .

وقيل : ( يرسل ) بالرفع في موضع الحال ، والتقدير إلا موحيا أو مرسلا .

ومن نصب عطفوه على محل الوحي ; لأن معناه وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي أو يرسل .

ويجوز أن يكون النصب على تقدير حذف الجار من أن المضمرة .

ويكون في موضع الحال ، التقدير أو بأن يرسل رسولا .

ولا يجوز أن يعطف ( أو يرسل ) بالنصب على ( أن يكلمه ) لفساد المعنى ; لأنه يصير : ما كان لبشر أن يرسله أو أن يرسل إليه رسولا ، وهو قد أرسل الرسل من البشر وأرسل إليهم .الثانية : احتج بهذه الآية من رأى فيمن حلف ألا يكلم رجلا فأرسل إليه رسولا أنه حانث ، لأن المرسل قد سمي فيها مكلما للمرسل إليه ، إلا أن ينوي الحالف المواجهة بالخطاب .

قال ابن المنذر : واختلفوا في الرجل يحلف ألا يكلم فلانا فكتب إليه كتابا أو أرسل إليه رسولا ، فقال الثوري : الرسول ليس بكلام .

وقال الشافعي : لا يبين أن يحنث .

وقال النخعي : والحكم في الكتاب يحنث .

وقال مالك : يحنث في الكتاب والرسول .

وقال مرة : الرسول أسهل من الكتاب .

وقال أبو عبيد : الكلام سوى الخط والإشارة .

وقال أبو ثور : لا يحنث في الكتاب .

قال ابن المنذر : لا يحنث في الكتاب والرسول .قلت : وهو قول مالك .

قال أبو عمر : ومن حلف ألا يكلم رجلا فسلم عليه عامدا أو ساهيا ، أو سلم على جماعة هو فيهم فقد حنث في ذلك كله عند مالك .

وإن أرسل إليه رسولا أو سلم عليه في الصلاة لم يحنث .قلت : يحنث في الرسول إلا أن ينوي المشافهة ، للآية ، وهو قول مالك وابن الماجشون .

وقد مضى في أول ( سورة مريم ) هذا المعنى عن علمائنا مستوفى ، والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما قال المكذبون لرسل الله، الكافرون بالله: { لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ } من كبرهم وتجبرهم، رد الله عليهم بهذه الآية الكريمة، وأن تكليمه تعالى لا يكون إلا لخواص خلقه، للأنبياء والمرسلين، وصفوته من العالمين، وأنه يكون على أحد هذه الأوجه.إما أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ وَحْيًا بأن يلقي الوحي في قلب الرسول، من غير إرسال ملك، ولا مخاطبة منه شفاها.{ أَوْ } يكلمه منه شفاها، لكن { مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } كما حصل لموسى بن عمران، كليم الرحمن.{ أَوْ } يكلمه الله بواسطة الرسول الملكي، فـ { يُرْسِلَ رَسُولًا } كجبريل أو غيره من الملائكة.{ فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ } أي: بإذن ربه، لا بمجرد هواه، { إِنَّهُ } تعالى علي الذات، علي الأوصاف، عظيمها، علي الأفعال، قد قهر كل شيء، ودانت له المخلوقات.

حكيم في وضعه كل شيء في موضعه، من المخلوقات والشرائع.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ) وذلك أن اليهود قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه ؟

فقال : لم ينظر موسى إلى الله - عز وجل - فأنزل الله تعالى : " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " يوحي إليه في المنام أو بالإلهام ، ( أو من وراء حجاب ) يسمعه كلامه ولا يراه ، كما كلمه موسى عليه الصلاة والسلام .

( أو يرسل رسولا ) إما جبريل أو غيره من الملائكة ، ( فيوحي بإذنه ما يشاء ) أي : يوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن الله ما يشاء .

قرأ نافع : " أو يرسل " برفع اللام على الابتداء ، " فيوحي " ساكنة الياء ، وقرأ الآخرون بنصب اللام والياء عطفا على محل الوحي لأن معناه : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يرسل رسولا .

( إنه علي حكيم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا» أن يوحي إليه «وحياً» في المنام أو بإلهام «أو» إلا «من وراء حجاب» بأن يسمعه كلامه ولا يراه كما وقع لموسى عليه السلام «أو» إلا أن «يرسل رسولاً» ملكاً كجبريل «فيوحي» الرسول إلى المرسل إليه أي يكلمه «بإذنه» أي الله «ما يشاء» الله «إنه عليّ» عن صفات المحدثين «حكيم» في صنعه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما ينبغي لبشر من بني آدم أن يكلمه الله إلا وحيًا يوحيه الله إليه، أو يكلمه من وراء حجاب، كما كلَّم سبحانه موسى عليه السلام، أو يرسل رسولا كما ينزل جبريل عليه السلام إلى المرسل إليه، فيوحي بإذن ربه لا بمجرد هواه ما يشاء الله إيحاءه، إنه تعالى عليٌّ بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، قد قهر كل شيء ودانت له المخلوقات، حكيم في تدبير أمور خلقه.

وفي الآية إثبات صفة الكلام لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله وعظيم سلطانه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الطرق التى بها يقع التكليم منه - تعالى - للمختارين من عباده فقال : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ .

.

) .فهذه الآية الكريمة قد دلت على أن تكليم الله - تعالى - للبشر وقع على ثلاثة أوجه :الأول : عن طريق الوحى ، وهو الإِعلام فى خفاء وسرعة عن طريق الإِلقاء فى القلب يقظة أو مناما ، ويشمل الإِلهام والرؤيا المنامية .والوحى مصدر أوحى ، وقد غلب استعماله فيما يلقى للمصطفين الأخيار من الكلمات الإِلهية .والثانى : عن طريق الإِسماع من وراء حجاب ، أى حاجز ، بأن يسمع النبى كلاما دون أن يرى من يكلمه ، كما حدث لموسى .

عليه السلام - عندما كلمه ربه - عز وجل - ، وهذا الطريق هو المقصود بقوله - تعالى - : ( أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ) .والثالث : عن طريق إرسال ملك ، وظيفته أن يبلغ الرسول ما أمره الله بتبليغه له ، وهو المقصود بقوله - تعالى - ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ) .وهذا الطريق الثالث قد وضحه الحديث الذى رواه الإِمام البخارى " عن عائشة - رضى الله عنها - أن الحارث بن هشام ، سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، كيف يأتيك الوحى؟

فقال - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس - " وهو أشد على - أى : أحيانا يأتينى مشابها صوته وقوع الحديد بعضه على بعض - فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكملنى فأعى ما يقول .قالت عائشة : ولقد رأيته - صلى الله عليه وسلم - ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد ، فيصم عنه ، وإن جبينه ليتفصد عرقا .والمعنى : وما صح وما استقام لبشر أن يكلمه الله - تعالى - فى من حال الأحوال إلا موحيا إليه ، أو مسمعا أياه ما يريد إسماعه له من وراء حجاب أو يرسل إليه ملكا ليبلغه ما يريده - سبحانه - منه .وقوله - تعالى - ( إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) تعليل لما قبله ، أى : إنه - سبحانه - متعال عن صفات النقص ، حكيم فى كل أقواله وأفعاله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن كمال قدرته وعلمه وحكمته أتبعه ببيان أنه كيف يخص أنبياءه بوحيه وكلامه وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ وما صح لأحد من البشر ﴿ أَن يُكَلّمَهُ الله ﴾ إلا على أحد ثلاثة أوجه، إما على الوحي وهو الإلهام والقذف في القلب أو المنام كما أوحى الله إلى أم موسى وإبراهيم عليه السلام في ذبح ولده، وعن مجاهد أوحى الله تعالى الزبور إلى داود عليه السلام في صدره، وإما على أن يسمعه كلامه من غير واسطة مبلغ، وهذا أيضاً وحي بدليل أنه تعالى أسمع موسى كلامه من غير واسطة مع أنه سماه وحياً، قوله تعالى: ﴿ فاستمع لِمَا يُوحَى  ﴾ وإما على أن يرسل إليه رسولاً من الملائكة فيبلغ ذلك الملك ذلك الوحي إلى الرسول البشري فطريق الحصر أن يقال وصول الوحي من الله إلى البشر إما أن يكون من غير واسطة مبلغ أو يكون بواسطة مبلغ، وإذا كان الأول هو أن يصل إليه وحي الله لا بواسطة شخص آخر فهاهنا إما أن يقال إنه لم يسمع عين كلام الله أو يسمعه، أما الأول: وهو أنه وصل إليه الوحي لا بواسطة شخص آخر وما سمع عين كلام الله فهو المراد بقوله: ﴿ إِلاَّ وَحْياً ﴾ وأما الثاني: وهو أنه وصل إليه الوحي لا بواسطة شخص آخر ولكنه سمع عين كلام الله فهو المراد من قوله: ﴿ أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ ﴾ وأما الثالث: وهو أنه وصل إليه الوحي بواسطة شخص آخر فهو المراد بقوله: ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء ﴾ واعلم أن كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة وحي، إلا أنه تعالى خصص القسم الأول باسم الوحي، لأن ما يقع في القلب على سبيل الإلهام فهو يقع دفعة فكن تخصيص لفظ الوحي به أولى فهذا هو الكلام في تمييز هذه الأقسام بعضها عن بعض.

المسألة الثانية: القائلون بأن الله في مكان احتجوا بقوله: ﴿ أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ ﴾ وذلك لأن التقدير وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون الله من وراء حجاب، وإنما يصح ذلك لو كان مختصاً بمكان معين وجهة معينة والجواب: أن ظاهر اللفظ وإن أوهم ما ذكرتم إلا أنه دلّت الدلائل العقلية والنقلية على أنه تعالى يمتنع حصوله في المكان والجهة، فوجب حمل هذا اللفظ على التأويل، والمعنى أن الرجل سمع كلاماً مع أنه لا يرى ذلك المتكلم كان ذلك شبيهاً بما إذا تكلم من وراء حجاب، والمشابهة سبب لجواز المجاز.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى لا يرى، وذلك لأنه تعالى حصر أقسام وحيه في هذه الثلاثة ولو صحت رؤية الله تعالى لصح من الله تعالى أنه يتكلم مع العبد حال ما يراه العبد، فحينئذٍ يكون ذلك قسماً رابعاً زائداً على هذه الأقسام الثلاثة، والله تعالى نفى القسم الرابع بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ الله ﴾ إلا على هذه الأوجه الثلاثة والجواب: نزيد في اللفظ قيداً فيكون التقدير وما كان لبشر أن يكلمه الله في الدنيا إلا على أحد هذه الأقسام الثلاثة وحينئذٍ لا يلزم ما ذكرتموه، وزيادة هذا القيد وإن كانت على خلاف الظاهر لكنه يجب المصير إليها للتوفيق بين هذه الآيات وبين الآيات الدالة على حصول الرؤية في يوم القيامة، والله أعلم.

المسألة الرابعة: أجمعت الأمة على أن الله تعالى متكلم، ومن سوى الأشعري وأتباعه أطبقوا على أن كلام الله هو هذه الحروف المسموعة والأصوات المؤلفة، وأما الأشعري وأتباعه فإنهم زعموا أن كلام الله تعالى صفة قديمة يعبر عنها بهذه الحروف والأصوات.

أما الفريق الأول: وهم الذين قالوا كلام الله تعالى هو هذه الحروف والكلمات فهم فريقان أحدهما: الحنابلة الذين قالوا بقدم هذه الحروف وهؤلاء أخس من أن يذكروا في زمرة العقلاء، واتفق أني قلت يوماً لبعضهم لو تكلم الله بهذه الحروف إما أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب والتوالي والأول باطل لأن التكلم بجملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب على هذا التعاقب والتوالي، فوجب أن لا يكون هذا النظم المركب من هذه الحروف المتوالية كلام الله تعالى، والثاني: باطل لأنه تعالى لو تكلم بها على التوالي والتعاقب كانت محدثة، ولما سمع ذلك الرجل هذا الكلام قال لواجب علينا أن نقر ونمر، يعني نقر بأن القرآن قديم ونمر على هذا الكلام على وفق ما سمعناه فتعجبت من سلامة قلب ذلك القائل، وأما العقلاء من الناس فقد أطبقوا على أن هذه الحروف والأصوات كائنة بعد أن لم تكن حاصلة بعد أن كانت معدومة، ثم اختلفت عباراتهم في أنها هل هي مخلوقة، أو لا يقال ذلك، بل يقال إنها حادثة أو يعبر عنها بعبارة أخرى، واختلفوا أيضاً في أن هذه الحروف هل هي قائمة بذات الله تعالى أو يخلقها في جسم آخر، فالأول: هو قول الكرامية والثاني: قول المعتزلة، وأما الأشعرية الذين زعموا أن كلام الله صفة قديمة تدل عليها هذه الألفاظ والعبارات فقد اتفقوا على أن قوله: ﴿ أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ ﴾ هو أن الملك والرسول يسمع ذلك الكلام المنزّه عن الحرف والصوت من وراء حجاب، قالوا وكما لا يبعد أن ترى ذات الله مع أنه ليس بجسم ولا في حيز فأي بعد في أن يسمع كلام الله مع أنه لا يكون حرفاً ولا صوتاً؟

وزعم أبو منصور الماتريدي السمرقندي أن تلك الصفة القائمة يمتنع كونها مسموعة، وإنما المسموع حروف وأصوات يخلقها الله تعالى في الشجرة وهذا القول قريب من قول المعتزلة، والله أعلم.

المسألة الخامسة: قال القاضي هذه الآية تدل على حدوث كلام الله تعالى من وجوه: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ أَن يُكَلّمَهُ الله ﴾ يدل عليه لأن كلمة أن مع المضارع تفيد الاستقبال الثاني: أنه وصف الكلام بأنه وحي لأن لفظ الوحي يفيد أنه وقع على أسرع الوجوه الثالث: أن قوله: ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء ﴾ يقتضي أن يكون الكلام الذي يبلغه الملك إلى الرسول البشر مثل الكلام الذي سمعه من الله والذي يبلغه إلى الرسول البشري حادث، فلما كان الكلام الذي سمعه من الله مماثلاً لهذا الذي بلغه إلى الرسول البشري، وهذا الذي بلغه إلى الرسول البشري حادث ومثل الحادث حادث، وجب أن يقال إن الكلام الذي سمعه من الله حادث الرابع: أن قوله: ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ ﴾ يقتضي كون الوحي حاصلاً بعد الإرسال، وما كان حصوله متأخراً عن حصول غيره كان حادثاً والجواب: أنا نصرف جملة هذه الوجوه التي ذكرتموها إلى الحروف والأصوات ونعترف بأنها حادثة كائنة بعد أن لم تكن وبديهة العقل شاهدة بأن الأمر كذلك، فأي حاجة إلى إثبات هذا المطلوب الذي علمت صحته ببديهة العقل وبظواهر القرآن؟

والله أعلم.

المسألة السادسة: ثبت أن الوحي من الله تعالى، إما أن لا يكون بواسطة شخص آخر، ويمتنع أن يكون كل وحي حاصلاً بواسطة شخص آخر، وإلا لزم إما التسلسل وإما الدور، هما محالان، فلابد من الاعتراف بحصول وحي يحصل لا بواسطة شخص آخر، ثم هاهنا أبحاث: البحث الأول: أن الشخص الأول الذي سمع وحي الله لا بواسطة شخص آخر كيف يعرف أن الكلام الذي سمعه كلام الله، فإن قلنا إنه سمع تلك الصفة القديمة المنزّهة عن كونها حرفاً وصوتاً، لم يبعد أنه إذا سمعها علم بالضرورة كونها كلام الله تعالى، ولم يبعد أن يقال إنه يحتاج بعد ذلك إلى دليل زائد، أما إن قلنا إن المسموع هو الحرف والصوت امتنع أن يقطع بكونه كلاماً لله تعالى، إلا إذا ظهرت دلالة على أن ذلك المسموع هو كلام الله تعالى.

البحث الثاني: أن الرسول إذاسمعه من الملك كيف يعرف أن ذلك المبلغ ملك معصوم لا شيطان مضل؟

والحق أنه لا يمكنه القطع بذلك إلا بناء على معجزة تدل على أن ذلك المبلغ ملك معصوم لا شيطان خبيث، وعلى هذا التقدير، فالوحي من الله تعالى لا يتم إلا بثلاث مراتب في ظهور المعجزات: المرتبة الأولى: أن الملك إذا سمع ذلك الكلام من الله تعالى، فلابد له من معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله تعالى.

المرتبة الثانية: أن ذلك الملك إذا وصل إلى الرسول، لابد له أيضاً من معجزة.

المرتبة الثالثة: أن ذلك الرسول إذا أوصله إلى الأمة، فلابد له أيضاً من معجزة، فثبت أن التكليف لا يتوجه على الخلق إلا بعد وقوع ثلاث مراتب في المعجزات.

البحث الثالث: أنه لا شك أن ملكاً من الملائكة قد سمع الوحي من الله تعالى ابتداء، فذلك الملك هو جبريل، ويقال لعل جبريل سمعه من ملك آخر، فالكل محتمل ولو بألف واسطة، ولو يوجد، ما يدل على القطع بواحد من هذه الوجوه.

البحث الرابع: هل في البشر من سمع وحي الله تعالى من غير واسطة؟

المشهور أن موسى عليه السلام سمع كلام الله من غير واسطة، بدليل قوله تعالى: ﴿ فاستمع لِمَا يُوحَى  ﴾ وقيل إن محمداً صلى الله عليه وسلم سمعه أيضاً لقوله تعالى: ﴿ فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى  ﴾ .

البحث الخامس: أن الملائكة يقدرون على أن يظهروا أنفسهم على أشكال مختلفة، فبتقدير أن يراه الرسول صلى الله عليه وسلم في كل مرة وجب أن يحتاج إلى المعجزة، ليعرف أن هذا الذي رآه في هذه المرة عين ما رآه في المرة الأولى، وإن كان لا يرى شخصه كانت الحاجة إلى المعجزة أقوى، لاحتمال أنه حصل الاشتباه في الصوت، إلا أن الإشكال في أن الحاجة إلى إظهار المعجزة في كل مرة لم يقل به أحد.

المسألة السابعة: دلّت المناظرات المذكورة في القرآن بين الله تعالى وبين إبليس على أنه تعالى كان يتكلم مع إبليس من غير واسطة، فذلك هل يسمى وحياً من الله تعالى إلى إبليس أم لا، الأظهر منعه، ولا بد في هذا الموضع من بحث غامض كامل.

المسألة الثامنة: قرأ نافع ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾ برفع اللام، فيوحي بسكون الياء ومحله رفع على تقدير، وهو يرسل فيوحي، والباقون بالنصب على تأويل المصدر، كأنه قيل ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً إو إسماعاً لكلامه من وراء حجاب أو يرسل، لكن فيه إشكال لأن قوله وحياً أو إسماعاً اسم وقوله: ﴿ أَوْ يُرْسِلَ ﴾ فعل، وعطف الفعل على الاسم قبيح، فأجيب عنه بأن التقدير: وما كان لبشر أن يكلمه إلا أن يوحي إليه وحياً أو يسمع إسماعاً من وراء حجاب أو يرسل رسولاً.

المسألة التاسعة: الصحيح عند أهل الحق أن عندما يبلغ الملك الوحي إلى الرسول، لا يقدر الشيطان على إلقاء الباطل في أثناء ذلك الوحي، وقال بعضهم: يجوز ذلك لقوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته  ﴾ وقالوا الشيطان ألقى في أثناء سورة النجم، تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى، وكان صديقنا الملك سام بن محمد رحمه الله، وكان أفضل من لقيته من أرباب السلطنة يقول هذا الكلام بعد الدلائل القوية القاهرة، باطل من وجهين آخرين الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بصورتي».

فإذا لم يقدر الشيطان على أن يتمثل في المنام بصورة الرسول، فكيف قدر على التشبه بجبريل حال اشتغال تبليغ وحي الله تعالى؟

والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما سلك عمر فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً آخر».

فإذا لم يقدر الشيطان أن يحضر مع عمر في فج واحد، فكيف يقدر على أن يحضر مع جبريل في موقف تبليغ وحي الله تعالى؟.

المسألة العاشرة: قوله تعالى: ﴿ فيوحي بإذنه ما يشاء ﴾ يعني فويحي ذلك الملك بإذن الله ما يشاء الله، وهذا يقتضي أن الحسن لا يحسن لوجه عائد عليه، وأن القبيح لا يقبح لوجه عائد إليه، بل لله أن يأمر بما يشاء من غير تخصيص، وأن ينهى عما يشاء من غير تخصيص، إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما صح قوله: ﴿ مَا يَشَاء ﴾ والله أعلم.

ثم قال تعالى في آخر الآية ﴿ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ يعني أنه علي عن صفات المخلوقين حكيم يجري أفعاله على موجب الحكمة، فيتكلم تارة بغير واسطة على سبيل الإلهام، وأخرى بإسماع الكلام، وثالثاً بتوسيط الملائكة الكرام، ولما بيّن الله تعالى كيفية أقسام الوحي إلى الأنبياء عليهم السلام، قال: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا ﴾ والمراد به القرآن وسماه روحاً، لأنه يفيد الحياة من موت الجهل أو الكفر.

ثم قال تعالى: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ﴾ واختلف العلماء في هذه الآية مع الإجماع على أنه لا يجوز أن يقال الرسل كانوا قبل الوحي على الكفر، وذكروا في الجواب وجوهاً الأول: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب ﴾ أي القرآن ﴿ وَلاَ الإيمان ﴾ أي الصلاة، لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم  ﴾ أي صلاتكم الثاني: أن يحمل هذا على حذف المضاف، أي ما كنت تدري ما الكتاب ومن أهل الإيمان، يعني من الذي يؤمن، ومن الذي لا يؤمن الثالث: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان حين كنت طفلاً في المهد الرابع: الإيمان عبارة عن الإقرار بجميع ما كلف الله تعالى به، وإنه قبل النبوّة ما كان عارفاً بجميع تكاليف الله تعالى، بل إنه كان عارفاً بالله تعالى، وذلك لا ينافي ما ذكرناه الخامس: صفات الله تعالى على قسمين: منها ما يمكن معرفته بمحض دلائل العقل، ومنها ما لا يمكن معرفته إلا بالدلائل السمعية.

فهذا القسم الثاني لم تكن معرفته حاصلة قبل النبوّة.

ثم قال تعالى: ﴿ ولكن جعلناه نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ﴾ واختلفوا في الضمير في قوله: ﴿ ولكن جعلناه ﴾ منهم من قال إنه راجع إلى القرآن دون الإيمان لأنه هو الذي يعرف به الأحكام، فلا جرم شبه بالنور الذي يهتدي به، ومنهم من قال إنه راجع إليهما معاً، وحسن ذلك لأن معناهما واحد كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا  ﴾ .

ثم قال: ﴿ نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى بعد أن جعل القرآن نفسه في نفسه هدىً كما قال: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ فإنه قد يهدي به البعض دون البعض وهذه الهداية ليست إلا عبارة عن الدعوة وإيضاح الأدلة لأنه تعالى قال في صفة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ وهو يفيد العموم بالنسبة إلى الكل وقوله: ﴿ نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ يفيد الخصوص فثبت أن الهداية بمعنى الدعوة عامة والهداية في قوله: ﴿ نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ خاصة والهداية الخاصة غير الهداية العامة فوجب أن يكون المراد من قوله: ﴿ نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ أمراً مغايراً لإظهار الدلائل ولإزالة الأعذار، ولا يجوز أيضاً أن يكون عبارة عن الهداية إلى طريق الجنّة لأنه تعالى قال: ﴿ ولكن جعلناه نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ أي جعلنا القرآن نوراً نهدي به من نشاء، وهذا لا يليق إلا بالهداية التي تحصل في الدنيا، وأيضاً فالهداية إلى الجنّة عندكم في حق البعض واجب، وفي حق الآخرين محظور، وعلى التقديرين فلا يبقى لقوله: ﴿ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ فائدة، فثبت أن المراد أنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء ولا اعتراض عليه فيه.

ثم قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ فبيّن تعالى أنه كما أن القرآن يهدي فكذلك الرسول يهدي، وبيّن أنه يهدي إلى صراط مستقيم وبيّن أن ذلك الصراط هو ﴿ صراط الله الذي لَهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ نبّه بذلك على أن الذي تجوز عبادته هو الذي يملك السموات والأرض، والغرض منه إبطال قول من يعبد غير الله.

ثم قال: ﴿ أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ الأمور ﴾ وذلك كالوعيد والزجر، فبيّن أن أمر من لا يقبل هذه التكاليف يرجع إلى الله تعالى، أي إلى حيث لا حاكم سواه فيجازي كلاً منهم بما يستحقه من ثواب أو عقاب.

قال رضي الله عنه: تمّ تفسير هذه السورة آخر يوم الجمعة الثامن من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة، يا مدبر الأمور، ويا مدهر الدهور ويا معطي كل خير وسرور، ويا دافع البلايا والشرور، أوصلنا إلى منازل النور، في ظلمات القبور، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ وما صح لأحد من البشر ﴿ أَن يُكَلّمَهُ الله إِلاَّ ﴾ على ثلاثة أوجه: إما على طريق الوحي وهو الإلهام والقذف في القلب أو المنام، كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم عليه السلام في ذبح ولده.

وعن مجاهد: أوحى الله الزبور إلى داود عليه السلام في صدره.

قال عبيد بن الأبرص: وَأَوْحَى إِليَّ اللَّهُ أَنْ قَدْ تَأَمَّرُوا ** بِإِبْلِ أَبِي أَوْفَى فَقُمْتُ عَلَى رِجْلِ أي: ألهمني وقذف في قلبي.

وإما على أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام، من غير أن يبصر السامع من يكلمه، لأنه في ذاته غير مرئي.

وقوله: ﴿ مِن وَرآىءِ حِجَابٍ ﴾ مثل أي، كما يكلم الملك المحتجب بعض خواصه وهو من وراء الحجاب، فيسمع صوته ولا يرى شخصه، وذلك كما كلم موسى ويكلم الملائكة.

وإما على أن يرسل إليه رسولاً من الملائكة فيوحى الملك إليه كما كلم الأنبياء غير موسى.

وقيل: وحيا كما أوحى إلى الرسل بواسطة الملائكة ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾ أي نبيناً كما كلم أمم الأنبياء على ألسنتهم.

ووحيا، وأن يرسل: مصدران واقعان موقع الحال؛ لأنّ أن يرسل، في معنى إرسالاً.

ومن وراء حجاب: ظرف واقع موقع الحال أيضاً، كقوله تعالى: ﴿ وعلى جُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: 191] والتقدير: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً، أو مسمعاً من وراء حجاب، أو مرسلاً.

ويجوز أن يكون: وحياً، موضوعاً موضع: كلاماً؛ لأنّ الوحي كلام خفي في سرعة، كما تقول: لا أكلمه إلا جهراً وإلا خفاتا؛ لأنّ الجهر والخفات ضربان من الكلام، وكذلك: رسالآ جعل الكلام على لسان الرسول بغير واسطة تقول: قلت لفلان كذا، وإنما قاله وكيلك أو رسولك.

وقوله: ﴿ أَوْ مِن وَرَآىءِ حِجَابٍ ﴾ معناه: أو إسماعاً من وراء حجاب؛ ومن جعل (وحيا) في معنى: أن يوحي، وعطف يرسل عليه، على معنى ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً ﴾ أي: إلا بأن يوحي.

أو بأن يرسل، فعليه أن يقدر قوله: ﴿ أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ ﴾ تقديراً يطابقهما عليه، نحو: أو أن يسمع من وراء حجاب.

وقرئ ﴿ أو يرسل رسولاً فيوحى ﴾ بالرفع، على: أو هو رسل.

أو بمعنى مرسلاً عطفاً على وحيا في معنى موحياً.

وروى أنّ اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبياً كما كلمه موسى ونظر إليه، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك، فقال: لم ينظر موسى إلى الله، فنزلت.

وعن عائشة رضي الله عنها: من زعم أنّ محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ثم قالت: أو لم تسمعوا ربكم يقول: فتلت هذه الآية: ﴿ إِنَّهُ عَلِىٌّ ﴾ عن صفات المخلوقين ﴿ حَكِيمٌ ﴾ يجري أفعاله على موجب الحكمة، فيكلم تارة بواسطة، وأخرى بغير واسطة: إما إلهاماً، وإما خطاباً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ وما صَحَّ لَهُ.

﴿ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا ﴾ كَلامًا خَفِيًّا يُدْرَكُ لِأنَّهُ بِسُرْعَةِ تَمْثِيلٍ لَيْسَ في ذاتِهِ مُرَكَّبًا مِن حُرُوفٍ مُقَطَّعَةٍ تَتَوَقَّفُ عَلى تَمَوُّجاتٍ مُتَعاقِبَةٍ، وهو ما يَعُمُّ المُشافَهَ بِهِ كَما رُوِيَ في حَدِيثِ المِعْراجِ، وما وُعِدَ بِهِ في حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ والمُهْتَفَ بِهِ كَما اتُّفِقَ لِمُوسى في طُوًى والطُّورِ، ولَكِنَّ عَطْفَ قَوْلِهِ: ﴿ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ عَلَيْهِ يَخُصُّهُ بِالأوَّلِ فالآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الرُّؤْيَةِ لا عَلى امْتِناعِها.

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الإلْهامُ والإلْقاءُ في الرَّوْعِ أوِ الوَحْيُ المُنَزَّلُ بِهِ المَلَكُ إلى الرُّسُلِ فَيَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ ﴾ أوْ يُرْسِلَ إلَيْهِ نَبِيًّا فَيُبَلِّغَ وحْيَهُ كَما أمَرَهُ، وعَلى الأوَّلِ المُرادُ بِالرَّسُولِ المَلَكُ المُوحِي إلى الرُّسُلِ، ووَحْيًا بِما عَطْفٌ عَلَيْهِ مُنْتَصِبٌ بِالمَصْدَرِ لِأنَّ مِن وراءِ حِجابٍ صِفَةُ كَلامٍ مَحْذُوفٍ والإرْسالُ نَوْعٌ مِنَ الكَلامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وحْيًا ويُرْسِلَ مَصْدَرَيْنِ ومِن وراءِ حِجابٍ ظَرْفًا وقَعَتْ أحْوالًا، وقَرَأ نافِعٌ أوْ يُرْسِلُ بِرَفْعِ اللّامِ.

﴿ إنَّهُ عَلِيٌّ ﴾ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ يَفْعَلُ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ فَيُكَلِّمُ تارَةً بِوَسَطٍ، وتارَةً بِغَيْرِ وسَطٍ إمّا عِيانًا وإمّا مِن وراءِ حِجابٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ} وما صح لأحد من البشر {أَن يُكَلّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً}

أي الهاما كما روى نفث فى زوعى أو رؤيا في المنام كقوله عليه السلام رؤيا الأنبياء وحي وهو كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح الولد {أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} أي يسمع كلاماً من الله كما سمع موسى عليه السلام من غير أن يبصر السامع من يكلمه وليس المراد به حجاب الله تعالى لان الله تعالى لا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام من الحجاب ولكن المراد به ان لاسامع محجوب عن الرؤية في الدنيا {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} أي يرسل ملكاً {فَيُوحِىَ} أي الملك اليه قيل وحيا كما اوحى الى الرسل

الشورى (٥٣ - ٥١)

الزخرف (٣ - ١)

سورة الزخرف

بسم الله الرحمن الرحيم

{حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا}

بواسطة الملائكة أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً أي نبياً كما كلم امم الانبياء على السنتهم ووحيا وان يُرْسِلَ مصدران واقعان موقع الحال لأن أَن يرسل في معنى ارسالا ومن وَرَاء حِجَابٍ ظرف واقع موقع الحال كقوله وعلى جنوبهم والتقدير وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً ويجوز أن يكون المعنى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا بأن يوحي أو أن يسمع من وراء حجاب أو أن يرسل رسولاً وهو اختيار الخليل أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بالرفع نافع على تقدير أو هو يرسل {بِإِذْنِهِ} إذن الله {مَا يَشَآءُ} من الوحي {إِنَّهُ عَلِىٌّ} قاهر فلا يمانع {حَكِيمٌ} مصيب في أقواله وأفعاله فلا يعارض

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ أيْ ما صَحَّ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ اَلْبَشَرِ.

﴿ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ ﴾ ظاهِرُهُ حَصْرُ اَلتَّكْلِيمِ في ثَلاثَةِ أقْسامٍ.

اَلْأوَّلُ اَلْوَحْيُ وهو اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا وحْيًا ﴾ وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالإلْقاءِ في اَلْقَلْبِ سَواءٌ كانَ في اَلْيَقَظَةِ أوْ في اَلْمَنامِ والإلْقاءُ أعَمُّ مِنَ اَلْإلْهامِ فَإنَّ إيحاءَ أُمِّ مُوسى إلْهامٌ وإيحاءُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ إلْقاءٌ في اَلْمَنامِ ولَيْسَ إلْهامًا وإيحاءُ اَلزَّبُورِ إلْقاءٌ في اَلْيَقَظَةِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ ولَيْسَ بِإلْهامٍ والفَرْقُ أنَّ اَلْإلْهامَ لا يَسْتَدْعِي صُورَةَ كَلامٍ نَفْسانِيٍّ فَقَدْ وقَدْ وأمّا اَللَّفْظِيُّ فَلا، وأمّا نَحْوُ إيحاءِ اَلزَّبُورِ فَيَسْتَدْعِيهِ، وقَدْ جاءَ إطْلاقُ اَلْوَحْيِ عَلى اَلْإلْقاءِ في اَلْقَلْبِ في قَوْلِ عُبَيْدِ بْنِ اَلْأبْرَصِ: وأوْحى إلَيَّ اَللَّهُ أنْ قَدْ تَأمَّرُوا بِإبْلِ أبِي أوْفى فَقُمْتُ عَلى رِجْلِي فَإنَّهُ أرادَ قَذَفَ في قَلْبِي.

والثّانِي إسْماعُ اَلْكَلامِ مِن غَيْرِ أنْ يُبْصِرَ اَلسّامِعُ مَن يُكَلِّمُهُ كَما كانَ لِمُوسى وكَذا اَلْمَلائِكَةُ اَلَّذِينَ كَلَّمَهُمُ اَللَّهُ تَعالى في قَضِيَّةِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ونَحْوُهم وهو اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ فَإنَّهُ تَمْثِيلٌ لَهُ سُبْحانَهُ بِحالِ اَلْمَلِكِ اَلْمُتَحَجِّبِ اَلَّذِي يُكَلِّمُ بَعْضَ خَواصِّهِ مِن وراءِ حِجابٍ يَسْمَعُ صَوْتَهُ ولا يَرى شَخْصَهُ.

والثّالِثُ إرْسالُ اَلْمَلَكِ كالغالِبِ مِن حالِ نَبِيِّنا صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو حالُ كَثِيرٍ مِنَ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، وزَعْمُ أنَّهُ مِن خُصُوصِيّاتِ أُولِي اَلْعَزْمِ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ غَيْرُ صَحِيحٍ وهو اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا ﴾ أيْ مَلَكًا ﴿ فَيُوحِيَ ﴾ ذَلِكَ اَلرَّسُولُ إلى اَلْمُرْسَلِ إلَيْهِ اَلَّذِي هو اَلرَّسُولُ اَلْبَشَرِيُّ ﴿ بِإذْنِهِ ﴾ أيْ بِأمْرِهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ما يَشاءُ ﴾ أنْ يُوحِيَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اَلْمُرادَ مِنَ اَلْأوَّلِ اَلْوَحْيُ مِنَ اَللَّهِ تَعالى بِلا واسِطَةٍ لِأنَّ إرْسالَ اَلرَّسُولِ جُعِلَ فِيهِ إيحاءُ ذَلِكَ اَلرَّسُولِ، وبَنى اَلْمُعْتَزِلِيُّ عَلى هَذا اَلْحَصْرِ أنَّ اَلرُّؤْيَةَ غَيْرُ جائِزَةٍ لِأنَّها لَوْ صَحَّتْ لَصَحَّ اَلتَّكْلِيمُ مُشافَهَةً فَلَمْ يَصِحَّ اَلْحَصْرُ، وقالَ بَعْضٌ: اَلْمُرادُ حَصْرُ اَلتَّكْلِيمِ في اَلْوَحْيِ بِالمَعْنى اَلْمَشْهُورِ والتَّكْلِيمِ مِن وراءِ حِجابٍ وتَكْلِيمِ اَلرُّسُلِ اَلْبَشَرِيِّينَ مَعَ أُمَمِهِمْ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّ اَلْعُرْفَ لَمْ يَطَّرِدْ في تَسْمِيَةِ ذَلِكَ إيحاءً، وقالَ اَلْقاضِي إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ إلا وحْيًا ﴾ مَعْناهُ إلّا كَلامًا خَفِيًّا يُدْرَكُ بِسُرْعَةٍ ولَيْسَ في ذاتِهِ مُرَكَّبًا مِن حُرُوفٍ مُقَطَّعَةٍ وهو ما يَعُمُّ اَلْمُشافَهَةَ كَما رُوِيَ في حَدِيثِ اَلْمِعْراجِ وما وعَدَ بِهِ في حَدِيثِ اَلرُّؤْيَةِ والمَهْتِفِ بِهِ كَما اِتَّفَقَ لِمُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلطُّورِ لَكِنْ عَطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ عَلَيْهِ يَخُصُّهُ بِالأوَّلِ فالآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ اَلرُّؤْيَةِ لا عَلى اِمْتِناعِها، وإلى اَلْأوَّلِ ذَهَبَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ وانْتَصَرَ لَهُ صاحِبُ اَلْكَشْفِ عَفا اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: وأمّا نَحْنُ فَنَقُولُ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ عَلى اَلتَّعْمِيمِ يَقْتَضِي اَلْحَصْرَ بِوَجْهٍ لا يَخُصُّ اَلتَّكَلُّمَ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ ويَدْخُلُ فِيهِ خِطابُ مَرْيَمَ وما كانَ لِأُمِّ مُوسى وما يَقَعُ لِلْمُحَدِّثِينَ مِن هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وغَيْرِهِمْ فَحَمْلُ اَلْوَحْيِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ اَلزَّمَخْشَرِيُّ أوْلى.

ثُمَّ إنَّهُ يَلْزَمُ اَلْقاضِيَ أنْ لا يَكُونَ ما وقَعَ مِن وراءِ حِجابٍ وحْيًا لا أنَّهُ يُخَصِّصُهُ لِأنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِكَ: ما كانَ لَكَ أنْ تُنْعِمَ إلّا عَلى اَلْمَساكِينِ وزَيْدٍ، نَعَمْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ زَيْدٌ داخِلًا فِيهِمْ عَلى نَحْوِ ”مَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ“ وهَذا يَضُرُّ اَلْقاضِيَ لِاقْتِضائِهِ أنْ يَكُونَ هَذا اَلْقِسْمُ أعْنِي ما وقَعَ مِن وراءِ حِجابٍ أعْلى اَلْمَراتِبِ فَلا يَكُونُ اَلثّانِي هو اَلْمُشافَهَةَ، وتَقْدِيرُ إلّا وحْيًا مِن غَيْرِ حِجابٍ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ خِلافُ اَلظّاهِرِ وفِيهِ فَكٌّ لِلنَّظْمِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ يُرْسِلَ ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا وحْيًا ﴾ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ اَلظّاهِرِ.

وعَلى هَذا يَفْسُدُ ما بُنِيَ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ اَلتَّنَزُّلِ مِنَ اَلْقِسْمِ اَلْأعْلى إلى ما دُونَهُ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ اَلرُّؤْيَةِ فَضْلًا عَنْ جَوازِهِ بَلْ دَلَّ عَلى أنَّها لَوْ وقَعَتْ لَمْ يَكُنْ مَعَها اَلْمُكالَمَةُ وذَلِكَ هو اَلصَّحِيحُ لَأنَّ اَلرُّؤْيَةَ تَسْتَدْعِي اَلْفَناءَ والبَقاءَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ وهو يَقْتَضِي رَفْعَ حِجابِ اَلْمُخاطَبِ اَلْمُسْتَدْعِي كَوْنًا وُجُودِيًّا ثُمَّ اَلْكامِلُ لَتَوَفَّيْتِهِ حَقَّ اَلْمَقاماتِ اَلْكُبْرى يَكُونُ اَلْمُحْتَظى مِنهُ بِالشُّهُودِ في مَقامِ اَلْبَقاءِ اَلْمَذْكُورِ ومَعَ ذَلِكَ لا يَمْنَعُهُ عَنْ حَظِّهِ مِن سَماعِ اَلْخِطابِ لِأنَّهُ حَظُّ اَلْقَلْبِ اَلْمَحْجُوبِ عَنْ مَقامِ اَلشُّهُودِ، والمَقْصُودُ أنَّ اَلَّذِي يَصِحُّ ذَوْقًا ونَقْلًا وعَقْلًا كَوْنُ اَلْخِطابِ مِن وراءِ حِجابٍ اَلْبَتَّةَ وهو صَحِيحٌ لَكِنْ لا يَنْفَعُ مُنْكِرَ اَلرُّؤْيَةِ ولا مُثْبِتَها، وأمّا سُؤالُ اَلتَّرَقِّي في اَلْأقْسامِ فالجَوابُ عَنْهُ أنَّ اَلتَّرَقِّيَ حاصِلٌ بَيْنَ اَلْأوَّلِ والثّانِي اَلَّذِي لَهُ سُمِّيَ اَلْكِلِيمُ كَلِيمًا، وأمّا اَلثّالِثُ فَلَمّا كانَ تَكْلِيمًا مَجازِيًّا أُخِّرَ عَنِ اَلْقِسْمَيْنِ ولَمْ يُنْظَرْ إلى أنَّهُ أشْرَفُ مِنَ اَلْقِسْمِ اَلْأوَّلِ فَإنَّ ذَلِكَ اَلْأمْرَ غَيْرُ راجِعٍ إلى اَلتَّكْلِيمِ بَلْ لِأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ اِنْتَهى.

وتُعُقِّبَ ما اِعْتُرِضَ بِهِ عَلى اَلْقاضِي بِأنَّهُ لا يَرِدُ لِأنَّ اَلْوَحْيَ بِذَلِكَ اَلْمَعْنى بِالتَّخْصِيصِ اَلْمَذْكُورِ والتَّقْيِيدِ اَلْمَأْخُوذِ مِنَ اَلتَّقابُلِ صارَ مُغايِرًا لِما بَعْدَهُ ولَيْسَ مِن شَيْءٍ مِنَ اَلْقَبِيلَيْنِ حَتّى يَذْهَبَ إلى اَلتَّرَقِّي أوِ اَلتَّدَلِّي لِأنَّهُ لا يُعْطَفُ بَأوْ بَلْ بِالواوِ كَما لا يَخْفى، ولُزُومُ أنْ لا يَكُونَ اَلْواقِعُ مِن وراءِ حِجابٍ وحْيًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأنَّهُ إنْ أرادَ أنْ لا يَكُونَ وحْيًا مُطْلَقًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَهُ: فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ اَلْمُرادَ بِالوَحْيِ اَلسّابِقِ وحْيٌ مَخْصُوصٌ كاَلَّذِي بَعْدَهُ وإنْ أرادَ أنَّهُ لا يَكُونُ مِنَ اَلْوَحْيِ اَلْمَخْصُوصِ اَلسّابِقِ فَلا يَضُرُّهُ لِأنَّهُ عَيَّنَ ما عَناهُ، نَعَمِ اَلْحَصْرُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ اَلْقاضِي غَيْرُ ظاهِرٍ إلّا بَعْدَ مُلاحَظَةِ أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِما كانَ بِالكَلامِ فَتَدَبَّرْ، والظّاهِرُ أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْها حَمَلَتِ اَلْآيَةَ عَلى نَحْوِ ما حَمَلَها اَلْمُعْتَزِلَةُ، أخْرَجَ اَلْبُخارِيُّ.

ومُسْلِمٌ.

واَلتِّرْمِذِيُّ عَنْها أنَّها قالَتْ: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا رَأى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأتْ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارُ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ .

﴿ وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أكْثَرَ اَلْعُلَماءِ عَلى أنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ لَيْلَةَ اَلْإسْراءِ لِكَثْرَةِ اَلرِّواياتِ اَلْمُصَرِّحَةِ بِالرُّؤْيَةِ نَعَمْ لَيْسَ فِيها اَلتَّصْرِيحُ بِأنَّها بِالعَيْنِ لَكِنَّ اَلظّاهِرَ مِنَ اَلرُّؤْيَةِ كَوْنُها بِها، والمَرْوِيُّ عَنِ اَلْأشْعَرِيِّ وجَمْعٍ مِنَ اَلْمُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ كَلَّمَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ تِلْكَ اَللَّيْلَةَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ ويُعْزى ذَلِكَ إلى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْباقِرِ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم وهو اَلظّاهِرُ لِلْأحادِيثِ اَلصِّحاحِ في مُرادَّةِ اَلصَّلاةِ واسْتِقْرارِ اَلْخَمْسِينَ عَلى اَلْخَمْسِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وعائِشَةُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْها لَمْ تَنْفِ اَلرُّؤْيَةَ إلّا اِعْتِمادًا عَلى اَلِاسْتِنْباطِ مِنَ اَلْآياتِ ولَوْ كانَ مَعَها خَبَرٌ لَذَكَرَتْهُ، واحْتِجاجُها بِما ذُكِرَ مِنَ اَلْآياتِ غَيْرُ تامٍّ، أمّا عَدَمُ تَمامِيَّةِ اِحْتِجاجِها بِآيَةِ لا تُدْرِكُهُ اَلْأبْصارُ فَمَشْهُورٌ، وأمّا عَدَمُ تَمامِيَّةِ اَلِاحْتِجاجِ بِالآيَةِ اَلثّانِيَةِ فَلِما سَمِعْتُ عَنْ صاحِبِ اَلْكَشْفِ قُدِّسَ سِرُّهُ، وقالَ اَلْخَفاجِيُّ بَعْدَ تَقْرِيرِ اَلِاحْتِجاجِ بِأنَّهُ تَعالى حَصَرَ تَكْلِيمَهُ سُبْحانَهُ لِلْبَشَرِ في اَلثَّلاثَةِ: فَإذا لَمْ يَرَهُ جَلَّ وعَلا مَن يُكَلِّمُهُ سُبْحانَهُ في وقْتِ اَلْكَلامِ لَمْ يَرَهُ عَزَّ وجَلَّ في غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ اَلْأوْلى وإذا لَمْ يَرَهُ تَعالى هو أصْلًا لَمْ يَرَهُ سُبْحانَهُ غَيْرُهُ إذْ لا قائِلَ بِالفَصْلِ، وقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ في اَلْأُصُولِ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اَلْمُرادُ حَصْرَ اَلتَّكْلِيمِ في اَلدُّنْيا في هَذِهِ اَلثَّلاثَةِ أوْ نَقُولُ يَجُوزُ أنْ تَقَعَ اَلرُّؤْيَةُ حالَ اَلتَّكْلِيمِ وحْيًا إذِ اَلْوَحْيُ كَلامٌ بِسُرْعَةٍ وهو لا يُنافِي اَلرُّؤْيَةَ اِنْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ اَلْجَوابَ اَلْأوَّلَ لا يَنْفَعُ فِيما نَحْنُ بِصَدَدِهِ إلّا بِالتِزامِ أنَّ ما وقَعَ لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ تِلْكَ اَللَّيْلَةَ لا يُعَدُّ تَكْلِيمًا في اَلدُّنْيا عَلى ما ذَكَرَهُ اَلشَّرْنَبْلالِيُّ في إكْرامِ أُولِي اَلْألْبابِ لِأنَّهُ كانَ في اَلْمَلَكُوتِ اَلْأعْلى وأنَّهُ يُسْتَفادُ مِن كَلامِ صاحِبِ اَلْكَشْفِ مَنعٌ ظاهِرٌ لِلشَّرْطِيَّةِ في وجْهِ اَلِاسْتِدْلالِ اَلَّذِي قَرَّرَهُ، وبَعْضُهم أجابَ بِأنَّ اَلْعالَمَ مُخَصَّصٌ بِغَيْرِ ما دَلِيلٍ وفي اَلْبَحْرِ قِيلَ «(قالَتْ قُرَيْشٌ: ألا تُكَلِّمُ اَللَّهَ تَعالى وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا كَما كَلَّمَ جَلَّ وعَلا مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (لَمْ يَنْظُرْ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ إلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَنَزَلَتْ ﴿ وما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ اَلْآيَةَ)» وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ اَلْآيَةَ لَمْ تَتَضَمَّنِ اَلتَّكْلِيمَ اَلشِّفاهِيَّ مَعَ اَلرُّؤْيَةِ وكَذا ما فِيهِ أيْضًا كانَ مِنَ اَلْكُفّارِ خَوْضٌ في تَكْلِيمِ اَللَّهِ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَذَهَبَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ في ذَلِكَ إلى اَلتَّجْسِيمِ فَنَزَلَتْ فَإنَّ عَدَمَ تَضَمُّنِها ذَلِكَ أدْفَعُ لِتَوَهُّمِ اَلتَّجْسِيمِ، وبِالجُمْلَةِ اَلَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي ما قالَهُ صاحِبُ اَلْكَشْفِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ اَلْآيَةَ لا تَنْفَعُ مُنْكِرَ اَلرُّؤْيَةِ ولا مُثْبِتَها وما ذُكِرَ مِن سَبَبِ اَلنُّزُولِ لَيْسَ بِمُتَيَقَّنِ اَلثُّبُوتِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ اَلْوَحْيَ كَما يَكُونُ بِالإلْقاءِ في اَلرُّوعِ يَكُونُ بِالخَطِّ فَقَدْ قالَ اَلنَّخْعِيُّ كانَ في اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ مَن يُخَطُّ لَهُ في اَلْأرْضِ، ومَعْناهُ اَللُّغَوِيُّ يَشْمَلُ ذَلِكَ، فَقَدْ قالَ اَلْإمامُ أبُو عَبْدِ اَللَّهِ اَلتَّيْمِيُّ اَلْأصْبِهانِيُّ: اَلْوَحْيُ أصْلُهُ اَلتَّفْهِيمُ وكُلُّ ما فُهِمَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ اَلْإلْهامِ والإشارَةِ والكُتُبِ فَهو وحْيٌ، وقالَ اَلرّاغِبُ: أصْلُ اَلْوَحْيِ اَلْإشارَةُ اَلسَّرِيعَةُ ولِتَضَمُّنِ اَلسُّرْعَةِ قِيلَ أمْرُ وحْيٍ وذَلِكَ يَكُونُ بِالكَلامِ عَلى اَلرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، وقَدْ يَكُونُ بِصَوْتٍ مُجَرَّدٍ عَنِ اَلتَّرْكِيبِ وبِإشارَةٍ بِبَعْضِ اَلْجَوارِحِ وبِالكِتابَةِ، وقَدْ حُمِلَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً ﴾ فَقَدْ قِيلَ رَمْزٌ وقِيلَ اِعْتِبارٌ وقِيلَ كُتُبٌ وجُعِلَ اَلتَّسْخِيرُ مِنَ اَلْوَحْيِ أيْضًا وحُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ ﴾ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى ما لِلصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم مِنَ اَلْكَلامِ في هَذِهِ اَلْآيَةِ، و(وحْيًا) عَلى ما قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ اَلْحالِ وكَذا أنْ يُرْسِلَ لِأنَّهُ بِتَأْوِيلِ إرْسالًا، و ﴿ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ ظَرْفٌ واقِعٌ مَوْقِعَ اَلْحالِ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَلى جُنُوبِهِمْ ﴾ والتَّقْدِيرُ وما صَحَّ أنْ يُكَلِّمَ أحَدًا في حالٍ مِنَ اَلْأحْوالِ إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ أوْ مُرْسِلًا.

وتَعَقَّبَهُأبُو حَيّانَ فَقالَ: وُقُوعُ اَلْمَصْدَرِ حالًا لا يَنْقاسُ فَلا يَجُوزُ جاءَ زَيْدٌ بُكاءً تُرِيدُ باكِيًا، وقاسَ مِنهُ اَلْمُبَرِّدُ ما كانَ نَوْعًا لِلْفِعْلِ نَحْوَ جاءَ زَيْدٌ مَشْيًا أوْ سُرْعَةً ومَنَعَ سِيبَوَيْهِ مِن وُقُوعِ أنْ مَعَ اَلْفِعْلِ مَوْقِعَ اَلْحالِ فَلا يَجُوزُ جاءَ زَيْدٌ أنْ يَضْحَكَ في مَعْنى ضَحِكًا اَلْواقِعِ مَوْقِعِ ضاحِكًا.

وأُجِيبَ عَنِ اَلْأوَّلِ بِأنَّ اَلْقُرْآنَ يُقاسُ عَلَيْهِ ولا يَلْزَمُ أنْ يُقاسَ عَلى غَيْرِهِ مَعَ أنَّهُ قَدْ يُقالُ: يُكْتَفى بِقِياسِ اَلْمُبَرِّدِ، وعَنِ اَلثّانِي بِأنَّهُ عَلَّلَ اَلْمَنعَ بِكَوْنِ اَلْحاصِلِ بِالسَّبْكِ مَعْرِفَةٌ وهي لا تَقَعُ حالًا، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ لِأنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ فَفي شَرْحِ اَلتَّسْهِيلِ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَكِرَةً أيْضًا ألا تَراهم فَسَّرُوا (أنْ يُفْتَرى) بِمُفْتَرًى، وقَدْ عَرَضَ اِبْنُ جِنِّي ذَلِكَ عَلى أبِي عَلِيٍّ فاسْتَحْسَنَهُ، وعَلى تَسْلِيمِ اَلِاطِّرادِ فالمَعْرِفَةُ قَدْ تَكُونُ حالًا لِكَوْنِها في مَعْنى اَلنَّكِرَةِ كَوَحْدَهُ، والِاقْتِصارُ عَلى اَلْمَنعِ أوْلى لِمَكانِ اَلتَّعَسُّفِ في هَذا، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ وحْيًا بِما عُطِفَ عَلَيْهِ مُنْتَصِبٌ بِالمَصْدَرِ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ اَلْكَلامِ أوْ بِتَقْدِيرِ إلّا كَلامَ وحْيٍ و ﴿ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ صِفَةُ كَلامٍ أوْ سَماعٍ مَحْذُوفٍ وصِفَةُ اَلْمَصْدَرِ تَسُدُّ مَسَدَّهُ والإرْسالُ نَوْعٌ مِنَ اَلْكَلامِ أيْضًا بِحَسْبِ اَلْمَآلِ والِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ اَلْمَصادِرِ، وقالَ اَلزَّجّاجُ: قالَ سِيبَوَيْهِ سَألْتُ اَلْخَلِيلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا ﴾ بِالنَّصْبِ فَقالَ: هو مَحْمُولٌ عَلى أنَّ سِوى هَذِهِ اَلَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: أنْ يُكَلِّمَهُ اَللَّهُ لِما يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يُقالَ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُرْسِلَ اَللَّهُ رَسُولًا وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، والمَعْنى ما كانَ لِبَشَرٍ ﴿ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ ﴾ إلّا بِأنْ يُوحِيَ أوْ أنْ يُرْسِلَ، وعَلَيْهِ أنْ يُقَدَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ نَحْوُ أوْ أنْ يَسْمَعَ مِن وراءِ حِجابٍ وأيُّ داعٍ إلى ذَلِكَ مَعَ ما سَمِعْتَ؟

واخْتُلِفَ في اَلِاسْتِثْناءِ هَلْ هو مُتَّصِلٌ أوْ مُنْقَطِعٌوَأبُو اَلْبَقاءِ عَلى اَلِانْقِطاعِ.

وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ اَلْمُفَرَّغَ لا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ والبَحْثُ شَهِيرٌ.

وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ (أوْ مِن وراءِ حُجُبٍ) بِالجَمْعِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ اَلْمَدِينَةِ (أوْ يُرْسِلُ رَسُولًا فَيُوحِي) بِرَفْعِ اَلْفِعْلَيْنِ ووَجَّهُوا ذَلِكَ بِأنَّهُ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هو يُرْسِلُ أوْ هو مَعْطُوفٌ عَلى (وحْيًا) أوْ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ (مِن وراءِ) بِناءً عَلى أنَّ تَقْدِيرَهُ أوْ يَسْمَعُ مِن وراءِ حِجابٍ، وقالَ اَلْعَلّامَةُ اَلثّانِي: إنَّ اَلتَّوْجِيهَ اَلثّانِيَ وما بَعْدَهُ ظاهِرٌ وهو عَطْفُ اَلْجُمْلَةِ اَلْفِعْلِيَّةِ اَلْحالِيَّةِ عَلى اَلْحالِ اَلْمُفْرَدَةِ، وأمّا إضْمارُ اَلْمُبْتَدَأِ فَإنْ حُمِلَ عَلى هَذا فَتَقْدِيرُ اَلْمُبْتَدَأِ لَغْوٌ، وإنْ أُرِيدَ أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ فَلا يَظْهَرُ ما يُعْطَفُ عَلَيْهِ سِوى ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ إلَخْ ولَيْسَ بِحَسَنِ اَلِانْتِظامِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ اَلْمُبْتَدَأِ مَعَ اِعْتِبارِ اَلْحالِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّ اَلْجُمْلَةَ اَلِاسْمِيَّةَ اَلَّتِي اَلْخَبَرُ فِيها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ تُفِيدُ ما لا تُفِيدُهُ اَلْفِعْلِيَّةُ اَلصِّرْفَةُ مِمّا يُناسِبُ حالَ إرْسالِ اَلرَّسُولِ، أوْ يُقالُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ اَلْعَطْفَ عَلى ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ لَيْسَ بِحَسَنِ اَلِانْتِظامِ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى، وفي اَلْآيَةِ عَلى ما قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ فُلانًا فَراسَلَهُ حَنِثَ لِاسْتِثْنائِهِ تَعالى اَلْإرْسالَ مِنَ اَلْكَلامِ، ونَقَلَهُ اَلْجَلالُ اَلسُّيُوطِيُّ في أحْكامِ اَلْقُرْآنِ عَنْ مالِكٍ وفِيهِ بَحْثٌ واَللَّهُ تَعالى اَلْهادِي.

﴿ إنَّهُ عَلِيٌّ ﴾ مُتَعالٍ عَنْ صِفاتِ اَلْمَخْلُوقِينَ ﴿ حَكِيمٌ ﴾ يُجْرِي سُبْحانَهُ أفْعالَهُ عَلى سُنَنِ اَلْحِكْمَةِ فَيُكَلِّمُ تارَةً بِواسِطَةٍ وأُخْرى بِدُونِها إمّا إلْهامًا وإمّا خِطابًا أوْ إمّا عِيانًا وإمّا خِطابًا مِن وراءِ حِجابٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ اَلِاخْتِلافُ اَلسّابِقُ في تَفْسِيرِ اَلْآيَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَما كانَ لِبَشَرٍ يعني: لأحد من خلق الله أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً يعني: يرسل إليه جبريل، ليقرأ عليه.

ويقال: إِلَّا وَحْياً يعني: إلهاماً ويقال: يسمع الصوت فيفهمه وذلك، أن اليهود قالوا للنبي  ألا يكلمك الله، أو ينظر إليك، إن كنت نبياً كما كلم موسى فنزل وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ يعني: ما جاز لأحد من الآدميين، أَن يُكَلِّمَهُ الله، إِلاَّ وحياً يعني: يسمع الصوت، أو يرى في المنام، ولا يجوز أن يكلمه مواجهة عياناً في الدنيا.

أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ فيكلمه، كما كلم موسى أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا كما أرسل إلى النبي  فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشاءُ يعني: فيرسل بأمره.

ويقال: بِإِذْنِهِ مَا يَشاءُ من أمره.

قرأ نافع وابن عامر أَوْ يُرْسِلَ بضم اللام وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ بالضم، فمعناه أو هو يرسل رسولاً، ومن قرأ بالنصب، فعلى الإضمار أيضاً، ومعناه أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ قرأ نافع وابن عامر فيوحي بسكون الياء، ومعناه أو هو يرسل رسولاً فيوحي وقرأ الباقون بالنصب فَيُوحِيَ لإضمار أن إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ يعني: أعلى من أن يكلم أحداً في الدنيا مواجهة، ولا يراه فيها أحد عياناً حَكِيمٌ حكم ألا يكلم أحداً في المواجهة، ولا يراه أحد.

قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا يعني: جبريل بأمرنا.

ويقال: أوحينا إليك روحاً، يعني: القرآن.

وقال القتبي: الروح روح الأجسام، ويسمى كلام الله تعالى، روحاً لأن فيه حياة من الجهل، وموت الكفر كما قال: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [غافر: 15] ثم قال: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا.

مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ يعني: ما كنت تدري قبل الوحي، أن تقرأ القرآن، ولا تدري كيف تدعو الخلق إلى الإيمان.

وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً يعني: أنزلنا جبريل بالقرآن.

ضياءً من العمى، وبياناً من الضلالة.

فإن قيل سبق ذكر الكتاب والإيمان ثم قال: وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً ولم يقل جعلناهما؟

قيل له: لأن المعنى هو الكتاب، وهو دليل على الإيمان.

ويقال لأن شأنهما واحد كقوله: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون: 50] ولم يقل آيتين ويقال: وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً يعني: الإيمان كناية عنه، ولأنه أقرب.

نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا يعني: نوفق من نشاء للهدى، من كان أهلاً لذلك وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني: لتدعو الخلق إلى دين الإسلام.

قوله عز وجل: صِراطِ اللَّهِ يعني: دين الله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من خلق أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ أي: ترجع إليه عواقب الأمور، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال الثعلبيُّ: مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ: أي مَعْقِل، وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ أي: من إنكارٍ على ما ينزل بكم من العذاب بغير ما بكم، انتهى.

وقوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا ...

الآية تسلية للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والإنسان هنا اسم جنس، وجَمَعَ الضمير في قوله: تُصِبْهُمْ وهو عائد على لفظ الإنسان من حيث هو اسم جنس.

وقوله تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ ...

الآية، هذه آية اعتبار دَالٍّ على القُدْرَةِ والمُلْكِ المحيط بالجميع، وأَنَّ مشيئته تعالى نافذة في جميع خلقه وفي كُلِّ أمرهم، وهذا لا مدخل لصنم فيه، فإنَّ الذي يخلق ما يشاء هو اللَّه تبارك وتعالى، وهو الذي يقسم الخلق فيهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الأولاد الذكور، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ أي: ينوعهم ذكراناً وإناثا، وقال محمّد ابن الحنفيّة: يريد بقوله تعالى: أَوْ يُزَوِّجُهُمْ التّوأم، أي: يجعل في بطن زوجاً من الذُّرِّيَّة ذكراً وأنثى «١» ، و «العقيم» : الذي لا يُولَدُ له، وهذا كله مُدَبَّرٌ بالعلم والقدرة/ وبدأ في هذه الآية بذكر الإناث تأنيساً بِهِنَّ ليهتمّ بصونهنّ والإحسان إليهنّ، وقال النبيّ ع: «مَنِ ابتلي مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ حِجَاباً مِنَ النَّارِ» «٢» ، وقال واثلةُ بْنُ الأَسْقَعِ: مِنْ يُمْنِ المَرْأَةِ تبكيرُها بالأنثى قبل الذكر «٣» لأنَّ اللَّه تعالى بدأ بِذِكْرِ الإناث حكاه عنه الثعلبيُّ قال: وقال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ؟

فَقالَ لَهُمْ: "لَمْ يَنْظُرْ مُوسى إلى اللَّهِ"، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» والمُرادُ بِالوَحْيِ هاهُنا: الوَحْيُ في المَنامِ.

﴿ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ كَمّا كَلَّمَ مُوسى.

﴿ أوْ يُرْسِلَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُرْسِلُ" بِالرَّفْعِ ﴿ فَيُوحِيَ ﴾ بِسُكُونِ الياءِ.

وقَرَأ الباقُونَ: "يُرْسِلَ" بِنَصْبِ اللّامِ "فَيُوحِيَ" بِتَحْرِيكِ الياءِ، والمَعْنى: "أوْ يُرْسِلُ رَسُولًا" كِجِبْرائِيلَ "فَيُوحِي" ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ ﴿ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ ﴾ .

قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: مَن قَرَأ "أوْ يُرْسِلَ" بِالنَّصْبِ، عَطَفَهُ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ: "إلّا وحْيًا" لِأنَّهُ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُوحِيَ.

وَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، فَعَلى الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ، أوْ هو يُرْسِلُ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى أنَّهُ لا يُكَلِّمُ بَشَرًا إلّا مِن وراءِ حِجابٍ في دارِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ أيْ: وكَما أوْحَيْنا إلى الرُّسُلِ ﴿ أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ ، وقِيلَ: الواوُ عَطْفٌ عَلى أوَّلِ السُّورَةِ، فالمَعْنى: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ.

"وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القُرْآنُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: وحْيًا بِأمْرِنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ القُرْآنَ قَبْلَ الوَحْيِ ﴿ وَلا الإيمانُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ: شَرائِعُ الإيمانِ ومَعالِمُهُ، وهي كُلُّها إيمانٌ؛ وقَدْ سَمّى الصَّلاةَ إيمانًا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ  ﴾ ، هَذا اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما كانَ يَعْرِفُ الإيمانَ حِينَ كانَ في المَهْدِ وإذْ كانَ طِفْلًا قَبْلَ البُلُوغِ، حَكاهُ الواحِدِيُّ.

والقَوْلُ ما اخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وقَدِ اشْتُهِرَ في الحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ يُوَحِّدُ اللَّهَ، ويُبْغِضُ اللّاتَ والعُزّى، ويَحُجُّ ويَعْتَمِرُ، ويَتَّبِعُ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قالَ الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن زَعَمَ أنَّ النَّبِيَّ  كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ، فَهو قَوْلُ سُوءٍ: ألَيْسَ كانَ لا يَأْكُلُ ما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ؟

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَدْ جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً.

ومَعْناهُ: أنَّ العَرَبَ لَمْ يَزالُوا عَلى بَقايا مِن دَيْنِ إسْماعِيلَ، مِن ذَلِكَ حَجُّ البَيْتِ، والخِتانُ، وإيقاعُ الطَّلاقِ إذا كانَ ثَلاثًا، وأنَّ لِلزَّوْجِ الرَّجْعَةَ في الواحِدَةِ والِاثْنَتَيْنِ، وِدِيَةُ النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ، والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ، وتَحْرِيمُ ذَواتِ المَحارِمِ بِالقُرابَةِ والصِّهْرِ.

وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِشَرائِعِهِمْ في الخِتانِ والغُسْلِ والحَجِّ، وكانَ لا يَقْرُبُ الأوْثانَ، ويَعِيبُها.

وكانَ لا يَعْرِفُ شَرائِعَ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَها لِعِبادِهِ عَلى لِسانِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ﴾ \[يَعْنِي القُرْآنَ\] ﴿ وَلا الإيمانُ ﴾ يَعْنِي شَرائِعَ الإيمانِ؛ ولَمْ يُرِدِ الإيمانَ الَّذِي هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، لِأنَّ آباءَهُ الَّذِينَ ماتُوا عَلى الشِّرْكِ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويَحُجُّونَ لَهُ [البَيْتَ] مَعَ شِرْكِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ جَعَلْناهُ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ.

والثّانِي: إلى الإيمانِ.

﴿ نُورًا ﴾ أيْ: ضِياءً ودَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ ﴿ نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ ﴾ \[مِن عِبادِنا\] إلى دِينِ الحَقِّ.

﴿ وَإنَّكَ لَتَهْدِي ﴾ أيْ: لَتَدْعُو ﴿ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وهو الإسْلامُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُكُورَ ﴾ ﴿ أو يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إلا وحْيًا أو مِن وراءِ حِجابٍ أو يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مِن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ﴾ الآيَةُ الأولى آيَةُ اعْتِبارٍ دالَّةٍ عَلى القُدْرَةِ والمُلْكِ المُحِيطِ بِالخَلْقِ، وأنَّ مَشِيئَتَهُ عَزَّ وجُلَّ نافِذَةٌ في جَمِيعِ خَلْقِهِ، وفي كُلِّ أمْرِهِمْ، وهَذا لا مَدْخَلَ لِصَنَمٍ فِيهِ، فَإنَّ الَّذِي يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتَرِعُ إنَّما هو اللهُ سُبْحانَهُ، وهو الَّذِي يُقَسَّمُ الخَلْقَ، فَيَهَبُ الإناثَ لِمَن شاءَ أنْ يَجْعَلَ نَسْلَهُ نِساءً، ويَهَبُ الذُكُورَ لِمَن شاءَ عَلى هَذا الحَدِّ، أو يُنَوِّعَهُمْ: مَرَّةً يَهَبُ ذَكَرًا، ومَرَّةً أُخْرى أُنْثى، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو يُزَوِّجُهُمْ ﴾ ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةَ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أو يُزَوِّجُهُمْ ﴾ : التَوْأمُ، أيْ: يَجْعَلُ في بَطْنٍ زَوْجًا مِنَ الذُرِّيَّةِ ذَكَرًا وأُنْثى.

و"العَقِيمُ": الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، وهَذا كُلُّهُ مُدَبَّرٌ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي بِفَسادِ وُجُودِ الخُنْثى المُشَكَّلِ.

وبَدَأ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ الإناثِ تَأْنِيسًا بِهِنَّ وتَشْرِيفًا لَهُنَّ لِيُتَهَمَّمَ بِصَوْنِهِنَّ والإحْسانِ إلَيْهِنَّ، وقالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَنِ ابْتُلِيَ مِن هَذِهِ البَناتِ بِشَيْءٍ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ حِجابًا مِنَ النارِ"،» وقالَ وائِلُ بْنُ الأسْقَعِ: "مَن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِالأُنْثى قَبْلَ الذَكَرِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى بَدَأ بِالإناثِ"، حَكاهُ عنهُ الثَعْلَبِيُّ.

وقالَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ثُمَّ عُمِّمَتْ، فَلُوطٌ عَلَيْهِ السَلامُ أبُو البَناتِ لَمْ يُولَدْ لَهُ ذَكَرٌ، وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ ضِدَّهُ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وُلِدَ لَهُ الصِنْفانِ، ويَحْيى بْنُ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ عَقِيمٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ بِسَبَبِ خَوْضٍ كانَ لِلْكُفّارِ في مَعْنى تَكْلِيمِ اللهِ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ونَحْوَ ذَلِكَ، ذَهَبَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ في ذَلِكَ إلى تَجْسِيمٍ ونَحْوَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً صُورَةَ تَكْلِيمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عِبادَهُ كَيْفَ هُوَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يَكُونُ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ ولا يُمْكِنُ فِيهِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلّا بِأنْ يُوحِي إلَيْهِ أحَدَ وُجُوهِ الوَحْيِ مِنَ الإلْهامِ.

قالَ مُجاهِدٌ: والنَفْثُ في القَلْبِ، وقالَ النَقّاشُ: أو وحْيٌ في مَنامٍ؟

قالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: كانَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مَن يَخُطُّ لَهُ في الأرْضِ ونَحْوَ هَذا، أو بِأنْ يُسْمِعَهُ كَلامُهُ دُونَ أنْ يَعْرِفَ هو لِلْمُتَكَلِّمِ جِهَةً ولا خَبَرًا كَمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذا مَعْنى: ﴿ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ أيْ: مِن خَفاءٍ عَنِ المُتَكَلِّمِ لا يَحُدُّهُ ولا يَتَصَوَّرُ بِذِهْنِهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ كالحِجابِ في الشاهِدِ، أو بِأنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ مَلِكًا يُشافِهُهُ بِوَحْيِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسِ: "أو يُرْسِلَ" بِالنَصْبِ، ﴿ "فَيُوحِيَ" ﴾ بِالنَصْبِ أيْضًا.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "أو يُرْسِلُ" بِالرَفْعِ "فَيُوحِي" بِسُكُونِ الياءِ ورَفْعِ الفِعْلِ، فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فَقالَ سِيبَوَيْهِ: سَألَتُ الخَلِيلَ عنها فَقالَ: هي مَحْمُولَةٌ عَلى "أنْ" غَيْرَ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ ﴾ لِأنَّ المَعْنى كانَ يَفْسَدُ لَوْ عَطَفَ عَلى هَذِهِ، وإنَّما التَقْدِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَحْيًا": "إلّا أنْ يُوحِيَ وحْيًا"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ ، "مِن" مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ يَدُلُّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أو يُكَلِّمُهُ مِن وراءِ حِجابٍ، ثُمَّ عَطَفَ تَعالى: "أو يُرْسِلَ" عَلى هَذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَعَلى أنْ "يُرْسِلُ" في مَوْضِعِ الحالِ أو عَلى القَطْعِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "أو هو يُرْسِلُ"، وكَذَلِكَ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "إلا وحْيًا" ﴾ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، كَما تَقُولُ: أتَيْتُكَ رَكْضًا وعَدْوًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، كَما هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُكَلِّمُ الناسَ في المَهْدِ وكَهْلا ومِنَ الصالِحِينَ  ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، فَكَذَلِكَ "مِنَ" وما عَمِلْتُ فِيهِ هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا، ثُمَّ عَطَفَ قَوْلَهُ تَعالى: "أو يُرْسِلُ" عَلى هَذِهِ الحالِ المُتَقَدِّمَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرِسالَةَ مِن أنْواعِ التَكْلِيمِ، وأنَّ الحالِفَ المُرْسِلَ حانِثٌ إذا حَلِفَ ألّا يُكَلِّمَ إنْسانًا فَأرْسَلَ وهو لا يَنْوِي المُشافَهَةَ وقْتَ يَمِينِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ المَعْنى: وبِهَذِهِ الطُرُقِ ومِن هَذا الجِنْسِ أوحَيْنا إلَيْكَ، أيْ: كالرُسُلِ.

و"الرُوحُ" في هَذِهِ الآيَةِ: القُرْآنُ وهُدى الشَرِيعَةِ، سَمّاهُ رُوحًا مِن حَيْثُ يُحْيِي بِهِ البَشَرَ والعالَمَ، كَما يُحْيِي الجَسَدَ بِالرُوحِ، فَهَذا عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أمْرِنا ﴾ أيْ: واحِدٌ مِن أُمُورِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الأمْرُ" بِمَعْنى الكَلامِ، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: و ﴿ ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مِقْدارِ النِعْمَةِ، والضَمِيرُ فِي: "جَعَلْناهُ" عائِدٌ عَلى "الكِتابِ"، و"نَهْدِي" مَعْناهُ: نُرْشِدْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَإنَّكَ لَتَهْدِي" ﴾ بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الدالِّ.

وقَرَأ حَوْشَبُ: "وَإنَّكَ لَتُهْدى" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الدالِّ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وفي حَرْفِ أُبَيِّ: "وَإنَّكَ لَتَدْعُوَ"، وهي تُعَضِّدُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ السُمَيْفَعِ، وعاصِمُ الجَحْدَرِيُّ: "وَإنَّكَ لَتُهْدِيَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الدالِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صِراطِ اللهِ ﴾ يَعْنِي: صِراطُ شَرْعِ اللهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ، فَبِهَذا الوَجْهِ ونَحْوَهُ مِنَ التَقْدِيرِ أُضِيفَ الصِراطُ إلى اللهِ تَعالى، واسْتَفْتَحَ تَعالى القَوْلَ في الإخْبارِ بِصَيْرُورَةِ الأُمُورِ إلى اللهِ تَعالى مُبالِغَةً وتَحْقِيقًا وتَثْبِيتًا، والأُمُورُ صائِرَةُ عَلى الدَوامِ إلى اللهِ تَعالى، ولَكِنْ جاءَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُسْتَقْبِلَةً تَقْرِيعًا لِمَن في ذِهْنِهِ أنَّ شَيْئًا مِنَ الأُمُورِ إلى البَشَرِ، وقالَ سَهْلُ ابْنُ أبِي الجَعْدِ: احْتَرَقَ مُصْحَفٌ، فَلَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إلى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ﴾ .

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الشُورى والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ما سبق من حكاية ترّهاتهم عطفَ القصة على القصة وهو عود إلى إبطال شُبَه المشركين التي أشار إليها قوله تعالى: ﴿ كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ﴾ [الشورى: 3]، وقوله تعالى: ﴿ كَبُر على المشركين ما تدعُوهم إليه ﴾ [الشورى: 13]، وقد أشرنا إلى تفصيل ذلك فيما تقدم، ويزيده وضوحاً قوله عقبه ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ﴾ [الشورى: 52].

وهذه الآية تبطل الشبهة الثانية فيما عددناه من شبهاتهم في كون القرآن وحياً من الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم إذ زعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم لو كان مرسلاً من الله لكانت معه ملائكة تصدق قوله أو لأنزل عليه كتاب جاهز من السماء يشاهدون نزوله قال تعالى: ﴿ وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه مَلَك فيكون معه نذيراً ﴾ [الفرقان: 7] وقال ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ إلى أن قال: ﴿ ولن نؤمن لِرُقيّكَ حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه ﴾ [الإسراء: 90 93].

وإذ قد كان أهم غرض هذه السورة إثبات كون القرآن وحيا من الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحي من قبله للرسل كان العود إلى ذلك من قبيل ردّ العجز على الصدر.

فبيَّن الله للمكذبين أن سنة الله في خطاب رسله لا تعدو ثلاثة أنحاء من الخطاب، منها ما جاء به القرآن فلم يكن ذلك بدعاً مما جاءت به الرسل الأولون وما كان الله ليخاطب رسله على الأنحاء التي اقترحها المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم فجيء بصيغة حصر مفتتحة بصيغة الجحود المفيدة مبالغة النفي وهي ﴿ وما كان لبشر أن يكلمه الله ﴾ أي لم يتهيّأ لأحد من الرسل أن يأتيه خطاب من الله بنوع من هذه الثلاثة.

ودل ذلك على انتفاء أن يكون إبلاغ مراد الله تعالى لأمم الرسل بغير أحد هذه الأنواع الثلاثة أعني خصوص نوع إرسال رسول، بدلالة فحوى الخطاب فإنه إذا كان الرسل لا يخاطبهم الله إلاّ بأحد هذه الأنحاء الثلاثة فالأمم أولى بأن لا يخاطبوا بغير ذلك من نحو ما سأله المشركون من رؤية الله يخاطبهم، أو مجيء الملائكة إليهم بل لا يتوجه إليهم خطاب الله إلاّ بواسطة رسول منهم يتلقى كلام الله بنحو من الأنحاء الثلاثة وهو مما يدخل في قوله: ﴿ أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء ﴾ فإن الرسول يكون مَلَكاً وهو الذي يبلّغ الوحي إلى الرسُل والأنبياء.

وخطاب الله الرسل والأنبياءَ قد يكون لقصد إبلاغهم أمراً يصلحهم نحو قوله تعالى: ﴿ يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً ﴾ [المزمل: 1، 2]، وقد يكون لإبلاغهم شرائع للأمم مثل معظم القرآن والتوراة، أو إبلاغهم مواعظ لهم مثل الزبور ومجلة لقمان.

والاستثناء في قوله: ﴿ إلا وحياً ﴾ استثناء من عموم أنواع المتكلم التي دلّ عليها الفعل الواقع في سياق النفي وهو ﴿ ما كان لبشر أن يكلمه الله ﴾ .

فانتصاب ﴿ وحياً ﴾ على الصفة لمصدر محذوف دل عليه الاستثناء، والتقدير: إلا كلاماً وحياً أي موحًى به كما تقول: لا أكلمه إلاّ جهراً، أو إلا إخفاتاً، لأن الجهر والإخفات صفتان للكلام.

والمراد بالتكلم بلوغ مراد الله إلى النبي سواء كان ذلك البلوغ بكلام يسمعه ولا يَرى مصدره أو بكلام يبلغه إليه المَلَكُ عن الله تعالى، أو بعلم يُلقى في نفس النبي يوقن بأنه مراد الله بعلم ضروري يجعله الله في نفسه.

وإطلاق الكلام على هذه الثلاثة الأنواع: بعضُه حقيقة مثل ما يسمعه النبي كما سمع موسى، وبعضه مجاز قريب من الحقيقة وهو ما يبلغه إلى النبي فإنه رسالة بكلام، وبعضه مجاز محض وهو ما يلقى في قلب النبي مع العلم، فإطلاق فعل ﴿ يكلمه ﴾ على جميعها من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه على طريقة استعمال المشترك في معانيه.

وإسناد فعل ﴿ يكلمه ﴾ إلى الله إسناد مجازي عقلي.

وبهذا الاعتبار صار استثناء الكلام الموصوف بأنه وحي استثناء متصلاً.

وأصل الوحي: الإشارة الخفيّة، ومنه ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرةً وعشياً ﴾ [مريم: 11].

ويطلق على ما يجده المرء في نفسه دفعة كحصول معنى الكلام في نفس السامع قال عبيد بن الأبرص: وأوحى إليَّ الله أنْ قد تآمَرُوا *** بِإبْللِ أبي أوْفَى فقُمْتُ على رِجْلِ وهذا الإطلاق هو المراد هنا بقرينة المقابلة بالنوعين الآخرين.

ومِن هنا أطلق الوحي على ما فطر الله عليه الحيوان من الإلهام المتقن الدقيق كقوله: ﴿ وأوحى ربُّك إلى النحل ﴾ [النحل: 68].

فالوحي بهذا المعنى نوع من أنواع إلقاء كلام الله إلى الأنبياء وهو النوع الأول في العدّ، فأطلق الوحي على الكلام الذي يسمعه النبي بكيفية غير معتادة وهذا الإطلاق من مصطلح القرآن وهو الغالب في إطلاقات الكتاب والسنة ومنه قول زيد بن ثابت «فعَلمْتُ أنه يُوحَى إليه ثم سُرِّي عنه» فقرأ ﴿ غير أولي الضرر ﴾ [النساء: 95]، ولم يقل فنزل إليه جبريل.

والوحي بهذا المعنى غير الوحي الذي سيجيء في قوله: ﴿ أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء ﴾ .

والمراد بالوحي هنا: إيقاع مراد الله في نفس النبي يحصل له به العلم بأنه من عند الله فهو حجة للنبيء لمكان العلم الضروري، وحجة للأمة لمكان العِصمة من وسوسة الشيطان، وقد يحصل لغير الأنبياء ولكنه غير مطرد ولا منضبط مع أنه واقع وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحَدَّثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فعُمرُ بن الخطاب " قال ابن وهب: محدَّثون: مُلْهَمُون.

ومن هذا الوحي مرائي الأنبياء فإنها وحي، وهي ليست بكلام يلقَى إليهم، ففي الحديث " إني رأيت دار هجرتكم وهي في حرّة ذاتتِ نخل فوقع في وَهْلِي أنها اليمامة أو هَجر فإذا هي طابة ".

وقد تشتمل الرؤيا على إلهام وكلام مثل حديث " رأيتُ بَقَراً تُذبح ورأيتُ والله خير " في رواية رفع اسم الجلالة، أي رأيت هذه الكلمة، وقد أول النبي صلى الله عليه وسلم رؤياه البقرَ التي تذبح بما أصاب المسلمين يومَ أحد، وأمّا «والله خير» فهو ما أتى الله به بعد ذلك من الخير.

ومن الإلهام مَرائي الصالحين فإنها جزء من ستة وأربعين جُزءاً من النبوءة.

وليس الإلهام بحجة في الدّين لأن غير المعصوم لا يوثق بصحة خواطره إذ ليس معصوماً من وسوسة الشيطان.

وبعض أهل التصوف وحكماء الإشراق يأخذون به في خاصّتهم ويدَّعون أن أمارات تميز لهم بين صادق الخواطر وكاذبها ومنه قول قطب الدين الشيرازي في ديباجة شرحه على «المفتاح» " إني قد ألقي إليَّ على سبيل الإنذار من حضرة الملك الجبار بلسان الإلهام لا كوَهَم من الأوهام " إلى أن قال " ما أورثني التجافي عن دار الغرور ".

ومنه ما ورد في قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنَّ رُوح القُدُس نَفَثَ في رُوعي أنَّ نفساً لن تموت حتّى تستوفيَ أجلها ورزقَها " على أحد تفسيرين فيه، ولا ريب في أنه المراد هنا لأن ألفاظ هذا الحديث جَرَتْ على غير الألفاظ التي يُحكى بها نزول الوحي بواسطة كلام جبريل عليه السلام.

والنوع الثاني: أن يكون الكلام من وراء حجاب يسمعه سامعه ولا يرى مصدره بأن يخلق الله كلاماً في شيء محجوب عن سامعه وهو ما وصف الله هنا بقوله: ﴿ أو من وراء حجاب ﴾ .

والمعنى: أو محجوباً المخاطَب بالفتح عن رؤية مصدر الكلام، فالكلام كأنه من وراء حجاب، وهذا مثل تكليم الله تعالى موسى في البقعة المباركة من الشجرة، ويحصل علم المخاطب بأن ذلك الكلام من عند الله أول مرة بآية يريه الله إياها يعلم أنها لا تكون إلا بتسخير الله كما علم موسى ذلك بانقلاب عصاهُ حيّة ثم عَوْدِها إلى حالتها الأولى، وبخروج يده من جَيْبه بيضاء، كما قال تعالى: ﴿ آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى اذهَبْ إلى فرعون إنه طغى ﴾ [طه: 22، 24].

ثم يصير بعد ذلك عادة يعرف بها كلام الله.

واختص بهذا النوع من الكلام في الرسل السابقين موسى عليه السلام وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي ﴾ [الأعراف: 144] وليس الوحي إلى موسى منحصراً في هذا النوع فإنه كان يوحى إليه الوحي الغالب لجميع الأنبياء والرسل وقد حصل هذا النوع من الكلام لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، فقد جاء في حديث الإسراء: أن الله فرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة ثم خفّف الله منها حتى بلغت خمس صلوات وأنه سمع قوله تعالى: «أتممتُ فريضتي وخففت عن عبادي».

وأشارت إليه سورة النجم (6، 12) بقوله تعالى: ﴿ فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلَّى فكان قابَ قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفَتُمَارونه على ما يَرى ﴾ والقول بأنه سمع كلام الله ليلة أسري به إلى السماء مرويّ عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وجعفر بن محمد الصادق والأشعري والواسطي، وهو الظاهر لأن فضل محمد على جميع المرسلين يستلزم أن يعطيه الله من أفضل ما أعطاه رسله عليهم السلام جميعاً.

النوع الثالث: أن يرسل الله الملَك إلى النبي فيبلغ إليه كلاماً يسمعه النبي ويعيه، وهذا هو غالب ما يوجه إلى الأنبياء من كلام الله تعالى، قال تعالى في ذكر زكرياء ﴿ فنادته الملائكة وهو قائم يصلِّي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى ﴾ [آل عمران: 39]، وقال في إبراهيم ﴿ وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقتَ الرؤيا ﴾ [الصافات: 104، 105] وهذا الكلام يأتي بكيفية وصفها النبي صلى الله عليه وسلم للحارث بن هشام وقد سأل رسول الله «كيف يأتيك الوحي؟

فقال: أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجَرَس وهو أشدُّه عليّ فيفْصِمُ عنِّي وقد وَعَيت عنه أي عن جبريل ما قال، وأحياناً يتمثّل لي الملَك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول».

فالرسول في قوله تعالى: ﴿ أو يرسل رسولاً ﴾ : هو الملَك جبريل أو غيره، وقوله: ﴿ فيوحي بإذنه ما يشاء ﴾ سمّى هذا الكلام وحياً على مراعاة الإطلاق القرآني الغالب كما تقدم نحو قوله: ﴿ وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحَى عَلَّمه شديدُ القُوَى ﴾ [النجم: 3 5] وهو غير المراد من قوله: ﴿ إلا وحياً ﴾ بقرينة التقسيم والمقابلة.

ومن لطائف نسج هذه الآية ترتيب ما دل على تكليم الله الرسل بدلالات فجيء بالمصدر أولاً في قوله: ﴿ إلا وحياً ﴾ وجيء بما يشبه الجملة ثانياً وهو قوله: ﴿ من وراء الحجاب ﴾ ، وجيء بالجملة الفعلية ثالثاً بقوله: ﴿ يرسل رسولاً ﴾ .

وقرأ نافع ﴿ أو يرسلُ ﴾ برفع ﴿ يرسلُ ﴾ على الخبرية، والتقدير: أو هو مرسل رسولاً.

وقرأ ﴿ فيوحي ﴾ بسكون الياء بعد كسرة الحاء.

وقرأ الباقون ﴿ أو يرسل ﴾ بنصب الفعل على تقدير (أنْ) محذوفة دل عليها العطف على المصدر فصار الفعل المعطوف في معنى المصدر، فاحتاج إلى تقدير حرف السبك.

وقرأوا ﴿ فيوحي ﴾ بفتحة على الياء عطفاً على ﴿ يرسل ﴾ .

ومَا صْدَقُ ﴿ ما يشاء ﴾ كلام، أي فيوحي كلاماً يشاؤه الله فكانت هذه الجملة في معنى الصفة ل (كلاماً) المستثنى المحذوف، والرابط هو ﴿ ما يشاء ﴾ لأنه في معنى: كلاماً، فهو كربط الجملة بإعادة لفظ ما هي له أو بمرادفه نحو ﴿ الحاقة ما الحاقّة ﴾ [الحاقة: 1، 2].

والتقدير: أوْ إلاَّ كلاماً موصوفاً بأن الله يرسل رسولاً فيوحي بإذنه كلاماً يشاؤه فإن الإرسال نوع من الكلام المراد في هذه الآية.

والآية صريحة في أن هذه الأنواع الثلاثة أنواع لكلام الله الذي يخاطب به عباده.

وذكرُ النوعين: الأول والثالث صريح في أن إضافة الكلام المنوع إليها إلى الله أو إسنادُه إليه حيثما وقع في ألفاظ الشريعة نحو قوله تعالى: ﴿ حتى يسمَع كَلام الله ﴾ [التوبة: 6] وقوله: ﴿ قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي ﴾ [الأعراف: 144] وقوله: ﴿ وكلّم الله موسى تكليماً ﴾ [النساء: 164] يدل على أنه كلام له خصوصية هي أنه أوجده الله إيجاداً بخرق العادة ليكون بذلك دليلاً على أن مدلول ألفاظِه مراد لله تعالى ومقصود له كما سمّي الروح الذي تكوّن به عيسى روحَ الله لأنه تكوَّن على سبيل خرق العادة، فالله خلقَ الكلام الذي يدلّ على مراده خلقاً غير جارٍ على سنة الله في تكوين الكلام ليعلم الناس أن الله أراد إعلامهم بأنه أراد مدلولات ذلك الكلام بآية أنه خرق فيه عادة إيجاد الكلام فكان إيجاداً غيرَ متولّد من علل وأسباب عادية فهو كإيجاد السماوات والأرض وإيجاد آدم في أنه غير متولد من علل وأسباب فطرية.

واعلم أن حقيقة الإلهية لا تقتضي لِذاتها أن يكون الله متكلماً كما تقتضي أنه واحد حيّ عالم قدير مُريد، ومن حاول جَعل صفة الكلام من مقتضى الإلهية على تنظير الإله بالملك بناء على أن المُلك يقتضي مخاطبة الرعايا بما يريد المَلِك منهم، فقد جاء بحجة خَطابية، بل الحق أن الذي اقتضى إثبات كلام الله هو وضع الشرائع الإلهية، أي تعلق إرادة الله بإرشاد الناس إلى اجتناب ما يخل باستقامة شؤونهم بأمرهم ونهيهم وموعظتهم ووعدهم ووعيدهم، من يوم نَهي آدمَ عن الأكل من الشجرة وتوعده بالشقاء إن أكل منها ثم من إرسال الرسل إلى الناس وتبليغهم إياهم أمر الله ونهيه بوضع الشرائع وذلك من عهد نوح بلا شك أو من عهد آدم إن قلنا إن آدم بلَّغ أهله أمر الله ونهيه.

فتعين الإيمان بأن الله آمر ونَاهٍ وواعدٌ ومُوعِد، ومخبر بواسطة رسله وأنبيائه، وأن مراده ذلك أبلغه إلى الأنبياء بكلام يُلقى إليهم ويفهمونه وهو غير متعارف لهم قبل النبوءة وهو متفاوت الأنواع في مشابهة الكلام المتعارف.

ولمّا لم يَرد في الكتاب والسنة وصفُ الله بأنه متكلّم ولا إثبات صفةٍ له تسمَّى الكلام، ولم تقتض ذلك حقيقة الإلهية ما كان ثمّة داع إلى إثبات ذلك عند أهل التأويل من الخَلَف من أشعرية وماتريدية إذ قالوا: إن الله متكلم وإن له صفةً تسمَّى الكلام وبخاصة المعتزلة إذ قالوا إنه متكلم ونفوا صفة الكلام وأمرُ المعتزلة أعجب إذ أثبتوا الصفات المعنوية لأجل القواطع من آيات القرآن وأنكروا صفات المعاني تورّعاً وتخلّصاً من مشابهة القول بتعدد القدماء بلا داع، وقد كان لهم في عدم إثبات صفة المتكلم مندوحة لانتفاء الداعي إلى إثباتها، خلافاً لما دعا إلى إثبات غيرها من الصفات المعنوية، وقد حكى فخر الدين في تفسير هذه السورة إجماع الأمة على أن الله تعالى متكلم.

وقصارى ما ورد في القرآن إسناد فعل الكلام إلى الله أو إضافة مصدره إلى اسمه، وذلك لا يوجب أن يشتق منه صفة لله تعالى، فإنهم لم يقولوا لله صفة نافخ الأرواح لأجل قوله تعالى: ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ [الحجر: 29]، فالذي حدا مُثْبِتي صفة الكلام لله هو قوة تعلق هذا الوصف بصفة العلم فخصّوا هذا التعلق باسم خاص وجعلوه صفة مستقلة مثل ما فعلوا في صفة السمع والبصر.

هذا، واعلم أن مثبتي صفة الكلام قد اختلفوا في حقيقتها، فذهب السلف إلى أنها صفة قديمة كسائر صفات الله.

فإذا سُئلوا عن الألفاظ التي هي الكلام: أقديمة هي أم حادثة؟

قالوا: قديمة، وتعجب منهم فخر الدين الرازي ونبزهم ولا أحسبهم إلاّ أنهم تحاشَوْا عن التصريح بأنها حادثة لئلا يؤدّي ذلك دهماءَ الأمة إلى اعتقاد حدوث صفات الله، أو يؤدّي إلى إبطال أن القرآن كلام الله، لأن تبيان حقيقة معنى الإضافة في قولهم: كلام الله، دقيق جداً يحتاج مُدرِكُه إلى شحْذ ذهنه بقواعد العلوم، والعامة على بَوْن من ذلك.

واشتهر من أهل هذه الطريقة أحمد بن حنبل رحمه الله زمن فتنة خلق القرآن.

وكان فقهاء المالكية في زمن العُبيديين ملتزمين هذه الطريقة.

وقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في «الرسالة»: «وإن القرآن كلامُ الله ليس بمخلوق فيبيدَ ولا صفةٍ لمخلوق فينفد».

وقد نقشوا على إسطوانة من أساطين الجامع بمدينة سوسة هذه العبارة: «القُرآنُ كلامُ الله وليس بمخلوق» وهي ماثلة إلى الآن.

قال فخر الدين: واتفق أني قلت يوماً لبعض الحنابلة: لو تكلم الله بهذه الحروف؛ إمّا أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب، والأول باطل لأن التكلّم بها دفعة واحدة لا يفيد هذا النظمَ المركب على التعاقب والتوالي، والثاني باطل لأنه لو تكلم الله بها على التوالي كانت محدثة، فلما سمع مني هذا الكلام قال: «الواجبُ علينا أن نُقِرّ ونَمُرَّ» يعني نقرّ بأن القرآن قديم ونمُرّ على هذا الكلام على وفق ما سمعناه قال: فتعجبت من سلامة قلب ذلك القائل.

ومن الغريب جداً ما يُعزى إلى محمد بن كَرَّام وأصحابه الكَرَّامية من القول بأن كلام الله حروف وأصوات قائمة بذاته تعالى، وقالوا: لا يلزم أن كل صفة لله قديمة، ونُسب مثل هذا إلى الحشوية، وأما المعتزلة فأثبتوا لله أنه متكلم ومنعوا أن تكون له صفة تسمى الكلام، والذي دعاهم إلى ذلك هو الجمع بين ما شاع في القرآن والسنة وعند السلف من إسناد الكلام إلى الله وإضافتِه إليه وقالوا: إن اشتقاق الوصف لاَ يستلزم قيام المصدر بالموصوف، وتلك طريقتهم في صفات المعاني كلها، وزادوا فقالوا: معنى كونه متكلماً أنه خَالق الكلام.

وأما الأشعري وأصحابه فلم يختلفوا في أن الكلام الذي نقول: إنه كلام الله المركب من حروف وأصوات، المتلوّ بألسنتنا، المكتوب في مصاحفنا، إنه حادث وليس هو صفة الله تعالى وإنما صفة الله مدلول ذلك الكلام المركب من الحروف والأصوات من المعاني من أمر ونهي ووعد ووعيد.

وتقريب ذلك عندي أن الكلام الحادث الذي خلقه الله دَال على مراد الله تعالى وأن مراد الله صفة لله.

قال أبو بكر الباقلاني عن الشيخ: إن كلام الله الأزلي مقروء بألسنتنا، محفوظ في قلوبنا، مسموع بآذاننا، مكتوب في مصاحفنا غيرُ حالَ في شيء من ذلك، كما أن الله معلوم بقلوبنا مذكور بألسنتنا معبود في محاريبنا وهو غير حال في شيء من ذلك.

والقراءةُ والقارئ مخلوقان، كما أن العلم والمعرفة مخلوقان، والمعلوم والمعروف قديمان اه.

يعني أن الألفاظ المَقْروءة والمكتوبة دوالّ وهي مخلوقة والمدلول وهو كون الله مريداً لمدلولات تلك التراكيب هو وصف الله تعالى ليصحّ أن الله أراد من النّاس العمل بالمدلولات التي دلّت عليها تلك التراكيب.

وقد اصطلح الأشعري على تسمية ذلك المدلوللِ كلاماً نفسيّاً وهو إرادة المعاني التي دلّ عليها الكلام اللفظي، وقد استأنس لذلك بقول الأخطل: إن الكلامَ لَفي الفؤاد وإنّما *** جُعل اللّسان على الفؤاد دليلاً وأما أبو منصور الماتريدي فنَقل الفخر عنه كلاماً مزيجاً من كلام الأشعري وكلام المعتزلة، والبعضُ نَقَل عنه مثلَ قول السلف.

وسبب اختلاف النقل عنه هو أن الماتريدي تابع في أصول الدّين أبَا حنيفة.

وقد اضطرب أتباعه في فهم عبارته الواقعة في العقيدة المنسوبة إليه المسماة: الفقه الأكبر إن صحّ عزوُها إليه إذ كانت عبارةً يلوح عليها التضارب ولعله مقصود.

وتأويلها بما يوافق كلام الأشعري هو التحقيق.

وتحقيق هذا المقام بوجه واضح قريب أن نقول: إن ثبوت صفة الكلام لله هو مثل ثبوت صفة الإرادة وصفة القدرة له تعالى، في الأزل وهو أشبه باتصافه بالإرادة فكما أن معنى ثبوت صفة الإرادة لله إنه تعالى متى تعلق علمه بإيجاد شيء لم يكن موجوداً، أو بإعدام شيء كان موجوداً، أنه لا يحول دون تنفيذ ما تعلق علمه بإيجاده أو إعدامه حائل ولا يمنعه منه مانع، ومتى تعلق علمه بإبقاء المعدوم في حالة العدم أو الموجود في حالة الوجود، لا يكرهه على ضد ذلك مُكره.

فكذلك ثبوت الكلام لله معناه أنه كلما تعلق علمه بأنه يأمر أو ينهَى أحداً لم يحُلْ حائل دون إيجاد ما يبلغ مراده إلى المأمورين أو المنهيين، وكلما تعلق علمه بأن يترك توجيه أمر أو نهي إلى النّاس لم يكرهه مُكره على أن يأمرهم أو ينهاهم.

وكما أن للإرادة تعلقاً صلاحياً أزليّاً وتعلّقاً تنجيزياً حادِثاً حين تتوجه الإرادة إلى إيجادٍ بواسطة القدرة.

كذلك نجد لكلام الله تعلّقاً صلاحياً أزلياً وتعلّقاً تنجيزيّاً حينَ اقتضاء علم الله تَوجِيهَ أمره أو نهيه أو نحوهما إلى بعض عباده.

فالكلام الذي ينطق به الرّسول وينسبه إلى الله تعالى هو حادث وهو أثَر التعلق التنجيزي الحادث، والكلام الذي نعتقد أن الله أراده وأراد من النّاس العمل به هو الصفة الأزلية القديمة ولها التعلق الصلاحي القديم.

وفي «الرسالة الخاقانية» للعلامة عبد الحكيم السلكوتي نقل عن بعض العلماء بأن لكلام الله تعلقاً تنجيزياً حادثاً، وهذا من التحقيق بمكان.

والتحقيق: أن ذلك الكلام الأزلي يتنوع إلى أنواع المدلولات من أمر ونهي وخبر ووعد ووعيد ونحو ذلك.

وخلاصة معنى الآية أن الله قد يخلق في نفس جبريل أو غيره من الملائكة علماً بمراد الله على كيفية لا نعلمها، وعلماً بأن الله سخره إبلاغ مراده إلى النبي، والمَلكُ يبلغ إلى النبي ما أُمر بتبليغه امتثالاً للأمر التسخيري، بألفاظ معينة ألقاها الله في نفس الملك مثل ألفاظ القرآن، أو بألفاظ من صنعة الملك كالتي حكى الله عن زكرياء بقوله: ﴿ فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلِّي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى ﴾ [آل عمران: 39].

أو يخلقُ في سمع النبي كلاماً يعلم علم اليقين أنه غير صادر إليه من متكلم، فيوقن أنه من عند الله بدلالة المعجزة أول مرة وبدلالة تعوّده بعد ذلك.

وهذا مثل الكلام الذي كلم الله به موسى ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ أنْ يا موسى إنني أنا الله ربّ العالمين وأنْ ألْققِ عصاك ﴾ [القصص: 30، 31] الآية، فقرن خطابه الخارق للعادة بالمعجزة الخارقة للعادة ليُوقن موسى أن ذلك كلام من عند الله.

أو يخلقُ في نفس النبي علماً قطعياً بأن الله أراد منه كذا كما يخلق في نفس المَلك في الحالة المذكورة أولاً.

فعلى هذه الكيفيات يأتي الوحي للأنبياء ويَختص القرآن بمزية أن الله تعالى يخلق كلاماً يَعِيه المَلك ويؤمر بإبلاغه بنصه دون تغير إلى محمد صلى الله عليه وسلم والقول في موقع جملة ﴿ إنه علي حكيم ﴾ كالقول في جملة ﴿ إنه عليم قدير ﴾ [الشورى: 50] السابقة، وإنما أوثر هنا صفة العلي الحكيم لمناسبتهما للغرض لأن العلوّ في صفة العليّ علوّ عظمة فائقة لا تناسبها النفوس البشرية التي لم تَحْظَ من جانب القُدس بالتصفية فما كان لها أن تتلقى من الله مراده مباشرة فاقتضى علوّه أن يكون توجيه خطابه إلى البشر بوسائط يفضي بعضها إلى بعض لأن ذلك كما يقول الحكماء: استفادة القابل من المبدإ تتوقف عن المناسبة بينهما.

وأمّا وصف الحكيم فلأن معناه المُتقِن للصنع العالم بدقائقه وما خطابه البشر إلاّ لحكمة إصلاحهم ونظام عالَمهم، وما وقوعه على تلك الكيفيات الثلاث إلا من أثر الحكمة لتيسير تلقّي خطابه، ووعيِه دون اختلال فيه ولا خروج عن طاقة المتلقِّين.

وانظر ما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربّه ﴾ في سورة الأعراف (143)، وعند قوله: ﴿ فأجِرْه حتىّ يسمعَ كلام الله ﴾ في سورة براءة (6).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سَبَبُ نُزُولِها ما حَكاهُ النَّقّاشُ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَحْيًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَفْثٌ يُنْفَثُ في قَلْبِهِ فَيَكُونُ إلْهامًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: رُؤْيا يَراها في مَنامِهِ، قالَهُ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ.

﴿ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ قالَ زُهَيْرٌ: كَما كَلَّمَ مُوسى.

﴿ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا ﴾ قالَ زُهَيْرٌ: هو جِبْرِيلُ.

﴿ فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ ﴾ وهَذا الوَحْيُ مِنَ الرُّسُلِ خِطابٌ مِنهم لِلْأنْبِياءِ يَسْمَعُونَهُ نُطْقًا ويَرَوْنَهُ عَيانًا.

وَهَكَذا كانَتْ حالُ جِبْرِيلَ إذا نَزَلَ بِالوَحْيِ عَلى النَّبِيِّ  .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ فَلَمْ يَرَهُ مِنهم إلّا مُحَمَّدٌ وعِيسى ومُوَسى وزَكَرِيّا صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، فَأمّا غَيْرُهم فَكانَ وحْيًا إلْهامًا في المَنامِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: رَحْمَةً مِن عِنْدِنا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: وحْيًا مِن أمْرِنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: قُرْآنًا مِن أمْرِنا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ لَوْلا الرِّسالَةُ، ولا الإيمانُ لَوْلا البُلُوغُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ لَوْلا إنْعامُنا عَلَيْكَ، ولا الإيمانُ لَوْلا هِدايَتُنا لَكَ وهو مُحْتَمَلٌ.

وَفِي هَذا الإيمانِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإيمانُ بِاللَّهِ، وهَذا يَعْرِفُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وقَبْلَ نُبُوَّتِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ دِينُ الإسْلامِ، وهَذا لا يَعْرِفُهُ إلّا بَعْدَ النُّبُوَّةِ.

﴿ وَلَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: جَعَلْنا القُرْآنَ نُورًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: جَعَلْنا الإيمانَ نُورًا.

حَكاهُ النَّقّاشُ وقالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: وإنَّكَ لَتَدْعُو إلى دِينٍ مُسْتَقِيمٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: إلى كِتابٍ مُسْتَقِيمٍ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: وإنَّكَ لَتُهْدى، بِضَمِّ التّاءِ أيْ لَتُدْعى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ صِراطِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ صِراطَ اللَّهِ هو القُرْآنُ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.

الثّانِي: الإسْلامُ، رَواهُ النَّوّاسُ بْنُ سَمْعانَ الأنْصارِيُّ عَنِ النَّبِيِّ  .

﴿ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وعِيدٌ بِالبَعْثِ.

الثّانِي: أنَّهُ وعِيدٌ بِالجَزاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أولادكم هبة الله ﴿ يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور ﴾ فهم وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها» .

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من بركة المرأة ابتكارها بالأنثى» لأن الله قال: ﴿ يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور ﴾ قال: لا إناث معهم ﴿ أو يزوّجهم ذكراناً وإناثاً ﴾ قال: يولد له جارية وغلام ﴿ ويجعل من يشاء عقيماً ﴾ لا يولد له.

وأخرج عبد بن حميد، عن أبي مالك رضي الله عنه: ﴿ يهب لمن يشاء إناثاً ﴾ قال: يكون الرجل لا يولد إلا الإِناث.

﴿ ويهب لمن يشاء الذكور ﴾ قال: يكون الرجل لا يولد له إلا الذكور ﴿ أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ﴾ قال: يكون الرجل يولد له الذكور والإِناث ﴿ ويجعل من يشاء عقيماً ﴾ قال: يكون الرجل لا يولد له.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن محمد بن الحنفية: ﴿ أو يزوّجهم ذكراناً وإناثاً ﴾ قال: التوأم.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ويجعل من يشاء عقيماً ﴾ قال: الذي لا يولد له ولد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ ويجعل من يشاء عقيماً ﴾ قال: لا يلقح.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن عبد الله بن الحرث بن عمير، «أن أبا بكر رضي الله عنه أصاب وليدة له سوداء فعزلها ثم باعها، فانطلق بها سيدها، حتى إذا كان في بعض الطريق أرادها، فامتنعت منه، فإذا هو براعي غنم فدعاه، فراطنها، فاخبرها أنه سيدها، قالت: إني قد حملت من سيدي الذي كان قبل هذا، وأنا في ديني أن لا يصيبني رجل في حمل من آخر، فكتب سيدها إلى أبي بكر أو عمر، فأخبره الخبر، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فمكث النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من الغد، وكان مجلسهم الحجر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: جاءني جبريل في مجلسي هذا، عن الله: إن أحدكم ليس بالخيار على الله إذا شجع المشجع، ولكنه ﴿ يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور ﴾ فاعترف بولدك، فكتب بذلك فيها» .

وأخرج عبد الرزاق عن غيلان عن أنس رضي الله عنه قال: «ابتاع أبو بكر رضي الله عنه جارية أعجمية من رجل؛ قد كان أصابها، فحملت له، فأراد أبو بكر رضي الله عنه أن يطأها، فأبت عليه وأخبرت أنها حامل، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها حفظت فحفظ الله لها أن أحدكم إذا شجع ذلك المشجع، فليس بالخيار على الله، فردها إلى صاحبها الذي باعها» .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن يونس بن يزيد رضي الله عنه قال: سمعت الزهري رضي الله عنه، سئل عن قول الله: ﴿ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً ﴾ الآية قال: نزلت هذه الآية تعم من أوحى الله إليه من النبيين، فالكلام كلام الله الذي كلم به موسى من وراء حجاب، والوحي ما يوحي الله به إلى نبي من أنبيائه، فيثبت الله ما أراد من وحيه في قلب النبي، فيتكلم به النبي ويعيه وهو كلام الله ووحيه ومنه ما يكون بين الله ورسله لا يكلم به أحداً من الأنبياء ولكنه سر غيب بين الله ورسله، ومنه ما يتكلم به الأنبياء عليهم السلام ولا يكتبونه لأحد ولا يأمرون بكتابته، ولكنهم يحدثون به الناس حديثاً، ويبينون لهم أن الله أمرهم أن يبينوه للناس، ويبلغوهم، ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء من اصطفى من ملائكته، فيكلمون أنبياءه، ومن الوحي ما يرسل به إلى من يشاء، فيوحون به وحياً في قلوب من يشاء من رسله.

وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي، عن عائشة: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي؟

قال: «أحيانا يأتيني الملك في مثل صلصلة الجرس، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وهو أشده علي وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول» قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم، وإن جبينه ليتفصد عرقاً.

وأخرج أبو يعلى والعقيلي والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات وضعفه، عن سهل بن سعد وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دون الله سبعون ألف حجاب من نور وظلمة ما يسمع من نفس من حس تلك الحجب إلا زهقت نفسه» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً ﴾ الآية: بين الله تعالى فيها كلامه لعباده، وجعله على ثلاثة أوجه أحدها المذكور أولاً وهو الذي يكون بإلهام أو منام والآخر أن يسمعه كلامه من وراء حجاب الثالث الوحي بواسطة الملك وهو قوله: ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾ يعني ملكاً، فيوحي بإذنه ما يشاء إلى النبي، وهذا خاص بالأنبياء والثاني خاص بموسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ كلمة الله ليلة الإسراء، وأما الأول فيكون للأنبياء والأولياء كثيراً، وقد يكون لسائر الخلق ومنه، ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ﴾ [النحل: 68] ومنه؛ منامات الناس ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾ قرأ نافع يرسل ويوحي بالرفع، على تقدير أو هو يرسل والباقون بالنصب عطفاً على وحياً لأن تقديره: أن يوحي عطف على أن المقدرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ما تفعلون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وحفص ﴿ ينزل الغيث ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم ﴿ ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ بما كسبت ﴾ بدون فاء الجزاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون ﴿ فبما كسبت ﴾ بالفاء ﴿ الجواري ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل.

وقرأ قتيبة ونصير وأبو عمرو بالإمالة ﴿ الرياح ﴾ نافع.على الجمع: أبو جعفر ونافع.

﴿ ويعلم الذين ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو جعفر ونافع.

الباقون: بالنصب ﴿ كبير الإثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.

﴿ أو يرسل ﴾ بالرفع ﴿ فيوحى ﴾ بالإسكان: نافع وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون: بالنصب فيهما.

الوقوف: ﴿ كذباً ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ قلبك ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ بكلماته ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تفعلون ﴾ ه لا ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ كثير ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ ولا نصير ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ط ﴿ على ظهره ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه لا ﴿ كثير ﴾ ه لا لمن رفع ﴿ ويعلم ﴾ ومن نصب فوقفه مجوز ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف جملتي الشرط، ويحتمل أن يكون الوقف مطلقاً بناء على أن الثانية أخبار مستأنف ﴿ يتوكلون ﴾ ه ط ﴿ يغفرون ﴾ ه ج ﴿ الصلاة ﴾ ص لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد المقول ﴿ بينهم ﴾ ص لذلك ﴿ ينفقون ﴾ ه ج ﴿ ينتصرون ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ خفي ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ حفيظاً ﴾ ط ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ج ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ الذكور ﴾ ه لا ﴿ وإناثاً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف أي وهو يجعل ﴿ عقيماً ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أمرنا ﴾ ط ﴿ عبادنا ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في أول السورة أن هذا القرآن إنما حصل بوحي الله وانجر الكلام إلى ههنا حكى شبهة القوم وهي زعمهم أنه مفترى وليس بوحي فقال ﴿ أم يقولون افترى ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيه التوبيخ كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى أعظم أنواع الفرية وهو الافتراء على الله، ثم أجابهم بقوله ﴿ فإن يشاء الله يختم على قلبك ﴾ أي يجعلك من المختوم على قلوبهم فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم.

والغرض المبالغة في استبعاد الافتراء من مثله والتعريض بأن من ينسبه إلى الافتراء فهو مختوم على قلبه.

وقيل: لأنساك ما أتاك من القرآن ولكنه لم يشأ فأثبته فيه، وقيل: لأماتك فإن قلب الميت كالمختوم عليه ومثله ﴿ لقطعنا منه الوتين  ﴾ قاله قتادة.

وقال مجاهد ومقاتل: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يدخل قلبك حزن مما قالوه.

ثم استأنف فقال ﴿ ويمح الله الباطل ﴾ أي من عادته ذلك فلو كان محمد  مبطلاً لفضحه وكشف عن باطله، وحذف الواو من الخط لا للجزم كما في قوله ﴿ ويدع الإنسان  ﴾ ﴿ سندع الزبانية  ﴾ وفي تفسير الجبائي أن الواو حذف للجزم، والمعنى إن افتريت ختم على قلبك ومحا الباطل المفترى، فالاستئناف على هذا من قوله ﴿ ويحق الحق بكلماته  ﴾ أي يثبت ما هو الحق في نفسه بوحيه أو بقضائه.

ويجوز أن يكون وعداً لرسول الله  بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب ويظهر الحق الذي أنت عليه وهو القرآن بحكمه السابق وبعلمه القديم ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ فيجازي المبطل والمحق على حسب حاليهما وحين وبخهم على البهت والتكذيب ندبهم إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء والآية واضحة مما سلف تارات ولا سيما في أوائل البقرة في توبة آدم.

أما الضمير في قوله ﴿ ويستجيب ﴾ فعائد إلى الله  وأصله ويستجيب لهم فحذف الجار، والمراد أنه إذا دعوه استجاب لهم وأعطاهم ما طلبوا وزادهم على مطلوبهم تفضلاً.

وقيل: لا ضمير فيه وإنما الظاهر بعده فاعله.

قال سعيد بن جبير: أراد أن المؤمنين يجيبونه إذا دعاهم.

وعن إبراهيم بن أدهم  أنه قيل: ما بالنا ندعو فلا نجاب؟

قال: لأنه دعاكم فلو تجيبوه وقرأ ﴿ والله يدعو إلى دار السلام ويستجيب الذين آمنوا  ﴾ وحيث وعد الاستجابة للمؤمنين كان لسائل أن يقول: إنا نرى المؤمن في شدة وبلية وفقر ثم إنه يدعو الله فلا يشاهد أثر الإجابة فلا جرم قال ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ أي ظلم بعضهم بعضاً وعصوا الله.

وهذه ليست بقضية كلية دائمة ولكنها أكثرية، فإن المال معين قوي على تحصيل المطالب ودفع ما لا يلائم النفس، وإذا كانت الآلة موجودة وداعية الشر في طبع الإنسان مجبولة فقلما لا يقع مقتضاه في الخارج وأيضاً إن أكثر الناس إنما يخدم مثله ويتسخره طمعاً في ماله أو جاهه التابع للمال غالباً، فلو تساويا في المال استنكف كل منهما من الانقياد لصاحبه فارتفعت رابطة التعاون وانقطعت سلسلة التمدن، وقيل: إن الآية نزلت في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وأغار بعضهم على بعض ولبعضهم شعر قوم إذا نبت الربيع بأرضهم *** نبتت عداوتهم مع البقل وقال محمد بن جرير: نزلت في أصحاب الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى.

وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي على قدر المصلحة ووفق حال الشخص كقوله ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم  ﴾ وحين بين أن حكمته اقتضت عدم توسيع الرزق على كل الخلق أراد أن يبين أنه لا يترك ما يحتاجون إليه وإن بلغ أمرهم إلى حد اليأس والقنوط فقال ﴿ وهو الذي ينزل الغيث ﴾ الآية.

ونشر الرحمة عموم المطر الأرض أو هي عامة في كل رحمة سوى المطر ﴿ وهو الولي ﴾ الذي يتولى أمور عباده ﴿ الحميد ﴾ على كل ما يفعله.

ولا ريب أن هذه من جملة دلائل القدرة فلذلك عطف عليها قوله ﴿ ومن آياته خلق السموات والأرض ﴾ ومحل قوله ﴿ وما بث ﴾ إما مجرور عطفاً على السموات أو مرفوع عطفاً على خلق.

وإنما قال ﴿ فيهما من دابة ﴾ مع أن الدواب في الأرض وحدها لأن الشيء قد ينسب إلى جميع المذكور وإن كان متلبساً ببعضه كما يقال: "بنو فلان فعلوا كذا" ولعله قد فعله واحد منهم فقط.

ويجوز أن يكون للملائكة مع الطيران مشى فيتصفوا بالدبيب كالإنسان، أو يكون في السموات أنواع أخر من الخلائق يدبون كما يدب الحيوان في الأرض.

﴿ وهو على جمعهم ﴾ أي إحيائهم بعد الموت ﴿ إذا يشاء قدير ﴾ وإذا يدخل على الماضي ومعنى الاستقبال في ﴿ يشاء ﴾ يعود إلى تعلق المشيئة لا إلى نفس المشيئة القديمة.

ثم بين حال المكلفين وأن ما يصيبهم من ألم ومكروه وبلاء فهو عقوبة للمعاصي التي اكتسبوها، وأن الله يعفو عن كثير من الذنوب أو الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة رحمة أو استدراجاً.

قال الحسن: أراد إقامة الحدود على المعاصي وأنه لم يجعل لبعض الذنوب حداً.

وقيل: إن هذه في يوم القيامة فإن الدنيا دار تكليف لا دار جزاء.

ولقائل أن يقول: كون الجزاء الأوفى على الإثم مخصوصاً بالقيامة لا ينافي وصول بعض الجزاء إلى المكلف في الدنيا، ولهذا قال علي  : هذه أرجى آية للمؤمنين في كتاب الله.

وذلك أنه  قسم ذنوب المؤمنين صنفين: صنف يكفره عنهم بالمصائب، وصنف يعفو وهو كريم لا يرجع في عفوه، نعم لو عكست القضية وقيل ما كسبت أيديكم فإنه يصيبكم به ألم وعذاب في الدنيا لكان هذا منافياً لكون الجزاء في الآخرة ولحصول العفو أيضاً.

روي عن علي بن أبي طالب  أن النبي  قرأ هذه الآية فقال: "ما عفا الله عنه.

فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة وما عاقب عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد عليه العذاب في الآخرة".

قال أهل التناسخ: لولا أن الأطفال والبهائم لهم حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة ما كانوا ليتألموا فإنهم لا ذنوب لهم الآن.

وأجيب بالتزام أنهم لا يتألمون من المصائب والآلام وفيه بعد، وبأن الخطاب في الآية لذوي العقول البالغين، وبأنها في البالغين عقوبة أو زيادة درجة، وفي الأطفال مثوبة لهم أو لوالديهم.

ثم خاطب المشركين بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ الآية ثم ذكر دليلاً آخر قائلاً ﴿ ومن آياته الجواري ﴾ أي السفن الجواري ﴿ في البحر كالأعلام ﴾ أي كالجبال في العظم.

ولا شك أن جريانها بواسطة هبوب الرياح فلذلك قال ﴿ إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ﴾ أي فيصرن واقفة على ظهر ماء البحر ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار ﴾ على البلاء ﴿ شكور ﴾ على الآلاء أو صبار في السفينة شكور إذا خرج منها ﴿ أو ﴾ أن يشأ ﴿ يوبقهن ﴾ أي يهلك السفينة بما فيها بالغرق أو الكسر لعصوف الريح وغيره ﴿ بما كسبوا ﴾ من كفران نعم الله وعصيانه ﴿ ويعف عن كثير ﴾ من الذنوب فلا يجازي عليها في الدنيا ولا في الآخرة.

والحاصل أنه إن يشأ يسكن الريح فتبقى الجواري واقفة على متن البحر، أو أن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم.

من رفع ﴿ ويعلم ﴾ فعلى الاستئناف، ومن نصب فللعطف على تعليل محذوف أي لينتقم منهم ويعلم قاله في الكشاف.

وقال الكوفيون ومنهم الزجاج: النصب بإضمار "أن" لأن قبلها جزاء.

تقول: ما تصنع أصنع وأكرمك.

ووجهه أن هذا في تأويل المصدر المعطوف على مصدر أصنع مقدراً.

ثم استأنف قوله ﴿ ما لهم من محيص ﴾ أي لا مهرب للمجادلين عن عقابه.

ثم رغب المكلفين عن الدنيا وفي الدنيا وفي الآخرة وقد مر نظيره في القصص إلا أنه ذكر ههنا أن هذه الخيرية تحصل للموصوفين بصفات إحداها الإيمان، والثانية التوكل على الرب، والثالثة الاجتناب عن الكبائر والفواحش كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه  ﴾ ﴿ إنما حرم ربي الفواحش  ﴾ ومن قرأ ﴿ كبير ﴾ على التوحيد فللجنس، وفسره ابن عباس بالشرك، الرابعة الغفران عند الغضب "وهم" تأكيد للضمير أو مبتدأ ما بعده خبره.

قال بعض العلماء: يحتمل أن يراد بالكبائر ما يتعلق بالبدع والعقائد الفاسدة وهي من فساد القوة العقلية، وبالفواحش فساد القوة الشهوية، وبالأخيرة ما يتعلق بالقوة الغضبية.

قال المفسرون: نزل قوله ﴿ والذين استجابوا لربهم ﴾ في الأنصار دعاهم الله ورسوله إلى التوحيد فأطاعوا ورضوا بقضائه وواظبوا على الصلوات الخمس، وكانوا قبل الإسلام متشاورين في كل أمر دهمهم غير منفردين برأي، والشورى مصدر كالفتيا، والمضاف محذوف أي ذو التشاور.

وليس بين قوله ﴿ هم ينتصرون ﴾ أي ينتقمون وبين قوله ﴿ يغفرون ﴾ منافاة، فإن هذه أخص من الأولى إذ البغي هو الذي يؤدي إلى الفساد ولا يصير عفوه سبباً لتسكين ثائرة الفتنة ولرجوع الجاني عن جنايته، ويجوز أن يتوجه المدح في الانتصار إلى كون المظلوم بحيث يراعي حد الشرع ولا يتجاوزه حتى لو زاد عليه لم يكن منتصراً ولا يستحق المدح، فهذه خمس صفات أخرى للراغبين في الدار الآخرة.

ثم بين أن شرعة الانتصار مشروطة برعاية المماثلة فقال ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ حتى لو قال أخزاه الله لا يزيد في الجواب عليه شيئاً.

وسمى الثاني سيئة ازدواجاً للكلام أو لأن السيئة هي التي يكرهها الإنسان طبعاً كالقصاص والقطع وسائر الحدود.

وقد لا يمكن رعاية المماثلة كما في قتل الأنفس بنفس واحدة أو كقطع الأيدي بواحدة إذا تعاونوا على قطعها ذلك في الفقه.

وإنما عرف ذلك بنص آخر أو بقياس جلي.

ثم حث مع ذلك على العفو والصبر قائلاً ﴿ فمن عفى وأصلح ﴾ ما بينه وبين خصمه بالاغضاء والعفو ﴿ فأجره على الله ﴾ فإن الانتصار حسن في نفسه ولا سيما إذا كان فيه مصلحة دينية كزجر وارتداع إلا أن العفو أحسن لأنه لا يكاد يؤمن في الانتصار والتجاوز عن حد الاعتدال ولهذا حذر منه بقوله ﴿ إنه لا يحب الظالمين ﴾ روي عن النبي  : " "إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له أجر على الله فليقم فيقوم خلق فيقال لهم: ما أجركم على الله؟

فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا.

فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله" ثم كرر أن الانتصار لا يؤاخذ به ولا سبيل للوم إليه لئلا يظن أن وعد الأجر على العفو يقتضي قبح الانتصار في نفسه فقال ﴿ ولمن انتصر ﴾ الآية.

وقوله ﴿ بعد ظلمه ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول والباقي واضح إلى قوله ﴿ الأمور ﴾ وإنما أدخل اللام في الخبر خلاف ما في لقمان لأن الصبر على المكروه الذي هو ظلم أشد من الصبر على الذي ليس بظلم، وتكرير الحث على الصبر لمزيد التأكيد أيضاً، ثم ذكر أن الإضلال والهداية التي هي نقيضه إنما تتعلق بمشيئته.

والمعتزلة يتأولون الإضلال بالخذلان أو بالإضلال عن طريق الجنة.

ثم حكى أن الكفار عند معاينة عذاب النار يتمنون الرجعة إلى الدنيا، ثم عقبه بذكر حالهم حين يعرضون على النار.

الخشوع بمعنى الهوان ولهذا علق بقوله ﴿ من الذل ﴾ وقد يعلق بـ ﴿ ينظرون ﴾ أي لهذا السبب يبتدىء نظرهم من تحريك أجفانهم وهو ضعيف فإن الناظر إلى المكاره لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، وقد يفسر الطرف الخفي بمعنى البصيرة بناء على أن الكفار يحشرون عمياً فلا ينظرون إلا بقلوبهم والأكثرون أجابوا عنه فقالوا: لعلهم يكونون في الابتداء هكذا ثم يجعلون عمياً، أو لعل هذا في قوم وذاك في قوم.

ثم حكى قول المؤمنين فيهم ﴿ ويوم القيامة ﴾ ظرف ﴿ لخسروا ﴾ كما في " الزمر" فيحتمل أن يكون قول المؤمنين فيه أو في الدنيا.

وجوز في الكشاف أن يكون ظرفاً لقال.

والنكير الإنكار أي ما لكم من مخلص ولا من قدرة أن تنكروا شيئاً مما دوّن في صحائف أعمالكم أو مالكم من ينكر علينا حتى يغير شيئاً من أحوالكم.

ثم سلى نبيه بقوله ﴿ فإن أعرضوا ﴾ ثم ذكر سبب إصرارهم على عقائدهم الفاسدة وهو الضعف الذي جبل عليه الإنسان من البطر عند الغنى، والفراغ في زمن الصحة، والأمن في زمن الكفران، ونسيان نعم الله عند البلاء.

وإنما جمع قوله ﴿ وإن تصبهم ﴾ لأن الإنسان جنس يشمل أهل الغفلة كلهم.

وقوله ﴿ فإن الإنسان ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير وفائدته التسجيل على أن هذا الجنس من شأنه ذلك إلا إذا أدّب النفس وراضها.

ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ الآية.

والمقصود أن الإنسان لا يغتر بما يملكه من الجاه والمال ولا يعتقد أنه حصل بجد أوجده فيعجب به ويعرض عن طاعة ربه.

ثم ذكر من أقسام تصرفه في ملكه أنه يخص البعض من الحيوان بالأولاد الإناث، والبعض بالذكور، والبعض بالصنفين، والبعض يجعله عديم الولد.

وقدم ذكر الإناث تطييباً لقلوب آبائهن أو لأنهن مكروهات عند العرب فناسب أن يقرن اللفظ الدال عليهن باللفظ الدال على البلاء.

أو لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء الإنسان فكان ذكر الإناث التي هي من جملة ما لا يشاء الإنسان أهم.

وفيه نقل الإنسان من الغم إلى الفرح.

ولا ريب أن هذا أولى من العكس.

وفيه أن الإنسان إذا رضي بالأنثى فإذا أعطاه الذكر علم أنه فضل من الله.

وفيه أن العجز كلما كان أتم كانت عناية الله بحاله أوفر.

ثم أراد أن يتدارك تأخيرهم وهم أحقاء بالتقديم فعرف الذكور لأنه مع رعاية الفاصلة تنويه وتشهير كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام.

ثم قال ﴿ أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ﴾ فأعطى كلا الجنسين حقه.

ونصبهما على الحال، والضمير للأولاد أو على المفعولية، والضمير لمن يشاء أي يجمع لهم كلا الصنفين سواء كانا متساويين في العدد أم لا.

وقيل: معناه أن تلد أولاً غلاماً ثم جارية ثم غلاماً ثم جارية وهكذا قاله مجاهد.

وقيل أن تلد ذكراً وأنثى في بطن واحد قاله ابن الحنفية: وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأنبياء، وهب لشعيب ولوط أناثاً، ولإبراهيم  ذكوراً، ولمحمد  ذكوراً وهم القاسم والطاهر وعبد الله وإبراهيم، وإناثاً هن فاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم، وجعل يحيى وعيسى عقيماً.

والحق أن هذا التقسيم وإن كان مطابقاً لحال هؤلاء الأنبياء إلا أن في التخصيص ضيق عطن.

وإن صحت الرواية عن ابن عباس فالعبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، وحمل بعض أهل التأويل الإناث على أمور الدنيا والذكور على أمور الآخرة، وتزويج الصنفين على الجامع بين الأمرين، والعقيم على من لا دين له ولا دنيا ثم أكد كمال القدرة بقوله ﴿ وما كان لبشر ﴾ أي وما صح لأحد ﴿ أن يكلمه الله إلا ﴾ على أحد ثلاثة أنحاء: الأول الوحي وهو الإلهام أو المنام كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم  في ذبح ولده.

وعن مجاهد أن داود  ألهمه الزبور فكتبه حفظاً.

الثاني التكليم بلا واسطة ولكن من وراء حجاب.

والمجسمة استدلوا به على أنه  في جهة فإن الاحتجاب لا يصح إلا من ذي جهة ومكان، وأجيب بأن هذا مثل لأنه إذا سمع الصوت ولا يرى الشخص كان بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب كما كلم موسى ويكلم الملائكة.

وقيل: حجاب عن إدراك ذلك الكلام لا المتكلم.

وقيل: حجاب لموضع الكلام.

الثالث أن يرسل رسولاً كجبرائيل فيوحي الملك بإذن الله إلى النبي ما يشاؤه الله.

والأقسام الثلاثة كلها من قبيل الوحي ولكنه  جعل الوحي في الآية خاصاً بالأول، وتقدير الكلام: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً أو إلا وحياً أو إسماعاً أو إرسالاً، أو إلا أن يوحى أو يسمع أو يرسل.

ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف بمعنى أو هو يرسل أو على الحال بمعنى مرسلاً عطفاً على ﴿ وحياً ﴾ بمعنى موحياً.

وقيل: الوحي هو الوحي إلى الرسل بواسطة الملائكة، وإرسال الرسل إرسال الأنبياء إلى الأمم، فإن الصحيح عند أهل الحق أن الشيطان لا يقدر على إلقاء الباطل في أثناء الوحي.

وقد يقال: إن توجيه التكليف إلى العبد لا يتم إلا بثلاث مراتب من المعجزات، وذلك أن التسلسل محال فلا بد من سماع الملك كلام الله بلا واسطة.

فالملك يحتاج إلى معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله، وإذا بلغ الملك ذلك الكلام إلى النبي فلا بد للنبي من مشاهدة معجزة تدل على صدقه، وإذا بلغ الرسول لأمته فالأمر كذلك.

وهذا الثالث مشهور متفق عليه، وأما الأولان فعلهما يعرفان بنور الباطن ولا يفتقر إلى المعجزة لا في أول الأمر ولا كل مرة.

قال أهل التصديق: إن الأقسام الثلاثة اجتمعت لنبينا  ، لأنه في بدء الإسلام كان يرى الرؤيا الصادقة كفلق الصبح، وسمع الكلام من وراء الحجاب ليلة المعراج، وكان يأتيه جبرائيل إلى آخر عمره فلهذا قال عز من قائل ﴿ وكذلك أوحينا إليك ﴾ ويحتمل أن يراد كما أوحينا إلى سائر الأنبياء أوحينا إليك يعني بالطريق الأكثري وهو القسم الثالث.

ومعنى ﴿ روحاً من أمرنا ﴾ قرآنا من عندنا أو من عالم أمرنا كقوله ﴿ يلقى الروح من أمره ﴾ {غافر:15] و ﴿ ما كنت تدري ﴾ في المهد أو قبل البلوغ أو قبل الوحي ﴿ ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ يعني ما يتعلق بكمال الإيمان مما لا يكفي في معرفته مجرد العقل والنظر ويتوقف على النقل وإذن الشرع.

وقيل: أراد أهل الإيمان يعني من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للقرآن أو الإيمان أولهما جميعاً.

ووحد كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها  ﴾ وهداية الله خاصة.

وهداية النبي عامة وهي الدعوة، وصراط الله دينه، ومصير الكل إليه عبارة عن رجوعهم إلى حيث لا حكم لأحد سواه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يخبر أنه بما يأمرهم وينهاهم، وبما يمتحنهم بأنواع المحن بأمر ونهي، ولا يمتحن بحاجة نفسه في جرّ منفعة، واستفادة خير، أو دفع مضرة أو بلاء؛ إذ له ملك السماوات والأرض، ولكن إنما يأمرهم وينهاهم ويمتحنهم؛ لحاجة أنفسهم في إصلاحها وفكاكها ونجاتها عن المهالك، وهو كقوله: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ  ﴾ يخبر بما ذكر أنه غني، لا ينفعه إيمان مؤمن، ولا يزيد في ملكه، ولا يضرّه كفر كافر، ولا ينقص من ملكه.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ كقوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ...

﴾ الآية [آل عمران: 26].

ويحتمل أن يقول: له ملك السماوات والأرض؛ أي: هو يؤتي الملك من له الملك في الدنيا، وهو ينزع عمّن يشاء؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ...

﴾ الآية [آل عمران: 26].

وفيه نقض قول المعتزلة في خلق أفعال العباد منهم، وإنكارهم أن يكون فعل الله -  - مخافة وقوع الشرك في ذلك بينهم وبين الله -  - فيكون ذلك فعل الله -  - وفعل العبد؛ إذ هو تفسير الشركة في الشاهد.

فيقال لهم: إن الله -  - قال: له ملك السماوات والأرض، وقال في آية أخرى: ﴿ وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ  ﴾ وقد رأينا الملوك في الدنيا، ثم لم يوجب ذلك الشركة في ملكه؛ لاختلاف المعنى والجهات؛ إذ حقيقة الملك له، ولغيره ليست حقيقة الملك، إنما له ملك الانتفاع، لا على الإطلاق؛ فعلى ذلك أفعال العباد من الخيرات خلقاً لله  ، فيكون على قولهم غير خالق لأكثر الأشياء مما شاء؛ وهذا لأن قوله: ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ إما أن خرج على الوصف بالربوبية لله  والألوهية، أو على وجه الوعد والخبر بأنه يخلق ما يشاء.

فإن كان على الوصف له بالربوبية؛ فلا يكون ذلك وصف الربوبية؛ إذ لا يكون خالقاً لجزء من عشرة آلاف من الأشياء التي شاء أن يخلقها، وإن كان على الوعد والخبر فيخرج كذباً على قولهم، فنعوذ بالله  من السرف في القول، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ﴾ يخبر -  - أن الأولاد جميعاً من الذكور والإناث مواهب الله -  - وهداياه، فيجب أن يقبلوها منه قبول الهدايا والهبات على الشكر له والمنة، ثم بدأ بذكر الإناث ثم بالذكور؛ لأن من الناس من إذا ولد له الإناث يعدها مصيبة، ويثقل ذلك عليه، وعلى ذلك ما أخبر عن الكفرة أنهم إذا بشروا بالأنثى ظلت وجوههم مسودة بقوله -  -: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ  ﴾ يخبر عن ثقل ذلك عليهم، وغيظهم على ذلك فبدأ بذكر ذلك؛ لئلا يعد أهل الإسلام الأولاد الإناث مصيبة وبلاء على ما عدها الكفرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً ﴾ ، التزويج: هو الجمع بين الشكلين والمتماثلين في الحقيقة، وقد يسمى التزويج بين المتضادين مجازاً - والله أعلم - فيكون معنى قوله: ﴿ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً ﴾ أي: يقرن ويجمع بين الإناث والذكور، فيهب له من النوعين جميعاً حالة واحدة.

وقال القتبي: ﴿ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً ﴾ ، أي: يجعل بعضهم بنين و[بعضهم] بنات، تقول العرب: زوجت أهلي: إذا قرنت بعضها ببعض، وزوجت الكبار بالصغار إذا قرنت كبيراً بصغير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً ﴾ والعقيم من النساء: التي لا تلد، وهي لا توصف بالبركة، ويقال: إنها ليست مباركة، لا يرغب فيها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بإنشاء الأولاد والإناث في الرحم، ﴿ قَدِيرٌ ﴾ على ذلك.

أو ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بمصالح الخلق، ﴿ قَدِيرٌ ﴾ : لا يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ﴾ كأن هذا إنما ذكر وأخبر عن نازلة أو سؤال كان عن كيفية الرسالة، وهل الرسل - عليهم السلام - يرون ربهم ويشاهدونه ويشافهونه؟

فأخبر أنه ليس من البشر من يكلمه إلا بالطرق الثلاثة التي ذكرها، والسؤال وقع عن الرؤية في الدنيا، فيكون الجواب بناء على السؤال، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ إِلاَّ وَحْياً ﴾ قال بعضهم: ﴿ إِلاَّ وَحْياً ﴾ : ما يرى في المنام، ورؤيا الأنبياء - عليهم السلام - حقيقة.

وقوله: ﴿ أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ﴾ نحو ما كلم موسى -  - ألقى في مسامعه صوتاً مخلوقاً على ما شاء وكيف [شاء]، من غير [أنْ] كان ثَمَّ ثالثٌ.

وقوله: ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ﴾ أي: يرسل ملكا يخبره عن الله -  - وطرق الرسول إلى معرفة ذلك في الدنيا الوجوه التي ذكرنا: إما الإلهام، وإما الإلقاء في المسامع، وإما رسول يرسل فيخبر عن أمره وكلامه، فأما أن يحتمل وسع أحد رؤيته أو يشافهه أو يعاينه في الدنيا فلا، والله الموفق.

ثم اختلف في قوله: ﴿ أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ﴾ : قال بعضهم: الحجب أنفسها هي حقيقة الحجب.

وقال بعضهم: الحجاب: هو عجزهم عن احتمال رؤيته؛ لأن الله -  - أنشأهم على بنية وخلقة لا تقوم أنفسهم القيام لذلك على ما أخبر - عز وجل - حيث قال لموسى -  -: ﴿ وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي  ﴾ أي: فإن احتمل ذلك فاحتمل ما سألت، والله أعلم.

وفي الآية: أن الله -  - يكون مكلماً للبشر بالرسول، وإن لم يشافهه المرسل، وكأن ذلك تسمية بطريق المجاز؛ إذ لم يكن في الحقيقة كلام الرسول كلام المرسل، وكذلك في قوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ  ﴾ لا يكون ما يسمع من الرسول -  - كلام الله حقيقة، وكذا ما يقال: سمعت من فلانة قول فلان، أو حديث فلان كله، على المجاز، ليس على التحقيق، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون سبب نزول قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً...

﴾ الآية - قول أولئك الكفرة؛ حيث أخبر الله -  - بقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ...

﴾ الآية [البقرة: 118]، وقولهم: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا  ﴾ سألوا أن يروا ربهم جهاراً، فقد حجبوا عن رؤية الله -  - في الدنيا والآخرة، حيث قال: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ  ﴾ وسألوا أن يكلمهم شفاها، فأخبر أنه لا يكلم أحداً شفاهاً، ولكن يكلم بما ذكر من الأوجه الثلاثة؛ حيث قال: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾ ردّاً عليهم، فأخبر الله -  -: أن طريق تكليمه الخلق في الدنيا هذه الوجوه التي ذكرنا، وقد كلم البشر من هذه السبيل والطريق التي ذكر؛ حيث قال: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ أخبر أنه أنزل إليهم ما ذكر، كما أنزل على الرسول، وحيث قال: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 6]، وغير ذلك من الآيات مما يكون كأنه قد كلمهم بما ذكر، كما كلم الرسل من الوجوه التي ذكر.

وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ﴾ كأنه يقول: هكذا أوحينا إلى الرسل الذين من قبلك بالوجوه والطرق التي ذكرنا كما أوحينا إلى الذين من قبلك.

وقوله: ﴿ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ رُوحاً ﴾ جبريل بأمرنا.

وقال بعضهم: أي: أوحينا إليك أمراً من أمرنا.

وقال بعضهم: ﴿ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ﴾ أي: الكتاب الذي أنزله عليه وأوجبه إليه، سماه: روحاً؛ لأنه يحيي به الدين، وتكون به حياة الدين، ويحيي به الأبدان، وهو حياة الذكر والشرف، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ  ﴾ حياة الذكر والشرف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ ﴾ أمّا الكتاب فإنّه لا شك أنه كان لا يدريه ولا يعلمه حتى أدراه وأعلمه، وأمّا الإيمان حيث أخبر أنه لا يدريه فهو يحتمل وجوهاً: أحدها: ما كنت تدري ما الإيمان؟

في حق اللسان.

أو ما كنت تدري ما الإيمان؟

في حق الإيمان.

أو ما كنت تدري ما الإيمان؟

في حق قدره ومحله ومنزلته عند الله  .

فإن كان المراد في حق اللسان، فهو ظاهر أنه كان لا يدري في حق ابتداء الأمر أن الإيمان هو التصديق أو التوحيد، أو ما هو؟

وهو معروف أنه كان لا يدريه في حق اللسان حتى أدراه وأعلمه أنه ماذا؟

وكذلك جميع أهل اللسان، لا علم [لهم] بذلك حتى علمهم رسول الله  "فنزل [جبريل]، وسأل النبي  : ما الإيمان؟

وما الإسلام؟

على صورة أعرابي حتى قال النبي  : إن هذا كان جبريل نزل ليعلمكم معالم دينكم" ، والله أعلم.

وإن كان في حق فعل الإيمان ومباشرة ركنه، فهو إذن كان غير قادر على فعله وإتيانه على هذه وكان لا يدري، لكنه لا يدريه فإنه لا يوصف بالجهل به؛ ألا ترى أن الصغار لا يدرون، ولا يقال: إنهم جهلة، وإنما يوصف بالجهل من ملك الفكرة والنظر وأسباب العلم ثم ترك ذلك، فعند ذلك يوصف بالجهل، فأما من يملك ذلك ولم يبلغ هذا المبلغ فإنه لا يوصف بالجهل؛ ألا ترى أنه يقال للأعراض والأشياء: إنها لا تدري ولا توصف بالجهل؛ فعلى ذلك يجوز أن يوصف ويقال: إنه كان لا يدري، ولا يوصف ولا يقال: إنه كان جاهلا به، والله أعلم.

ألا ترى أن الولد في البطن لا يوصف بأن له سمعاً وبصراً ونحوه؛ لأنه ليس بمحل للسماع والبصر، فإذا أخرج منه عند ذلك يجعل له لما مكن من السماع والبصر، وهو ما ذكر بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ  ﴾ عندما مكن لهم ذلك.

وإن كان المراد: أنه لا يدري في حق المحل والمنزلة والقدر، فهو هكذا كان لا يدري ما محل الإيمان وقدره عند الله  ؟

حتى أدراه وأعلمه محله ومنزلته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً ﴾ فإن كان المراد هو الإيمان فهو نور بالحجج والبرهان، وهو كما ذكر: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ .

وإن كان المراد هو الكتاب، فهو نور لما يرفع جميع حجب القلوب وسواترها عمن اتبعه ونظر إليه بعين التعظيم.

وقوله: ﴿ نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ ﴾ من علم أنه يختاره شاء أن يهديه.

ثم قوله: ﴿ نَّهْدِي بِهِ ﴾ يحتمل: القرآن.

ويحتمل الإيمان نفسه؛ أي: يجعله بالإيمان مهتدياً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

قوله: ﴿ لَتَهْدِيۤ ﴾ يحتمل: لتدعو، أو لتبين لهم الصراط المستقيم، ثم فسره بقوله -  -: ﴿ صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ لم يفهم من صراط الله ما يفهم من صراط الخلق، أو صراط فلان، فكيف يفهم من مجيئه أو إتيانه ما يفهم من مجيء الخلق أو إتيانه، فهذا يدل أن لا كل ما أضيف إلى الله -  - يفهم منه ما يفهم مما يكون من الخلق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ ﴾ .

يحتمل: ألا إلى الله يرجع تدبير الأمور.

ويحتمل: ألا إلى الله تصير الأمور في الآخرة، وهو البعث، والله أعلم بالصواب.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ما يصحُّ لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا بالإلهام أو غيره، أو يكلمه، بحيث يسمع كلامه ولا يراه، أو يرسل إليه ملكًا رسولًا مثل جبريل، فيوحي إلى الرسول البشري بإذن الله ما يشاء الله أن يوحيه، إنه سبحانه عليٌّ في ذاته وصفاته، حكيم في خلقه وقدره وشرعه.

من فوائد الآيات وجوب المسارعة إلى امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.

مهمة الرسول البلاغ، والنتائج بيد الله.

هبة الذكور أو الإناث أو جمعهما معًا هو على مقتضى علم الله بما يصلح لعباده، ليس فيها مزية للذكور دون الإناث.

يوحي الله تعالى إلى أنبيائه بطرق شتى؛ لِحِكَمٍ يعلمها سبحانه.

<div class="verse-tafsir" id="91.7YGRO"

مزيد من التفاسير لسورة الشورى

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله