الآية ٥٢ من سورة الشورى

الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ٥٢ من سورة الشورى

وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًۭا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًۭا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٥٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٢ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٢ من سورة الشورى عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) يعني القرآن ، ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) أي : على التفصيل الذي شرع لك في القرآن ، ( ولكن جعلناه ) أي القرآن ( نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ) ، كقوله : ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ) [ فصلت : 44 ] .

وقوله : ( وإنك ) [ أي ] يا محمد ( لتهدي إلى صراط مستقيم ) ، وهو الخلق القويم .

ثم فسره بقوله :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) يعني تعالى ذكره بقوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) وكما كنا نوحي في سائر رسلنا, كذلك أوحينا إليك يا محمد هذا القرآن, روحا من أمرنا: يقول: وحيا ورحمة من أمرنا.

واختلف أهل التأويل في معنى الروح في هذا الموضع, فقال بعضهم: عنى به الرحمة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, عن الحسن في قوله: (رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) قال: رحمة من أمرنا.

وقال آخرون: معناه: وحيا من أمرنا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) قال: وحيا من أمرنا.

وقد بيَّنا معنى الروح فيما مضى بذكر اختلاف أهل التأويل فيها بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وقوله: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ) يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ما كنت تدري يا محمد أي شيء الكتاب ولا الإيمان اللذين أعطيناكهما.

(وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا) يقول: ولكن جعلنا هذا القرآن, وهو الكتاب نورا, يعني ضياء للناس, يستضيئون بضوئه الذي بين الله فيه, وهو بيانه الذي بين فيه, مما لهم فيه في العمل به الرشاد, ومن النار النجاة (نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) يقول: نهدي بهذا القرآن, فالهاء فى قوله " به " من ذكر الكتاب.

ويعني بقوله: (نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ) : نسدد إلى سبيل الصواب, وذلك الإيمان بالله (مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) يقول: نهدي به من نشاء هدايته إلى الطريق المستقيم من عبادنا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ(مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ) يعني محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم (وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) يعني بالقرآن.

وقال جل ثناؤه (وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ) فوحد الهاء, وقد ذكر قبل الكتاب والإيمان, لأنه قصد به الخبر عن الكتاب.

وقال بعضهم: عنى به الإيمان والكتاب, ولكن وحد الهاء, لأن أسماء الأفعال يجمع جميعها الفعل, كما يقال: إقبالك وإدبارك يعجبني, فيوحدهما وهما اثنان.

وقوله: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: وإنك يا محمد لتهدي إلى صراط مستقيم عبادنا, بالدعاء إلى الله, والبيان لهم.

كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) قال تبارك وتعالى وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ داع يدعوهم إلى الله عز وجل.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) قال: لكل قوم هاد.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ(وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يقول: تدعو إلى دين مستقيم.

يقول جلّ ثناؤه: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم, وهو الإسلام, طريق الله الذي دعا إليه عباده.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيمفيه أربع مسائل : الأولى : قوله تعالى : وكذلك أوحينا إليك أي وكالذي أوحينا إلى الأنبياء من قبلك [ ص: 52 ] أوحينا إليك روحا أي : نبوة ، قاله ابن عباس .

الحسن وقتادة : رحمة من عندنا .

السدي : وحيا .

الكلبي : كتابا .

الربيع : هو جبريل .

الضحاك : هو القرآن .

وهو قول مالك بن دينار .

وسماه روحا لأن فيه حياة من موت الجهل .

وجعله من أمره بمعنى أنزله كما شاء على من يشاء من النظم المعجز والتأليف المعجب .

ويمكن أن يحمل قوله : ويسألونك عن الروح على القرآن أيضا قل الروح من أمر ربي أي : يسألونك من أين لك هذا القرآن ؟

، قل إنه من أمر الله أنزل علي معجزا ، ذكره القشيري .

وكان مالك بن دينار يقول : يا أهل القرآن ، ماذا زرع القرآن في قلوبكم ؟

فإن القرآن ربيع القلوب كما أن الغيث ربيع الأرض .الثانية : قوله تعالى : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان أي لم تكن تعرف الطريق إلى الإيمان .

وظاهر هذا يدل على أنه ما كان قبل الإيحاء متصفا بالإيمان .

قال القشيري : وهو من مجوزات العقول ، والذي صار إليه المعظم أن الله ما بعث نبيا إلا كان مؤمنا به قبل البعثة .

وفيه تحكم ، إلا أن يثبت ذلك بتوقيف مقطوع به .

قال القاضي أبو الفضل عياض وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة فللناس فيه خلاف ، والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شيء من ذلك .

وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا ، ونشأتهم على التوحيد والإيمان ، بل على إشراق أنوار المعارف ونفحات ألطاف السعادة ، ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم حقق ذلك ، كما عرف من حال موسى وعيسى ويحيى وسليمان وغيرهم عليهم السلام .

قال الله تعالى : وآتيناه الحكم صبيا قال المفسرون : أعطي يحيى العلم بكتاب الله في حال صباه .

قال معمر : كان ابن سنتين أو ثلاث ، فقال له الصبيان : لم لا تلعب!

فقال : أللعب خلقت!

وقيل في قوله : مصدقا بكلمة من الله صدق يحيى بعيسى وهو ابن ثلاث سنين ، فشهد له أنه كلمة الله وروحه وقيل : صدقه وهو في بطن أمه ، فكانت أم يحيى تقول لمريم إني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك تحية له .

وقد نص الله على كلام عيسى لأمه عند ولادتها إياه بقوله : ألا تحزني على قراءة من قرأ " من تحتها " ، وعلى قول من قال : إن المنادي عيسى ونص على كلامه في مهده فقال : إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا .

وقال : [ ص: 53 ] ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وقد ذكر من حكم سليمان وهو صبي يلعب في قصة المرجومة وفي قصة الصبي ما اقتدى به أبوه داود .

وحكى الطبري أن عمره كان حين أوتي الملك اثني عشر عاما .

وكذلك قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وأخذه بلحيته وهو طفل .

وقال المفسرون في قوله تعالى : ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل أي : هديناه صغيرا ، قاله مجاهد وغيره .

وقال ابن عطاء : اصطفاه قبل إبداء خلقه .

وقال بعضهم : لما ولد إبراهيم بعث الله إليه ملكا يأمره عن الله تعالى أن يعرفه بقلبه ويذكره بلسانه فقال : قد فعلت ، ولم يقل أفعل ، فذلك رشده .

وقيل : إن إلقاء إبراهيم في النار ومحنته كانت وهو ابن ست عشرة سنة .

وإن ابتلاء إسحاق بالذبح وهو ابن سبع سنين .

وإن استدلال إبراهيم بالكوكب والقمر والشمس كان وهو ابن خمس عشرة سنة .

وقيل : أوحي إلى يوسف وهو صبي عندما هم إخوته بإلقائه في الجب بقوله تعالى : وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا الآية ، إلى غير ذلك من أخبارهم .

وقد حكى أهل السير أن آمنة بنت وهب أخبرت أن نبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم - ولد حين ولد باسطا يديه إلى الأرض رافعا رأسه إلى السماء ، وقال في حديثه - صلى الله عليه وسلم - : لما نشأت بغضت إلي الأوثان وبغض إلي الشعر ولم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين فعصمني الله منهما ثم لم أعد .

ثم يتمكن الأمر لهم ، وتترادف نفحات الله تعالى عليهم ، وتشرق أنوار المعارف في قلوبهم حتى يصلوا الغاية ، ويبلغوا باصطفاء الله تعالى لهم بالنبوة في تحصيل الخصال الشريفة النهاية دون ممارسة ولا رياضة .

قال الله تعالى : ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما .قال القاضي : ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحدا نبئ واصطفي ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك .

ومستند هذا الباب النقل .

وقد استدل بعضهم بأن القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله .

قال القاضي : وأنا أقول إن قريشا قد رمت نبينا - عليه السلام - بكل ما افترته ، وعير كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها واختلقته ، مما نص الله عليه أو نقلته إلينا الرواة ، ولم نجد في شيء من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهتهم وتقريعه بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه .

ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين ، وبتلونه في معبوده محتجين ، [ ص: 54 ] ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركه آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم من قبل ، ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه ، إذ لو كان لنقل وما سكتوا عنه كما لم يسكتوا عن تحويل القبلة وقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها كما حكاه الله عنهم .الثالثة : وتكلم العلماء في نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، هل كان متعبدا بدين قبل الوحي أم لا ، فمنهم من منع ذلك مطلقا وأحاله عقلا .

قالوا : لأنه يبعد أن يكون متبوعا من عرف تابعا ، وبنوا هذا على التحسين والتقبيح .

وقالت فرقة أخرى : بالوقف في أمره - عليه السلام - وترك قطع الحكم عليه بشيء في ذلك ، إذ لم يحل الوجهين منهما العقل ولا استبان عندها في أحدهما طريق النقل ، وهذا مذهب أبي المعالي .

وقالت فرقة ثالثة : إنه كان متعبدا بشرع من قبله وعاملا به ، ثم اختلف هؤلاء في التعيين ، فذهبت طائفة إلى أنه كان على دين عيسى فإنه ناسخ لجميع الأديان والملل قبلها ، فلا يجوز أن يكون النبي على دين منسوخ .

وذهبت طائفة إلى أنه كان على دين إبراهيم ; لأنه من ولده وهو أبو الأنبياء .

وذهبت طائفة إلى أنه كان على دين موسى ; لأنه أقدم الأديان .

وذهبت المعتزلة إلى أنه لا بد أن يكون على دين ولكن عين الدين غير معلومة عندنا .

وقد أبطل هذه الأقوال كلها أئمتنا ، إذ هي أقوال متعارضة وليس فيها دلالة قاطعة ، وإن كان العقل يجوز ذلك كله .

والذي يقطع به أنه - عليه السلام - لم يكن منسوبا إلى واحد من الأنبياء نسبة تقتضي أن يكون واحدا من أمته ومخاطبا بكل شريعته ، بل شريعته مستقلة بنفسها مفتتحة من عند الله الحاكم - جل وعز - وأنه - صلى الله عليه وسلم - كان مؤمنا بالله عز وجل ، ولا سجد لصنم ، ولا أشرك بالله ، ولا زنى ولا شرب الخمر ، ولا شهد السامر ولا حضر حلف المطر ولا حلف المطيبين ، بل نزهه الله وصانه عن ذلك .

فإن قيل : فقد روى عثمان بن أبي شيبة حديثا بسنده عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم ، فسمع ملكين خلفه أحدهما يقول لصاحبه : اذهب حتى تقوم خلفه ، فقال الآخر : كيف أقوم خلفه وعهده باستلام الأصنام [ ص: 55 ] فلم يشهدهم بعد ؟

فالجواب أن هذا حديث أنكره الإمام أحمد بن حنبل جدا وقال : هذا موضوع أو شبيه بالموضوع .

وقال الدارقطني : إن عثمان وهم في إسناده ، والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه ، والمعروف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلافه عند أهل العلم من قوله : بغضت إلي الأصنام وقوله في قصة بحيرا حين استحلف النبي - صلى الله عليه وسلم - باللات والعزى إذ لقيه بالشام في سفرته مع عمه أبي طالب وهو صبي ، ورأى فيه علامات النبوة فاختبره بذلك ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تسألني بهما فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما فقال له بحيرا : فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ، فقال : سل عما بدا لك .

وكذلك المعروف من سيرته - عليه السلام - وتوفيق الله إياه له أنه كان قبل نبوته يخالف المشركين في وقوفهم بمزدلفة في الحج ، وكان يقف هو بعرفة ، لأنه كان موقف إبراهيم عليه السلام .

فإن قيل : فقد قال الله تعالى : قل بل ملة إبراهيم وقال : أن اتبع ملة إبراهيم وقال : شرع لكم من الدين الآية .

وهذا يقتضي أن يكون متعبدا بشرع .

فالجواب أن ذلك فيما لا تختلف فيه الشرائع من التوحيد وإقامة الدين ، على ما تقدم بيانه في غير موضع وفي هذه السورة عند قوله : شرع لكم من الدين والحمد لله .الرابعة : إذا تقرر هذا فاعلم أن العلماء اختلفوا في تأويل قوله تعالى : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان فقال جماعة : معنى الإيمان في هذه الآية شرائع الإيمان ومعالمه ، ذكره الثعلبي .

وقيل : تفاصيل هذا الشرع ، أي : كنت غافلا عن هذه التفاصيل .

ويجوز إطلاق لفظ الإيمان على تفاصيل الشرع ، ذكره القشيري : وقيل : ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن ، ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان ، ونحوه عن أبي العالية .

وقال بكر القاضي : ولا الإيمان الذي هو الفرائض والأحكام .

قال : وكان قبل مؤمنا بتوحيده ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدريها قبل ، فزاد بالتكليف إيمانا .

وهذه الأقوال الأربعة متقاربة .

وقال ابن خزيمة : عنى بالإيمان الصلاة ، لقوله تعالى : وما كان الله ليضيع إيمانكم أي : صلاتكم إلى بيت المقدس ، فيكون اللفظ عاما والمراد الخصوص .وقال الحسين بن الفضل : أي : ما كنت تدري ما الكتاب ولا أهل الإيمان .

وهو من باب حذف المضاف ، أي : من الذي يؤمن ؟

أبو طالب أو العباس أو غيرهما .

وقيل : ما كنت تدري شيئا إذ كنت في المهد وقبل البلوغ .

وحكى الماوردي نحوه عن علي بن عيسى قال : ما كنت تدري ما الكتاب لولا الرسالة ، ولا الإيمان [ ص: 56 ] لولا البلوغ .

وقيل : ما كنت تدري ما الكتاب لولا إنعامنا عليك ، ولا الإيمان لولا هدايتنا لك ، وهو محتمل .

وفي هذا الإيمان وجهان : أحدهما : أنه الإيمان بالله ، وهذا يعرفه بعد بلوغه وقبل نبوته .

والثاني : أنه دين الإسلام ، وهذا لا يعرفه إلا بعد النبوة .قلت : الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مؤمنا بالله - عز وجل - من حين نشأ إلى حين بلوغه ، على ما تقدم .

وقيل : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان أي : كنت من قوم أميين لا يعرفون الكتاب ولا الإيمان ، حتى تكون قد أخذت ما جئتهم به عمن كان يعلم ذلك منهم ، وهو كقوله تعالى : وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون روي معناه عن ابن عباس - رضي الله عنهما .ولكن جعلناه قال ابن عباس والضحاك : يعني الإيمان .

السدي : القرآن وقيل الوحي ، أي : جعلنا هذا الوحي نورا نهدي به من نشاء أي من نختاره للنبوة ، كقوله تعالى : يختص برحمته من يشاء ووحد الكتابة لأن الفعل في كثرة أسمائه بمنزلة الفعل في الاسم الواحد ، ألا ترى أنك تقول : إقبالك وإدبارك يعجبني ، فتوحد ، وهما اثنان .وإنك لتهدي أي تدعو وترشد إلى صراط مستقيم دين قويم لا اعوجاج فيه .

وقال علي : إلى كتاب مستقيم .

وقرأ عاصم الجحدري وحوشب ( وإنك لتهدى ) غير مسمى الفاعل ، أي : لتدعى .

الباقون ( لتهدي ) مسمي الفاعل .

وفي قراءة أبي ( وإنك لتدعو ) .

قال النحاس : وهذا لا يقرأ به ; لأنه مخالف للسواد ، وإنما يحمل ما كان مثله على أنه من قائله على جهة التفسير ، كما قال : وإنك لتهدي أي : لتدعو .

وروى معمر عن قتادة في قوله تعالى : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم قال : ولكل قوم هاد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَكَذَلِكَ } حين أوحينا إلى الرسل قبلك { أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا } وهو هذا القرآن الكريم، سماه روحا، لأن الروح يحيا به الجسد، والقرآن تحيا به القلوب والأرواح، وتحيا به مصالح الدنيا والدين، لما فيه من الخير الكثير والعلم الغزير.وهو محض منة الله على رسوله وعباده المؤمنين، من غير سبب منهم، ولهذا قال: { مَا كُنْتَ تَدْرِي } أي: قبل نزوله عليك { مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ } أي: ليس عندك علم بأخبار الكتب السابقة، ولا إيمان وعمل بالشرائع الإلهية، بل كنت أميا لا تخط ولا تقرأ، فجاءك هذا الكتاب الذي { جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } يستضيئون به في ظلمات الكفر والبدع، والأهواء المردية، ويعرفون به الحقائق، ويهتدون به إلى الصراط المستقيم.{ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } أي: تبينه لهم وتوضحه، وتنيره وترغبهم فيه، وتنهاهم عن ضده، وترهبهم منه، ثم فسر الصراط المستقيم فقال: { صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وكذلك ) أي : كما أوحينا إلى سائر رسلنا ، ( أوحينا إليك روحا من أمرنا ) قال ابن عباس : نبوة .

وقال الحسن : رحمة .

وقال السدي ومقاتل : وحيا .

وقال الكلبي : كتابا .

وقال الربيع : جبريل .

وقال مالك بن دينار : يعني القرآن .

( ما كنت تدري ) قبل الوحي ، ( ما الكتاب ولا الإيمان ) يعني شرائع الإيمان ومعالمه ، قال محمد بن إسحاق بن خزيمة : " الإيمان " في هذا الموضع : الصلاة ، ودليله : قوله - عز وجل - : وما كان الله ليضيع إيمانكم ( البقرة 143 ) .

وأهل الأصول على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا مؤمنين قبل الوحي ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم ، ولم يتبين له شرائع دينه .

( ولكن جعلناه نورا ) قال ابن عباس : يعني الإيمان .

وقال السدي : يعني القرآن .

( نهدي به ) نرشد به ، ( من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي ) أي لتدعو ، ( إلى صراط مستقيم ) يعني الإسلام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكذلك» أي مثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل «أوحينا إليك» يا محمد «روحاً» هو القرآن به تحيا القلوب «من أمرنا» الذي نوحيه إليك «ما كنت تدري» تعرف قبل الوحي إليك «ما الكتاب» القرآن «ولا الإيمان» أي شرائعه ومعالمه والنفي معلق للفعل عن العمل وما بعده سد مسد المفعولين «ولكن جعلناه» أي الروح أو الكتاب «نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي» تدعو بالوحي إليك «إلى صراط» طريق «مستقيم» دين الإسلام.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكما أوحينا إلى الأنبياء من قبلك -أيها النبي- أوحينا إليك قرآنًا من عندنا، ما كنت تدري قبله ما الكتب السابقة ولا الإيمان ولا الشرائع الإلهية؟

ولكن جعلنا القرآن ضياء للناس نهدي به مَن نشاء مِن عبادنا إلى الصراط المستقيم.

وإنك -أيها الرسول- لَتَدُلُّ وَتُرْشِدُ بإذن الله إلى صراط مستقيم- وهو الإسلام- صراط الله الذي له ملك جميع ما في السموات وما في الأرض، لا شريك له في ذلك.

ألا إلى الله- أيها الناس- ترجع جميع أموركم من الخير والشر، فيجازي كلا بعمله: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ..

) .والكاف فى قوله " كذلك " بمعنى مثل واسم الإِشارة يعود إلى ما أوحاه إلى الرسل السابقين .والمراد بالروح : القرآن - وسماه - سبحانه - روحا ، لأن الأرواح تحيا به ، كما تحيا الأبدان بالغذاء المادى .أى : ومثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل ، أوحينا إليك - أيها الرسول الكريم ، هذا القرآن ، الذى هو بمنزلة الأرواح للأجساد ، وقد أوحيناه إليك بأمرنا وإرادتنا ومشيئتنا ، وأنت - أيها الرسول الكريم - ما كنت تعرف أو تدرك حقيقة هذا الكتاب حتى عرفناك إياه ، وما كنت تعرف أو تدرك تفاصيل ، وشرائع وأحكام هذا الذين الذى أحينا إليك بعد النبوة .فالمقصود بهذه الآية الكريمة نفى علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذا القرآن قبل النبوة ، ونفى أن يكون - أيضا - عالما بتفاصيل وأحكام هذا الدين لا نفى أصل الإِيمان .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب والحكمة وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً ) وقوله - سبحانه - : ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هذا القرآن وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين ) والضمير فى قوله - تعالى - : ( ولكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ) يعود إلى القرآن الكريم ، الذى عبر عنه بالروح .أى : ولكن جعلنا هذا القرآن العظيم نورا ساطعا ، نهدى به من نشاء هدايته من عبادنا ( وَإِنَّكَ ) أيها الرسول الكريم ( لتهدي ) من أرسلناك إليهم ( إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) أى طريق واضح قويم اعوجاج فيه ولا التواء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن كمال قدرته وعلمه وحكمته أتبعه ببيان أنه كيف يخص أنبياءه بوحيه وكلامه وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ وما صح لأحد من البشر ﴿ أَن يُكَلّمَهُ الله ﴾ إلا على أحد ثلاثة أوجه، إما على الوحي وهو الإلهام والقذف في القلب أو المنام كما أوحى الله إلى أم موسى وإبراهيم عليه السلام في ذبح ولده، وعن مجاهد أوحى الله تعالى الزبور إلى داود عليه السلام في صدره، وإما على أن يسمعه كلامه من غير واسطة مبلغ، وهذا أيضاً وحي بدليل أنه تعالى أسمع موسى كلامه من غير واسطة مع أنه سماه وحياً، قوله تعالى: ﴿ فاستمع لِمَا يُوحَى  ﴾ وإما على أن يرسل إليه رسولاً من الملائكة فيبلغ ذلك الملك ذلك الوحي إلى الرسول البشري فطريق الحصر أن يقال وصول الوحي من الله إلى البشر إما أن يكون من غير واسطة مبلغ أو يكون بواسطة مبلغ، وإذا كان الأول هو أن يصل إليه وحي الله لا بواسطة شخص آخر فهاهنا إما أن يقال إنه لم يسمع عين كلام الله أو يسمعه، أما الأول: وهو أنه وصل إليه الوحي لا بواسطة شخص آخر وما سمع عين كلام الله فهو المراد بقوله: ﴿ إِلاَّ وَحْياً ﴾ وأما الثاني: وهو أنه وصل إليه الوحي لا بواسطة شخص آخر ولكنه سمع عين كلام الله فهو المراد من قوله: ﴿ أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ ﴾ وأما الثالث: وهو أنه وصل إليه الوحي بواسطة شخص آخر فهو المراد بقوله: ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء ﴾ واعلم أن كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة وحي، إلا أنه تعالى خصص القسم الأول باسم الوحي، لأن ما يقع في القلب على سبيل الإلهام فهو يقع دفعة فكن تخصيص لفظ الوحي به أولى فهذا هو الكلام في تمييز هذه الأقسام بعضها عن بعض.

المسألة الثانية: القائلون بأن الله في مكان احتجوا بقوله: ﴿ أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ ﴾ وذلك لأن التقدير وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون الله من وراء حجاب، وإنما يصح ذلك لو كان مختصاً بمكان معين وجهة معينة والجواب: أن ظاهر اللفظ وإن أوهم ما ذكرتم إلا أنه دلّت الدلائل العقلية والنقلية على أنه تعالى يمتنع حصوله في المكان والجهة، فوجب حمل هذا اللفظ على التأويل، والمعنى أن الرجل سمع كلاماً مع أنه لا يرى ذلك المتكلم كان ذلك شبيهاً بما إذا تكلم من وراء حجاب، والمشابهة سبب لجواز المجاز.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى لا يرى، وذلك لأنه تعالى حصر أقسام وحيه في هذه الثلاثة ولو صحت رؤية الله تعالى لصح من الله تعالى أنه يتكلم مع العبد حال ما يراه العبد، فحينئذٍ يكون ذلك قسماً رابعاً زائداً على هذه الأقسام الثلاثة، والله تعالى نفى القسم الرابع بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ الله ﴾ إلا على هذه الأوجه الثلاثة والجواب: نزيد في اللفظ قيداً فيكون التقدير وما كان لبشر أن يكلمه الله في الدنيا إلا على أحد هذه الأقسام الثلاثة وحينئذٍ لا يلزم ما ذكرتموه، وزيادة هذا القيد وإن كانت على خلاف الظاهر لكنه يجب المصير إليها للتوفيق بين هذه الآيات وبين الآيات الدالة على حصول الرؤية في يوم القيامة، والله أعلم.

المسألة الرابعة: أجمعت الأمة على أن الله تعالى متكلم، ومن سوى الأشعري وأتباعه أطبقوا على أن كلام الله هو هذه الحروف المسموعة والأصوات المؤلفة، وأما الأشعري وأتباعه فإنهم زعموا أن كلام الله تعالى صفة قديمة يعبر عنها بهذه الحروف والأصوات.

أما الفريق الأول: وهم الذين قالوا كلام الله تعالى هو هذه الحروف والكلمات فهم فريقان أحدهما: الحنابلة الذين قالوا بقدم هذه الحروف وهؤلاء أخس من أن يذكروا في زمرة العقلاء، واتفق أني قلت يوماً لبعضهم لو تكلم الله بهذه الحروف إما أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب والتوالي والأول باطل لأن التكلم بجملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب على هذا التعاقب والتوالي، فوجب أن لا يكون هذا النظم المركب من هذه الحروف المتوالية كلام الله تعالى، والثاني: باطل لأنه تعالى لو تكلم بها على التوالي والتعاقب كانت محدثة، ولما سمع ذلك الرجل هذا الكلام قال لواجب علينا أن نقر ونمر، يعني نقر بأن القرآن قديم ونمر على هذا الكلام على وفق ما سمعناه فتعجبت من سلامة قلب ذلك القائل، وأما العقلاء من الناس فقد أطبقوا على أن هذه الحروف والأصوات كائنة بعد أن لم تكن حاصلة بعد أن كانت معدومة، ثم اختلفت عباراتهم في أنها هل هي مخلوقة، أو لا يقال ذلك، بل يقال إنها حادثة أو يعبر عنها بعبارة أخرى، واختلفوا أيضاً في أن هذه الحروف هل هي قائمة بذات الله تعالى أو يخلقها في جسم آخر، فالأول: هو قول الكرامية والثاني: قول المعتزلة، وأما الأشعرية الذين زعموا أن كلام الله صفة قديمة تدل عليها هذه الألفاظ والعبارات فقد اتفقوا على أن قوله: ﴿ أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ ﴾ هو أن الملك والرسول يسمع ذلك الكلام المنزّه عن الحرف والصوت من وراء حجاب، قالوا وكما لا يبعد أن ترى ذات الله مع أنه ليس بجسم ولا في حيز فأي بعد في أن يسمع كلام الله مع أنه لا يكون حرفاً ولا صوتاً؟

وزعم أبو منصور الماتريدي السمرقندي أن تلك الصفة القائمة يمتنع كونها مسموعة، وإنما المسموع حروف وأصوات يخلقها الله تعالى في الشجرة وهذا القول قريب من قول المعتزلة، والله أعلم.

المسألة الخامسة: قال القاضي هذه الآية تدل على حدوث كلام الله تعالى من وجوه: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ أَن يُكَلّمَهُ الله ﴾ يدل عليه لأن كلمة أن مع المضارع تفيد الاستقبال الثاني: أنه وصف الكلام بأنه وحي لأن لفظ الوحي يفيد أنه وقع على أسرع الوجوه الثالث: أن قوله: ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء ﴾ يقتضي أن يكون الكلام الذي يبلغه الملك إلى الرسول البشر مثل الكلام الذي سمعه من الله والذي يبلغه إلى الرسول البشري حادث، فلما كان الكلام الذي سمعه من الله مماثلاً لهذا الذي بلغه إلى الرسول البشري، وهذا الذي بلغه إلى الرسول البشري حادث ومثل الحادث حادث، وجب أن يقال إن الكلام الذي سمعه من الله حادث الرابع: أن قوله: ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ ﴾ يقتضي كون الوحي حاصلاً بعد الإرسال، وما كان حصوله متأخراً عن حصول غيره كان حادثاً والجواب: أنا نصرف جملة هذه الوجوه التي ذكرتموها إلى الحروف والأصوات ونعترف بأنها حادثة كائنة بعد أن لم تكن وبديهة العقل شاهدة بأن الأمر كذلك، فأي حاجة إلى إثبات هذا المطلوب الذي علمت صحته ببديهة العقل وبظواهر القرآن؟

والله أعلم.

المسألة السادسة: ثبت أن الوحي من الله تعالى، إما أن لا يكون بواسطة شخص آخر، ويمتنع أن يكون كل وحي حاصلاً بواسطة شخص آخر، وإلا لزم إما التسلسل وإما الدور، هما محالان، فلابد من الاعتراف بحصول وحي يحصل لا بواسطة شخص آخر، ثم هاهنا أبحاث: البحث الأول: أن الشخص الأول الذي سمع وحي الله لا بواسطة شخص آخر كيف يعرف أن الكلام الذي سمعه كلام الله، فإن قلنا إنه سمع تلك الصفة القديمة المنزّهة عن كونها حرفاً وصوتاً، لم يبعد أنه إذا سمعها علم بالضرورة كونها كلام الله تعالى، ولم يبعد أن يقال إنه يحتاج بعد ذلك إلى دليل زائد، أما إن قلنا إن المسموع هو الحرف والصوت امتنع أن يقطع بكونه كلاماً لله تعالى، إلا إذا ظهرت دلالة على أن ذلك المسموع هو كلام الله تعالى.

البحث الثاني: أن الرسول إذاسمعه من الملك كيف يعرف أن ذلك المبلغ ملك معصوم لا شيطان مضل؟

والحق أنه لا يمكنه القطع بذلك إلا بناء على معجزة تدل على أن ذلك المبلغ ملك معصوم لا شيطان خبيث، وعلى هذا التقدير، فالوحي من الله تعالى لا يتم إلا بثلاث مراتب في ظهور المعجزات: المرتبة الأولى: أن الملك إذا سمع ذلك الكلام من الله تعالى، فلابد له من معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله تعالى.

المرتبة الثانية: أن ذلك الملك إذا وصل إلى الرسول، لابد له أيضاً من معجزة.

المرتبة الثالثة: أن ذلك الرسول إذا أوصله إلى الأمة، فلابد له أيضاً من معجزة، فثبت أن التكليف لا يتوجه على الخلق إلا بعد وقوع ثلاث مراتب في المعجزات.

البحث الثالث: أنه لا شك أن ملكاً من الملائكة قد سمع الوحي من الله تعالى ابتداء، فذلك الملك هو جبريل، ويقال لعل جبريل سمعه من ملك آخر، فالكل محتمل ولو بألف واسطة، ولو يوجد، ما يدل على القطع بواحد من هذه الوجوه.

البحث الرابع: هل في البشر من سمع وحي الله تعالى من غير واسطة؟

المشهور أن موسى عليه السلام سمع كلام الله من غير واسطة، بدليل قوله تعالى: ﴿ فاستمع لِمَا يُوحَى  ﴾ وقيل إن محمداً صلى الله عليه وسلم سمعه أيضاً لقوله تعالى: ﴿ فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى  ﴾ .

البحث الخامس: أن الملائكة يقدرون على أن يظهروا أنفسهم على أشكال مختلفة، فبتقدير أن يراه الرسول صلى الله عليه وسلم في كل مرة وجب أن يحتاج إلى المعجزة، ليعرف أن هذا الذي رآه في هذه المرة عين ما رآه في المرة الأولى، وإن كان لا يرى شخصه كانت الحاجة إلى المعجزة أقوى، لاحتمال أنه حصل الاشتباه في الصوت، إلا أن الإشكال في أن الحاجة إلى إظهار المعجزة في كل مرة لم يقل به أحد.

المسألة السابعة: دلّت المناظرات المذكورة في القرآن بين الله تعالى وبين إبليس على أنه تعالى كان يتكلم مع إبليس من غير واسطة، فذلك هل يسمى وحياً من الله تعالى إلى إبليس أم لا، الأظهر منعه، ولا بد في هذا الموضع من بحث غامض كامل.

المسألة الثامنة: قرأ نافع ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾ برفع اللام، فيوحي بسكون الياء ومحله رفع على تقدير، وهو يرسل فيوحي، والباقون بالنصب على تأويل المصدر، كأنه قيل ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً إو إسماعاً لكلامه من وراء حجاب أو يرسل، لكن فيه إشكال لأن قوله وحياً أو إسماعاً اسم وقوله: ﴿ أَوْ يُرْسِلَ ﴾ فعل، وعطف الفعل على الاسم قبيح، فأجيب عنه بأن التقدير: وما كان لبشر أن يكلمه إلا أن يوحي إليه وحياً أو يسمع إسماعاً من وراء حجاب أو يرسل رسولاً.

المسألة التاسعة: الصحيح عند أهل الحق أن عندما يبلغ الملك الوحي إلى الرسول، لا يقدر الشيطان على إلقاء الباطل في أثناء ذلك الوحي، وقال بعضهم: يجوز ذلك لقوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته  ﴾ وقالوا الشيطان ألقى في أثناء سورة النجم، تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى، وكان صديقنا الملك سام بن محمد رحمه الله، وكان أفضل من لقيته من أرباب السلطنة يقول هذا الكلام بعد الدلائل القوية القاهرة، باطل من وجهين آخرين الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بصورتي».

فإذا لم يقدر الشيطان على أن يتمثل في المنام بصورة الرسول، فكيف قدر على التشبه بجبريل حال اشتغال تبليغ وحي الله تعالى؟

والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما سلك عمر فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً آخر».

فإذا لم يقدر الشيطان أن يحضر مع عمر في فج واحد، فكيف يقدر على أن يحضر مع جبريل في موقف تبليغ وحي الله تعالى؟.

المسألة العاشرة: قوله تعالى: ﴿ فيوحي بإذنه ما يشاء ﴾ يعني فويحي ذلك الملك بإذن الله ما يشاء الله، وهذا يقتضي أن الحسن لا يحسن لوجه عائد عليه، وأن القبيح لا يقبح لوجه عائد إليه، بل لله أن يأمر بما يشاء من غير تخصيص، وأن ينهى عما يشاء من غير تخصيص، إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما صح قوله: ﴿ مَا يَشَاء ﴾ والله أعلم.

ثم قال تعالى في آخر الآية ﴿ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ يعني أنه علي عن صفات المخلوقين حكيم يجري أفعاله على موجب الحكمة، فيتكلم تارة بغير واسطة على سبيل الإلهام، وأخرى بإسماع الكلام، وثالثاً بتوسيط الملائكة الكرام، ولما بيّن الله تعالى كيفية أقسام الوحي إلى الأنبياء عليهم السلام، قال: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا ﴾ والمراد به القرآن وسماه روحاً، لأنه يفيد الحياة من موت الجهل أو الكفر.

ثم قال تعالى: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ﴾ واختلف العلماء في هذه الآية مع الإجماع على أنه لا يجوز أن يقال الرسل كانوا قبل الوحي على الكفر، وذكروا في الجواب وجوهاً الأول: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب ﴾ أي القرآن ﴿ وَلاَ الإيمان ﴾ أي الصلاة، لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم  ﴾ أي صلاتكم الثاني: أن يحمل هذا على حذف المضاف، أي ما كنت تدري ما الكتاب ومن أهل الإيمان، يعني من الذي يؤمن، ومن الذي لا يؤمن الثالث: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان حين كنت طفلاً في المهد الرابع: الإيمان عبارة عن الإقرار بجميع ما كلف الله تعالى به، وإنه قبل النبوّة ما كان عارفاً بجميع تكاليف الله تعالى، بل إنه كان عارفاً بالله تعالى، وذلك لا ينافي ما ذكرناه الخامس: صفات الله تعالى على قسمين: منها ما يمكن معرفته بمحض دلائل العقل، ومنها ما لا يمكن معرفته إلا بالدلائل السمعية.

فهذا القسم الثاني لم تكن معرفته حاصلة قبل النبوّة.

ثم قال تعالى: ﴿ ولكن جعلناه نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ﴾ واختلفوا في الضمير في قوله: ﴿ ولكن جعلناه ﴾ منهم من قال إنه راجع إلى القرآن دون الإيمان لأنه هو الذي يعرف به الأحكام، فلا جرم شبه بالنور الذي يهتدي به، ومنهم من قال إنه راجع إليهما معاً، وحسن ذلك لأن معناهما واحد كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا  ﴾ .

ثم قال: ﴿ نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى بعد أن جعل القرآن نفسه في نفسه هدىً كما قال: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ فإنه قد يهدي به البعض دون البعض وهذه الهداية ليست إلا عبارة عن الدعوة وإيضاح الأدلة لأنه تعالى قال في صفة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ وهو يفيد العموم بالنسبة إلى الكل وقوله: ﴿ نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ يفيد الخصوص فثبت أن الهداية بمعنى الدعوة عامة والهداية في قوله: ﴿ نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ خاصة والهداية الخاصة غير الهداية العامة فوجب أن يكون المراد من قوله: ﴿ نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ أمراً مغايراً لإظهار الدلائل ولإزالة الأعذار، ولا يجوز أيضاً أن يكون عبارة عن الهداية إلى طريق الجنّة لأنه تعالى قال: ﴿ ولكن جعلناه نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ أي جعلنا القرآن نوراً نهدي به من نشاء، وهذا لا يليق إلا بالهداية التي تحصل في الدنيا، وأيضاً فالهداية إلى الجنّة عندكم في حق البعض واجب، وفي حق الآخرين محظور، وعلى التقديرين فلا يبقى لقوله: ﴿ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ فائدة، فثبت أن المراد أنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء ولا اعتراض عليه فيه.

ثم قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ فبيّن تعالى أنه كما أن القرآن يهدي فكذلك الرسول يهدي، وبيّن أنه يهدي إلى صراط مستقيم وبيّن أن ذلك الصراط هو ﴿ صراط الله الذي لَهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ نبّه بذلك على أن الذي تجوز عبادته هو الذي يملك السموات والأرض، والغرض منه إبطال قول من يعبد غير الله.

ثم قال: ﴿ أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ الأمور ﴾ وذلك كالوعيد والزجر، فبيّن أن أمر من لا يقبل هذه التكاليف يرجع إلى الله تعالى، أي إلى حيث لا حاكم سواه فيجازي كلاً منهم بما يستحقه من ثواب أو عقاب.

قال رضي الله عنه: تمّ تفسير هذه السورة آخر يوم الجمعة الثامن من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة، يا مدبر الأمور، ويا مدهر الدهور ويا معطي كل خير وسرور، ويا دافع البلايا والشرور، أوصلنا إلى منازل النور، في ظلمات القبور، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا ﴾ يريد: ما أوحي إليه، لأن الخلق يحيون به في دينهم كما يحيى الجسد بالروح.

فإن قلت: قد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كان يدري ما القرآن قبل نزوله عليه؛ فما معنى قوله: ﴿ وَلاَ الإيمان ﴾ والأنبياء لا يجوز عليهم إذا عقلوا وتمكنوا من النظر والاستدلال أن يخطئهم الإيمان بالله وتوحيده، ويجب أن يكونوا معصومين من ارتكاب الكبائر ومن الصغائر التي فيها تنفير قبل المبعث وبعده، فكيف لا يعصمون من الكفر؟

قلت: الإيمان اسم يتناول أشياء: بعضها الطريق إليه العقل، وبعضها الطريق إليه السمع، فعنى به ما الطريق إليه السمع دون العقل؛ وذاك ما كان له فيه علم حتى كسبه بالوحي.

ألا ترى أنه قد فسر الإيمان في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم ﴾ [البقرة: 143] بالصلاة؛ لأنها بعض ما يتناوله الإيمان ﴿ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ من له لطف ومن لا لطف له، فلا هداية تجدي عليه ﴿ صراط الله ﴾ بدل.

وقرئ ﴿ لتهدى ﴾ أي: يهديك الله.

وقرئ ﴿ لتدعو ﴾ .

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حم عسق كان ممن تصلي عليه الملائكة ويستغفرون له ويسترحمون له» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ﴾ يَعْنِي ما أُوحِيَ إلَيْهِ، وسَمّاهُ رُوحًا لِأنَّ القُلُوبَ تَحْيا بِهِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ والمَعْنى أرْسَلْناهُ إلَيْكَ بِالوَحْيِ.

﴿ ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ﴾ أيْ قَبْلَ الوَحْيِ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبَّدًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِشَرْعٍ.

وقِيلَ: المُرادُ هو الإيمانُ بِما لا طَرِيقَ إلَيْهِ إلّا السَّمْعُ.

﴿ وَلَكِنْ جَعَلْناهُ ﴾ أيِ الرُّوحَ أوِ الكِتابَ أوِ الإيمانَ.

﴿ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لِلْقَبُولِ والنَّظَرِ فِيهِ.

﴿ وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ هو الإسْلامُ، وقُرِئَ «لَتُهْدى» أيْ لَيَهْدِيكَ اللَّهُ.

﴿ صِراطِ اللَّهِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ.

﴿ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا.

﴿ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ﴾ بِارْتِفاعِ الوَسائِطِ والتَّعَلُّقاتِ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْمُطِيعِينَ والمُجْرِمِينَ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ حم عسق كانَ مِمَّنْ تُصَلِّي عَلَيْهِ المَلائِكَةُ ويَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ويَسْتَرْحِمُونَ لُهَ».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وكذلك} أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك أو كما وصفنا لك {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} إيحاء كذلك {رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} يريد ما أوحى إليه لأن الخلق يحيون به في دينهم كما يحيا الجسد بالروح {مَا كُنتَ تَدْرِى} الجملة حال من الكاف في إِلَيْكَ {مَا الكتاب} القرآن {وَلاَ الإيمان} أي شرائعه أو ولا الإيمان بالكتاب لأنه إذا كان لا يعلم بأن الكتاب ينزل عليه لم يكن عالماً بذلك الكتاب وقيل الإيمان يتناول أشياء بعضها الطرق إليه العقل

وبعضها الطريق إليه السمع فعنى به ما الطريق إليه السمع دون العقل وذاك ما كان له فيه علم حتى كسبه بالوحي {ولكن جعلناه} أي الكتاب {نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى} لتدعو وقرىء به {إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} الإسلام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ ومِثْلَ هَذا اَلْإيحاءِ اَلْبَدِيعِ عَلى أنَّ اَلْإشارَةَ لِما بَعُدَ ﴿ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ﴾ وهو ما أُوحِيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أوِ اَلْقُرْآنُ اَلَّذِي هو لِلْقُلُوبِ بِمَنزِلَةِ اَلرُّوحِ لِلْأبْدانِ حَيْثُ يُحْيِيها حَياةً أبَدِيَّةً، وقِيلَ: أيْ ومِثْلَ اَلْإيحاءِ اَلْمَشْهُورِ لِغَيْرِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ، وقِيلَ: أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ اَلْإيحاءِ اَلْمُفَصَّلِ أوْحَيْنا إلَيْكَ إذْ كانَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ اِجْتَمَعَتْ لَهُ اَلطُّرُقُ اَلثَّلاثُ سَواءٌ فُسِّرَ اَلْوَحْيُ بِالإلْقاءِ أمْ فُسِّرَ بِالكَلامِ اَلشِّفاهِيِّ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ أُلْقِيَ إلَيْهِ في اَلْمَنامِ كَما أُلْقِيَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وأُلْقِي إلَيْهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ في اَلْيَقَظَةِ عَلى نَحْوِ إلْقاءِ اَلزَّبُورِ إلى داوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ.

فَفِي اَلْكِبْرِيتِ اَلْأحْمَرِ لِلشَّعْرانِيِّ نَقْلًا عَنِ اَلْبابِ اَلثّانِي مِنَ اَلْفُتُوحاتِ اَلْمَكِّيَّةِ أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُعْطِيَ اَلْقُرْآنَ مُجْمَلًا قَبْلَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِن غَيْرِ تَفْصِيلِ اَلْآياتِ والسُّوَرِ.

وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ اَلرُّوحِ بِالنُّبُوَّةِ.

وقالَ اَلرَّبِيعُ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، وعَلَيْهِ فَأوْحَيْنا مُضَمَّنٌ مَعْنى أرْسَلْنا، والمَعْنى أرْسَلْناهُ بِالوَحْيِ إلَيْكَ لِأنَّهُ لا يُقالُ: أوْحى اَلْمَلَكَ بَلْ أرْسَلَهُ.

ونَقَلَ اَلطَّبَرْسِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اَللَّهِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اَلْمُرادَ بِهَذا اَلرُّوحِ مَلَكٌ أعْظَمُ مِن جِبْرائِيلَ ومِيكائِيلَ كانَ مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَصْعَدْ إلى اَلسَّماءِ، وهَذا اَلْقَوْلُ في غايَةِ اَلْغَرابَةِ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْ هَذَيْنِ اَلْإمامَيْنِ، وتَنْوِينُ (رُوحًا) لِلتَّعْظِيمِ أيْ رُوحًا عَظِيمًا ﴿ ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ﴾ اَلظّاهِرُ أنَّ ما اَلْأُولى نافِيَةٌ والثّانِيَةُ اِسْتِفْهامِيَّةٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى اَلِابْتِداءِ و(الكِتابُ) خَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَدْرِي وجُمْلَةُ (ما كُنْتَ) إلَخْ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ (أوْحَيْنا) أوْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ والمُضِيُّ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ اَلْوَحْيِ.

واسْتَشْكَلَتِ اَلْآيَةُ بِأنَّ ظاهِرَها يَسْتَدْعِي عَدَمَ اَلِاتِّصافِ بِالإيمانِ قَبْلَ اَلْوَحْيِ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأنَّ اَلْأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ جَمِيعًا قَبْلَ اَلْبَعْثَةِ مُؤْمِنُونَ لِعِصْمَتِهِمْ عَنِ اَلْكُفْرِ بِإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ، وأُجِيبَ بِعِدَّةِ أجْوِبَةٍ، اَلْأوَّلُ أنَّ اَلْإيمانَ هُنا لَيْسَ اَلْمُرادُ بِهِ اَلتَّصْدِيقَ اَلْمُجَرَّدَ بَلْ مَجْمُوعُ اَلتَّصْدِيقِ والإقْرارِ والأعْمالِ فَإنَّهُ كَما يُطْلَقُ عَلى ذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى هَذا شَرْعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ ﴾ والأعْمالُ لا سَبِيلَ إلى دِرايَتِها مِن غَيْرِ سَمْعٍ فَهو مُرَكَّبُ والمُرَكَّبُ يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ بَعْضِ أجْزائِهِ فَلا يَلْزَمُ مِنَ اِنْتِفاءِ اَلْإيمانِ اَلْمُرَكَّبِ بِانْتِفاءِ اَلْأعْمالِ اِنْتِفاءُ اَلْإيمانِ بِالمَعْنى اَلْآخَرِ أعْنِي اَلتَّصْدِيقَ وهو اَلَّذِي أجْمَعَ اَلْعُلَماءُ عَلى اِتِّصافِ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ بِهِ قَبْلَ اَلْبَعْثَةِ، ولِذا عُبِّرَ بِتَدْرِي دُونَ أنْ يُقالَ: لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنًا وهو جَوابٌ حَسَنٌ ولا يَلْزَمُهُ نَفْيُ اَلْإيمانِ عَمَّنْ لا يَعْمَلُ اَلطّاعاتِ لِيَكُونَ اَلْقَوْلُ بِهِ اِعْتِزالًا كَما لا يَخْفى.

اَلثّانِي أنَّ اَلْإيمانَ إنَّما يُعْنى بِهِ اَلتَّصْدِيقُ بِاَللَّهِ تَعالى وبِرَسُولِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَ اَلتَّصْدِيقِ بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ودُونَ ما يَدْخُلُ فِيهِ اَلْأعْمالُ والنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُخاطَبٌ بِالإيمانِ بِرِسالَةِ نَفْسِهِ كَما أنَّ أُمَّتَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُخاطَبُونَ بِذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّهُ قَبْلَ اَلْوَحْيِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اَللَّهِ وما عَلِمَ ذَلِكَ إلّا بِالوَحْيِ فَإذا كانَ اَلْإيمانُ هو اَلتَّصْدِيقُ بِاَللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَكُنْ هَذا اَلْمَجْمُوعُ ثابِتًا قَبْلَ اَلْوَحْيِ بَلْ كانَ اَلثّابِتُ هو اَلتَّصْدِيقَ بِاَللَّهِ تَعالى خاصَّةً اَلْمُجْمَعَ عَلى اِتِّصافِ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ بِهِ قَبْلَ اَلْبَعْثَةِ اِسْتَقامَ نَفْيُ اَلْإيمانِ قَبْلَ اَلْوَحْيِ وإلى هَذا ذَهَبَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ.

اَلثّالِثُ أنَّ اَلْمُرادَ شَرائِعُ اَلْإيمانِ ومَعالِمُهُ مِمّا لا طَرِيقَ إلَيْهِ إلّا اَلسَّمْعُ وإلَيْهِ ذَهَبَ مُحْيِي اَلسُّنَّةِ اَلْبَغَوِيُّ وقالَ: إنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ قَبْلَ اَلْوَحْيِ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ولَمْ تَتَبَيَّنْ لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ شَرائِعُ دِينِهِ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا لَمْ يُعْتَبَرُ كَوْنُ اَلْكَلامِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ يَلْزَمُهُ إطْلاقُ اَلْإيمانِ عَلى اَلْأعْمالِ وحْدَها وهو خِلافُ اَلْمَعْرُوفِ.

اَلرّابِعُ أنَّ اَلْكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ فَقِيلَ اَلتَّقْدِيرُ دَعْوَةُ اَلْإيمانِ أيْ ما كُنْتَ تَدْرِي كَيْفَ تَدْعُو اَلْخَلْقَ إلى اَلْإيمانِ وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ أبِي اَلْعالِيَةِ.

وقالَ اَلْحُسَيْنُ بْنُ اَلْفَضْلِ: أيْ أهْلُ اَلْإيمانِ أيْ لا تَدْرِي مَنِ اَلَّذِي يُؤْمِنُ، وأنْتَ تَدْرِي أنَّهُ لا يَرْتَضِي هَذا إلّا مَن لا يُدْرى.

اَلْخامِسُ اَلْمُرادُ نَفْيُ دِرايَةِ اَلْمَجْمُوعِ أيْ ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ اَلْوَحْيِ مَجْمُوعَ اَلْكِتابِ والإيمانِ فَلا يُنافِي كَوْنَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَدْرِي اَلْإيمانَ وحْدَهُ ويَأْباهُ إعادَةُ (لا) اَلسّادِسُ أنَّ اَلْمُرادَ ما كُنْتَ تَدْرِي ذَلِكَ إذْ كُنْتَ في اَلْمَهْدِ وإلَيْهِ ذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ، والظّاهِرُ أنَّ اَلْمُرادَ اِسْتِمْرارُ اَلنَّفْيِ إلى زَمَنِ اَلْوَحْيِ، وظاهِرُ كَلامِ اَلْكَشْفِ يَمِيلُ إلى اِعْتِبارِ نَحْوِ ذَلِكَ اَلْقَيْدِ قالَ: لَعَلَّ اَلْأشْبَهَ أنَّ اَلْإيمانَ عَلى ظاهِرِهِ والآيَةُ وارِدَةٌ في مَعْرِضِ اَلِامْتِنانِ والإيحاءُ يَشْمَلُ اَلْإلْقاءَ في اَلرُّوعِ وإرْسالَ اَلرَّسُولِ فالإيمانُ عَرَفَهُ بِالأوَّلِ والكِتابَ بِالثّانِي عَلى أنَّ اَلْآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَرَفَهُما بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ عارِفًا وهو كَذَلِكَ أمّا أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ عَرَفَهُما بَعْدَ اَلْوَحْيِ فَلا فَجازَ أنْ يَعْرِفَهُما بِهِ وجازَ أنْ يَعْرِفَ واحِدًا مِنهُما مُعَيَّنًا بِهِ.

وقَدْ دَلَّ اَلدَّلِيلُ عَلى أنَّ اَلْمُعَرَّفَ بِهِ هو اَلْكِتابُ والإيمانُ بَعْدَ اَلْعَقْلِ وقَبْلَ اَلْوَحْيِ، والتَّمَسُّكُ بِهِ عَلى أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ ضَعِيفٌ لِأنَّ عَدَمَ اَلدِّرايَةِ لا يَلْزَمُهُ عَدَمُ اَلتَّعَبُّدِ بَلْ يَلْزَمُهُ سُقُوطُ اَلْإثْمِ إنْ لَمْ يَكُنْ تَقْصِيرًا اِنْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اَلْمُتَبادِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ عَرَفَهُما بَعْدَ اَلْوَحْيِ، وأمّا قَوْلُهُ قُدِّسَ سِرُّهُ في تَضْعِيفِ اَلتَّمَسُّكِ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ إنَّ عَدَمَ اَلدِّرايَةِ لا يَلْزَمُهُ عَدَمُ اَلتَّعَبُّدِ فَقَدْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ ساقِطٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ إذا لَمْ يَدْرِ شَرْعًا فَكَيْفَ يَتَعَبَّدُ بِهِ، وقَدْ يُجابُ بِأنَّ مُرادَ اَلْمُدَقِّقِ أنَّ اَلدِّرايَةَ اَلْمَنفِيَّةَ اَلدِّرايَةُ بِمَعْنى اَلْعِلْمِ اَلْجازِمِ اَلثّابِتِ اَلْمُطابِقِ لِلْواقِعِ وعَدَمُها لا يَلْزَمُهُ عَدَمُ اَلتَّعَبُّدِ إذْ يَكْفِي في اَلتَّعَبُّدِ بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ اَلظَّنُّ اَلرّاجِحُ ثُبُوتُهُ فَلَعَلَّهُ كانَ حاصِلًا لَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

ومِثْلُ هَذا اَلظَّنِّ يَكْفِي لِلْمُتَعَبِّدِينَ اَلْيَوْمَ بِشَرْعِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ أكْثَرَ اَلْفُرُوعِ ظَنِّيَّةٌ، ومَن يَتَتَبَّعُ اَلْأخْبارَ يَعْلَمُ أنَّ اَلْعَرَبَ لَمْ يَزالُوا عَلى بَقايا مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِنَ اَلْحَجِّ والخِتانِ وإيقاعِ اَلطَّلاقِ والغُسْلِ مِنَ اَلْجَنابَةِ وتَحْرِيمِ ذَواتِ اَلْمَحارِمِ بِالقَرابَةِ والصِّهْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ وأنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ أحْرَصَ اَلنّاسِ عَلى اِتِّباعِ دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ.

وفي اَلصَّحِيحِ أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ أيْ قَبْلَ اَلْبَعْثَةِ يَتَحَنَّثُ بِغارِ حِراءٍ، وفُسِّرَ اَلتَّحَنُّثُ بِالتَّحَنُّفِ أيِ اِتِّباعِ اَلْحَنِيفِيَّةِ وهي دِينُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، والفاءُ تُبْدَلُ ثاءً في كَثِيرٍ مِن كَلامِهِمْ وفي رِوايَةِ اِبْنِ هِشامٍ في اَلسِّيَرِ يَتَحَنَّفُ بِالفاءُ بَدَلَ اَلثّاءِ، نَعَمْ فُسِّرَ أيْضًا بِالتَّعَبُّدِ كَما في صَحِيحِ اَلْبُخارِيِّ وبِاتِّقاءِ اَلْحِنْثِ أيِ اَلْإثْمِ كالتَّحَرُّجِ والتَّأثُّمِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَهُ اَلْحافِظُ اَلْقَسْطَلّانِيُّ في شَرْحِ اَلصَّحِيحِ.

ثُمَّ إنَّ اَلظّاهِرَ أنَّ مَن قالَ: إنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ لَيْسَ مُرادُهُ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مُتَعَبِّدًا بِجَمِيعِ شَرْعِ مَن قَبْلَهُ بَلْ بِما تَرَجَّحَ عِنْدَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُبُوتُهُ.

واَلَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُرَجَّحَ كَوْنُ ذَلِكَ مِن شَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لِأنَّهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِما اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ كُلِّفَتِ اَلْعَرَبُ بِدِينِهِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ عِبادَتَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلتَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ، ولَعَلَّهُ أيْضًا مِمّا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ كَوْنُهُ مِن شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ورُبَّما يُقالُ: بِما عَلِمَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا عَلى ذَلِكَ اَلْوَجْهِ مِن شَرْعِ مَن قَبْلَهُ أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ مُوحى إلَيْهِ وأنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَعَبِّدٌ بِما يُوحى إلَيْهِ إلّا أنَّ اَلْوَحْيَ اَلسّابِقَ عَلى اَلْبِعْثَةِ كانَ إلْقاءً ونَفْثًا في اَلرُّوعِ وما عَمِلَ بِما كانَ مِن شَرائِعِ أبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما اَلصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا بِواسِطَةِ ذَلِكَ اَلْإلْقاءِ وإذا كانَ بَعْضُ إخْوانِهِ مِنَ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ قَدْ أُوتِيَ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا اِبْنَ سَنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ فَهو عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أوْلى بِأنْ يُوحى إلَيْهِ ذَلِكَ اَلنَّوْعُ مِنَ اَلْإيحاءِ صَبِيًّا أيْضًا.

ومَن عَلِمَ مَقامَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وصَدَّقَ بِأنَّهُ اَلْحَبِيبُ اَلَّذِي كانَ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ اَلْماءِ والطِّينِ لَمْ يَسْتَبْعِدْ ذَلِكَ فَتَأمَّلْ.

﴿ ولَكِنْ جَعَلْناهُ ﴾ أيِ اَلرُّوحَ اَلَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: اَلضَّمِيرُ لِلْكِتابِ، وقِيلَ: لِلْإيمانِ ورُجِّحَ بِالقُرْبِ، وقِيلَ: لِلْكِتابِ والإيمانِ ووُحِّدَ لِأنَّ مَقْصِدَهُما واحِدٌ فَهو نَظِيرُ ﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ﴾ .

﴿ نُورًا ﴾ عَظِيمًا ﴿ نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ ﴾ هِدايَتَهُ ﴿ مِن عِبادِنا ﴾ وهو اَلَّذِي يَصْرِفُ اِخْتِيارَهُ نَحْوَ اَلِاهْتِداءِ بِهِ والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ صِفَةُ (نُورًا) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنَّكَ لَتَهْدِي ﴾ تَقْرِيرٌ لِهِدايَتِهِ، وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِها، ومَفْعُولُ (لَتَهْدِي) مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِغايَةِ اَلظُّهُورِ أيْ وإنَّكَ لَتَهْدِي بِذَلِكَ اَلنُّورِ مَن تَشاءُ هِدايَتَهُ ﴿ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ هو اَلْإسْلامُ وسائِرُ اَلشَّرائِعِ والأحْكامِ وقَرَأ اِبْنُ اَلسَّمَيْقَعِ (لَتُهْدِي) بِضَمِّ اَلتّاءِ وكَسْرِ اَلدّالِ مِن أهْدى، وقَرَأ حَوْشَبٌ (لَتُهْدى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ لَيَهْدِيكَ اَللَّهُ وقُرِئَ لَتَدْعُو <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَما كانَ لِبَشَرٍ يعني: لأحد من خلق الله أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً يعني: يرسل إليه جبريل، ليقرأ عليه.

ويقال: إِلَّا وَحْياً يعني: إلهاماً ويقال: يسمع الصوت فيفهمه وذلك، أن اليهود قالوا للنبي  ألا يكلمك الله، أو ينظر إليك، إن كنت نبياً كما كلم موسى فنزل وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ يعني: ما جاز لأحد من الآدميين، أَن يُكَلِّمَهُ الله، إِلاَّ وحياً يعني: يسمع الصوت، أو يرى في المنام، ولا يجوز أن يكلمه مواجهة عياناً في الدنيا.

أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ فيكلمه، كما كلم موسى أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا كما أرسل إلى النبي  فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشاءُ يعني: فيرسل بأمره.

ويقال: بِإِذْنِهِ مَا يَشاءُ من أمره.

قرأ نافع وابن عامر أَوْ يُرْسِلَ بضم اللام وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ بالضم، فمعناه أو هو يرسل رسولاً، ومن قرأ بالنصب، فعلى الإضمار أيضاً، ومعناه أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ قرأ نافع وابن عامر فيوحي بسكون الياء، ومعناه أو هو يرسل رسولاً فيوحي وقرأ الباقون بالنصب فَيُوحِيَ لإضمار أن إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ يعني: أعلى من أن يكلم أحداً في الدنيا مواجهة، ولا يراه فيها أحد عياناً حَكِيمٌ حكم ألا يكلم أحداً في المواجهة، ولا يراه أحد.

قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا يعني: جبريل بأمرنا.

ويقال: أوحينا إليك روحاً، يعني: القرآن.

وقال القتبي: الروح روح الأجسام، ويسمى كلام الله تعالى، روحاً لأن فيه حياة من الجهل، وموت الكفر كما قال: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [غافر: 15] ثم قال: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا.

مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ يعني: ما كنت تدري قبل الوحي، أن تقرأ القرآن، ولا تدري كيف تدعو الخلق إلى الإيمان.

وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً يعني: أنزلنا جبريل بالقرآن.

ضياءً من العمى، وبياناً من الضلالة.

فإن قيل سبق ذكر الكتاب والإيمان ثم قال: وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً ولم يقل جعلناهما؟

قيل له: لأن المعنى هو الكتاب، وهو دليل على الإيمان.

ويقال لأن شأنهما واحد كقوله: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون: 50] ولم يقل آيتين ويقال: وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً يعني: الإيمان كناية عنه، ولأنه أقرب.

نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا يعني: نوفق من نشاء للهدى، من كان أهلاً لذلك وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني: لتدعو الخلق إلى دين الإسلام.

قوله عز وجل: صِراطِ اللَّهِ يعني: دين الله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من خلق أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ أي: ترجع إليه عواقب الأمور، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إسحاق بن بِشْرٍ: نزلَتْ هذه الآيةُ في الأَنبياء «١» ، ثم عَمَّتْ ف يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً يعني:

لوطا ع، ويَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ يعني إبراهيم ع، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً يعني: نِبِيَّنَا محمَّداً ع، وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً يعني: يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّاء- عليهما السلام-.

وقوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا ...

الآية، نزلَتْ بسبب خَوْضٍ كان للكفار في معنى تكليم اللَّه موسى ونحو ذلك، ذهَبَ قريشٌ واليهودُ في ذلك إلى تجسيم ونحوه، فنزلت الآية مُبَيِّنَةً صورةَ تكليم اللَّه عبادَهُ، كيف هو، فَبَيَّنَ اللَّه تعالى أَنَّهُ لا يكُونُ لأَحَدٍ مِنَ الأنبياءِ، ولا ينبغِي له، ولا يمكنُ فيه أنْ يُكَلِّمه اللَّه إلاَّ بأَنْ يوحي إليه أحَدَ وجوه الوَحْيِ من الإلهام قال مجاهد: أوِ النَّفْثِ في القَلْبِ «٢» ، أو وَحْيٍ في منام، قال النَّخَعِيّ: وكانَ من الأنبياء مَنْ يُخَطَّ له في الأرض ونحو هذا، أو بأنْ يُسْمِعَهُ كلامه دون أن يعرف هو للمتكلِّم جهةً ولا حَيِّزاً كموسى- عليه السلام-، وهذا معنى مِنْ وَراءِ حِجابٍ أي: من خفاء عن المُكَلَّم لا يحدُّه ولا يتسوَّر بذهنه عليه، وليس كالحجابِ في الشاهد، أو بأنْ يرسِلَ إليه مَلَكاً يُشَافِهُهُ بوحي الله/ عز وجل، قال الفخر «٣» : قوله: فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشاءُ أي: فيوحى ذلك المَلَكُ بإذن اللَّه ما يشاءُ اللَّه انتهى، وقرأ جمهور القُرَّاءِ والناس: «أَوْ يُرْسِلَ» بالنصب «فَيُوحَى» بالنصب أيضاً، وقرأ نافع، وابن عامر، وابن عباس، وأهل المدينة: «أَوْ يُرْسِلُ» بالرفع فيوحي- بسكون الياء «٤» -، وقوله: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ «مِنْ» متعلِّقةٌ بفعْلٍ يَدُلُّ ظاهر الكلام عليه، تقديره: أو يكلِّمه من وراء حجاب، وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أَنَّ الرسالة من أنواع التكليم، وأَنَّ مَنْ حَلَفَ: لا يُكَلِّم فلاناً، وهو لم ينو المشافهة، ثم أرسل رسولا حنث.

وقوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ...

الآية، المعنى: وبهذه الطرق، ومن هذا الجنس أوحينا إليك، أي: بالرسول، و «الرُّوحُ» في هذه الآية: القرآن

آن وهدى الشريعة، سَمَّاه رُوحاً من حيث يُحْيي به البَشَرَ والعَالَم كَما يُحْيِي الجسدَ بالروح، فهذا على جهة التشبيه.

وقوله تعالى: مِنْ أَمْرِنا أي: واحد من أُمورنا، ويحتمل أَنْ يكون الأمر بمعنى الكلام، ومِنْ لابتداء الغاية.

وقوله تعالى: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ توقيفٌ على مِقْدَارِ النعمةِ، والضمير في جَعَلْناهُ عائد على الكتاب، ونَهْدِي بمعنى: نُرْشِدُ، وقرأ جمهور الناس: «وإنَّكَ لَتَهْدِي» - بفتح التاء وكسر الدال-، وقرأ حَوْشَبٌ: «لتهدى» - بضم التاء وفتح الدال-، وقرأ عاصم: «لَتُهْدِي» - بضم التاء وكسر الدال-.

وقوله: صِراطِ اللَّهِ يعني: صراط شرع اللَّه، ثم استفتح سبحانه القَوْلَ في الإخبار بصيرورة الأمور إليه سبحانه مبالغةً وتحقيقاً وتثبيتاً، فقال: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ قال الشيخُ/ العارفُ باللَّه أبو الحسن الشاذليُّ رحمه اللَّه: إنْ أردتَ أَنْ تغلب الشَّرَّ كُلَّه، وتلحق الخيرَ كُلَّه، ولا يَسْبِقَكَ سَابِق، وإنْ عمل ما عمل- فقل: يا مَنْ له الخَيْرُ كُلُّهُ، أسألك الخيرَ كُلَّه، وأعوذ بك من الشَّرِّ كُلِّه، فإنَّك أنت اللَّه الغَنِيُّ الغفُورُ الرَّحِيم، أَسْأَلُكَ بالهادِي محمّد صلّى الله عليه وسلّم إلى صراطٍ مستقيمٍ، صراطِ اللَّهُ الَّذِي لَهُ مَا فِي السموات وَمَا في الأرض، أَلاَ إلى اللَّه تصيرُ الأمور، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مَغْفِرَةً تَشْرَحُ بها صَدْرِي، وتَضَعُ بها وِزْرِي، وترفعُ بها ذِكْرِي، وتُيَسِّرَ بها أمري، وتُنَزِّهَ بها فكري، وتُقَدِّسَ بها سِرِّي، وتكشفَ بها ضُرِّي، وترفَعَ بها قَدْرِي إنَّك على كُلِّ شَيْءٍ قدير، اهـ.

- قلت-: قوله تعالى: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ: هذا بَيِّنٌ، وقوله: وَلَا الْإِيمانُ: فيه تأويلات: قيل معناه: ولا شرائع الإيمان ومعالمَه قال أبو العالية: يعني:

الدعوةَ إلى الإيمان، وقال الحسين بن الفَضْل: يعني أهل الإيمان، مَنْ يؤمن ومَنْ لا يؤمن، وقال ابن خُزَيْمَةَ: الإيمان هنا الصلاة دليله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: ١٤٣] قال ابن أبي الجَعْدِ وغيره: احترق مُصْحَفٌ فلم يبقَ منه إلاَّ: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ وغَرِقَ مصحفٌ فامحى كُلُّه إلاَّ قولَه: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ نقله الثعلبيُّ وغيره «١» ، انتهى.

قال العبد الفقير إلى الله تعالى، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي لطف الله به في الدارين: قد يَسَّر اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في تحرير هذا المختصر، وقد أودعته بحمد الله

جزيلا من الدرر، قد استوعبت فيه بحمد اللَّه مُهِمَّاتِ ابْنِ عطيَّةَ، وزدته فوائدَ جليلةً من غيره، وليس الخَبَرُ كالْعِيَانِ، تَوَخَّيْتُ فيه بحمد/ اللَّه الصَّوَاب وجعلته ذخيرةً عند اللَّه لِيَوْمِ المآبِ، لا يَسْتَغْنِي عنه المُنْتَهِي وفيه كفايةٌ للْمُبَتِدي، يستغني «١» به عن المُطَوَّلاَت إذْ قد حَصَّل منها لُبَابَهَا وكَشَفَ عن الحقائقِ حِجَابَهَا.

التَّعْرِيفُ بِرِحْلَةِ المُؤَلِّف

رحلْتُ في طَلَبِ العِلْمِ في أواخر القَرْنِ الثَّامِنِ، ودخلْتُ بِجَايَةَ في أوائل القرن التاسع، فلقيتُ بها الأَئمةَ المقتدى بهم، أَصحابَ سيِّدِي عبد الرحمنِ الوغليسيِّ متوافرِين، فحضَرْتُ مجالسَهُمْ، وكانَتْ عُمْدَةُ قراءتي بها على سيدي [علي بن] «٢» عثمان المَانْجِلاَتِيِّ- رحمه اللَّه- بمَسْجِدِ عَيْنِ البَرْبَرِ، ثم ارتحلْتُ إلى تُونُسَ، فلقيت بها سيدي عيسى الغبريني والأُبِّيَّ، والبرزليَّ، وغيرهم، وأخذْتُ عنهم، ثم ارتحلْتُ إلى المشرق، فلقيتُ بِمِصْرَ الشيْخَ وَلِيَّ الدِّينِ العِرَاقِي، فأخذْتُ عنه علوماً جَمَّةً مُعْظَمُهَا عِلْمُ الحديث، وفتح اللَّه لي فيه فتحاً عظيماً، وكتب لي وأَجَازَنِي جميعَ ما حضَرْتُهُ عليه، وأطلق في غيره، ثم لقيتُ بمَكَّةَ بعض المحدِّثين، ثم رجعتُ «٣» إلى الديار المصرية وإلى تُونُسَ، وشاركْتُ مَنْ بها، ولقيت بها شيخَنَا أبا عبد اللَّه محمَّدَ بْنَ مَرْزُوقٍ قادماً لإرادة الحَجِّ، فأخذتُ عنه كثيراً، وأجازني [التدريسَ] في أنواع الفُنُونِ الإسلاميَّةِ، وحَرَّضَنِي على إتمام تقييدٍ وضعتُه على ابن الحاجِبِ الفرعيِّ.

قلت: ولما فرغْتُ من تحرير هذا المختَصَرِ وافَقَ قدومَ شيخِنَا أبي عبد اللَّهِ محمد بن مرزوقٍ علينا في سَفْرَةٍ سافرها من تِلْمِسَانَ متوجِّهاً إلى تُونُسَ، ليصلح/ بَيْنَ سلطانها وبين صَاحِبِ تِلْمِسَانَ، فأوقفته على هذا الكتاب، فنظر فيه وأمعن النظر، فَسُرَّ به سروراً كثيراً ودعا لنا بخير، والله الموفّق بفضله.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ؟

فَقالَ لَهُمْ: "لَمْ يَنْظُرْ مُوسى إلى اللَّهِ"، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» والمُرادُ بِالوَحْيِ هاهُنا: الوَحْيُ في المَنامِ.

﴿ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ كَمّا كَلَّمَ مُوسى.

﴿ أوْ يُرْسِلَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُرْسِلُ" بِالرَّفْعِ ﴿ فَيُوحِيَ ﴾ بِسُكُونِ الياءِ.

وقَرَأ الباقُونَ: "يُرْسِلَ" بِنَصْبِ اللّامِ "فَيُوحِيَ" بِتَحْرِيكِ الياءِ، والمَعْنى: "أوْ يُرْسِلُ رَسُولًا" كِجِبْرائِيلَ "فَيُوحِي" ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ ﴿ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ ﴾ .

قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: مَن قَرَأ "أوْ يُرْسِلَ" بِالنَّصْبِ، عَطَفَهُ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ: "إلّا وحْيًا" لِأنَّهُ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُوحِيَ.

وَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، فَعَلى الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ، أوْ هو يُرْسِلُ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى أنَّهُ لا يُكَلِّمُ بَشَرًا إلّا مِن وراءِ حِجابٍ في دارِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ أيْ: وكَما أوْحَيْنا إلى الرُّسُلِ ﴿ أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ ، وقِيلَ: الواوُ عَطْفٌ عَلى أوَّلِ السُّورَةِ، فالمَعْنى: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ.

"وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القُرْآنُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: وحْيًا بِأمْرِنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ القُرْآنَ قَبْلَ الوَحْيِ ﴿ وَلا الإيمانُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ: شَرائِعُ الإيمانِ ومَعالِمُهُ، وهي كُلُّها إيمانٌ؛ وقَدْ سَمّى الصَّلاةَ إيمانًا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ  ﴾ ، هَذا اخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما كانَ يَعْرِفُ الإيمانَ حِينَ كانَ في المَهْدِ وإذْ كانَ طِفْلًا قَبْلَ البُلُوغِ، حَكاهُ الواحِدِيُّ.

والقَوْلُ ما اخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وقَدِ اشْتُهِرَ في الحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ يُوَحِّدُ اللَّهَ، ويُبْغِضُ اللّاتَ والعُزّى، ويَحُجُّ ويَعْتَمِرُ، ويَتَّبِعُ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قالَ الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن زَعَمَ أنَّ النَّبِيَّ  كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ، فَهو قَوْلُ سُوءٍ: ألَيْسَ كانَ لا يَأْكُلُ ما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ؟

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَدْ جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً.

ومَعْناهُ: أنَّ العَرَبَ لَمْ يَزالُوا عَلى بَقايا مِن دَيْنِ إسْماعِيلَ، مِن ذَلِكَ حَجُّ البَيْتِ، والخِتانُ، وإيقاعُ الطَّلاقِ إذا كانَ ثَلاثًا، وأنَّ لِلزَّوْجِ الرَّجْعَةَ في الواحِدَةِ والِاثْنَتَيْنِ، وِدِيَةُ النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ، والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ، وتَحْرِيمُ ذَواتِ المَحارِمِ بِالقُرابَةِ والصِّهْرِ.

وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ بِشَرائِعِهِمْ في الخِتانِ والغُسْلِ والحَجِّ، وكانَ لا يَقْرُبُ الأوْثانَ، ويَعِيبُها.

وكانَ لا يَعْرِفُ شَرائِعَ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَها لِعِبادِهِ عَلى لِسانِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ﴾ \[يَعْنِي القُرْآنَ\] ﴿ وَلا الإيمانُ ﴾ يَعْنِي شَرائِعَ الإيمانِ؛ ولَمْ يُرِدِ الإيمانَ الَّذِي هو الإقْرارُ بِاللَّهِ، لِأنَّ آباءَهُ الَّذِينَ ماتُوا عَلى الشِّرْكِ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويَحُجُّونَ لَهُ [البَيْتَ] مَعَ شِرْكِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ جَعَلْناهُ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ.

والثّانِي: إلى الإيمانِ.

﴿ نُورًا ﴾ أيْ: ضِياءً ودَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ ﴿ نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ ﴾ \[مِن عِبادِنا\] إلى دِينِ الحَقِّ.

﴿ وَإنَّكَ لَتَهْدِي ﴾ أيْ: لَتَدْعُو ﴿ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وهو الإسْلامُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُكُورَ ﴾ ﴿ أو يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إلا وحْيًا أو مِن وراءِ حِجابٍ أو يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مِن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ﴾ الآيَةُ الأولى آيَةُ اعْتِبارٍ دالَّةٍ عَلى القُدْرَةِ والمُلْكِ المُحِيطِ بِالخَلْقِ، وأنَّ مَشِيئَتَهُ عَزَّ وجُلَّ نافِذَةٌ في جَمِيعِ خَلْقِهِ، وفي كُلِّ أمْرِهِمْ، وهَذا لا مَدْخَلَ لِصَنَمٍ فِيهِ، فَإنَّ الَّذِي يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتَرِعُ إنَّما هو اللهُ سُبْحانَهُ، وهو الَّذِي يُقَسَّمُ الخَلْقَ، فَيَهَبُ الإناثَ لِمَن شاءَ أنْ يَجْعَلَ نَسْلَهُ نِساءً، ويَهَبُ الذُكُورَ لِمَن شاءَ عَلى هَذا الحَدِّ، أو يُنَوِّعَهُمْ: مَرَّةً يَهَبُ ذَكَرًا، ومَرَّةً أُخْرى أُنْثى، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو يُزَوِّجُهُمْ ﴾ ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةَ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أو يُزَوِّجُهُمْ ﴾ : التَوْأمُ، أيْ: يَجْعَلُ في بَطْنٍ زَوْجًا مِنَ الذُرِّيَّةِ ذَكَرًا وأُنْثى.

و"العَقِيمُ": الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، وهَذا كُلُّهُ مُدَبَّرٌ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي بِفَسادِ وُجُودِ الخُنْثى المُشَكَّلِ.

وبَدَأ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ الإناثِ تَأْنِيسًا بِهِنَّ وتَشْرِيفًا لَهُنَّ لِيُتَهَمَّمَ بِصَوْنِهِنَّ والإحْسانِ إلَيْهِنَّ، وقالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَنِ ابْتُلِيَ مِن هَذِهِ البَناتِ بِشَيْءٍ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ حِجابًا مِنَ النارِ"،» وقالَ وائِلُ بْنُ الأسْقَعِ: "مَن يُمْنِ المَرْأةِ تَبْكِيرُها بِالأُنْثى قَبْلَ الذَكَرِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى بَدَأ بِالإناثِ"، حَكاهُ عنهُ الثَعْلَبِيُّ.

وقالَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ثُمَّ عُمِّمَتْ، فَلُوطٌ عَلَيْهِ السَلامُ أبُو البَناتِ لَمْ يُولَدْ لَهُ ذَكَرٌ، وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ ضِدَّهُ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وُلِدَ لَهُ الصِنْفانِ، ويَحْيى بْنُ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ عَقِيمٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ بِسَبَبِ خَوْضٍ كانَ لِلْكُفّارِ في مَعْنى تَكْلِيمِ اللهِ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ونَحْوَ ذَلِكَ، ذَهَبَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ في ذَلِكَ إلى تَجْسِيمٍ ونَحْوَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً صُورَةَ تَكْلِيمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عِبادَهُ كَيْفَ هُوَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يَكُونُ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ ولا يُمْكِنُ فِيهِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلّا بِأنْ يُوحِي إلَيْهِ أحَدَ وُجُوهِ الوَحْيِ مِنَ الإلْهامِ.

قالَ مُجاهِدٌ: والنَفْثُ في القَلْبِ، وقالَ النَقّاشُ: أو وحْيٌ في مَنامٍ؟

قالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: كانَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مَن يَخُطُّ لَهُ في الأرْضِ ونَحْوَ هَذا، أو بِأنْ يُسْمِعَهُ كَلامُهُ دُونَ أنْ يَعْرِفَ هو لِلْمُتَكَلِّمِ جِهَةً ولا خَبَرًا كَمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذا مَعْنى: ﴿ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ أيْ: مِن خَفاءٍ عَنِ المُتَكَلِّمِ لا يَحُدُّهُ ولا يَتَصَوَّرُ بِذِهْنِهِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ كالحِجابِ في الشاهِدِ، أو بِأنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ مَلِكًا يُشافِهُهُ بِوَحْيِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسِ: "أو يُرْسِلَ" بِالنَصْبِ، ﴿ "فَيُوحِيَ" ﴾ بِالنَصْبِ أيْضًا.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "أو يُرْسِلُ" بِالرَفْعِ "فَيُوحِي" بِسُكُونِ الياءِ ورَفْعِ الفِعْلِ، فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فَقالَ سِيبَوَيْهِ: سَألَتُ الخَلِيلَ عنها فَقالَ: هي مَحْمُولَةٌ عَلى "أنْ" غَيْرَ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ ﴾ لِأنَّ المَعْنى كانَ يَفْسَدُ لَوْ عَطَفَ عَلى هَذِهِ، وإنَّما التَقْدِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَحْيًا": "إلّا أنْ يُوحِيَ وحْيًا"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ ، "مِن" مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ يَدُلُّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أو يُكَلِّمُهُ مِن وراءِ حِجابٍ، ثُمَّ عَطَفَ تَعالى: "أو يُرْسِلَ" عَلى هَذا الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَعَلى أنْ "يُرْسِلُ" في مَوْضِعِ الحالِ أو عَلى القَطْعِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "أو هو يُرْسِلُ"، وكَذَلِكَ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "إلا وحْيًا" ﴾ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، كَما تَقُولُ: أتَيْتُكَ رَكْضًا وعَدْوًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، كَما هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُكَلِّمُ الناسَ في المَهْدِ وكَهْلا ومِنَ الصالِحِينَ  ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، فَكَذَلِكَ "مِنَ" وما عَمِلْتُ فِيهِ هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا، ثُمَّ عَطَفَ قَوْلَهُ تَعالى: "أو يُرْسِلُ" عَلى هَذِهِ الحالِ المُتَقَدِّمَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرِسالَةَ مِن أنْواعِ التَكْلِيمِ، وأنَّ الحالِفَ المُرْسِلَ حانِثٌ إذا حَلِفَ ألّا يُكَلِّمَ إنْسانًا فَأرْسَلَ وهو لا يَنْوِي المُشافَهَةَ وقْتَ يَمِينِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ المَعْنى: وبِهَذِهِ الطُرُقِ ومِن هَذا الجِنْسِ أوحَيْنا إلَيْكَ، أيْ: كالرُسُلِ.

و"الرُوحُ" في هَذِهِ الآيَةِ: القُرْآنُ وهُدى الشَرِيعَةِ، سَمّاهُ رُوحًا مِن حَيْثُ يُحْيِي بِهِ البَشَرَ والعالَمَ، كَما يُحْيِي الجَسَدَ بِالرُوحِ، فَهَذا عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أمْرِنا ﴾ أيْ: واحِدٌ مِن أُمُورِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الأمْرُ" بِمَعْنى الكَلامِ، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: و ﴿ ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مِقْدارِ النِعْمَةِ، والضَمِيرُ فِي: "جَعَلْناهُ" عائِدٌ عَلى "الكِتابِ"، و"نَهْدِي" مَعْناهُ: نُرْشِدْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَإنَّكَ لَتَهْدِي" ﴾ بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الدالِّ.

وقَرَأ حَوْشَبُ: "وَإنَّكَ لَتُهْدى" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الدالِّ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وفي حَرْفِ أُبَيِّ: "وَإنَّكَ لَتَدْعُوَ"، وهي تُعَضِّدُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ السُمَيْفَعِ، وعاصِمُ الجَحْدَرِيُّ: "وَإنَّكَ لَتُهْدِيَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الدالِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صِراطِ اللهِ ﴾ يَعْنِي: صِراطُ شَرْعِ اللهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ، فَبِهَذا الوَجْهِ ونَحْوَهُ مِنَ التَقْدِيرِ أُضِيفَ الصِراطُ إلى اللهِ تَعالى، واسْتَفْتَحَ تَعالى القَوْلَ في الإخْبارِ بِصَيْرُورَةِ الأُمُورِ إلى اللهِ تَعالى مُبالِغَةً وتَحْقِيقًا وتَثْبِيتًا، والأُمُورُ صائِرَةُ عَلى الدَوامِ إلى اللهِ تَعالى، ولَكِنْ جاءَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُسْتَقْبِلَةً تَقْرِيعًا لِمَن في ذِهْنِهِ أنَّ شَيْئًا مِنَ الأُمُورِ إلى البَشَرِ، وقالَ سَهْلُ ابْنُ أبِي الجَعْدِ: احْتَرَقَ مُصْحَفٌ، فَلَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إلى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ﴾ .

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الشُورى والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً حَكِيمٌ * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ولكن جعلناه نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ [الشورى: 51] الآية، وهذا دليل عليهم أن القرآن أُنزل من عند الله أعقب به إبطال شبهتهم التي تقدم لإبطالها قوله: ﴿ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً الآية، أي كان وحينا إليك مثلَ كلامنا الذي كلّمنا به من قبلك على ما صُرح به في قوله تعالى: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده ﴾ [النساء: 163].

والمقصود من هذا هو قوله: ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ .

والإشارة إلى سابق في الكلام وهو المذكور آنفاً في قوله: ﴿ وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحياً ﴾ [الشورى: 51] الآية، أي ومثل الذي ذكر من تكليم الله وَحْيُنا إليك رُوحاً من أمرنا، فيكون على حد قول الحارث بن حلزة: مِثْلَها تَخْرُج النصيحةُ للقوم *** فَلاَةً من دونها أفْلاَءُ أي مثل نصيحتنا التي نصحناها للملك عمرو بن هند تكون نصيحة الأقوام بعضهم لبعض لأنها نصيحة قرابة ذوي أرحام.

ويجوز أن تكون الإشارة إلى ما يأتي من بعدُ وهو الإيحاء المأخوذُ من أوحينا إليك } ، أي مثل إيحائنا إليك أوحينا إليك، أي لو أريد تشبيه إيحائنا إليك في رفعة القدر والهُدَى ما وجد له شَبيه إلا نفسُه على طريقة قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمةً وسَطاً ﴾ كما تقدم في سورة البقرة (143).

والمعنى: إنّ ما أوحينا إليك هو أعزّ وأشرف وحي بحيث لا يماثله غيره.

وكلا المعنيين صالح هنا فينبغي أن يكون كلاهما مَحْمَلاً للآية على نحو ما ابتكرناه في المقدمة التاسعة من هذا التفسير.

ويؤخذ من هذه الآية أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد أعطي أنواع الوحي الثلاثة، وهو أيضاً مقتضى الغرض من مساق هذه الآيات.

والروح: ما به حياة الإنسان، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ويسألونك عن الرّوح ﴾ في سورة الإسراء (85).

وأطلق الروح هنا مجازاً على الشريعة التي بها اهتداء النفوس إلى ما يعود عليهم بالخير في حياتهم الأولى وحياتهم الثانية، شبهت هداية عقولهم بعد الضلالة بحلول الروح في الجسد فيصير حَيّاً بعد أن كان جُثّة.

ومعنى ﴿ من أمرنا ﴾ مما استأثرنا بخلقه وحجبناه عن النّاس فالأمر المضاف إلى الله بمعنى الشأن العظيم، كقولهم: أمِرَ أمْر فلان، أي شأنه، وقوله تعالى: ﴿ بإذن ربّهم من كل أمر ﴾ [القدر: 4].

والمراد بالروح من أمر الله: ما أوحي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الإرشاد والهداية سواء كان بتلقين كلام معين مأمور بإبلاغه إلى النّاس بلفظه دون تغيّر وهو الوحي القرآني المقصود منه أمران: الهداية والإعجاز، أم كان غير مقيد بذلك بل الرّسول مأمور بتبليغ المعنى دون اللّفظ وهو ما يكون بكلام غير مقصود به الإعجاز، أو بإلقاء المعنى إلى الرّسول بمشافهة المَلككِ، وللرّسول في هذا أن يتصرف من ألفاظ ما أُوحي إليه بما يريد التعبير به أو برؤيا المنام أو بالإلقاء في النّفس كما تقدم.

واختتام هذه السورة بهذه الآية مع افتتاحها بقوله: ﴿ كذلك أوحينا إليك ﴾ [الشورى: 7] الآية فيه محسن ردّ العجز على الصدر.

وجملة ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ أوحينا ﴾ أي أوحينا إليك في حال انتفاء علمك بالكتاب والإيمان، أي أفضنا عليك موهبة الوحي في حال خلوّك عن علم الكتاب وعِلم الإيمان.

وهذا تحدَ للمعاندين ليتأملوا في حال الرّسول صلى الله عليه وسلم فيعلموا أن ما أوتيه من الشريعة والآداب الخُلقية هو من مواهب الله تعالى التي لم تسبق له مزاولتها، ويَتضمن امتناناً عليه وعلى أمته المسلمين.

ومعنى عدم دراية الكتاب: عدم تعلق علمه بقراءة كتاب أو فهمه.

ومعنى انتفاء دراية الإيمان: عدم تعلق علمه بما تحتوي عليه حقيقة الإيمان الشرعي من صفات الله وأصول الدين وقد يطلق الإيمان على ما يرادف الإسلام كقوله تعالى: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ [البقرة: 143] وهو الإيمان الذي يزيد وينقص كما في قوله تعالى: ﴿ ويزداد الذين آمنوا إيماناً ﴾ [المدثر: 31].

فيزاد في معنى عدم دراية الإيمان انتفاء تعلق علم الرّسول صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام.

فانتفاء درايته بالإيمان مثل انتفاء درايته بالكتاب، أي انتفاء العلم بحقائقه ولذلك قال: ﴿ ما كنت تدري ﴾ ولم يقل: ما كنت مؤمناً.

وكلا الاحتمالين لا يقتضي أن الرّسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مؤمناً بوجود الله ووحدانية إلهيته قبل نزول الوحي عليه إذ الأنبياء والرّسل معصومون من الشرك قبل النبوءة فهم مُوحّدُون لله ونابذون لعبادة الأصنام، ولكنهم لا يعلمون تفاصيل الإيمان، وكان نبيئنا صلى الله عليه وسلم في عهد جاهلية قومه يعلم بطلان عبادة الأصنام، وإذ قد كان قومه يشركون مع الله غيره في الإلهية فبطلان إلهية الأصنام عنده تمحِّضه لإفراد الله بالإلهية لا محالة.

وقد أخبر بذلك عن نفسه فيما رواه أبو نعيم في «دلائل النبوءة» عن شداد بن أوس وذكره عياض في «الشفاء» غير معزو: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمّا نَشَأت أي عقلت بُغِّضَتَ إليَّ الأوْثانُ وبُغض إليَّ الشعرُ، ولم أهِمَّ بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين فعصمني الله منهما ثم لم أَعُدْ ".

وعلى شدة منازعة قريش إياه في أمر التوحيد فإنهم لم يحاجُّوه بأنه كان يعبد الأصنام معهم.

وفي هذه الآية حجة للقائلين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبداً قبل نبوءته بشرع.

وإدْخال ﴿ لا ﴾ النافية في قوله: ﴿ ولا الإيمان ﴾ تأكيد لنفي درايته إيّاه، أي ما كنت تدري الكتاب ولا الإيمان، للتنصيص على أن المنفي دراية كل واحدٍ منهما.

وقوله: ﴿ ولكن جعلناه نوراً ﴾ عطف على جملة ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ﴾ .

وضمير ﴿ جعلناه ﴾ عائد إلى الكتاب في قوله: ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ﴾ .

والتقدير: وجعلنا الكتاب نوراً.

وأقحم في الجملة المعطوفة حرف الاستدراك للتنبيه على أن مضمون هذه الجملة عكس مضمون جملة ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ﴾ .

والاستدراك ناشئ على ما تضمنته جملة ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ﴾ لأن ظاهر نفي دراية الكتاب أن انتفاءها مستمر فاستدرك بأن الله هداه بالكتاب وهدى به أمته، فالاستدراك واقع في المحزّ.

والتقدير: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ثم هديناك بالكتاب ابتداء وعرفناك به الإيمان وهَدَيت به النّاس ثانياً فاهتدى به من شِئنا هدايته، أي وبقي على الضلال من لم نشأ له الاهتداء، كقوله تعالى: ﴿ يضلّ به كثيراً ويهدي به كثيراً ﴾ [البقرة: 26].

وشبه الكتاب بالنّور لمناسبة الهَدي به لأن الإيمان والهُدى والعلم تشبَّه بالنور، والضلال والجهل والكفر تشبه بالظلمة، قال تعالى: ﴿ يخرجهم من الظلمات إلى النّور ﴾ [البقرة: 257].

وإذا كان السائر في الطريق في ظلمة ضل عن الطريق فإذا استنار له اهتدى إلى الطريق، فالنّور وسيلة الاهتداء ولكن إنما يَهتدي به من لا يكون له حائل دون الاهتداء وإلا لم تنفعه وسيلة الاهتداء ولذلك قال تعالى: ﴿ نهدي به من نشاء من عبادنا ﴾ ، أي نَخلُق بسببه الهداية في نفوس الذين أعددناهم للهُدى من عبادنا.

فالهداية هنا هداية خاصة وهي خلق الإيمان في القلب.

﴿ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لتهدى إلى صراط ﴾ ﴿ مُّسْتَقِيمٍ * صراط الله الذى لَهُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الارض أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ الامور ﴾ .

أي نهدي به من نشاء بدعوتك وواسطتك فلما أثبت الهديَ إلى الله وجعل الكتاب سبباً لتحصيل الهداية عطف عليه وساطةَ الرّسول في إيصال ذلك الهدي تنويهاً بشأن الرّسول صلى الله عليه وسلم فجملة ﴿ وإنك لتهدي ﴾ عطف على جملة ﴿ نهدي به من نشاء من عبادنا ﴾ .

وفي الكلام تعريض بالمشركين إذ لم يهتدوا به وإذ كبر عليهم ما يدعوهم إليه مع أنه يهديهم إلى صراط مستقيم.

والهداية في قوله: ﴿ وإنك لتهدي ﴾ هداية عامة.

وهي: إرشاد النّاس إلى طريق الخير فهي تخالف الهداية في قوله: ﴿ نهدي به من نشاء ﴾ .

وحذف مفعول ﴿ لتهدي ﴾ للعموم، أي لتهدي جميع النّاس، أي ترشدهم إلى صراط مستقيم، وهذا كقوله: ﴿ وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة ﴾ [البلد: 10، 11].

وتأكيد الخبر ب (إنَّ) للاهتمام به لأن الخبر مستعمل في تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة له بهذا المقام العظيم فالخبر مستعمل في لازم معناه، على أنه مستعمل أيضاً للتعريض بالمنكرين لِهَدْيِهِ فيكون في التأكيد ملاحظة تحقيقه وإبطال إنكارهم.

فكما أن الخبر مستعمل في لازمين من لوازم معناه فكذلك التأكيدُ ب (إنَّ) مستعمل في غرضين من أغراضه، وكلا الأمرين مما ألحق باستعمال المشترك في معنييه.

وتنكير ﴿ صراط ﴾ للتعظيم مثل تنكير (عظمٍ) في قول أبي خراش: فلا وأبي الطير المُرِبَّة في الضحى *** على خالد لقد وقعن على عَظْم ولأن التنكير أنسب بمقام التعريض بالذين لم يأبهوا بهدايته.

وعُدل عن إضافة ﴿ صراط ﴾ إلى اسم الجلالة ابتداء لقصد الإجمال الذي يعقبه التفصيل بأن يُبْدل منه بعد ذلك ﴿ صراط الله ﴾ ليتمكن بهذا الأسلوب المعنى المقصود فَضْلَ تمكُّن على نحو قوله: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم صراطَ الذين أنعمت عليهم ﴾ [الفاتحة: 6، 7].

وإجراء وصف اسم الجلالة باسم الموصول وصلته للإيماء إلى أن سبب استقامة الصراط الذي يهدي إليه النبي بأنه صراط الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض فلا يعْزب عنه شيء مما يليق بعباده، فلما أرسَل إليهم رسولاً بكتاب لا يُرتاب في أن ما أرسل لهم فيه صلاحُهم.

﴿ الارض أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ ﴾ .

تذييل وتنهية للسورة بختام ما احتوت عليه من المجادلة والاحتجاج بكلام قاطع جامع منذر بوعيد للمعرضين فاجع ومبشر بالوعد لكل خاشع.

وافتتحت الجملة بحرف التنبيه لاسترعاء أسماع النّاس.

وتقديم المجرور لإفادة الاختصاص، أي إلى الله لا إلى غيره.

و ﴿ المصير ﴾ : الرّجوع والانتهاء، واستعير هنا لظهور الحقائق كما هي يومَ القيامة فيَذهَب تلبيس الملبسين، ويَهِن جبروت المتجبرين، ويقرّ بالحق من كان فيه من المعاندين، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وإلى الله عاقبة الأمور ﴾ [لقمان: 22] وقوله: ﴿ وإليه يرجع الأمر كله ﴾ [هود: 123].

والأمور: الشؤون والأحوال والحقائق وكل موجود من الذوات والمعاني.

وقد أخذَ هذا المعنى الكميت في قوله: فالآن صِرتُ إلى أمية والأمورُ إلى مَصائر *** وفي تنهية السورة بهذه الآية محسن حُسن الختام.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سَبَبُ نُزُولِها ما حَكاهُ النَّقّاشُ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَحْيًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَفْثٌ يُنْفَثُ في قَلْبِهِ فَيَكُونُ إلْهامًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: رُؤْيا يَراها في مَنامِهِ، قالَهُ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ.

﴿ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ قالَ زُهَيْرٌ: كَما كَلَّمَ مُوسى.

﴿ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا ﴾ قالَ زُهَيْرٌ: هو جِبْرِيلُ.

﴿ فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ ﴾ وهَذا الوَحْيُ مِنَ الرُّسُلِ خِطابٌ مِنهم لِلْأنْبِياءِ يَسْمَعُونَهُ نُطْقًا ويَرَوْنَهُ عَيانًا.

وَهَكَذا كانَتْ حالُ جِبْرِيلَ إذا نَزَلَ بِالوَحْيِ عَلى النَّبِيِّ  .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ فَلَمْ يَرَهُ مِنهم إلّا مُحَمَّدٌ وعِيسى ومُوَسى وزَكَرِيّا صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، فَأمّا غَيْرُهم فَكانَ وحْيًا إلْهامًا في المَنامِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: رَحْمَةً مِن عِنْدِنا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: وحْيًا مِن أمْرِنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: قُرْآنًا مِن أمْرِنا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ لَوْلا الرِّسالَةُ، ولا الإيمانُ لَوْلا البُلُوغُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ لَوْلا إنْعامُنا عَلَيْكَ، ولا الإيمانُ لَوْلا هِدايَتُنا لَكَ وهو مُحْتَمَلٌ.

وَفِي هَذا الإيمانِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإيمانُ بِاللَّهِ، وهَذا يَعْرِفُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وقَبْلَ نُبُوَّتِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ دِينُ الإسْلامِ، وهَذا لا يَعْرِفُهُ إلّا بَعْدَ النُّبُوَّةِ.

﴿ وَلَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: جَعَلْنا القُرْآنَ نُورًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: جَعَلْنا الإيمانَ نُورًا.

حَكاهُ النَّقّاشُ وقالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: وإنَّكَ لَتَدْعُو إلى دِينٍ مُسْتَقِيمٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: إلى كِتابٍ مُسْتَقِيمٍ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: وإنَّكَ لَتُهْدى، بِضَمِّ التّاءِ أيْ لَتُدْعى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ صِراطِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ صِراطَ اللَّهِ هو القُرْآنُ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.

الثّانِي: الإسْلامُ، رَواهُ النَّوّاسُ بْنُ سَمْعانَ الأنْصارِيُّ عَنِ النَّبِيِّ  .

﴿ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وعِيدٌ بِالبَعْثِ.

الثّانِي: أنَّهُ وعِيدٌ بِالجَزاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ﴾ قال: القرآن.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل وابن عساكر، عن علي رضي الله عنه، قال: «قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: هل عبدت وثناً قط؟

قال: لا قالوا: فهل شربت خمراً قط؟

قال: لا وما زلت أعرف الذي هم عليه كفر، (وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإِيمان) وبذلك نزل القرآن ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإِيمان ﴾ » .

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإنك لتهدي ﴾ قال: لتدعو.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ﴾ قال: قال الله: ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ [ يوسف: 7] .

قال: داع يدعو إلى الله تعالى.

وأخرج ابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ﴾ قال: تدعو.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ﴾ الروح هنا القرآن، والمعنى مثل هذا الوحي، وهو بإرسال ملك أوحينا إليك القرآن، والأمر هنا يحتمل أن يكون واحد الأمور، أو يكون من الأمر بالشيء ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ﴾ المقصد بهذا شيئان: أحدهما تعداد النعمة عليه صلى الله عليه وسلم، بأن علمه الله ما لم يكن يعلم.

والآخر احتجاج على نبوته لكونه أتى بما لم يكن يعلمه ولا تعلمه من أحد، فإن قيل: أما كونه لم يكن يدري الكتاب فلا إشكال فيه، وأما الإيمان ففيه إشكال لأن الأنبياء مؤمنون بالله قبل مبعثهم؟

فالجواب أن الإيمان يحتوي على معارف كثيرة، وإنما كمل له معرفتها بعد بعثه، وقد كان مؤمناً بالله قبل ذلك، فالإيمان هنا يعني به كمال المعرفة وهي التي حصلت له بالنبوة ﴿ ولكن جَعَلْنَاهُ نُوراً ﴾ الضمير للقرآن.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ما تفعلون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وحفص ﴿ ينزل الغيث ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم ﴿ ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ بما كسبت ﴾ بدون فاء الجزاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون ﴿ فبما كسبت ﴾ بالفاء ﴿ الجواري ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل.

وقرأ قتيبة ونصير وأبو عمرو بالإمالة ﴿ الرياح ﴾ نافع.على الجمع: أبو جعفر ونافع.

﴿ ويعلم الذين ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو جعفر ونافع.

الباقون: بالنصب ﴿ كبير الإثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.

﴿ أو يرسل ﴾ بالرفع ﴿ فيوحى ﴾ بالإسكان: نافع وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون: بالنصب فيهما.

الوقوف: ﴿ كذباً ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ قلبك ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ بكلماته ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تفعلون ﴾ ه لا ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ كثير ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ ولا نصير ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ط ﴿ على ظهره ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه لا ﴿ كثير ﴾ ه لا لمن رفع ﴿ ويعلم ﴾ ومن نصب فوقفه مجوز ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف جملتي الشرط، ويحتمل أن يكون الوقف مطلقاً بناء على أن الثانية أخبار مستأنف ﴿ يتوكلون ﴾ ه ط ﴿ يغفرون ﴾ ه ج ﴿ الصلاة ﴾ ص لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد المقول ﴿ بينهم ﴾ ص لذلك ﴿ ينفقون ﴾ ه ج ﴿ ينتصرون ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ خفي ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ حفيظاً ﴾ ط ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ج ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ الذكور ﴾ ه لا ﴿ وإناثاً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف أي وهو يجعل ﴿ عقيماً ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أمرنا ﴾ ط ﴿ عبادنا ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في أول السورة أن هذا القرآن إنما حصل بوحي الله وانجر الكلام إلى ههنا حكى شبهة القوم وهي زعمهم أنه مفترى وليس بوحي فقال ﴿ أم يقولون افترى ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيه التوبيخ كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى أعظم أنواع الفرية وهو الافتراء على الله، ثم أجابهم بقوله ﴿ فإن يشاء الله يختم على قلبك ﴾ أي يجعلك من المختوم على قلوبهم فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم.

والغرض المبالغة في استبعاد الافتراء من مثله والتعريض بأن من ينسبه إلى الافتراء فهو مختوم على قلبه.

وقيل: لأنساك ما أتاك من القرآن ولكنه لم يشأ فأثبته فيه، وقيل: لأماتك فإن قلب الميت كالمختوم عليه ومثله ﴿ لقطعنا منه الوتين  ﴾ قاله قتادة.

وقال مجاهد ومقاتل: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يدخل قلبك حزن مما قالوه.

ثم استأنف فقال ﴿ ويمح الله الباطل ﴾ أي من عادته ذلك فلو كان محمد  مبطلاً لفضحه وكشف عن باطله، وحذف الواو من الخط لا للجزم كما في قوله ﴿ ويدع الإنسان  ﴾ ﴿ سندع الزبانية  ﴾ وفي تفسير الجبائي أن الواو حذف للجزم، والمعنى إن افتريت ختم على قلبك ومحا الباطل المفترى، فالاستئناف على هذا من قوله ﴿ ويحق الحق بكلماته  ﴾ أي يثبت ما هو الحق في نفسه بوحيه أو بقضائه.

ويجوز أن يكون وعداً لرسول الله  بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب ويظهر الحق الذي أنت عليه وهو القرآن بحكمه السابق وبعلمه القديم ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ فيجازي المبطل والمحق على حسب حاليهما وحين وبخهم على البهت والتكذيب ندبهم إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء والآية واضحة مما سلف تارات ولا سيما في أوائل البقرة في توبة آدم.

أما الضمير في قوله ﴿ ويستجيب ﴾ فعائد إلى الله  وأصله ويستجيب لهم فحذف الجار، والمراد أنه إذا دعوه استجاب لهم وأعطاهم ما طلبوا وزادهم على مطلوبهم تفضلاً.

وقيل: لا ضمير فيه وإنما الظاهر بعده فاعله.

قال سعيد بن جبير: أراد أن المؤمنين يجيبونه إذا دعاهم.

وعن إبراهيم بن أدهم  أنه قيل: ما بالنا ندعو فلا نجاب؟

قال: لأنه دعاكم فلو تجيبوه وقرأ ﴿ والله يدعو إلى دار السلام ويستجيب الذين آمنوا  ﴾ وحيث وعد الاستجابة للمؤمنين كان لسائل أن يقول: إنا نرى المؤمن في شدة وبلية وفقر ثم إنه يدعو الله فلا يشاهد أثر الإجابة فلا جرم قال ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ أي ظلم بعضهم بعضاً وعصوا الله.

وهذه ليست بقضية كلية دائمة ولكنها أكثرية، فإن المال معين قوي على تحصيل المطالب ودفع ما لا يلائم النفس، وإذا كانت الآلة موجودة وداعية الشر في طبع الإنسان مجبولة فقلما لا يقع مقتضاه في الخارج وأيضاً إن أكثر الناس إنما يخدم مثله ويتسخره طمعاً في ماله أو جاهه التابع للمال غالباً، فلو تساويا في المال استنكف كل منهما من الانقياد لصاحبه فارتفعت رابطة التعاون وانقطعت سلسلة التمدن، وقيل: إن الآية نزلت في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وأغار بعضهم على بعض ولبعضهم شعر قوم إذا نبت الربيع بأرضهم *** نبتت عداوتهم مع البقل وقال محمد بن جرير: نزلت في أصحاب الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى.

وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي على قدر المصلحة ووفق حال الشخص كقوله ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم  ﴾ وحين بين أن حكمته اقتضت عدم توسيع الرزق على كل الخلق أراد أن يبين أنه لا يترك ما يحتاجون إليه وإن بلغ أمرهم إلى حد اليأس والقنوط فقال ﴿ وهو الذي ينزل الغيث ﴾ الآية.

ونشر الرحمة عموم المطر الأرض أو هي عامة في كل رحمة سوى المطر ﴿ وهو الولي ﴾ الذي يتولى أمور عباده ﴿ الحميد ﴾ على كل ما يفعله.

ولا ريب أن هذه من جملة دلائل القدرة فلذلك عطف عليها قوله ﴿ ومن آياته خلق السموات والأرض ﴾ ومحل قوله ﴿ وما بث ﴾ إما مجرور عطفاً على السموات أو مرفوع عطفاً على خلق.

وإنما قال ﴿ فيهما من دابة ﴾ مع أن الدواب في الأرض وحدها لأن الشيء قد ينسب إلى جميع المذكور وإن كان متلبساً ببعضه كما يقال: "بنو فلان فعلوا كذا" ولعله قد فعله واحد منهم فقط.

ويجوز أن يكون للملائكة مع الطيران مشى فيتصفوا بالدبيب كالإنسان، أو يكون في السموات أنواع أخر من الخلائق يدبون كما يدب الحيوان في الأرض.

﴿ وهو على جمعهم ﴾ أي إحيائهم بعد الموت ﴿ إذا يشاء قدير ﴾ وإذا يدخل على الماضي ومعنى الاستقبال في ﴿ يشاء ﴾ يعود إلى تعلق المشيئة لا إلى نفس المشيئة القديمة.

ثم بين حال المكلفين وأن ما يصيبهم من ألم ومكروه وبلاء فهو عقوبة للمعاصي التي اكتسبوها، وأن الله يعفو عن كثير من الذنوب أو الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة رحمة أو استدراجاً.

قال الحسن: أراد إقامة الحدود على المعاصي وأنه لم يجعل لبعض الذنوب حداً.

وقيل: إن هذه في يوم القيامة فإن الدنيا دار تكليف لا دار جزاء.

ولقائل أن يقول: كون الجزاء الأوفى على الإثم مخصوصاً بالقيامة لا ينافي وصول بعض الجزاء إلى المكلف في الدنيا، ولهذا قال علي  : هذه أرجى آية للمؤمنين في كتاب الله.

وذلك أنه  قسم ذنوب المؤمنين صنفين: صنف يكفره عنهم بالمصائب، وصنف يعفو وهو كريم لا يرجع في عفوه، نعم لو عكست القضية وقيل ما كسبت أيديكم فإنه يصيبكم به ألم وعذاب في الدنيا لكان هذا منافياً لكون الجزاء في الآخرة ولحصول العفو أيضاً.

روي عن علي بن أبي طالب  أن النبي  قرأ هذه الآية فقال: "ما عفا الله عنه.

فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة وما عاقب عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد عليه العذاب في الآخرة".

قال أهل التناسخ: لولا أن الأطفال والبهائم لهم حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة ما كانوا ليتألموا فإنهم لا ذنوب لهم الآن.

وأجيب بالتزام أنهم لا يتألمون من المصائب والآلام وفيه بعد، وبأن الخطاب في الآية لذوي العقول البالغين، وبأنها في البالغين عقوبة أو زيادة درجة، وفي الأطفال مثوبة لهم أو لوالديهم.

ثم خاطب المشركين بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ الآية ثم ذكر دليلاً آخر قائلاً ﴿ ومن آياته الجواري ﴾ أي السفن الجواري ﴿ في البحر كالأعلام ﴾ أي كالجبال في العظم.

ولا شك أن جريانها بواسطة هبوب الرياح فلذلك قال ﴿ إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ﴾ أي فيصرن واقفة على ظهر ماء البحر ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار ﴾ على البلاء ﴿ شكور ﴾ على الآلاء أو صبار في السفينة شكور إذا خرج منها ﴿ أو ﴾ أن يشأ ﴿ يوبقهن ﴾ أي يهلك السفينة بما فيها بالغرق أو الكسر لعصوف الريح وغيره ﴿ بما كسبوا ﴾ من كفران نعم الله وعصيانه ﴿ ويعف عن كثير ﴾ من الذنوب فلا يجازي عليها في الدنيا ولا في الآخرة.

والحاصل أنه إن يشأ يسكن الريح فتبقى الجواري واقفة على متن البحر، أو أن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم.

من رفع ﴿ ويعلم ﴾ فعلى الاستئناف، ومن نصب فللعطف على تعليل محذوف أي لينتقم منهم ويعلم قاله في الكشاف.

وقال الكوفيون ومنهم الزجاج: النصب بإضمار "أن" لأن قبلها جزاء.

تقول: ما تصنع أصنع وأكرمك.

ووجهه أن هذا في تأويل المصدر المعطوف على مصدر أصنع مقدراً.

ثم استأنف قوله ﴿ ما لهم من محيص ﴾ أي لا مهرب للمجادلين عن عقابه.

ثم رغب المكلفين عن الدنيا وفي الدنيا وفي الآخرة وقد مر نظيره في القصص إلا أنه ذكر ههنا أن هذه الخيرية تحصل للموصوفين بصفات إحداها الإيمان، والثانية التوكل على الرب، والثالثة الاجتناب عن الكبائر والفواحش كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه  ﴾ ﴿ إنما حرم ربي الفواحش  ﴾ ومن قرأ ﴿ كبير ﴾ على التوحيد فللجنس، وفسره ابن عباس بالشرك، الرابعة الغفران عند الغضب "وهم" تأكيد للضمير أو مبتدأ ما بعده خبره.

قال بعض العلماء: يحتمل أن يراد بالكبائر ما يتعلق بالبدع والعقائد الفاسدة وهي من فساد القوة العقلية، وبالفواحش فساد القوة الشهوية، وبالأخيرة ما يتعلق بالقوة الغضبية.

قال المفسرون: نزل قوله ﴿ والذين استجابوا لربهم ﴾ في الأنصار دعاهم الله ورسوله إلى التوحيد فأطاعوا ورضوا بقضائه وواظبوا على الصلوات الخمس، وكانوا قبل الإسلام متشاورين في كل أمر دهمهم غير منفردين برأي، والشورى مصدر كالفتيا، والمضاف محذوف أي ذو التشاور.

وليس بين قوله ﴿ هم ينتصرون ﴾ أي ينتقمون وبين قوله ﴿ يغفرون ﴾ منافاة، فإن هذه أخص من الأولى إذ البغي هو الذي يؤدي إلى الفساد ولا يصير عفوه سبباً لتسكين ثائرة الفتنة ولرجوع الجاني عن جنايته، ويجوز أن يتوجه المدح في الانتصار إلى كون المظلوم بحيث يراعي حد الشرع ولا يتجاوزه حتى لو زاد عليه لم يكن منتصراً ولا يستحق المدح، فهذه خمس صفات أخرى للراغبين في الدار الآخرة.

ثم بين أن شرعة الانتصار مشروطة برعاية المماثلة فقال ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ حتى لو قال أخزاه الله لا يزيد في الجواب عليه شيئاً.

وسمى الثاني سيئة ازدواجاً للكلام أو لأن السيئة هي التي يكرهها الإنسان طبعاً كالقصاص والقطع وسائر الحدود.

وقد لا يمكن رعاية المماثلة كما في قتل الأنفس بنفس واحدة أو كقطع الأيدي بواحدة إذا تعاونوا على قطعها ذلك في الفقه.

وإنما عرف ذلك بنص آخر أو بقياس جلي.

ثم حث مع ذلك على العفو والصبر قائلاً ﴿ فمن عفى وأصلح ﴾ ما بينه وبين خصمه بالاغضاء والعفو ﴿ فأجره على الله ﴾ فإن الانتصار حسن في نفسه ولا سيما إذا كان فيه مصلحة دينية كزجر وارتداع إلا أن العفو أحسن لأنه لا يكاد يؤمن في الانتصار والتجاوز عن حد الاعتدال ولهذا حذر منه بقوله ﴿ إنه لا يحب الظالمين ﴾ روي عن النبي  : " "إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له أجر على الله فليقم فيقوم خلق فيقال لهم: ما أجركم على الله؟

فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا.

فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله" ثم كرر أن الانتصار لا يؤاخذ به ولا سبيل للوم إليه لئلا يظن أن وعد الأجر على العفو يقتضي قبح الانتصار في نفسه فقال ﴿ ولمن انتصر ﴾ الآية.

وقوله ﴿ بعد ظلمه ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول والباقي واضح إلى قوله ﴿ الأمور ﴾ وإنما أدخل اللام في الخبر خلاف ما في لقمان لأن الصبر على المكروه الذي هو ظلم أشد من الصبر على الذي ليس بظلم، وتكرير الحث على الصبر لمزيد التأكيد أيضاً، ثم ذكر أن الإضلال والهداية التي هي نقيضه إنما تتعلق بمشيئته.

والمعتزلة يتأولون الإضلال بالخذلان أو بالإضلال عن طريق الجنة.

ثم حكى أن الكفار عند معاينة عذاب النار يتمنون الرجعة إلى الدنيا، ثم عقبه بذكر حالهم حين يعرضون على النار.

الخشوع بمعنى الهوان ولهذا علق بقوله ﴿ من الذل ﴾ وقد يعلق بـ ﴿ ينظرون ﴾ أي لهذا السبب يبتدىء نظرهم من تحريك أجفانهم وهو ضعيف فإن الناظر إلى المكاره لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، وقد يفسر الطرف الخفي بمعنى البصيرة بناء على أن الكفار يحشرون عمياً فلا ينظرون إلا بقلوبهم والأكثرون أجابوا عنه فقالوا: لعلهم يكونون في الابتداء هكذا ثم يجعلون عمياً، أو لعل هذا في قوم وذاك في قوم.

ثم حكى قول المؤمنين فيهم ﴿ ويوم القيامة ﴾ ظرف ﴿ لخسروا ﴾ كما في " الزمر" فيحتمل أن يكون قول المؤمنين فيه أو في الدنيا.

وجوز في الكشاف أن يكون ظرفاً لقال.

والنكير الإنكار أي ما لكم من مخلص ولا من قدرة أن تنكروا شيئاً مما دوّن في صحائف أعمالكم أو مالكم من ينكر علينا حتى يغير شيئاً من أحوالكم.

ثم سلى نبيه بقوله ﴿ فإن أعرضوا ﴾ ثم ذكر سبب إصرارهم على عقائدهم الفاسدة وهو الضعف الذي جبل عليه الإنسان من البطر عند الغنى، والفراغ في زمن الصحة، والأمن في زمن الكفران، ونسيان نعم الله عند البلاء.

وإنما جمع قوله ﴿ وإن تصبهم ﴾ لأن الإنسان جنس يشمل أهل الغفلة كلهم.

وقوله ﴿ فإن الإنسان ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير وفائدته التسجيل على أن هذا الجنس من شأنه ذلك إلا إذا أدّب النفس وراضها.

ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ الآية.

والمقصود أن الإنسان لا يغتر بما يملكه من الجاه والمال ولا يعتقد أنه حصل بجد أوجده فيعجب به ويعرض عن طاعة ربه.

ثم ذكر من أقسام تصرفه في ملكه أنه يخص البعض من الحيوان بالأولاد الإناث، والبعض بالذكور، والبعض بالصنفين، والبعض يجعله عديم الولد.

وقدم ذكر الإناث تطييباً لقلوب آبائهن أو لأنهن مكروهات عند العرب فناسب أن يقرن اللفظ الدال عليهن باللفظ الدال على البلاء.

أو لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء الإنسان فكان ذكر الإناث التي هي من جملة ما لا يشاء الإنسان أهم.

وفيه نقل الإنسان من الغم إلى الفرح.

ولا ريب أن هذا أولى من العكس.

وفيه أن الإنسان إذا رضي بالأنثى فإذا أعطاه الذكر علم أنه فضل من الله.

وفيه أن العجز كلما كان أتم كانت عناية الله بحاله أوفر.

ثم أراد أن يتدارك تأخيرهم وهم أحقاء بالتقديم فعرف الذكور لأنه مع رعاية الفاصلة تنويه وتشهير كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام.

ثم قال ﴿ أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ﴾ فأعطى كلا الجنسين حقه.

ونصبهما على الحال، والضمير للأولاد أو على المفعولية، والضمير لمن يشاء أي يجمع لهم كلا الصنفين سواء كانا متساويين في العدد أم لا.

وقيل: معناه أن تلد أولاً غلاماً ثم جارية ثم غلاماً ثم جارية وهكذا قاله مجاهد.

وقيل أن تلد ذكراً وأنثى في بطن واحد قاله ابن الحنفية: وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأنبياء، وهب لشعيب ولوط أناثاً، ولإبراهيم  ذكوراً، ولمحمد  ذكوراً وهم القاسم والطاهر وعبد الله وإبراهيم، وإناثاً هن فاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم، وجعل يحيى وعيسى عقيماً.

والحق أن هذا التقسيم وإن كان مطابقاً لحال هؤلاء الأنبياء إلا أن في التخصيص ضيق عطن.

وإن صحت الرواية عن ابن عباس فالعبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، وحمل بعض أهل التأويل الإناث على أمور الدنيا والذكور على أمور الآخرة، وتزويج الصنفين على الجامع بين الأمرين، والعقيم على من لا دين له ولا دنيا ثم أكد كمال القدرة بقوله ﴿ وما كان لبشر ﴾ أي وما صح لأحد ﴿ أن يكلمه الله إلا ﴾ على أحد ثلاثة أنحاء: الأول الوحي وهو الإلهام أو المنام كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم  في ذبح ولده.

وعن مجاهد أن داود  ألهمه الزبور فكتبه حفظاً.

الثاني التكليم بلا واسطة ولكن من وراء حجاب.

والمجسمة استدلوا به على أنه  في جهة فإن الاحتجاب لا يصح إلا من ذي جهة ومكان، وأجيب بأن هذا مثل لأنه إذا سمع الصوت ولا يرى الشخص كان بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب كما كلم موسى ويكلم الملائكة.

وقيل: حجاب عن إدراك ذلك الكلام لا المتكلم.

وقيل: حجاب لموضع الكلام.

الثالث أن يرسل رسولاً كجبرائيل فيوحي الملك بإذن الله إلى النبي ما يشاؤه الله.

والأقسام الثلاثة كلها من قبيل الوحي ولكنه  جعل الوحي في الآية خاصاً بالأول، وتقدير الكلام: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً أو إلا وحياً أو إسماعاً أو إرسالاً، أو إلا أن يوحى أو يسمع أو يرسل.

ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف بمعنى أو هو يرسل أو على الحال بمعنى مرسلاً عطفاً على ﴿ وحياً ﴾ بمعنى موحياً.

وقيل: الوحي هو الوحي إلى الرسل بواسطة الملائكة، وإرسال الرسل إرسال الأنبياء إلى الأمم، فإن الصحيح عند أهل الحق أن الشيطان لا يقدر على إلقاء الباطل في أثناء الوحي.

وقد يقال: إن توجيه التكليف إلى العبد لا يتم إلا بثلاث مراتب من المعجزات، وذلك أن التسلسل محال فلا بد من سماع الملك كلام الله بلا واسطة.

فالملك يحتاج إلى معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله، وإذا بلغ الملك ذلك الكلام إلى النبي فلا بد للنبي من مشاهدة معجزة تدل على صدقه، وإذا بلغ الرسول لأمته فالأمر كذلك.

وهذا الثالث مشهور متفق عليه، وأما الأولان فعلهما يعرفان بنور الباطن ولا يفتقر إلى المعجزة لا في أول الأمر ولا كل مرة.

قال أهل التصديق: إن الأقسام الثلاثة اجتمعت لنبينا  ، لأنه في بدء الإسلام كان يرى الرؤيا الصادقة كفلق الصبح، وسمع الكلام من وراء الحجاب ليلة المعراج، وكان يأتيه جبرائيل إلى آخر عمره فلهذا قال عز من قائل ﴿ وكذلك أوحينا إليك ﴾ ويحتمل أن يراد كما أوحينا إلى سائر الأنبياء أوحينا إليك يعني بالطريق الأكثري وهو القسم الثالث.

ومعنى ﴿ روحاً من أمرنا ﴾ قرآنا من عندنا أو من عالم أمرنا كقوله ﴿ يلقى الروح من أمره ﴾ {غافر:15] و ﴿ ما كنت تدري ﴾ في المهد أو قبل البلوغ أو قبل الوحي ﴿ ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ يعني ما يتعلق بكمال الإيمان مما لا يكفي في معرفته مجرد العقل والنظر ويتوقف على النقل وإذن الشرع.

وقيل: أراد أهل الإيمان يعني من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للقرآن أو الإيمان أولهما جميعاً.

ووحد كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها  ﴾ وهداية الله خاصة.

وهداية النبي عامة وهي الدعوة، وصراط الله دينه، ومصير الكل إليه عبارة عن رجوعهم إلى حيث لا حكم لأحد سواه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يخبر أنه بما يأمرهم وينهاهم، وبما يمتحنهم بأنواع المحن بأمر ونهي، ولا يمتحن بحاجة نفسه في جرّ منفعة، واستفادة خير، أو دفع مضرة أو بلاء؛ إذ له ملك السماوات والأرض، ولكن إنما يأمرهم وينهاهم ويمتحنهم؛ لحاجة أنفسهم في إصلاحها وفكاكها ونجاتها عن المهالك، وهو كقوله: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ  ﴾ يخبر بما ذكر أنه غني، لا ينفعه إيمان مؤمن، ولا يزيد في ملكه، ولا يضرّه كفر كافر، ولا ينقص من ملكه.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ كقوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ...

﴾ الآية [آل عمران: 26].

ويحتمل أن يقول: له ملك السماوات والأرض؛ أي: هو يؤتي الملك من له الملك في الدنيا، وهو ينزع عمّن يشاء؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ...

﴾ الآية [آل عمران: 26].

وفيه نقض قول المعتزلة في خلق أفعال العباد منهم، وإنكارهم أن يكون فعل الله -  - مخافة وقوع الشرك في ذلك بينهم وبين الله -  - فيكون ذلك فعل الله -  - وفعل العبد؛ إذ هو تفسير الشركة في الشاهد.

فيقال لهم: إن الله -  - قال: له ملك السماوات والأرض، وقال في آية أخرى: ﴿ وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ  ﴾ وقد رأينا الملوك في الدنيا، ثم لم يوجب ذلك الشركة في ملكه؛ لاختلاف المعنى والجهات؛ إذ حقيقة الملك له، ولغيره ليست حقيقة الملك، إنما له ملك الانتفاع، لا على الإطلاق؛ فعلى ذلك أفعال العباد من الخيرات خلقاً لله  ، فيكون على قولهم غير خالق لأكثر الأشياء مما شاء؛ وهذا لأن قوله: ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ إما أن خرج على الوصف بالربوبية لله  والألوهية، أو على وجه الوعد والخبر بأنه يخلق ما يشاء.

فإن كان على الوصف له بالربوبية؛ فلا يكون ذلك وصف الربوبية؛ إذ لا يكون خالقاً لجزء من عشرة آلاف من الأشياء التي شاء أن يخلقها، وإن كان على الوعد والخبر فيخرج كذباً على قولهم، فنعوذ بالله  من السرف في القول، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ﴾ يخبر -  - أن الأولاد جميعاً من الذكور والإناث مواهب الله -  - وهداياه، فيجب أن يقبلوها منه قبول الهدايا والهبات على الشكر له والمنة، ثم بدأ بذكر الإناث ثم بالذكور؛ لأن من الناس من إذا ولد له الإناث يعدها مصيبة، ويثقل ذلك عليه، وعلى ذلك ما أخبر عن الكفرة أنهم إذا بشروا بالأنثى ظلت وجوههم مسودة بقوله -  -: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ  ﴾ يخبر عن ثقل ذلك عليهم، وغيظهم على ذلك فبدأ بذكر ذلك؛ لئلا يعد أهل الإسلام الأولاد الإناث مصيبة وبلاء على ما عدها الكفرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً ﴾ ، التزويج: هو الجمع بين الشكلين والمتماثلين في الحقيقة، وقد يسمى التزويج بين المتضادين مجازاً - والله أعلم - فيكون معنى قوله: ﴿ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً ﴾ أي: يقرن ويجمع بين الإناث والذكور، فيهب له من النوعين جميعاً حالة واحدة.

وقال القتبي: ﴿ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً ﴾ ، أي: يجعل بعضهم بنين و[بعضهم] بنات، تقول العرب: زوجت أهلي: إذا قرنت بعضها ببعض، وزوجت الكبار بالصغار إذا قرنت كبيراً بصغير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً ﴾ والعقيم من النساء: التي لا تلد، وهي لا توصف بالبركة، ويقال: إنها ليست مباركة، لا يرغب فيها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بإنشاء الأولاد والإناث في الرحم، ﴿ قَدِيرٌ ﴾ على ذلك.

أو ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بمصالح الخلق، ﴿ قَدِيرٌ ﴾ : لا يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ﴾ كأن هذا إنما ذكر وأخبر عن نازلة أو سؤال كان عن كيفية الرسالة، وهل الرسل - عليهم السلام - يرون ربهم ويشاهدونه ويشافهونه؟

فأخبر أنه ليس من البشر من يكلمه إلا بالطرق الثلاثة التي ذكرها، والسؤال وقع عن الرؤية في الدنيا، فيكون الجواب بناء على السؤال، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ إِلاَّ وَحْياً ﴾ قال بعضهم: ﴿ إِلاَّ وَحْياً ﴾ : ما يرى في المنام، ورؤيا الأنبياء - عليهم السلام - حقيقة.

وقوله: ﴿ أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ﴾ نحو ما كلم موسى -  - ألقى في مسامعه صوتاً مخلوقاً على ما شاء وكيف [شاء]، من غير [أنْ] كان ثَمَّ ثالثٌ.

وقوله: ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ﴾ أي: يرسل ملكا يخبره عن الله -  - وطرق الرسول إلى معرفة ذلك في الدنيا الوجوه التي ذكرنا: إما الإلهام، وإما الإلقاء في المسامع، وإما رسول يرسل فيخبر عن أمره وكلامه، فأما أن يحتمل وسع أحد رؤيته أو يشافهه أو يعاينه في الدنيا فلا، والله الموفق.

ثم اختلف في قوله: ﴿ أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ﴾ : قال بعضهم: الحجب أنفسها هي حقيقة الحجب.

وقال بعضهم: الحجاب: هو عجزهم عن احتمال رؤيته؛ لأن الله -  - أنشأهم على بنية وخلقة لا تقوم أنفسهم القيام لذلك على ما أخبر - عز وجل - حيث قال لموسى -  -: ﴿ وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي  ﴾ أي: فإن احتمل ذلك فاحتمل ما سألت، والله أعلم.

وفي الآية: أن الله -  - يكون مكلماً للبشر بالرسول، وإن لم يشافهه المرسل، وكأن ذلك تسمية بطريق المجاز؛ إذ لم يكن في الحقيقة كلام الرسول كلام المرسل، وكذلك في قوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ  ﴾ لا يكون ما يسمع من الرسول -  - كلام الله حقيقة، وكذا ما يقال: سمعت من فلانة قول فلان، أو حديث فلان كله، على المجاز، ليس على التحقيق، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون سبب نزول قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً...

﴾ الآية - قول أولئك الكفرة؛ حيث أخبر الله -  - بقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ...

﴾ الآية [البقرة: 118]، وقولهم: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا  ﴾ سألوا أن يروا ربهم جهاراً، فقد حجبوا عن رؤية الله -  - في الدنيا والآخرة، حيث قال: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ  ﴾ وسألوا أن يكلمهم شفاها، فأخبر أنه لا يكلم أحداً شفاهاً، ولكن يكلم بما ذكر من الأوجه الثلاثة؛ حيث قال: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾ ردّاً عليهم، فأخبر الله -  -: أن طريق تكليمه الخلق في الدنيا هذه الوجوه التي ذكرنا، وقد كلم البشر من هذه السبيل والطريق التي ذكر؛ حيث قال: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ أخبر أنه أنزل إليهم ما ذكر، كما أنزل على الرسول، وحيث قال: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 6]، وغير ذلك من الآيات مما يكون كأنه قد كلمهم بما ذكر، كما كلم الرسل من الوجوه التي ذكر.

وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ﴾ كأنه يقول: هكذا أوحينا إلى الرسل الذين من قبلك بالوجوه والطرق التي ذكرنا كما أوحينا إلى الذين من قبلك.

وقوله: ﴿ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ رُوحاً ﴾ جبريل بأمرنا.

وقال بعضهم: أي: أوحينا إليك أمراً من أمرنا.

وقال بعضهم: ﴿ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ﴾ أي: الكتاب الذي أنزله عليه وأوجبه إليه، سماه: روحاً؛ لأنه يحيي به الدين، وتكون به حياة الدين، ويحيي به الأبدان، وهو حياة الذكر والشرف، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ  ﴾ حياة الذكر والشرف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ ﴾ أمّا الكتاب فإنّه لا شك أنه كان لا يدريه ولا يعلمه حتى أدراه وأعلمه، وأمّا الإيمان حيث أخبر أنه لا يدريه فهو يحتمل وجوهاً: أحدها: ما كنت تدري ما الإيمان؟

في حق اللسان.

أو ما كنت تدري ما الإيمان؟

في حق الإيمان.

أو ما كنت تدري ما الإيمان؟

في حق قدره ومحله ومنزلته عند الله  .

فإن كان المراد في حق اللسان، فهو ظاهر أنه كان لا يدري في حق ابتداء الأمر أن الإيمان هو التصديق أو التوحيد، أو ما هو؟

وهو معروف أنه كان لا يدريه في حق اللسان حتى أدراه وأعلمه أنه ماذا؟

وكذلك جميع أهل اللسان، لا علم [لهم] بذلك حتى علمهم رسول الله  "فنزل [جبريل]، وسأل النبي  : ما الإيمان؟

وما الإسلام؟

على صورة أعرابي حتى قال النبي  : إن هذا كان جبريل نزل ليعلمكم معالم دينكم" ، والله أعلم.

وإن كان في حق فعل الإيمان ومباشرة ركنه، فهو إذن كان غير قادر على فعله وإتيانه على هذه وكان لا يدري، لكنه لا يدريه فإنه لا يوصف بالجهل به؛ ألا ترى أن الصغار لا يدرون، ولا يقال: إنهم جهلة، وإنما يوصف بالجهل من ملك الفكرة والنظر وأسباب العلم ثم ترك ذلك، فعند ذلك يوصف بالجهل، فأما من يملك ذلك ولم يبلغ هذا المبلغ فإنه لا يوصف بالجهل؛ ألا ترى أنه يقال للأعراض والأشياء: إنها لا تدري ولا توصف بالجهل؛ فعلى ذلك يجوز أن يوصف ويقال: إنه كان لا يدري، ولا يوصف ولا يقال: إنه كان جاهلا به، والله أعلم.

ألا ترى أن الولد في البطن لا يوصف بأن له سمعاً وبصراً ونحوه؛ لأنه ليس بمحل للسماع والبصر، فإذا أخرج منه عند ذلك يجعل له لما مكن من السماع والبصر، وهو ما ذكر بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ  ﴾ عندما مكن لهم ذلك.

وإن كان المراد: أنه لا يدري في حق المحل والمنزلة والقدر، فهو هكذا كان لا يدري ما محل الإيمان وقدره عند الله  ؟

حتى أدراه وأعلمه محله ومنزلته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً ﴾ فإن كان المراد هو الإيمان فهو نور بالحجج والبرهان، وهو كما ذكر: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ .

وإن كان المراد هو الكتاب، فهو نور لما يرفع جميع حجب القلوب وسواترها عمن اتبعه ونظر إليه بعين التعظيم.

وقوله: ﴿ نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ ﴾ من علم أنه يختاره شاء أن يهديه.

ثم قوله: ﴿ نَّهْدِي بِهِ ﴾ يحتمل: القرآن.

ويحتمل الإيمان نفسه؛ أي: يجعله بالإيمان مهتدياً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

قوله: ﴿ لَتَهْدِيۤ ﴾ يحتمل: لتدعو، أو لتبين لهم الصراط المستقيم، ثم فسره بقوله -  -: ﴿ صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ لم يفهم من صراط الله ما يفهم من صراط الخلق، أو صراط فلان، فكيف يفهم من مجيئه أو إتيانه ما يفهم من مجيء الخلق أو إتيانه، فهذا يدل أن لا كل ما أضيف إلى الله -  - يفهم منه ما يفهم مما يكون من الخلق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ ﴾ .

يحتمل: ألا إلى الله يرجع تدبير الأمور.

ويحتمل: ألا إلى الله تصير الأمور في الآخرة، وهو البعث، والله أعلم بالصواب.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكما أوحينا إلى الأنبياء من قبلك -أيها الرسول- أوحينا إليك قرآنًا من عندنا، ما كنت تعلم قبله ما الكتب السماوية المنزلة على الرسل، وما كنت تعلم ما الإيمان؟

ولكن أنزلنا هذا القرآن ضياءً نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتدل الناس إلى طريق مستقيم هو دين الاسلام.

<div class="verse-tafsir" id="91.R24o8"

مزيد من التفاسير لسورة الشورى

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل