الآية ١٠ من سورة الزخرف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ١٠ من سورة الزخرف

ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًۭا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًۭا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة الزخرف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( الذي جعل لكم الأرض مهدا ) أي : فراشا قرارا ثابتة ، يسيرون عليها ويقومون وينامون وينصرفون ، مع أنها مخلوقة على تيار الماء ، لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد هكذا ولا هكذا ، ( وجعل لكم فيها سبلا ) أي : طرقا بين الجبال والأودية ( لعلكم تهتدون ) أي : في سيركم من بلد إلى بلد ، وقطر إلى قطر ، وإقليم إلى إقليم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا ) يقول: الذي مهد لكم الأرض, فجعلها لكم وطاء توطئونها بأقدامكم, وتمشون عليها بأرجلكم.( وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا ) يقول: وسهل لكم فيها طرقا تتطرّقونها من بلدة إلى بلدة, لمعايشكم ومتاجركم.

كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا ) أي طرقا.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا ) قال: بساطا( وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا ) قال: الطرق.( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) يقول: لكي تهتدوا بتلك السبل إلى حيث أردتم من البلدان والقرى والأمصار, لولا ذلك لم تطيقوا براح أفنيتكم ودوركم, ولكنها نعمة أنعم بها عليكم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدونقوله تعالى : الذي جعل لكم الأرض مهدا وصف نفسه سبحانه بكمال القدرة .

وهذا ابتداء إخبار منه عن نفسه ، ولو كان هذا إخبارا عن قول الكفار لقال الذي جعل لنا الأرض ( مهادا ) فراشا وبساطا .

وقد تقدم .

وقرأ الكوفيون مهدا وجعل لكم فيها سبلا أي معايش .

وقيل : طرقا ، لتسلكوا منها إلى حيث أردتم .

لعلكم تهتدون فتستدلون بمقدوراته على قدرته .

وقيل : لعلكم تهتدون في أسفاركم ، قاله ابن عيسى .

وقيل : لعلكم تعرفون نعمة الله عليكم ، قاله سعيد بن جبير .

وقيل : تهتدون إلى معايشكم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر أيضا من الأدلة الدالة على كمال نعمته واقتداره، بما خلقه لعباده من الأرض التي مهدها وجعلها قرارا للعباد، يتمكنون فيها من كل ما يريدون.{ وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا } أي: جعل منافذ بين سلاسل الجبال المتصلة، تنفذون منها إلى ما وراءها من الأقطار.

{ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } في السير في الطرق ولا تضيعون، ولعلكم تهتدون أيضا في الاعتبار بذلك والادكار فيه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم ابتدأ دالا على نفسه بصنعه فقال : ( ( الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون ) إلى مقاصدكم في أسفاركم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذي جعل لكم الأرض مهادا» فراشاً كالمهد للصبي «وجعل لكم فيها سبلا» طرقاً «لعلكم تهتدون» إلى مقاصدكم في أسفاركم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الذي جعل لكم الأرض فراشًا وبساطًا، وسهَّل لكم فيها طرقًا لمعاشكم ومتاجركم؛ لكي تهتدوا بتلك السبل إلى مصالحكم الدينية والدنيوية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وصف - سبحانه - ذاته بصفات أخرى فقال : ( الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً .

.

.

) .المهد والمهاد : الفراش المهد المذلل الذى يستقر عليه من جلس فوقه .أى : الخالق لهذا العالم هو الله العزيز العليم ، الذى جعل لكم الأرض كالفراش الممهد ، حيث بسطها لكم ، وجعلها صالحة لسيركم عليها ، ولإِنبات الزروع فيها .( وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ) أى : وجعل لكم فيها طرقا متعددة ، لكى تسلكوها ، فتصلوا من بلد إلى آخر ، ومن قطر إلى قطر ، كما قال - تعالى - فى آية أخرى ( والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً ) وقوله - تعالى - : ( لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) بيان للحكمة من جعل الأرض كذلك ، أى : جعلها ممهدة كثيرة الطرق ، لعلكم تهتدون إلى ما تريدون الوصول إليه من البلاد ، ومن المنافع المتعددة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه قد تقدم ذكر المسرفين وهم المشركون وتقدم أيضاً ذكر الأنبياء فقوله: ﴿ ولئن سألتهم ﴾ يحتمل أن يرجع إلى الأنبياء، ويحتمل أن يرجع إلى الكفار إلا أن الأقرب رجوعه إلى الكفار، فبيّن تعالى أنهم مقرون بأن خالق السموات والأرض وما بينهما هو الله العزيز الحكيم، والمقصود أنهم مع كونهم مقرين بهذا المعنى يعبدون معه غيره وينكرون قدرته على البعث، وقد تقدم الإخبار عنهم، ثم إنه تعالى ابتدأ دالاً على نفسه بذكر مصنوعاته فقال: ﴿ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً ﴾ ولو كان هذا من جملة كلام الكفار ولوجب أن يقولوا: الذي جعل لنا الأرض مهداً، ولأن قوله في أثناء الكلام ﴿ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ لا يتعلق إلا بكلام الله ونظيره من كلام الناس أن يسمع الرجل رجلاً يقول الذي بنى هذا المسجد فلان العالم فيقول السامع لهذا الكلام الزاهد الكريم كأن ذلك السامع يقول أنا أعرفه بصفات حميدة فوق ما تعرفه فأزيد في وصفه فيكون النعتان جميعاً من رجلين لرجل واحد.

إذا عرفت كيفية النظم في الآية فنقول إنها تدل على أنواع من صفات الله تعالى.

الصفة الأولى: كونه خالقاً للسموات والأرض والمتكلمون بينوا أن أول العمل بالله العلم بكونه محدثاً للعالم فاعلاً له، فلهذا السبب وقع الابتداء بذكر كونه خالقاً، وهذاإنما يتم إذا فسرنا الخلق بالإحداث والإبداع.

الصفة الثانية: العزيز وهو الغالب وما لأجله يحصل المكنة من الغلبة هو القدرة وكان العزيز إشارة إلى كمال القدرة.

الصفة الثالثة: العليم وهو إشارة إلى كمال العلم، واعلم أن كمال العلم والقدرة إذا حصل كان الموصوف به قادراً على خلق جميع الممكنات، فلهذا المعنى أثبت تعالى كونه موصوفاً بهاتين الصفتين ثم فرع عليه سائر التفاصيل.

الصفة الرابعة: قوله: ﴿ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً ﴾ وقد ذكرنا في هذا الكتاب أن كون الأرض مهداً إنما حصل لأجل كونها واقفة ساكنة ولأجل كونها موصوفة بصفات مخصوصة باعتبارها يمكن الانتفاع بها في الزراعة وبناء الأبنية في كونها ساترة لعيوب الأحياء والأموات، ولما كان المهد موضع الراحة للصبي جعل الأرض مهداً لكثرة ما فيها من الراحات.

الصفة الخامسة: قوله: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ﴾ والمقصود أن انتفاع الناس إنما يكمل إذا قدر كل أحد أن يذهب من بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم، ولولا أن الله تعالى هيأ تلك السبل ووضع عليها علامات مخصوصة وإلا لما حصل هذا الانتفاع.

ثم قال تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ يعني المقصود من وضع السبل أن يحصل لكم المكنة من الاهتداء، والثاني المعنى لتهتدوا إلى الحق في الدين.

الصفة السادسة: قوله تعالى: ﴿ والذي نَزَّلَ مِنَ السماء مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ وهاهنا مباحث أحدها: أن ظاهر هذه الآية يقتضي أن الماء ينزل من السماء، فهل الأمر كذلك أو يقال إنه ينزل من السحاب وسمي نازلاً من السماء لأن كل ماسماك فهو سماء؟

وهذا البحث قد مرّ ذكره بالاستقصاء.

وثانيها: قوله: ﴿ بِقَدَرٍ ﴾ أي إنما ينزل من السماء بقدر ما يحتاج إليه أهل تلك البقعة من غير زيادة ولا نقصان لا كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أغرقهم بل يقدر حتى يكون معاشاً لكم ولأنعامكم.

وثالثها: قوله: ﴿ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ أي خالية من النبات فأحييناها وهو الإنشار.

ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ يعني أن هذا الدليل كما يدل على قدرة الله وحكمته فكذلك يدل على قدرته على البعث والقيامة ووجه التشبيه أنه يجعلهم أحياء بعد الإماتة كهذه الأرض التي أنشرت بعد ما كانت ميتة، وقال بعضهم بل وجه التشبيه أن يعيدهم ويخرجهم من الأرض بماء كالمني كما تنبت الأرض بماء المطر، وهذا الوجه ضعيف لأنه ليس في ظاهر اللفظ إلا إثبات الإعادة فقط دون هذه الزيادة.

الصفة السابعة: قوله تعالى: ﴿ والذي خَلَقَ الأزواج كُلَّهَا ﴾ قال ابن عباس الأزواج الضروب والأنواع كالحلو الحامض والأبيض والأسود والذكر والأنثى، وقال بعض المحققين كل ما سوى الله فهو زوج كالفوق والتحت واليمين واليسار والقدام والخلف والماضي والمستقبل والذوات والصفات والصيف والشتاء والربيع والخريف، وكونها أزواجاً يدل على كونها ممكنة الوجود في ذواتها محدثة مسبوقة بعدم، فأما الحق سبحانه فهو الفرد المنزّه عن الضد والند والمقابل والمعاضد فلهذا قال سبحانه: ﴿ والذى خَلَقَ الأزواج كُلَّهَا ﴾ أي كل ما هو زوج فهو مخلوق، فدل هذا على أن خالقها فرد مطلق منزّه عن الزوجية، وأقول أيضاً العلماء بعلم الحساب بينوا أن الفرد أفضل من الزوج من وجوه: الأول: أن أقل الأزواج هو الإثنان وهو لا يوجد إلا عند، حصول وحدتين فالزوج يحتاج إلى الفرد والفرد وهو الوحدة غنية عن الزوج والغني أفضل من المحتاج الثاني: أن الزوج يقبل القسمة بقسمين متساويين والفرد هو الذي لا يقل القسمة وقبول القسمة انفعال وتأثر وعدم قبولها قوة وشدة ومقاومة فكان الفرد أفضل من الزوج الثالث: أن العدد الفرد لابد وأن يكون أحد قسميه زوجاً والثاني فرداً فالعدد الفرد حصل فيه الزوج والفرد معاً، وأما العدد الزوج فلابد وأن يكون كل واحد من قسميه وزوجاً والمشتمل على القسمين أفضل من الذي لا يكون كذلك الرابع: أن الزوجية عبارة عن كون كل واحد من قسميه معادلاً للقسم الآخر في الذات والصفات والمقدار، وإذا كان كل ما حصل له من الكمال فمثله حاصل لغيره لم يكن هو كاملاً على الإطلاق، أما الفرد فالفردية كائنة له خاصة لا لغيره ولا لمثله فكماله حاصلاً له لا لغيره فكان أفضل الخامس: أن الزوج لابد وأن يكون كل واحد من قسميه مشاركاً للقسم الآخر في بعض الأمور ومغايراً له في أمور أخرى وما به المشاركة غير ما به المخالفة فكل زوجين فهما ممكنا الوجود لذاتيهما وكل ممكن فهو محتاج فثبت أن الزوجية منشأ الفقر والحاجة، وأما الفردانية فهي منشأ الاستغناء والاستقلال لأن العدد محتاج إلى كل واحد من تلك الوحدات، وأما كل واحد من تلك الوحدات فإنه غني عن ذلك العدد، فثبت أن الأزواج ممكنات ومحدثات ومخلوقات وأن الفرد هو القائم بذاته المستقبل بنفسه الغني عن كل ما سواه، فلهذا قال سبحانه: ﴿ والذي خَلَقَ الأزواج كُلَّهَا ﴾ .

الصفة الثامنة: قوله: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ ﴾ وذلك لأن السفر إما سفر البحر أو البر، أما سفر البحر فالحامل هو السفينة، وأما سفر البر فالحامل هو الأنعام وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: لم لم يقل على ظهورها؟

أجابوا عنه من وجوه: الأول: قال أبو عبيدة التذكير لقوله ما والتقدير ما تركبون الثاني: قال الفرّاء أضاف الظهور إلى واحد فيه معنى الجمع بمنزل الجيش والجند، ولذلك ذكر وجمع الظهور الثالث: أن هذا التأنيث ليس تأنيثاً حقيقياً فجاز أن يختلف اللفظ فيه كما يقال عندي من النساء من يوافقك.

السؤال الثاني: يقال ركبوا الأنعام وركبوا في الفلك وقد ذكر الجنسين فكيف قال تركبون؟

والجواب: غلب المتعدي بغير واسطة لقوته على المتعدي بواسطة.

ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا استويتم عَلَيْهِ ﴾ ومعنى ذكر نعمة الله، أن يذكروها في قلوبهم، وذلك الذكر هو أن يعرف أن الله تعالى خلق وجه البحر، وخلق الرياح، وخلق جرم السفينة على وجه يتمكن الإنسان من تصريف هذه السفينة إلى أي جانب شاء وأراد، فإذا تذكروا أن خلق البحر، وخلق الرياح، وخلق السفينة على هذه الوجوه القابلة لتصريفات الإنسان ولتحريكاته ليس من تدبير ذلك الإنسان، وإنما هو من تدبير الحكيم العليم القدير، عرف أن ذلك نعمة عظيمة من الله تعالى، فيحمله ذلك على الانقياد والطاعة له تعالى، وعلى الاشتغال بالشكر لنعمه التي لا نهاية لها.

ثم قال تعالى: ﴿ وَتَقُولُواْ سبحان الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ .

واعلم أنه تعالى عين ذكراً معيناً لركوب السفينة، وهو قوله: ﴿ بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا  ﴾ وذكراً آخر لركوب الأنعام، وهو قوله: ﴿ سبحان الذي سَخَّرَ لَنَا هذا ﴾ وذكر عند دخول المنازل ذكراً آخر، وهو قوله: ﴿ رَّبّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين  ﴾ وتحقيق القول فيه أن الدابة التي يركبها الإنسان، لابد وأن تكون أكثر قوة من الإنسان بكثير، وليس لها عقل يهديها إلى طاعة الإنسان، ولكنه سبحانه خلق تلك البهيمة على وجوه مخصوصة في خلقها الظاهر، وفي خلقها الباطن يحصل منها هذا الانتفاع، أما خلقها الظاهر: فلأنها تمشي على أربع قوائم، فكان ظاهرها كالموضع الذي يحسن استقرار الإنسان عليه، وأما خلقها الباطن، فلأنها مع قوتها الشديدة قد خلقها الله سبحانه بحث تصير منقادة للإنسان ومسخّرة له، فإذا تأمل الإنسان في هذه العجائب وغاص بعقله في بحار هذه الأسرار، عظم تعجبه من تلك القدرة القاهرة والحكمة غير المتناهية، فلابد وأن يقول: ﴿ سبحان الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ قال أبو عبيدة: فلان مقرن لفلان، أي ضابط له.

قال الواحدي: وكان اشتقاقه من قولك ضرب له قرناً، ومعن أنا قرن لفلان، أي مثاله في الشدة، فكان المعنى أنه ليس عندنا من القوة والطاقة أن نقرن هذه الدابة والفلك وأن نضبطها، فسبحان من سخرها لنا بعلمه وحكمته وكمال قدرته، روى صاحب الكشاف: عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان إذا وضع رجليه في الركاب قال: «بسم الله، فإذا استوى على الدابة، قال الحمد لله على كل حال، سبحان الذي سخر لنا هذا، إلى قوله لمنقلبون» وروى القاضي في تفسيره: عن أبي مخلد أن الحسن ابن علي عليهما السلام: رأى رجلاً ركب دابة، فقال سبحان الذي سخر لنا هذا، فقال له ما بهذا أمرت، أمرت أن تقول: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، الحمد لله الذي من علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم، والحمد لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، ثم تقول: سبحان الذي سخر لنا هذا، وروي أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه كان إذا سافر وركب راحلته، كبر ثلاثاً، ثم يقول: سبحان الذي سخّر لنا هذا، ثم قال: اللّهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللّهم هون علينا السفر واطوِ عنا بعد الأرض، اللّهم أنت الصاحب في السفر والخليفة على الأهل، اللّهم أصحبنا في سفرنا، وأخلفنا في أهلنا» وكان إذا رجع إلى أهله يقول: «آيبون تائبون، لربنا حامدون» قال صاحب الكشاف: دلّت هذه الآية على خلاف قول المجبرة من وجوه: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبّكُمْ ﴾ فذكره بلام كي، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منا هذا الفعل، وهذا يدل على بطلان قولهم أنه تعالى أراد الكفر منه، وأراد الإصرار على الإنكار الثاني: أن قوله: ﴿ لِتَسْتَوُواْ ﴾ يدل على أن فعله معلل بالأغراض الثالث: أنه تعالى بيّن أن خلق هذه الحيوانات على هذه الطبائع إنما كان لغرض أن يصدر الشكر على العبد، فلو كان فعل العبد فعلاً لله تعالى، لكان معنى الآية إني خلقت هذه الحيوانات لأجل أن أخلق سبحان الله في لسان العبد: وهذا باطل، لأنه تعالى قادر على أن يخلق هذا اللفظ في لسانه بدون هذه الوسايط.

واعلم أن الكلام على هذه الوجوه معلوم، فلا فائدة في الإعادة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنَّا إلى رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ ﴾ واعلم أن وجه اتصال هذا الكلام بما قبله أن ركوب الفلك في خطر الهلاك، فإنه كثيراً ما تنكسر السفينة ويهلك الإنسان وراكب الدابة أيضاً كذلك لأن الدابة قد يتفق لها اتفاقات توجب هلاك الراكب، وإذا كان كذلك فركوب الفلك والدابة يوجب تعريض النفس للهلاك، فوجب على الراكب أن يتذكر أمر الموت، وأن يقطع أنه هالك لا محالة، وأنه منقلب إلى الله تعالى وغير منقلب من قضائه وقدره، حتى لو اتفق له ذلك المحذور كان قد وطن نفسه على الموت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: قوله: ﴿ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم ﴾ وما سرد من الأوصاف عقيبه إن كان من قولهم، فما تصنع بقوله: ﴿ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ [الزخرف: 11] وإن كان من قول الله، فما وجهه؟

قلت: هو من قول الله لا من قولهم.

ومعنى قوله: ﴿ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم ﴾ الذي من صفته كيت وكيت، لينسبنّ خلقها إلى الذي هذه أوصافه وليسندنه إليه.

﴿ بِقَدَرٍ ﴾ بمقدار يسلم معه البلاد والعباد، ولم يكن طوفاناً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ ﴾ لَعَلَّهُ لازِمُ مَقُولِهِمْ أوْ ما دَلَّ عَلَيْهِ إجْمالًا أُقِيمَ مَقامَهُ تَقْرِيرًا لِإلْزامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهم قالُوا: «اللَّهُ» كَما حُكِيَ عَنْهم في مَواضِعَ أُخَرَ وهو الَّذِي مِن صِفَتِهِ ما سُرِدَ مِنَ الصِّفاتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَقُولُهم وما بَعْدَهُ اسْتِئْنافًا.

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا ﴾ فَتَسْتَقِرُّونَ فِيها وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ «مِهادًا» بِالألِفِ.

﴿ وَجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلا ﴾ تَسْلُكُونَها.

﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ لِكَيْ تَهْتَدُوا إلى مَقاصِدِكُمْ، أوْ إلى حِكْمَةِ الصّانِعِ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ.

﴿ والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ ﴾ بِمِقْدارٍ يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ.

﴿ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ﴾ مالَ عَنْهُ النَّماءُ.

وَتَذْكِيرُهُ لِأنَّ البَلْدَةَ بِمَعْنى البَلَدِ والمَكانِ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْشارِ.

﴿ تُخْرَجُونَ ﴾ تُنْشَرُونَ مِن قُبُورِكُمْ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ تُخْرَجُونَ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً} كوفي

وغيره مهاداً أي موضع قرار {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} طرقاً {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} لكي تهتدوا في اسفاركم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا ﴾ مَكانًا مُمَهَّدًا أيْ مُوَطَّأً ومَآلُهُ بَسْطُها لَكم تَسْتَقِرُّونَ فِيها ولا يُنافِي ذَلِكَ كُرَيَّتِها لِمَكانِ اَلْعِظَمِ، وعَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ (مَهْدًا) بِدُونِ ألِفٍ ﴿ وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلا ﴾ طُرُقًا تَسْلُكُونَها في أسْفارِكم ﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ أيْ لِكَيْ تَهْتَدُوا بِسُلُوكِها إلى مَقاصِدِكم أوْ بِالتَّفَكُّرِ فِيها إلى اَلتَّوْحِيدِ اَلَّذِي هو اَلْمَقْصِدُ اَلْأصْلِيُّ ﴿ والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ ﴾ أيْ بِمِقْدارٍ تَقْتَضِيهِ اَلْمَشِيئَةُ اَلْمَبْنِيَّةُ عَلى اَلْحِكَمِ والمَصالِحِ ولا يَعْلَمُ مِقْدارَ ما يُنْزِلُ مِن ذَلِكَ في كُلِّ سَنَةٍ عَلى اَلتَّحْقِيقِ إلّا اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والآلَةُ اَلَّتِي صَنَعَها اَلْفَلاسِفَةُ في هَذِهِ اَلْأعْصارِ اَلْمُسَمّاةُ بِالأُودُومِيتَرِ يَزْعُمُونَ أنَّهُ يُعْرَفُ بِها مِقْدارُ اَلْمَطَرِ اَلنّازِلِ في كُلِّ بَلَدٍ مِنَ اَلْبِلادِ في جَمِيعِ اَلسَّنَةِ لا تُفِيدُ تَحْقِيقًا في اَلْبُقْعَةِ اَلْواحِدَةِ اَلصَّغِيرَةِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِها كَما لا يَخْفى عَلى اَلْمُنْصِفِ.

وفي اَلْبَحْرِ بِقَدَرٍ أيْ بِقَضاءٍ وحَتْمٍ في اَلْأزَلِ، والأوَّلُ أوْلى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً يعني: أفندع ونترك أن نرسل إليكم الوحي مبهماً، لا آمركم ولا أنهاكم.

وقال القتبي: معناه أن أمسك عنكم، فلا أذكركم إعراضاً.

يقال: صفحت عن فلان، إذا أعرضت عنه.

وقال مجاهد: معناه تكذبون بالقرآن، ولا تعاقبون فيه.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ بنصب الألف.

وقرأ الباقون بالكسر.

فمن قرأ بالنصب، فمعناه: أفنضرب عنكم ذكر العذاب بأن أسرفتم، يعني: أشركتم وعصيتم.

ويقال أفنضرب عنكم ذكر العذاب، لأن أسرفتم وكفرتم ومن قرأ بالكسر، فمعناه إن كنتم قوماً مسرفين.

ويقال: هو على معنى الاستقبال، ومعناه إن تكونوا مسرفين، نضرب عنكم الذكر.

ثم قال عز وجل: وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ يعني: كم بعثنا من نبي في أمر الأمم الأولين، كما أرسلنا إلى قومك وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني: يسخرون منه قوله تعالى: فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً يعني: من كان أشد منهم قوة وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ يعني: سنة الأولين بالهلاك.

قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ يعني: المشركين مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ يعني: يقولون خلقهن الله تعالى، الذي هو العزيز في ملكه، العليم بخلقه، فزادهم الله تعالى في جوابهم.

فقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً قرأ حمزة، والكسائي وعاصم مَهْداً، والباقون مَهاداً بالألف، يعني: قراراً للخلق وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا يعني: طرقاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ يعني: لكي تعرفوا طرقها من بلد إلى بلد، ويقال: لعلكم تهتدون يعني: لكي تعرفوا هذه النعم، وتأخذوا طريق الهدى، ثم ذكرهم النعم فقال عز وجل: وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاء بِقَدَرٍ يعني: بمقدار ووزن فَأَنْشَرْنا بِهِ يعني: أحيينا بالمطر بَلْدَةً مَيْتاً يعني: أرضاً ميتة، لا نبات فيها كَذلِكَ تُخْرَجُونَ أنتم من قبوركم.

قوله تعالى: وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها يعني: الأصناف كلها من النبات، والحيوان وغير ذلك وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ مَا تَرْكَبُونَ يعني: جعل لبني آدم من السفن، والإبل، والدواب، ما يركبون عليها ثم قال: لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ يعني: لتركبوا ظهور الأنعام، ولم يقل ظهورها؟

لأنه انصرف إلى المعنى، وهو جنس الأنعام ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ يعني: إذا ركبتم فتحمدوا الله تعالى وَتَقُولُوا عند ذلك سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا يعني: ذلل لنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ يعني: مطيعين.

وقال أهل اللغة: أنا مقر لك أي: مطيق لك.

ويقال: مقرنين أي: مالكين.

ويقال: ضابطين.

ثم قال: وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ يعني: راجعين إليه، في الآخرة.

وقد روى عثمان بن الأسود، عن مجاهد أنه قال: إذا ركب الرجل دابته، ولم يذكر اسم الله تعالى، ركب الشيطان من ورائه، ثم صك في قفاه، فإن كان يحسن الغناء، قال له: تغن، وإن كان لا يحسن الغناء، قال له تمن يعني: تكلم بالباطل.

وعن علي بن ربيعة أنه قال: كنت رديفاً لعلي بن أبي طالب-،  -، فلما وضع رجله في الركاب، قال: بسم الله، فلمَّا استوى قال: الحمد لله، ثم قال: سُبْحَانَ الذى سخر لنا هذا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بمعنى مغفولاً عنه، أي: نتركه يَمُرُّ لا تؤخذون/ بقبوله ولا بتدبُّره، فكأَنَّ المعنى: أفنترككم سُدًى، وهذا هو منحى قتادةَ وغيره، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «إنْ كُنْتُمْ» بكسر الهمزة «١» ، وهو جزاءً دَلَّ ما تقدَّمه على جوابه، وقرأ الباقون بفتحها بمعنى: من أجل أَنْ، والإسراف في الآية هو كُفْرُهُمْ.

«وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ» أي: في الأُمَمِ الماضية، كقوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ وغيرهم.

«وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» أي: كما يستهزىء قومك بك، وهذه الآية تسلية للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وتهديد بأَنْ يصيبَ قريشاً ما أصاب مَنْ هو أَشَدُّ بَطْشاً منهم.

وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ أي: سلف أمرهم وسُنَّتُهُم، وصاروا عبرةً غَابِرَ الدَّهْرِ، أنشد صاحبُ «عنوان الدِّرَايَةِ» لشيخه أبي عبد اللَّه التَّمِيميِّ: [البسيط]

يَا وَيْحَ مَنْ غَرَّهُ دَهْرٌ فَسُرَّ بِهِ ...

لَمْ يَخْلُصِ الصَّفْوُ إلاَّ شِيبَ بِالْكَدَرِ

هُوَ الْحِمَامُ فَلاَ تُبْعِد زِيَارَتَه ...

وَلاَ تَقُلْ لَيْتَنِي مِنْهُ على حَذَرِ

انْظُرْ لِمَنْ بَادَ تَنْظُرْ آيَةً عَجَباً ...

وَعِبْرَةً لأولي الأَلْبَابِ وَالْعِبَرِ

أَيْنَ الألى جَنَبُوا خَيْلاً مُسَوَّمَةً ...

وَشَيَّدُوا إرَماً خَوْفاً مِنَ الْقَدَرِ

لَمْ تُغْنِهِمْ خَيْلُهُمْ يَوْماً وَإنْ كَثُرَتْ ...

وَلَمْ تُفِدْ إِرَمٌ لِلْحَادِثِ النُّكُرِ

بَادُوا فَعَادُوا حَدِيثاً إنَّ ذَا عَجَبٌ ...

مَا أَوْضَحَ الرَّشْدَ لَوْلاَ سَيِّىءُ النَّظَرِ

تَنَافَسَ النَّاسُ في الدُّنْيَا وَقَدْ عَلِمُوا ...

أنّ المقام بها كاللّمح بالبصر

انتهى.

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)

وقوله سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ: الآيةُ ابتداءُ احتجاجٍ على قُرَيْشٍ/ يوجبُ عليهم التناقُضَ من حيث أَقرّوا بالخَالِقِ، وعَبَدُوا غيره، وجاءتِ العبارةُ عنِ اللَّه ب الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ليكونَ ذلك تَوْطِئَةً لما عَدَّدَ سبحانه من أوصافه التي ابتدأَ الإخبار بها، وقَطَعَهَا من الكلام الذي حكى معناه عن قُرَيْشٍ.

وقوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ الآية، هذه أوصافُ فِعْلٍ، وهي نِعَمٌ من اللَّه سبحانه على البَشَرِ، تقوم بها الحُجَّةُ على كُلِّ مُشْرِكٍ.

وقوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ليس هو مِنْ قَوْلِ المسئولين، بل هو ابتداء إخبارٍ من اللَّه تعالى.

وقوله سبحانه: وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءَ بِقَدَرٍ قيل: معناه: بقدر في الكفاية للصلاح لا إكثار فَيَفْسُدَ، ولا قِلَّة فيقصر بل غيثاً مُغِيثاً، وقيل: بِقَدَرٍ أي: بقضاء وحَتْمٍ، وقالت فرقة: معناه: بتقديرٍ وتحريرٍ، أي: قدر ماء معلوماً، ثم اختلف قائلُو هذه المقالة فقال بعضهم: ينزل في كلِّ عامٍ ماءً قَدْراً واحداً، لا يَفْضُلُ عامٌ عاماً، لكن يكثر مرّة هاهنا ومرة هاهنا، وقال بعضهم: بل ينزل تقديراً مَّا في عَامٍ، وينزل في آخرَ تقديراً مَّا، وينزل في آخر تقديراً آخرَ بِحَسَبِ ما سَبَقَ به قضاؤه لا إله إلا هو.

قُلْتُ: وبعض هذه الأقوالِ لا تُقَالُ من جهة الرأْيِ، بل لا بُدَّ لها من سَنَدٍ، وفَأَنْشَرْنا معناه: أَحْيَيْنَا يقال: نُشِرَ المَيِّتُ وأَنْشَرَهُ اللَّهُ، والأزواج هنا الأنواع من كلّ شيء، ومِنَ في قوله: مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ للتبعيض، والضمير في ظُهُورِهِ عائدٌ على/ النوع المركوبِ الذي وقَعَتْ عليه «ما» ، وقد، بَيَّنَتْ آية أخرى ما يقال عند ركوب الفُلْكِ، وهو: «بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ» [هود: ٤١] وإنما هذه خاصَّةٌ فيما يُرْكَبُ من الحيوان، وإنْ قَدَّرنا أَنَّ ذِكْر النعمة هو بالقَلْبِ، والتذكُّر بدء الراكِبُ ب سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا، وهو يرى نعمة اللَّه في ذلك وفي سواه ومُقْرِنِينَ أي:

مطيقين، وقال أبو حيَّان مُقْرِنِينَ: خبر كان، ومعناه غالبين ضابطين، انتهى، وهو بمعنى الأَوَّل، وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ أَمْرٌ بالإقرار بالبعث.

ت: وعن حمزة بن عمرو الأسلميِّ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «على ظَهْرِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ، فَإذَا رَكِبْتُمُوهَا فَسَمُّوا اللَّهَ» رواه ابن حِبَّان في «صحيحه» «١» ، انتهى من «السلاح» ، وينبغي لمن مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به ويُحْسِنَ إليه لينالَ بذلك رضا اللَّه تعالى، قال القُشَيْرِيُّ في «التحبير» : وينبغي لِلْعَبْدِ أنْ يكُونَ مُعَظِّماً لِرَبِّه، نَفَّاعاً لخلقه، خيراً في قومه، مُشْفِقاً على عباده فَإنَّ رأس المعرفة تعظيمُ أمر اللَّه سبحانه، والشفقَةُ على خَلْقِ اللَّه، انتهى، وروى مالكٌ في «المُوَطَّإ» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إذِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، فَخَرَجَ فَإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثرى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقَى فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإنَّ لَنَا في الْبَهَائِمِ أَجْرَاً؟!

/ فَقَالَ: في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» «٢» .

قال أبو عُمَرَ في «التهميد» : وكذا في الإساءة إلى الحيوان إثْمٌ، وقد روى مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمر أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا، ولاَ هِيَ أَطْلَقَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» «٣» ، ثم أسند أبو عُمَرَ «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دخل حائطا من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الزُّخْرُفِ هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ، إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حم ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [المُؤْمِنِ] .

﴿ والكِتابِ المُبِينِ ﴾ قَسَمٌ بِالقُرْآنِ.

﴿ إنّا جَعَلْناهُ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أنْزَلْناهُ.

وما بَعْدَ هَذا تَقَدَّمَ بَيانُهُ [النِّساءِ: ٨٢، يُوسُفَ: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّهُ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ فِي أُمِّ الكِتابِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: في أصْلِ الكِتابِ، وأصْلُ كُلِّ شَيْءٍ: أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَدَيْنا ﴾ أيْ: عِنْدَنا ﴿ لَعَلِيٌّ ﴾ أيْ: رَفِيعٌ.

وَفِي مَعْنى الحَكِيمِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُحْكَمٌ، أيْ: مَمْنُوعٌ مِنَ الباطِلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: حاكِمٌ لِأهْلِ الإيمانِ بِالجَنَّةِ ولِأهْلِ الكُفْرِ بِالنّارِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، والمَعْنى: إنْ كَذَّبْتُمْ بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ فَإنَّهُ عِنْدَنا شَرِيفٌ عَظِيمُ المَحَلِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: نُمْسِكُ عَنْكم فَلا نَذْكُرُكم صَفْحًا، أيْ: إعْراضًا، يُقالُ: صَفَحْتُ عَنْ فُلانٍ: إذا أعْرَضْتُ عَنْهُ، والأصْلُ في ذَلِكَ أنْ تُوَلِّيَهُ صَفْحَةَ عُنُقِكَ، قالَ كُثَيِّرٌ يَصِفُ امْرَأةً: صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ أيْ: مُعْرِضَةً بِوَجْهِها، يُقالُ؛ ضَرَبْتُ عَنْ فُلانٍ كَذا: إذا أمْسَكْتَهُ وأضْرَبْتَ عَنْهُ.

﴿ أنْ كُنْتُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "أنْ كُنْتُمْ" بِالنَّصْبِ، أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنْ كُنْتُمْ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا عَلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، أيْ: إنْ تَكُونُوا مُسْرِفِينَ نَضْرِبْ عَنْكُمُ الذِّكْرَ.

وَفِي المُرادِ بِالذِّكْرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ذِكْرُ العَذابِ، فالمَعْنى: أفَنُمْسِكُ عَنْ عَذابِكم ونَتْرُكُكم عَلى كُفْرِكُمْ؟!

وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، فالمَعْنى: أفَنُمْسِكُ عَنْ إنْزالِ القُرْآنِ مِن أجْلِ أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِهِ؟!

وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

وَقالَ قَتادَةُ: "مُسْرِفِينَ" بِمَعْنى مُشْرِكِينَ.

ثُمَّ أعَلَمَ نَبِيَّهُ أنِّي قَدْ بَعَثْتُ رُسُلًا فَكُذِّبُوا فَأهْلَكْتُ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أشَدَّ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن قُرَيْشٍ ﴿ بَطْشًا ﴾ أيْ: قُوَّةً ﴿ وَمَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: سَبَقَ وصْفُ عِقابِهِمْ فِيما أُنْزِلَ عَلَيْكَ.

وقِيلَ: سَبَقَ تَشْبِيهُ حالِ أُولَئِكَ بِهَؤُلاءِ في التَّكْذِيبِ، فَسَتَقَعُ المُشابَهَةُ بَيْنَهم في الإهْلاكِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ جَهْلِهِمْ حِينَ أقَرُّوا بِأنَّهُ خالِقُ السَّمَواتِ والأرْضِ ثُمَّ عَبَدُوا غَيْرَهُ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ؛ ثُمَّ الَّتِي تَلِيها مُفَسَّرَةٌ في [طَه: ٥٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ أيْ: لِكَيْ تَهْتَدُوا في أسْفارِكم إلى مَقاصِدِكم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكُمُ فِيها سُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ ﴿ والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ ﴾ ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾ هَذِهِ أوصافُ فِعْلٍ، وهي نِعَمٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى البَشَرِ، تَقُومُ بِها الحُجَّةُ عَلى كُلِّ كافِرٍ مُشْرِكٍ بِاللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ﴾ لَيْسَ مِن قَوْلِ المَسْؤُولِينَ، بَلْ هو ابْتِداءُ إخْبارٍ مِنَ اللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِهادًا"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "مَهْدًا"، والمَعْنى واحِدٌ، أيْ: يَتَمَهَّدُ ويَتَصَرَّفُ فِيها، والسُبُلُ: الطُرُقُ، وتَهْتَدُونَ: مَعْناهُ: في المَقاصِدِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ومِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: تَهْتَدُونَ بِالنَظَرِ والِاعْتِبارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَزَّلَ مِنَ السَماءِ ماءً ﴾ : هو المَطَرُ بِإجْماعٍ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِقَدَرٍ"، ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: بِقَضاءٍ وحَتْمٍ في الأزَلِ.

وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: بِقَدَرٍ في الكِفايَةِ لِلصَّلاحِ، لا إكْثارَ فَيُفْسَدُ، ولا قِلَّةَ فَيَقْصُرُ، بَلْ غَيْثًا مُغِيثًا سَيْلًا نافِعًا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: بِتَقْدِيرٍ وتَحْرِيرٍ، أيْ: قَدَرًا ما مَعْلُومًا، ثُمَّ اخْتَلَفَ قائِلُو هَذِهِ المَقالَةِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: يَنْزِلُ كُلَّ عامٍ ماءً قَدَرًا واحِدًا لا يَفْضُلُ عامٌ عامًا، لَكِنْ يَكْثُرُ مَرَّةً هُنا ومَرَّةً هُنا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ يُنْزِلُ اللهُ تَعالى تَقْدِيرًا ما في عامٍ، ويُنْزِلُ في آخَرَ تَقْدِيرًا آخَرَ بِحَسَبِ ما سَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ، لا إلَهَ غَيْرُهُ.

و"أنَشَرْنا": مَعْناهُ: أحْيَيْنا، يُقالُ: نَشَرَ المَيِّتَ، وأنْشَرَهُ غَيْرُهُ، و ﴿ "بَلْدَةً": ﴾ اسْمُ جِنْسٍ، ووَصَفَها بِـ "مَيْتًا" دُونَ ضَمِيرٍ مِن حَيْثُ هي واقِعَةُ مُوقِعَ "قَطَرَ" ونَحْوَهُ، إذِ التَأْنِيثُ فِيها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَيِّتًا" بِسُكُونِ الياءِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "مَيِّتًا" بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وهي قِراءَةُ عِيسى بْنُ عُمَرَ، والأُولى أرْجَحُ لِشَبَهِ لَفْظِها بِـ"زَوَّرَ، وعَدَلَ"، فَحَسُنَ وصْفُ المُؤَنَّثِ بِها، وقَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿ "كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ" ﴾ بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الراءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى: "وَكَذَلِكَ تَخْرُجُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الراءِ.

وَ"الأزْواجُ": الأنْواعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، و"مِنَ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ﴾ : لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ أنَّهُ لا يَرْكَبُ مِنَ الأنْعامِ غَيْرَ الإبِلِ، وتَدْخُلُ البِغالُ والخَيْلُ والحَمِيرُ فِيما يُرْكَبُ بِالمَعْنى.

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ﴾ : لامُ الأمْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ "كَيْ"، و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما تَرْكَبُونَ ﴾ واقِعَةٌ عَلى النَوْعِ المَرْكُوبِ، والضَمِيرُ فِي: "ظُهُورِهِ" عائِدٌ عَلى النَوْعِ الَّذِي وقَعَتْ عَلَيْهِ "ما"، وقَدْ بَيَّنَتْ آيَةٌ أُخْرى ما يُقالُ عِنْدَ رُكُوبِ الفَلَكِ، وهُوَ: ﴿ بِسْمِ اللهِ مَجْراها ومُرْساها، إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ ، وإنَّما هَذِهِ خاصَّةً فِيما يُرْكَبُ مِنَ الحَيَوانِ، ويُقالُ عِنْدَ النُزُولِ مِنها: اللهُمَّ، أنْزَلْنا مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ.

والسَنَّةُ لِلرّاكِبِ إذا رَكِبَ أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإسْلامِ، أو عَلى النِعْمَةِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أو عَلى النِعْمَةِ في كُلِّ حالٍ، وقَدْ رَوى هَذا اللَفْظَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ «عَنِ النَبِيِّ  يَقُولُ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا ﴾ الآيَةُ،» ورَكِبَ أبُو مِجْلَزٍ لاحِقِ بْنِ حَمِيدٍ وقالَ: "سُبْحانَ الله" الآيَةُ، ولَمْ يَذْكُرْ نِعْمَةً، وسَمِعَهُ الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَقالَ: ما هَكَذا أُمِرْتُمْ، فَقالَ أبُو مِجْلَزٍ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أقُولُ؟

قالَ: قُلِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِلْإسْلامِ، أو نَحْوَ هَذا، ثُمَّ تَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي ﴾ الآيَةُ، وكانَ طاوُسُ إذا رَكِبَ قالَ: اللهُمَّ، هَذا مِن مَنِّكَ وفَضْلِكَ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي ﴾ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ قَدَّرْنا أنَّ ذِكْرَ النِعْمَةِ بِالقَلْبِ والتَذَكُّرِ بَدَأ الراكِبُ: بِـ ﴿ سُبْحانَ الَّذِي ﴾ ، وهو يَرى نِعْمَةَ اللهِ في ذَلِكَ وفي سِواهُ، و"المُقْرِنُ": الغالِبُ الضابِطُ المُسْتَوْلِي عَلى الأمْرِ المُطِيقِ لَهُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الأعْرابِ رَكِبَ جَمَلًا، فَقِيلَ لَهُ قُلْ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ ، فَقالَ: أما واللهِ إنِّي لَمُقْرِنٌ تَيّاهٌ، فَضَرَبَ بِهِ الجَمَلَ، فَوَقَصَهُ فَقَتَلَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾ : أمْرٌ بِالإقْرارِ بِالبَعْثِ وتَرْدادِ القَوْلِ بِهِ، وذَلِكَ داعِيَةٌ إلى اسْتِشْعارِ النَظَرِ فِيهِ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّ الإنْسانَ إذا رَكِبَ ولَمْ يَقِلْ ما في هَذِهِ الآيَةِ جاءَ الشَيْطانُ، فَقالَ: "تَغَنَّهُ، فَإنْ كانَ يُحْسِنُ غَنّى، وإلّا قالَ لَهُ: تَمَنَّهُ، فَيَتَمَنّى الأباطِيلَ ويَقْطَعُ زَمَنَهُ بِذَلِكَ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا كلام موجه من الله تعالى، هو تخلّص من الاستدلال على تفرده بالإلهية بأنه المنفرد بخلق السماوات والأرض إلى الاستدلال بأنه المنفرد بإسداء النعم التي بها قِوام أوَدِ حياة الناس.

فالجملة استئناف حُذف منها المبتدأ، والتقدير: هو الذي جعل لكم الأرض مهاداً.

وهذا الاستئناف معترض بين جملة ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ﴾ [الزخرف: 9] الآية وجملةِ ﴿ وجعلوا له من عباده جُزءاً ﴾ [الزخرف: 15] الآية.

واسم الموصول خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو الذي جعل لكم وهو من حذف المسند إليه الوارد على متابعة الاستعمال في تسمية السكاكي حيث تقدم الحديث عن الله تعالى فيما قبلَ هذه الجملة.

واجتلاب الموصول للاشتهار بمضمون الصلة فساوى الاسم العلم في الدلالة.

وذُكرت صلتان فيهما دلالة على الانفراد بالقدرة العظيمة وعلى النعمة عليهم، ولذلك أقحم لفظ ﴿ لكم ﴾ في الموضعين ولم يقل: الذي جعل الأرض مهاداً وجعَل فيها سُبلاً كما في قوله: ﴿ ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً ﴾ [النبأ: 6، 7] لأن ذلك مقام الاستدلال على منكري البعث، فسيق لهم الاستدلال بإنشاء المخلوقات العظيمة التي لا تُعدّ إعادة خلق الإنسان بالنسبة إليها شيئاً عجيباً.

ولم يكرر اسم الموصول في قوله: ﴿ وجعل لكم فيها سبلاً ﴾ لأن الصلتين تجتمعان في الجامع الخيالي إذ كلتاهما من أحوال الأرض فجعلهما كجَعْللِ واحد.

وضمائر الخطاب الأحد عشر الواقعة في الآيات الأربع من قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهاداً ﴾ إلى قوله ﴿ مقرنين ﴾ [الزخرف: 10 13] ليست من قبيل الالتفات بل هي جارية على مقتضى الظاهر.

والمهاد: اسم لشيء يمهد، أي يوطأ ويسهل لما يحلّ فيه، وتقدم في قوله: ﴿ لهم من جهنّم مهاد ﴾ في سورة الأعراف (41).

ووجه الامتنان أنه جعل ظاهر الأرض منبسطاً وذلك الانبساط لنفع البشر الساكنين عليها.

وهذا لا ينافي أن جسم الأرض كروي كما هو ظاهر لأن كرويتها ليست منفعة للنّاس.

وقرأ عاصم مهداً } بدون ألف بعد الهاء وهو مراد به المهاد.

والسُبل: جمع سبيل، وهو الطريق، ويطلق السبيل على وسيلة الشيء كقوله ﴿ يقولون هل إلى مردٍ من سبيلٍ ﴾ [الشورى: 44].

ويصح إرادة المعنيين هنا لأن في الأرض طرقاً يمكن سلوكها، وهي السهول وسفوح الجبال وشعابها، أي لم يجعل الأرض كلها جبالاً فيعسر على الماشين سلوكها، بل جعل فيها سبلاً سهلة وجعل جبالاً لحكمة أخرى ولأن الأرض صالحة لاتخاذ طرق مطروقة سابلة.

ومعنى جعْللِ الله تلك الطرق بهذا المعنى: أنه جعل للنّاس معرفة السير في الأرض واتباع بعضهم آثار بعض حتى تتعبد الطرق لهم وتتسهل ويعلم السائر، أي تلك السبل يوصلُه إلى مقصده.

وفي تيسير وسائل السير في الأرض لطف عظيم لأن به تيسير التجمع والتعارف واجتلاب المنافع والاستعانة على دفع الغوائل والأضرار والسيرُ في الأرض قريباً أو بعيداً من أكبر مظاهر المدنِيَّة الإنسانية، ولأن الله جعل في الأرض معايش النّاس من النبات والثمر وورق الشجر والكمأة والفقع وهي وسائل العيش فهي سبل مجازية.

وتقدم نظير هذه الآية في سورة طه.

والاهتداء: مطاوع هداه فاهتدى.

والهداية حقيقتها: الدلالة على المكان المقصود، ومنه سمي الدال على الطرائق هادياً، وتطلق على تعريف الحقائق المطلوبة ومنه ﴿ إنّا أنزلنا التوراة فيها هُدىً ونورٌ ﴾ [المائدة: 44].

والمقصود هنا المعنى الثاني، أي رجاء حصول علمكم بوحدانية الله وبما يجب له، وتقدم في ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ [الفاتحة: 6].

ومعنى الرجاء المستفاد من (لعل) استعارة تمثيلية تبعية، مُثِّل حال من كانت وسائل الشيء حاضرة لديه بحال من يُرجى لحصول المتوسل إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا ﴾ أيْ فِراشًا.

﴿ وَجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلا ﴾ أيْ طُرُقًا.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أيْ مَعايِشَ.

﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَهْتَدُونَ في أسْفارِكم، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: تَهْتَدُونَ إلى مَعايِشِكم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الأصْنافُ كُلُّها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أزْواجُ الحَيَوانِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنَّ الأزْواجَ الشِّتاءُ والصَّيْفُ، واللَّيْلُ والنَّهارُ، والسَّمَواتُ والأرْضُ، والشَّمْسُ والقَمَرُ، والجَنَّةُ والنّارُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ الأزْواجَ ما يَتَقَلَّبُ فِيهِ النّاسُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وإيمانٍ وكُفْرٍ، وغِنًى وفَقْرٍ، وصِحَّةٍ وسُقْمٍ.

﴿ وَجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ ﴾ يَعْنِي السُّفُنَ.

﴿ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ ﴾ في الأنْعامِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: الإبِلُ والبَقَرُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: الإبِلُ وحْدَها: قالَهُ مُعاذٌ.

فَذَكَّرَهم نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ في تَسْيِيرِهِمْ في البَرِّ والبَحْرِ.

ثُمَّ قالَ ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ﴾ وأضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ فَصارَ الواحِدُ في مَعْنى الجَمْعِ.

﴿ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ أيْ رَكَبْتُمْ.

﴿ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا ﴾ أيْ ذَلَّلَ لَنا هَذا المَرْكَبَ.

﴿ وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ضابِطِينَ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّانِي: مُماثِلِينَ في الأيْدِ والقُوَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ مِن قَوْلِهِمْ هو قَرْنُ فُلانٍ إذا كانَ مِثْلَهُ في القُوَّةِ.

الثّالِثُ: مُطِيقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ.

لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عَقِيلٌ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا وَفِي أصْلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أصْلَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الإقْرانِ، يُقالُ أقْرَنَ فُلانٌ إذا أطاقَ.

الثّانِي: أنَّ أصْلَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ المُقارَنَةِ وهو أنْ يَقْرِنَ بَعْضُها بِبَعْضٍ في السَّيْرِ.

وَحَكى سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ أنَّ قَوْمًا كانُوا في سَفَرٍ، فَكانُوا إذا رَكِبُوا قالُوا: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ وكانَ فِيهِمْ رَجُلٌ عَلى ناقَةٍ لَهُ رازِمٍ وهي لا تَتَحَرَّكُ هُزالًا فَقالَ أما أنا فَإنِّي لِهَذِهِ مُقْرِنٌ، قالَ فَقَصَمَتْ بِهِ فَدَقَّتْ عُنُقَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً ﴾ قال: أحسبتم أن نصفح عنكم ولم تفعلوا ما أمرتم به؟

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً ﴾ قال: تكذبون بالقرآن ثم لا تعاقبون عليه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن أبي صالح رضي الله عنه ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً ﴾ قال: والله لو أن هذا القرآن رفع حيث رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله تعالى عاد عليهم بعائدته ورحمته، فكرره عليهم ودعاهم إليه.

وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة، عن الحسن رضي الله عنه قال: لم يبعث الله رسولاً إلا أن أنزل عليه كتاباً، فإن قبله قومه، وإلا رُفِعَ، فذلك قوله: ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً إن كنتم قوماً مسرفين ﴾ لا تقبلونه، فيلقنه قلب نبيه.

قالوا: قبلناه ربنا قبلناه ربنا ولو لم يفعلوا، لَرُفِعَ ولم يترك منه شيء على ظهر الأرض.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومضى مثل الأوّلين ﴾ قال: عقوبة الأولين.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ صفحاً أن كنتم ﴾ بنصب الألف ﴿ جعل لكم الأرض مهداً ﴾ بنصب الميم بغير ألف.

وأخرج ابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية ﴿ وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ﴾ أن تقولوا: الحمد لله الذي منّ علينا بمحمد عبده ورسوله، ثم تقولوا: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ .

وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا سافر ركب راحلته ثم «كبر ثلاثاً ثم قال: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ » .

وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه وابن جرير والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن علي رضي الله عنه أنه أتى بدابة، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله ثلاثاً والله أكبر ثلاثاً ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ سبحانك لا إله إلا أنت قد ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك فقلت: مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟

قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت، ثم ضحك فقلت يا رسول الله: مم ضحكت؟

فقال: «يعجب الرب من عبده إذا قال: رب اغفر لي، ويقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري» .

وأخرج أحمد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه على دابته، فلما استوى عليها «كبر ثلاثاً وهلل الله وحده ثم ضحك ثم قال: ما من امرئ مسلم يركب دابته، فيصنع ما صنعت، إلا أقبل الله يضحك إليه، كما ضحكت إليك» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن محمد بن حمزة بن عمر الأسلمي، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فوق ظهر كل بعير شيطان، فإذا ركبتموه فاذكروا اسم الله، ثم لا تقصروا عن حاجاتكم» .

وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على ذروة كل بعير شيطان، فامتهنوهن بالركوب، فإنما يحمل الله» .

وأخرج ابن سعد وأحمد والبغوي والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن أبي لاس الخزاعي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاذكروا اسم الله عليه إذا ركبتموه كما أمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله» .

وأخرج ابن المنذر عن شهر بن حوشب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ﴾ قال: نعمة الإِسلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن أبي مجلز رضي الله عنه قال: رأى حسين بن علي رضي الله عنه رجلاً يركب دابة، فقال: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ قال: أو بذلك أمرت؟

قال: فكيف أقول؟

قال: الحمد لله الذي هدانا للإِسلام، الحمد لله الذي منَّ علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الحمد لله الذي جعلني في خير أمة أخرجت للناس، ثم تقول: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن طاوس رضي الله عنه، أنه كان إذ ركب دابة قال: بسم الله اللهم هذا من مَنِّكَ وفضلك علينا، فلك الحمد ربنا ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما كنا له مقرنين ﴾ قال: الإِبل والخيل والبغال والحمير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما كنا له مقرنين ﴾ قال: مطيقين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما كنا له مقرنين ﴾ قال: لا في الأيدي ولا في القوّة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سليمان بن يسار رضي الله عنه أن قوماً كانوا في سفر، فكانوا إذا ركبوا قالوا: ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ وكان فيهم رجل له ناقة رازم فقال: أما أنا فأنا لهذه مقرن، فقمصت به، فصرعته فاندقت عنقه.

والله أعلم.

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وجعلوا له من عباده جزءاً ﴾ قال: عدلاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعلوا له من عباده جزءاً ﴾ قال: ولداً وبنات من الملائكة.

وفي قوله: ﴿ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ﴾ قال: ولداً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ قال: حزين.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ بما ضرب للرحمن مثلاً ﴾ بنصب الضاد.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ قال: الجواري جعلتموهن للرحمن ولداً ﴿ فكيف تحكمون ﴾ [ الصافات: 154] .

وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ قال: هن النساء، فرق بين زيهن وزي الرجال، ونقصهن من الميراث، وبالشهادة، وأمرهن بالقعدة، وسماهن الخوالف.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ قال: جعلوا لله البنات ﴿ وإذا بشر أحدهم ﴾ بهن ﴿ ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ حزين.

وأما قوله: ﴿ وهو في الخصام غير مبين ﴾ قال: قلما تكلمت امرأة تريد أن تتكلم بحجتها، الا تكلمت بالحجة عليها.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ مخففة الياء.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ينشأ في الحلية ﴾ مخففة منصوبة الياء مهموزة.

وأخرج عبد بن حميد، عن أبي العالية رضي الله عنه أنه سئل عن الذهب للنساء، فقال لا بأس به.

يقول الله: ﴿ أو من ينشأ في الحلية ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا ﴾ [[نص الآية: ﴿ مَهْدًا ﴾ قال أبو علي الفارسي: اختلفوا فى قوله: ﴿ مَهْدًا ﴾ (طه: 53) == في زيادة الألف ونقصانها هاهنا في [الزخرف: 10]، ولم يختلفوا في غيرها.

فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر ﴿ مِهْادًا ﴾ بالألف في كل القرآن، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿ مَهْدًا ﴾ بغير ألف فيها.

انظر: "الحجة" 5/ 223.]] قال صاحب النظم: أخبر الله عما يقول الكفار إذا سئلوا عمن خلق السموات والأرض (١) ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا ﴾ ، ولو كان منتظمًا بما قبله من كلام الكفار لوجب أن يكون نظمه: الذي جعل لنا الأرض، والمعنى العزيز العليم الذي أوموا إليه أنه خلقهن هو الذي جعل لكم الأرض مهادًا، قال: ونظيره من كلام الناس: أن يسمع الرجل رجلاً يقول: الذي بني هذا المسجد فلان العالم، فيقول السامع لهذا الكلام: الزاهد الكريم، كأنه عرفه فزاد في وصفه، فيكون النعتان جميعًا لرجل واحد من رجلين مختلفين، وكذلك قوله -عز وجل-: ﴿ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾ صفة من صفات الله محكية عن الكفار.

قوله: ﴿ الَّذِي جَعَلَ ﴾ صفة من صفاته أضافها -عز وجل- إلى الصفة التي حكاها عن الكفار؛ لأنها حق، وإن كان من كلام الكفار، وتفسير هذه الآية قد سبق في سورة طه [آية 53].

وقوله: ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ فيه قولان: أحدهما: تهتدون في أسفاركم إلى مقاصدكم، وهذا قول الحسن ومقاتل، والثاني: لتهتدوا إلى الحق [في بالاعتبار] (٢) (٣) (١) كذا رسمها في الأصل، ولعله سننه لفظ: (ثم).

(٢) كذا رسمها في الأصل ولعل المراد: (فيه بالاعتبار).

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 790، "تفسير الماوردي" 5/ 23، "تفسير ابن عطية" 14/ 243، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 64 <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ ﴾ الآية احتجاج على قريش؛ لأنهم كانوا يعترفون أن الله هو الذي خلق السموات والأرض؛ وكانوا مع اعترافهم بذلك يعبدون غيره، ومقتضى جوابهم أن يقولوا: خلقهن الله، فلما ذكر هذا المعنى جاءت العبارة عن الله ب ﴿ العزيز العليم ﴾ ؛ لأن اعترافهم بأنه خلق السموات والأرض يقتضي أن يعترفوا بأنه عزيز عليم، وأما قوله: ﴿ الذي جَعَلَ لَكُمُ ﴾ فهو من كلام الله لا من كلامهم ﴿ مَهْداً ﴾ أي فراشاً على وجه التشبيه ﴿ سُبُلاً ﴾ أي طرقاً تمشون فيها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ في إم الكتاب ﴾ بكسر الهمزة: حمزة وعلي ﴿ إن كنتم ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع وعلي وحمزة وخلف.

الآخرون: بالفتح أي لأن كنتم ﴿ مهداً ﴾ : عاصم وحمزة وعلي وخلف وروح.

الباقون ﴿ مهاد ﴾ ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد.

﴿ يخرجون ﴾ من الخروج: حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.

الآخرون: من الإخراج ﴿ ينشأ ﴾ من باب التفعيل: حمزة وعلي وخلف وحفص.

الباقون: بالتخفيف والياء مفتوحة والنون ساكنة ﴿ عباد الرحمن ﴾ جمع عبد أو عابد: أبو عمرو وعاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر ﴿ عند الرحمن ﴾ بالنون كقوله ﴿ فالذين عند ربك  ﴾ الآخرون: ﴿ عبيد الرحمن ﴾ ﴿ أو شهدوا ﴾ بقلب همزة الإشهاد واواً مضمومة: ورش وإسماعيل.

وقرأ يزيد وقالون مثله ولكن بالمد.

وقرأ المفضل بتحقيق الهمزتين.

الباقون: بهمزة واحدة للاستفهام والشين مفتوحة ﴿ قال أولو ﴾ بالألف: ابن عامر وحفص والمفضل ﴿ جئناكم ﴾ يزيد.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ المبين ﴾ ه لا ومن لم يقف على ﴿ حم ﴾ وقف على ﴿ المبين ﴾ لأن القسم متعلق بما قبله وهو هذه ﴿ حم ﴾ ﴿ تعقلون ﴾ ه ج ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ مسرفين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده وصف ولو كان نصباً أو رفعاً على المدح فالوقف ﴿ تهتدون ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ج للالتفات مع الفاء ﴿ ميتاً ﴾ ج لانقطاع النظم مع تعلق التشبيه ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تركبون ﴾ ه لا ﴿ مقرنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ لمنقلبون ﴾ ه ﴿ جزءاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ بالبنين ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ط ﴿ خلقهم ﴾ ط ﴿ ويسئلون ﴾ ه ﴿ ما عبدناهم ﴾ ط ﴿ يحرصون ﴾ ه ط ﴿ مستمسكون ﴾ ه ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ مقتدون ﴾ ه ﴿ آباءكم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه.

التفسير: أقسم بجنس الكتاب أو بالقرآن الظاهر الإعجاز أو المفصح عن كل حكم يحتاج المكلف إليه أنه جعل القرآن بلغة العرب ليعقلوه.

وفي نسبة الجعل إلى نفسه إشارة إلى أنه ليس بمفترى كما زعمه الكفرة.

وقيل: أراد ورب الكتاب وقيل: الكتاب اللوح المحفوظ.

وقال ابن بحر: هو الخط أقسم به تعظيماً لنعمته فيه، وقال ابن عيسى: البيان ما يظهر به المعنى للنفس عند الإدراك بالبصر والسمع وذلك على خمسة أوجه: لفظ وخط وإشارة وعقد وهيئة، كالأعراض وتكليح الوجه.

وأم الكتاب بكسر الهمزة وبضمها اللوح المحفوظ لأنه أصل كل كتاب والتقدير: وإنه لعلي حكيم في أم الكتاب لدينا.

والعلو علو الشأن في البلاغة والإرشاد وغير ذلك والحكيم المشتمل على الحكمة.

ثم أنكر على مشركي قريش بقوله ﴿ أفنضرب ﴾ قال جار الله: أراد أنهملكم فنضرب ﴿ عنكم الذكر ﴾ يقال: ضرب عنه الذكر إذا أمسك عنه وأعرض عن ذكره من ضرب في الأرض.

إذا أبعد و ﴿ صفحاً ﴾ مصدر من غير لفظ الفعل والأصل فيه أن تولي الشيء صفحة عنقك، وجوز جار الله أن يكون بمعنى جانباً من قولهم: " نظر إليه بصفح وجهه " فينتصب على الظرف ويكون الذكر بمعنى الوعظ والقرآن والفحوى أفننحيه عنكم.

وقيل: ضرب الذكر رفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن من بين أظهركم إشراككم مع علمنا بأنه سيأتي من يقبله ويعمل به.

قال السدي: أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم وهو قريب من الأول.

وقيل: الذكر هو أن يذكروا بالعقاب ولا يخلوا من مناسبة لقوله ﴿ فأهلكنا أشد منهم بطشاً ﴾ ومن قرأ ﴿ إن كنتم ﴾ بالكسر فكقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي.

يخيل في كلامه أن تفريطه في الخروج عن عهدة الأجر فعل من يشذ في الاستحقاق مع تحققه في الخارج.

ثم سلى نبيه بقوله ﴿ وكم أرسلنا ﴾ الآيتين.

قوله ﴿ أشد منهم ﴾ قيل: "من" زائدة والمراد أشدهم ﴿ بطشاً ﴾ كعاد وثمود وقيل: الضمير لقوم رسول الله  وأصله أشد منكم إلا أنه ورد على طريقة الالتفات كقوله ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم  ﴾ قوله ﴿ ومضى مثل الأولين ﴾ أي سلف ذكرهم وقصتهم العجيبة في القرآن غير مرة ويحتمل أن يكون معناه كقوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين  ﴾ ثم بين بقوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ أن كفرهم كفر عناد ولجاج لأنهم يعرفون الله ثم ينكرون رسوله وكتابه وقدرته على البعث.

وهذه الأوصاف من كلام الله لا من قول الكفار بدليل قوله ﴿ لكم ﴾ ولم يقل " لنا " ولقوله ﴿ فأنشرنا ﴾ والمراد لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه وقد مر في "طه" مثله.

وقوله ﴿ تهتدون ﴾ أي في الأسفار أو إلى الإيمان بالنظر والاعتبار.

وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي بمقدار الحاجة لا مخرباً مغرقاً كما في الطوفان.

وقوله ﴿ ميتاً ﴾ تذكيره بتأويل المكان.

والأزواج الأصناف وقد مر في قوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج  ﴾ والعائد إلى ما في قوله ﴿ ما تركبون ﴾ محذوف فلك أن تقدره مؤنثاً أو مذكراً باعتبارين.

قال في الكشاف: يقال: ركبت الأنعام وركبت في الفلك إلا أنه غلب المتعدي بغير واسطة على المتعدي بواسطة.

قلت: يجوز أن يكون كقوله "ويوم شهدناه" والضمير في ظهوره عائد إلى ما.

والاستواء في الآية بمعنى التمكن والاستقرار وذكر النعمة بالقلب ويحتمل كونه باللسان وهو تقديم الحمد لله.

يروى أن النبي  كان إذا وضع رجله في الركاب قال: الحمد لله على كل حال ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا ﴾ إلى قوله ﴿ لمنقلبون ﴾ وكبر ثلاثاً وهلل ثلاثاً.

وإذا ركب في السفينة قال ﴿ بسم الله مجريها ومرساها إِن ربي لغفور رحيم  ﴾ ومعنى ﴿ مقرنين ﴾ مطيقين أو ضابطين مع صعوبة خلقه وخلقه.

وقيل: لا يطيق أن يقرن بعضها ببعض حتى يسيرها إلى حيث يريد ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ أي في آخر عمرنا كأنه يتذكر ركوب الجنازة أو عثور الدابة أو انكسار السفينة فليستعد للقاء الله عز وجل بخلاف من يركب الخيول والزوارق لأجل التنزه والاشتغال بالملاهي والمناهي فيكون غافلاً عن المبدأ والمعاد.

عن بعضهم أنه أدخل في البحر ههنا خلاف ما في "الشعراء" لأن ركوب الدابة أو السفينة أو الجنازة عام لكل أحد.

وما في "الشعراء" خاص بالسحرة.

ثم عاد إلى ما انجر الكلام منه وهو قوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والمقصود التنبيه على سخافة عقولهم وقلة محصولهم فإنهم مع الإقرار بأن خالق السموات والأرض هو الله جعلوا له من عباده جزءاً أي أثبتوا له ولداً، وذلك أن ولد الرجل جزء منه.

قال  : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" " وفي قوله ﴿ من عباده ﴾ إشارة إلى أن ما عداه ممكن الوجود فإن الولد متأخر في الوجود عن الأب والمتأخر عن الواجب ممكن، والممكن مفتقر إلى الواجب في الوجود والبقاء والذات والصفات.

وقيل: هو إنكار على مثبتي الشركاء لأنهم جعلوا بعض العبادة لغير الله، وفيه نوع تكلف.

والكفور البليغ الكفران لأنه يجحد ربه وخالقه ولا يجتهد في تنزيهه وتقديسه.

وحين وبخهم على إثبات الولد زاد في توبيخهم وتجهيلهم والتعجيب من حالهم حيث جعلوا ذلك الولد بنتاً مع أنها مكروهة عندهم فقال ﴿ أم اتخذ مما يخلق ﴾ وفائدة تنكير ﴿ بنات ﴾ وتعريف البنين كما مر في آخر السورة المتقدمة في تنكير ﴿ إناثاً ﴾ وتعريف ﴿ الذكور ﴾ } [الشورى: 49] وقوله ﴿ بما ضرب للرحمن مثلاً ﴾ أي بالجنس الذي جعله شبهاً لله لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، والمراد أنه إذا بشر بالأنثى كما سبق في "النحل" اغتم ويسود وجهه وملىء غيظاً وكرباً.

ثم زاد في الإنكار بتعديد طرف من نقصان الإناث قائلاً ﴿ أو من ينشأ ﴾ والتقدير أهو كضده.

قال جار الله: تقديره أو يجعل للرحمن من الولد من له هذه الصفة الدنيئة الذميمة وهي أنه يربى أو يتربى في الزينة والنعومة، وهو إذا احتاج إلى المخاصمة لا يبين ولا يعرب عما في ضميره لعجزه عن البيان ولقلة عقله.

قالت العقلاء: قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تعرب عن حجتها إلا نطقت بما هو حجة عليها.

وفيه أن النشء في الزينة والإمعان في التنعم من خصائص ربات الحجال لا من خواص الرجال.

وإنما ينبغي أن يكون تلبسهم بلباس التقوى وتزينهم باستعداد الزاد للدار الأخرى.

ثم خصص أن البنات التي نسبن إليه  من أي جنس من بعدما عمم في قوله ﴿ مما يخلق ﴾ فقال ﴿ وجعلوا ﴾ أي سموا ﴿ الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ وفي إثبات العبودية لهم نفي الجزئية عنهم كما مر آنفاً.

وقوله ﴿ أشهدوا خلقهم ﴾ كقوله ﴿ ما أشهدتم خلق السموات والأرض  ﴾ وفيه تهكم بهم لأنه لم يدل على ذلك عقل ولا نقل صحيح فلم يبق إلا الإخبار عن المشاهدة يعني مشاهدتهم خلق الله إياهم أو مشاهدة صور الملائكة.

ثم أوعدهم بقوله ﴿ ستكتب شهادتهم ﴾ على أنوثية الملائكة ﴿ ويسئلون ﴾ ثم حكى نوعا آخر من كفرهم وشبهاتهم وهو أنهم ﴿ قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ أي الملائكة والأصنام نظير ما مر في آخر الأنعام { ﴿ سيقول الذين أشركوا  ﴾ واستدلال المعتزلة به ظاهر لأنه ذمهم بقوله ﴿ ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ﴾ أجاب الزجاج عنه بأن قوله ﴿ ما لهم بذلك من علم ﴾ عائد إلى قولهم الملائكة بنات الله، والمراد لو شاء الرحمن ما أمرنا بعبادتهم كقولهم { ﴿ والله أمرنا بهم  ﴾ فلهذا أنكر الله عليهم قاله الواحدي في بسيطه.

وقيل: قالوها استهزاء، وزيفه جار الله بأنه لا يتمشى في أقوالهم المتقدمة وإلا كانوا صادقين مؤمنين.

وجعل هذا الأخير وحده مقولاً على وجه الهزء دون ما قبله تعويج لكتاب الله.

وتمام البحث بين الفريقين مذكور في " الأنعام " وإنما قال في الجاثية ﴿ إن هم إلا يظنون ﴾ لأن هذا كذب محض وهناك خلطوا الصدق بالكذب، صدقوا في قولهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ وكذبوا في قولهم ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر  ﴾ وكانوا شاكين في أمر البعث، ثم زاد في الإنكار عليهم بقوله ﴿ أم آتيناهم كتاباً من قبله ﴾ أي من قبل القرآن أو الرسول ﴿ فهم به مستمسكون ﴾ ثم أضرب عن ذلك وأخبر أنه لا مستند لهم في عقائدهم وأقوالهم الفاسدة الا التقليد.

والأمة الدين والطريقة التي تؤم أي تقصد.

ثم سلى نبيه  بأن هذا دأب أسلافهم وداء قديم في جهال بني آدم.

وإنما قال أولاً ﴿ مهتدون ﴾ وبعده ﴿ مقتدون ﴾ لأن العرب كانوا يخاصمون رسول الله  ويزعمون الاهتداء، ولعل الأمم قبلهم لم يزعموا إلا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء.

ثم أخبر أن النذير ﴿ قال ﴾ أو أمر النذير أو محمداً أن يقول ﴿ أو لو جئتكم ﴾ أي أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم فاصروا على التكذيب ولم يقبلوا فانتقم الله منهم.

ثم بين بقصة إبراهيم  أن القول بالتقليد يوجب المنع من التقليد، وذلك أن إبراهيم  كان أشرف آباء العرب وأنه ترك دين الآباء لأجل الدليل، فلو كانوا مقلدين لآبائهم وجب أن يتبعوه في الاعتماد على الدليل لا على مجرد التقليد.

والبراء بالفتح مصدر أي ذو براء.

وقوله ﴿ إلا الذي فطرني ﴾ قيل: متصل، وكان فيهم من يعبد الله مع الأصنام.

وقيل: منقطع بمعنى لكن، ويحتمل أن يكون مجروراً بدلاً من ما أي إلا من الذي وجوز في الكشاف أن تكون "إلا" صفة بمعنى غير و "ما" موصوفة تقديره إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني ﴿ فإنه سيهدين ﴾ أي يثبتني على الهداية أو يرشدني إلى طريق الجنة، ولا ريب أن قوله ﴿ إنني براء مما تعبدون ﴾ بمنزلة لا إله وقوله ﴿ إلا الذي فطرني ﴾ بمثابة " إلا الله " وهي كلمة التوحيد فلذلك أنّث الضمير في قوله ﴿ وجعلها ﴾ أي وجعل إبراهيم أو الله ﴿ كلمة ﴾ التوحيد ﴿ باقية في عقبه ﴾ فلا يزال في ذريته من يوحد الله عز وجل ويدعو إلى توحيده نظيره ﴿ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب  ﴾ ﴿ لعلهم ﴾ أي لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد أو عن الشرك بدعاء الموحدين منهم.

ثم أضرب عن رجاء الرجوع منهم إلى أن تمتيعهم بالعمر وسعة الرزق صار سبباً لعظم كفرهم وشدة عنادهم.

قال جار الله: أراد بل اشتغلوا عن التوحيد ﴿ حتى جاءهم الحق ﴾ وهو القرآن ﴿ ورسول مبين ﴾ الرسالة واضحها فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها من غفلتهم لاقتضائها التنبيه.

ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق قائلاً ﴿ ولما جاءهم الحق ﴾ جاؤا بما هو شر من غفلتهم وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق ومكابرة الرسول وإنكار القرآن والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

في قولهم وجوابهم: أن الله خلق السماوات والأرض - دلالة أنهم قد عرفوا أنه رسول، لكن كذبوه عناداً ومكابرة؛ لأن أهل مكة كانوا لا يؤمنون بالرسل حتى يزعموا أنا عرفنا أن الله خلق السماوات والأرض بقولهم، وينكرون رسالته خاصة؛ بل ينكرون الرسل أجمع، ثم هم ما عرفوا أن الله هو خلق السماوات والأرض إلا بالرسل؛ إذ هم ليسوا من الذين عادتهم الاستدلال والنظر في الدلائل؛ ليعرفوا الله -  - بالدلائل العقلية، والظاهر في العوام جملة المعرفة بالدلائل السمعية؛ فكان الظاهر هذا: أن معرفتهم: أن الله خلق السماوات والأرض بقول الرسل - عليهم السلام - لكنهم كذبوه ولم يصدقوه عناداً منهم ومكابرة، وما به عرفوا سائر الرسل من المعجزات موجود معاين في حق رسولنا  لا بد أن يعرفوه رسولا، لكنهم كذبوه عناداً؛ فدل أن قولهم هذا دليل على معرفتهم برسالته، والله أعلم.

ثم تمام الاحتجاج بهذا أن يقال لهم: قد عرفتم أن الله هو خلق السماوات والأرض، فهلا عرفتم أنه لم يجعلهما عبثاً باطلا؛ إذ لو كان على ما يزعمون أن لا رسل ولا بعث ولا حساب ولا ثواب ولا عقاب يكون خلقه إياهما عبثاً باطلا، فكان إقرارهم بخلقه إياهما إقراراً لخلقه على وجه الحكمة؛ ولن يخرج خلقه على الحكمة إلا بالإقرار بالرسل والبعث والثواب والعقاب؛ على ما عرف غير مرة.

أو أن يقال: فإذا عرفتم أن الله -  - هو خلق السماوات والأرض وما ذكر إلى آخره...

فكيف أنكرتم قدرته على البعث والإعادة بعد الموت، والأعجوبة في خلق السماوات والأرض أعظم وأكثر من الأعجوبة في بعثكم وإعادتكم، فكيف أنكرتم ما هو أقل في القدرة والأعجوبة؟

والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .

جائز أن يكون ذكر هذا على سبيل النعت والوصف لله -  - عز وجل - صلة لقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ الذي وصفه أنه جعل الأرض كذا وأنزل كذا.

ويحتمل أن يكون أراد: ولئن سألتهم عن الأرض وما ذكر أنه من جعلها مهداً؟

ومن جعل لهم فيها سبلا؟

فقالوا: الله جعل ذلك على ما قالوا في السماوات والأرض.

وفيه وجوه من الدلالة: أحدها: يذكرهم نعمه عليهم، حيث جعل هذه الأرض بحيث يمهدونها، ويفترشونها، وينتفعون بها بأنواع المنافع، وبحيث مكن لهم الوصول إلى حوائجهم التي فرقها في الأمكنة المتباعدة بما جعل لهم فيها سبلا وطرقاً يسلكون فيها ليصلوا إلى الحوائج التي فرقت في البلدان المتباعدة، ما لولا جعله فيها السبل والطرق التي جعل ما قدروا السلوك فيها، ولا عرفوا أنهم من أي جهة يصلون إلى حوائجهم التي فرقت؟

فيلزمهم بما ذكر القيام بشكره على تلك النعم.

وفيه دلالة حكمته؛ ليدلهم أنه إنما جعل لهم ما ذكر لحكمة، لم يجعلها عبثاً باطلا؛ فيلزم حيث فرق حوائجهم في أمكنة متباعدة ثم مكن لهم الوصول إليها، ليعلم أن الذي ملك أنفسهم هو مالك أطراف الأرض؛ إذ لو كان هذا غير مالك ذلك، لمنعهم عن الوصول إلى حوائجهم.

وفيه دلالة قدرته، حيث جعل لهم في الأرض ما ذكر من التسخير لهم، حتى ظهروها ويفترشوها ويسلكوا فيها السبل التي جعلها لهم إلى حيث أرادوها وقصدوها، ومكن لهم ذلك ليعلم أن من قدر على ما ذكر لا يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ .

فيما ذكر من إنزال الماء من السماء، ونشره في الأرض، وإنبات النبات فيها بذلك الماء دلالة من الوجوه التي ذكرنا في قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً ﴾ فإنه أنزل الماء من السماء؛ ليكون في الأرض أنواع النعم التي ذكر، وجعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما؛ ليعلموا أعظم نعمه عليهم، وليعلموا أن مالكهما واحد، وما جعل في الماء من المعنى واللطف ما يوافق جميع النبات والثمار على اختلاف النبات والثمار واختلاف أجناسها وجواهرها؛ ليعلم أن من قدر على إحياء الأرض بذلك المعنى الذي جعل في الماء موافقته جميع النبات والثمار على اختلاف جواهرها وأجناسها - لا يحتمل أن يعجزه شيء من بعث أو غيره؛ إذ الأعجوبة فيما ذكر من إحياء الأرض بذلك الماء، وموافقة المعنى المجعول في الماء جميع ما ذكر - أعظم وأكثر من البعث؛ لأنه إعادة، وذلك ابتداء، فمن ملك وقدر على ما ذكر من الأشياء فهو على البعث أقدر وأملك؛ ولذلك قال الله  : ﴿ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ أي: تبعثون، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا ﴾ جائز أن يدخل فيما ذكر من خلق الأزواج كلها جميع ما يكون لها أزواج من مقابلات وأشكال؛ إذ التزاوج قد يقع ويستعمل في الأضداد والأشكال من الأفعال والجواهر من الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية؛ فيكون في ذلك دلالة خلق أفعال العباد إذ أخبر أنه خلق الأزواج كلها، وبين هذه الأفعال ازدواج وإن كانت متضادة متقابلة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ﴾ فيه ما ذكرنا من الوجوه: أنه فرق حوائج الخلق في أمكنة بعيدة؛ وبينهم وبين أمكنة حوائجهم مفاوز وفيافي وبحار، فجعل لهم في المفاوز أنعاماً يركبونها؛ ليصلوا إلى حوائجهم، وفي البحار سفناً ليركبوها؛ ليصلوا إلى حوائجهم التي في البحار؛ يذكرهم نعمه؛ ليتأدى بذلك شكرها، ويذكرهم قدرته أن من ملك هذا وقدر لا يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ﴾ جعل ظهوره بحيث يستوون عليها ويقرون، وكان له أن يجعل ظهورها بحيث لا يستوون عليها ولا يقرون، وهذا من نعمة الله  عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ ثم نعمته تخرج على وجوه: ما ذلل لهم من الأنعام وسخرها لهم بقوتها وشدتها.

أو جعل لهم أن يستعملوا الدواب وهي تتألم وتتلذذ كما تتألمون وتتلذذون، ثم جعلها متعة لهم، لا أن جعلوا لها.

أو أن تكون نعمته التي أمرهم أن يذكروها: الإسلام والتوحيد، قولوا: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وتقولوا: ﴿ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ .

أو يأمرهم أن يذكروا ما أنشأ لهم من النعم العظيمة.

وقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ .

قال بعضهم: مطيقين؛ يقال: أنا لك مقرن: أي: مطيق، ويقال: أنا مقرن لهذا العمل، أي: أقوى عليه.

وأصل هذا التأويل أن الدواب والأنعام في أنفسها أشد وأكثر قوة وأعظمها من البشر، لكن الله -  - بفضله ومنه علَّم الإنسانَ الحيلَ، حتى قدر على استعمال الدواب والأنعام مع قوتها وشدتها حيث شاءوا وسخرها لهم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ أي: لم يجعلنا من قرن الدواب ومن قرنها بحيث نستعمل لما تستعمل الدواب، ونركب على الظهور؛ أي: لم يجعلنا من قرن الدواب ومن أشكالها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: يحتمل البعث؛ على ما قاله أهل التأويل.

ويحتمل: وإنا إلى ما جعل لنا ربنا من الوصول إلى حوائجنا لمنقلبون بها وراجعون - والله أعلم - وإنا إلى أوطاننا ومنازلنا راجعون بها ما لولا هي لم يتهيأ لنا الرجوع إلى ذلك، ولا الوصول إلى ما جعل لنا من الحوائج التي فرقت في الأمكنة المتباعدة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الله الذي مهد لكم الأرض فجعلها لكم وطاءً تطؤونها بأقدامكم، وصيَّر لكم فيها طرقًا في جبالها وأوديتها؛ رجاء أن تسترشدوا بها في سيركم.

من فوائد الآيات سمي الوحي روحًا لأهمية الوحي في هداية الناس، فهو بمنزلة الروح للجسد.

الهداية المسندة إلى الرسول  هي هداية الإرشاد لا هداية التوفيق.

ما عند المشركين من توحيد الربوبية لا ينفعهم يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.VQPOg"

مزيد من التفاسير لسورة الزخرف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد