الآية ١٩ من سورة الزخرف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ١٩ من سورة الزخرف

وَجَعَلُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَـٰدُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثًا ۚ أَشَهِدُوا۟ خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْـَٔلُونَ ١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة الزخرف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) أي : اعتقدوا فيهم ذلك ، فأنكر عليهم تعالى قولهم ذلك ، فقال : ( أشهدوا خلقهم ) أي : شاهدوه وقد خلقهم الله إناثا ، ( ستكتب شهادتهم ) أي : بذلك ، ( ويسألون ) عن ذلك يوم القيامة .

وهذا تهديد شديد ، ووعيد أكيد .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) يقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء المشركون بالله ملائكته الذين هم عباد الرحمن.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة " الذين هم عند الرحمن " بالنون, فكأنهم تأولوا في ذلك قول الله جلّ ثناؤه: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ فتأويل الكلام على هذه القراءة: وجعلوا ملائكة الله الذين هم عنده يسبحونه ويقدسونه إناثا, فقالوا: هم بنات الله جهلا منهم بحق الله, وجرأة منهم على قيل الكذب والباطل.

وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة ( وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ) بمعنى: جمع عبد.

فمعنى الكلام على قراءة هؤلاء: وجعلوا ملائكة الله الذين هم خلقه وعباده بنات الله, فأنثوهم بوصفهم إياهم بأنهم إناث.

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب, وذلك أن الملائكة عباد الله وعنده.

واختلفوا أيضًا في قراءة قوله: ( أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ) فقرأ ذلك بعض قرّاء المدينة " أشهدوا خلقهم " بضم الألف, على وجه ما لم يسمّ فاعله, بمعنى: أأشهد الله هؤلاء المشركين الجاعلين ملائكة الله إناثا, خلق ملائكته الذين هم عنده, فعلموا ما هم, وأنهم إناث, فوصفوهم بذلك, لعلمهم بهم, وبرؤيتهم إياهم, ثم رد ذلك إلى ما لم يسمّ فاعله.

وقرئ بفتح الألف, بمعنى: أشهدوا هم ذلك فعلموه؟

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

وقوله: ( سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ ) يقول تعالى ذكره: ستكتب شهادة هؤلاء القائلين: الملائكة بنات الله في الدنيا, بما شهدوا به عليهم, ويسألون عن شهادتهم تلك في الآخرة أن يأتوا ببرهان على حقيقتها, ولن يجدوا إلى ذلك سبيلا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا قرأ الكوفيون ( عباد ) بالجمع .

واختاره أبو عبيد ; لأن الإسناد فيها أعلى ، ولأن الله تعالى إنما كذبهم في قولهم إنهم بنات الله ، فأخبرهم أنهم عبيد وأنهم ليسوا ببناته .

وعن ابن عباس أنه قرأ عباد الرحمن ، فقال سعيد بن جبير : إن في مصحفي ( عند الرحمن ) فقال : امحها واكتبها عباد الرحمن وتصديق هذه القراءة قوله تعالى : بل عباد مكرمون .

وقوله تعالى : أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء .

وقوله تعالى : إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم وقرأ الباقون ( عند الرحمن ) بنون ساكنة واختاره أبو حاتم .

وتصديق هذه [ ص: 68 ] القراءة قوله تعالى : إن الذين عند ربك وقوله : وله من في السماوات والأرض ومن عنده .

والمقصود إيضاح كذبهم وبيان جهلهم في نسبة الأولاد إلى الله سبحانه ، ثم في تحكمهم بأن الملائكة إناث وهم بنات الله .

وذكر العباد مدح لهم ، أي : كيف عبدوا من هو نهاية العبادة ، ثم كيف حكموا بأنهم إناث من غير دليل .

والجعل هنا بمعنى القول والحكم ، تقول : جعلت زيدا أعلم الناس ، أي : حكمت له بذلك .

أشهدوا خلقهم أي : أحضروا حالة خلقهم حتى حكموا بأنهم إناث .

وقيل : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سألهم وقال : فما يدريكم أنهم إناث ؟

فقالوا : سمعنا بذلك من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا في أنهم إناث ، فقال الله تعالى : ستكتب شهادتهم ويسألون أي : يسألون عنها في الآخرة .

وقرأ نافع ( أوشهدوا ) بهمزة استفهام داخلة على همزة مضمومة مسهلة ، ولا يمد سوى ما روى المسيبي عنه أنه يمد .

وروى المفضل عن عاصم مثل ذلك وتحقق الهمزتين .

والباقون ( أشهدوا ) بهمزة واحدة للاستفهام .وروي عن الزهري ( أشهدوا خلقهم ) على الخبر ، ( ستكتب ) قراءة العامة بضم التاء على الفعل المجهول ( شهادتهم ) رفعا .

وقرأ السلمي وابن السميقع وهبيرة عن حفص ( سنكتب ) بنون ، ( شهادتهم ) نصبا بتسمية الفاعل .

وعن أبي رجاء ( ستكتب شهاداتهم ) بالجمع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومنها: أنهم جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الله إِنَاثًا، فتجرأوا على الملائكة، العباد المقربين، ورقوهم عن مرتبة العبادة والذل، إلى مرتبة المشاركة للّه، في شيء من خواصه، ثم نزلوا بهم عن مرتبة الذكورية إلى مرتبة الأنوثية، فسبحان من أظهر تناقض من كذب عليه وعاند رسله.ومنها: أن اللّه رد عليهم بأنهم لم يشهدوا خلق اللّه لملائكته، فكيف يتكلمون بأمر من المعلوم عند كل أحد، أنه ليس لهم به علم؟!

ولكن لا بد أن يسألوا عن هذه الشهادة، وستكتب عليهم، ويعاقبون عليها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) قرأ أهل الكوفة ، وأبو عمرو : " عباد الرحمن " بالباء والألف بعدها ورفع الدال كقوله تعالى : " بل عباد مكرمون " ( الأنبياء 26 ) ، وقرأ الآخرون : " عند الرحمن " بالنون ونصب الدال على الظرف ، وتصديقه قوله - عز وجل - : " إن الذين عند ربك " ( الأعراف 206 ) الآية .

( أشهدوا خلقهم ) قرأ أهل المدينة على ما لم يسم فاعله ، ولين الهمزة الثانية بعد همزة الاستفهام أي : أحضروا خلقهم .

وقرأ الآخرون بفتح الشين أي أحضروا خلقهم حين خلقوا ، وهذا كقوله : " أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون " ( الصافات 150 ) ، ( ستكتب شهادتهم ) على الملائكة أنهم بنات الله ، ( ويسألون ) عنها .

قال الكلبي ومقاتل : لما قالوا هذا القول سألهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " ما يدريكم أنهم إناث ؟

" قالوا : سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا .

فقال الله تعالى : ستكتب شهادتهم ويسألون عنها في الآخرة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا» حضروا «خلقهم ستكتب شهادتهم» بأنهم إناث «ويسألون» عنها في الآخرة فيترتب عليهم العقاب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وجعل هؤلاء المشركون بالله الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، أحَضَروا حالة خَلْقهم حتى يحكموا بأنهم إناث؟

ستُكتب شهادتهم، ويُسألون عنها في الآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم توعدهم - سبحانه - بسوء المصير بسبب افترائهم الكذب فقال : ( وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ .

.

.

) والجعل هنا بمعنى القول والحكم على الشئ ، كما تقول جعلت زيدا أفضل الناس ، أى حكمت عليه بذلك .أى : أن هؤلاء المشركين زعموا وحكموا بأن الملائكة الذين هم عباد الرحمن ، وصفوة خلقه ، وأهل طاعته ، وزعموا أنهم إناث ، فهل كانوا حاضرين وقت أن خلقناهم حتى حكموا عليهم بهذا الحكم الباطل؟كلا إنهم لم يكونوا حاضرين ، ولذا ( سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ ) فى صحائف أعمالهم المليئة بالسيئات ( وَيُسْأَلُونَ ) عنها سؤال تأنيب وتوبيخ يوم القيامة .فالمراد بالكتابة والسؤال : معاقبتهم على افترائهم الكذب .

وتجهيلهم فيما قالوه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم  ﴾ بين أنهم مع إقرارهم بذلك، جعلوا له من عباده جزءاً والمقصود منه التنبيه على قلة عقولهم وسخافة عقولهم.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿ جُزْء ﴾ بضم الزاي والهمزة في كل القرآن وهما لغتان، وأما حمزة فإذا وقف عليه قال جزا بفتح الزاي بلا همزة.

المسألة الثانية: في المراد من قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً ﴾ قولان: الأول: وهو المشهور أن المراد أنهم أثبتوا له ولداً، وتقرير الكلام أن ولد الرجل جزء منه، قال عليه السلام: «فاطمة بضعة مني» ولأن المعقول من الوالد أن ينفصل عنه جزء من أجزائه، ثم يتربى ذلك الجزء ويتولد منه شخص مثل ذلك الأصل، وإذا كان كذلك فولد الرجل جزء منه وبعض منه، فقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءا ﴾ معنى جعلوا حكموا وأثبتوا وقالوا به، والمعنى أنهم أثبتوا له جزءاً، وذلك الجزء هو عبد من عباده.

واعلم أنه لو قال وجعلوا لعباده منه جزءاً، أفاد ذلك أنهم أثبتوا أنه حصل جزء من أجزائه في بعض عباده وذلك هو الولد، فكذا قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً ﴾ معناه وأثبتوا له جزءاً، وذلك الجزء هو عبد من عباده، والحاصل أنهم أثبتوا لله ولداً، وذكروا في تقرير هذا القول وجوهاً أُخر، فقالوا الجزء هو الأنثى في لغة العرب، واحتجوا في إثبات هذه اللغة ببيتين فالأول قوله: إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب *** قد تجزئ الحرة المذكاة أحياناً وقوله: زوجتها من بنات الأوس مجزئة *** للعوسج اللدن في أبياتها غزل وزعم الزجاج والأزهري وصاحب الكشاف: أن هذه اللغة فاسدة، وأن هذه الأبيات مصنوعة والقول الثاني: في تفسير الآية أن المراد من قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً ﴾ إثبات الشركاء لله، وذلك لأنهم لما أثبتوا الشركاء لله تعالى فقد زعموا أن كل العباد ليس لله، بل بعضها لله، وبعضها لغير الله، فهم ما جعلوا لله من عباده كلهم، بل جعلوا له منهم بعضاً وجزءاً منهم، قالوا والذي يدل على أن هذا القول أولى من الأول، أنا إذا حملنا هذه الآية على إنكار الشريك لله، وحملنا الآية التي بعدها إلى إنكار الولد لله، كانت الآية جامعة للرد على جميع المبطلين.

ثم قال تعالى: ﴿ أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وأصفاكم بالبنين ﴾ .

واعلم أنه تعالى رتب هذه المناظرة على أحسن الوجوه، وذلك لأنه تعالى بيّن أن إثبات الولد لله محال، وبتقدير أن يثبت الولد فجعله بنتاً أيضاً محال، أما بيان أن إثبات الولد لله محال، فلأن الولد لابد وأن يكون جزءاً من الوالد، وما كان له جزء كان مركباً، وكل مركب ممكن، وأيضاً ما كان كذلك فإنه يقبل الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق، وما كان كذلك فهو عبد محدث، فلا يكون إلهاً قديماً أزلياً.

وأما المقام الثاني: وهو أن بتقدير ثبوت الولد فإنه يمتنع كونه بنتاً، وذلك لأن الابن أفضل من البنت، فلو قلنا إنه اتخذ لنفسه البنات وأعطى البنين لعباده، لزم أن يكون حال العبد أكمل وأفضل من حال الله، وذلك مدفوع في بديهة العقل، يقال أصفيت فلاناً بكذا، أي آثرته به إيثاراً حصل له على سبيل الصفاء من غير أن يكون له فيه مشارك، وهو كقوله: ﴿ أفأصفاكم رَبُّكُم بالبنين  ﴾ ثم بيّن نقصان البنات من وجوه: الأول: قوله: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ والمعنى أن الذي بلغ حاله في النقص إلى هذا الحد كيف يجوز للعاقل إثباته لله تعالى!

وعن بعض العرب أن امرأته وضعت أنثى، فهجر البيت الذي فيه المرأة، فقالت: ما لأبي حمزة لا يأتينا *** يظل في البيت الذي يلينا غضبان أن لا نلد البنينا *** ليس لنا من أمرنا ماشينا وإنما نأخذ ما أعطينا *** وقوله: ﴿ ظِلّ ﴾ أي صار، كما يستعمل أكثر الأفعال الناقصة، قال صاحب الكشاف: قرئ مسود مسواد، والتقدير وهو مسود، فتقع هذه الجملة موقع الخبر والثاني: قوله: ﴿ أَو مَن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ينشؤ بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين على ما لم يسم فاعله، أي يربى، والباقون ينشأ، بضم الياء وسكون النون وفتح الشين، قال صاحب الكشاف: وقرئ يناشأ، قال ونظير المناشأة بمعنى الإنشاء، المغالاة بمعنى الإغلاء.

المسألة الثانية: المراد من قوله: ﴿ أَو مَن يُنَشَّأُ فِي الحلية ﴾ التنبيه على نقصانها، وهو أن الذي يربى في الحلية يكون ناقص الذات، لأنه لولا نقصان في ذاتها لما احتاجت إلى تزيين نفسها بالحلية، ثم بيّن نقصان حالها بطريق آخر، وهو قوله: ﴿ وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ يعني أنها إذا احتاجت المخاصمة والمنازعة عجزت وكانت غير مبين، وذلك لضعف لسانها وقلة عقلها وبلادة طبعها، ويقال قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بما كان حجة عليها، فهذه الوجوه دالة على كمال نقصها، فكيف يجوز إضافتهن بالولدية إليه!.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن التحلي مباح للنساء، وأنه حرام للرجال، لأنه تعالى جعل ذلك من المعايب وموجبات النقصان، وإقدام الرجل عليه يكون إلقاء لنفسه في الذل وذلك حرام، لقوله عليه السلام: «ليس للمؤمن أن يذل نفسه» وإنما زينة الرجل الصبر على طاعة الله، والتزين بزينة التقوى، قال الشافعي: تدرعت يوماً للقنوع حصينة *** أصون بها عرضي وأجعلها ذخرا ولم أحذر الدهر الخئون وإنما *** قصاراه أن يرمي بي الموت والفقرا فأعددت للموت الإله وعفوه *** وأعددت للفقر التجلد والصبرا ثم قال تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد بقوله: ﴿ جَعَلُواْ ﴾ ، أي حكموا به، ثم قال: ﴿ أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ ﴾ وهذا استفهام على سبيل الإنكار، يعني أنهم لم يشهدوا خلقهم، وهذا مما لا سبيل إلى معرفته بالدلائل العقلية، وأما الدلائل النقلية فكلها مفرعة على إثبات النبوّة، وهؤلاء الكفار منكرون للنبوة، فلا سبيل لهم إلى إثبات هذا المطلوب بالدلائل النقلية، فثبت أنهم ذكروا هذه الدعوى من غير أن عرفوه لا بضرورة ولا بدليل، ثم إنه تعالى هددهم فقال: ﴿ سَتُكْتَبُ شهادتهم وَيُسْئَلُونَ ﴾ وهذا يدل على أن القول بغير دليل منكر، وأن التقليد يوجب الذم العظيم والعقاب الشديد.

قال أهل التحقيق: هؤلاء الكفار كفروا في هذا القول من ثلاثة أوجه أولها: إثبات الولد لله تعالى.

وثانيها: أن ذلك الولد بنت.

وثالثها: الحكم على الملائكة بالأنوثة.

المسألة الثانية: قرأ نافع وابن كثير وابن عامر: (عند الرحمن) بالنون، وهو اختيار أبي حاتم واحتج عليه بوجوه: الأول: أنه يوافق قوله: ﴿ إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ  ﴾ والثاني: أن كل الخلق عباده فلا مدح لهم فيه والثالث: أن التقدير أن الملائكة يكونون عند الرحمن، لا عند هؤلاء الكفار، فكيف عرفوا كونهم إناثاً؟

وأما الباقون فقرأوا عباد جمع عبد وقيل جمع عابد، كقائم وقيام، وصائم وصيام، ونائم ونيام، وهي قراءة ابن عباس، واختيار أبي عبيد، قال لأنه تعالى رد عليهم قولهم: إنهم بنات الله، وأخبر أنهم عبيد، ويؤيد هذه القراءة قوله: ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ  ﴾ .

المسألة الثالثة: قرأ نافع وحده: ﴿ آأشهدوا ﴾ بهمزة ومدة بعدها خفيفة لينة وضمة، أي (أ) أحضروا خلقهم، وعن نافع غير ممدود على ما لم يسم فاعله، والباقون: أشهدوا، بفتح الألف، من (أ) شهدوا، أي أحضروا.

المسألة الرابعة: احتج من قال بتفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية، فقال أما قراءة (عند) بالنون، فهذه العندية لا شك أنها عندية الفضل والقرب من الله تعالى بسبب الطاعة، ولفظة ﴿ هُمْ ﴾ توجب الحصر، والمعنى أنهم هم الموصوفون بهذه العندية لا غيرهم، فوجب كونهم أفضل من غيرهم رعاية للفظ الدال على الحصر، وأما من قرأ (عباد) جمع العبد، فقد ذكرنا أن لفظ العباد مخصوص في القرآن بالمؤمنين فقوله: ﴿ هُمْ عِبَادُ الرحمن ﴾ يفيد حصر العبودية فيهم، فإذا كان اللفظ الدال على العبودية دالاً على الفضل والشرف، كان اللفظ الدال على حصر العبودية دالاً على حصر الفضل والمنقبة والشرف فيهم وذلك يوجب كونهم أفضل من غيرهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قد جمعوا في كفرة ثلاث كفرات، وذلك أنهم نسبوا إلى الله الولد، ونسبوا إليه أحسّ النوعين؛ وجعلوه من الملائكة الذين هم أكرم عباد الله على الله، فاستخفوا بهم واحتقروهم.

وقرئ ﴿ عباد الرحمن ﴾ وعبيد الرحمن، وعبد الرحمن، وهو مثل لزلفاهم واختصاصهم.

وإناثاً، وأنثا: جمع الجمع.

ومعنى جعلوا: سموا وقالوا إنهم إناث.

وقرئ ﴿ أَأُشْهدوا ﴾ وأشهدوا، بهمزتين مفتوحة ومضمومة.

وآأشهدوا بألف بينهما، وهذا تهكم بهم، بمعنى أنهم يقولون ذلك من غير أن يستند قولهم إلى علم، فإن الله لم يضطرهم إلى علم ذلك، ولا تطرّقوا إليه باستدلال، ولا أحاطوا به عن خبر يوجب العلم، فلم يبق إلا أن يشاهدوا خلقهم، فأخبروا عن هذه المشاهدة ﴿ سَتُكْتَبُ شهادتهم ﴾ التي شهدوا بها على الملائكة من أنوثتهم ﴿ وَيُسْئَلُونَ ﴾ وهذا وعيد.

وقرئ ﴿ سيكتب ﴾ وسنكتب: بالياء والنون.

وشهادتهم، وشهاداتهم.

ويساءلون على ما يفاعلون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ ﴾ أيْ أوْ جَعَلُوا لَهُ، أوِ اتَّخَذَ مَن يَتَرَبّى في الزِّينَةِ يَعْنِي البَناتِ.

﴿ وَهُوَ في الخِصامِ ﴾ في المُجادَلَةِ.

﴿ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ مُقَرِّرٍ لِما يَدَّعِيهِ مِن نُقْصانِ العَقْلِ وضَعْفِ الرَّأْيِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفِ الخَبَرِ أيْ أوْ مَن هَذا حالَةُ ولَدِهِ وفي الخِصامِ مُتَعَلِّقٌ بِ مُبِينٍ، وإضافَةُ غَيْرُ إلَيْهِ لا يَمْنَعُهُ لِما عَرَفْتَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ يُنَشَّأُ أيْ يُرَبّى.

وقُرِئَ «يُنَشَّأُ» و «يُناشَأُ» بِمَعْناهُ ونَظِيرُ ذَلِكَ أعْلاهُ وعَلاهُ وعالاهُ بِمَعْنًى.

﴿ وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا ﴾ كُفْرٌ آخَرُ تَضَمَّنَهُ مَقالُهم شَنَّعَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وهو جَعْلُهم أكْمَلَ العِبادِ وأكْرَمَهم عَلى اللَّهِ تَعالى أنْقَصَهم رَأْيًا وأخَسَّهم صِنْفًا.

وقُرِئَ عَبِيدُ وقَرَأ الحِجازِيّانِ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ «عِنْدَ» عَلى تَمْثِيلِ زُلْفاهم.

وقُرِئَ «أُنْثًا» وهو جَمْعُ الجَمْعِ.

﴿ أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾ أحَضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ إيّاهم فَشاهَدُوهم إناثًا، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُعْلَمُ بِالمُشاهَدَةِ وهو تَجْهِيلٌ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ أشْهِدُوا بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ بَيْنَ بَيْنَ، و «ءاأشَهِدُوا» بِمَدَّةٍ بَيْنَهُما.

﴿ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ ﴾ الَّتِي شَهِدُوا بِها عَلى المَلائِكَةِ.

﴿ وَيُسْألُونَ ﴾ أيْ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ، وهو وعِيدٌ شَدِيدٌ.

وقُرِئَ «سَيَكْتُبُ» و «سَنَكْتُبُ» بِالياءِ والنُّونِ.

وَ «شَهاداتُهُمْ» وهي أنَّ لِلَّهِ جُزْءًا أوْ أنَّ لَهُ بَناتٍ وهُنَّ المَلائِكَةُ ويُساءَلُونَ مِنَ المُساءَلَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} اى سمعوا وقالوا إنهم إناث عِندَ الرحمن مكي ومدني وشامي أي عندية منزلة ومكانة لا منزل ومكان والعباد جمع عبد وهو ألزم في الحجاج مع أهل العناد لتضاد بين العبودية والولاد {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} وهذا تهكم بهم يعني أنهم يقولون ذلك من غير أن يستند قولهم إلى علم فإن الله لم يضطرهم إلى علم ذلك ولا تطرقوا إليه باستدلال ولا أحاطوا به عن خبر يوجب العلم ولم يشاهدوا خلقهم حتى يخبروا عن المشاهدة {سَتُكْتَبُ شهادتهم} التي شهدوا بها على الملائكة من انوثتهم {ويسألون} عنها وهذا وعيد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا ﴾ أيْ سَمَّوْا وقالُوا: إنَّهم إناثٌ، قالَ اَلزَّجّاجُ: اَلْجَعْلُ في مِثْلِهِ بِمَعْنى اَلْقَوْلِ والحُكْمِ عَلى اَلشَّيْءِ تَقُولُ: جَعَلْتُ زَيْدًا أعْلَمَ اَلنّاسِ أيْ وصَفْتُهُ بِذَلِكَ وحَكَمْتُ بِهِ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ اَلْمَعْنى صَيَّرُوهم في اِعْتِقادِهِمْ إناثًا اِعْتِراضٌ وارِدٌ لِإثْباتِ مُناقَضَتِهِمْ أيْضًا وادِّعاءُ ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ اَلْمُؤَيِّدُ لِجَعْلِهِ مُعْتَمَدَ اَلْكَلامِ عَلى ما سَبَقَ آنِفًا فَإنَّهم أنَّثُوهم في هَذا اَلْمُعْتَقَدِ مِن غَيْرِ اِسْتِنادٍ إلى عِلْمٍ فارْشَدْ إلى أنَّ ما هم عَلَيْهِ مِن إثْباتِ اَلْوَلَدِ مِثْلُ ما هم عَلَيْهِ مِن تَأْنِيثِ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ في أنَّهُما سَخَفٌ وجَهْلٌ كانا كُفْرَيْنِ أوَّلًا، نَعَمْ هُما في نَفْسِ اَلْأمْرِ كُفْرانِ، أمّا اَلْأوَّلُ فَظاهِرٌ.

وأمّا اَلثّانِي فَلِلِاسْتِخْفافِ بِرُسُلِهِ سُبْحانَهُ أعْنِي اَلْمَلائِكَةَ وجَعْلَهم أنْقَصَ اَلْعِبادِ رَأْيًا وأخَسَّهم صِنْفًا وهُمُ اَلْعِبادُ اَلْمُكْرَمُونَ اَلْمُبَرَّءُونَ مِنَ اَلذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ فَإنَّهُما مِن عَوارِضِ اَلْحَيَوانِ اَلْمُتَغَذِّي اَلْمُحْتاجِ إلى بَقاءِ نَوْعِهِ لِعَدَمِ جَرَيانِ حِكْمَةِ اَللَّهِ تَعالى بِبَقاءِ شَخْصِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا ﴾ لِما عَلِمْتَ مِن أنَّ اَلْجُمْلَةَ في مَوْضِعِ اَلْحالِ مِن فاعِلِ ﴿ لَيَقُولُنَّ ﴾ ولا يَحْسُنُ بِحَسَبِ اَلظّاهِرِ أنْ يُقالَ.

﴿ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ ﴾ وقَدْ جَعَلُوا اَلْمَلائِكَةَ إناثًا، وقُرِئَ (عَبِيدُ) جَمْعُ عَبْدٍ وكَذا (عِبادُ) وقِيلَ: عِبادُ جَمْعُ عابِدٍ كَصائِمٍ وصِيامٍ وقائِمٍ وقِيامٍ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطّابِ.

والحَسَنُ.

وأبُو رَجاءٍ.

وقَتادَةُ.

وأبُو جَعْفَرٍ.

وشَيْبَةُ.

والأعْرَجُ.

والِابْنانِ.

ونافِعٌ (عِنْدَ اَلرَّحْمَنِ) ظَرْفًا وهو أدَلُّ عَلى رَفْعِ اَلْمَنزِلَةِ وقُرْبِ اَلْمَكانَةِ، والكَلامُ عَلى اَلِاسْتِعارَةِ في اَلْمَشْهُورِ لِاسْتِحالَةِ اَلْعِنْدِيَّةِ اَلْمَكانِيَّةِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ، وقَرَأ أُبَيٌّ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بِالباءِ مُفْرِدِ عِبادٍ، والمَعْنى عَلى اَلْجَمْعِ بِإرادَةِ اَلْجِنْسِ.

وقَرَأ اَلْأعْمَشُ (عِبادَ) بِالجَمْعِ والنَّصْبِ حَكاها اِبْنُ خالَوَيْهِ وقالَ: هي في مُصْحَفِ اِبْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ، وخَرَّجَ أبُو حَيّانَ اَلنَّصْبَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ أيِ اَلَّذِينَ هم خُلِقُوا عِبادَ اَلرَّحْمَنِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (أُنُثًا) بِضَمَّتَيْنِ كَكُتُبٍ جَمْعَ إناثًا فَهو جَمْعُ اَلْجَمْعِ، وعَلى جَمِيعِ اَلْقِراءاتِ اَلْحَصْرُ إذا سَلِمَ إضافِيٌّ فَلا يَتِمُّ اَلِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى أفْضَلِيَّةِ اَلْمَلَكِ عَلى اَلْبَشَرِ.

﴿ أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾ أيْ أحَضِرُوا خَلْقَ اَللَّهِ تَعالى إيّاهم فَشاهَدُوهم إناثًا حَتّى يَحْكُمُوا بِأُنُوثَتِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُعْلَمُ بِالمُشاهَدَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ ﴾ وفِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ اَلدَّلائِلِ اَلنَّقْلِيَّةِ لِأنَّها في مِثْلِ هَذا اَلْمَطْلَبِ مُفَرَّعَةٌ عَلى اَلْقَوْلِ بِالنُّبُوَّةِ وهُمُ اَلْكَفَرَةُ اَلَّذِينَ لا يَقُولُونَ بِها ولِنَفْيِ اَلدَّلائِلِ اَلْعَقْلِيَّةِ لِظُهُورِ اِنْتِفائِها والنَّفْيُ اَلْمَذْكُورُ أظْهَرُ في اَلتَّهَكُّمِ فافْهَمْ، وقَرَأ نافِعٌ (أأُشْهِدُوا) بِهَمْزَةٍ داخِلَةٍ عَلى أُشْهِدَ اَلرُّباعِيِّ اَلْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ سَهَّلَ هَذِهِ اَلْهَمْزَةَ فَجَعَلَها بَيْنَ اَلْهَمْزَةِ والواوِ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

وابْنِ عَبّاسٍ.

ومُجاهِدٍ، وفي أُخْرى أنَّهُ سَهَّلَها وأدْخَلَ بَيْنَها وبَيْنَ اَلْأوْلى ألِفًا كَراهَةَ اِجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ ونُسِبَتْ إلى جَماعَةٍ، والِاكْتِفاءُ بِالتَّسْهِيلِ أوْجَهُ، وقَرَأ اَلزُّهْرِيُّ وناسٌ (أُشْهِدُوا) بِغَيْرِ اِسْتِفْهامٍ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ رُباعِيًّا فَقِيلَ اَلْمَعْنى عَلى اَلِاسْتِفْهامِ نَحْوَ قَوْلِهِ: قالُوا تُحِبُّها قُلْتُ بُهْرا وهُوَ اَلظّاهِرُ، وقِيلَ: عَلى اَلْإخْبارِ، والجُمْلَةُ صِفَةُ (إناثًا) وهم وإنْ لَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَهم لَكِنْ نَزَلُوا لِجَراءَتِهِمْ عَلى ذَلِكَ مَنزِلَةَ مَن أُشْهِدَ أوِ اَلْمُرادُ أنَّهم أطْلَقُوا عَلَيْهِمُ اَلْإناثَ اَلْمَعْرُوفاتِ لَهُمُ اَللّاتِي أُشْهِدُوا خَلْقَهُنَّ لا صِنْفًا آخَرَ مِنَ اَلْإناثِ ولا يَخْفى ما في كِلا اَلتَّأْوِيلَيْنِ مِنَ اَلتَّكَلُّفِ ﴿ سَتُكْتَبُ ﴾ في دِيوانِ أعْمالِهِمْ ﴿ شَهادَتُهُمْ ﴾ اَلَّتِي شَهِدُوا بِها عَلى اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، وقِيلَ: سَألَهُمُ اَلرَّسُولُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «ما يُدْرِيكم أنَّهم إناثٌ فَقالُوا: سَمِعْنا ذَلِكَ مِن آبائِنا ونَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهم لَمْ يَكْذِبُوا» فَقالَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ ﴾ عَنْها يَوْمَ اَلْقِيامَةِ، والكَلامُ وعِيدٌ لَهم بِالعِقابِ والمُجازاةِ عَلى ذَلِكَ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ عَلى ظاهِرِها مِنَ اَلِاسْتِقْبالِ ويَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى تَأْخِيرِ كِتابَةِ اَلسَّيِّئاتِ لِرَجاءِ اَلتَّوْبَةِ والرُّجُوعِ كَما ورَدَ في اَلْحَدِيثِ إنَّ كاتِبَ اَلْحَسَناتِ أمِينٌ عَلى كاتِبِ اَلسَّيِّئاتِ فَإذا أرادَ أنْ يَكْتُبَها قالَ لَهُ: تَوَقَّفْ فَيَتَوَقَّفُ سَبْعَ ساعاتٍ فَإنِ اِسْتَغْفَرَ وتابَ لَمْ يَكْتُبْ فَلَمّا كانَ ذَلِكَ مِن شَأْنِ اَلْكِتابَةِ قُرِنَتْ بِالسِّينِ، وكَوْنُهم كُفّارًا مُصِرِّينَ عَلى اَلْكُفْرِ لا يَأْباهُ.

وقَرَأ اَلزُّهْرِيُّ (سَيُكْتَبُ) بِالياءِ اَلتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ اَلْحَسَنُ كالجُمْهُورِ إلّا أنَّهُ قَرَأ (شَهاداتِهِمْ) بِالجَمْعِ وهي قَوْلُهُمْ: إنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ جُزْءًا وإنَّ لَهُ بَناتٍ وإنَّها اَلْمَلائِكَةُ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ ما أُرِيدَ بِالمُفْرَدِ والجَمْعِ بِاعْتِبارِ اَلتَّكْرارِ، وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ.

وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

وأبُو جَعْفَرٍ.

وأبُو حَيْوَةَ.

وابْنُ أبِي عَبْلَةَ.

والجَحْدَرِيُّ.

والأعْرَجُ (سَنَكْتُبُ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ (شَهادَتَهُمْ) بِالنَّصْبِ والإفْرادِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (سَيَكْتُبُ) بِالياءِ اَلتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وبِإفْرادِ (شَهادَتَهُمْ) ونَصْبِها أيْ سَيَكْتُبُ اَللَّهُ تَعالى شَهادَتَهم.

وقُرِئَ (يَسّاءَلُونَ) مِنَ اَلْمُفاعَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال الله تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً يعني: وصفوا لله من خلقه، شريكاً وولداً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ يعني: كَفُورٌ لنعمه مُبِينٌ أي: بين الكفر.

ثم قال تعالى: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وهو رد على بني مليح، حيث قالوا: الملائكة بنات الله.

معناه: اختار لكم البنين، ولنفسه البنات، ثم وصف كراهيتهم البنات فقال: وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ.

قوله عز وجل: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا يعني: بما وصفوا لله تعالى من البنات، وكرهوا لأنفسهم ذلك ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يعني: تغير لونه، وهو حزين مكروب.

يعني: أترضون لله، ما لا ترضون لأنفسكم.

قوله عز وجل: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ يعني: يغذى في الذهب والفضة.

ويقال: أفمن زين في الحلي والحلل وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ يعني: في الكلام غير فصيح.

ويقال: هن في الخصومة، غير مبينات في الحجة ويقال: أفمن زين في الحلي، وهو في الخصومة غير مبين، لأن المرأة لا تبلغ بخصومتها، وكلامها ما يبلغ الرجل.

قرأ حمزة والكسائي، وعاصم في رواية حفص، أو من يُنَشَّأُ بضم الياء، ونصب النون وتشديد الشين ومعناه: أو من يربى في الحلية، لفظه لفظ الاستفهام، والمراد به التوبيخ.

وقرأ الباقون، أوَمَنْ يَنْشَأ، بنصب الياء وجزم النون مع التخفيف، يعني: يشب وينبت في الحلي.

قوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً يعني: وصفوا الملائكة بالأنوثة.

قرأ ابن كثير، وابن عامر، ونافع الَّذِينَ هم عبد الرحمن إِناثاً يعني: وصفوا الملائكة بالأنوثة.

قرأ ابن كثير، وابن عامر، ونافع عبيد يعني: الملائكة الذين هم في السماء، والباقون عِبَادُ يعني: جمع عبد.

ثم قال: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ يعني: أحضروا خلق الملائكة حين خلقهم الله تعالى، فعلموا أنهم ذكوراً أو إناثاً؟

هذا استفهام فيه نفي، يعني: لم يشهدوا خلقهم على وجه التوبيخ، والتقريع.

ثم قال: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ يعني: ستكتب مقالتهم وَيُسْئَلُونَ عنه يوم القيامة.

وروي عن الحسن: أنه قرأ سَتُكْتَبُ شَهَادَاتُهُم بالألف يعني: أقوالهم.

وقرأ عبد الرحمن الأعرج سَنَكْتُبُ بالنون.

قوله تعالى: وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ يعني: ما عبدنا الملائكة ويقال: الأصنام مَّا لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ أي: ما لهم بذلك القول من حجة إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يعني: يكذبون بغير حجة.

وقال مقاتل: في الآية تقديم يعني: عباد الرحمن إناثاً، ما لهم بذلك من علم.

قوله عز وجل: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ يعني: أنزلنا عليهم كتاباً، مِن قَبْلِ هذا القرآن فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ يعني: آخذون به عاملون، اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به النفي.

قوله عز وجل: بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ يعني: لكنهم قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين وملة.

وقال القتبي: أصل الأمة الجماعة، والصنف.

كقوله: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [الأنعام: 38] ثم يستعار في أشياء منها: الدين.

كقوله: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ أي: على دين، لأن القوم كانوا يجتمعون على دين واحد، فتقام الأمة مكان الدين، ولهذا قيل للمسلمين: أمة محمد  ، لأنهم على ملة واحدة، وهي الإسلام.

وروى مجاهد، وعمر بن عبد العزيز، أنهما قرءا أُمَّةٍ بكسر الألف، أي: على نعمة.

ويقال: على هيئة، وقراءة العامة بالضمة، يعني: على دين وروى أبو عبيدة، عن بعض أهل اللغة، أن الأُمة والأمة لغتان.

ثم قال: وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ يعني: مستيقنين وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها يعني: جبابرتها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ يعني: بسنتهم مقتدون.

أي: بأعمالهم.

قال الله تعالى لمحمد  : قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى يعني: أليس هذا الذي جئتكم به، هو أهدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ يعني: بأصوب وأبين من ذلك.

قرأ ابن عامر، وعاصم في رواية حفص قالَ أَوَلَوْ على معنى الخبر والباقون (قُلْ) بلفظ الأمر.

وقرأ أبو جعفر المدني (جِئْنَاكُم) بلفظ الجماعة.

قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ يعني: إن الجبابرة قالوا لرسلهم: إنا بما أرسلتم به جاحدون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

حِيطَانِ الأَنْصَارِ، فَإذَا جَمَلٌ قَدْ أُتِيَ فَجُرْجِرَ، وذرفت عيناه، فمسح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سَرَاتَهُ وَذِفْرَاهُ، فَسَكَنَ، فَقَالَ: مَنْ صَاحِبُ الجَمَلِ؟

فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأنْصَارِ، فَقَالَ: هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَمَا تَتَّقِي اللَّهَ في هذه البهيمة الّتي ملّكت اللَّهُ إنَّهُ شَكَا إلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ» «١» ومعنى ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، أي: قَطَرَتْ دموعُهما قطراً ضعيفاً، والسَّرَاةُ الظَّهْرُ، «والذفرى» : ما وراءَ الأذنَيْن عن يمين النقرة وشمالها، انتهى.

وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩)

وقوله سبحانه: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً أيْ: جَعَلَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ والعربِ للَّه جزءاً، أي: نصيباً وحَظًّا، وهو قولُ العَرَبِ: «الملائكة بنات اللَّه» هذا قول كثير من المتأولين، وقال قتادة: المراد بالجُزْء: الأَصنَامُ وغيرها «٢» ف جُزْءاً معناه: نِدًّا.

ت: وباقي الآية يُرَجِّحُ تأويلَ الأكثرِ.

وقوله: أَمِ اتَّخَذَ: إضرابٌ وتقريرٌ وتوبيخٌ إذِ المحمود المحبوبُ من الأولاد قد خَوَّلَهُ اللَّه بني آدم، فكيفَ يتَّخِذُ هو لنفسه النصيب الأدنى، وباقي الآية بَيِّنٌ مِمَّا ذُكِرَ في «سورة النحل» وغيرها.

ثم زاد سبحانه في توبيخهم وإفساد رأيهم بقوله: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ التقدير: أو مَنْ يُنَشَّأُ في الحلية هو الذي خصصتم به الله عز وجل، والحلية: الحلي من الذهب/ والفضة والأحجار، ويُنَشَّؤُا معناه: ينبت ويكبر، والْخِصامِ: المحاجَّةُ ومجاذبة المحاورة، وقَلَّ ما تجد امرأة إلاَّ تُفْسِدُ الكلام وتخلط المعاني، وفي مصحف ابن مسعود «٣» : «وَهُوَ في الكَلاَمِ غَيْرُ مُبِينٍ» والتقدير: غير مُبِينٍ غَرَضاً أو منزعاً ونحو هذا،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجَعْلُ هاهُنا بِمَعْنى القَوْلِ والحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ، تَقُولُ: قَدْ جَعَلْتُ زَيْدًا أعْلَمَ النّاسِ، أيْ: قَدْ وصَفْتُهُ بِذَلِكَ وحَكَمْتُ بِهِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وجَعْلُهُمُ المَلائِكَةَ إناثًا قَوْلُهُمْ: هُنَّ بَناتُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ، والشَّيْزَرِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: "عِنْدَ الرَّحْمَنِ" بِنُونٍ مِن غَيْرِ ألِفٍ وقَرَأ الباقُونَ: "عِبادُ الرَّحْمَنِ"، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ بَناتٍ.

والقِراءَةُ الأُولى مُوافِقَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ  ﴾ ، وإذا كانُوا في السَّماءِ كانَ أبْعَدَ لِلْعِلْمِ بِحالِهِمْ.

﴿ أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾ ؟

قَرَأ نافِعٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "أأُشْهِدُوا" بِهَمْزَتَيْنِ، الأُولى مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَضْمُومَةٌ.

ورَوى المُسَيَّبِيُّ عَنْ نافِعٍ: "أوُ شْهِدُوا" مَمْدُودَةً مَن أشْهَدْتُ، والباقُونَ لا يَمُدُّونَ.

"أشْهِدُوا" مَن شَهِدْتُ، أيْ: أحَضَرُوهُ فَعَرَفُوا أنَّهم إناثٌ؟!

وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم إذْ قالُوا فِيما يُعْلَمُ بِالمُشاهَدَةِ مِن غَيْرِ مُشاهَدَةٍ.

﴿ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ ﴾ عَلى المَلائِكَةِ أنَّها بَناتُ اللَّهِ وقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ؟

﴾ ، سُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ فَقالُوا: [لا]، «فَقالَ النَّبِيُّ  : "فَما يُدْرِيكم أنَّها إناثٌ؟" فَقالُوا: سَمِعْنا مِن آبائِنا، ونَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهم لَمْ يَكْذِبُوا، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ ﴾ عَنْها في الآخِرَةِ.» وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ: "سَنَكْتُبُ" بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ "شَهادَتَهُمْ" بِنَصْبِ التّاءِ، ووافَقَهُمُ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ في "سَنَكْتُبُ" وقَرَأ: "شَهاداتِهِمْ" بِألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ ﴾ في المَكْنِيِّ عَنْهم قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ في آخَرِينَ.

والثّانِي: الأوْثانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وإنَّما عَنَوْا بِهَذا أنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْضَ عِبادَتَنا لَها لَعَجَّلَ عُقُوبَتَنا، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ ﴾ .

وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: إنَّما أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ ﴾ إلى ادِّعائِهِمْ أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ؛ قالَ: ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ ﴾ لِأنَّهُ قَوْلٌ صَحِيحٌ؛ والَّذِي اعْتَمَدْنا عَلَيْهِ أصَحُّ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا  ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ  ﴾ وقَدْ كَشَفْنا عَنْ هَذا المَعْنى هُنالِكَ.

و "يَخْرُصُونَ" بِمَعْنى: يَكْذِبُونَ.

وإنَّما كَذَّبَهُمْ، لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهُ رَضِيَ مِنهُمُ الكُفْرَ دِينًا.

﴿ أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ، أيْ: بِأنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ ﴿ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴾ يَأْخُذُونَ بِما فِيهِ.

﴿ بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ﴾ أيْ: عَلى سُنَّةٍ ومِلَّةٍ ودِينٍ ﴿ وَإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ فَجَعَلُوا أنْفُسَهم مُهْتَدِينَ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ؛ ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ غَيْرَهم قَدْ قالَ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ أيْ: وكَما قالُوا قالَ مُتْرَفُو القُرى مِن قَبْلِهِمْ، ﴿ وَإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ بِهِمْ.

( قُلْ أُولُو جِئْتُكم ) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قالَ أوَلَوْ جِئْتُكُمْ" [بِألِفٍ] .

قالَ أبُو عَلِيٍّ: فاعِلُ "قالَ" النَّذِيرُ، المَعْنى: فَقالَ لَهُمُ النَّذِيرُ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "أوْلَوْ جِئْناكُمْ" بِألِفٍ ونُونٍ ﴿ بِأهْدى ﴾ أيْ: بِأصْوَبَ وأرْشَدَ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الكَلامِ: قُلْ: أتَتَّبِعُونَ ما وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم وإنْ جِئْتُكم بِأهْدى مِنهُ؟!

وفي هَذِهِ الآيَةِ إبْطالُ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ.

قالَ مُقاتِلٌ: فَرَدُّوا عَلى النَّبِيِّ  فَقالُوا: ﴿ إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ ؛ ثُمَّ رَجَعَ إلى الأُمَمِ الخالِيَةِ، فَقالَ: ﴿ فانْتَقَمْنا مِنهم.

.

.

﴾ الآيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ ﴾ ﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ ﴾ ﴿ أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ ﴾ الضَمِيرُ فِي: "جَعَلُوا" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، والضَمِيرُ فِي: "لَهُ": لِلَّهِ تَعالى.

و"الجُزْءُ": القِطَعُ مِنَ الشَيْءِ، وهو بَعْضُ الكُلِّ، فَكَأنَّهم جَعَلُوا جُزْءًا مِن عِبادِهِ نَصِيبًا لَهُ وحَظًّا، وذَلِكَ في قَوْلِ مُجاهِدٍ، وكَثِيرٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ قَوْلُ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: الجُزْءُ: الإناثُ، يُقالُ: أجْزَأتِ المَرْأةُ إذا ولَدَتْ أُنْثى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنْ أجَزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبَ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارُ أحْيانًا وَقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا البَيْتَ مَوْضُوعٌ.

وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالجُزْءِ: الأصْنامُ وفِرْعَوْنُ وغَيْرُهُ مِمَّنْ عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ، أيْ: جُزْءًا نِدًّا، فَعَلى هَذا فَتَعْنِيفُ الكَفَرَةِ في فَصْلَيْنِ: في أمْرِ الأصْنامِ، وفي أمْرِ المَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ ﴾ : أتى بِلَفْظِ الجِنْسِ العامِّ، والمُرادِ: بَعْضُ الإنْسانِ، وهو هَؤُلاءِ الجاعِلُونَ ومَن أشْبَهُهم.

و ﴿ "مُبِينٌ" ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمِ اتَّخَذَ ﴾ إضْرابٌ وتَقْرِيرٌ، وهَذِهِ حُجَّةٌ بالِغَةٌ عَلَيْهِمْ؛ إذِ المَحْمُودُ مِنَ الأولادِ والمَحْبُوبُ قَدْ خَوَّلَهُ اللهُ تَعالى بَنِي آدَمَ، فَكَيْفَ يَتَّخِذُ هو لِنَفْسِهِ النَصِيبَ الأدْنى؟

و"أصْفاكُمْ" مَعْناهُ: خَصَّكم وجَعَلَ ذَلِكَ صَفْوَةً لَكم.

ثُمَّ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ في هَذا المَعْنى وكانَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا بُشِّرَ ﴾ الآيَةُ، و"مُسْوَدٌّ": خَبَرُ ﴿ "ظَلَّ"، ﴾ و"الكَظِيمُ": المُمْتَلِئُ غَيْظًا الَّذِي قَدْ رَدَّ غَيْظَهُ إلى جَوْفِهِ، فَهو يَتَجَرَّعُهُ ويَرُومُ رَدَّهُ، وهَذا مَحْسُوسٌ عِنْدَ الغَيْظِ، ثُمَّ زادَ تَوْبِيخَهم وإفْسادَ رَأْيِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَمَن يُنَشَّأُ ﴾ ، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "جَعَلُوا"، كَأنَّهُ قالَ: أوَ مَن يُنَشَّأُ في الحِيلَةِ وهو الَّذِي خَصَصْتُمْ بِهِ اللهَ تَعالى؟

ونَحْوَ هَذا، والمُرادُ بِـ"مَنِ": النِساءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسَدِّيُّ، و"يَنَشَأُ": مَعْناهُ: يَنْبُتُ ويَكْبُرُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَنْشَأُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ النُونِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: "يَنْشَأُ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ النُونِ عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالهَمْزَةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "يَنْشَأُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الشِينِ عَلى التَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أو مَن لا يَنْشَأُ إلّا في الحِلْيَةِ"، و"الحِلْيَةُ": الحُلِيُّ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ والأحْجارِ، و ﴿ "الخِصامِ": ﴾ المُحاجَّةُ ومُجاذَبَةُ المُحاوَرَةِ، وقَلَّما تَجِدُ امْرَأةً إلّا تُفْسِدُ الكَلامَ وتَخْلِطُ المَعانِي، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَهُوَ في الكَلامِ غَيْرُ مُبِيَّنٍ"، و ﴿ "مُبِينٍ" ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَعَدٍّ، والتَقْدِيرُ: غَيْرُ مُبِيِّنٍ غَرَضًا أو مَنزَعًا ونَحْوَ هَذا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِـ " مَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ " الآيَةُ: الأصْنامُ والأوثانُ، لِأنَّهم كانُوا يَتَّخِذُونَ كَثِيرًا مِنها مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الحُلِيَّ عَلى كَثِيرٍ مِنها.

ولَمّا فَرَغَ تَعْنِيفُهم عَلى ما أتَوْهُ في جِهَةِ اللهِ تَعالى بِقَوْلِهِمِ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ سُبْحانَهُ"، بَيَّنَ اللهُ تَعالى فَسادَ مَقالَتِهِمْ، فَعَيَّنَها بِجِهَةٍ أُخْرى مِنَ الفَسادِ، وذَلِكَ شَنِيعُ قَوْلِهِمْ في عِبادِ اللهِ تَعالى مُخْتَصِّينَ مُقَرَّبِينَ: "أنَّهم إناثٌ"، وقَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَلْقَمَةُ: "عِبادُ الرَحْمَنِ إناثًا"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "عِنْدَ الرَحْمَنِ إناثًا"، وهَذِهِ القِراءَةُ أدَلُّ عَلى رَفْعِ المَنزِلَةِ وقُرْبِها في التَكْرِمَةِ، كَما قِيلَ: مَلِكٌ مُقَرَّبٌ، وقَدْ تَصَرَّفَ المَعْنَيانِ في كِتابِ اللهِ تَعالى في وصْفِ المَلائِكَةِ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ  ﴾ ، وقالَ سُبْحانَهُ في أُخْرى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ  ﴾ ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَجُعِلُوا المَلائِكَةَ عِبادَ الرَحْمَنِ إناثًا".

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "أأشْهِدُوا" بِهَمْزَتَيْنِ وبِلا مَدٍّ بَيْنِهِما، وبِفَتْحِ الأُولى وضَمِّ الثانِيَةِ وتَسْهِيلِها بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ المُسَيِّبِيُّ عن نافِعٍ بِمَدٍّ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ،.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو، ونافِعٌ أيْضًا، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رِضى اللهُ عنهُ، وابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، ومُجاهِدٌ: "أوُشْهِدُوا" بِتَسْهِيلِ الثانِيَةِ بِلا مَدٍّ، وقَرَأ جَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ بِالتَسْهِيلِ في الثانِيَةِ ومُدَّةً بَيْنِهِما، وقَرَأ آخَرُونَ: "أُشْهِدُوا" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ، وهي قِراءَةُ الزَهْرِيِّ، وهي صِفَةُ الإناثِ، أيْ: أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ؟، ومَعْنى الآيَةِ: التَوْبِيخُ وإظْهارُ فَسادِ عُقُولِهِمْ، وادِّعائِهِمْ وأنَّها مُجَرَّدَةٌ مِنَ الحُجَّةِ، وهَذا نَظِيرُ الآيَةِ الرادَّةِ عَلى المُنَجِّمِينَ وأهْلِ الطَبائِعِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَماواتِ والأرْضِ  ﴾ .

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ" ﴾ بِرَفْعِ "شَهادَةٍ" وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "سَنَكْتُبُ شَهادَتَهُمْ" بِنُونِ الجَمْعِ، و"شَهادَتَهُمْ" بِالنَصْبِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَيَكْتُبُ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: سَيَكْتُبُ اللهُ شَهادَتَهم بِالنَصْبِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "سَتُكْتَبُ شَهاداتُهُمْ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ وجَمْعِ الشَهاداتِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَيُسْألُونَ": ﴾ وعِيدٌ مُفْصِحٌ، و"أشَهِدُوا" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: أحَضَرُوا؟

ولَيْسَ ذَلِكَ مِن شَهادَةٍ تَحْمِلُ المَعانِي الَّتِي تُطْلَبُ أنْ تُؤَدّى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عَطف على ﴿ وجعلوا له من عباده جزءاً ﴾ [الزخرف: 15]، أعيد ذلك مع تقدم ما يغني عنه من قوله: ﴿ أم اتخذَ مما يخلق بناتٍ ﴾ [الزخرف: 16] ليبْنَى عليه الإنكار عليهم بقوله: ﴿ أَأُشهدوا خلقهم ﴾ استقراء لإبطال مقالهم إذ أُبطل ابتداءً بمخالفته لدليل العقل وبمخالفته لما يجب لله من الكمال، فكمُل هنا إبطاله بأنه غير مستند لدليل الحس.

وجملة ﴿ الذين هم عند الرحمن ﴾ صفة الملائكة.

قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب ﴿ عند ﴾ بعين فنون ودال مفتوحة والعندية عندية تشريف، أي الذين هم معدودون في حضرة القدس المقدسة بتقديس الله فهم يتلقون الأمر من الله بدون وساطة وهم دائبون على عبادته، فكأنهم في حضرة الله، وهذا كقوله: ﴿ وله ما في السماوات والأرض ومَن عنده ﴾ [الأنبياء: 19] وقوله: ﴿ إن الذين عند ربّك لا يستكبرون عن عبادته ﴾ [الأعراف: 206] ومِنْه قول النبي صلى الله عليه وسلم «تحاجَّ آدمُ وموسى عندَ الله عز وجل» الحديث، فالعندية مجاز والقرينة هي شأن من أضيف إليه ﴿ عِنْد ﴾ .

وقرأ الباقون ﴿ عِبَادُ الرحمن ﴾ بعين وموحدة بعدها ألف ثم دال مضمومة على معنى: الذين هم عباد مُكرمون، فالإضافة إلى اسم الرحمان تفيد تشريفهم قال تعالى: ﴿ بل عبادٌ مكرمون ﴾ [الأنبياء: 26] والعبودية عبودية خاصة وهي عبودية القرب كقوله تعالى: ﴿ فكذّبوا عَبْدنَا ﴾ [القمر: 9].

وجملة ﴿ أَأُشهدوا خلقهم ﴾ معترضة بين جملة ﴿ وجعلوا الملائكة ﴾ وجملةِ ﴿ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ [الزخرف: 20].

وقرأ نافع وأبو جعفر بهمزتين أولاهما مفتوحة والأخرى مضمومة وسكون شين ﴿ أَأُشْهدوا ﴾ مبنياً للنائب وكيفية أداء الهمزتين يَجري على حكم الهمزتين في قراءة نافع، وعلى هذه القراءة فالهمزة للاستفهام وهو للإنكار والتوبيخ.

وجيء بصيغة النائب عن الفاعل دون صيغة الفاعل لأن الفاعِل معلوم أنه الله تعالى لأن العالَم العلوي الذي كان فيه خلق الملائكة لا يحضره إلا مَن أمر الله بحضوره، ألا ترى إلى ما ورد في حديث الإسراء من قول كُلّ ملَك موكَّللٍ بباب من أبواب السماوات لِجبريل حين يستفتح (من أنت؟

قال: جبريل، قال: ومن معك؟

قال: محمد قال: وقد أرسل إليه؟

قال: نعم، قال: مرحباً ونعم المجيء جاء وفتح له).

والمعنى: أأشهدهم الله خلق الملائكة وكقوله تعالى: ﴿ ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ﴾ [الكهف: 51].

وقرأه الباقون بهمزة مفتوحة فشين مفتوحة بصيغة الفعل، فالهمزة لاستفهام الإنكار دخلت على فعل شَهِد، أي ما حضروا خلق الملائكة على نحو قوله تعالى: ﴿ أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون ﴾ [الصافات: 150].

وجملة ﴿ ستكتب شهادتهم ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ أَأُشهدوا خلقهم ﴾ لأن ذلك الإنكار يشتمل على الوعيد.

وهذا خبر مستعمل في التوعد.

وكتابة الشهادة كناية عن تحقق العقاب على كذبهم كما تقدم آنفاً في قوله: ﴿ وإنه في أُم الكتاب لدينا لعليٌّ حكيم ﴾ [الزخرف: 4] ومنه قوله تعالى: ﴿ سنكتب ما قالوا ﴾ [آل عمران: 181].

والسِّين في ﴿ ستكتب ﴾ لتأكيد الوعيد.

والمراد بشهادتهم: ادعاؤهم أن الملائكة إناثاً، وأطلق عليها شهادة تهكماً بهم.

والسؤال سؤال تهديد وإنذار بالعقاب وليس مما يتطلب عنه جواب كقوله تعالى: ﴿ ثم لتُسألُنّ يومئذٍ عن النعيم ﴾ [التكاثر: 8]، ومنه قول كعب بن زهير: لَذاكَ أهيبُ عندي إذْ أُكلمه *** وقيل إنّك مَنْسُوبٌ ومَسْؤول أي مسؤول عما سبق منك من التكذيب الذي هو معلوم للسائِل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عِدْلًا أيْ مَثَلًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مِنَ المَلائِكَةِ ولَدًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: نَصِيبًا، قالَهُ قُطْرُبٌ.

الرّابِعُ: أنَّهُ البَناتُ، والجُزْءُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ البَناتُ.

يُقالُ قَدْ أجْزَأتِ المَرْأةُ إذا ولَدَتِ البَناتَ.

قالَ الشّاعِرُ إنْ أجْزَأْتِ مَرَّةً قَوْمًا فَلا عَجَبَ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانًا ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ ﴾ قالَ الحَسَنُ: يَعُدُّ المَصائِبَ ويَنْسى النِّعَمَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ﴾ أيْ بِما جَعَلَ لِلرَّحْمَنِ البَناتَ ولِنَفْسِهِ البَنِينَ.

﴿ ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِبُطْلانِ مَثَلِهِ الَّذِي ضَرَبَهُ.

الثّانِي: بِما بُشِّرَ بِهِ مِنَ الأُنْثى.

﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: حَزِينٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مَكْرُوبٌ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: ساكِتٌ، حَكاهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ.

وَذَلِكَ لِفَسادِ مَثَلِهِ وبُطْلانِ حُجَّتِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ ﴾ النُّشُوءُ التَّرْبِيَةُ، والحِلْيَةُ الزِّينَةُ.

وَفي المُرادِ بِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الجَوارِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: البَناتُ.

قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّالِثُ: الأصْنامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَفِي ﴿ الخِصامِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الحُجَّةِ.

الثّانِي: في الجَدَلِ.

﴿ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَنِيَ قِلَّةَ البَلاغَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: ضَعْفُ الحُجَّةِ، قالَ قَتادَةُ: ما حاجَّتِ امْرَأةٌ إلّا أوْشَكَتْ أنْ تَتَكَلَّمَ بِغَيْرِ حُجَّتِها.

الثّالِثُ: السُّكُوتُ عَنِ الجَوابِ، قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ ومَن زَعَمَ أنَّها الأصْنامُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا ﴾ فِي قَوْلِهِ ﴿ عِبادُ الرَّحْمَنِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَمّاهم عِبادَهُ عَلى وجْهِ التَّكْرِيمِ كَما قالَ ﴿ وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ عابِدٍ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ إناثًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ بَناتُ الرَّحْمَنِ.

الثّانِي: ناقِصُونَ نَقْصَ البَناتِ.

﴿ أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مُشاهَدَتُهم وقْتَ خَلْقِهِمْ.

الثّانِي: مُشاهَدَتُهم بَعْدَ خَلْقِهِمْ حَتّى عَلِمُوا أنَّهم إناثٌ.

﴿ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ ﴾ أيْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم إنْ شَهِدُوا ويُسْألُونَ عَنْها إذا بُعِثُوا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ قال: قد قال ذلك أناس من الناس ولا نعلمهم إلا اليهود: أن الله عز وجل صاهر الجن فخرجت من بنيه الملائكة!؟

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه، قال: كنت أقرأ هذا الحرف ﴿ الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ فسألت ابن عباس فقال: ﴿ عباد الرحمن ﴾ قلت: فإنها في مصحفي ﴿ عند الرحمن ﴾ قال: فامحها واكتبها ﴿ عباد الرحمن ﴾ بالألف والباء.

وقال: أتاني رجل اليوم وددت أنه لم يأتني، فقال: كيف تقرأ هذا الحرف ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ قال: إن أناساً يقرأون ﴿ الذين هم عند الرحمن ﴾ فسكت عنه، فقلت: اذهب إلى أهلك!.

وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأها ﴿ الذين هم عند الرحمن ﴾ بالنون.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن مروان ﴿ وجعلوا الملائكة عند الرحمن إناثاً ﴾ ليس فيه ﴿ الذين هم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ عباد الرحمن ﴾ بالألف والباء ﴿ أشهدوا خلقهم ﴾ بنصبهم الألف والشين ﴿ ستكتب ﴾ بالتاء ورفع التاء.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن مجاهد في قوله: ﴿ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ قال: يعنون الأوثان لأنهم عبدوا الأوثان يقول الله: ﴿ ما لهم بذلك من علم ﴾ يعني الأوثان أنهم لا يعلمون ﴿ إن هم إلا يخرصون ﴾ قال: يعلمون قدرة الله على ذلك.

وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة ﴿ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ قال: عبدوا الملائكة.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ أم آتيناهم كتاباً من قبله ﴾ قال: قبل هذا الكتاب.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة ﴾ قال: على دين.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة ﴾ قال: على ملة غير الملة التي تدعونا إليها.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت نابغة بني ذبيان وهو يعتذر إلى النعمان بن المنذر؟

ويقول: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ** وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة ﴿ بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ﴾ قال: قد قال ذلك مشركو قريش: انا وجدنا آباءنا على دين وانا متبعوهم على ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ﴾ قال: بفعلهم.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه قال: الأمة في القرآن على وجوه ﴿ وادَّكر بعد أمة ﴾ [ يوسف: 45] قال: بعد حين.

﴿ ووجد عليه أمة من الناس يسقون ﴾ [ يوسف: 23] قال: جماعة من الناس ﴿ وإنا وجدنا آباءنا على أمة ﴾ قال: على دين.

ورفع الألف في كلها.

وقرأ ﴿ قل أولو جئتكم ﴾ بغير ألف بالتاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ قال: شر والله كان عاقبتهم، أخذهم بخسف وغرق فأهلكهم الله ثم أدخلهم النار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ ﴾ قال أبو إسحاق: الجعل هاهنا في معنى القول والحكم على الشيء، يقول: قد جعلت زيدًا أعلم الناس، أي قد وصفته بذلك وحكمت به.

قوله: ﴿ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾ (١) ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ  ﴾ ، وفي قوله: (عند الرحمن) دلالة على رفع المنزلة، والتقريب كما قال: {وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172].

وهذا من القرب في المنزلة والرفعة في الدرجة، وليس من قرب المسافة (٢) (٣) وقال المبرد: هذه القراءة أنبأ عن صحة كذبهم مما اختاره القسم (٤) (٥) ﴿ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾ ، (فعند) على ما ذكره المبرد ينبئ عن العلم لا عن الدنية (٦) واختلفوا في قوله: ﴿ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾ فقرأه العامة من الشهود، ويدل عليه قوله: ﴿ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ  ﴾ ، وقرأ نافع: (أَأشْهِدُوا) على أفعلوا بضم الهمزة وسكون الشين وقبلها همزة الاستفهام مفتوحة، ثم خففت الهمزة الثانية من غير أن يدخل بينهما الفاء.

وروى المسيبي عنه بإدخال الألف بين الهمزتين، و (شهد) الذي يراد به حضر يتعدَّى إلى مفعول به من غير حرف جر كقوله: شَهدنا فَمَا تَلْقَى لَنَا مِنْ كَتِيْبَةٍ ...

يَدَ الدَّهرِ إلَّا جبْرئيلٌ أمَامُها (٧) وهذا محذوف المفعول التقدير فيه: شهدنا المعركة أو من اجتمع لقتالها، وهذا الضرب يتعدَّى إلى مفعول واحد، فإذا نقل بالهمز تعدَّى إلى مفعولين تقول: شهد زيد المعركة، وأشهدته إياها، ومن ذلك قوله: ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ (٨) ﴿ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾ من الشهادة التي هي الحضور، كأنهم وبِّخوا على أن قالوا ما لم يحضروا له، مما حُكْمُه أن يُعْلم بالمشاهدة، ومن قرأ: (أَأشْهِدوا) فالمعنى: أو أحضروا ذلك (٩) ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ  ﴾ ، وقال المبرد: القراءتان تؤولان إلى معنى؛ لأنه لا يشهد هذا الموضع أحد إلا أن يشهده الله (١٠) (١١) قال ابن عباس: يريد أحضروا أو عاينوا خلقهم.

قال الكلبي ومقاتل: لما جعلوا الملائكة بنات الله سألهم النبي -  - فقال: "ما يدريكم أنهم إناث؟

" قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا أنهم إناث، فقال الله: ﴿ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ ﴾ أي: ستحفظ شهادتهم ويسألون عنها في الآخرة (١٢) (١) لعل في الكلام سقطًا هاهنا، فكأن المؤلف يشير إلى القراءة الأخرى، وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر: ﴿ عِندَ الرَّحْمَنِ ﴾ بالنون، وقرأ الباقون: ﴿ عِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾ بالباء، ومما يقوى ذلك أنه غالباً ما ينقل عن "الحجة" لأبي علي الفارسي وهي هكذا في "الحجة" بنفس الشواهد انظر: "الحجة" 6/ 140.

وقال في "الوسيط" 4/ 67 بعد هذا المقطع: وقرئ ﴿ عِندَ الرَّحْمَنِ ﴾ وكل صواب.

(٢) انظر: "الحجة" 6/ 140، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 256.

(٣) انظر: "اختيار" أبي عبيد في "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 102، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 72.

(٤) كذا رسمها، ولعله سقط لفظ (الأول).

(٥) كذا رسمها، ولعل الصواب (يرونهم).

(٦) قال الطبري: والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وذلك أن الملائكة عباد الله وعنده.

"تفسير الطبري" 13/ 58، ولم أقف على قول المبرد.

(٧) البيت لحسان بن ثابت في ملحقات "ديوانه" 1/ 522، وينسب البيت لكعب بن مالك.

انظر: "الخزانة" 1/ 199، "اللسان" (جبر) 4/ 114، "الحجة" 6/ 142.

(٨) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 142، وفيها: أو من اجتمع لقتالنا، بدل قتالها، وكتاب: التذكرة في القراءات 2/ 666، "الكشف" لمكي 2/ 257.

(٩) كذا رسمها في الأصل وفي "الحجة" (أأشهدوا)، فالمعنى: أأحضروا ذلك، انظر: 6/ 146.

(١٠) لم أقف على قول المبرد، وقد ذكر نحو ذلك النحاس في "إعراب القرآن" 4/ 104.

(١١) كذا رسمها في الأصل، وفي "إعراب القرآن" للنحاس (لأنهم إذا شهدوا فقد أشهدوا).

(١٢) انظر: "تنوير المقباس" ص 490، "تفسير مقاتل" 3/ 791، "تفسير البغوي" 7/ 209، "تفسير الوسيط" 4/ 68.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً ﴾ الضمير في جعلوا لكفار العرب، فحكى عنهم ثلاثة أقوال شنيعة أحدها أنهم نسبوا إلى الله الولد، والآخر أنهم نسبوا إليه البنات دون البنين، والثالث أنهم جعلوا الملائكة المكرمين إناثاً، وقرئ ﴿ عِبَادُ الرحمن ﴾ بالنون، والمراد به قرب الملائكة وتشريفهم كقوله والذين عند ربك، وقرئ عباد بالباء جمع عبد والمراد به أيضاً الاختصاص والتشريف ﴿ أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ ﴾ هذا ردّ على العرب في قولهم: إن الملائكة إناث، والمعنى لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف يقولون ما ليس لهم به علم؟

﴿ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾ أي تكتب شهادتهم التي شهدوا بها على الملائكة، ويسألون عنها يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ في إم الكتاب ﴾ بكسر الهمزة: حمزة وعلي ﴿ إن كنتم ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع وعلي وحمزة وخلف.

الآخرون: بالفتح أي لأن كنتم ﴿ مهداً ﴾ : عاصم وحمزة وعلي وخلف وروح.

الباقون ﴿ مهاد ﴾ ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد.

﴿ يخرجون ﴾ من الخروج: حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.

الآخرون: من الإخراج ﴿ ينشأ ﴾ من باب التفعيل: حمزة وعلي وخلف وحفص.

الباقون: بالتخفيف والياء مفتوحة والنون ساكنة ﴿ عباد الرحمن ﴾ جمع عبد أو عابد: أبو عمرو وعاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر ﴿ عند الرحمن ﴾ بالنون كقوله ﴿ فالذين عند ربك  ﴾ الآخرون: ﴿ عبيد الرحمن ﴾ ﴿ أو شهدوا ﴾ بقلب همزة الإشهاد واواً مضمومة: ورش وإسماعيل.

وقرأ يزيد وقالون مثله ولكن بالمد.

وقرأ المفضل بتحقيق الهمزتين.

الباقون: بهمزة واحدة للاستفهام والشين مفتوحة ﴿ قال أولو ﴾ بالألف: ابن عامر وحفص والمفضل ﴿ جئناكم ﴾ يزيد.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ المبين ﴾ ه لا ومن لم يقف على ﴿ حم ﴾ وقف على ﴿ المبين ﴾ لأن القسم متعلق بما قبله وهو هذه ﴿ حم ﴾ ﴿ تعقلون ﴾ ه ج ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ مسرفين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده وصف ولو كان نصباً أو رفعاً على المدح فالوقف ﴿ تهتدون ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ج للالتفات مع الفاء ﴿ ميتاً ﴾ ج لانقطاع النظم مع تعلق التشبيه ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تركبون ﴾ ه لا ﴿ مقرنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ لمنقلبون ﴾ ه ﴿ جزءاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ بالبنين ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ط ﴿ خلقهم ﴾ ط ﴿ ويسئلون ﴾ ه ﴿ ما عبدناهم ﴾ ط ﴿ يحرصون ﴾ ه ط ﴿ مستمسكون ﴾ ه ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ مقتدون ﴾ ه ﴿ آباءكم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه.

التفسير: أقسم بجنس الكتاب أو بالقرآن الظاهر الإعجاز أو المفصح عن كل حكم يحتاج المكلف إليه أنه جعل القرآن بلغة العرب ليعقلوه.

وفي نسبة الجعل إلى نفسه إشارة إلى أنه ليس بمفترى كما زعمه الكفرة.

وقيل: أراد ورب الكتاب وقيل: الكتاب اللوح المحفوظ.

وقال ابن بحر: هو الخط أقسم به تعظيماً لنعمته فيه، وقال ابن عيسى: البيان ما يظهر به المعنى للنفس عند الإدراك بالبصر والسمع وذلك على خمسة أوجه: لفظ وخط وإشارة وعقد وهيئة، كالأعراض وتكليح الوجه.

وأم الكتاب بكسر الهمزة وبضمها اللوح المحفوظ لأنه أصل كل كتاب والتقدير: وإنه لعلي حكيم في أم الكتاب لدينا.

والعلو علو الشأن في البلاغة والإرشاد وغير ذلك والحكيم المشتمل على الحكمة.

ثم أنكر على مشركي قريش بقوله ﴿ أفنضرب ﴾ قال جار الله: أراد أنهملكم فنضرب ﴿ عنكم الذكر ﴾ يقال: ضرب عنه الذكر إذا أمسك عنه وأعرض عن ذكره من ضرب في الأرض.

إذا أبعد و ﴿ صفحاً ﴾ مصدر من غير لفظ الفعل والأصل فيه أن تولي الشيء صفحة عنقك، وجوز جار الله أن يكون بمعنى جانباً من قولهم: " نظر إليه بصفح وجهه " فينتصب على الظرف ويكون الذكر بمعنى الوعظ والقرآن والفحوى أفننحيه عنكم.

وقيل: ضرب الذكر رفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن من بين أظهركم إشراككم مع علمنا بأنه سيأتي من يقبله ويعمل به.

قال السدي: أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم وهو قريب من الأول.

وقيل: الذكر هو أن يذكروا بالعقاب ولا يخلوا من مناسبة لقوله ﴿ فأهلكنا أشد منهم بطشاً ﴾ ومن قرأ ﴿ إن كنتم ﴾ بالكسر فكقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي.

يخيل في كلامه أن تفريطه في الخروج عن عهدة الأجر فعل من يشذ في الاستحقاق مع تحققه في الخارج.

ثم سلى نبيه بقوله ﴿ وكم أرسلنا ﴾ الآيتين.

قوله ﴿ أشد منهم ﴾ قيل: "من" زائدة والمراد أشدهم ﴿ بطشاً ﴾ كعاد وثمود وقيل: الضمير لقوم رسول الله  وأصله أشد منكم إلا أنه ورد على طريقة الالتفات كقوله ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم  ﴾ قوله ﴿ ومضى مثل الأولين ﴾ أي سلف ذكرهم وقصتهم العجيبة في القرآن غير مرة ويحتمل أن يكون معناه كقوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين  ﴾ ثم بين بقوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ أن كفرهم كفر عناد ولجاج لأنهم يعرفون الله ثم ينكرون رسوله وكتابه وقدرته على البعث.

وهذه الأوصاف من كلام الله لا من قول الكفار بدليل قوله ﴿ لكم ﴾ ولم يقل " لنا " ولقوله ﴿ فأنشرنا ﴾ والمراد لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه وقد مر في "طه" مثله.

وقوله ﴿ تهتدون ﴾ أي في الأسفار أو إلى الإيمان بالنظر والاعتبار.

وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي بمقدار الحاجة لا مخرباً مغرقاً كما في الطوفان.

وقوله ﴿ ميتاً ﴾ تذكيره بتأويل المكان.

والأزواج الأصناف وقد مر في قوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج  ﴾ والعائد إلى ما في قوله ﴿ ما تركبون ﴾ محذوف فلك أن تقدره مؤنثاً أو مذكراً باعتبارين.

قال في الكشاف: يقال: ركبت الأنعام وركبت في الفلك إلا أنه غلب المتعدي بغير واسطة على المتعدي بواسطة.

قلت: يجوز أن يكون كقوله "ويوم شهدناه" والضمير في ظهوره عائد إلى ما.

والاستواء في الآية بمعنى التمكن والاستقرار وذكر النعمة بالقلب ويحتمل كونه باللسان وهو تقديم الحمد لله.

يروى أن النبي  كان إذا وضع رجله في الركاب قال: الحمد لله على كل حال ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا ﴾ إلى قوله ﴿ لمنقلبون ﴾ وكبر ثلاثاً وهلل ثلاثاً.

وإذا ركب في السفينة قال ﴿ بسم الله مجريها ومرساها إِن ربي لغفور رحيم  ﴾ ومعنى ﴿ مقرنين ﴾ مطيقين أو ضابطين مع صعوبة خلقه وخلقه.

وقيل: لا يطيق أن يقرن بعضها ببعض حتى يسيرها إلى حيث يريد ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ أي في آخر عمرنا كأنه يتذكر ركوب الجنازة أو عثور الدابة أو انكسار السفينة فليستعد للقاء الله عز وجل بخلاف من يركب الخيول والزوارق لأجل التنزه والاشتغال بالملاهي والمناهي فيكون غافلاً عن المبدأ والمعاد.

عن بعضهم أنه أدخل في البحر ههنا خلاف ما في "الشعراء" لأن ركوب الدابة أو السفينة أو الجنازة عام لكل أحد.

وما في "الشعراء" خاص بالسحرة.

ثم عاد إلى ما انجر الكلام منه وهو قوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والمقصود التنبيه على سخافة عقولهم وقلة محصولهم فإنهم مع الإقرار بأن خالق السموات والأرض هو الله جعلوا له من عباده جزءاً أي أثبتوا له ولداً، وذلك أن ولد الرجل جزء منه.

قال  : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" " وفي قوله ﴿ من عباده ﴾ إشارة إلى أن ما عداه ممكن الوجود فإن الولد متأخر في الوجود عن الأب والمتأخر عن الواجب ممكن، والممكن مفتقر إلى الواجب في الوجود والبقاء والذات والصفات.

وقيل: هو إنكار على مثبتي الشركاء لأنهم جعلوا بعض العبادة لغير الله، وفيه نوع تكلف.

والكفور البليغ الكفران لأنه يجحد ربه وخالقه ولا يجتهد في تنزيهه وتقديسه.

وحين وبخهم على إثبات الولد زاد في توبيخهم وتجهيلهم والتعجيب من حالهم حيث جعلوا ذلك الولد بنتاً مع أنها مكروهة عندهم فقال ﴿ أم اتخذ مما يخلق ﴾ وفائدة تنكير ﴿ بنات ﴾ وتعريف البنين كما مر في آخر السورة المتقدمة في تنكير ﴿ إناثاً ﴾ وتعريف ﴿ الذكور ﴾ } [الشورى: 49] وقوله ﴿ بما ضرب للرحمن مثلاً ﴾ أي بالجنس الذي جعله شبهاً لله لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، والمراد أنه إذا بشر بالأنثى كما سبق في "النحل" اغتم ويسود وجهه وملىء غيظاً وكرباً.

ثم زاد في الإنكار بتعديد طرف من نقصان الإناث قائلاً ﴿ أو من ينشأ ﴾ والتقدير أهو كضده.

قال جار الله: تقديره أو يجعل للرحمن من الولد من له هذه الصفة الدنيئة الذميمة وهي أنه يربى أو يتربى في الزينة والنعومة، وهو إذا احتاج إلى المخاصمة لا يبين ولا يعرب عما في ضميره لعجزه عن البيان ولقلة عقله.

قالت العقلاء: قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تعرب عن حجتها إلا نطقت بما هو حجة عليها.

وفيه أن النشء في الزينة والإمعان في التنعم من خصائص ربات الحجال لا من خواص الرجال.

وإنما ينبغي أن يكون تلبسهم بلباس التقوى وتزينهم باستعداد الزاد للدار الأخرى.

ثم خصص أن البنات التي نسبن إليه  من أي جنس من بعدما عمم في قوله ﴿ مما يخلق ﴾ فقال ﴿ وجعلوا ﴾ أي سموا ﴿ الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ وفي إثبات العبودية لهم نفي الجزئية عنهم كما مر آنفاً.

وقوله ﴿ أشهدوا خلقهم ﴾ كقوله ﴿ ما أشهدتم خلق السموات والأرض  ﴾ وفيه تهكم بهم لأنه لم يدل على ذلك عقل ولا نقل صحيح فلم يبق إلا الإخبار عن المشاهدة يعني مشاهدتهم خلق الله إياهم أو مشاهدة صور الملائكة.

ثم أوعدهم بقوله ﴿ ستكتب شهادتهم ﴾ على أنوثية الملائكة ﴿ ويسئلون ﴾ ثم حكى نوعا آخر من كفرهم وشبهاتهم وهو أنهم ﴿ قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ أي الملائكة والأصنام نظير ما مر في آخر الأنعام { ﴿ سيقول الذين أشركوا  ﴾ واستدلال المعتزلة به ظاهر لأنه ذمهم بقوله ﴿ ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ﴾ أجاب الزجاج عنه بأن قوله ﴿ ما لهم بذلك من علم ﴾ عائد إلى قولهم الملائكة بنات الله، والمراد لو شاء الرحمن ما أمرنا بعبادتهم كقولهم { ﴿ والله أمرنا بهم  ﴾ فلهذا أنكر الله عليهم قاله الواحدي في بسيطه.

وقيل: قالوها استهزاء، وزيفه جار الله بأنه لا يتمشى في أقوالهم المتقدمة وإلا كانوا صادقين مؤمنين.

وجعل هذا الأخير وحده مقولاً على وجه الهزء دون ما قبله تعويج لكتاب الله.

وتمام البحث بين الفريقين مذكور في " الأنعام " وإنما قال في الجاثية ﴿ إن هم إلا يظنون ﴾ لأن هذا كذب محض وهناك خلطوا الصدق بالكذب، صدقوا في قولهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ وكذبوا في قولهم ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر  ﴾ وكانوا شاكين في أمر البعث، ثم زاد في الإنكار عليهم بقوله ﴿ أم آتيناهم كتاباً من قبله ﴾ أي من قبل القرآن أو الرسول ﴿ فهم به مستمسكون ﴾ ثم أضرب عن ذلك وأخبر أنه لا مستند لهم في عقائدهم وأقوالهم الفاسدة الا التقليد.

والأمة الدين والطريقة التي تؤم أي تقصد.

ثم سلى نبيه  بأن هذا دأب أسلافهم وداء قديم في جهال بني آدم.

وإنما قال أولاً ﴿ مهتدون ﴾ وبعده ﴿ مقتدون ﴾ لأن العرب كانوا يخاصمون رسول الله  ويزعمون الاهتداء، ولعل الأمم قبلهم لم يزعموا إلا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء.

ثم أخبر أن النذير ﴿ قال ﴾ أو أمر النذير أو محمداً أن يقول ﴿ أو لو جئتكم ﴾ أي أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم فاصروا على التكذيب ولم يقبلوا فانتقم الله منهم.

ثم بين بقصة إبراهيم  أن القول بالتقليد يوجب المنع من التقليد، وذلك أن إبراهيم  كان أشرف آباء العرب وأنه ترك دين الآباء لأجل الدليل، فلو كانوا مقلدين لآبائهم وجب أن يتبعوه في الاعتماد على الدليل لا على مجرد التقليد.

والبراء بالفتح مصدر أي ذو براء.

وقوله ﴿ إلا الذي فطرني ﴾ قيل: متصل، وكان فيهم من يعبد الله مع الأصنام.

وقيل: منقطع بمعنى لكن، ويحتمل أن يكون مجروراً بدلاً من ما أي إلا من الذي وجوز في الكشاف أن تكون "إلا" صفة بمعنى غير و "ما" موصوفة تقديره إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني ﴿ فإنه سيهدين ﴾ أي يثبتني على الهداية أو يرشدني إلى طريق الجنة، ولا ريب أن قوله ﴿ إنني براء مما تعبدون ﴾ بمنزلة لا إله وقوله ﴿ إلا الذي فطرني ﴾ بمثابة " إلا الله " وهي كلمة التوحيد فلذلك أنّث الضمير في قوله ﴿ وجعلها ﴾ أي وجعل إبراهيم أو الله ﴿ كلمة ﴾ التوحيد ﴿ باقية في عقبه ﴾ فلا يزال في ذريته من يوحد الله عز وجل ويدعو إلى توحيده نظيره ﴿ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب  ﴾ ﴿ لعلهم ﴾ أي لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد أو عن الشرك بدعاء الموحدين منهم.

ثم أضرب عن رجاء الرجوع منهم إلى أن تمتيعهم بالعمر وسعة الرزق صار سبباً لعظم كفرهم وشدة عنادهم.

قال جار الله: أراد بل اشتغلوا عن التوحيد ﴿ حتى جاءهم الحق ﴾ وهو القرآن ﴿ ورسول مبين ﴾ الرسالة واضحها فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها من غفلتهم لاقتضائها التنبيه.

ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق قائلاً ﴿ ولما جاءهم الحق ﴾ جاؤا بما هو شر من غفلتهم وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق ومكابرة الرسول وإنكار القرآن والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: أي: الكفرة جعلوا لله -  - من عباده أنثى، أي: بنتاً.

وقال الزجاج: ﴿ جُزْءًا ﴾ أي: بنتاً، وقال: إن الجزء عند بعض العرب البنت؛ لأن الكفرة قد اختلف أنواع كفرهم، وهم مختلفون في كفرهم؛ يقول الثنوية بالاثنين، يقولون: إن الله -  - هو خالق الخيرات، وخالق الشرور غيره؛ على حسب ما اختلفوا في ذلك الغير ما هو؟

فهؤلاء الثنوية جعلوا لله -  - من عباده جزءاً وهو الخيرات، ولم يجعلوا له الجزء الآخر، ومشركو العرب جعلوا له فيما رزقهم جزءاً لله -  - وجزءاً لشركائهم؛ حيث قال: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا  ﴾ ، فهؤلاء جعلوا له جزءاً مما رزقهم، وهو الظاهر، وفريق آخر جعلوا له جزءاً من عباده وهو الإناث، ولم يجعلوا لله البنين، كقوله -  -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ  ﴾ فجعل الجزء له على ما ذكر أظهر مما ذكره أهل التأويل وصرفوه إليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: كفور لنعمه ﴿ مُّبِينٌ ﴾ أي: يبين كفرانه.

وقوله - عز وجل - ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ ﴾ هو على الإضمار؛ كأنه يقول: أم يقولون: اتخذ مما يخلق بنات لنفسه وأصفاكم بالبنين، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ  ﴾ .

ثم قوله -  -: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ ﴾ أي: قالوا: بل اتخذ مما يخلق بنات.

يذكر في هذه الآيات سفه أهل مكة وشدة تعنتهم؛ لأنهم قوم لا يؤمنون بالرسل، وما ذكروا من اتخاذ الولد، وما ادعوا بأن الملائكة بنات الله، وما أقروا حين سئلوا: من خلق السماوات والأرض؟

أن الله هو خالق ذلك كله مما لا سبيل إلى معرفة ما قالوا وادعوا إلا بالرسل، وهم ينكرون الرسل، فكيف ادعوا ما ادعوا وهم ينكرون خبرهم؛ لأن من ادعى ولداً لغائب لا يعلمه إلا بخبر صادق، وكذلك معرفة الملائكة إنما هو بخبر يأتيهم، ثم هم ينكرون الأخبار والرسل؛ فتتناقض دعواهم وتضمحل، على ما ذكرنا.

ثم أخبر عنهم ما يظهرون من الحزن عندما يولد لهم من الإناث، وما يلحقهم من الكراهة في ذلك بقوله -  -: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً ﴾ أي: شبهاً بالخلق، وأنه يخرج على وجهين: أحدهما: بما جعلوا له ولداً، والولد هو شبيه الوالد؛ فكان في إثبات الولد إثبات المثل والشبيه.

والثاني: في إثبات الولد له إثبات المشابهة بينه وبين جميع الخلق؛ لأن الخلق لا يخلو إما أن يكون مولوداً من آخر أو يولد آخر منه، وإما أن يكون له شريك فيما يملكه، أو يكون هو شريك غيره، فيكون البعض شبيهاً بالبعض، فمن أثبت لله شريكاً وولداً فقد جعله شبيهاً بالخلق؛ ولهذا تبرأ الله -  - من الولد والشريك تبرؤاً واحداً بقوله -  -: ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ  ﴾ نفى الولد والشريك عن نفسه نفياً واحداً وبراءة واحدة، والله الموفق.

وقوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ ﴾ يحتمل أن يكون تفسيراً لقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، وعلى ذلك قول أهل التأويل: إنهم جعلوا هذه تفسيراً للأولى.

وجائز أن يكون لا على التفسير للأولى، ولكن على الابتداء في قوم آخرين سواهم، على ما ذكرنا نحن من التأويل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: هي الأصنام التي عبدوها، حلّوها وزينوها بأنواع الزينة والحليّ، يقول - والله أعلم -: ولو حلي بالحليّ وزين بالزينة وهو لا يملك نفعاً، ولا ضرّاً، ولا تكلما، ولا خصومة، ولا شيئاً من ذلك، ولا يلتفت إليه، ولا يكترث له، لولا تلك الحلي والزينة التي بها في جعل العبادة له كمن منه خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما فيها من المنافع، أي: ليس هذا بسواء لذلك، يذكر سفههم في اختيارهم الأصنام التي هذا وصفها في العبادة على عبادة الله  الذي منه كل شيء؛ يصبر رسوله  على أذاهم وتكذيبهم إياه وسوء معاملتهم معه، والله أعلم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ هي الإناث؛ يقول - والله أعلم -: إن الأنثى ضعيفة، قليلة الحيلة، وهي عند الخصومة والمحاورة غير مبينة؛ يصف عجزهن وضعفهن ونقصانهنّ، يقول - والله أعلم -: كيف نسبوا إلى الله - عز وجل - ما هو أضعف وأعجز وأنقص فيما ذكر، وقد اتقوا هم منها، واختاروا لأنفسهم ما هو أكمل وأقوى وهم الذكور، وهو صلة قوله - عز وجل -: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، وكل حرف مما تقدم ذكره من قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ﴾ ونحو ذلك.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ ﴾ يحتمل أن يرجع إلى معنى آخر غير المعنى فيما ذكر من الآيات، وكل حرف من هذه الحروف يرجع إلى فريق غير الفريق الآخر؛ لأنهم كانوا في المذاهب مختلفين متفرقين.

وجائز أن يرجع الكل إلى معنى واحد، والله أعلم.

وفي هذه الآيات ما ذكرنا من الوجوه من تصبير رسول الله  على أذى القوم، ومن بيان سفه أولئك، ومن التحذير لما تأخر منهم، والله أعلم.

وقال القتبي: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ ﴾ أي: يرى في الحلي، وهي البنات، يريد جعلهم بنات لله -  - وهم إذا كان لأحدهم بنت ﴿ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ؛ أي: حزين، والخصام جمع: خصيم ﴿ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ أي: غير مبين الحجة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ ﴾ أي: ينشأ؛ كما يقال: ينشأ الصبي ينشأ، أي: يشب ويرتفع، والخصام: المخاصمة.

وقال أبو معاذ: ﴿ يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ ﴾ - والله أعلم -: البنت، ويقرأ ﴿ يُنَشَّأُ ﴾ بالتشديد، و ﴿ يُنْشَأُ ﴾ بالتخفيف، وهما لغتان، وقرأ بعضهم: ﴿ يَنْشَأُ في الحلية ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾ .

فإن قيل: كيف سفههم في جعلهم عباد الرحمن إناثاً، وقد جعل الله من عباده إناثاً، لماذا عاتبهم على ذلك؟

قيل: عن هذا وجهان: أحدهما: إنما سفههم وعاتبهم؛ لشهادتهم على الله -  وتعالى - أنه جعل الملائكة إناثاً، وهم لم يشاهدوها، ولا يؤمنون بالرسل - عليهم السلام - حتى يقع لهم العلم والخبر بذلك بقول الرسل، والله أعلم.

والثاني: أن الله -  - وصف ملائكته بأنهم لا يفترون عن عبادته، وأنهم لا يستحسرون، وأنهم مطيعون لله -  - على الدوام بحيث لا يرد منهم عصيان طرفة عين؛ على ما نطق بذلك الكتاب، فهم إذا قالوا: إنهم إناث، وصفوهم بالضعف والعجز، فلا يتهيأ لهنّ القيام بما ذكر، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ  ﴾ - ليس على حقيقة الجعل، ولكن على الوصف له والقول؛ أي: قالوا: إن الملائكة بنات الله، ووصفوا لهم بما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ تعلق المعتزلة بظاهر هذه الآية في أن الله -  - لم يشأ الكفر من الكافر، وإنما شاء الإيمان، فإن الكفار ادعوا أن الله -  - شاء منهم الكفر، وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام؛ حيث قالوا: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ أي: لو شاء منا ترك عبادة الأصنام لتركناها، ولكن شاء منا عبادة الأصنام، والله -  - رد عليهم قولهم واعتقادهم فقال: ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ ، أي: ما هم إلا يكذبون.

وعندنا الآية تخرج على وجوه: أحدها: أنهم في قولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ صدقة؛ فإن معناه: لو شاء منهم تركهم عبادة الأصنام ما عبدوها، ولكن شاء أن يعبدوها فعبدوها؛ فيكون هذا منهم إخباراً عن المخبر به على ما هو؛ فيكون صدقاً.

ثم قوله -  : ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ يحتمل: إنما سماهم كذلك لما قالت المعتزلة: إنهم ادعوا وأخبروا أن الكفر بمشيئة الله -  - وأنه شاء منهم الكفر دون الإيمان، فالله -  - شاء منهم الإيمان دون الكفر، فقد أخبروا على خلاف المخبر به؛ فيكونون كاذبين.

ويحتمل أنهم قالوا ذلك وفي قلوبهم بخلاف ما أخبروا، وهو أن الكفر ليس مما شاء الله -  - وإنما شاء الإيمان كما تقوله المعتزلة، ولكن يقولون ذلك ردّاً على المسلمين الذين يدعونهم إلى الإيمان والرجوع عن الكفر: إنه إذا كان شاء منا الكفر دون الإيمان كيف نؤمن ونترك الكفر؟

والإخبار عما هو به وإن كان صدقاً، ولكن إذا كان في قلب المخبر واعتقاده خلاف ذلك فيكون ذلك الإخبار في نفسه صدقاً، لكن من حيث إنه إخبار عما في الضمير يكون كذباً، وهذا كقول الله -  -: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ  ﴾ وهم في قولهم: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ  ﴾ صدقه، لكن في إخبارهم عما في ضميرهم كذبة؛ لما لا يوافق ظاهر كلامهم حقيقة ما في قلوبهم، فيرجع تكذيب الله -  - إياهم لكذب قلوبهم، وإن كانوا في نفس قولهم: ﴿ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ  ﴾ صدقة، وإذا احتمل الوجهين فلا تكون الآية حجة لهم مع الاحتمال، وعلى الوجهين جميعاً يكونون كاذبين؛ لذلك قال: ﴿ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ ، والله أعلم.

والثاني: أنهم وإن كانوا صادقين في ذلك فهم ربما قالوا ذلك على الاستهزاء والسخرية، لا على الجد؛ فيكون قصدهم تلبيس الصدق على الناس ورده، كقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً  ﴾ ، وهذا القول من هذا الإنسان حق وصدق، لكن إنما قال ذلك استهزاء منه وإنكاراً للبعث؛ ألا ترى أن الله -  - وعظه على ذلك وذكره، حيث قال: ﴿ أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً  ﴾ فعلى ذلك قول أولئك وإن كان في الظاهر صدقاً فهم إنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية على سبيل الإنكار وتلبيس الحق؛ فيكون إخبارهم من هذا الوجه ولهذا الغرض خرصاً وكذباً، والله أعلم.

والثالث: غرضهم بذلك الاحتجاج على المسلمين في توعيدهم بالعذاب بسبب العناد والكفران كيف نعذب وإنما باشرنا الكفر بمشيئته، ولو شاء أن نترك العبادة للأصنام تركنا فإذا كان شاء منا الكفر حتى كفرنا لماذا عاقبنا؟

فأبطل احتجاجهم بقوله -  -: ﴿ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ أي: هم جاهلون في الاحتجاج بهذا، كاذبون في أنهم باشروا الكفر بسبب مشيئة الله -  - إياهم الكفر، ولكن لسوء اختيارهم، وأسباب حاملة لهم على ذلك، وأصله: أن لا أحد من العصاة والفسقة والكفرة يفعل وعنده أن الله -  - شاء ذلك منهم، فإذا كان وقت فعله لا يفعل ما يفعل؛ لأن الله  شاء ذلك منه لم يكن له هذا الاحتجاج والقول الذي قالوا: والله الموفق.

والرابع: يحتمل أنهم يقولون: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ ، وقولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا  ﴾ أي: لو أمرنا الله -  - بترك عبادتنا أولئك الأصنام ما عبدناهم، لكن أمرنا أن نعبدهم، كانوا يدعون أنما يعبدون لأمر من الله -  - كقوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ .

أو أرادوا بالمشيئة: الرضا؛ يقولون: لولا أن الله -  - قد رضي بذلك عنّا وعن آبائنا، وإلا ما تركنا وهم على ذلك؛ فاستدلوا بتركهم على ما اختاروا على أن الله -  - قد رضي بذلك عنهم، فردّ الله -  وتعالى - بقوله: ﴿ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ وبقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ...

﴾ الآية [الأعراف: 28]، وقد ذكرناه على الاستقصاء في قوله -  -: ﴿ سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا...

﴾ الآية [الأنعام: 148]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴾ أي: لم نؤتهم كتاباً ليكون لهم العلم بذلك؛ يسفههم في قولهم؛ لأنهم قوم لا يؤمنون ولا يصدقون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ﴾ إنهم قوم ينكرون [الرسل] ويكذبونهم بعلة أنهم بشر، ثم اقتدوا بآبائهم واتبعوهم وهم بشر أيضاً، فهذا تناقض في القول؛ يذكر سفههم وتناقضهم في القول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ يصبّر رسوله على ما قال هؤلاء: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ : أنّه ليس ببديع من هؤلاء؛ بل قال أوائلهم لرسلهم على ما قال قومك؛ يصبره  ويعزيه، ويذكر سفههم في اتباعهم إياهم واقتدائهم بهم وهم بشر، فيقول: فإذا كنتم لا محالة تتبعون البشر فاتبعوا أمر [من] هم أهدى من آبائكم، وهم الرسل، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ ﴾ فقالوا عند ذلك: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ عناداً وتعنتاً منهم.

وقال بعضهم: أي: قل يا محمد: ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ ﴾ أي: إن جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم من الدين، أفتتبعونني فيما جئتكم؟

فردوا عليه وقالوا: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ هذا وعيد.

ثم قال بعضهم: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ يقول: هو رجوع إلى ذكر الأمم الخالية، فقال: فانتقمنا منهم بالعذاب الذي نزل.

ويحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ وذلك جائز.

وقوله: ﴿ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ يحتمل: مكذبي الرسل.

ويحتمل: مكذبي العذاب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وسمَّوُا الملائكة الذين هم عباد الرحمن سبحانه: إناثًا، هل حضروا حين خلقهم الله، فتبينوا أنهم إناث؟!

ستكتب الملائكة شهادتهم هذه، ويسألون عنها يوم القيامة، ويعذبون بها لكذبهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.lpE3d"

مزيد من التفاسير لسورة الزخرف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد