الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٢٨ من سورة الزخرف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 79 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٨ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
فقال : ( وجعلها كلمة باقية في عقبه ) أي : هذه الكلمة ، وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ، وخلع ما سواه من الأوثان ، وهي " لا إله إلا الله " أي : جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله من ذرية إبراهيم ، عليه السلام ، ( لعلهم يرجعون ) أي : إليها .
وقال عكرمة ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي ، وغيرهم في قوله تعالى : ( وجعلها كلمة باقية في عقبه ) يعني : لا إله إلا الله ، لا يزال في ذريته من يقولها .
وروي نحوه عن ابن عباس .
وقال ابن زيد : كلمة الإسلام .
وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة .
وقوله: ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) يقول تعالى ذكره: وجعل قوله: ( إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي ) وهو قول: لا إله إلا الله, كلمة باقية في عقبه, وهم ذريّته, فلم يزل فى ذريّته من يقول ذلك من بعده.
واختلف أهل التأويل في معنى الكلمة التي جعلها خليل الرحمن باقية في عقبه, فقال بعضهم: بنحو الذي قلنا في ذلك.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) قال: لا إله إلا الله.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً ) قال: شهادة أن لا إله إلا الله, والتوحيد لم يزل في ذريته من يقولها من بعده.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) قال: التوحيد والإخلاص, ولا يزال في ذريّته من يوحد الله ويعبده.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) قال: لا إله إلا الله.
وقال آخرون: الكلمة التي جعلها الله في عقبه اسم الإسلام.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فى قوله: ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) فقرأ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ قال: جعل هذه باقية في عقبه, قال: الإسلام, وقرأ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ فقرأ وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وبنحو ما قلنا في معنى العقب قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( فِي عَقِبِهِ ) قال: ولده.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) قال: يعني من خلَفه.
حدثني محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( فِي عَقِبِهِ ) قال: في عقب إبراهيم آل محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, قال: ثنا ابن أبي فديك, قال: ثنا ابن أبي ذئب, عن ابن شهاب أنه كان يقول: العقب: الولد, وولد الولد.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد ( فِي عَقِبِهِ ) قال: عقبه: ذرّيته.
وقوله: ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) يقول: ليرجعوا إلى طاعة ربهم, ويثوبوا إلى عبادته, ويتوبوا من كفرهم وذنوبهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) : أي يتوبون, أو يذَّكرون.
قوله تعالى : وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون .فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : وجعلها كلمة باقية الضمير في جعلها عائد على قوله : إلا الذي فطرني وضمير الفاعل في جعلها لله - عز وجل - ، أي : وجعل الله هذه الكلمة [ ص: 72 ] والمقالة باقية في عقبه ، وهم ولده وولد ولده ، أي : إنهم توارثوا البراءة عن عبادة غير الله ، وأوصى بعضهم بعضا في ذلك .
والعقب من يأتي بعده .
وقال السدي : هم آل محمد صلى الله عليه وسلم .
وقال ابن عباس : قوله : في عقبه أي : في خلقه .
وفي الكلام تقديم وتأخير ، المعنى : فإنه سيهدين لعلهم يرجعون وجعلها كلمة باقية في عقبه .
أي : قال لهم ذلك لعلهم يتوبون عن عبادة غير الله .
قال مجاهد وقتادة : الكلمة لا إله إلا الله .
قال قتادة : لا يزال من عقبه من يعبد الله إلى يوم القيامة .
وقال الضحاك : الكلمة أن لا تعبدوا إلا الله .
عكرمة : الإسلام ، لقوله تعالى : هو سماكم المسلمين من قبل .
القرظي : وجعل وصية إبراهيم التي وصى بها بنيه وهو قوله : يا بني إن الله اصطفى ، لكم الدين - الآية المذكورة في البقرة - كلمة باقية في ذريته وبنيه .
وقال ابن زيد : الكلمة قوله : أسلمت لرب العالمين وقرأ هو سماكم المسلمين من قبل وقيل : الكلمة النبوة .
قال ابن العربي : ولم تزل النبوة باقية في ذرية إبراهيم .
والتوحيد هم أصله وغيرهم فيه تبع لهم .الثانية : قال ابن العربي : إنما كانت لإبراهيم في الأعقاب موصولة بالأحقاب بدعوتيه المجابتين ، إحداهما في قوله : إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين فقد قال نعم إلا من ظلم منهم فلا عهد .
ثانيهما قوله : واجنبني وبني أن نعبد الأصنام وقيل : بل الأولى قوله : واجعل لي لسان صدق في الآخرين فكل أمة تعظمه ، بنوه وغيرهم ممن يجتمع معه في سام أو نوح .الثالثة : قال ابن العربي : جرى ذكر العقب هاهنا موصولا في المعنى ، وذلك مما يدخل في الأحكام وترتب عليه عقود العمرى والتحبيس .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث .
وهي ترد على أحد عشر لفظا :اللفظ الأول : الولد ، وهو عند الإطلاق عبارة عمن وجد من الرجل وامرأته في الإناث [ ص: 73 ] والذكور .
وعن ولد الذكور دون الإناث لغة وشرعا ، ولذلك وقع الميراث على الولد المعين وأولاد الذكور من المعين دون ولد الإناث لأنه من قوم آخرين ، ولذلك لم يدخلوا في الحبس بهذا اللفظ ، قاله مالك في المجموعة وغيرها .قلت : هذا مذهب مالك وجميع أصحابه المتقدمين ، ومن حجتهم على ذلك الإجماع على أن ولد البنات لا ميراث لهم مع قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن ولد البنات من الأولاد والأعقاب يدخلون في الأحباس ، يقول المحبس : حبست على ولدي أو على عقبي .
وهذا اختيار أبي عمر بن عبد البر وغيره ، واحتجوا بقول الله - جل وعز - : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم .
قالوا : فلما حرم الله البنات فحرمت بذلك بنت البنت بإجماع علم أنها بنت ووجب أن تدخل في حبس أبيها إذا حبس على ولده أو عقبه .
وقد مضى هذا المعنى في ( الأنعام ) مستوفى .اللفظ الثاني : البنون ، فإن قال : هذا حبس على ابني ، فلا يتعدى الولد المعين ولا يتعدد .
ولو قال ولدي ، لتعدى وتعدد في كل من ولد .
وإن قال على بني ، دخل فيه الذكور والإناث .
قال مالك : من تصدق على بنيه وبني بنيه فإن بناته وبنات بناته يدخلن في ذلك .
روى عيسى عن ابن القاسم فيمن حبس على بناته فإن بنات بنته يدخلن في ذلك مع بنات صلبه .
والذي عليه جماعة أصحابه أن ولد البنات لا يدخلون في البنين .
فإن قيل : فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحسن ابن ابنته إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين .
قلنا : هذا مجاز ، وإنما أشار به إلى تشريفه وتقديمه ، ألا ترى أنه يجوز نفيه عنه فيقول الرجل في ولد بنته ليس بابني ، ولو كان حقيقة ما جاز نفيه عنه ; لأن الحقائق لا تنفى عن منتسباتها .
ألا ترى أنه ينتسب إلى أبيه دون أمه ، ولذلك قيل في عبد الله بن عباس : إنه هاشمي وليس بهلالي وإن كانت أمه هلالية .قلت : هذا الاستدلال غير صحيح ، بل هو ولد على الحقيقة في اللغة لوجود معنى الولادة فيه ، ولأن أهل العلم قد أجمعوا على تحريم بنت البنت من قول الله تعالى : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم .
وقال تعالى : ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله من الصالحين فجعل عيسى من ذريته وهو ابن بنته على ما تقدم بيانه هناك .
فإن قيل فقد قال الشاعر :[ ص: 74 ]بنونا بنو أبنائنا ، وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعدقيل لهم : هذا لا دليل فيه ; لأن معنى قوله : إنما هو ولد بنيه الذكران هم الذين لهم حكم بنيه في الموارثة والنسب ، وإن ولد بناته ليس لهم حكم بناته في ذلك ، إذ ينتسبون إلى غيره فأخبر بافتراقهم بالحكم مع اجتماعهم في التسمية ولم ينف عن ولد البنات اسم الولد لأنه ابن ، وقد يقول الرجل في ولده ليس هو بابني إذ لا يطيعني ولا يرى لي حقا ، ولا يريد بذلك نفي اسم الولد عنه ، وإنما يريد أن ينفي عنه حكمه .
ومن استدل بهذا البيت على أن ولد البنت لا يسمى ولدا فقد أفسد معناه وأبطل فائدته ، وتأول على قائله ما لا يصح ، إذ لا يمكن أن يسمى ولد الابن في اللسان العربي ابنا ، ولا يسمى ولد الابنة ابنا ، من أجل أن معنى الولادة التي اشتق منها اسم الولد فيه أبين وأقوى لأن ولد الابنة هو ولدها بحقيقة الولادة ، وولد الابن إنما هو ولده بماله مما كان سببا للولادة .
ولم يخرج مالك رحمه الله أولاد البنات من حبس على ولده من أجل أن اسم الولد غير واقع عليه عنده في اللسان ، وإنما أخرجهم منه قياسا على الموارثة .
وقد مضى هذا في ( الأنعام ) والحمد لله .اللفظ الثالث : الذرية ، وهي مأخوذة من ذرأ الله الخلق ، فيدخل فيه ولد البنات لقوله : ومن ذريته داود وسليمان إلى أن قال وزكريا ويحيى وعيسى .
وإنما كان من ذريته من قبل أمه .
وقد مضى في ( البقرة ) اشتقاق الذرية وفي ( الأنعام ) الكلام على ( ومن ذريته ) الآية ، فلا معنى للإعادة .اللفظ الرابع : العقب ، وهو في اللغة عبارة عن شيء بعد شيء كان من جنسه أو من غير جنسه ، يقال : أعقب الله بخير ، أي : جاء بعد الشدة بالرخاء .
وأعقب الشيب السواد .
وعقب يعقب عقوبا وعقبا إذا جاء شيئا بعد شيء ، ولهذا قيل لولد الرجل : عقبه .
والمعقاب من النساء : التي تلد ذكرا بعد أنثى ، هكذا أبدا .
وعقب الرجل : ولده وولد ولده الباقون بعده .
والعاقبة الولد ، قال يعقوب : في القرآن وجعلها كلمة باقية في عقبه وقيل : بل الورثة كلهم عقب .
والعاقبة الولد ، ولذلك فسره مجاهد هنا .
وقال ابن زيد : هاهنا هم الذرية .
وقال ابن شهاب : هم الولد وولد الولد .
وقيل : غيره على ما تقدم عن السدي .
وفي الصحاح والعقب ( بكسر القاف ) مؤخر القدم وهي مؤنثة .
وعقب الرجل أيضا ولده وولد ولده .
وفيه لغتان : عقب وعقب ( بالتسكين ) وهي أيضا مؤنثة ، عن الأخفش .
وعقب الرجل أيضا ولده وولد ولده .
وعقب فلان مكان أبيه عاقبة أي : خلفه ، وهو اسم جاء بمعنى المصدر كقوله تعالى : ليس لوقعتها كاذبة .
ولا فرق عند أحد من [ ص: 75 ] العلماء بين لفظ العقب والولد في المعنى .
واختلف في الذرية والنسل فقيل إنهما بمنزلة الولد والعقب ، لا يدخل ولد البنات فيهما على مذهب مالك .
وقيل : إنهم يدخلون فيهما .
وقد مضى الكلام في الذرية هنا وفي ( الأنعام )اللفظ الخامس : نسلي ، وهو عند علمائنا كقوله : ولدي وولد ولدي ، فإنه يدخل فيه ولد البنات .
ويجب أن يدخلوا ; لأن نسل به بمعنى خرج ، وولد البنات قد خرجوا منه بوجه ، ولم يقترن به ما يخصه كما اقترن بقوله عقبي ما تناسلوا .
وقال بعض علمائنا : إن النسل بمنزلة الولد والعقب لا يدخل فيه ولد البنات ، إلا أن يقول المحبس نسلي ونسل نسلي ، كما إذا قال : عقبي وعقب عقبي ، وأما إذا قال ولدي أو عقبي مفردا فلا يدخل فيه البنات .اللفظ السادس : الآل ، وهم الأهل ، وهو اللفظ السابع .
قال ابن القاسم : هما سواء ، وهم العصبة والإخوة والبنات والعمات ، ولا يدخل فيه الخالات .
وأصل أهل الاجتماع يقال : مكان أهل إذا كان فيه جماعة ، وذلك بالعصبة ومن دخل في القعدد من النساء ، والعصبة مشتقة منه وهي أخص به .
وفي حديث الإفك : يا رسول الله ، أهلك!
ولا نعلم إلا خيرا ، يعني عائشة .
ولكن لا تدخل فيه الزوجة بإجماع وإن كانت أصل التأهل ; لأن ثبوتها ليس بيقين إذ قد يتبدل ربطها وينحل بالطلاق .
وقد .
قال مالك : آل محمد كل تقي ، وليس من هذا الباب .
وإنما أراد أن الإيمان أخص من القرابة فاشتملت عليه الدعوة وقصد بالرحمة .
وقد قال أبو إسحاق التونسي : يدخل في الأهل كل من كان من جهة الأبوين ، فوفى الاشتقاق حقه وغفل عن العرف ومطلق الاستعمال .
وهذه المعاني إنما تبنى على الحقيقة أو على العرف المستعمل عند الإطلاق ، فهذان لفظان .اللفظ الثامن : قرابة ، فيه أربعة أقوال : الأول : قال مالك في كتاب محمد بن عبدوس : إنهم الأقرب فالأقرب بالاجتهاد ، ولا يدخل فيه ولد البنات ولا ولد الخالات .
الثاني : يدخل فيه أقاربه من قبل أبيه وأمه ، قال علي بن زياد .
الثالث : قال أشهب : يدخل فيه كل رحم من الرجال والنساء .
الرابع : قال ابن كنانة : يدخل فيه الأعمام والعمات والأخوال والخالات وبنات الأخت .
وقد قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قال : إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم .
وقال : لم يكن بطن من قريش إلا كان بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - قرابة ، فهذا يضبطه والله أعلم .[ ص: 76 ] اللفظ التاسع : العشيرة ، ويضبطه الحديث الصحيح : إن الله تعالى لما أنزل : وأنذر عشيرتك الأقربين دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بطون قريش وسماهم - كما تقدم ذكره - وهم العشيرة الأقربون ، وسواهم عشيرة في الإطلاق .
واللفظ يحمل على الأخص الأقرب بالاجتهاد ، كما تقدم من قول علمائنا .اللفظ العاشر : القوم ، يحمل ذلك على الرجال خاصة من العصبة دون النساء .
والقول يشمل الرجال والنساء ، وإن كان الشاعر قد قال :وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساءولكنه أراد أن الرجل إذا دعا قومه للنصرة عنى الرجال ، وإذا دعاهم للحرمة دخل فيهم الرجال والنساء ، فتعممه الصفة وتخصصه القرينة .اللفظ الحادي عشر : الموالي ، قال مالك : يدخل فيه موالي أبيه وابنه مع مواليه .
وقال ابن وهب : يدخل فيه أولاد مواليه .
قال ابن العربي : والذي يتحصل منه أنه يدخل فيه من يرثه بالولاء ، قال : وهذه فصول الكلام وأصوله المرتبطة بظاهر القرآن والسنة المبينة له ، والتفريع والتتميم في كتاب المسائل ، والله أعلم .
{وَجَعَلَهَا} أي: هذه الخصلة الحميدة، التي هي أم الخصال وأساسها، وهي إخلاص العبادة لله وحده، والتبرِّي من عبادة ما سواه.
{كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} أي: ذريته {لَعَلَّهُمْ} إليها {يَرْجِعُونَ} لشهرتها عنه، وتوصيته لذريته، وتوصية بعض بنيه -كإسحاق ويعقوب- لبعض، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} إلى آخر الآيات.
( وجعلها ) يعني هذه الكلمة ، ( كلمة باقية في عقبه ) قال مجاهد وقتادة : يعني كلمة التوحيد وهي : " لا إله إلا الله " كلمة باقية في عقبه : في ذريته .
قال قتادة : لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده .
وقال القرظي : يعني : وجعل وصية إبراهيم التي أوصى بها بنيه باقية في نسله وذريته ، وهو قوله - عز وجل - : " ووصى بها إبراهيم بنيه " ( البقرة 132 ) .
وقال ابن زيد : يعني قوله : " أسلمت لرب العالمين " ( البقرة 131 ) وقرأ : " هو سماكم المسلمين " ( الحج 78 ) .
( لعلهم يرجعون ) لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين ويرجعون عما هم عليه إلى دين إبراهيم .
وقال السدي : لعلهم يتوبون ويرجعون إلى طاعة الله - عز وجل - .
(وجعلها) أي كلمة التوحيد المفهومة من قوله "" إني ذاهب إلى ربي سيهدين "" (كلمة باقية في عقبه) ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله (لعلهم) أي أهل مكة (يرجعون) عما هم عليه إلى دين إبراهيم أبيهم.
وجعل إبراهيم عليه السلام كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) باقية في مَن بعده؛ لعلهم يرجعون إلى طاعة ربهم وتوحيده، ويتوبون من كفرهم وذنوبهم.
والضمير المنصوب فى قوله - تعالى - بعد ذلك : ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ .
.
.
) يعود إلى كلمة التوحيد ، والمشتملة على البراءة من كل عبادة لغير الله - تعالى - ، والمعبر عنها قبل ذلك بقوله - تعالى - : ( إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ) .وضمير الفاعل المستتر فى قوله - سبحانه - : ( وَجَعَلَهَا .
.
.
) يعود إلى الله - تعالى - .أى : وجعل الله - تعالى - بفضله وكرمه ، كلمة التوحيد ، باقية فى عقب ابراهيم ، وفى ذرتيه من بعده ، بأن جعل من ذريته الأنبياء والصالحين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا .ويؤيد هذا المعنى قوله - تعالى - فى سورة الصافات : ( سَلاَمٌ على إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصالحين وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعلى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ .
.
)ويصح أن يكون ضمير الفاعل يعود إلى إبراهيم - عليه السلام - ، على معنى أنه وصى ذريته من بعده بعبادة الله - تعالى - وحده ، وأنه دعا ربه أن يجعل فى ذريته من يعبده وحده .فيكون المعنى : وجعل ابراهيم هذه الكلمة وهى كلمة التوحيد باقية فى ذريته حيث أوصافهم بعبادة الله وحده .ويشهد لذلك قوله - تعالى - : ( ووصى بِهَآ ) - أى بكلمة التوحيد - ( إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ .
.
) .ثم بين - سبحانه - الحكمة فى ذلك الجعل فقال : ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) أى : جعلها كذلك رجاء أن يرجع إلى كملة التوحيد من أشرك من ذرية ابراهيم ، ببركة دعائه لهم بالإِيمان ودعاء من آمن منهم .فلقد حكى القرآن عن إبراهيم أن دعا الله - تعالى - بقوله : ( رَبِّ اجعلني مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرِّيَتِي .
.
.
) وبقوله : ( واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام ).
اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية المتقدمة أنه ليس لأولئك الكفار داع يدعوهم إلى تلك الأقاويل الباطلة إلا تقليد الآباء والأسلاف، ثم بيّن أنه طريق باطل ومنهج فاسد، وأن الرجوع إلى الدليل أولى من الاعتماد على التقليد، أردفه بهذه الآية والمقصود منها ذكر وجه آخر يدل على فساد القول بالتقليد وتقريره من وجهين: الأول: أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه تبرأ عن دين آبائه بناء على الدليل فنقول: إما أن يكون تقليد الآباء في الأديان محرماً أو جائزاً، فإن كان محرماً فقد بطل القول بالتقليد، وإن كان جائزاً فمعلوم أن أشرف آباء العرب هو إبراهيم عليه السلام، وذلك لأنهم ليس لهم فخر ولا شرف إلا بأنهم من أولاده، وإذا كان كذلك فتقليد هذا الأب الذي هو أشرف الآباء أولى من تقليد سائر الآباء، وإذا ثبت أن تقليده أولى من تقليد غيره فنقول إنه ترك دين الآباء، وحكم بأن اتباع الدليل أولى من متابعة الآباء، وإذا كان كذلك وجب تقليده في ترك تقليد الآباء ووجب تقليده في ترجيح الدليل على التقليد، وإذا ثبت هذا فنقول: فقد ظهر أن القول بوجوب التقليد يوجب المنع من التقليد، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلاً، فوجب أن يكون القول بالتقليد باطلاً، فهذا طريق رقيق في إبطال التقليد وهو المراد بهذه الآية.
الوجه الثاني: في بيان أن ترك التقليد والرجوع إلى متابعة الدليل أولى في الدنيا وفي الدين، أنه تعالى بيّن أن إبراهيم عليه السلام لما عدل عن طريقة أبيه إلى متابعة الدليل لا جرم جعل الله دينه ومذهله باقياً في عقبه إلى يوم القيامة، وأما أديان آبائه فقد اندرست وبطلت، فثبت أن الرجوع إلى متابعة الدليل يبقى محمود الأثر إلى قيام الساعة، وأن التقليد والإصرار ينقطع أثره ولا يبقى منه في الدنيا خير ولا أثر، فثبت من هذين الوجهين أن متابعة الدليل وترك التقليد أولى، فهذا بيان المقصود الأصلي من هذه الآية، ولنرجع إلى تفسير ألفاظ الآية.
أما قوله: ﴿ إِنَّنِى بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ فقال الكسائي والفرّاء والمبرد والزجاج ﴿ بَرَاء ﴾ مصدر لا يثنى ولا يجمع مثل عدل ورضا وتقول العرب أنا البراء منك والخلاء منك ونحن البراء منك والخلاء ولا يقولون البراآن ولا البراؤن لأن المعنى ذوا البراء وذوو البراء فإن قلت برئ وخلى ثنيت وجمعت.
ثم استثنى خالقه من البراءة فقال: ﴿ إِلاَّ الذي فَطَرَنِي ﴾ والمعنى أنا أتبرأ مما تعبدون إلا من الله عزّ وجلّ، ويجوز أن يكون إلا بمعنى لكن فيكون المعنى لكن الذي فطرني فإنه سيهدين أي سيرشدني لدينه ويوفقني لطاعته.
واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام في آية أخرى أنه قال: ﴿ الذى خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ وحكى عنه هاهنا أنه قال: ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ فأجمع بينهما وقدر كأنه قال: فهو يهدين وسيهدين، فيدلان على استمرار الهداية في الحال والاستقبال ﴿ وَجَعَلَهَا ﴾ أي وجعل إبراهيم كلمة التوحيد التي تكلم بها وهي قوله: ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ جارياً مجرى لا إله وقوله: ﴿ إِلاَّ الذي فَطَرَنِي ﴾ جارياً مجرى قوله إلا الله فكان مجموع قوله: ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الذي فَطَرَنِي ﴾ جارياً مجرى قوله لا إله إلا الله ثم بيّن تعالى أن إبراهيم جعل هذه الكلمة باقية في عقبه أي في ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أي لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم، وقيل وجعلها الله، وقرئ كلمة على التخفيف وفي عقيبه.
ثم قال تعالى: ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هؤلاء وَءَابَاءَهُمْ ﴾ يعني أهل مكة وهم عقب إبراهيم بالمد في العمر والنعمة فاغتروا بالمهلة واشتغلوا بالتنعم واتباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد ﴿ حتى جَاءَهُمُ الحق ﴾ وهو القرآن ﴿ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ بين الرسالة وأوضحها بما معه من الآيات والبينات فكذبوا به وسموه ساحراً وما جاء به سحراً وكفروا به، ووجه النظم أنهم لما عولوا على تقليد الآباء ولم يتفكروا في الحجة اغتروا بطول الإمهال وإمتاع الله إياهم بنعيم الدنيا فأعرضوا عن الحق، قال صاحب الكشاف: إن قيل ما وجه قراءة من قرأ متعت بفتح التاء؟
قلنا كأن الله سبحانه اعترض على ذاته في قوله: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ فقال بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة في الرزق حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد، وأراد بذلك المبالغة في تعييرهم لأنه إذا متعهم بزيادة النعم وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سبباً في زيادة الشكر والثبات على التوحيد لا أن يشركوا به ويجعلوا له أنداداً، فمثاله أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه ثم يقبل على نفسه فيقول أنت السبب في ذلك بمعروفك وإحسانك إليه، وغرضه بهذا الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح فعل نفسه.
<div class="verse-tafsir"
قرئ ﴿ براء ﴾ بفتح الباء وضمها.
وبريء، فبريء وبراء، نحو كريم وكرام؛ وبراء: مصدر كظماء، ولذلك استوى فيه الواحد والاثنان والجماعة، والمذكر والمؤنث.
يقال: نحن البراء منك، والخلاء منك ﴿ الذى فَطَرَنِى ﴾ فيه غير وجه: أن يكون منصوباً على أنه استثناء منقطع، كأنه قال: لكن الذي فطرني فإنه سيهدين، وأن يكون مجروراً بدلاً من المجرور بمن؛ كأنه قال: إنني براء مما تعبدون إلا من الذي فطرني.
فإن قلت: كيف تجعله بدلاً وليس من جنس ما يعبدون من وجهين، أحدهما: أن ذات الله مخالفة لجميع الذوات، فكانت مخالفة لذوات ما يعبدون.
والثاني، أن الله تعالى غير معبود بينهم والأوثان معبودة؟
قلت: قالوا: كانوا يعبدون الله مع أوثانهم، وأن تكون ﴿ إِلاَّ ﴾ صفة بمعنى غير، على أن ﴿ مَا ﴾ في ما تعبدون موصوفة.
تقديره: إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني، فهو نظير قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ [الأنبياء: 22] .
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ على التسويف؟
قلت: قال مرة: ﴿ فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ [الشعراء: 78] ومرة ﴿ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ فاجمع بينهما وقدّر، كأنه قال.
فهو يهدين وسيهدين، فيدلان على استمرار الهداية في الحال والاستقبال ﴿ وَجَعَلَهَا ﴾ وجعل إبراهيم صلوات الله عليه كلمة التوحيد التي تكلم بها وهي قوله: (إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني) ﴿ كَلِمَةً باقية فِي عَقِبِهِ ﴾ في ذريته، فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده، لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم.
ونحوه ﴿ ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ ﴾ [البقرة: 132] وقيل: وجعلها الله.
وقرئ ﴿ كلمة ﴾ على التخفيف وفي عقبه كذلك، وفي عاقبه، أي: فيمن عقبه، أي: خلفه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ ﴾ واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ هَذا لِيَرَوْا كَيْفَ تَبَرَّأ عَنِ التَّقْلِيدِ وتَمَسَّكَ بِالدَّلِيلِ، أوْ لِيُقَلِّدُوهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهم بُدٌّ مِنَ التَّقْلِيدِ فَإنَّهُ أشْرَفُ آبائِهِمْ.
﴿ لأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ ﴾ بَرِيءٌ مِن عِبادَتِكم أوْ مَعْبُودِكُمْ، مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ ولِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والمُتَعَدِّدُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وقُرِئَ «بَرِيءٌ» و «بَراءٌ» كَكَرِيمٍ وكِرامٍ.
﴿ إلا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ عَلى أنَّ «ما» يَعُمُّ أُولِي العِلْمِ وغَيْرَهُمْ، وأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ والأصْنامَ والأوْثانَ، أوْ صِفَةٌ عَلى أنَّ «ما» مَوْصُوفَةٌ أيْ إنَّنِي بَرِيءٌ مِن آلِهَةٍ تَعْبُدُونَها غَيْرَ الَّذِي فَطَرَنِي.
﴿ فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ سَيُثَبِّتُنِي عَلى الهِدايَةِ، أوْ سَيَهْدِينِي إلى ما وراءِ ما هَدانِي إلَيْهِ.
﴿ وَجَعَلَها ﴾ وجَعَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوِ اللَّهُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ.
﴿ كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ ﴾ في ذُرِّيَّتِهِ فَيَكُونُ فِيهِمْ أبَدًا مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ ويَدْعُو إلى تَوْحِيدِهِ، وقُرِئَ «كَلِمَةً» و «فِي عَقِبِهِ» عَلى التَّخْفِيفِ و «فِي عاقِبِهِ» أيْ فِيمَن عَقَبَهُ.
﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ يَرْجِعُ مَن أشْرَكَ بِدُعاءِ مَن وحَّدَ.
<div class="verse-tafsir"
{إِلاَّ الذى فَطَرَنِى} استثناء منقطع كأنه قال لكن الذي فطرني {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} يثبتني على الهداية
وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)
{وجعلها}
الزخرف (٣٣ - ٢٨)
وجعل إبراهيم عليه السلام كلمة التوحيد التي تكلم بها وهي قوله إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الذى فَطَرَنِى {كَلِمَةً باقية فِى عَقِبِهِ} في ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم والترجي لإبراهيم
﴿ وجَعَلَها ﴾ اَلضَّمِيرُ اَلْمَرْفُوعُ اَلْمُسْتَتِرُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ أوْ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ والضَّمِيرُ اَلْمَنصُوبُ لِكَلِمَةِ اَلتَّوْحِيدِ أعْنِي لا إلَهَ إلّا اَللَّهُ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ.
ومُجاهِدٍ.
والسُّدِّيِّ.
ويُشْعِرُ بِها قَوْلُهُ: ﴿ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ ﴾ إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى هَذا اَلْقَوْلِ نَفْسِهِ وهو أيْضًا كَلِمَةٌ لُغَةً ﴿ كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ ﴾ في ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اَللَّهَ تَعالى ويَدْعُو إلى تَوْحِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ (كِلْمَةً) بِكَسْرِ اَلْكافِ وسُكُونِ اَللّامِ وهي لُغَةٌ فِيها، وقُرِئَ (فِي عَقْبِهِ) بِسُكُونِ اَلْقافِ تَخْفِيفًا و(فِي عاقِبِهِ) أيْ مَن عَقِبَهُ أيْ خَلَفَهُ ومِنهُ تَسْمِيَةُ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالعاقِبِ لِأنَّهُ آخِرُ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَعْلِ أيْ جَعَلَها باقِيَةً في عَقِبِهِ كَيْ يَرْجِعَ مَن أشْرَكَ مِنهم بِدُعاءِ مَن وحَّدَ أوْ بِسَبَبِ بَقائِها فِيهِمْ، والضَّمِيرانِ لِلْعَقِبِ وهو بِمَعْنى اَلْجَمْعِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ اَلْكَلامَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ لَعَلَّ مُشْرِكِيهِمْ أوِ اَلْإسْنادُ مِن إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ إلى اَلْكُلِّ وأوَّلُوا لَعَلَّ بِناءً عَلى أنَّ اَلتَّرَجِّيَ مِنَ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وهو لا يَصِحُّ في حَقِّهِ تَعالى أوْ مِنهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لَكِنَّهُ مِنَ اَلْأنْبِياءِ في حُكْمِ اَلْمُتَحَقِّقِ ويَجُوزُ تَرْكُ اَلتَّأْوِيلِ كَما لا يَخْفى بَلْ هو اَلْأظْهَرُ إذا كانَ ذاكَ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بالعذاب فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ يعني: آخر أمرهم.
قوله عزّ وجلّ: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ يعني: بريء من معبودكم.
ذكر عن الفراء أنه قال: براء مصدر صرف أسماء، وكل مصدر صرف إلى اسم، فالواحد، والجماعة، والذكر، والأنثى فيه سواء.
قوله عز وجل: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي يعني: إلا الذي خلقني، فإني لا أتبرأ منه.
فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ويقال: إلا بمعنى لكن.
يعني: لكن الذي خلقني، فهو سيهدين، يعني: يثبتني على دين الإسلام وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ يعني: جعل تلك الكلمة ثابتة في نسله وَذُرِّيَّتَهُ وهي كلمة التوحيد لا إله إلا الله لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن كفرهم إلى الإيمان.
وقال قتادة: هو التوحيد والإخلاص، لا يزال في ذريته.
من يوحدوا الله تعالى، ويعبدوه وقال مجاهد: يعني: كلمة لا إله إلا الله في عقبه وولده.
ويقال: إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ يعني: ذو البراءة كما يقال: رجل عدل ورجال عدل، أي: ذو عدل.
قوله تعالى: بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ يعني: أجلت هؤلاء، وأمهلتهم.
يعني: قومك وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ يعني: القرآن.
ويقال: الدعوة إلى التوحيد وَرَسُولٌ مُبِينٌ يعني: بين أمره بالدلائل.
والحجج.
ويقال: مبين، يعني: بين لهم الحق من الباطل.
قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يعني: القرآن قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ يعني: جاحدون.
<div class="verse-tafsir"
وذكر الطبريُّ «١» عن قوم أَنَّ الأمَّة الطريقة، ثم ضرب الله المثل لنبيّه محمّد ع وجعل له الأُسْوَةَ فيمن مضى من النذر والرسل وذلك أَنَّ المُتْرَفِينَ من قومهم، وهم أهل التنعُّم والمال، قد قابلوهم بِمِثْلِ هذه المقالة، وفي قوله عز وجل: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ ...
الآية: وعيدٌ لقريشٍ، وضَرْبُ مَثَلٍ لهم بِمَنْ سَلَفَ من الأمم المُعَذَّبَةِ المُكَذِّبَةِ لأنبيائها.
وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ المعنى: واذكر إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه:
إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ أي: فافعل أنْتَ فِعْلَهُ، وتَجَلَّدْ جلده، وبَراءٌ: صفة تجري على الوَاحِدِ والاثْنَيْنِ والجَمْعِ كَعَدْلٍ وَزَوْرٍ، وقرأ ابن مسعود: «بَرِيءٌ» «٢» .
وقوله: «إلا الذي فطرني» قالت فرقة: الاستثناء مُتَّصِلٌ، وكانوا يعرفون اللَّه ويُعَظِّمُونه، إلاَّ أَنَّهم كانوا يشركون معه أصنامهم، فكأَنَّ إبراهيم قَالَ لهم: أنا لا أوافقكم إلاَّ على عبادة اللَّه الذي فطرني، وقالت فرقة: الاستثناء مُنْقَطِعٌ، والمعنى: لكنَّ الذي فطرني هو معبودي الهادي المُنْجي من العذاب، وفي هذا استدعاءٌ لهم، وترغيبٌ في طاعةِ اللَّه، وتطميع في رحمته.
والضمير في قوله: وَجَعَلَها كَلِمَةً ...
الآية، قالت: فرقة: هو عائد على كلمته بالتوحيد في قوله: إِنَّنِي بَراءٌ وقال مجاهد وغيره: المراد بالكلمة: لا إله إلا اللَّه «٣» ، وعاد عليها الضمير، وإنْ كان لم يجر لها ذكر لأَنَّ اللفظ يتضمَّنها، والعَقِبُ: الذُّرِّيَّةُ، ووَلَدُ الوَلَدِ ما امتدَّ فرعهم.
بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣)
وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)
وقوله: بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ يعني قريشاً حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ، وذلك هو شرع الإسلام، والرسول [هو] محمّد صلّى الله عليه وسلّم ومُبِينٌ أي: يبين لهم الأحكام، والمعنى في الآية: بل أمهلتُ هؤلاءِ وَمَتَّعْتُهُمْ بالنعمة وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يعني القرآن قالُوا هذا سِحْرٌ.
وَقالُوا يعني قريشا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ يعني:
من إحدى القريتين، وهما مَكَّةُ والطَّائِفُ، ورجل مَكَّةَ هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ في قول ابن عباس وغيره «١» ، وقال مجاهد: هو عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ «٢» ، وقيل غير هذا، ورجل الطائف: قال قتادة: هو عُرْوَةُ بْنُ مسعود «٣» ، وقيل غير هذا، قال ع «٤» : وإنَّما قصدوا إلى من عظم ذكره بالسّنّ، وإلّا فرسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان أعظمَ من هؤلاء إذ كان المسمى عندهم «الأمين» ، ثم وَبَّخَهُم سبحانه بقوله: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ و «الرحمة» اسم عامٌّ يشمل النُّبُوَّةَ وغيرها، وفي قوله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ تزهيدٌ في السعايات، وعون على التّوكّل على الله عز وجل وللَّه دَرُّ القائل: [الرجز]
[كَمْ جَاهِلٍ يَمْلِكُ دورا وقرى ...
[وعالم يسكن بيتا بالكرى] «٥»
لَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ سُبْحَانَه ...
نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ زَالَ المِرَا «٦»
وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً أَرْضَاهُ بِمَا قَسَمَ لَهُ، وَبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَإذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ خَيْراً، لَمْ يُرْضِهِ بِمَا قَسَمَ لَهُ، وَلَمْ يُبَارِكْ لَهُ فِيهِ» «٧» انتهى، وسُخْرِيًّا بمعنى التسخير، ولا مدخل لمعنى الهزء في هذه الآية.
وقوله تعالى: وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ قال قتادة والسُّدِّيُّ: يعني الجنة «١» ، قال ع «٢» : ولا شَكَّ أَنَّ الجنة هي الغاية، ورحمة اللَّه في الدنيا بالهداية والإيمان خير من/ كُلِّ مال، وفي هذا اللفظ تحقير للدنيا، وتزهيد فيها، ثم استمرَّ القولُ في تحقيرها بقوله سبحانه: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ...
الآية وذلك أَنَّ معنى الآية أَنَّ اللَّه سبحانه أبقى على عباده، وأنعم عليهم بمراعاة بقاء الخير والإيمان، وشاء حفظه على طائفة منهم بَقِيَّةَ الدهر، ولولا كراهيةُ أنْ يكونَ الناسُ كُفَّاراً كُلُّهم، وأَهْلَ حُبٍّ في الدنيا وتجرُّدٍ لها- لوسَّعَ اللَّه على الكفار غايةَ التوسعة، ومَكَّنَهم من الدنيا وذلك لحقارتها عنده سبحانه، وأنها لا قَدْرَ لها ولا وزنَ لفنائها وذَهَابِ رسومها، فقوله: أُمَّةً واحِدَةً معناه في الكُفْرِ قاله ابن عباس وغيره «٣» ، ومن هذا المعنى قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّه جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سقى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» «٤» وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن عَلْقَمَةَ عن عبد اللَّه قال: «اضطجع رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم عَلَى حَصِيرٍ فَأَثَّرَ الحَصِيرُ في جَنْبِهِ، فَلَمَّا استيقظ، جَعَلْتُ أَمْسَحُ عَنْهُ، وَأَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ آذَنْتَنِي قَبْلَ أَنْ تَنَامَ على هَذَا الحَصِيرِ، فَأَبْسُطَ لَكَ عَلَيْهِ شَيْئاً يَقِيكَ منه؟
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: مَا لِيَ ولِلدُّنْيَا، وَمَا لِلدُّنْيَا وَمَا لِي مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إلاَّ كَرَاكِبٍ استظل في فَيْءِ أَوْ ظِلِّ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» «٥» انتهى، وقد خَرَّجه التِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ حَسَنٌ صحيح، وسُقُفاً جمع
سَقْف، والمعارج: الأدراج التي يُطْلَعُ عليها قاله ابن عبّاس وغيره «١» ، ويَظْهَرُونَ معناه: يعلون ومنه حديث عائشةَ- رضي اللَّه عنها- والشمس في حجرتها لم تظهر/ بعد، والسُّرُرُ: جمع سرير، والزُّخْرُفُ: قال ابن عَبَّاس، والحسن، وقتادة والسُّدِّيُّ: هو الذهب «٢» ، وقالت فرقة: الزُّخْرُفُ: التزاويق والنَّقْش ونحوه وشاهده: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها [يونس: ٢٤] وقرأ الجمهور: وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا- بتخفيف الميم- من «لما» ف «إنْ» مُخَفَّفَةٌ من الثقيلة، واللام في «لما» داخلةٌ لتَفْصِلَ بين النفي والإيجاب، وقرأ عاصم، وحمزة، وهشام بخلافٍ عنه- بتشديد الميم- من «لمَّا» «٣» ف «إنْ» نافيةٌ بمعنى [ «مَا» ، و «لَمَّا» بمعنى] «٤» «إلاَّ» ، أي: وما كُلُّ ذلك إلاَّ متاعُ الحياة الدنيا، وفي قوله سبحانه: وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ وعْدٌ كريمٌ، وتحريض على لزوم التقوى، إذ في
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّنِي بَراءٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: البَراءُ بِمَعْنى البَرِيءِ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ: أنا البَراءُ مِنكَ، وكَذَلِكَ لِلِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ، ولِلذِّكْرِ والأُنْثى، يَقُولُونَ: نَحْنُ البَراءُ مِنكَ والخَلاءُ مِنكَ، لا يَقُولُونَ: نَحْنُ البَرّاءانِ مِنكَ، ولا البَرّاءُونَ مِنكَ، وإنَّما المَعْنى: أنا ذُو البَراءُ مِنكَ، ونَحْنُ ذَوُو البَراءِ مِنكَ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ، وامْرَأةٌ عَدْلٌ.
وقَدْ بَيَّنّا اسْتِثْناءَ إبْراهِيمَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِمّا يَعْبُدُونَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ إلا رَبَّ العالَمِينَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَها ﴾ يَعْنِي كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، وهي "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ" ﴿ كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ ﴾ أيْ: فِيمَن يَأْتِي بَعْدَهُ مِن ولَدِهِ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مُوَحِّدٌ ﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ إلى التَّوْحِيدِ كُلُّهم إذا سَمِعُوا أنَّ أباهم تَبَرَّأ مِنَ الأصْنامِ ووَحَّدَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.
ثُمَّ ذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلى قُرَيْشٍ فَقالَ: ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ ﴾ والمَعْنى: إنِّي أجْزَلَتْ لَهُمُ النِّعَمَ ولَمْ أُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ ﴿ حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ﴾ وهو القُرْآنُ ﴿ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ، فَكانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يُقابِلُوا النِّعَمَ بِالطّاعَةِ لِلرَّسُولِ، فَخالَفُوا.
وَلِما جاءَهم يَعْنِي قُرَيْشًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ.
وقالَ قَتادَةُ: هُمُ اليَهُودُ.
والحُقّ القُرْآنُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ ﴿ وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ولَمّا ضَرَبَ تَعالى المَثَلُ لِمُحَمَّدٍ بِالنُذُرِ وجَعَلَهم أُسْوَةً لَهُ، خَصَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالذِكْرِ لِعَظْمِ مَنزِلَتِهِ، وذَكَّرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِمُنابَذَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِقَوْمِهِ، أيْ: فافْعَلْ أنْتَ فِعْلَهُ، وتَجَلَّدَ جَلَدَهُ، و"بَراءٌ": صِفَةٌ تَجْرِي عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، كَعَدْلٍ وزُورٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "بَراءٌ" ﴾ بِفَتْحِ الباءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بُراءٌ" بِضَمِّ الباءِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ وقِراءَةِ الأعْمَشِ: "إنِّي" بِنُونٍ واحِدَةٍ "بَرِيءٌ"، قالَ الفَرّاءُ: "وَمِنَ الناسِ مَن يَكْتُبْ شَكْلَ الهَمْزَةِ المُخَفَّفَةِ ألْفًا في كُلِّ مَوْضِعٍ، ولا يُراعِي حَرَكَةَ ما قَبْلَها"، قالَ: "فَرُبَّما كانَ خَطُّ مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بِألْفٍ كَما في مُصْحَفِ الجَماعَةِ، لَكِنْ كانَ يَلْفِظُ بِها بِكَسْرِ الراءِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وكانُوا يَعْرِفُونَ اللهَ ويُعَظِّمُونَهُ، إلّا أنَّهم كانُوا يُشْرِكُونَ مَعَهُ أصْنامَهُمْ، فَكَأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهُمْ: أنا لا أُوافِقَكم إلّا عَلى عِبادَةِ اللهِ الفاطِرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي مَعْبُودِي، وعَلى هَذا فَلِمَ يَكُونُوا يَعْبُدُونَ اللهَ تَعالى لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، وعَلَّلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ لِقَوْمِهِ عِبادَتَهُ لِلَّهِ تَعالى، بِأنَّهُ الهادِي المُنَجِّي مِنَ العَذابِ، وفي هَذا اسْتِدْعاءٌ لَهم وتَرْغِيبٌ لَهم في اللهِ تَعالى وتَطْمِيعٌ بِرَحْمَتِهِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلَها" ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عائِدٌ عَلى كَلِمَتِهِ بِالتَوْحِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿ "إنَّنِي بَراءٌ"، ﴾ وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ: ذَلِكَ مُرادٌ بِهِ: "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، وعادَ الضَمِيرُ عَلَيْها وإنْ كانَتْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِأنَّ اللَفْظَ يَتَضَمَّنُها، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِذَلِكَ: الإسْلامُ ولَفْظَتُهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ، قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ﴾ ، والعَقِبُ: الذَرِّيَّةُ ووَلَدُ الوَلَدِ ما امْتَدَّ فَرْعُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ ﴾ الآيَةُ، كَلامٌ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ فِي عَقِبِهِ ﴾ وكانَتْ قُرَيْشٌ مِن عَقِبِهِ اقْتَضى الكَلامُ أنْ يُقَدَّرَ فِيهِ: لَكِنَّ هَؤُلاءِ لَيْسُوا مِمَّنْ بَقِيَتِ الكَلِمَةُ فِيهِمْ بَلْ مَتَّعَتْهُمْ، والمَعْنى في الآيَةِ: بَلْ أمْهَلَتْ هَؤُلاءِ ومَتَّعَتْهم بِالنِعْمَةِ مَعَ كَفْرِهِمْ حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ، وذَلِكَ هو شَرْعُ الإسْلامِ، والرَسُولُ مُحَمَّدٌ ، و ﴿ "مَتَّعْتُ" ﴾ بِضَمِّ التاءِ هي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مَتَّعَتَ" بِفَتْحِ التاءِ الأخِيرَةِ عَلى مَعْنى: قُلْ يا رَبِّ بَلْ مَتَّعْتَ، ورَواها يَعْقُوبُ عن نافِعٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "بَلْ مَتَّعْنا"، وهي تُعَضِّدُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، و"مُبِينٌ" في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ التَعَدِّي وتَرْكَ التَعَدِّي.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ بِأنَّهم قالُوا لِلْقُرْآنِ: هَذا سِحْرٌ، وأنَّهم كَفَرُوا بِهِ، وإنَّما جَعَلُوهُ بِزَعْمِهِمْ سِحْرًا مِن حَيْثُ كانَ عِنْدَهم يُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ ووَلَدِهِ وزَوْجِهِ، فَجَعَلُوهُ لِذَلِكَ كالسِحْرِ، ولَمْ يَنْظُرُوا إلى الفَرْقِ في أنَّ المُفارِقَ بِالقُرْآنِ يُفارِقُ عن بَصِيرَةٍ في الدِينِ، والمَفارِقُ بِالسِحْرِ يُفارِقُ عن خَلَلٍ في دِينِهِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على ﴿ إذ قال إبراهيم ﴾ [الزخرف: 26] أي أعلن تلك المقالة في قومه معاصريه وجعلها كلمة باقية في عقبه ينقلونها إلى معاصريهم من الأمم.
إذ أوصى بها بنيه وأن يوصوا بَنِيهم بها، قال تعالى في سورة البقرة (131 132) ﴿ إذ قال لَه ربّه أسلم قال أسلمت لربّ العالمين وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بَنِيَّ إن الله اصطفى لكم الدّين فلا تموتُنّ إلاّ وأنتم مسلمون ﴾ فبتلك الوصية أبقى إبراهيم توحيد الله بالإلهية والعبادة في عقبه يبثونه في النّاس.
ولذلك قال يوسف لصاحبيه في السجن ﴿ يا صاحبيَ السجن آربْاب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ﴾ [يوسف: 39] وقال لهما ﴿ إنّي تركتُ ملة قوممٍ لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعتُ ملة آبائِيَ إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ﴾ إلى قوله: ﴿ ولكن أكثر النّاس لا يعلمون ﴾ [يوسف: 37 40].
فضمير الرفع في ﴿ جعلها ﴾ عائد إلى إبراهيم وهو الظاهر من السياق والمناسب لقوله: ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ ولأنه لم يتقدم اسم الجلالة ليعود عليه ضمير ﴿ جعلها ﴾ .
وحكى في «الكشاف» إنه قيل: الضمير عائد إلى الله وجزم به القرطبي وهو ظاهر كلام أبي بكر بن العربي.
والضمير المنصوب في قوله: ﴿ وجعلها ﴾ عائد إلى الكلام المتقدم.
وأنث الضمير لتأويل الكلام بالكلمة نظراً لوقوع مفعوله الثاني لفظ ﴿ كلمة ﴾ لأن الكلام يطلق عليه ﴿ كلمة ﴾ كقوله تعالى في سورة المؤمنين (100) ﴿ إنها كلمةٌ هو قائلها ﴾ أي قولَ الكافر ﴿ رَبِّ ارجعون لعلّي أعمل صالحاً فيما تَركْتُ ﴾ [المؤمنون: 99، 100].
وقال تعالى: ﴿ كبرت كلمةٌ تخرج من أفواههم ﴾ [الكهف: 5] وهي قولهم: ﴿ اتّخذ الله ولداً ﴾ [البقرة: 116] وقد قال تعالى: ﴿ وأوصى بها إبراهيم بنيه ﴾ [البقرة: 132]، أي بقَوله: ﴿ أسلمت لربّ العالمين ﴾ [البقرة: 131] فَأعاد عليها ضمير التأنيث على تأويل (الكلمة).
واعلم أنه إنّما يقال للكلام كلمة إذا كان كلاماً سائراً على الألسنة متمثلاً به، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم " أصدق كلمة قالها شاعر كلمةُ لبيد: ألاَ كلُ شيء ما خلا الله باطل " أو كان الكلام مجعولاً شعاراً كقولهم: لا إله إلا الله كلمة الإسلام، وقال تعالى: ﴿ ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ [التوبة: 74]».
فالمعنى: جعَل إبراهيم قوله: ﴿ إنني براءٌ مما تعبدون إلا الذي فطرني ﴾ [الزخرف: 26، 27] شعاراً لعقبه، أي جعلها هي وما يرادفها قولاً باقياً في عقبه على مرّ الزمان فلا يخلو عقب إبراهيم من موحدين لله نابذين للأصنام.
وأشعر حرف الظرفية بأن هاته الكلمة لم تنقطع بين عقب إبراهيم دون أن تعمّ العقب، فإن أريد بالعقب مجموعُ أعقابه فإن كلمة التوحيد لم تنقطع من اليهود وانقطعت من العرب بعد أن تقلدوا عبادة الأصنام إلاّ من تَهوّد منهم أو تنصَّر، وإن أريد مِن كُل عقب فإن العرب لم يخلو من قائم بكلمة التوحيد مثل المتنَصِّرين منهم كالقبائل المتنصرة وورقة بن نوفل، ومثل المتحنفين كزيد بن عَمرو بن نُفيل، وأُمية بن أبي الصلت.
وذلك أن ﴿ في ﴾ ترد للتبعيض كما ذكرناه في قوله تعالى: ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم ﴾ في سورة النساء (5).
وقال سَبْرة بن عَمرو الفقعسي من الحماسة: ونَشْرب في أثمانها ونُقامر *** والعقب: الذرية الذين لا ينفصلون من أصلهم بأنثى، أي جعل إبراهيم كلمة التوحيد باقية في عقبه بالوصاية عليها راجياً أنهم يرجعون، أي يتذكرون بها التوحيد إذا رانَ رَيْن على قلوبهم، أو استحسنوا عبادةَ الأصنام كما قال قوم موسى: ﴿ اجْعَل لنا إلها كما لهم آلهةٌ ﴾ [الأعراف: 138] فيهتدون بتلك الكلمة حين يضيق الزّمن عن بسط الحجة.
وهذا شأن الكلام الذي يجعل شعاراً لشيء فإنه يكون أصلاً موضوعاً قد تبيّن صدقه وإصابته، فاستحضاره يغني عن إعادة بسط الحجة له.
وجملة ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ وجعلها كلمة باقية في عقبه ﴾ لأن جعله كلمة ﴿ إنني براء مما تعبدون ﴾ [الزخرف: 26] باقية في عقبه، أراد منه مصالح لعقبه منها أنه رَجا بذلك أن يرجعوا إلى نبذ عبادة الأصنام إن فُتنوا بعبادتها أو يتذكروا بها الإقلاع عن عبادة الأصنام إن عبدوها، فمعنى الرجوع، العود إلى ما تدل عليه تلك الكلمة.
ونظيره قوله تعالى: ﴿ وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون ﴾ [الزخرف: 48]، أي لعلهم يرجعون عن كفرهم.
فحرف (لعل) لإنشاء الرجاء، والرجاء هنا رَجاء إبراهيم لا محالة، فتعيّن أن يقدر معنى قوللٍ صادر من إبراهيم بإنشاء رجائه، بأن يقدر: قال: ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ ، أو قائلاً: ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ .
والرّجوع مستعار إلى تغيير اعتقاد طارئ باعتقاد سابق، شبه ترك الاعتقاد الطارئ والأخذ بالاعتقاد السابق برجوع المسافر إلى وطنه أو رجوع الساعي إلى بيته.
والمعنى: يرجع كل من حاد عنها إليها، وهذا رجاؤه قد تحقق في بعض عقبه ولم يتحقق في بعضضٍ كما قال تعالى: ﴿ قال ومن ذريْتي قال لا ينال عهدي الظّالمين ﴾ [البقرة: 124] أي المشركين.
ولعل ممن تحقق فيه رجاء إبراهيم عمود نسب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كانوا يكتمون دينهم تقية من قومهم، وقد بسطتُ القول في هذا المعنى وفي أحوال أهل الفترة في هذه الآية في رسالة «طهارة النسب النبوي من النقائص».
وفي قوله: ﴿ وجعلها كلمة باقيةً في عقبه ﴾ إشعار بأن وحدانية الله كانت غير مجهولة للمشركين، فيتجه أن الدعوة إلى العلم بوجود الله ووحدانيته كانت بالغة لأكثر الأمم بما تناقلوه من أقوال الرّسل السابقين، ومن تلك الأمم العرب، فيتجه مؤاخذَةُ المشركين على الإشراك قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم أهملوا النظر فيما هو شائع بينهم أو تغافلوا عنه أو أعرضوا.
فيكون أهل الفترة مؤاخذين على نبذ التوحيد في الدّنيا ومعاقَبين عليه في الآخرة وعليه يُحمل ما ورد في صحاح الآثار من تعذيب عَمرو بن لُحيَ الذي سنّ عبادة الأصنام وما روي أن امرأ القيس حامل لواء الشعراء إلى النّار يوم القيامة وغير ذلك.
وهذا الذي يناسب أن يكون نظر إليه أهل السنة الذين يقولون: إن معرفة الله واجبة بالشرع لا بالعقل وهو المشهور عن الأشعري، والذين يقولون منهم: إن المشركين من أهل الفترة مخلَّدون في النّار على الشرك.
وأما الذين قالوا بأن معرفة الله واجبة عقلاً وهو قول جميع المَاتريدية وبعض الشافعية فلا إشكال على قولهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ ﴾ البَراءُ مَصْدَرٌ مَوْضِعَ الوَصْفِ، لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّثُ، فَكَأنَّهُ قالَ إنَّنِي بَرِيءٌ.
﴿ مِمّا تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ وتَقْدِيرُهُ، لَكِنِ الَّذِي فَطَرَنِي أيْ خَلَقَنِي: ﴿ فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ وقِيلَ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ إلّا الَّذِي فَطَرَنِي لا أبْرَأُ مِنهُ ﴿ فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ قالَ ذَلِكَ ثِقَةً بِاللَّهِ وتَنْبِيهًا لِقَوْمِهِ أنَّ الهِدايَةَ مِن رَبِّهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لَمْ يَزَلْ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يَقُولُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
الثّانِي: ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: الإسْلامُ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ﴾ قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَفِي ﴿ عَقِبِهِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولَدُهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: في آلِ مُحَمَّدٍ ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: مَن خَلْفَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
الثّانِي: يَتُوبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: يَذْكُرُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: يَرْجِعُونَ إلى دِينِكَ الَّذِي هو دِينُ إبْراهِيمَ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ أمّا القَرْيَتانِ فَإحْداهُما مَكَّةَ والأُخْرى الطّائِفُ.
وَأمّا عَظِيمُ مَكَّةَ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَأمّا عَظِيمُ الطّائِفِ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ حَبِيبُ بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: [عُمَيْرُ] بْنُ عَبْدِ يالِيلَ، [الثَّقَفِيُّ] قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ كِنانَةُ [عَبْدُ] بْنُ عَمْرٍو، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ فَيَضَعُوها حَيْثُ شاءُوا.
﴿ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي أرْزاقَهم، قالَ قَتادَةُ: فَتَلَقّاهُ ضَعِيفُ القُوَّةِ قَلِيلُ الحِيلَةِ عَيِيُّ اللِّسانِ وهو مَبْسُوطٌ لَهُ، وتَلَقّاهُ شَدِيدُ الحِيلَةِ بَسِيطُ اللِّسانِ وهو مُقْتِرٌ عَلَيْهِ.
﴿ وَرَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالفَضائِلِ، فَمِنهم فاضِلٌ ومِنهم مَفْضُولٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: بِالحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، فَبَعْضُهم مالِكٌ وبَعْضُهم مَمْلُوكٌ.
الثّالِثُ: بِالغِنى والفَقْرِ، فَبَعْضُهم غَنِيٌّ، وبَعْضُهم فَقِيرٌ.
الرّابِعُ: بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
الخامِسُ: قالَهُ السُّدِّيُّ، التَّفْضِيلُ في الرِّزْقِ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَّمَ رَحْمَتَهُ بِالنُّبُوَّةِ كَما قَسَّمَ الرِّزْقَ بِالمَعِيشَةِ.
﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي خَدَمًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: مِلْكًا، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ النُّبُوَّةَ خَيْرٌ مِنَ الغِنى.
الثّانِي: أنَّ الجَنَّةَ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا.
الثّالِثُ: أنَّ إتْمامَ الفَرائِضَ خَيْرٌ مِن كَثْرَةِ النَّوافِلِ.
الرّابِعُ: أنَّ ما يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ خَيْرٌ مِمّا يُجازِيهم عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِمْ، قالَهُ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى دِينٍ واحِدٍ كُفّارًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: عَلى اخْتِيارِ الدُّنْيا عَلى الدِّينِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أعالِي البُيُوتِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: الأبْوابُ، قالَهُ النَّقّاشُ.
﴿ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعارِجُ الدَّرَجُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ واحِدُها مِعْراجٌ.
﴿ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ﴾ أيْ دَرَجٌ مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَصْعَدُونَ، والظُّهُورُ الصُّعُودُ.
«وَأنْشَدَ: نابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ رَسُولَ اللَّهِ قَوْلَهُ عَلَوْنا السَّماءَ عِفَّةً وتَكَرُّمًا وإنّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرًا فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ وقالَ: (إلى أيْنَ قالَ: إلى الجَنَّةِ.
قالَ: (أجَلْ إنْ شاءَ اللَّهُ)» قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ لَقَدْ مالَتِ الدُّنْيا بِأكْثَرِ أهْلِها وما فَعَلَ ذَلِكَ فَكَيْفَ لَوْ فَعَلَ؟
﴿ وَزُخْرُفًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الذَّهَبُ: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ ذِي الأُصْبُعِ زَخارِفُ أشْباهًا تَخالُ بُلُوغَها ∗∗∗ سَواطِعَ جَمْرٌ مِن لَظًى يَتَلَهَّبُ الثّانِي: الفُرُشُ ومَتاعُ البَيْتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ النُّقُوشُ، قالَهُ الحَسَنُ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج الفضل بن شاذان في كتاب القراءات بسنده، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ: ﴿ إنني بريء مما تعبدون ﴾ بالياء.
وأخرج ابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه: ﴿ إنني بريء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ﴾ قال: إنهم يقولون إن الله ربنا ﴿ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ﴾ [ الزخرف: 87] فلم يبرأ من ربه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة ﴿ وجعلها كلمة باقية في عقبه ﴾ قال: في الإِسلام أوصى بها ولده.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد ﴿ وجعلها كلمة باقية في عقبه ﴾ قال: الإِخلاص والتوحيد لا يزال في ذريته من يقولها من بعده ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ قال: يتوبون، أو يذكرون.
وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس ﴿ وجعلها كلمة باقية في عقبه ﴾ قال: لا إله إلا الله في عقبه، قال: عقب إبراهيم ولده.
وأخرج عبد بن حميد، عن الزهري قال: عقب الرجل ولده الذكور والاناث وأولاد الذكور.
وأخرج عبد بن حميد، عن عبيدة قال: قلت لإِبراهيم: ما العقب؟
قال: ولده الذكر.
وأخرج عبد بن حميد، عن عطاء في رجل أسكنه رجل له ولعقبه من بعده أتكون امرأته من عقبه؟
قال: لا ولكن ولده عقبه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني لا إله إلا الله، وقال قتادة: لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده (١) قال صاحب النظم: قد رضيت العامة بقول المفسرين من غير وقوف على حقيقة مخرج هذه الكلمة، وإذا تأملت الآية رددتها بالاعتبار إلى تأويلها، دلت على قيام لا إله إلا الله فيها مصورة، وذلك أن النفي والتنزيه عند العرب واحد في المعنى.
وقوله -عز وجل- ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ ﴾ مثل قولك: لا، لأنه يتبرأ بها من الشيء.
قوله: ﴿ مِمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ كل معبود عند العرب كان يسمى إلهًا، فقد رجع تأويل هذه الآية بهذا الاعتبار أنها كناية عن الإله، ثم قال: ﴿ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ ولا يهدي ولا يفطر إلا الله -عز وجل-، وكأنه قال: إلا الله، وقد انتظمت الكلمتان بهذا التأويل لا إله إلا الله.
وقوله: ﴿ فِي عَقِبِهِ ﴾ قال مقاتل: في ذرية إبراهيم، وقال الكلبي: في نسله (٢) وقال ابن عباس: يريد في ولده وولد ولده إلى يوم القيامة (٣) قال الأزهري: وكل شيء خلف بعد شيء فقد عقبه يعقب عقبًا وعقوبًا، ولهذا قيل لولد الرجل عقبه، ومنه حديث عمر رحمه الله أنه سافر في عقب رمضان، أي في آخره (٤) قول: ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ قال الفراء: أي لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين إذ كانوا من ولد إبراهيم، فذلك قوله: ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أي: إلى دينك دين إبراهيم (٥) (٦) (١) انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 206 فقد ذكر القول ولم ينسبه، ونسبه الماوردي 5/ 222، والبغوي 7/ 210، والقرطبي 16/ 77 لمجاهد وقتادة، ونسب القرطبي لابن عباس قوله: في عقبه أي في خلفه.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 793، "تنوير المقباس" ص 491، وفص العبارة عند مقاتل: يعني في ذريته، يعني ذرية إبراهيم.
(٣) انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 206، "تفسير الماوردي" 5/ 222، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 77.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (عقب) 1/ 271، وانظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (عقب) / 243، "غريب الحديث" لابن الجوزي (عقب) 2/ 111، "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (عقب) 3/ 268.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 31.
(٦) انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 223، فقد أورد عدة أقوال عن قتادة بلفظ: (يذكرون)، وعن ابن عباس بلفظ (يتوبون)، وعن الفراء: (يرجعون إلى دينك الذي هو دين إبراهيم)، وذكره البغوي 7/ 211 ونسبه للسدي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ ﴾ أي بريء وبراء في الأصل مصدر ثم استعمل صفة، ولذلك استوى فيها الواحد والجماعة كَعَدْل وشبهه ﴿ إِلاَّ الذي فَطَرَنِي ﴾ يحتمل أن يكون استثناء منقطعاً، وذلك إن كانوا لا يعبدون الله، أو يكون متصلاً إن كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، وإعرابه على هذا بدل ﴿ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ فهو في موضع خفض، أو منصوب على الاستثناء فهو في موضع نصب ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ قال هنا: سيهدين، وقال مرة أخرى: فهو يهدين، ليدل على أن الهداية في الحال والاستقبال من الله ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ﴾ ضمير الفاعل في جعلها يعود على إبراهيم عليه السلام، وقيل على الله تعالى، والأول أظهر، والضمير يعود على الكلمة التي قالها وهي: ﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ ، ومعناه: التوحيد ولذلك قيل: يعود على الإسلام لقوله: ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ ﴾ [الحج: 78]، وقيل: يعود على ﴿ لاَ إله إِلاَّ الله ﴾ [الصافات: 35]، والمعنى متقارب: أي جعل إبراهيم تلك الكلمة ثابتة في ذريته؛ لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد، والعقب هو الولد وولد الولد ما تناسلا أبداً ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هؤلاء وَآبَآءَهُمْ ﴾ الإشارة بهؤلاء إلى قريش، وهذا الكلام متصل بما قبله، لأن قريشاً من عقب إبراهيم عليه السلام، فالمعنى لكن هؤلاء ليسوا ممن بقيت الكلمة فيهم، بل متعتهم بالنعم والعافية، فلم يشكروا عليها واشتغلوا بها عن عبادة الله ﴿ حتى جَآءَهُمُ الحق وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ في إم الكتاب ﴾ بكسر الهمزة: حمزة وعلي ﴿ إن كنتم ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع وعلي وحمزة وخلف.
الآخرون: بالفتح أي لأن كنتم ﴿ مهداً ﴾ : عاصم وحمزة وعلي وخلف وروح.
الباقون ﴿ مهاد ﴾ ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد.
﴿ يخرجون ﴾ من الخروج: حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.
الآخرون: من الإخراج ﴿ ينشأ ﴾ من باب التفعيل: حمزة وعلي وخلف وحفص.
الباقون: بالتخفيف والياء مفتوحة والنون ساكنة ﴿ عباد الرحمن ﴾ جمع عبد أو عابد: أبو عمرو وعاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر ﴿ عند الرحمن ﴾ بالنون كقوله ﴿ فالذين عند ربك ﴾ الآخرون: ﴿ عبيد الرحمن ﴾ ﴿ أو شهدوا ﴾ بقلب همزة الإشهاد واواً مضمومة: ورش وإسماعيل.
وقرأ يزيد وقالون مثله ولكن بالمد.
وقرأ المفضل بتحقيق الهمزتين.
الباقون: بهمزة واحدة للاستفهام والشين مفتوحة ﴿ قال أولو ﴾ بالألف: ابن عامر وحفص والمفضل ﴿ جئناكم ﴾ يزيد.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ المبين ﴾ ه لا ومن لم يقف على ﴿ حم ﴾ وقف على ﴿ المبين ﴾ لأن القسم متعلق بما قبله وهو هذه ﴿ حم ﴾ ﴿ تعقلون ﴾ ه ج ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ مسرفين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده وصف ولو كان نصباً أو رفعاً على المدح فالوقف ﴿ تهتدون ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ج للالتفات مع الفاء ﴿ ميتاً ﴾ ج لانقطاع النظم مع تعلق التشبيه ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تركبون ﴾ ه لا ﴿ مقرنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ لمنقلبون ﴾ ه ﴿ جزءاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ بالبنين ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ط ﴿ خلقهم ﴾ ط ﴿ ويسئلون ﴾ ه ﴿ ما عبدناهم ﴾ ط ﴿ يحرصون ﴾ ه ط ﴿ مستمسكون ﴾ ه ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ مقتدون ﴾ ه ﴿ آباءكم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه.
التفسير: أقسم بجنس الكتاب أو بالقرآن الظاهر الإعجاز أو المفصح عن كل حكم يحتاج المكلف إليه أنه جعل القرآن بلغة العرب ليعقلوه.
وفي نسبة الجعل إلى نفسه إشارة إلى أنه ليس بمفترى كما زعمه الكفرة.
وقيل: أراد ورب الكتاب وقيل: الكتاب اللوح المحفوظ.
وقال ابن بحر: هو الخط أقسم به تعظيماً لنعمته فيه، وقال ابن عيسى: البيان ما يظهر به المعنى للنفس عند الإدراك بالبصر والسمع وذلك على خمسة أوجه: لفظ وخط وإشارة وعقد وهيئة، كالأعراض وتكليح الوجه.
وأم الكتاب بكسر الهمزة وبضمها اللوح المحفوظ لأنه أصل كل كتاب والتقدير: وإنه لعلي حكيم في أم الكتاب لدينا.
والعلو علو الشأن في البلاغة والإرشاد وغير ذلك والحكيم المشتمل على الحكمة.
ثم أنكر على مشركي قريش بقوله ﴿ أفنضرب ﴾ قال جار الله: أراد أنهملكم فنضرب ﴿ عنكم الذكر ﴾ يقال: ضرب عنه الذكر إذا أمسك عنه وأعرض عن ذكره من ضرب في الأرض.
إذا أبعد و ﴿ صفحاً ﴾ مصدر من غير لفظ الفعل والأصل فيه أن تولي الشيء صفحة عنقك، وجوز جار الله أن يكون بمعنى جانباً من قولهم: " نظر إليه بصفح وجهه " فينتصب على الظرف ويكون الذكر بمعنى الوعظ والقرآن والفحوى أفننحيه عنكم.
وقيل: ضرب الذكر رفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن من بين أظهركم إشراككم مع علمنا بأنه سيأتي من يقبله ويعمل به.
قال السدي: أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم وهو قريب من الأول.
وقيل: الذكر هو أن يذكروا بالعقاب ولا يخلوا من مناسبة لقوله ﴿ فأهلكنا أشد منهم بطشاً ﴾ ومن قرأ ﴿ إن كنتم ﴾ بالكسر فكقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي.
يخيل في كلامه أن تفريطه في الخروج عن عهدة الأجر فعل من يشذ في الاستحقاق مع تحققه في الخارج.
ثم سلى نبيه بقوله ﴿ وكم أرسلنا ﴾ الآيتين.
قوله ﴿ أشد منهم ﴾ قيل: "من" زائدة والمراد أشدهم ﴿ بطشاً ﴾ كعاد وثمود وقيل: الضمير لقوم رسول الله وأصله أشد منكم إلا أنه ورد على طريقة الالتفات كقوله ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ﴾ قوله ﴿ ومضى مثل الأولين ﴾ أي سلف ذكرهم وقصتهم العجيبة في القرآن غير مرة ويحتمل أن يكون معناه كقوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين ﴾ ثم بين بقوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ أن كفرهم كفر عناد ولجاج لأنهم يعرفون الله ثم ينكرون رسوله وكتابه وقدرته على البعث.
وهذه الأوصاف من كلام الله لا من قول الكفار بدليل قوله ﴿ لكم ﴾ ولم يقل " لنا " ولقوله ﴿ فأنشرنا ﴾ والمراد لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه وقد مر في "طه" مثله.
وقوله ﴿ تهتدون ﴾ أي في الأسفار أو إلى الإيمان بالنظر والاعتبار.
وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي بمقدار الحاجة لا مخرباً مغرقاً كما في الطوفان.
وقوله ﴿ ميتاً ﴾ تذكيره بتأويل المكان.
والأزواج الأصناف وقد مر في قوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج ﴾ والعائد إلى ما في قوله ﴿ ما تركبون ﴾ محذوف فلك أن تقدره مؤنثاً أو مذكراً باعتبارين.
قال في الكشاف: يقال: ركبت الأنعام وركبت في الفلك إلا أنه غلب المتعدي بغير واسطة على المتعدي بواسطة.
قلت: يجوز أن يكون كقوله "ويوم شهدناه" والضمير في ظهوره عائد إلى ما.
والاستواء في الآية بمعنى التمكن والاستقرار وذكر النعمة بالقلب ويحتمل كونه باللسان وهو تقديم الحمد لله.
يروى أن النبي كان إذا وضع رجله في الركاب قال: الحمد لله على كل حال ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا ﴾ إلى قوله ﴿ لمنقلبون ﴾ وكبر ثلاثاً وهلل ثلاثاً.
وإذا ركب في السفينة قال ﴿ بسم الله مجريها ومرساها إِن ربي لغفور رحيم ﴾ ومعنى ﴿ مقرنين ﴾ مطيقين أو ضابطين مع صعوبة خلقه وخلقه.
وقيل: لا يطيق أن يقرن بعضها ببعض حتى يسيرها إلى حيث يريد ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ أي في آخر عمرنا كأنه يتذكر ركوب الجنازة أو عثور الدابة أو انكسار السفينة فليستعد للقاء الله عز وجل بخلاف من يركب الخيول والزوارق لأجل التنزه والاشتغال بالملاهي والمناهي فيكون غافلاً عن المبدأ والمعاد.
عن بعضهم أنه أدخل في البحر ههنا خلاف ما في "الشعراء" لأن ركوب الدابة أو السفينة أو الجنازة عام لكل أحد.
وما في "الشعراء" خاص بالسحرة.
ثم عاد إلى ما انجر الكلام منه وهو قوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والمقصود التنبيه على سخافة عقولهم وقلة محصولهم فإنهم مع الإقرار بأن خالق السموات والأرض هو الله جعلوا له من عباده جزءاً أي أثبتوا له ولداً، وذلك أن ولد الرجل جزء منه.
قال : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" " وفي قوله ﴿ من عباده ﴾ إشارة إلى أن ما عداه ممكن الوجود فإن الولد متأخر في الوجود عن الأب والمتأخر عن الواجب ممكن، والممكن مفتقر إلى الواجب في الوجود والبقاء والذات والصفات.
وقيل: هو إنكار على مثبتي الشركاء لأنهم جعلوا بعض العبادة لغير الله، وفيه نوع تكلف.
والكفور البليغ الكفران لأنه يجحد ربه وخالقه ولا يجتهد في تنزيهه وتقديسه.
وحين وبخهم على إثبات الولد زاد في توبيخهم وتجهيلهم والتعجيب من حالهم حيث جعلوا ذلك الولد بنتاً مع أنها مكروهة عندهم فقال ﴿ أم اتخذ مما يخلق ﴾ وفائدة تنكير ﴿ بنات ﴾ وتعريف البنين كما مر في آخر السورة المتقدمة في تنكير ﴿ إناثاً ﴾ وتعريف ﴿ الذكور ﴾ } [الشورى: 49] وقوله ﴿ بما ضرب للرحمن مثلاً ﴾ أي بالجنس الذي جعله شبهاً لله لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، والمراد أنه إذا بشر بالأنثى كما سبق في "النحل" اغتم ويسود وجهه وملىء غيظاً وكرباً.
ثم زاد في الإنكار بتعديد طرف من نقصان الإناث قائلاً ﴿ أو من ينشأ ﴾ والتقدير أهو كضده.
قال جار الله: تقديره أو يجعل للرحمن من الولد من له هذه الصفة الدنيئة الذميمة وهي أنه يربى أو يتربى في الزينة والنعومة، وهو إذا احتاج إلى المخاصمة لا يبين ولا يعرب عما في ضميره لعجزه عن البيان ولقلة عقله.
قالت العقلاء: قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تعرب عن حجتها إلا نطقت بما هو حجة عليها.
وفيه أن النشء في الزينة والإمعان في التنعم من خصائص ربات الحجال لا من خواص الرجال.
وإنما ينبغي أن يكون تلبسهم بلباس التقوى وتزينهم باستعداد الزاد للدار الأخرى.
ثم خصص أن البنات التي نسبن إليه من أي جنس من بعدما عمم في قوله ﴿ مما يخلق ﴾ فقال ﴿ وجعلوا ﴾ أي سموا ﴿ الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ وفي إثبات العبودية لهم نفي الجزئية عنهم كما مر آنفاً.
وقوله ﴿ أشهدوا خلقهم ﴾ كقوله ﴿ ما أشهدتم خلق السموات والأرض ﴾ وفيه تهكم بهم لأنه لم يدل على ذلك عقل ولا نقل صحيح فلم يبق إلا الإخبار عن المشاهدة يعني مشاهدتهم خلق الله إياهم أو مشاهدة صور الملائكة.
ثم أوعدهم بقوله ﴿ ستكتب شهادتهم ﴾ على أنوثية الملائكة ﴿ ويسئلون ﴾ ثم حكى نوعا آخر من كفرهم وشبهاتهم وهو أنهم ﴿ قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ أي الملائكة والأصنام نظير ما مر في آخر الأنعام { ﴿ سيقول الذين أشركوا ﴾ واستدلال المعتزلة به ظاهر لأنه ذمهم بقوله ﴿ ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ﴾ أجاب الزجاج عنه بأن قوله ﴿ ما لهم بذلك من علم ﴾ عائد إلى قولهم الملائكة بنات الله، والمراد لو شاء الرحمن ما أمرنا بعبادتهم كقولهم { ﴿ والله أمرنا بهم ﴾ فلهذا أنكر الله عليهم قاله الواحدي في بسيطه.
وقيل: قالوها استهزاء، وزيفه جار الله بأنه لا يتمشى في أقوالهم المتقدمة وإلا كانوا صادقين مؤمنين.
وجعل هذا الأخير وحده مقولاً على وجه الهزء دون ما قبله تعويج لكتاب الله.
وتمام البحث بين الفريقين مذكور في " الأنعام " وإنما قال في الجاثية ﴿ إن هم إلا يظنون ﴾ لأن هذا كذب محض وهناك خلطوا الصدق بالكذب، صدقوا في قولهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ وكذبوا في قولهم ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ وكانوا شاكين في أمر البعث، ثم زاد في الإنكار عليهم بقوله ﴿ أم آتيناهم كتاباً من قبله ﴾ أي من قبل القرآن أو الرسول ﴿ فهم به مستمسكون ﴾ ثم أضرب عن ذلك وأخبر أنه لا مستند لهم في عقائدهم وأقوالهم الفاسدة الا التقليد.
والأمة الدين والطريقة التي تؤم أي تقصد.
ثم سلى نبيه بأن هذا دأب أسلافهم وداء قديم في جهال بني آدم.
وإنما قال أولاً ﴿ مهتدون ﴾ وبعده ﴿ مقتدون ﴾ لأن العرب كانوا يخاصمون رسول الله ويزعمون الاهتداء، ولعل الأمم قبلهم لم يزعموا إلا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء.
ثم أخبر أن النذير ﴿ قال ﴾ أو أمر النذير أو محمداً أن يقول ﴿ أو لو جئتكم ﴾ أي أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم فاصروا على التكذيب ولم يقبلوا فانتقم الله منهم.
ثم بين بقصة إبراهيم أن القول بالتقليد يوجب المنع من التقليد، وذلك أن إبراهيم كان أشرف آباء العرب وأنه ترك دين الآباء لأجل الدليل، فلو كانوا مقلدين لآبائهم وجب أن يتبعوه في الاعتماد على الدليل لا على مجرد التقليد.
والبراء بالفتح مصدر أي ذو براء.
وقوله ﴿ إلا الذي فطرني ﴾ قيل: متصل، وكان فيهم من يعبد الله مع الأصنام.
وقيل: منقطع بمعنى لكن، ويحتمل أن يكون مجروراً بدلاً من ما أي إلا من الذي وجوز في الكشاف أن تكون "إلا" صفة بمعنى غير و "ما" موصوفة تقديره إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني ﴿ فإنه سيهدين ﴾ أي يثبتني على الهداية أو يرشدني إلى طريق الجنة، ولا ريب أن قوله ﴿ إنني براء مما تعبدون ﴾ بمنزلة لا إله وقوله ﴿ إلا الذي فطرني ﴾ بمثابة " إلا الله " وهي كلمة التوحيد فلذلك أنّث الضمير في قوله ﴿ وجعلها ﴾ أي وجعل إبراهيم أو الله ﴿ كلمة ﴾ التوحيد ﴿ باقية في عقبه ﴾ فلا يزال في ذريته من يوحد الله عز وجل ويدعو إلى توحيده نظيره ﴿ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ﴾ ﴿ لعلهم ﴾ أي لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد أو عن الشرك بدعاء الموحدين منهم.
ثم أضرب عن رجاء الرجوع منهم إلى أن تمتيعهم بالعمر وسعة الرزق صار سبباً لعظم كفرهم وشدة عنادهم.
قال جار الله: أراد بل اشتغلوا عن التوحيد ﴿ حتى جاءهم الحق ﴾ وهو القرآن ﴿ ورسول مبين ﴾ الرسالة واضحها فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها من غفلتهم لاقتضائها التنبيه.
ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق قائلاً ﴿ ولما جاءهم الحق ﴾ جاؤا بما هو شر من غفلتهم وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق ومكابرة الرسول وإنكار القرآن والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي ﴾ والإشكال: أنه - - تبرأ من عبادة جميع ما يعبدون، واستثنى عبادة الذي فطره وهو الله - - وهم لا يعبدون الذي فطره، فكيف يستثني من جملة عبادة من يعبدون، والاستثناء [إنما يكون] من جنس المستثنى منه.
فنقول: قال بعضهم: إنه تبرأ من عبادة من عبدوا واستثنى عبادة من فطره؛ لأن فيهم من عبد الذي فطره، [وهو] الله - - فلو تبرأ من عبادة جميع ما يعبدون على الإطلاق لصار متبرئاً عن عبادة الله - - لذلك استثنى عبادة الله، والله أعلم.
لكن الإشكال أنه لم يظهر أن في قومه من يعبد الله - - وهو الذي فطره وخلقه، فما معنى الاستثناء، فيقال: إنه لم يكن في قومه من يعبد الذي فطره، فكان في آبائهم وأوائلهم من يعبد الذي فطرهم، فيرجع استثناؤه إلى ذلك، والله أعلم.
ويحتمل أنه إنما استثنى الذي فطره على طريق الاحتياط؛ لاحتمال أن يكون فيهم من يعبد الله - - ولا وقوف له على ذلك فيصير متبرئاً من ذلك لو تبرأ ممن يعبدون جميعاً، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون استثنى الذي فطره؛ لأنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام والأوثان دون الله - - رجاء أن تشفع لهم فتقربهم إلى الله زلفى؛ لقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ فرجع استثناؤه إلى حقيقة الذي قصدوا بالعبادة، وهو الذي فطرهم، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون هذا استثناء منقطعاً وهو الاستثناء بخلاف الجنس بمعنى لكن، معناه: إني براء مما تعبدون، ولكن أعبد الذي فطرني، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله - -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ ﴾ أي: ولكن تجارة عن تراض؛ لأنه لا يجوز أن يستثنى التجارة عن تراض من الباطل، ولا السلام من اللغو، ونحو ذلك كثير، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ ذكر أن هذا الحرف ﴿ بَرَآءٌ ﴾ على ميزان واحد في الوحدان والتثنية والجمع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: سيثبتني على الهدى.
والثاني: أي: فإنه سيهديني في حادث الوقت، والهدى مما يتجدد، فينصرف إلى إرادة حقيقة الهدى.
فعلى هذين الوجهين يخرج على التوفيق إلى الهدى، والعصمة عن ضده في المستقبل، ولا يحتمل أن يريد بهذا الهدى البيان بأن يقول: فإنه سيبين لي؛ لأنه قد بين له جميع ما يقع له الحاجة إليه، فلا يحتمل أن يسأل البيان، ولا يحتمل الأمر - أيضاً - فإنه قد تقدم الأمر به، ويرجع إلى حقيقة الهدى، أو إلى التوفيق والعصمة، ويكون في الآية دلالة على أن عند الله - - لطفاً، وهو ما ذكرنا: [أنه] من أعطى ذلك يصير مهتدياً، وأنه لم يعط الكفرة ذلك، ولو أعطاهم لآمنوا.
وقوله: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: الكلمة الباقية هي كلمة الهداية والتوحيد، فإنه سأل أن يجعل ما وجد منه من التبري من غير الله - - وتحقيق عبادة الله - - بقوله: ﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي ﴾ كلمة باقية، وأنه كلمة التوحيد، فإن قوله: "لا إله"، نفي غير الله، وقوله: "إلا الله"، إثبات ألوهية الله - - وذلك معنى قوله: ﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي ﴾ وهو كقوله - -: ﴿ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 64]، وأجاب الله - - سؤاله في دعائه، فم يزل في ذرية إبراهيم وعقبه من يقولها، وذلك قوله - -: ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ .
والثاني: الكلمة الباقية: هي كلمة الدعوة إلى الهدى والتوحيد، وهي عبارة عن إبقاء النبوة والخلافة في ذريته إلى يوم القيامة، وهو ما قال: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ أخبر أن الظالم من ذريته لا ينال عهده، فأما من لم يكن ظالماً فإنه ينال عهده، وقد استجاب الله دعاءه، فلم يزل الدعوة في ذريته والنبوة في خلفائهم إلى يوم القيامة؛ قال الله - -: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ أخبر أنه متعهم وآباءهم في مكان لا نبات فيه، ولا زرع، ولا ماء، سخر الناس وحملهم على أن يحملوا إليهم الطعام، والأغذية، وأنواع الفواكه من الأمكنة البعيدة، ويجلبون إليهم ما ذكرنا، فذلك ما ذكر من تمتيعه إياهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: القرآن ﴿ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: محمد بين أنه من عند الله - - جاء، وأنه رسوله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ ﴾ ، لم تزل كانت عادة رؤساء الكفرة والأشراف منهم التكلم بهذه الكلمة عند نزول الآيات والمعجزات؛ يريدون بذلك التمويه على أتباعهم والتلبيس، فعلى ذلك قول هؤلاء: ﴿ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ظن هؤلاء أنه لما وسع عليهم الدنيا، وأنعم عليهم، وأعطى لهم الأموال إنما أعطوا ذلك ووسع عليهم لكرامة لهم عند الله - - وفضل وقدر لديه، ومن ضيق عليه الدنيا ولم يعط ذلك إنما ضيق عليه ومنع لهوانه عنده، فقالوا: [عند] ادعاء محمد الرسالة ونزول القرآن عليه من الله - -: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ظنوا أن من عظم قدره ومنزلته عند الخلق بما وسع عليه وأعطي من الأموال هو عند الله كذلك، قالوا: لو كان ما يقول محمد حقّاً: إن هذا القرآن إنما أنزل من عند الله، هلا أنزل على رجل من القريتين عظيم؟
فأخبر - عز وجل - أنه لم يوسع الدنيا على من وسع لفضل منزلته وقدره وعنده، وعلى من ضيق إنما ضيق لهوان له عنده، لكن رب مضيق عليه مكرم عظيم عند الله، ورب موسع عليه يكون مهاناً عنده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ هو يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إنهم لا يملكون قسمها على تدبير ما أنشئوا، وعلى تقدير ما خلقوا، وهي ما ذكر من المعاش وأسباب الرزق من التوسيع والتفضيل، فالذي لم يجعل إليهم في ذلك شيء من تدبيره وتقديره أحق وأولى ألا يملكوا قسم ذلك بينهم واختياره، وهو النبوة والرسالة، ووضعها حيث شاءوا؛ هذا أحد التأويلين.
ثم قوله - -: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ ﴾ دلالة في خلق أفعال الخلق؛ لأن التفضيل والتوسيع في الرزق والمعيشة إنما يكون باكتساب يكون منهم، وأسباب جعلت لهم، ثم أخبر أنه هو يقسم ذلك، دل ذلك على أنه هو منشئ أكسابهم، وخالق أفعالهم، وأن له في ذلك تدبيراً؛ لأنا نرى من هو أعلم وأقدر على أسباب الرزق كانت الدنيا عليه أضيق، ومن هو دونه في تلك الأسباب والاكتساب كانت عليه أوسع؛ [دل] ذلك على أنه [لو كان] على تدبيرهم خاصة، لكانت تكون هي أوسع على من هو أجمع لأسبابها واكتسابها، وأقدر على ذلك، وتكون [أضيق] على من ليست له تلك الأسباب.
ثم قال جعفر بن حرب للخروج عن هذا الإلزام: إنما وسع على من وسع؛ لأن التوسيع له أصلح وأخير، وضيق على من ضيق؛ لأن التضييق له أصلح وأخير في الدين؛ فيقال: لو كان التوسيع والتضييق لأجل الأصلح لهم في الدين والأخير، لم يكن ما ذكر من رفع بعض على بعض وتفضيل بعض على بعض في الرزق معنى، وقد أخبر أنه رفع بعضهم على بعض درجات، ولو كان الكل في ذلك سواء، لا يكون لبعض على بعض في ذلك فضل ولا درجة، لأنه لو كانوا على ما يقولون هم: إنه يعطي كُلا ما هو الأصلح في الدين وأخير لهم في ذلك، فهؤلاء الفراعنة منهم والرؤساء لو لم يكن لهم تلك السعة وتلك الأموال لا يتهيأ لهم فعل ما فعلوا ومنع الناس عن اتباع رسل الله - عليهم السلام - وعلى ذلك فرعون إنما ادعى لنفسه الألوهية بما أعطي له من الملك والسعة ما لو لم يكن له ذلك لم يدع ذلك، وكان ذلك أصلح في الدين؛ فدل أن الله قد يترك ما هو الأصلح لهم في الدين، وأن ليس عليه حفظ الأصلح لهم في الدين.
وقوله - عز وجل ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ سُخْرِيّاً ﴾ - بكسر السين -: الاستهزاء، وتأويله: أنه علم منهم أن بعضهم يستهزئ ببعض، ويهزأ بعضهم بعضاً، أعطى ذلك لهم؛ ليكون منهم ما علم منهم من الهزء والسخرية، لا أن يكون يرفع بعضهم على بعض؛ ليأمر بما علم أنه يكون منهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ ﴾ : النبوة؛ أي: ما اختار رسول الله من الرسالة والنبوة خير مما يجمع أولئك الكفرة.
ويحتمل: ما يدعوهم محمد ويختار لهم من التوحيد والدين خير مما يجمعون هم من الأموال.
ويحتمل: ما وعد لأهل الإيمان من الثواب والكرامة بإيمانهم - وهو الجنة - خير مما يجمعون، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ...
﴾ الآية؛ أي: لولا أن يصير الناس كلهم على ملة واحدة - وهو دين الكفر - وإلا لجعلنا للكفار ما ذكرنا.
في الآية دلالة التزهيد في الدنيا؛ لأنه ذكر أنه أعطى الكفار ما ذكر، لولا رعاية قلوب ضعفة [الإيمان] حتى لا يتحولوا إلى دين الكفر، فما منع الكافر ما منع إنما منع بسبب المؤمن، فيجب أن يزهد فيها.
وفي الآية دلالة جوده وكرمه؛ حيث لم يمنع من عادى أولياءه وعاداه نعيم الدنيا، وفي الشاهد أن من عادى آخر يمنعه ذلك ما عنده من الفضل والمال.
وفيها دلالة هوان الدنيا على الله - - على ما ذكره أهل التأويل؛ إذ لو كان لها عنده خطر وقدر لم يعط الكافر منها جناح بعوضة أو جناح ذبابة؛ فدل ذلك على هوانها على الله، .
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ حيث قالوا: ليس على الله أن يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدين؛ لأنه أخبر - - أنه لولا ما يختار أهل الإيمان الكفر والدخول فيه وإلا جعل لأهل الكفر ما ذكر من جعل النعم، فلو كان الأصلح واجباً في الدنيا لكان يجب أن يعطي لأهل الإيمان مثل ذلك الذي ذكر أنه لو أعطى لأهل الكفر فيكونون جميعاً أهل كفر، وإذا أعطى ذلك لأهل الإيمان لا يكونون جميعاً أهل الإيمان، وهو الأصلح في الدين، ومع ذلك لم يعط - دل أنه ليس على الله - - حفظ الأصلح لهم في الدين، ولا حفظ الأخير، والله الموفق.
والأصل في قوله - -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...
﴾ الآية أنهم خيروا في هذه الدنيا أن يختاروا النعم الدائمة، أو اللذة الفانية، والنعمة الزائلة المنقطعة، فمن اختار وآثر النعيم الدائم واللذة الباقية على النعمة الزائلة واللذة [الفانية]، ضيق عليهم النعم الزائلة واللذة الفانية؛ لما آثر واختار الباقية على الفانية، ومن آثر الفانية الزائلة على الباقية الدائمة وسع عليه الفانية لما اختار وآثر وهو ما ذكر في قوله - -: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ...
﴾ الآية [الإسراء: 18-19]، بين لكل ما اختار وآثر من النعم الفانية والدائمة، وذكر الفضة والذهب وإن كانت أشياء أخر قد تكون أرفع وأعظم قدراً منها؛ لأن هذين هما أعز الأشياء عندهم، وبهما يوصل إلى كل رفيع وعظيم، والله أعلم.
ثم ما ذكر من جعل السقف والمعارج من الفضة، وما ذكر من الزخرف هو رد ما قاله فرعون في حق موسى - -: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ أي: لخساسة الدنيا، وهو أنها لم يعط لأوليائه والأخيار من عباده، ولولا ما يكون من ترك أهل الإيمان وإلا لكان في حق كل كافر مثل ما فعل حق فرعون وأمثاله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: كل ما ذكر ليس إلا متاع الحياة الدنيا، أعطى من آثره على نعيم الآخرة والعاقبة للمتقين كما اختاروها على غيرها، والله المستعان.
قال القتبي: المعارج: الدرج؛ يقال: عرج: أي: صعد، ومنه المعراج؛ لأنه سبب إلى السماء أو طرف، ﴿ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾ أي: يعلون؛ ظهرت على البيت: إذا علوت سطحه، والزخرف الذهب، وكذا قول أبي عوسجة: المعارج: المصاعد، والمعراج: الصعود، والزخرف: كل شيء حسن، والزخرفة: التحسين والتزيين.
وهذا أشبه؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا ﴾ أي: زينتها وحسنها والسُّقُفُ: جمع السَّفْفِ، وهو سمك البيت.
<div class="verse-tafsir"
وصيَّر إبراهيم كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) باقية في ذريته من بعده، فلا يزال فيهم من يوحِّد الله لا يشرك به شيئًا؛ رجاء أن يرجعوا إلى الله بالتوبة إليه من الشرك والمعاصي.
<div class="verse-tafsir" id="91.b4nVZ"