الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٥٢ من سورة الزخرف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 82 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٢ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ) قال السدي : يقول : بل أنا خير من هذا الذي هو مهين .
وهكذا قال بعض نحاة البصرة : إن " أم " هاهنا بمعنى " بل " .
ويؤيد هذا ما حكاه الفراء عن بعض القراء أنه قرأها : " أما أنا خير من هذا الذي هو مهين " .
قال ابن جرير : ولو صحت هذه القراءة لكان معناها صحيحا واضحا ، ولكنها خلاف قراءة الأمصار ، فإنهم قرءوا : ( أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ) ؟
على الاستفهام .
قلت : وعلى كل تقدير فإنما يعني فرعون - عليه اللعنة - أنه خير من موسى ، عليه السلام ، وقد كذب في قوله هذا كذبا بينا واضحا ، فعليه لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة .
ويعني بقوله : ( مهين ) كما قال سفيان : حقير .
وقال قتادة والسدي : يعني : ضعيفا .
وقال ابن جرير : يعني : لا ملك له ولا سلطان ولا مال .
( ولا يكاد يبين ) يعني : لا يكاد يفصح عن كلامه ، فهو عيي حصر .
قال السدي : ( ولا يكاد يبين ) أي : لا يكاد يفهم .
وقال قتادة ، والسدي ، وابن جرير : يعني عيي اللسان .
وقال سفيان : يعني في لسانه شيء من الجمرة حين وضعها في فيه وهو صغير .
وهذا الذي قاله فرعون - لعنه الله - كذب واختلاق ، وإنما حمله على هذا الكفر والعناد ، وهو ينظر إلى موسى ، عليه السلام ، بعين كافرة شقية ، وقد كان موسى ، عليه السلام ، من الجلالة والعظمة والبهاء في صورة يبهر أبصار ذوي [ الأبصار و ] الألباب .
وقوله : ( مهين ) كذب ، بل هو المهين الحقير خلقة وخلقا ودينا .
وموسى [ عليه السلام ] هو الشريف الرئيس الصادق البار الراشد .
وقوله : ( ولا يكاد يبين ) افتراء أيضا ، فإنه وإن كان قد أصاب لسانه في حال صغره شيء من جهة تلك الجمرة ، فقد سأل الله ، عز وجل ، أن يحل عقدة من لسانه ؛ ليفقهوا قوله ، وقد استجاب الله له في [ ذلك في ] قوله : ( قال قد أوتيت سؤلك ياموسى ) [ طه : 26 ] ، وبتقدير أن يكون قد بقي شيء لم يسأل إزالته ، كما قاله الحسن البصري ، وإنما سأل زوال ما يحصل معه الإبلاغ والإفهام ، فالأشياء الخلقية التي ليست من فعل العبد لا يعاب بها ولا يذم عليها ، وفرعون وإن كان يفهم وله عقل فهو يدري هذا ، وإنما أراد الترويج على رعيته ، فإنهم كانوا جهلة أغبياء ،
القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ (52) يقوله تعالى ذكره مخبرًا عن قيل فرعون لقومه بعد احتجاجه عليهم بملكه وسلطانه, وبيان لسانه وتمام خلقه, وفضل ما بينه وبين موسى بالصفات التي وصف بها نفسه وموسى: أنا خير أيها القوم, وصفتي هذه الصفة التي وصفت لكم ( أم هذا الذي هو مهين ) لا شيء له من الملك والأموال مع العلة التي في جسده, والآفة التي بلسانه, فلا يكاد من أجلها يبين كلامه؟.
وقد اختُلف في معنى قوله: ( أمْ ) في هذا الموضع, فقال بعضهم: معناها: بل أنا خير, وقالوا.
ذلك خير, لا استفهام.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد: قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ) قال: بل أنا خير من هذا.
وبنحو ذلك كان يقول بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة.
وقال بعض نحويي الكوفة, هو من الاستفهام الذي جعل بأم لاتصاله بكلام قبله.
قال: وإن شئت رددته على قوله: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ؟
وإذا وجه الكلام إلى أنه استفهام, وجب أن يكون في الكلام محذوف استغني بذكر ما ذكر مما ترك ذكره, ويكون معنى الكلام حينئذ: أنا خير أيها القوم من هذا الذي هو مهين, أم هو؟.
وذُكر عن بعض القرّاء أنه كان يقرأ ذلك " أما أنا خَيْرٌ".
حدثنا بذلك عن الفرّاء قال: أخبرني بعض المشيخة أنه بلغه أن بعض القرّاء قرأ كذلك, ولو كانت هذه القراءة قراءة مستفيضة في قَرَأة الأمصار لكانت صحيحة, وكان معناها حسنا, غير أنها خلاف ما عليه قرّاء الأمصار, فلا أستجيز القراءة بها, وعلى هذه القراءة لو صحت لا كلفة له في معناها ولا مؤنة.
والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار.
وأولى التأويلات بالكلام إذ كان ذلك كذلك, تأويل من جعل: أم أنا( خَيْرٌ )؟
من الاستفهام الذي جعل بأم, لاتصاله بما قبله من الكلام, ووجهه إلى أنه بمعنى: أأنا خير من هذا الذي هو مهين؟
أم هو؟
ثم ترك ذكر أم هو, لما في الكلام من الدليل عليه.
وعني بقوله: ( مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ) : من هذا الذي هو ضعيف لقلة ماله, وأنه ليس له من الملك والسلطان ماله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ) قال: ضعيف.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ) قال: المهين: الضعيف.
وقوله: ( وَلا يَكَادُ يُبِينُ ) يقول: ولا يكاد يبين الكلام من عِيّ لسانه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَلا يَكَادُ يُبِينُ ) : أي عَييّ اللسان.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَلا يَكَادُ يُبِينُ ) الكلام.
ثم صرح بحاله فقال : ( أم أنا خير ) قال أبو عبيدة والسدي : ( أم ) بمعنى ( بل ) وليست بحرف عطف ، على قول أكثر المفسرين .
والمعنى : قال فرعون لقومه بل أنا خير من هذا الذي هو مهين أي : لا عز له فهو يمتهن نفسه في حاجاته لحقارته وضعفه ( ولا يكاد يبين ) يعني ما كان في لسانه من العقدة ، على ما تقدم في ( طه ) وقال الفراء : في ( أم ) وجهان : إن شئت جعلتها من الاستفهام الذي جعل بأم لاتصاله بكلام قبله ، وإن شئت جعلتها نسقا على قوله : أليس لي ملك مصر وقيل : هي زائدة .
وروى أبو زيد عن العرب أنهم يجعلون ( أم ) زائدة ، والمعنى أنا خير من هذا الذي هو مهين .
وقال الأخفش : في الكلام حذف ، والمعنى : أفلا تبصرون أم تبصرون ، كما قال [ ذو الرمة ] :أيا ظبية الوعساء بين جلاجلوبين النقا أأنت أم أم سالم أي : أنت أحسن أم أم سالم .
ثم ابتدأ فقال : ( أنا خير ) .
وقال الخليل وسيبويه : المعنى أفلا تبصرون ، أم أنتم بصراء ، فعطف ب ( أم ) على ( أفلا تبصرون ) لأن معنى ( أم أنا خير ) أم أي تبصرون ، وذلك أنهم إذا قالوا له أنت خير منه كانوا عنده بصراء .
وروي عن عيسى الثقفي ويعقوب الحضرمي أنهما وقفا على ( أم ) على أن يكون التقدير أفلا تبصرون أم تبصرون ، فحذف تبصرون الثاني .
وقيل : من وقف على ( أم ) جعلها زائدة ، وكأنه وقف على تبصرون من قوله : ( أفلا تبصرون ) ولا يتم الكلام على تبصرون عند الخليل وسيبويه ; لأن أم تقتضي الاتصال بما قبلها .
وقال قوم : الوقف على قوله : ( أفلا تبصرون ) ثم ابتدأ ( أم أنا خير ) بمعنى بل أنا ، وأنشد الفراء :بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أم أنت في العين أملحفمعناه : بل أنت أملح .
وذكر الفراء أن بعض القراء قرأ ( أما أنا خير ) ، ومعنى هذا ألست خيرا .
وروي عن مجاهد أنه وقف على ( أم ) ثم يبتدئ ( أنا خير ) وقد ذكر .
{أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} يعني -قبحه الله- بالمهين، موسى بن عمران، كليم الرحمن، الوجيه عند الله، أي: أنا العزيز، وهو الذليل المهان المحتقر، فأينا خير؟
{و} مع هذا فـ {لا يَكَادُ يُبِينُ} عما في ضميره بالكلام، لأنه ليس بفصيح اللسان، وهذا ليس من العيوب في شيء، إذا كان يبين ما في قلبه، ولو كان ثقيلا عليه الكلام.
( أم أنا خير ) بل أنا خير ، " أم " بمعنى " بل " ، وليس بحرف عطف على قول أكثر المفسرين ، وقال الفراء : الوقف على قوله : " أم " ، وفيه إضمار ، مجازه : أفلا تبصرون أم [ تبصرون ] ، ثم ابتدأ فقال : أنا خير ( من هذا الذي هو مهين ) ضعيف حقير يعني موسى ، قوله : ( ولا يكاد يبين ) يفصح بكلامه للثغته التي في لسانه .
«أم» تبصرون، وحينئذ «أنا خير من هذا» أي موسى «الذي هو مهين» ضعيف حقير «و يكاد يُبين» يظهر كلامه للثغته بالجمرة التي تناولها في صغره.
بل أنا خير من هذا الذي لا عزَّ معه، فهو يمتهن نفسه في حاجاته لضعفه وحقارته، ولا يكاد يُبين الكلام لعِيِّ لسانه، وقد حمل فرعونَ على هذا القول الكفرُ والعنادُ والصدُّ عن سبيل الله.
و ( أَمْ ) فى قوله : ( أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هذا الذي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ) هى المنقطعة المقدرة بمعنى بل التى هى للاضراب ، والإِشارة بهذا تعود لموسى - عليه السلام - .أى : بل أنا خير من هذا الذى هو فقير وليس صاحب ملك أو سطوة أو مال .
.
.
وفى الوقت نفسه ( لاَ يَكَادُ يُبِينُ ) أى : لا يكاد يظهر كلامه لعقدة فى لسانه .
.
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من إعادة قصة موسى عليه السلام وفرعون في هذا المقام تقرير الكلام الذي تقدم، وذلك لأن كفار قريش طعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب كونه فقيراً عديم المال والجاه، فبيّن الله تعالى أن موسى عليه السلام بعد أن أورد المعجزات القاهرة الباهرة التي لا يشك في صحتها عاقل أورد فرعون عليه هذه الشبهة التي ذكرها كفار قريش فقال: إني غني كثير المال والجاه، ألا ترون أنه حصل لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، وأما موسى فإنه فقير مهين وليس له بيان ولسان، والرجل الفقير كيف يكون رسولاً من عند الله إلى الملك الكبير الغني، فثبت أن هذه الشبهة التي ذكرها كفارمكة وهي قولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ ﴾ وقد أوردها بعينها فرعون على موسى، ثم إنا انتقمنا منهم فأغرقناهم، والمقصود من إيراد هذه القصة تقرير أمرين أحدهما: أن الكفار والجهال أبداً يحتجون على الأنبياء بهذه الشبهة الركيكة فلا يبالي بها ولا يلتفت إليها والثاني: أن فرعون على غاية كمال حاله في الدنيا صار مقهوراً باطلاً، فيكون الأمر في حق أعدائك هكذا، فثبت أنه ليس المقصود من إعادة هذه القصة عين هذه القصة، بل المقصود تقرير الجواب عن الشبهة المذكورة، وعلى هذا فلا يكون هذا تقريراً للقصة ألبتة وهذا من نفائس الأبحاث، والله أعلم.
المسألة الثانية: في تفسير الألفاظ ذكر تعالى أنه أرسل موسى بآياته وهي المعجزات التي كانت مع موسى عليه السلام إلى فرعون وملائه أي قومه، فقال موسى إني رسول ربّ العالمين، فلما جاءهم بتلك الآيات إذا هم منها يضحكون، قيل إنه لما ألقى عصاه صار ثعباناً، ثم أخذ فعاد عصاً كما كان ضحكوا، ولم عرض عليهم اليد البيضاء ثم عادت كما كانت ضحكوا، فإن قيل كيف جاز أن يجاب عن لما بإذا الذي يفيد المفاجأة؟
قلنا لأن فعل المفاجأة معها مقدر كأنه قيل فلما جاءهم بآياتنا فاجأوا وقت ضحكهم.
ثم قال: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مّنْ ءايَةٍ إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ فإن قيل ظاهر اللفظ يقتضي كون كل واحد منها أفضل من التالي وذلك محال، قلنا إذا أُريد المبالغة في كون كل واحد من تلك الأشياء بالغاً إلى أقصى الدرجات في الفضيلة، فقد يذكر هذا الكلام بمعنى أنه لا يبعد في أناس ينظرون إليها أن يقول هذا إن هذا أفضل من الثاني، وأن يقول الثاني لا بل الثاني أفضل، وأن يقول الثالث بل الثالث أفضل، وحينئذ يصير كل واحد من تلك الأشياء مقولاً فيه إنه أفضل من غيره.
ثم قال تعالى: ﴿ وأخذناهم بالعذاب لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أي عن الكفر إلى الإيمان، قالت المعتزلة هذا يدل على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل وأنه إنما أظهر تلك المعجزات القاهرة لإرادة أن يرجعوا من الكفر إلى الإيمان، قال المفسرون ومعنى قوله: ﴿ وأخذناهم بالعذاب ﴾ أي بالأشياء التي سلطها عليها كالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس.
ثم قال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ ياأيه الساحر ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴾ فإن قيل كيف سموه بالساحر مع قولهم: ﴿ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴾ ؟
قلنا فيه وجوه: الأول: أنهم كانوا يقولون للعالم الماهر ساحر، لأنهم كانوا يستعظمون السحر، وكما يقال في زماننا في العامل العجيب الكامل إنه أتى بالسحر الثاني: ﴿ وَقَالُواْ ياأيه الساحر ﴾ في زعم الناس ومتعارف قوم فرعون كقوله: ﴿ يأَيُّهَا الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ أي نزل عليه الذكر في اعتقاده وزعمه الثالث: أن قولهم: ﴿ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴾ وقد كانوا عازمين على خلافه ألا ترى إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العذاب إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴾ فتسميتهم إياه بالسحر لا ينافي قولهم: ﴿ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴾ ثم بيّن تعالى أنه لما كشف عنهم العذاب نكثوا ذلك العهد.
ولما حكى الله تعالى معاملة فرعون مع موسى، حكى أيضاً معاملة فرعون معه فقال: ﴿ ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ ﴾ والمعنى أنه أظهر هذا القول فقال: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار تَجْرِى مِن تَحْتِى ﴾ يعني الأنهار التي فصلوها من النيل ومعظمها أربعة نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس، قيل كانت تجري تحت قصره، وحاصل الأمر أنه احتج بكثرة أمواله وقوة جاهه على فضيلة نفسه.
ثم قال: ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ هذا الذي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ وعنى بكونه مهيناً كونه فقيراً ضعيف الحال، وبقوله: ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ حبسة كانت في لسانه، واختفلوا في معنى أم هاهنا فقال أبو عبيدة مجازها بل أنا خير، وعلى هذا فقد تم الكلام عند قوله: ﴿ أَفلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ ﴾ بمعنى بل أنا خير، وقال الباقون أم هذه متصلة لأن المعنى أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع قوله: ﴿ أَنَا خَيْرٌ ﴾ موضع تبصرون، لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء، وقال آخرون إن تمام الكلام عند قوله: ﴿ أَمْ ﴾ وقوله: ﴿ أَنَا خَيْرٌ ﴾ ابتداء الكلام والتقدير أفلا تبصرون أم تبصرون لكنه اكتفى فيه بذكر أم كما تقول لغيرك: أتأكل أم أي أتأكل أم لا تأكل، تقتصر على ذكر كلمة أم إيثاراً للاختصار فكذا هاهنا، فإن قيل أليس أن موسى عليه السلام سأل الله تعالى أن يزيل الرتة عن لسانه بقوله: ﴿ واحلل عُقْدَةً مّن لّسَانِى يَفْقَهُواْ قَوْلِي ﴾ فأعطاه الله تعالى ذلك بقوله: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى ﴾ فكيف عابه فرعون بتلك الرتة؟
والجواب: عنه من وجهين: الأول: أن فرعون أراد بقوله: ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي ولم يرد أنه لا قدرة له على الكلام والثاني: أنه عابه بما كان عليه أولاً، وذلك أن موسى كان عند فرعون زماناً طويلاً وفي لسانه حبسة، فنسبه فرعون إلى ما عهده عليه من الرتة لأنه لم يعلم أن الله تعالى أزال ذلك العيب عنه.
ثم قال: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مّن ذَهَبٍ ﴾ والمراد أن عادة القوم جرت بأنهم إذا جعلوا واحداً منهم رئيساً لهم سوروه بسوار من ذهب وطوقوه بطوق من ذهب، فطلب فرعون من موسى مثل هذه الحالة، واختلف القراء في أسورة فبعضهم قرأ أسوِرَة وآخرون أساورة فأسورة جمع سوار لأدنى العدد، كقولك حمار وأحمرة وغراب وأغربة، ومن قرأ أساورة فذاك لأن أساوير جمع أسوار وهو السوار فأساورة تكون الهاء عوضاً عن الياء، نحو بطريق وبطارقة وزنديق وزنادقة وفرزين وفرازنة فتكون أساورة جمع أسوار، وحاصل الكلام يرجع إلى حرف واحد وهو أن فرعون كان يقول أنا أكثر مالاً وجاهاً، فوجب أن أكون أفضل منه فيمتنع كونه رسولاً من الله، لأن منصب النبوة يقتضي المخدومية، والأخس لا يكون مخدوماً للأشرف، ثم المقدمة الفاسدة هي قوله من كان أكثر مالاً وجاهاً فهو أفضل وهي عين المقدمة التي تمسك بها كفار قريش في قولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ ﴾ ثم قال: ﴿ أَوْ جَاء مَعَهُ الملئكة مُقْتَرِنِينَ ﴾ يجوز أن يكون المراد مقرنين به، من قولك قرنته به فاقترن وأن يكون من قولهم اقترنوا بمعنى تقارنوا، قال الزجاج معناه يمشون معه فيدلون على صحة نبوته.
ثم قال تعالى: ﴿ فاستخف قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ أي طلب منهم الخفة في الإتيان بما كان يأمرهم به فأطاعوه ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين ﴾ حيث أطاعوا ذلك الجاهل الفاسق ﴿ فَلَمَّا ءاسَفُونَا ﴾ أغضبونا، حكي أن ابن جريج غضب في شيء فقيل له أتغضب يا أبا خالد؟
فقال قد غضب الذي خلق الأحلام إن الله يقول: ﴿ فَلَمَّا ءاسَفُونَا ﴾ أي أغضبونا.
ثم قال تعالى: ﴿ انتقمنا مِنْهُمْ ﴾ واعلم أن ذكر لفظ الأسف في حق الله تعالى محال وذكر لفظ الانتقام وكل واحد منهما من المتشابهات التي يجب أن يصار فيها إلى التأويل، ومعنى الغضب في حق الله إرادة العقاب، ومعنى الانتقام إرادة العقاب لجرم سابق.
ثم قال تعالى: ﴿ فجعلناهم سَلَفاً وَمَثَلاً ﴾ السلف كل شيء قدمته من عمل صالح أو قرض فهو سلف والسلف أيضاً من تقدم من آبائك وأقاربك واحدهم سالف، ومنه قول طفيل يرثي قومه: مضواً سلفاً قصد السبيل عليهم *** وصرف المنايا بالرجال تقلب فعلى هذا قال الفراء والزجاج يقول: جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون، أي جعلناهم سلفاً لكفار أمة محمد عليه السلام.
وأكثر القراء قرأوا بالفتح وهو جمع سالف كما ذكرناه، وقرأ حمزة والكسائي ﴿ سَلَفاً ﴾ بالضم وهو جمع سلف، قال الليث: يقال سلف بضم اللام يسلف سلوفاً فهو سلف أي متقدم، وقوله: ﴿ وَمَثَلاً للأَخِرِينَ ﴾ يريد عظة لمن بقي بعدهم وآية وعبرة، قال أبو علي الفارسي المثل واحد يراد به الجمع، ومن ثم عطف على سلف، والدليل على وقوعه على أكثر من واحد قوله تعالى: ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَيء وَمَن رَّزَقْنَاهُ ﴾ فأدخل تحت المثل شيئين، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ ﴾ جعلهم محلاً لندائه وموقعاً له.
والمعنى: أنه أمر بالنداء في مجامعهم وأماكنهم من نادى فيها بذلك، فأسند النداء إليه، كقولك: قطع الأمير اللص، إذا أمر بقطعه.
ويجوز أن يكون عنده عظماء القبط، فيرفع صوته بذلك فيما بينهم، ثم ينشر عنه في جموع القبط، فكأنه نودي به بينهم فقال: ﴿ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وهذه الانهار ﴾ يعني أنهار النيل ومعظمهما أربعة: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تنيس: قيل: كانت تجري تحت قصره.
وقيل: تحت سريره لارتفاعه.
وقيل: بين يدي في جناني وبساتيني.
ويجوز أن تكون الواو عاطفة للأنهار على ملك مصر.
وتجري: نصب على الحال منها، وأن تكون الواو للحال، واسم الإشارة مبتدأ، والأنهار صفة لاسم الإشارة، وتجري خبر للمبتدأ وليت شعري كيف ارتقت إلى دعوة الربوبية همة من تعظم بملك مصر، وعجب الناس من مدى عظمته، وأمر فنودي بها في أسواق مصر وأزقتها؛ لئلا تخفى تلك الأَبَّهَة والجلالة على صغير ولا كبير وحتى يتربع في صدور الدهماء مقدار عزته وملكوته.
وعن الرشيد: أنه لما قرأها قال: لأولينها أخس عبيدي، فولاها الخصيب، وكان على وضوئه.
وعن عبد الله بن طاهر أنه وليها، فخرج إليها فلما شارفها وقع عليها بصره قال: أهي القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال: أليس لي ملك مصر، والله لهي أقل عندي من أن أدخلها، فثنى عنانه ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ ﴾ أم هذه متصلة، لأنّ المعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون، إلا أنه وضع قوله: ﴿ أَنَا خَيْرٌ ﴾ موضع: تبصرون؛ لأنهم إذا قالوا له: أنت خير، فهم عنده بصراء، وهذا من إنزال السبب منزلة المسبب.
ويجوز أن تكون منقطعة على: بل أأنا خير، والهمزة للتقرير، وذلك أنه قدم تعديد أسباب الفضل والتقدّم عليهم من ملك مصر وجرى الأنهار تحته، ونادى بذلك وملأ به مسامعهم، ثم قال: أنا خير كأنه يقول: أثبت عندكم واستقر أني أنا خير وهذه حالي ﴿ مِّنْ هذا الذى هُوَ مَهِينٌ ﴾ أي ضعيف حقير.
وقرئ ﴿ أما أنا خير ﴾ ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ الكلام لما به من الرُّتة يريد: أنه ليس معه من العدد وآلات الملك والسياسة ما يعتضد به، وهو في نفسه مخل بما ينعت به الرجال من اللسن والفصاحة، وكانت الأنبياء كلهم أبيناء بلغاء.
وأراد بإلقاء الأسورة عليه: إلقاء مقاليد الملك إليه، لأنهم كانوا إذا أرادوا تسويد الرجل سوّروه بسوار وطوّقوه بطوق من ذهب ﴿ مُقْتَرِنِينَ ﴾ إما مقترنين به من قولك: قرنته فاقترن به، وإما من: اقترنوا، بمعنى تقارنوا: لما وصف نفسه بالملك والعزة ووازن بينه وبين موسى صلوات الله عليه، فوصفه بالضعف وقلة الأعضاد اعترض فقال: هلا إن كان صادقاً ملكه ربه وسوّده وسوّره، وجعل الملائكة أعضاده وأنصاره.
وقرئ ﴿ أساور جمع أسورة ﴾ وأساوير جمع أسوار وهو السوار، وأساورة على تعويض التاء من ياء أساوير.
وقرئ ﴿ ألقي عليه أسورة ﴾ وأساور، على البناء للفاعل، وهو الله عز وجل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَنادى فِرْعَوْنُ ﴾ بِنَفْسِهِ أوْ بِمُنادِيهِ.
﴿ فِي قَوْمِهِ ﴾ في مَجْمَعِهِمْ أوْ فِيما بَيْنَهم بَعْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم مَخافَةَ أنْ يُؤْمِنَ بَعْضُهم.
﴿ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ ﴾ أنْهارُ النِّيلِ ومُعْظَمُها أرْبَعَةُ أنْهُرٍ: نَهْرُ المَلِكِ، ونَهْرُ طُولُونَ، ونَهْرُ دِمْياطَ، ونَهْرُ تِنِّيسَ.
﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِي ﴾ تَحْتَ قَصْرِي أوْ أمْرِي، أوْ بَيْنَ يَدَيَّ في جِنانِي والواوُ إمّا عاطِفَةٌ لِهَذِهِ الأنْهارُ عَلى المَلِكِ وتَجْرِي حالٌ مِنها.
أوْ واوُ حالٍ وهَذِهِ مُبْتَدَأٌ والأنْهارُ صِفَتُها وتَجْرِي خَبَرُها.
﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ ذَلِكَ.
﴿ أمْ أنا خَيْرٌ ﴾ مَعَ هَذِهِ المَمْلَكَةِ والبَسْطَةِ.
﴿ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ﴾ ضَعِيفٌ حَقِيرٌ لا يَسْتَعِدُّ لِلرِّئاسَةِ، مِنَ المَهانَةِ وهي القِلَّةُ.
﴿ وَلا يَكادُ يُبِينُ ﴾ الكَلامَ لِما بِهِ مِنَ الرَّتَّةِ فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ، وأمْ إمّا مُنْقَطِعَةٌ والهَمْزَةُ فِيها لِلتَّقْرِيرِ إذْ قَدَّمَ مِن أسْبابِ فَضْلِهِ، أوْ مُتَّصِلَةٌ عَلى إقامَةِ المُسَبِّبِ مَقامَ السَّبَبِ.
والمَعْنى أفَلا تُبْصِرُونَ أمْ تُبْصِرُونَ فَتَعْلَمُونَ أنِّي خَيْرٌ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
{أَمْ أَنَا خَيْرٌ} أم منقطعة بمعنى بل والهمزة كأنه قال أثبت عندكم وأستقر أني انا خير وهذه حالى {من هذا الذى هُوَ مَهِينٌ} ضعيف
حقير {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} الكلام لما كان به من الرته
﴿ أمْ أنا خَيْرٌ ﴾ مَعَ هَذِهِ اَلْبَسْطَةِ والسَّعَةِ في اَلْمُلْكِ والمالِ ﴿ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ﴾ أيْ ضَعِيفٌ حَقِيرٌ أوْ مُبْتَذَلٌ ذَلِيلٌ فَهو مِنَ اَلْمَهانَةِ وهي اَلْقِلَّةُ أوِ اَلذِّلَّةُ ﴿ ولا يَكادُ يُبِينُ ﴾ أيِ اَلْكَلامَ، والجُمْهُورُ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ كانَ بِلِسانِهِ بَعْضُ شَيْءٍ مِن أثَرِ اَلْجَمْرَةِ لَكِنَّ اَللَّعِينَ بالَغَ.
ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ اَللَّهَ تَعالى كانَ أجابَ سُؤالَهُ حَلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِهِ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ مِنها أثَرٌ قالَ: اَلْمَعْنى ولا يَكادُ يُبِينُ حُجَّتَهُ اَلدّالَّةَ عَلى صِدْقِهِ فِيما يَدَّعِي لا أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى اَلْإفْصاحِ بِاللَّفْظِ وهو اِفْتِراءٌ عَلَيْهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ألا تَرى إلى مُناظَرَتِهِ لَهُ ورَدِّهِ عَلَيْهِ وإفْحامِهِ إيّاهُ، وقِيلَ: عابَهُ بِما كانَ بِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِنَ اَلْحَبْسَةِ أيّامَ كانَ عِنْدَهُ وأرادَ اَللَّعِينُ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اَلْعَدَدِ وآلاتِ اَلْمُلْكِ والسِّياسَةِ ما يَعْتَضِدُ بِهِ وهو في نَفْسِهِ مُخِلٌّ بِما يُنْعَتُ بِهِ اَلرِّجالُ مِنَ اَللِّسانِ وإبانَةِ اَلْكَلامِ، و ﴿ أمْ ﴾ عَلى ما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ مُتَّصِلَةٌ، وقَدْ نُزِّلَ اَلسَّبَبُ بَعْدَها مَنزِلَةَ اَلْمُسَبِّبِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ اَلزَّمَخْشَرِيُّ، والمَعْنى أفَلا تُبْصِرُونَ أمْ تُبْصِرُونَ إلّا أنَّهُ وضَعَ ﴿ أمْ أنا خَيْرٌ ﴾ مَوْضِعَ أمْ تُبْصِرُونَ.
وإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِ اَللَّعْنَةُ لَمّا قَدَّمَ أسْبابَ اَلْبَسْطَةِ والرِّياسَةِ بُقُولِهِ ﴿ ألَيْسَ لِي ﴾ إلَخْ وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ أفَلا تُبْصِرُونَ اِسْتِقْصارًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِنَ اَلْوُضُوحِ بِمَكانٍ لا يَخْفى عَلى ذِي عَيْنَيْنِ قالَ في مُقابِلِهِ: ﴿ أمْ أنا خَيْرٌ ﴾ بِمَعْنى أمْ تُبْصِرُونَ أنِّي أنا اَلْمُقَدَّمُ اَلْمَتْبُوعُ، وفي اَلْعُدُولِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذا اَلشِّقَّ هو اَلْمُسَلَّمُ لا مَحالَةَ عِنْدَكم فَكَأنَّهُ يَحْكِيهِ عَنْ لِسانِهِمْ بَعْدَما أبْصَرُوا وهو أُسْلُوبٌ عَجِيبٌ وفَنٌّ غَرِيبٌ، وجَعَلَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ مِن إنْزالِ اَلسَّبَبِ مَكانَ اَلْمُسَبَّبِ لِأنَّ كَوْنَهُ خَيْرًا في نَفْسِهِ أيْ مُحَصِّلًا لَهُ أسْبابُ اَلتَّقَدُّمِ والمُلْكُ سَبَبٌ لِأنْ يُقالُ فِيهِ أنْتَ خَيْرٌ مِنهُ وقَوْلُهُمْ: أنْتَ خَيْرٌ سَبَبٌ لِكَوْنِهِمْ بُصَراءَ وسَبَبُ اَلسَّبَبِ قَدْ يُقالُ لَهُ سَبَبٌ فَلا يُرَدُّ ما يُقالُ إنَّ اَلسَّبَبَ قَوْلُهُمْ: أنْتَ خَيْرٌ لا قَوْلُهُ: أنا خَيْرٌ، وقالَ اَلْقاضِي اَلْبَيْضاوِيُّ: إنَّهُ مِن إنْزالِ اَلْمُسَبَّبِ مَنزِلَةَ اَلسَّبَبِ لِأنَّ عِلْمَهم بِأنَّهُ خَيْرٌ مُسْتَفادٌ مِنَ اَلْإبْصارِ.
وفِيهِ أنَّ اَلْمَذْكُورَ أنا خَيْرٌ لا أمْ تَعْلَمُونَ أنِّي خَيْرٌ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: ذَلِكَ يُغْنِي غِناهُ لِأنَّهُ جَعَلَهُ مُسَلَّمًا مَعْلُومًا ما عِنْدَهم فَقالَ: ﴿ أمْ أنا خَيْرٌ ﴾ لا أمْ تَعْلَمُونَ كَما سَلَفَ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ أظْهَرُ كَذا في اَلْكَشْفِ، وقالَ اَلْعَلّامَةُ اَلثّانِي في تَقْرِيرِ ذَلِكَ: إنَّ قَوْلَهُ: أنا خَيْرٌ سَبَبٌ لِقَوْلِهِمْ مِن جِهَةِ بَعْثِهِ عَلى اَلنَّظَرِ في أحْوالِهِ واسْتِعْدادِهِ لِما اِدَّعاهُ وقَوْلُهُمْ: أنْتَ خَيْرٌ سَبَبٌ لِكَوْنِهِمْ بُصَراءَ عِنْدَهُ فَأنا خَيْرٌ سَبَبٌ لَهُ بِالواسِطَةِ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّهُ سَبَبٌ لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ والحُكْمِ بِهِ، وأمّا بِحَسْبِ اَلْوُجُودِ فالأمْرُ بِالعَكْسِ لِأنَّ إبْصارَهم سَبَبٌ لِقَوْلِهِ أنْتَ خَيْرٌ فَتَأمَّلْ، وبِالجُمْلَةِ إنَّ ما بَعْدَ ﴿ أمْ ﴾ مُؤَوَّلٌ بِجُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ مَعْلُولَةٍ لَفْظًا ومَعْنًى هي ما سَمِعْتَ ونَحْوُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ اَلتَّأْوِيلِ ﴿ أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ ﴾ أيْ أمْ صَمَتُّمْ، وقَوْلُهُ: أمُخْدِجُ اَلْيَدَيْنِ أمْ أتَمَّتْ أيْ أمْ مُتِمًّا، وقِيلَ: حُذِفَ اَلْمُعادِلُ لِدَلالَةِ اَلْمَعْنى عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرِ أفَلا تُبْصِرُونَ أمْ تُبْصِرُونَ أنا خَيْرٌ إلَخْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا إذا كانَ بَعْدَ أمْ لا نَحْوَ أيَقُومُ زَيْدٌ أمْ لا أيْ أمْ لا يَقُومُ فَأمّا حَذْفُهُ دُونَ لا فَلَيْسَ مِن كَلامِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في اَلْكَلامِ طَيٌّ عَلى نَهْجِ اَلِاحْتِباكِ والمَعْنى أهُوَ خَيْرٌ مِنِّي فَلا تُبْصِرُونَ ما ذَكَّرْتُكم بِهِ أمْ أنا خَيْرٌ مِنهُ لِأنَّكم تُبْصِرُونَهُ، ولا يَنْبَغِي اَلِالتِفاتُ إلَيْهِ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَ ﴿ أمْ ﴾ مُنْقَطِعَةً مُقَدَّرَةً بِبَلْ والهَمْزَةُ اَلَّتِي لِلتَّقْرِيرِ كَأنَّ اَللَّعِينَ قالَ إثْرَ ما عَدَّدَ أسْبابَ فَضْلِهِ ومُبادِيَ خَيْرِيَّتِهِ: أثَبُتَ عِنْدَكم واسْتَقَرَّ لَدَيْكم أنِّي خَيْرٌ وهَذِهِ حالِي مِن هَذا إلَخْ، ورَجَّحَهُ بَعْضُهم لِما فِيهِ مِن عَدَمِ اَلتَّكَلُّفِ في أمْرِ اَلْمُعادِلِ اَللّازِمِ أوَّلًا لِحُسْنٍ في اَلْمُتَّصِلَةِ، وقالَ اَلسُّدِّيُّ.
وأبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ أمْ ﴾ بِمَعْنى بَلْ فَيَكُونُ قَدِ اِنْتَقَلَ مِن ذَلِكَ اَلْكَلامِ إلى إخْبارِهِ بِأنَّهُ خَيْرٌ كَقَوْلِ اَلشّاعِرِ: بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ اَلشَّمْسِ في رَوْنَقِ اَلضُّحى ∗∗∗ وصُورَتُها أمْ أنْتَ في اَلْعَيْنِ أمْلَحُ وقالَ أبُو اَلْبَقاءِ: إنَّها مُنْقَطِعَةٌ لَفْظًا مُتَّصِلَةٌ مَعْنًى وأرادَ ما تَقَدَّمَ مِنَ اَلتَّأْوِيلِ، ولَيْسَ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِما أجْمَعَ عَلَيْهِ اَلنُّحاةُ كَما تُوُهِّمَ، وجُمْلَةُ ﴿ ولا يَكادُ يُبِينُ ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى اَلصِّلَةِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ.
وقُرِئَ (أما أنا خَيْرٌ) بِإدْخالِ اَلْهَمْزَةِ عَلى ما اَلنّافِيَةِ، وقَرَأ اَلْباقِرُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ (يَبِينُ) بِفَتْحِ اَلْياءِ مِن بانَ إذا ظَهَرَ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ وقد ذكرناه فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا يعني: باليد والعصا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ يعني: يعجبون ويسخرون.
وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها يعني: أعظم من التي كانت قبلها، وهي السنين والنقص، من الثمرات والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم فلم يؤمنوا بشيء.
وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يعني: عاقبناهم بهذه العقوبات لكي يرجعوا، ويعرفوا ضعف معبودهم وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ وكان الساحر فيهم، عظيم الشأن يعني: قالوا لموسى: يا أيها العالم ادْعُ لَنا رَبَّكَ أي: سل لنا ربك بِما عَهِدَ عِنْدَكَ يعني: بحق ما أمرك به ربك، أن تدعو إليه إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ يعني: نؤمن بك، ونوحد الله تعالى.
قوله تعالى: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ يعني: ينقضون عهودهم وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ يعني: خطب فرعون لقومه قالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهي أربعون فرسخاً، في أربعين فرسخاً وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي يعني: من تحت يدي.
ويقال: من حولي، وحول قصوري وجناني أَفَلا تُبْصِرُونَ فضلي على موسى أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ يعني: خير، وأم للصلة من هذا الذى هو مهين، يعني: ضعيف ذليل.
وَلا يَكادُ يُبِينُ يعني: لا يكاد يعبر حجة.
ويقال: معناه: ألا تنظرون إلى فصاحتي، وإلى عيِّ كلام موسى فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ يعني: هلا أعطي أسورة من ذهب.
يعني: لو كان حقاً وكان رسولاً كما يقول، لأعطي له المال، فيكون حاله خيراً من هذا، وكان آل فرعون يلبسون الأساور.
قرأ عاصم في رواية حفص (أسْوَرَةٌ) بغير ألف والباقون (أسَاوِرَةٌ) فمن قرأ أسورة فهو جمع السوار، ومن قرأ أساورة، فهو جمع الجمع.
ويقال: أساور جمع سوار.
ثم قال: أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ يعني: لو كان حقاً، لأتته الملائكة متتابعين، فيصدقون على مقالته ويقال مُقْتَرِنِينَ أي: متعاونين فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ يعني: فاستذل قومه فأطاعوه.
يعني: حملهم على الخفة، فانقادوا له إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ يعني: كافرين عاصين، وذلك أن فرعون قال لهم: مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أرَى، فأطاعوه على تكذيب موسى- - إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ يعني: ناقضي العهد.
قوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا يعني: أغضبونا قال أهل اللغة: الأسف: الغضب.
وروى معمر عن سماك بن الفضل.
قال: كنا عند عروة بن محمد، وعنده وهب بن منبه، فجاء قوم فشكوا عاملهم، وأثبتوا على ذلك، فتناول وهب عصا كانت في يد عروة، فضرب بها رأس العامل حتى أدماه، فاستعابها عروة، وكان حليماً وقال: يعيب علينا أبو عبد الله الغضب وهو يغضب، فقال وهب: وما لي لا أغضب، وقد غضب الذي خلق الأحلام، إن الله تعالى يقول فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ يعني: أغضبونا.
ويقال: فلما آسفونا، يعني: وجب عليهم عذابنا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ يعني: أهلكناهم فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ يعني: لم نبق منهم أحداً.
قوله تعالى: فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً قال مجاهد: يعني: كفار قوم فرعون، سلفاً لكفار مكة أمة محمد وقال قتادة: جعلناهم سلفاً إلى النار.
قرأ حمزة والكسائي (سُلْفاً) بالضم، وقرأ الباقون (سَلفاً) بنصب السين واللام، فمن قرأ بالنصب فمعناه: جعلناهم سلفاً متقدمين، ليتعظ بهم الآخرون.
ومن قرأ بالضم، فهو جمع سليف، أي: جمع قد مضى.
ويقال: سلفاً واحدها سلفة من الناس، أي: قطعة.
قوله: وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ يعني: عبرة لمن بعدهم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ...
الآية: مِصْرُ من بحر الإسكندريَّة إلى أُسْوَان بطول النيل، والأنهار التي أشار إليها هي الخُلْجَانُ الكِبَارُ الخارجة من النيل.
وقوله: أَمْ أَنَا خَيْرٌ قال سِيبَوَيْهِ: «أَمْ» هذه المعادلةُ، والمعنى: أفأنتم لا تبصرون؟
أم تبصرون، وقالت فرقة: «أم» بمعنى «بل» ، وقرأ بعض الناس «١» : «أَمَا أَنَا خَيْرٌ» حكاه الفَرَّاءُ، وفي مصحف أُبَيِّ بن كعب «٢» : «أَمْ أَنا خير أم هذا» ومَهِينٌ معناه: ضعيف، وَلا يَكادُ يُبِينُ إشارةٌ إلى ما بقي في لسان موسى من أَثَرِ الجَمْرَة، وكانت أحدثَتْ في لسانه عُقْدَةً، فَلَمَّا دعا في أَنْ تُحَلَّ لِيُفْقَهَ قولُهُ، أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ، لكِنَّهُ بقي أثرٌ كان البيانُ يقع معه، فَعَيَّرَهُ فرعونُ به.
وقوله: وَلا يَكادُ يُبِينُ يقتضى أَنَّه كان يُبِين.
وقوله: فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ: يريد من السماء، على معنى التكرمة، وقرأ الجمهور:
«أَسَاوِرَةٌ» وقرأ حفص عن عاصم: «أَسْوِرَةٌ» «٣» وهو ما يجعل في الذِّرَاعِ من الحلي، وكانت عادة الرجال يومئذ لُبْسَ ذلك والتَّزَيُّنَ به.
ت: وذكر بعض المفسرين عن مجاهد أَنَّهم كانوا إذا سَوَّدُوا رجلاً سَوَّرُوهُ بِسِوَارٍ، وَطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ من ذهب علامةً لسيادته، فقال فرعون: هلا/ ألقى رَبُّ موسى على موسى أساورةً من ذهب، أو جاء معه الملائكةُ مقترنين مُتَتَابعين، يُقَارِنُ بعضُهُمْ بَعْضاً، يمشون معه شاهدين له، انتهى، وقال ع «٤» : قوله: مُقْتَرِنِينَ: أي: يحمونه، ويشهدون له، ويقيمون حُجَّتَهُ.
ت: وما تقدَّم لغيره أحسنُ، ولا يُشَكُّ أنْ فرعونَ شَاهَدَ مِنْ حماية اللَّه لموسى
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا ﴾ إنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْألُ الرُّسُلَ وقَدْ ماتُوا قَبْلَهُ؟
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا أُسْرِيَ بِهِ جُمِعَ لَهُ الأنْبِياءُ فَصَلّى بِهِمْ، ثُمَّ قالَ [لَهُ] جِبْرِيلُ: سَلْ مَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ.
.
.
الآيَةُ.
فَقالَ: لا أسْألُ، قَدِ اكْتَفَيْتُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِيِّ، وابْنِ زَيْدٍ؛ قالُوا: جُمِعَ لَهُ الرُّسُلُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، فَلَقِيَهُمْ، وأُمِرَ أنْ يَسْألَهُمْ، فَما شَكَّ ولا سَألَ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ: [اسْألْ] مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ [مِنَ] الَّذِينَ أُرْسِلَتْ إلَيْهِمُ الأنْبِياءُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ في آخَرِينَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: سَلْ أتْباعَ مَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ، كَما تَقُولُ: السَّخاءُ حاتِمٌ، أيْ: سَخاءُ حاتِمٍ، والشِّعْرُ زُهَيْرٌ، أيْ: شِعْرُ زُهَيْرٍ.
وعِنْدَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَلى القَوْلَيْنِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا سُؤالُ تَقْرِيرٍ، فَإذا سَألَ جَمِيعَ الأُمَمِ، لَمْ يَأْتُوا بِأنَّ في كُتُبِهِمْ: أنِ اعْبُدُوا غَيْرِي.
والثّالِثُ: [أنَّ] المُرادَ بِخِطابِ النَّبِيِّ : خِطابُ أُمَّتِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: سَلُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ ﴾ اسْتِهْزاءً بِها وتَكْذِيبًا.
﴿ وَما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها ﴾ يَعْنِي ما تَرادَفَ عَلَيْهِمْ مِنَ الطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ والطَّمْسِ، فَكانَتْ كُلُّ آيَةٍ أكْبَرَ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، وهي العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَأخَذْناهم بِالعَذابِ ﴾ ، فَكانَتْ عَذابًا لَهُمْ، ومُعْجِزاتٍ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ ﴾ في خِطابِهِمْ لَهُ بِهَذا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم أرادُوا: يا أيُّها العالِمُ، وكانَ السّاحِرُ فِيهِمْ عَظِيمًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أنَّهم خاطَبُوهُ بِما تَقَدَّمَ لَهُ عِنْدَهم مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالسّاحِرِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ ﴾ أيْ: مُؤْمِنُونَ بِكَ.
فَدَعا مُوسى، فَكُشِفَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا.
وقَدْ ذَكَرْنا ما تَرَكْناهُ هاهُنا في [الأعْرافِ: ١٣٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِي ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ قُصُورِي ﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ عَظْمَتِي وشَدَّةَ مُلْكِي؟!
﴿ أمْ أنا خَيْرٌ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أرادَ بَلْ أنا خَيْرٌ.
وحَكى الزَّجّاجُ عَنْ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ أنَّهُما قالا: عُطِفَ "أنا" بِـ "أمْ" عَلى "أفَلا تُبْصِرُونَ" [فَكَأنَّهُ قالَ: أفَلا تُبْصِرُونَ] أمْ أنْتُمْ بُصَراءُ؟!
لِأنَّهم إذا قالُوا: أنْتَ خَيْرٌ مِنهُ، فَقَدْ صارُوا عِنْدَهُ بُصَراءَ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَهِينُ: القَلِيلُ؛ يُقالُ: شَيْءٌ مَهِينٌ، أيْ: قَلِيلٌ.
وقالَ مُقاتِلٌ: "مَهِينٌ" بِمَعْنى ذَلِيلٍ ضَعِيفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَكادُ يُبِينُ ﴾ أشارَ إلى عُقْدَةِ لِسانِهِ الَّتِي كانَتْ بِهِ ثُمَّ أذْهَبَها اللَّهُ عَنْهُ، فَكَأنَّهُ عَيَّرَهُ بِشَيْءٍ قَدْ كانَ وزالَ، ويَدُلُّ عَلى زَوالِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ﴾ ، وكانَ في سُؤالِهِ: ﴿ واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي ﴾ .
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولا يَكادُ يُبِينُ الحُجَّةَ ولا يَأْتِي بِبَيانٍ يُفْهَمُ.
﴿ فَلَوْلا ﴾ أيْ: فَهَلّا ( أُلْقِيَ عَلَيْهِ أساوِرَة مَن ذَهَبَ ) وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "أسْوِرَةٌ" بِغَيْرِ ألِفٍ.
قالَ الفَرّاءُ: واحِدُ الأساوِرَةِ: إسْوارٌ، وقَدْ تَكُونُ الأساوِرَةُ جَمْعَ أسْوِرَةٍ، كَما يُقالُ في جَمْعِ الأسْقِيَةِ: الأساقِي، وفي جَمْعِ الأكْرَعِ: الأكارِعُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ الأساوِرَةُ جَمْعَ الجَمْعِ، تَقُولُ: أسْوِرَةٌ وأساوِرَةٌ، كَما تَقُولُ: أقْوالٌ وأقاوِيلُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَمْعَ إسْوارٍ، وإنَّما صُرِفَتْ أساوِرَةٌ، لِأنَّكَ ضَمَمْتَ الهاءَ إلى أساوِرَ، فَصارَ اسْمًا واحِدًا، وصارَ لَهُ مِثالٌ في الواحِدِ، نَحْوُ "عَلانِيَةٍ" .
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما قالَ فِرْعَوْنُ هَذا، لِأنَّهم كانُوا إذا سَوَّدُوا الرَّجُلَ مِنهم سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ.
﴿ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مُتَتابِعِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: يَمْشُونَ مَعَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: اسْتَفَزَّهُمْ؛ وقالَ غَيْرُهُ: اسْتَخَفَّ أحْلامَهم وحَمَلَهم عَلى خِفَّةِ الحِلْمِ بِكَيْدِهِ وغُرُورِهِ ﴿ فَأطاعُوهُ ﴾ في تَكْذِيبِ مُوسى.
﴿ فَلَمّا آسَفُونا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أغْضَبُونا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأسَفُ: الغَضَبُ، يُقالُ: آسَفْتُ آسَفُ أسَفًا، أيْ: غَضِبْتُ.
﴿ فَجَعَلْناهم سَلَفًا ﴾ أيْ: قَوْمًا تَقَدَّمُوا.
وقَرَأها أبُو هُرَيْرَةَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وحُمَيْدُ الأعْرَجُ: "سُلَفًا" بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ، كَأنَّ واحِدَتَهُ سُلْفَةٌ مِنَ النّاسِ، مِثْلُ القِطْعَةِ، يُقالُ: تَقَدَّمَتْ سُلْفَةٌ مِنَ النّاسِ، أيْ: قِطْعَةٌ مِنهم.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "سُلُفًا" بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ، وهو جَمْعُ "سَلَفٍ"، كَما قالُوا: خَشَبٌ وخُشُبٌ، وثَمَرٌ وثُمُرٌ، ويُقالُ: هو جَمْعُ "سَلِيفٍ"، وكُلُّهُ مِنَ التَّقَدُّمِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: "السَّلِيفُ" جَمْعٌ قَدْ مَضى؛ والمَعْنى: جَعَلْناهم سَلَفًا مُتَقَدِّمِينَ لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلا ﴾ أيْ: عِبْرَةً [وَعِظَةً] .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَنادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ ﴾ ﴿ فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أو جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ ﴿ فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلا لِلآخِرِينَ ﴾ نِداءُ فِرْعَوْنَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِلِسانِهِ في نادِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِأنْ أمَرَ مَن يُنادِي في الناسِ، ومَعْنى هَذِهِ الحُجَّةِ الَّتِي نادى بِها أنَّهُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ فَضْلَهُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، إذْ هو مَلِكُ مِصْرَ، وصاحِبُ الأنْهارِ والنِعَمِ، ومُوسى -عَلَيْهِ السَلامُ- خامِلٌ مُتَعَلِّلٌ لا دُنْيا لَهُ، قالَ: فَلَوْ أنَّ إلَهَ مُوسى يَكُونُ حَقًّا كَما يَزْعُمُ، لِما تَرَكَ الأمْرَ هَكَذا، ومِصْرُ مِن بَحْرِ الإسْكَنْدَرِيَّةِ إلى أسْوانَ بِطُولِ النِيلِ، والأنْهارُ الَّتِي أشارَ إلَيْها هي الخِلْجانُ الكِبارُ الخارِجَةُ مِنَ النِيلِ وأعْظَمُها نَهْرُ الإسْكَنْدَرِيَّةِ وتُنِيسِ ودِمْياطَ ونَهْرُ طُولُونِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أمْ أنا خَيْرٌ ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: "أمْ" هَذِهِ المُعادَلَةُ، والمَعْنى: "أفَأنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ أمْ تُبْصِرُونَ"، فَوَضَعَ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: "أمْ تُبْصِرُونَ" الأمْرُ الَّذِي هو حَقِيقٌ أنْ يُبْصَرَ عِنْدَهُ، وهو أنَّهُ خَيْرٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، و"لا" -عَلى هَذا النَظَرِ- نافِيَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: أفَلا تُبْصِرُونَ أمْ لا تُبْصِرُونَ؟، ثُمَّ اقْتَصَرَ عَلى "أمْ" لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلى المَحْذُوفِ مِنهُ، وابْتَدَأ قَوْلَهُ: "أنا خَيْرٌ مِنهُ" إخْبارًا مِنهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ -عَلى هَذا النَظَرِ- بِمَنزِلَةِ: "هَلّا" و"لَوْلا" عَلى مَعْنى التَخْضِيضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أمْ" بِمَعْنى بَلْ.
وَقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "أمّا أنا خَيْرٌ"، حَكّاهُ الفَرّاءُ، وكانَ مُجاهِدٌ يَقِفُ عَلى "أمْ"، ثُمَّ يَبْتَدِئُ: "أنا خَيْرٌ مِنهُ"، قالَ قَتادَةُ: وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رِضى اللهِ تَعالى عنهُ: "أمْ أنا خَيْرٌ أمْ هَذا".
و"مَهِينٌ": مَعْناهُ: ضَعِيفٌ وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا يَكادُ يُبِينُ ﴾ إشارَةٌ إلى ما بَقِيَ في لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن أثَرِ الجَمْرَةِ، وذَلِكَ أنَّها كانَتْ أحْدَثَتْ في لِسانِهِ عُقْدَةً، فَلَمّا دَعا في أنْ تُحَلَّ لِيُفْقَهَ قَوْلُهُ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ، لَكِنَّهُ بَقِيَ أثَرٌ كانَ البَيانُ يَقَعُ مِنهُ، لَكِنَّ فِرْعَوْنَ عَيَّرَ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "وَلا يَكادُ" ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ يُبَيِّنُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ: "يُبَيِّنُ" بِفَتْحِ الياءِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا أُلْقِيَ ﴾ : يُرِيدُ: مِنَ السَماءِ تَكْرِمَةً لَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أُلْقِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "ألْقى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والقافِ عَلى بِنائِهِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ "أساوِرَةً" نَصْبًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "أساوِرَةٌ"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "أسْوِرَةً"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وأبِي رَجاءٍ، ومُجاهِدٍ، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أساوِرُ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِضى اللهُ عنهُ: "أساوِيرُ"، ويُقالُ: سُوارٌ وإسْوارٌ لِما يُجْعَلُ في الذِراعِ مِنَ الحُلِيِّ، حَكى أبُو زَيْدٍ اللُغَتَيْنِ، وأبُو عَمْرُو بْنُ العَلاءِ، وهو كالقَلْبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما والناسُ، وكانَتْ عادَةُ الرِجالِ يَوْمَئِذٍ حَبْسَ ذَلِكَ والتَزَيُّنَ بِهِ، و"أساوِرَةٌ" جَمْعُ إسْوارٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "أسْوِرَةٍ"، كَأسْقِيَةٍ وأساقِي، وكَذَلِكَ: "أساوِرَةٌ" جَمْعُ إسْوارٍ، والهاءُ فِي: "أساوِرَةٍ" عِوَضٌ عَنِ الياءِ المَحْذُوفَةِ، لِأنَّ الجَمْعَ إنَّما هو "أساوِيرُ" كَما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَحَذَفُوا الياءَ وجَعَلُوا الهاءَ عِوَضًا مِنها، كَما قالُوا ذَلِكَ في زَنادِقَةٍ وبِطارِقَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"أسْوِرَةٌ": جَمْعُ سَوارٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ "مُقْتَرِنِينَ" ﴾ أيْ: يَحْمُونَهُ ويَشْهَدُونَ لَهُ ويُقِيمُونَ حُجَّتَهُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن فِرْعَوْنَ أنَّهُ اسْتَخَفَّ قَوْمَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ، أيْ طَلَبَ خِفَّتَهم وإجابَتَهم إلى غَرَضِهِ، فَأجابُوهُ إلى ذَلِكَ وأطاعُوهُ في الكُفْرِ لِفِسْقِهِمْ ولِما كانُوا بِسَبِيلِهِ مِنَ الفَسادِ.
و ﴿ "آسَفُونا": ﴾ مَعْناهُ: أغْضَبُونا، بِلا خِلافٍ، وإغْضابُ اللهِ تَعالى هو أنْ تَعْمَلَ الأعْمالَ الخَبِيثَةَ الَّتِي تَظْهَرُ مِن أجْلِها أفْعالُهُ الدالَّةُ عَلى إرادَةِ السُوءِ بِمَن شاءَ، والغَضَبُ -عَلى هَذا- صِفَةُ فِعْلٍ، وهو مِمّا يَتَرَدَّدُ، فَإذا كانَ بِمَعْنى مِمّا يَظْهَرُ مِنَ الأفْعالِ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ، وإذا رُدَّ إلى الإرادَةِ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، وفي هَذا نَظَرٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "سَلَفًا" بِفَتْحِ السِينِ واللامِ، جَمْعُ سالِفٍ، كَحارِسٍ وحَرَسٍ، والسُلَفُ: هو الفارِطُ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمُ، أيْ: جَعَلْناهم مُتَقَدِّمِينَ لِلْأُمَمِ الكافِرَةِ عِظَةً ومَثَلًا لَهم يَعْتَبِرُونَ بِهِمْ، أو يَقَعُونَ فِيما وقَعُوا فِيهِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ : « "يَذْهَبُ الصالِحُونَ أسْلافًا"»، وقَوْلُهُ في ولَدِهِ إبْراهِيمَ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلَيْهِما السَلامُ: « "نَدْفِنُهُ عِنْدَ سَلَفِنا الصالِحِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ "،» وقَرَأ حَمِيدُ الأعْرَجِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "سُلُفًا" بِضَمِّ السِينِ واللامِ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ وأصْحابِهِ، وسَعْدِ بْنِ عِياضٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وهو جَمْعُ: سَلِيفٍ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنَ القاسِمِ بْنِ مَعْنٍ أنَّهُ سَمِعَ العَرَبَ تَقُولُ: مَضى سَلِيفٌ مِنَ الناسِ، بِمَعْنى السَلَفِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رِضى اللهُ عنهُ، وحَمِيدُ الأعْرَجُ أيْضًا: "سُلَفًا" بِضَمِّ السِينِ وفَتْحِ اللامِ، كَأنَّهُ جَمْعُ سُلْفَةٍ، بِمَعْنى الأُمَّةِ والقَطَّةٍ، والآخَرُونَ: هم مَن يَأْتِي مِنَ البَشَرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أم ﴾ منقطعة بمعنى (بل) للإضراب الانتقالي.
والتقدير: بل أأنا خير، والاستفهام اللازم تقديره بعدها تقريريٌ.
ومقصوده: تصغير شأن موسى في نفوسهم بأشياء هي عوارض ليست مؤثرة انتقل من تعظيم شأن نفسه إلى إظهار البون بينه وبين موسى الذي جاء يحقر دينه وعبادة قومه إياه، فقال: أنا خير من هذا.
والإشارة هنا للتحقير.
وجاء بالموصول لادعاء أن مضمون الصلة شيء عرف به موسى.
والمَهين بفتح الميم: الذليل الضعيف، أراد أنه غريب ليس من أهل بُيوت الشرف في مصر وليس له أهل يعتزّ بهم، وهذا سفسطة وتشغيب إذ ليس المقام مقام انتصار حتى يحقَّر القائم فيه بقلة النصير، ولا مقامَ مباهاة حتى ينتقص صاحبه بضعف الحال.
وأشار بقوله: ﴿ ولا يكاد يبين ﴾ إلى ما كان في منطق موسى من الحُبسة والفهاهة كما حَكى الله في الآية عن موسى ﴿ وأخي هارونُ هو أفصح منّي لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني ﴾ [القصص: 34] وفي الأخرى ﴿ واحلُلْ عقدةً من لساني يفقهوا قولي ﴾ [طه: 27، 28]، وليس مقام موسى يومئذٍ مقام خطابة ولا تعليم وتذكير حتى تكون قلة الفصاحة نَقْصاً في عمله، ولكنه مقام استدلال وحجة فيكفي أن يكون قادراً على إبلاغ مراده ولو بصعوبة وقد أزال الله عنه ذلك حين تفرغ لدعوة بني إسرائيل كما قال: ﴿ قد أوتيت سُؤْلك يا موسى ﴾ [طه: 36].
ولعلّ فرعون قال ذلك لِما يعلم من حال موسى قبل أن يرسله الله حين كان في بيت فرعون فذكر ذلك من حالهِ ليذكِّر الناس بأمر قديم فإن فرعون الذي بُعث موسى في زمنه هو منفطاح الثاني وهو ابن رعمسيس الثاني الذي وُلد موسى في أيامه ورُبّي عنده، وهذا يقتضي أن (منفطاح) كان يعرف موسى ولذلك قال له ﴿ أَلَمْ نُربِّكَ فِينا وَلِيداً ولَبِثْتَ فينا من عُمُرِكَ سنين ﴾ [الشعراء: 18].
وأما رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فلما أُرسل إلى أُمَّةٍ ذات فصاحة وبلاغة وَكانت معجزته القرآن المعجز في بلاغته وفصاحته وكانت صفة الرّسول الفصاحةَ لتكون له المكانةُ الجليلة في نفوس قومه.
ومعنى ﴿ ولا يكاد يبين ﴾ ويكاد أن لا يبين، وقد تقدم القول في مثله عند قوله تعالى: ﴿ فذبحوها وما كَادوا يفعلون ﴾ في سورة البقرة (71).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْنى نادى أيْ قالَ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
الثّانِي: أمَرَ مَن نادى في قَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الإسْكَنْدَرِيَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ مَلَكَ مِنها أرْبَعِينَ فَرْسَخًا في مِثْلِها، حَكاهُ النَّقّاشُ.
﴿ وَهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: كانَتْ جَنّاتٍ وأنْهارًا تَجْرِي مِن تَحْتِ قَصْرِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقِيلَ مِن تَحْتِ سَرِيرِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ النِّيلَ يَجْرِي مِن تَحْتِي أيْ أسْفَلَ مِنِّي.
الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ وَهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ﴾ أيِ القُوّادُ والجَبابِرَةُ يَسِيرُونَ تَحْتَ لِوائِي، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَيَحْتَمِلُ راِبِعًا: أنَّهُ أرادَ بِالأنْهارِ الأمْوالَ، وعَبَّرَ عَنْها بِالأنْهارِ لِكَثْرَتِها وظُهُورِها وقَوْلُهُ ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِي ﴾ أيْ أُفَرِّقُها عَلى مَن يَتْبَعُنِي لِأنَّ التَّرْغِيبَ والقُدْرَةَ في الأمْوالِ في الأنْهارِ.
﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أفَلا تُبْصِرُونَ إلى قُوَّتِي وضَعْفِ مُوسى؟
.
الثّانِي: قُدْرَتِي عَلى نَفْعِكم وعَجْزُ مُوسى.
ثُمَّ صَرَّحَ بِحالِهِ فَقالَ ﴿ أمْ أنا خَيْرٌ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: بَلْ أنا خَيْرٌ.
﴿ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ ضَعِيفٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: حَقِيرٌ، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: لِأنَّهُ كانَ يَمْتَهِنُ نَفْسَهُ في حَوائِجِهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَلا يَكادُ يُبِينُ ﴾ أيْ يُفْهِمُ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أنَّهُ عَيِيُّ اللِّسانِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ألْثَغُ قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّالِثُ: ثَقِيلُ اللِّسانِ لِجَمْرَةٍ كانَ وضَعَها في فِيهِ وهو صَغِيرٌ، قالَهُ سُفْيانُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ عادَةَ الوَقْتِ وزِيَّ أهْلِ الشَّرَفِ.
الثّانِي: لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ، والأساوِرَةُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ، والأسْوِرَةُ جَمْعُ سِوارٍ.
﴿ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُتَتابِعِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يُقارِنُ بَعْضُهم بَعْضًا في المَعُونَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: مُقْتَرِنِينَ أيْ يَمْشُونَ مَعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَفي مَجِيئِهِمْ مَعَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِيَكُونُوا مَعَهُ أعْوانًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: لِيَكُونُوا دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَلَيْسَ يَلْزَمُ هَذا لِأنَّ الإعْجازَ كافٍ، وقَدْ كانَ في الجائِزِ أنْ يُكَذَّبَ مَعَ مَجِيءِ المَلائِكَةِ كَما يُكَذَّبُ مَعَ ظُهُورِ الآياتِ.
وَذَكَرَ فِرْعَوْنُ المَلائِكَةَ حِكايَةً عَنْ لَفْظِ مُوسى لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالمَلائِكَةِ مَن لا يَعْرِفُ خالِقَهم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: اسْتَفَزَّهم بِالقَوْلِ فَأطاعُوهُ عَلى التَّكْذِيبِ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الثّانِي: حَرَّكَهم بِالرَّغْبَةِ فَخَفُّوا مَعَهُ في الإجابَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.
الثّالِثُ: اسْتَجْهَلَهم فَأظْهَرُوا طاعَةَ جَهْلِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.
الرّابِعُ: دَعاهم إلى باطِلِهِ فَخَفُّوا في إجابَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أغْضَبُونا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أسْخَطُونا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَمَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ السَّخَطَ إظْهارُ الكَراهَةِ، والغَضَبَ إرادَةُ الِانْتِقامِ.
والأسَفُ هو الأسى عَلى فائِتٍ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا جُعِلَ هُنا في مَوْضِعِ الغَضَبِ صَحَّ أنْ يُضافَ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ قَدْ يَغْضَبُ عَلى مَن عَصاهُ.
الثّانِي: أنَّ الأسَفَ راجِعٌ إلى الأنْبِياءِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، ويَكُونُ تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا آسَفُوا رُسُلَنا انْتَقَمْنا مِنهم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَجَعَلْناهم سَلَفًا ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أهْواءٌ مُخْتَلِفَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: جَمْعُ سَلَفٍ أيْ جَمِيعُ مَن قَدْ مَضى مِنَ النّاسِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
وَقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ، أيْ مُتَقَدِّمِينَ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: سَلَفًا في النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: سَلَفًا لِكُفّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: سَلَفًا لِمِثْلِ مَن عَمِلَ مِثْلَ عَمَلِهِمْ، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ.
﴿ وَمَثَلا لِلآخِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عِظَةٌ لِغَيْرِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: عِبْرَةٌ لِمَن بَعْدَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها ﴾ قال: الطوفان وما معه من الآيات.
وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة ﴿ وأخذناهم بالعذاب ﴾ قال: هو عام السنة.
وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة ﴿ وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون ﴾ قال: يتوبون أو يذكرون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد ﴿ ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ لئن آمنا ليكشفن عنا العذاب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة في قوله: ﴿ إذا هم ينكثون ﴾ قال: يغدرون.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ونادى فرعون في قومه ﴾ قال: ليس هو نفسه، ولكن أمر أن ينادي.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأسود بن يزيد قال: قلت لعائشة: ألا تعجبين من رجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد في الخلافة؟!
قالت: وما تعجب من ذلك، هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة ﴿ أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ﴾ قال: قد كان لهم جنان وأنهار ﴿ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ﴾ قال: ضعيف ﴿ ولا يكاد يبين ﴾ قال: عيي اللسان ﴿ فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب ﴾ قال: أحلية من ذهب ﴿ أو جاء معه الملائكة مقترنين ﴾ أي متتابعين.
﴿ فلما آسفونا ﴾ قال: أغضبونا ﴿ فجعلناهم سلفاً ﴾ قال: إلى النار ﴿ ومثلاً ﴾ قال: عظة ﴿ للآخرين ﴾ .
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يكاد يبين ﴾ قال: كانت لموسى لثغة في لسانه.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد في قوله: ﴿ أو جاء معه الملائكة مقترنين ﴾ قال: يمشون معاً.
وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر، عن عكرمة قال: لم يخرج فرعون من زاد على الأربعين سنة، ومن دون العشرين، فذلك قوله: ﴿ فاستخف قومه فأطاعوه ﴾ يعني استخف قومه في طلب موسى عليه السلام.
وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة ﴿ فلما آسفونا ﴾ قال: أغضبونا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلما آسفونا ﴾ قال: أغضبونا.
وفي قوله: ﴿ سلفاً ﴾ قال: أهواء مختلفة.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ فلما آسفونا ﴾ قال: أغضبونا ﴿ فجعلناهم سلفاً ﴾ قال: هم قوم فرعون كفارهم ﴿ سلفاً ﴾ لكفار أمة محمد ﴿ ومثلاً للآخرين ﴾ قال: عبرة لمن بعدهم.
وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي في الشعب وابن أبي حاتم، عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد ما شاء وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك استدراج منه له» ثم تلا ﴿ فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن طارق بن شهاب قال: كنت عند عبد الله فذكر عنده موت الفجأة، فقال: تخفيف على المؤمن وحسرة على الكافر، ﴿ فلما آسفونا انتقمنا منهم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه كان يقرأ ﴿ فجعلناهم سلفاً ﴾ بنصب السين واللام.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ ﴾ اختلف المفسرون وأهل التأويل في معنى (أم) هاهنا فقال أبو عبيدة: مجازها: بل أنا خير (١) (٢) (٣) وقال أبو إسحاق: قال سيبويه والخليل: عطف ﴿ أَنَا ﴾ بأم على ﴿ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ كأنه قال: أفلا تبصرون أم تبصرون، قال: لأنهم إذا قالوا له: أنت خير منه، فقد صاروا عنده بصراء، فكأنه قال: أفلا تبصرون أم أنتم بصراء (٤) وذكر صاحب النظم وجهًا حسنًا وهو: أن يكون تمام الكلام عند قولى: أم، وقوله: (أنا خير) فصل آخر مبتدأ، على تأويل: أفلا تبصرون أم تبصرون، فكيف ذكر (تبصرون) اكتفاء بذكره في قوله: (أفلا تبصرون) كما يقال في الكلام: أتاكل أم لا، فسكت على الاكتفاء بما قبله من ذكر الأكل، وكذلك يكون إذا قدمت النفي فتقول: ألا تأكل أم تأكل، ثم يكف، ذكر تأكل بعد (أم) اكتفاء بذكره في أول الكلام، فكذلك قوله: أفلا تبصرون أم تبصرون، فكف ذكر (تبصرون) عند (أم) لجري ذكره، وهذا معنى قول مجاهد: أم تام يقف، ثم أنا خير أفلا تبصرون أم قد أبصرتم (٥) وقوله: ﴿ أَنَا خَيْرٌ ﴾ قال مقاتل: أفضل ﴿ مِنْ هَذَا ﴾ يعني: موسى ﴿ الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ﴾ يعني: ضعيف ذليل (٦) (٧) (٨) وقال الزجاج: معنى مهين قليل، يقال: شيء مهين أي: قليل، وهو فعيل من المهانة (٩) قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ﴾ قال ابن عباس: لا يبين الكلام (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) فإن قيل: أليس موسى سأل الله أن يذهب الرُّتَّةَ (١٥) ﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾ أعطاه ذلك بقوله: ﴿ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ﴾ فكيف عابه فرعون باللثغة؟
والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن فرعون أراد: لا يكاد يبين حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي، ولم يرد أنه لا يوضح ما يتكلم به، وهذا كذب من فرعون وعناد بعد ما رأى من الآية، هذا معنى قول مقاتل (١٦) والجواب الثاني: عابه مما كان عليه أولاً، وذلك أن موسى كان عند فرعون دهرًا وهو ألثغ لا يكاد يبين، فنسبه فرعون إلى ما عهده عليه من الرُّتَّةَ.
ويقوي الجواب الأول قوله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ ﴾ ألا ترى أنه اقترح الآيات، ولم يكتف بما ظهر من معجزته، وليس للأمم أن يقترحوا من الآيات، ما يريدون، بل إذا أتى الرسول بما فيه دلالة على صدقه وجب الإيمان به.
واختلف القراء في ﴿ أَسْوِرَةٌ ﴾ فقرءوا بوجهين: أسورة وأساورة، فأسورة جمع سوار لأدنى العدد، كقولك: خِمَارٍ وَأَخْمِرَةٍ، وغُرَابٍ وأَغْرِبَة، ومن قال في سوار: أسوار، جمعه أساوير وأساورة، تكون الهاء عوضًا من الياء نحو: بطاريق وبطارقة، وزناديق وزنادقة، وقدادين وقدادنة، فيكون أساورة: جمع أسوار، وإن شئت فجمع أسورة، كما تقول: أساقٍ في جمع أسقية، وأساقي في جمع أسقية، هذا كلام المبرد (١٧) وقال أبو زيد: هو سوار المرأة وأسوار المرأة، وهما قُلْبان يكونان في يديها (١٨) (١٩) وقال مقاتل: يقول فهلا ألقى على موسى إلهه الذي أرسله أسورةً من ذهب إن كان صادقًا أنه رسول (٢٠) (٢١) وقال مجاهد: كانوا إذا سودُوا رجلاً سوّروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة على سيادته (٢٢) قال أبو إسحاق: كأنه لما وصف نفسه بالملك والرياسة فقال: هلا جاء موسى يلقى عليه أسورة من ذهب، يدل على أنها من عند إلهه الذي يدعوكم إلى توحيده (٢٣) (١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 204.
(٢) انظر: "القطع والاثتناف" للنحاس ص 649، "المكتفى" للداني ص 509.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 797، "تفسير الطبري" 13/ 81 فقد أخرج عن السدي.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415، "الكتاب" 3/ 173، "الجمل في النحو" للخليل ص 320، "معاني الحروف" للرماني ص 173، 174.
(٥) انظر: "المكتفى في الوقف والابتدا" للداني ص 508، "تفسير الطبري" 13/ 81.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 797.
(٧) انظر: "تنوير المقباس" ص 493.
(٨) انظر: "العين" للخليل (مهن) 4/ 61، "تهذيب اللغة" (مهن) 6/ 329.
(٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415.
(١٠) لم أقف عليه.
(١١) انظر: "تنوير المقباس" ص 493.
(١٢) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 82، "تفسير مقاتل" 3/ 797، "الماوردي" 5/ 230.
(١٣) قال الأزهري: أخبرني المنذري عن المبرد أنه قال: (اللثغة أن يُعدل بحرف إلى حرف) وقال الليث: الألثغ: الذي يتحول لسانه من السين إلى الثاء والمصدر: اللثغُ واللُّثْغَةُ، وقال أبو زيد: الألثغ: الذي لا يُتم رفع لسانه في الكلام وفيه ثقل.
انظر: "تهذيب اللغة" (لثغ) 8/ 92.
(١٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415.
(١٥) قال الليث: (الرُّتَّة: عجلة في الكلام.
ورجل أرت).
وقال ابن الأعرابي: رترت الرجل إذا تعتع في التاء وغيرها.
انظر: "تهذيب اللغة" (رت) 14/ 250، وقال ابن قتيبة عند قوله تعالى: ﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ﴾ أي: رَتَّةً كانت في لسانه.
انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 278.
(١٦) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 797.
(١٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 35 بنحوه، "الدر المصون" 6/ 103 ولم أقف على قول المبرد (١٨) انظر: "تهذيب اللغة" (سور) 13/ 51.
(١٩) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 151، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 259.
(٢٠) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 798.
(٢١) انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 209، "زاد المسير" 7/ 322 من غير نسبة.
(٢٢) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 217، "الجامع" للقرطبي 16/ 100 ونسباه لمجاهد.
(٢٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ ﴾ يحتمل أن ناداهم بنفسه أو أمر منادياً ينادي فيهم ﴿ قَالَ ياقوم أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾ قصد بذلك الافتخار على موسى، ومصر هي البلد المعروف وما يرجع إليه، ومنتهى ذلك من نهر اسكندرية إلى أسوان بطول النيل ﴿ وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي ﴾ يعني: الخلجان الكبار الخارجة من النيل كانت تجري تحت قصره، وأعظمها أربعة أنهار: نهر الاسنكدرية وتنيس ودمياط، ونهر طولون ﴿ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ مذهب سيبويه أن أم هنا متصلة معادلة، والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون، ثم وضع قوله: ﴿ أَنَآ خَيْرٌ ﴾ موضع تبصرون لأنهم إذا قالوا له أنت خير فإنهم عنده بصراء، وهذا من وضع السبب موضع المسبب، وكان الأصل أن يقول فلا تبصرون أم تبصرون، ثم اقتصر على أم وحذف الفعل الذي بعدها واستأنف قوله: ﴿ أَنَآ خَيْرٌ ﴾ على وجه الإخبار.
ويوقف على هذا القول على أم وهذا ضعيف وقيل أم بمعنى بل فهي منقطعة ﴿ مَهِينٌ ﴾ ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ إشارة إلى ما بقي في لسان موسى من أثر الجمرة، وذلك أنها كانت قد أحدثت في لسانه عقدة، فلما دعا أن تحل أجيبت دعوته وبقي منها أثر كان معه لكنة، وقيل: يعني العيّ في الكلام، وقوله: ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ : يقتضي أنه كان يبين، لأن كاد إذا نفيت تقتضي الإثبات.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سقفاً ﴾ بالفتح فالسكون: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد.
الباقون: بضمتين على الجمع كرهن ورهن.
قال أبو عبيدة: لا ثالث لهما (لما) بالتشديد: عاصم وحمزة بمعنى إلا فـ ﴿ إن ﴾ نافية.
الآخرون: بالتخفيف فـ "إن" مخففة واللام فارقة كما مر في آخر هود ﴿ يقيض ﴾ على الغيبة والضمير للرحمن: يعقوب وحماد.
الآخرون: بالنون ﴿ جاءنا ﴾ على الوحدة والضمير للعاشي: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ويعقوب.
الباقون: بألف التثنية والضمير للعاشي والقرين ﴿ أنكم في العذاب ﴾ بالكسر: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ أيه الساحر ﴾ بضم الهاء مثل ﴿ أيه المؤمنون ﴾ وقد مر في "النور" ﴿ تحتي ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير ونافع وأبو جعفر ﴿ أسورة ﴾ كأجربة: حفص وسهل ويعقوب.
الآخرون ﴿ أساورة ﴾ كأشاعرة وهو جمع أسوار بمعنى السوار.
وأصله أساوير.
إلا أنه عوض من الياء هاء في آخره ﴿ سلفاً ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وهو جمع سليف.
الباقون: بفتحتين جمع سالف كخادم وخدم.
الوقوف: ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمت ربك ﴾ ط ﴿ سخرياً ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ يظهرون ﴾ ه لا ﴿ يتكئون ﴾ ه لا ﴿ وزخرفاً ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ للمتقين ه ﴿ قرين ﴾ ه ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ القرين ﴾ ه ﴿ مشتركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ منتقمون ﴾ ه لا ﴿ مقتدرون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط لاحتمال التعليل ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ ولقومك ﴾ ج للتعليق مع سين التهديد ﴿ تسئلون ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يضحكون ﴾ ه ﴿ من أختها ﴾ ز لنوع عدول ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ لمهتدون ﴾ ه ﴿ ينكثون ﴾ ه ﴿ تحتي ﴾ ج للاستفهام مع اتحاد الكلام ﴿ تبصرون ﴾ ه لأن "أم" منقطعة ﴿ مقترنين ﴾ ه ﴿ فأطاعوه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ للآخرين ﴾ ه.
التفسير: هذه حكاية شبهة لكفار قريش، وذلك أنهم ظنوا أن الفضيلة في المال والجاه الدنيوي فقالوا ﴿ لولا نزل هذا القرآن ﴾ وفي الإشارة ههنا نوع استخفاف منهم لكتاب الله ﴿ على رجل من القريتين ﴾ أي من إحداهما يعنون مكة أو الطائف.
قال المفسرون: الذي بمكة هو الوليد بن المغيرة، والذي بالطائف هو عروة بن مسعود الثقفي.
ومنهم من قال غير ذلك.
وأرادوا بعظم الرجل رياسته وتقدمه في الدنيا فألزمهم الله بأجوبة أوّلها قوله على سبيل الإنكار ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك ﴾ أي النبوّة فيضعوها حيث شاؤا ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ﴾ أي خدماً وتابعاً ومملوكاً.
واللام لام العاقبة فإن الإنسان خلق مدنياً بالطبع.
وقالت المعتزلة: للغرض وإذا كانت المعايش الدنيوية مع حقارتها وخساستها مفوّضة إلى تدبير الله وتسخيره وتقديره دون أحد من خلقه، فالأمور الدينية والمناصب الحقيقية الأخروية أولى بذلك.
وقيل: الرحمة الرزق.
ومعنى الآية إنكار أن الرزق منهم فيكف تكون النبوّة منهم؟
واستدلال السني بالآية ظاهر في أن كل الأرزاق من الله حلالاً كانت أو حراماً.
وقالت المعتزلة: الله قاسم ولكن العباد هم الذين يكسبونها صفة الحرمة بسوءتنا ولهم.
والجواب أنه كما قسم الرزق عن الجهة التي بها يصل الرزق إليه فكل بقدره.
وثانيها قوله ﴿ ورحمة ربك خير مما يجمعون ﴾ لأن الدنيا منقضية فانية ودين الله وما يتبعه من السعادات باقٍ لا يزول، فكيف يجعل العاقل ما هو الأخس أفضل مما هو الأشرف؟
وثالثها قوله ﴿ ولولا ﴾ كراهة ﴿ أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ مجتمعين على الكفر ﴿ لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ﴾ هو بدل اشتمال وقيل: هما كقولك: وهبت له ثوباً لقميصه في أن اللام للغرض.
والمعارج المصاعد أو المراقي جمع معرج كمخلب ﴿ عليها ﴾ أي على المعارج ﴿ يظهرون ﴾ يعلون السطوح.
والزخرف الزينة أي جعلنا لهم زينة عظيمة في كل باب.
وقيل: الذهب أي جعلنا لهم مع ذلك ذهباً كثيراً.
أو وجه آخر على هذا التفسير وهو أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ من فضة ﴾ إلا أنه نصب بنزع الخافض أي بعضها من فضة وبعضها من ذهب.
والحاصل أنه إن وسع على الكافرين كل التوسعة أطبق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها مع حقارة الدنيا عند الله تعالى، وفي معناه قول نبينا : " "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء" " وإنما لم يوسع على المسلمين كلهم لتكون رغبة الناس في الإسلام لمحض الإخلاص لا لأجل الدنيا.
ثم بشر المؤمنين بقوله ﴿ وإن كل ذلك ﴾ إلى آخره.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن اللطف من الله واجب، وفيه أنه لما لم يفعل بالناس التوسعة لئلا يجتمعوا على الكفر، فلأن لا يخلق فيهم الكفر أولى.
والجواب أن وقوع كل الناس في طريق القهر محذور، وأما وقوع البعض فضروري كما مر في أول البقرة، فشتان بين الممتنع الوجود والضروري الوجود فكيف يقاس أحدهما على الآخر؟
ثم بين أن مادة كل الآفات وأصل جميع البليات هو السكون إلى الدنيا والركون إلى أهلها فإن ذلك بمنزلة الرمد للبصر ويصير بالتدريج كالعشى ثم كالعمى فقال ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن ﴾ أي عن القرآن أي يعرف أنه الحق ولكنه يتجاهل.
قال جار الله: قرىء بفتح الشين أيضاً.
والفرق أنه إذا حصلت آفة في بصره يقال عشي بالكسر أي عمى يعشى بالفتح، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به قيل عشا أي تعامى.
وفيه معنى الإعراض فلهذا عدي بـ "عن" ومعنى ﴿ نقيض ﴾ نقدر كما مر في "حم" السجدة ﴿ وإنهم ﴾ أي الشياطين ﴿ ليصدونهم ﴾ أي العشي عن دين الله ﴿ ويحسبون ﴾ أي الكفار أن الشياطين والكافرين ﴿ مهتدون ﴾ وإنما جمع الضميرين لأن ﴿ من ﴾ عام و ﴿ شيطاناً ﴾ تابع له.
ولا شك أن هذا القرين ملازم له في الآخرة لقوله ﴿ حتى إذا جاءنا ﴾ الآية وأما في الدنيا فمحتمل بل لازم لقوله : " كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون" ويروى أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ شيطان بيده ولم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار فذلك حيث يقول ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ﴾ أي بعد ما بين المشرق والمغرب فغلب كالقمرين.
وقيل: المغرب أيضاً مشرق بالنسبة إلى الحركة الثانية وهذا قول أهل السنة.
وقيل: مشرق الصيف ومشرق الشتاء وفيه ضعف لأنه لا يفيد مبالغة، فبين الله أن ذلك التمني لا ينفعهم وعلله بقوله ﴿ أنكم ﴾ من قرأ بالكسر فظاهر، ومن قرأ بالفتح فعلى حذف اللام أي لن ينفعكم تمنيكم لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه وهو الكفر، ويحتمل أن يكون أن في قراءة الفتح فاعل ينفع أي لن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب.
وإن قيل: المصيبة إذا عمت طابت وذلك أن كل أحد مشغول في ذلك اليوم عن حال غيره بحال نفسه.
﴿ وإذ ﴾ بدل من اليوم ومعناه إذ ظلمكم تبين ووضح لكل أحد.
ثم إنه كان يتحزن على فقد الإيمان منهم فسلاه بقوله ﴿ أفأنت ﴾ إلى آخره.
وقوله ﴿ فأما نذهبن بك ﴾ أراد به قبض روحه كقوله في "يونس" وفي "المؤمن" ﴿ فأما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ﴾ الانتقام إما في الآخرة وهو قول الجمهور أو في الدنيا.
عن جابر أنه قال: لما نزلت ﴿ فإنا منهم منتقمون ﴾ قال النبي بعلي بن أبي طالب أورده في تفسير اللباب.
وقيل: فأما نذهبن بك من مكة فإنا منهم منتقمون يوم بدر.
والحاصل أنه توعد الكفار بعذاب الدنيا والآخرة جميعاً.
ثم قال لنبيه سواء عجلنا لك الظفر والغلبة أو أخرناه إلى الآخرة فكن متمسكاً بما أوحينا إليك فإنه الدين الذي لا عوج له، وإنه لشرف لك ولقومك أي لجميع أمتك أو لقريش وسوف تسألون هل أديتم شكر هذه النعمة أم لا.
قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن الذكر الجميل أمر مرغوب فيه لعموم أثره وشموله كل مكان وكل زمان خلاف الحياة المستعارة فإن أثرها لا يجاوز مسكن الحي.
قلت: الذكر الجميل جميل ولكن الذكر الحاصل من القرآن أجمل رزقنا الله طرفاً من ذلك بعميم فضله.
ثم إن السبب الأقوى في بغض الكفار وعداوتهم للنبي إنكاره لأصنامهم، فبين أنه غير مخصوص بهذه الدعوة وهذا الإنكار ولكنه دين أطبق كل الأنبياء على الدعاء إليه، وفي الآية أقوال: أحدها أن المضاف محذوف تقديره واسأل يا محمد أمم من أرسلنا.
وقال القفال: المحذوف صلة التقدير واسأل من أرسلنا إليهم من قبلك رسولاً من رسلنا.
والمراد أهل الكتابين لأنهم كانوا يرجعون إليهم في كثير من أمورهم نظيره ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ﴾ ثانيها أن حقيقة السؤال ههنا ممتنعة ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم.
وثالثها أن التقدير: واسأل جبرائيل عمن أرسلنا.
ورابعها أن النبي جمع له الأنبياء ليلة المعراج في السماء أو في بيت المقدس فأمهم.
وقيل له : سلهم.
فلم يسأل.
وقد قال : "إني لا أشك في ذلك" قاله ابن عباس.
وعن ابن مسعود "أن النبي قال: أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا علام بعثوا؟
قال: قلت علام بعثوا؟
قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب " رواه الثعلبي.
ولكنه لا يطابق قوله ﴿ أجعلنا ﴾ الآية.
وجوز بعضهم أن يكون ﴿ من ﴾ مبتدأ والاستفهامية خبره والعائد محذوف أي على ألسنتهم، ومعنى الجعل التسمية والحكم.
واعلم أن كفار قريش إنما طعنوا في نبوة محمد من جهة كونه فقيراً خاملاً وكان فرعون اللعين قد طعن في موسى بمثل ذلك حيث قال ﴿ أليس لي ملك مصر ﴾ إلى قوله ﴿ مهين ﴾ فلا جرم أورد قصة موسى ههنا تسلية للنبي قوله ﴿ فلما جاءهم ﴾ معطوف على محذوف تقديره فقال إني رسول رب العالمين.
فطالبوه إقامة البينة على دعواه فلما جاءهم إلى آخره.
قال جار الله: فعل المفاجأة مع إذا مقدر وهو عامل النصب في محلها كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجأ وقت ضحكهم استهزاء أو سخرية.
قوله: ﴿ وما نريهم ﴾ حكاية حال ماضية.
وفي قوله ﴿ هي أكبر من أختها ﴾ وجهان: أحدهما أن كلاً منها مثل شبيهتها التي تقدمت، وكل من رأى واحدة منها حكم بأنها حكم كبراها لتكافؤ كل منها في الكبر.
وإذا كان هذا الحكم صادقاً على كل منها فكلها كبار كما قال الحماسي: من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم.
مثل النجوم التي يسري بها الساري وثانيها أن يقال: إن الآية الأولى كبيرة والتي تليها أكبر من الأولى، والثالثة أكبر من الثانية، وكذلك ما بعدها.
هذا القدر مستفاد من الآية، وأما تفصيل هذا التفضيل فلعله لا يطلع عليه إلا خالقها ومظهرها.
﴿ وأخذناهم بالعذاب ﴾ السنين ونقص من الثمرات إلى سائر ما ابتلوا به.
قالت المعتزلة: ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ أي إرادة أن يرجعوا فورد عليهم أنه لو أراد رجوعهم لكان.
وأجابوا بأنه لو أراد قسراً لكان ولكنه أراد مختاراً، وزيف بأنه لو أراد أن يقع طريق الاختيار لزم أن يقع أيضاً مختاراً.
أما الفرق فالصواب أن يقال: "لعل" للترجي ولكن بالنسبة إلى المكلف كما مر مراراً ﴿ وقالوا يا أيه الساحر ﴾ أي العالم الماهر ولم يكن السحر عندهم ذماً بل كانوا يستعظمونه ولهذا قالوا ﴿ إننا لمهتدون ﴾ وقيل: كانوا بعد على كفرهم فلهذا سموه ساحراً.
وقولهم ﴿ إننا لمهتدون ﴾ وعد منوي إخلافه.
وقولهم ﴿ ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ أي بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة وقد مر في "الأعراف" ﴿ ونادى فرعون ﴾ أي أمر بالنداء ﴿ في ﴾ مجامع ﴿ قومه ﴾ أو رفع صوته بذلك فيما بين خواصه فانتشر في غيرهم.
والأنهار أنهار النيل.
قال المفسرون: كانت ثلثمائة وستين نهراً ومعظمها أربعة: نهر الملك ونهر طالوت ونهر دمياط ونهر منفيس.
كانت تجري تحت قصره وقيل: تحت سريره لارتفاعه.
وقيل: بين يدي في جناتي وبساتيني.
وعن عبد الله ابن المبارك الدينوري في تفسيره: أنه أراد بالأنهار الجياد من الخيل وهو موافق لما جاء في الحديث في فرس أبي طلحة "وإن وجدناه لبحراً" وقال الضحاك: معناه وهذه القواد والجبابرة تحت لوائي.
قال النحويون: إما أن تكون الواو عاطفة للأنهار على ملك مصر و ﴿ تجري ﴾ نصب على الحال، أو الواو للحال وما بعده جملة محلها نصب.
وفي "أم" أقوال منها قول سيبويه إنها متصلة تقديره أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع قوله ﴿ أنا خير ﴾ موضع ﴿ تبصرون ﴾ لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء، فهذا من إنزال السبب منزلة المسبب لأن الإبصار سبب لهذا القول بزعمه.
ومنها أنها منقطعة لأنه عدد عليهم أسباب الفضل ثم أضرب عن ذلك ثانياً.
أثبت عندكم أني خير.
ومنها أن التقدير أفلا تبصرون أني خير أم أبصرتم ثم استأنف فقال أنا خير، والمهين من المهانة أي الحقارة والضعف أراد أنه فقير ولا عدد معه ولا عدة ﴿ ولا يكاد يبين ﴾ الكلام لأن عقدته لم تزل بالكلية كما شرحنا في "طه".
وإلقاء الأسورة عليه عبارة عن تفويض مقاليد الملك إليه، كانوا إذا أرادوا تشريف الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب وغيره أي ليس معه آلات الملك والسياسة، أو ليس معه حلية وزي حسن كما أن الملوك يشهرون رسلهم بالخلع والمكرمات وبأشخاص يتبعونهم فلذلك قالوا ﴿ أو جاء معه الملائكة مقترنين ﴾ به أو يقترن بعضهم ببعض ﴿ فاستخف قومه ﴾ أي حملهم على أن يخفوا له في الطاعة أو استخف عقولهم واستجهلهم ﴿ فأطاعوه ﴾ وهذه من عادة اللئام كما قيل: العبد لا يردعه إلا العصا: وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا *** ومعنى ﴿ آسفونا ﴾ أغضبونا وأغضبوا رسلنا ﴿ فجعلناهم سلفاً ﴾ أي متقدمين وعبرة للمتأخرين ليعتبروا من حالهم فلا يقدموا على مثل أفعالهم وإليه المآب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ والإشكال: أن ما كان عند رسول الله من آيات صدقه أظهر من أمره أن يسأل من أهل الكتاب؛ إذ آيات صدقه معجزات عجزت الكفرة عن إتيان مثلها، وليس مع من أمره بالسؤال عن ذلك آيات المعجزات، فما معنى السؤال له من أهل الكتاب عن ذلك؟
فنقول: أمره - عز وجل - إياه بالسؤال عنهم يخرج على وجهين: أحدهما: يسألهم سؤال توبيخ وتعيير، وسؤال تقرير وتنبيه: هل أتى رسول من الرسل - عليهم السلام - الذين أرسلوا من قبلك أو كتاب بالأمر بعبادة غير الله؟
فيقرون جميعاً أنه لم يأت رسول بإباحة ذلك، ولا أمر أحد منهم بذلك.
والثاني: أن هذا أمر لغيره أن يسألهم، وإن كان ظاهر الأمر والخطاب له؛ لما ذكرنا أن أدلة صدقه أظهر من دلالة صدق أولئك، وهو كقوله: ﴿ يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ وكقوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ و ﴿ ٱلْمُشْرِكَينَ ﴾ ؛ إذ معلوم أن رسول الله كان لا يشك ولا يمتري في شيء من ذلك، فرجع الخطاب إلى غير ما ذكرنا.
ويحتمل أن يكون قوله - - ﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ...
﴾ الآية؛ أي: لو سألتهم عن ذلك لقالوا جميعاً: لم يرسل بأمر بعبادة غير الله - - والله أعلم.
وحكاية على هذا - وليس من نسخة الأصل - سمعت مفسراً ببخارى يقول: نزلت هذه الآية ليلة المعراج ورسول الله لما دخل بيت المقدس رأى الرسل والأنبياء - عليهم السلام - مجتمعين، ثم تقدم وصلى بهم ركعتين، فقام جبريل - - من الصف وقال: يا محمد ﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ ﴾ قد ذكرنا آيات موسى - - التي أتى بها في غير موضع، وفيه الأمر بتبليغ الرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴾ ، وفيه أن التقية لا تسع للرسل - عليهم السلام - في ترك تبليغ الرسالة وإن خافوا على أنفسهم الهلاك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ ﴾ هكذا عادة الفراعنة والرؤساء من الكفرة أنهم إذا أتاهم الرسل بالآيات ضحكوا منهم، واستهزءوا بهم؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ...
﴾ الآية [المطففين: 29].
وقوله: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ .
قال بعضهم: إن كل آية تأخرت عن الآية الأخرى فهي أعظم وأكبر من التي تقدمت؛ نحو ما كان منهم من الاستعانة؛ حيث قالوا: ﴿ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ﴾ ثم هو مما أراهم من الآيات قبل ذلك أعظم.
وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ كانت اليد أعظم وأكبر من العصا؛ لأن العصا قد تهيأ للسحرة تمويهها وتحويلها من جنس العصا وجوهرها إلى غيرها من الجواهر، ولم يتهيأ لهم تحويل اليد عن جوهر اليد، وقد كان ذلك لموسى - - دل أن آية اليد أكبر من آية العصا، والله أعلم.
وقال بعضهم: هذا ليس على تحقيق جعل آية أكبر وأعظم من آية العصا، ولكن وصف الكل بالعظم والكبر؛ كقوله - -: ﴿ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ ليس على إثبات القرب في أحدهما دون الآخر، ولكن وصف قرب كل واحد منها من الآخر على السؤال، وكما يقال في العرف: إن أفراس فلان كل واحد أعدى من الآخر، وإن أصحاب فلان كل واحد أفضل من الآخر، وأنه لا يراد بذلك الترجيح، ولكن إثبات المخبر عنه؛ فعلى ذلك قوله - -: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ وصف لهما جميعاً بالكبر، والله أعلم.
ثم ذكر قوله - -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ ﴾ وغير ذلك من أمثاله لرسول الله ليصبره، على أذى قومه، وأنواع ما كانوا يستقبلونه من الاستهزاء به وبأتباعه، والضحك بما أتاهم من الآيات والحجج على رسالته، وعلى ذلك ما قال: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ أخبر أنه إنما قص عليه أنباء الرسل المتقدمة لتسلية فؤاده، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ...
﴾ الآية، والإشكال أنهم كيف يسمونه ساحراً وكانوا يطلبون منه أن يدعو ربه ويسأله حتى يكشف عنهم العذاب؟
فنقول: روي عن ابن عباس - ما -: سموه: ساحراً؛ لأن الساحر عندهم هو العالم المعظم الذي بلغ في العلم غايته ونهايته؛ لذلك قالوا: يا ساحر، ادع لنا ربك، وإلا لا يحتمل أن يكونوا يسألونه ويطلبون منه أن يدعو ربه ليكشف عنهم العذاب، ثم يسمونه: ساحراً ويعنون به: سحراً للكذب والباطل، والله أعلم.
وقال مقاتل: إنهم قالوا: ﴿ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ ﴾ قال لهم موسى - -: كيف أدعو ربي ليكشف عنكم ما ينزل بكم، وقد تسمونني ساحراً، فرجعوا عن ذلك فقالوا: ﴿ يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ ؛ على ما ذكر في سورة الآية [الأعراف: 134]، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ ﴾ سموه: ساحراً على ما كان عندهم أنه ساحر، فيقولون: إنك ساحر، إلا أن تدعو ربك فيكشف عنا الرجز؛ فعند ذلك نعلم أنك لست بساحر وأنك رسول؛ فنؤمن بك.
ويحتمل أن يكون عندهم أن اليد البيضاء والعصا، وما أتى به موسى مما يبلغ السحر إلى تغيير ذلك عن جوهره، ويستفاد بالسحر مثله، لكن سألوا منه أن يسأل ربه ما ذكروا؛ لما علموا أن إجابة الدعاء فيما دعا لا يكون لساحر، ولا يجاب إلا للرسول والذي على الحق، فإذا أجابك إلى ما سألت آمنا بك، والله أعلم.
ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك على حقيقة إرادة السحر على التناقض والتمويه على الأتباع؛ كقوله: ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا ﴾ فالآية لا يسحرهم بها؛ لأن الآية هي التي لا حقيقة لها ولا دوام، فإذا كان آية لا يسحرهم بها، ولا تكون سحراً، وإذا كان سحراً لا يكون آية، فكانت عامة أقوالهم خرجت على التناقض؛ على ما ذكرنا في غير آي من القرآن، فعلى ذلك يحتمل هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ قد كان الله - عز وجل - عاهد موسى - - لئن آمنوا، أكشف عنهم العذاب، فلما دعا وكشف عنهم العذاب، لم يؤمنوا، والله أعلم.
ويشبه أن يكون عهده إليه ما جعله نبيّاً واختصه لرسالته.
ويحتمل قوله - -: ﴿ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ﴾ على الإضمار؛ كأنهم قالوا: ادع لنا ربك بما عهد كل واحد منا عندك لئن كشفت عنا العذاب إنا لمهتدون، وهو قوله - - في آية أخرى: ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ﴾ ، ألا ترى أنه قال: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴾ ، أي: ينقضوا ما عهدوا، وعهدهم ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ يقول اللعين هذا مقابل ما ادعى موسى - - من الرسالة، يموه بذلك على قومه وأتباعه؛ أي: لئن كان الله أرسل رسولا، فأنا أحق وأولى بالرسالة من موسى؛ ولذلك قال: ﴿ أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ ﴾ أي: ضعيف لا مال له، ولا حشم، ولا تبع، ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ حجته، وكذلك قال: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ ﴾ كما ألقي علي، وكما أعطاني من المال والذهب.
أو يقول: إن من كان له رسول يكرمه بأنواع الكرامات ويبذل له أموالا، فإذ لم يؤته شيئاً من ذلك فليس برسول.
أو يقول: إنه لو كان رسولا كما يقول، لألقى الله عليه من الأساورة ما ألقيت أنا على أتباعي وحشمي، ونحوه.
وكان فرعون لا يزال يموه أمر موسى - - على قومه، من ذلك قوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ ، ومنه قوله: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ﴾ ، ونحو ذلك كثير، فعلى ذلك هذا منه تمويه على قومه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ .
قال بعضهم: أي: لا يكاد يبين حجته؛ لما في لسانه عقدة ورُتَّة؛ يقول: عيي اللسان.
وقال بعضهم: إن فرعون لا يعني ذلك؛ لأن الله - - قد أذهب تلك العقدة والرتة التي في لسانه حين دعا وسأل ربه بقوله: ﴿ وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي ﴾ ، وقد أجاب الله دعاؤه؛ حيث قال: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ ، ولكن أراد - والله أعلم -: لا يكاد يبين حجته؛ أي: ليس يأتي بحجة تأخذ القلوب.
وقال القتبي في قوله: ﴿ أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ ﴾ قال: أما أنا خير منه؟
وقال أهل التأويل: أنا خير منه.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ ﴾ موصولا بقول فرعون حيث قال: ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ أنا خير منه بأن لي ملك مصر، وليس لموسى - - ذلك؛ على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ هذا القول منه يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: إن كان موسى يدعي الملك في الدنيا ويطلبه فهلا ألقي عليه أساور من ذهب كما يلقى للملوك من الأساور، والتاج، وغير ذلك، وإن كان يدعي الرسالة لنفسه فهلا كان معه الملائكة مقترنين؛ ولا يزال الكفرة يطلبون من الرسل الآيات على وجه يتمنون هم ويشتهون، فأخبر أن الآيات ليست تأتي على ما يتمنون ويشتهون، ولكن على ما أراد الله .
والثاني: يجمع الأمرين جميعاً فيقول: إنه يدعي الرسالة، والرسول معظم عند المرسل، فيقول: إن كان ما يقول حقّاً فهلا ألقي عليه الأساور تعظيماً وهلا كان معه الملائكة مقترنين؛ تعظيماً له وإجلالا، والله أعلم.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ ﴾ أي: هلا سوّر؛ لأن الرجل منهم إذا ارتفع فيهم سوروه، أو جاء معه الملائكة مصدقين له بالرسالة.
قال القتبي وأبو عوسجة: أساور وأسورة جمع السوار، ورجل أسوار؛ أي: رامي، وقوم أساورة، وإنما سمي الرامي: أسواراً؛ لأنه إذا أجاد الرمي جعل في يده سواراً من ذهب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ .
قال بعضهم: أي: فاستخف بقومه واسترذلهم فأطاعوه.
وقال بعضهم: ﴿ فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ أي: استرذلهم واستفزهم بالخروج على أتباع موسى وطلبه فأطاعوه، وذلك أنه أمرهم بالخروج معه في طلب موسى لما خرج من عندهم نحو البحر، فأطاعوه في ذلك، وخرجوا معه في طلبه، حتى أصابهم ما أصابهم؛ وكأن هذا أشبه وأقرب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: فلما عملوا الأعمال التي استوجبوا لها الغضب انتقمنا منهم على ذلك؛ لأن ظاهر قوله - -: ﴿ آسَفُونَا ﴾ أي: أغضبونا، وصفة الغضب على الحدوث لله - - لا تجوز، فكأن المراد منه: ظهور أثر الغضب استوجب العذاب، والله أعلم.
والثاني: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ﴾ أي: أغضبوا أولياءنا ﴿ ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ ؛ أي: سلطنا عليهم بدعاء أولئك الأولياء.
أو ننتقم منهم بسبب إغضابهم أولياءنا، وهو كقوله - -: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ أي: يخادعون أولياء الله؛ فعلى ذلك هذا.
وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ ﴾ هو يخرج على وجهين: أحدهما: جعلناهم في العقوبة سلفاً للمتأخرين ومثلا للمؤمنين؛ أي: عبرة لهم، وهو كقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ .
والثاني: جعلناهم سلفاً ومثلا للآخرين في العظة والانزجار لهم؛ ليمتنعوا عن مثل ما فعلوا خوفاً عن الوقوع فيما وقعوا، والله أعلم.
وقال القتبي: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً ﴾ بالرفع والنصب، وهو من التقدم؛ أي جعلناهم قدماً تقدموا، مثل: خَبَث، وخُبُث، وثَمَر، وثُمُر.
وكذلك يقول أبو عوسجة؛ وقال: السلف: الخيرات، والجميع: سلوف.
<div class="verse-tafsir"
فأنا خير من موسى الطريد الضعيف الذي لا يحسن الكلام.
<div class="verse-tafsir" id="91.D1Dol"