الإسلام > القرآن > سور > سورة 46 الأحقاف > الآية ١٥ من سورة الأحقاف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 158 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥ من سورة الأحقاف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
لما ذكر تعالى في الآية الأولى التوحيد له وإخلاص العبادة والاستقامة إليه ، عطف بالوصية بالوالدين ، كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن ، كقوله : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) [ الإسراء : 23 ] وقال : ( أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) [ لقمان : 14 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة .
وقال هاهنا : ( ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ) أي : أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما .
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، أخبرني سماك بن حرب قال : سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال : قالت أم سعد لسعد : أليس قد أمر الله بطاعة الوالدين ، فلا آكل طعاما ، ولا أشرب شرابا حتى تكفر بالله .
فامتنعت من الطعام والشراب ، حتى جعلوا يفتحون فاها بالعصا ، ونزلت هذه الآية : ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ) الآية [ العنكبوت : 8 ] .
ورواه مسلم وأهل السنن إلا ابن ماجه ، من حديث شعبة بإسناده ، نحوه وأطول منه .
( حملته أمه كرها ) أي : قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبا ، من وحام وغشيان وثقل وكرب ، إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة ، ( ووضعته كرها ) أي : بمشقة أيضا من الطلق وشدته ، ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) وقد استدل علي ، رضي الله عنه ، بهذه الآية مع التي في لقمان : ( وفصاله في عامين ) [ لقمان : 14 ] ، وقوله : ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) [ البقرة : 233 ] ، على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ، وهو استنباط قوي صحيح .
ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة ، رضي الله عنهم .
قال محمد بن إسحاق بن يسار ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن بعجة بن عبد الله الجهني قال : تزوج رجل منا امرأة من جهينة ، فولدت له لتمام ستة أشهر ، فانطلق زوجها إلى عثمان فذكر ذلك له ، فبعث إليها ، فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها ، فقالت : ما يبكيك ؟
!
فوالله ما التبس بي أحد من خلق الله غيره قط ، فيقضي الله في ما شاء .
فلما أتي بها عثمان أمر برجمها ، فبلغ ذلك عليا فأتاه ، فقال له : ما تصنع ؟
قال : ولدت تماما لستة أشهر ، وهل يكون ذلك ؟
فقال له [ علي ] أما تقرأ القرآن ؟
قال : بلى .
قال : أما سمعت الله يقول : ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) وقال : ( [ يرضعن أولادهن ] حولين كاملين ) ، فلم نجده بقى إلا ستة أشهر ، قال : فقال عثمان : والله ما فطنت لهذا ، علي بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها ، قال : فقال بعجة : فوالله ما الغراب بالغراب ، ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه .
فلما رآه أبوه قال : ابني إني والله لا أشك فيه ، قال : وأبلاه الله بهذه القرحة قرحة الأكلة ، فما زالت تأكله حتى مات .
رواه ابن أبي حاتم ، وقد أوردناه من وجه آخر عند قوله : ( فأنا أول العابدين ) [ الزخرف : 81 ] .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا فروة بن أبي المغراء ، حدثنا علي بن مسهر ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع أحد وعشرون شهرا ، وإذا وضعته لسبعة أشهر كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا ، وإذا وضعته لستة أشهر فحولين كاملين ; لأن الله تعالى يقول : ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) ( حتى إذا بلغ أشده ) أي : قوي وشب وارتجل ( وبلغ أربعين سنة ) أي : تناهى عقله وكمل فهمه وحلمه .
ويقال : إنه لا يتغير غالبا عما يكون عليه ابن الأربعين .
قال أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن القاسم بن عبد الرحمن قال : قلت لمسروق : متى يؤخذ الرجل بذنوبه ؟
قال : إذا بلغت الأربعين ، فخذ حذرك .
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا عبيد الله القواريري ، حدثنا عزرة بن قيس الأزدي - وكان قد بلغ مائة سنة - حدثنا أبو الحسن السلولي عنه وزادني قال : قال محمد بن عمرو بن عثمان ، عن عثمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة خفف الله حسابه ، وإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه ، وإذا بلغ سبعين سنة أحبه أهل السماء ، وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت الله حسناته ومحا سيئاته ، وإذا بلغ تسعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وشفعه الله في أهل بيته ، وكتب في السماء أسير الله في أرضه " .
وقد روي هذا من غير هذا الوجه ، وهو في مسند الإمام أحمد .
وقد قال الحجاج بن عبد الله الحكمي أحد أمراء بني أمية بدمشق : تركت المعاصي والذنوب أربعين سنة حياء من الناس ، ثم تركتها حياء من الله ، عز وجل .
وما أحسن قول الشاعر : صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه فلما علاه قال للباطل : ابطل ( قال رب أوزعني ) أي : ألهمني ( أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه ) أي : في المستقبل ، ( وأصلح لي في ذريتي ) أي : نسلي وعقبي ، ( إني تبت إليك وإني من المسلمين ) وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله ، عز وجل ، ويعزم عليها .
وقد روى أبو داود في سننه ، عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد : " اللهم ، ألف بين قلوبنا ، وأصلح ذات بيننا ، واهدنا سبل السلام ، ونجنا من الظلمات إلى النور ، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا ، وأزواجنا ، وذرياتنا ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ، واجعلنا شاكرين لنعمتك ، مثنين بها قابليها ، وأتممها علينا " .
القول في تأويل قوله تعالى : وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) يقول تعالى ذكره: ووصينا ابن آدم بوالديه الحسن في صحبته إياهما أيام حياتهما, والبرّ بهما في حياتهما وبعد مماتهما.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله (حُسنا) فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة " حُسنا " بضمّ الحاء على التأويل الذي وصف.
وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة (إحْسانا) بالألف, بمعنى: ووصيناه بالإحسان إليهما, وبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب, لتقارب معاني ذلك , واستفاضة القراءة بكل واحدة منهما في القرّاء.
وقوله ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ) يقول تعالى ذكره: ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا برّا بهما, لما كان منهما إليه حملا ووليدا وناشئا, ثم وصف جلّ ثناؤه ما لديه من نعمة أمه, وما لاقت منه في حال حمله ووضعه, ونبهه على الواجب لها عليه من البرّ, واستحقاقها عليه من الكرامة وجميل الصحبة, فقال: ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ ) يعني في بطنها كرها, يعني مشقة,( وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ) يقول: وولدته كرها يعني مشقة.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ) يقول: حملته مشقة, ووضعته مشقة.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة والحسن , في قوله ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ) قالا حملته في مشقة, ووضعته في مشقة.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أَبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ) قال: مشقة عليها.
اختلف القرّاء في قراءة قوله (كُرْها) فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة " كَرها " بفتح الكاف.
وقرأته عامة قرّاء الكوفة (كُرها) بضمها, وقد بينت اختلاف المختلفين في ذلك قبل إذا فتح وإذا ضمّ في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان, متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ) يقول تعالى ذكره: وحمل أمه إياه جنينا في بطنها, وفصالها إياه من الرضاع, وفطمها إياه, شرب اللبن ثلاثون شهرا.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله (وَفِصَالُهُ) , فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار غير الحسن البصري: (وحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ) بمعنى: فاصلته أمه فصالا ومفاصلة.
وذُكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: " وحَمْلُهُ وَفَصْلُهُ" بفتح الفاء بغير ألف, بمعنى: وفصل أمه إياه.
والصواب من القول في ذلك عندنا, ما عليه قرّاء الأمصار, لإجماع الحجة من القراء عليه، وشذوذ ما خالف.
وقوله ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) اختلف أهل التأويل في مبلغ حد ذلك من السنين, فقال بعضهم: هو ثلاث وثلاثون سنة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن إدريس, قال: سمعت عبد الله بن عثمان بن خثيم, عن مجاهد, عن ابن عباس, قال: أشدّه: ثلاث وثلاثون سنة, واستواؤه أربعون سنة, والعذر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) قال: ثلاثا وثلاثين.
وقال آخرون: هو بلوغ الحلم.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا مجالد, عن الشعبيّ, قال: الأشدّ: الحلم إذا كتبت له الحسنات, وكتبت عليه السيئات.
وقد بيَّنا فيما مضى الأشدّ جمع شدّ, وأنه تناهي قوّته واستوائه.
وإذا كان ذلك كذلك, كان الثلاث والثلاثون به أشبه من الحلم, لأن المرء لا يبلغ في حال حُلمه كمال قواه, ونهاية شدّته, فإن العرب إذا ذكرت مثل هذا من الكلام, فعطفت ببعض على بعض جعلت كلا الوقتين قريبا أحدهما من صاحبه, كما قال جلّ ثناؤه: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ ولا تكاد تقول أنا أعلم أنك تقوم قريبا من ساعة من الليل وكله, ولا أخذت قليلا من مال أو كله, ولكن تقول: أخذت عامة مالي أو كله, فكذلك ذلك في قوله ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) لا شك أن نسق الأربعين على الثلاث والثلاثين أحسن وأشبه, إذ كان يراد بذلك تقريب أحدهما من الآخر من النسق على الخمس عشرة أو الثمان عشرة.
وقوله ( وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) ذلك حين تكاملت حجة الله عليه, وسير عنه جهالة شبابه وعرف الواجب لله من الحق في بر والديه.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) وقد مضى من سيئ عمله.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي ) حتى بلغ ( مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) وقد مضى من سيئ عمله ما مضى.
وقوله ( قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ ) يقول تعالى ذكره: قال هذا الإنسان الذي هداه الله لرشده, وعرف حقّ الله عليه فيما ألزمه من برّ والديه ( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ) يقول: أغرني بشكر نعمتك التي أنعمت عليّ في تعريفك إياي توحيدك وهدايتك لي للإقرار بذلك, والعمل بطاعتك ( وَعَلَى وَالِدَيَّ ) من قبلي, وغير ذلك من نعمتك علينا, وألهمني ذلك.
وأصله من وزعت الرجل على كذا: إذا دفعته عليه.
وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني به يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ) قال: اجعلني أشكر نعمتك, وهذا الذي قاله ابن زيد في قوله ( رَبِّ أَوْزِعْنِي ) وإن كان يئول إليه معنى الكلمة, فليس بمعنى الإيزاع على الصحة.
وقوله ( وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ) يقول تعالى ذكره: أوزعني أن أعمل صالحا من الأعمال التي ترضاها, وذلك العمل بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وقوله ( وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ) يقول: وأصلح لي أموري في ذرّيتي الذين وهبتهم, بأن تجعلهم هداة للإيمان بك, واتباع مرضاتك, والعمل بطاعتك, فوصفه (1) جل ثناؤه بالبرّ بالآباء والأمهات والبنين والبنات.
وذُكر أن هذه الآية نـزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
وقوله ( إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا الإنسان.( إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ ) يقول: تبت من ذنوبي التي سلفت مني في سالف أيامي إليك ( وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) يقول: وإني من الخاضعين لك بالطاعة, المستسلمين لأمرك ونهيك, المنقادين لحكمك.
------------------------ الهوامش: (1) لعله فوصاه .
قوله تعالى : ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين .فيه سبع مسائل : الأولى : قوله تعالى : ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا بين اختلاف حال الإنسان مع أبويه ، فقد يطيعهما وقد يخالفهما ، أي : فلا يبعد مثل هذا في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - وقومه حتى يستجيب له البعض ويكفر البعض .
فهذا وجه اتصال الكلام بعضه ببعض ، قاله القشيري .الثانية : قوله تعالى : إحسانا قراءة العامة ( حسنا ) وكذا هو في مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام .
وقرأ ابن عباس والكوفيون إحسانا وحجتهم قوله تعالى في سورة ( الأنعام وبني إسرائيل ) : وبالوالدين إحسانا وكذا هو في مصاحف الكوفة .
وحجة القراءة الأولى قوله تعالى في سورة العنكبوت : ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ولم يختلفوا فيها .
والحسن خلاف القبح .
والإحسان خلاف الإساءة .
والتوصية : الأمر .
وقد مضى القول في هذا وفيمن نزلت .الثالثة : قوله تعالى : حملته أمه كرها ووضعته كرها أي بكره ومشقة .
وقراءة العامة بفتح الكاف .
واختاره أبو عبيد ، قال : وكذلك لفظ الكره في كل القرآن بالفتح إلا التي في سورة البقرة : كتب عليكم القتال وهو كره لكم لأن ذلك اسم وهذه كلها مصادر .
وقرأ الكوفيون كرها بالضم .
قيل : هما لغتان مثل الضعف والضعف والشهد والشهد ، قاله الكسائي ، وكذلك هو عند جميع البصريين .
وقال الكسائي أيضا والفراء في الفرق بينهما : إن الكره ( بالضم ) ما حمل الإنسان على نفسه ، وبالفتح ما حمل على غيره ، أي : قهرا وغضبا ، ولهذا قال بعض أهل العربية إن كرها ( بفتح الكاف ) لحن .الرابعة : قوله تعالى : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا قال ابن عباس : إذا حملت تسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهرا ، وإن حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا .
وروي أن عثمان قد أتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر ، فأراد أن يقضي عليها بالحد ، فقال له علي [ ص: 181 ] - رضي الله عنه - : ليس ذلك عليها ، قال الله تعالى : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين فالرضاع أربعة وعشرون شهرا والحمل ستة أشهر ، فرجع عثمان عن قوله ولم يحدها .
وقد مضى في ( البقرة ) وقيل : لم يعد ثلاثة أشهر في ابتداء الحمل ; لأن الولد فيها نطفة وعلقة ومضغة فلا يكون له ثقل يحس به ، وهو معنى قوله تعالى : فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به .
والفصال الفطام .
وقد تقدم في ( لقمان ) الكلام فيه .
وقرأ الحسن ويعقوب وغيرهما ( وفصله ) بفتح الفاء وسكون الصاد .
وروي أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق ، وكان حمله وفصاله في ثلاثين شهرا ، حملته أمه تسعة أشهر وأرضعته إحدى وعشرين شهرا .
وفي الكلام إضمار ، أي : ومدة حمله ومدة فصاله ثلاثون شهرا ، ولولا هذا الإضمار لنصب ثلاثون على الظرف وتغير المعنى .الخامسة : قوله تعالى : حتى إذا بلغ أشده قال ابن عباس : أشده ثماني عشرة سنة .
وقال في رواية عطاء عنه : إن أبا بكر صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ثماني عشرة سنة والنبي - صلى الله عليه وسلم - ابن عشرين سنة ، وهم يريدون الشام للتجارة ، فنزلوا منزلا فيه سدرة ، فقعد النبي - صلى الله عليه وسلم - في ظلها ، ومضى أبو بكر إلى راهب هناك فسأله عن الدين .
فقال الراهب : من الرجل الذي في ظل الشجرة ؟
فقال : ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب .
فقال : هذا والله نبي ، وما استظل أحد تحتها بعد عيسى .
فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق ، وكان لا يكاد يفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أسفاره وحضره .
فلما نبئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن أربعين سنة ، صدق أبو بكر - رضي الله عنه - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ثمانية وثلاثين سنة .
فلما بلغ أربعين سنة قال : رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي الآية .
وقال الشعبي وابن زيد : الأشد : الحلم .
وقال الحسن : هو بلوغ الأربعين .
وعنه قيام الحجة عليه .
وقد مضى في ( الأنعام ) الكلام في الآية .
وقال السدي والضحاك : نزلت في سعد بن أبي وقاص .
وقد تقدم .
وقال الحسن : هي مرسلة نزلت على العموم .
والله أعلم .السادسة : قوله تعالى : قال رب أوزعني أي ألهمني .
أن أشكر في موضع نصب على المصدر ، أي : شكر نعمتك علي أي ما أنعمت به علي من الهداية وعلى والدي بالتحنن والشفقة حتى ربياني صغيرا .
وقيل : أنعمت علي بالصحة والعافية وعلى والدي بالغنى والثروة .
وقال علي - رضي الله عنه - : هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ، أسلم أبواه جميعا ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره ، فأوصاه الله بهما ولزم [ ص: 182 ] ذلك من بعده .
ووالده هو قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم .
وأمه أم الخير ، واسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد .
وأم أبيه أبي قحافة ( قيلة ) ( بالياء المعجمة باثنتين من تحتها ) وامرأة أبي بكر الصديق اسمها ( قتيلة ) ( بالتاء المعجمة باثنتين من فوقها ) بنت عبد العزى .وأن أعمل صالحا ترضاه قال ابن عباس : فأجابه الله فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم بلال وعامر بن فهيرة ، ولم يدع شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه .
وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [ من أصبح منكم اليوم صائما ] ؟
قال أبو بكر أنا .
قال : [ فمن تبع منكم اليوم جنازة ] ؟
قال أبو بكر أنا .
قال : [ فمن أطعم منكم اليوم مسكينا ] ؟
قال أبو بكر أنا .
قال : [ فمن عاد منكم اليوم مريضا ] ؟
قال أبو بكر أنا .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [ ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة ] .السابعة : قوله تعالى : وأصلح لي في ذريتي أي اجعل ذريتي صالحين .
قال ابن عباس : فلم يبق له ولد ولا والد ولا والدة إلا آمنوا بالله وحده .
ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله أسلم هو وأبواه وأولاده وبناته كلهم إلا أبو بكر .
وقال سهل بن عبد الله : المعنى اجعلهم لي خلف صدق ، ولك عبيد حق .
وقال أبو عثمان : اجعلهم أبرارا لي مطيعين لك .
وقال ابن عطاء : وفقهم لصالح أعمال ترضى بها عنهم .
وقال محمد بن علي : لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلا .
وقال مالك بن مغول : اشتكى أبو معشر ابنه إلى طلحة بن مصرف ، فقال : استعن عليه بهذه الآية ، وتلا : رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين إني تبت إليك قال ابن عباس : رجعت عن الأمر الذي كنت عليه .
وإني من المسلمين أي المخلصين بالتوحيد .
هذا من لطفه تعالى بعباده وشكره للوالدين أن وصى الأولاد وعهد إليهم أن يحسنوا إلى والديهم بالقول اللطيف والكلام اللين وبذل المال والنفقة وغير ذلك من وجوه الإحسان.ثم نبه على ذكر السبب الموجب لذلك فذكر ما تحملته الأم من ولدها وما قاسته من المكاره وقت حملها ثم مشقة ولادتها المشقة الكبيرة ثم مشقة الرضاع وخدمة الحضانة، وليست المذكورات مدة يسيرة ساعة أو ساعتين،وإنما ذلك مدة طويلة قدرها { ثَلَاثُونَ شَهْرًا } للحمل تسعة أشهر ونحوها والباقي للرضاع هذا هو الغالب.ويستدل بهذه الآية مع قوله: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع -وهي سنتان- إذا سقطت منها السنتان بقي ستة أشهر مدة للحمل، { حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } أي: نهاية قوته وشبابه وكمال عقله، { وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي } أي: ألهمني ووفقني { أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ } أي: نعم الدين ونعم الدنيا، وشكره بصرف النعم في طاعة مسديها وموليها ومقابلته منته بالاعتراف والعجز عن الشكر والاجتهاد في الثناء بها على الله، والنعم على الوالدين نعم على أولادهم وذريتهم لأنهم لا بد أن ينالهم منها ومن أسبابها وآثارها، خصوصا نعم الدين فإن صلاح الوالدين بالعلم والعمل من أعظم الأسباب لصلاح أولادهم.{ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ } بأن يكون جامعا لما يصلحه سالما مما يفسده، فهذا العمل الذي يرضاه الله ويقبله ويثيب عليه.
{ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي } لما دعا لنفسه بالصلاح دعا لذريته أن يصلح الله أحوالهم، وذكر أن صلاحهم يعود نفعه على والديهم لقوله: { وَأَصْلِحْ لِي } { إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ } من الذنوب والمعاصي ورجعت إلى طاعتك { وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ }
قوله - عز وجل - : ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ) قرأ أهل الكوفة : " إحسانا " [ كقوله تعالى : " وبالوالدين إحسانا " ( البقرة - 83 ) ] ( حملته أمه كرها ووضعته كرها ) يريد شدة الطلق .
قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو " كرها " بفتح الكاف فيهما ، وقرأ الآخرون بضمهما .
( وحمله وفصاله ) فطامه ، وقرأ يعقوب : " وفصله " بغير ألف ( ثلاثون شهرا ) يريد أقل مدة الحمل ، وهي ستة أشهر ، وأكثر مدة الرضاع أربعة وعشرون شهرا .
وروى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : إذا حملت المرأة تسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهرا ، وإذا حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا ( حتى إذا بلغ أشده ) نهاية قوته ، وغاية شبابه واستوائه ، وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة ، فذلك قوله : ( وبلغ أربعين سنة ) .
وقال السدي والضحاك : نزلت في سعد بن أبي وقاص ، وقد مضت القصة .
وقال الآخرون : نزلت في أبي بكر الصديق وأبيه أبي قحافة عثمان بن عمرو ، وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو .
قال علي بن أبي طالب : الآية نزلت في أبي بكر ، أسلم أبواه جميعا ، ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أبواه غيره ، أوصاه الله بهما ، ولزم ذلك من بعده .
وكان أبو بكر صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ثماني عشرة سنة ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ابن عشرين سنة ، في تجارة إلى الشام ، فلما بلغ أربعين سنة ونبئ النبي - صلى الله عليه وسلم - آمن به ودعا ربه ف ( قال رب أوزعني ) ألهمني ( أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ) بالهداية والإيمان ( وأن أعمل صالحا ترضاه ) قال ابن عباس : وأجابه الله - عز وجل - ، فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه ، ودعا أيضا فقال : ( وأصلح لي في ذريتي ) فأجابه الله ، فلم يكن له ولد إلا آمنوا جميعا ، فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعا ، فأدرك أبو قحافة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وابنه أبو بكر وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وابن عبد الرحمن أبو عتيق كلهم أدركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة .
قوله : ( إني تبت إليك وإني من المسلمين ) .
«ووصَّينا الإنسان بوالديه حُسنا» وفي قراءة إحسانا، أي أمرناه أن يحسن إليهما فنصب إحسانا على المصدر بفعله المقدر ومثله حسنا «حملته أمه كرها ووضعته كرها» أي على مشقة «وحمله وفصاله» من الرضاع «ثلاثون شهرا» ستة أشهر أقل مدة الحمل والباقي أكثر مدة الرضاع، وقيل إن حملت به ستة أو تسعة أرضعته الباقي «حتى» غاية لجملة مقدرة، أي وعاش حتى «إذا بلغ أشده» هو كمال قوته وعقله ورأيه أقله ثلاث وثلاثون سنة أو ثلاثون «وبلغ أربعين سنة» أي تمامها وهو أكثر الأشد «قال رب» إلخ، نزل في أبي بكر الصديق لما بلغ أربعين سنة بعد سنتين من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم آمن به ثم آمن أبواه ثم ابنه عبد الرحمن وابن عبد الرحمن أبو عتيق «أوزعني» ألهمني «أن أشكر نعمتك التي أنعمت» بها «عليَّ وعلى والديَّ» وهي التوحيد «وأن أعمل صالحا ترضاه» فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله «وأصلح لي في ذريتي» فكلهم مؤمنون «إني تبت إليك وإني من المسلمين».
ووصينا الإنسان أن يحسن في صحبته لوالديه بِرًّا بهما في حياتهما وبعد مماتهما، فقد حملته أمه جنينًا في بطنها على مشقة وتعب، وولدته على مشقة وتعب أيضًا، ومدة حمله وفطامه ثلاثون شهرًا.
وفي ذكر هذه المشاق التي تتحملها الأم دون الأب، دليل على أن حقها على ولدها أعظم من حق الأب.
حتى إذا بلغ هذا الإنسان نهاية قوته البدنية والعقلية، وبلغ أربعين سنة دعا ربه قائلا: ربي ألهمني أن أشكر نعمتك التي أنعمتها عليَّ وعلى والديَّ، واجعلني أعمل صالحًا ترضاه، وأصلح لي في ذريتي، إني تبت إليك من ذنوبي، وإني من الخاضعين لك بالطاعة والمستسلمين لأمرك ونهيك، المنقادين لحكمك.
وبعد هذا الحديث عن حقيقة هذا الدين ، وعن حسن عاقبة الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ، جاء الحديث عن وجوب الإِحسان إلى الوالدين وعما يترتب عليه هذا الإِحسان من ثواب عظيم ، قال - تعالى - : ( وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ .
.
.
كَانُواْ يُوعَدُونَ ) .قال الإِمام ابن كثير : لما ذكر - تعالى - فى الآية الأولى التوحيد له ، وإخلاص العبادة والاستقامة إليه ، عطف ، بالوصية بالوالدين ، كما هو مقرون فى غير ما آية من القرآن ، كقوله : ( وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً ) وقال : ( أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المصير ) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة .وقوله - سبحانه - : ( وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً ) من الإِيصاء بالشئ بمعنى الأمر به .
قال - تعالى - : ( وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة مَا دُمْتُ حَيّاً ) أى : أمرنى بالمحافظة على أدائهما .وقوله : ( إِحْسَاناً ) قراءة عاصم وحمزة والكسائى .
وقرأ غيرهم من بقية السبعة ( حسنا ) وعلى القراءتين فانتصابهما على المصدرية .
أى : ووصينا الإِنسان وأمرناه بأن يحسن إلى والديه إحسانا أو حسنا ، بأن يقدم إليهما كل ما يؤدى إلى برهما وإكرامهما .ويصح أن يكون وصينا بمعنى ألزمنا ، فيتعدى لاثنين ، فيكون المفعول الثانى منها ، قوله : ( ِحْسَاناً ) أو ( حسنا ) .وقوله - سبحانه - : ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ) تعليل للإِيصاء المذكور ولفظ ( كُرْهاً ) قرئ بضم الكاف وفتحها ، وهما قراءتان سبعيتان ، قالوا : ومعناهما واحد كالضُّعف - بتشديد الضاد وفتحها أو ضمها - فهما لغتان بمعنى واحد .وهذا اللفظ منصوب على الحال من الفاعل .
أى : حملته أمة ذات كره .
ووضعته ذات كره ، أو هو صفة لمصدر مقدر ، أى : حملته حملا ذا كره ، ووضعته كذلك .ولا شك فى أن الأم تعانى فى أثناء حملها ووضعها لوليدها ، الكثير من المشاق والآلام والمتاعب .
.
فكان من الوفاء أن يقابل ذلك منها بالإِحسان والإِكرام .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى آية أخرى : ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ ) أى : حملته أمة ضعفا على ضعف ، لأن الحمل كلما تزايد وعظم فى بطنها ، ازداد ضعفها .
.وقوله - تعالى - : ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ) بيان لمدة الحمل والفطام ، والكلام على حذف مضاف .
والفصال : مصدر فاصل ، وهو بمعنى الفطام ، وسمى الفطام فصالا ، لأن الطفل ينفصل عن ثدى أمه فى نهاية الرضاع .أى : ومدة حمل الطفل مع مدة فصاله عن ثدى أمه ، ثلاثون شهرا .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : المراد بيان مدة الرضاع لا الفطام ، فكيف عبر عنه بالفصال .
.
.
لما كان الرضاع يليه الفصال ويلابسه ، لأنه ينتهى به ويتم ، سمى فصالا .
.
.
وفيه فائدة ، وهى الدلالة على الرضاع التام المنتهى بالفصال ووقته .
.وقال الشوكانى : وقد استدل بهذه الآية على أن أقل المل ستة أشهر ، لأن مدة الرضاع سنتان ، أى : مدة الرضاع الكامل ، كما فى قوله - تعالى - : ( والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ) فذكر - سبحانه - فى هذه الآية أقل مدة الحمل ، وأكثر مدة الرضاع .وفى هذه الآية إشارة الى أن حق الأم ، آكد من حق الأب ، لأنها هى التى حملت وليدها بمشقة ووضعته بمشقة ، وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب ..وقوله - تعالى - : ( حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أوزعني أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ .
.
) غاية لمحذوف يفهم من سياق الكلام .والأشد : قوة الإِنسان واشتعال حرارته ، من الشدة بمعنى القوة والارتفاع .
يقال : شد النهار ، إذا ارتفع ، وهو مفرد جاء بصيغة الجمع ، ولا واحد له من لفظه .والمراد ببلوغ أشده : أن يصل سنه على الراجح - إلى ثلاث وثلاثين سنة .وقوله : ( أوزعني ) أى : رغبنى ووفقنى ، من قولك : أوزعت فلانا بكذا ، إذا أغريته وحببته فى فعله .
أى : هذا الإِنسان بعد أن بقى فى بطن أمه ما بقى ، وبعد أن وضعته وأرضعته وفطمته وتولته برعايتها ، واستمرت حياته " حتى إذا بلغ اشده " أى : حتى إذا بلغ زمن استكمال قوته ، وبلغ أربعين سنة وهى تمام اكتمال العقل والقوة والفتوة .( قَالَ ) على سبيل الشكر لخالقه ( رَبِّ أوزعني .
.
.
) أى : يا رب وقفنى وألهمنى ( أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ ) بأن وفقتنى ووفقتهما إلى صراطك المستقيم ، وبأن رزقتها العطف علىَّ ، ورزقنى الشكر لها ، ووفقنى - أيضا - ( وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ) منى ، وتقبله عندك ( وَأَصْلِحْ لِي فِي ذريتي ) أى : واجعل - يا إلهى - الصلاح راسخا فى ذريتى ، وساريها فيها ، لأن صلاح الذرية فيه السعادة الغامرة للآباء .( إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ ) توبة صادقة نصوحا وإنى من المسلمين الذين أخلصوا نفسوهم لطاعتك ، وقلوبهم لمرضاتك .فأنت ترى ان الآية الكريمة قد اشتملت على أسمى ألوان الدعوات ، التى عن طريق إجابتها تتحق السعادة الدنيوية والأخروية .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى " فى " فى قوله : ( وَأَصْلِحْ لِي فِي ذريتي ) ؟
قلت : معناه أن يجعل ذريته موقعا للصلاح ومظنته ، كأنه قال هب : لى الصلاح فى ذريتى ، وأوقعه فيهم .وفى الآية الكريمة تنبيه للعقلاء ، إلى أن شأنهم - خصوصا عند بلوغ سن الأربعين .
أن يكثروا من التضرع إلى الله بالدعاء ، وأن يتزودوا بالعمل الصالح ، فإنها السن التى بعث الله - تعالى - فيها معظم الأنبياء ، والتى فيها يكتمل العقل ، وتستجمع القوة ، ويرسخ فيها خلق الإِنسان الذى تعوده وألفه ورحم الله القائل :إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن ...
له دون ما يهوى حياء ولا سترفدعه ولا تنفس عليه الذى مضى ...
وإن جر أسباب الحاية له العمر
اعلم أنه تعالى لما قرر دلائل التوحيد والنبوّة وذكر شبهات المنكرين وأجاب عنها، ذكر بعد ذلك طريقة المحقين والمحققين فقال: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ﴾ وقد ذكرنا تفسير هذه الكلمة في سورة السجدة والفرق بين الموضعين أن في سورة السجدة ذكر أن الملائكة ينزلون ويقولون ﴿ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ وهاهنا رفع الواسطة من البين وذكر أنه ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ فإذا جمعنا بين الآيتين حصل من مجموعهما أن الملائكة يبلغون إليهم هذه البشارة، وأن الحق سبحانه يسمعهم هذه البشارة أيضاً من غير واسطة.
واعلم أن هذه الآيات دالة على أن من آمن بالله وعمل صالحاً فإنهم بعد الحشر لا ينالهم خوف ولا حزن، ولهذا قال أهل التحقيق إنهم يوم القيامة آمنون من الأهوال، وقال بعضهم خوف العقاب زائل عنهم، أما خوف الجلال والهيبة فلا يزول ألبتة عن العبد، ألا ترى أن الملائكة مع علو درجاتهم وكمال عصمتهم لا يزول الخوف عنهم فقال تعالى: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ﴾ وهذه المسألة سبقت بالاستقصاء في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة خالدين فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على مسائل أولها: قوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة ﴾ وهذا يفيد الحصر، وهذا يدل على أن أصحاب الجنة ليسوا إلا الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة قبل التوبة لا يدخل الجنة.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وهذا يدل على فساد قول من يقول: الثواب فضل لا جزاء.
وثالثها: أن قوله تعالى: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ يدل على إثبات العمل للعبد.
ورابعها: أن هذا يدل على أنه يجوز أن يحصل الأثر في حال المؤثر، أو أي أثر كان موجوداً قبل ذلك بدليل أن العمل المتقدم أوجب الثواب المتأخر.
وخامسها: كون العبد مستحقاً على الله تعالى، وأعظم أنواع هذا النوع الإحسان إلى الوالدين، لا جرم أردفه بهذا المعنى، فقال تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ﴾ وقد تقدم الكلام في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت، وفي سورة لقمان، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ بوالديه إحسانا ﴾ والباقون ﴿ حَسَنًا ﴾ .
واعلم أن الإحسان خلاف الإساءة والحسن خلاف القبيح، فمن قرأ ﴿ إحسانا ﴾ فحجته قوله تعالى في سورة بني إسرائيل ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ والمعنى أمرناه بأن يوصل إليهما إحساناً، وحجة القراءة الثانية قوله تعالى في العنكبوت ﴿ وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ﴾ ولم يختلفوا فيه، والمراد أيضاً أنا أمرناه بأن يوصل إليهما فعلاً حسناً، إلا أنه سمى ذلك الفعل الحسن بالحسن على سبيل المبالغة، كما يقال: هذا الرجل علم وكرم، وانتصب حسناً على المصدر، لأن معنى ﴿ وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه ﴾ أمرناه أن يحسن إليهما إِحساناً.
ثم قال تعالى: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ﴿ كُرْهاً ﴾ بضم الكاف، والباقون بفتحها، قيل هما لغتان: مثل الضعف والضعف، والفقر والفقر، ومن غير المصادر: الدف والدف، والشهد والشهد، قال الواحدي: الكره مصدر من كرهت الشيء أكرهه، والكره الاسم كأنه الشيء المكروه قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ﴾ فهذا بالضم، وقال: ﴿ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً ﴾ فهذا في موضع الحال، ولم يقرأ الثانية بغير الفتح، فما كان مصدراً أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن، وما كان اسماً نحو ذهبت به على كره كان الضم فيه أحسن.
المسألة الثانية: قال المفسرون.
حملته أمه على مشقة ووضعته في مشقة، وليس يريد ابتداء الحمل، فإن ذلك لا يكون مشقة، وقد قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا ﴾ يريد ابتداء الحمل، فإن ذلك لا يكون مشقة، فالحمل نطفة وعلقة ومضغة، فإذا أثقلت فحينئذ ﴿ حَمَلَتْهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ﴾ يريد شدة الطلق.
المسألة الثالثة: دلت الآية على أن حق الأم أعظم، لأنه تعالى قال أولاً: ﴿ وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ﴾ فذكرهما معاً، ثم خص الأم بالذكر، فقال: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ﴾ وذلك يدل على أن حقها أعظم، وأن وصول المشاق إليها بسبب الولد أكثر، والأخبار مذكورة في هذا الباب.
ثم قال تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْراً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذا من باب حذف المضاف، والتقدير ومدة حمله وفصاله ثلاثون شهراً والفصال الفطام وهو فصله عن اللبن، فإن قيل المراد بيان مدة الرضاعة لا الفطام، فكيف عبّر عنه بالفصال؟
قلنا: لما كان الرضاع يليه الفصال ويلائمه، لأنه ينتهي ويتم به سمي فصالاً.
المسألة الثانية: دلت الآية على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهراً، قال: ﴿ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ فإذا أسقطت الحولين الكاملين وهي أربعة وعشرون شهراً من الثلاثين، بقي أقل مدة الحمل ستة أشهر.
روي عن عمر أن امرأة رفعت إليه، وكانت قد ولدت لستة أشهر، فأمر برجمها، فقال علي: لا رجم عليها، وذكر الطريق الذي ذكرناه، وعن عثمان أنه هم بذلك، فقرأ ابن عباس عليه ذلك.
واعلم أن العقل والتجربة يدلان أيضاً على أن الأمر كذلك، قال أصحاب التجارب: إن لتكوين الجنين زماناً مقدراً، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، فإذا انضاف إلى ذلك المجموع مثلاه انفصل الجنين عن الأم، فلنفرض أنه يتم خلقه في ثلاثين يوماً، فإذا تضاعف ذلك الزمان حتى صار ستين تحرك الجنين، فإذا تضاعف إلى هذا المجموع مثلاه وهو مائة وعشرون حتى صار المجموع مائة وثمانين وهو ستة أشهر، فحينئذ ينفصل الجنين، فلنفرض أنه يتم خلقه في خمسة وثلاثين يوماً فيتحرك في سبعين يوماً، فإذا انضاف إليه مثلاه وهو مائة وأربعون يوماً صار المجموع مائة وثمانين وعشرة أيام، وهو سبعة أشهر انفصل الولد، ولنفرض أنه يتم خلقه في أربعين يوماً، فيتحرك في ثمانين يوماً، فينفصل عند مائتين وأربعين يوماً، وهو ثمانية أشهر، ولنفرض أنه تمت الخلقة في خمسة وأربعين يوماً، فيتحرك في تسعين يوماً، فينفصل عند مائتين وسبعين يوماً، وهو تسعة أشهر، فهذا هو الضبط الذي ذكره أصحاب التجارب.
قال جالينوس: إن كنت شديد التفحص عن مقادير أزمنة الحمل، فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة، وزعم أو علي بن سينا أنه شاهد ذلك، فقد صار أقل مدة الحمل بحسب نص القرآن، وبحسب التجارب الطيبة شيئاً واحداً، وهو ستة أشهر، وأما أكثر مدة الحمل، فليس في القرآن ما يدل عليه، قال أبو علي بن سينا: في الفصل السادس من المقالة التاسعة من عنوان الشفاء، بلغني من حيث وثقت به كل الثقة، أن امرأة وضعت بعد الرابع من سني الحمل ولداً قد نبتت أسنانه وعاش.
وحكي عن أرسطاطاليس أنه قال: أزمنة الولادة، وحبل الحيوان مضبوطة سوى الإنسان، فربما وضعت الحبلى لسبعة أشهر، وربما وضعت في الثامن، وقلما يعيش المولود في الثامن إلا في بلاد معينة مثل مصر، والغالب هو الولادة بعد التاسع.
قال أهل التجارب: والذي قلناه من أنه إذا تضاعف زمان التكوين تحرك الجنين، وإذا انضم إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين، إنما قلناه بحسب التقريب لا بحسب التحديد، فإنه ربما زاد أو نقص بحسب الأيام، لأنه لم يقم على هذا الضبط برهان، إنما هو تقريب ذكروه بحسب التجربة، والله أعلم.
ثم قال المدة التي فيها تتم خلقة الجنين تنقسم إلى أقسام فأولها: أن الرحم إذا اشتملت على المني ولم تقذفه إلى الخارج استدار المني على نفسه منحصراً إلى ذاته وصار كالكرة، ولما كان من شأن المني أن يفسده الحركات، لا جرم يثخن في هذا الوقت وبالحري أن خلق المني من مادة تجف بالحر إذا كان الغرض منه تكون الحيوان واستحصاف أجزائه ويصير المني زبداً في اليوم السادس.
وثانيها: ظهور النقط الثلاثة الدموية فيه إحداها: في الوسط وهو الموضع الذي إذا تمت خلقته كان قلباً والثاني: فوق وهو الدماغ والثالث: على اليمين وهو الكبد، ثم إن تلك النقط تتباعد ويظهر فيما بينها خيوط حمر، وذلك يحصل بعد ثلاثة أيام أخرى فيكون المجموع تسعة أيام.
وثالثها: أن تنفذ الدموية في الجميع فيصير علقة وذلك بعد ستة أيام أخرى حتى يصير المجموع خمسة عشر يوماً.
ورابعها: أن يصير لحماً وقد تميزت الأعضاء الثلاثة، وامتدت رطوبة النخاع، وذلك إنما يتم باثني عشر يوماً فيكون المجموع سبعة وعشرين يوماً.
وخامسها: أن ينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف عن الضلوع والبطن يميز الحس في بعض ويخفى في بعض وذلك يتم في تسعة أيام أخرى فيكون المجموع ستة وثلاثين يوماً.
وسادسها: أن يتم انفصال هذه الأعضاء بعضها عن بعض ويصير بحيث يظهر ذلك الحس ظهوراً بيناً، وذلك يتم في أربعة أيام أخرى فيكون المجموع أربعين يوماً وقد يتأخر إلى خمسة وأربعين يوماً قال والأقل هو الثلاثون، فصارت هذه التجارب الطبية مطابقة لما أخبر عنه الصادق المصدوق في قوله صلى الله عليه وسلم: «يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً» قال أصحاب التجارب إن السقط بعد الأربعين إذا شق عنه السلالة ووضع في الماء البارد ظهر شيء صغير متميز الأطراف.
المسألة الثالثة: هذه الآية دلّت على أقل الحمل وعلى أكثر مدة الرضاع، أما أنها تدل على أقل مدة الحمل فقد بيناه، وأما أنها تدل على أكثر مدة الرضاع فلقوله تعالى: ﴿ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ﴾ والفقهاء ربطوا بهذين الضابطين أحكاماً كثيرة في الفقه، وأيضاً فإذا ثبت أن أقل مدة الحمل هو الأشهر الستة، فبتقدير أن تأتي المرأة بالولد في هذه الأشهر يبقى جانبها مصوناً عن تهمة الزنا والفاحشة وبتقدير أن يكون أكثر مدة الرضاع ما ذكرناه، فإذا حصل الرضاع بعد هذه المدة لا يترتب عليها أحكام الرضاع فتبقى المرأة مستورة عن الأجانب، وعند هذا يظهر أن المقصود من تقدير أقل الحمل ستة أشهر وتقدير أكثر الرضاع حولين كاملين السعي في دفع المضار والفواحش وأنواع التهمة عن المرأة، فسبحان من له تحت كل كلمة من هذا الكتاب الكريم أسرار عجيبة ونفائس لطيفة، تعجز العقول عن الإحاطة بكمالها.
وروى الواحدي في البسيط عن عكرمة أنه قال إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحداً وعشرين شهراً، وإذا حملت ستة أشهر أرضعته أربعة وعشرين شهراً، والصحيح ما قدمناه.
ثم قال تعالى: ﴿ حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى والِدَيَّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف المفسرون في تفسير الأشد، قال ابن عباس في رواية عطاء يريد ثماني عشرة سنة والأكثرون من المفسرين على أنه ثلاثة وثلاثون سنة، واحتج الفراء عليه بأن قال أن الأربعين أقرب في النسق إلى ثلاث وثلاثين منها إلى ثمانية عشر، ألا ترى أنك تقول أخذت عامة المال أو كله، فيكون أحسن من قولك أخذت أقل المال أو كله، ومثله قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ اليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ﴾ فبعض هذه الأقسام قريب من بعض فكذا هاهنا، وقال الزجاج الأولى حمله على ثلاث وثلاثين سنة لأن هذا الوقت الذي يكمل فيه بدن الإنسان، وأقول تحقيق الكلام في هذا الباب أن يقال إن مراتب سن الحيوان ثلاثة، وذلك لأن بدن الحيوان لا يتكون إلا برطوبة غريزية وحرارة غريزية، ولا شك أن الرطوبة الغريزية غالبة في أول العمر وناقصة في آخر العمر، والانتقال من الزيادة إلى النقصان لا يعقل حصوله إلا إذا حصل الاستواء في وسط هاتين المدتين، فثبت أن مدة العمر منقسمة إلى ثلاثة أقسام أولها: أن تكون الرطوبة الغريزية زائدة على الحرارة الغريزية وحينئذ تكون الأعضاء قابلة للتمدد في ذواتها وللزيادة بحسب الطول والعرض والعمق وهذا هو سن النشوء والنماء.
والمرتبة الثانية: وهي المرتبة المتوسطة أن تكون الرطوبة الغريزية وافية بحفظ الحرارة الغريزية من غير زيادة ولا نقصان وهذا هو سن الوقوف وهو سن الشباب.
والمرتبة الثالثة: وهي المرتبة الأخيرة أن تكون الرطوبة الغريزية ناقصة عن الوفاء بحفظ الحرارة الغريزية ثم هذا النقصان على قسمين فالأول: هو النقصان الخفي وهو سن الكهولة والثاني: هو النقصان الظاهر وهو سن الشيخوخة، فهذا ضبط معلوم.
ثم هاهنا مقدمة أخرى وهي أن دور القمر إنما يكمل في مدة ثمانية وعشرين يوماً وشيء، فإذا قسمنا هذه المدة بأربعة أقسام كان كل قسم منها سبعة فلهذا السبب قدروا الشهر بالأسابيع الأربعة، ولهذه الأسابيع تأثيرات عظيمة في اختلاف أحوال هذا العالم، إذا عرفت هذا فنقول إن المحققين من أصحاب التجارب قسموا مدة سن النماء والنشوء إلى أربعة أسابيع ويحصل للآدمي بحسب انتهاء كل سابوع من هذه السوابيع الأربعة نوع من التغير يؤدي إلى كماله أما عند تمام السوابيع الأول من العمر فتصلب أعضاءه بعض الصلابة، وتقوى أفعاله أيضاً بعض القوة، وتتبدل أسنانه الضعيفة الواهية بأسنان قوية وتكون قوة الشهوة في هذا السابوع أقوى في الهضم مما كان قبل ذلك، وأما في نهاية السابوع الثاني فتقوى الحرارة وتقل الرطوبات وتتسع المجاري وتقوى قوة الهضم وتقوى الأعضاء وتصلب قوة وصلابة كافية ويتولد فيه مادة الزرع، وعند هذا يحكم الشرع عليه بالبلوغ على قول الشافعي رضي الله عنه، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه، لأن هذا الوقت لما قويت الحرارة الغريزية قلت الرطوبات واعتدل الدماغ فتكمل القوى النفسانية التي هي الفكر والذكر، فلا جرم يحكم عليه بكمال العقل، فلا جرم حكمت الشريعة بالبلوغ وتوجه التكاليف الشرعية فما أحسن قول من ضبط البلوغ الشرعي بخمس عشرة سنة.
واعلم أنه يتفرع على حصول هذه الحالة أحوال في ظاهر البدن أحدها: انفراق طرف الأرنبة لأن الرطوبة الغريزية التي هناك تنتقص فيظهر الانفراق.
وثانيها: نتوء الحنجرة وغلظ الصوت لأن الحرارة التي تنهض في ذلك الوقت توسع الحنجرة فتنتوء ويغلظ الصوت.
وثالثها: تغير ريح الإبط وهي الفضلة العفينة التي يدفعها القلب إلى ذلك الموضع وذلك لأن القلب لما قويت حرارته، لا جرم قويت على إنضاج المادة، ودفعها إلى اللحم الغددي الرخو الذي في الإبط.
ورابعها: نبات الشعر وحصول الاحتلام، وكل ذلك لأن الحرارة قويت فقدرت على توليد الأبخرة المولدة للشعر وعلى توليد مادة الزرع، وفي هذا الوقت تتحرك الشهوة في الصبايا وينهد ثديهن وينزل حيضهن وكل ذلك بسبب أن الحرارة الغريزية التي فيهن قويت في آخر هذا السابوع، وأما في السابوع الثالث فيدخل في حد الكمال وينبت للذكر اللحية ويزداد حسنه وكماله، وأما في السابوع الرابع فلا تزال هذه الأحوال فيه متكاملة متزايدة، وعند انتهاء السابوع الرابع نهاية أن لا يظهر الازدياد، أما مدة سن الشباب وهي مدة الوقوف السابوع واحد فيكون المجموع خمسة وثلاثين سنة.
ولما كانت هذه المدة إما قد تزداد، وإما قد تنقص بحسب الأمزجة جعل الغاية فيه مدة أربعين سنة.
وهذا هو السن الذي يحصل فيه الكمال اللائق بالإنسان شرعاً وطباً، فإن في هذا الوقت تسكن أفعال القوى الطبيعية بعض السكون وتنتهي له أفعال القوة الحيوانية غايتها، وتبتدئ أفعال القوة النفسانية بالقوة والكمال، وإذا عرفت هذه المقدمة ظهر لك أن بلوغ الإنسان وقت الأشد شيء وبلوغه إلى الأربعين شيء آخر، فإن بلوغه إلى وقت الأشد عبارة عن الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء، وأن بلوغه إلى الأربعين عبارة عن الوصول إلى آخر مدة الشباب، ومن ذلك الوقت تأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتقاص، وتأخذ القوة العقلية والنطقية في الاستكمال وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن، فإن البدن عند الأربعين يأخذ في الانتقاص، والنفس من وقت الأربعين تأخذ في الاستكمال، ولو كانت النفس عين البدن لحصل للشيء الواحد في الوقت الواحد الكمال والنقصان وذلك محال، وهذا الكلام الذي ذكرناه ولخصناه مذكور في صريح لفظ القرآن، لأنا بينا أن عند الأربعين تنتهي الكمالات الحاصلة بسبب القوى الطبيعية والحيوانية، وأما الكمالات الحاصلة بحسب القوى النطقية والعقلية فإنها تبتدئ بالاستكمال، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى والدي ﴾ فهذا يدل على أن توجه الإنسان إلى عالم العبودية والاشتغال بطاعة الله إنما يحصل من هذا الوقت، وهذا تصريح بأن القوة النفسانية العقلية النطقية إنما تبتدئ بالاستكمال من هذا الوقت فسبحان من أودع في هذا الكتاب الكريم هذه الأسرار الشريفة المقدسة، قال المفسرون لم يبعث نبي قط إلا بعد أربعين سنة، وأقول هذا مشكل بعيسى عليه السلام فإن الله جعله نبياً من أول عمره إلا أنه يجب أن يقال الأغلب أنه ما جاءه الوحي إلا بعد الأربعين، وهكذا كان الأمر في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم ويروى أن عمر بن عبد العزيز لما بلغ أربعين سنة كان يقول: اللّهم أوزعني أن أشكر نعمتك إليّ تمام الدعاء، وروي أنه جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يؤمر الحافظان أن أرفقا بعبدي من حداثة سنه، حتى إذا بلغ الأربعين قيل احفظا وحققا» فكان راوي هذا الحديث إذا ذكر هذا الحديث بكى حتى تبتل لحيته رواه القاضي في التفسير.
المسألة الثانية: اعلم أن قوله: ﴿ حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ يدل على أن الإنسان كالمحتاج إلى مراعاة الوالدين له إلى قريب من هذه المدة، وذلك لأن العقل كالناقص، فلابد له من رعاية الأبوين على رعاية المصالح ودفع الآفات، وفيه تنبيه على أن نعم الوالدين على الولد بعد دخوله في الوجود تمتد إلى هذه المدة الطويلة، وذلك يدل على أن نعم الوالدين كأنه يخرج عن وسع الإنسان مكافأتهما إلا بالدعاء والذكر الجميل.
المسألة الثالثة: حكى الواحدي عن ابن عباس وقوم كثير من متأخري المفسرين ومتقدميهم أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قالوا والدليل عليه أن الله تعالى قد وقت الحمل والفصال هاهنا بمقدار يعلم أنه قد ينقص وقد يزيد عنه بسبب اختلاف الناس في هذه الأحوال فوجب أن يكون المقصود منه شخصاً واحداً حتى يقال إن هذا التقدير اخبار عن حاله فيمكن أن يكون أبو بكر كان حمله وفصاله هذا القدر.
ثم قال تعالى في صفة ذلك الإنسان ﴿ حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى والدي ﴾ ومعلوم أنه ليس كل إنسان يقول هذا القول، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية إنساناً معيناً قال هذا القول، وأما أبو بكر فقد قال هذا القول في قريب من هذا السن، لأنه كان أقل سناً من النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين وشيء، والنبي صلى الله عليه وسلم بعث عند الأربعين وكان أبو بكر قريباً من الأربعين وهو قد صدق النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به، فثبت بما ذكرناه أن هذه الآيات صالحة لأن يكون المراد منها أبو بكر، وإذا ثبت القول بهذه الصلاحية فنقول: ندعي أنه هو المراد من هذه الآية، ويدل عليه أنه تعالى قال في آخر هذه الآية ﴿ أولئك الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سيئاتهم فِي أصحاب الجنة ﴾ وهذا يدل على أن المراد من هذه الآية أفضل الخلق لأن الذي يتقبل الله عنه أحسن أعماله ويتجاوز عن كل سيئاته يجب أن يكون من أفاضل الخلق وأكابرهم، وأجمعت الأمة على أن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إما أبو بكر وإما علي، ولا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأن هذه الآية إنما تليق بمن أتى بهذه الكلمة عند بلوغ الأشد وعند القرب من الأربعين، وعلي بن أبي طالب ما كان كذلك لأنه إنما آمن في زمان الصبا أو عند القرب من الصبا، فثبت أن المراد من هذه الآية هو أبو بكر، والله أعلم.
المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ أَوْزِعْنِي ﴾ قال ابن عباس معناه ألهمني، قال صاحب الصحاح أوزعته بالشيء أغريته به فأوزع به فهو موزع به أي مغرى به، واستوزعت الله شكره، فأوزعني أي استلهمته فألهمني.
المسألة الخامسة: اعلم أنه تعالى حكى عن هذا الداعي أنه طلب من الله تعالى ثلاثة أشياء: أحدها: أن يوفقه الله للشكر على نعمه والثاني: أن يوفقه للإتيان بالطاعة المرضية عند الله الثالث: أن يصلح له في ذريته، وفي ترتيب هذه الأشياء الثلاثة على الوجه المذكور وجهان: الأول: أنا بينا أن مراتب السعادات ثلاثة أكملها النفسانية وأوسطها البدنية وأدونها الخارجية والسعادات النفسانية هي اشتغال القلب بشكر آلاء الله ونعمائه، والسعادات البدنية هي اشتغال البدن بالطاعة والخدمة، والسعادات الخارجية هي سعادة الأهل والولد، فلما كانت المراتب محصورة في هذه الثلاثة لا جرم رتبها الله تعالى على هذا الوجه.
والسبب الثاني: لرعاية هذا الترتيب أنه تعالى قدم الشكر على العمل، لأن الشكر من أعمال القلوب، والعمل من أعمال الجوارح، وعمل القلب أشرف من عمل الجارحة، وأيضاً المقصود من الأعمال الظاهرة أحوال القلب قال تعالى: ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ بين أن الصلاة مطلوبة لأجل أنها تفيد الذكر، فثبت أن أعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح، والأشرف يجب تقديمه في الذكر، وأيضاً الاشتغال بالشكر اشتغال بقضاء حقوق النعم الماضية، والاشتغال بالطاعة الظاهرة اشتغال بطلب النعم المستقبلة، وقضاء الحقوق الماضية يجري مجرى قضاء الدين، وطلب المنافع المستقبلة طلب للزوائد.
ومعلوم أن قضاء الدين مقدم على سائر المهمات، فلهذا السبب قدم الشكر على سائر الطاعات، وأيضاً أنه قدم طلب التوفيق على الشكر، وطلب التوفيق على الطاعة على طلب أن يصلح له ذريته، وذلك لأن المطلوبين الأولين اشتغال بالتعظيم لأمر الله، والمطلوب الثالث اشتغال بالشفقة على خلق الله، ومعلوم أن التعظيم لأمر الله يجب تقديمه على الشفقة على خلق الله.
المسألة السادسة: قال أصحابنا إن العبد طلب من الله تعالى أن يلهمه الشكر على نعم الله، وهذا يدل على أنه لا يتم شيء من الطاعات والأعمال إلا بإعانة الله تعالى، ولو كان العبد مستقلاً بأفعاله لكان هذا الطلب عبثاً، وأيضاً المفسرون قالوا المراد من قوله: ﴿ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ﴾ هو الإيمان أو الإيمان يكون داخلاً فيه، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ﴾ والمراد صراط الذين أنعمت عليهم بنعمة الإيمان وإذا ثبت هذا فنقول العبد يشكر الله على نعمة الإيمان، فلو كان الإيمان من العبد لا من الله لكان ذلك شكراً لله تعالى على فعله لا على فعل غيره، وذلك قبيح لقوله تعالى: ﴿ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ ﴾ فإن قيل: فهب أن يشكر الله على ما أنعم به عليه فكيف يشكره على النعم التي أنعم بها على والديه؟
وإنما يجب على الرجل أن يشكر ربه على ما يصل إليه من النعم، قلنا كل نعمة وصلت من الله تعالى إلى والديه، فقد وصل منها أثر إليه فلذلك وصاه الله تعالى على أن يشكر ربه على الأمرين.
وأما المطلوب الثاني: من المطالب المذكورة في هذا الدعاء، فهو قوله: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه ﴾ .
واعلم أن الشيء الذي يعتقد أن الإنسان فيه كونه صالحاً على قسمين: أحدهما: الذي يكون صالحاً عنده ويكون صالحاً أيضاً عند الله تعالى والثاني: الذي يظنه صالحاً ولكنه لا يكون صالحاً عند الله تعالى، فلما قسم الصالح في ظنه إلى هذين القسمين طلب من الله أن يوفقه لأن يأتي بعمل صالح يكون صالحاً عند الله ويكون مرضياً عند الله.
والمطلوب الثالث: من المطالب المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَأَصْلِحْ لِى فِي ذُرّيَّتِى ﴾ لأن ذلك من أجل نعم الله على الوالد، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام ﴾ فإن قيل ما معنى ﴿ فِي ﴾ في قوله: ﴿ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرّيَّتِي ﴾ ؟
قلنا تقدير الكلام هب لي الصلاح في ذريتي وأوقعه فيهم.
واعلم أنه تعالى لما حكى عن ذلك الداعي، أنه طلب هذه الأشياء الثلاثة، قال بعد ذلك ﴿ إِنّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنّي مِنَ المسلمين ﴾ والمراد أن الدعاء لا يصح إلا مع التوبة، وإلا مع كونه من المسلمين فتبين أني إنما أقدمت على هذا الدعاء بعد أن تبت إليك من الكفر ومن كل قبيح، وبعد أن دخلت في الإسلام والانقياد لأمر الله تعالى ولقضائه.
واعلم أن الذين قالوا إن هذه الآية نزلت في أبي بكر، قالوا إن أبا بكر أسلم والداه، ولم يتفق لأحد من الصحابة والمهاجرين إسلام الأبوين إلا له، فأبوه أبو قحافة عثمان بن عمرو وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو، وقوله: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه ﴾ قال ابن عباس فأجابه الله إليه فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم بلال وعامر بن فهيرة ولم يترك شيئاً من الخير إلا أعانه الله عليه، وقوله تعالى: ﴿ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرّيَّتِي ﴾ قال ابن عباس لم يبق لأبي بكر ولد من الذكور والإناث إلا وقد آمنوا، ولم يتفق لأحد من الصحابة أن أسلم أبواه وجميع أولاده الذكور والإناث إلا لأبي بكر.
ثم قال تعالى: ﴿ أولئك ﴾ أي أهل هذا القول ﴿ الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ﴾ قرئ بضم الياء على بناء الفعل للمفعول وقرئ بالنون المفتوحة، وكذلك نتجاوز وكلاهما في المعنى واحد، لأن الفعل وإن كان مبنياً للمفعول فمعلوم أنه لله سبحانه وتعالى، فهو كقوله: ﴿ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ فبيّن تعالى بقوله: ﴿ أولئك الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ أن من تقدم ذكره ممن يدعو بهذا الدعاء، ويسلك هذه الطريقة التي تقدم ذكرها ﴿ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ﴾ والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله، فإن قيل ولم قال تعالى: ﴿ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ والله يتقبل الأحسن وما دونه؟
قلنا الجواب من وجوه: الأول: المراد بالأحسن الحسن كقوله تعالى: ﴿ واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ ﴾ كقولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان، أي عادلا بني مروان الثاني: أن الحسن من الأعمال هو المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب والأحسن ما يغاير ذلك، وهو وكل ما كان مندوباً واجباً.
ثم قال تعالى: ﴿ وَنَتَجَاوَزُ عَن سيئاتهم ﴾ والمعنى أنه تعالى يتقبل طاعاتهم ويتجاوز عن سيئاتهم.
ثم قال: ﴿ فِي أصحاب الجنة ﴾ قال صاحب الكشاف ومعنى هذا الكلام مثل قولك: أكرمني الأمير في مائتين من أصحابه، يريد أكرمني في جملة من أكرم منهم وضمني في عدادهم، ومحله النصب على الحال على معنى كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين منهم، وقوله: ﴿ وَعْدَ الصدق ﴾ مصدر مؤكد، لأن قوله: ﴿ نتقبل ﴾ ، ﴿ نتجاوز ﴾ وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز، والمقصود بيان أنه تعالى يعامل من صفته ما قدمناه بهذا الجزاء، وذلك وعد من الله تعالى فبيّن أنه صدق ولا شك فيه.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ حسناً ﴾ بضم الحاء وسكون السين.
وبضمهما، وبفتحهما.
وإحساناً، وكرهاً، بالفتح والضم، وهما لغتان في معنى المشقة، كالفقر والفقر.
وانتصابه على الحال: أي: ذات كره.
أو على أنه صفة للمصدر، أي: حملاً ذا كُرهٍ ﴿ وَحَمْلُهُ وفصاله ﴾ ومدّة حمله وفصاله ﴿ ثلاثون شَهْراً ﴾ وهذا دليل على أن أقل الحمل ستة أشهر؛ لأن مدّة الرضاع إذا كانت حولين لقوله عز وجل: ﴿ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ﴾ [البقرة: 233] بقيت للحمل ستة أشهر.
وقرئ: ﴿ وفصله ﴾ والفصل والفصال: كالفطم والفطام.
بناء ومعنى.
فإن قلت: المراد بيان مدّة الرضاع لا الفطام، فكيف عبر عنه بالفصال؟
قلت: لما كان الرضاع يليه الفصال ويلابسه لأنه ينتهي به ويتم: سمى فصالاً، كما سمي المدّة بالأمد من قال: كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ مُدَّةَ الْعُمْ ** رِ وَمُودٍ إِذَا انتهى أَمَدُهْ وفيه فائدة وهي الدلالة على الرضاع التام المنتهى بالفصال ووقته.
وقرئ: ﴿ حتى إذا استوى وبلغ أشدّه ﴾ وبلوغ الأشد: أن يكتهل ويستوفي السنّ التي تستحكم فيها قوّته وعقله وتمييزه، وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين.
وعن قتادة: ثلاث وثلاثون سنة، ووجهه أن يكون ذلك أوّل الأشد، وغايته الأربعين.
وقيل: لم يبعث نبيّ قط إلا بعد أربعين سنة.
والمراد بالنعمة التي استوزع الشكر عليها: نعمة التوحيد والإسلام، وجمع بين شكري النعمة عليه وعلى والديه؛ لأن النعمة عليهما نعمة عليه.
وقيل في العمل المرضي: هو الصلوات الخمس.
فإن قلت: ما معنى (في) في قوله: ﴿ وَأَصْلِحْ لِى فِي ذريتى ﴾ ؟
قلت: معناه: أن يجعل ذريّته موقعاً للصلاح ومظنة له كأنه قال: هب لي الصلاح في ذرّيتي وأوقعه فيهم ونحوه: يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي ﴿ مِنَ المسلمين ﴾ من المخلصين.
وقرئ: ﴿ يتقبل ﴾ ويتجاوز، بفتح الياء، والضمير فيهما لله عز وجل.
وقرئا بالنون.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ فِى أصحاب الجنة ﴾ ؟
قلت: هو نحو قولك: أكرمني الأمير في ناس من أصحابه، تريد: أكرمني في جملة من أكرم منهم، ونظمني في عدادهم، ومحله النصب على الحال، على معنى: كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم ﴿ وَعْدَ الصدق ﴾ مصدر مؤكد؛ لأن قوله: يتقبل، ويتجاوز: وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز.
وقيل: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه وفي أبيه أبي قحافة وأمّه أم الخير وفي أولاده، واستجابة دعائه فيهم.
وقيل: لم يكن أحد من الصحابة من المهاجرين منهم والأنصار أسلم هو وولداه وبنوه وبناته غير أبي بكر رضي الله عنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ وقَرَأ الكُوفِيُّونَ «إحْسانًا»، وقُرِئَ حَسَنًا أيْ إيصاءً «حَسَنًا».
﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا ﴾ ذاتَ كُرْهٍ أوْ حَمْلًا ذا كُرْهٍ وهو المَشَقَّةُ، وقَرَأ الحِجازِيّانِ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِالفَتْحِ وهُما لُغَتانِ كالفُقْرِ والفَقْرِ.
وقِيلَ: المَضْمُومُ اسْمٌ والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ.
﴿ وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ﴾ ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، والفِصالُ الفِطامُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ يَعْقُوبَ «وَفَصْلُهُ» أوْ وقْتُهُ والمُرادُ بِهِ الرَّضاعُ التّامُّ المُنْتَهى بِهِ ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِهِ كَما يُعَبَّرُ بِالأمَدِ عَنِ المُدَّةِ، قالَ: كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٍ عِدَّةَ العُمْ ∗∗∗ رِ ومُودٌ إذا انْتَهى أمَدُهُ ﴿ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ كُلُّ ذَلِكَ بَيانٌ لِما تُكابِدُهُ الأُمُّ في تَرْبِيَةِ الوَلَدِ مُبالَغَةً في التَّوْصِيَةِ بِها، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ لِأنَّهُ إذا حَطَّ مِنهُ لِلْفِصالِ حَوْلانِ لِقَوْلِهِ: ﴿ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ﴾ بَقِيَ ذَلِكَ وبِهِ قالَ الأطِبّاءُ ولَعَلَّ تَخْصِيصَ أقَلِّ الحَمْلِ وأكْثَرِ الرَّضاعِ لِانْضِباطِهِما وتَحَقُّقِ ارْتِباطِ حُكْمِ النَّسَبِ والرَّضاعِ بِهِما.
﴿ حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ إذا اكْتَهَلَ واسْتَحْكَمَ قُوَّتَهُ وعَقْلَهُ.
﴿ وَبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ قِيلَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا بَعْدَ الأرْبَعِينَ.
﴿ قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي ﴾ ألْهِمْنِي وأصْلُهُ أوْلِعْنِي مِن أوْزَعْتُهُ بِكَذا.
﴿ أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ ﴾ يَعْنِي نِعْمَةَ الدِّينِ أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها، وذَلِكَ يُؤَيِّدُ ما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أسْلَمَ هو وأبَواهُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ سِواهُ.
﴿ وَأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ نَكِرَةٌ لِلتَّعْظِيمِ أوْ لِأنَّهُ أرادَ نَوْعًا مِنَ الجِنْسِ يَسْتَجْلِبُ رِضا اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ وَأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي ﴾ واجْعَلْ لِي الصَّلاحَ سارِيًا في ذُرِّيَّتِي راسِخًا فِيهِمْ ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: وإنْ تَعْتَذِرْ بِالمَحَلِّ عَنْ ذِي ضُرُوعِها ∗∗∗ ∗∗∗ إلى الضَّيْفِ يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي ﴿ إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ عَمّا لا تَرْضاهُ أوْ يَشْغَلُ عَنْكَ.
﴿ وَإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ المُخْلِصِينَ لَكَ.
<div class="verse-tafsir"
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)
{وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه إحسانا} كوفي أي وصيناه بأن يحسن بوالديه إحساناً حُسْنًا غيرهم أي وصيناه بوالديه أمراً ذا حسن أو بأمر ذي حسن فهو في موضع البدل من قوله بوالديه وهو من بدل الاشتمال
{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} وبفتح الكافين حجازي وأبو عمرو وهما لغتان في معنى المشقة وانتصابه على الحال أي ذات كره أو على أنه صفة للمصدر أي حملاً ذاكره {وَحَمْلُهُ وفصاله} ومدة حمله وفطامه {ثَلاَثُونَ شَهْراً} وفيه دليل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع إذا كانت حولين لقوله تعالى حولين كاملين بقيت للحمل ستة أشهر وبه قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله وقال أبو حنيفة رضى الله عنه المراد به الحمل بالأكف وَفِصْلُهُ يعقوب والفصل والفصال كالعظم والعظام بناء ومعنى {حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} هو جمع لا واحد له من لفظه وكان سيبويه يقول واحده شدة وبلوغ الأشد أن يكتهل ويستوفى السن التى فيها قوته وعقله وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين وعن قتادة ثلاث وثلاثون سنة ووجهه أن يكون ذلك أول الأشد وغايته الأربعون {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِى} ألهمني {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وعلى وَالِدَىَّ} المراد به نعمة التوحيد والإسلام وجمع بين شكري النعمة عليه وعلى والديه لأن النعمة عليهما نعمة عليه {وَأَنْ أعمل صالحا ترضاه}
قيل هي الصلوات الخمس {وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى} أي اجعل ذريتي موقعاً للصلاح ومظنة له {إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ} من كل ذنب {وَإِنِّى مِنَ المسلمين} من المخلصين
﴿ ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا ﴾ نَزَلَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ .
( وإحْسانًا ) قِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لَوَصَّيْنا عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى ألْزَمْنا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ عَلى تَضْمِينِ ( وصَّيْنا ) مَعْنى أحْسَنّا أيْ أحْسَنّا بِالوَصِيَّةِ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا، وقِيلَ: صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إيصاءً ذا إحْسانٍ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ أيْ وصَّيْناهُ بِهِما لِإحْسانِنا إلَيْهِما، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ الصَّرِيحِ ( وبِوالِدَيْهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِوَصَّيْنا، أوْ بِهِ وكَأنَّهُ عَنى يُحْسِنُ إحْسانًا وهو حَسَنٌ، لَكِنْ تَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ تَجْوِيزَهُ تَعَلُّقَ الجارِّ بِإحْسانًا بِأنَّهُ لا يَصِحُّ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُقَدَّرٌ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ ولِأنَّ أحْسَنَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ وإنَّما يَتَعَدّى بِاللّامِ تَقُولُ: أحْسَنْتُ لِزَيْدٍ ولا تَقُولُ: أحْسَنْتُ بِزَيْدٍ عَلى مَعْنى أنَّ الإحْسانَ يَصِلُ إلَيْهِ، وفِيهِ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ المُقَدَّرَ بِشَيْءٍ يُشارِكُ ما قُدِّرَ بِهِ في جَمِيعِ الأحْكامِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بَعْضُ أحْكامِهِ مُخْتَصًّا بِصَرِيحِ لَفْظِهِ مَعَ أنَّ الظَّرْفَ يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ ولِذا يَعْمَلُ الِاسْمُ الجامِدُ فِيهِ بِاعْتِبارِ لَمْحِ المَعْنى المَصْدَرِيِّ، وقالَ قالُوا: إنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ ما لا يَتَصَرَّفُ في غَيْرِهِ لِاحْتِياجِ مُعْظَمِ الأشْياءِ إلَيْهِ.
والجارُّ والمَجْرُورُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، وقَدْ كَثُرَ ما ظاهِرُهُ التَّعَلُّقُ بِالمَصْدَرِ المُتَأخِّرِ نَكِرَةً كَـ ﴿ ”ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ“ ﴾ ومَعْرِفَةً نَحْوَ ﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ وتَأْوِيلُ كُلِّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ، وأيْضًا قَوْلُهُ: لِأنَّ أحْسَنَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ إلَخْ فِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ الفِعْلَ قَبْلَ الجارِّ فَقالَ: وصَّيْنا الإنْسانَ بِأنْ يُحْسِنَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا، ولَعَلَّ التَّنْوِينَ لِلتَّفْخِيمِ أيْ إحْسانًا عَظِيمًا، والإيصاءُ والوَصِيَّةُ التَّقَدُّمُ إلى الغَيْرِ بِما يَعْمَلُ بِهِ مُقْتَرِنًا بِوَعْظٍ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ واصِيَةٌ مُتَّصِلَةُ النَّباتِ، فَفي الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ الإحْسانَ بِهِما أمْرٌ مُعْتَنًى بِهِ، وقَدْ عُدَّ في الحَدِيثِ ثانِي أفْضَلِ الأعْمالِ وهو الصَّلاةُ لِأوَّلِ وقْتِها، وعُدَّ عُقُوقُهُما ثانِي أكْبَرِ الكَبائِرِ وهو الإشْراكُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والأحادِيثُ في التَّرْغِيبِ في الأوَّلِ والتَّرْهِيبِ عَنِ الثّانِي كَثِيرَةٌ جِدًّا، وفي الآياتِ ما فِيهِ كِفايَةٌ لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (حُسْنًا) بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ السِّينِ أيْ فِعْلًا ذا حُسْنٍ أوْ كَأنَّهُ في ذاتِهِ نَفْسُ الحُسْنِ لِفَرْطِ حُسْنِهِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ فِيهِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ( إحْسانًا ) فالأقْوالُ السّابِقَةُ تَجْرِي فِيهِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
والسُّلَمِيُّ.
وعِيسى (حَسَنًا) بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ، وعَنْ عِيسى (حُسُنًا) بِضَمِّهِما.
﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا ﴾ أيْ ذاتَ كُرْهٍ أوْ حَمْلًا ذا كُرْهٍ وهو المَشَقَّةُ كَما قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ، ولَيْسَ الكُرْهُ في أوَّلِ عُلُوقِها بَلْ بَعْدَ ذَلِكَ حِينَ تَجِدُ لَهُ ثِقَلًا.
وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والحَرَمِيّانِ (كَرْهًا) بِفَتْحِ الكافِ وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ كالفَقْرِ والفُقْرِ والضَّعْفِ والضُّعْفِ، وقِيلَ: المَضْمُومُ اسْمٌ والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ.
وقالَ الرّاغِبُ: قِيلَ الكَرْهُ أيْ بِالفَتْحِ المَشَقَّةُ الَّتِي تَنالُ الإنْسانَ مِن خارِجٍ مِمّا يُحْمَلُ عَلَيْهِ بِإكْراهٍ والكُرْهُ ما يَنالُهُ مِن ذاتِهِ وهو ما يَعافُّهُ مِن حَيْثُ الطَّبْعُ أوْ مِن حَيْثُ العَقْلُ أوِ الشَّرْعُ.
وطَعَنَ أبُو حاتِمٍ في هَذِهِ القِراءَةِ فَقالَ: لا تَحْسُنُ هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّ الكَرْهَ بِالفَتْحِ الغَصْبُ والغَلَبَةُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّها في السَّبْعَةِ المُتَواتِرَةِ فَلا مَعْنى لِلطَّعْنِ فِيها، وقَدْ كانَ هَذا الرَّجُلُ يَطْعَنُ في بَعْضِ القِراءاتِ بِما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ جَسارَةً مِنهُ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿ وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ﴾ أيْ مُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وبِتَقْدِيرِ هَذا المُضافِ يَصِحُّ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ عَلى المُبْتَدَأِ مِن غَيْرِ كُرْهٍ.
والفِصالُ الفِطامُ وهو مَصْدَرٌ فاصِلٌ فَكَأنَّ الوَلَدَ فاصِلُ أُمِّهِ وأُمَّهُ فاصِلَتُهُ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ (وفَصْلُهُ) أيْ فَطْمُهُ فالفَصْلُ والفِصالُ كالفَطْمِ والفِطامِ بِناءً ومَعْنًى وقِيلَ: الفِصالُ بِمَعْنى وقْتِ الفَصْلِ أيِ الفَطْمِ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مُدَّةِ الحَمْلِ، والمُرادُ بِالفِصالِ الرِّضاعُ التّامُّ المُنْتَهِي بِالفِطامِ ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِالفِصالِ عَنْهُ أوْ عَنْ وقْتِهِ دُونَ الرِّضاعِ المُطْلَقِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ ذَلِكَ، وفي الوَصْفِ تَطْوِيلٌ، والآيَةُ بَيانٌ لِما تُكابِدُهُ الأُمُّ وتُقاسِيهِ في تَرْبِيَةِ الوَلَدِ مُبالَغَةً في التَّوْصِيَةِ لَها، ولِذا اعْتَنى الشّارِعُ بِبِرِّها فَوْقَ الِاعْتِناءِ بِبَرِّ الأبِ، فَقَدْ رُوِيَ «(أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أبِرُّ؟
قالَ: أُمَّكُ قالَ: ثُمَّ مَن؟
قالَ: أُمَّكَ قالَ: ثُمَّ مَن؟
قالَ: أُمَّكَ قالَ: ثُمَّ مَن؟
قالَ: أباكَ)».
وقَدْ أُشِيرَ في الآيَةِ إلى ما يَقْتَضِي البِرَّ بِها عَلى الخُصُوصِ في ثَلاثِ مَراتِبَ فَتَكُونُ الأوامِرُ في الخَبَرِ كالمَأْخُوذَةِ مِن ذَلِكَ.
واسْتَدَلَّ بِها عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ لِما أنَّهُ إذا حَطَّ عَنِ الثَّلاثِينَ لِلْفِصالِ حَوْلانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ﴾ يَبْقى لِلْحَمْلِ ذَلِكَ وبِهِ قالَ الأطِبّاءُ، قالَ جالِينُوسُ: كُنْتُ شَدِيدَ الفَحْصِ عَنْ مِقْدارِ زَمَنِ الحَمْلِ فَرَأيْتُ امْرَأةً ولَدَتْ لِمِائَةٍ وأرْبَعٍ وثَمانِينَ لَيْلَةً.
وادَّعى ابْنُ سِينا أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ.
وأمّا أكْثَرُ مُدَّةِ الحَمْلِ فَلَيْسَ في القُرْآنِ العَظِيمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وقالَ ابْنُ سِينا في الشِّفاءِ: بَلَغَنِي مِن جِهَةِ مَن أثِقُ بِهِ كُلَّ الثِّقَةِ أنَّ امْرَأةً وضَعَتْ بَعْدَ الرّابِعِ مِن سِنَّيِ الحَمْلِ ولَدًا نَبَتَتْ أسْنانُهُ، وحُكِيَ عَنْ أرِسْطُو أنَّهُ قالَ: أزْمِنَةُ الحَمْلِ لِكُلِّ حَيَوانٍ مَضْبُوطَةٌ سِوى الإنْسانِ فَرُبَّما وضَعَتِ المَرْأةُ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ ورُبَّما وضَعَتْ لِثَمانِيَةٍ وقَلَّما يَعِيشُ الوَلَدُ في الثّامِنِ إلّا في بِلادٍ مُعَيَّنَةٍ مِثْلَ مِصْرَ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ أقَلِّ الحَمْلِ وأكْثَرِ الرِّضاعِ بِالبَيانِ في القُرْآنِ الكَرِيمِ بِطَرِيقِ الصَّراحَةِ والدَّلالَةِ دُونَ أكْثَرِ الحَمْلِ وأقَلِّ الرِّضاعِ وأوْسَطِهِما لِانْضِباطِهِما بِعَدَمِ النَّقْصِ والزِّيادَةِ بِخِلافِ ما ذُكِرَ، وتَحَقَّقُ ارْتِباطِ حُكْمِ النَّسَبِ بِأقَلِّ مُدَّةِ الحَمْلِ حَتّى لَوْ وضَعَتْهُ فِيما دُونَهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنهُ وبَعْدَهُ يَثْبُتُ وتَبْرَأُ مِنَ الزِّنا، ولَوْ أرْضَعَتْ مُرْضِعَةً بَعْدَ حَوْلَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ أحْكامُ الرِّضاعِ في التَّناكُحِ وغَيْرِهِ وفي هَذا خِلافٌ لا يُعْبَأُ بِهِ ﴿ حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ غايَةٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ فَعاشَ أوِ اسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ حَتّى إذا اكْتَهَلَ واسْتَحْكَمَ قُوَّتُهُ وعَقْلُهُ ﴿ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ غَيْرُ بُلُوغِ الأشُدِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ بُلُوغُ الأشُدِّ والعَطْفُ لِلتَّأْكِيدِ.
وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الإنْسانَ إذا بَلَغَ هَذا القَدْرَ يَتَقَوّى جِدًّا خُلُقُهُ الَّذِي هو عَلَيْهِ فَلا يَكادُ يُزايِلُهُ بَعْدُ، وفي الحَدِيثِ «(إنَّ الشَّيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ ويَقُولُ بِأبِي وجْهٌ لا يَفْلَحُ)» وأخْرَجَ أبُو الفَتْحِ الأزْدِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «(مَن أتى عَلَيْهِ الأرْبَعُونَ سَنَةً فَلَمْ يَغْلِبْ خَيْرُهُ شَرَّهُ فَلْيَتَجَهَّزْ إلى النّارِ)» وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: إذا المَرْءُ وافى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ دُونَ ما يَهْوى حَياءٌ ولا سِتْرُ فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي مَضى ∗∗∗ وإنْ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ العُمْرُ وقِيلَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا بَعْدَ الأرْبَعِينَ، وذَهَبَ الفَخْرُ إلى خِلافِهِ مُسْتَدِلًّا بِأنَّ عِيسى ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ أُرْسِلا صَبِيِّيْنِ لِظَواهِرِ ما حُكِيَ في الكِتابِ الجَلِيلِ عَنْهُما، وهو ظاهِرُ كَلامِ السَّعْدِ حَيْثُ قالَ: مِن شُرُوطِ النُّبُوَّةِ الذُّكُورَةُ وكَمالُ العَقْلِ والذَّكاءُ والفِطْنَةُ وقُوَّةُ الرَّأْيِ ولَوْ في الصِّبا كَعِيسى ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ إلى آخِرِ ما قالَ.
وذَهَبَ ابْنُ العَرَبِيِّ في آخَرِينَ إلى أنَّهُ يَجُوزُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بَعْثُ الصَّبِيِّ إلّا أنَّهُ لَمْ يَقَعْ وتَأوَّلُوا آيَتَيْ عِيسى ويَحْيى ﴿ قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ .
﴿ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا ﴾ بِأنَّهُما إخْبارٌ عَمّا سَيَحْصُلُ لَهُما لا عَمّا حَصَلَ بِالفِعْلِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الآياتِ وغَيْرِها، والواقِعُ عِنْدَ هَؤُلاءِ البَعْثُ بَعْدَ البُلُوغِ.
وحَكى اللَّقّانِيُّ عَنْ بَعْضِ اشْتِراطِهِ فِيهِ ويَتَرَجَّحُ عِنْدِي اشْتِراطُهُ فِيهِ دُونَ أصْلِ النُّبُوَّةِ لِما أنَّ النُّفُوسَ في الأغْلَبِ تَأْنَفُ عَنِ اتِّباعِ الصَّغِيرِ وإنْ كَبُرَ فَضْلًا كالرَّقِيقِ والأُنْثى، وصَرَّحَ جَمْعٌ بِأنَّ الأعَمَّ الأغْلَبَ كَوْنُ البَعْثَةِ عَلى رَأْسِ الأرْبَعِينَ كَما وقَعَ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي ﴾ أيْ رَغِّبْنِي ووَفِّقْنِي مِن أوْزَعْتُهُ بِكَذا أيْ جَعَلْتُهُ مُولَعًا بِهِ راغِبًا في تَحْصِيلِهِ.
وقَرَأ البَزِّيُّ (أوْزِعْنِيَ) بِفَتْحِ الياءِ ﴿ أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ ﴾ أيْ نِعْمَةَ الدِّينِ أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها، وذَلِكَ يُؤَيِّدُ ما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أسْلَمَ هو وأبَواهُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ سِواهُ كَذا قِيلَ، وإسْلامُ أبِيهِ بَعْدَ الفَتْحِ وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الدُّعاءَ بِالنِّسْبَةِ إلى أبَوَيْهِ دُعاءٌ بِتَوْفِيقِهِما لِلْإيمانِ وهو كَما تَرى.
واعْتُرِضَ عَلى التَّعْلِيلِ بِابْنِ عُمَرَ وأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِما، ونُقِلَ عَنِ الواحِدِيِّ أنَّهُ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو ابْنُ ثَمانِ عَشْرَةَ سَنَةً ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً في سَفَرٍ لِلشّامِ في التِّجارَةِ فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَمُرَةٍ وقالَ لَهُ الرّاهِبُ: إنَّهُ لَمْ يَسْتَظِلَّ بِها أحَدٌ بَعْدَ عِيسى غَيْرُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَوَقَعَ في قَلْبِهِ تَصْدِيقُهُ فَلَمْ يَكُنْ يُفارِقُهُ في سِفْرٍ ولا حَضَرٍ فَلَمّا نُبِئَّ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ آمَنَ بِهِ وهو ابْنُ ثَمانِيَةٍ وثَلاثِينَ فَلَمّا بَلَغَ الأرْبَعِينَ قالَ: ﴿ رَبِّ أوْزِعْنِي ﴾ إلَخْ ﴿ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ التَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ مُرْضِيًا لَهُ تَعالى مَعَ أنَّ الرِّضا عَلى ما عَلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ الحَقِّ الإرادَةُ مَعَ تَرْكِ الِاعْتِراضِ وكُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ كَذَلِكَ أنْ يَكُونَ سالِمًا مِن غَوائِلِ عَدَمِ القَبُولِ كالرِّياءِ والعُجْبِ وغَيْرِهِما، فَحاصِلُهُ اجْعَلْ عَمَلِي عَلى وفْقِ رِضاكَ: وقِيلَ المُرادُ بِالرِّضا هُنا ثَمَرَتُهُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ ﴿ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي ﴾ أيِ اجْعَلِ الصَّلاحَ سارِيًا في ذُرِّيَّتِي راسِخًا فِيهِمْ كَما في قَوْلِهِ: فَإنْ تَعْتَذِرْ في المَحَلِّ مِن ذِي ضُرُوعِها ∗∗∗ لَدى المَحَلِّ يُجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي عَلى أنَّ ( أصْلِحْ ) نَزَلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ثُمَّ عُدِّيَ بِفي لِيُفِيدَ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن سَرَيانِ الصَّلاحِ فِيهِمْ وكَوْنِهِمْ كالظَّرْفِ لَهُ لِتَمَكُّنِهِ فِيهِمْ وإلّا فَكانَ الظّاهِرُ وأصْلِحْ لِي ذُرِّيَّتِي، وقِيلَ: عُدِّيَ بِفي لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى اللُّطْفِ أيِ الطُفْ بِي في ذُرِّيَّتِي، والأوَّلُ أحْسَنُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَ أبِي بَكْرٍ فَأعْتَقَ تِسْعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ مِنهم بِلالٌ وعامِرُ بْنُ فَهَيْرَةَ ولَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ إلّا أعانَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ودَعا أيْضًا فَقالَ ( أصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي ) فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ إلّا آمَنُوا جَمِيعًا فاجْتَمَعَ لَهُ إسْلامُ أبَوَيْهِ وأوْلادِهِ جَمِيعًا، وقَدْ أدْرَكَ أبُوهُ ووَلَدُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ووَلَدُهُ أبُو عَتِيقٍ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وآمَنُوا بِهِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ ﴿ إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ عَمّا لا تَرْضاهُ أوْ يَشْغَلُ عَنْكَ ﴿ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ الَّذِينَ أخْلَصُوا أنْفُسَهم لَكَ <div class="verse-tafsir"
ثم قال الله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً يعني: أمرنا الإنسان بالإحسان إلى والديه.
قال مقاتل والكلبي: نزلت الآية، في شأن أبي بكر الصديق، ، ويقال: هذا أمر عام لجميع الناس.
قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم إحْسَاناً بالألف، ومعناه: أمرناه بأن يحسن إليهما إحساناً.
والباقون حُسْناً بغير ألف، فجعلوه اسماً، وأقاموه مقام الإحسان.
ثم ذكر حق الوالدين، فقال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً يعني: في مشقة وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً يعني: في مشقة وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ يعني: حمله في بظن أمه، وفصاله ورضاعه ثَلاثُونَ شَهْراً وروى وكيع بإسناده، عن علي بن أبي طالب قال: إن رجلاً قال له: إني تزوجت جارية سليمة بكراً، لم أر منها ريبة، وإنها ولدت لستة أشهر.
فقرأ علي وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [البقرة: 233] وقرأ وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً فالحمل ستة أشهر، والرضاع سنتين، والولد ولدك.
وقال وكيع: هذا أصل، إذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر، لم يلزمه فيفرق بينهما.
ثم قال حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ يعني: بلغ ثلاثاً وثلاثين وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً صدق بالنبي ، يعني: أبا بكر قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ يعني: ألهمني ما أؤدي به شكر نعمتك، وما أوزعت به نفسي، أن أكفها عن كفران نعمتك، وأصله من وزعته.
أي: دفعته قال: رب أوزعني أن أشكر.
يعني: أن أؤدي شكر نعمتك الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ بالإسلام وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ يعني: تقبله وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي يعني: أكرمهم بالتوحيد.
ويقال: اجعلهم أولاداً صالحين مسلمين، فأسلموا كلهم إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ يعني: أقبلت إليك بالتوبة وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ يعني: المخلصين، الموحدين على دينهم.
قوله تعالى أُولئِكَ يعني: أهل هذه الصفة.
يعني: أبا بكر ووالديه، وذريته، ومن كان في مثل حالهم الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا يعني: ستجزيهم بإحسانهم.
قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص، نَتَقَبَّل بالنون وَنَتَجاوَزُ بالنون.
وقرأ الباقون بالياء والضم.
فمن قرأ بالنون، فهو على معنى الإضافة إلى نفسه، يعني: نتقبل نحن، ونصب أحسن لوقوع الفعل عليه، ومن قرأ بالياء والضم، فهو على معنى فعل، ما لم يسم فاعله.
ولهذا رفع قوله: «أَحْسَنُ» لأنه مفعول ما لم يسم فاعله.
ثم قال وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ يعني: ما فعلوا قبل التوبة، فلا يعاقبون عليها فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ يعني: هم مع أصحاب الجنة.
وروى أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن الحسن قال: مَنْ يَعْمَل سُوءاً يُجْزَ بِهِ، إنما ذلك لمن أراد الله هوانه، وأما من أراد الله كرامته، فإنه يتجاوز عن سيئاته فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ.
ثم قال: وَعْدَ الصِّدْقِ يعني: وعد الصدق في الجنة.
قوله تعالى الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ.
<div class="verse-tafsir"
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦)
وقوله سبحانه: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ يريد: النوع، أي: هكذا مَضَتْ شرائِعِي وكُتُبِي، فَهِيَ وَصِيَّةٌ من اللَّه في عباده، وبِرُّ الوالدَيْنِ واجبٌ، وعُقُوقُهُمَا كبيرة، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
«كُلُّ شَيْءٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ إلاَّ شَهَادَةَ أَنْ لاَ إله إلاَّ اللَّه، وَدَعْوَةَ الْوَالِدَيْنِ «١» قال ع «٢» : ولن يَدْعُوَا في الغالب إلاَّ إذا ظلمَهُمَا الوَلَدُ، فهذا يَدْخُلُ في عُمُومِ قوله- عليه السلام-: «اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» «٣» ثم عَدَّدَ سُبْحَانَهُ عَلَى الأبْنَاءِ مِنَنَ الأُمَّهَاتِ.
وقوله تعالى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً قال مجاهد، والحسن، وقتادة: حملته مَشَقَّةً، ووضعته مَشَقَّةً، قال أبو حَيَّان «٤» : وَحَمْلُهُ على حَذْفِ مضافٍ، أي: مدَّة حمله، انتهى.
وقوله: ثَلاثُونَ شَهْراً يقتضى أَنَّ مُدَّة/ الحمل والرَّضَاعِ هي هذه المُدَّةُ، وفي البقرة: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [البقرة: ٢٣٣] فيترتب من هذا أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أَشهر، وأقلَّ ما يَرْضَعُ الطفْلُ عَامٌ وتسعَةُ أشْهُرٍ، وإكمال الحولَيْنِ هو لمن أراد أَنْ يُتِمَّ الرضاعة، وهذا في أمد الحَمْلِ، هو مذهب مالك وجماعة من الصحابة، وأقوى الأقوال في بلوغ الأَشُدِّ ستةٌ وثلاثُونَ سنَةً، قال ع «٥» : وإنَّما ذكر تعالى الأربعين لأَنَّها حَدٌّ للإنسان في فلاحه ونَجَابَتِهِ، وفي الحديث: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجُرُّ يَدَهُ على وَجْهِ مَنْ زادَ عَلَى الأَرْبَعِينَ وَلَمْ يَتُبْ، فَيَقُولُ: بِأَبِي، وَجْهٌ لاَ يُفْلِحُ» .
ت: وحَدَّثَ أبو بَكْرِ ابْنُ الخَطِيبِ في «تاريخِ بَغْدَادَ» بسنده المُتَّصِلِ عن أنس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذَا بَلَغَ الْعَبْدُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنَ البَلاَيَا الثَّلاَثِ: الجُنُونِ، وَالجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، فَإذا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُ الحِسَابَ، فإذا بلغ ستّين سنة رزقه
اللَّهُ الإنَابَةَ لِمَا يُحِبُّ، فَإذَا بَلَغَ سَبْعِينَ سَنَةً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَشُفِّعَ في أَهْلِ بَيْتِهِ، وَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: هَذَا أَسِيرُ اللَّهِ في أَرْضِهِ» «١» انتهى، وهذا- واللَّه أعلم- في العبد المُقْبِلِ على آخرته، المشتغل بطاعة ربه.
وقوله: رَبِّ أَوْزِعْنِي معناه: ادفع عني الموانع، وأَجِرْنِي من القواطع لأجل أنْ أشكرَ نعمتك، ويحتمل أنْ يكون أَوْزِعْنِي بمعنى: اجعل حَظِّي ونصيبي، وهذا من التوزيع.
ت: وقال الثعلبيُّ وغيره أَوْزِعْنِي: معناه: ألهمني، وعبارة الفَخْر «٢» : قال ابن عباس أَوْزِعْنِي: معناه: ألهمني «٣» ، قال صَاحِبُ «الصِّحَاحِ» استوزعت/ اللَّهَ فَأَوْزَعَنِي، أي: استَلْهَمْتُهُ فألْهَمَنِي، انتهى، قال ابن عبّاس نِعْمَتَكَ: في التوحيد
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا.
.
.
﴾ الآيَةُ، في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ قالُوا: لَوْ كانَ دِينُ مُحَمَّدٍ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ اليَهُودُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.
والثّانِي: «أنَّ امْرَأةً ضَعِيفَةَ البَصَرِ أسْلَمَتْ، وكانَ الأشْرافُ مِن قُرَيْشٍ يَهْزَؤُونَ بِها ويَقُولُونَ: واللَّهِ لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا هَذِهِ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ أبُو الزِّنادِ.
والثّالِثُ: أنَّ أبا ذَرٍّ الغِفارِيَّ أسَلَمَ واسْتَجابَ بِهِ قَوْمُهُ إلى الإسْلامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو المُتَوَكِّلِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا اهْتَدَتْ مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وأسْلَمَتْ، قالَتْ أسَدُ وغَطَفانُ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ رِعاءُ الشّاءِ، يَعْنُونَ مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: لَوْ كانَ دِينُ مُحَمَّدٍ خَيْرًا ما سَبَقْتُمُونا إلَيْهِ، لِأنَّهُ لا عِلْمَ لَكم بِذَلِكَ، ولَوْ كانَ حَقًّا لَدَخَلْنا فِيهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ وقالَ: [هُوَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ؛ ومَن قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، قالَ]: هو قَوْلُ المُشْرِكِينَ.
فَقَدْ خَرَجَ في "الَّذِينَ كَفَرُوا" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.
والثّانِي: اليَهُودُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ لَوْ كانَ خَيْرًا ﴾ أيْ: لَوْ كانَ دِينُ مُحَمَّدٍ خَيْرًا ﴿ ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ .
فَمَن قالَ: هُمُ المُشْرِكُونَ، قالَ: أرادُوا: إنّا أعَزُّ وأفْضَلُ؛ ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، [قالَ]: أرادُوا: لِأنّا أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ أيْ: كَذِبٌ مُتَقَدِّمٌ، يَعْنُونَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ.
﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ القُرْآنِ التَّوْراةُ.
وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يَهْتَدُوا، لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِالتَّوْارَةِ.
﴿ إمامًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ ﴿ وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ ﴾ المَعْنى: مُصَدِّقٌ لِلتَّوْراةِ ﴿ لِسانًا عَرَبِيًّا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ المَعْنى: مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ عَرَبِيًّا؛ وذُكِرَ "لِسانًا" تَوْكِيدًا، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا، تُرِيدُ: جاءَنِي زَيْدٌ صالِحًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِيُنْذِرَ" بِالياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: "لِتُنْذِرَ" بِالتّاءِ.
وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ كالقِراءَتَيْنِ.
و "الَّذِينَ ظَلَمُوا" المُشْرِكِينَ ﴿ وَبُشْرى ﴾ أيْ: وهو بُشْرى ﴿ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ وهُمُ المُوَحِّدُونَ يُبَشِّرُهم بِالجَنَّةِ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [فُصِّلَتْ: ٣٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إحْسانًا" بِألِفٍ.
﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "كَرْهًا" بِفَتْحِ الكافِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِضَمِّها.
قالَ الفَرّاءُ: والنَّحْوِيُّونَ يَسْتَحِبُّونَ الضَّمَّ هاهُنا، ويَكْرَهُونَ الفَتْحَ، لِلْعِلَّةِ الَّتِي بَيَّنّاها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: حَمَلَتْهُ عَلى مَشَقَّةٍ ﴿ وَوَضَعَتْهُ ﴾ عَلى مَشَقَّةٍ.
﴿ وَفِصالُهُ ﴾ أيْ: فِطامُهُ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَفَصْلُهُ" بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الصّادِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا" يُرِيدُ بِهِ شِدَّةَ الطَّلْقِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُدَّةَ قُدِّرَتْ لِأقَلِّ الحَمْلِ وأكْثَرِ الرَّضاعِ؛ فَأمّا الأشُدُّ، فَفِيهِ أقْوالٌ قَدْ تَقَدَّمَتْ؛ واخْتارَ الزَّجّاجُ أنَّهُ بُلُوغُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، لِأنَّهُ وقْتُ كَمالِ الإنْسانِ في بَدَنِهِ وقُوَّتِهِ واسْتِحْكامِ شَأْنِهِ وتَمْيِيزِهِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أشُدُّ الرَّجُلِ غَيْرُ أشُدِّ اليَتِيمِ، لِأنَّ أشُدَّ الرَّجُلِ: الِاكْتِهالُ والحُنْكَةُ وأنْ يَشْتَدَّ رَأْيُهُ وعَقْلُهُ، وذَلِكَ ثَلاثُونَ سَنَةً، ويُقالُ: ثَمانٍ وثَلاثُونَ سَنَةً، وأشُدُّ الغُلامِ: أنْ يَشْتَدَّ خَلْقُهُ ويَتَناهى نَباتُهُ.
وقَدْ ذَكَرْنا بَيانَ الأشُدِّ في [الأنْعامِ: ١٥٣] وفي [يُوسُفَ: ٢٢] وهَذا تَحْقِيقُهُ.
واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّها] نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذَلِكَ «أنَّهُ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ وهو ابْنُ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً ورَسُولُ اللَّهِ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً وهم يُرِيدُونَ الشّامَ في تِجارَةٍ، فَنَزَلُوا مَنزِلًا فِيهِ سِدْرَةٌ، فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ في ظِلِّها، ومَضى أبُو بَكْرٍ إلى راهِبٍ هُناكَ يَسْألُهُ عَنِ الدِّينِ، فَقالَ [لَهُ]: مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي في ظِلِّ السِّدْرَةِ؟
فَقالَ: ذاكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقالَ: هَذا واللَّهِ نَبِيٌّ، وما اسْتَظَلَّ تَحْتَها أحَدٌ بَعْدَ عِيسى إلّا مُحَمَّدٌ نَبِيُّ اللَّهِ، فَوَقَعَ في قَلْبِ أبِي بَكْرٍ اليَقِينُ والتَّصْدِيقُ، فَكانَ لا يُفارِقُ رَسُولَ اللَّهِ في أسْفارِهِ وحَضَرِهِ، فَلَمّا نُبِّئَ رَسُولُ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً وأبُو بَكْرٍ ابْنُ ثَمانٍ وثَلاثِينَ سَنَةً- صَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَلَمّا بَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ: رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ؛ قالُوا: فَلَمّا بَلَغَ أبُو بَكْرٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، دَعا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَأجابَهُ اللَّهُ، فَأسْلَمَ والِداهُ وأوْلادُهُ ذُكُورُهم وإناثُهُمْ، ولَمْ يَجْتَمِعْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وقَدْ شَرَحْنا قِصَّتَهُ في سُورَةِ [العَنْكَبُوتِ: ٨]، وهَذا مَذْهَبُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ عَلى العُمُومِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقَدْ شَرَحْنا في سُورَةِ [النَّمْلِ: ١٩] مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ أوْزِعْنِي ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أجابَهُ اللَّهُ -يَعْنِي أبا بَكْرٍ- فَأعْتَقَ تِسْعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يُعَذَّبُونَ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ إلّا أعانَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، واسْتَجابَ لَهُ في ذُرِّيَّتِهِ فَآمَنُوا، ﴿ إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ أيْ: رَجَعْتُ إلى كُلِّ ما تُحِبُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "يُتَقَبَّلُ" "وَيُتَجاوَزُ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ فِيهِما.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ: "نَتَقَبَّلُ" "وَنَتَجاوَزُ" بِالنُّونِ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: "يَتَقَبَّلُ" "وَيَتَجاوَزُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ فِيهِما، يَعْنِي أهْلَ هَذا القَوْلِ.
والأحْسَنُ بِمَعْنى الحَسَنِ.
﴿ فِي أصْحابِ الجَنَّةِ ﴾ أيْ: في جُمْلَةِ مَن يُتَجاوَزُ عَنْهُمْ، وهم أصْحابُ الجَنَّةِ.
وقِيلَ: "فِي" بِمَعْنى "مَعَ" .
﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ﴾ بِمَعْنى الوَعْدِ، لِأنَّهُ وعَدَهُمُ القَبُولَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ ﴾ ، يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ أيْ: عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ في الدُّنْيا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابُ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَمِن قَبْلِهِ" ﴾ لِلْقُرْآنِ، و ﴿ "كِتابُ مُوسى" ﴾ هو التَوْراةُ.
وقَرَأ الكَلْبِيُّ: "كِتابَ مُوسى" بِنَصْبِ الباءِ عَلى إضْمارِ: أنْزَلَ اللهُ، أو نَحْوَ ذَلِكَ.
و"الإمامُ": خَيْطُ البِناءِ، وكُلُّ ما يُهْتَدى ويُقْتَدى بِهِ فَهو إمامٌ، ونُصِبَ "إمامًا" عَلى الحالِ، و"رَحْمَةً" عُطِفَ عَلى "إمامًا"، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهَذا كِتابٌ ﴾ إلى القُرْآنِ، و"مُصَدِّقٌ" مَعْناهُ: لِلتَّوْراةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ خَبَرَهُ وأمْرَ مُحَمَّدٍ ، فَجاءَ هو مُصَدِّقًا لِذَلِكَ الإخْبارِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ لِسانًا".
واخْتَلَفَ الناسُ في نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿ "لِسانًا" ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النُحاةِ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لِسانًا" تَوْطِئَةً مُؤَكَّدَةً، و"عَرَبِيًّا" حالٌ، وقالَتْ فِرْقَةُ: "لِسانًا" مَفْعُولُ بِـ "مُصَدِّقٌ"، والمُرادُ -عَلى هَذا القَوْلِ- بِاللِسانِ مُحَمَّدٌ ولِسانُهُ، فَكانَ القُرْآنُ بِإعْجازِهِ وأحْوالِهِ البارِعَةِ يُصَدِّقُ الَّذِي جاءَ بِهِ، وهَذا قَوْلٌ صَحِيحُ المَعْنى جَيِّدٌ، وغَيْرُهُ مِمّا قَدَّمْناهُ مُتَّجِهٌ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ- وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والناسُ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْمَشُ: ﴿ "لِيُنْذِرَ" ﴾ أيِ: القُرْآنُ، و ﴿ "الَّذِينَ ظَلَمُوا" ﴾ هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ جَعَلُوا العِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها في جِهَةِ الأوثانِ والأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبُشْرى" ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "مُصَدِّقٌ"، ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، واقِعَةً مَوْقِعَ فَعَلَ عَطْفًا عَلى ﴿ "لِيُنْذِرَ"، ﴾ أيْ: وتُبَشِّرُ المُحْسِنِينَ.
ولَمّا عَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِـ "الَّذِينَ ظَلَمُوا"، عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِـ "المُحْسِنِينَ" لِتَناسُبِ لَفْظِ الإحْسانِ في مُقابَلَةِ الظُلْمِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حُسْنِ حالَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَقِيمِينَ، ورَفَعَ عنهُمُ الخَوْفَ والحُزْنَ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ثُمَّ اسْتَقامُوا بِالطاعاتِ والأعْمالِ الصالِحاتِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المَعْنى: بِالدَوامِ عَلى الإيمانِ وتَرْكِ الِانْحِرافِ عنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ أعَمُّ رَجاءً وأوسَعُ، وإنْ كانَ في الجُمْلَةِ المُؤْمِنَةِ مَن يُعَذَّبُ ويُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ، فَهو مِمَّنْ يَخْلُدُ في الجَنَّةِ ويَنْتَفِي عنهُ الخَوْفُ والحُزْنُ الحالُّ بِالكَفَرَةِ.
وَ"الخَوْفُ" هو الهَمُّ لِما يُسْتَقْبَلُ، و"الحُزْنُ" هو الهَمُّ بِما مَضى، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما يُسْتَقْبَلُ اسْتِعارَةً، لِأنَّهُ حَزِنَ لِخَوْفِ أمْرٍ ما، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فَلا خَوْفَ" دُونَ تَنْوِينٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، "ما" واقِعَةٌ عَلى الجُزْءِ الَّذِي هو اكْتِسابُ العَبْدِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى الأعْمالَ أماراتٍ عَلى صَبُورِ العَبْدِ، لا أنَّها تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى شَيْئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ ﴾ ، يُرِيدُ: النَوْعَ، أيْ: هَكَذا مَضَتْ شَرائِعِي وكُتُبِي لِأنْبِيائِي، فَهي وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى في عِبادِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "حُسْنًا" بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِينِ، ونَصْبُهُ عَلى تَقْدِيرِ: وصَّيْناهُ لِيَفْعَلَ أمْرًا ذا حُسْنٍ، فَكَأنَّ الفِعْلَ سُلِّطَ عَلَيْهِ مَفْعُولًا ثانِيًا، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى: "حَسَنًا" بِفَتْحِ الحاءِ والسِينِ، وهَذا كالأوَّلِ، ويُحْتَمَلُ كَوْنُهُما مَصْدَرَيْنِ كالبَخْلِ والبُخْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الثانِيَ اسْمًا لا مَصْدَرًا، أيْ: ألْزَمْناهُ بِهِما فِعْلًا حَسَنًا، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إحْسانًا"، ونَصِبَ هَذا عَلى المَصْدَرِ الصَرِيحِ، والمَفْعُولِ الثانِي في المَجْرُورِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "وَصَّيْنا" أو بِقَوْلِهِ تَعالى: "إحْسانًا".
وبِرُّ الوالِدَيْنِ واجِبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، وعُقُوقُهُما كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبائِرِ، وقالَ النَبِيُّ : « "كُلُّ شَيْءٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى حِجابٌ إلّا شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ ودَعْوَةُ الوالِدَيْنِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَنْ يَدْعُوا إلّا إذا ظَلَمَهُما الوَلَدُ، فَهَذا الحَدِيثُ في عُمُومِ قَوْلِهِ : « "اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَها وبَيْنَ اللهِ حِجابٌ"».
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الأبْناءِ مِنَنَ الأُمَّهاتِ، وذَكَرَ الأُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ في أرْبَعِ مَراتِبَ، والأبَ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وجَمَعَهُما الذِكْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بِوالِدَيْهِ"، ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الحَمْلَ لِلْأُمِّ، ثُمَّ الوَضْعَ لَها ثُمَّ الرَضاعَ الَّذِي عَبَّرَ عنهُ بِالفِصالِ، فَهَذا يُناسِبُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ حِينَ جَعَلَ لِلْأُمِّ ثَلاثَةَ أرْباعِ البِرِّ، والرُبْعَ لِلْأبِ، وذَلِكَ إذْ «قالَ لَهُ رَجُلٌ: "يا رَسُولَ اللهِ، مَن أبَرُّ؟
قالَ: أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟
قالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟
قالَ: ثُمَّ أمُّكَ، قالَ ثُمَّ مَن؟
قالَ: أباكَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كُرْهًا" ﴾ مَعْناهُ: في باقِي اسْتِمْرارِ الحَمْلِ حِينَ تَتَوَقَّعُ حَوادِثُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: في وقْتِ الحَمْلِ، إذْ لا نَذِيرَ لَها في حَمْلِهِ ولا تَرْكِهِ، قالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المَعْنى: حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً ووَضَعَتْهُ مَشَقَّةً، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "كُرْهًا" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ:: "كَرْهًا" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ بِهِما مَعًا مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما بِمَعْنًى، الضَمُّ: الِاسْمُ، والفَتْحُ: المَصْدَرُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكُرْهُ بِضَمِّ الكافِ- المَشَقَّةُ، والكُرْهُ -بِفَتْحِ الكافِ- هو الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وضَعَّفُوا -عَلى هَذا- قِراءَةَ الفَتْحِ.
قالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كانَ "كُرْهًا" لَرَمَتْ بِهِ عن نَفْسِها، إذِ الكُرْهُ القَهْرُ والغَلَبَةُ، والقَوْلُ الَّذِي قَدَّمْناهُ أصْوَبُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفِصالُهُ" وذَلِكَ أنَّها مُفاعَلَةٌ مِنَ الِاثْنَيْنِ، كَأنَّهُ فاصَلَ أُمَّهُ وفاصَلَتْهُ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "وَفَصْلُهُ" كَأنَّ الأُمَّ هي الَّتِي فَصَلَتْهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ يَقْتَضِي أنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ والرَضاعِ هَذِهِ المُدَّةَ، لِأنَّ فِي القَوْلِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ومُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنْ يَكُونَ أحَدَ الطَرَفَيْنِ ناقِصًا، وذَلِكَ إمّا أنْ تَلِدَ المَرْأةُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرْضِعَ عامَيْنِ، وإمّا أنْ تَلِدَ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ عَلى العُرْفِ وتُرْضِعَ عامَيْنِ غَيْرَ رُبْعِ العامِ، فَإنْ زادَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ نَقَصَتْ مُدَّةُ الرَضاعِ، وبِالعَكْسِ، فَيَتَرَتَّبُ مِن هَذا أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وأقَلُّ ما تُرْضِعُ الأُمُّ الطِفْلَ عامًا وتِسْعَةَ أشْهُرٍ، وإكْمالُ العامَيْنِ هو لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَضاعَ، وهَذا في أمْرِ الحَمْلِ هو مَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الأشُدِّ": فَقالَ الشَعْبِيُّ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: البُلُوغُ إذا كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَيِّئاتُ ولَهُ الحَسَناتُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا، وقِيلَ: عِشْرُونَ عامًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ عامًا، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ النُظّارِ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ عامًا، وقالَ هِلالُ بْنُ يُسافَ وغَيْرُهُ: أرْبَعُونَ عامًا، وأقْوى الأقْوالِ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، ومَن قالَ بِالأرْبَعِينَ قالَ في الآيَةِ: إنَّهُ تَعالى أكَّدَ وفَسَّرَ الأشُدَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى الأرْبَعِينَ لِأنَّها حَدٌّ لِلْإنْسانِ في صَلاحِهِ ونَجابَتِهِ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ الشَيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ فَيَقُولُ: بِأبِي وجْهٌ لا يُفْلِحُ"،» وقالَ أيْمَنُ بْنُ خَرِيمِ الأسَدِيُّ: إذا المَرْءُ وفّى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ ∗∗∗ لَهُ دُونَ ما يَأْتِي حَياءٌ ولا سِتْرٌ فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي ارْتَأى ∗∗∗ ∗∗∗ وإنَّ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ العُمْرُ وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَتّى إذا اسْتَوى أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً".
وقَوْلُهُ: ﴿ "أوزِعْنِي" ﴾ مَعْناهُ: ادْفَعْنِي عَنِ المَوانِعِ وازْجُرْنِي عَنِ القَواطِعِ لِأجْلِ أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "أوزِعْنِي" بِمَعْنى: اجْعَلْ حَظِّي ونَصِيبِي، وهَذا مِنَ التَوْزِيعِ والقَوْمِ الأوزاعِ، ومِن قَوْلِكَ: تَوَزَّعُوا المالَ، فَـ "أنَّ" -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ صَرِيحٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نِعْمَتُكَ في التَوْحِيدِ.
و ﴿ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ : الصَلَواتُ، و"الإصْلاحُ في الذُرِّيَّةِ" كَوْنُهم أهْلَ طاعَةٍ وخَيْرِيَّةٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مَعْناها أنَّ هَكَذا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَفْعَلَ، وهَذِهِ وصِيَّةُ اللهِ تَعالى لِلْإنْسانِ في كُلِّ الشَرائِعِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: وذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أوَّلِها نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ مِن بَعْدِهِ، وكانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَدْ أسْلَمَ أبَواهُ، فَإنَّما يَتَّجِهُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَطْمَعُ بِإيمانِ أبَوَيْهِ ويَرى مَخايِلَ ذَلِكَ فِيهِما، فَكانَتْ هَذِهِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِما، أنْ لَيْسا مِمَّنْ عَسى في الكُفْرِ ولَجَ وحُتِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ إيمانُهُما بَعْدُ، والقَوْلُ بِأنَّها عامَّةٌ في نَوْعِ الإنْسانِ لَمْ يَقْصِدْ بِها أبُو بَكْرٍ ولا غَيْرَهُ أصَحُّ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "مِنَ المُسْلِمِينَ".
﴾ <div class="verse-tafsir"
﴿ يَعْمَلُونَ * وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه إحسانا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ﴾ تطلب بعض المفسرين وجه مناسبة وقوع هذه الآية عقب التي قبلها، وذكر القرطبي عن القشيري أن وجه اتصال الكلام بعضه ببعض أن المقصود بيان أنه لا يبعد أن يستجيب بعض الناس للنبيء صلى الله عليه وسلم ويكفر به بعضهم كما اختلف حال الناس مع الوالدين.
وقال ابن عساكر: لما ذكر الله التوحيد والاستقامة عطف الوصية بالوالدين كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن.
وكلا هذين القولين غير مقنع في وجه الاتصال.
ووجه الاتصال عندي أن هذا انتقال إلى قول آخر من أقوال المشركين وهو كلامهم في إنكار البعث وجدالهم فيه فإن ذلك من أصول كفرهم بمحل القصد من هذه الآيات قوله: ﴿ خاسرين ﴾ [الأحقاف: 17، 18].
وصيغ هذا في أسلوب قصة جدال بين والدين مؤمنين ووَلد كافر، وقصة جدال بين ولد مؤمن ووالدين كافرين لأن لذلك الأسلوب وقعا في أنفس السامعين مع ما روي أن ذلك إشارة إلى جدال جرى بين عبد الرحمان بن أبي بكر الصديق قبل إسلامه وبين وَالديه كما سيأتي.
ولذلك تعيّن أن يكون ما قبله توطئة وتمهيداً لذكر هذا الجدال.
وقد روى الواحدي عن ابن عبّاس أن قوله: ﴿ يوعدون ﴾ [الأحقاف: 15، 16] نزل في أبي بكر الصديق.
وقال ابن عطية وغير واحد: نزلت في أبي بكر وأبيه (أبي قحافة) وأمه (أم الخير) أسلم أبواه جميعاً.
وقد تكررت الوصاية ببر الوالدين في القرآن وحرض عليها النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن عديدة فكان البر بالوالدين أجلى مظهراً في هذه الأمة منه في غيرها وكان من بركات أهلها بحيث لم يبلغ بر الوالدين مبلغاً في أمة مبلغه في المسلمين.
وتقدم ﴿ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ﴾ في سورة العنكبوت (8).
والمراد بالإنسان الجنس، أي وصينا الناس وهو مراد به خصوص الناس الذين جاءتهم الرسل بوصايا الله والذين آمنوا وعملوا الصالحات وذلك هو المناسب لقوله في آخرها ﴿ أولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ﴾ [الأحقاف: 16] الآية.
وكذلك هو فيما ورد من الآيات في هذا الغرض كما في سورة العنكبوت وفي سورة لقمان بصيغة واحدة.
والحُسن: مصدر حَسُن، أي وصيناه بحُسن المعاملة.
وقرأه الجمهور كذلك.
وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف ﴿ إحسانا ﴾ .
والنصب على القراءتين إما بنزع الخافض وهو الباء وإما بتضمين ﴿ وصيْنَا ﴾ معنى: ألزمنا.
والكره: بفتح الكاف وبضمها مصدر أكره، إذا امتعض من شيء، أي كان حمله مكروهاً لها، أي حالة حمله وولادته لذلك.
وقرأ الجمهور ﴿ كَرها ﴾ في الموضعين بفتح الكاف.
وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر ويعقوب بضم الكاف في الموضعين.
وانتصب ﴿ كرها ﴾ على الحال، أي كارهة أو ذات كَره.
والمعنى: أنها حملته في بطنها متعبَة من حمله تعباً يجعلها كارهة لأحوال ذلك الحمل.
ووضعته بأوجاع وآلام جعلتها كارهة لوضعه.
وفي ذلك الحمل والوضع فائدة له هي فائدة وجوده الذي هو كمال حال الممكن وما ترتب على وجوده من الإيمان والعمل الصالح الذي به حصول النعم الخالدة.
وأشير إلى ما بعد الحمل من إرضاعه الذي به علاج حياته ودفع ألم الجوع عنه وهو عمل شاق لأمه فذُكرت مدة الحمل والإرضاع لأنها لطولها تستدعي صبرَ الأم على تحمل كلفة الجنين والرضيع.
والفصال: الفطام، وذكر الفصال لأنه انتهاء مدة الرضاع فذكر مبدأ مدة الحمل بقوله: ﴿ وحملُه ﴾ وانتهاءُ الرضاع بقوله: ﴿ وفصالُه ﴾ .
والمعنى: وحمله وفصاله بينهما ثلاثون شهراً.
وقرأ يعقوب ﴿ وفصْله ﴾ بسكون الصاد، أي فصله عن الرضاعة بقرينة المقام.
ومن بديع معنى الآية جمع مدة الحمل إلى الفصال في ثلاثين شهراً لتُطابق مختلف مدد الحمل إذ قد يكون الحمل ستة أشهر وسبعة أشهر وثمانية أشهر وتسعة وهو الغالب، قيل: كانوا إذا كان حمل المرأة تسعة أشهر وهو الغالب أرضعتْ المولود أحد وعشرين شهراً، وإذا كان الحمل ثمانية أشهر أرضعت اثنين وعشرين شهراً، وإذا كان الحمل سبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهراً، وإذا كان الحمل ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهراً، وذلك أقصى أمد الإرضاع فعوضوا عن نقص كل شهر من مدة الحمل شهراً زائداً في الإرضاع لأن نقصان مدة الحمل يؤثر في الطفل هزالاً.
ومن بديع هذا الطيّ في الآية أنها صالحة للدلالة على أن مدة الحمل قد تكون دون تسعة أشهر ولولا أنها تكون دون تسعة أشهر لحددته بتسعة أشهر لأن الغرض إظهار حق الأم في البر بما تحملته من مشقة الحمل فإن مشقة مدة الحمل أشدّ من مشقة الإرضاع فلولا قصد الإيماء إلى هذه الدلالة لكان التحديد بتسعة أشهر أجدرَ بالمقام.
وقد جعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه هذه الآية مع آية سورة البقرة (233) ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ دليلاً على أن الوضع قد يكون لستة أشهر، ونسب مثله إلى ابن عباس.
ورووا عن معمر بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت لتمام ستة أشهر فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان فذكر له فبعث إليها عثمان، فلما أتي بها أمر برجمها فبلغ ذلك عَليّاً فأتاه فقال: أما تقرأ القرآن قال: بلى.
قال: أما سمعت قوله: وحملهُ وفصاله ثلاثون شهراً } ، وقال: ﴿ حولين كامِلين ﴾ فلم نجده بَقي إلا ستة أشهر.
فرجع عثمان إلى ذلك وهو استدلال بني على اعتبار أن شمول الصور النادرة التي يحتملها لفظ القرآن هو اللائق بكلام علاّم الغيوب الذي أنزله تبياناً لكل شيء من مثل هذا.
وتقدم الكلام على أحكام الحمل في سورة البقرة.
﴿ شَهْراً حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أوزعنى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وعلى والدى وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه وَأَصْلِحْ لِى فِى ذريتى إِنَّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ ﴾ .
﴿ حتى ﴾ ابتدائية ومعناها معنى فاء التفريع على الكلام المتقدم، وإذ كانت ﴿ حتى ﴾ لا يفارقها معنى الغاية كانت مؤذنة هنا بأن الإنسان تدرج في أطواره من وقت فصاله إلى أن بلغ أشده، أي هو موصًى بوالديه حسناً في الأطوار الموالية لفصاله، أي يوصيه وليّه في أطوار طفولته ثم عليه مراعاة وصية الله في وقت تكليفه.
ووقوع ﴿ إذا ﴾ بعد ﴿ حتى ﴾ ليرتب عليها توقيت ما بعد الغاية من الخبر، أي كانت الغاية وقت بلوغه الأشدّ، وقد تقدمت نظائر ذلك قريباً وبعيداً منها قوله تعالى: ﴿ حتى إذا فشلتم ﴾ في سورة آل عمران (152).
ولما كان إذا} ظرفاً لزمن مستقبل كان الفعل الماضي بعدها منقلباً إلى الاستقبال، وإنما صيغ بصيغة الماضي تشبيهاً للمؤكد تحصيله بالواقع، فهو استعارة.
و ﴿ إذا ﴾ تجريد للاستعارة، والمعنى: حتى يبلغ أشده، أي يستمر على الإحسان إليهما إلى أن يبلغ أشده فإذا بلغه ﴿ قال رب أوزِعْني ﴾ ، أي طلب العون من الله على زيادة الإحسان إليهما بأن يلهمه الشكر على نعمه عليه وعلى والديه.
ومن جملة النعم عليه أن ألهمه الإحسان لِوالديه.
ومن جملة نعمه على والديه أن سخر لهما هذا الولد ليحسن إليهما، فهاتان النعمتان أول ما يتبادر عن عموم نعْمة الله عليه وعلى والديه لأن المقام للحديث عنهما.
وهذا إشارة إلى أن الفعل المؤقت ببلوغ الأشد وهو فعل ﴿ قال ربّ أوزعني ﴾ من جملة ما وُصِي به الإنسان، أي أن يحسن إلى والديه في وقت بلوغه الأشد.
فالمعنى: ووصينا الإنسان حُسناً بوالديه حتى في زمن بلوغه الأشد، أي أن لا يفتر عن الإحسان إليهما بكل وجه حتى بالدعاء لهما.
وإنما خص زمان بلوغه الأشد لأنه زمن يكثر فيه الكلف بالسعي للرزق إذ يكون له فيه زوجة وأبناء وتكثر تكاليف المرأة فيكون لها فيه زوج وبيت وأبناء فيكونان مظنة أن تشغلهما التكاليف عن تعهد والديهما والإحسان إليهما فنبها بأن لا يفتُرا عن الإحسان إلى الوالدين.
ومعنى ﴿ قال ربّ أوزعني ﴾ أنه دعا ربه بذلك، ومعناه: أنه مأمور بالدعاء إليهما بأنه لا يشغله الدعاء لنفسه عن الدعاء لهما وبأنه يحسن إليهما بظهر الغيب منهما حين مناجاته ربه، فلا جرم أن إحسانه إليهما في المواجهة حاصل بفحوى الخطاب كما في طريقة الفحوى في النهي عن أذاهما بقوله تعالى: ﴿ فلا تقل لهما أف ﴾ [الإسراء: 23].
وحاصل المعنى: أن الله أمر بالإحسان إلى الوالدين في المشاهدة والغيبة وبجميع وسائل الإحسان الذي غايته حصول النفع لهما، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ وقل رب ارحمهما كما رَبَّياني صغيرا ﴾ [الإسراء: 24] وأن الله لمّا أمر بالدعاء للأبوين وعد بإجابته على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لقوله: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم بثه في صدور الرجال، وولد صالح يدعو له بخير " وما شُكر الولد ربه على النعمة التي أنعمها الله على والديه إلا من باب نيابته عنهما في هذا الشكر، وهو من جملة العمل الذي يؤديه الولد عن والديه.
وفي حديث الفضل بن عباس أن المرأة الخثعمية قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع «إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفيجزِئ أن أحُجّ عنه، قال: " نعم حُجِّي عنه "، وهو حج غير واجب على أبيها لعجزه.
والأشُدّ: حالة اشتداد القوى العقلية والجسدية وهو جمع لم يسمع له بمفرد.
وقيل مفرده: شِدّة بكسر الشين وهاء التأنيث مثل نعمة جمعها أنْعُم، وليس الأشد اسماً لعدد من سني العمر وإنما سِنُو العمر مظنة للأشُدّ.
ووقتُه ما بعد الثلاثين سنة وتمامه عند الأربعين سنة ولذلك عطف على ﴿ بلَغ أشده ﴾ قوله: ﴿ وبلغ أربعين سنة ﴾ أي بلغ الأشد ووصل إلى أكمله فهو كقوله تعالى: ﴿ ولما بلغ أشده واستوى ﴾ [القصص: 14]، وتقدم في سورة يوسف، وليس قوله: ﴿ وبلغ أربعين سنة ﴾ تأكيداً لقوله ﴿ بلغ أشده ﴾ لأن إعادة فعل بلغ تبعد احتمال التأكيد وحرف العطف أيضاً يبعد ذلك الاحتمال.
و ﴿ أوزعني ﴾ : ألهمني.
وأصل فعل أوزع الدلالة على إزالة الوَزْع، أي الانكفاف عن عمل ما، فالهمزة فيه للإزالة، وتقدم في سورة النمل.
و ﴿ نعمتك ﴾ اسم مصدر مضاف يعمّ، أي ألهمني شكر النعم التي أنعمت بها علي وعلى والدي من جميع النعم الدينية كالإيمان والتوفيق ومن النعم الدنيوية كالصحة والجِدة.
وما ذكر من الدعاء لذريته بقوله: ﴿ وأصلح لي في ذريتي ﴾ استطراد في أثناء الوصاية بالدعاء للوالدين بأن لا يغفل الإنسان عن التفكر في مستقبله بأن يصرف عنايته إلى ذريته كما صرفها إلى أبويه ليكون له من إحسان ذريته إليه مثل ما كان منه لأبويه وإصلاح الذرية يشمل إلهامهم الدعاء إلى الوالد.
وفي إدماج تلقين الدعاء بإصلاح ذريته مع أن سياق الكلام في الإحسان إلى الوالدين إيماء إلى أن المرء يلقى من إحسان أبنائه إليه مثل ما لقي أبواه من إحسانه إليهما، ولأن دعوة الأب لابنه مرجوة الإجابة.
وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم "، وفي رواية «لولده» وهو حديث حسن متعددة طرقه.
واللام في ﴿ وأصلح لي ﴾ لام العلة، أي أصلح في ذريتي لأجلي ومنفعتي كقوله تعالى: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ [الشرح: 1].
ونكتة زيادة هذا في الدعاء أنه بعد أن أشار إلى نعم الله عليه وعلى والديه تعرض إلى نفحات الله فسأله إصلاح ذريته وعرَّض بأن إصلاحهم لفائدته، وهذ تمهيد لبساط الإجابة كأنه يقول: كما ابتدأتني بنعمتك وابتدأت والديّ بنعمتك ومتعتهما بتوفيقي إلى برهما، كَمِّلْ إنعامك بإصلاح ذريتي فإن إصلاحهم لي.
وهذه ترقيات بديعة في درجات القرب.
ومعنى ظرفية ﴿ في ذريتي ﴾ أن ذريته نزلت منزلة الظرف يَستقر فيه ما هو به الإصلاح ويحتوي عليه، وهو يفيد تمكن الإصلاح من الذرية وتغلغله فيهم.
ونظيره في الظرفية قوله تعالى: ﴿ وجعلها كلمة باقية في عقبه ﴾ [الزخرف: 28].
وجملة ﴿ إني تبت إليك ﴾ كالتعليل للمطلوب بالدعاء تعليل توسل بصلة الإيمان والإقرار بالنعمة والعبودية.
وحرف (إنَّ) للاهتمام بالخبر كما هو ظاهر، وبذلك يستعمل حرف (إنَّ) في مقام التعليل ويغني غناء الفاء.
والمراد بالتوبة: الإيمان لأنه توبة من الشرك، وبكونه من المسلمين أنه تبع شرائع الإسلام وهي الأعمال.
وقال: ﴿ من المسلمين ﴾ دون أن يقول: وأسلمت كما قال: ﴿ تُبت إليك ﴾ لما يؤذن به اسم الفاعل من التلبس بمعنى الفعل في الحال وهو التجدد لأن الأعمال متجددة متكررة، وأما الإيمان فإنما يحصل دفعة فيستقر لأنه اعتقاد، وفيه الرعي على الفاصلة.
هذا وجه تفسير الآية بما تعطيه تراكيبها ونظمها دون تكلف ولا تحمّل، وهي عامة لكل مسلم أهل لوصاية الله تعالى بوالديه والدعاء لهما إن كانا مؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا ﴾ في قِراءَةِ أهْلِ الكُوفَةِ وقَرَأ الباقُونَ حُسْنًا.
قالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي بِرًّا.
﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا ﴾ أيْ حَمَلَتْهُ بِمَشَقَّةٍ ووَضَعَتْهُ بِمَشَقَّةٍ.
وَقُرِئَ كُرْهًا بِالضَّمِّ والفَتْحِ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ في الفَرْقِ بَيْنَهُما أنَّ الكُرْهَ بِالضَّمِّ ما حَمَلَ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ، وبِالفَتْحِ ما حَمَلَ عَلى غَيْرِهِ.
﴿ وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ الفِصالُ مُدَّةُ الرَّضاعِ، فَقَدَّرَ مُدَّةَ الحَمْلِ والرَّضاعِ ثَلاثُونَ شَهْرًا، وكانَ في هَذا التَّقْدِيرُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مُدَّةٌ قُدِّرَتْ لِأقَلِّ الحَمْلِ وأكْثَرِ الرَّضاعِ، فَلَمّا كانَ أكْثَرُ الرَّضاعِ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ شَهْرًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُدَّةَ أقَلِّ الحَمْلِ ما بَقِيَ وهو سِتَّةُ أشْهُرٍ، فَإنْ ولَدَتْهُ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ نُقْصانَ الحَوْلَيْنِ في الرَّضاعِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ وجُمْهُورُ الفُقُهاءِ.
الثّانِي: أنَّها مُدَّةٌ جَمَعَتْ زَمانَ الحَمْلِ ومُدَّةَ الرَّضاعِ، فَإنْ كانَتْ حَمَلَتْهُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ; أرْضَعَتْهُ أحَدًا وعِشْرِينَ شَهْرًا، وإنْ كانَتْ حَمَلَتْهُ عَشَرَةَ أشْهُرٍ أرْضَعَتْهُ شَهْرًا لِئَلّا تَزِيدُ المُدَّةُ فِيهِما عَنْ ثَلاثِينَ شَهْرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ وفي الأشُدِّ تِسْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ البُلُوغُ، قالَهُ ابْنُ مالِكٍ والشَّعْبِيُّ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّانِي: خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أُوَيْسٍ.
الثّالِثُ: ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: عِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ سِنانٌ.
الخامِسُ: خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
السّادِسُ: ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.
السّابِعُ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّامِنُ: أرْبَعَةٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
التّاسِعُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، والحَسَنُ.
﴿ وَبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّها زَمانُ الأشَدِّ، وهو قَوْلُ مَن ذَكَرْنا.
الثّانِي: لِأنَّها زَمانُ الِاسْتِواءِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا حَتّى يَبْلُغَ الأرْبَعِينَ.
وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وقَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى ﴿ واسْتَوى ﴾ قالَ بَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً.
وَقالَ الشَّعْبِيُّ: يُثْغِرُ الغُلامُ لِسَبْعٍ ويَحْتَلِمُ لِأرْبَعَ عَشْرَةَ، ويَنْتَهِي طُولُهُ لِإحْدى وعِشْرِينَ سَنَةً، ويَنْتَهِي عَقْلُهُ لِثَمانٍ وعِشْرِينَ، فَما زادَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهو تَجْرُبَةٌ ويَبْلُغُ أشُدَّهُ لِثَلاثٍ وثَلاثِينَ.
الثّالِثُ: لِأنَّها أوَّلُ عُمْرٍ بَعْدَ تَمامِ عُمْرٍ، قالَ ابْنُ قَيْسٍ.
﴿ رَبِّ أوْزِعْنِي ﴾ قالَ سُفْيانُ مَعْناهُ ألْهِمْنِي.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأصْلُ في الإيزاعِ هو الإغْراءُ بِالشَّيْءِ، ويُقالُ فُلانٌ مُوزَعٌ بِكَذا أيْ مُولَعٌ بِهِ.
﴿ أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْعَمْتَ عَلَيَّ بِالبِرِّ والطّاعَةِ، وأنْعَمْتَ عَلى والِدِيَّ بِالتَّحَنُّنِ والشَّفَقَةِ.
الثّانِي: أنْعَمْتَ عَلَيَّ بِالعافِيَةِ والصِّحَّةِ، وعَلى والِدِيَّ بِالغِنى والثَّرْوَةِ، وفي النِّعْمَةِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما نِعْمَةٌ عَلى الآخَرِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُمازَجَةِ والحُقُوقِ المُلْتَزَمَةِ.
وَحَكى أبُو زُهَيْرٍ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: سَمِعْتُهم يَقُولُونَ إنَّ الوَلَدَ يَأْتِيهِ رِزْقُهُ مِن أرْبَعِ خِلالٍ: يَأْتِيهِ رِزْقُهُ وهو في بَطْنِ أُمِّهِ، ثُمَّ يُولَدُ فَيَكُونُ رِزْقُهُ في ثَدْيِ أُمِّهِ، فَإذا تَحَرَّكَ كانَ رِزْقُهُ عَلى أبَوَيْهِ، فَإذا اجْتَمَعَ وبَلَغَ أشُدَّهُ جَلَسَ يَهْتَمُّ لِلرِّزْقِ ويَقُولُ مِن أيْنَ يَأْتِينِي رِزْقِي، فاخْتُصَّتِ الأُمُّ بِخُلَّتَيْنِ مِن خِلالِ رِزْقِهِ، واشْتَرَكَ أبُوهُ في الثّالِثَةِ، وتَفَرَّدَ هو بِالرّابِعَةِ، فَذَهَبَ عَنْهُ الهَمُّ لَمّا كانَ مَوْكُلًا إلى غَيْرِهِ، واهْتَمَّ لَمّا صارَ مَوْكُلًا إلى نَفْسِهِ لِيَتَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى التَّوَكُّلِ عَلى خالِقِهِ لِيَكُونَ أنْقى لِهِمَّتِهِ وأقَلَّ لِحِيرَتِهِ وأدَرَّ لِرِزْقِهِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ لِأُمِّهِ عَلَيْهِ حَقًّا يَعْجِزُ عَنْ أدائِهِ لَمّا عانَتْ مِن مَوارِدَ رِزْقِهِ ما عَجَزَ الخَلْقُ عَنْ مُعاناتِهِ.
﴿ وَأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في بِرِّ الوالِدَيْنِ.
الثّانِي: في دِينِي.
﴿ وَأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَدْعُوَ بِإصْلاحِهِمْ لِبِرِّهِ وطاعَتِهِ لِإضافَتِهِ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ.
الثّانِي: أنْ يَدْعُوَ بِإصْلاحِهِمْ لِطاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ وهو الأشْبَهُ، لِأنَّ طاعَتَهم لِلَّهِ مِن بِرِّهِ، ولِأنَّهُ قَدْ دَعا بِصَلاحِ ذُرِّيَّةٍ قَدْ تَكُونُ مِن بَعْدِهِ.
وَفِيهِ لِأصْحابِ الخَواطِرِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالَهُ سَهْلٌ: اجْعَلْهم لِي خَلَفَ صِدْقٍ ولَكَ عَبِيدَ حَقٍّ.
الثّانِي: قالَهُ أبُو عُثْمانَ: اجْعَلْهم أبْرارًا، أيْ مُطِيعِينَ لَكَ.
الثّالِثُ: قالَهُ ابْنُ عَطاءٍ وفِّقْهم لِصالِحِ أعْمالٍ تَرْضى بِها عَنْهم.
الرّابِعُ: قالَهُ مُحَمَّدُ الباقِرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا تَجْعَلْ لِلشَّيْطانِ والنَّفْسِ والهَوى عَلَيْهِمْ سَبِيلًا.
﴿ إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَجَعْتُ عَنِ الأمْرِ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ.
وَفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ.
الثّانِي: مُرْسَلَةٌ نَزَلَتْ عَلى العُمُومِ، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم إذا أسْلَمُوا قُبِلَتْ حَسَناتُهم وغُفِرَتْ سَيِّئاتُهم، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ يَحْكِيهِ مَرْفُوعًا.
الثّانِي: هو إعْطاؤُهم بِالحَسَنَةِ عَشْرًا رَواهُ أبُو هِلالٍ.
الثّالِثُ: هي الطّاعاتُ لِأنَّها الأحْسَنُ مِن أعْمالِهِ الَّتِي يُثابُ عَلَيْها ولَيْسَ في المُباحِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ في أصْحابِ الجَنَّةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: نَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ بِالرَّحْمَةِ.
الثّانِي: نَتَجاوَزُ عَنْ صَغائِرِهِمْ بِالمَغْفِرَةِ.
الثّالِثُ: نَتَجاوَزُ عَنْ كَبائِرِهِمْ بِالتَّوْبَةِ.
﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ وعْدَ الصِّدْقِ الجَنَّةُ، الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ في الدُّنْيا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ﴿ ووصينا الإِنسان بوالديه إحساناً ﴾ إلى قوله: ﴿ وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ حملته أمه كرهاً ﴾ قال: مشقة عليها.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قال: ﴿ وحمله وفصله ﴾ بغير ألف.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بعجة بن عبد الله الجهني قال: تزوّج رجل منا امرأة من جهينة فولدت له تماماً لستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان فأمر برجمها، فبلغ ذلك علياً رضي الله عنه، فأتاه فقال: ما تصنع؟
قال: ولدت تماماً لستة أشهر وهل يكون ذلك؟
قال: علي رضي الله عنه: أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿ وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ﴾ وقال: ﴿ حولين كاملين ﴾ [ البقرة: 233] فكم تجده بقي إلا ستة أشهر؟
فقال عثمان رضي الله عنه.
والله ما فطنت لهذا، علي بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها.
وكان من قولها لاختها: يا أخيه لا تحزني فوالله ما كشف فرجي أحد قط غيره.
قال: فشب الغلام بعدُ فاعترف الرجل به وكان أشبه الناس به.
قال: فرأيت الرجل يتساقط عضواً عضواً على فراشه.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي قال: رفع إلى عمر رضي الله عنه امرأة ولدت لستة أشهر فسأل عنها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال علي رضي الله عنه: لا رجم عليها ألا ترى أنه يقول ﴿ وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ﴾ وقال: ﴿ وفصاله في عامين ﴾ [ لقمان: 14] وكان الحمل هاهنا ستة أشهر.
فتركها عمر رضي الله عنه.
قال: ثم بلغنا أنها ولدت آخر لستة أشهر.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن نافع بن جبير أن ابن عباس أخبره قال: إني لصاحب المرأة التي أتي بها عمر وضعت لستة أشهر فأنكر الناس ذلك، فقلت لعمر: لا تظلم.
قال: كيف؟
قلت: اقرأ ﴿ وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ﴾ ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ [ البقرة: 233] كم الحول؟
قال: سنة.
قلت: كم السنة؟
قال: اثنا عشر شهراً.
قلت: فأربعة وعشرون شهراً حولان كاملان ويؤخر الله من الحمل ما شاء ويقدم.
قال: فاستراح عمر رضي الله عنه إلى قولي.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن أبي عبيدة مولى عبد الرحمن بن عوف قال: رفعت امرأة إلى عثمان رضي الله عنه ولدت لستة أشهر، فقال عثمان: إنها قد رفعت إلي امرأة ما أراها إلا جاءت بشرّ فقال ابن عباس: إذا كملت الرضاعة كان الحمل ستة أشهر؟
وقرأ ﴿ وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ﴾ .
فدرأ عثمان عنها.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع إحدى وعشرون شهراً، وإذا ولدت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون شهراً؛ وإذا وضعت لستة أشهر فحولين كاملين، لأن الله تعالى يقول ﴿ وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قلت لمسروق رضي الله عنه: متى يؤخذ الرجل بذنوبه؟
قال: إذا بلغت الأربعين فخذ حذرك.
وأخرج ابن الجوزي في كتاب الحدائق بسند ضعيف عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الله أمر الحافظين فقال لهما رفقاً بعبدي في حداثته فإذا بلغ الأربعين فاحفظا وحققا» .
وأخرج أبو الفتح الأزدي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: «من أتى عليه الأربعون سنة فلم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار» .
وأخرج ابن حاتم عن مالك بن مغول قال شكا أبو معشر ابنه إلى طلحة بن مصرف فقال طلحة رضي الله عنه: استعن عليه بهذه الآية ﴿ رب أوزعني أن أشكر نعمتك ﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ﴿ حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني ﴾ الآية فاستجاب الله له فأسلم والداه جميعاً وإخوانه وولده كلهم، ونزلت فيه أيضاً ﴿ فأما من أعطى واتقى ﴾ الآية [ الليل: 5] ، إلى آخر السورة.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وأصلح لي في ذريتي ﴾ قال: اجعلهم لي صالحين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الروح الأمين قال: «يؤتى بحسنات العبد وسيئاته فيقتص بعضها من بعض، فإن بقيت له حسنة وسع الله له بها إلى الجنة» قال: فدخلت على يزدان فحدثت مثل هذا الحديث، قلت: فإن ذهبت الحسنة.
قال: ﴿ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال دعا أبو بكر عمر رضي الله عنهما، فقال له: إني موصيك بوصية أن تحفظها، إن لله حقاً لا يقبله بالنهار وحقاً بالنهار لا يقبله بالليل، إنّه ليس لأحد نافلة حتى يؤدي الفريضة، إنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقل ذلك عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل وخفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة لاتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف.
ألم تر أن الله ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم فيقول: أين يبلغ عملك من عمل هؤلاء، وذكر أهل النار بأسوأ أعمالهم حتى يقول القائل أنا خير من عمل هؤلاء، وذلك بأن الله تعالى رد عليهم أحسن أعمالهم ألم تر أن الله أنزل آية الشدة عند آية الرخاء وآية الرخاء عند آية الشدة ليكون المؤمن راغباً لئلا يلقي بيده على التهلكة ولا يتمنى على الله أمنية يتمنى على الله فيها غير الحق.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ﴾ قد تقدَّم الكلامُ في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت [آية: 30] ولقمان [آية: 14].
قوله: ﴿ إِحْسَانًا ﴾ قال مقاتل: برًّا (١) ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ لم يختلفوا فيه، وانتصابه على المصدر، وذلك أن معنى قوله (ووصينا الإنسان): أمرناه بالإحسان أي ليأت الإحسان إليهما دون الإساءة، ولا يجوز أن يكون انتصابه بوصينا؛ لأن وصينا قد استوفى مفعوليه أحدهما: الإنسان، والآخر: المتعلق بالباء، ومن قال (حُسْنًا) كان المعنى ليأت في أمرهما أمرًا ذا حسن أي: ليأت الحسن في شأنهما دون القبح، وحجته ما في العنكبوت ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ لم يختلف فيه، فأما الباء في قوله: ﴿ بِوَالِدَيْهِ ﴾ فإنها تتعلق بوصينا بدلالة قوله: ﴿ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ ويجوز أن تتعلق بالإحسان، يدل على ذلك قوله: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي ﴾ وعلى هذا تعلقها بمضمر يفسره الإحسان؛ لأنه يجوز تقدمها على الموصول، ولكن يضمر ما يتعلق به، ويجعل الإحسان مفسرًا لذلك المضمر، كأنه قيل: ووصينا الإنسان أن يحسن بوالديه، ومثل هذا قول الراجز: كان جَزَائِي بالعَصا أَنْ أُجْلَدَا (٢) في قول من علق الباء بالجلد، ولم يعلقه بالجزاء (٣) ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ﴾ وقرئ (كَرْهًا) (٤) ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ فهذا (٥) ﴿ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ فهذا في موضع حال، ولم تقرأ بغير الفتح، فما كان مصدرًا أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن، وما كان اسمًا نحو: ذهب به على كُرهٍ، كان الضم فيه أحسن، وقد قيل إنهما لغتان، فمن ذهب إلى ذلك جعلهما مثل الشَّرْبِ والشُّرْب، والضَّعف والضُّعف، والفَقْر والفُقْر، ومن غير المصادر الدَّفُّ والدُّف، والشَّهْد والشُّهْد (٦) قال المفسرون: حملته أمه في مشقة ووضعته في مشقة (٧) ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ﴾ يريد ابتداء الحمل، فإنها تحمل علقة ومضغة، فإذا ثقلت حينئذ حملته كرهًا، يدل على ما ذكرنا قول ابن عباس في هذه الآية: يريد ثقل عليها يعني الولد في حملها إياه، ووضعته كرها، يريد شدة الطلق (٨) قوله تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾ يريد أن مدة حمله إلى أن فصل من الرضاع كانت هذا القدر، والمعنى: أنهما يقعان في ثلاثين شهرًا من ابتداء الحمل إلى أن يفصل.
روى مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال: حملته ستة أشهر والفصال حولين، وروى عكرمة عنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته إحدى وعشرين شهرًا، وإذا حملته ستة أشهر أرضعته أربعة وعشرين شهرًا (٩) وهذه الآية نازلة في أبي بكر الصديق (١٠) (١١) ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ ، إلى آخر الآية، وقد علمنا أن كثيرًا ممن بلغ هذا المبلغ من المؤمنين وغيرهم لم يكن منه هذا القول، فثبت بذلك أن هذا في إنسان بعينه وهو الصديق (١٢) قال الأزهري المعنى: ومَدَى الحَمْل للمرأة منتهى الوقت الذي يفصل فيه الولد عن رضاعه ثلاثون شهرًا (١٣) قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ اختلفوا في معنى بلوغ الأشد هاهنا فروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد ثمان عشرة سنة، وذلك أن أبا بكر صحب رسول الله - - وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي - - ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في التجارة فنزلوا منزلا فيه سدرة فقعد رسول الله - - في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله من الدين فقال له: مَنْ الرجل الذي في ظل السدرة؟
فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبي، وما استظل تحتها أحد بعد عيسى بن مريم إلا محمد نبي الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، وكان لا يكاد يفارق رسول الله - - في أسفاره وحضوره فلما نبىء رسول الله - - وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة فأسلم وصدق رسول الله - - فلما بلغ أربعين سنة قال: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي ﴾ (١٤) وروى مجالد عن الشعبي قال: الأشد بلوغ الحلم، إذا كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ﴾ فبعض ذا قريب من بعض، فهذا سبيل كلام العرب (٢٠) قوله: ﴿ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي ﴾ قال ابن عباس: دعا ربه فقال: اللهم ألهمني (٢١) ﴿ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ﴾ يريد: هديتني وجعلتني مؤمنًا صديقًا، لا أشرك بك شيئًا.
قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى وَالِدَيَّ ﴾ عن علي أنه قال: هذه الآية في أبي بكر أسلم أبواه جميعًا، ولم يجتمع لأحد من الصحابة المهاجرين أبواه غيره، أوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده (٢٢) قال المفسرون: ووالداه أبو قحافة عثمان بن عمرو، وأم الخير بنت صخر بن عمرو (٢٣) وقوله: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ﴾ قال ابن عباس: فأجابه الله تعالى فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم: بلال، وعامر بن فهيرة، ولم يَدَع شيئًا من الخير إلا أعانه الله عليه.
وقوله: ﴿ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ﴾ قال أبو إسحاق: معناه: اجعل ذريتي صالحين (٢٤) قال ابن عباس: فلم يبق له ولد ولا والد ولا والدة إلا آمنوا بالله وحده (٢٥) (٢٦) قال المفسرون: ولم يكن أحد من الصحابة أسلم هو ووالده وبنوه وبناته إلا أبو بكر (٢٧) قال مقاتل: ثم قال أبو بكر: ﴿ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾ من الشرك ﴿ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ يعني المخلصين بالتوحيد (٢٨) (٢٩) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19، 20.
(٢) الرجز للعجاج.
انظر: "المحتسب" 2/ 310، و"شرح الأبيات المشكلة الإعراب" لأبي علي ص 119، و"الحجة" 6/ 182.
(٣) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 182.
(٤) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبو عمرو.
انظر: "الحجة" 6/ 184.
(٥) فيه زيادة لفظ (بالضم).
انظر: "الحجة" 6/ 184.
(٦) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 184.
(٧) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 15، و"تفسير الماوردي" 5/ 276، و"تفسير ابن كثير" 6/ 280.
(٨) ذكر ذلك في "الوسيط" عن ابن عباس، انظر: 4/ 107.
(٩) ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وأخرجه ابن كثير في "تفسيره" عن عكرمة عن ابن عباس 6/ 281.
(١٠) أورد ذلك المؤلف في "أسباب النزول" بدون سند ص 401، وذكره الثعلبي في تفسيره 10/ 110 ب، وكذلك ذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378.
(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20.
(١٢) وهو الذي ورد في سبب نزول الآية كما سبقت الإشارة إليه، وقد ذكر السيوطي في "الدر" أنه أخرجه ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ما.
انظر: "الدر المنثور" 7/ 441.
(١٣) انظر: "تهذيب اللغة" (فصل) 12/ 193.
(١٤) ذكر ذلك المؤلف في "أسباب النزول" ص 401، وأورده البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378، وقال رواه عطاء عن ابن عباس، وذكره القرطبي في "الجامع" 16/ 194.
(١٥) أخرج ذلك الطبري في تفسيره 13/ 2/ 16، وذكره الماوردي ونسبه للشعبي 5/ 276.
(١٦) ذكر ذلك الماوردي في "تفسيره" 5/ 277، والقرطبي في "الجامع" 16/ 194 عن الحسن.
(١٧) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد وقتادة، انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 16، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20، ونص العبارة عنده: فهو في القوة والشدة من ثماني عثرة إلى الأربعين سنة.
(١٨) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 52.
(١٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 442.
(٢٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 52.
(٢١) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 25، و"ابن كثير" 6/ 282 فقد ذكرا المعني من غير نسبة.
(٢٢) أخرج ذلك الثعلبي في "تفسيره" عن علي 10/ 110 ب، وذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378، من غير نسبة، ونسبه القرطبي لعلي.
انظر: 16/ 194، وكذلك نسبه في "الوسيط" لعلي.
انظر: 4/ 107.
(٢٣) ذكر ذلك البغوي في تفسيره 7/ 257، والقرطبي في "الجامع" 16/ 194.
(٢٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 442.
(٢٥) ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 258، والقرطبي في "الجامع" 16/ 195، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 108.
(٢٦) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20.
(٢٧) ذكر ذلك البغوي في تفسيره 7/ 258، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378، والقرطبي في "الجامع" 16/ 195.
(٢٨) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20.
(٢٩) ذكر ذلك الماوردي في هذه الجملة عن ابن عباس بلفظ: رجعت عن الأمر الذي كنت عليه 5/ 278، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" بنص عبارة المؤلف ولم ينسبه 7/ 378، وكذلك ذكره في "الوسيط" عن عطاء عن ابن عباس.
انظر: 4/ 108.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِحْسَاناً ﴾ ذكر في العنكبوت: 8].
﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ﴾ أي حملته بمشقة، ويقال كره بفتح الكاف وضمها بمعنى واحد ﴿ وَحَمْلُهُ وفصاله ثلاثون شَهْراً ﴾ أي مدة حمله ورضاعه ثلاثون شهراً، وهذا لا يكون إلا بأن ينقص من أحد الطرفين، وذلك إما أن يكون مدة الحمل ستة أشهر ومدة الرضاع حولين كاملين، أو تكون مدة الحمل تسعة أشهر ومدة الرضاع حولين غير ثلاثة أشهر، ومن هذا أخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه والعلماء أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وإنما عبرّ عن مدة الرضاع بالفصال وهو الفطام لأنه منتهى الرضاع ﴿ بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ ذكر في [يوسف: 22] ﴿ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ هذا حدّ كمال العقل والقوة، ويقال: إن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقيل: إنها عامة ﴿ في أَصْحَابِ الجنة ﴾ أي في جملة أصحاب الجنة كما تقول: رأيت فلاناً في الناس، أي مع الناس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب.
الباقون: على الغيبة.
والضمير للكتاب ﴿ إحساناً ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم.
الباقون: ﴿ حسناً ﴾ ﴿ كرهاً ﴾ في الموضعين بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وجبلة وهشام.
الباقون: بالضم وفصله يعقوب.
الآخرون ﴿ وفصاله ﴾ ﴿ أوزعني أن ﴾ بالفتح: إبن كثير غير القوّاس والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني ﴿ نتقبل ﴾ بالنون ﴿ أحسن ﴾ بالنصب ﴿ ونتجاوز ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف وحفص.
الآخرون بياء الغيبة مبنياً للمفعول في الفعلين ﴿ أحسن ﴾ بالرفع ﴿ أف ﴾ بالكسر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص والمفضل.
وقرأ ابن كثير بالفتح من غير تنوين.
الباقون: بالكسر ولا تنوين ﴿ أتعدانني أن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وقرأ هشام مدغمة النون ﴿ وليوفيهم ﴾ بالياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.
الباقون: بالنون ﴿ أءذهبتم ﴾ بتحقيق الهمزتين: ابن ذكوان ﴿ آذهبتم ﴾ بالمدّ: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وهشام.
الباقون: بهمزة واحدة.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ السموات ﴾ ه لانتهاء الاستفهام إلى الخطاب ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لأن "أم" تتضمن استفهام إنكار ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ واستكبرتم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ قديم ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ للمحسنين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح مفعولاً له ومفعول فعل محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ط ﴿ ووضعته كرهاً ﴾ ط ﴿ شهراً ﴾ ط ﴿ سنة ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ذرّيتي ﴾ ط للابتداء بإن مع اتحاد الكلام ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لأن التقدير وعد لله وعداً صدقاً وهو مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ نتقبل ﴾ في معنى الوعد ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ والإنس ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ج لأن الواو تكون مقحمة ويتصل اللام بما قبله وقد يكون المعلل محذوفاً كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ط لتقدير القول وهو العامل في يوم ﴿ بها ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ تفسقون ﴾ ه.
التفسير: إنما كرر تنزيل الكتاب لأنه بمنزلة عنوان الكتب ثم ذكر ما أنزل فقال ﴿ ما خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجل مسمى ﴾ وقد مر في أوّل "الروم" أنه الوقت الذي عينه لإفناء الدنيا.
وحين بين الدليل على وجود الإله ووقوع الحشر فرع عليه الردّ على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل أرأيتم ﴾ وقد مر في "فاطر".
والمراد أنهم لا يستحقون العبادة أصلاً لأنهم ما خلقوا شيئاً في هذا العالم لا في الأرض ولا في السماء، ولم يدل وحي من الله على عبادتهم لأن هذا القرآن ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك وما من كتاب قبله إلا هو ناطق بمثل ذلك.
فقوله ﴿ ائتوني ﴾ من باب إرخاء العنان وتوسيع المجال على الخصم أي إن كنتم في شك مما قلت فقد أمهلتكم حتى تأتوني بعد الاستقراء ﴿ بكتاب ﴾ فيه شيء من ذلك ﴿ أو أثارة من علم ﴾ قال الواحدي: كلام أهل اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أوجه: أحدها البقية من قولهم "سمنت الناقة على إثارة من شحم" أي على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب.
والثاني أنه من الأثر بمعن الرواية.
والثالث من الأثر بمعنى العلامة والمراد ما بقي أو روي عن أسلافهم ويعدّونه علماً.
عن ابن عباس مرفوعاً أنه الخط.
قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه علم علمه.
ثم زاد في تبكيتهم وتوبيخهم بقوله ﴿ ومن أضل ﴾ الآية.
وبالجملة فالدليل الأوّل دل على نفي القدرة عنهم من كل الوجوه، وهذا الدليل دل على نفي العلم عنهم من كل الوجوه، فإذا انتفى العلم والقدرة عن الجسم لم يكن إلا جماداً وعبادة الجماد محض الضلال.
وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ تأبيد على عادة العرب، ويحتمل أن يكون توقيتاً بدليل قوله ﴿ وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ﴾ وهذا التبري والتخاطب نوع من الاستجابة.
ثم قرر غاية عنادهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ ثم عجب من حالهم بقوله ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ الآية أي إن كذبت على الله كما زعمتم عاجلني بالعقوبة فلا تقدرون على دفع عذابه عني فأي فائدة لي في الافتراء.
ثم فوّض أمرهم إلى الله قائلاً ﴿ هو أعلم بما تفيضون ﴾ أي تتدفعون فيه من القدح في الوحي، وتسميته سحراً تارة وافتراء أخرى وفي قوله ﴿ وهو الغفور الرحيم ﴾ إشارة إلى أنهم لو رجعوا إلى الحق وتابوا عن الشرك قبل الله توبتهم، وفيه إشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوه.
ثم أراد أن يزيل شبهتهم بنوع آخر من البيان فقال ﴿ قل ما كنت بدعاً ﴾ هو بمعنى البديع كالخف بمعنى الخفيف أي لست بأوّل رسول أرسله الله ولا جئتكم بأمر بديع لم يكن إلى مثله سابق.
وفيه إن اقتراح الآيات الغريبة فيه غير موجه لأنه لا يتبع إلا الوحيوما هو إلا نذير وليس إليه أن يأتي بكل ما يقترح عليه، وفيه أنه غير عالم بالمغيبات إلا بطريق الوحي فلا وجه لاستدعاء الغيوب عنه سواء تتعلق بأحوال الدنيا أو بأحوال الآخرة من الأحكام والتكاليف وما يؤل أمر المكلفين إليه، وفيه أنه لا وجه لتعييره بالفقر وبأكل الطعام والمشي في الأسواق والرسل كلهم أو جلهم كانوا كذلك.
قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما أشتدّ البلاء على أصحاب رسول الله رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك فقالوا: يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى تهاجر؟
فسكت رسول الله وأنزل الله الآية.
وعنه في رواية أخرى أنه لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بأمته، فأنزل الله ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ إلى قوله ﴿ فوزاً عظيماً ﴾ فبين الله ما يفعل به وبأمته ونسخت هذه الآية.
والأصح عند العلماء أنه لا حاجة إلى التزام النسخ، فإن الدراية المفصلة غير حاصلة، وعلى تقدير حصولها فإنه لم ينف إلا الدراية من قبل نفسه، وما نفي الدراية من جهة الوحي.
وقوله ﴿ ولا بكم ﴾ في حيز النفي ولا أدري ما يفعل بكم.
و "ما" موصولة أو استفهامية، ومحل الأولى نصب، والثانية رفع.
ثم قرر أنه لا أظلم منهم فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.
وقد مر نظيره في آخر "حم السجدة" إلا أنه زاد ههنا حديث الشاهد وفيه أقوال: أحدها أنه عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله المدينة نظر إلى وجهه وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر فآمن به.
وعن سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام وفيه نزل ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ على مثل القرآن.
والمعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة للقرآن من التوحيد والمعاد.
وعلى هذا فقوله ﴿ على مثله ﴾ يتعلق بشاهد أي ويشهد على صحة القرآن.
ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ مثله ﴾ إلى المذكور وهو كونه من عند الله، فيكون الجار متعلقاً بـ ﴿ شهد ﴾ قال جار الله: الواو الأخيرة عاطفة ﴿ لاستكبرتم ﴾ على ﴿ شهد ﴾ وأما الواو في ﴿ وشهد ﴾ فقد عطفت جملة قوله ﴿ وشهد ﴾ إلى آخره على جملة قوله ﴿ كان من عند الله وكفرتم به ﴾ والمعنى أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟
يدل على هذا الجواب المحذوف قوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قلت: هذا كلام حسن.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ واستكبرتم ﴾ معطوفاً على قوله ﴿ فآمن ﴾ .
ويجوز أن يكون الواو في ﴿ وشهد ﴾ للحال بإضمار "قد".
قال: وقد جعل الإيمان في قوله ﴿ فآمن ﴾ مسبباً عن الشهادة لأنه لما علم أن مثله أنزل على موسى وأنصف من نفسه اعترف بصحته وآمن.
القول الثاني ما ذكر الشعبي في جماعة أن السورة مكية وقد أسلم ابن سلام بالمدينة، فالشاهد هو موسى وشهادته هو ما في التوراة من بعث محمد وإيمانه تصديقه ذلك.
القول الثالث أن الشاهد ليس شخصياً معيناً وتقدير الكلام لو أن رجلاً منصفاً عارفاً بالتوراة أقر بذلك واعترف به ثم آمن بمحمد واستكبرتم أنتم، ألم تكونوا ظالمين ضالين؟
والمقصود أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب هو من عند الله، وثبت بشهادة الثقات أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم النبي ، ومع ثبوت هذين الأمرين كيف يليق بالعاقل إنكار نبوته؟
ثم ذكر شبهة أخرى لهم وهي أنهم قالوا ﴿ للذين آمنوا ﴾ أي لأجلهم وفي حقهم ﴿ لو كان ﴾ ما أتى به محمد ﴿ خيراً ما سبقونا إليه ﴾ وقيل: اللام كما في قولك "قلت له".
وضعف بأنه لو كان كذلك لقيل ما سبقتمونا إليه.
وأجيب بأنه وارد على طريقة الالتفات، أو المراد أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين بأنه لو كان هذا الدين خيراً لما سبقنا إليه أولئك الغائبون.
قال المفسرون: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيراً ما سبقونا إليه، ونحن أرفع منهم حالاً وأكثر مالاً وهؤلاء رعاة الغنم.
وقيل: قاله أغنياء قريش للفقراء المؤمنين كعمار وصهيب وابن مسعود.
وقيل: هم اليهود قالوه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه.
والعامل في قوله ﴿ وإذ لم يهتدوا به ﴾ محذوف وهو ظهر عنادهم وذلك أن "إذ" للمضي، والسين للاستقبال وبينهما تدافع.
والإفك القديم كقولهم أساطير الأوّلين.
وقيل: كذب ككذب عيسى قوله ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ خبر ومبتدأ وقوله ﴿ إماماً ﴾ أي قدوة يؤتم به في أصول شرائع الله، نصب على الحال كقولك "في الدار زيد قائماً".
وقوله ﴿ لساناً عربياً ﴾ حال من ضمير الكتاب في ﴿ مصدّق ﴾ أي لما بين يديه وهو العامل فيه ويجوز أن يكون حالاً من ﴿ كتاب ﴾ لأنه موصوف والعامل معنى الإشارة.
وجوز أن يكون مفعولاً ﴿ لصدّق ﴾ على حذف المضاف أي يصدّق ذا لسان عربي هو الرسول.
قوله ﴿ وبشرى ﴾ معطوف على محل ﴿ لتنذر ﴾ لأنه مفعول له.
وحين قرر دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبه المنكرين مع أجوبتها، أراد أن يذكر طريقة المحقين فقال ﴿ إن الذين قالوا ﴾ الآية.
وقد مر في "حم السجدة" إلا أنه رفع واسطة الملائكة ههنا من البين.
ثم إن أعظم أنواع الاستقامة كان هو الشفقة على خلق الله ولا سيما على الوالدين فلذلك قال ﴿ ووصينا ﴾ الآية.
وقد مرّ في "الروم" و "لقمان".
والكره بالضم، والفتح المشقة أي ذات كره أو حملاً ذاكره.
والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى، والمقصود بيان مدّة الرضاع.
ولما كان منتهياً بالفصال صح التعبير عن آخر الرضاع بالفصال، والفائدة فيه الدلالة على الرضاع التام المنتهي بالفصال.
وقد يستدل من هذه الآية ومن قوله { ﴿ والوالدت يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ أن مدة الحمل ستة أشهر.
وعن عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر فرفعت إليه فأمر برجمها، فأخبر علياً رضى الله عنه بذلك فمنعه محتجاً بالآية فصدّقه عمر وقال: لولا عليّ لهلك عمر.
قال جالينوس: إني كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة.
وزعم أبو علي بن سينا أنه شاهد ذلك.
وذكر أهل التجارب قاعدة كلية قالوا: إن لتكوّن الجنين زماناً مقدّراً، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، ثم إذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين.
وعلى هذا فلو تمت خلقة الجنين في ثلاثين يوماً فإذا أتى عليه مثل ذلك أي تصير مدة علوقه ستين تحرك، فإذا انضاف إلى هذا المقدار مثلاه وهو مائة وعشرون وصار المبلغ مائة وثمانين انفصل، ولو تمت خلقته في خمسة وثلاثين يوماً تحرك في سبعين وانفصل في مائتين وعشرة وهو سبعة أشهر، ولو تمت خلقته في أربعين تحرك في ثمانين وانفصل في مائتين وأربعين وهو ثمانية أشهر، وقلما يعيش هذا المولود إلا في بلاد معينة مثل مصر، وقد مرّ هذا المعنى في هذا الكتاب.
ولو تمت في خمسة وأربعين تحرك في تسعين وأنفصل في مائتين وسبعين وهي تسعة أشهر وهو الأكثر، أما أكثر مدّة الحمل فليس يعرف له دليل من القرآن.
وذكر أبو علي بن سينا في كتاب الحيوان من الشفاء في الفصل السادس من المقالة التاسعة، أن امرأة ولدت بعد الرابع من سني الحمل ولداً قد نبتت أسنانه وعاش.
وعن أرسطا طاليس أن زمان الولادة لكل الحيوان مضبوط سوى الإنسان.
هذا وقد روى الواحدي في البسيط عن عكرمة أنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحداً وعشرين شهراً.
وعلى هذا قوله ﴿ حتى إذا بلغ أشدّه ﴾ أكثر المفسرين كما مر في آخر "الأنعام" وأوّل "يوسف" و "القصص".
على أن وقت الأشد هو زمان الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء وهو ثلاث وثلاثون سنة تقريباً، وإن في الأربعين يتم الشباب وتأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتفاص، والقوّة العقلية والنطقية في الاستكمال، وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن ومن جملة الكمال أنه حينئذ يقول ﴿ رب أوزعني ﴾ أي ألهمني ووفقني كما مر في "النمل".
قال علماء المعاني: قوله ﴿ في ذرّيتي ﴾ كقوله "يجرح في عراقيبها نصلي" فكأنه سأل أن يجعل ذرّيته موقعاً للصلاح ومظنة له.
وقوله ﴿ أحسن ما عملوا ﴾ إما بمعنى الحسن أو المراد الواجب والندب دون المباح.
وقوله ﴿ في أصحاب الجنة ﴾ في موضع الحال أي معدودين فيهم.
عن ابن عباس وجم غفير من المفسرين أن الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق، وفيه أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير، وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، ولم يكن أحد من الصحابة المهاجرين والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر.
قالوا: ومما يؤيد هذا القول أنه حكى عن ذلك الإنسان أنه قال بعد أربعين سنة رب أوزعني الخ.
ومعلوم أنه ليس كل إنسان قد يقول هذا القول.
والأظهر أن هذا عام لهذا الجنس، وأن الإنسان قد يقول هذا القول ولا أقل من أن يكون وارداً على طريقة الإرشاد والتعليم.
سلمنا ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قوله ﴿ والذي قال ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ والمراد بالذي جنس القائل فلذلك أورد الخبر مجموعاً.
ويجوز أن يكون الخبر عاماً في القائل وفي أمثاله فيندرج فيه القائل.
وقيل: تقديره واذكر الذي ومن القائل.
عن الحسن وقتادة: هو الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث.
وذهب السدّي إلى أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه وأنه كان يقول ﴿ لوالديه أف لكما ﴾ وهي كلمة تضجر وتبرم كما مر في "سبحان" و "الأنبياء" ﴿ أتعدانني أن أخرج ﴾ من القبر ﴿ وقد خلت القرون من قبلي ﴾ فلم يرجع أحدهم ﴿ وهما ﴾ يعني أبويه ﴿ يستغيثان الله ﴾ أي بالله فحذف الجار وأوصل الفعل والمراد يسألانه أن يوفقه للإيمان ويقولان له ﴿ ويلك آمن ﴾ بالله وبالبعث.
والمراد بالدعاء عليه الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك.
قال السدّي: فاستجاب الله دعوة أبي بكر فيه فأسلم وحسن إسلامه ولما أسلم نزل فيه ﴿ ولكل درجات مما عملوا ﴾ وأكثر المفسرين ينكرون هذا القول لأنه قال فيه ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول ﴾ كائنين ﴿ في أمم ﴾ إلى آخره.
وأن عبد الرحمن لم يبق كافراً بل كان من سادات المسلمين.
وروي عن عائشة إنكاره إيضاً.
وذلك أنه حين كتب معاوية إلى مروان بن الحكم ابن أبي العاص بأن يبايع الناس ليزيد، ردّ عليه عبد الرحمن وقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه ﴿ والذي قال لوالديه ﴾ فسمعت عائشة فغضبت وقالت: والله ما هو به ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه.
ثم ميز حال المؤمن من حال الكافر بقوله ﴿ ولكل ﴾ أي من الجنسين ﴿ درجات ﴾ من جزاء ما عملوا فغلب أهل الدرجات على أهل الدركات، أو الدرجات هي المراتب متصاعدة أو متنازلة، والباقي واضح مما مرّ.
والاستكبار عن قبول الحق ذنب القلب، والفسق عمل الجوارح، والأوّل أولى بالتقديم لعظم موقعه.
وقد يحتج بالآية على أن الكفار مخاطبون بالفروع.
قال مؤلف الكتاب: والأشياء الطيبة اللذيذة غير منهي عنها لقوله ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾ ولكن التقشف وترك التكلف دأب الصالحين لئلا يشتغل بغير المهم عن المهم، ولأن ما عدا الضروري لا حصر له وقد يجر بعضه بعضاً إلى أن يقع المرء في حدّ البعد عن الله.
وفي الحديث أن رسول الله دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً فقال: " أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر البيت كما تستر الكعبة؟
قالوا: نحن يومئذ خير.
قال: بل أنتم اليوم خير." وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكنني أستبقي طيباتي لأن الله وصف قوماً فقال ﴿ أذهبتم طيباتكم ﴾ وعنه أن رجلاً دعاه إلى طعام فأكل ثم قدّم شيئاً حلوا فامتنع وقال: رأيت الله نعى على قوم شهواتهم فقال ﴿ أذهبتم ﴾ الآية.
فقال الرجل: اقرأ يا أمير المؤمنين ما قبلها ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا ﴾ ولست منهم فأكل وسرّه ما سمع.
والتحقيق أن المراد هو أنه ما كتب للكافر حظ من الطيبات إلا الذي أصابه في دنياه، وليس في الآية إن كل من أصاب الطيبات في الدنيا فإنه لا يكون له منها حظ في الآخرة والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً ﴾ و ﴿ حُسْناً ﴾ ؛ كأنه قال: أمرنا الإنسان أن يحسن إلى والديه، فالحسن: هو اسم ما يقع بهم من البر، وهو المفعول، والإحسان هو اسم فعله الذي يفعل بهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ﴾ أي: إنها في أول ما حملت [حملت] حملا خفيفاً، فلما كبر أثقلت، وهو وصف الولد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ ﴾ وذلك في الأم؛ لأنها لا تزال تضعف وتوهن من أول ما حملت إلى آخر ما وضعت.
وقوله - - ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ﴾ في أول ما تحمل تجد كراهة في نفسها إلى وقت وضعها.
والثاني: يشبه أن يكون على الجمع في الأم دون الولد على اختلاف الأحوال، وهو في الابتداء يخف عليها الحمل، ويثقل ذلك عليها إذا دنا وقت وضعها، وما ذكر من الوهن فهو ما ذكرنا أنها لا تزال تزداد ضعفاً فيها ووهناً من أوّل حملها إلى وقت وضعها، وما ذكر من الكراهة فهو إذا تم حملها شق ذلك عليها، وكذلك الوضع، لا شك أن ذلك يشق عليها.
والتأويل الأوّل على التفريق في حال يرجع الوصف إلى الولد، وفي حال إلى الوالدة، والثاني يرجع ذلك كله إلى وصف الأم، وعلى التأويلين حصل التوفيق بين الآيات؛ لرجوعها إلى اختلاف الأحوال، فأمكن الجمع بين الكل في أحوال، والاختلاف إنما يكون في حال واحد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: إن الآية نزلت في أبي بكر الصديق - - حملته أمه كرهاً؛ أي: بمشقة، ووضعته بمشقة، ثم وضعته على تمام ستة أشهر.
وقال بعضهم: الآية نزلت في الحسن أو الحسين - ما - وضعته [أمه] على ما ذكر في المدّة.
ثم منهم من يقول: الآية وإن نزلت في نازلة بعينها، لكن ما ذكر من الحكم فذلك في كل إنسان وهو أن يكون الولد ثابت النسب من الأب بهذه المدة، فإنه روي عن عمر - - أنه أتي بامرأة وضعت في ستة أشهر، فأراد أن يرجمها، فقال ابن عباس - - يا أمير المؤمنين، إن الله - - قد جعل في كتابه مخرجاً؛ قال الله - -: ﴿ وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً ﴾ ستة أشهر لحملها، ورضاعه سنتين، فأخذ بقول ابن عباس - - ودرأ عن الرجم.
وكذلك روي عن عثمان - - أنه أتي بامرأة وضعت لستة أشهر، فهمّ أن يرجمها، فقال له ابن عباس: أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله خصمتكم، ثم تلا هذه الآية.
وكذلك ذكر عن علي - - أن عثمان - - لما أمر برجم المرأة التي وضعت لستة أشهر، فسمع علي - - فأتى عثمان - - فقال له: ما صنعت؟
فقال له عثمان - -: وهل تلد المرأة الولد التام لستة أشهر؟
قال: نعم، ثم تلا عليه هذه الآية.
فهؤلاء الصحابة - م - قد رأوا الآية في كل امرأة وضعت لتلك المدة في حق ذلك الحكم الذي ذكر، والله أعلم.
ثم روي عن ابن عباس - - قال: إذا وضعت المرأة لستة أشهر أرضعته حولين كاملين؛ لأن الله - - يقول: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً ﴾ وإذا وضعت لسبعة أشهر أرضعته ثلاثة وعشرين شهراً، وإذا وضعته لتسعة أشهر، أرضعته أحداً وعشرين شهراً، فعلى قياس هذا جائز أنها [إن] وضعته لسنتين أن يكفي رضاع ستة أشهر، يزاد وينقص على ذلك القدر؛ ألا ترى أنه روي أن المرأة التي حملت سنتين ولدت وقد ثبتت له سنتان؛ فمثل هذا الولد لا يحتاج من الرضاع ما يحتاج الذي ولد لستة أشهر؛ لذلك كان ما ذكرنا.
ثم إذا احتمل النقصان عن الحولين؛ لما ذكرنا جازت الزيادة على الحولين؛ على ما قال أبو حنيفة - رحمه الله - لأن ما ذكر من الحولين إنما هو رضاع أقل الحمل، وهو ستة أشهر؛ لأن الذي ولد لستة أشهر كان إلى الاغتذاء بالطعام أبعد من الذي ولد لتسعة أشهر؛ لضعفه في نفسه، والذي ولد لتسعة أشهر فهو إلى الاغتذاء بالطعام أقرب منه، والذي ولد لسنتين هو أقرب إلى الاغتذاء بالطعام من المولود لتسعة أشهر؛ لقوته وقلة حاجته إلى الغذاء باللبن، فإذا كان قوله - -: ﴿ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ هو أقل رضاع يكون؛ لأنه ذكر للمولود لأقل الحمل؛ حيث قال: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً ﴾ ثم قال: ﴿ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ﴾ فإذا كان أقل احتمل الزيادة التي ذكر أبو حنيفة - رحمه الله - وهو ستة أشهر على السنتين، كما يصير رضاع أكثر الحمل ستة أشهر، واعتبر في الباب إلى قوة الولد، واحتمال الغذاء بالطعام، وعدم الاحتمال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً...
﴾ إلى آخر [ما] ذكر.
دلت هذه الآية على أن الآية التي ذكرنا نزلت في نازلة؛ حيث أخبر أنه إذا بلغ ذلك المبلغ قال: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ...
﴾ الآية.
ثم قوله - -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ ذكر أوّل ما يشتد عقله، ويدخل في القوة إلى الوقت الذي يكون على الزيادة، فإذا جاوز ذلك الوقت يأخذ في الانتقاص، وهو أربعون سنة.
وقال أهل التأويل: بلوغ الأشد هو ثماني عشرة سنة إلى أربعين، وهو ما ذكرنا: أنه أول وقت دخوله في الزيادة والقوة إلى الوقت الذي إذا بلغ ذلك يأخذ في النقصان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ﴾ دل قوله: ﴿ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ﴾ على أن [على] الرجل شكر ما أنعم على والديه وأحسن إليهما كما يلزمه شكر ما أنعم عليه؛ لما يكون بدء إسلام الأولاد الصغار بالوالدين وما لهما من النعم يصل نفعها إليهم - أيضاً - فيلزمهم شكر ما أنعم عليهم بالإيمان والنعم في وقته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ ﴾ هذا على كل مسلم أن يدعو بمثل هذا الدعاء، يسأل ربه التوفيق على عمل صالح يرضاه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: أصلح لي ذريتي؛ على طرح حرف ﴿ فِي ﴾ منه؛ كقوله: ﴿ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ ﴾ ، والله أعلم.
ثم قوله - -: ﴿ أَوْزِعْنِيۤ ﴾ : ألهمني.
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه سأل ربه أن يوزعه شكر ما أنعم عليه، ومن قولهم أن ليس على المرء الشكر إلا بعد إعطاء جميع ما به يشكر حتى لا يبقى عنده مزيد؛ فيكون مثل هذا الدعاء من العباد ردّاً على قولهم؛ لأنهم يسألون ما يعلمون أن ليس عنده ذلك، وأنّه لا يملكه، وكذلك قوله: ﴿ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ ﴾ ، ومن قولهم أنه ليس عنده ما يغيثه، فيخرج دعاؤهم على ما ذكرنا على مذهبهم، وبالله العصمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ كأنْ لهم عملان: حسنات وسيئات، فأخبر أنه يتقبل عنهم حسناتهم، ويجزيهم جزاءها، ويتجاوز عن سيئاتهم ويكفرها، ولا يجزيهم جزاءها؛ فضلا منه ورحمة، والمراد من الأحسن: الحسن، ويجوز ذلك في اللغة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾ أي: ذلك الذي أخبر وذكر أنه يفعل لهم هو وعد الصدق يفي ذلك لهم، وهو قادر على وفاء الوعد، ومن يكون منه الخلف في الوعد في الشاهد إنما يكون لأحد وجوه ثلاثة: إما لعجز يمنعه عن وفاء ما وعد.
أو جهل وبدو شيء رآه فرجع عن ذلك.
أو حاجة.
والله - وتعالى - يتعالى عن ذلك كله؛ للقدرة الذاتية، والغنى الذاتي، والعلم الأزلي، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
خرج أهل التأويل هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر - ما - ووالدته فلانة، والآية الأولى في أبي بكر ووالديه، وهي قوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ ﴾ فيقولون: إن أبا بكر الصديق - - أطاع والديه وأمر بالإحسان إليهما، والشكر لهما، وسأل التوفيق في الشكر له به على ما أنعم عليه وأنعم على والديه، وعبد الرحمن ابنه قد عصى والديه وخالفهما فيما يدعوانه إليه، وقال لهما قولا رديّاً؛ حيث قال: ﴿ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ ﴾ من القبر وأحيا ﴿ وَقَدْ خَلَتِ ﴾ من قبلي من القرون فلا أراهم بعثوا، ونحو ذلك من الكلام.
إلا أن هذا لا يصح؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق في أجلة الصحابة - م - فالظاهر أنه لم يكن منه مثل هذه المجادلة؛ ولأن أهل التأويل قالوا: إنه كان قال لوالديه: إن كان ما تقولون حقّاً أخرجوا فلاناً وفلاناً؛ ذكر نفراً من أجداده، فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ...
﴾ الآية، ولا يحتمل أن يكون هذا جواب ما تقدم من القول؛ لأنه في وجوب ما ذكر - وهو استحقاق العذاب عليهم - منع العود والإحياء في الدنيا، ولأنهم لو كانوا يعادون لا يسقط ذلك الذي حق عليهم؛ إذ هم لا يؤمنون؛ ألا ترى أن الله - - قال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .
لكن جائز أن تكون الآيتان في رجلين من ولد بني آدم مع والديهما: أطاع أحدهما والديه وأجابهما إلى ما دعواه إليه، وأبى الآخر إجابة والديه إلى ما دعواه إليه، وخالفهما في أمرهما فاستغاث والداه ممن عصاهما وخالفهما في أمرهما وقالا ما ذكر في الآية، وقال من أجابهما ما ذكر، وهو كما ذكرنا في قوله - -: ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ﴾ صرف أهل التأويل بأجمعهم هذه الآية إلى آدم وزوجته حوّاء - عليهما السلام - وقلنا نحن: جائز أن يكون هذا في كل والد ووالدة يقولان ما ذكر ويدعوان إلى ما ذكر، فلما آتاهما ما ذكر من الصلاح كانا ما ذكر، فعلى ذلك جائز أن تكون الآيتان اللتان ذكرناهما تكونان في كل ولد مع والديه: من أجاب والديه ومن عصاهما - والله أعلم - فلا تصرف الآية إلى من ذكروا إلا ببيان من الله - - على لسان رسوله : أنها في كذا وكذا، وفي فلان وفلان، على طريق التواتر، فعند ذلك يقال ما قالوا، فأما إذا لم تثبت النصوص والإشارة إلى قوم بالتواتر فالكف عن ذلك أسلم، والله أعلم.
ودل قوله: ﴿ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ ﴾ أن عند الله لطفاً لو أعطى ذلك لآمن.
وقوله: ﴿ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ ﴾ \[أي:\] فيقولان: ﴿ وَيْلَكَ آمِنْ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾ من خير أو شر ﴿ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ أي: ليوفينهم أجر أعمالهم، وجزاء أعمالهم من خير أو شر ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ أي: لا ينقصون من خيراتهم، ولا يزداد لهم في سيئاتهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً ﴾ ، ونحوها؛ يذكرهم بهذه الآيات وأمثالها؛ ليعرفوا ما كان منهم، وما استوجبوا من العقوبات إنما استوجبوا بما كان منهم في الدنيا من التكذيب والاستهزاء بآياته؛ لينزجروا عن ذلك.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما أذهبتم طيباتكم التي أعطيتموها في منافعكم وأتلفتموها ولم تؤدوا شكرها، ولم تقوموا بوفائها، والله أعلم.
والثاني: ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: أتلفتموها، ولم تكتسبوا بها الطيبات الموعودة في الآخرة والنعم الدائمة، فكل ما أعطى في هذه الدنيا من الأموال إنما أعطى ليستعينوا بها على عمل الآخرة، وليتزودوا بها، ويجعلوها زداً للآخرة، فأما إذا جعلوها في غير ذلك فهو إتلاف، وجعل في غير ما جعل، وذلك وبال عليهم وحسرة، وهو ما قال الله - -: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ وكذا ذكر: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ ﴾ ، فكل نفقة كانت في غير ما ذكر من الاستعانة على زاد الآخرة والتزود لها فهي لحياة الدنيا، وهي لعب ولهو، وهو ما ذكر من الريح فيها صرّ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ ﴾ أي: عذاب تهانون فيه، يهينكم ذلك العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل استكبارهم الذي ذكر على الرسل، استكبروا على الرسل فتركوا اتباعهم، فاستكبروا على آياته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ والفسق هو الخروج عن أمر الله .
<div class="verse-tafsir"
وأمرنا الإنسان أمرًا مؤكدًا أن يحسن إلى والديه، بأن يبرّهما في حياتهما، وبعد موتهما بما لا مخالفة فيه للشرع، وعلى وجه الخصوص أمه التي حملته بمشقة ووضعته بمشقة، ومدة حمله التي مكثها وبدء فطامه: ثلاثون شهرًا، حتى إذا بلغ اكتمال قوتيه العقلية والبدنية وبلغ أربعين سنة قال: رب، ألهمني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها عليّ وعلى والديَّ، وألهمني أن أعمل عملًا صالحًا ترضاه، وتقبَّله مني، وأصلح لي أولادي، إني تبت إليك من ذنوبي، وإني من المنقادين لطاعتك، المستسلمين لأوامرك.
<div class="verse-tafsir" id="91.0wPVY"