الآية ٢٦ من سورة الأحقاف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 46 الأحقاف > الآية ٢٦ من سورة الأحقاف

وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًۭا وَأَبْصَـٰرًۭا وَأَفْـِٔدَةًۭ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلَآ أَفْـِٔدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوا۟ يَجْحَدُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٢٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٦ من سورة الأحقاف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٦ من سورة الأحقاف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ولقد مكنا الأمم السالفة في الدنيا من الأموال والأولاد ، وأعطيناهم منها ما لم نعطكم مثله ولا قريبا منه ، ( وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) أي : وأحاط بهم العذاب والنكال الذي كانوا يكذبون به ويستبعدون وقوعه ، أي : فاحذروا أيها المخاطبون أن تكونوا مثلهم ، فيصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26) يقول تعالى ذكره لكفار قريش: ولقد مكنَّا أيها القوم عادا الذين أهلكناهم بكفرهم فيما لم نمكنكم فيه من الدنيا, وأعطيناهم منها الذي لم نعطكم منهم من كثرة الأموال, وبسطة الأجسام, وشدّة الأبدان.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثني أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ) يقول: لم نمكنكم.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ) : أنبأكم أنه أعطى القوم ما لم يعطكم.

وقوله ( وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا ) يسمعون به مواعظ ربهم, وأبصارا يبصرون بها حجج الله, وأفئدة يعقلون بها ما يسرّهم وينفعهم ( فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ ) يقول: فلم ينفعهم ما أعطاهم من السمع والبصر والفؤاد إذ لم يستعملوها فيما أعطوها له, ولم يعملوها فيما ينجيهم من عقاب الله, ولكنهم استعملوها فيما يقرّبهم من سخطه ( إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ) يقول: إذ كانوا يكذّبون بحجج الله وهم رُسله, وينكرون نبوّتهم ( وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) يقول: وعاد عليهم ما استهزءوا به, ونـزل بهم ما سخروا به, فاستعجلوا به من العذاب, وهذا وعيد من الله جلّ ثناؤه لقريش, يقول لهم: فاحذروا أن يحلّ بكم من العذاب على كفركم بالله وتكذيبكم رسله, ما حلّ بعاد, وبادروا بالتوبة قبل النقمة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه قيل : إن إن زائدة ، تقديره ولقد مكناكم فيما مكناكم فيه .

وهذا قول القتبي .

وأنشد الأخفش :يرجي المرء ما إن لا يراه وتعرض دون أدناه الخطوبوقال آخر [ فروة بن مسيك المرادي ] :فما إن طبنا جبن ولكن منايانا ودولة آخريناوقيل : إن ما بمعنى الذي .

وإن بمعنى ما ، والتقدير ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه ، قاله المبرد .

وقيل : شرطية وجوابها مضمر محذوف ، والتقدير ولقد مكناهم في ما إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر وعنادكم أشد ، وتم الكلام .ثم ابتدأ فقال : وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة يعني قلوبا يفقهون بها .

فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء من عذاب الله .

إذ كانوا يجحدون يكفرون بآيات الله وحاق بهم أحاط بهم ما كانوا به يستهزئون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا مع أن الله تعالى قد أدر عليهم النعم العظيمة فلم يشكروه ولا ذكروه ولهذا قال: { وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ } أي: مكناهم في الأرض يتناولون طيباتها ويتمتعون بشهواتهاوعمرناهم عمرا يتذكر فيه من تذكر، ويتعظ فيه المهتدي، أي: ولقد مكنا عادا كما مكناكم يا هؤلاء المخاطبون أي: فلا تحسبوا أن ما مكناكم فيه مختص بكم وأنه سيدفع عنكم من عذاب الله شيئا، بل غيركم أعظم منكم تمكينا فلم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم ولا جنودهم من الله شيئا.{ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً } أي: لا قصور في أسماعهم ولا أبصارهم ولا أذهانهم حتى يقال إنهم تركوا الحق جهلا منهم وعدم تمكن من العلم به ولا خلل في عقولهم ولكن التوفيق بيد الله.

{ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ } لا قليل ولا كثير، وذلك بسبب أنهم { يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } الدالة على توحيده وإفراده بالعبادة.{ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي: نزل بهم العذاب الذي يكذبون بوقوعه ويستهزئون بالرسل الذين حذروهم منه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ) يعني فيما لم نمكنكم فيه من قوة الأبدان وطول العمر وكثرة المال .

قال المبرد : " ما " في قوله " فيما " بمنزلة الذي ، و " إن " بمنزلة ما ، وتقديره : ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه .

( وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد مكناهم فيما» في الذي «إن» نافية أو زائدة «مكناكم» يا أهل مكة «فيه» من القوة والمال «وجعلنا لهم سمعا» بمعنى أسماعا «وأبصارا وأفئدة» قلوبا «فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء» أي شيئا من الإغناء ومن زائدة «إذ» معمولة لأغنى وأشربت معنى التعليل «كانوا يجحدون بآيات الله» بحججه البينة «وحاق» نزل «بهم ما كانوا به يستهزءُون» أي العذاب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد يسَّرنا لعاد أسباب التمكين في الدنيا على نحوٍ لم نمكنكم فيه معشر كفار قريش، وجعلنا لهم سمعًا يسمعون به، وأبصارًا يبصرون بها، وأفئدة يعقلون بها، فاستعملوها فيما يسخط الله عليهم، فلم تغن عنهم شيئًا إذ كانوا يكذِّبون بحجج الله، ونزل بهم من العذاب ما سخروا به واستعجلوه.

وهذا وعيد من الله جل شأنه، وتحذير للكافرين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولم تكتف السورة الكريمة بعرض مصارع هؤلاء المجرمين ، الذين لا يخفى أمرهم على المشركين المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - بل أخذت فى تذكير هؤلاء المشركين ، بما يحملهم على الزيادة من العظة والعبرة لو كانوا يعقلون ، فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً ) .و " ما " فى قوله : ( فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ ) موصولة .

و " إن " نافية .

أى : والله لقد مكنا قوم هود وغيرهم من الأقوام السابقين عليكم - يا أهل مكة فى الذى لم نمكنكم فيه ، بأن جعلناهم أشد منكم قوة ، وأكثر جمعا ، وأعطيناهم من فضله أسماعا وأبصارا وأفئدة .فالمقصود من الاية بيان أن المشركين السابقين ، أعطاهم الله - تعالى - من الأموال والأولاد والقوة .

.

أكثر مما أعطى الكافرين المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - .ولكن هؤلاء الطغاة السابقين لما لم يشكروا الله - تعالى - على نعمه كانت عاقبتهم الهلاك ، كما يدل عليه قوله - سبحانه - بعد ذلك : ( فَمَآ أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ ) .أى : أعطيناهم من النعم ما لم نعطكم يا أهل مكة ، ولكنهم لما لم يشكرونا على نعمنا ، ولم يستعملوها فى طاعتنا ، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر ، دون أن تنفعهم شيئا أسماعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم ، حين نزل بهم عذابنا ، بل كل ما بين أيديهم من قوة ومن نعم ذهب أدراج الرياح وصار معهم هباء منثورا .و " من " فى قوله : ( مِّن شَيْءٍ ) لتأكيد عدم الإِغناء .

أى : ما أغنت عنهم شيئا حتى ولو كان هذا الشئ فى غاية القلة والحقارة .ثم بين - سبحانه - أن ما أصابهم من دمار كان بسبب جحودهم للحق واستهزائهم به ، فقال : ( إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ الله وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) .أى : هذا الهلاك والدمار الذى حاق بهم ، كان بسبب جحودهم لآيات الله الدالة على وحدانيته وكمال قدرته ، واستهزائهم بما جاءهم به رسلهم من الحق .ومن الآيات القرآنية التى وردت فى هذا المعنى ، قوله - تعالى - : ( فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً ومضى مَثَلُ الأولين ) وقوله - سبحانه - ( أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ كانوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأرض فَمَآ أغنى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أورد أنواع الدلائل في إثبات التوحيد والنبوّة، وكان أهل مكة بسبب استغراقهم في لذات الدنيا واشتغالهم بطلبها أعرضوا عنها، ولم يلتفتوا إليها، ولهذا السبب قال تعالى في حقهم ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار أَذْهَبْتُمْ طيباتكم فِي حياتكم الدنيا ﴾ فلما كان الأمر كذلك بين أن قوم عاد كانوا أكثر أموالاً وقوة وجاهاً منهم، ثم إن الله تعالى سلّط العذاب عليهم بسبب شؤم كفرهم فذكر هذه القصة هاهنا ليعتبر بها أهل مكة، فيتركوا الاغترار بما وجدوه من الدنيا ويقبلوا على طلب الدين، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذه القصة في هذا الموضع، وهو مناسب لما تقدم لأن من أراد تقبيح طريقة عند قوم كان الطريق فيه ضرب الأمثال، وتقديره أن من واظب على تلك الطريقة نزل به من البلاء كذا وكذا، وقوله تعالى: ﴿ واذكر أَخَا عَادٍ ﴾ أي واذكر يا محمد لقومك أهل مكة هوداً عليه السلام ﴿ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ ﴾ أي حذرهم عذاب الله إن لم يؤمنوا، وقوله: ﴿ بالأحقاف ﴾ قال أبو عبيدة الحقف الرمل المعوج، ومنه قيل للمعوج محقوف وقال الفراء الأحقاف واحدها حقف وهو الكثيب المكسر غير العظيم وفيه اعوجاج، قال ابن عباس الأحقاف وادٍ بين عمان ومهرة والنذر جمع نذير بمعنى المنذر ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ من قبله ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ من بعده والمعنى أن هوداً عليه السلام قد أنذرهم وقال لهم أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم العذاب.

واعلم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره.

ثم حكى تعالى عن الكفار أنهم قالوا: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا ﴾ الإفك الصرف، يقال أفكه عن رأيه أي صرفه، وقيل بل المراد لتزيلنا بضرب من الكذب ﴿ عَنْ ءالِهَتِنَا ﴾ وعن عبادتها ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ معاجلة العذاب على الشرك ﴿ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ﴾ في وعدك، فعند هذا قال هود ﴿ إِنَّمَا العلم عِندَ الله ﴾ وإنما صلح هذا الكلام جواباً لقولهم: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ لأن قولهم: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ استعجال منهم لذلك العذاب فقال لهم هود لا علم عندي بالوقت الذي يحصل فيه ذلك العذاب، إنما علم ذلك عند الله تعالى ﴿ وَأُبَلّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ ﴾ وهو التحذير عن العذاب، وأما العلم بوقته فما أوحاه الله إليّ ﴿ ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ وهذا يحتمل وجوهاً الأول: المراد أنكم لا تعلمون أن الرسل لم يبعثوا سائلين عن غير ما أذن لهم فيه وإنما بعثوا مبلغين الثاني: أراكم قوماً تجهلون من حيث إنكم بقيتم مصرين على كفركم وجهلكم فيغلب على ظني أنه قرب الوقت الذي ينزل عليكم العذاب بسبب هذ الجهل المفرط والوقاحة التامة الثالث: ﴿ إِنّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ حيث تصرون على طلب العذاب وهب أنه لم يظهر لكم كوني صادقاً، ولكن لم يظهر أيضاً لكم كوني كاذباً فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب جهل عظيم.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ ﴾ ذكر المبرّد في الضمير في رأوه قولين أحدهما: أنه عائد إلى غير مذكور وبينه قوله: ﴿ عَارِضاً ﴾ كما قال: ﴿ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ  ﴾ ولم يذكر الأرض لكونها معلومة فكذا هاهنا الضمير عائد إلى السحاب، كأنه قيل: فلما رأوا السحاب عارضاً وهذا اختيار الزجاج ويكون من باب الإضمار لا على شريطة التفسير والقول الثاني: أن يكون الضمير عائداً إلى ما في قوله: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ أي فلما رأوا ما يوعدون به عارضاً، قال أبو زيد العارض السحابة التي ترى في ناحية السماء ثم تطبق، وقوله: ﴿ مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ﴾ قال المفسرون كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياماً فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من وادٍ يقال له المغيث ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ﴾ استبشروا و ﴿ قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ﴾ والمعنى ممطر إيانا، قيل كان هود قاعداً في قومه فجاء سحاب مكثر فقالوا: ﴿ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ﴾ فقال: ﴿ بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ ﴾ من العذاب ثم بيّن ماهيته فقال: ﴿ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

ثم وصف تلك الريح فقال: ﴿ تُدَمّرُ كُلَّ شَيء ﴾ أي تهلك كل شيء من الناس والحيوان والنبات ﴿ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ والمعنى أن هذا ليس من باب تأثيرات الكواكب والقرانات، بل هو أمر حدث ابتداء بقدرة الله تعالى لأجل تعذيبكم ﴿ فَأَصْبَحُواْ ﴾ يعني عاداً ﴿ لاَ يرى إِلاَّ مساكنهم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي أن الريح كانت تحمل الفسطاط فترفعها في الجو حتى يرى كأنها جرادة، وقيل أول من أبصر العذاب امرأة منهم قالت رأيت ريحاً فيها كشهب النار، وروي أن أول ما عرفوا به أنه عذاب أليم، أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رجالهم ومواشيهم يطير به الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم فعلقت الريح الأبواب وصرعتهم، وأحال الله عليهم الأحقاف، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين، ثم كشفت الريح عنهم فاحتملتهم فطرحتهم في البحر، وروي أن هوداً لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطاً إلى جنب عين تنبع فكانت الريح التي تصيبهم ريحاً لينة هادئة طيبة، والريح التي تصيب قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطيرهم إلى السماء وتضربهم على الأرض، وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أمر الله خازن الرياح أن يرسل على عاد إلا مثل مقدار الخاتم».

ثم إن ذلك القدر أهلكهم بكليتهم، والمقصود من هذا الكلام إظهار كمال قدرة الله تعالى، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال: «اللّهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما أرسلت به».

المسألة الثالثة: قرأ عاصم وحمزة ﴿ لاَ يرى ﴾ بالياء وضمها ﴿ مساكنهم ﴾ بضم النون، قال الكسائي معناه لا يرى شيء إلا مساكنهم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي ﴿ لاَّ ترى ﴾ على الخطاب أي لا ترى أنت أيها المخاطب، وفي بعض الروايات عن عاصم ﴿ لاَّ ترى ﴾ بالتاء ﴿ مساكنهم ﴾ بضم النون وهي قراءة الحسن والتأويل لا ترى من بقايا عاد أشياء إلا مساكنهم.

وقال الجمهور هذه القراءة ليست بالقوية.

ثم قال تعالى: ﴿ كذلك نَجْزِي القوم المجرمين ﴾ والمقصود منه تخويف كفار مكة، فإن قيل لما قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ  ﴾ فكيف يبقى التخويف حاصلاً؟

قلنا: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ إنما أنزل في آخر الأمر فكان التخويف حاصلاً قبل نزوله.

ثم إنه تعالى خوف كفار مكة، وذكر فضل عاد بالقوة والجسم عليهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ ﴾ قال المبرّد ما في قوله: ﴿ فِيمَا ﴾ بمنزلة الذي.

و ﴿ إن ﴾ بمنزلة ما والتقدير: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه، والمعنى أنهم كانوا أشد منكم قوة وأكثر منكم أموالاً، وقال ابن قتيبة كلمة إن زائدة.

والتقدير ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه، وهذا غلط لوجوه: الأول: أن الحكم بأن حرفاً من كتاب الله عبث لا يقول به عاقل والثاني: أن المقصود من هذا الكلام أنهم كانوا أقوى منكم قوة، ثم إنهم مع زيادة القوة ما نجوا من عقاب الله فكيف يكون حالكم، وهذا المقصود إنما يتم لو دلّت الآية على أنهم كانوا أقوى قوة من قوم مكة الثالث: أن سائر الآيات تفيد هذا المعنى، قال تعالى: ﴿ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً ورئيا  ﴾ وقال: ﴿ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأرض  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وأبصارا وَأَفْئِدَةً ﴾ والمعنى أنا فتحنا عليهم أبواب النعم وأعطيناهم سمعاً فما استعملوه في سماع الدلائل، وأعطيناهم أبصاراً فما استعملوها في تأمل العبر، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالى، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنيا ولذاتها، فلا جرم ما أغنى سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من عذاب الله شيئاً.

ثم بيّن تعالى أنه إنما لم يغن عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم لأجل أنهم كانوا يجحدون بآيات الله، وقوله: ﴿ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ ﴾ بمنزلة التعليل، ولفظ إذ قد يذكر لإفادة التعليل تقول: ضربته إذ أساء، والمعنى ضربته لأنه أساء، وفي هذه الآية تخويف لأهل مكة فإن قوم عاد لما اغتروا بدنياهم وأعرضوا عن قبول الدليل والحجة نزل بهم عذاب الله، ولم تغن عنهم قوتهم ولا كثرتهم، فأهل مكة مع عجزهم وضعفهم أولى بأن يحذروا من عذاب الله تعالى ويخافوا.

ثم قال تعالى: ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ يعني أنهم كانوا يطلبون نزول العذاب وإنما كانوا يطلبونه على سبيل الاستهزاء، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِن ﴾ نافية، أي: فيما ما مكناكم فيه، إلا أنّ ﴿ إِن ﴾ أحسن في اللفظ؛ لما فيه مجامعة (ما) مثلها من التكرير المستبشع.

ومثله مجتنب، ألا ترى أن الأصل في ﴿ مهما ﴾ : (ماما) فلبشاعة التكرير: قلبوا الألف هاء.

ولقد أغث أبو الطيب في قوله: لَعَمْرُكَ مامَا بَانَ مِنْكَ لِضَارِبِ وما ضره لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل فقال: لعمرك ما إن بان منك لضارب وقد جعلت إنْ صلة، مثلها فيما أنشده الأخفش: يُرَجّى الْمَرْءُ مَا إنْ لاَ يَرَاهُ ** وَتَعْرِضُ دُونَ أَدْنَاهُ الْخُطُوبُ وتؤوّل بإنا مكناهم في مثل ما مكناكم فيه، والوجه هو الأوّل، ولقد جاء عليه غير آية في القرآن ﴿ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً ورئيا ﴾ ، [مريم: 74] ﴿ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءاثَاراً ﴾ [غافر: 82] وهو أبلغ في التوبيخ، وأدخل في الحث على الاعتبار ﴿ مِّن شَيْء ﴾ أي من شيء من الإغناء، وهو القليل منه.

فإن قلت بم انتصب ﴿ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ ﴾ ؟

قلت: بقوله تعالى: ﴿ فَمَا أغنى ﴾ .

فإن قلت: لم جرى مجرى التعليل؟

قلت: لاستواء مؤدى التعليل والظرف في قولك: ضريته لإساءته وضربته إذا أساء؛ لأنك إذا ضربته في وقت إساءته؛ فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه؛ إلا أن (إذ)، وحيث، غلبتا دون سائر الظروف في ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ ﴾ إنْ نافِيَةٌ وهي أحْسَنُ مِن ما هاهُنا لِأنَّها تُوجِبُ التَّكْرِيرَ لَفْظًا ولِذَلِكَ قُلِبَتْ ألِفُها هاءً في مَهْما، أوْ شَرْطِيَّةٌ مَحْذُوفَةُ الجَوابِ والتَّقْدِيرُ، ولَقَدْ مَكَّنّاهم في الَّذِي أوْ في شَيْءٍ إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ كانَ بَغْيُكم أكْثَرَ، أوْ صِلَةٌ كَما في قَوْلِهِ: يُرَجِّي المَرْءُ ما إنْ لا يَراهُ ∗∗∗ ويَعْرِضُ دُونَ أدْناهُ الخُطُوبُ والأوَّلُ أظْهَرُ وأوْفَقُ لِقَوْلِهِ: ﴿ هم أحْسَنُ أثاثًا ﴾ ﴿ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً ﴾ لِيَعْرِفُوا تِلْكَ النِّعَمَ ويَسْتَدِلُّوا بِها عَلى مانِحِها تَعالى ويُواظِبُوا عَلى شُكْرِها.

﴿ فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ ﴾ مِنَ الإغْناءِ وهو القَلِيلُ.

﴿ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ صِلَةٌ فَما أغْنى وهو ظَرْفٌ جَرى مَجْرى التَّعْلِيلِ مِن حَيْثُ إنَّ الحُكْمَ مُرَتَّبٌ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ وكَذَلِكَ حَيْثُ.

﴿ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ مِنَ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَقَدْ مكناهم فِيمَآ إِن مكناكم فِيهِ} إن نافية اى فيما ما مكناكم فيه الا إن أحسن في اللفظ لما في مجامعة ما مثلها من التكرير المستبشع ألا ترى ان الاصل في مهما ماما فلبشاعة التكرير قبلوا الألف هاء وقد جعلت إن صلة وتؤول بامكناهم في مثل ما مكناكم فيه والوجه هوالأول فقوله تعالى هم احسن اثاثا ورئيا كانوا اكثر منهم واشد قوة وآثارا وما بمعنى الذي أو نكرة موصوفة {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وأبصارا وَأَفْئِدَةً} أي آلات الدرك والفهم {فَمَا أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أبصارهم وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَىْءٍ} أي من شيء من الإغناء وهو القليل منه {إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ}

{بآيات الله} إذ نصب بقوله فَمَا أغنى وجرى مجرى التعليل لاستواء مؤدي التعليل والظرف في قولك ضربته لإساءته وضربته إذ أساء لأنك إذا ضربته في وقت إساءته فإنما ضربته فيه لوجود اساءته فيه الا

ان اذا وحيث غلبتا دون سائر الظروف في ذلك {وَحَاقَ بهم} ونزل بهم {ما كانوا به يستهزؤون} جزاء استهزائهم وهذا تهديد لكفار مكة ثم زادهم تهديد بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ مَكَّنّاهُمْ ﴾ أيْ قَرَّرْنا عادًا وأقْدَرْناهُمْ، و(ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ ( وإنْ ) نافِيَةٌ أيْ في الَّذِي أوْ في شَيْءٍ ما مَكَّنّاكم فِيهِ مِنَ السِّعَةِ والبَسْطَةِ وطُولِ الأعْمارِ وسائِرِ مَبادِي التَّصَرُّفاتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ ولَمْ يَكُنِ النَّفْيُ بِلَفْظِ ( ما ) كَراهَةً لِتَكْرِيرِ اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفَ المَعْنى، ولِذا قالَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ أصْلَ مَهْما ما ما عَلى أنَّ ما الشَّرْطِيَّةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّأْكِيدِ قُلِبَتِ الألِفُ الأُولى هاءً فِرارًا مِن كَراهَةِ التَّكْرارِ، وعابُوا عَلى المُتَنَبِّي قَوْلَهُ: لَعَمْرُكَ ما ما بانَ مِنكَ لَضارِبُ بِأقْتَلَ مِمّا بانَ مِنكَ لَعائِبُ أيْ ما الَّذِي بانَ إلَخْ، يُرِيدُ لِسانَهُ لا يَتَقاعَدُ عَنْ سِنانِهِ هَذا لِلْعائِبِ وذَلِكَ لِلضّارِبِ، وكانَ يَسَعُهُ أنْ يَقُولَ: إنَّ ما بانَ، وإدْخالُ الباءِ لِلنَّفْيِ لا لِلْعَمَلِ عَلى أنَّ إعْمالَ إنْ قَدْ جاءَ عَنِ المُبَرِّدِ، وقِيلَ: (إنْ) شَرْطِيَّةٌ مَحْذُوفَةُ الجَوابِ والتَّقْدِيرُ إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ، وقِيلَ: إنَّها صِلَةٌ بَعْدَ ما المَوْصُولَةِ تَشْبِيهًا بِما النّافِيَةِ وما التَّوْقِيتِيَّةِ، فَهي في الآيَةِ مِثْلُها في قَوْلِهِ: يُرَجِّي المَرْءُ ما أنْ لا يَراهُ ∗∗∗ وتَعْرِضُ دُونَ أدْناهُ الخُطُوبُ أيْ مَكَّنّاهم في مِثْلِ الَّذِي مَكَّنّاكم فِيهِ، وكَوْنُها نافِيَةً هو الوَجْهُ لِأنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في مَواضِعَ وهو أبْلُغُ في التَّوْبِيخِ وأدْخَلُ في الحَثِّ عَلى الِاعْتِبارِ ﴿ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً ﴾ لِيَسْتَعْمِلُوها فِيما خُلِقَتْ لَهُ ويَعْرِفُوا بِكُلٍّ مِنها ما نِيطَتْ بِهِ مَعْرِفَتَهُ مِن فُنُونِ النِّعَمِ ويَسْتَدِلُّوا بِها عَلى شُؤُونِ مُنْعِمِها عَزَّ وجَلَّ ويُداوِمُوا عَلى شُكْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهُمْ ﴾ حَيْثُ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ في اسْتِماعِ الوَحْيِ ومَواعِظِ الرُّسُلِ ﴿ ولا أبْصارُهُمْ ﴾ حَيْثُ لَمْ يَجْتَلُوا بِها الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ المَرْسُومَةَ في صَحائِفِ العالَمِ ﴿ ولا أفْئِدَتُهُمْ ﴾ حَيْثُ لَمْ يَسْتَعْمِلُوها في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ، ( ومِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ والتَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً أيْ ما أغْنى بَعْضَ الإغْناءِ وهو القَلِيلُ، و(ما) في ﴿ فَما أغْنى ﴾ نافِيَةٌ وجُوِّزَ كَوْنُها اسْتِفْهامِيَّةً.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ زِيادَةُ ( مِن ) في الواجِبِ وهو لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ.

ورُدَّ بِأنَّهم قالُوا: تُزادُ في غَيْرِ المُوجَبِ وفَسَّرُوهُ بِالنَّفْيِ والنَّهْيِ والِاسْتِفْهامِ، وإفْرادُ السَّمْعِ في النَّظْمِ الجَلِيلِ وجَمْعُ غَيْرِهِ لِاتِّحادِ المُدْرِكِ بِهِ وهو الأصْواتُ وتَعَدُّدِ مُدْرِكاتِ غَيْرِهِ أوْ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، وأيْضًا مَسْمُوعُهم مِنَ الرُّسُلِ مُتَّحِدٌ.

﴿ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّفْيِ الصَّرِيحِ أوِ الضِّمْنِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما أغْنى ﴾ وهو ظَرْفٌ أُرِيدَ بِهِ التَّعْلِيلُ كِنايَةً أوْ مَجازًا لِاسْتِواءِ مُؤَدّى الظَّرْفِ والتَّعْلِيلُ في قَوْلِكَ: ضَرْبَتُهُ لِإساءَتِهِ وضَرَبْتُهُ إذْ أساءَ لِأنَّكَ إنَّما ضَرَبْتَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِوُجُودِ الإساءَةِ فِيهِ، وهَذا مِمّا غَلَبَ في إذْ وحَيْثُ مِن بَيْنِ سائِرِ الظُّرُوفِ حَتّى كادَ يُلْحَقُ بِمَعانِيهِما الوَضْعِيَّةِ ﴿ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ ويَقُولُونَ: ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ يعني: واذكر لأهل مكة.

ويقال: معناه واصبر على ما يقولون، واذكر هود إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ يعني: خوف قومه بموضع.

يقال له: الأحقاف.

روى منصور، عن مجاهد قال: الأحقاف الأرض.

ويقال: جبل بالشام، ويسمى الأحقاف.

وقال القتبي: الأحقاف جمع حقف، وهو من الرمل ما أشرف من كثبانه، واستطال وانحنى وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ يعني: مضت من قبل هود وَمِنْ خَلْفِهِ يعني: ومن بعده.

أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ يعني: خوفهم أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله، ووحدوه إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني: أعلم أنكم، إن لم تؤمنوا، يصبكم عذاب يوم كبير قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا يعني: لتصرفنا عن عبادة آلهتنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أن العذاب نازل بنا قالَ هود إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ يعني: علم العذاب عند الله، يجيء بأمر الله، وإنَّما عليَّ تبليغ الرسالة، وليس بيدي إتيان العذاب.

فذلك قوله: وَأُبَلِّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ يعني: ما يوحي الله إليَّ لأدعوكم إلى التوحيد وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ لما قيل لكم، ولما يراد بكم من العذاب.

فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ يعني: لما رأوا العذاب مقبلاً، وكانت السحابة إذا جاءت من قبل ذلك الوادي، أمطروا.

وقال القتبي: العارض: السحاب قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا يعني: هذه سحابة، وغيم ممطرنا.

أي: تمطر به حروثنا، لأن المطر كان حبس عنهم.

فقال هود: ليس هذا عارض بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ يعني: الريح والعذاب رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ أي: متلف.

وروى عطاء، عن عائشة قالت: كان رسول الله  ، إذا رأى رياحاً مختلفة تلون وجهه، وتغير وخرج، ودخل وأقبل، وأدبر فذكرت ذلك له فقال: وما يدريك لعله كما قال الله: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ فإذا أمطرت سري عنه ويقول وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الأعراف: 57] .

ثم قال تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها يعني: تهلك الريح كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا، أي: بإذنه تعالى فَأَصْبَحُوا أي: فصاروا من العذاب بحال لاَ يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ وقد ذكرناه في سورة الأعراف.

قرأ حمزة، وعاصم لا يُرَى بضم الياء، مَسَاكِنُهُمْ بضم النون على معنى فعل، ما لم يسم فاعله، يعني: لا يرى شيء، وقد هلكوا كلهم.

وقرأ الباقون لاَّ تَرى بالتاء على معنى المخاطبة.

ومعناه لا ترى شيئاً أيها المخاطب، لو كنت حاضراً، ما رأيت إلا مساكنهم.

ثم قال: كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ يعني: هكذا نعاقب القوم المشركين عند التكذيب وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ يعني: أعطيناهم الملك والتمكين فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ يعني: مَا لم نمكن لكم، ولم نعطكم يا أهل مكة.

وقال القتبي: إن الخفيفة قد تزاد في الكلام، كقول الشاعر: ما إن رأيت ولا سمعت به، يعني: ما رأيت ولا سمعت به، يعني: مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ ومعنى الآية وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وقال الزجاج: إنْ هاهنا مكان ما، يعني: فيما مكناكم فيه.

ويقال معناه: ولقد مكناهم في الذي مكناكم فيه.

وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً يعني: جعلنا لهم سمعاً ليسمعوا المواعظ، وأبصاراً لينظروا في الدلائل، وأفئدة ليتفكروا في خلق الله تعالى.

فَما أَغْنى عَنْهُمْ يعني: لم ينفعهم من العذاب سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إذ لم يسمعوا الهدى، ولم ينظروا في الدلائل، ولم يتفكروا في خلقه إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ يعني: بدلائله وَحاقَ بِهِمْ يعني: نزل بهم من العذاب مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني: العذاب الذي كانوا يجحدون به، ويستهزئون.

قوله تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى يعني: أهلكنا قبلكم يا أهل مكة بالعذاب، ما حولكم من القرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ أي: بينا لهم الدلائل، والحجج، والعلامات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: يرجعون عن كفرهم، قبل أن يهلكوا.

قوله تعالى: فَلَوْلا نَصَرَهُمُ يعني: فهلا نصرهم.

يعني: كيف لم يمنعهم من العذاب الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً يعني: عبدوا مِن دُونِ الله، مَا يتقربون بها إلى الله آلِهَةً يعني: أصناماً، كما قال في آية أخرى مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: 3] بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ يعني: الآلهة لم تنفعهم شيئاً.

ويقال: اشتغلوا بأنفسهم.

ويقال: بطلت عنهم.

وَذلِكَ إِفْكُهُمْ يعني: كذبهم وَما كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: يختلفون.

وذكر أبو عبيدة بإسناده، عن عبد الله بن عباس، أنه قرأ أَفَكَهُمْ بنصب الألف والفاء والكاف.

يعني: ذلك الفعل أضلهم، وأهلكهم وصرفهم عن الحق، وقراءة العامة بضده.

وَذَلِكَ إفْكهم يعني: ذلك الفعل، وهو عبادتهم.

وقولهم: وكذبهم ويقال: وَذَلِكَ إفْكُهُمْ اليوم، كما كان إفك من كان قبلهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ثم أمر تعالى نِبِيَّه بذكر هود وقومه عادٍ على جهة المثال لقريشٍ، وقد تقدَّم قَصَصَ عادٍ مُسْتَوفًى في «سورة الأعراف» ، فلينظر هناك، والصحيحُ من الأقوال أَنَّ بلادَ عادٍ كانت باليمن، ولهم كانَتْ إرَمُ ذاتُ العمادِ، وبِالْأَحْقافِ: جَمْعُ «حِقْفٍ» وهو الجبل المستطيل المُعْوَجُّ/ من الرَّمْلِ.

وقوله سبحانه: وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ خَلَتِ معناه: مضت إلى الأرض الخلاء، والنُّذُرُ جمع نَذِيرٍ، وقولهم: لِتَأْفِكَنا معناه: لِتَصْرِفَنَا، وقولهم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا تصميم منهم على التكذيب، وتعجيز له في زعمهم.

قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦)

وقوله سبحانه: قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ ...

الآية، المعنى: قال لهم هود: إنَّ هذا الوعيد ليس من قِبَلِي، وإنما الأمر فيه إلى اللَّه، وعِلْمُ وقته عنده، وإنَّما عَلَيَّ أَنْ أُبَلِّغَ فقطْ، والضميرُ في رَأَوْهُ يحتمل أنْ يعودَ على العذاب، ويحتمل أنْ يعودَ على الشيء المرئِيِّ الطالِعِ عليهم، وهو الذي فَسَّرَهُ قوله: عارِضاً و «العَارِض» : هو ما يَعْرِضُ في الجَوِّ من السحاب المُمْطِر قال ابن العربيِّ في «أحكامه» عند تفسيره قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ [البقرة: ٢٢٤] : كلَّ شيء عرضٌ، فقد مَنَعَ، ويقال لِمَا عَرَضَ في السَّمَاء من السحَابِ: «عَارِضٌ» لأَنَّه مَنَعَ من رؤيتها ومن رؤية البدر والكواكب، انتهى، ورُوِيَ في معنى قوله: مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ أَنَّ هؤلاء القومَ كانوا قد قَحَطُوا مُدَّةً، فطلع هذا العارض من جهة كانوا يُمْطَرُونَ بها أبداً، جاءهم من قِبَلِ وادٍ لهم يسمونه المُغِيثَ، قال ابن عباس: ففرحوا به، وقالوا: هذا عارضٌ مُمْطِرُنا، وقد كذب هودٌ فيما أوعد به، فقال لهم هود ع: ليس الأمر كما رأيتم، بل هو ما/ استعجلتم به في قولكم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا [الأحقاف: ٢٢] ، ثم قال: رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ وفي قراءة ابن مسعود «١» : «مُمْطِرُنَا قَالَ هُودٌ: بل هو ريح» بإظهار المقدّر وتُدَمِّرُ معناه:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ خَوَّفَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ ﴾ في "إنْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "لَمْ"، فَتَقْدِيرُهُ: فِيما لَمْ نُمَكِّنْكم فِيهِ، [قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ الفَرّاءُ: هي بِمَنزِلَةِ "ما" في الجَحْدِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: في الَّذِي لَمْ نُمَكِّنُكم فِيهِ] .

والثّانِي: أنَّها زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: فِيما مَكَّنّاكم فِيهِ، وحَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْضًا.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ جَعَلَ لَهم آلاتِ الفَهْمِ، فَلَمْ يَتَدَبَّرُوا بِها، ولَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما يَدُلُّهم عَلى التَّوْحِيدِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالأفْئِدَةِ: القُلُوبُ؛ وهَذِهِ الآلاتُ لَمْ تَرُدَّ عَنْهم عَذابَ اللَّهِ.

ثُمَّ زادَ كُفّارَ مَكَّةَ في التَّخْوِيفِ، فَقالَ: ﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى ﴾ كَدِيارِ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ ﴿ وَصَرَّفْنا الآياتِ ﴾ أيْ: بَيَّنّاها ﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ القُرى ﴿ يَرْجِعُونَ ﴾ عَنْ كُفْرِهِمْ.

وهاهُنا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَما رَجَعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ.

﴿ فَلَوْلا ﴾ أيْ: فَهَلّا ﴿ نَصَرَهُمُ ﴾ أيْ: مَنَعَهم مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً ﴾ ؟!

يَعْنِي الأصْنامَ الَّتِي تَقَرَّبُوا بِعِبادَتِها إلى اللَّهِ عَلى زَعْمِهِمْ؛ وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، مَعْناهُ: لَمْ يَنْصُرُوهم ﴿ بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ ﴾ أيْ: لَمْ يَنْفَعُوهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ ﴿ وَذَلِكَ ﴾ يَعْنِي دُعاءَهُمُ الآلِهَةَ ﴿ إفْكُهُمْ ﴾ أيْ: كَذِبُهم.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو عِمْرانَ: "وَذَلِكَ أفَّكَهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَصْرِها وفَتْحِ الفاءِ وتَشْدِيدِها ونَصْبِ الكافِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، والجَحْدَرِيُّ: "أفَكَهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَصْرِها ونَصْبِ الكافِ والفاءِ [وَتَخْفِيفِها] .

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أضَلَّهم.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناها: صَرَفَهم عَنِ الحَقِّ فَجَعَلَهم ضُلّالًا.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأبُو المُتَوَكِّلِ: "آفِكُهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ومَدِّها وكَسْرِ الفاءِ وتَخْفِيفِها ورَفْعِ الكافِ، أيْ: مُضِلُّهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللهِ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأوهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عنهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ المَعْنى: قالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ: إنَّ هَذا الوَعِيدَ لَيْسَ مِن قِبَلِي، وإنَّما الأمْرُ لِلَّهِ تَعالى وعِلْمُ وقْتِهِ عِنْدَهُ، وإنَّما عَلَيَّ أنَّ أُبَلِّغَ فَقَطْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَأُبَلِّغُكُمْ" ﴾ بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في كُلِّ القُرْآنِ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللامِ، و ﴿ أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا مِن أمْرِ اللهِ تَعالى، وتَجْهَلُونَ خَلْقَ أنْفُسِكم.

والضَمِيرُ فِي: ﴿ "رَأوهُ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَذابِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى الشَيْءِ المَرْئِيِّ الطارِئِ عَلَيْهِمْ، وهو الَّذِي فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: ﴿ "عارِضًا"، ﴾ والعارِضُ ما يَعْرِضُ في الجَوِّ مِنَ السَحابِ المُمْطِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّما البَرْقُ في حافاتِهِ الشَعْلُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العارِضُ: الَّذِي في أقْطارِ السَماءِ عَشِيًّا ثُمَّ يُصْبِحُ مِنَ الغَدِ قَدِ اسْتَوى، ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُسْتَقْبِلَ أودِيَتِهِمْ ﴾ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ كانُوا قَدْ قَحَطُوا مُدَّةً، فَطَلَعَ عَلَيْهِمْ هَذا العارِضُ عَلى الهَيْئَةِ والجِهَةِ الَّتِي يُمْطِرُونَ بِها أبَدًا، جاءَهم مِن قِبَلِ وادٍ لَهم يُسَمُّونَهُ المُغِيثَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَفَرِحُوا بِهِ وقالُوا: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا، وقَدْ كَذَبَ هو فِيما أوعَدَ بِهِ، فَقالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما رَأيْتُمْ، بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ في قَوْلِكُمْ: ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا  ﴾ ، ثُمَّ قالَ: ﴿ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " مُمْطِرُنا قالَ هُودٌ بَلْ هُوَ" بِإظْهارِ المُقَدَّرِ، لِأنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ هي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ  ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، أيْ: يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم.

قالَ الزَجّاجُ: وقَرَأ قَوْمٌ: "بَلْ هو ما اسْتُعْجِلْتُمْ بِهِ" بِضَمِّ التاءِ الأُولى وكَسْرِ الجِيمِ، و ﴿ "رِيحٌ" ﴾ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ في قَوْلِهِ: "هُوَ ما"، و ﴿ "مُمْطِرُنا" ﴾ هو نَعْتٌ لـ ﴿ "عارِضٌ"، ﴾ وهو نَكِرَةٌ إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، لِأنَّ التَقْدِيرَ: مُمْطِرٌ لَنا في المُسْتَقْبَلِ، فَهو في حُكْمِ الِانْفِصالِ، وقَدْ مَضى في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ قِصَصُ الرِيحِ الَّتِي هَبَّتْ عَلَيْهِمْ، وأنَّها كانَتْ تَحْمِلُ الظَعِينَةَ كَجَرادَةٍ.

وَ ﴿ "تُدَمِّرُ" ﴾ مَعْناهُ: تُهْلِكُ، والدَمارُ: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: وكانَ لَهم كَبِكْرِ ثَمُودَ لَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ رَغا دَهْرًا فَدَمَّرَهم دَمارًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ ومَعْناهُ: الخُصُوصُ في كُلِّ ما أمَرْتَ بِتَدْمِيرِهِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الرِيحَ رَمَتْهم أجْمَعِينَ في البَحْرِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ: "لا يَرى بِالياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، ﴿ "مَساكِنُهُمْ" ﴾ رَفْعًا.

التَقْدِيرُ: لا يَرى شَيْءٌ مِنهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا تَرى إلّا مَساكِنَهُمْ" أيْ: لا تَرى أيُّها المُخاطَبُ شَيْئًا مِنهُمْ، [وَهِيَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ- ومُجاهِدٍ وعِيسى وطَلْحَةَ ]، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو رَجاءٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ يَعْنِي بِلا خِلافٍ عنهُما خاصَّةً مِمَّنْ ذَكَرَ-: "لا تَرى" بِالتاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقِ مَضْمُومَةٍ ﴿ "إلا مَساكِنُهُمْ" ﴾ رَفْعًا، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ ذِي الرُمَّةِ: كَأنَّهُ جَمَّلَ وهْمٌ وما بَقِيَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا النَجِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ وَنَحْوُ قَوْلِهِ: ...................

∗∗∗ ∗∗∗ فَما بَقِيَتْ إلّا الضُلُوعُ الجَراشِعُ وفِي هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِكْراهٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وعِيسى: "مَسْكَنَهُمْ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ، والجُمْهُورُ عَلى الجَمْعِ في اللَفْظَةِ، ووَجْهُ الإفْرادِ تَصْغِيرُ الشَأْنِ وتَقْرِيبُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا  ﴾ .

ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا -عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ- بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ ﴾ "ما"، بِمَعْنى الَّذِي، و"إنْ" نافِيَةٌ وقَعَتْ مَكانَ "ما" لِيَخْتَلِفَ اللَفْظُ، ولا يَتَّصِلُ "ما" بِ "ما"، لِأنَّ الكَلامَ كَأنَّهُ قالَ: في الَّذِي ما مَكَّنّاكُمْ، ومَعْنى الآيَةِ: ولَقَدْ أعْطَيْناهم مِنَ القُوَّةِ والغِنى والبَسْطَةِ في الأمْوالِ والأجْسامِ ما لَمْ نُعْطِكُمْ، ونالَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ هَذا العَذابُ، فَأنْتُمْ أحْرى بِذَلِكَ إذا كَفَرْتُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنْ" شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: في الَّذِي إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ، وهَذا تَنَطُّعٌ في التَأْوِيلِ.

ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلَيْهِمْ نَعِمَ الحَواسِّ والإدْراكِ، وأخْبَرَ أنَّها لَمْ تُغْنِ حِينَ لَمْ تُسْتَعْمَلْ عَلى ما يَجِبُ، و"ما": نافِيَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما أغْنى عنهُمْ ﴾ ، ويُقَوِّي ذَلِكَ دُخُولَ "مِن" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما أغْنى عنهُمْ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، و ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ -عَلى هَذا- تَأْكِيدٌ، وهَذا عَلى غَيْرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في دُخُولِ "مِن" في الواجِبِ.

و"حاقَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ولَزِمَ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ، والمَعْنى: جَزاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا استخلاص لموعظة المشركين بمَثَل عاد، ليعلموا أن الذي قدَر على إهلاك عاد قادر على إهلاك مَن هم دونهم في القوة والعدد، وليعلموا أن القوم كانوا مثلهم مستجمعين قوى العقل والحسّ وأنهم أهملوا الانتفاع بقواهم فجحدوا بآيات الله واستهزؤوا بها وبوعيده فحاق بهم ما كانوا يستهزئون به، وقريش يعلمون أن حالهم مثل الحال المحكيّة عن أولئك فليتهيّأوا لما سيحلّ بهم.

ولإفادة هذا الاستخلاص غُيّر أسلوب الكلام إلى خطاب المشركين من أهل مكة، فالجملة في موضع الحال من واو الجماعة في ﴿ قالوا أجئتنا ﴾ [الأحقاف: 22] والخبر مستعمل في التعجيب من عدم انتفاعهم بمواهب عقولهم.

وتأكيد هذا الخبر بلام القسم مع أن مفاده لا شك فيه مصروف إلى المبالغة في التعجيب.

والتمكين: إعطاء المَكِنة (بفتح الميم وكسر الكاف) وهي القدرة والقوة.

يقال: مكُن من كذا وتمكن منه، إذا قدر عليه.

ويقال: مكَّنه في كذا، إذا جعل له القدرة على مدخول حرف الظرفية فيفسر بما يليق بذلك الظرف قال تعالى: ﴿ مكنّاهم في الأرض ما لم نمكن لهم ﴾ في سورة الأنعام (6).

فالمعنى: جعلنا لهم القدرة في الذي لم نمكنكم فيه، أي من كل ما يمكّن فيه الأقوام والأمم، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكَّنَّاهم في الأرض ﴾ في أول الأنعام (6) فضمّ إليه ما هنا.

و (ما) من قوله فيما } موصولة.

و ﴿ إن ﴾ نافية، أي في الذي ما مَكَّناكم فيه.

ومعنى مكناكم فيه: مكناكم في مثله أو في نوعه فإن الأجناس والأنواع من الذوات حقائق معنوية لا تتغير مواهبها وإنما تختلف بوجودها في الجزئيات، فلذلك حسن تعدية فعل ﴿ مكناكم ﴾ بحرف الظرفية إلى ضمير اسم الموصول الصادق على الأمور التي مُكنت منها عاد.

ومن بديع النظم أن جاء النفي هنا بحرف ﴿ إنْ ﴾ النافية مع أنَّ النفي بها أقل استعمالا من النفي ب (ما) النافية قصداً هنا لدفع الكراهة من توالي مثلين في النطق وهما (ما) الموصولة و(ما) النافية وإن كان معناهما مختلفاً، ألا ترى أن العرب عوضوا الهاء عن الألف في (مهما)، فإن أصلها: (ما ما) مركبة من (ما) الظرفية و(ما) الزائدة لإفادة الشرط مثل (أينما).

قال في «الكشاف»: ولقد أغَثَّ أبو الطيب في قوله: لعمرك مَا مَا بَان منك لِضَاربٍ *** وأقول ولم يتعقب ابن جنّي ولا غيره ممّن شرح الديوان من قبل على المتنبي وقد وقع مثله في ضرورات شعر المتقدمين كقول خطام المجاشعي: وَصَاليات كَكَمَا يُؤثفَيْنْ *** ولا يغتفر مثله للمولدين.

فأما إذا كانت (ما) نافية وأراد المتكلم تأكيدها تأكيداً لفظياً، فالإتيان بحرف (إنْ) بعد (ما) أحرى كما في قول النابغة: رماد ككحل العين ما إنْ أبينُه *** ونؤيٌ كجذم الحوض أثلم خاشع وفائدة قوله: ﴿ وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة ﴾ أنهم لم ينقصهم شيء من شأنه أي يخلّ بإدراكهم الحق لولا العناد، وهذا تعريض بمشركي قريش، أي أنكم حرمتم أنفسكم الانتفاع بسمعكم وأبصاركم وعقولكم كما حُرموه، والحالة متحدة والسبب متّحد فيوشك أن يكون الجزاء كذلك.

وإفراد السمع دون الأبصار والأفئدة للوجه الذي تقدم في قوله: ﴿ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم ﴾ في سورة الأنعام (46) وقوله: ﴿ أم مَن يملك السمع والأبصار ﴾ في سورة يونس (31).

ومِن } في قوله: ﴿ من شيء ﴾ زائدة للتنصيص على انتفاء الجنس فلذلك يكون ﴿ شيء ﴾ المجرور ب ﴿ من ﴾ الزائدة نائباً عن المفعول المطلق لأن المراد بشيء من الإغناء، وحق ﴿ شيء ﴾ النصب وإنما جُرّ بدخول حرف الجر الزائد.

و ﴿ إذْ ﴾ ظرف، أي مدة جحودهم وهو مستعمل في التعليل لاستواء مؤدى الظرف ومؤدى التعليل لأنه لما جعل الشيء من الإغناء معلقاً نفيُه بزمان جحدهم بآيات الله كما يستفاد من إضافة ﴿ إذْ ﴾ إلى الجملة بعدها، عُلم أن لذلك الزمان تأثيراً في نفي الإغناء.

وآيات الله دلائل إرادته من معجزات رسولهم ومن البراهين الدالة على صدق ما دعاهم إليه.

وقد انطبق مثالهم على حال المشركين فإنهم جحدوا بآيات الله وهي آيات القرآن لأنها جَمَعت حقيقة الآيات بالمعنيين.

وحاق بهم: أحاط بهم ﴿ وما كانوا به يستهزئون ﴾ العذاب، عدل عن اسمه الصريح إلى الموصول للتنبيه على ضلالهم وسوء نظرهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فِيما لَمْ نُمَكِّنْكم فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: فِيما مَكَّنّاكم فِيهِ وإنْ هُنا صِلَةٌ زائِدَةٌ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: وهو أنْ تَكُونَ ثابِتَةً غَيْرَ زائِدَةٍ ويَكُونَ جَوابُها مُضْمَرًا مَحْذُوفًا ويَكُونُ تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ كانَ بَغْيُكم أكْثَرَ وعِنادُكم أشَدَّ.

ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ ﴿ وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً ﴾ الآيَةَ.

يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّنا جَعَلْنا لَهم مِن حَواسِّ الهِدايَةِ ما لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ.

الثّانِي: مَعْناهُ جَعَلْنا لَهم أسْبابَ الدَّفْعِ ما لَمْ يَدْفَعُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ﴾ يقول: لم نمكنكم فيه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولقد مكناهم ﴾ الآية قال: عاد مكنوا في الأرض أفضل ما مكنت فيه هذه الأمة وكانوا أشد قوة وأكثر أولاداً وأطول أعماراً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى ﴾ هاهنا وههنا شيئاً باليمن واليمامة والشام.

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن الزبير رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وتلك إفكهم ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه كان يقرأها ﴿ وذلك أفكهم ﴾ يعني بفتح الألف والكاف.

وقال: أصلهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال ابن عباس: فلم يبق إلا هود ومن آمن معه.

ثم خوف كفار مكة وذكر فضل عاد بالقوة والأجسام عليهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ﴾ قال مقاتل: أي: من الخير والتمكين في الأرض (١) وقال الكلبي: يعني: ملكنا عالاً وأمهلناهم من العمر فيما لم نمكن لكم من العمر والمهلة (٢) قال المبرد: (مَا) في قوله: ﴿ فِيمَا ﴾ بمنزلة (الذي)، و (إِن) بمنزلة (ما) وتقديره: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه (٣) (٤) (٥) وقال ابن قتيبة: معنى الآية: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ﴾ فزيدت (أن) (٦) (٧) ما إنْ رأيتُ ولا سُمِعتُ به ...

كاليَوْمِ طالي أَيْنُقٍ صُهْب (٨) أراد: ما رأيت، وقال لبيد: غُودِرت بعدَهم وكنتُ بطُولِ صُحْبتِهِم ضَنِينَا ...

ما إنْ رِأيْتُ ولا سَمِعْتُ بمِثْلِهِم في العَالَمِينا (٩) ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ  ﴾ .

و (ما) في هذه الآية بمعنى (الذي) فلا يزاد معها (إن) لا يقال: ما إن قبضت ديناراك، بمعنى الذي قبضت ديناراك، ثم ذكر الله تعالى أنهم أعرضوا عن قبول الحجج والتفكر فيما يدلهم على التوحيد مع ما أعطاهم الله تعالى من الحواس التي بها تدرك الأدلة قال: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً ﴾ الآية، وفي هذا تخويف لأهل مكة، وضرب المثل لهم بحالة من قبلهم، فإنهم لما لم يستدلوا على توحيد الله ولم يقبلوا ممن دعاهم إليه لزمتهم الحجة ولم تغن عنهم مدارك الأدلة شيئاً، فأهل مكة إن صنعوا كصنعهم استحقوا مثل عذابهم، ثم زاد في التخويف فقال: (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 26.

(٢) انظر: "تنوير المقباس" 505.

(٣) انظر: "الدر المصون" 6/ 142، و"تفسير الفخر الرازي" 28/ 29.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 6/ 56، و"إعراب القرآن" للنحاس 4/ 170.

(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 446.

(٦) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة 2/ 130، و"تفسير غريب القرآن" ص 408.

(٧) ذكر في "كتاب الاضداد" حول هذه الآية ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ﴾ معناه: في الذي قد مكناكم فيه.

انظر: "كتاب الأضداد" ص 189.

(٨) لم أقف عليه.

(٩) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ ﴾ هذا خطاب لقريش على وجه التهديد أي مكنا عاداً فيما لم نمكنكم فيه من القوة والأموال وغير ذلك، ثم أهلكنا لما كفروا وإن هنا نافية بمعنى ما، وعدل عن ما كراهية لاجتماعها مع التي قبلها، وقيل: إن شرطية، وجوابها محذوف تقديره: إن مكنَّاكم فيه طغيتم، قال ابن عطية: وهذا تنطع في التأويل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وخلف.

﴿ لا يرى ﴾ بالياء التحتانية مبنياً للمفعول ﴿ إلا مساكنهم ﴾ بالرفع: عاصم وحمزة وخلف وسهل ويعقوب.

والباقون ﴿ لا ترى ﴾ على خطاب كل راء ﴿ مساكنهم ﴾ بالنصب ﴿ بل ضلوا ﴾ بإدغام اللام في الضاد: عليّ.

﴿ وإذا صرفنا ﴾ بإدغام الذال في الصاد وكذا ما يشبهه: أبو عمرو وعليّ وهشام وحمزة في رواية خلاد وابن سعدان وأبي عمرو ﴿ يقدر ﴾ فعلاً مضارعاً من القدرة: سهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ عاد ﴾ ط لأن "إذ" يتعلق بأذكر محذوفاً وهو مفعول به.

هذا قول السجاوندي، وعندي أن لا وقف.

وقوله "إذ" بدل الاشتمال من ﴿ أخا عاد ﴾ .

﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ آلهتنا ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تقيب الفاء ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ز لاختلاف الجملتين لفظاً ولكن التقدير وأنا أبلغكم ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ ممطرنا ﴾ ط لتقدير القول ﴿ به ﴾ ط لأن التقدير هذه ريح ﴿ أليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ وأفئدة ﴾ ز لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى للفاء واتحاد الكلام ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ج لتمام الاستفهام ﴿ عنهم ﴾ ج لعطف الجملتين ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ القرآن ﴾ ج لكلمة المجازاة مع الفاء ﴿ أنصتوا ﴾ ج لذلك ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط لتقدير القول ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ يوعدون ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر "كأن" ﴿ نهار ﴾ ط ﴿ بلاغ ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ الفاسقون ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد حكاية شبه المكذبين والأجوبة عنها، وبعد إتمام ما انجر الكلام إليه، أمر نبيه  أن يذكر قومه بقصة هود أعني أخا عاد لأنه واحد منهم.

والأحقاف جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج، ويقال له الشحر من بلاد اليمن.

وقيل: بين عمان ومهرة.

والنذر جمع نذير مصدر أو صفة.

الواو في قوله ﴿ وقد خلت ﴾ إما أن تكون للحال والمعنى أنذرهم وهم عالمون بإنذار الرسل من قبل ومن بعده، وإما أن يكون اعتراضاً والمعنى واذكروا وقت إنذار هود قومه ﴿ ألا تعبدوا إلا الله ﴾ وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك فأذكرهم قوله ﴿ لتأفكنا ﴾ أي لتصرفنا عن عبادة آلهتنا.

قوله ﴿ إنما العلم عند الله ﴾ أي لا علم لي بالوقت الذي عينه الله لتعذيبكم فلا معنى لاستعجالكم ولهذا نسبهم إلى الجهالة، وأيّ جهل أعظم من نسبة نبي الله إلى الكذب.

ومن ترك طريقة الاحتياط ومن استعجال ما فيه هلاكهم، والضمير في قوله ﴿ فلما رأوه ﴾ عائد إلى الموعود، أو هو مبهم يوضحه قوله ﴿ عارض ﴾ أي سحاب عرض في نواحي السماء.

والإضافة في قوله ﴿ مستقبل أوديتهم ﴾ و ﴿ ممطر ﴾ لفظية ولهذا صح وقوعها صفة للنكرة.

والتدمير الإهلاك والاستئصال.

وفي قوله ﴿ بأمر ربها ﴾ إشارة إلى إبطال قول من زعم أن مثل هذه الآثار مستند إلى تأثيرات الكواكب بالاستقلال.

ثم زاد في تخويف كفار مكة وذكر فضل عاد في القوة الجسمانية وفي الأسباب الخارجية عليهم فقال ﴿ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ﴾ قال المبرد:"ما" موصولة و "إن" نافية أي في الذي لم نمكنكم فيه.

وقال ابن قتيبة: "إن" زائدة وهذا فيه ضعف لأن الأصل حمل الكلام على وجه لا يلزم منه زيادة في اللفظ، ولأن المقصود فضل أولئك القوم على هؤلاء حتى يلزم المبالغة في التخويف، وعند تساويهما يفوت هذا المقصود.

وقيل: "إن" للشرط والجزاء مضمر أي في الذي إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر.

وقوله ﴿ من شيء ﴾ أي شيئاً من الإغناء وهو القليل منه.

وقوله ﴿ إذ كانوا ﴾ ظرف لما أغنى وفيه معنى التعليل كقولك "ضربته إذ أساء" قوله ﴿ من القرى ﴾ يريد من قريات عاد وثمود ولوط وغيرهم بالشام والحجاز واليمن، وتصريف الآيات أي تكريرها.

قيل: للعرب المخاطبين والأظهر أنه للماضين لقوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ عن شركهم، والأوّلون حملوه على الالتفات.

ثم وبخهم بأن أصنامهم لم يقدروا على نصرتهم وشفاعتهم.

فقوله ﴿ آلهة ﴾ مفعول ثانٍ ﴿ لا تخذوا ﴾ والمفعول الأول محذوف وهو الراجع إلى ﴿ الذين ﴾ و ﴿ قرباناً ﴾ حال أو مفعول له أي متقربين إلى الله، أو لأجل القربة بزعمهم.

والقربان مصدر أو اسم لما يتقرب به إلى الله عز وجل.

ويجوز أن يكون ﴿ قرباناً ﴾ مفعولاً ثانياً و ﴿ آلهة ﴾ بدلاً أو بياناً.

قوله ﴿ وذلك إفكهم ﴾ أي عدم نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم وقت الحاجة محصول إفكهم وافترائهم، أو عاقبة شركهم وثمرة كذبهم على الله.

وحين بّين أن الإنس من آمن وفيهم من كفر، أراد أن يبين أن نوع الجن أيضاً كذلك.

وفي كيفية الواقعة قولان: أحدهما عن سعيد بن جبير وعليه الجمهور: كانت الجن تسترق فلما رجموا قالوا: هذا إنما حدث في السماء لشيء حدث في الأرض.

فذهبوا يطلبون السبب فوافوا النبي  بمكة يصلي بأصحابه أو منفرداً.

فمنهم من قال صلاة العشاء الآخرة ومنهم من قال صلاة الصبح، فقرأ فيها سورة "اقرأ" فسمعوا القرآن وعرفوا أن ذلك هو السبب.

وعلى هذا لم يكن ذلك بعلم منه  حتى أوحى الله إليه.

والقول الثاني "أنه  أمر بذلك فقال لأصحابه: إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجن فأيكم يتبعني؟

فأتبعه ابن مسعود، فدخل رسول الله  شعب الحجون وخط على ابن مسعود وقال: لا تبرح حتى آتيك.

قال: فسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على النبي  ، ثم علا بالقرآن أصواتهم.

فلما رجع رسول الله  سألته عن اللغط فقال: اختصموا إليّ في قتيل كان بينهم فقضيت فيهم." وفي رواية أخرى "عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله  : أمعك ماء؟

قلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر.

فاستدعاه فصببت على يده فتوضأ فقال: تمرة طيبة وماء طهور." واختلفوا في عددهم: عن ابن عباس: كانوا تسعة من جن نصيبين أو نينوى.

وقال عكرمة: كانوا عشرة من جزيرة الموصل، وزر بن حبيش: كانوا تسعة ومنهم زوبعة.

وقيل: اثني عشر ألفاً.

ولنرجع إلى التفسير.

قوله ﴿ وإذ صرفنا ﴾ معطوف على قوله ﴿ أذكر أخا عاد إذ أنذر ﴾ ومعنى صرفنا أملناهم إليك، والنفر ما دون العشرة ويجمع على أنفار.

والضمير في ﴿ حضروه ﴾ للنبي  أو القرآن ﴿ قالوا ﴾ أي قال بعضهم لبعض ﴿ أنصتوا ﴾ والإنصات السكوت لاستماع الكلام ﴿ فلما قضى ﴾ أي فرغ النبي  من القراءة.

وإنما قالوا ﴿ أنزل من بعد موسى ﴾ لأنهم كانوا يهوداً أو لأنهم لم يسمعوا أمر عيسى قاله ابن عباس ﴿ أجيبوا داعي الله ﴾ عنوا رسول الله أو أنفسهم بناء على أنهم رسل رسول الله  إلى قومهم، ومنه يعلم أنه  كان مبعوثاً إلى الجن أيضاً وهذا من جملة خصائصه.

وحين عمموا الأمر بإجابة الداعي خصصوه بقولهم ﴿ وآمنوا به ﴾ لأن الإيمان أشرف أقسام التكاليف.

و"من" في قوله ﴿ من ذنوبكم ﴾ للتبعيض فمن الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كالمظالم وقد مر في "إبراهيم".

واختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا؟

فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار بقوله ﴿ ويجركم من عذاب أليم ﴾ وهو قول أبي حنيفة.

والصحيح أنهم في حكم بني آدم يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون.

وقد جرت بين مالك وأبي حنيفة مناظرة في هذا الباب.

قوله ﴿ فليس بمعجز ﴾ أي لا يفوته هارب.

قوله ﴿ ولم يعي ﴾ يقال: عييت بالأمر إذا لم يعرف وجهه.

قوله ﴿ بقادر ﴾ في محل الرفع لأنه خبر "أن" وإنما دخلت الباء لاشتمال الآية على النفي كأنه قيل: أليس الله بقادر؟

والمقصود تأكيد ما مر في أول السورة من دلائل البعث والنبوّة.

ثم سلى نبيه  بقوله ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم ﴾ وقوله ﴿ من الرسل ﴾ بيان لأن جميع الرسل أرباب عزم وجد في تبليغ ما أمروا بأدائه، أو هو للتبعيض فنوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم على النار وذبح الولد، وإسحق على الذبح، ويعقوب على فراق الولد، ويوسف على السجن، وأيوب على الضر، وموسى على سفاهة قومه وجهالاتهم، وأما يونس فلم يصبر على دعاء القوم فذهب مغاضباً، وقال الله  في حق آدم ﴿ ولم نجد له عزماً  ﴾ ﴿ ولا تستعجل لهم ﴾ أي لا تدع لكفار قريش بتعجيل العذاب فإنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر، وإنهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا حتى ظنوا أنها ساعة من نهار ﴿ هذا ﴾ الذي وعظهم به كفاية في بابه وقد مر في آخر سورة "إبراهيم"  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: اذكر نبأ أخي عاد، وهو هود -  - بما عامله قومه من سوء المعاملة، وما قاسى هو منهم؛ لتتسلى بذلك [عن] بعض ما عامل به قومك معك، والله أعلم.

والثاني: واذكر نبأ عاد بما نزل بهم من العذاب والاستئصال بتكذيبهم الرسل، والاستكبار عليهم، والاستهزاء بهم؛ لتحذر به قومك في تكذيبك والاستهزاء بك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ ﴾ أي: خوف قومه بالأحقاف.

وقد اختلف في تأويل الأحقاف: [قال بعضهم]: هو اسم أرض خوفهم بنزول العذاب هنالك.

وقال بعضهم: هي جبال من رمل مستطيلة مرتفعة.

وقال القتبي: الأحقاف: واحدة: حقف، وهو الرمل ما أشرف من كثبانه واستطال وانحنى.

وقال أبو عوسجة: الأحقاف: رمل بشحر عمان، وهي منازل عاد فيما زعموا وشحر تلاوة.

وقيل: الحقف: تل معوج.

وقال بعضهم: الأحقاف: الجبل حين نضب الماء زمان الغرف كان ينضب عن المكان من الجبل ويبقى أثره، وينضب من مكان أسفل من ذلك ويبقى أثره دون ذلك؛ فذلك الأحقاف.

وقيل - أيضاً -: الأحقاف: جبل بالشام.

وقيل: هو المكان الذي كان منازل عاد ومقامهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ أي: خلت الرسل من قبل هود [و]من بعده، عليه الصلاة والسلام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ كأن الخطاب بهذا وقع للكل؛ يقول: ثم الرسل - عليهم السلام - ينذرون قومهم بأنواع العذاب عند تكذيبهم إياهم، ولم يزل الرسل - عليهم السلام - من قبل ومن بعد، دعوا الناس إلى عبادة الله -  - ونهوهم عن عبادة غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ أَخَافُ عَلَيْكُمْ ﴾ حقيقة الخوف؛ لما لم ييئس من إيمانهم واتباعهم إياه؛ لذلك لم يقطع فيهم القول بنزول العذاب بهم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون الخوف هو العلم حقيقة؛ أي: أعلم أن ينزل بكم عذاب يوم عظيم إن ختمتم على ما أنتم عليه، وقد يذكر الخوف في موضع العلم.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا ﴾ أي: قالوا لهود -  -: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا.

وقال بعضهم: لتردّنا عن عبادة آلهتنا.

وقال بعضهم: لتكذبنا في آلهتنا، والإفك: الكذب؛ وكله واحد.

وأصل الإفك: الصرف؛ كأنهم قالوا: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ كانوا يقولون ذلك استهزاء به منهم، ولم يزل الكفرة يسألون ويستعجلون العذاب الذي كاوا يوعدون استهزاء منهم وتكذيباً بما يوعدون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ...

﴾ الآية.

أجابهم هود -  - أن العلم بنزول العذاب ووقته عند الله، وأبلغكم ما أرسلت به من الدعاء إلى توحيد الله -  - والنهي عن عبادة غيره.

أو يقول: أبلغكم ما أمرت من التبليغ بنزول العذاب بكم، ولست أبلغكم أنه متى ينزل بكم؟

لما لم أومر به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ﴾ دين الله، أو تجهلون آيات الله وقبولها، أو تجهلون نعم الله وإحسانه، أو تجهلون أمر الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ﴾ .

قال بعضهم: العارض: السحاب، فقالوا: هذا سحاب ممطرنا، وكان حقيقة العارض الريح التي فيها عذاب أليم ظنوا أنها سحاب، ولم تكن سحاباً، ولكن كانت ريحاً، لكن من ذلك الجانب كان يأتيهم السحاب الممطر؛ [لذلك] ﴿ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ ﴾ كأن هوداً -  - قال لهم: ليس هو بعارض ممطر، ولكن هو ما استعجلتم به من العذاب حيث: قلتم: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ هو ريح فيها عذاب أليم.

ثم وصف تلك الريح فقال كما أخبر الله -  - بقوله - عز وجل -: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ يخرج قوله: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ على وجهين: أحدهما: تدمر كل شيء أرسلت وأمرت بتدميره، لا تجاوز أمر ربها، ولا تدمر ما لم ترسل ولم تؤمر بتدميره؛ كقوله -  -: ﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ  مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ  ﴾ هذه الآية تفسر قوله: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أتت عليه وأمرت بتدميره، فأما ما لم تؤمر بتدميره فلا؛ على ما ذكر في تلك الآية، والله أعلم.

والثاني: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أي: عند من عاينها وتأمّلها عنده أنها تدمر كل شيء، لا تبقي شيئاً على وجه الأرض؛ لشدتها وقوتها، لكنها لا تجاوز أمر ربها؛ ألا ترى أنها لا تدمر هوداً وأتباعه، وهم فيهم وبقرب منهم، وهو كقوله -  -: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ  ﴾ أي: يأتيه أسباب الموت وما به يموت لو كان فيه أمر الموت، فعلى ذلك قوله -  -: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أي: تدمر كل شيء عند من عاينها ونظر في أحوالها وأهوالها أن لو كان لها أمر بذلك، لكنها لم تجاوز أمر ربها؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ في ظاهر هذه الآية أنها قد أبقت مساكنهم ولم تدمرها، وكذلك قال في آية أخرى: ﴿ تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ  ﴾ قال بعضهم: إنهم لما التجئوا إلى مساكنهم وهربوا منها كانت تدخل الريح مساكنهم وتخرجهم منها فتلقيهم في صحاريهم وأفنيتهم موتى.

وقال بعضهم: تنزع مفاصلهم، وتقطعها، ثم تلقيهم في أفنيتهم؛ على ما وصف، وشبههم بأعجاز نخل منقعر، فالريح التي تعمل في إخراج أهلها من مساكنهم وإبقائهم في الفيافي، لأن تعمل في هدم المساكن والمنازل أولى، وكذلك إذا عملت في نزع المفاصل وقطعها ففي نقض البنيان والمساكن أولى، ومع ذلك لم تعمل في هدم مساكنهم؛ فدل ما ذكرنا أنها لم تجاوز أمر ربها في الإهلاك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ...

﴾ الآية.

يحتمل: ﴿ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ وجهين: أحدهما: أي: لم تترك الريح من عاد ومما لهم إلا مساكنهم التي ذكر.

والثاني: ﴿ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ إلا آثار مساكنهم.

فعلى أحد التأويلين تركت لهم المساكن، لم تهلكها، وعلى التأويل الآخر: تركت آثار مساكنهم، فأما نفس مساكنهم فقد أهلكتها.

وهذان التأويلان خرجا على ما ذكرنا من التأويلين في قوله -  -: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ ، فالأول على التأويل [الأول] في قوله: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أرسلت وأمرت بتدميره، ولم تؤمر بتدمير مساكنهم، فبقيت، والتأويل الثاني على التأويل الثاني في قوله: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ عند من عاينها ونظر إليها؛ لشدتها وقوتها، فتدمر مساكنهم - أيضاً - فلا ترى إلا آثارها، لكن سماها: مساكن باسم ما قد كان، وأنه أمر مستعمل في عرف لسان اللغة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ كأن المجرم هو الذي يديم اكتساب الجرم والإثم.

وقال بعضهم: هو الوثاب في الجرم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ...

﴾ الآية، [اختلف] فيه: قال بعضهم: ﴿ إِن ﴾ هاهنا في موضع "لم" كأنه يقول: ولقد مكناهم فيما لم نمكن لكم من القوة، والشدة، والعقل، والبصيرة، وغير ذلك، وذلك قوله -  -: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ أي: قد مكنا عاداً فيما ذكرنا ما لم نمكن لكم يأهل مكة في ذلك؛ ثم إذا أتاهم عذاب الله بتكذيبهم الرسل لم يملكوا دفع عذابه، فأنتم حيث لم نمكن لكم ذلك أحرى ألا تملكوا دفع عذابه إذا نزل بكم بتكذيبكم الرسول، عليه الصلاة والسلام.

قال بعضهم: إن حرف ﴿ إِن ﴾ صلة زائدة؛ فيكون تقدير الآية كأن يقول: ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه مما ذكر من السمع، والبصر، والفؤاد، ثم لم يملكوا دفع العذاب عن أنفسهم، فأنتم لا تملكون - أيضاً - دفعه عن أنفسكم، وكان لهم ما لكم مما ذكر من السمع، والبصر، والفؤاد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ على التأويل الأول؛ حيث ذكرنا أنهم مكنوا ما لم يمكن هؤلاء، يكون ما ذكر من السمع والبصر والفؤاد لا يراد به أعيانها حقيقة، لكن السمع يكون كناية عن العقل؛ كقوله -  -: ﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ  ﴾ ذكر السمع، ثم فسر به العقل، ويكون قوله: ﴿ وَأَبْصَاراً ﴾ أريد به: البصائر، فالبصر يذكر ويراد به البصيرة؛ إذ قد وصفهم الله -  - بذلك بقوله: ﴿ وَعَاداً وَثَمُودَاْ...

 ﴾ إلى قوله ﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ  ﴾ ويكون قوله: ﴿ وَأَفْئِدَةً ﴾ كناية عن القوى؛ فالفؤاد يكنى به عن القوة؛ يخبر -  - أنهم مكنوا من العقل والبصيرة والقوة ما لم تمكنوا أنتم يأهل مكة، ثم لم يقدروا على دفع عذاب الله إذا نزل بهم، فأنتم كيف تملكون دفعه، وليس لكم تلك الأسباب؟!

وعلى التأويل الثاني: كأن المراد هو حقيقة ما ذكر من السمع، والبصر، والفؤاد؛ فيكون معناه ما ذكرنا: أن لكم هذه الأسباب مثل ما لهم، ثم هم لم يقدروا على دفع ما حل بهم من العذاب، فأنتم لم تقدروا أيضاً بها، والله أعلم.

ثم بين الله -  وتعالى - الذي بهم نزل ما نزل من العذاب؛ حيث قال: ﴿ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ وكان استهزاؤهم مرة بما يوعد لهم الرسل - عليهم السلام - بالعذاب، ومرة كانوا يستهزئون بالرسل - عليهم السلام - لما يدعوهم إلى ما دعوا، والله أعلم.

ثم عذب عاداً بالريح التي وصفها الله -  - في سورة الحاقة، وذكر فيها؛ حيث قال: ﴿ وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴾ آية [الحاقة: 6] أي: شديدة عادية ﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً...

﴾ الآية [الحاقة: 7]، وقال في آية أخرى: ﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ ﴾ خلق الله -  - البشر على طبع وبنية وحال يحذرون ما ينزل بأشكالهم وأمثالهم بذنوب ارتكبوها، ويتعظون بغيرهم؛ فكأنه يقول: احذروا صنع الذين أهلكوا من حولكم وبقربكم؛ لئلا ينزل بكم ما نزل بأولئك الذين أهلكوا حولكم؛ ليرتدعوا عن ذلك، وألا يعاملوا رسوله كما عامل أولئك حتى لا ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل وعنادهم واستهزائهم بهم؛ يحذرهم ما نزل بأولئك الذين أهلكوا حولهم؛ ليرتدعوا عن ذلك، وألا يعاملوا رسوله كما عامل أولئك حتى لا ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ ، قوله: ﴿ وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: جعلنا للرسل - عليهم السلام - آيات أقاموها على قومهم ما يعلمهم ذلك، ويخبرهم على صدقهم، فردّوها وكذبوهم بها، فعند ذلك أهلكناهم، فعلى ذلك جعلنا لمحمد  من الآيات ما تعلمكم يأهل مكة وتخبركم عن صدقه، وتدلكم على رسالته، فلا تردوها حتى لا ينزل بكم ما نزل بهم، والله أعلم.

والثاني: ﴿ وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ ﴾ أي: نشرنا في الآفاق والأطراف النائية ما حل بأولئك ونزل بهم بتكذيب الرسل، وما كان منهم من العناد والرد ما يلزم من بلغه ذلك الخبر، واتصل به ما نزل بأولئك الرجوع عن مثل صنيعهم، ومثل معاملتهم.

فأحد التأويلين يرجع إلى انتشار ما نزل بأولئك في الآفاق؛ ليرجعوا عن ذلك؛ فيصير ذلك آية لهم؛ فيحملهم على الرجوع عن صنيع أولئك؛ ليرجعوا عن ذلك.

والثاني: إخبار أنه جعل لكل رسول ونبي آية على صدقه، ودلالة على رسالته؛ أي: لم يهلكهم إلا بعد لزومهم التصديق لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يرجع إلى الله -  - والآخر: يرجع إلى الأصنام التي عبدوها واتخذوها آلهة: فأما الذي يرجع إلى الله  يقول: لولا نصرهم الله؛ أي: هلا نصرهم الله عند نزول العذاب بهم ولا يهلكهم لو كان عبادتهم الأصنام مما تقربهم إلى الله زلفى، ويكونون شفعاء عنده، يقول - والله أعلم -: لو كان ظنكم حقّاً أن ذلك مما يقربكم إلى الله هلا نصركم الله عند نزول ذلك بكم، فإذا لم ينصر الله -  - أولئك بل أهلكهم فاعلموا أنه ليس الأمر كما توهمتم وظننتم، والله أعلم.

والثاني: يقول - والله أعلم -: لو كان للأصنام التي تعبدونها شفاعة عند الله -  - على ما زعمتم هلا نصروا أولئك ودفعوا الهلاك عنهم بشفاعتهم، وإذ لم يفعلوا ذلك، ولم ينصروهم، ولم يدفعوا عنهم، فعلى ذلك لا يملكون دفع ذلك عنكم إذا نزل بكم [ما نزل] بأولئك، والله أعلم.

وتفسير ﴿ فَلَوْلاَ ﴾ هاهنا: هلا، وهلا تستعمل في الماضي؛ فيكون معناه: لم تفعل؛ أي: لم تنصرهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ ﴾ أي: ظل هؤلاء عنها.

أو ضل الأصنام عنهم، فلم يكن لهم منهم ما طمعوا ورجوا بسبب عبادتهم إياها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ يحتمل أن يكون إفكهم وافتراؤهم هو قولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد أعطينا قوم هود من أسباب التمكين ما لم نعطكم إياه، وجعلنا لهم أسماعًا يسمعون بها، وأبصارًا يبصرون بها، وقلوبًا يعقلون بها، فما أغنت عنهم أسماعهم ولا أبصارهم ولا عقولهم من شيء، فلم تدفع عنهم عذاب الله لما جاءهم، إذ كانوا يكفرون بآيات الله، ونزل بهم ما كانوا يستهزئون به من العذاب الذي خوّفهم منه نبيهم هود  .

<div class="verse-tafsir" id="91.JmE7P"

مزيد من التفاسير لسورة الأحقاف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل