الآية ١٨ من سورة الفتح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ١٨ من سورة الفتح

۞ لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَـٰبَهُمْ فَتْحًۭا قَرِيبًۭا ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 130 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة الفتح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة الفتح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة ، وقد تقدم ذكر عدتهم ، وأنهم كانوا ألفا وأربعمائة ، وأن الشجرة كانت سمرة بأرض الحديبية .

قال البخاري : حدثنا محمود ، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن طارق بن عبد الرحمن قال : انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون ، فقلت ما هذا المسجد ؟

قالوا : هذه الشجرة ، حيث بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان ، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته ، فقال سعيد : حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة .

قال : فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها ، فقال سعيد : إن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يعلموها وعلمتموها أنتم ، فأنتم أعلم .

وقوله : ( فعلم ما في قلوبهم ) أي : من الصدق والوفاء ، والسمع والطاعة ، ( فأنزل السكينة ) : وهي الطمأنينة ، ( عليهم وأثابهم فتحا قريبا ) : وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم ، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة ، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم ، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة ; ولهذا قال :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) يقول تعالى ذكره: لقد رضي الله يا محمد عن المؤمنين ( إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) يعني بيعة أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وسول الله بالحديبية حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب, وعلى أن لا يفرّوا, ولا يولوهم الدبر تحت الشجرة, وكانت بيعتهم إياه هنالك فيما ذكر تحت شجرة.

وكان سبب هذه البيعة ما قيل: إن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه برسالته إلى الملإ من قريش, فأبطأ عثمان عليه بعض الإبطاء, فظنّ أنه قد قتل, فدعا أصحابه إلى تجديد البيعة على حربهم على ما وصفت, فبايعوه على ذلك, وهذه البيعة التي تسمى بيعة الرضوان, وكان الذين بايعوه هذه البيعة فيما ذُكر في قول بعضهم: ألفا وأربع مئة, وفي قول بعضهم: ألفا وخمس مئة, وفي قول بعضهم: ألفا وثلاث مئة.

ذكر الرواية بما وصفنا من سبب هذه البيعة: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, قال: ثني بعض أهل العلم أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم دعا خراش بن أمية الخزاعي, فبعثه إلى قريش بمكة, وحمله على جمل له يقال له الثعلب, ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له, وذلك حين نـزل الحديبية, فعقروا به جمل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, وأرادوا قتله, فمنعه الأحابيش فخلوا سبيله, حتى أتى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .

قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: فحدثني من لا أتهم, عن عكرِمة مولى ابن عباس: " أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة, فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له, فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي, وليس بمكة من بني عديّ بن كعب أحد يمنعني, وقد عرفت قريش عداوتي إياها, وغلظتي عليهم, ولكني أدلك على رجل هو أعزّ بها مني عثمان بن عفان, فدعا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عثمان, فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب, وإنما جاء زائرا لهذا البيت, معظما لحرمته, فخرج عثمان إلى مكة, فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها, فنـزل عن دابته, فحمله بين يديه, ثم ردفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش, فبلغهم عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ما أرسله به, فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به, قال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فاحتبسته قريش عندها, فبلغ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم والمسلمين أن عثمان قد قُتل " .

قال: ثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, قال: فحدثني عبد الله بن أبي بكر " أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حين بلغه أن عثمان قد قتل, قال: لا نَبْرَحُ حتى نُناجِزَ القَوْمَ, ودعا الناس إلى البيعة, فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة, فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على الموت فكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لم يبايعنا على الموت, ولكنه بايعنا على أن لا نفر, فبايع رسول الله الناسُ, ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة, كان جابر بن عبد الله يقول: لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته, قد اختبأ إليها, يستتر بها من الناس, ثم أتى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن الذي ذُكر من أمر عثمان باطل ".

حدثنا محمد بن عمارة الأسديّ, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا موسى بن عبيدة, عن إياس بن سلمة, قال: قال سلمة: " بينما نحن قائلون زمن الحديبية, نادى منادي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: أيها الناس البيعة البيعة, نـزل روح القدس صلوات الله عليه, قال: فثرنا إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, وهو تحت شجرة سمرة, قال: فبايعناه, وذلك قول الله ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ).

جدثنا عبد الحميد بن بيان اليشكري, قال: ثنا محمد بن يزيد, عن إسماعيل, عن عامر, قال: كان أوّل من بايع بيعة الرضوان رجل من بني أسد يقال له أبو سنان بن وهب.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا يحيى بن حماد, قال: ثنا همام, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, قال: كان جدّي يقال له حَزْن, وكان ممن بايع تحت الشجرة, فأتيناها من قابل, فعُمِّيت علينا.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا يحيى بن حماد, قال: ثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني عمرو بن الحارث, عن بُكير بن الأشجّ " أنه بلغه أن الناس بايعوا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على الموت, فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: عَلَى ما اسْتَطَعْتُمْ .

والشجرة التي بُويع تحتها بفج نحو مكة, وزعموا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرّ بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة, فقال: أين كانت, فجعل بعضهم يقول هنا, وبعضهم يقول: ههنا, فلما كثر اختلافهم قال: سيروا هذا التكلف فذهبت الشجرة وكانت سمرة إما ذهب بها سيل, وإما شيء سوى ذلك ".

* ذكر عدد الذين بايعوا هذه البيعة: وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في عددهم, ونذكر الروايات عن قائلي المقالات التي ذكرناها إن شاء الله تعالى.

* ذكر من قال: عددهم ألف وأربع مئة: حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي, قال: ثنا أبي, عن أبيه, عن جده, عن الأعمش, عن أبي سفيان عن جابر, قال: " كنا يوم الحُديبية ألفا وأربع مئة, فبايعنا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على أن لا نفرّ, ولم نبايعه على الموت, قال: فبايعناه كلنا إلا الجدَّ بن قيس اختبأ تحت إبط ناقته ".

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, أخبرني القاسم بن عبد الله بن عمرو, عن محمد بن المنكدر, عن جابر بن عبد الله " أنهم كانوا يوم الحُديبية أربع عشرة مئة, فبايعنا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وعمر آخذ بيده تحت الشجرة, وهي سمرة, فبايعنا غير الجدّ بن قيس الأنصاريّ, اختبأ تحت إبط بعيره, قال جابر: بايعنا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على أن لا نفرّ ولم نبايعه على الموت ".

حدثنا يوسف بن موسى القطان, قال: ثنا هشام بن عبد الملك وسعيد بن شرحبيل المصري, قالا ثنا ليث بن سعد المصري قال: ثنا أبو الزبير, عن جابر, قال: " كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مئة, فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة, فبايعناه على أن لا نفرّ, ولم نبايعه على الموت, يعني النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى, قالا ثنا ابن أبي عديّ, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, أنه قيل له: " إن جابر بن عبد الله يقول: إن أصحاب الشجرة كانوا ألفا وخمس مئة, قال سعيد: نسي جابر هو قال لي كانوا ألفا وأربع مئة ".

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني محمد بن إسحاق, عن الأعمش, عن أبي سفيان, عن جابر قال: كنا أصحاب الحُديبية أربع عشرة مئة.

* ذكر من قال: كان عدتهم ألفا وخمس مئة وخمسة وعشرين: حدثنا محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) قال: كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفا وخمس مئة وخمسة وعشرين.

حدثني بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: " الذين بايعوا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم تحت الشجرة, فجعلت لهم مغانم خيبر كانوا يومئذ خمس عشرة مئة, وبايعوا على أن لا يفرّوا عنه ".

* ذكر من قال: كانوا ألفا وثلاث مئة: حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا أبو داود, قال: ثنا شعبة, عن عمرو بن مرّة, قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: " كانوا يوم الشجرة ألفا وثلاث مئة, وكانت أسلم يومئذ من المهاجرين ".

وقوله ( فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ) يقول تعالى ذكره: فعلم ربك يا محمد ما في قلوب المؤمنين من أصحابك إذ يبايعونك تحت الشجرة, من صدق النية, والوفاء بما يبايعونك عليه, والصبر معك ( فَأَنـزلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ) يقول: فأنـزل الطمأنينة, والثبات على ما هم عليه من دينهم وحُسن بصيرتهم بالحقّ الذي هداهم الله له.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنـزلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ) : أي الصبر والوقار.

وقوله ( وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) يقول: وعوّضهم في العاجل مما رجوا الظفر به من غنائم أهل مكة بقتالهم أهلها فتحا قريبا, وذلك فيما قيل: فتح خيبر.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن الحكم, عن ابن أبي ليلى ( وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) قال: خيبر.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) وهي خيبر.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قوله ( وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) قال: بلغني أنها خيبر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا[ ص: 250 ] قوله تعالى : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة هذه بيعة الرضوان ، وكانت بالحديبية ، وهذا خبر الحديبية على اختصار : وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام منصرفه من غزوة بني المصطلق في شوال ، وخرج في ذي القعدة معتمرا ، واستنفر الأعراب الذين حول المدينة فأبطأ عنه أكثرهم ، وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن اتبعه من العرب ، وجميعهم نحو ألف وأربعمائة .

وقيل : ألف وخمسمائة .

وقيل : غير هذا ، على ما يأتي .

وساق معه الهدي ، فأحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليعلم الناس أنه لم يخرج لحرب ، فلما بلغ خروجه قريشا خرج جمعهم صادين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المسجد الحرام ودخول مكة ، وإنه إن قاتلهم قاتلوه دون ذلك ، وقدموا خالد بن الوليد في خيل إلى ( كراع الغميم ) فورد الخبر بذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ( بعسفان ) وكان المخبر له بشر بن سفيان الكعبي ، فسلك طريقا يخرج به في ظهورهم ، وخرج إلى الحديبية من أسفل مكة ، وكان دليله فيهم رجل من أسلم ، فلما بلغ ذلك خيل قريش التي مع خالد جرت إلى قريش تعلمهم بذلك ، فلما وصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الحديبية بركت ناقته - صلى الله عليه وسلم - فقال الناس : خلأت خلأت فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة ، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة رحم إلا أعطيتهم إياها .

ثم نزل - صلى الله عليه وسلم - هناك ، فقيل : يا رسول الله ، ليس بهذا الوادي ماء فأخرج عليه الصلاة والسلام سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه ، فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش بالماء الرواء حتى كفى جميع الجيش .

وقيل : إن الذي نزل بالسهم في القليب ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي وهو سائق بدن النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ .وقيل : نزل بالسهم في القليب البراء بن عازب ، ثم جرت السفراء بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين كفار قريش ، وطال التراجع والتنازع إلى أن جاء سهيل بن عمرو العامري ، فقاضاه على أن ينصرف - عليه الصلاة والسلام - عامه ذلك ، فإذا كان من قابل أتى معتمرا ودخل هو وأصحابه مكة بغير سلاح ، حاشا السيوف في قربها فيقيم بها ثلاثا ويخرج ، وعلى أن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام ، يتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا ، وعلى أن من جاء من الكفار إلى المسلمين مسلما من رجل أو امرأة رد إلى الكفار ، ومن جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدا لم يردوه إلى المسلمين ، فعظم ذلك على المسلمين حتى [ ص: 251 ] كان لبعضهم فيه كلام ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم بما علمه الله من أنه سيجعل للمسلمين فرجا ، فقال لأصحابه اصبروا فإن الله يجعل هذا الصلح سببا إلى ظهور دينه فأنس الناس إلى قوله هذا بعد نفار منهم ، وأبى سهيل بن عمرو أن يكتب في صدر صحيفة الصلح : من محمد رسول الله ، وقالوا له : لو صدقناك بذلك ما دفعناك عما تريد فلا بد أن تكتب : باسمك اللهم .

فقال لعلي وكان يكتب صحيفة الصلح : امح يا علي ، واكتب باسمك اللهم فأبى علي أن يمحو بيده ( محمد رسول الله ) فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اعرضه علي فأشار إليه فمحاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده ، وأمره أن يكتب [ من محمد بن عبد الله ] .وأتى أبو جندل بن سهيل يومئذ بأثر كتاب الصلح وهو يرسف في قيوده ، فرده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبيه ، فعظم ذلك على المسلمين ، فأخبرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبر أبا جندل [ أن الله سيجعل له فرجا ومخرجا ] .

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الصلح قد بعث عثمان بن عفان إلى مكة رسولا ، فجاء خبر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن أهل مكة قتلوه ، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينئذ إلى المبايعة له على الحرب والقتال لأهل مكة ، فروي أنه بايعهم على الموت .

وروي أنه بايعهم على ألا يفروا .

وهي بيعة الرضوان تحت الشجرة ، التي أخبر الله تعالى أنه رضي عن المبايعين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحتها .

وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم لا يدخلون النار .

وضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيمينه في شماله لعثمان ، فهو كمن شهدها .

وذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال : أول من بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية أبو سفيان الأسدي .

وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال : كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة ، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة ، وقال : بايعناه على ألا نفر ولم نبايعه على الموت وعنه أنه سمع جابرا يسأل : كم كانوا يوم الحديبية ؟

قال : كنا أربع عشرة مائة ، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة ، فبايعناه ، غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره .

وعن سالم بن أبي الجعد قال : سألت جابر بن عبد الله عن أصحاب الشجرة .

فقال : لو كنا مائة ألف لكفانا ، كنا [ ص: 252 ] ألفا وخمسمائة .

وفي رواية : كنا خمس عشرة مائة .

وعن عبد الله بن أبي أوفى قال : كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة ، وكانت أسلم ثمن المهاجرين .

وعن يزيد بن أبي عبيد قال : قلت لسلمة : على أي شيء بايعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية ؟

قال : على الموت .

وعن البراء بن عازب قال : كتب علي - رضي الله عنه - الصلح بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين يوم الحديبية ، فكتب : هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : لا تكتب رسول الله ، فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي : [ امحه ] .

فقال : ما أنا بالذي أمحاه ، فمحاه النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده .

وكان فيما اشترطوا : أن يدخلوا مكة فيقيموا فيها ثلاثا ، ولا يدخلها بسلاح إلا جلبان السلاح .

قلت لأبي إسحاق وما جلبان السلاح ؟

قال : القراب وما فيه .

وعن أنس : أن قريشا صالحوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم سهيل بن عمرو ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي : [ اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ] فقال سهيل بن عمرو : أما بسم الله ، فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم ولكن اكتب ما نعرف : باسمك اللهم .

فقال : [ اكتب من محمد رسول الله ] قالوا : لو علمنا أنك رسوله لاتبعناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : [ اكتب من محمد بن عبد الله ] فاشترطوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن من جاء منكم لم نرده عليكم ، ومن جاءكم منا رددتموه علينا .

فقالوا : يا رسول الله ، أنكتب هذا قال : [ نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا ] .وعن أبي وائل قال : قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال يا أيها الناس ، اتهموا أنفسكم ، لقد كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا ، وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين .

فجاء عمر بن الخطاب - - رضي الله عنه - فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، ألسنا على حق وهم على باطل ؟

قال [ بلى ] قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟

قال [ بلى ] قال ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟

فقال [ يا بن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا ] قال : فانطلق عمر ، فلم يصبر متغيظا فأتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر ، ألسنا [ ص: 253 ] على حق وهم على باطل ؟

قال بلى ، قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟

قال بلى .

قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟

فقال : يا بن الخطاب ، إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا .

قال : فنزل القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالفتح ، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه ، فقال : يا رسول الله ، أوفتح هو ؟

قال [ نعم ] .

فطابت نفسه ورجع .قوله تعالى : فعلم ما في قلوبهم من الصدق والوفاء ، قاله الفراء .

وقال ابن جريج وقتادة : من الرضا بأمر البيعة على ألا يفروا .

وقال مقاتل : من كراهة البيعة على أن يقاتلوا معه على الموت .

فأنزل السكينة عليهم حتى بايعوا .

وقيل : فعلم ما في قلوبهم من الكآبة بصد المشركين إياهم وتخلف رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - عنهم ، إذ رأى أنه يدخل الكعبة ، حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [ إنما ذلك رؤيا منام ] .

وقال الصديق : لم يكن فيها الدخول في هذا العام .والسكينة : الطمأنينة وسكون النفس إلى صدق الوعد .

وقيل : الصبر .

وأثابهم فتحا قريبا قال قتادة وابن أبي ليلى : فتح خيبر .

وقيل : فتح مكة .

وقرئ ( وآتاهم )

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى بفضله ورحمته، برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المبايعة التي بيضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة، وكان سبب هذه البيعة -التي يقال لها "بيعة الرضوان" لرضا الله عن المؤمنين فيها، ويقال لها "بيعة أهل الشجرة" - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائرا هذا البيت، معظما له، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان لمكة في ذلك، فجاء خبر غير صادق، أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من معه من المؤمنين، وكانوا نحوا من ألف وخمسمائة، فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين، وأن لا يفروا حتى يموتوا، فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات وأجل القربات، { فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } من الإيمان، { فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ } شكرا لهم على ما في قلوبهم، زادهم هدى، وعلم ما في قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله، فأنزل عليهم السكينة تثبتهم، وتطمئن بها قلوبهم، { وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } وهو: فتح خيبر، لم يحضره سوى أهل الحديبية، فاختصوا بخيبر وغنائمها، جزاءا لهم، وشكرا على ما فعلوه من طاعة الله تعالى والقيام بمرضاته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك ) بالحديبية على أن يناجزوا قريشا ولا يفروا ) تحت الشجرة ) وكانت سمرة ، قال سعيد بن المسيب : حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة ، قال : فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها .

وروي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مر بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة ، فقال : أين كانت ؟

فجعل بعضهم يقول : هاهنا ، وبعضهم : هاهنا ، فلما كثر اختلافهم قال : سيروا ، قد ذهبت الشجرة .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان قال عمرو : سمعت جابر بن عبد الله قال : قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية : " أنتم خير أهل الأرض " ، وكنا ألفا وأربعمائة ، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، عن مسلم بن الحجاج ، حدثنا محمد بن حاتم ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يسأل : كم كانوا يوم الحديبية ؟

قال : كنا أربع عشرة مائة فبايعناه ، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة ، وهي سمرة ، فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره .

وروى سالم عن جابر قال : كنا خمس عشرة مائة .

وقال عبد الله بن أبي أوفى : كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة ، وكانت أسلم ثمن المهاجرين .

وكان سبب هذه البيعة - على ما ذكره محمد بن إسحاق عن أهل العلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا خراش بن أبي أمية الخزاعي حين نزل الحديبية ، فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على جمل له ، يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له ، فعقروا به جمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش ، فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة ، فقال : يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي ، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني ، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ، ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني : عثمان بن عفان ، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عثمان ، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب ، وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته ، فخرج عثمان إلى مكة ، فلقيه أبان بن سعد بن العاص حين دخل مكة ، أو قبل أن يدخلها ، فنزل عن دابته وحمله بين يديه ، ثم أردفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال عظماء قريش لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به ، قال : ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاحتبسته قريش عندها ، فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين أن عثمان قد قتل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا نبرح حتى نناجز القوم " ، ودعا الناس إلى البيعة ، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة .

وكان الناس يقولون : بايعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الموت ، قال بكر بن الأشج : بايعوه على الموت ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بل على ما استطعتم " .

وقال جابر بن عبد الله ومعقل بن يسار : لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر ، فكان أول من بايع بيعة الرضوان من بني أسد يقال له أبو سنان بن وهب ، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا جد بن قيس أخو بني سلمة ، قال جابر : لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته مستترا بها من الناس ، ثم أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه ، حدثنا علي بن أحمد بن نضرويه ، حدثنا أبو عمران موسى بن سهل بن عبد الحميد الجوني ، حدثنا محمد بن رمح ، حدثنا الليث بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة " .

قوله - عز وجل - : ( فعلم ما في قلوبهم ) من الصدق والوفاء ( فأنزل السكينة ) الطمأنينة والرضا ( عليهم وأثابهم فتحا قريبا ) يعني فتح خيبر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك» بالحديبية «تحت الشجرة» هي سمرة، وهم ألف وثلثمائة أو أكثر ثم بايعهم على أن يناجزوا قريشا وأن لا يفروا من الموت «فعلم» الله «ما في قلوبهم» من الصدق والوفاء «فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا» هو فتح خيبر بعد انصرافهم من الحديبية.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لقد رضي الله عن المؤمنين حين بايعوك -أيها النبي- تحت الشجرة (وهذه هي بيعة الرضوان في "الحديبية") فعلم الله ما في قلوب هؤلاء المؤمنين من الإيمان والصدق والوفاء، فأنزل الله الطمأنينة عليهم وثبَّت قلوبهم، وعوَّضهم عمَّا فاتهم بصلح "الحديبية" فتحًا قريبًا، وهو فتح "خيبر"، ومغانم كثيرة تأخذونها من أموال يهود "خيبر".

وكان الله عزيزًا في انتقامه من أعدائه، حكيمًا في تدبير أمور خلقه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين الصادقين ببشارات متنوعة ، ومدحهم مدحا عظيما ، وبين - سبحانه - أن سنته فى خلقه لن تتخلف ، فقال - تعالى - : ( لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين .

.

.

بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ) .واللام فى قوله - تعالى - : ( لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة .

.

.

) هى الموطئة للقسم ، وتسمى هذه البيعة الرضوان .والشجرة : كانت بالحديبية ، وقد جلس - صلى الله عليه وسلم - تحتها ليبايع أصحابه على الموت أو على عدم الفرار ، فبايعوه على ذلك - ما عدا بعض المنافقين - ، وقد كان الناس بعد ذلك يترددون على تلك الشجرة ويصلون تحتها ، ويدعون الله - تعالى - فأمر عمر - رضى الله عنه - قطعها خشية الافتتان بها .

أى : والله لقد رضى الله - تعالى - عن المؤمنين الذين بايعوك - أيها الرسول الكريم - تحت الشجرة ، على الموت من أجل إعلاء كلمة ربهم .وفى هذه الجملة أسمى وأعلى ما يتمناه إنسان ، وهو رضا الله - تعالى - عنه ودخوله فى زمرة العباد الذين ظفروا بمغفرته - سبحانه - ورحمته .قال الآلوسى - رحمه الله - : والتعبير بالمضارع لاستحضار صورة هذه المبايغة .

وقوله - سبحانه - : ( تَحْتَ الشجرة ) متعلق بيبايعونك .

.

وفى التقييد بذلك إشارة إلى مزيد وقع تلك المبايعة فى النفوس .

ولذا استوجبت رضا الله - تعالى - الذى لا يعادله شئ ، ويستتبع مالا يكاد يخطر على البال .ويكفى فيما ترتب على ذلك ما أخرجه أحمد عن جابر ، ومسلم عن أم بشر ، عنه ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة " .وصح برواية الشيخين وغيرهما فى أولئك المؤمنين من حديث جابر ، أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لهم " أنتم خير أهل الأرض .

.

" .وقوله - تعالى - : ( فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ) بشارة أخرى لهؤلاء المؤمنين الصادقين .أى : لقد رضى - سبحانه - عن الذين بايعوك تحت الشجرة - أيها الرسول الكريم - حيث علم ما فى قلوبهم من الصدق والإِخلاص وإيثار الآخرة على الأولى ، فأنزل السكينة والطمأنينة والأمان عليهم ، ( وَأَثَابَهُمْ ) أى : وأعطاهم منحهم فتحا قريبا ، وهو فتح خيبر ، الذى كان بعد صلح الحديبية بأقل من شهرين .وقيل المراد به : فتح مكة ، والأول أرجح ، لأن فتح خيبر لم يكن فتح أقرب منه ، ولأن المسلمين قد أصابوا من فتح خيبر غنائم كثيرة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن طاعة كل واحد منهما طاعة الآخر فجمع بينهما بياناً لطاعة الله، فإن الله تعالى لو قال: ومن يطع الله، كان لبعض الناس أن يقول: نحن لا نرى الله ولا نسمع كلامه، فمن أين نعلم أمره حتى نطيعه؟

فقال طاعته في طاعة رسوله وكلامه يسمع من رسوله.

ثم قال: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ﴾ أي بقلبه، ثم لما بيّن حال المخلفين بعد قوله: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله  ﴾ عاد إلى بيان حالهم وقال: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من الصدق كما علم ما في قلوب المنافقين من المرض ﴿ فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ ﴾ حتى بايعوا على الموت، وفيه معنى لطيف وهو أن الله تعالى قال قبل هذه الآية ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جنات  ﴾ فجعل طاعة الله والرسول علامة لإدخال الله الجنة في تلك الآية، وفي هذه الآية بيّن أن طاعة الله والرسول وجدت من أهل بيعة الرضوان، أما طاعة الله فالإشارة إليها بقوله: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين ﴾ وأما طاعة الرسول فبقوله: ﴿ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة ﴾ بقي الموعود به وهو إدخال الجنة أشار إليه بقوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين ﴾ لأن الرضا يكون معه إدخال الجنة كما قال تعالى: ﴿ وَيُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا رَضِيَ الله عَنْهُمْ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ والفاء للتعقيب وعلم الله قبل الرضا لأنه علم ما في قلوبهم من الصدق فرضي عنهم فكيف يفهم التعقيب في العلم؟

نقول قوله: ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة ﴾ كما يقول القائل فرحت أمس إذ كلمت زيداً فقام إليّ، أو إذ دخلت عليه فأكرمني، فيكون الفرح بعد الإكرام ترتيباً كذلك، هاهنا قال تعالى: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من الصدق إشارة إلى أن الرضا لم يكن عند المبايعة فحسب، بل عند المبايعة التي كان معها علم الله بصدقهم، والفاء في قوله: ﴿ فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ ﴾ للتعقيب الذي ذكرته فإنه تعالى رضي عنهم فأنزل السكينة عليهم، وفي علم بيان وصف المبايعة بكونها معقبة بالعلم بالصدق الذي في قلوبهم وهذا توفيق لا يتأتى إلا لمن هداه الله تعالى إلى معاني كتابه الكريم وقوله تعالى: ﴿ وأثابهم فَتْحاً قَرِيباً ﴾ هو فتح خيبر ﴿ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ﴾ مغانمها وقيل مغانم هجر ﴿ وَكَانَ الله عَزِيزاً ﴾ كامل القدرة غنياً عن إعانتكم إياه ﴿ حَكِيماً ﴾ حيث جعل هلاك أعدائه على أيديكم ليثيبكم عليه أو لأن في ذلك إعزاز قوم وإذلال آخرين، فإنه يذل من يشاء بعزته ويعز من يشاء بحكمته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هي بيعة الرضوان، سميت بهذه الآية، وقصتها: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل الحديبية بعث خِراش بن أمّية الخزاعي رسولاً إلى أهل مكة، فهموا به فمنعه الأحابيش، فلما رجع دعا بعمر رضي الله عنه ليبعثه فقال: إني أخافهم على نفسي، لما عرف من عداوتي إياهم وما بمكة عدويّ يمنعني، ولكني أدلك على رجل هو أعز بها مني وأحب إليهم: عثمان بن عفان فبعثه فخبرهم أنه لم يأت بحرب، وإنما جاء زائراً لهذا البيت معظماً لحرمته، فوقروه وقالوا: إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل، فقال: ما كنت لأطوف قبل أن يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتبس عندهم فأرجف بأنهم قتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نبرح حتى نناجز القوم، ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه تحت الشجرة وكانت سمرة.

قال جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها.

وقيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في أصل الشجرة وعلى ظهره غصن من أغصانها.

قال عبد الله بن المغفل: وكنت قائماً على رأسه وبيدي غصن من الشجرة أذب عنه.

فرفعت الغصن عن ظهره، فبايعوه على الموت دونه، وعلى أن لا يفروا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنتم اليوم خير أهل الأرض» وكان عدد المبايعين ألفاً وخمسمائة وخمسة وعشرين، وقيل: ألفاً وأربعمائة، وقيل: ألفاً وثلثمائة ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه ﴿ فَأنزَلَ السكينة ﴾ أي: الطمأنينة والأمن بسبب الصلح على قلوبهم ﴿ وأثابهم فَتْحاً قَرِيباً ﴾ وقرئ: ﴿ وآتاهم ﴾ وهو فتح خيبر غب انصرافهم من مكة.

وعن الحسن: فتح هجر، وهو أجلّ فتح: اتسعوا بثمرها زماناً ﴿ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا ﴾ هي مغانم خيبر، وكانت أرضاً ذات عقار وأموال، فقسمها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عليهم، ثم أتاه عثمان بالصلح فصالحهم وانصرف بعد أن نحر بالحديبية وحلق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ رُوِيَ: «أنَّهُ  لَمّا نَزَلَ الحُدَيْبِيَةَ بَعَثَ جَوّاسَ بْنَ أُمِّيَّةَ الخُزاعِيَّ إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَهَمُّوا بِهِ فَمَنَعَهُ الأحابِيشُ فَرَجَعَ، فَبَعَثَ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَحَبَسُوهُ فَأرْجَفَ بِقَتْلِهِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ  أصْحابَهُ وكانُوا ألْفًا وثَلاثَمِائَةٍ أوْ أرْبَعَمِائَةٍ أوْ خَمْسَمِائَةٍ، وبايَعَهم عَلى أنْ يُقاتِلُوا قُرَيْشًا ولا يَفِرُّوا عَنْهم وكانَ جالِسًا تَحْتَ سَمُرَةٍ أوْ سِدْرَةٍ.

فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الإخْلاصِ.» ﴿ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾ الطُّمَأْنِينَةَ وسُكُونَ النَّفْسِ بِالتَّشْجِيعِ أوِ الصُّلْحِ.

﴿ وَأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ فَتْحَ خَيْبَرَ غَبَّ انْصِرافِهِمْ، وقِيلَ: مَكَّةُ أوْ هَجَرَ.

﴿ وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها ﴾ يَعْنِي مَغانِمَ خَيْبَرَ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ غالِبًا مُراعِيًا مُقْتَضى الحِكْمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة} هي بيعة الرضوان سميت بهذه الآية وقصتها ان النبى صلى الله عليه وسلم حين نزل بالحديبية بعث خراش بن أمية الخزاعي رسولاً إلى مكة فهموا به فمنعه الأحابيش فلما رجع دعا بعمر ليبعثه فقال إني أخافهم على نفسي لما عرف من عداوتي إياهم فبعث عثمان بن عفان فخبرهم انه لم يات الحرب وإنما جاء زائراً للبيت فوقروه واحتبس عندهم فارجف بانهم قتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لانبرح حتى نناجز القوم ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه على ان يناجزوها قريشاً ولا يفروا تحت الشجرة وكانت سمرة وكان عدد المبايعين ألفاً وأربعمائة {فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ} من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه {فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ} أي الطمأنينة والأمن بسبب الصلح على قلوبهم {وأثابهم} وجازاهم {فَتْحاً قَرِيباً} هو فتح خيبر غب انصرافهم من مكة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ مَن تَخَلَّفَ عَنِ السَّفَرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ حالَ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ الَّذِينَ سافَرُوا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ وهم أهْلُ الحُدَيْبِيَةِ إلّا جَدَّ بْنَ قَيْسٍ فَإنَّهُ كانَ مُنافِقًا ولَمْ يُبايِعْ.

وأصْلُ هَذِهِ البَيْعَةِ وتُسَمّى بَيْعَةَ الرِّضْوانِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى فِيها: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ ﴾ إلَخْ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا نَزَلَ الحُدَيْبِيَةَ بَعَثَ خِراشًا بِكَسْرِ الخاءِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الرّاءِ المُهْمَلَةِ وألِفٍ بَعْدَها شِينٌ مُعْجَمَةٌ ابْنَ أُمَيَّةَ الخُزاعِيَّ رَسُولًا إلى أهْلِ مَكَّةَ وحَمَلَهُ عَلى جَمَلٍ لَهُ يُقالُ لَهُ: الثَّعْلَبُ يُعْلِمُهم أنَّهُ جاءَ مُعْتَمِرًا لا يُرِيدُ قِتالًا فَلَمّا أتاهم وكَلَّمَهم عَقَرُوا جَمَلَهُ وأرادُوا قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ الأحابِيشُ فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ حَتّى أتى الرَّسُولَ  فَدَعا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِيَبْعَثَهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ القَوْمَ قَدْ عَرَفُوا عَداوَتِي لَهم وغِلَظِي عَلَيْهِمْ وإنِّي لا آمَنُ ولَيْسَ بِمَكَّةَ أحَدٌ مِن بَنِي عَدِيٍّ يَغْضَبُ لِي إنْ أُوذِيتُ فَأرْسِلْ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ فَإنَّ عَشِيرَتَهُ بِها وهم يُحِبُّونَهُ وأنَّهُ يَبْلُغُ ما أرَدْتَ فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عُثْمانَ فَأرْسَلَهُ إلى قُرَيْشٍ وقالَ: أخْبِرْهم أنّا لَمْ نَأْتِ بِقِتالٍ وإنَّما جِئْنا عُمّارًا وادْعُهم إلى الإسْلامِ وأمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَأْتِيَ رِجالًا بِمَكَّةَ مُؤْمِنِينَ ونِساءٍ مُؤْمِناتٍ فَيُبَشِّرُهم بِالفَتْحِ ويُخْبِرُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى قَرِيبًا يُظْهِرُ دِينَهُ بِمَكَّةَ فَذَهَبَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى قُرَيْشٍ وكانَ قَدْ لَقِيَهُ أبانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ فَنَزَلَ عَنْ دابَّتِهِ وحَمَلَهُ عَلَيْها وأجارَهُ فَأتى قُرَيْشًا فَأخْبَرَهم فَقالُوا لَهُ: إنْ شِئْتَ فَطُفْ بِالبَيْتِ وأمّا دُخُولُكم عَلَيْنا فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ما كُنْتُ لِأطُوفَ بِهِ حَتّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  فاحْتَبَسُوهُ فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ  والمُسْلِمِينَ أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا نَبْرَحُ حَتّى نُناجِزَ القَوْمَ.

ونادى مُنادِيَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا أنَّ رُوحَ القُدُسِ قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأمَرَهُ بِالبَيْعَةِ فاخْرُجُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى فَبايَعُوهُ فَثارَ المُسْلِمُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبايَعُوهُ»، قالَ جابِرٌ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: بايَعْناهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أنْ لا نَفِرَّ ولَمْ نُبايِعْهُ عَلى المَوْتِ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: بايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قِيلَ: عَلى أيِّ شَيْءٍ تُبايِعُونَ يَوْمَئِذٍ؟

قالَ: عَلى المَوْتِ.

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ أنَّهُ كانَ آخِذًا بِأغْصانِ الشَّجَرَةِ عَنْ وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو يُبايِعُ النّاسَ وكانَ أوَّلُ مَن بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ أبا سِنانٍ وهو وهْبُ بْنُ مِحْصَنٍ أخُو عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وقِيلَ: سِنانُ بْنُ أبِي سِنانٍ، ورَوى الأوَّلَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ وأنَّهُ «قالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبايِعْكَ.

فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: عَلامَ تُبايِعُنِي؟

قالَ: عَلى ما في نَفْسِكَ».

وفي حَدِيثِ جابِرٍ الَّذِي أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أنَّهُ قالَ: بايَعْناهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ آخِذٌ بِيَدِهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لَيْسَ في مَبْدَأِ البَيْعَةِ وإلّا فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ نافِعٍ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أرْسَلَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ إلى فَرَسٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ أنْ يَأْتِيَ بِهِ لِيُقاتِلَ عَلَيْهِ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُبايِعُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ وعُمَرُ لا يَدْرِي بِذَلِكَ فَبايَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ ذَهَبَ إلى الفَرَسِ فَجاءَ بِهِ إلى عُمَرُ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَسْتَلْئِمُ لِلْقِتالِ فَأخْبَرَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُبايِعُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فانْطَلَقَ فَذَهَبَ مَعَهُ حَتّى بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وصَحَّ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ضَرَبَ بِيَدِهِ اليُمْنى عَلى يَدِهِ الأُخْرى وقالَ: هَذِهِ بَيْعَةُ عُثْمانَ ولَمّا سَمِعَ المُشْرِكُونَ بِالبَيْعَةِ خافُوا وبَعَثُوا عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وجَماعَةً مِنَ المُسْلِمِينَ وكانَتْ عِدَّةُ المُؤْمِنِينَ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ عَلى الأصَحِّ عِنْدَ أكْثَرِ المُحَدِّثِينَ» ورَواهُ البُخارِيُّ عَنْ جابِرٍ، ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ قَتادَةَ قالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ بَلَغَنِي أنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كانَ يَقُولُ: كانُوا أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً فَقالَ لِي سَعِيدٌ: حَدَّثَنِي جابِرٌ كانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتابَعَهُ أبُو داوُدَ.

ورُوِيَ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أوْفى قالَ: كانَ أصْحابُ الشَّجَرَةِ ألْفًا وثَلاثَمِائَةٍ، وعِنْدَ أبِي شَيْبَةَ مِن حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ أنَّهم كانُوا ألْفًا وسَبْعَمِائَةٍ، وجَزَمَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ بِأنَّهم كانُوا ألْفًا وسِتَّمِائَةٍ، وحَكى ابْنُ سَعْدٍ أنَّهم ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ وخَمْسَةٌ وعِشْرُونَ، وجَمَعَ بَيْنَ الرِّواياتِ بِأنَّها بِناءً عَلى عَدِّ الجَمِيعِ أوْ تَرْكِ الأصاغِرِ والأتْباعِ والأوْساطِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ وأمّا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ: إنَّهم كانُوا سَبْعَمِائَةٍ فَلَمْ يُوافِقْهُ أحَدٌ عَلَيْهِ لِأنَّهُ قالَهُ اسْتِنْباطًا مِن قَوْلِ جابِرٍ: تُنْحَرُ البَدَنَةُ عَنْ عَشَرَةٍ وكانُوا نَحَرُوا سَبْعِينَ بَدَنَةً، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما كانُوا نَحَرُوا غَيْرَ البُدْنِ مَعَ أنَّ بَعْضَهم كَأبِي قَتادَةَ لَمْ يَكُنْ أحْرَمَ أصْلًا، والشَّجَرَةُ كانَتْ سَمُرَةً، والمَشْهُورُ أنَّ النّاسَ كانُوا يَأْتُونَها فَيُصَلُّونَ عِنْدَها فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَأمَرَ بِقَطْعِها خَشْيَةَ الفِتْنَةِ بِها لِقُرْبِ الجاهِلِيَّةِ وعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ طارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: انْطَلَقْتُ حاجًّا فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ قُلْتُ: ما هَذا المَسْجِدُ؟

قالُوا: هَذِهِ الشَّجَرَةُ حَيْثُ بايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ فَأتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبَ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: حَدَّثَنِي أبِي أنَّهُ كانَ مِمَّنْ بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قالَ: فَلَمّا كانَ مِنَ العامِ المُقْبِلِ نَسِيناها فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْها ثُمَّ قالَ سَعِيدٌ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمُوها وعَلِمْتُمُوها أنْتُمْ فَأيُّكم أعْلَمُ، والرِّضا يُقابِلُ السَّخَطَ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِعَنْ والباءِ ويُعَدّى بِنَفْسِهِ وهو مَعَ عَنْ إنَّما يَدْخُلُ عَلى العَيْنِ لا المَعْنى ولَكِنْ بِاعْتِبارِ صُدُورِ مَعْنًى مِنهُ يُوجِبُ الرِّضا وما في الآيَةِ مِن هَذا القِسْمِ، والمَعْنى المُوجِبُ لِلرِّضا فِيها هو المُبايَعَةُ، وإذا ذُكِرَ مَعَ العَيْنِ مَعْنًى بِالباءِ فَقِيلَ رَضِيتُ عَنْ زَيْدٍ بِإحْسانِهِ كانَتِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وجازَ أنْ تَكُونَ صِلَةً وتَتَعَيَّنُ لِلسَّبَبِيَّةِ مَعَ مُقابَلَةِ نَحْوِ سَخِطْتُ عَلَيْهِ بِإساءَتِهِ وهو مَعَ الباءِ نَحْوَ رَضِيتُ بِهِ يَجِبُ دُخُولُهُ عَلى المَعْنى إلّا إذا دَخَلَ عَلى الذّاتِ تَمْهِيدًا لِلْمَعْنى لِيَكُونَ أبْلَغَ فَتَقُولُ: رَضِيتُ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ورَضِيتُ بِاللَّهِ تَعالى رَبًّا وقاضِيًا، وإذا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ جازَ دُخُولُهُ عَلى الذّاتِ نَحْوَ رَضِيتُ زَيْدًا وإنْ كانَ بِاعْتِبارِ المَعْنى تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّهُ مَرْضِيٌّ بِتِلْكَ الخَصْلَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ، وجازَ دُخُولُهُ عَلى المَعْنى كَرَضِيتُ إمارَةَ فُلانٍ، والأوَّلُ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وإذا اسْتُعْمِلَ مَعَ اللّامِ تَعَدّى بِنَفْسِهِ كَقَوْلِكَ: رَضِيتُ لَكَ التِّجارَةَ، وفِيهِ تَجَوُّزٌ إمّا لِجَعْلِ الرِّضا مَجازًا عَنِ الِاسْتِحْمادِ وإمّا لِأنَّكَ جَعَلْتَ كَوْنَهُ مُرْضِيًا لَهُ بِمَنزِلَةِ كَوْنِهِ مُرْضِيًا لَكَ مُبالَغَةً في أنَّهُ في نَفْسِهِ مَرْضِيٌّ مَحْمُودٌ وأنَّكَ تَخْتارُ لَهُ ما تَخْتارُ لِنَفْسِكَ وهَذا أبْلَغُ، ثُمَّ هو في حَقِّ الحَقِّ تَعالى شَأْنُهُ مُحالٌ عِنْدَ الخُلْفِ قالُوا: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا تَحْدُثُ لَهُ صِفَةٌ عَقِيبَ أمْرٍ البَتَّةَ، فَهو عِنْدَهم مَجازٌ إمّا مِن أسْماءِ الصِّفاتِ إذا فُسِّرَ بِإرادَةِ أنْ يُثِيبَهم إثابَةَ مَن رَضِيَ عَمَّنْ تَحْتَ يَدِهِ، وإمّا مِن أسْماءِ الأفْعالِ إذا فُسِّرَ بِالإثابَةِ وكَذا إذا أُرِيدَ الِاسْتِحْمادُ وفي البَحْرِ أنَّ العامِلَ بِإذْ في الآيَةِ هو رَضِيَ وهو هُنا بِمَعْنى إظْهارِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ لا صِفَةُ ذاتٍ لِيَتَقَيَّدَ بِالزَّمانِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السَّلَفَ لا يُؤَوِّلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ ويُثْبِتُونَهُ لَهُ تَعالى عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِهِ سُبْحانَهُ ويَصْرِفُونَ الحُدُوثَ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ التَّقْيِيدُ بِالزَّمانِ إلى التَّعَلُّقِ، ثُمَّ إنَّ تَقْيِيدَ الرِّضا بِزَمانِ المُبايَعَةِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّتِها لَهُ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِ إذْ لِلتَّعْلِيلِ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ المُبايَعَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِيُبايِعُونَكَ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، وفي التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ وقْعِ تِلْكَ المُبايَعَةِ وأنَّها لَمْ تَكُنْ عَنْ خَوْفٍ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِذا اسْتَوْجَبَتْ رِضا اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يُعادِلُهُ شَيْءٌ ويَسْتَتْبِعُ ما لا يَكادُ يَخْطِرُ عَلى بالٍ ويَكْفِي فِيما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ جابِرٍ.

ومُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ بَشَرٍ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ مِمَّنْ بايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)».

وقَدْ «قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ عِنْدَ حَفْصَةَ فَقالَتْ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ فانْتَهَرَها فَقالَتْ: ﴿ وإنْ مِنكم إلا وارِدُها ﴾ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ﴾ ».

وصَحَّ بِرِوايَةِ الشَّيْخَيْنِ وغَيْرِهِما في أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهم: أنْتُمْ خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مَن يَدَّعِي الإسْلامَ حُبُّهم وتَعْظِيمُهم والرِّضا عَنْهم وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ لا يَضُرُّهم بَعْدَ رِضا اللَّهِ تَعالى عَنْهم، وعُثْمانُ مِنهم بَلْ كانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كَما قالَ أنَسٌ - خَيْرًا مِن أيْدِيهِمْ لِأنْفُسِهِمْ ﴿ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ أيْ مِنَ الصِّدْقِ والإخْلاصِ في مُبايَعَتِهِمْ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ وعَنِ الفَرّاءِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: مِنَ الإيمانِ وصِحَّتِهِ وحُبِّ الدِّينِ والحِرْصِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مِنَ الهَمِّ والأنَفَةِ مِن لِينِ الجانِبِ لِلْمُشْرِكِينَ وصُلْحِهِمْ، واسْتَحْسَنَهُ أبُو حَيّانَ والأوَّلُ عِنْدِي أحْسَنُ.

وهُوَ عَطْفٌ عَلى ( يُبايِعُونَكَ ) لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ بِمَعْنى بايَعُوكَ، وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى ( رَضِيَ ) بِتَأْوِيلِهِ بِظَهْرِ عِلْمِهِ فَيَصِيرُ مُسَبَّبًا عَنِ الرِّضا مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ ﴿ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾ أيِ الطُّمَأْنِينَةَ والأمْنَ وسُكُونَ النَّفْسِ والرَّبْطَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِالتَّشْجِيعِ، وقِيلَ: بِالصُّلْحِ ولَيْسَ بِذاكَ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ( فَعَلِمَ) .

وفِي الإرْشادِ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ( رَضِيَ ) وظاهِرُ كَلامِ أبِي حَيّانَ الأوَّلُ وحَيْثُ اسْتَحْسَنَ تَفْسِيرَ ما في القُلُوبِ بِما سَمِعْتَ آنِفًا قالَ: إنَّ السَّكِينَةَ هُنا تَقْرِيرُ قُلُوبِهِمْ وتَذْلِيلُها لِقَبُولِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ مُقاتِلٌ: فَعَلِمَ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ مِن كَراهَةِ البَيْعَةِ عَلى أنْ يُقاتِلُوا مَعَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى المَوْتِ فَأنْزَلَ السِّكِّينَةَ عَلَيْهِمْ حَتّى بايَعُوا وتُفَسَّرُ ( السَّكِينَةَ ) بِتَذْلِيلِ قُلُوبِهِمْ ورَفْعِ كَراهَةِ البَيْعَةِ عَنْها، ولَعَمْرِي إنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَعْرِفْ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم حَقَّهم وحَمَلَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وغَيْرُهم: هو فَتْحُ خَيْبَرَ وكانَ غَبَّ انْصِرافِهِمْ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، وقالَ الحَسَنُ: فَتْحُ هَجَرَ، والمُرادُ هَجَرُ البَحْرَيْنِ وكانَ فُتِحَ في زَمانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِدَلِيلِ كِتابِهِ إلى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ في الصَّدَقاتِ والدِّياتِ.

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صالَحَ أهْلَ البَحْرَيْنِ وأخَذَ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ والفَتْحُ لا يَسْتَدْعِي سابِقَةَ الغَزْوِ كَما عَلِمْتَ مِمّا سَبَقَ في تَفْسِيرِهِ فَسَقَطَ قَوْلُ الطَّيِّبِيِّ مُعْتَرِضًا عَلى الحَسَنِ: إنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنَ الأئِمَّةِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَزا هَجَرًا.

نَعَمْ إطْلاقُ الفَتْحِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ قَلِيلٌ غَيْرُ شائِعٍ بَلْ قِيلَ هو مَعْنًى مَجازِيٌّ لَهُ، وقِيلَ: هو فَتْحُ مَكَّةَ والقُرْبُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ، وقَرَأ الحَسَنُ.

ونُوحٌ القارِّيُّ (وآتاهُمْ) أيْ أعْطاهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ يعني: الذين تخلفوا عن الحديبية إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها يعني: إلى غنائم خيبر ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يعني: اتركونا نتّبعكم في ذلك الغزو يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ يعني: يغيروا كلام الله.

يعني: ما قاله الله لرسوله  : لا تأذن لهم في غزاة أخرى.

قرأ حمزة والكسائي: وهو جمع كلمة.

والباقون كَلامَ اللَّهِ والكلام اسم لكل ما يتكلم به.

قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا في المسير إلى خيبر إلاَّ متطوعين، من غير أن يكون لكم شرك في الغنيمة.

كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل الحديبية.

فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا يعني: يقولون للمؤمنين: إن الله لم ينهكم عن ذلك، بل تحسدوننا على ما نصيب معكم من الغنائم.

قال الله تعالى: بَلْ كانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي: لا يعقلون، ولا يرغبون في ترك النفاق، لا قليلاً، ولا كثيراً.

ويقال: بل كانوا لا يفقهون النهي من الله تعالى إلا قليلاً منهم.

قوله عز وجل: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ يعني: الذين تخلفوا عن الحديبية، مخافة القتال سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعني: قتال شديد.

قال بعضهم: يعني: قتال أهل اليمامة بعد رسول الله  .

قاتلهم أبو بكر الصديق  .

وقال مجاهد: إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعني: أهل الأوثان.

وقال أيضاً: هم أهل فارس، وكذا قال عطاء، وقال سعيد بن جبير: هوازن، وثقيف.

وقال الحسن: فارس، والروم.

تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ قرأ بعضهم أَوْ يُسْلِمُوا بألف من غير نون، وقراءة العامة بالنون.

فمن قرأ: أو يسلموا يعني: حتى يسلموا، أو إلى أن يسلموا.

ومن قرأ: بالنون.

فمعناه: تقاتلونهم أو هم يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يعني: تجيبوا، وتوقعوا القتال، وتخلصوا لله تعالى.

يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً يعني: ثواباً حسناً في الآخرة.

وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يعني: تعرضوا عن الإجابة كما أعرضتم يوم الحديبية.

يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني: شديداً دائماً، فلما نزلت هذه الآية، قال أهل الزمانة والضعفاء: فكيف بنا إذا دعينا إلى قتالتهم، ولا نستطيع الخروج، فيعذبنا الله؟

فنزل قوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: نزل العذر في الذين تخلفوا عن الحديبية.

لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ يعني: ليس عليهم إثم في التخلف وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ يعني: إثم.

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الغزو ويقال: وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ في الغزو، في السر، والعلانية يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقد ذكرناه.

وَمَنْ يَتَوَلَّ يعني: يعرض عن ذلك.

يعني: عن طاعة الله، ورسوله، بالتخلف يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً يعني: شديداً دائماً.

قرأ نافع: وابن عامر نُدْخِلْهُ وَنُعَذِّبْهُ كلاهما بالنون.

والباقون: كلاهما بالياء.

وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.

قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ يعني: شجرة السمرة.

ويقال: أم غيلان.

قال قتادة: بايعوهُ يومئذٍ وهم ألف وأربعمائة رجل.

وكان عثمان يومئذٍ بمكة.

فقال النبي  : «إنَّ عُثْمَانَ فِي حَاجَةِ الله وَحَاجَةِ رَسُولِهِ، وَحَاجَةِ المُؤْمِنِينَ.

ثُمَّ وضع إحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه بَيْعَةُ عُثْمَان» .

فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ أي: مَا فِى قُلُوبِهِمْ من الصدق والوفاء.

وهذا قول ابن عباس.

وقال مقاتل: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ من الكراهية للبيعة على أن يقتلوا، ولا يفروا.

فَأَنْزَلَ الله السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ يعني: أنزل الله تعالى الطمأنينة، والرضى عليهم.

وَأَثابَهُمْ يعني: أعطاهم.

فَتْحاً قَرِيباً يعني: فتح خيبر.

وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها يعني: يغنمونها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً حكم عليهم بالقتل، والسبي.

ويقال: حكم الغنيمة للمؤمنين، والهزيمة للكافرين.

ثم قال: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها يعني: تغنمونها، وهو ما أصابوا مع رسول الله  وبعده إلى يوم القيامة.

وقال ابن عباس: هي هذه الفتوح التي تفتح لكم فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يعني: فتح خيبر، قرأ بعضهم وَأَتاهُمُ أي: أعطاهم وقراءة العامة وَأَثابَهُمْ يعني: كافأهم.

قوله تعالى: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ يعني: أيدي أهل مكة.

ويقال: أسد وغطفان أرادوا أن يعينوا أهل خيبر، فدفعهم الله عن المؤمنين، فصالحوا النبيّ  على ألا يكونوا له، ولا عليه.

ثم قال: وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وهو فتح خيبر، لأن المسلمين كانوا ثمانية آلاف، وأهل خيبر كانوا سبعين ألفاً.

ثم قال: وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً يعني: يرشدكم ديناً قيماً، وهو دين الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

هم يسلمون دونَ حرب، قال ابن العربي «١» : والذين تَعَيَّنَ قتالُهم حتى يسلموا مِنْ غير قبول جزية، هم العرب في أَصَحِّ الأقوال، أوِ المرتدون، فأَمَّا فارس والروم فلا يُقَاتَلونَ إلى أَنْ يسلموا بل إنْ بذلوا الجزية قُبِلَتْ منهم، وهذه الآية إخبار بمغيب فهي من معجزات النبي صلّى الله عليه وسلّم، انتهى من «الأحكام» .

وقوله: فَإِنْ تُطِيعُوا أي: فيما تُدعون إليه، وباقي الآية بَيِّنٌ.

ثم ذكر تعالى أهل/ الأعذار، ورَفَعَ الحرج عنهم، وهو حكم ثابت لهم إلى يوم القيامة، ومع ارتفاع الحَرَج فجائز لهم الغزوُ، وأجرهم فيه مُضَاعَفٌ، وقد غزا ابن أُمِّ مكتوم [وكان يُمْسِكُ الرَايةَ في بعض حروب القادسية، وقد خَرَّجَ النسائِيُّ هذا المعنى، وذكر ابنَ أمّ مكتوم] «٢» رحمه الله.

وقوله عز وجل: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ...

الآية، تشريف لهم- رضي اللَّه عنهم- وقد تَقَدَّمَ القولُ في المبالغة ومعناها، وكان سببَ هذه المبايعة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أراد أَنْ يبعث إلى مَكَّةَ رجلاً يُبَيِّنُ لهم أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يريد حرباً وإنَّما جاء مُعْتَمِراً، فبعث إليهم خداش بن أميّة الخزاعيّ، وحمله صلّى الله عليه وسلّم على جَمَلٍ له يقال له: الثعلب، فلما كَلَّمَهُمْ عَقَرُوا الجمل، وأرادوا قتل خداش فمنعته الأحابيش، وبلغ ذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأراد بَعْثَ عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول اللَّه، إنِّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بِمَكَّةَ من بني عَدِيٍّ أَحَدٌ يحميني، ولكنِ ابعث عثمان فهو أَعُزُّ بمكّة منّي، فبعثه النبي صلّى الله عليه وسلّم فذهب، فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي فنزل عن دَابَّتِهِ فحمله عليها، وأجاره حتى بلغ

الرسالة، فقالوا له: إنْ شِئْتَ يا عثمانَ أَنْ تطوف بالبيت فَطُفْ به، فقال: ما كنت لأطوف حتى يطوف به النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم إنَّ بَنِي سعيد بن العاصي حَبَسُوا عثمانَ على جهة المبرة، فأبطأ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وكانتِ الحُدَيْبِيَّةُ من مَكَّةَ على نحو عَشَرَةِ أميال، فصرخ صارخ من عسكر رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم: قتل عثمان، فجثا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم/ والمؤمنون، وقالوا: لا نبرحُ- إنْ كان هذا- حتى نُنَاجِزَ القوم، ثم دعا الناسَ إلى البيعة فبايعوه صلّى الله عليه وسلّم ولم يَتَخَلَّفْ عنها إلاَّ الجد بن قيس المنافق، وجعل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَدَهُ على يَدِهِ، وقال: هذه يَدٌ لعثمانَ «١» ، وهي خير، ثم جاءَ عثمانُ سالماً والشجرة سمرة كانت هنالك ذهبت بعد سنين.

وقوله سبحانه: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ قال الطبريُّ «٢» ، ومنذر بن سعيد: معناه: من الإيمان وصِحَّتِهِ، والحبِّ في الدين والحِرْصِ فيه، وقرأ الناس: «وَأَثَابَهُمْ» «٣» قال هارون:

وقد قرأت: «وَآتَاهُمْ» بالتاء بنقطتين «٤» ، والفتح القريب: خيبر، والمغانم الكثيرة: فتح خيبرَ.

وقوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ ...

الآية، مخاطبة للمؤمنين، ووعد بجميع المغانم التي أخذها المسلمون ويأخذونها إلى يوم القيامة قاله مجاهد وغيره «٥» .

وقولهُ: فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يريد خيبَر، وقال زيد بن أسلم وابنه: المغانم الكثيرة:

خيبر «٦» ، وهذه إشارة إلى البيعة والتَّخَلُّصِ من أمر قريش، وقاله ابن عبّاس «٧» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ ذَكَرَ الَّذِينَ أخْلَصُوا نِيَّتَهم وشَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ هَذِهِ البَيْعَةِ آنِفًا.

وإنَّما سُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ رَوى إياسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ عَنْ أبِيهِ، قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ قائِلُونَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، نادى مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ  : أيُّها النّاسُ، البَيْعَةَ، البَيْعَةَ، نَزَلَ رُوحُ القُدُسِ، قالَ: فَثُرْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ  وهو تَحْتَ شَجَرَةِ سَمُرَةَ، فَبايَعْناهُ.» وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  تَحْتَ الشَّجَرَةِ يُبايِعُ النّاسَ، وإنِّي لَأرْفَعُ أغْصانَها عَنْ رَأْسِهِ.» وقالَ بِكِيرُ بْنُ الأشَجِّ: كانَتِ الشَّجَرَةُ بِفَجٍّ نَحْوَ مَكَّةَ.

قالَ نافِعٌ: كانَ النّاسُ يَأْتُونَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَيُصَلُّونَ عِنْدَها، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَأوْعَدَهم فِيها، وأمَرَ بِها فَقُطِعَتْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ أيْ: مِنَ الصِّدْقِ والوَفاءِ، والمَعْنى: عَلِمَ أنَّهم مُخْلِصُونَ ﴿ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي الطُّمَأْنِينَةَ والرِّضى حَتّى بايَعُوا عَلى أنْ يُقاتِلُوا ولا يَفِرُّوا ﴿ وَأثابَهُمْ ﴾ أيْ: عَوَّضَهم عَلى الرِّضى بِقَضائِهِ والصَّبْرِ عَلى أمْرِهِ ﴿ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ وهو خَيْبَرُ، ﴿ وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها ﴾ أيْ: مِن خَيْبَرَ، لِأنَّها كانَتْ ذاتَ عَقارٍ وأمْوالٍ.

فَأمّا قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هي الفُتُوحُ الَّتِي تُفْتَحُ عَلى المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

﴿ فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها غَنِيمَةُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ الصُّلْحُ الَّذِي كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  وبَيْنَ قُرَيْشٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ هَمُّوا أنْ يَغْتالُوا عِيالَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَلَّفُوهم في المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهم أسَدٌ وغَطَفانُ جاؤُوا لِيَنْصُرُوا أهْلَ خَيْبَرَ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فانْصَرَفُوا عَنْهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: كانَتْ أسَدٌ وغَطَفانُ [مَعَ أهْلِ خَيْبَرَ، فَقَصَدَهم رَسُولُ اللَّهِ  فَصالَحُوهُ وخَلَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَيْبَرَ.

وقالَ غَيْرُهُما: بَلْ هَمَّتْ أسَدٌ وغَطَفانُ] بِاغْتِيالِ [أهْلِ] المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ كَفَّهُمُ اللَّهُ بِالصُّلْحِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ.

فَفِي قَوْلِهِ: "عَنْكُمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى أصْلِهِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: عَنْ عِيالِكُمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ قَتادَةَ.

﴿ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَها بِكم مِن كَفِّ أيْدِيهِمْ عَنْكم كانَتْ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَوَلِّي حِراسَتِهِمْ في مَشْهَدِهِمْ ومَغِيبِهِمْ.

والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ كانَ فَتْحُها عَلامَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ  فِيما وعَدَهم بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: طَرِيقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

والثّانِي: يَزِيدُكم هُدًى بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ  فِيما جاءَ بِهِ مِن وعْدِ اللَّهِ تَعالى بِالفَتْحِ والغَنِيمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُخْرى ﴾ المَعْنى: وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ أُخْرى؛ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها ما فُتِحَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ.

رَوى سِماكُ الحَنَفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها ﴾ قالَ: ما فَتَحَ لَكم مِن هَذِهِ الفُتُوحِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ، رَواهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: فارِسُ والرُّومُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ ِعَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى.

والرّابِعُ: مَكَّةُ، ذَكَرَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أحاطَ بِها عِلْمًا أنَّها سَتَكُونُ مِن فُتُوحِكم.

والثّانِي: حِفَظَها لَكم ومَنَعَها مِن غَيْرِكم حَتّى فَتَحْتُمُوها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ هَذا خِطابٌ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ والَّذِينَ كَفَرُوا مُشْرِكُو قُرَيْشٍ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لَوْ قاتَلُوكم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿ لَوَلَّوُا الأدْبارَ ﴾ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ ﴿ ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ﴾ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ خَذَلَهم.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ قاتَلَكَ مَن لَمْ يُقاتِلْكَ لَنُصِرْتَ عَلَيْهِ، لَأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ النُّصْرَةُ لِأوْلِيائِهِ.

و "سُنَّةَ اللَّهِ" مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ لَوَلَّوُا الأدْبارَ ﴾ مَعْناهُ: سَنَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ خِذْلانَهم سُنَّة.

ً وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ ﴾ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ ثَمانِينَ رَجُلًا مَن أهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  مِن جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ  وأصْحابِهِ، فَأخَذَهم سِلْمًا، فاسْتَحْياهُمْ، وأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.» ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  بِالحُدَيْبَيَةِ في أصْلِ الشَّجَرَةِ، فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْنا ثَلاثُونَ شابًّا، فَثارُوا في وُجُوهِنا، فَدَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ  فَأخَذَ اللَّهُ بِأبْصارِهِمْ، فَقُمْنا إلَيْهِمْ فَأخَذْناهُمْ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ  : "هَلْ جِئْتُمْ في عَهْدٍ؟" أوْ "هَلْ جَعَلَ لَكم أحَدٌ أمانًا؟" قالُوا: اللَّهُمَّ لا، فَخَلّى سَبِيلَهُمْ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وذَكَرَ قَتادَةُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  بَعَثَ خَيْلًا، فَأتَوْهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ فارِسًا مِنَ الكُفّارِ، فَأرْسَلَهُمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: خَرَجُوا يُقاتِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَهَزَمَهُمُ النَّبِيُّ  بِالطَّعْنِ والنَّبْلِ حَتّى أدْخَلَهم بُيُوتَ مَكَّةَ.» قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مِنَّتَهُ إذْ حَجَزَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَلَمْ يَقْتَتِلا حَتّى تَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَهم.

وَفِي بَطْنِ مَكَّةَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الحُدَيْبِيَةُ، قالَهُ أنَسٌ.

والثّانِي: وادِي مَكَّةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: التَّنْعِيمُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

فَأمّا "مَكَّةُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: "مَكَّةُ" لا تَنْصَرِفُ لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ، وهي مَعْرِفَةٌ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها كاشْتِقاقِ "بَكَّةَ"، والمِيمُ تُبْدَلُ مِنَ الباءِ، يُقالُ: ضَرْبَةُ لازِمٍ، ولازِبٍ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها مِن قَوْلِهِمُ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ: إذا مَصَّ مَصًّا شَدِيدًا حَتّى لا يُبْقِي فِيهِ شَيْئًا، فَيَكُونُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ الِازْدِحامِ فِيها؛ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ.

وقالَ قُطْرُبٌ: مَكَّةُ مِن تَمَكَّكْتُ المُخَّ: إذا أكَلْتُهُ.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: تَمَكَّكْتُ العَظْمَ: إذا أخْرَجْتَ مُخَّهُ؛ والتَّمَكُّكُ: الِاسْتِقْصاءُ؛ وفي الحَدِيثِ:"لا تَمَكَّكُوا عَلى غُرَمائِكُمْ" .

وَفِي تَسْمِيَةِ "مَكَّةَ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِأنَّها مَثابَةٌ يَؤُمُّها الخَلْقُ مِن كُلِّ فَجٍّ، وكَأنَّها هي الَّتِي تَجْذِبُهم إلَيْها، وذَلِكَ مِن قَوْلِ العَرَبِ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ.

والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ "مَكَّةَ" مِن قَوْلِكَ: بَكَكْتُ الرَّجُلَ: إذا وضَعْتَ مِنهُ ورَدَدْتَ نَخْوَتَهُ، فَكَأنَّها تَمُكُّ مَن ظَلَمَ فِيها، أيْ: تُهْلِكُهُ وتُنْقِصُهُ، وأنْشَدُوا: يا مَكَّةُ، الفاجِرَ مُكِّي مَكّا ولا تَمُكِّي مَذْحِجًا وعَكّا والثّالِثُ:[ أنَّها] سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِجَهْدِ أهْلِها.

والرّابِعُ: لِقِلَّةِ الماءِ بِها.

وَهَلْ مَكَّةُ وبَكَّةُ واحِدٌ؟

قَدْ ذَكَرْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ٩٦] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: بِهِمْ؛ يُقالُ: ظَفِرْتُ بِفُلانٍ، وظَفِرْتُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ["يَعْمَلُونَ"] بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ ﴿ وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ لَمّا بَلَغَ عَزَّ وجَلَّ في عَتْبِ هَؤُلاءِ المُتَخَلِّفِينَ مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ "كَجُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ وغِفارٍ وأسْلَمَ وأشْجَعَ" عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنْ عَذَّرَ أهْلَ الأعْذارِ مِنَ العَمى والعَرَجِ والمَرَضِ جُمْلَةً، ورَفَعَ الحَرَجَ عنهم والضِيقَ والمَأْثَمَ، وهَذا حُكْمُ هَؤُلاءِ المَعاذِيرِ في كُلِّ جِهادٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا أنْ يَحْزُبَ حازِبٌ في حَضْرَةٍ مّا، فالفَرْضُ مُتَوَجِّهٌ بِحَسَبِ الوُسْعِ، ومَعَ ارْتِفاعِ الحَرَجِ، فَجائِزٌ لَهُمُ الغَزْوُ وأجْرُهم فِيهِ مُضاعَفٌ؛ لِأنَّ الأعْرَجَ أحْرى الناسِ بِالصَبْرِ وألّا يَفِرَّ، وقَدْ غَزا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وكانَ يُمْسِكُ الرايَةَ في بَعْضِ حُرُوبِ القادِسِيَّةِ، وقَدْ خَرَّجَ النَسائِيُّ هَذا المَعْنى وذَكَرَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "يُدْخِلُهُ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ: "نُدْخِلُهُ" بِالنُونِ، وكَذَلِكَ: "يُعَذِّبُهُ" و"نُعَذِّبُهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَجَرَةِ ﴾ تَشْرِيفٌ وإعْلامٌ بِرِضاهُ عنهم حِينَ البَيْعَةِ، وبِهَذا سُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِضْوانِ، والرِضى بِمَعْنى الإرادَةِ، فَهو صِفَةُ ذاتٍ، ومَن جَعَلَ "إذْ" مُسَبِّبَةً، بِمَعْنى: لِأنَّهم بايَعُوا تَحْتَ الشَجَرَةِ جازَ أنْ يَجْعَلَ "رَضِيَ" بِمَعْنى: إظْهارِ النِعَمِ عَلَيْهِمْ، بِسَبَبِ بَيْعَتِهِمْ، فالرِضى - عَلى هَذا - صِفَةُ فِعْلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في المُبايَعَةِ ومَعْناها.

وكانَ سَبَبُ هَذِهِ المُبايَعَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  أرادَ أنْ يَبْعَثَ إلى مَكَّةَ رَجُلًا يُبَيِّنُ لِقُرَيْشٍ أنَّ النَبِيَّ  لا يُرِيدُ حَرْبًا وإنَّما جاءَ مُعْتَمِرًا، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ خِراشَ بْنَ أُمِّيَّةَ الخُزاعِيَّ، وحَمْلَهُ عَلى جَمَلٍ يُقالُ لَهُ: الثَعْلَبُ، فَلَمّا كَلَّمَهم عَقَرُوا الجُمَلَ وأرادُوا قَتْلَ خِراشٍ فَمَنَعَهُ الأحابِيشُ، وبَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ  فَأرادَ بَعْثَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ عُمْرُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ فَظاظَتِي عَلى قُرَيْشٍ، وهم يُبْغِضُونَنِي، ولَيْسَ هُناكَ مِن بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ مَن يَحْمِينِي، ولَكِنِ ابْعَثْ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ  ، فَذَهَبَ، فَلَقِيَهُ أبانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، فَنَزَلَ عن دابَّتِهِ وحَمَلَهُ عَلَيْها، وأجارَهُ حَتّى إذا جاءَ قُرَيْشًا فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا لَهُ: إنْ شِئْتَ يا عُثْمانُ أنْ تَطُوفَ بِالبَيْتِ فَطُفْ، وأمّا دُخُولُكم عَلَيْنا فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ، فَقالَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كُنْتُ لِأطُوفَ بِهِ حَتّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللهِ  ، ثُمَّ إنَّ بَنِي سَعِيدِ بْنِ العاصِي حَبَسُوا عُثْمانَ عَلى جِهَةِ المَبَرَّةِ، فَأبْطَأ عَلى رَسُولِ اللهِ  وكانَتِ الحُدَيْبِيَةُ مِن مَكَّةَ عَلى عَشَرَةِ أمْيالٍ، فَصَرَخَ صارِخٌ مِن عَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ  : قُتِلَ عُثْمانُ، فَحَمِيَ رَسُولُ اللهِ  والمُؤْمِنُونَ وقالُوا: لا نَبْرَحُ إنْ كانَ هَذا حَتّى نَلْقى القَوْمَ، فَدَعا رَسُولُ اللهِ  إلى البَيْعَةِ، ونادى مُنادِيهِ: أيُّها الناسُ، البَيْعَةَ البَيْعَةَ.

نَزَلَ رُوحُ القُدُسِ، فَما تَخَلَّفَ عَنِ البَيْعَةِ أحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ إلّا الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ المُنافِقُ، وحِينَئِذٍ جَعَلَ رَسُولُ اللهِ  يَدَهُ عَلى يَدِهِ، وقالَ: هَذِهِ يَدُ عُثْمانَ، وهي خَيْرٌ مِن يَدِ عُثْمانَ، ثُمَّ جاءَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بَعْدَ ذَلِكَ سالِمًا»، والشَجَرَةُ سَمُرَةُ كانَتْ هُنالِكَ، ذَهَبَتْ بَعْدَ سِنِينَ، فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالمَوْضِعِ في خِلافَتِهِ فاخْتَلَفَ أصْحابُهُ في مَوْضِعِها، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ سِيرُوا، هَذا التَكَلُّفُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: مِن كَراهَةِ البَيْعَةِ عَلى المَوْتِ ونَحْوِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ فِيهِ مَذَمَّةٌ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالالطَبَرِيُّ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: مَعْناهُ: مِنَ الإيمانِ وصِحَّتِهِ والحُبِّ في الدِينِ والحِرْصِ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، لَكِنَّهُ مَن كانَتْ هَذِهِ حالُهُ فَلا يَحْتاجُ إلى نُزُولِ ما يَسْكُنُهُ، أما أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُجازى بِالسَكِينَةَ والفَتْحِ القَرِيبِ والمَغانِمِ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: مِنَ الهَمِّ بِالِانْصِرافِ عَنِ المُشْرِكِينَ والأنَفَةِ في ذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما خاطَبَ فِيهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ يَتَرَتَّبُ مَعَهُ نُزُولُ السَكِينَةِ والتَعْرِيضِ بِالفَتْحِ القَرِيبِ، والسَكِينَةُ هُنا تَقْرِيرُ قُلُوبِهِمْ وتَذْلِيلُها لِقَبُولِ أمْرِ اللهِ تَعالى والصَبْرِ لَهُ.

وقَرَأ الناسُ: ﴿ "وَأثابَهُمْ"، ﴾ قالَ هارُونُ: وقَدْ قُرِئَتْ: "وَأتابَهُمْ" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ.

و"الفَتْحُ القَرِيبُ": خَيْبَرُ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  انْصَرَفَ بِالمُؤْمِنِينَ إلى المَدِينَةِ وقَدْ وعَدَهُ اللهُ بِخَيْبَرَ، وخَرَجَ إلَيْها لَمْ يَلْبَثْ، قالَ أبُو جَعْفَرِ النَحّاسُ: وقَدْ قِيلَ: الفَتْحُ القَرِيبُ: فَتْحُ مَكَّةَ و"المَغانِمُ الكَثِيرَةُ": فَتْحُ خَيْبَرَ، وقَرَأ يَعْقُوبُ في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "تَأْخُذُونَها" عَلى مُخاطَبَتِهِمْ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يَأْخُذُونَها" ﴾ عَلى الغَيْبَةِ.

واخْتُلِفَ في عِدَّةِ المُبايِعِينَ، فَقِيلَ: ألْفٌ وخَمْسِمِائَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: وأرْبَعِمِائَةٍ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وقِيلَ: وخَمْسِمِائَةٍ وخَمْسَةٍ وعِشْرُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: وثَلاثِمِائَةٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي أوفى، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا ذَكَرْناهُ مِن قَبْلُ، وأوَّلُ مَن بايَعَ في ذَلِكَ رَجُلٌ مَن بَنِي أسَدٍ يُقالُ لَهُ: أبُو سِنانَ بْنِ وهْبٍ، قالَهُ الشَعْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عود إلى تفصيل ما جازى الله به أصحاب بيعة الرضوان المتقدم إجماله في قوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ [الفتح: 10]، فإن كون بيعتهم الرسول صلى الله عليه وسلم تعتبر بيعة لله تعالى أوْمأ إلى أن لهم بتلك المبايعة مكانة رفيعة من خير الدنيا والآخرة، فلما قطع الاسترسال في ذلك بما كان تحذيراً من النكث وترغيباً في الوفاء، بمناسبة التضاد وذكر ما هو وسط بين الحالين وهو حال المخلَّفين، وإبطال اعتذارهم وكشف طويتهم، وإقصائهم عن الخير الذي أعده الله للمبايعين وأرجائهم إلى خير يسنح من بعدُ إن هم صدقوا التوبة وأخلصوا النية.

فقد أنال الله المبايعين رضوانَه وهو أعظم خير في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ [التوبة: 72] والشهادة لهم بإخلاص النية، وإنزاله السكينة قلوبهم ووعدهم بثواب فتح قريب ومغانم كثيرة.

وفي قوله: ﴿ عن المؤمنين إذ يبايعونك ﴾ إيذان بأن من لم يبايع ممن خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم ليس حينئذٍ بمؤمن وهو تعريض بالجدّ بن قيس إذ كان يومئذٍ منافقاً ثم حَسن إسلامه.

وقد دعيت هذه البيعة بيعةَ الرضوان من قوله تعالى: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴾ .

و ﴿ إذ يبايعونك ﴾ ظرف متعلّق ب ﴿ رضي ﴾ ، وفي تعليق هذا الظرف بفعل الرضى ما يفهم أن الرضى مسبب عن مفاد ذلك الظرف الخاص بما أضيف هو إليه، مع ما يعطيه توقيت الرضى بالظرف المذكور من تعجيل حصول الرضى بحدثان ذلك الوقت، ومع ما في جعل الجملة المضاف إليها الظرفُ فِعليةً مضارعيّةً من حصول الرضى قبل انقضاء الفعل بل في حال تجدده.

فالمضارع في قوله ﴿ يبايعونك ﴾ مستعمل في الزمان الماضي لاستحضار حالة المبايعة الجليلة، وكون الرضى حصل عند تجديد المبايعة ولم ينتظر به تمامها، فقد علمت أن السورة نزلت بعد الانصراف من الحديبية.

والتعريف في ﴿ الشجرة ﴾ تعريف العهد وهي: الشجرة التي عهدها أهل البيعة حين كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً في ظلها، وهي شجرة من شجر السَّمُر بفتح السين المهملة وضم الميم وهو شجر الطلح.

وقد تقدم أن البيعة كانت لما أُرجف بقتل عثمان بن عفان بمكة فعن سلمة بن الأكوع وعبد الله بن عمر، يزيدُ أحدهما على الآخر «بينما نحن قائلون يوم الحديبية وقد تفرق الناس في ظلال الشجر إذ نادى عمر بن الخطاب: أيّها الناس البيعةَ البيعةَ، نَزَل روحُ القدُس فاخرُجوا على اسم الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي دعا الناس إلى البيعة فثار الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة فبايعوه كلهم إلا الجدَّ بن قيس».

وعن جابر بن عبد الله بعدَ أن عمي لو كنت أبصر لأريتكم مكان الشجرة.

وتواتر بين المسلمين علم مكان الشجرة بصلاة الناس عند مكانها.

وعن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة قال: فلما خرجنا من العام المقبل أي في عمرة القضية نسيناها فلم نقدر عليها وعن طارق بن عبد الرحمان قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون قلت: ما هذا المسجد؟

قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسولُ الله بيعة الرضوان.

فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم أفأنتم أعلم».

والمراد بقول طارق: ما هذا المسجد: مكانُ السجود، أي الصلاة، وليس المراد البيت الذي يبني للصلاة لأن البناء على موضع الشجرة وقع بعد ذلك الزمن فهذه الشجرة كانت معروفة للمسلمين وكانوا إذا مروا بها يصلون عندها تيمنا بها إلى أن كانت خلافة عمر فأمر بقطعها خشية أن تكون كذاتتِ أنواط التي كانت في الجاهلية، ولا معارضة بين ما فعله المسلمون وبين ما رواه سعيد بن المسيب عن أبيه أنه وبعض أصحابه نسوا مكانها لأن الناس متفاوتون في توسُّم الأمكنة واقتفاء الآثار.

والمروي أن الذي بنى مسجداً على مكان الشجرة أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي ولكن في المسجد المذكور حجر مكتوب فيه «أمر عبد الله أمير المؤمنين أكرمه الله ببناء هذا المسجد مسجد البيعة وأنه بني سنة أربع وأربعين ومائتين، وهي توافق مدة المتوكّل جعفر بن المعتصم وقد تخرب فجدده المستنصر العباسي سنة 629 ثم جدده السلطان محمود خان العثماني سنة 1254 وهو قائم إلى اليوم.

وذكر ﴿ تحت الشجرة ﴾ لاستحضار تلك الصورة تنويهاً بالمكان فإن لذكر مواضع الحوادث وأزمانها معاني تزيد السامع تصوراً ولما في تلك الحوادث من ذكرى مثل مواقع الحروب والحوادث كقول عبد الله بن عباس «ويوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه» الحديث.

ومواقع المصائب وأيامها.

و ﴿ إذ ﴾ ظرف يتعلق بفعل ﴿ رضي ﴾ ، أي رضي الله عنهم في ذلك الحين.

وهذا رضى خاص، أي تعلّق رضى الله تعالى عنهم بتلك الحالة.

والفاء في قوله: ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ ليست للتعقيب لأن علم الله بما في قلوبهم ليس عقب رضاه عنهم ولا عقب وقوع بيعتهم فتعين أن تكون فاء فصيحة تفصح عن كلام مقدر بعدها.

والتقدير: فلما بايعوك علم ما في قلوبهم من الكآبة، ويجوز أن تكون الفاء لتفريع الأخبار بأن الله علم ما في قلوبهم بعد الإخبار برضى الله عنهم لما في الإخبار بعلمه ما في قلوبهم من إظهار عنايته بهم.

ويجوز أن يكون المقصود من التفريع قوله: ﴿ فأنزل السكينة عليهم ﴾ ويكون قوله: ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ توطئة له على وجه الاعتراض.

والمعنى: لقد رضي الله عن المؤمنين من أجل مبايعتهم على نصرك فلما بايعوا وتحفزوا لقتال المشركين ووقع الصلح حصلت لهم كآبة في نفوسهم فأعلمهم الله أنه اطلع على ما في قلوبهم من تلك الكآبة، وهذا من علمه الأشياء بعد وقوعها وهو من تعلق علم الله بالحوادث بعد حدوثها، أي علمه بأنها وقعت وهو تعلق حادث مثل التعلقات التنجيزية.

والمقصود بإخبارهم بأن الله علم ما حصل في قلوبهم الكآبة عن أنه قَدَر ذلك لهم وشكرهم على حبهم نصر النبي صلى الله عليه وسلم بالفعل ولذلك رتب عليه قوله: ﴿ فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ .

والسكينة هنا هي: الطمأنينة والثقة بتحقيق ما وعدهم الله من الفتح والارتياض على ترقبه دون حسرة فترتب على علمه ما في قلوبهم إنزاله السكينة عليهم، أي على قلوبهم فعبر بضميرهم عوضاً عن ضمير ﴿ قلوبهم ﴾ لأن قلوبهم هي نفوسهم.

وعطف ﴿ أثابهم ﴾ على فعل ﴿ رضي اللَّه ﴾ .

ومعنى أثابهم: أعطاهم ثواباً، أي عوضاً، كما يقال في هبة الثواب، أي عوضهم عن المبايعة بفتح قريب.

والمراد: أنه وعدهم بثواب هو فتح قريب ومغانم كثيرة، ففعل ﴿ أثابهم ﴾ مستعمل في المستقبل.

وهذا الفتح هو فتح خيبر فإنه كان خاصاً بأهل الحديبية وكان قريباً من يوم البيعة بنحو شهر ونصف.

والمغانم الكثيرة المذكورة هنا هي: مغانم أرض خيبر والأنعام والمتاع والحوائط فوصفت ب ﴿ كثيرة ﴾ لتعدّد أنواعها وهي أول المغانم التي كانت فيها الحوائط.

وفائدة وصف المغانم بجملة ﴿ يأخذونها ﴾ تحقيق حصول فائدة هذا الوعد لجميع أهل البيعة قبل أن يقع بالفعل ففيه زيادة تحقيق لكون الفتح قريباً وبشارةٌ لهم بأنهم لا يهلك منهم أحد قبل رؤية هذا الفتح.

وجملة ﴿ وكان اللَّه عزيزاً حكيماً ﴾ معترضة، وهي مفيدة تذييل لجملة ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ومغانم كثيرة يأخذونها ﴾ لأن تيسير الفتح لهم وما حصل لهم فيه من المغانم الكثيرة من أثر عزة الله التي لا يتعاصى عليها شيء صعب، ومن أثر حكمته في ترتيب المسببات على أسبابها في حالة ليظن الرائي أنها لا تيسّر فيها أمثالها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ كانَتْ سَبَبُ هَذِهِ البَيْعَةِ وهي بَيْعَةُ الرِّضْوانِ تَأخُّرَ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَكَّةَ حِينَ أنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ  مِنَ الحُدَيْبِيَةِ رَسُولًا إلى الإسْلامِ فَأبْطَأ وأرْجَفَ بِقَتْلِهِ، فَبايَعَ أصْحابَهُ وبايَعُوهُ عَلى الصَّبْرِ والجِهادِ، وكانُوا فِيما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ ألْفًا وخَمْسَمِائَةٍ، وقالَ جابِرٌ: كانُوا ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى: ألْفًا وثَلاثَمِائَةٍ.

وَكانَتِ البَيْعَةُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بِالحُدَيْبِيَةِ والشَّجَرَةُ سَمُرَةُ.

وَسُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن صِدْقِ النِّيَّةِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: مِن كَراهَةِ البَيْعَةِ عَلى أنْ يُقاتِلُوا مَعَهُ عَلى المَوْتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَتْحُ خَيْبَرَ لِقُرْبِها مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: فَتْحُ مَكَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطبراني بسند حسن عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لواضع القلم على أذني إذ أمر بالقتال إذ جاء أعمى فقال: كيف بي وأنا ذاهب البصر فنزلت ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ الآية قال: هذا في الجهاد ليس عليهم من جهاد إذا لم يطيقوا.

أما قوله تعالى: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين ﴾ .

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه «عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: بينا نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس فثرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه فذلك قول الله تعالى: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴾ فبايع لعثمان رضي الله عنه إحدى يديه على الأخرى، فقال الناس: هنيئاً لابن عفان رضي الله عنه يطوف بالبيت ونحن ههنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف» .

وأخرج البخاري وابن مردويه عن طارق بن عبد الرحمن رضي الله عنه قال: انطلقت حاجاً فمررت بقوم يصلون فقلت: ما هذا المسجد؟

قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان.

فأتيت سعيد بن المسيب رضي الله عنه فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد رضي الله عنه: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن نافع رضي الله عنه قال: بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ناساً يأتون الشجرة التي بويع تحتها فأمر بها فقطعت.

وأخرج البخاري وابن مردويه عن قتادة رضي الله عنه قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟

قال: خمس عشرة مائة قلت: فإن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: كانوا أربع عشرة مائة.

قال: يرحمه الله وهم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة.

وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كان أصحاب الشجرة ألفاً وثلثمائة.

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل «عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم خير أهل الأرض» .

وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب والبخاري ومسلم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل «عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم خير أهل الأرض» .

وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفاً وأربعمائة.

وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة قيل: على أي شيء كنتم تبايعون؟

قال: على الموت.

وأخرج البيهقي عن عروة رضي الله عنه قال: «لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم الحديبية فزعت قريش لنزوله عليهم فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم رجلاً من أصحابه فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليبعثه إليهم، فقال: يا رسول الله إني لا آمن، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها وإنه يبلغ لك ما أردت.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان رضي الله عنه فأرسله إلى قريش وقال: أخبرهم أنا لم نأتِ لقتال وإنما جئنا عماراً وادعهم إلى الإِسلام وأمره أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح.

ويخبرهم أن الله وشيك أن يظهر دينه بمكة حتى لا يستخفى فيها بالإِيمان فانطلق عثمان رضي الله عنه إلى قريش فأخبرهم، فارتهنه المشركون، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالبيعة فأخرجوا على اسم الله فبايعوه، فثار المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفروا أبداً فرعبهم الله فأرسلوا من كانوا ارتهنوا من المسلمين ودعوا إلى الموادعة والصلح» .

وأخرج مسلم وابن جرير وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فبايعناه وعمر رضي الله عنه آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة وقال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت.

وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه ونحن أربع عشرة مائة، ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن الشعبي قال: «لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: أبسط يدك أبايعك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: علام تبايعني؟

قال: على ما في نفسك» .

وأخرج البيهقي عن أنس قال: «لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيراً من أيديهم لأنفسهم» .

وأخرج أحمد عن جابر ومسلم عن أم بشر عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ﴾ قال: إنما أنزلت السكينة على من علم منه الوفاء.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عبد الرحمن بن أبي أوفى في قوله: ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ قال: خيبر.

وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في مراسيله عن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسم لغائب في مقسم لم يشهده إلا يوم خيبر قسم لغيب أهل الحديبية من أجل أن الله كان أعطى أهل خيبر المسلمين من أهل الحديبية، فقال: ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ﴾ وكانت لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ﴾ قال: الوقار والصبر وهم الذين بايعوا زمان الحديبية وكانت الشجرة فيما ذكر لنا سمرة بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تحتها، وكانوا يومئذ خمس عشرة مائة فبايعوه على أن لا يفروا، ولم يبايعوه على الموت، ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ومغانم كثيرة ﴾ قال: هي مغانم خيبر وكانت عقاراً ومالاً فقسمها نبي الله بين أصحابه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية إلى المدينة حتى إذا كان بين المدينة ومكة نزلت عليه سورة الفتح فقال: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ إلى قوله: ﴿ عزيزاً ﴾ ثم ذكر الله الأعراب ومخالفتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ سيقول لك المخلفون من الأعراب ﴾ إلى قوله: ﴿ خبيراً ﴾ ثم قال للأعراب ﴿ بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون ﴾ إلى قوله: ﴿ سعيراً ﴾ ثم ذكر البيعة فقال: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين ﴾ إلى قوله: ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ لفتح الحديبية.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين ﴾ قال: كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفاً وخمسمائة وخمساً وعشرين.

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي قال: لما نزلت ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴾ قال: يا أبا أمامة أنت مني وأنا منك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ قال: خيبر حيث رجعوا من صلح الحديبية.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ قال: فتح خيبر.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ﴾ قال: المغانم الكثيرة التي وعدوا ما يأخذون حتى اليوم ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ قال: عجلت لهم خيبر.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ﴾ يعني الفتح.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ﴾ يعني خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ يعني أهل مكة أن يستحلوا ما حرم الله أو يستحل بكم وأنتم حرم ﴿ ولتكون آية للمؤمنين ﴾ قال: سنة لمن بعدكم.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مروان والمسور بن مخرمة قالا: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة فأعطاه الله فيها خيبر ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ﴾ خيبر فقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ذي الحجة فقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجيع، وادٍ بين غطفان وخيبر، فتخوّف أن تمدهم غطفان، فبات به حتى أصبح فغدا عليهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ قال: خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ قال: عن بيضتهم وعن عيالهم بالمدينة حين ساروا عن المدينة إلى خيبر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطية ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ قال: فتح خيبر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ قال: الحليفان أسد وغطفان عليهم عيينة بن حصن معه مالك بن عوف النصري أبو النضر وأهل خيبر على بئر معونة فألقى الله في قلوبهم الرعب فانهزموا ولم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي قوله: ﴿ ولو قاتلكم الذين كفروا ﴾ هم أسد وغطفان ﴿ لولوا الأدبار حتى لا تجد لسنة الله تبديلاً ﴾ يقول سنة الله في الذين خلوا من قبل أنه لن يقاتل أحد نبيه إلا خذله الله فقتله أو رعبه فانهزم ولن يسمع به عدو إلا انهزموا واستسلموا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس ﴿ قد أحاط الله بها ﴾ أنها ستكون لكم بمنزلة قوله أحاط الله بها علماً أنها لكم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الأسود الديلمي أن الزبير بن العوام لما قدم البصرة دخل بيت المال فإذا هو بصفراء وبيضاء فقال: يقول الله: ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها ﴾ فقال: هذا لنا.

وأخرج ابن عساكر عن علي وابن عباس قالا في قوله تعالى: ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة ﴾ فتوح من لدن خيبر ﴿ تأخذونها ﴾ تلونها وتغنمون ما فيها ﴿ فعجل لكم ﴾ من ذلك خيبر ﴿ وكف أيدي الناس ﴾ قريشاً ﴿ عنكم ﴾ بالصلح يوم الحديبية ﴿ ولتكون آية للمؤمنين ﴾ شاهداً على ما بعدها ودليلاً على إنجازها ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ على علم وفيها أقسمها بينكم فارس والروم ﴿ قد أحاط الله بها ﴾ قضى الله بها أنها لكم.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: فارس والروم.

وأخرج عبد بن حميد عن عطية ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: فتح فارس.

وأخرج عبد بن حميد عن جويبر ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: يزعمون أنها قرى عربية ويزعم آخرون أنها فارس والروم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: بلغنا أنها مكة.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: يوم حنين.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: هي خيبر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ﴾ يعني أهل مكة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ .

قال المفسرون: يعني بيعة الحديبية، وهي تسمى بيعة الرضوان لهذه الآية، وكانت الشجرة سَمُرة بايع تحتها رسول الله -  - أصحابه على أن يناجزوا قريشاً ولا يفروا (١) وذكر ابن عباس سبب هذه البيعة، فقال فيما روى عنه عطاء: إن رسول الله -  - خرج يريد مكة، فلما بلغ الحديبية وقفت ناقته وزجرها فلم تنزجر، وبركت فقال أصحابه: خلأت (٢)  -: "ما هذا لها بعادة ولكن حبسها حابس الفيل" ودعا عمر -  - ليرسله إلى أهل مكة ليأذنوا له بأن يدخل مكة ويحل من عمرته وينحر هديه فقال: يا رسول الله والله ما لي بها من حميم، وإني أخاف قريشاً على نفسي ولقد علمت قريش بشدة عداوتي إياها، ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني عثمان بن عفان قال: صدقت.

فدعا رسول الله -  - عثمان بن عفان وأرسله، فجال الشيطان وصاح في عسكر رسول الله -  - بأن أهل مكة قتلوا عثمان، فقام رسول الله -  - إلى الشجرة فاستند إليها وبايع الناس على قتال أهل مكة.

قال عبد الله بن أبي أوفى: كنا يومئذ ألفاً وثلاثمائة (٣) وقال ابن عباس في رواية عطية: كانوا خمسمائة وخمسة وعشرين رجلاً (٤) وقال قتادة: كانوا خمس عشرة مائة (٥) وقال جابر بن عبد الله: كانوا ألفاً وأربعمائة (٦) قوله تعالى: ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: من الصدق والوفاء وهذا قول أكثرهم (٧) (٨) ﴿ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾ يعني: الطمأنينة والرضا حتى أقروا على أن يقاتلوا ولا يفروا، وذكر الفراء قولاً آخر قال: كان النبي -  - أري في منامه أن يدخل مكة فلم يتهيأ لذلك، وصالح أهل مكة على أن يخلوها له ثلاث من العام المقبل، ودخل المسلمين من ذلك أمر عظيم، فقال لهم النبي -  -: "إنما كانت رؤيا أريتها، ولم يكن وحياً من السماء" فعلم الله ما في قلوب المسلمين من ذلك، فأنزل السكينة عليهم، أي: الطمأنينة (٩) (١٠) (١١) (١) وردت قصة هذه البيعة بروايات مختلفة في بعض الألفاظ انظر: "صحيح البخاري" كتاب: المغازي باب (35) غزوة الحديبية، وقول الله تعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ 5/ 61، "تفسير الطبري" 13/ 85، "تفسير الثعلبي" 10/ 137 أ - ب، "تفسير البغوي" 7/ 305، "زاد المسير" 7/ 420، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 274، "البداية والنهاية" 4/ 164.

(٢) قال الليث: الخِلأُ في الإبل كالحِرَان في الدواب.

يقال: خلأت الناقة تخلأ خِلاءً إذا لم تبرح مكانها.

== قال الأزهري: قلت والخِلاء لا يكون إلا للناقة، وأكثر ما يكون الخِلاء منها إذا ضَبِعَتْ فتبرك ولا تثور.

انظر: "تهذيب اللغة" (خلأ) 7/ 576.

(٣) أخرج ذلك البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى.

انظر: "صحيح البخاري" كتاب: المغازي- باب (35) 5/ 63، وأخرج ذلك الطبري عن عبد الله بن أبي أوفى.

انظر: "تفسيره" 13/ 88، "تفسير البغوي" 7/ 305، "زاد المسير" 7/ 422، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 276.

(٤) أخرج الطبري عن ابن عباس أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين 13/ 87، وكذلك ذكر الثعلبي عن العوفي أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين، انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 138/ أ، وأورد نفس هذه الرواية ابن الجوزي في "زاد المسير" عن العوفي عن ابن عباس 7/ 422، وذكر الألوسي عن ابن سعد أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين، انظر: "تفسيره" 26/ 107، فلعل هذا خطأ من الناسخ.

(٥) ذكر ذلك البخاري عن قتادة وجابر، انظر: "صحح البخاري" كتاب: المغازي، == باب (35) 5/ 63، وأخرجه الطبري 13/ 87 عن قتادة، ونسبه البغوي 7/ 304 لجابر، ونسبه ابن الجوزي 7/ 422 لجابر وقتادة.

(٦) أخرج ذلك البخاري عن جابر، انظر كتاب: المغازي باب (35) 5/ 63، وأخرجه الطبري 13/ 87، والبغوي 7/ 403 عن جابر.

(٧) ذكره من غير نسبة: "الطبري" 13/ 88، "الثعلبي" 10/ 138 أ، "البغوي" 7/ 306، "زاد المسير" 7/ 434.

(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 73.

(٩) انظر: "معاني الفراء" 3/ 67.

(١٠) هكذا فسرها الطبري 13/ 88، وقال البغوي: الطمأنينة والرضاء 7/ 306، وكذلك ابن الجوزي في 7/ 434، وانظر: "تنوير المقباس" ص 513.

(١١) أخرج ذلك الطبري 13/ 88 عن قتادة، وابن أبي ليلى، وانظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 138 ب، "تفسير البغوي" 6/ 357.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار إن شاء الله أحد من أهل الشجرة الذين بايعوا تحتها» وفي الحديث أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة، وقيل: ألفاً وخمسمائة.

وسبب هذه البيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ الحديبية، وهي موضع على نحو عشرة أميال من مكة، أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه رسولاً إلى أهل مكة، يخبرهم أنه إنما جاء ليعتمر، وأنه لا يريد حرباً.

فلما وصل إليهم عثمان حبسه أقاربه كرامة له، فصرخ صارخ أن عثمان قد قتل.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة على القتال وأن لا يفر أحد.

وقيل: بايعوه على الموت ثم جاء عثمان بعد ذلك سالماً، وانعقد الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة؛ على أن يرجع ذلك العام ويعتمر في العام القابل، والشجرة المذكورة كانت سمرة هنالك ثم ذهبت بعد سنين.

فمر عمر بن الخطاب بالموضع في خلافته، فاختلف الصحابة في موضعها ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ يعني من صدق الإيمان وصدق العزم على ما بايعوا عليه، وقيل: من كراهة البيعة على الموت وهذا باطل.

لأنه ذم للصحابة وقد ذكرنا السكينة ﴿ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ يعني: فتح خيبر وقيل: فتح مكة والأول أشهر، أي جعل الله ذلك ثواباً لهم على بيعة الرضوان، زيادة على ثواب الآخرة.

وأما المغانم المذكورة أوّلاً فهي غنائم خيبر، وهي المعطوفة على الفتح القريب وأما المغانم الكثيرة التي وعدهم الله وهي المذكورة ثانياً فهي: كل ما يغنم المسلمون إلى يوم القيامة، والإشارة بقوله: ﴿ فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه ﴾ إلى خيبر.

وقيل: إن المغانم التي وعدهم هي خيبر والإشارة بهذه إلى صلح الحديبية ﴿ وَكَفَّ أَيْدِيَ الناس عَنْكُمْ ﴾ أي كف أهل مكة عن قتالكم في الحديبية.

وقيل: كف اليهود وغيرهم عن إضرار نسائكم وأولادكم بينما خرجتم إلى الحديبية ﴿ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي تكون هذه الفعلة وهي كف أيدي الناس عنكم آية للمؤمنين، يستدلون بها على النصر، واللام تتعلق بفعل محذوف تقديره: فعل الله ذلك لتكون آية ﴿ وأخرى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا ﴾ يعني فتح مكة، وقيل: فتح بلاد فارس والروم وقيل: مغانم هوازن في حنين، والمعنى لم تقدروا أنتم عليها، وقد أحاط الله بها بقدرته ووهبها لكم، وإعراب أخرى عطف على عجل لكم هذه أو مفعول بفعل مضمر تقديره: أعطاكم أخرى أو مبتدأ ﴿ وَلَوْ قاتلكم الذين كفَرُواْ ﴾ يعني أهل مكة ﴿ سُنَّةَ الله ﴾ أي عادته والإشارة إلى يوم بدر، وقيل: الإشارة إلى نصر الأنبياء قديماً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليؤمنوا ﴾ ﴿ ويعزروه ويوقروه ويسبحوه ﴾ بياءات الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ عليه الله ﴾ بضم الهاء: حفص ﴿ فسنؤتيه ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.

الآخرون: بالياء التحتانية والضمير لله  ﴿ شغلتنا ﴾ بالتشديد: قتيبة ﴿ ضراً ﴾ بالضم ﴿ كلم الله ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف ﴿ بل ظننتم ﴾ بالإدغام: علي وهشام ﴿ بل تحسدوننا ﴾ مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ ندخله ﴾ ﴿ ونعذبه ﴾ بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وإبن عامر ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو ﴿ الرؤيا ﴾ بالإمالة: ابن عامر وعلي وهشام ﴿ شطأه ﴾ بفتح الطاء من غير مد: ابن ذكوان والبزي والقواس.

الباقون: ساكنة الطاء.

الوقوف: ﴿ مبيناً ﴾ ه لا ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا على احتمال الجواز ههنا لتكرار إسم الله بالتصريح ﴿ عزيزاً ﴾ ه ﴿ إيمانهم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ سيئاتهم ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ظن السوء ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفين ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ه لا ﴿ وتوقروه ﴾ ط للفصل بين ضمير اسم الله وضمير الرسول في المعطوفين فيمن لم يجعل الضمائر كلها لله ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ يبايعون الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج ط للشرط مع الفاء ﴿ على نفسه ﴾ ج للعطف مع الشرط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ فاستغفر لنا ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ نفعاً ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ نتبعكم ﴾ ج لأن ما بعده حال عامله ﴿ سيقول ﴾ أو مستأنف ﴿ كلام الله ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للسين مع الفاء ﴿ تحسدوننا ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ يسلمون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ج ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ المريض حرج ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ قريباً ﴾ ه لا ﴿ يأخذونها ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ عنكم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو المعلل محذوف والواو داخلة في الكلام المعترض، أو عاطفة على تقدير ليستيقنوا ولتكون ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ بها ﴾ ج ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ محله ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ج لحق المحذوف أي قدر ذلك ليدخل ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال أن جواب " لولا" محذوف وأن يكون هذه مع جوابها جواباً للأولى ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ وأهلها ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لحق حذف القسم ﴿ آمنين ﴾ لا ﴿ مقصرين ﴾ لا لأنها أحوال متابعة ﴿ لا تخافون ﴾ ط لأن قوله ﴿ فعلم ﴾ بيان حكم الصدق كالأعذار فلا ينعطف على قوله ﴿ صدق الله ﴾ ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿ ورضواناً ﴾ ز لأن ﴿ سيماهم ﴾ مبتدأ غير أن الجملة من حد الأولى في كون الكل خبر والذين ﴿ السجود ﴾ ط ﴿ الإنجيل ﴾ ج لاحتمال أن التقدير هم كزرع ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه.

التفسير: الفتح في باب الجهاد هو الظفر بالبلد بصلح أو حرب لأنه منغلق ما لم يظفر به.

والجمهور على أن المراد به ما جرى يوم الحديبية.

عن أنس قال: لما رجعنا عن الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة، أنزل الله ﴿ إنا فتحنا ﴾ فقال  : "لقد أنزل عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا كلها" .

والحديبية بئر سمي المكان بها وكان قد غاض ماؤها فتمضمض فيها النبي  فجاء بالماء حتى عمهم.

وعن ابن شهاب: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية وضعت الحرب وأمن الناس.

وقال الشعبي: أصاب النبي  في تلك الغزوة ما لم يصب في غيرها، بويع فيها بيعة الرضوان تحت الشجرة، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وكان رسول الله  وعد به فصح صدقه وأطعم نخل خيبر.

وذلك أن رسول الله  بعد هجرته إلى المدينة أحب أن يزور بيت الله الحرام بمكة فخرج قاصداً نحوه في سنة ست من الهجرة، وخرج معه أولو البصيرة وتخلف من كان في قلبه مرض ظناً منه أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً.

واستصحب سبعين بدنة لينحرها بمكة، ولما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم بالعمرة لتعلم قريش أنه لم يأت لقتال وكانوا ألفاً وثلثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة فبايعوه إلا جد بن قيس فإنه اختبأ تحت إبطي ناقته، فجاءه عروة بن مسعود لإيقاع صلح.

فلما رأى أصحاب النبي  فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله على أني أرى وجوهاً وأسراباً خليقاً أن يفروا ويدعوك؟

فشتمه أبو بكر فلما عاد إلى قريش قال: لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك وما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً.

والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تفخيماً، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه.

فلما اتفقوا على الصلح جاء سهيل بن عمرو المخزومي وتصالحوا على أن لا يدخل النبي  مكة سنته بل يعود في القابل ويقيم ثلاثة أيام ثم ينصرف، فلما كتب علي بن أبي طالب  "بسم الله الرحمن الرحيم".

قال سهيل: ما نعرف "الرحمن الرحيم" اكتب في قضيتنا ما نعرف "باسمك اللهم".

ولما كتب "هذا ما صالح محمد رسول الله  ".

قال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله.

فتنازع المسلمون وقريش في ذلك وكادوا يتواثبون، فمنعهم رسول الله  وأمرهم بالإجابة فكتب "هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجاً أو معتمراً أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة مجتازاً إلى مصر والشام أو يبتغي من فضل الله فهو على دمه وأهله آمن، وعلى أنه من جاء محمداً من قريش فهو إليهم ردّ، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم" فاشتدّ ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عيله وسلم: من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فإن علم الله منه الإسلام جعل له مخرجاً.

فلما فرغوا من الهدنة نحر النبي  وحلق وفعل أصحابه ذلك فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ يريد ما كان من أمر الحديبية والفتح قد يكون بالصلح.

وقيل: كان ذلك بلفظ الماضي على عادة إخبار الله.

وقال ابن عيسى: الفتح الفرج المزيل للهم ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان يؤدّي إلى الثقة.

وقيل وهو قول قتادة: الفتح القضاء والحكم، والفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة أي حكما لك بهذه المهادنة وأرشدناك إلى الإسلام ليغفر لك الله.

قال أهل النظم: لأوّل هذه السورة مناسبة تامة مع آخر السورة المتقدّمة وذلك أنه قال ﴿ ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا  ﴾ إلى آخره فبين بعد ذلك أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاعت عنهم هذه الفوائد.

وأيضاً لما قال ﴿ وأنتم الأعلون  ﴾ بين برهانه بصلح الحديبية أو بفتح مكة وكان في قوله ﴿ وتدعوا إلى السلم  ﴾ إشارة إلى ما جرى يوم الحديبية من أن المسلمين صبروا إلى أن طلب المشركون الصلح.

سؤال: ما المناسبة بين الفتح والمغفرة حتى جعلت غاية له؟

الجواب الغاية هي مجموع المغفرة وما ينعطف عليها كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة وغيره من الفتوح ليجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل.

ويجوز أن تكون الفتوح من حيث إنها جهاد للعدّو سبباً للغفران والثواب.

قال جار الله: وقيل: تقدير الكلام إنا فتحنا لك فاستغفره ليغفر لك كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح  ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره  ﴾ وقيل: إن فتح مكة كان سبباً لتطهير البيت من رجس الأوثان، وتطهير بيته سبب لتطهير عبده.

وأيضاً بالفتح يحصل الحج وبالحج تحصل المغفرة كما ورد في الأخبار " "خرج كيوم ولدته أمه" وأيضاً إن الناس قد علموا عام الفيل أن مكة لا يتسلط عليها عدواً لله، فلما فتحت للرسول  عرف أنه حبيب الله المغفور له.

أما الذنب فقيل: أراد به ذنب المؤمنين من أمته، أو أريد به ترك الأفضل والصغائر سهواً أو عمداً.

ومعنى ﴿ ما تأخر ﴾ أي عن الفتح أو ما تقدم عن النبوّة وتأخر عنها.

وقيل ﴿ ما تقدم ﴾ ذنب أبويه آدم وحواء ﴿ وما تأخر ﴾ ذنب أمته.

وقيل: أراد جميع الذنوب فحدّ أوّلها وآخرها، أو هو على وجه المبالغة كما تقول: أعطى من رأى ومن لم يره.

وقيل: ما تقدم من أمر مارية وما تأخر من أمر زينب وهو قول سخيف لعدم التئام الكلام ظاهراً.

والأولى أن يقال: ما تقدم النبوّة بالعفو وما تأخر عنها بالعصمة ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك لقوله ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ ومن إتمام النعمة تكليف الحج وقد تم يومئذ ولم يبق للنبي  عدوّ من قريش، فإن كثيراً منهم وقد أهلكوا يوم بدر، والباقين آمنوا واستأمنوا يوم الفتح.

وقيل: إمام النعمة في الدنيا باستجابة الدعاء في طلب الفتح وفي الآخرة بقبول الشفاعة ﴿ ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ أي يثبتك ويهديك عليه فإن الفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط الله، ولعل المراد بهذا الخطاب هو أمته.

والنصر العزيز ذو العزة وهو الذي لا ذل بعده، أو هو بمعنى المعز أو الممتنع على الغير وهو النفيس الذي لا يناله كل أحد.

وفي الآية تفخيم شأن الفتح والنصر من وجوه: أحدها لفظ (إنا) الدال على التعظيم.

وثانيها لفظ (لك) الدال على الاختصاص.

ثالثها إعادة اسم الله في الموضعين أوّلاً وآخراً.

ثم بين سبب النصر بقوله ﴿ هو الذي أنزل السكينة ﴾ وهي السكون والوقار والطمأنينة والثقة بوعد الله كما مر في "البقرة" وفي "التوبة" ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ أي يقيناً مع يقينهم أو إيماناً بالشرائع مع إيمانهم بالله.

وعن ابن عباس أو أول ما أتاهم به النبي  التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجاد ثم الحج، أو ازدادوا إيماناًَ استدلالياً مع إيمانهم الفطري.

وعلى هذا ففائدة قوله ﴿ مع إيمانهم ﴾ أن الفطرة تشهد بالإيمان، فلما عرفوا صحة الإيمان بالنظر والاستدلال انضم هذا الثاني إلى الأول.

وجنود السموات والأرض ملائكتهما، ويمكن أن يراد بمن في الأرض الثقلان والحيوان غير الإنسان.

ويحتمل أن يراد بالجنود معنى أعم وهو الأسباب الأرضية والسماوية فيدخل فيهما الصيحة والرجفة.

وظن السوء هو ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم، أو أن الله  لا ينصرهم على أعدائهم، أو أن لله شريكاً، أو أنه لا يقدر على إحياء الموتى.

ومعنى دائرة السوء أن ضرر ظنهم يعود إليهم ويدور عليهم وقد مر في سورة التوبة.

قال بعض العلماء: ضم المؤمنات ههنا إلى المؤمنين بخلاف قوله ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] ﴿ وبشر المؤمنين  ﴾ ونحو ذلك.

والسر فيه أن كل موضع يوهم اختصاص الرجال به مع كون النساء مشاركات لهم ذكرهن صريحاً نفياً لهذا التوهم، وكل موضع لا يوهم ذلك اكتفى فيه بذكر الرجال لأنهم الأصل في أكثر الأحكام والتكاليف.

مثلاً من المعلوم أن البشارة والنذارة عامة للناس قاطبة فلم يحتج فيهما إلى ذكر النساء بخلاف هذه الآية فإن إدخال الجنة يوهم أنه لأجل الجهاد مع العدوّ والفتح على أيديهم والمرأة لا جهاد عليها، فكان يظن أنهن لا يدخلن الجنات فنفى الله  هذا الوهم، وكذا الكلام في تعذيب المنافقات والمشركات.

نكتة الجنود المذكورة أوّلاً هي جنود الرحمة فكانوا سبباً لإدخال المؤمنين الجنة بالإكرام والتعظيم ثم إلباسهم خلع الكرامة لقوله ﴿ ويكفر عنهم سيئاتهم ﴾ ثم تشريفهم بالفوز العظيم من الله كما قال ﴿ وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً ﴾ وأما الكافر فعكس منه الترتيب: أخبر بتعذيبهم أوّلاً على الإطلاق، ثم فصل بأنه يغضب عليهم أوّلاً ثم يوبقهم في خبر اللعن والبعد عن الرحمة، ثم يسلط عليهم ملائكة العذاب الذين هم جنوده كما قال ﴿ عليها ملائكة غلاظ شداد  ﴾ ولا ريب أن كل ذلك على قانون الحكمة إلا أنه قرن العلم في الأول إلى الحكمة تنبيهاً على أن إنزال السكينة وازدياد إيمان المؤمنين وترتيب الفتح على ذلك كانت كلها ثابتة في علم الله، جارية على وفق الحكمة.

وقرن العز بالحكمة ثانياً لأن العذاب والغضب وسلب الأموال والغنائم يناسب ذكر العزة والغلبة والقهر زادنا الله إطلاعاً على أسرار قرآنه الكريم وفرقانه العظيم.

ثم مدح رسول صلى الله عيله وسلم وذكر فائدة بعثته ليرتب عليه ذكر البيعة فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ على أمتك ﴿ ومبشراً ونذيراً ﴾ وقد مر في سورة الأحزاب مثله إلا أن قوله ﴿ لتؤمنوا بالله ورسوله ﴾ قائم مقام قوله هناك ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه  ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، وأما من قرأ على الخطاب فلتنزيل خطاب النبي منزلة خطاب المؤمنين.

وقوله ﴿ وتعزروه وتوقروه ﴾ كلاهما بمعنى التعظيم من العز والوقار ينوب منابه.

قوله هناك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ وذلك أن النور متبع والتبجيل والتعظيم دليل المتبوعية.

وقال جار الله: الضمائر كلها لله عز وجل وتعظيم الله تعظيم دينه ورسوله.

وقوله ﴿ وتسبحوه ﴾ من التسبيح أو من السبحة وهي صلاة التطوع.

و ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ للدوام أو المراد صلاة الفجر والعصر وحدها أو مع الظهر قاله ابن عباس.

﴿ إن الذين يبايعونك ﴾ هي بيعة الرضوان تحت الشجرة كما يجيء في السورة.

وقيل: ليلة العقبة وفيه بعد.

وسماها مبايعة تشبيهاً بعقد البيع نظيره ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم  ﴾ ﴿ إنما يبايعون الله ﴾ لأن طاعة الرسول هي طاعة الله في الحقيقة.

ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ يد الله فوق أيديهم ﴾ قال أهل المعاني: هذا تمثيل وتخييل ولا جارحة هناك.

وقيل: اليد النعمة أي نعمة الله عليهم بالهداية فوق إحسانهم إلى الله بإجابة البيعة كما قال ﴿ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم  ﴾ قال القفال: هو من قوله  : "اليد العليا خير من اليد السفلى" يريد بالعليا المعطية أي الله يعطيهم ما يكون له به الفضل عليهم.

وقيل: اليد القوة أي نصرته إياهم فوق نصرتهم لرسوله.

وقيل: يد الله بمعنى الحفظ فإن المتوسط بين المتبايعين يضع يده فوق يدهما فلا يترك أن تتفارق أيديهما حتى يتم البيع، والمراد أن الله  يحفظهم على بيعتهم.

ثم زجرهم من نقض العهد وحثهم على الوفاء بقوله ﴿ فمن نكث ﴾ إلى آخره.

والنكث والنقض أخوان.

وقوله ﴿ فإنما ينكث على نفسه ﴾ أي لا يعود ضرر نكثه إلا عليه.

قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله  تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقاً اختبأ تحت إبط ناقته ولم يثر مع القوم.

ثم بين ما يعلم منه إعجاز القرآن لأنه أخبر عن الغيب وقد وقع مطابقاً وله في السورة نظائر فقال ﴿ سيقول لك المخلفون ﴾ هم أسلم ومزينة وجهينة وغفار.

وقيل: سموا مخلفين لأن التوفيق خلفهم ولم يعتدّ بهم.

والظاهر أنهم سموا بذلك لأنه  حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر الأعراب وأهل البوادي حذراً من قريش أن يصدّوه عن البيت، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم قصدوه في داره بالمدينة وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة فاعتلوا.

فلما رجع رسول الله  اعتذروا وقالوا ﴿ شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ﴾ سل الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك وإن كان من عذر فكذبهم الله بقوله ﴿ يقولون بألسنتهم ﴾ وقوله شيئاً من الضر كقتل وهزيمة ولا يوصل إليهم نفعاً إلا ما شاء الله.

وإنما قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ لكم ﴾ لأنه في قوم بأعيانهم بخلاف "المائدة" فإنه عام لقوله ﴿ أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً  ﴾ ثم ردّ قولهم اللساني فقال ﴿ بل كان الله بما تعملون خبيراً ﴾ ثم ردّ اعتذارهم الواهي بقوله ﴿ بل ظننتم ﴾ الآية.

والبور جمع بائر أي هالك والباقي واضح إلى قوله ﴿ رحيماً ﴾ وفيه بيان كمال قدرته على تعذيب الكافرين مع أن مغفرته ذاتيه ورحمته سابقة.

وقوله ﴿ سيقول المخلفون ﴾ إنما لم يقل هنا لك لأن المخاطبين هم المؤمنون كلهم لا النبي وحده.

وجمهور المفسرين على أن هؤلاء هم المخلفون المذكورون فيما تقدم.

وقوله ﴿ إلى مغانم ﴾ هي مغانم خيبر، وذلك أن رسول الله  وعد أهل الحديبية أن غنائم أهل خيبر لهم خصوصاً من غاب منهم ومن حضر بدل تعب السفر في العمرة التي صدّهم المشركون عنها.

وزاد الزهري فقال: وإن حضرها من غيرهم من الناس.

قالوا: ولم يغب منهم عنها أحد إلا جابر ابن عبد الله، فقسم له رسول الله  كسهم من حضر.

وكان انصراف النبي  في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر وخرج معه من شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالاً كثيرة وجعلها لهم خاصة، وكان قبل ذلك وعد النبي  أصحابه غنائم خيبر فسمع المنافقون ذلك فقالوا للمؤمنين ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ فمنعهم النبي  لأن أمره أن لا يخرج إلى خيبر إلا أهل الحديبية وذلك قوله ﴿ يريدون أن يبدّلوا كلام الله ﴾ فقال الله لنبيه ﴿ قل لنا تتبعونا ﴾ أي في خيبر.

وقيل: عامّ في غزواته ﴿ كذلكم قال الله من قبل ﴾ أي قبل انصرافهم إلى المدينة ﴿ فسيقولون ﴾ ردّاً على النبي والمؤمنين إن الله لم يأمركم به ﴿ بل تحسدوننا ﴾ أن نشارككم في الغنيمة فرد الله عليهم ردّهم بقوله ﴿ بل كانوا لا يفقهون إلا ﴾ فهماً ﴿ قليلاً ﴾ وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، أو هو فهمهم من قوله ﴿ قل لن تتبعونا ﴾ مجرد النهي فحملوه على الحسد ولم يعلموا أن المراد هو أن هذا الاتباع لا يقع أصلاً لأن الصادق قد أخبر بنفيه.

وذهب جماعة من المفسرين منهم الزجاج إلى أن كلام الله ههنا هو قوله في سورة براءة ﴿ لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ واعترض بأن هذا في قصة تبوك التي كانت بعد الحديبية بسنتين بإجماع من أهل المغازي.

وأجاب بعضهم بأن هذ الآية أعني ﴿ سيقول المخلفون ﴾ نزلت في غزوة تبوك أيضاً.

وعندي أن الاعتراض غير وارد ولا حاجة إلى الجواب المذكور.

ثم إن الله  أخبر عن مخلفي الحديبية بأنهم سيدعون إلى قوم أولي قوة ونجدة في الحروب.

وقيل: هم هوازن وغطفان.

وقيل: هم الروم، غزاهم رسول الله  في تبوك.

والأكثرون على أن القوم أولي البأس الشديد هم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر الصدّيق لأنه  قال ﴿ تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية.

هذا عند أبي حنيفة، وأما الشافعي فعنده لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، والمجوس دون مشركي العجم والعرب.

وقد يستدل بهذا على إمامة أبي بكر فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله  ، ولكن بعد وفاته ولا سيما فيمن يزعم أنه نزل فيهم ﴿ لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ اللهم إلا أن يقال: المراد لن تخرجوا معي ما دمتم على حالكم من مرض القلوب والاضطراب في الدين، أو أنهم لا يتبعون الرسول إلا متطوّعين لا نصيب لهم في المغنم قاله مجاهد.

وقوله ﴿ أو يسلمون ﴾ رفع على الاستئناف يعني أو هم يسلمون.

ويجوز أن يراد إلى أن يسلموا، فحين حذف "أن" رفع الفعل.

وقيل: الإسلام ههنا الانقياد فيشمل إعطاء الجزية أيضاً.

والأجر الحسن في الدنيا الغنيمة، وفي الآخرة الجنة.

وقيل: الغنيمة فقط بناء على أن الآية في المنافقين، وعلى هذا لا يتم الاستدلال على إمامة الخلفاء.

وقوله ﴿ من قبل ﴾ أي في الحديبية.

قال ابن عباس: إن أهل الزمانة قالوا: يا رسول الله كيف بنا؟

فأنزل الله  ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ أي إثم في التخلف لأنه كالطائر الذي قص جناحه لا يمتنع على من قصده.

وقدم الأعمى لأن عذره مستمر ولو حضر القتال، والأعرج قد يمكنه الركوب والرمي وغير ذلك.

نعم يتعسر عليه الحرب ماشياً وكذا جودة الكر والفر راكباً.

وقد يقاس الأقطع على الأعرج، ويمكن أن لا يكون الأقطع معذوراً لأنه نادر الوجود.

والأعذار المانعة من الجهاد أكثر من هذا وقد ضبطها الفقهاء بأن المانع إما عجز حسي أو عجز حكمي.

فمن الأول الصغر والجنون والأنوثة والمرض المانع من الركوب للقتال لا كالصداع ووجع السن، ومنه العرج البين وإن قدر على الركوب لأن الدابة قد تهلك.

وعند أبي حنيفة لا أثر للعرج في رجل واحدة، ومنه فقد البصر ولا يلحق به العور والعشي، ومنه عدم وجدان السلاح وآلات القتال.

ومن الثاني الرق والدين الحالّ بلا إذن رب الدين ومن أحد أبويه في الحياة ليس له الجهاد لا بإذنه إلا إذا كان كافراً.

والباقي واضح إلى قوله ﴿ لقد رضى الله ﴾ .

وبه سميت بيعة الرضوان ويبايعونك حكاية الحال الماضية والشجرة كانت سمرة.

وقيل: سدرة روي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت.

وعن جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ من خلوص النية ﴿ فأنزل السكينة ﴾ الطمأنينة والأمن عليهم ﴿ وأثابهم ﴾ جازاهم عن الإخلاص في البيعة ﴿ فتحاً قريباً ﴾ هو فتح خيبر غب انصرافه من الحديبية كما ذكرناه.

وقيل: هو فتح مكة ﴿ ومغانم كثيرة يأخذونها ﴾ هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة ﴾ هي التي أصابوها مع النبي  أو بعده إلى يوم ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ يعني غنيمة خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان جاؤا لنصرتهم فقذف الله الرعب في قلوبهم وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، وقيل: أيدي اليهود حين خرجتم وخلفتم عيالكم بالمدينة وهمت اليهود بهم فمنعهم الله قوله ﴿ ولتكون آية ﴾ أي لتكون هذه الغنيمة المعجلة دلالة على ما وعدهم الله من الغنائم، أو دلالة على صحة النبوة من حيث إنه أخبر بالفتح القريب وقد وقع مطابقاً.

وقيل: الضمير للكف والتأنيث لأجل التأنيث الخبر، أو بتقدير الكفة ويهديكم ويثبتكم ويزيدكم بصيرة.

قوله ﴿ وأخرى ﴾ أي وعدكم الله مغانم أخرى.

عن ابن عباس: هي فتوح فارس والروم.

أو يقال: مغانم هوازن في غزوة حنين لم يظنوا أن يقدروا عليها لما فيها من الهزيمة، ثم الرجوع مرة بعد أخرى قد أحاط الله بها علماً أنها ستصير لكم.

قال جار الله: يجوز في ﴿ أخرى ﴾ النصب بفعل مضمر يفسره ﴿ قد أحاط ﴾ أي وقضى الله أخرى قد أحاط بها.

ويجوز فيها الرفع على الابتداء لكونها موصوفة بالجملة و ﴿ قد أحاط ﴾ خبره.

وجوز الجر بإضمار "رب".

ثم بين أن نصر الله إياهم في صلح الحديبية أو في فتح خيبر لم يكن اتفاقياً بل كان إلهياً سماوياً فقال ﴿ ولو قاتلكم ﴾ إلى آخره.

والسر فيه أن الله كتب وأوجب غلبة حزبه ونصر رسله كما قال ﴿ سنة الله ﴾ إلى آخره.

عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبي  من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي  وأصحابه، فأخذهم واستحياهم فأنزل الله  ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ﴾ وهو الحديبية لأنها من أرض الحرم.

وقيل: هو التنعيم.

وقيل: إظفاره دخوله بلادهم بغير إذنهم.

وعن عبد الله بن مغفل المزني قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي ذكرها الله في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله  فأخذ الله  بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم  : هل كنتم في عهد أحد وهل جعل لكم أحد أماناً فقالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله الآية.

وإنما قدم كف أيدي الكفار عن المؤمنين لأنهم أهم.

وقيل: كف أيديكم بأن أمركم أن لا تحاربوا، وكف أيديهم بإلقاء الرعب أو بالصلح وقيل: إن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة رجل فقال النبي  لخالد بن الوليد: هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل.

فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله ارم بي حيث شئت.

فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد فهزمه حتى أدخله جوف مكة.

فأنزلت الآية.

وسمي خالد يومئذ سيف الله.

وروي أن كفار مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخولهم بيوت مكة.

ثم ذم قريشاً بقوله ﴿ هم الذين كفروا وصدّوكم ﴾ يعني يوم الحديبية ﴿ عن المسجد الحرام ﴾ أن تطوفوا به للعمرة ﴿ و ﴾ صدّوا ﴿ الهدى ﴾ أو صدّوكم مع الهدي حال كونه ﴿ معكوفاً ﴾ أي محبوساً ممنوعاً موقوفاً عن ﴿ أن يبلغ محله ﴾ المعهود وهو مِنى وقد مر تفسير الهدي ومحله والبحث عنه في "البقرة".

ثم بين حكمة المصالحة بقوله ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ﴾ وقوله ﴿ لم تعلموهم ﴾ سفة الرجال والنساء جميعاً على جهة التغليب.

و ﴿ أن تطؤهم ﴾ بدل الاشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في ﴿ تعلموهم ﴾ والوطء كالدّوس عبارة عن الإيقاع والإهلاك.

وقوله ﴿ فتصيبكم ﴾ جواب النفي أو عطف على ﴿ أن تطؤهم ﴾ والمعرة "مفعلة" ممن العرالعيب كالجرب ونحوه.

وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متقدم في النية متعلق بـ ﴿ أن تطؤهم ﴾ والفحوى أنه كان بمكة ناس من المسلمين فقال  : ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً من المؤمنين فيما بين المشركين وأنتم غير عالمين بحالهم فتصيبكم بإهلاكهم تبعة في الدين لوجوب الدية والكفارة أو عيب بسوء قالة أهل الشرك، إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا، أو أثم إذا جرى دينهم منكم بعض التقصير لما كف أيديكم عنهم، والكلام يدل على هذا الجواب وفي حذفه فخامة وذهاب للوهم كل مذهب، ويعلم منه أنه يفعل بهم إذ ذاك ما لا يدخل تحت الوصف.

وجوّزوا أن يكون ﴿ لو تزيلوا ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ ولولا رجال ﴾ لرجعهما إلى معنى واحد.

والتنزيل التميز والتفرق ويكون ﴿ لعذبنا ﴾ هو الجواب.

وقوله ﴿ ليدخل ﴾ تعليل لما دلت عليه الآية من كف الأيدي عن قريش صوناً لأهل الإيمان المختلطين بهم كأنه قيل: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله مؤمنيهم في حيز توفيق الخير والطاعة، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من المشركين.

وحكى القفال أن اللام متصل بالمؤمنين والمؤمنات أي آمنوا لكذا.

وقوله ﴿ إذ جعل ﴾ يجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" أو يكون ظرفاً ﴿ لعذبنا ﴾ أو لـ ﴿ ـصدّوكم ﴾ وفاعل ﴿ جعل ﴾ يجوز أن يكون ﴿ الله ﴾ وقوله ﴿ في قلوبهم ﴾ بيان لمكان الجعل كما مر في قوله { ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل  ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه الحمية والظرف فيكون جعلهم في قلبهم بإزاء أنزل الله.

والحمية في مقابلة السكينة، والحمية الأنفة والاستكبار الذي كان عليها أهل الجاهلية، ومن ذلك عدم إقرارهم بمحمد  ومنه ما جرى في قصة الحديبية من إبائهم أن يكتب في كتاب العهد "بسم الله الرحمن الرحيم" وأن يكتب "محمد رسول الله" يقال: حميت أنفي حمية كأنها "فعلية" بمعنى "مفعول" من الحماية اسم أقيم مقام المصدر كالسكينة بمعنى السكون فأنزل الله على رسوله السكينة والوقار حتى أعطاهم ما أرادوا.

وكلمة التقوى التسمية والتوحيد والاعتراف برسالة محمد  ، اختارها الله للمؤمنين.

ومعنى الإضافة إنها سبب التقوى وأساسها، أو المراد كلمة أهل التقوى الذين يتقون بها غضب الله.

﴿ وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ لأنهم خيار الأمم.

وقيل: أراد وكانوا يعني أهل مكة أحق بهذه الكلمة لتقدّم إنذارهم إلا أن بعضهم سلبوا التوفيق.

وحكى المبرد أن الذين كانوا قبلنا لم يكن لأحد أن يقول "لا إله إلا الله" في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقول أكثر من ذلك.

وكان قائلها يمدّ بها صوته إلى أن ينقطع نفسه تبركاً بذكر الله، وقد جعل الله لهذه الأمة أن يقولوها متى شاؤا وهو قوله ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ أي ندبهم إلى ذكرها ما استطاعوا.

ثم قص رؤيا نبيه  بياناً لإعجازه فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.

وقصته أنه رأى في المنام أن ملكاً قال له ﴿ لتدخلن ﴾ إلى قوله ﴿ لا تخافون ﴾ فأخبر أصحابه بها ففرحوا وجزموا بأنهم داخلوها في عامهم، فلما صدّوا عن البيت واستقر الأمر على الصلح قال بعض الضعفة: أليس كان يعدنا النبي  أن نأتي البيت فنطوف به؟

فقال لهم أهل البصيرة: هل أخبركم أنكم تأتونه العام؟

فقالوا: لا.

قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت فأنزل الله تصديقه.

ومعنى ﴿ صدق الله رسوله الرؤيا ﴾ صدقه في رؤياه ولم يكذبه.

وقوله ﴿ بالحق ﴾ إما أن يكون متعلقاً بـ ﴿ صدق ﴾ أي صدقه فيما رأى صدقاً متلبساً بالحق وهو أن يكون ما أراه كما أراه، وإما أن يكون حالاً من الرؤيا أي متلبسة بالحق يعني بالغرض الصحيح وهو الإبتلاء، وتميز المؤمن المخلص من المنافق المرائي.

وجوّز أن يكون ﴿ بالحق ﴾ قسماً لأنه إسم من أسماء الله  ، أو لأن المراد الحق الذي هو نقيض الباطل فتكون اللام في ﴿ لتدخلنّ ﴾ جواب القسم لا للابتداء فيحسن الوقف على ﴿ الرؤيا ﴾ .

والبحث عن الحلق والتقصير وسائر أركان الحج والعمرة وشرائطهما استوفيناها في سورة البقرة فليتذكر.

وفي ورود ﴿ إن شاء الله ﴾ في خبر الله عز وجل أقوال أحدها: أنه حكاية قول الملك كما روينا.

والثاني أن ذلك خارج على عادة القرآن من ذكر المشيئة كقوله ﴿ يغفر لمن يشاء ﴾ ﴿ ويعذب المنافقين إن شاء ﴾ والمعنى إن الله يفعل بالعباد ما هو الصلاح فيكون استثناء تحقيق لا تعليق.

والثالث أنه أراد لتدخلن جميعاً إن شاء ولم يمت أحد أو لم يغب.

والرابع أنه تأديب وإرشاد إلى استعمال الاستثناء في كل موضع لقوله  وقد دخل البقيع " "وأنا إن شاء الله بكم لاحقون" وليس في فروع الموت استثناء.

الخامس أنه راجع إلى حالة الأمن وعدم الخوف.

ثم رتب على الصدق وعلى سوء ظن القوم قوله ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ من الحكمة في تأخير الفتح إلى العام القابل ﴿ فجعل من دون ذلك ﴾ الفتح ﴿ فتحاً قريباً ﴾ وهو فتح خيبر.

ثم أكد صدق الرؤيا بل صدق الرسول في كل شيء بقوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ الآية.

وذلك أنه كذب رسوله كان مضلاً ولم يكن إرساله سبباً لظهور دينه وقوة ملته.

وقد مر نظير الآية في سورة التوبة.

ومن استعلاء هذا الدين أنه لا ترى أهل ملة إلا والمسلم غالب عليه إلا أن يشاء الله.

وقد يقال: إن كمال العز والغلبة عند نزول عيسى  فلا يبقى على الأرض كافر ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على أن هذا الدين يعلو ولا يعلى.

ثم أكد الشهادة وأرغم أنف قريش الذين لم يرضوا بهذا التعريف في كتاب العهد فقال ﴿ محمد رسول الله ﴾ فهو مبتدأ وخبر.

وجوز أهل الإعراب أن يكون المبتدأ محذوفاً لتقدم ذكره في قوله ﴿ أرسل رسوله ﴾ أي هو محمد فيكون ﴿ رسول الله ﴾ صفة أو عطف بيان، وجوزوا أن يكون ﴿ محمد ﴾ مبتدأ و ﴿ رسول الله ﴾ صفته أو بياناً.

وقوله ﴿ والذين معه ﴾ وهم الصحابة عطفاً على ﴿ محمد ﴾ وخبر الجميع ﴿ أشداء على الكفار ﴾ جمع شديد كما قال ﴿ واغلظ عليهم  ﴾ ﴿ أعزة على الكافرين  ﴾ عن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم فكيف بأبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه.

والمصافحة جائزة بالاتفاق، وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة  وإن كان التقبيل على اليد.

ومن حق المؤمنين أن يراعوا هذه السنة أبداً فيتشدّدوا على مخالفيهم ويرحموا أهل دينهم ﴿ تراهم ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب ﴿ ركعاً سجداً ﴾ راكعين ساجدين ﴿ يبتغون فضلاً من الله ﴾ بالعفو عن تقصيرهم ﴿ ورضواناً ﴾ منه عن أعمالهم الصالحة بأن يتقبلها الله منهم ﴿ سيماهم ﴾ علامتهم ﴿ في وجوههم من أثر السجود ﴾ فيجوز أن تكون العلامة أمراً محسوساً وأن السجود بمعنى حقيقة وضع الجبهة على ألأرض، وكان كل من عليّ بن الحسين زين العابدين  وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك يقال له ذو الثفنات، لأن كثرة سجودهما أحدثت في مواضع السجود منهما أشباه ثفنات البعير.

والذي جاء في الحديث "لا تعلبوا صوركم" أي لا تخدشوها.

وعن ابن عمر أنه رأى رجلاً أثر في وجهه السجود فقال: إن صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تشن صورتك محمول على التعمد رياء وسمعة.

وعن سعيد بن المسيب هي ندى الطهور وتراب الأرض.

ويجوز أن يكون أمراً معنوياً من البهاء والنور.

وعن عطاء: استنارت وجوههم من التهجد كما قيل "من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وإن الذي يبيت شارباً يتميزعند أراب البصيرة من الذي يبيت مصلياً وفيه قال بعضهم: عيناك قد حكتا مبيـ *** ـتك كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتـ *** ـك مبيت صاحبها عياناً قال المحققون: إن من توجه إلى شمس الدنيا لا بد من أن يقع شعاعها على وجهه، فالذي أقبل على شمس عالم الوجود وهو الله  كيف لا يستنير ظاهره وباطنه ولا سيما يوم تبلى السرائر ويكشف الغطاء ﴿ ذلك مثلهم ﴾ أي ذلك الوصف وصفهم العجيب الشأن في الكتابين: ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله ﴿ كزرع ﴾ إلى آخره.

كقوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ وقد يقال: تم الكلام عند قوله ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ مثلهم في الإنجيل كزرع ﴾ لما روى أنه مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر عرفوا إلى بني إسرائيل بهذا الوصف ليعرفوهم إذا أبصروهم.

والشطء بالتسكين والتحريك فراخ الزرع التي تنبت إلى جانب الأصل، ومنه شاطىء النهر.

﴿ فآزره ﴾ من المؤازره المعاونة.

ويجوز أن يكون أفعل من الأزر القوة أي أعان الزرع الشطء أو بالعكس.

﴿ فاستغلظ ﴾ الزرع أو الشطء أي صار من الرقة إلى الغلظ ﴿ فاستوى على سوقه ﴾ فاستقام على قصبته أي تناهى وصار كالأصل بحيث يعجب الزارعين.

والسوق جمع ساق وقد يخص الساق بالشجر فيكون ساق الزرع مجازاً مستعاراً.

ووجه التشبيه أن النبي  خرج وحده ثم أتبعه من ههنا قليل ومن ههنا حتى كثروا وقوي أمرهم.

وقوله ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾ تعليل لوجه التشبيه أو للتشبيه أي ضرب الله ذلك المثل وقضى وحكم بذلك ليغيظ بمحمد  وأصحابه كفار مكة والعجم.

وقيل: هذا الزرع يغيظ بكثرته الكفار أي سائر الزرّاع الذين ليس لهم مثل زرعهم وفيه بعد، ولكن الكلام لا يخلو عن فصاحة لفظية من قبل المناسبة بين الزراع والكفار لاشتراكهما بالجملة في معنى من المعاني وإن لم يكن مقصوداً ههنا.

وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله ﴿ والذين معه ﴾ أبو بكر ﴿ أشداء على الكفار ﴾ عمر ﴿ رحماء بينهم ﴾ عثمان ﴿ نراهم ركعاً سجداً ﴾ علي  ﴿ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ﴾ طلحة والزبير ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ سعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة ابن الجراح.

وعن عكرمة: أخرج شطأة بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ.

وقوله ﴿ منهم ﴾ لبيان الجنس.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ ليغيظ ﴾ تعليلاً للوعد لان الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما حصل لهم في الدنيا من الغلبة والاستعلاء غاظهم ذلك والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ لما عزموا على الوفاء على ما بايعوا رسول الله  والصدق لذلك، والتحقيق لما عهدوا من الوفاء لذلك - أخبر الله أن قد  م لذلك، فنحن نستدل به على صدق ذلك وتحقيقه وإن لم يخبرنا الله  أنهم قد عزموا على ذلك، فيجوز لنا أن نشهد أنهم قد عزموا على الوفاء لذلك والصدق له، وقد يكون من الاستدلال ما تكون الشهادة له بالحق والصدق إذا كان في الدلالة مثل ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكرنا: علم ما في قلوبهم من العزم على الوفاء والصدق؛ لما أعطوا بأيديهم من أنفسهم.

والثاني: علم ما في قلوبهم من الخوف والخشية، وذلك يتوجه وجهين: أحدهما: أنهم خشوا ألا يتهيأ لهم القيام بأهل مكة؛ لأنهم كانوا مستعدين للحرب والقتال، وهم كانوا خرجوا لقضاء المناسك وزيارة البيت، خشوا ألا يقوموا لهم؛ فلم يفوا ما عاهدوا.

والثاني: خشوا ألا يقدروا على وفاء ما بايعوا وأعطوه؛ لأن في ذلك مناصبة جميع أهل الأديان والمذاهب، والله أعلم.

والثالث: علم ما في قلوبهم من الكراهة التي يذكرها أهل التأويل، لكن تلك الكراهة كراهة الطبع، لا كراهة الاختيار؛ لأنهم طمعوا الوصول إلى البيت، ورجوا دخولها، فلما جرى الصلح بينهم على ألا يدخلوا عامهم ذلك، فانصرفوا، فاشتد ذلك عليهم، فكرهوا ذلك، لكن كراهة الطبع، لا كراهة الاختيار، وقد يكره طبع الإنسان شيئاً والخيار غيره؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً  ﴾ ، وكقول يوسف: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ  ﴾ محبة الاختيار، لا محبة الطبع، بل الطبع إلى ما يدعونه أميل من السجن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ أي: أنزل عليهم ما يسكن به قلوبهم؛ لما علم تحقيق الوفاء لما بايعوا رسول الله  وصدق ما أعطوا من أنفسهم، وأثابهم مكان ما كانوا يرجون ويطمعون من دخول مكة، وما كرهت أنفسهم من الرجوع - فتحاً قريباً، وهو فتح مكة، أو فتح خيبر، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ﴾ اختلف فيه: منهم من صرف الفتح القريب المذكور في الآية إلى فتح خيبر، وإلى مغانم خيبر حين بشروا بالحديبية بفتح خيبر، وجعل المغانم لهم مكان ما منعوا من دخول مكة وحيل بينهم وبين ما قصدوا، أو في الطريق بعد منصرفهم من الحديبية على ما ذكر في القصة، والله أعلم.

ومنهم من صرف الفتح إلى مكة؛ لأنه ذكر في القصة أنهم بشروا في الطريق بعد انصرافهم من الحديبية بفتح مكة، ويكون قوله: ﴿ وَأَثَابَهُمْ ﴾ على هذا التأويل بمعنى: ويثيبهم، وذلك جائز في اللغة: فعل بمعنى: يفعل، كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ...

 ﴾ كذا، يعني: يقول له، وقوله -  -: ﴿ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ﴾ على هذا ينصرف إلى غيره من المغانم؛ لأنه لم يكن بمكة غنائم، والله أعلم.

ومنهم من قال: ﴿ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ الفتوح كلها التي كانت لرسول الله  ولأمته، وكذلك قوله: ﴿ وَمَغَانِمَ ﴾ .

وجائز أن يكون الكفرة جملة، أي: لو قاتلوكم لولوا الأدبار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ﴾ ما سن في كل أمة من هلاك، لم يجعل ذلك الهلاك في غيرها من الأمم؛ نحو ما جعل هلاك قوم نوح الغرق، وكذلك قوم فرعون، وكذلك جعل هلاك عاد بريح صرصر، وثمود بالطاغية؛ جعل الله -  - هلاك كل أمة بنوع لم يجعل ذلك لغيرها؛ يقول: لم يكن لذلك تبديل إلى غيره.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ﴾ أي: جعل عاقبة الأمر للمؤمنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾ في أمتك، ولكن جعل عاقبة الأمر لهم كما جعل عاقبة الأمر في سائر الأمم للمؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لقد رضي الله عن المؤمنين وهم يبايعونك في الحديبية بيعة الرضوان تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم من الإيمان والإخلاص والصدق، فأنزل الطمأنينة على قلوبهم، وجزاهم على ذلك فتحًا قريبًا هو فتح خيبر؛ تعويضًا لهم عما فاتهم من دخول مكة.

<div class="verse-tafsir" id="91.269lX"

مزيد من التفاسير لسورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله