الآية ٢٩ من سورة الفتح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ٢٩ من سورة الفتح

مُّحَمَّدٌۭ رَّسُولُ ٱللَّهِ ۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَىٰهُمْ رُكَّعًۭا سُجَّدًۭا يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًۭا ۖ سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةًۭ وَأَجْرًا عَظِيمًۢا ٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 242 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٩ من سورة الفتح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة الفتح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن محمد صلوات الله عليه ، أنه رسوله حقا بلا شك ولا ريب ، فقال : ( محمد رسول الله ) ، وهذا مبتدأ وخبر ، وهو مشتمل على كل وصف جميل ، ثم ثنى بالثناء على أصحابه فقال : ( والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) ، كما قال تعالى : ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) [ المائدة : 54 ] وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدا عنيفا على الكفار ، رحيما برا بالأخيار ، غضوبا عبوسا في وجه الكافر ، ضحوكا بشوشا في وجه أخيه المؤمن ، كما قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ) [ التوبة : 123 ] ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " ، وقال : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " وشبك بين أصابعه كلا الحديثين في الصحيح .

وقوله : ( تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) : وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة ، وهي خير الأعمال ، ووصفهم بالإخلاص فيها لله - عز وجل - والاحتساب عند الله جزيل الثواب ، وهو الجنة المشتملة على فضل الله ، وهو سعة الرزق عليهم ، ورضاه تعالى ، عنهم وهو أكبر من الأول ، كما قال : ( ورضوان من الله أكبر ) [ التوبة : 72 ] .

وقوله : ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) : قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( سيماهم في وجوههم ) يعني : السمت الحسن .

وقال مجاهد وغير واحد : يعني الخشوع والتواضع .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا حسين الجعفي ، عن زائدة ، عن منصور عن مجاهد : ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) قال : الخشوع ، قلت : ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه ، فقال : ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبا من فرعون .

وقال السدي : الصلاة تحسن وجوههم .

وقال بعض السلف : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار .

وقد أسنده ابن ماجه في سننه ، عن إسماعيل بن محمد الطلحي ، عن ثابت بن موسى ، عن شريك ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " والصحيح أنه موقوف .

وقال بعضهم : إن للحسنة نورا في القلب ، وضياء في الوجه ، وسعة في الرزق ، ومحبة في قلوب الناس .

وقال أمير المؤمنين عثمان : ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه ، وفلتات لسانه .

والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه ، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله أصلح الله ظاهره للناس ، كما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال : من أصلح سريرته أصلح الله علانيته .

وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا محمود بن محمد المروزي ، حدثنا حامد بن آدم المروزي ، حدثنا الفضل بن موسى ، عن محمد بن عبيد الله العرزمي ، عن سلمة بن كهيل ، عن جندب بن سفيان البجلي قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر " ، العرزمي متروك .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة ، لخرج عمله للناس كائنا ما كان " .

وقال الإمام أحمد [ أيضا ] : حدثنا حسن ، حدثنا زهير ، حدثنا قابوس بن أبي ظبيان : أن أباه حدثه عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الهدي الصالح ، والسمت الصالح ، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة " ورواه أبو داود عن عبد الله بن محمد النفيلي ، عن زهير ، به .

فالصحابة [ رضي الله عنهم ] خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم ، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم .

وقال مالك ، رحمه الله : بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون : " والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا " .

وصدقوا في ذلك ، فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة ، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد نوه الله بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة ; ولهذا قال هاهنا : ( ذلك مثلهم في التوراة ) ، ثم قال : ( ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه [ فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه ) : ( أخرج شطأه ] ) أي : فراخه ، ( فآزره ) أي : شده ( فاستغلظ ) أي : شب وطال ، ( فاستوى على سوقه يعجب الزراع ) أي : فكذلك أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع ، ( ليغيظ بهم الكفار ) .

ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك - رحمه الله ، في رواية عنه - بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ، قال : لأنهم يغيظونهم ، ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية .

ووافقه طائفة من العلماء على ذلك .

والأحاديث في فضائل الصحابة والنهي عن التعرض لهم بمساءة كثيرة ، ويكفيهم ثناء الله عليهم ، ورضاه عنهم .

ثم قال : ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ) من " هذه لبيان الجنس ، ( مغفرة ) أي : لذنوبهم .

( وأجرا عظيما ) أي : ثوابا جزيلا ورزقا كريما ، ووعد الله حق وصدق ، لا يخلف ولا يبدل ، وكل من اقتفى أثر الصحابة فهو في حكمهم ، ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة رضي الله عنهم وأرضاهم ، وجعل جنات الفردوس مأواهم ، وقد فعل .

قال مسلم في صحيحه : حدثنا يحيى بن يحيى ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تسبوا أصحابي ، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه " .

آخر تفسير سورة الفتح ، ولله الحمد والمنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) وقوله ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: محمد رسول الله وأتباعه من أصحابه الذين هم معه على دينه,( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) , غليظة عليهم قلوبهم, قليلة بهم رحمتهم ( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) يقول: رقيقة قلوب بعضهم لبعض, لينة أنفسهم لهم, هينة عليهم لهم.

كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) ألقى الله في قلوبهم الرحمة, بعضهم لبعض ( تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا ) يقول: تراهم ركعا أحيانا لله في صلاتهم سجدا أحيانا( يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ) يقول: يلتمسون بركوعهم وسجودهم وشدّتهم على الكفار ورحمة بعضهم بعضا, فضلا من الله, وذلك رحمته إياهم, بأن يتفضل عليهم, فيُدخلهم جنته ( وَرِضْوَانًا )يقول: وأن يرضى عنهم ربهم.

وقوله ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) يقول: علامتهم في وجوههم من أثر السجود في صلاتهم.

ثم اختلف أهل التأويل في السيما الذي عناه الله في هذا الموضع, فقال بعضهم: ذلك علامة يجعلها الله في وجوه المؤمنين يوم القيامة, يعرفون بها لما كان من سجودهم له في الدنيا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) قال: صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة.

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا عبيد الله العتكي, عن خالد الحنفي, قوله ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) قال: يعرف ذلك يوم القيامة في وجوههم من أثر سجودهم في الدنيا, وهو كقوله تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ .

حدثني عبيد بن أسباط بن محمد, قال: ثنا أبي, عن فضيل بن مروزق, عن عطية, في قوله ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) قال: مواضع السجود من وجوههم يوم القيامة أشد وجوههم بياضا.

حدثنا محمد بن عمارة, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا ابن فضيل, عن فضيل, عن عطية, بنحوه.

حدثني أبو السائب, قال: ثنا ابن فضيل, عن فضيل, عن عطية, بنحوه.

حدثنا مجاهد بن موسى, قال: ثنا يزيد, قال: أخبرنا فضيل, عن عطية, مثله.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر, قال: سمعت شبيبا يقول عن مقاتل بن حيان, قال : ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) قال: النور يوم القيامة.

حدثنا ابن سنان القزاز, قال: ثنا هارون بن إسماعيل, قال: قال عليّ بن المبارك: سمعت غير واحد عن الحسن, في قوله ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) قال: بياضا في وجوههم يوم القيامة.

وقال آخرون: بل ذلك سيما الإسلام وَسمْته وخشوعه, وعنى بذلك أنه يرى من ذلك عليهم في الدنيا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ ) قال: السَّمْت الحَسَن.

قال: ثنا مجاهد, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا الحسن بن معاوية, عن الحكم, عن مجاهد, عن ابن عباس, في قوله ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) قال: أما إنه ليس بالذي ترون, ولكنه سيما الإسلام وسَحْنته وسَمته وخشوعه.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو عامر, قال: ثنا سفيان, عن حميد الأعرج, عن مجاهد ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) قال: الخشوع والتواضع.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا مؤمل, قال: ثنا سفيان, عن حميد الأعرج, عن مجاهد, مثله.

قال: ثنا أبو عامر, قال: ثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) قال: الخشوع.

حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, عن شعبة, عن الحكم, عن مجاهد, في هذه الآية ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) قال: السَّحْنة.

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد, في قوله ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) قال: هو الخشوع, فقلت: هو أثر السجود, فقال: إنه يكون بين عينيه مثل ركبة العنـز وهو كما شاء الله.

وقال آخرون: ذلك أثر يكون في وجوه المصلين, مثل أثر السهر, الذي يظهر في الوجه مثل الكلف والتهيج والصفرة, وأشبه ذلك مما يظهره السهر والتعب في الوجه, ووجهوا التأويل في ذلك إلى أنه سيما في الدنيا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن رجل, عن الحسن ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) قال: الصفرة.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر, عن أبيه, قال: زعم الشيخ الذي كان يقصّ في عُسر, وقرأ ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) فزعم أنه السهر يرى في وجوههم.

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا يعقوب القمِّيُّ, عن حفص, عن شَمِر بن عَطية, في قوله ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ ) قال: تهيج في الوجه من سهر الليل.

وقال آخرون: ذلك آثار ترى في الوجه من ثرى الأرض, أو نَدَى الطَّهُور.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا حوثرة بن محمد المنقري, قال: ثنا حماد بن مسعدة; وحدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا حرير جميعا عن ثعلبة بن سهيل, عن جعفر بن أبي المُغيرة, عن سعيد بن جُبير, في قوله ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) قال: ثرى الأرض, وندى الطَّهُور.

حدثنا ابن سنان القزّاز, قال: ثنا هارون بن إسماعيل, قال: ثنا عليّ بن المبارك, قال: ثنا مالك بن دينار, قال: سمعت عكرِمة يقول ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) قال: هو أثر التراب.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرنا أن سيما هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في وجوههم من أثر السجود, ولم يخصّ ذلك على وقت دون وقت.

وإذ كان ذلك كذلك, فذلك على كلّ الأوقات, فكان سيماهم الذي كانوا يعرفون به في الدنيا أثر الإسلام, وذلك خشوعه وهديه وزهده وسمته, وآثار أداء فرائضه وتطوّعِه, وفي الآخرة ما أخبر أنهم يعرفون به, وذلك الغرّة في الوجه والتحجيل في الأيدي والأرجل من أثر الوضوء, وبياض الوجوه من أثر السجود.

وبنحو الذي قلنا في معنى السيما قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) يقول: علامتهم أو أعلمتهم الصلاة.

وقوله ( ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ) يقول: هذه الصفة التي وصفت لكم من صفة أتباع محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم الذين معه صفتهم في التوراة.

وقوله ( وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) يقول: وصفتهم في إنجيل عيسى صفة زرع أخرج شطأه, وهو فراخه, يقال منه: قد أشطأ الزرع: إذا فرَّخ فهو يشطّي إشطاء, وإنما مثلهم بالزرع المشطئ, لأنهم ابتدءوا في الدخول في الإسلام, وهم عدد قليلون, ثم جعلوا يتزايدون, ويدخل فيه الجماعة بعدهم, ثم الجماعة بعد الجماعة, حتى كثر عددهم, كما يحدث في أصل الزرع الفرخ منه, ثم الفرخ بعده حتى يكثر وينمي.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثنا معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) أصحابه مثلهم, يعني نعتهم مكتوبا في التوراة والإنجيل قبل أن يخلق السموات والأرض.

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قالة: ثنا عبيد, عن الضحاك ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ )...

إلى قوله ( ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ) ثم قال ( وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ )...

الآية.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ذلك ( مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ) : أي هذا المثل في التوراة ( وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) فهذا مثل أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في الإنجيل.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) قال ( ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ).

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ) يعني السيما في الوجوه مثلهم في التوراة, وليس بمثلهم في الإنجيل, ثم قال عزّ وجلّ : ( وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ )...

الآية, هذا مثلهم في الإنجيل.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ).

حدثني عمرو بن عبد الحميد, قال: ثنا مروان بن معاوية, عن جُويبر, عن الضحاك في قول الله : ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ )...

الآية, قال: هذا مثلهم في التوراة, ومثل آخر في الإنجيل ( كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ ) الآية.

وقال آخرون: هذان المَثَلان في التوراة والإنجيل مثلهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ) والإنجيل واحد.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: مثلهم في التوراة, غير مثَلهم في الإنجيل, وإن الخبر عن مثلهم في التوراة متناه عند قوله ( ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ) وذلك أن القول لو كان كما قال مجاهد من أن مثلهم في التوراة والإنجيل واحد, لكان التنـزيل: ومثلهم في الإنجيل, وكزرع أخرج شطأه, فكان تمثيلهم بالزرع معطوفا على قوله ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) حتى يكون ذلك خبرا عن أن ذلك مَثلهم في التوراة والإنجيل, وفي مجيء الكلام بغير واو في قوله ( كَزَرْعٍ ) دليل بَيِّن على صحة ما قُلْنا, وأن قولهم ( وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ ) خبر مبتدأ عن صفتهم التي هي في الإنجيل دون ما في التوراة منها.

وبنحو الذي قلنا في قوله ( أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ, قال: ثنا أبي, عن أبيه, عن جدّه, عن الأعمش, عن خيثمة, قال: بينا عبد الله يقرئ رجلا عند غروب الشمس, إذ مرّ بهذه الآية ( كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) قال: أنتم الزرع, وقد دنا حصادكم.

قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن حُمَيد الطويل, قال: قرأ أنس بن مالك : ( كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ ) قال: تدرون ما شطأه ؟

قال: نباته.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) قال: سنبله حين يتسلع نباته عن حباته.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) قال: هذا مثل أصحاب محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في الإنجيل, قيل لهم: إنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع, منهم قوم يأمرون بالمعروف, وينهوْن عن المنكر.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة والزهريّ( كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) قالا أخرج نباته.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) يعني: أصحاب محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون ويستغلظون.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) أولاده, ثم كثرت أولاده.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) قال: ما يخرج بجنب الحقلة فيتمّ وينمي.

وقوله ( فَآزَرَهُ ) يقول: فقوّاه: أي قوى الزرعَ شطأه وأعانه, وهو من الموازرة التي بمعنى المعاونة ( فَاسْتَغْلَظَ ) يقول: فغلظ الزرع ( فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ) والسوق: جمع ساق, وساق الزرع والشجر: حاملته.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( فآزَرَهُ ) يقول: نباته مع التفافه حين يسنبل ( ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ ) فهو مثل ضربه لأهل الكتاب إذا خرج قوم ينبتون كما ينبت الزرع فيبلغ فيهم رجال يأمرون بالمعروف, وينهون عن المنكر, ثم يغلظون, فهم أولئك الذين كانوا معهم.

وهو مَثل ضربه الله لمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: بعث الله النبيّ وحده, ثم اجتمع إليه ناس قليل يؤمنون به, ثم يكون القليل كثيرا, ويستغلظون, ويغيظ الله بهم الكفار.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( فَآزَرَهُ ) قال: فشدّه وأعانه.

وقوله ( عَلَى سُوقِهِ ) قال: أصوله.

حدثني ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة والزهري ( فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ) يقول: فتلاحق.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( فَآزَرَهُ ) اجتمع ذلك فالتفتّ; قال: وكذلك المؤمنون خرجوا وهم قليل ضعفاء, فلم يزل الله يزيد فيهم, ويؤيدهم بالإسلام, كما أيَّد هذا الزرع بأولاده, فآزره, فكان مثلا للمؤمنين.

حدثني عمرو بن عبد الحميد, قال: ثنا مروان بن معاوية, عن جُوَيبر, عن الضحاك ( كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ) يقول: حبّ برّ نثر متفرّقا, فتنبت كلّ حبة واحدة, ثم أنبتت كل واحدة منها, حتى استغلظ فاستوى على سوقه; قال: يقول: كان أصحاب محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قليلا ثم كثروا, ثم استغلظوا( لِيَغِيظَ ) الله ( بِهِمُ الْكُفَّارَ ).

وقوله ( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) يقول تعالى ذكره: يعجب هذا الزرعُ الذي استغلظ فاستوى على سوقه في تمامه وحُسن نباته, وبلوغه وانتهائه الذين زرعوه ( لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) يقول: فكذلك مثل محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه, واجتماع عددهم حتى كثروا ونموا, وغلظ أمرهم كهذا الزرع الذي وصف جلّ ثناؤه صفته, ثم قال ( لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) فدلّ ذلك على متروك من الكلام, وهو أن الله تعالى فعل ذلك بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه ليغيظ بهم الكفار.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) يقول الله: مثلهم كمثل زرع أخرج شطأه فآزَره, فاستغلظ, فاستوى على سوقه, حتى بلغ أحسن النبات, يُعْجِب الزرّاع من كثرته, وحُسن نباته.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ) قال: يعجب الزرّاع حُسنه ( لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) بالمؤمنين, لكثرتهم, فهذا مثلهم في الإنجيل.

وقوله ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) يقول تعالى ذكره: وعد الله الذين صدّقوا الله ورسوله ( وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) يقول: وعملوا بما أمرهم الله به من فرائضه التي أوجبها عليهم.

وقوله ( مِنْهُمْ ) يعني: من الشطء الذي أخرجه الزرع, وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع الذي وصف ربنا تبارك وتعالى صفته.

والهاء والميم في قوله ( مِنْهُمْ ) عائد على معنى الشطء لا على لفظه, ولذلك جمع فقيل: " منهم ", ولم يقل " منه ".

وإنما جمع الشطء لأنه أريد به من يدخل في دين محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى يوم القيامة بعد الجماعة الذين وصف الله صفتهم بقوله ( وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا ).

وقوله ( وَمَغْفِرَةً ) يعني: عفوا عما مضى من ذنوبهم, وسيئ أعمالهم بحسنها.

وقوله ( وَأَجْرًا عَظِيمًا ) يعني: وثوابا جزيلا وذلك الجنة.

آخر تفسير سورة الفتح

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما .فيه خمس مسائل : الأولى : قوله تعالى : محمد رسول الله محمد مبتدأ و ( رسول ) خبره .

وقيل : محمد ابتداء و ( رسول ) الله نعته .والذين معه عطف على المبتدأ ، والخبر فيما بعده ، فلا يوقف على هذا التقدير على رسول الله وعلى الأول يوقف على رسول الله ; [ ص: 266 ] لأن صفاته - عليه السلام - تزيد على ما وصف أصحابه ، فيكون محمد ابتداء ورسول الله الخبر والذين معه ابتداء ثان .

وأشداء خبره ورحماء خبر ثان .

وكون الصفات في جملة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الأشبه .

وقيل : المراد بالذين معه جميع المؤمنين .رحماء بينهم أي يرحم بعضهم بعضا .

وقيل : متعاطفون متوادون .

وقرأ الحسن أشداء على الكفار رحماء بينهم بالنصب على الحال ، كأنه قال : والذين معه في حال شدتهم على الكفار وتراحمهم بينهم .

تراهم ركعا سجدا إخبار عن كثرة صلاتهم .

يبتغون فضلا من الله ورضوانا أي يطلبون الجنة ورضا الله تعالى .الثانية : قوله تعالى : سيماهم في وجوههم من أثر السجود السيما العلامة ، وفيها لغتان : المد والقصر ، أي : لاحت علامات التهجد بالليل وأمارات السهر .

وفي سنن ابن ماجه قال : حدثنا إسماعيل بن محمد الطلحي قال حدثنا ثابت بن موسى أبو يزيد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار .

وقال ابن العربي : ودسه قوم في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه الغلط ، وليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه ذكر بحرف .

وقد روى ابن وهب عن مالك سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مما يتعلق بجباههم من الأرض عند السجود ، وبه قال سعيد بن جبير .

وفي الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : صلى صبيحة إحدى وعشرين من رمضان وقد وكف المسجد وكان على عريش ، فانصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - من صلاته وعلى جبهته وأرنبته أثر الماء والطين .

وقال الحسن : هو بياض يكون في الوجه يوم القيامة .

وقاله سعيد بن جبير أيضا ، ورواه العوفي عن ابن عباس ، قاله الزهري .

وفي الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة ، وفيه : [ حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر [ ص: 267 ] الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود ] .

وقال شهر بن حوشب : يكون موضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر .

وقال ابن عباس ومجاهد : السيما في الدنيا وهو السمت الحسن .

وعن مجاهد أيضا : هو الخشوع والتواضع .

قال منصور : سألت مجاهدا عن قوله تعالى : سيماهم في وجوههم أهو أثر يكون بين عيني الرجل ؟

قال لا ، ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة العنز وهو أقسى قلبا من الحجارة ولكنه نور في وجوههم من الخشوع .

وقال ابن جريج : هو الوقار والبهاء .

وقال شمر بن عطية : هو صفرة الوجه من قيام الليل .

قال الحسن : إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى .

وقال الضحاك : أما إنه ليس بالندب في وجوههم ولكنه الصفرة .

وقال سفيان الثوري : يصلون بالليل فإذا أصبحوا رئي ذلك في وجوههم ، بيانه قوله - صلى الله عليه وسلم - : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار .

وقد مضى القول فيه آنفا .

وقال عطاء الخراساني : دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس .الثالثة : قوله تعالى : ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل قال الفراء : فيه وجهان ، إن شئت قلت المعنى ذلك مثلهم في التوراة وفي الإنجيل أيضا ، كمثلهم في القرآن ، فيكون الوقف على الإنجيل وإن شئت قلت : تمام الكلام ذلك مثلهم في التوراة ، ثم ابتدأ فقال : ومثلهم في الإنجيل .

وكذا قال ابن عباس وغيره : هما مثلان ، أحدهما في التوراة والآخر في الإنجيل ، فيوقف على هذا على التوراة وقال مجاهد : هو مثل واحد ، يعني أن هذه صفتهم في التوراة والإنجيل ، فلا يوقف على التوراة على هذا ، ويوقف على الإنجيل ويبتدئ كزرع أخرج شطأه على معنى وهم كزرع .

وشطأه يعني فراخه وأولاده ، قاله ابن زيد وغيره .

وقال مقاتل : هو نبت واحد ، فإذا خرج ما بعده فقد شطأه .

قال الجوهري : شطء الزرع والنبات فراخه ، والجمع أشطاء .

وقد أشطأ الزرع خرج شطؤه .

قال الأخفش في قوله : أخرج شطأه أي : طرفه .

وحكاه الثعلبي عن الكسائي .

وقال الفراء : أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا خرج .

قال الشاعر :أخرج الشطء على وجه الثرى ومن الأشجار أفنان الثمرالزجاج : أخرج شطأه أي : نباته .

وقيل : إن الشطء شوك السنبل ، والعرب أيضا تسميه : [ ص: 268 ] السفا ، وهو شوك البهمى ، قاله قطرب .

وقيل : إنه السنبل ، فيخرج من الحبة عشر سنبلات وتسع وثمان ، قال الفراء ، حكاه الماوردي .

وقرأ ابن كثير وابن ذكوان ( شطأه ) بفتح الطاء ، وأسكن الباقون .

وقرأ أنس ونصر بن عاصم وابن وثاب ( شطاه ) مثل عصاه .

وقرأ الجحدري وابن أبي إسحاق ( شطه ) بغير همز ، وكلها لغات فيها .وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يعني أنهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون ، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - حين بدأ بالدعاء إلى دينه ضعيفا فأجابه الواحد بعد الواحد حتى قوي أمره ، كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفا فيقوى حالا بعد حال حتى يغلظ نباته وأفراخه .

فكان هذا من أصح مثل وأقوى بيان .

وقال قتادة : مثل أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في الإنجيل مكتوب أنه سيخرج من قوم ينبتون نبات الزرع ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .فآزره أي قواه وأعانه وشده ، أي : قوى الشطء الزرع .

وقيل : بالعكس ، أي : قوى الزرع الشطء .

وقراءة العامة آزره بالمد .

وقرأ ابن ذكوان وأبو حيوة وحميد بن قيس ( فأزره ) مقصورة ، مثل فعله .

والمعروف المد .

قال امرؤ القيس :بمحنية قد آزر الضال نبتها مجر جيوش غانمين وخيبفاستوى على سوقه على عوده الذي يقوم عليه فيكون ساقا له .

والسوق : جمع الساق .

يعجب الزراع أي يعجب هذا الزرع زراعه .

وهو مثل كما بينا ، فالزرع محمد - صلى الله عليه وسلم - ، والشطء أصحابه ، كانوا قليلا فكثروا ، وضعفاء فقووا ، قاله الضحاك وغيره .

ليغيظ بهم الكفار اللام متعلقة بمحذوف ، أي : فعل الله هذا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ليغيظ بهم الكفار .الرابعة : قوله تعالى : وعد الله الذين آمنوا أي وعد الله هؤلاء الذين مع محمد ، وهم المؤمنون الذين أعمالهم صالحة .

و ( من ) في قوله : منهم مبعضة لقوم من الصحابة دون قوم ، ولكنها عامة مجنسة ، مثل قوله تعالى : فاجتنبوا الرجس من الأوثان لا يقصد للتبعيض لكنه يذهب إلى الجنس ، أي : فاجتنبوا الرجس من جنس الأوثان ، إذ كان الرجس يقع من أجناس شتى ، منها الزنى والربا وشرب الخمر والكذب ، فأدخل ( من ) يفيد بها الجنس وكذا منهم ، أي : من هذا الجنس ، يعني جنس الصحابة .

ويقال : أنفق نفقتك من الدراهم ، أي : اجعل نفقتك هذا الجنس .

وقد [ ص: 269 ] يخصص أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - بوعد المغفرة تفضيلا لهم ، وإن وعد الله جميع المؤمنين المغفرة .

وفي الآية جواب آخر : وهو أن ( من ) مؤكدة للكلام ، والمعنى وعدهم الله كلهم مغفرة وأجرا عظيما .

فجرى مجرى قول العربي : قطعت من الثوب قميصا ، يريد قطعت الثوب كله قميصا .

و ( من ) لم يبعض شيئا .

وشاهد هذا من القرآن وننزل من القرآن ما هو شفاء معناه وننزل القرآن شفاء ; لأن كل حرف منه يشفي ، وليس الشفاء مختصا به بعضه دون بعض .

على أن من اللغويين من يقول : ( من ) مجنسة ، تقديرها ننزل الشفاء من جنس القرآن ، ومن جهة القرآن ، ومن ناحية القرآن .

قال زهير :أمن أم أوفى دمنة لم تكلمأراد من ناحية أم أوفى دمنة ، أم من منازلها دمنة .

وقال الآخر [ الأعشى ] :أخو رغائب يعطيها ويسألها يأبى الظلامة منه النوفل الزفرف ( من ) لم تبعض شيئا ، إذ كان المقصد يأبى الظلامة لأنه نوفل زفر .

والنوفل : الكثير العطاء .

والزفر : حامل الأثقال والمؤن عن الناس .الخامسة : روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير : كنا عند مالك بن أنس ، فذكروا رجلا ينتقص أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقرأ مالك هذه الآية محمد رسول الله والذين معه حتى بلغ يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار فقال مالك : من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد أصابته هذه الآية ، ذكره الخطيب أبو بكر .قلت : لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله .

فمن نقص واحدا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين ، وأبطل شرائع المسلمين ، قال الله تعالى : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار الآية .

وقال : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة إلى غير ذلك من الآي التي تضمنت الثناء عليهم ، والشهادة لهم بالصدق والفلاح ، قال الله تعالى : رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وقال : للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا إلى قوله أولئك هم الصادقون ، ثم قال عز من قائل : والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم إلى قوله فأولئك هم المفلحون .

وهذا كله مع علمه تبارك [ ص: 270 ] وتعالى بحالهم ومآل أمرهم ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم وقال : لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا لم يدرك مد أحدهم ولا نصيفه خرجهما البخاري .

وفي حديث آخر : فلو أن أحدكم أنفق ما في الأرض لم يدرك مد أحدهم ولا نصيفه .قال أبو عبيد : معناه لم يدرك مد أحدهم إذا تصدق به ولا نصف المد ، فالنصيف هو النصف هنا .

وكذلك يقال للعشر عشير ، وللخمس خميس ، وللتسع تسيع ، وللثمن ثمين ، وللسبع سبيع ، وللسدس سديس ، وللربع ربيع .

ولم تقل العرب للثلث ثليث .

وفي البزار عن جابر مرفوعا صحيحا : [ إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار لي من أصحابي أربعة - يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا - فجعلهم أصحابي ] .

وقال : [ في أصحابي كلهم خير ] .

وروى عويم بن ساعدة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [ إن الله - عز وجل - اختارني واختار لي أصحابي فجعل لي منهم وزراء وأختانا وأصهارا فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ] .

والأحاديث بهذا المعنى كثيرة ، فحذار من الوقوع في أحد منهم ، كما فعل من طعن في الدين فقال : إن المعوذتين ليستا من القرآن ، وما صح حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في [ ص: 271 ] تثبيتهما ودخولهما في جملة التنزيل إلا عن عقبة بن عامر ، وعقبة بن عامر ضعيف لم يوافقه غيره عليها ، فروايته مطرحة .

وهذا رد لما ذكرناه من الكتاب والسنة ، وإبطال لما نقلته لنا الصحابة من الملة .

فإن عقبة بن عامر بن عيسى الجهني ممن روى لنا الشريعة في الصحيحين البخاري ومسلم وغيرهما ، فهو ممن مدحهم الله ووصفهم وأثنى عليهم ووعدهم مغفرة وأجرا عظيما .

فمن نسبه أو واحدا من الصحابة إلى كذب فهو خارج عن الشريعة ، مبطل للقرآن طاعن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

ومتى ألحق واحد منهم تكذيبا فقد سب ; لأنه لا عار ولا عيب بعد الكفر بالله أعظم من الكذب ، وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سب أصحابه ، فالمكذب لأصغرهم - ولا صغير فيهم - داخل في لعنة الله التي شهد بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وألزمها كل من سب واحدا من أصحابه أو طعن عليه .

وعن عمر بن حبيب قال : حضرت مجلس هارون الرشيد فجرت مسألة تنازعها الحضور وعلت أصواتهم ، فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فرفع بعضهم الحديث وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم : لا يقبل هذا الحديث على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; لأن أبا هريرة متهم فيما يرويه ، وصرحوا بتكذيبه ، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم ونصر قولهم فقلت أنا : الحديث صحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره ، فنظر إلي الرشيد نظر مغضب ، وقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي ، فلم ألبث حتى قيل : صاحب البريد بالباب ، فدخل فقال لي : أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول ، وتحنط وتكفن فقلت : اللهم إنك تعلم أني دافعت عن صاحب نبيك ، وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه ، فسلمني منه .

فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب ، حاسر عن ذراعيه ، بيده السيف وبين يديه النطع ، فلما بصر بي قال لي : يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد من الرد والدفع لقولي بمثل ما تلقيتني به ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن الذي قلته وجادلت عنه فيه ازدراء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى ما جاء به ، إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة ، والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول فرجع إلى نفسه ثم قال : أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله ، وأمر لي بعشرة آلاف درهم .قلت : فالصحابة كلهم عدول ، أولياء الله تعالى وأصفياؤه ، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله .

هذا مذهب أهل السنة ، والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة .

وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم ، فيلزم البحث عن عدالتهم .

ومنهم من فرق بين [ ص: 272 ] حالهم في بداءة الأمر فقال : إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك ، ثم تغيرت بهم الأحوال فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء ، فلا بد من البحث .

وهذا مردود ، فإن خيار الصحابة وفضلاءهم كعلي وطلحة والزبير وغيرهم - رضي الله عنهم - ممن أثنى الله عليهم وزكاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى : مغفرة وأجرا عظيما وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخباره لهم بذلك .

وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم ، إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد ، وكل مجتهد مصيب .

وسيأتي الكلام في تلك الأمور في سورة ( الحجرات ) مبينة إن شاء الله تعالى :تم تفسير سورة ( الفتح ) والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار، أنهم بأكمل الصفات، وأجل الأحوال، وأنهم أشداء على الكفار أي: جادون ومجتهدون في عداوتهم، وساعون في ذلك بغاية جهدهم، فلم يروا منهم إلا الغلظة والشدة، فلذلك ذل أعداؤهم لهم، وانكسروا، وقهرهم المسلمون، رحماء بينهم أي: متحابون متراحمون متعاطفون، كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، هذه معاملتهم مع الخلق، وأما معاملتهم مع الخالق فإنك تراهم ركعا سجدا أي: وصفهم كثرة الصلاة، التي أجل أركانها الركوع والسجود.

يبتغون بتلك العبادة فضلا من الله ورضوانا أي: هذا مقصودهم بلوغ رضا ربهم، والوصول إلى ثوابه.

سيماهم في وجوههم من أثر السجود أي: قد أثرت العبادة -من كثرتها وحسنها- في وجوههم، حتى استنارت، لما استنارت بالصلاة بواطنهم، استنارت بالجلال ظواهرهم.

ذلك المذكور مثلهم في التوراة أي: هذا وصفهم الذي وصفهم الله به، مذكور بالتوراة هكذا.

وأما مثلهم في الإنجيل، فإنهم موصوفون بوصف آخر، وأنهم في كمالهم وتعاونهم كزرع أخرج شطأه فآزره أي: أخرج فراخه، فوازرته فراخه في الشباب والاستواء.

فاستغلظ ذلك الزرع أي: قوي وغلظ فاستوى على سوقه جمع ساق، يعجب الزراع من كماله واستوائه، وحسنه واعتداله، كذلك الصحابة رضي الله عنهم، هم كالزرع في نفعهم للخلق واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع وسوقه، وكون الصغير والمتأخر إسلامه، قد لحق الكبير السابق ووازره وعاونه على ما هو عليه، من إقامة دين الله والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شطأه، فآزره فاستغلظ، ولهذا قال: ليغيظ بهم الكفار حين يرون اجتماعهم وشدتهم على دينهم، وحين يتصادمون هم وهم في معارك النزال، ومعامع القتال.

وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما فالصحابة رضي الله عنهم، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، قد جمع الله لهم بين المغفرة، التي من لوازمها وقاية شرور الدنيا والآخرة، والأجر العظيم في الدنيا والآخرة.

ولنسق قصة الحديبية بطولها، كما ساقها الإمام شمس الدين بن القيم في ( الهدي النبوي ) فإن فيها إعانة على فهم هذه السورة، وتكلم على معانيها وأسرارها، قال -رحمه الله تعالى:- فصل في قصة الحديبية قال نافع: كانت سنة ست في ذي القعدة، وهذا هو الصحيح، وهو قول الزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق وغيرهم.

وقال هشام بن عروة، عن أبيه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية في رمضان، وكانت في شوال، وهذا وهم، وإنما كانت غزاة الفتح في رمضان.

قال أبو الأسود عن عروة: إنها كانت في ذي القعدة على الصواب.

وفي الصحيحين عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر، كلهن في ذي القعدة، فذكر منهن عمرة الحديبية، وكان معه ألف وخمسمائة، هكذا في الصحيحين عن جابر، وعنه فيهما: كانوا ألفا وأربعمائة، وفيهما، عن عبد الله بن أبي أوفى: كنا ألفا وثلاثمائة، قال قتادة:قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الجماعة الذين شهدوا بيعة الرضوان؟

قال: خمس عشرة مائة، قال: قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال: يرحمه الله وهم، وهو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة، قلت: وقد صح عن جابر القولان، وصح عنه أنهم نحروا عام الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة، فقيل له: كم كنتم؟

قال: ألفا وأربعمائة، بخيلنا ورجلنا، يعني: فارسهم وراجلهم.

والقلب إلى هذا أميل، وهو قول البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع، في أصح الروايتين، وقول المسيب بن حزن، قال شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفا وأربعمائة، وغلط غلطا بينا من قال: كانوا سبعمائة، وعذره أنهم نحروا يومئذ سبعين بدنة، والبدنة قد جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة، وهذا لا يدل على ما قاله هذا القائل، فإنه قد صرح بأن البدنة كانت في هذه الغزوة عن سبعة، فلو كانت السبعون عن جميعهم، لكانوا أربعمائة وتسعين رجلا وقد قال بتمام الحديث بعينه، أنهم كانوا ألفا وأربعمائة.

فصل فلما كانوا بذي الحليفة، قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة، وبعث عينا له بين يديه من خزاعة، يخبره عن قريش، حتى إذا كانوا قريبا من عسفان، أتاه عينه، فقال: إني قد تركت كعب بن لؤي، قد جمعوا لك الأحابيش، وجمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت.

واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين، وإن نجوا تكن عنقا قطعها الله، أم ترون أن نؤم البيت؟

فمن صدنا عنه قاتلناه؟

قال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، إنما جئنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فروحوا إذا" فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن خالدا بن الوليد بالغميم في خيل لقريش، فخذوا ذات اليمين" ، فوالله ما شعر بهم خالد، حتى إذا هو بغبرة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش.

وسار النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل" ثم قال:"والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتموها" ثم زجرها، فوثبت به، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية، على ثمد قليل الماء، إنما يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبث الناس أن نزحوه، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش.

فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوها فيه، قال: فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنها، وفزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم رجلا من أصحابه، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم، فقال: يا رسول الله، ليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي، إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فإن عشيرته بها، وإنه مبلغ ما أردت.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، فأرسله إلى قريش، وقال:"أخبرهم أنا لم نأت لقتال، إنما جئنا عمارا، وادعهم إلى الإسلام" وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين، ونساء مؤمنات، فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان، فانطلق عثمان، فمر على قريش ببلدح، فقالوا: أين تريد؟

فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، ونخبركم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارا، قالوا: قد سمعنا ما تقول، فانفذ لحاجتك.

وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص، فرحب به، وأسرج فرسه، فحمل عثمان على الفرس، فأجاره، وأردفه أبان حتى جاء مكة، وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان: خلص عثمان قبلنا إلى البيت وطاف به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون" فقالوا وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص؟

قال:"ذاك ظني به، أن لا يطوف بالكعبة حتى نطوف معه" واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح، فرمى رجل من أحد الفريقين رجلا من الفريق الآخر، وكانت معركة، وتراموا بالنبل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل واحد من الفريقين بمن فيهم، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل، فدعا إلى البيعة.

فثار المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه، وقال: "هذه عن عثمان" ولما تمت البيعة، رجع عثمان، فقال له المسلمون: اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت، فقال: بئسما ظننتم بي، والذي نفسي بيده، لو مكثت بها سنة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، مقيم بالحديبية، ما طفت بها حتى يطوف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت، فقال المسلمون: رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أعلمنا بالله، وأحسننا ظنا .

وكان عمر آخذا بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم للبيعة تحت الشجرة، فبايعه المسلمون كلهم إلا الجد ابن قيس، وكان معقل بن يسار، أخذ بغصنها يرفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أول من بايعه، أبو سنان الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات، في أول الناس، وأوسطهم، وآخرهم.

فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي، في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي، نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا أماددهم ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإن أبوا إلا القتال، فوالذي نفسي بيده، لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره" قال بديل: سأبلغهم ما تقول.

فانطلق حتى أتى قريشا، فقال: إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وسمعته يقول قولا فإن شئتم عرضته عليكم، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي: منهم: هات ما سمعته، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فقال عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها، ودعوني آته، فقالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلمه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل، فقال له عروة عند ذلك: أي: محمد، أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟

وإن تكن الأخرى، فوالله إني لأرى وجوها، وأرى أوباشا من الناس، خليقا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟

قال: من ذا؟

قال: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك.

وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، وكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة على رأس النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه السيف، وعليه المغفر فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم، ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع عروة رأسه، وقال: من ذا؟

قال: المغيرة بن شعبة، فقال: أي: غدر، أولست أسعى في غدرتك؟

وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء" ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله إن تنخم النبي صلى الله عليه وسلم نخامة، إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها جلده ووجهه.

وإذا أمرهم ابتدروا إلى أمره، وإذا توضأ، كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم، خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر، تعظيما له.

فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، على كسرى، وقيصر، والنجاشي، والله ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه، ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم، خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.

فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته.

فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له" فبعثوها فاستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك، قال: سبحان الله، لا ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت.

فرجع إلى أصحابه، فقال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، وما أرى أن يصدوا عن البيت فقام مكرز بن حفص، وقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا مكرز بن حفص، وهو رجل فاجر" فجعل يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه، إذ جاء سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد سهل لكم من أمركم" فقال: هات، اكتب بيننا وبينك كتابا، فدعا الكاتب، فقال: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم" فقال سهيل: أما الرحمن، فوالله ما ندري ما هو، ولكن اكتب: "باسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتب باسمك اللهم" ثم قال: "اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله " فقال سهيل: فوالله لو نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب:محمد بن عبد الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني رسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به" فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن لك من العام المقبل، فكتب.

فقال سهيل: على أن لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك، إلا رددته علينا.

فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟

فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما قاضيتك عليه، أن ترده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نقض الكتاب بعد" فقال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فأجزه لي" فقال: ما أنا بمجيزه لك، فقال:"بلى فافعل" قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: قد أجزناه.

فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما لقيت؟

وكان قد عذب في الله عذابا شديدا.

قال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله ألست نبي الله؟

قال:"بلى" قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟

قال:"بلى" فقلت: علام نعطي الدنية في ديننا إذا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا؟

فقال: "إني رسول الله، وهو ناصري، ولست أعصيه" قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟

قال: "بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟" قلت: لا قال: "فإنك آتيه ومطوف به" قال: فأتيت أبا بكر، فقلت له كما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد عليه أبو بكر كما رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء، وزاد: فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق، قال عمر: فعملت لذلك أعمالا.

فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قوموا وانحروا، ثم احلقوا" فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: يا رسول الله أتحب ذلك؟

اخرج، ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلق لك، فقام فخرج، فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، ثم جاءت نسوة مؤمنات، فأنزل الله عز وجل: إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات حتى بلغ بعصم الكوافر فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية، والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع إلى المدينة.

وفي مرجعه أنزل الله عليه: إنا فتحنا لك فتحا مبينا إلى آخرها، فقال عمر: أفتح هو يا رسول الله؟

فقال: "نعم" فقال الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله، فما لنا؟

فأنزل الله عز وجل: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين الآية.

انتهى.

وهذا آخر تفسير سورة الفتح ولله الحمد والمنة وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، نقلته من خط المفسر رحمه الله وعفا عنه، وكان الفراغ من كتابته في 13 ذي الحجة 1345 وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين آمين.

بقلم الفقير إلى ربه سليمان بن حمد العبد الله البسام.

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين.

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( محمد رسول الله ) تم الكلام هاهنا ، قاله ابن عباس ، شهد له بالرسالة ، ثم قال مبتدئا : ( والذين معه ) فالواو فيه للاستئناف ، أي : والذين معه من المؤمنين ( أشداء على الكفار ) غلاظ عليهم كالأسد على فريسته لا تأخذهم فيهم رأفة ( رحماء بينهم ) متعاطفون متوادون بعضهم لبعض ، كالولد مع الوالد ، كما قال : " أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين " : ( المائدة - 54 ) : ( تراهم ركعا سجدا ) أخبر عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها ( يبتغون فضلا من الله ) أن يدخلهم الجنة ( ورضوانا ) أن يرضى عنهم ( سيماهم ) أي علامتهم ( في وجوههم من أثر السجود ) اختلفوا في هذه السيما : فقال قوم : هو نور وبياض في وجوههم يوم القيامة يعرفون به أنهم سجدوا في الدنيا ، وهو رواية عطية العوفي عن ابن عباس ، قال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس : استنارت وجوههم من كثرة ما صلوا .

وقال شهر بن حوشب : تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر .

وقال آخرون : هو السمت الحسن والخشوع والتواضع .

وهو رواية الوالبي عن ابن عباس قال : ليس بالذي ترون لكنه سيماء الإسلام وسجيته وسمته وخشوعه .

وهو قول مجاهد ، والمعنى : أن السجود أورثهم الخشوع والسمت الحسن الذي يعرفون به .

وقال الضحاك : هو صفرة الوجه من السهر .

وقال الحسن : إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى .

قال عكرمة وسعيد بن جبير : هو أثر التراب على الجباه .

قال أبو العالية : إنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب .

وقال عطاء الخراساني : دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس .

( ذلك ) الذي ذكرت ( مثلهم ) صفتهم ( في التوراة ) هاهنا تم الكلام ، ثم ذكر نعتهم في الإنجيل ، فقال : ( ومثلهم ) صفتهم ( في الإنجيل كزرع أخرج شطأه ) قرأ ابن كثير ، وابن عامر : " شطأه " بفتح الطاء ، وقرأ الآخرون بسكونها ، وهما لغتان كالنهر والنهر ، وأراد أفراخه ، يقال : أشطأ الزرع فهو مشطئ ، إذا أفرخ ، قال مقاتل : هو نبت واحد ، فإذا خرج ما بعده فهو شطؤه .

وقال السدي : هو أن يخرج معه الطاقة الأخرى .

قوله : ( فآزره ) قرأ ابن عامر : " فأزره " بالقصر والباقون بالمد ، أي : قواه وأعانه وشد أزره ( فاستغلظ ) غلظ ذلك الزرع ( فاستوى ) أي تم وتلاحق نباته وقام ( على سوقه ) أصوله ( يعجب الزراع ) أعجب ذلك زراعه .

هذا مثل ضربه الله - عز وجل - لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في الإنجيل [ أنهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون .

قال قتادة : مثل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الإنجيل ] مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .

وقيل : " الزرع " محمد - صلى الله عليه وسلم - ، و " الشطء " : أصحابه والمؤمنون .

وروي عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال : " محمد رسول الله والذين معه " : أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ، " أشداء على الكفار " عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، " رحماء بينهم " عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ، " تراهم ركعا سجدا " علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، " يبتغون فضلا من الله " بقية العشرة المبشرين بالجنة .

وقيل : " كمثل زرع " محمد ، " أخرج شطأه " أبو بكر " فآزره " عمر " فاستغلظ " عثمان ، للإسلام " فاستوى على سوقه " علي بن أبي طالب استقام الإسلام بسيفه ، " يعجب الزراع " قال : هم المؤمنون .

( ليغيظ بهم الكفار ) قول عمر لأهل مكة بعدما أسلم : لا تعبدوا الله سرا بعد اليوم .

حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد الشجاعي السرخسي إملاء ، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن أحمد القفال ، حدثنا أبو أحمد عبد الله بن محمد الفضل السمرقندي ، حدثنا شيخي أبو عبد الله محمد بن الفضل البلخي ، حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد ، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن عبد الرحمن بن حميد ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن عوف : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " أبو بكر في الجنة ، وعمر في الجنة ، وعثمان في الجنة ، وعلي في الجنة ، وطلحة في الجنة ، والزبير في الجنة ، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة ، وسعد بن أبي وقاص في الجنة ، وسعيد بن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة " .

حدثنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن قاسم حدثنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي ، حدثنا أحمد بن هاشم الأنطاكي ، حدثنا قطبة بن العلاء ، حدثنا سفيان الثوري ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أرحم أمتي أبو بكر ، وأشدهم في أمر الله عمر ، وأصدقهم حياء عثمان ، وأفرضهم زيد ، وأقرؤهم أبي ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، ولكل أمة أمين ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح " .

ورواه معمر عن قتادة مرسلا وفيه : " وأقضاهم علي " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا عبد العزيز المختار قال خالد الحذاء ، حدثنا عن أبي عثمان قال حدثني عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه على جيش ذات السلاسل قال : فأتيته فقلت : أي الناس أحب إليك ؟

قال : عائشة ، فقلت : من الرجال ؟

فقال : أبوها ، قلت : ثم من ؟

قال : عمر بن الخطاب فعد رجالا فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم .

أخبرنا أبو منصور عبد الملك وأبو الفتح نصر ، ابنا علي بن أحمد بن منصور ومحمد بن الحسين بن شاذويه الطوسي بها قالا حدثنا أبو الحسن محمد بن يعقوب ، أخبرنا الحسن بن محمد بن أحمد بن كيسان النحوي ، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شريك الأسدي ، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل هو ابن يحيى بن سلمة بن كهيل ، حدثنا أبي عن أبيه عن سلمة عن أبي الزعراء عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي : أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمار ، وتمسكوا بعهد عبد الله بن مسعود " .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران ، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد أن أحدا ارتج وعليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعثمان ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اثبت أحد ما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد " .

أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت ، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، حدثنا أبو سعيد الأشج ، أخبرنا وكيع ، حدثنا الأعمش ، عن عدي بن ثابت ، عن زر بن حبيش ، عن علي قال : عهد إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق .

حدثنا أبو المظفر التميمي ، أخبرنا عبد الرحمن بن عثمان ، أخبرنا خيثمة بن سليمان ، حدثنا محمد بن عيسى بن حيان المدائني ، حدثنا محمد بن الفضل بن عطية ، عن عبد الله بن مسلم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من مات من أصحابي بأرض كان نورهم وقائدهم يوم القيامة " .

قوله - عز وجل - : ( ليغيظ بهم الكفار ) أي إنما كثرهم وقواهم ليكونوا غيظا للكافرين .

قال مالك بن أنس : من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد أصابته هذه الآية .

أخبرنا أبو الطيب طاهر بن محمد بن العلاء البغوي ، حدثنا أبو معمر الفضل بن إسماعيل بن إبراهيم الإسماعيلي ، أخبرنا جدي أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ، أخبرني الهيثم بن خلف الدوري ، حدثنا المفضل بن غسان بن المفضل العلائي ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، حدثنا عبيدة بن أبي رابطة عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن مغفل المزني قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الله الله في أصحابي ، الله الله في أصحابي ، الله الله في أصحابي ، لا تتخذوهم غرضا بعدي ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه " .

حدثنا أبو المظفر بن محمد بن أحمد بن حامد التميمي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم ، أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي القصار بالكوفة ، أخبرنا وكيع بن الجراح ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تسبوا أصحابي ، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسين الزعفراني ، حدثنا أبو محمد عبد الله بن عروة ، حدثنا محمد بن الحسين بن محمد بن إشكاب ، حدثنا شبابة بن سوار ، حدثنا فضيل بن مرزوق عن أبي خباب عن أبي سليم الهمداني ، عن أبيه ، عن علي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن سرك أن تكون من أهل الجنة فإن قوما يتنحلون حبك يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، نبزهم الرافضة ، فإن أدركتهم فجاهدهم فإنهم مشركون " ، في إسناد هذا الحديث نظر .

قول الله - عز وجل - : ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ) قال ابن جرير : يعني من الشطء الذي أخرجه الزرع ، وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع إلى يوم القيامة ، ورد الهاء والميم على معنى الشطء لا على لفظه ، ولذلك لم يقل : " منه " ( مغفرة وأجرا عظيما ) يعني الجنة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«محمد» مبتدأ «رسول الله» خبره والذين معه» أي أصحابه من المؤمنين مبتدأ خبره «أشداء» غلاظ «على الكفار» لا يرحمونهم «رحماء بينهم» خبر ثان، أي متعاطفون متوادون كالوالد مع الولد «تراهم» تبصرهم «ركعا سجدا» حالان «يبتغون» مستأنف يطلبون «فضلا من الله ورضوانا سيماهم» علامتهم مبتدأ «في وجوههم» خبره وهو نور وبياض يُعرفون به في الآخرة أنهم سجدوا في الدنيا «من أثر السجود» متعلق بما تعلق به الخبر، أي كائنة وأعرب حالا من ضميره المنتقل إلى الخبر «ذلك» الوصف المذكور «مثلهم» صفتهم مبتدأ «في التوراة» خبره «ومثلهم في الإنجيل» مبتدأ خبره «كزرع أخرج شطأه» بسكون الطاء وفتحها: فراخه «فآزره» بالمد والقصر قواه وأعانه «فاستغلظ» غلظ «فاستوى» قوي واستقام «على سوقه» أصوله جمع ساق «يعجب الزراع» أي زرَّاعه لحسنه، مثل الصحابة رضي الله عنهم بذلك لأنهم بدأوا في قلة وضعف فكثروا وقووا على أحسن الوجوه «ليغيظ بهم الكفار» متعلق بمحذوف دل عليه ما قبله، أي شبهوا بذلك «وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم» الصحابة ومن لبيان الجنس لا للتبعيض لأنهم كلهم بالصفة المذكورة «مغفرة وأجرا عظيما» الجنة وهما لمن بعدهم أيضا في آيات.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

محمد رسول الله، والذين معه على دينه أشداء على الكفار، رحماء فيما بينهم، تراهم ركعًا سُجَّدًا لله في صلاتهم، يرجون ربهم أن يتفضل عليهم، فيدخلهم الجنة، ويرضى عنهم، علامة طاعتهم لله ظاهرة في وجوههم من أثر السجود والعبادة، هذه صفتهم في التوراة.

وصفتهم في الإنجيل كصفة زرع أخرج ساقه وفرعه، ثم تكاثرت فروعه بعد ذلك، وشدت الزرع، فقوي واستوى قائمًا على سيقانه جميلا منظره، يعجب الزُّرَّاع؛ ليَغِيظ بهؤلاء المؤمنين في كثرتهم وجمال منظرهم الكفار.

وفي هذا دليل على كفر من أبغض الصحابة -رضي الله عنهم-؛ لأن من غاظه الله بالصحابة، فقد وُجد في حقه موجِب ذاك، وهو الكفر.

وعد الله الذين آمنوا منهم بالله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله به، واجتنبوا ما نهاهم عنه، مغفرة لذنوبهم، وثوابًا جزيلا لا ينقطع، وهو الجنة.

(ووعد الله حق مصدَّق لا يُخْلَف، وكل من اقتفى أثر الصحابة رضي الله عنهم فهو في حكمهم في استحقاق المغفرة والأجر العظيم، ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة، رضي الله عنهم وأرضاهم).

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية التى فيها ما فيها من الثناء على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى أصحابه ، الذين رضى عنهم وأرضاهم فقال : ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ .

.

.

) .وقوله - تعالى - : ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله ) مبتدأ وخبر ، أو ( مُّحَمَّدٌ ) خبر لمتبدأ محذوف ، و ( رَّسُولُ الله ) بدل أو عطف بيان من الاسم الشريف .

أى : هذا الرسول الذى أرسله الله - تعالى - بالهدى ودين الحق ، هو محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

( والذين مَعَهُ ) وهم أصحابه - وعلى رأسهم من شهد معه صلح الحديبية ، وبايعه تحت الشجرة - من صفاتهم أنهم ( أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار ) أى : غلاظ عليهم ، وأنهم ( رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ) .أى : أنهم مع إخوانهم المؤمنين يتوادون ويتعاطفون ويتعاونون على البر والتقوى .

.وقوله - تعالى - ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله ) فيه أسمى التكريم للرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث شهد له - سبحانه - بهذه الصفة ، وكفى بشهادته - عز وجل - شهادة ، وحيث قدم الحديث عنه بأنه أرسله بالهدى ودين الحق ، ثم أخر اسمه الشريف على سبيل التنويه بفضله ، والتشويق إلى اسمه .وفى وصف أصحابه بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم ، مدح عظيم لهم ، وجمع بين الوصفين على سبيل الاحتراس ، فهم ليسوا أشداء مطلقا ، ولا رحماء مطلقا ، وإنما شدتهم على أعدائهم ، ورحمتهم لإِخوانكم فى العقيدة ، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ( ياأيها الذين آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائم .

.

.

) قال صاحب الكشاف : " وعن الحسن أنه قال : " بلغ من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم ، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم ، وبلغ من تراحمهم فيما بينهم ، أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه .

.وأسمى من هذا كله فى بيان تراحمهم قوله - تعالى - : ( وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ .

.

) ثم وصفهم بوصف آخر فقال : ( تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً ) .أى : تراهم وتشاهدهم - أيها العاقل - راكعين ساجدين محافظين على الصلاة ولا يريدون من وراء ذلك إلا التقرب إلى الله - تعالى - والظفر برضاه وثوابه .

.ثم وصفهم بوصف ثالث فقال : ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السجود .

.

) أى : علامتهم وهو نور يجعله الله - تعالى - فى وجوههم يوم القيامة ، وحسن سمت يعلو وجوههم وجباهم فى الدنيا ، من أثر كثرة سجودهم وطاعتهم لله رب العالمين .فالمقصود بهذه الجملة بيان أن الوضاءة والإِشراق والصفاء .

.

يعلو وجوههم من كثرة الصلاة والعبادة لله ، وليس المقصود أن هناك علامة معينة - كالنكتة التى تكون فى الوجه - كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان .واختار - سبحانه - لفظ السجود ، لأنه يمثل أعلى درجات العبودية والإِخلاص لله - تعالى - .قال الآلوسى : " أخرج من مردويه بسند حسن عن أَبَىِّ بن كعب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فى قوله - تعالى - : ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السجود ) النور يوم القيامة " .ثم قال الآلوسى : ولا يبعد أن يكون النور علامة على وجوههم فى الدنيا والآخرة - للآثار السابقة - لكنه لما كان فى الآخرة أظهر وأتم خصه النبى - صلى الله عليه وسلم - بالذكر .

.واسم الإِشارة فى قوله - تعالى - : ( ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التوراة ) يعود إلى جميع أوصافهم الجليلة السابقة ، والمثل هو الصفة العجيبة والقصة ذات الشأن .

أى : ذلك الذى ذكرناه عن هؤلاء المؤمنين الصادقين من صفات كريمة تجرى مجرى الأمثال ، صفتهم فى التوراة التى أنزلها الله - تعالى - على نبيه موسى - عليه السلام - .ثم بين - سبحانه - صفتهم فى الإِنجيل فقال : ( وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فاستغلظ فاستوى على سُوقِهِ يُعْجِبُ الزراع .

.

) .وقوله : ( وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل ) معطوف على ما قبله وهو مثلهم فى التوراة ، والإِنجيل : هو الكتاب الذى أنزله الله - تعالى - على نبيه عيسى - عليه السلام - .والشط : فروع الزرع ، وهو ما خرج منه وتفرغ على شاطئيه .

أى : جانبيه .

وجمعه : أشطاء ، وشطوء ، يقال : شطأ الزرع وأشطأ ، إذا أخرج فروعه التى تتولد عن الأصل .وقوله ( فَآزَرَهُ ) أى : فقوت تلك الفروع أصولها ، وآزرتها ، وجعلتها مكينة ثابتة فى الأرض .

وأصله من شد الإِزار .

تقول أزَّرْت فلانا ، إذا شددت إزاره عليه .

وتقول آزرت البناء - بالمد والقصر - إذا قويت أساسه وقواعده .ومنه قوله - تعالى - حكاية عن موسى - عليه السلام - : ( واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشدد بِهِ أَزْرِي ) .وقوله : ( فاستغلظ ) أى : فصار الزرع غليظا بعد أن كان رقيقا .وقوله : ( فاستوى على سُوقِهِ ) أى : فاستقم وتكامل على سيقانه التى يعلو عليها .وقوله : ( يُعْجِبُ الزراع ) أى : يعجب الخبراء بالزراعة لقوته وحسن هيئته .والمعنى : أن صفة المؤمنين فى الإِنجيل ، أنهم كالزرع ، يظهر فى أول أمره رقيقا ضعيفا متفرقا ، ثم ينبت بعضه حول بعض ، ويغلظ ويتكامل حتى يقوى ويشتد ، وتعجب جودته أصحاب الزراعة ، العارفين بها .فكذلك النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، كانوا فى أول الأمر فى قلة وضعف ، ثم لم يزالوا يكثرون ويزدادون قوة ، حتى بلغوا فى ذلك .وصدق الله إذا يقول : ( واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأرض تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) قال صاحب الكشاف : " وهذا مثل ضربه الله - تعالى - لبدء أمر الإِسلام وترقيه فى الزيادة إلى أن قوى واستحكم .

لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قام وحده ، ثم قواه الله - تعالى - بمن معه .كما يقوى الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها ما يتولد منها ، حتى يعجب الزراع .وعلى هذا التفسير الذى سرنا عليه يكون وصفهم فى التوراة ، هو المعبر عنه بقوله - تعالى - : ( أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ) ويكون وصفهم فى الإِنجيل هو المعبر عنه بقوله - سبحانه - : ( كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) .ولا شك أن هذه الأوصاف كانت موجودة فى الكتابين قبل أن يحرفا ويبدلا ، بل بعض هذه الأوصاف موجودة فى الكتابين ، حتى بعد تحريفهما .فقد أخرج ابن جرير وعبد بن حميد عن قتادة قال : " مكتوب فى الإِنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " .ويرى بعض المفسرين أن المذكور فى التوراة والإِنجيل شئ واحد ، وهو الوصف المذكور إلى نهاية قوله : ( وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل ) وعلى هذا الرأى يكون الوقف تاما على هذه الجملة ، وما بعدها وهو قوله : ( كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ .

.

.

) كلام مستأنف .قال القرطبى : " قوله - تعالى - : ( ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التوراة وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل .

.

) قال الفراء : فيه وجهان : إن شئت قلت : المعنى ذلك مثلهم فى التوراة وفى الإِنجيل أيضا ، كمثلهم فى القرآن ، فيكون الوقف على " الإِنجيل " .وإن شئت قلت : تمام الكلام : ذلك مثلهم فى التوارة .

ثم أبتدأ فقال : ومثلهم فى الإِنجيل .وكذا قال ابن عباس وغيره : هما مثلان ، أحدهما فى التوارة ، والآخر فى الإِنجيل .

.

.والذى نراه أن ما ذهب إليه ابن عباس من كونهما مثلين ، أحدهما مذكور فى التوراة والآخر فى الإِنجيل ، هو الرأى الراجح ، لأن ظاهر الآية يشهد له .وفى هذه الصفات ما فيها من رسم صورة مشرقة مضيئة لهؤلاء المؤمنين الصادقين .وقوله - تعالى - : ( لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار ) تعليل لما يعرب عنه الكلام ، من إيجاده - تعالى - لهم على هذه الصفات الكريمة .أى : جعلهم - سبحانه - كذلك بأن وفقهم لأن يكونوا أشداء على الكفار ، ولأن يكونوا رحماء فيما بينهم ، ولأن يكونوا مواظبين على أداء الطاعات .

.

لكى يغيظ بهم الكفار ، فيعيشوا وفى قلوبهم حسرة مما يرونه من صفات سامية للمؤمنين .ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذا الوعد الجميل ، فقال : ( وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) .و " من " فى قوله ( مِنْهُم ) الراجح أنها للبيان والتفسير ، كما فى قوله - تعالى - ( فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان .

.

) أى : وعد الله - تعالى - بفضله وإحسانه ، الذين آمنوا وعملوا الصالحات .

وهم أهل بيعة الرضوان ، ومن كان على شاكلتهم فى قوة الإِيمان .

.

وعدهم جميعا مغفرة لذنوبهم ، وأجرا عظيما لا يعلم مقداره إلا هو - سبحانه - .ويجوز أن تكون من هنا للتبعيض ، لكى يخرج من هيلاء الموعودين بالمغفرة والأجر العظيم أولئك الذين أظهروا الإِسلام وأخفوا الكفر ، وهم المنافقون الذين أبوا مبايغة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأبوا الخروج معه للجهاد ، والذين من صفاتهم أنهم كانوا إذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا ،( وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها : وجوب احترام الصحابة وتوقيرهم ، والثناء عليهم ، لأن الله - تعالى - قد مدحهم ووعدهم بالمغفرة وبالأجر العظيم .قال القرطبى : " روى أبو عروة الزبيرى من ولد الزبير أنه قال : كنا عند مالك بن أنس ، فذكروا رجلا ينتقص أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ مالك هذه الآية : ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ) .

فقال مالك : من أصبح من الناس فى قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد أصابته هذه الآية .

ثم قال الإِمام القرطبى - رحمه الله - : قلت : لقد أحسن مالك فى مقالته وأصاب فى تأويله ، فمن نقص واحد منهم أو طعن عليه فى روايته ، فقد رد على الله رب العالمين ، وأبطل شرائع المسلمين .وبعد : فهذا تفسير لسورة " الفتح " تلك السورة التى بشرت الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بألوان من البشارات العالية ، وأدبتهم بأنواع من الآداب السامية ، وعرفتهم بأعدائهم من المنافقين والكافرين ، وحكت الكثير من مظاهر فضل الله - تعالى - ورحمته بعباده المؤمنين .

.نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ وكفى بالله شَهِيداً * مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكفار رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً ﴾ .

تأكيداً لبيان صدق الله في رسوله الرؤيا، وذلك لأنه لما كان مرسلاً لرسوله ليهدي، لا يريد ما لا يكون مهدياً للناس فيظهر خلافه، فيقع ذلك سبباً للضلال، ويحتمل وجوهاً أقوى من ذلك، وهو أن الرؤيا بحيث توافق الواقع تقع لغير الرسل، لكن رؤية الأشياء قبل وقوعها في اليقظة لا تقع لكل أحد فقال تعالى: ﴿ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى ﴾ وحكى له ما سيكون في اليقظة، ولا يبعد من أن يريه في المنام ما يقع فلا استبعاد في صدق رؤياه، وفيها أيضاً بيان وقوع الفتح ودخول مكة بقوله تعالى: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ ﴾ أي من يقويه على الأديان لا يستبعد منه فتح مكة له و(الهدى) يحتمل أن يكون هو القرآن كما قال تعالى: ﴿ أُنزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لّلنَّاسِ  ﴾ وعلى هذا ﴿ دِينَ الحق ﴾ هو ما فيه من الأصول والفروع، ويحتمل أن يكون الهدى هو المعجزة أي أرسله بالحق أي مع الحق إشارة إلى ما شرع، ويحتمل أن يكون الهدى هو الأصول و ﴿ دِينَ الحق ﴾ هو الأحكام، وذلك لأن من الرسل من لم يكن له أحكام بل بين الأصول فحسب، والألف واللام في الهدى يحتمل أن تكون للاستغراق أي كل ما هو هدى، ويحتمل أن تكون للعهد وهو قوله تعالى: ﴿ ذلك هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء  ﴾ وهو إما القرآن لقوله تعالى: ﴿ كتابا متشابها مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ  ﴾ إلى أن قال: ﴿ ذلك هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء  ﴾ وإما ما اتفق عليه الرسل لقوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده  ﴾ والكل من باب واحد لأن ما في القرآن موافق لما اتفق عليه الأنبياء وقوله تعالى: ﴿ وَدِينِ الحق ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون الحق اسم الله تعالى فيكون كأنه قال: بالهدى ودين الله.

وثانيها: أن يكون الحق نقيض الباطل فيكون كأنه قال: ودين الأمر الحق.

وثالثها: أن يكون المراد به الانقياد إلى الحق والتزامه ﴿ لِيُظْهِرَهُ ﴾ أي أرسله بالهدى وهو المعجز على أحد الوجوه ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ ﴾ أي جنس الدين، فينسخ الأديان دون دينه، وأكثر المفسرين على أن الهاء في قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ ﴾ راجعة إلى الرسول، والأظهر أنه راجع إلى دين الحق أي أرسل الرسول بالدين الحق ليظهره أي ليظهر الدين الحق على الأديان، وعلى هذا فيحتمل أن يكون الفاعل للاظهار هو الله، ويحتمل أن يكون هو النبي أي ليظهر النبي دين الحق، وقوله تعالى: ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ أي في أنه رسول الله وهذا مما يسلي قلب المؤمنين فإنهم تأذوا من رد الكفار عليهم العهد المكتوب، وقالوا لا نعلم أنه رسول الله فلا تكتبوا محمد رسول الله بل اكتبوا محمد بن عبد الله، فقال تعالى: ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ في أنه رسول الله، وفيه معنى لطيف وهو أن قول الله مع أنه كاف في كل شيء، لكنه في الرسالة أظهر كفاية، لأن الرسول لا يكون إلا بقول المرسل، فإذا قال ملك هذا رسولي، لو أنكر كل من في الدنيا أنه رسول فلا يفيد إنكارهم فقال تعالى أي خلل في رسالته بإنكارهم مع تصديقي إياه بأنه رسولي، وقوله: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله ﴾ فيه وجوه: أحدها: خبر مبتدأ محذوف تقديره هو محمد الذي سبق ذكره بقوله: ﴿ أَرْسَلَ رَسُولَهُ ﴾ ورسول الله عطف بيان.

وثانيها: أن محمداً مبتدأ خبره رسول الله وهذا تأكيد لما تقدم لأنه لما قال: ﴿ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ ﴾ ولا تتوقف رسالته إلا على شهادته، وقد شهد له بها محمد رسول الله من غير نكير.

وثالثها: وهو مستنبط وهو أن يقال: ﴿ مُحَمَّدٌ ﴾ مبتدأ و ﴿ رَسُولِ الله ﴾ عطف بيان سيق للمدح لا للتمييز ﴿ والذين مَعَهُ ﴾ عطف على محمد، وقوله: ﴿ أَشِدَّاءُ ﴾ خبره، كأنه تعالى قال: ﴿ والذين مَعَهُ ﴾ جميعهم ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الكفار رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ لأن وصف الشدة والرحمة وجد في جميعهم، أما في المؤمنين فكما في قوله تعالى: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين  ﴾ وأما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فكما في قوله: ﴿ واغلظ عَلَيْهِمْ  ﴾ وقال في حقه ﴿ بالمؤمنين رَءوفٌ رَّحِيمٌ  ﴾ وعلى هذا قوله: ﴿ تَرَاهُمْ ﴾ لا يكون خطاباً مع النبي صلى الله عليه وسلم بل يكون عاماً أخرج مخرج الخطاب تقديره أيها السامع كائناً من كان، كما قلنا إن الواعظ يقول انتبه قبل أن يقع الانتباه ولا يريد به واحداً بعينه، وقوله تعالى: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ الله وَرِضْوَاناً ﴾ لتمييز ركوعهم وسجودهم عن ركوع الكفار وسجودهم، وركوع المرائي وسجوده، فإنه لا يبتغي به ذلك.

وفيه إشارة إلى معنى لطيف وهو أن الله تعالى قال الراكعون والساجدون ﴿ لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ  ﴾ وقال الراكع يبتغي الفضل ولم يذكر الأجر لأن الله تعالى إذا قال لكم أجر كان ذلك منه تفضلاً، وإشارة إلى أن عملكم جاء على ما طلب الله منكم، لأن الأجرة لا تستحق إلا على العمل الموافق للطلب من المالك، والمؤمن إذا قال أنا أبتغي فضلك يكون منه اعترافاً بالتقصير فقال: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ الله ﴾ ولم يقل أجراً.

وقوله تعالى: ﴿ سيماهم فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن ذلك يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ نُورُهُمْ يسعى  ﴾ وعلى هذا فنقول نورهم في وجوههم بسبب توجههم نحو الحق كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنّى وَجَّهْتُ وجهي للذي فطر السموات والارض  ﴾ ومن يحاذي الشمس يقع شعاعها على وجهه، فيتبين على وجهه النور منبسطاً، مع أن الشمس لها نور عارضي يقبل الزوال، والله نور السموات والأرض فمن يتوجه إلى وجهه يظهر في وجهه نور يبهر الأنوار وثانيهما: أن ذلك في الدنيا وفيه وجهان: أحدهما: أن المراد ما يظهر في الجباه بسبب كثرة السجود والثاني: ما يظهره الله تعالى في وجوه الساجدين ليلاً من الحسن نهاراً، وهذا محقق لمن يعقل فإن رجلين يسهران بالليل أحدهما قد اشتغل بالشراب واللعب والآخر قد اشتغل بالصلاة والقراءة واستفادة العلم فكل أحد في اليوم الثاني يفرق بين الساهر في الشرب واللعب، وبين الساهر في الذكر والشكر.

وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التوراة ﴾ فيه ثلاثة أوجه مذكورة أحدها: أن يكون ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ، و ﴿ مَثَلُهُمْ فِي التوراة وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل ﴾ خبراً له، وقوله تعالى: ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ﴾ خبراً مبتدأ محذوف تقديره ومثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع.

وثانيها: أن يكون خبر ذلك هو قوله: ﴿ مَثَلُهُمْ فِي التوراة ﴾ وقوله: ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل ﴾ مبتدأ وخبره كزرع.

وثالثها: أن يكون ذلك إشارة غير معينة أوضحت بقوله تعالى: ﴿ كَزَرْعٍ ﴾ كقوله: ﴿ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ  ﴾ وفيه وجه رابع: وهو أن يكون ذلك خبراً له مبتدأ محذوف تقديره هذا الظاهر في وجوههم ذلك يقال ظهر في وجهه أثر الضرب، فنقول أي والله ذلك أي هذا ذلك الظاهر، أو الظاهر الذي تقوله ذلك.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فاستغلظ فاستوى على سُوقِهِ يُعْجِبُ الزراع ﴾ .

أي وصفوا في الكتابين به ومثلوا بذلك وإنما جعلوا كالزرع لأنه أول ما يخرج يكون ضعيفاً وله نمو إلى حد الكمال، فكذلك المؤمنون، والشطء الفرخ و ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ يحتمل أن يكون المراد أخرج الشطء وآزر الشطء، وهو أقوى وأظهر والكلام يتم عند قوله: ﴿ يُعْجِبُ الزراع ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار ﴾ أي تنمية الله ذلك ليغيظ أو يكون الفعل المعلل هو.

وقوله تعالى: ﴿ وَعَدَ الله الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ أي وعد ليغيظ بهم الكفار يقال رغماً لأنفك أنعم عليه.

وقوله تعالى: ﴿ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾ لبيان الجنس لا للتبعيض، ويحتمل أن يقال هو للتبعيض، ومعناه: ليغيظ الكفار والذين آمنوا من الكفار لهم الأجر العظيم، والعظيم والمغفرة قد تقدم مراراً والله تعالى أعلم، وهاهنا لطيفة وهو أنه تعالى قال في حق الراكعين والساجدين إنهم ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ الله ﴾ وقال: لهم أجر ولم يقل لهم ما يطلبونه من ذلك الفضل وذلك لأن المؤمن عند العمل لم يلتفت إلى عمله ولم يجعل له أجراً يعتد به، فقال لا أبتغي إلا فضلك، فإن عملي نزر لا يكون له أجر والله تعالى آتاه ما آتاه من الفضل وسماه أجراً إشارة إلى قبول عمله ووقوعه الموقع وعدم كونه عند الله نزراً لا يستحق عليه المؤمن أجراً، وقد علم بما ذكرنا مراراً أن قوله: ﴿ وَعَدَ الله الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ لبيان ترتب المغفرة على الإيمان فإن كل مؤمن يغفر له كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ والأجر العظيم على العمل الصالح، والله أعلم.

قال المصنف رحمه الله تعالى: تمّ تفسير هذه السورة يوم الخميس السابع عشر من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مُحَمَّدٌ ﴾ إما خبر مبتدأ، أي: هو محمد لتقدّم قوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ ﴾ [الفتح: 28] وإما مبتدأ، ورسول الله: عطف بيان.

وعن ابن عامر أنه قرأ: رسول الله، بالنصب على المدح ﴿ والذين مَعَهُ ﴾ أصحابه ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الكفار رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ جمع شديد ورحيم.

ونحوه ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين ﴾ [المائدة: 54] ، ﴿ واغلظ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 73] ، ﴿ بالمؤمنين رَءوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128] وعن الحسن رضي الله عنه: بلغ من تشدّدهم على الكفار: أنهم كانوا يتحرّزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم؛ وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه، والمصافحة لم تختلف فيها الفقهاء.

وأما المعانقة فقد كرهها أبو حنيفة رحمه الله، وكذلك التقبيل.

قال لا أحب أن يقبل الرجل من الرجل وجهه ولا يده ولا شيئاً من جسده.

وقد رخص أبو يوسف في المعانقة.

ومن حق المسلمين في كل زمان أن يراعوا هذا التشدّد وهذا التعطف: فيتشدّدوا على من ليس على ملتهم ودينهم ويتحاموه، ويعاشروا إخوتهم في الإسلام متعطفين بالبر والصلة.

وكف الأذى.

والمعونة، والاحتمال، والأخلاق السجيحة ووجه من قرأ: ﴿ أشداء، ورحماء ﴾ بالنصب-: أن ينصبهما على المدح، أو على الحال بالمقدّر في ﴿ مَعَهُ ﴾ ، ويجعل ﴿ تَرَاهُمْ ﴾ الخبر ﴿ سيماهم ﴾ علامتهم.

وقرئ: ﴿ سيماؤهم ﴾ وفيها ثلاث لغات: هاتان.

والسيمياء، والمراد بها السمة التي تحدث في جبهة السجاد من كثرة السجود، وقوله تعالى: ﴿ مِّنْ أَثَرِ السجود ﴾ يفسرها، أي: من التأثير الذي يؤثره السجود، وكان كل من العليين: عليّ بن الحسين زين العابدين، وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك، يقال له: ذو الثفنات؛ لأنّ كثرة سجودهما أحدثت في مواقعه منهما أشباه ثفنات البعير.

وقرئ: ﴿ من أثر السجود ﴾ و ﴿ من آثار السجود ﴾ ، وكذا عن سعيد بن جبير: هي السمة في الوجه.

فإن قلت: فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تعلبوا صوركم» ، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه رأى رجلاً قد أثر في وجهه السجود فقال: إن صورة وجهك أنفك، فلا تعلب وجهك، ولا تشن صورتك.

قلت: ذلك إذا اعتمد بجبهته على الأرض لتحدث فيه تلك السمة.

وذلك رياء ونفاق يستعاذ بالله منه، ونحن فيما حدث في جبهة السجاد الذي لا يسجد إلا خالصاً لوجه الله تعالى.

وعن بعض المتقدّمين: كنا نصلي فلا يرى بين أعيننا شيء، ونرى أحدنا الآن يصلي فيرى بين عينيه ركبة البعير، فما ندري أثقلت الأرؤس أم خشنت الأرض وإنما أراد بذلك من تعمد ذلك للنفاق.

وقيل: هو صفرة الوجه من خشية الله.

وعن الضحاك: ليس بالندب في الوجوه، ولكنه صفرة.

وعن سعيد بن المسيب: ندى الطهور وتراب الأرض.

وعن عطاء رحمه الله: استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل، كقوله: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» ﴿ ذَلِكَ ﴾ الوصف ﴿ مَثَلُهُمْ ﴾ أي وصفهم العجيب الشأن في الكتابين جميعاً، ثم ابتدأ فقال: ﴿ كَزَرْعٍ ﴾ يريد: هم كزرع.

وقيل: تم الكلام عند قوله: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التوراة ﴾ ثم ابتديء: (ومثلهم في الإنجيل كزرع) ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله: ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الامر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ ﴾ [الحجر: 66] .

وقرئ: ﴿ الأنجيل ﴾ بفتح الهمزة ﴿ شَطْأَهُ ﴾ فراخه.

يقال: أشطا الزرع إذا فرّخ.

وقرئ: ﴿ شطأه ﴾ بفتح الطاء.

وشطاه، بتخفيف الهمزة: وشطاءه بالمدّ.

وشطه، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى ما قبلها.

وشطوه، بقلبها واواً ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ من المؤازرة وهي المعاونة.

وعن الأخفش: أنه أفعل.

وقرئ: ﴿ فأزره ﴾ بالتخفيف والتشديد، أي: فشدّ أزره وقوّاه.

ومن جعل ﴿ آزَرَ ﴾ أفعل، فهو في معنى القراءتين ﴿ فاستغلظ ﴾ فصار من الدقة إلى الغلظ ﴿ فاستوى على سُوقِهِ ﴾ فاستقام على قصبه جمع ساق.

وقيل: مكتوب في الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

وعن عكرمة: أخرج شطأه بأبي بكر، فآزره بعمر، فاستغلظ بعثمان، فاستوى على سوقه بعليّ.

وهذا مثل ضربه الله لبدء أمر الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم، قام وحده.

ثم قوّاه الله بمن آمن معه كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها حتى يعجب الزرّاع.

فإن قلت: قوله: ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار ﴾ تعليل لماذا؟

قلت: لما دل عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوّة، ويجوز أن يعلل به ﴿ وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ ﴾ لأنّ الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك.

ومعنى ﴿ مِنْهُم ﴾ البيان، كقوله تعالى: ﴿ فاجتنبوا الرجس مِنَ الاوثان ﴾ [الحج: 30] .

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من قرأ سورة الفتح فكأنما كان ممن شهد مع محمد فتح مكة» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْمَشْهُودِ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صِفَةً ومُحَمَّدٌ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أوْ مُبْتَدَأٌ: ﴿ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وخَبَرُهُما.

﴿ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ﴾ وأشِدّاءُ جَمْعُ شَدِيدٍ ورُحَماءُ جَمْعُ رَحِيمٍ، والمَعْنى أنَّهم يُغْلِظُونَ عَلى مَن خالَفَ دِينَهم ويَتَراحَمُونَ فِيما بَيْنَهم كَقَوْلِهِ: ﴿ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ ﴾ ﴿ تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾ لِأنَّهم مُشْتَغِلُونَ بِالصَّلاةِ في أكْثَرِ أوْقاتِهِمْ.

﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ﴾ الثَّوابَ والرِّضا.

﴿ سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ ﴾ يُرِيدُ السِّمَةَ الَّتِي تَحْدُثُ في جِباهِهِمْ مِن كَثْرَةِ السُّجُودِ، فَعَلى مَن سامَهُ إذا أعْلَمَهُ وقَدْ قُرِئَتْ مَمْدُودَةً ومِن أثَرِ السُّجُودِ بَيانُها أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في الجارِّ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الوَصْفِ المَذْكُورِ.

أوْ إشارَةٌ مُبْهَمَةٌ يُفَسِّرُها كَزَرْعٍ.

﴿ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ﴾ صِفَتُهُمُ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ المَذْكُورَةُ فِيها.

﴿ وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ أيْ ذَلِكَ مَثَلُهم في الكِتابَيْنِ وقَوْلُهُ: ﴿ كَزَرْعٍ ﴾ تَمْثِيلٌ مُسْتَأْنِفٌ أوْ تَفْسِيرٌ أوْ مُبْتَدَأٌ وكَزَرْعٍ خَبَرُهُ.

﴿ أخْرَجَ شَطْأهُ ﴾ فِراخَهُ يُقالُ أشْطَأ الزَّرْعُ إذا فَرَّخَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ ( شَطَأهُ ) بِفَتَحاتٍ وهو لُغَةٌ فِيهِ، وقُرِئَ «شَطاهُ» بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ و «شَطاءَهُ» بِالمَدِّ و «شَطَّهُ» بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ وحَذْفِها و «شَطْوَهُ» بِقَلْبِها واوًا.

( فَأزَرَهُ ) فَقَوّاهُ مِنَ المُؤازَرَةِ وهي المُعاوَنَةُ أوْ مِنَ الإيزارِ وهي الإعانَةُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ فَآزَرَهُ كَأجَرَهُ في آجَرَهُ.

﴿ فاسْتَغْلَظَ ﴾ فَصارَ مِنَ الدِّقَّةِ إلى الغِلَظِ.

﴿ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ﴾ فاسْتَقامَ عَلى قَصَبِهِ جَمْعُ ساقٍ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «سُؤْقِهِ» بِالهَمْزَةِ.

﴿ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ ﴾ بِكَثافَتِهِ وقُوَّتِهِ وغِلَظِهِ وحُسْنِ مَنظَرِهِ، وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلصَّحابَةِ قَلُّوا في بَدْءِ الإسْلامِ ثُمَّ كَثُرُوا واسْتَحْكَمُوا فَتَرَقّى أمْرُهم بِحَيْثُ أعْجَبَ النّاسَ.

﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ ﴾ عِلَّةٌ لِتَشْبِيهِهِمْ بِالزَّرْعِ في زَكائِهِ واسْتِحْكامِهِ أوْ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا ﴾ فَإنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوهُ غاظَهم ذَلِكَ ومِنهم لِلْبَيانِ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ الفَتْحِ فَكَأنَّما كانَ مِمَّنْ شَهِدَ مَعَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتْحَ مَكَّةَ».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)

{مُحَمَّدٌ} خبر مبتدأ أي هو محمد لتقدم قوله هو الذى ارسل رسوله ام مبتدأ خبر {رَسُولِ الله} وقف عليه نصير {والذين مَعَهُ} أي أصحابه مبتدأ والخبر {أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار} او محمد مبتدا ورسول الله عطف بيان والذين معه عطف على المبتدا واشداء خبر عن الجميع ومعناه غلاظ {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} متعاطفون وهو خبر ثانٍ وهما جمعاً شديد ورحيم ونحوه أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين وبلغ من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم وبلغ من ترحمهم فيما بينهم انه كان لا يرى مؤمناً إلا صافحه وعانقه {تراهم رُكَّعاً} راكعين {سُجَّدًا} ساجدين {يَبْتَغُونَ} حال كما أن ركعاً وسجداً كذلك {فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً سيماهم} علامتهم {في وجوههم من أثر}

{السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل {

سورة الحجرات

بسم الله الرحمن الرحيم

{يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا}

{السجود} أي من التأثير الذي يؤثره السجود وعن عطاء استنارت وجوههم من طول ما وصلوا

بالليل لقوله عليه السلام من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار {ذلك} أي المذكور {مَثَلُهُمْ} صفتهم {فِي التوراة} وعليه وقف {وَمَثَلُهُمْ في الإنجيل} مبتدأ خبره {كزرع أخرج شطأه} فراخه يقال أشطأ الزرع إذا فرخ {فَأَزَرَهُ} قواه فَأزره شامي {فاستغلظ} فصار من الرقة إلى الغلظ {فاستوى على سُوقِهِ} فاستقام على قصبه جمع ساق {يُعْجِبُ الزراع} يتعجبون من قوته وقيل مكتوب في الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وعن عكرمة أخرج شطأه بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلي رضوان الله عليهم وهذا مثل ضربه الله تعالى لبدء الإسلام وترقيه في الزيادة الى ان قوى واستحكم لان النبى صلى الله عليه وسلم قام وحده ثم قواه الله تعالى بمن آمن معه كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتفّ بها مما يتولد منها حتى يعجب الزراع {لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار} تعليل لما دل عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوة ويجوز أن يعلل به {وعد الله الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} لأن الكفار إذا سمعوا بما أعد لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك ومن في مِنْهُمْ للبيان كما في قوله فاجتنبوا الرجس من الاوثان يعني فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان وقولك أنفق من الدراهم أي اجعل نفقتك هذا الجنس وهذه الآية ترد قول الروافض إنهم كفروا بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم إذ الوعد لهم بالمغفرة والأجر العظيم إنما يكون أن لو ثبتوا على ما كانوا عليه في حياته

سورة الحجرات مدنية وهى ثمان عشر آية

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ أيْ هو أوْ ذَلِكَ الرَّسُولُ المُرْسَلُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ مُحَمَّدٌ عَلى أنَّ الِاسْمَ الشَّرِيفَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و( رَسُولُ اللَّهِ ) عَطْفُ بَيانٍ أوْ نَعْتٌ أوْ بَدَلٌ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ ﴾ وهَذا هو الوَجْهُ الأرْجَحُ الأنْسَبُ بِالمَساقِ كَما في الكَشْفِ ويُؤَيِّدُهُ نَظَرًا إلى بَعْضِ ما يَأْتِي مِنَ الأوْجُهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ في رِوايَةِ ( رَسُولَ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ﴾ وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ عَلَيْهِ مُبَيِّنَةٌ لِلْمَشْهُودِ بِهِ، أمّا عَلى كَوْنِهِ الرِّسالَةَ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى كَوْنِهِ مُحَقَّقَ الوَعْدِ فَقِيلَ: لِأنَّ كَيْنُونَةَ ما وعَدَهُ لازِمَةٌ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَسُولَ اللَّهِ إذْ هو لا يُوعِدُ إلّا بِما هو مُحَقَّقٌ ولا يُخْبِرُ إلّا عَنْ كُلِّ صِدْقٍ.

وجُوِّزَ كَوْنُ ( مُحَمَّدٌ ) مُبْتَدَأً ﴿ ورَسُولٌ ﴾ تابِعًا لَهُ ( والَّذِينَ مَعَهُ ) عَطْفًا عَلَيْهِ والخَبَرُ عَنْهُ وعَنْهم قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أشِدّاءُ ﴾ إلَخْ.

وقَرَأ الحَسَنُ ( أشِدّاءَ) (رُحَماءَ) بِنَصْبِهِما فَقِيلَ عَلى المَدْحِ وقِيلَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِما العامِلُ في ( مَعَهُ ) فَيَكُونُ الخَبَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ جُمْلَةَ ﴿ تَراهُمْ ﴾ الآتِي وكَذا خَبَرُ ( الَّذِينَ ) عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، والمُرادُ بِالَّذِينِ مَعَهُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ مَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ، وقالَ الجُمْهُورُ: جَمِيعُ أصْحابِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، و ﴿ أشِدّاءُ ﴾ جَمْعُ شَدِيدٍ و ﴿ رُحَماءُ ﴾ جَمْعُ رَحِيمٍ، والمَعْنى أنَّ فِيهِمْ غِلْظَةً وشِدَّةً عَلى أعْداءِ الدِّينِ ورَحْمَةً ورِقَّةً عَلى إخْوانِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وفي وصْفِهِمْ بِالرَّحْمَةِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالشِّدَّةِ تَكْمِيلٌ واحْتِراسٌ فَإنَّهُ لَوِ اكْتَفى بِالوَصْفِ الأوَّلِ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ مَفْهُومَ القَيْدِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَيُتَوَهَّمُ الفَظاظَةُ والغِلْظَةُ مُطْلَقًا فَدُفِعَ بِإرْدافِ الوَصْفِ الثّانِي، ومَآلُ ذَلِكَ أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ أشِدّاءَ عَلى الأعْداءِ رُحَماءَ عَلى الإخْوانِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ ﴾ وعَلى هَذا قَوْلُهُ: حَلِيمٌ إذا ما الحِلْمُ زَيَّنَ أهْلَهُ عَلى أنَّهُ عِنْدَ العَدُوِّ مَهِيبُ وقَدْ بَلَغَ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِن تَشَدُّدِهِمْ عَلى الكَفّارِ أنَّهم كانُوا يَتَحَرَّزُونَ مِن ثِيابِهِمْ أنْ تَلْزَقَ بِثِيابِهِمْ ومِن أبْدانِهِمْ أنْ تَمَسَّ أبْدانَهم وبَلَغَ مِن تَرَحُّمِهِمْ فِيما بَيْنَهم أنَّهُ كانَ لا يَرى مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا إلّا صافَحَهُ وعانَقَهُ.

والمُصافَحَةُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيها الفُقَهاءُ.

أخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنِ البَراءِ قالَ (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا التَقى المُسْلِمانِ فَتَصافَحا وحَمِدا اللَّهَ واسْتَغْفَراهُ غَفَرَ لَهُما) وفِي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ (ما مِن مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيانِ فَيَتَصافَحانِ إلّا غُفِرَ لَهُما قَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقا)».

وفِي الأذْكارِ النَّوَوِيَّةِ أنَّها مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ كُلِّ لِقاءٍ وأمّا ما اعْتادَهُ النّاسُ بَعْدَ صَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ فَلا أصْلَ لَهُ ولَكِنْ لا بَأْسَ بِهِ، فَإنَّ أصْلَ المُصافَحَةِ سُنَّةٌ وكَوْنُهم مُحافِظِينَ عَلَيْها في بَعْضِ الأحْوالِ ومُفَرِّطِينَ في كَثِيرٍ مِنها لا يُخْرِجُ ذَلِكَ البَعْضَ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المُصافَحَةِ الَّتِي ورَدَ الشَّرْعُ بِأصْلِها، وجَعَلَ ذَلِكَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في قَواعِدِهِ مِنَ البِدَعِ المُباحَةِ، وأطالَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ الكَلامَ في ذَلِكَ، وأمّا المُعانَقَةُ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَرِهَها أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَذَلِكَ التَّقْبِيلُ قالَ: لا أُحِبُّ أنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلُ مِنَ الرَّجُلِ وجْهَهُ ولا يَدَهُ ولا شَيْئًا مِن جَسَدِهِ، ورَخَّصَ أبُو يُوسُفَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ المُعانَقَةَ ويُؤَيِّدُ ما رُوِيَ عَنِ الإمامِ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ «عَنْ أنَسٍ قالَ: (سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ  : يا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنّا يَلْقى أخاهُ أيَنْحَنِي لَهُ؟

قالَ: لا قالَ: أفَيَلْتَزِمُهُ ويُقَبِّلُهُ؟

قالَ: لا قالَ: أيَأْخُذُ بِيَدِهِ ويُصافِحُهُ؟

قالَ: نَعَمْ)».

وفِي الأذْكارِ التَّقْبِيلُ وكَذا المُعانَقَةُ لا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ القُدُومِ مِن سَفَرٍ ونَحْوِهِ، ومَكْرُوهٌ كَراهَةَ تَنْزِيهٍ في غَيْرِهِ، ولِلْأمْرَدِ الحَسَنِ حَرامٌ بِكُلِّ حالٍ.

أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قَدِمَ زَيْدُ بْنُ خالِدِ بْنِ حارِثَةَ المَدِينَةَ ورَسُولُ اللَّهِ في بَيْتِي فَقَرَعَ البابَ فَقامَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ فاعْتَنَقَهُ وقَبَّلَهُ،» وزادَ رَزِينٌ في حَدِيثِ أنَسٍ السّابِقِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ويُقَبِّلُهُ قالَ: «(لا إلّا أنْ يَأْتِيَ مِن سَفَرِهِ)».

ورَوى أبُو داوُدَ «سُئِلَ أبُو ذَرٍّ هَلْ كانَ  يُصافِحُكم إذا لَقِيتُمُوهُ؟

قالَ: ما لَقِيتُهُ قَطُّ إلّا صافَحَنِي وبَعَثَ إلَيَّ ذاتَ يَوْمٍ ولَمْ أكُنْ في أهْلِي فَجِئْتُ فَأُخْبِرْتُ أنَّهُ  أرْسَلَ إلَيَّ فَأتَيْتُهُ وهو عَلى سَرِيرِهِ فالتَزَمَنِي فَكانَتْ أجْوَدَ أجْوَدَ».

وهَذا يُؤَيِّدُ الإطْلاقَ المَحْكِيَّ عَنْ أبِي يُوسُفَ ويَنْبَغِي التَّأسِّي بِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في التَّشَدُّدِ عَلى أعْداءِ الدِّينِ والرَّحْمَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «(مَن لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنا ويَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنا فَلَيْسَ مِنّا)» وأخْرَجاهُما وأحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلّا مِن شَقِيٍّ)».

ولا بَأْسَ بِالبِرِّ والإحْسانِ عَلى عَدُوِّ الدِّينِ إذا تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً شَرْعِيَّةً كَما أفادَ ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتاوِيهِ الحَدِيثِيَّةِ فَلْيُراجَعْ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ (أشِدّا) بِالقَصْرِ وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ لِأنَّ قَصْرَ المَمْدُودِ في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ: لا بُدَّ مِن صُنْعا وإنْ طالَ السَّفَرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾ خَبَرٌ آخَرُ- لِلَّذِينِ- أوِ اسْتِئْنافٌ ويَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ عَلى ما لا يَخْفى، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ، و( رُكَّعًا سُجَّدًا ) حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، والمُرادُ تَراهم مُصَلِّينَ، والتَّعْبِيرُ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ عَنِ الصَّلاةِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِلِاسْتِمْرارِ وهو اسْتِمْرارٌ عُرْفِيٌّ، ومِن هُنا قالَ في البَحْرِ: هَذا دَلِيلٌ عَلى كَثْرَةِ الصَّلاةِ مِنهم ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ﴾ أيْ ثَوابًا ورِضًا، والجُمْلَةُ إمّا خَبَرٌ آخَرُ أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِ ﴿ تَراهُمْ ﴾ أوْ مِنَ المُسْتَتِرِ في ﴿ رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن بَيانِ مُواظَبَتِهِمْ عَلى الرُّكُوعِ والسُّجُودِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ؟

فَقِيلَ: يَبْتَغُونَ فَضْلًا إلَخْ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ (ورُضْوانًا) بِضَمِّ الرّاءِ ﴿ سِيماهُمْ ﴾ أيْ عَلامَتُهم وقُرِئَ (سِيمْياؤُهُمْ) بِزِيادَةِ ياءٍ بَعْدَ المِيمِ والمَدِّ وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ كَثِيرَةٌ في الشِّعْرِ قالَ الشّاعِرُ: غُلامٍ رَماهُ اللَّهُ بِالحُسْنِ يافِعا ∗∗∗ لَهُ سِيمْياءُ لا تَشُقُّ عَلى البَصَرِ وجاءَ سِيماءُ بِالمَدِّ واشْتِقاقُها مِنَ السُّومَةِ بِالضَّمِّ العَلامَةُ تُجْعَلُ عَلى الشّاةِ والياءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ، وهي مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي وُجُوهِهِمْ ﴾ أيْ في جِباهِهِمْ أوْ هي عَلى ظاهِرِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن أثَرِ السُّجُودِ ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعُ خَبَرًا لِسِيماهم أوْ بَيانٌ لَها أيْ سِيماهُمُ الَّتِي هي أثَرُ السُّجُودِ، ووَجْهُ إضافَةِ الأثَرِ إلى السُّجُودِ أنَّهُ حادِثٌ مِنَ التَّأْثِيرِ الَّذِي يُؤَثِّرُهُ السُّجُودُ، وشاعَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِما يَحْدُثُ في جَبْهَةِ السُّجّادِ مِمّا يُشْبِهُ أثَرَ الكَيِّ وثَفِنَةَ البَعِيرِ وكانَ كُلٌّ مِنَ العَلِيَّيْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ زَيْنِ العابِدِينَ وعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ أبِي الأمْلاكِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يُقالُ لَهُ ذُو الثَّفِناتِ لِأنَّ كَثْرَةَ سُجُودِهِما أحْدَثَ في مَواقِعِهِ مِنهُما أشْباهَ ثَفِناتِ البَعِيرِ وهي ما يَقَعُ عَلى الأرْضِ مِن أعْضائِهِ إذا غَلُظَ، وما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لا تُعَلِّبُوا صُوَرَكُمْ)».

أيْ لا تَسِمُوها مِنَ العَلْبِ بِفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ اللّامِ الأثَرِ، وقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وقَدْ رَأى رَجُلًا بِأنْفِهِ أثَرُ السُّجُودِ: إنَّ صُورَةَ وجْهِكَ أنْفُكَ فَلا تَعْلَبْ وجْهَكَ ولا تَشِنْ صُورَتَكَ فَذَلِكَ إنَّما هو إذا اعْتَمَدَ بِجَبْهَتِهِ وأنْفِهِ عَلى الأرْضِ لِتَحْدُثَ تِلْكَ السِّمَةُ وذاكَ مَحْضُ رِياءٍ ونِفاقٍ يُسْتَعاذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ، والكَلامُ فِيما حَدَثَ في وجْهِ السَّجّادِ الَّذِي لا يَسْجُدُ إلّا خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنْكَرَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ بِالسِّيما ذَلِكَ.

أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ إذْ جاءَ رَجُلٌ وفي وجْهِهِ أثَرُ السُّجُودِ فَقالَ: لَقَدْ أفْسَدَ هَذا وجْهَهُ أما واللَّهِ ما هي السِّيما الَّتِي سَمّى اللَّهَ تَعالى ولَقَدْ صَلَّيْتُ عَلى وجْهِي مُنْذُ ثَمانِينَ سَنَةً ما أثَّرَ السُّجُودُ بَيْنَ عَيْنَيَّ، ورُبَّما يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ اسْتَشْعَرَ مِنَ الرَّجُلِ تَعَمُّدًا لِذَلِكَ فَنَفى أنْ يَكُونَ ما حَصَلَ بِهِ هو السِّيما الَّتِي سَمّى اللَّهُ تَعالى، ونَظِيرُهُ ما حُكِيَ عَنْ بَعْضِ المُتَقَدِّمِينَ قالَ: كُنّا نُصَلِّي فَلا يُرى بَيْنَ أعْيُنِنا شَيْءٌ ونَرى أحَدَنا الآنَ يُصَلِّي فَتَرى بَيْنَ عَيْنَيْهِ رُكْبَةَ البَعِيرِ فَما نَدْرِي أثَقُلَتِ الأرْؤُسُ أمْ خَشُنَتِ الأرْضُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ السِّيما نَدى الطَّهُورِ وتُرابُ الأرْضِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ لَهُ أثَرٌ في الوَجْهِ ولَكِنَّهُ الخُشُوعُ، وفي رِوايَةٍ هي الخُشُوعُ والتَّواضُعُ، وقالَ مَنصُورٌ: سَألْتُ مُجاهِدًا أهَذِهِ السِّيما هي الأثَرُ يَكُونُ بَيْنَ عَيْنَيِ الرَّجُلِ قالَ: لا وقَدْ يَكُونُ مِثْلَ رُكْبَةِ البَعِيرِ وهو أقْسى قَلْبًا مِنَ الحِجارَةِ، وقِيلَ: هي صُفْرَةُ الوَجْهِ مِن سَهَرِ اللَّيْلِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ، ورَوى السُّلَمِيُّ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ المَكِّيِّ لَيْسَ ذاكَ هو النُّحُولُ والصُّفْرَةُ ولَكِنَّهُ نُورٌ يَظْهَرُ عَلى وُجُوهِ العابِدِينَ يَبْدُو مِن باطِنِهِمْ عَلى ظاهِرِهِمْ يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ولَوْ كانَ في زِنْجِيٍّ أوْ حَبَشِيٍّ، وقالَ عَطاءٌ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو حُسْنٌ يَعْتَرِي وُجُوهَ المُصَلِّينَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السَّمْتُ الحَسَنُ، وعَنْ بَعْضِهِمْ تَرى عَلى وُجُوهِهِمْ هَيْبَةً لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِمُناجاةِ سَيِّدِهِمْ، والذّاهِبُونَ إلى هَذِهِ الأقْوالِ قائِلُونَ: إنَّ المُرادَ عَلامَتُهم في وُجُوهِهِمْ وهم في الدُّنْيا، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هَذِهِ السِّيما في الآخِرَةِ، أخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ.

وابْنُ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: بَياضٌ يَغْشى وُجُوهَهم يَوْمَ القِيامَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ نَصْرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ، وأخْرَجُوا عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: مَوْضِعُ السُّجُودِ أشَدُّ وُجُوهِهِمْ بَياضًا.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والصَّغِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «(قالَ رَسُولُ اللَّهِ  في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ ﴾ النُّورُ يَوْمَ القِيامَةِ النُّورُ يَوْمَ القِيامَةِ».

ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ النُّورُ عَلامَةً في وُجُوهِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الآخِرَةِ أظْهَرَ وأتَمَّ خَصَّهُ النَّبِيُّ  بِالذِّكْرِ، وإذا صَحَّ الحَدِيثُ فَهو مَذْهَبِي.

وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ (إثْرِ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ وهو لُغَةٌ في أثَرٍ.

وقَرَأ قَتادَةُ مِن (آثارِ) بِالجَمْعِ ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن نُعُوتِهِمُ الجَلِيلَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ، وقِيلَ: البُعْدُ بِاعْتِبارِ المُبْتَدَأِ أعْنِي ﴿ أشِدّاءُ ﴾ ولَوْ قِيلَ هَذا لَتُوُهِّمَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو النَّعْتُ الأخِيرُ.

أعْنِي ﴿ سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ ﴾ .

وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( مَثَلُهم ) أيْ وصْفُهُمُ العَجِيبُ الشَّأْنِ الجارِي في الغَرابَةِ مَجْرى الأمْثالِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ( في التَّوْراةِ ) حالٌ مِن ( مَثَلُهم ) والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( مَثَلُهم ) الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وتَكْرِيرُ ( مَثَلُهم ) لِتَأْكِيدِ غَرابَتِهِ وزِيادَةِ تَقْرِيرِها، وقُرِئَ (الأنْجِيلِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ ﴾ إلَخْ تَمْثِيلٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ هم أوْ مَثَلُهم كَزَرْعٍ إلَخْ فالوَقْفُ عَلى ( الإنْجِيلِ ) وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقِيلَ: ( مَثَلُهم ) الثّانِي مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَزَرْعٍ ﴾ إلَخْ خَبَرُهُ فالوَقْفُ عَلى ( التَّوْراةِ ) وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الضَّحّاكِ وأبِي حاتِمٍ وقَتادَةَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً مُبْهَمَةً أُوضِحَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَزَرْعٍ ﴾ إلَخْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ﴾ فَعَلى الأوَّلِ والثّالِثِ ﴿ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ ﴾ شَيْءٌ واحِدٌ إلّا أنَّهُ عَلى الأوَّلِ ﴿ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ﴾ إلَخْ، وعَلى الثّالِثِ ﴿ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ ﴾ إلَخْ وعَلى الثّانِي ﴿ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ﴾ شَيْءٌ وهو ﴿ أشِدّاءُ ﴾ إلَخْ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ شَيْءٌ آخَرُ وهو ﴿ كَزَرْعٍ ﴾ إلَخْ.

واعْتُرِضَ الوَجْهُ الثّالِثُ بِأنَّ الأصْلَ في الإشارَةِ أنْ تَكُونَ لِمُتَقَدِّمٍ وإنَّما يُشارُ إلى المُتَأخِّرِ إذا كانَ نَعْتًا لِاسْمِ الإشارَةِ نَحْوَ ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ ، وفِيهِ أنَّ الحَصْرَ مَمْنُوعٌ، والشَّطْءُ فُرُوخُ الزَّرْعِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ وهو ما خَرَجَ مِنهُ وتَفَرَّعَ في شاطِئَيْهِ أيْ في جانِبَيْهِ، وجَمْعُهُ كَما قالَ الرّاغِبُ أشْطاءُ، وقالَ قُطْرُبُ: شَوْكُ السُّنْبُلِ يَخْرُجُ مِنَ الحَبَّةِ عَشْرُ سُنْبُلاتٍ وتِسْعٌ وثَمانٍ، وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: طَرَفُهُ، وأنْشَدُوا: اخْرُجِ الشَّطْءَ عَلى وجْهِ الثَّرى ∗∗∗ ومِنَ الأشْجارِ أفْنانُ الثَّمَرِ وزَعَمَ أبُو الفَتْحِ أنَّ الشَّطْءَ لا يَكُونُ إلّا في البُرِّ والشَّعِيرِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: شَطَأ الزَّرْعُ وأشْطَأ إذا أخْرَجَ فِراخَهُ وهو في الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وغَيْرِهِما، وفي البَحْرِ أشْطَأ الزَّرْعُ أفْرَخَ والشَّجَرَةُ أخْرَجَتْ غُصُونَها.

وفِي القامُوسِ الشَّطْءُ فَراخُ النَّخْلِ والزَّرْعِ أوْ ورَقِهِ جَمْعُهُ شُطُوءٌ، وشَطَأ كَمَنَعَ شَطَأً وشَطْوًا أخْرَجَها، ومِنَ الشَّجَرِ ما خَرَجَ حَوْلَ أصْلِهِ وجَمْعُهُ أشْطاءُ، وأشْطَأ أخْرَجَها اهـ، وفِيهِ ما يَرُدُّ بِهِ عَلى أبِي الفَتْحِ مَعَ زِيادَةٍ لا تَخْفى فائِدَتُها فَلا تَغْفَلْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ ذَكْوانَ (شَطَأهُ) بِفَتْحِ الطّاءِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وعِيسى الكُوفِيُّ كَذَلِكَ وبِالمَدِّ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ أيْضًا وبِألِفٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا وأنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ فَنَقَلَ الحَرَكَةَ وأبْدَلَ الهَمْزَةَ ألِفًا كَما قالُوا في المَرْأةِ والكَمْأةِ المَراةُ والكُماةُ، وهو تَخْفِيفٌ مَقِيسٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (شَطَهُ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الطّاءِ، ورُوِيَتْ عَنْ شَيْبَةَ ونافِعٍ والجَحْدَرِيِّ، وعَنِ الجَحْدَرِيِّ أيْضًا (شَطْوَهُ) بِإسْكانِ الطّاءِ وواوٍ بَعْدَها، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي لُغَةٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الهَمْزَةِ ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ أيْ أعانَهُ وقَوّاهُ قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، قالَ الرّاغِبُ: وأصْلُهُ مِن شَدِّ الإزارِ يُقالُ: أزَرْتُهُ أيْ شَدَدْتُ إزارَهُ ويُقالُ: آزَرْتُ البِناءَ وأزَرْتُهُ قَوَّيْتُ أسافِلَهُ، وتَأزَّرَ النَّباتُ طالَ وقَوِيَ.

وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ إمّا مِنَ المُؤازَرَةِ بِمَعْنى المُعاوَنَةِ أوْ مِنَ الإيزارِ وهي الإعانَةُ.

وفي البَحْرِ (آزَرَ) أفْعَلُ كَما حُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ، وقَوْلُ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ فاعَلَ خَطَأٌ لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ في مُضارِعِهِ إلّا يُؤْزِرَ عَلى وزْنِ يُكْرِمُ دُونَ يُوازِرُ.

وتُعِقِّبَ بِأنَّ هَذِهِ الشَّهادَةَ نَفْيٌ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ورَدَ مِن بابَيْنِ واسْتَغْنى بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، مَعَ أنَّ السَّرَقُسْطِيَّ نَقَلَهُ عَنِ المازِنِيِّ لَكِنَّهُ قالَ: يُقالُ آزَرَ الشَّيْءُ غَيْرَهُ أيْ ساواهُ وحاذاهُ، وأنْشَدَ لِامْرِئِ القَيْسِ: بِمَحْنِيَّةٍ قَدْ آزَرَ الضّالُّ نَبْتَها ∗∗∗ بِجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخَيَّبَ وجُعِلَ ما في الآيَةِ مِن ذَلِكَ، وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: آزَرَهُ صارَ مِثْلَ الأصْلِ في الطُّولِ، والجُمْهُورُ عَلى ما نُقِلَ أوَّلًا، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في (آزَرَهُ لِلشَّطْءِ والمَنصُوبُ لِلزَّرْعِ أيْ فَقَوّى ذَلِكَ الشَّطْءُ الزَّرْعَ، والظّاهِرُ أنَّ الإسْنادَ في ( أخْرَجَ ) و(آزَرَ) مَجازِيٌّ وكَوْنُ ذَلِكَ مِنَ الإسْنادِ إلى المُوجَبِ، وهو حَقِيقَةٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ السّالَكُوتِيُّ في حَواشِيهِ عَلى المُطَوَّلِ حَيْثُ قالَ في قَوْلِهِمْ: سَرَّتْنِي رُؤْيَتُكَ.

هَذا القَوْلُ مَجازٌ إذا أُرِيدَ مِنهُ حُصُولُ السُّرُورِ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ أمّا إذا أُرِيدَ مِنهُ أنَّ الرُّؤْيَةَ مُوجِبَةٌ لِلسُّرُورِ فَهو حَقِيقَةٌ لا يَخْفى حالُهُ.

وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ (فَآزَرَهُ) ثُلاثِيًّا.

وقُرِئَ (( فَأزَّرَهُ)) بِشَدِّ الزّايِ أيْ فَشَدَّ أزْرَهُ وقَوّاهُ ﴿ فاسْتَغْلَظَ ﴾ فَصارَ مِنَ الدِّقَّةِ إلى الغِلَظِ وهو مِن بابِ اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ المُبالَغَةُ في الغِلَظِ كَما في اسْتَعْصَمَ ونَحْوَهُ، وأُوثِرُ الأوَّلَ لِأنَّ المَساقَ يُنْبِئُ عَنِ التَّدَرُّجِ ﴿ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ﴾ فاسْتَقامَ عَلى قَصَبِهِ وأُصُولِهِ جَمْعُ ساقٍ نَحْوَ لابَةٍ ولُوبٍ وقارَّةٍ وقُورٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (سُوقِهِ) بِإبْدالِ الواوِ المَضْمُومِ ما قَبْلَها هَمْزَةً، قِيلَ: وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: أحَبُّ المُؤَقِّدِينَ إلَيَّ مُوسى ﴿ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ ﴾ بِقُوَّتِهِ وكَثافَتِهِ وغِلَظِهِ وحُسْنِ مَنظَرِهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُعْجَبًا لَهُمْ، وخَصَّهم تَعالى بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ إذا أعْجَبَ الزُّرّاعَ وهم يَعْرِفُونَ عُيُوبَ الزَّرْعِ فَهو أحْرى أنْ يُعْجِبَ غَيْرَهُمْ، وهُنا تَمَّ المَثَلُ وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قَلُّوا في بَدْءِ الإسْلامِ ثُمَّ كَثُرُوا واسْتَحْكَمُوا فَتَرَقّى أمْرُهم يَوْمًا فَيَوْمًا بِحَيْثُ أعْجَبَ النّاسَ، وهَذا ما اخْتارَهُ بَعْضُهم وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ، وابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ، وذَكَرا عَنْهُ أنَّهُ قالَ أيْضًا: مَكْتُوبٌ في الإنْجِيلِ سَيَخْرُجُ قَوْمٌ يَنْبُتُونَ نَباتَ الزَّرْعِ يَخْرُجُ مِنهم قَوْمٌ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ.

وفي الكَشّافِ هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِبَدْءِ مِلَّةِ الإسْلامِ وتَرَقِّيهِ في الزِّيادَةِ إلى أنْ قَوِيَ واسْتَحْكَمَ لِأنَّ النَّبِيَّ  قامَ وحْدَهُ ثُمَّ قَوّاهُ اللَّهُ تَعالى بِمَن مَعَهُ كَما يُقَوِّي الطّاقَةَ الأُولى ما يَحْتَفُّ بِها مِمّا يَتَوَلَّدُ مِنها، وظاهِرُهُ أنَّ الزَّرْعَ هو النَّبِيُّ  والشَّطْءَ أصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَيَكُونُ مَثَلًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابِهِ لا لِأصْحابِهِ فَقَطْ كَما في الأوَّلِ ولِكُلٍّ وُجْهَةٌ، ورُوِيَ الثّانِي عَنِ الواقِدِيِّ، وفي خَبَرٍ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ ﴾ عِلَّةٌ لِما يُعْرِبُ عَنْهُ الكَلامُ مِن إيجادِهِ تَعالى لَهم عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَضَمَّنُهُ التَّمْثِيلُ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ عِلَّةٌ لِلتَّمْثِيلِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: عِلَّةٌ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا ﴾ فَإنَّ الكَفّارَ إذا سَمِعُوا بِما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ مَعَ ما لَهم في الدُّنْيا مِنَ العِزَّةِ غاظَهم ذَلِكَ، وهو مَعَ تَوَقُّفِ تَمامِيَّتِهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ عَلى كَوْنِ الكَفّارِ مُسْتَيْقِنِينَ بِالآخِرَةِ ومُتَحَقِّقِينَ كَوْنَ الوَعْدِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ بَعِيدٌ، وضَمِيرُ ( مِنهم ) لِمَن عادَ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ، و(مِن) لِلْبَيانِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ ﴾ ولَيْسَ مَجِيئُها كَذَلِكَ مَخْصُوصًا بِما إذا كانَتْ داخِلَةً عَلى ظاهِرٍ كَما تَوَهَّمَ صاحِبُ التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ ﴾ فَقالَ: حَمْلُ (مِن) لِلْبَيانِ إذا كانَ داخِلًا عَلى الضَّمِيرِ مُخالِفٌ لِاسْتِعْمالِ العَرَبِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ صاحِبُ التَّرْجَمَةِ لَكِنْ قالَ: لَوِ ادَّعى هَذا الخِلافَ في ضَمِيرَيِ الخِطابِ والتَّكَلُّمَ لَمْ يَبْعُدْ.

ومِن مَجِيئِها لِلْبَيانِ داخِلَةً عَلى ضَمِيرِ الغائِبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ ﴾ عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ ضَمِيرَ ﴿ تَزَيَّلُوا ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ لا لِلتَّبْعِيضِ كَما يَقُولُهُ الشِّيعَةُ الزّاعِمُونَ ارْتِدادَ أكْثَرِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن أهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّ مَدْحَهُمُ السّابِقَ بِما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾ ووَصْفُهم بِما يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ ﴾ يَأْبى التَّبْعِيضَ والِارْتِدادَ الَّذِينَ زَعَمُوهُ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى إنْصافٍ وشِمَّةٍ مِن دِينٍ، ويَزِيدُ زَعْمَهم هَذا سُقُوطًا عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ أنَّ مَدْحَهم ذاكَ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعالى في التَّوْراةِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ولا يَكادُ عاقِلٌ يَقْبَلُ أنَّهُ تَعالى أطْلَقَ المَدْحَ وكَتَبَهُ لِأُناسٍ لَمْ يَثْبُتْ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ، وإذا قُلْنا: إنَّ هَؤُلاءِ المَمْدُوحِينَ هم أهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ الَّذِينَ بايَعُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحُدَيْبِيَةَ كَما يُشْعِرُ بِهِ ( والَّذِينَ مَعَهُ ) لا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِأنَّ السُّورَةِ بِتَمامِها نَزَلَتْ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ سُقُوطُ ذَلِكَ الزَّعْمِ أبْيَنَ وأبْيَنَ لِأنَّ الِارْتِدادَ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ كانَ لِتَرْكِ مُبايَعَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ  مَعَ العِلْمِ بِالنَّصِّ عَلى خِلافَتِهِ بِزَعْمِهِمْ ومُبايَعَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وكَيْفَ يَكُونُ ذاكَ ارْتِدادًا واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ حِينَ رَضِيَ عَنْهم عَلى أنَّهم يَفْعَلُونَهُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما رَضِيَ عَنْ مُبايَعَتِهِمْ أوْ عَنْهم مِن حَيْثُ المُبايَعَةُ ولَمْ يَرْضَ سُبْحانَهُ عَنْهم مُطْلَقًا لِأجْلِها خِلافُ ظاهِرِ الآيَةِ، والظّاهِرُ ما نُفِيَ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ صُدُورُ بَعْضِ المَعاصِي مِن بَعْضِهِمْ بَعْدُ وإنَّما يُعَكِّرُ صُدُورُ ما لا يُجامِعُ الرِّضا أصْلًا كالِارْتِدادِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وبِالجُمْلَةِ جَعْلُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ لِيُتِمَّ لِلشِّيعَةِ ما زَعَمُوهُ مِمّا يَأْباهُ الكِتابُ والسُّنَّةُ وكَلامُ العِتْرَةِ.

وفي التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةٍ مِن ذَلِكَ ما تَنْشَرِحُ لَهُ الصُّدُورُ وتَزْدادُ بِهِ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ نُورًا عَلى نُورٍ، ويا سُبْحانَ اللَّهِ أيْنَ جَعْلُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ مِن دَعْوى الِارْتِدادِ، ولَكِنْ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ، وتَأْخِيرُ ( مِنهم ) هُنا عَنْ ( عَمِلُوا الصّالِحاتِ ) وتَقْدِيمُ ( مِنكم ) عَلَيْهِ في آيَةِ النُّورِ الَّتِي ذَكَرْناها آنِفًا لِأنَّ عَمَلَ الصّالِحاتِ لا يَنْفَكُّ عَنْهُمْ، وذَلِكَ ثَمَّتْ لِبَيانِ الخُلَفاءِ، والعَمَلُ الصّالِحُ لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ لِاسْتِمْرارِ صِحَّةِ خِلافَتِهِمْ حَتّى لا يَنْعَزِلُوا بِالفِسْقِ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ( مِنهم ) يَعْنِي مِنَ الشَّطْءِ الَّذِي أخْرَجَهُ الزَّرْعُ وهُمُ الدّاخِلُونَ في الإسْلامِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلى مَعْنى الشَّطْءِ وكَذَلِكَ فَعَلَ البَغَوِيُّ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

وهَذا وفي المَواهِبِ أنَّ الإمامَ مالِكًا قَدِ اسْتَنْبَطَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَكْفِيرَ الرَّوافِضِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَإنَّهم يَغِيظُونَهم ومَن غاظَهُ الصَّحابَةُ فَهو كافِرٌ، ووافَقَهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ انْتَهى.

وفي البَحْرِ ذُكِرَ عِنْدَ مالِكٍ رَجُلٌ يَنْتَقِصُ الصَّحابَةَ فَقَرَأ مالِكٌ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: مَن أصْبَحَ مِنَ النّاسِ في قَلْبِهِ غَيْظٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَدْ أصابَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ، ويُعْلَمُ تَكْفِيرُ الرّافِضَةِ بِخُصُوصِهِمْ، وفي كَلامِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ما يُشِيرُ إلَيْهِ أيْضًا، فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ ﴾ قالَتْ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمِرُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم فَسَبُّوهُمْ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ جَعْلُ جُمَلِ الآيَةِ كُلَّ جُمْلَةٍ مُشِيرَةً إلى مُعَيَّنٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: ﴿ أخْرَجَ شَطْأهُ ﴾ بِأبِي بَكْرٍ ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ بِعُمَرَ ﴿ فاسْتَغْلَظَ ﴾ بِعُثْمانَ ﴿ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ﴾ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والقاضِي أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ في فَضائِلِ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ.

والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ أبُو بَكْرٍ ﴿ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ ﴾ عُمَرُ ﴿ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ﴾ عُثْمانُ ﴿ تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ﴾ طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ ﴿ سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ ﴾ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍّ وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ ﴿ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ ﴾ بِأبِي بَكْرٍ ﴿ فاسْتَغْلَظَ ﴾ بِعُمَرَ ﴿ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ﴾ بِعُثْمانَ ﴿ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ ﴾ بِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ جَمِيعَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ  .

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَزَرْعٍ ﴾ قالَ: أصْلُ الزَّرْعِ عَبْدُ المُطَّلِبِ ﴿ أخْرَجَ شَطْأهُ ﴾ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ بِأبِي بَكْرٍ ﴿ فاسْتَغْلَظَ ﴾ بِعُمَرَ ﴿ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ﴾ بِعُثْمانَ ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ ﴾ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وكُلُّ هَذِهِ الأخْبارِ لَمْ تَصِحَّ فِيما أرى ولا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ ما في الآيَةِ عَلَيْها، وأعْتَقِدُ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الخُلَفاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ الحَظَّ الأوْفى مِمّا تَضَمَّنَتْهُ، ومَتى أُرِيدَ بِالزَّرْعِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ حَظُّ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِن ”شَطْأهُ“ أوْفى مِن حَظِّ سائِرِ الخُلَفاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَعَلَّ مُؤازَرَتَهُ ومُعاوَنَتَهُ البَدَنِيَّةَ بِقَتْلِ كَثِيرٍ مِنَ الكَفَرَةِ أعْدائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْثَرُ مِن مُؤازَرَةِ غَيْرِهِ مِنَ الخُلَفاءِ أيْضًا، ومَعَ هَذا لا يَنْخَدِشُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُحَقِّقُو أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ في مَسْألَةِ التَّفْضِيلِ كَما لا يَخْفى عَلى النَّبِيهِ النَّبِيلِ، فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ يُشِيرُ عِنْدَهم إلى فَتْحِ مَكَّةَ العَماءُ بِإدْخالِ الأعْيانِ الثّابِتَةِ ظاهِرَةٌ بِنُورِ الوُجُودِ فِيها أيْ إظْهارُها لِلْعِيانِ لِأجْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ لامَ ( لَكَ ) لِلتَّعْلِيلِ، وحاصِلُهُ أظْهَرْنا العالَمَ لِأجْلِكَ وهو في مَعْنى ما يَرْوُونَهُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (لَوْلاكَ لَوْلاكَ ما خُلِقَتِ الأفْلاكُ).

وقِيلَ: يُشِيرُ إلى فَتْحِ بابِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى حَضْرَةِ رُبُوبِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِتَجَلِّي صِفاتِ جَمالِهِ وجَلالِهِ وفَتْحِ ما انْغَلَقَ عَلى جَمِيعِ القُلُوبِ مِنَ الأسْرارِ وتَفْصِيلِ شَرائِعِ الإسْلامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُتُوحاتِ قَلْبِهِ  .

﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ لِيَسْتُرَ وُجُودَكَ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ بِوُجُودِهِ جَلَّ وعَلا ﴿ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ بِإثْباتِ جَمِيعِ حَسَناتِ العالَمِ في صَحِيفَتِكَ إذْ كُنْتَ العِلَّةَ في إظْهارِهِ ﴿ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ عَلى وجْهِ الجَمْعِ والفَرْقِ ﴿ ويَنْصُرَكَ اللَّهُ ﴾ عَلى النُّفُوسِ الأمّارَةِ مِمَّنْ تَدْعُوهم إلى الحَقِّ ﴿ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ قَلَّما يُشْبِهُهُ نَصْرٌ، ومِن هُنا كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَبَعًا، وكانَ عُلَماءُ أُمَّتِهِ كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حَصَلَ لِأُمَّتِهِ بِواسِطَةِ تَرْبِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم وإفاضَةِ الأنْوارِ والأسْرارِ عَلى نُفُوسِهِمْ وأرْواحِهِمْ، والمُرادُ لِيَجْمَعَ لَكَ هَذِهِ الأُمُورَ فَلا تَغْفَلْ ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ﴾ فَسَّرُوها بِشَيْءٍ يَجْمَعُ نُورًا وقُوَّةً ورُوحًا بِحَيْثُ يَسْكُنُ إلَيْهِ ويَتَسَلّى بِهِ الحَزِينُ والضَّجِرُ ويَحْدُثُ عِنْدَهُ القِيامُ بِالخِدْمَةِ ومُحاسَبَةِ النَّفْسِ ومُلاطَفَةِ الخَلْقِ ومُراقَبَةِ الحَقِّ والرِّضا بِالقَسْمِ والمَنعِ مِنَ الشَّطْحِ الفاحِشِ، وقالُوا: لا تَنْزِلُ السَّكِينَةُ إلّا في قَلْبِ نَبِيٍّ أوْ ولِيٍّ ﴿ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ﴾ فَيَحْصُلُ لَهُمُ الإيمانُ العَيانِيُّ والإيمانُ الِاسْتِدْلالِيُّ البُرْهانِيُّ ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ﴾ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إذْ كُنْتَ أوَّلَ مَخْلُوقٍ، ومِن هُنا أحاطَ  عِلْمًا بِما لَمْ يُحِطْ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شاهَدَ خَلْقَ جَمِيعِها، ومِن هَذا المَقامِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(كُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ)».

﴿ ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ إذْ كُنْتُ أعْلَمُ الخَلْقِ بِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ﴾ يُشِيرُ عِنْدَهم إلى كَمالِ فَناءِ وجُودِهِ  وبَقائِهِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ﴾ ﴿ سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ ﴾ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ السَّيْرِ إلى قِتالِ الأنْفُسِ الأمارَةِ ﴿ مِنَ الأعْرابِ ﴾ مِن سُكّانِ بِوادِي الطَّبِيعَةِ ﴿ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا ﴾ العَوائِقُ والعَلائِقُ ﴿ فاسْتَغْفِرْ لَنا ﴾ اطْلُبْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ سَتْرَ ذَلِكَ عَنّا لِيَتَأتّى لَنا السَّيْرُ ﴿ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ﴾ لِتَمَكُّنِ حُبِّ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ وعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِدُخُولِ غَيْرِهِ فِيها: رَضُوا بِالأمانِي وابْتَلَوْا بِحُظُوظِهِمْ وخاضُوا بِحارَ الحُبِّ دَعْوى فَما ابْتُلُوا ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا ﴾ أيْ إنَّ هاتَيْكَ العَوائِقَ والعَلائِقَ لا تُجْدِيكم شَيْئًا ﴿ بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْها حَسْبَما تَقْتَضِي الحِكْمَةُ ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ ﴾ بَلْ حَسِبْتُمْ أنْ لا يَرْجِعَ العَقْلُ والقُوى الرُّوحانِيَّةُ مِنَ السّالِكِينَ السّائِرِينَ إلى جِهادِ النَّفْسِ وطَلَبِ مَغانِمِ التَّجَلِّياتِ والأُنْسِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن إدْراكِ المَصالِحِ وتَدْبِيرِ حالِ المَعاشِ وما تَقْتَضِيهِ هَذِهِ النَّشْأةُ ﴿ وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ بِاللَّهِ تَعالى وشُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وكُنْتُمْ ﴾ في نَفْسِ الأمْرِ ﴿ قَوْمًا بُورًا ﴾ هالِكِينَ في مَهالِكِ الطَّبِيعَةِ وسُوءِ الِاسْتِعْدادِ ﴿ سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ﴾ وهي مَغانِمُ التَّجَلِّياتِ ومَواهِبُ الحَقِّ لِأرْبابِ الحَضْراتِ ﴿ ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ ﴾ دَعُونا نَسْلُكْ مَسْلَكَكم لِنَنالَ مَنالَكم ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ﴾ في حَقِّهِمْ مِن حِرْمانِهِمُ المَغانِمَ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللَّهُ ﴾ حَكَمَ وقَضى ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ إذْ كُنْتُمْ في عالَمِ الأعْيانَ الثّابِتَةِ ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿ بَلْ تَحْسُدُونَنا ﴾ ولِهَذا تَمْنَعُونَنا عَنِ الِاتِّباعِ ﴿ بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلا ﴾ ولِذَلِكَ نَسَبُوا الحَسَدَ وهو مِن أقْبَحِ الصِّفاتِ إلى ذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ المُطَهَّرَةِ عَنْ جَمِيعِ الصِّفاتِ الرَّدِيَّةِ ﴿ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ ﴾ ولا تُتْرَكُونَ سُدًى ﴿ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ وهُمُ النَّفْسُ وقُواها ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ يَنْقادُونَ لِحُكْمِ رَسُولِ العَقْلِ المُنَزَّهِ عَنْ شَوائِبِ الوَهْمِ ﴿ فَإنْ تُطِيعُوا ﴾ الدّاعِيَ ﴿ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا ﴾ مِن أنْواعِ المَعارِفِ والتَّجَلِّياتِ ﴿ وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ﴾ وهو عَذابُ الحِرْمانِ والحِجابِ ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى ﴾ وهو مَن لَمْ يَرَ في الدّارِ غَيْرَهُ دِيارًا ﴿ حَرَجٌ ﴾ في تَرْكِ السُّلُوكِ والجِهادِ المَطْلُوبِ مِنكم لِأنَّهُ وراءَ ذَلِكَ ﴿ ولا عَلى الأعْرَجِ ﴾ وهو مَن فَقَدَ شَيْخًا كامِلًا سالِمًا عَنْ عَيْبٍ في كَيْفِيَّةِ التَّسْلِيكِ والإيصالِ ﴿ حَرَجٌ ﴾ في تَرْكِ السُّلُوكِ أيْضًا، وهو إشارَةٌ إلى ما قالُوا مِن أنَّ تَرْكَ السُّلُوكِ خَيْرٌ مِنَ السُّلُوكِ عَلى يَدِ ناقِصٍ ﴿ ولا عَلى المَرِيضِ ﴾ بِمَرَضِ العِشْقِ والهَيامِ ﴿ حَرَجٌ ﴾ في ذاكَ أيْضًا لِأنَّهُ مَجْذُوبٌ والجَذْبَةُ خَيْرٌ مِنَ السُّلُوكِ ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ يُشِيرُ إلى المُعاهِدِينَ عَلى القَتْلِ بِسَيْفِ المُجاهَدَةِ تَحْتَ سَمُرَةِ الِانْفِرادِ عَنِ الأهْلِ والمالِ، ويُقالُ في أكْثَرِ الآياتِ الآتِيَةِ نَحْوُ هَذا ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ ﴾ أعْداءُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في مَقامِ الفَرْقِ ( رُحَماءُ فِيما بَيْنَهم ) لِقُوَّةٍ مُناسِبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فَهم جامِعُونَ لِصِفَتَيِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿ سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ ﴾ لَهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَمِ السُّجُودِ لِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا والأُخْرى وتِلْكَ السِّيما خَلْعُ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ، قالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: كادَ وجْهُ المُؤْمِنِ يُخْبِرُ عَنْ مَكْنُونِ عَمَلِهِ وكَذَلِكَ وجْهُ الكافِرِ ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً ﴾ سَتْرًا لِصِفاتِهِمْ بِصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وأجْرًا عَظِيمًا ﴾ وهو أنْ يَتَجَلّى سُبْحانَهُ لَهم بِأعْظَمِ تَجَلِّياتِهِ وإلّا فَكُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ جَلَّ جَلالُهُ لَيْسَ بِعَظِيمٍ، وسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ رَحِيمٍ ومَلِكٍ كَرِيمٍ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ يعني: حقق الله تعالى رؤيا رسول الله  بالوفاء، والصدق، وذلك أن النبيّ  رأى في المنام قبل الخروج إلى الحديبية، أنهم يدخلون المسجد الحرام.

فأخبر الناس بذلك، فاستبشروا.

فلما صدهم المشركون، قالت المنافقون في ذلك ما قالت.

فنزل لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ يعني: يصدق رؤياه بالحق لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ يعني: ما أخبر أصحابه أنهم يدخلون المسجد الحرام في العام الثاني.

ويقال: نزلت الآية بعد من دخلوا في العام الثاني لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ يعني: ما أخبر أصحابه أنهم يدخلون المسجد الحرام إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ يعني: لتدخلن إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ يعني: بإذن الله، وأمره.

ويقال: هذا اللفظ حكاية الرؤيا.

وذلك أن النبي  حين رأى في المنام، رأى كأن ملكاً ينادي وهو يقول: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله، فأنزل الله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ وهو قول الملك لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ من العدو مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ يعني: منهم من يحلق، ومنهم من يقصر لاَ تَخافُونَ العدو فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا قال مقاتل: فعلم أن يفتح عليهم خيبر قبل ذلك، فوعد لهم الفتح، ثم دخول مكة، ففتحوا خيبر، ثم رجعوا، ثم دخلوا مكة، وأتوا عمرة القضاء.

وقال الكلبي في قوله: فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا يعني: علم الله أنه سيكون في السنة الثانية، ولم تعلموا أنتم، فلذلك وقع في أنْفسكم ما وقع فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً يعني: فتح خيبر.

ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى يعني: بالتوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وَدِينِ الْحَقِّ وهو الإسلام لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ يعني: على الأديان كلها قبل أن تقوم الساعة.

فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بأن محمداً رسول الله  ، وإن لم يشهد كفار مكة، وذلك حين أراد أن يكتب محمد رسول الله، فقال سهيل بن عمرو: إنا لا نعرف بأنك رسول الله ولا نشهد.

قال الله عزّ وجلّ: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً وإن لم يشهد سهيل، وأهل مكة.

قال عز وجل: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ بالغلظة رُحَماءُ بَيْنَهُمْ يعني: متوادّين فيما بينهم تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يعني: يكثرون الصلاة يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً يعني: يلتمسون من الحلال.

وقال بعضهم: وَالَّذِينَ مَعَهُ يعني: أبا بكر أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ يعني: عمر رُحَماءُ بَيْنَهُمْ يعني: عثمان تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يعني: عليّاً رضوان الله عليهم أجمعين يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً يعني: الزبير، وعبد الرحمن بن عوف سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ يعني: علاماتهم، وهي الصفرة في وجوههم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ يعني: من السهر بالليل.

ويقال: يعرفون غُرّاً محجلين يوم القيامة، من أثر الوضوء.

وقال مجاهد: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ قال: الخشوع، والوقار.

وقال منصور: قلت لمجاهد: أهذا الذي يكون بين عيني الرجل؟

قال: إن ذلك قد يكون للرجل، وهو أقسى قلباً من فرعون.

ثم قال: ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ يعني: هذا الذي ذكره من نعتهم، وصفتهم في التوراة.

ثم ذكر نعتهم في الإنجيل فقال: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ يعني: مثل محمد  وأصحابه كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ.

روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: مثلهم في التوراة، والإنجيل واحد.

قال: مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ قرأ ابن كثير، وابن عامر: شَطْأَهُ بنصب الشين، والطاء.

والباقون: بنصب الشين، وجزم الطاء.

ومعناهما واحد.

وهو فراخ الزرع.

وقال مجاهد: شَطْأَهُ يعني: قوائمه.

قرأ ابن عامر: فَازَرَهُ بغير مد.

والباقون بالمد ومعناهما واحد.

يعني: قواه.

ومنه قوله عز وجل: اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [طه: 31] يعني: أقوي به ظهري.

ويقال: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ يعني: سنبله فَآزَرَهُ يعني: أعانه وقواه.

فَاسْتَغْلَظَ يعني: غلظ الزرع، واستوى.

فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ وهو جماعة الساق يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ يعني: الزارع إذا نظر في زرعه بعد ما استغلظ، واستوى، يعجبه ذلك.

فكذلك النبيّ  ، تبعه أبو بكر، ثم تبعه عمر، ثم تبعه واحد بعد واحد من أصحابه، حتى كثروا ففرح النبيّ  بذلك لكثرتهم.

لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ يعني: أهل مكة يكرهون ذلك لما رأوا من كثرة المسلمين، وقوتهم.

وروى خيثمة عن عبد الله بن مسعود  أنه كان يقرئهم القرآن في المسجد، فأتى على هذه الآية: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فقال: أنتم الزرع، وقد دنا حصادكم.

ويقال: كَزَرْعٍ يعني: محمدا  .

أَخْرَجَ شَطْأَهُ يعني: أبا بكر فَآزَرَهُ يعني: أعانه عمر على كفار مكة فَاسْتَغْلَظَ يعني: تقوى بنفقة عثمان فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يعني: قام على أمره علي بن أبي طالب يعينه، وينصره على أعدائه.

يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ يعني: طلحة، والزبير.

وكان الكفار يكرهون إيمان طلحة والزبير لشدة قوتهما، وكثرة أموالهما.

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ يعني: لهم.

ويقال: فيما بينهم، وبين ربهم.

ويقال: مِنْ هاهنا لإبانة الجنس.

يعني: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ أي: من أصحاب النبيّ  مَغْفِرَةً لذنوبهم وَأَجْراً عَظِيماً يعني: ثواباً وافراً في الجنة.

روي عن رسول الله  أنه قال: «من قرأ سُوَرَةَ الفَتْحِ فَكَأنَّمَا شَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ مَعَ النَّبِيِّ  » .

والله سبحانه أعلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

اللَّه تعالى [على عباده] «١» بأدبه في استعمال الاستثناء في كل فعل.

ت: قال ثعلب: استثنى اللَّه تعالى فيما يعلم ليستثنيَ الخَلْقُ فيما لا يعلمون، وقيل غير هذا، ولما نزلت هذه الآية عَلِمَ المسلمون أَنَّ تلك الرؤيا ستخرج فيما يستأنفونه من الزمان، فكان كذلك، فخرج صلّى الله عليه وسلّم في العام المُقْبِلِ واعتمر.

وقوله سبحانه: فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا يريد ما قَدَّرَهُ من ظهور الإسلام في تلك المدة ودخول الناس فيه.

وقوله: مِنْ دُونِ ذلِكَ أي: من قبل ذلك، وفيما يدنو إليكم، واختلف في الفتح القريب، فقال كثير من العلماء: هو بيعة الرضوان وصُلْحُ الحديبية، وقال ابن زيد «٢» : هو فتح خيبر.

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩)

وقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قال جمهور الناس: هو ابتداء وخبر، استوفى فيه تعظيمَ منزلة النبي صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: وَالَّذِينَ مَعَهُ ابتداء، وخبره: أَشِدَّاءُ ورُحَماءُ خبر ثانٍ، وهذا هو الراجح لأَنَّهُ خبر مضاد لقول الكفار: «لا تكتب مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» ، وَالَّذِينَ مَعَهُ إشارة إلى جميع الصحابة عند الجمهور، وحكى الثعلبيُّ عن ابن عباس أَنَّ الإشارة إلى مَنْ شَهِدَ الحديبية «٣» .

ت: ووصف تعالى الصحابة بأَنَّهُمْ رحماء بينهم، وقد جاءت أحاديثُ صحيحةٌ في تراحم المؤمنين حدثنا الشيخ وليُّ الدين العراقيُّ بسنده عن عبد اللَّه بن عمرو بن/ العاصي أَنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرحمن ارْحَمُوا مَنْ في الأرض

يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» «١» وأخرج الترمذيُّ من طريق أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلاَّ مِنْ [قَلْبٍ] شَقِيٍّ» «٢» وخَرَّجَ عن جرير بن عَبْدِ اللَّه قال: قال رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ لاَ يَرْحَمِ النَّاسَ، لاَ يَرْحَمْهُ اللَّهُ» «٣» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهذا الحديث خَرَّجه مسلم عن جرير، وخَرَّجَ مسلم أيضاً من طريق أبي هريرةَ:

«مَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ» «٤» انتهى، وبالجملة: فأسباب الألفة والتراحم بين المؤمنين كثيرةٌ، ولو بأَنْ تَلْقَى أخاك بوجه طَلْقٍ، وكذلك بَذْلُ السلام وَطيِّبُ الكلام، فالمُوَفَّقُ لا يحتقر من المعروف شيئاً، وقد روى الترمذي الحكيم في كتاب «ختم الأولياء» له بسنده عن عمر بن الخطاب- رضي اللَّه عنه- قال: سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ كَان أَحَبَّهُمَا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَحْسَنُهُمَا بِشْراً بِصَاحِبِهِ» أوْ قَالَ: «أكثرهما [بشرا] بصاحبه، فإذا

تَصَافَحَا، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، تِسْعُونَ مِنْهَا لِلَّذِي بَدَأَ، وَعَشَرَةٌ لِلَّذِي صُوفِحَ» «١» ، انتهى.

وقوله: تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً أي: ترى هاتين الحالتين كثيرا فيهم ويَبْتَغُونَ:

معناه: يطلبون.

وقوله سبحانه: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ قال مالك بن أنس: كانت جِبَاهُهُم مَتْرِبَةً من كثرة السجود في التراب وقاله عِكْرِمَةُ، ونحوه لأبي العالية «٢» ، وقال ابن عباس وخالد الحنفي/ وعطية: هو وعد بحالهم يومَ القيامة من اللَّه تعالى، يجعل لهم نوراً من أَثر السجود «٣» ، قال ع «٤» : كما يجعل غُرَّةً من أثر الوضوء، حسبما هو في الحديث، ويؤيد هذا التأويلَ اتصالُ القولِ بقوله: «فَضْلاً مِنَ اللَّهِ» وقال ابن عباس:

السَّمْتُ الحَسَنُ هو السيما، وهو خشوع يبدو على الوجه «٥» ، قال ع «٦» : وهذه حالةُ مُكْثِرِي الصلاةَ لأَنَّها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وقال الحسن بن أبي الحسن، وشِمْرُ بن عَطِيَّةَ: «السيما» : بَيَاضٌ وصُفْرَةٌ وتَبْهِيجٌ يعتري الوجوهَ من السَّهَرِ»

، وقال عطاء بن أبي رباح، والربيع بن أنس: «السّيما» : حسن يعتري وجوه المصلّين «٨» ، قال- عليه السلام «٩» -: ومن هذا الحديثُ الذي في «الشِّهاب» : «مَنْ كثرت صلاته باللّيل حسن وجهه

بِالنَّهَارِ» «١» قال ع «٢» : وهذا حديث غَلِطَ فيه ثابت بن موسى الزاهد، سَمِعَ شَرِيكَ بنَ عبد اللَّه يقول: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عن أبي سفيانِ، عن جابر، ثم نزع شريك لما رأى ثابتاً الزاهد فقال يعنيه: مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ بِاللَّيْلِ، حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ، فَظَنَّ ثابت أَنَّ هذا الكلام حديث متركِّب على السند المذكور، فَحَدَّثَ به عن شريك.

ت: واعلم أَنَّ اللَّه سبحانه جعل حُسْنَ الثناء علامةً على حسن عُقْبَى الدار، والكون في الجنة مع الأبرار، جاء بذلك صحيح الآثار عن النبي المختار ففي «صحيح البخاريّ» و «مسلم» عن أنس قالَ: «مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خيرا، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

وَجَبَتْ، ثُمَّ مَرُّوا بأخرى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: / وَجَبَتْ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا وَجَبَتْ؟

فَقَالَ:

هَذا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْراً فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأَرْضِ» «٣» ، انتهى، ونقل صاحب «الكوكب الدُّرِّيِّ» من مسند البَزَّارِ عنِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «يُوشِكُ أَنْ تَعْرِفُوا أَهْلَ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بم؟

قال:

بالثّناء الحسن والثّناء السّيّئ» «٤» ، انتهى، ونقله صاحب كتاب «التشوُّف إلى رجال التصوُّف» وهو الشيخ الصالح أبو يعقوب يوسف بن يحيى التادلي، عن ابن أبي شيبة، ولفظه: وخرّج

أبو بكر بن أبي شيبةَ أَنَّهُ قال صلّى الله عليه وسلّم في خُطْبَتِهِ: «تُوشِكُوا أَنْ تَعْرِفُوا أَهْلَ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ قَالَ: خِيَارَكُمْ مِنْ شِرَارِكُمْ، قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: بالثّناء الحسن، وبالثّناء السّيّئ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ» «١» .

ومن كتاب «التشوُّف» قال: وخَرَّجَ البزَّارُ عن أنس قال: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَهْل الجَنَّةِ؟

قال: مَنْ لاَ يَمُوتُ حتى تُمْلأَ مَسَامِعُهُ مِمَّا يُحِبُّهُ، قِيلَ: فَمَنْ أَهْلُ النَّارِ؟

قال: مَنْ لاَ يَمُوتُ حتى تملأ مسامعه مِمَّا يَكْرَهُ» قال:

وخَرَّج البَزَّارُ عن أبي هريرةَ «أَنَّ رجلاً قال: يا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ، قَالَ: لاَ تَغْضَبْ، وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: متى أَعْلَمُ أَنِّي مُحْسِنٌ؟

قَالَ: إذَا قَالَ جِيرَانُكَ: إنَّكَ مُحْسِنٌ، فَإنَّكَ مُحْسِنٌ، وَإذَا قَالُوا: إنَّكَ مُسِيءٌ، فَإنَّكَ مُسِيءٌ» «٢» انتهى، ونقل القرطبي في «تذكرته» عن عبد اللَّه بن السائب قال: مَرَّتْ جنازةٌ بابن مسعود فقال لرجُلٍ: قُمْ فانظرْ أمن أهل الجنة هو أم من أهل النَّارِ، فقال الرجل: ما يُدْرِينِي أمِنْ أهل الجنة هو أَمْ مِنْ أهل النار؟

قال: انظر ما ثَنَاءُ الناسِ عليه، فأنتم شهداءُ اللَّه في الأرض، / انتهى وباللَّه التوفيق، وإياه نستعين.

وقوله سبحانه: ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ...

الآية: قال مجاهد وجماعة من المتأولين: المعنى: ذلك الوصف هو مَثَلُهُمْ في التوراة ومثلهم في الإنجيل «٣» ، وتم القول، وكَزَرْعٍ ابتداءُ تمثيل، وقال الطبريُّ وحكاه عن الضَّحَّاك «٤» : المعنى: ذلك الوصف هو مثلهم في التوراة، وتَمَّ القولُ، ثم ابتدأ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ «٥» .

ت: وقيل غير هذا، وأبينها الأَوَّلُ، وما عداه يفتقر إلى سند يقطع الشكِ.

وقوله تعالى: كَزَرْعٍ على كل قول هو مثل للنبيّ ع وأصحابه في أنّ النبي ع بُعِثَ وَحْدَهُ فكان كالزرع حَبَّةً واحدة، ثم كَثُرَ المسلمون فهم كالشطء، وهو فراخ السُّنْبُلَةِ التي تنبت حول الأصل يقال: أشطأتِ الشجرةُ إذا أخرجت غُصُونَها، وأشطأ الزرع: إذا أخرج شطأه، وحكى النقاش عن ابن عباس أَنَّهُ قال: الزّرع: النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَآزَرَهُ: عليُّ بن أبي طالب، فَاسْتَغْلَظَ بأبي بكر، فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ بعمر بن الخطاب.

ت: وهذا لَيِّنُ الإسناد والمتن، كما ترى، واللَّه أعلم بِصِحَّتِهِ «١» .

وقوله تعالى: فَآزَرَهُ له معنيان:

أحدهما: ساواه طولاً.

والثَّاني: أنَّ: «آزره» و «وَازَرَهُ» بِمعنى: أعانه وَقَوَّاهُ مأخوذٌ من الأَزَرِ، وفَاعِلُ «آزر» يحتملُ أنْ يكون الشَّطْءَ، ويحتمل أَنْ يكون الزَّرْعَ.

وقوله تعالى: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ابتداء كلام قبله محذوف، تقديره: جعلهم اللَّه بهذه الصفة ليغيظ بهم الكفار، قال/ الحسن: مِنْ غَيْظِ الكُفَّارِ قولُ عُمَرَ بِمَكَّةَ: لاَ يُعْبَدُ اللَّهُ سِرّاً بَعْدَ الْيَوْمِ «٢» .

وقوله تعالى: مِنْهُمْ هي لبيان الجنس، وليست للتبعيض لأنّه وعد مرج للجميع.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ: "مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ" بِالنَّصْبِ فِيهِما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَهِدَ لَهُ بِالرِّسالَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ يَعْنِي أصْحابَهُ.

والأشِدّاءُ: جَمْعُ شَدِيدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: والأصْلُ: أشْدِداءُ، نَحْوُ نَصِيبٍ وأنْصِباءَ، ولَكِنَّ الدّالَيْنِ تَحَرَّكَتا، فَأُدْغِمَتِ الأُولى في الثّانِيَةِ، [وَمِثْلُهُ] ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ﴾ الرُّحَماءُ جَمْعُ رَحِيمٍ، والمَعْنى أنَّهم يُغْلِظُونَ عَلى الكُفّارِ، ويَتَوادُّونَ بَيْنَهم ﴿ تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾ يَصِفُ كَثْرَةَ صَلاتِهِمْ ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ﴾ وهو الجَنَّةُ ﴿ وَرِضْوانًا ﴾ وهو رِضى اللَّهِ عَنْهم.

وهَذا الوَصْفُ لِجَمِيعِ الصَّحابَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ ورَوى مُبارَكُ بْنُ فَضالَةَ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ أنَّهُ قالَ: "والَّذِينَ مَعَهُ" أبُو بَكْرٍ "أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ" عُمَرُ "رُحَماءُ بَيْنَهُمْ" عُثْمانُ "تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا" عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ "يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا" طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ وسَعْدٌ وسَعِيدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سِيماهُمْ ﴾ أيْ: عَلامَتُهم ﴿ فِي وُجُوهِهِمْ ﴾ ، وهَلْ هَذِهِ العَلامَةُ في الدُّنْيا، أمْ في الآخِرَةِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في الدُّنْيا.

ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها السَّمْتُ الحَسَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ أبِي طَلْحَةَ؛ وقالَ في رِوايَةِ مُجاهِدٍ: أما إنَّهُ لَيْسَ بِالَّذِي تَرَوْنَ، ولَكِنَّهُ سِيما الإسْلامِ وسَمْتُهُ وخُشُوعُهُ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ بِنَدَبِ التُّرابِ في الوَجْهِ، ولَكِنَّهُ الخُشُوعُ والوَقارُ والتَّواضُعُ.

والثّانِي: أنَّهُ نَدى الطَّهُورِ وثَرى الأرْضِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: لِأنَّهم يَسْجُدُونَ عَلى التُّرابِ لا عَلى الأثْوابِ.

وقالَ الأوْزاعِيُّ: بَلَغَنِي أنَّهُ ما حَمَلَتْ جِباهُهم مِنَ الأرْضِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ السُّهُومُ، فَإذا سَهَمَ وجْهُ الرَّجُلِ مِنَ اللَّيْلِ أصْبَحَ مُصْفارًّا.

قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "سِيماهم في وُجُوهِهِمْ": الصُّفْرَةُ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أثَرُ السَّهَرِ؛ وقالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: هو تَهَيُّجٌ في الوَجْهِ مِن سَهَرِ اللَّيْلِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها في الآخِرَةِ.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَواضِعَ السُّجُودِ مِن وُجُوهِهِمْ يَكُونُ أشَدَّ وُجُوهِهِمْ بَياضًا يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ.

ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: صَلاتُهم تَبْدُو في وُجُوهِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.

والثّانِي: أنَّهم يُبْعَثُونَ غَرًّا مُحَجَّلِينَ مِن أثَرِ الطُّهُورِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ ﴾ أيْ: صِفَتُهُمْ؛ والمَعْنى أنَّ صِفَةَ مُحَمَّدٍ  وأصْحابِهِ ﴿ فِي التَّوْراةِ ﴾ هَذا.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ هَذا المَثَلَ المَذْكُورَ أنَّهُ في التَّوْراةِ هو مَثَلُهم في الإنْجِيلِ.

قالَ مُجاهِدٌ: مَثَلُهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ واحِدٌ.

والثّانِي: أنَّ المُتَقَدِّمَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ.

فَأمّا مَثَلُهم في الإنْجِيلِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ كَزَرْعٍ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ مَثَلَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ كَزَرْعٍ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أخْرَجَ شَطْأهُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: ["شَطَأهُ" بِفَتْحِ الطّاءِ والهَمْزَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "شَطْأهُ" بِسُكُونِ الطّاءِ.

وكُلُّهم يَقْرَأُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ]: "شَطاءَهُ" بِفَتْحِ الطّاءِ [وَبِالمَدِّ] والهَمْزَةِ وبِألِفٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: فِراخُهُ يُقالُ: أشْطَأ الزَّرْعُ فَهو مُشْطِئٌ: إذا أفْرَخَ ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ أيْ: ساواهُ، وصارَ مِثْلَ الأُمِّ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "فَأزَرَهُ" مَقْصُورَةَ الهَمْزَةِ مِثْلُ فَعَلَهُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: آزَرَهُ: أعانَهُ وقَوّاهُ ﴿ فاسْتَغْلَظَ ﴾ أيْ: غَلُظَ ﴿ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ﴾ وهي جَمْعُ "ساقٍ"، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلنَّبِيِّ  إذْ خَرَجَ وحْدَهُ، فَأيَّدَهُ بِأصْحابِهِ، كَما قَوّى الطّاقَةَ مِنَ الزَّرْعِ بِما نَبَتَ مِنها حَتّى كَبُرَتْ وغَلُظَتْ واسْتَحْكَمَتْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "عَلى سُؤْقِهِ" مَهْمُوزَةً؛ والباقُونَ: بِلا هَمْزَةٍ.

وقالَ قَتادَةُ: في الإنْجِيلِ: سَيَخْرُجُ قَوْمٌ يَنْبُتُونَ نَباتَ الزَّرْعِ.

وَفِيمَن أُرِيدَ بِهَذا المَثَلِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ أصْلَ الزَّرْعِ: عَبْدُ المَطَّلِبِ "أخْرَجَ شَطْأهُ": أخْرَجَ مُحَمَّدًا  ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ : بِأبِي بَكْرٍ، ﴿ فاسْتَغْلَظَ ﴾ : بِعُمَرَ، ﴿ فاسْتَوى ﴾ : بِعُثْمانَ، ﴿ عَلى سُوقِهِ ﴾ : عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالزَّرْعِ: مُحَمَّدٌ  "أخْرَجَ شَطْأهُ" أبُو بَكْرٍ "فَآزَرَهُ": بِعُمَرَ "فاسْتَغْلَظَ": بِعُثْمانَ "فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ": بِعَلِيٍّ.

﴿ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ ﴾ : يَعْنِي المُؤْمِنِينَ "لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ" وهو قَوْلُ عُمَرَ لِأهْلِ مَكَّةَ: لا يُعْبَدُ اللَّهُ سِرًّا بَعْدَ اليَوْمِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُبارَكٌ عَنِ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ ﴾ أيْ: إنَّما كَثَّرَهم وقَوّاهم لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ.

وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: مَن أصْبَحَ وفي قَلْبِهِ غَيْظٌ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  فَقَدْ أصابَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ.

وقالَ ابْنُ إدْرِيسَ: لا آمَنُ أنْ يَكُونُوا قَدْ ضارَعُوا الكُفّارَ، يَعْنِي الرّافِضَةَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: "لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: في "مِن" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ تَخْلِيصًا لِلْجِنْسِ مِن غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ  ﴾ ، ومِثْلُهُ أنْ تَقُولَ: أنْفِقْ مِنَ الدَّراهِمِ، أيِ: اجْعَلْ نَفَقَتَكَ مِن هَذا الجِنْسِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآيَةِ: وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن هَذا الجِنْسِ، أيْ: مِن جِنْسِ الصَّحابَةِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ [هَذا] الوَعْدُ لِمَن أقامَ مِنهم عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِينِ كُلِّهِ وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهم تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللهِ ورِضْوانًا سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِنَ أثَرِ السُجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهم في التَوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارِ وعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا ﴾ رُوِيَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  رَأى في مَنامِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلى العُمْرَةِ أنَّهُ يَطُوفُ بِالبَيْتِ هو وأصْحابُهُ، بَعْضُهم مُحَلِّقُونَ وبَعْضُهم مُقَصِّرُونَ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرى ذَلِكَ بِالحُدَيْبِيَةِ، فَأخْبَرَ الناسَ بِهَذِهِ الرُؤْيا، ووَثِقَ الجَمِيعُ بِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ في وُجْهَتِهِمْ تِلْكَ، وقَدْ كانَ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ، لَكِنْ لَيْسَ في تِلْكَ الجِهَةِ، ورُوِيَ أنَّ رُؤْياهُ  إنَّما كانَتْ أنَّ مَلِكًا جاءَهُ فَقالَ لَهُ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ ﴾ ، وأنَّهُ بِهَذا أعْلَمُ الناسِ، فَلَمّا قَضى اللهُ تَعالى بِالصُلْحِ في الحُدَيْبِيَةِ، وأخَذَ رَسُولُ اللهِ  في الصَدْرِ، وقالَ المُنافِقُونَ: وأيْنَ الرُؤْيا؟

ووَقَعَ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُؤْيا بِالحَقِّ ﴾ ، و ﴿ "صَدَقَ" ﴾ هَذِهِ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، تَقُولُ: صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ، واللامُ في ﴿ "لَتَدْخُلُنَّ" ﴾ لامُ القَسَمِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ "صَدَقَ"؛ لِأنَّها مِن قَبِيلِ: تُبَيِّنُ وتُحَقِّقُ، ونَحْوُ هَذا مِمّا يُعْطِي القَسَمَ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَلَكِ المُخْبِرِ لِلنَّبِيِّ  في قَوْلِهِ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى مَقالَتَهُ كَما وقَعَتْ، وقالَ آخَرُونَ: هو أخْذٌ مِنَ اللهِ تَعالى عِبادَهُ بِأدَبِهِ في اسْتِعْمالِ الِاسْتِثْناءِ في كُلِّ فِعْلٍ يُوجِبُ وُقُوعَهُ، كانَ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ ولا بُدَّ، أو كانَ مِمّا قَدْ يَكُونُ وقَدْ لا يَكُونُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّما اسْتَثْنى مِن حَيْثُ كَلُّ واحِدٍ مِنَ الناسِ مَتى رَدَّ هَذا الوَعْدَ إلى نَفْسِهِ أمْكَنَ أنْ يَتِمَّ الوَعْدُ فِيهِ وأنْ لا يَتِمَّ، إذْ قَدْ يَمُوتُ الإنْسانُ أو يَمْرَضُ أو يَغِيبُ، وكُلُّ واحِدٍ في ذاتِهِ مُحْتاجٌ إلى الِاسْتِثْناءِ، فَلِذَلِكَ اسْتَثْنى عَزَّ وجَلَّ في الجُمْلَةِ إذْ فِيهِمْ ولا بُدَّ مَن يَمُوتُ، وقالَ آخَرُونَ: اسْتَثْنى لِأجْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "آمِنِينَ" ﴾ لا لِأجْلِ إعْلامِهِ بِالدُخُولِ، فَكَأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُؤَخَّرٌ عن مَوْضِعِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا فَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِثْناءِ مِن أجْلِ الأمْنِ أو مِن أجْلِ الدُخُولِ؛ لِأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قَدْ أخْبَرَ بِهِما ووَقَعَتِ الثِقَةُ بِالأمْرَيْنِ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أيِّهِما كانَ فَهو اسْتِثْناءٌ مِن واجِبٍ.

وقالَ قَوْمٌ: "إنْ" بِمَعْنى "إذْ" فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: "إذْ شاءَ اللهُ، وهَذا حَسَنٌ في مَعْناهُ لَكِنَّ كَوْنَ "إنْ" بِمَعْنى "إذْ" غَيْرُ مَوْجُودٍ في لِسانِ العَرَبِ، ولِلنّاسِ بَعْدُ في هَذا الِاسْتِثْناءِ أقْوالٌ مُخَلَّطَةٌ غَيْرَ هَذِهِ لا طائِلَ فِيها اخْتَصَرْتُها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنْ شاءَ اللهُ لا تَخافُونَ" بَدَلُ "آمِنِينَ".

ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلِمَ المُسْلِمُونَ أنَّ تِلْكَ الرُؤْيا فِيما يَسْتَأْنِفُونَهُ مِنَ الزَمانِ، واطْمَأنَّتْ قُلُوبُهم بِذَلِكَ وسَكَنَتْ، فَخَرَجَتْ في العامِ المُقْبِلِ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ  إلى مَكَّةَ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ، ودَخَلَها ثَلاثَةَ أيّامٍ هو وأصْحابُهُ، وصَدَقَتْ رُؤْياهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ يُرِيدُ ما قَدَّرَهُ مِن ظُهُورِ الإسْلامِ في تِلْكَ المُدَّةِ ودُخُولِ الناسِ فِيهِ، وما كانَ أيْضًا بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ دَفَعَ اللهُ تَعالى بِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ ذَلِكَ وفِيما يَدْنُو إلَيْكم.

واخْتَلَفَ الناسُ في الفَتْحِ القَرِيبِ، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْعَةُ الرِضْوانِ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ وابْنِ إسْحاقَ أنَّهُ الصُلْحُ بِالحُدَيْبِيَةِ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ لِلنَّبِيِّ  : أوَ فَتْحٌ هو يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: نَعَمْ،» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الفَتْحُ القَرِيبُ هو فَتْحُ مَكَّةَ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ فَتْحَ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ مِن دُونِ دُخُولِ النَبِيِّ  وأصْحابِهِ مَكَّةَ، بَلْ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعامٍ، لِأنَّ الفَتْحَ كانَ سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ، ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ "الفَتْحُ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ كُلَّ ما وقَعَ لِلنَّبِيِّ  فِيهِ ظُهُورٌ وفَتْحٌ عَلَيْهِ، وقَدْ حَكى مَكِّيٌّ في تَرْتِيبِ أعْوامِ هَذِهِ الأخْبارِ عن قُطْرُبٍ قَوْلًا خَطَأً جَعَلَ فِيهِ الفَتْحَ سَنَةَ عَشْرٍ، وجُعِلَ حَجُّ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَبْلَ الفَتْحِ، وذَلِكَ كُلُّهُ تَخْلِيطٌ وخَوْضٌ فِيما لَمْ يُتْقِنْهُ مَعْرِفَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ ﴾ الآيَةُ، تَعْظِيمٌ لِأمْرِ رَسُولِ اللهِ  ، وإعْلامٌ بِأنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، ورَأى بَعْضُ الناسِ "أنَّ" لَفْظَةَ "لِيُظْهِرَهُ" تَقْتَضِي مَحْوَ غَيْرِهِ بِهِ فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّ هَذا الخَبَرَ يَظْهَرُ لِلْوُجُودِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، فَإنَّهُ لا يَبْقى في وقْتِهِ دِينٌ إلّا الإسْلامُ، وهو قَوْلُ الطَبَرِيِّ والثَعْلَبِيِّ، ورَأى قَوْمٌ أنَّ الإظْهارَ هو الإعْلاءُ وإنْ بَقِيَ مِنَ الدِينِ الآخَرِ أجْزاءٌ، وهَذا مَوْجُودٌ الآنَ في دِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَمَّ أكْثَرَ الأرْضِ وظَهَرَ عَلى كُلِّ دِينٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ مَعْناهُ: شاهِدًا، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: شاهِدًا عِنْدَكم بِهَذا الخَبَرِ ومُعَلِّمًا بِهِ، والثانِي: شاهِدًا عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ المُنْكِرِينَ أمْرَ مُحَمَّدٍ  الرادِّينَ في صَدْرِهِ، ومُعاقِبًا لَهم بِحُكْمِ الشَهادَةِ، فالآيَةُ - عَلى هَذا - وعِيدٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ شاحُوا في أنْ يَكْتُبَ "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ  "، فَرَدَّ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ كُلِّها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﴾ ، قالَ جُمْهُورُ الناسِ: هو ابْتِداءٌ وخَبَرٌ اسْتُوفِيَ فِيهِ تَعْظِيمُ مَنزِلَةِ النَبِيِّ  ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ ﴿ "أشِدّاءُ"، ﴾ و ﴿ "رُحَماءُ" ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: "مُحَمَّدٌ" ابْتِداءٌ، و" رَسُولُ اللهِ " صِفَةٌ لَهُ، و"الَّذِينَ" عَطْفٌ عَلَيْهِ، و ﴿ "أشِدّاءُ" ﴾ خَبَرٌ عَنِ الجَمِيعِ، و"رُحَماءُ" خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، فَفي القَوْلِ الأوَّلِ اخْتَصَّ النَبِيُّ  بِوَصْفِهِ وهَؤُلاءِ بِوَصْفِهِمْ، وفي القَوْلِ الثانِي اشْتَرَكَ الجَمِيعُ في الشِدَّةِ والرَحْمَةِ، والأوَّلُ عِنْدِي أرْجَحُ، لِأنَّهُ خَبَرٌ مُضادٌّ لِقَوْلِ الكُفّارِ: لا نَكْتُبُ "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الصَحابَةِ رِضْوانُ اللهِ عنهم عِنْدَ الجُمْهُورِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ الإشارَةَ إلى مَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ ب"الَّذِينَ مَعَهُ"، و"أشِدّاءُ" جَمْعُ شَدِيدٍ، أصْلُهُ أشْدِداءٌ، أدْغَمَ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أشِدّاءُ" ﴾ و ﴿ "رُحَماءُ" ﴾ بِالرَفْعِ، ورَوى قُرَّةُ عَنِ الحَسَنِ "أشِدّاءَ" و"رُحَماءَ" بِنَصْبِهِما، قالَ أبُو حاتِمٍ: ذَلِكَ عَلى الحالِ، والخَبَرُ "تَراهُمْ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَ "أشِدّاءَ" عَلى المَدْحِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾ ، أيْ تَرى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ كَثِيرًا فِيهِمْ، و ﴿ "يَبْتَغُونَ" ﴾ مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ، وقَرَأ عُمَرُ وابْنُ عُبَيْدٍ: "وَرُضْوانًا" بِضَمِّ الراءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "سِيماهُمْ" ﴾ مَعْناهُ: عَلامَتُهُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِ هَذِهِ السِيما، فَقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: كانَتْ جِباهُهم مُتَرَّبَةً مِن كَثْرَةِ السُجُودِ في التُرابِ، كانَ يَبْقى عَلى المَسْحِ أثَرُهُ، وقالَهُ عِكْرِمَةُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: يَسْجُدُونَ عَلى التُرابِ لا عَلى الأثْوابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وخالِدٌ الحَنَفِيٌّ، وعَطِيَّةُ: هو وعْدٌ بِحالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَجْعَلُ لَهم نُورًا مِن أثَرِ السُجُودِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَما يَجْعَلُ غِرَّةً مِن أثَرِ الوُضُوءِ...

الحَدِيثُ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ اتِّصالُ القَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَضْلا مِنَ اللهِ ورِضْوانًا ﴾ ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: عَلامَتُهم في تَحْصِيلِهِمُ الرِضْوانَ يَوْمَ القِيامَةِ سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُجُودِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السِيما بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "فَضْلًا"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: السَمْتُ الحَسَنُ هو السِيما، وهو خُشُوعٌ يَبْدُو عَلى الوَجْهِ، وهَذِهِ حالَةُ مُكْثِرِي الصَلاةَ، لِأنَّها تَنْهاهم عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وتُقِلُّ الضَحِكَ، وتَرُدُّ النَفْسَ بِحالَةٍ تَخْشَعُ مَعَها الأعْضاءُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ: السِيما بَياضٌ وصُفْرَةٌ وتَهَيُّجٌ يَعْتَرِي الوُجُوهَ مِنَ السَهَرِ، وقالَ مَنصُورٌ: سَألُتُ مُجاهِدًا: هَلِ السِيما هي الأثَرَ يَكُونُ بَيْنَ عَيْنَيِ الرَجُلِ؟

فَقالَ: لا، وقَدْ تَكُونُ مِثْلَ رُكْبَةِ البَعِيرِ وهو أقْسى قَلْبًا مِنَ الحِجارَةِ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: السِيما حُسْنٌ يَعْتَرِي وُجُوهَ المُصَلِّينَ، وذَلِكَ لِأنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ لَها في عَيْنِ الرائِي حُسْنًا تابِعًا لِلْإجْلالِ الَّذِي في نَفْسِهِ، ومَتى أجَّلَ الإنْسانُ أمْرًا حَسُنَ عِنْدَهُ مَنظَرُهُ، ومِن هَذا الحَدِيثِ الَّذِي في الشِهابِ: « "مَن كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَيْلِ حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَهارِ"،» وهو حَدِيثٌ غَلَطٌ فِيهِ ثابِتُ بْنُ مُوسى الزاهِدُ، سَمِعَ شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: حَدَّثَنا الأعْمَشُ، عن أبِي سُفْيانَ، عن جابِرٍ، ثُمَّ نَزَعَ شَرِيكُ لَمّا رَأى ثابِتَ الزاهِدَ فَقالَ يَعْنِيهِ: "مَن كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَيْلِ حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَهارِ"، فَظَنَّ ثابِتٌ أنَّ هَذا الكَلامَ مُتَرَكِّبٌ عَلى السَنَدِ المَذْكُورِ فَحَدَّثَ بِهِ عن شَرِيكٍ.

وقَرَأ الأعْرَجُ: "مِن إثْرِ" بِسُكُونِ الثاءِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما بِمَعْنًى، وقَرَأ قَتادَةُ: "مِن آثارِ" جَمْعًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهم في التَوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ ﴾ الآيَةُ.

المَثَلُ هُنا: الوَصْفُ أوِ الصِفَةُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: التَقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكَ، وتَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُهم في التَوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ ﴾ ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: ذَلِكَ الوَصْفُ هو مَثَلُهم في التَوْراةِ، ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ، وتَمَّ القَوْلُ.

و"كَزَرْعٍ" ابْتِداءُ تَمْثِيلٍ يَخْتَصُّ بِالقُرْآنِ، وقالَ الطَبَرِيُّ، وحَكاهُ الضَحّاكُ: المَعْنى: ذَلِكَ المَعْنى هو وصْفُهم في التَوْراةِ، وتَمَّ القَوْلُ، ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿ وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ ﴾ وقالَ آخَرُونَ: المَثَلانِ جَمِيعًا في التَوْراةِ وفي الإنْجِيلِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَزَرْعٍ" ﴾ هو عَلى كُلِّ الأقْوالِ وفي أيِّ كِتابٍ مُنَزَّلٍ فَرْضُ مَثَلٍ لِلنَّبِيِّ  وأصْحابِهِ في أنَّ النَبِيَّ  بُعِثَ وحْدَهُ، فَكانَ كالزَرْعِ حَبَّةً واحِدَةً، ثُمَّ كَثُرَ المُسْلِمُونَ فَهم كالشَطْءِ وهو فِراخُ السُنْبُلَةِ الَّتِي تَنْبُتُ حَوْلَ الأصْلِ، يُقالُ: أشَطَأْتُ الشَجَرَةَ إذا خَرَجَتْ غُصُونُها، وأشْطَأ الزَرْعَ: إذا خَرَجَ شَطْأهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ ذَكْوانَ: "شَطْأهُ" بِفَتْحِ الطاءِ والهَمْزِ دُونَ مَدٍّ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "شَطّاهُ" بِفَتْحِ الطاءِ دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "شَطَّهُ"، رَمى بِالهَمْزَةِ وفَتَحَ الطاءَ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وشَيْبَةَ، ورُوِيَ عن عِيسى "شِطاءَهُ" بِالمَدِّ والهَمْزَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "شَطُّوهُ" بِالواوِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي لُغَةٌ، أو بَدَلٌ مِنَ الهَمْزَةِ، ولا يَكُونُ الشَطْؤُ إلّا في البُرِّ والشَعِيرِ، وهَذِهِ كُلُّها لُغاتٌ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "الزَرْعُ" النَبِيُّ  ، "فَآزَرَهُ" عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، "فاسْتَغْلَظَ" بِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، "فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ" بِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَآزَرَهُ" ﴾ وزْنُهُ: "أفْعَلَهُ"، قالَهُ الحَسَنُ، ورَجَّحَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ وحْدَهُ: "فَأزْرَهُ" عَلى وزْنِ "فَعْلَهُ" دُونَ مَدٍّ، ولِذَلِكَ كُلِّهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما ساواهُ طُولًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: بِمَحْنِيَّةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ بِجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبِ أيْ: هو مَوْضِعٌ لَمْ يُرْعَ نَبْتُهُ فَكَمُلَ حَتّى ساوى شَجَرَ الضالِّ، فالفاعِلُ - عَلى هَذا المَعْنى - الشَطْءُ، والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ "آزَرَهُ" أو "أزْرَهُ" بِمَعْنى أعانَهُ وقَوّاهُ، مَأْخُوذٌ ذَلِكَ مِنَ الأزْرِ وشَدِّهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ الشَطْءُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ الزَرْعُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُقَوِّي صاحِبَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: "آزَرَهُ" وزْنُهُ فاعَلَهُ، والأوَّلُ أصْوَبُ، أنَّ وزْنَهُ: أفْعَلَهُ، ويَدُلُّكَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: لا مالَ إلّا العِطافُ تُؤْزُرُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ أمْ ثَلاثِينَ وابْنَةُ الجَبَلِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "عَلى سُؤْقِهِ" بِالهَمْزِ، وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، يَهْمِزُونَ الواوَ الَّتِي قَبْلَها ضَمَّةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لِحَبُّ المُؤْقِدانَ إلَيَّ مُؤْسى وَ ﴿ يُعْجِبُ الزُرّاعَ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، فَإذا أعْجَبَ الزُرّاعَ فَهو أحْرى أنْ يُعْجِبَ غَيْرَهم لِأنَّهُ لا عَيْبَ فِيهِ؛ إذْ قَدْ أعْجَبَ العارِفِينَ بِالعُيُوبِ، ولَوْ كانَ مَعِيبًا لَمْ يُعْجِبْهُمْ، وهُنا تَمَّ المَثَلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: جَعَلَهُمُ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الصِفَةِ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ، و ﴿ "الكُفّارِ" ﴾ هُنا: المُشْرِكُونَ، قالَ الحَسَنُ: مِن غَيْظِ الكَفّارِ قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِمَكَّةَ: "لا عُبِدَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ سِرًّا بَعْدَ اليَوْمِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنهُمْ" ﴾ هي لِبَيانِ الجِنْسِ ولَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّهُ وعْدُ مُرَجٍّ لِلْجَمِيعِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الفَتْحِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ شَهِيداً * مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ ﴾ لما بيّن صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في رؤياه واطمأنت نفوس المؤمنين أعقب ذلك بتنويه شأن الرسول صلى الله عليه وسلم والثناء على المؤمنين الذين معه.

و ﴿ محمد ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو محمد يعود هذا الضمير المحذوف على قوله: ﴿ رسوله ﴾ [الفتح: 28] في الآية قبلها.

وهذا من حذف المسند الذي وصفه السكاكي بالحذف الذي الاستعمال وارد على ترك المسند إليه وترك نظائره.

قال التفتازاني في «المطول» «ومنه قولهم بعد أن يذكروا رجلاً: فتى من شأنه كذا وكذا، وهو أن يذكروا الديار أو المنازل ربع كذا وكذا».

ومن أمثلة «المفتاح» لذاك قوله: (فراجعهما) أي العقل السليم والطبع المستقيم في مثل: قوله سأشكر عمراً إن تراخَتْ منيتي *** أياديَ لم تُمنن وإنْ هيَ جلّت فتى غير محجوب الغنى عن صديقه *** ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت إذ لم يقل: هو فتى.

وهذا المعنى هو الأظهر هنا إذ ليس المقصود إفادة أن محمداً رسول الله وإنما المقصود بيان رسول الله من هو بعد أن أجرى عليه من الأخبار من قوله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ [الفتح: 27] إلى قوله: ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ [الفتح: 28] فيعتبر السامع كالمشتاق إلى بيان: مَنْ هذا المتحدث عنه بهذه الأخبار؟

فيقال له: محمد رسول الله، أي هو محمد رسول الله.

وهذا من العناية والاهتمام بذكر مناقبه صلى الله عليه وسلم فتعتبر الجملةُ المحذوفُ مبتدؤها مستأنفةً استئنافاً بيانياً.

وفيه وجوه أخر لا تخفى، والأحسن منها هذا.

وفي هذا نداء على إبطال جحود المشركين رسالته حين امتنعوا من أن يكتب في صحيفة الصلح «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله.

وقالوا: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت».

وقوله: ﴿ والذين معه ﴾ يجوز أن يكون مبتدأ و ﴿ أشداء ﴾ خبراً عنه وما بعده إخبار.

والمقصود الثناء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى ﴿ معه ﴾ : المصاحَبة الكاملة بالطاعة والتأييد كقوله تعالى: ﴿ وقال الله إني معكم ﴾ .

والمراد: أصحابه كلهم لا خصوص أهل الحديبية.

وإن كانوا هم المقصود ابتداء فقد عُرفوا بصدق ما عاهدوا عليه الله، ولذلك لما انهزم المسلمون يوم حنين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب نادِ يا أصل السَّمُرة.

ويجوز أن يكون ﴿ والذين معه ﴾ عطفاً على ﴿ رسولَه ﴾ من قوله: ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ﴾ [التوبة: 33].

والتقدير: وأرسل الذين معه، أي أصحابه على أن المراد بالإرسال ما يشمل الإذن لهم بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين ﴾ [يس: 14] الآية فإن المرسلين إلى أهل أنطاكية كانوا من الحواريين، أمرهم عيسى بنشر الهدى والتوحيد.

فيكون الإرسال البعث له في قوله تعالى: ﴿ بعثنا عليكم عبادا لَنَا ﴾ وعلى هذا يكون ﴿ أرسلنا ﴾ في هذه الآية مستعملاً في حقيقته ومجازه.

و ﴿ أشداء ﴾ : جمع شديد، وهو الموصوف بالشدة المعنوية وهي صلابة المعاملة وقساوتها، قال تعالى في وصف النار ﴿ عليها ملائكة غلاظٌ شداد ﴾ [التحريم: 6].

والشدة على الكفار: هي الشدة في قتالهم وإظهار العداوة لهم، وهذا وصف مدح لأن المؤمنين الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا هم فئة الحق ونشر الإسلام فلا يليق بهم إلا إظهار الغضب لله والحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أقوى المؤمنين إيماناً من أجْل إشراق أنوار النبوءة على قلوبهم فلا جرم أن يكونوا أشد على الكفار فإن بين نفوس الفريقين تمام المضادة وما كانت كراهيتهم للصلح مع الكفار يوم الحديبية ورغبتهم في قتل أسراهم الذين ثقفوهم يوم الحديبية وعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم إلا من آثار شدتهم على الكفار ولم تكن لاحت لهم المصلحة الراجحة على القتال وعلى القتل التي آثرها النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك كان أكثرهم محاورة في إباء الصلح يومئذٍ أشد أشدّائهم على الكفار وهو عمر بن الخطاب وكان أفهمهم للمصلحة التي توخاها النبي صلى الله عليه وسلم في إبرام الصلح أبا بكر.

وقد قال سهل بن حنيف يوم صفين: أيها الناس اتهموا الرأي فلقد رأيتنا يوم أبي جندل، ولو نستطيع أن نرد على رسول الله فعله لرددناه.

والله ورسوله أعلم.

ثم تكون أحكام الشدة على الكفار من وجوب وندب وإباحة وأحكام صحبتهم ومعاملتهم جارية على مختلف الأحوال ولعلماء الإسلام فيها مقال، وقد تقدم كثير من ذلك في سورة آل عمران وفي سورة براءة.

والشدة على الكفار اقتبسوها من شدة النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين قال تعالى ﴿ بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴾ [التوبة: 128].

وأما كونهم رحماء بينهم فذلك من رسوخ أخوة الإيمان بينهم في نفوسهم.

وقد وردت أخبار أخوتهم وتراحمهم في مواضع كثيرة من القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم وفي الجمع لهم بين هاتين الخلتين المتضادتين الشدّةِ والرحمة إيماء إلى أصالة آرائهم وحكمة عقولهم، وأنهم يتصرفون في أخلاقهم وأعمالهم تصرف الحكمة والرشد فلا تغلب على نفوسهم محمدة دون أخرى ولا يندفعون إلى العمل بالجبلة وعدم الرؤية.

وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعِزّة على الكافرين ﴾ في سورة العقود (54).

وفي تعليق رحماء} مع ظرف (بين) المفيد للمكان الداخل وسط ما يضاف هو إليه تنبيه على انبثاث التراحم فيهم جميعاً قال النبي صلى الله عليه وسلم «تجد المسلمين في توادِّهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو اشتكى له جميع الجسد بالسهر والحمى» والخطاب في ﴿ تراهم ﴾ لغير معين بل لكل من تتأتى رؤيته إياهم، أي يراهم الرائي.

وإيثار صيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك، أي تراهم كلما شئت أن تراهم ركعاً سجداً.

وهذا ثناء عليهم بشدة إقبالهم على أفضل الأعمال المزكية للنفس، وهي الصلوات مفروضُها ونافلتها وأنهم يتطلبون بذلك رضى الله ورضوانه.

وفي سوق هذا في مساق الثناء إيماء إلى أن الله حقق لهم ما يبتغونه.

والسيما: العلامة، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ في البقرة (273) وهذه سيما خاصة هي من أثر السجود.

واختلف في المراد من السيما التي وصفت بأنها من أثر السجود} على ثلاثة أنحاء الأول: أنها أثر محسوس للسجود، الثاني أنها من الأثر النفسي للسجود، الثالث أنها أثر يظهر في وجوههم يوم القيامة.

فبالأول فسر مالك بن أنس وعكرمة وأبو العالية قال مالك: السيما هي ما يتعلق بجباههم من الأرض عند السجود مثل ما تعلق بجبهة النبي صلى الله عليه وسلم من أثر الطين والماء لما وَكَف المسجد صبيحة إحدى وعشرين من رمضان.

وقال السعيد وعكرمة: الأثر كالغدة يكون في جبهة الرجل.

وليس المراد أنهم يتكلفون حدوث ذلك في وجوههم ولكنه يحصل من غير قصد بسبب تكرر مباشرة الجبهة للأرض وبشرات الناس مختلفة في التأثر بذلك فلا حرج على من حصل له ذلك إذا لم يتكلفه ولم يقصد به رياء.

وقال أبو العالية: يسجدون على التراب لا على الأثواب.

وإلى النحو الثاني فسر الأعمش والحسن وعطاء والربيع ومجاهد عن ابن عباس وابن جزء والضحاك.

فقال الأعمش: مَن كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار.

وقريب منه عن عطاء والربيع بن سليمان.

وقال ابن عباس: هو حسن السمت.

وقال مجاهد: هو نور من الخشوع والتواضع.

وقال الحسن والضحاك: بياض وصفرة وتهيج يعتري الوجوه من السهر.

وإلى النحو الثالث فسر سعيد بن جبير أيضاً والزهري وابن عباس في رواية العوفي والحسن أيضاً وخالد الحنفي وعطية وشهر بن حوشب: أنها سِيما تكون لهم يوم القيامة، وقالوا: هي بياض يكون في الوجه يوم القيامة كالقمر ليلة البدر يجعله الله كرامة لهم.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله في قوله تعالى: ﴿ سيماهم في وجوههم من أثر السجود ﴾ [الفتح: 29]: النور يوم القيامة، قيل وسنده حسن وهو لا يقتضي تعطيل بقية الاحتمالات إذ كل ذلك من السيما المحمودة ولكنّ النبي صلى الله عليه وسلم ذَكر أعلاها.

وضمائر الغيبة في قوله: ﴿ تراهم ﴾ و ﴿ يبتغون ﴾ و ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ عائدة إلى ﴿ الذين معه ﴾ على الوجه الأول، وإلى كل من ﴿ محمد رسول اللَّه والذين معه ﴾ على الوجه الثاني.

﴿ السجود ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ﴾ .

الإشارة ب ﴿ ذلك ﴾ إلى المذكور من صفات الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم لأن السابق في الذكر بمنزلة الحاضر فيشار إليه بهذا الاعتبار فاسم الإشارة مبتدأ و ﴿ مثلهم ﴾ خبره.

والمَثل يطلق على الحالة العجيبة، ويطلق على النظير، أي المُشابه فإن كان هنا محمولاً على الحالة العجيبة فالمعنى: أن الصفات المذكورة هي حالهم الموصوف في «التوراة».

وقوله: ﴿ في التوراة ﴾ متعلق ب ﴿ مثلهم ﴾ أو حال منه.

فيحتمل أن في «التوراة» وصف قوم سيأتون ووصفوا بهذه الصفات، فبيّن الله بهذه الآية أن الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم هم المقصود بتلك الصفة العجيبة التي في «التوراة»، أي أن «التوراة» قد جاءت فيها بشارة بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم ووصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والذي وقفنا عليه في «التوراة» مما يصلح لتطبيق هذه الآية هو البشارة الرمزية التي في الإصحاح الثالث والثلاثين من «سفر التثنية» من قول موسى عليه السلام: «جاء الربُ من سينا وأشرقَ لهم من سَعير وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القُدُس وعن يمينه نار شريعة لهم فأحبّ الشعب جميع قديسيه وهم جالسون عند قدمك يتقبلون من أقوالك» فإن جبل فاران هو حِيال الحجاز.

وقوله: «فأحب الشعب جميع قديسيه» يشير إليه قوله: ﴿ رحماءُ بينهم ﴾ [الفتح: 29]، وقد تقدم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ما ينطبق على هذا من سورة الفتح وقوله: قديسيه يفيد معنى ﴿ تراهم رُكَّعا سُجَّدا ﴾ [الفتح: 29] ومعنى ﴿ سِيماهم في وجوههم من أثر السجود ﴾ [الفتح: 29].

وقوله في «التوراة» «جالسون عند قدمك» يفيد معنى قوله تعالى: ﴿ يبتغون فضلاً من الله ورضوانا ﴾ [الحشر: 8].

ويكون قوله تعالى: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما ذكر من الوصف.

﴿ التوراة وَمَثَلُهُمْ فِى الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فاستغلظ فاستوى على سُوقِهِ يُعْجِبُ ﴾ .

ابتداء كلام مبتدأ.

ويكون الوقف على قوله: ﴿ في التوراة ﴾ والتشبيه في قوله: ﴿ كزرع ﴾ خبره، وهو المثَل.

وهذا هو الظاهر من سياق الآية فيكون مشيراً إلى نحو قوله في «إنجيل متى» الإصحاح 13 فقرة 3 «هو ذا الزَارع قد خرج ليزرع يعني عيسى عليه السّلام وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق فجاءت الطيور وأكلته» إلى أن قال «وسقط الآخر على الأرض الجيدة فأعطى ثمره بعض مائة وآخر ستين وآخر ثلاثين».

قال فقرة، ثم قال: «وأما المزروع على الأرض الجيدة فهو الذي يسمع الكلمة ويفهم، وهو الذي يأتي بثَمر فيصنع بعضٌ مائةً وبعضٌ ستين وآخر ثلاثين».

وهذا يتضمن نماء الإيمان في قلوبهم وبأنهم يدعون الناس إلى الدين حتى يكثر المؤمنون كما تنبت الحبة مائة سنبلة وكما تنبت من النواة الشجرة العظيمة.

وفي قوله: ﴿ أخرج شطأه ﴾ استعارة الإخراج إلى تفرع الفراخ من الحبة لمشابهة التفرع بالخروج ومشابهة الأصل المتفرع عنه بالذي يخرج شيئاً من مكان.

والشطْءُ بهمزة في آخره وسكون الطاء: فراخ الزرع وفروع الحبّة.

ويقال: أشطأ الزرع، إذا أخرج فروعا.

وقرأه الجمهور بسكون الطاء وبالهمز وقرأه ابن كثير ﴿ شَطأه ﴾ بفتح الطاء بعدها ألف على تخفيف الهمزة ألفا.

و ﴿ آزره ﴾ قوّاه، وهو من المؤازرة بالهمز وهي المعاونة وهو مشتق من اسم الإزار لأنه يشد ظهر المتّزر به ويعينه شدهُ على العمل والحَمل كذا قيل.

والأظهر عندي عكس ذلك وهو أن يكون الإزار مشتقاً اسمه من: آزر، لأن الاشتقاق من الأسماء الجامدة نادر لا يصار إلى ادعائه إلا إذا تعين.

وصيغة المفاعلة في ﴿ آزره ﴾ مستعارة لقوة الفعل مثل قولهم: عافاك الله، وقوله تعالى: ﴿ وبارك فيها ﴾ [فصلت: 10].

والضمير المرفوع في ﴿ آزره ﴾ للشطء، والضمير المنصوب للزرع، أي قوًى الشطء أصله.

وقرأ الجمهور ﴿ فآزره ﴾ .

وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر ﴿ فأزَّره ﴾ بدون ألف بعد الهمزة والمعنى واحد.

ومعنى ﴿ استغلظ ﴾ غلظ غلظاً شديداً في نوعه، فالسين والتاء للمبالغة مثل: استجاب.

والضميران المرفوعان في ﴿ استغلظ ﴾ و ﴿ استوى ﴾ عائدان إلى الزرع.

والسُوق: جمع ساق على غير قياس لأن ساقا ليس بوصف وهو اسم على زِنة فَعَل بفتحتين.

وقراءة الجميع ﴿ على سوقه ﴾ بالواو بعد الضمة.

وقال ابن عطية: قرأ ابن كثير ﴿ سُؤقه ﴾ بالهمزة أي همزة ساكنة بعد السين المضمومة وهي لغة ضعيفة يهْمزون الواو التي قبلها ضمة ومنه قول الشاعر: لحب المؤقِدان إلى مؤسى وتنسب لقنبل عن ابن كثير ولم يذكرها المفسّرون ولم يذكرها في «حرز الأماني» وذكرها النوري في كتاب «غيث النفع» وكلامه غير واضح في صحة نسبة هذه القراءة إلى قنبل.

وساق الزرع والشجرة: الأصل الذي تخرج فيه السنبل والأغصان.

ومعنى هذا التمثيل تشبيه حال بدء المسلمين ونمائهم حتى كثروا وذلك يتضمن تشبيه بدء دين الإسلام ضعيفاً وتقويه يوماً فيوماً حتى استحكم أمره وتغلب على أعدائه.

وهذا التمثيل قابل لاعتبار تجزئة التشبيه في أجزائه بأن يشبه محمد صلى الله عليه وسلم بالزارع كما مثل عيسى غلب الإسلام في الإنجيل، ويشبه المؤمنون الأولون بحبات الزرع التي يبذرها في الأرض مثل: أبي بكر وخديجة وعلي وبلال وعمّار، والشطْء: من أيدوا المسلمين فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى الله وحده وانضم إليه نفر قليل ثم قواه الله بمن ضامن معه كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها حتى يعجب الزرّاع.

وقوله: ﴿ يعجب الزراع ﴾ تحسين للمشبّه به ليفيد تحسين المشبه.

﴿ الزراع لِيَغِيظَ بِهِمُ ﴾ .

تعليل لما تضمنه تمثيلهم بالزرع الموصوف من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوة لأن كونهم بتلك الحالة من تقدير الله لهم أن يكونوا عليها فمثل بأنه فعل ذلك ليغيظ بهم الكفار.

قال القرطبي: قال أبو عروة الزبيري: كنا عند مالك بن أنس فذكروا عنده رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله فقرأ مالك هذه الآية ﴿ محمد رسول الله ﴾ إلى أن بلغ قوله: ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾ فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية.

وقلت: رحم الله مالك بن أنس ورضي عنه ما أدق استنباطه.

﴿ الكفار وَعَدَ الله الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً ﴾ .

أعقب تنويه شأنهم والثناء عليهم بوعدهم بالجزاء على ما اتصفوا به من الصفات التي لها الأثر المتين في نشر ونصر هذا الدين.

وقوله: ﴿ منهم ﴾ يجوز أن تكون (من) للبيان كقوله ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان ﴾ [الحج: 30] وهو استعمال كثير، ويجوز إبقاؤه على ظاهر المعنى من التبعيض لأنه وعد لكل من يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحاضر والمستقبل فيكون ذكر (من) تحذيراً وهو لا ينافي المغفرة لجميعهم لأن جميعهم آمنوا وعملوا الصالحات وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم هم خيرة المؤمنين.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُها: أنَّهُ ثَرى الأرْضِ ونَدى الطُّهُورِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّها صَلاتُهم تَبْدُو في وُجُوهِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ السَّمْتُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: الخُشُوعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الخامِسُ: هو أنْ يَسْهَرَ اللَّيْلَ فَيُصْبِحَ مُصْفَرًّا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

السّادِسُ: هو نُورٌ يَظْهَرُ عَلى وُجُوهِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.

﴿ ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مِثْلَهم في التَّوْراةِ بِأنَّ سِيماهم في وُجُوهِهِمْ.

وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ.

الثّانِي: أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ.

وَقَوْلُهُ ﴿ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الشَّطْأ شَوْكُ السُّنْبُلِ، والعَرَبُ أيْضًا تُسَمِّيهِ السَّفا والبُهْمَيَّ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

الثّانِي: أنَّهُ السُّنْبُلُ، فَيَخْرُجُ مِنَ الحَبَّةِ عَشْرُ سُنْبُلاتٍ وتِسْعٌ وثَمانٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ فِراخُهُ الَّتِي تَخْرُجُ مِن جَوانِبِهِ، ومِنهُ شاطِئُ النَّهْرِ جانِبُهُ، قالَهُ الأخْفَشُ.

﴿ فَآزَرَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَساواهُ فَصارَ مِثْلَ الأُمِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: فَعاوَنَهُ فَشَدَّ فِراخُ الزَّرْعِ أُصُولَ النَّبْتِ وقَوّاها.

﴿ فاسْتَغْلَظَ ﴾ يَعْنِي اجْتِماعَ الفِراخِ مَعَ الأُصُولِ.

﴿ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ﴾ أيْ عَلى عُودِهِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ ساقًا لَهُ.

﴿ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ ﴾ يَعْنِي النَّبِيَّ  وأصْحابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، لِأنَّ ما أعْجَبَ المُؤْمِنِينَ مِن قُوَّتِهِمْ كَإعْجابِ الزُّرّاعِ بِقُوَّةِ زَرْعِهِمْ هو الَّذِي غاظَ الكُفّارَ مِنهم.

وَوَجْهُ ضَرْبِ المَثَلِ بِهَذا الزَّرْعِ الَّذِي أخْرَجَ شَطْأهُ، هو أنَّ النَّبِيَّ  حِينَ بَدَأ بِالدُّعاءِ إلى دِينِهِ كانَ ضَعِيفًا، فَأجابَهُ الواحِدُ بَعْدَ الواحِدِ حَتّى كَثُرَ جَمْعُهُ وقَوِيَ أمْرُهُ كالزَّرْعِ يَبْدُو بَعْدَ البِذْرِ ضَعِيفًا فَيَقْوى حالًا بَعْدَ حالٍ حَتّى يَغْلُظَ ساقُهُ وأفْراخُهُ فَكانَ هَذا مِن أصَحِّ مَثَلٍ وأوْضَحِ بَيانٍ.

واللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الخطيب في رواية مالك بسند ضعيف عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ والذين معه- إلى- مثلهم في التوراة ﴾ إلى قوله: ﴿ كزرعٍ أخرج شطأه ﴾ قال مالك: نزل في الإِنجيل نعت النبي وأصحابه.

وأخرج ابن سعد في الطبقات وابن أبي شيبة عن عائشة قالت: لما مات سعد بن معاذ حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله: ﴿ رحماء بينهم ﴾ قيل فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع فقالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود عن عبدالله بن عمرو يرويه قال: «من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ قال: أما إنه ليس بالذين ترون، ولكنه سيما الإِسلام وسحنته وسمته وخشوعه.

وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ قال السمت الحسن.

وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير وابن مردويه بسند حسن عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ سيماهم في وجوههم من أثر السجود ﴾ قال: النور يوم القيامة» .

وأخرج البخاري في تاريخه وابن نصر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سيماهم في وجوههم من أثر السجود ﴾ قال: بياض يغشى وجوههم يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن نصر وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه مثله.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن نصر وابن جرير عن عطية العوفي رضي الله عنه قال: موضع السجود أشد وجوههم بياضاً يوم القيامة.

وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الأنبياء عليهم السلام يتباهون أيهم أكثر أصحاباً من أمته فأرجو أن أكون يومئذ أكثرهم كلهم واردة، وإن كل رجل منهم يومئذ قائم على حوض ملآن معه عصا يدعو من عرف من أمته ولكل أمة سيما يعرفهم بها نبيهم» .

وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن حميد بن عبد الرحمن قال: كنت عند السائب بن يزيد إذ جاء رجل في وجهه أثر السجود فقال: لقد أفسد هذا وجهه أما والله ما هي السيما التي سمّى الله، ولقد صليت على وجهي منذ ثمانين سنة ما أثّر السجود بين عينيّ.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن نصر وابن جرير عن مجاهد ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ قال: ليس الأثر في الوجه ولكن الخشوع.

وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر عن مجاهد ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ قال: الخشوع والتواضع.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن نصر عن سعيد بن جبير في الآية، قال: ندى الطهور وثرى الأرض.

وأخرج ابن نصر وابن المنذر عن الضحاك في الآية، قال: هو السهر إذا سهر الرجل من الليل أصبح مصفرّاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ قال: السهر.

وأخرج ابن مردويه «عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ قال: إن جبريل قال: إذا نظرت إلى الرجل من أمتك عرفت أنه من أهل الصلاة بأثر الوضوء، وإذا أصبحت عرفت أنه قد صلى من الليل، وهو يا محمد العفاف في الدين والحياء وحسن السمت» .

وأخرج ابن إسحاق وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صاحب موسى وأخيه المصدق لما جاء به موسى، ألا إن الله قد قال لكم يا معشر أهل التوراة وإنكم تجدون ذلك في كتابكم ﴿ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ﴾ إلى آخر السورة» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ﴾ يعني مكتوب في التوراة والإِنجيل قبل أن يخلق السموات والأرض.

وأخرج أبو عبيد وأبو نعيم في الحلية وابن المنذر عن عمار مولى بني هاشم قال: سألت أبا هريرة رضي الله عنه عن القدر قال: إكتف منه بآخر سورة الفتح ﴿ محمد رسول الله والذين معه ﴾ إلى آخر السورة، يعني أن الله نعتهم قبل أن يخلقهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ رحماء بينهم ﴾ قال: جعل الله في قلوبهم الرحمة بعضهم لبعض ﴿ سيماهم في وجوههم من أثر السجود ﴾ قال: علامتهم الصلاة ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ﴾ قال: هذا المثل في التوراة ﴿ ومثلهم في الإِنجيل ﴾ قال: هذا مثل آخر ﴿ كزرعٍ أخرج شطأه ﴾ قال: هذا نعت أصحاب محمد في الإِنجيل.

قيل له: أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يخرج منهم قوم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سيماهم في وجوههم من أثر السجود ﴾ قال: صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإِنجيل كزرع أخرج شطأه ﴾ قال: سنبله حين يبلغ نباته عن حباته ﴿ فآزره ﴾ يقول: نباته مع التفافه حين يسنبل، فهذا مثل ضربه الله لأهل الكتاب إذا خرج قوم ينبتون كما ينبت الزرع فيهم رجال يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ثم يغلظ فيهم الذين كانوا معهم، وهو مثل ضربه لمحمد يقول: يبعث الله النبي وحده ثم يجتمع إليه ناس قليل يؤمنون به ثم يكون القليل كثيراً وسيغلظون، ويغيظ الله بهم الكفار يعجب الزراع من كثرته وحسن نباته.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ كزرعٍ أخرج شطأه ﴾ قال: يقول حب بر متفرقاً فأنبتت كل حبة واحدة ثم أنبتت من حولها مثلها حتى استغلظ واستوى على سوقه يقول: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قليلاً ثم كثروا واستغلظوا.

وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كزرعٍ ﴾ قال: أصل الزرع عبد المطلب أخرج شطأه محمداً صلى الله عليه وسلم فآزره بأبي بكر فاستغلظ بعمر فاستوى بعثمان على سوقه بعلي ليغيظ بهم الكفار.

وأخرج ابن مردويه والقلظي وأحمد بن محمد الزهري في فضائل الخلفاء الأربعة والشيرازي في الألقاب عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ محمد رسول الله والذين معه ﴾ أبو بكر ﴿ أشداء على الكفار ﴾ عمر ﴿ رحماء بينهم ﴾ عثمان ﴿ تراهم ركعاً سجداً ﴾ علي ﴿ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ﴾ طلحة والزبير ﴿ سيماهم في وجوههم من أثر الشجود ﴾ عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح ﴿ ومثلهم في الإِنجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره ﴾ بأبي بكر ﴿ فاستغلظ ﴾ بعمر ﴿ فاستوى على سوقه ﴾ بعثمان ﴿ يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ﴾ بعلي ﴿ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ كزرعٍ أخرج شطأه ﴾ قال: نباته.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أنس رضي الله عنه ﴿ كزرعٍ أخرج شطأه ﴾ قال: نباته فروخه.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ كزرعٍ أخرج شطأه ﴾ قال: حين تخرج منه الطاقة ﴿ فآزره ﴾ قواه ﴿ فاستغلظ فاستوى على سوقه ﴾ قال: على مثل المسلمين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ كزرعٍ أخرج شطأه ﴾ قال: ما يخرج بجنب كتابه الجعلة فيتم وينمو.

﴿ فآزره ﴾ قال: فشده وأعانه ﴿ على سوقه ﴾ قال: على أصوله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن خيثمة قال: قرأ رجل على عبد الله سورة الفتح فلما بلغ ﴿ كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ﴾ قال: ليغيظ الله بالنبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه الكفار، ثم قال: أنتم الزرع وقد دنا حصاده.

وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة في قوله: ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾ قالت: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمروا بالإِستغفار لهم فسبوهم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: شهد له بالرسالة (١) (٢) قال ابن عباس: (والذين معه) أهل الحديبية (٣) وقال مقاتل: والذين آمنوا معه من المؤمنين (٤) ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ﴾ غلاظ عليهم كالأسد على فريسته ﴿ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ يرحم أحدهم الآخر، قال ابن عباس: الرجل للرجل منهم كالولد لوالده، والعبد لسيده (٥) وقال مقاتل: متوادون بعضهم لبعض (٦) ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ  ﴾ .

﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾ إخبار عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها، قال ابن عباس: إن عروة بن مسعود الثقفي أتى النبي -  - وهو بالحديبية فأقام بلال فتقدم رسول الله -  - وهم خلفه وعروة يعجب من حسن ما يرى من ركوعهم وسجودهم (٧) قوله تعالى: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ قال مقاتل: يعني الجنة ورضا الله (٨) ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: أي: مما حملت من الأرض جباههم، وهذا قول عكرمة وسعيد بن جبير وأبي العالية، قال سعيد: هو ندى الطهور وندى الأرض (٩) وقال أبو العالية: لأنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب (١٠) وقال شمر بن عطية: هو التهيج والصفرة في الوجه وأثر السهر (١١) وقال الضحاك: إذا سهر الرجل أصبح مصفراً.

وقال عطية: (مواضع السجود (١٢) (١٣) (١٤) وقال مجاهد: هو الخشوع والتواضع وأنكر أن يكون [السحادة] (١٥) (١٦) (١٧) وحكى أبو إسحاق: أن هذه السيما هو أنهم يبعثون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الطهور، يجعله الله لهم يوم القيامة علامة يبين بها فضلهم على غيرهم (١٨) قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ﴾ يعني: ما ذكر من وصفهم وهو ما وصفوا في التوراة أيضًا، والمعنى أنهم وصفوا في التوراة بما وصفوا في القرآن، وتم الكلام هاهنا في قول ابن عباس فيما روى عنه ابن جريج، وهو قول الضحاك وقتادة ومقاتل وابن زيد (١٩) قال مقاتل: يقول ذلك الذي ذكر نعت أمة محمد  في التوراة، ثم ذكر نعتهم في الإنجيل (٢٠) ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ ﴾ وقال مجاهد: المثلان في التوراة والإنجيل واحد، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي قال: يقول صفتهم في التوراة والإنجيل كصفتهم في القرآن (٢١) (٢٢) (٢٣) قوله تعالى: ﴿ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ﴾ يقرأ: بسكون الطاء وفتحها (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقال الزجاج: أخرج نباته (٢٨) وقال المبرد: أشطأ فراخ الزرع يقال قد أشطأ الزرع، ومن هذا يقال للواحد من الأولاد: إنك لشطأةٌ صالحة (٢٩) وقال أبو علي الفارسي: والشَّطْأ والشَطَأ يشبه أن يكونا لغتين، كالشَّمْع والشَّمَع والنَّهْر والنَّهَر (٣٠) أما التفسير فقال أنس بن مالك: نباته وفروخه (٣١) وقال مجاهد: جوانبه (٣٢) (٣٣) وقال الضحاك: هو ما يخرج بجنب الحلقة فينمو (٣٤) قوله تعالى: ﴿ فآزره ﴾ القراءة بالمد، وقرأ ابن عامر: (فأزره) مقصوراً على فعله (٣٥) قال أبو عبيدة: ساواه وصار مثل الأم، وأنشد لحميد الأرقط (٣٦) يَسْقِي بغَيْثٍ غَدِقٍ السَّاحَاتِ ...

زَرْعَاً وقَضْباً مُؤْزَر النباتِ (٣٧) وقال المبرد: معناه: أن هذه الأفرخ لحقت الأمهات حتى صارت مثلها (٣٨) وقال الأصمعي: فساوى الفراخ الطوال فاستوى طولها، وأنشد قول امرئ القيس: بِمَحْنِيَّةٍ قَدْ آزَرَ الضَّالَ نَبْتُها ...

مَجَرَّ جُيُوشٍ غانِمِيْنَ وخُيَّبِ (٣٩) قال: أراد: أن نبت هذه المحنية طال حتى ساوى السدر، لأن الناس هابوه فلم يرعوه، وعلى قول هؤلاء فاعل (آزر) الشطأ، وآزر وزنه أفعل، ويدل عليه قول حميد.

وقال بُزُرْج: يقال: وأزرني فلان على الأمر وآزرني، والألف أعرب (٤٠) (٤١) وقال الفراء: آزرت فلاناً آزره أزراً، قويته على وزن عَزَّرته، وآزرته عاونته (٤٢) وقال الزجاج: آزرت الرجل على فلان، إذا أعنته عليه وقويته (٤٣) قال المبرد: يقال: آزرني على أمري، أي: قواني (٤٤) ﴿ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي  ﴾ ، وفلان موازر، لفلان على أمره وليس هذا من الوزير لأن هذا فاؤه مهموز، والوزير فاؤه وواوه، فا عل (آزر) على هذا القول الزرعُ، والمعنى: آزر الزرعُ الشطأ (٤٥) قال أبو الحسن الأخفش: الأشبه في آزر أفعل (٤٦) (٤٧) قال ابن عباس ومقاتل ومجاهد: فآزره فشده وأعانه (٤٨) (٤٩) قوله: ﴿ فَاسْتَغْلَظَ ﴾ يقال: استغلظ الشيء، إذا صار غليظاً، وهذا لازم، واستغلظت الثوب، إذا خيّل إليك أنه غليظ (٥٠) ﴿ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ﴾ ذكرنا تفسير السوق عند قوله: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ  ﴾ وهي جمع ساق، قال الكلبي: فقام على قصبه وأصوله فأعجب ذلك زارعه (٥١) ﴿ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ﴾ ، وقال مقاتل: يعجب الزارع حُسْنُ زرعه حين استوى قائماً على ساقه (٥٢) قال المفسرون: وهذا كله مثل ضربه الله تعالى لمحمد -  - وأصحابه فالزرع محمد، والشطأ أصحابه والمؤمنون حوله، وكانوا في ضعف وقلة (٥٣) (٥٤) وقال الكلبي: محمد -  - بدأ حين بدأ وحْدَه، فجعل الناس يأتونه وجعلوا يزدادون ويكثرون حتى امتنعوا وهابهم العدو وقهروا من حولهم (٥٥) قوله تعالى: ﴿ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ﴾ من صفة كمال ذلك الزرع وحسنه.

وقال أبو إسحاق: (الزُّراع) الدعاة إلى الإسلام (٥٦)  - وكثرتهم تعجب الدعاة إلى دينه، كما يعجب حسن هذا الزرع الذين زرعوه، وتم الكلام ثم قال: ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾ واللام متعلق بمحذوف دل عليه ما سبق والتقدير: فعل الله بهم ذلك ليغيظ بهم الكفار (٥٧)  - أنه قال في قوله: ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾ ما آمن أن يكونوا قد صارعوا الكفار، يعني: الرافضة، لأن الله تعالى يقول: ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾ فمن غاظه واحد من أصحاب النبي -  - خفت عليه أن يكون ممن دخل في قوله: ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾ (٥٨) وقوله: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ ، قال أبو إسحاق: فيها قولان: يكون منهم تخليصاً للجنس من غيره، كما تقول: أنفق نفقتك من الدراهم، أي: اجعل نفقتك هذا الجنس، والمعنى: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أصحاب رسول الله -  - المؤمنين أجراً عظيماً، فضلهم على غيرهم لسابقتهم وعظم أجرهم، هذا كلامه في أحد القولين، وبياف أنه ليس يمكن حمل قوله: (منهم) على التبعيض لأنهم كلهم مؤمنون فحمله على الجنس ليدخل فيه كلهم، وتخصيصهم بوعد المغفرة والأجر تفصيل لهم، وإن وعد المؤمنون كلهم ذلك، ولكنهم إذا ذكروا على التخصيص كان ذلك فضيلة لهم، قال: والقول الثاني: أن يكون المعنى وعد الله الذين آمنوا، أي: أقاموا على الإيمان والعمل الصالح (٥٩) قوله تعالى: ﴿ مِنْهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: ثواباً لا ينقطع (٦٠) (٦١) (١) ذكر ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 445، وفي "الوسيط" 4/ 146 عن ابن عباس.

(٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 205، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 313.

(٣) ذكر ذلك القرطبي "الجامع" 16/ 292، ونسبه لابن عباس، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس، انظر 4/ 146.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 78.

(٥) ذكره بغير نسبة: البغوي 7/ 323 - 324 دون قوله: والعبد لسيده، والمصنف في "الوسيط" 4/ 146 بنصه.

(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 78.

(٧) لم أقف عليه.

(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 78، ونص العبارة: (فضلاً، يعني: رزقًا من الله ورضوانًا، يعنىِ يطلبون رضي ربهم).

(٩) أخرج ذلك الطبري 13/ 111 - 112 عن سعيد بن جبير وعكرمة، ونسبه الثعلبي == لعكرمة وسعيد بن جبير، انظر: "تفسيره" 10/ 153 ب، ونسبه الماوردي 5/ 323 لسعيد بن جبير، ونسبه البغوي 7/ 324 لعكرمة وسعيد بن جبير.

(١٠) ذكر ذلك الثعلبي 10/ 153، 154، والبغوي 7/ 324، وابن الجوزي 7/ 446.

(١١) أخرج ذلك الطبري 13/ 111 عن شمر، وذكر ذلك الثعلبي 10/ 153 ب، وابن الجوزي 7/ 447، والقرطبي 16/ 294 ونسبوه لشمر.

(١٢) نص العبارة عند ابن الجوزي: (مواضع السجود من وجوههم يكون أشد وجوههم بياضًا يوم القيامة) انظر: "زاد المسير" 7/ 447.

ونصها عند الطبري 13/ 110: (مواضع السجود من وجوههم يوم القيامة أشد وجوههم بياضًا).

(١٣) ذكر هذه الأقوال الثعلبي 10/ 153 ب، والماوردي 5/ 323، البغوي 7/ 324، وابن الجوزي 7/ 446 - 447، والقرطبي 16/ 294.

(١٤) ذكر ذلك الثعلبي 10/ 153 - 154، وابن الجوزي 7/ 447، والقرطبي 16/ 294.

(١٥) كذا في الأصل، ولعل المراد (السحنة).

(١٦) أخرج ذلك الطبري 13/ 111 عن مجاهد، وذكره الثعلبي 10/ 153 ب، والقرطبي 16/ 294، ونسباه لمجاهد مع اختلاف في بعض الألفاظ، ونسبه في "الوسيط" 4/ 146 لمجاهد.

(١٧) أخرج ذلك الطبري 13/ 111 عن ابن عباس، ونسبه الثعلبي 10/ 153 ب، والبغوي 7/ 324 لابن عباس، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 78، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس في رواية الوالبي.

(١٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 29، وقد ورد ذلك في الحديث الصحيح عند مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله -  - يقول: "إن أمتي يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فيلفعل"، انظر: "صحيح مسلم"، كتاب: الطهارة باب (12) اسححباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء 1/ 216.

(١٩) أخرج ذلك الطبرى عن قتادة والضحاك وابن زيد ورجح هذا القول، انظر: == "تفسيره" 13/ 112 - 113، وكذلك الثعلبي فسره بذلك، انظر: "تفسيره" 10/ 154 أ، وكذلك فسره به البغوي 7/ 324، وأشار ابن الجوزي 5/ 323 إلى القولين ونسب هذا القول للضحاك وابن زيد ونسب القول بأنه مثل واحد لمجاهد، وأورد القولين من غير نسبة ولا ترجيح الماوردي في "تفسيره" 5/ 323.

(٢٠) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 78.

(٢١) أخرج ذلك الطبري 13/ 113 عن مجاهد، ونسبه القرطبي 16/ 294 لمجاهد.

(٢٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 69.

(٢٣) انظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 314، "الدر المصون" 6/ 166.

(٢٤) قرأ ابن كثير وابن عامر: بالفتح، وقرأ الباقون: بالسكون، انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 203.

(٢٥) انظر: "الحجة" 6/ 204 "تهذيب اللغة" (شطأ) 11/ 392.

(٢٦) انظر: "تهذيب اللغة" (شطأ) 11/ 392، "اللسان" (شطأ) 1/ 100.

(٢٧) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 218.

(٢٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 29.

(٢٩) لم أقف عليه.

(٣٠) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 204.

(٣١) أخرج ذلك الطبري 13/ 113 عن أنس بدون لفظ (فروخه)، ونسبه له الثعلبي 10/ 154 أ.

(٣٢) أخرج الطبري 13/ 114 عن مجاهد بلفظ: (ما يخرج بجنب الحلقة فيتم وينمو) ، وكذلك الثعلبي نسب هذا المعنى لمجاهد، انظر: "تفسيره" 10/ 154 أ.

(٣٣) أخرج الطبري هذا القول عن ابن زيد انظر: "تفسيره" 13/ 114، وكذلك نسبه الثعلبي لابن زيد 10/ 154 أ، وكذلك نسبه القرطبي 16/ 294 لابن زيد وغيره.

(٣٤) أخرج الطبري 13/ 114 هذا عن مجاهد، ونسبه الثعلبي في "تفسيره" لمجاهد والضحاك 10/ 154 أ.

(٣٥) انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 604 - 605، "الحجة" لأبي علي 6/ 204 (٣٦) لم أقف على ترجمته.

(٣٧) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 218، والبيت بلفظ: (السَّحات).

(٣٨) ذكر ذلك في "الوسيط" ونسبه للمبرد، انظر 4/ 146.

(٣٩) انظر: "تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 247، "اللسان" (أزر) 4/ 18، "الحجة" لأبي علي 6/ 204، "شرح الأبيات المشكلة الإعراب" ص 332 - 333، والمحنية: واحدة المحاني، وهي معاطف الأودية، والمحنية أخصب موضع في الوادي، والضال: شجر السدر، وآزر: ساوى، يريد: لحق النبت بالشجر، وهي مجمع للجيوش فلا ينزلها أحد ليرعاها خوفًا من الجيوش، وانظر: "ديوان امرئ القيس" ص 51.

(٤٠) في "تهذيب اللغة" (والألف أفصح) انظر: "تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 246.

(٤١) انظر.

"تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 246 - 247.

(٤٢) انظر: "تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 247، "معاني القرآن" للفراء 3/ 69.

(٤٣) انظر: "تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 247، ونسبه للزجاج والذي في "معاني القرآن" 5/ 29 للزجاج: (فآزره أي: فآزر الصغار الكبار حتى استوى بعضه مع بعض).

(٤٤) لم أقف على قول المبرد، وفي "تهذيب اللغة" الأزر: القوة (وزر) 13/ 247، وفي "اللسان" الأزر: القوة والشدة (أزر) 4/ 17.

(٤٥) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 205، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 295.

(٤٦) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 695، وهذا النقل بنصه في "الحجة" 6/ 205.

(٤٧) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 205.

(٤٨) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 114، "الثعلبي" 10/ 154 ب، "تفسير مقاتل" 4/ 78.

(٤٩) أخرج ذلك الطبري عن قتادة والزهري، انظر: "تفسيره" 13/ 115.

(٥٠) انظر: "تهذيب اللغة" (غلظ) 8/ 84.

(٥١) لم أقف عليه بهذا النص، وقد ذكر الثعلبي أنه بمعنى أصوله ولم ينسبه 10/ 154 ب، وكذا البغوي 7/ 325، وذكره في "الوسيط" 4/ 147 بنص ما هنا ولم ينسبه.

(٥٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 78.

(٥٣) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 115، "تفسير الثعلبي" 10/ 154 ب، "تفسير الماوردي" 5/ 324، "تفسير البغوي" 7/ 325، "زاد المسير" 7/ 448، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 295.

(٥٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 78.

(٥٥) ذكر نحو ذلك في "تنوير المقباس" ص 515، وفي "تفسير الوسيط" 4/ 147 ولم ينسبه.

(٥٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 29.

(٥٧) انظر: "الدر المصون" 6/ 167، "البحر المحيط" 8/ 103.

(٥٨) ذكر القرطبي 16/ 297 نحو هذه المقالة، وكذلك أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 103، وابن كثير 6/ 365 ونسبوها جميعًا لمالك.

(٥٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 29 - 30، "الدر المصون" 6/ 167، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 295 - 296.

(٦٠) لم أقف عليه.

(٦١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 78.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين مَعَهُ ﴾ يعني جميع أصحابه وقيل: من شهد معه الحديبية، وإعراب الذين معطوف على محمد رسول الله صفته وأشداء خبر عن الجميع، وقيل: الذين معه مبتدأ وأشداء خبره ورسول الله خبر محمد ورجح ابن عطية هذا.

والأول عندي أرجح؛ لأن الوصف بالشدة والرحمة يشمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واما على ما اختاره ابن عطية؛ فيكون الوصف بالشدة والرحمة مختصاً بالصحابة دون النبي صلى الله عليه وسلم، وما أحق النبي صلى الله عليه وسلم بالوصف بذلك لأن الله قال فيه: ﴿ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]، وقال ﴿ جَاهِدِ الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 73، والتحريم: 9] فهذه هي الشدة على الكفار والرحمة بالمؤمنين ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ ﴾ السيما العلامة وفيه ستة أقوال، الأول أنه الأثر الذي يحدث في جبهة المصلى من كثرة السجود والثاني أنه أثر التراب في الوجه الثالث أنه صفرة الوجه من السهر والعبادة، الرابع حسن الوجه لما ورد في الحديث وهذا الحديث غير صحيح، بل وقع فيه غلط من الراوي فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو غير مروي عنه، الخامس أنه الخشوع، السادس: أن ذلك يكون في الآخرة يجعل الله لهم نوراً من أثر السجود كما يجعل غرة من أثر الوضوء وهذا بعيد لأن قوله: ﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً ﴾ وصف حالهم في الدنيا فكيف يكون سيماهم في وجوههم كذلك، والأول أظهر، وقد كان بوجه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعلي بن عبد الله بن العباس أثر ظاهر من أثر السجود ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التوراة ﴾ أي وصفهم فيها وتم الكلام هنا، ثم ابتدأ قوله ومثلهم في الإنجيل، كزرع، وقيل: إن ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل ﴾ عطف على ﴿ مَثَلُهُمْ فِي التوراة ﴾ ثم ابتدأ قوله: ﴿ كَزَرْعٍ ﴾ وتقديره هم كزرع، والأول أظهر، ليكون وصفهم في التوراة بما تقدم من الأوصاف الحسان، وتمثيلهم في الإنجيل بالزرع المذكور بعد ذلك، وعلى هذا يكون ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل ﴾ بمعنى التشبيه والتمثيل.

وعلى القول الآخر يكون المثل بمعنى الوصف كمثلهم في التوراة ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ﴾ هذا مثل ضربه الله للإسلام حيث بدأ ضعيفاً، ثم قوي وظهر.

وقيل: الزرع مثل للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه بعث وحده وكان الزرع حبة واحدة، ثم كثر المسلمون فهم كالشطء، وهو فراخ السنبلة التي تنبت حول الأصل، ويقال: بإسكان الطاء وفتحها بمد وبدون مد وهي لغات ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ أي قوّاه وهو من الموازرة بمعنى المعاونة ويحتمل أن يكون الفاعل الزرع، والمفعول شطأه أو بالعكس؛ لأن كل واحد منهما يقوّي الآخر، وقيل: معناه ساواه طولاً فالفاعل على هذا الشطأ ووزن آزره فاعله وقيل أفعله، وقرئ بقصر الهمزة على وزن فعل ﴿ فاستغلظ ﴾ أي صار غليظاً ﴿ فاستوى على سُوقِهِ ﴾ جميع ساق أي قام الزرع على سوقه، وقيل: قوله: ﴿ كَزَرْعٍ ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم أخرج شطأه بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ بن أبي طالب ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار ﴾ تعليل لما دل عليه المثل المتقدم من قوّة المسلمين فهو يتعلق بفعل يدل عليه الكلام تقديره: جعلهم الله كذلك ليغيظ بهم الكفار، وقيل: يتعلق بوعد وهو بعيد ﴿ مِنْهُم ﴾ لبيان الجنس لا للتبعيض لأنه وعد عم جميعهم رضي الله عنهم.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليؤمنوا ﴾ ﴿ ويعزروه ويوقروه ويسبحوه ﴾ بياءات الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ عليه الله ﴾ بضم الهاء: حفص ﴿ فسنؤتيه ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.

الآخرون: بالياء التحتانية والضمير لله  ﴿ شغلتنا ﴾ بالتشديد: قتيبة ﴿ ضراً ﴾ بالضم ﴿ كلم الله ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف ﴿ بل ظننتم ﴾ بالإدغام: علي وهشام ﴿ بل تحسدوننا ﴾ مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ ندخله ﴾ ﴿ ونعذبه ﴾ بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وإبن عامر ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو ﴿ الرؤيا ﴾ بالإمالة: ابن عامر وعلي وهشام ﴿ شطأه ﴾ بفتح الطاء من غير مد: ابن ذكوان والبزي والقواس.

الباقون: ساكنة الطاء.

الوقوف: ﴿ مبيناً ﴾ ه لا ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا على احتمال الجواز ههنا لتكرار إسم الله بالتصريح ﴿ عزيزاً ﴾ ه ﴿ إيمانهم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ سيئاتهم ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ظن السوء ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفين ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ه لا ﴿ وتوقروه ﴾ ط للفصل بين ضمير اسم الله وضمير الرسول في المعطوفين فيمن لم يجعل الضمائر كلها لله ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ يبايعون الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج ط للشرط مع الفاء ﴿ على نفسه ﴾ ج للعطف مع الشرط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ فاستغفر لنا ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ نفعاً ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ نتبعكم ﴾ ج لأن ما بعده حال عامله ﴿ سيقول ﴾ أو مستأنف ﴿ كلام الله ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للسين مع الفاء ﴿ تحسدوننا ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ يسلمون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ج ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ المريض حرج ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ قريباً ﴾ ه لا ﴿ يأخذونها ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ عنكم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو المعلل محذوف والواو داخلة في الكلام المعترض، أو عاطفة على تقدير ليستيقنوا ولتكون ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ بها ﴾ ج ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ محله ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ج لحق المحذوف أي قدر ذلك ليدخل ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال أن جواب " لولا" محذوف وأن يكون هذه مع جوابها جواباً للأولى ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ وأهلها ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لحق حذف القسم ﴿ آمنين ﴾ لا ﴿ مقصرين ﴾ لا لأنها أحوال متابعة ﴿ لا تخافون ﴾ ط لأن قوله ﴿ فعلم ﴾ بيان حكم الصدق كالأعذار فلا ينعطف على قوله ﴿ صدق الله ﴾ ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿ ورضواناً ﴾ ز لأن ﴿ سيماهم ﴾ مبتدأ غير أن الجملة من حد الأولى في كون الكل خبر والذين ﴿ السجود ﴾ ط ﴿ الإنجيل ﴾ ج لاحتمال أن التقدير هم كزرع ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه.

التفسير: الفتح في باب الجهاد هو الظفر بالبلد بصلح أو حرب لأنه منغلق ما لم يظفر به.

والجمهور على أن المراد به ما جرى يوم الحديبية.

عن أنس قال: لما رجعنا عن الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة، أنزل الله ﴿ إنا فتحنا ﴾ فقال  : "لقد أنزل عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا كلها" .

والحديبية بئر سمي المكان بها وكان قد غاض ماؤها فتمضمض فيها النبي  فجاء بالماء حتى عمهم.

وعن ابن شهاب: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية وضعت الحرب وأمن الناس.

وقال الشعبي: أصاب النبي  في تلك الغزوة ما لم يصب في غيرها، بويع فيها بيعة الرضوان تحت الشجرة، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وكان رسول الله  وعد به فصح صدقه وأطعم نخل خيبر.

وذلك أن رسول الله  بعد هجرته إلى المدينة أحب أن يزور بيت الله الحرام بمكة فخرج قاصداً نحوه في سنة ست من الهجرة، وخرج معه أولو البصيرة وتخلف من كان في قلبه مرض ظناً منه أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً.

واستصحب سبعين بدنة لينحرها بمكة، ولما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم بالعمرة لتعلم قريش أنه لم يأت لقتال وكانوا ألفاً وثلثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة فبايعوه إلا جد بن قيس فإنه اختبأ تحت إبطي ناقته، فجاءه عروة بن مسعود لإيقاع صلح.

فلما رأى أصحاب النبي  فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله على أني أرى وجوهاً وأسراباً خليقاً أن يفروا ويدعوك؟

فشتمه أبو بكر فلما عاد إلى قريش قال: لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك وما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً.

والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تفخيماً، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه.

فلما اتفقوا على الصلح جاء سهيل بن عمرو المخزومي وتصالحوا على أن لا يدخل النبي  مكة سنته بل يعود في القابل ويقيم ثلاثة أيام ثم ينصرف، فلما كتب علي بن أبي طالب  "بسم الله الرحمن الرحيم".

قال سهيل: ما نعرف "الرحمن الرحيم" اكتب في قضيتنا ما نعرف "باسمك اللهم".

ولما كتب "هذا ما صالح محمد رسول الله  ".

قال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله.

فتنازع المسلمون وقريش في ذلك وكادوا يتواثبون، فمنعهم رسول الله  وأمرهم بالإجابة فكتب "هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجاً أو معتمراً أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة مجتازاً إلى مصر والشام أو يبتغي من فضل الله فهو على دمه وأهله آمن، وعلى أنه من جاء محمداً من قريش فهو إليهم ردّ، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم" فاشتدّ ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عيله وسلم: من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فإن علم الله منه الإسلام جعل له مخرجاً.

فلما فرغوا من الهدنة نحر النبي  وحلق وفعل أصحابه ذلك فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ يريد ما كان من أمر الحديبية والفتح قد يكون بالصلح.

وقيل: كان ذلك بلفظ الماضي على عادة إخبار الله.

وقال ابن عيسى: الفتح الفرج المزيل للهم ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان يؤدّي إلى الثقة.

وقيل وهو قول قتادة: الفتح القضاء والحكم، والفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة أي حكما لك بهذه المهادنة وأرشدناك إلى الإسلام ليغفر لك الله.

قال أهل النظم: لأوّل هذه السورة مناسبة تامة مع آخر السورة المتقدّمة وذلك أنه قال ﴿ ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا  ﴾ إلى آخره فبين بعد ذلك أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاعت عنهم هذه الفوائد.

وأيضاً لما قال ﴿ وأنتم الأعلون  ﴾ بين برهانه بصلح الحديبية أو بفتح مكة وكان في قوله ﴿ وتدعوا إلى السلم  ﴾ إشارة إلى ما جرى يوم الحديبية من أن المسلمين صبروا إلى أن طلب المشركون الصلح.

سؤال: ما المناسبة بين الفتح والمغفرة حتى جعلت غاية له؟

الجواب الغاية هي مجموع المغفرة وما ينعطف عليها كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة وغيره من الفتوح ليجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل.

ويجوز أن تكون الفتوح من حيث إنها جهاد للعدّو سبباً للغفران والثواب.

قال جار الله: وقيل: تقدير الكلام إنا فتحنا لك فاستغفره ليغفر لك كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح  ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره  ﴾ وقيل: إن فتح مكة كان سبباً لتطهير البيت من رجس الأوثان، وتطهير بيته سبب لتطهير عبده.

وأيضاً بالفتح يحصل الحج وبالحج تحصل المغفرة كما ورد في الأخبار " "خرج كيوم ولدته أمه" وأيضاً إن الناس قد علموا عام الفيل أن مكة لا يتسلط عليها عدواً لله، فلما فتحت للرسول  عرف أنه حبيب الله المغفور له.

أما الذنب فقيل: أراد به ذنب المؤمنين من أمته، أو أريد به ترك الأفضل والصغائر سهواً أو عمداً.

ومعنى ﴿ ما تأخر ﴾ أي عن الفتح أو ما تقدم عن النبوّة وتأخر عنها.

وقيل ﴿ ما تقدم ﴾ ذنب أبويه آدم وحواء ﴿ وما تأخر ﴾ ذنب أمته.

وقيل: أراد جميع الذنوب فحدّ أوّلها وآخرها، أو هو على وجه المبالغة كما تقول: أعطى من رأى ومن لم يره.

وقيل: ما تقدم من أمر مارية وما تأخر من أمر زينب وهو قول سخيف لعدم التئام الكلام ظاهراً.

والأولى أن يقال: ما تقدم النبوّة بالعفو وما تأخر عنها بالعصمة ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك لقوله ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ ومن إتمام النعمة تكليف الحج وقد تم يومئذ ولم يبق للنبي  عدوّ من قريش، فإن كثيراً منهم وقد أهلكوا يوم بدر، والباقين آمنوا واستأمنوا يوم الفتح.

وقيل: إمام النعمة في الدنيا باستجابة الدعاء في طلب الفتح وفي الآخرة بقبول الشفاعة ﴿ ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ أي يثبتك ويهديك عليه فإن الفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط الله، ولعل المراد بهذا الخطاب هو أمته.

والنصر العزيز ذو العزة وهو الذي لا ذل بعده، أو هو بمعنى المعز أو الممتنع على الغير وهو النفيس الذي لا يناله كل أحد.

وفي الآية تفخيم شأن الفتح والنصر من وجوه: أحدها لفظ (إنا) الدال على التعظيم.

وثانيها لفظ (لك) الدال على الاختصاص.

ثالثها إعادة اسم الله في الموضعين أوّلاً وآخراً.

ثم بين سبب النصر بقوله ﴿ هو الذي أنزل السكينة ﴾ وهي السكون والوقار والطمأنينة والثقة بوعد الله كما مر في "البقرة" وفي "التوبة" ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ أي يقيناً مع يقينهم أو إيماناً بالشرائع مع إيمانهم بالله.

وعن ابن عباس أو أول ما أتاهم به النبي  التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجاد ثم الحج، أو ازدادوا إيماناًَ استدلالياً مع إيمانهم الفطري.

وعلى هذا ففائدة قوله ﴿ مع إيمانهم ﴾ أن الفطرة تشهد بالإيمان، فلما عرفوا صحة الإيمان بالنظر والاستدلال انضم هذا الثاني إلى الأول.

وجنود السموات والأرض ملائكتهما، ويمكن أن يراد بمن في الأرض الثقلان والحيوان غير الإنسان.

ويحتمل أن يراد بالجنود معنى أعم وهو الأسباب الأرضية والسماوية فيدخل فيهما الصيحة والرجفة.

وظن السوء هو ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم، أو أن الله  لا ينصرهم على أعدائهم، أو أن لله شريكاً، أو أنه لا يقدر على إحياء الموتى.

ومعنى دائرة السوء أن ضرر ظنهم يعود إليهم ويدور عليهم وقد مر في سورة التوبة.

قال بعض العلماء: ضم المؤمنات ههنا إلى المؤمنين بخلاف قوله ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] ﴿ وبشر المؤمنين  ﴾ ونحو ذلك.

والسر فيه أن كل موضع يوهم اختصاص الرجال به مع كون النساء مشاركات لهم ذكرهن صريحاً نفياً لهذا التوهم، وكل موضع لا يوهم ذلك اكتفى فيه بذكر الرجال لأنهم الأصل في أكثر الأحكام والتكاليف.

مثلاً من المعلوم أن البشارة والنذارة عامة للناس قاطبة فلم يحتج فيهما إلى ذكر النساء بخلاف هذه الآية فإن إدخال الجنة يوهم أنه لأجل الجهاد مع العدوّ والفتح على أيديهم والمرأة لا جهاد عليها، فكان يظن أنهن لا يدخلن الجنات فنفى الله  هذا الوهم، وكذا الكلام في تعذيب المنافقات والمشركات.

نكتة الجنود المذكورة أوّلاً هي جنود الرحمة فكانوا سبباً لإدخال المؤمنين الجنة بالإكرام والتعظيم ثم إلباسهم خلع الكرامة لقوله ﴿ ويكفر عنهم سيئاتهم ﴾ ثم تشريفهم بالفوز العظيم من الله كما قال ﴿ وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً ﴾ وأما الكافر فعكس منه الترتيب: أخبر بتعذيبهم أوّلاً على الإطلاق، ثم فصل بأنه يغضب عليهم أوّلاً ثم يوبقهم في خبر اللعن والبعد عن الرحمة، ثم يسلط عليهم ملائكة العذاب الذين هم جنوده كما قال ﴿ عليها ملائكة غلاظ شداد  ﴾ ولا ريب أن كل ذلك على قانون الحكمة إلا أنه قرن العلم في الأول إلى الحكمة تنبيهاً على أن إنزال السكينة وازدياد إيمان المؤمنين وترتيب الفتح على ذلك كانت كلها ثابتة في علم الله، جارية على وفق الحكمة.

وقرن العز بالحكمة ثانياً لأن العذاب والغضب وسلب الأموال والغنائم يناسب ذكر العزة والغلبة والقهر زادنا الله إطلاعاً على أسرار قرآنه الكريم وفرقانه العظيم.

ثم مدح رسول صلى الله عيله وسلم وذكر فائدة بعثته ليرتب عليه ذكر البيعة فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ على أمتك ﴿ ومبشراً ونذيراً ﴾ وقد مر في سورة الأحزاب مثله إلا أن قوله ﴿ لتؤمنوا بالله ورسوله ﴾ قائم مقام قوله هناك ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه  ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، وأما من قرأ على الخطاب فلتنزيل خطاب النبي منزلة خطاب المؤمنين.

وقوله ﴿ وتعزروه وتوقروه ﴾ كلاهما بمعنى التعظيم من العز والوقار ينوب منابه.

قوله هناك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ وذلك أن النور متبع والتبجيل والتعظيم دليل المتبوعية.

وقال جار الله: الضمائر كلها لله عز وجل وتعظيم الله تعظيم دينه ورسوله.

وقوله ﴿ وتسبحوه ﴾ من التسبيح أو من السبحة وهي صلاة التطوع.

و ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ للدوام أو المراد صلاة الفجر والعصر وحدها أو مع الظهر قاله ابن عباس.

﴿ إن الذين يبايعونك ﴾ هي بيعة الرضوان تحت الشجرة كما يجيء في السورة.

وقيل: ليلة العقبة وفيه بعد.

وسماها مبايعة تشبيهاً بعقد البيع نظيره ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم  ﴾ ﴿ إنما يبايعون الله ﴾ لأن طاعة الرسول هي طاعة الله في الحقيقة.

ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ يد الله فوق أيديهم ﴾ قال أهل المعاني: هذا تمثيل وتخييل ولا جارحة هناك.

وقيل: اليد النعمة أي نعمة الله عليهم بالهداية فوق إحسانهم إلى الله بإجابة البيعة كما قال ﴿ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم  ﴾ قال القفال: هو من قوله  : "اليد العليا خير من اليد السفلى" يريد بالعليا المعطية أي الله يعطيهم ما يكون له به الفضل عليهم.

وقيل: اليد القوة أي نصرته إياهم فوق نصرتهم لرسوله.

وقيل: يد الله بمعنى الحفظ فإن المتوسط بين المتبايعين يضع يده فوق يدهما فلا يترك أن تتفارق أيديهما حتى يتم البيع، والمراد أن الله  يحفظهم على بيعتهم.

ثم زجرهم من نقض العهد وحثهم على الوفاء بقوله ﴿ فمن نكث ﴾ إلى آخره.

والنكث والنقض أخوان.

وقوله ﴿ فإنما ينكث على نفسه ﴾ أي لا يعود ضرر نكثه إلا عليه.

قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله  تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقاً اختبأ تحت إبط ناقته ولم يثر مع القوم.

ثم بين ما يعلم منه إعجاز القرآن لأنه أخبر عن الغيب وقد وقع مطابقاً وله في السورة نظائر فقال ﴿ سيقول لك المخلفون ﴾ هم أسلم ومزينة وجهينة وغفار.

وقيل: سموا مخلفين لأن التوفيق خلفهم ولم يعتدّ بهم.

والظاهر أنهم سموا بذلك لأنه  حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر الأعراب وأهل البوادي حذراً من قريش أن يصدّوه عن البيت، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم قصدوه في داره بالمدينة وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة فاعتلوا.

فلما رجع رسول الله  اعتذروا وقالوا ﴿ شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ﴾ سل الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك وإن كان من عذر فكذبهم الله بقوله ﴿ يقولون بألسنتهم ﴾ وقوله شيئاً من الضر كقتل وهزيمة ولا يوصل إليهم نفعاً إلا ما شاء الله.

وإنما قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ لكم ﴾ لأنه في قوم بأعيانهم بخلاف "المائدة" فإنه عام لقوله ﴿ أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً  ﴾ ثم ردّ قولهم اللساني فقال ﴿ بل كان الله بما تعملون خبيراً ﴾ ثم ردّ اعتذارهم الواهي بقوله ﴿ بل ظننتم ﴾ الآية.

والبور جمع بائر أي هالك والباقي واضح إلى قوله ﴿ رحيماً ﴾ وفيه بيان كمال قدرته على تعذيب الكافرين مع أن مغفرته ذاتيه ورحمته سابقة.

وقوله ﴿ سيقول المخلفون ﴾ إنما لم يقل هنا لك لأن المخاطبين هم المؤمنون كلهم لا النبي وحده.

وجمهور المفسرين على أن هؤلاء هم المخلفون المذكورون فيما تقدم.

وقوله ﴿ إلى مغانم ﴾ هي مغانم خيبر، وذلك أن رسول الله  وعد أهل الحديبية أن غنائم أهل خيبر لهم خصوصاً من غاب منهم ومن حضر بدل تعب السفر في العمرة التي صدّهم المشركون عنها.

وزاد الزهري فقال: وإن حضرها من غيرهم من الناس.

قالوا: ولم يغب منهم عنها أحد إلا جابر ابن عبد الله، فقسم له رسول الله  كسهم من حضر.

وكان انصراف النبي  في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر وخرج معه من شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالاً كثيرة وجعلها لهم خاصة، وكان قبل ذلك وعد النبي  أصحابه غنائم خيبر فسمع المنافقون ذلك فقالوا للمؤمنين ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ فمنعهم النبي  لأن أمره أن لا يخرج إلى خيبر إلا أهل الحديبية وذلك قوله ﴿ يريدون أن يبدّلوا كلام الله ﴾ فقال الله لنبيه ﴿ قل لنا تتبعونا ﴾ أي في خيبر.

وقيل: عامّ في غزواته ﴿ كذلكم قال الله من قبل ﴾ أي قبل انصرافهم إلى المدينة ﴿ فسيقولون ﴾ ردّاً على النبي والمؤمنين إن الله لم يأمركم به ﴿ بل تحسدوننا ﴾ أن نشارككم في الغنيمة فرد الله عليهم ردّهم بقوله ﴿ بل كانوا لا يفقهون إلا ﴾ فهماً ﴿ قليلاً ﴾ وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، أو هو فهمهم من قوله ﴿ قل لن تتبعونا ﴾ مجرد النهي فحملوه على الحسد ولم يعلموا أن المراد هو أن هذا الاتباع لا يقع أصلاً لأن الصادق قد أخبر بنفيه.

وذهب جماعة من المفسرين منهم الزجاج إلى أن كلام الله ههنا هو قوله في سورة براءة ﴿ لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ واعترض بأن هذا في قصة تبوك التي كانت بعد الحديبية بسنتين بإجماع من أهل المغازي.

وأجاب بعضهم بأن هذ الآية أعني ﴿ سيقول المخلفون ﴾ نزلت في غزوة تبوك أيضاً.

وعندي أن الاعتراض غير وارد ولا حاجة إلى الجواب المذكور.

ثم إن الله  أخبر عن مخلفي الحديبية بأنهم سيدعون إلى قوم أولي قوة ونجدة في الحروب.

وقيل: هم هوازن وغطفان.

وقيل: هم الروم، غزاهم رسول الله  في تبوك.

والأكثرون على أن القوم أولي البأس الشديد هم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر الصدّيق لأنه  قال ﴿ تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية.

هذا عند أبي حنيفة، وأما الشافعي فعنده لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، والمجوس دون مشركي العجم والعرب.

وقد يستدل بهذا على إمامة أبي بكر فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله  ، ولكن بعد وفاته ولا سيما فيمن يزعم أنه نزل فيهم ﴿ لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ اللهم إلا أن يقال: المراد لن تخرجوا معي ما دمتم على حالكم من مرض القلوب والاضطراب في الدين، أو أنهم لا يتبعون الرسول إلا متطوّعين لا نصيب لهم في المغنم قاله مجاهد.

وقوله ﴿ أو يسلمون ﴾ رفع على الاستئناف يعني أو هم يسلمون.

ويجوز أن يراد إلى أن يسلموا، فحين حذف "أن" رفع الفعل.

وقيل: الإسلام ههنا الانقياد فيشمل إعطاء الجزية أيضاً.

والأجر الحسن في الدنيا الغنيمة، وفي الآخرة الجنة.

وقيل: الغنيمة فقط بناء على أن الآية في المنافقين، وعلى هذا لا يتم الاستدلال على إمامة الخلفاء.

وقوله ﴿ من قبل ﴾ أي في الحديبية.

قال ابن عباس: إن أهل الزمانة قالوا: يا رسول الله كيف بنا؟

فأنزل الله  ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ أي إثم في التخلف لأنه كالطائر الذي قص جناحه لا يمتنع على من قصده.

وقدم الأعمى لأن عذره مستمر ولو حضر القتال، والأعرج قد يمكنه الركوب والرمي وغير ذلك.

نعم يتعسر عليه الحرب ماشياً وكذا جودة الكر والفر راكباً.

وقد يقاس الأقطع على الأعرج، ويمكن أن لا يكون الأقطع معذوراً لأنه نادر الوجود.

والأعذار المانعة من الجهاد أكثر من هذا وقد ضبطها الفقهاء بأن المانع إما عجز حسي أو عجز حكمي.

فمن الأول الصغر والجنون والأنوثة والمرض المانع من الركوب للقتال لا كالصداع ووجع السن، ومنه العرج البين وإن قدر على الركوب لأن الدابة قد تهلك.

وعند أبي حنيفة لا أثر للعرج في رجل واحدة، ومنه فقد البصر ولا يلحق به العور والعشي، ومنه عدم وجدان السلاح وآلات القتال.

ومن الثاني الرق والدين الحالّ بلا إذن رب الدين ومن أحد أبويه في الحياة ليس له الجهاد لا بإذنه إلا إذا كان كافراً.

والباقي واضح إلى قوله ﴿ لقد رضى الله ﴾ .

وبه سميت بيعة الرضوان ويبايعونك حكاية الحال الماضية والشجرة كانت سمرة.

وقيل: سدرة روي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت.

وعن جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ من خلوص النية ﴿ فأنزل السكينة ﴾ الطمأنينة والأمن عليهم ﴿ وأثابهم ﴾ جازاهم عن الإخلاص في البيعة ﴿ فتحاً قريباً ﴾ هو فتح خيبر غب انصرافه من الحديبية كما ذكرناه.

وقيل: هو فتح مكة ﴿ ومغانم كثيرة يأخذونها ﴾ هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة ﴾ هي التي أصابوها مع النبي  أو بعده إلى يوم ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ يعني غنيمة خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان جاؤا لنصرتهم فقذف الله الرعب في قلوبهم وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، وقيل: أيدي اليهود حين خرجتم وخلفتم عيالكم بالمدينة وهمت اليهود بهم فمنعهم الله قوله ﴿ ولتكون آية ﴾ أي لتكون هذه الغنيمة المعجلة دلالة على ما وعدهم الله من الغنائم، أو دلالة على صحة النبوة من حيث إنه أخبر بالفتح القريب وقد وقع مطابقاً.

وقيل: الضمير للكف والتأنيث لأجل التأنيث الخبر، أو بتقدير الكفة ويهديكم ويثبتكم ويزيدكم بصيرة.

قوله ﴿ وأخرى ﴾ أي وعدكم الله مغانم أخرى.

عن ابن عباس: هي فتوح فارس والروم.

أو يقال: مغانم هوازن في غزوة حنين لم يظنوا أن يقدروا عليها لما فيها من الهزيمة، ثم الرجوع مرة بعد أخرى قد أحاط الله بها علماً أنها ستصير لكم.

قال جار الله: يجوز في ﴿ أخرى ﴾ النصب بفعل مضمر يفسره ﴿ قد أحاط ﴾ أي وقضى الله أخرى قد أحاط بها.

ويجوز فيها الرفع على الابتداء لكونها موصوفة بالجملة و ﴿ قد أحاط ﴾ خبره.

وجوز الجر بإضمار "رب".

ثم بين أن نصر الله إياهم في صلح الحديبية أو في فتح خيبر لم يكن اتفاقياً بل كان إلهياً سماوياً فقال ﴿ ولو قاتلكم ﴾ إلى آخره.

والسر فيه أن الله كتب وأوجب غلبة حزبه ونصر رسله كما قال ﴿ سنة الله ﴾ إلى آخره.

عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبي  من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي  وأصحابه، فأخذهم واستحياهم فأنزل الله  ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ﴾ وهو الحديبية لأنها من أرض الحرم.

وقيل: هو التنعيم.

وقيل: إظفاره دخوله بلادهم بغير إذنهم.

وعن عبد الله بن مغفل المزني قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي ذكرها الله في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله  فأخذ الله  بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم  : هل كنتم في عهد أحد وهل جعل لكم أحد أماناً فقالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله الآية.

وإنما قدم كف أيدي الكفار عن المؤمنين لأنهم أهم.

وقيل: كف أيديكم بأن أمركم أن لا تحاربوا، وكف أيديهم بإلقاء الرعب أو بالصلح وقيل: إن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة رجل فقال النبي  لخالد بن الوليد: هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل.

فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله ارم بي حيث شئت.

فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد فهزمه حتى أدخله جوف مكة.

فأنزلت الآية.

وسمي خالد يومئذ سيف الله.

وروي أن كفار مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخولهم بيوت مكة.

ثم ذم قريشاً بقوله ﴿ هم الذين كفروا وصدّوكم ﴾ يعني يوم الحديبية ﴿ عن المسجد الحرام ﴾ أن تطوفوا به للعمرة ﴿ و ﴾ صدّوا ﴿ الهدى ﴾ أو صدّوكم مع الهدي حال كونه ﴿ معكوفاً ﴾ أي محبوساً ممنوعاً موقوفاً عن ﴿ أن يبلغ محله ﴾ المعهود وهو مِنى وقد مر تفسير الهدي ومحله والبحث عنه في "البقرة".

ثم بين حكمة المصالحة بقوله ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ﴾ وقوله ﴿ لم تعلموهم ﴾ سفة الرجال والنساء جميعاً على جهة التغليب.

و ﴿ أن تطؤهم ﴾ بدل الاشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في ﴿ تعلموهم ﴾ والوطء كالدّوس عبارة عن الإيقاع والإهلاك.

وقوله ﴿ فتصيبكم ﴾ جواب النفي أو عطف على ﴿ أن تطؤهم ﴾ والمعرة "مفعلة" ممن العرالعيب كالجرب ونحوه.

وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متقدم في النية متعلق بـ ﴿ أن تطؤهم ﴾ والفحوى أنه كان بمكة ناس من المسلمين فقال  : ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً من المؤمنين فيما بين المشركين وأنتم غير عالمين بحالهم فتصيبكم بإهلاكهم تبعة في الدين لوجوب الدية والكفارة أو عيب بسوء قالة أهل الشرك، إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا، أو أثم إذا جرى دينهم منكم بعض التقصير لما كف أيديكم عنهم، والكلام يدل على هذا الجواب وفي حذفه فخامة وذهاب للوهم كل مذهب، ويعلم منه أنه يفعل بهم إذ ذاك ما لا يدخل تحت الوصف.

وجوّزوا أن يكون ﴿ لو تزيلوا ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ ولولا رجال ﴾ لرجعهما إلى معنى واحد.

والتنزيل التميز والتفرق ويكون ﴿ لعذبنا ﴾ هو الجواب.

وقوله ﴿ ليدخل ﴾ تعليل لما دلت عليه الآية من كف الأيدي عن قريش صوناً لأهل الإيمان المختلطين بهم كأنه قيل: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله مؤمنيهم في حيز توفيق الخير والطاعة، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من المشركين.

وحكى القفال أن اللام متصل بالمؤمنين والمؤمنات أي آمنوا لكذا.

وقوله ﴿ إذ جعل ﴾ يجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" أو يكون ظرفاً ﴿ لعذبنا ﴾ أو لـ ﴿ ـصدّوكم ﴾ وفاعل ﴿ جعل ﴾ يجوز أن يكون ﴿ الله ﴾ وقوله ﴿ في قلوبهم ﴾ بيان لمكان الجعل كما مر في قوله { ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل  ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه الحمية والظرف فيكون جعلهم في قلبهم بإزاء أنزل الله.

والحمية في مقابلة السكينة، والحمية الأنفة والاستكبار الذي كان عليها أهل الجاهلية، ومن ذلك عدم إقرارهم بمحمد  ومنه ما جرى في قصة الحديبية من إبائهم أن يكتب في كتاب العهد "بسم الله الرحمن الرحيم" وأن يكتب "محمد رسول الله" يقال: حميت أنفي حمية كأنها "فعلية" بمعنى "مفعول" من الحماية اسم أقيم مقام المصدر كالسكينة بمعنى السكون فأنزل الله على رسوله السكينة والوقار حتى أعطاهم ما أرادوا.

وكلمة التقوى التسمية والتوحيد والاعتراف برسالة محمد  ، اختارها الله للمؤمنين.

ومعنى الإضافة إنها سبب التقوى وأساسها، أو المراد كلمة أهل التقوى الذين يتقون بها غضب الله.

﴿ وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ لأنهم خيار الأمم.

وقيل: أراد وكانوا يعني أهل مكة أحق بهذه الكلمة لتقدّم إنذارهم إلا أن بعضهم سلبوا التوفيق.

وحكى المبرد أن الذين كانوا قبلنا لم يكن لأحد أن يقول "لا إله إلا الله" في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقول أكثر من ذلك.

وكان قائلها يمدّ بها صوته إلى أن ينقطع نفسه تبركاً بذكر الله، وقد جعل الله لهذه الأمة أن يقولوها متى شاؤا وهو قوله ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ أي ندبهم إلى ذكرها ما استطاعوا.

ثم قص رؤيا نبيه  بياناً لإعجازه فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.

وقصته أنه رأى في المنام أن ملكاً قال له ﴿ لتدخلن ﴾ إلى قوله ﴿ لا تخافون ﴾ فأخبر أصحابه بها ففرحوا وجزموا بأنهم داخلوها في عامهم، فلما صدّوا عن البيت واستقر الأمر على الصلح قال بعض الضعفة: أليس كان يعدنا النبي  أن نأتي البيت فنطوف به؟

فقال لهم أهل البصيرة: هل أخبركم أنكم تأتونه العام؟

فقالوا: لا.

قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت فأنزل الله تصديقه.

ومعنى ﴿ صدق الله رسوله الرؤيا ﴾ صدقه في رؤياه ولم يكذبه.

وقوله ﴿ بالحق ﴾ إما أن يكون متعلقاً بـ ﴿ صدق ﴾ أي صدقه فيما رأى صدقاً متلبساً بالحق وهو أن يكون ما أراه كما أراه، وإما أن يكون حالاً من الرؤيا أي متلبسة بالحق يعني بالغرض الصحيح وهو الإبتلاء، وتميز المؤمن المخلص من المنافق المرائي.

وجوّز أن يكون ﴿ بالحق ﴾ قسماً لأنه إسم من أسماء الله  ، أو لأن المراد الحق الذي هو نقيض الباطل فتكون اللام في ﴿ لتدخلنّ ﴾ جواب القسم لا للابتداء فيحسن الوقف على ﴿ الرؤيا ﴾ .

والبحث عن الحلق والتقصير وسائر أركان الحج والعمرة وشرائطهما استوفيناها في سورة البقرة فليتذكر.

وفي ورود ﴿ إن شاء الله ﴾ في خبر الله عز وجل أقوال أحدها: أنه حكاية قول الملك كما روينا.

والثاني أن ذلك خارج على عادة القرآن من ذكر المشيئة كقوله ﴿ يغفر لمن يشاء ﴾ ﴿ ويعذب المنافقين إن شاء ﴾ والمعنى إن الله يفعل بالعباد ما هو الصلاح فيكون استثناء تحقيق لا تعليق.

والثالث أنه أراد لتدخلن جميعاً إن شاء ولم يمت أحد أو لم يغب.

والرابع أنه تأديب وإرشاد إلى استعمال الاستثناء في كل موضع لقوله  وقد دخل البقيع " "وأنا إن شاء الله بكم لاحقون" وليس في فروع الموت استثناء.

الخامس أنه راجع إلى حالة الأمن وعدم الخوف.

ثم رتب على الصدق وعلى سوء ظن القوم قوله ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ من الحكمة في تأخير الفتح إلى العام القابل ﴿ فجعل من دون ذلك ﴾ الفتح ﴿ فتحاً قريباً ﴾ وهو فتح خيبر.

ثم أكد صدق الرؤيا بل صدق الرسول في كل شيء بقوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ الآية.

وذلك أنه كذب رسوله كان مضلاً ولم يكن إرساله سبباً لظهور دينه وقوة ملته.

وقد مر نظير الآية في سورة التوبة.

ومن استعلاء هذا الدين أنه لا ترى أهل ملة إلا والمسلم غالب عليه إلا أن يشاء الله.

وقد يقال: إن كمال العز والغلبة عند نزول عيسى  فلا يبقى على الأرض كافر ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على أن هذا الدين يعلو ولا يعلى.

ثم أكد الشهادة وأرغم أنف قريش الذين لم يرضوا بهذا التعريف في كتاب العهد فقال ﴿ محمد رسول الله ﴾ فهو مبتدأ وخبر.

وجوز أهل الإعراب أن يكون المبتدأ محذوفاً لتقدم ذكره في قوله ﴿ أرسل رسوله ﴾ أي هو محمد فيكون ﴿ رسول الله ﴾ صفة أو عطف بيان، وجوزوا أن يكون ﴿ محمد ﴾ مبتدأ و ﴿ رسول الله ﴾ صفته أو بياناً.

وقوله ﴿ والذين معه ﴾ وهم الصحابة عطفاً على ﴿ محمد ﴾ وخبر الجميع ﴿ أشداء على الكفار ﴾ جمع شديد كما قال ﴿ واغلظ عليهم  ﴾ ﴿ أعزة على الكافرين  ﴾ عن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم فكيف بأبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه.

والمصافحة جائزة بالاتفاق، وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة  وإن كان التقبيل على اليد.

ومن حق المؤمنين أن يراعوا هذه السنة أبداً فيتشدّدوا على مخالفيهم ويرحموا أهل دينهم ﴿ تراهم ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب ﴿ ركعاً سجداً ﴾ راكعين ساجدين ﴿ يبتغون فضلاً من الله ﴾ بالعفو عن تقصيرهم ﴿ ورضواناً ﴾ منه عن أعمالهم الصالحة بأن يتقبلها الله منهم ﴿ سيماهم ﴾ علامتهم ﴿ في وجوههم من أثر السجود ﴾ فيجوز أن تكون العلامة أمراً محسوساً وأن السجود بمعنى حقيقة وضع الجبهة على ألأرض، وكان كل من عليّ بن الحسين زين العابدين  وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك يقال له ذو الثفنات، لأن كثرة سجودهما أحدثت في مواضع السجود منهما أشباه ثفنات البعير.

والذي جاء في الحديث "لا تعلبوا صوركم" أي لا تخدشوها.

وعن ابن عمر أنه رأى رجلاً أثر في وجهه السجود فقال: إن صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تشن صورتك محمول على التعمد رياء وسمعة.

وعن سعيد بن المسيب هي ندى الطهور وتراب الأرض.

ويجوز أن يكون أمراً معنوياً من البهاء والنور.

وعن عطاء: استنارت وجوههم من التهجد كما قيل "من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وإن الذي يبيت شارباً يتميزعند أراب البصيرة من الذي يبيت مصلياً وفيه قال بعضهم: عيناك قد حكتا مبيـ *** ـتك كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتـ *** ـك مبيت صاحبها عياناً قال المحققون: إن من توجه إلى شمس الدنيا لا بد من أن يقع شعاعها على وجهه، فالذي أقبل على شمس عالم الوجود وهو الله  كيف لا يستنير ظاهره وباطنه ولا سيما يوم تبلى السرائر ويكشف الغطاء ﴿ ذلك مثلهم ﴾ أي ذلك الوصف وصفهم العجيب الشأن في الكتابين: ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله ﴿ كزرع ﴾ إلى آخره.

كقوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ وقد يقال: تم الكلام عند قوله ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ مثلهم في الإنجيل كزرع ﴾ لما روى أنه مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر عرفوا إلى بني إسرائيل بهذا الوصف ليعرفوهم إذا أبصروهم.

والشطء بالتسكين والتحريك فراخ الزرع التي تنبت إلى جانب الأصل، ومنه شاطىء النهر.

﴿ فآزره ﴾ من المؤازره المعاونة.

ويجوز أن يكون أفعل من الأزر القوة أي أعان الزرع الشطء أو بالعكس.

﴿ فاستغلظ ﴾ الزرع أو الشطء أي صار من الرقة إلى الغلظ ﴿ فاستوى على سوقه ﴾ فاستقام على قصبته أي تناهى وصار كالأصل بحيث يعجب الزارعين.

والسوق جمع ساق وقد يخص الساق بالشجر فيكون ساق الزرع مجازاً مستعاراً.

ووجه التشبيه أن النبي  خرج وحده ثم أتبعه من ههنا قليل ومن ههنا حتى كثروا وقوي أمرهم.

وقوله ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾ تعليل لوجه التشبيه أو للتشبيه أي ضرب الله ذلك المثل وقضى وحكم بذلك ليغيظ بمحمد  وأصحابه كفار مكة والعجم.

وقيل: هذا الزرع يغيظ بكثرته الكفار أي سائر الزرّاع الذين ليس لهم مثل زرعهم وفيه بعد، ولكن الكلام لا يخلو عن فصاحة لفظية من قبل المناسبة بين الزراع والكفار لاشتراكهما بالجملة في معنى من المعاني وإن لم يكن مقصوداً ههنا.

وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله ﴿ والذين معه ﴾ أبو بكر ﴿ أشداء على الكفار ﴾ عمر ﴿ رحماء بينهم ﴾ عثمان ﴿ نراهم ركعاً سجداً ﴾ علي  ﴿ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ﴾ طلحة والزبير ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ سعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة ابن الجراح.

وعن عكرمة: أخرج شطأة بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ.

وقوله ﴿ منهم ﴾ لبيان الجنس.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ ليغيظ ﴾ تعليلاً للوعد لان الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما حصل لهم في الدنيا من الغلبة والاستعلاء غاظهم ذلك والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ ﴾ .

من الناس من احتج على تفضيل محمد  على غير من الأنبياء - عليهم السلام - بهذه الآية وبغيرها من الآيات يقول: لم يُذكر محمد  في القرآن إلا وخاطبه باسم الرسالة والنبوة؛ كقوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ  ﴾ و ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ  ﴾ وقوله: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ﴾ ونحو ذلك، وسائر الأنبياء - عليهم السلام - إنما خاطبهم بأسمائهم التي جعلت لهم خلقة دون ختم الرسالة والنبوة، كقوله: ﴿ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا  ﴾ ، و ﴿ يٰلُوطُ  ﴾ و ﴿ يَٰمُوسَىٰ  ﴾ ، و ﴿ يٰهَرُونُ  ﴾ ، و ﴿ يٰهُودُ  ﴾ و ﴿ يَاصَالِحُ  ﴾ ؛ جمع من ذكرهم سواه إنما ذكرهم بأسمائهم الموضوعة في أصل الخلقة، ولم يجلُّوا ولم يسموا بأسماء الرسالة والنبوة؛ وذلك لفضل جعل له من بين غيره، وكذلك يحتج لتفضيل أمته وأصحابه على سائر الأمم حيث خاطب هذه الأمة بأحسن الأسماء فقال: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ  ﴾ ، وقال في سائر الأمم: ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ  ﴾ ونحو ذلك، ومما يدل على فضيلتهم قوله -  -: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ...

﴾ الآية [آل عمران: 110]؛ أي: كنتم خير أمة في الكتب المتقدمة بما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ...

﴾ الآية، ما وصفهم ونعتهم يرجع إلى أصحابه على الاجتماع، أي: الكل موصوفون بهذه الصفات التي ذكر في الآية، وأنها كلها فيهم، وهو كقوله -  - في صفتهم: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ أي: أشداء على الكفار، ورحماء على المؤمنين، وصفهم بذلك جملة، فعلى ذلك هاهنا.

ويحتمل أن يكون ذلك وصف بعضهم دون بعض، أو وصف عامتهم، فأما الكل فلا، وذلك نحو ما روي عن عبد الله بن مسعود -  - حيث قال: لولا قوله -  -: ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا  ﴾ ما كنا نعرف أحداً من أصحاب رسول الله  يريد الدنيا، فإنما يكون ذلك وصف أمثال عبد الله بن مسعود،  .

ثم قد جعل الله -  - الرحمة والرأفة نعتاً للمؤمنين، يتراحم بعضهم بعضاً، وكذلك روي في الخبر عن النبي  قال: "لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا قالوا: كلنا نتراحم ولده، فقال: ليس ذلك برحمة، إنما الرحمة أ ن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ولولده" ، أو كلام نحوه.

وروي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله  : "المؤمنون كلهم كرجل واحد، إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ، وليس فيما وصفهم بالشدة على الكفار [دليل] على أن ليس لهم شفقة عليهم، فإن النبي  له شفقة عظيمة عليهم، حتى كادت تهلك نفسه، لذلك قال - الله  -: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ فعلى ذلك أصحابه، رضوان الله عليهم أجمعين.

ثم القتال الموضوع فيما بينهم رحمة في الحقيقة، وإن كان في الظاهر ليس برحمة؛ لأنه وضع ليضطرهم ذلك إلى قبول الإسلام والتوحيد، وفي قبولهم ذلك نجاتهم، وما وصفهم بالحرمة على المؤمنين، ليس فيه أنهم ليسوا بأشداء عليهم إذا عاينوا منهم المناكير والفواحش حتى يتركوا التغيير عليهم؛ بل من الشفقة لهم عليهم ما يغيرون عليهم المنكر؛ إذ في ذلك نجاتهم، وذلك لا يزيل عنهم الرحمة التي وصفهم بها؛ بل ذلك من الشفقة لهم والرحمة، والله أعلم.

ثم نعتهم وقال: ﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: وصف لهم بالمداومة في إقامة الصلوات بالجماعات، وأراد بالركوع والسجود: هو الصلاة على طريق الكناية.

والثاني: عبارة عن الخضوع لربهم، والتواضع للمؤمنين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: الجنة؛ أي: يبتغون بكل ما وصفهم من الرحمة، والشدة، والركوع، والسجود الجنة، والفضل يذكر عبارة عن الجنة في القرآن في غير موضع.

وجائز أن يكون ما ذكر من ابتغائهم الفضل من الله -  - ما يتعايشون به.

وقال بعضهم: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: يبتغون ما يتعيشون [به].

وقال بعضهم: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: يبتغون معيشة يتقوون بها على طاعة الله.

وقوله - عزو جل -: ﴿ وَرِضْوَاناً ﴾ أي: رضا ربهم، وهو بمعنى الفضل - أيضاً - على التكرار للتأكيد؛ كقوله -  -: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ  ﴾ لكنه أخبر أنهم يبتغون ذلك الفضل والرضون من الله -  - والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ﴾ اختلف فيه: قال الحسن وغيره: أي: أثر الخشوع والصلاة في وجوههم.

وقال بعضهم: إن الرجل إذا قام من الليل فأطال القيام والسهر، تبين سهر الليل في وجهه إذا أصبح من الصفرة، و تغير اللون، وذلك كله في الدنيا.

وكذلك روي عن الحسن [قال]: قال رسول الله  : "رحم المله قوماً يحسبهم الناس مرضى وما هم بمرضى" قال الحسن: أجهدتهم العبادة.

وقال قتادة: أثر الصلاة في وجوههم، وهو أثر التراب؛ لكن ذلك بعيد.

وقال: ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ﴾ يوم القيامة، وهو بياض وجوههم من أثر السجود والوضوء.

وكذلك روي في الخبر عن نبي الله  أنه قال: "إني أعرف أمتي من بين غيرها من الأمم قيل: وكيف تعرف يا رسول الله أمتك من بين الأمم؟

فقال: أمتي غر محجلون يوم القيامة من أثر السجود" ولا يكون ذلك لأحد من الأمم غيرهم، والله أعلم.

وجائز أن يكن على غير ذلك، يجعل الله -  - في وجوههم من آثار العبادة له، والجهد فيها من النور والحلاوة والحسن ما يعرفون أنهم أهل عبادة الله -  - وطاعته، والله أعلم.

وقوله -  - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أي: شبههم في التوراة والإنجيل الآحاد والأفراد منهم المختارون من بين غيرهم الذين يعظمونهم الأتباع والملوك ويحلونهم، فما بالكم لا تعظمون أنتم هؤلاء ولا تتبعونهم كأولئك، والله أعلم.

والثاني: يحتمل: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ ﴾ أي: ذلك نعتهم ووصفهم في التوراة والإنجيل؛ أي: على ذلك نعتوا ووصفوا في التوراة والإنجيل، وقد عرفتم ذلك، فهلا اتبعتموهم إذا نعتوا ووصفوا في القرآن.

وقال بعضهم: قولخه: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ ﴾ مقطوع مقصود، وهو ما تقدم من قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ...

﴾ إلى قوله: ﴿ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ﴾ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ...

﴾ الآية، وهذا يحتمل ووجه حسن، وعلى التأويلين الأولين ما ذكرنا من وصفهم، كأنه في التوراة والإنجيل جميعاً، ثم نعتهم - أيضاً - بقوله -  -: ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ﴾ ، والله أعلم.

ثم ذكر نعت أصحابه -  م - ي هذه الآية، ولم يذكر نعت رسوله  ، وإنما ذكر نعته في آية أخرى، وهو قوله -  -: ﴿ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ...

﴾ الآية [الأعراف: 157]، ذكر نعته وصفته في الآية  ونعت أصحابه -  م - في هذه السورة، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ...

﴾ الآية دلالة الرسالة؛ لأنه أخبر أن نعتهم في الكتب المتقدمة كما ذكر في القرآن، ثم لم يقل أحد من أهل الكتب المتقدمة: أن ليس ذلك نعتهم أو شبههم في تلك الكتب، ثبت أنه بالله عرف، ولا قوة إلا بالله.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ...

﴾ الآية، شبههم بالزرع الذي ذكر - والله أعلم - لأنهم أحيوا سنن الدين وشرائعه التي كانت من قبل بعدما درست، وانقطع أثرها؛ لأنه لم يكن فيما بين عيسى ومحمد - عليما الصلاة والسلام - رسول فقد انقرض ذلك واندرس، ثم جاء محمد - عليه أفضل الصلوات أكمل التحيات - بعد دروس ذلك وانقراضه كالزرع الذي يخرج وحده، وهو النبت الواحد في أول ما يخرج، فأعانه أصحابه وآزروه كانوا إليه كالخلفة التي تنبت حول الساق تؤازر الخلفة والنبت، فأما ﴿ شَطْأَهُ ﴾ فقيل: هو محمد  خرج وحده كما خرج أول النبت وحده، وأما الوالية التي تنبت حول الشطأة فاجتمعت، فهم المؤمنون كانوا في قلة كما كان أول الزرع دقيقاً، ثم زاد نبت الزرع، فغلظ، ﴿ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ ﴾ ، كما آزر المؤمنون بعضهم بعضاً حتى استغلظوا واستووا على أمرهم كما استغلظ هذا الزرع واستوى على سوقه.

ثم اختلفوا في الشطأة: قال أبو عوسجة: هو قصب الزرع؛ أي: صار لو واسط االزرع؛ أي صار له ورق، ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ أي: قواه، ﴿ سُوقِهِ ﴾ جمع: ساق.

وقال أبو عبيدة: شطأ الزرع: فراعه صغاره؛ يقال: قد أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا فرع.

وقال الفراء: ﴿ شَطْأَهُ ﴾ أي: سنبله، ينبت الحبة عشرا وتسعاً وثمانياً ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ أي: أعانه وقواه.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَغْلَظَ ﴾ أي: غلظ ﴿ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ ﴾ جمع ساق، ومنه يقال: قام كذا على سوقه إذا آذرته وتناهى وبلغ الغاية؛ يقول - والله أعلم -: كما أن الزرع إذا قام على السوق فقد استحكم، فهذا مثل ضربه الله -  - لنبيه  أي: خرج وحده، فأيده بأصحابه، فقوى واشتد كما قويت الساق من الزرع بما نبت منها حتى غلظت وعظمت واستحكمت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ﴾ قال بعضهم: الزراع هو محمد  يعجب محمداً ما رأى من أصحابه والمؤمنين، ويغيظ الكفار ذلك، من الغيظ، وهو كقوله -  -: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ...

﴾ إلى قوله: ﴿ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ  ﴾ .

وقال بعضهم: الزراع: هو صاحب الزرع، إذا كثر جوانبه وواليه، وينبت ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ﴾ ؛ أي: يغيظ ذلك سائر الزراعين.

وقال بعضهم: كما يعجب الزراع حسن زرعه حين استوى قائماً على ساقه، فكذلك يغيظ الكفار كثرة المؤمنين واجتماعهم.

وقال بعضهم: هم الزراع، سموا كفاراً؛ لأنهم يكفرون، أي: يسترون البذر في الأرض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ من بين غيرهم من الناس ﴿ مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾ ، والله أعلم.

وفيه نقض قول الباطنية والروافض - لعنهم الله - لقولهم: إنهم بعد وفاة رسول الله  كفروا وارتدوا عن الإسلام جميعاً، أو كلام نحوه؛ في الآية ردٌّ لقولهم؛ لأنه وعد له المغفرة وما ذكر من الأجر العظيم، فلا يحتمل أن يكونوا على ما ذكر أولئك، ثم تكون لهم المغفرة وما ذكر من الأجر العظيم؛ فدل ما ذكر من الوعد لهم بالمغفرة والأجر العظيم أنهم ثبتوا على ما كانوا من قبل في زمن رسول الله  وفي حياته، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآيه وصحبه أجمعين.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

محمد رسول الله وصحابته الذين هم معه، أشدّاء على الكفار المحاربين، رحماء بينهم متعاطفون متوادُّون، تراهم -أيها الناظر- ركَّعًا سُجَّدا لله سبحانه، يطلبون من الله أن يتفضل عليهم بالمغفرة والثواب الكريم، وأن يرضى عنهم، علامتهم في وجوههم من آثار السجود ما يظهر من الهدي والسمت ونور الصلاة في وجوههم، ذلك وصفهم الذي وصفتهم به التوراة الكتاب المنزل على موسى  ، وأما مثلهم في الإنجيل الكتاب المنزل على عيسى  فهو أنهم في تعاونهم وكمالهم كزرع أخرج صغاره، فقوي فغلظ فاستوى على سيقانه، يعجب الزُّراع قوته وكماله؛ ليغيظ بهم الله الكفار لما يرونه فيهم من القوة والتماسك والكمال، وعد الله الذين آمنوا بالله، وعملوا الأعمال الصالحات من الصحابة مغفرة لذنوبهم، فلا يؤاخذون بها، وثوابًا عظيمًا من عنده وهو الجنة.

مزيد من التفاسير لسورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل