الآية ١٣ من سورة الحجرات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 49 الحجرات > الآية ١٣ من سورة الحجرات

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۭ ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 164 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة الحجرات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة الحجرات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا للناس أنه خلقهم من نفس واحدة ، وجعل منها زوجها ، وهما آدم وحواء ، وجعلهم شعوبا ، وهي أعم من القبائل ، وبعد القبائل مراتب أخر كالفصائل والعشائر والعمائر والأفخاذ وغير ذلك .

وقيل : المراد بالشعوب بطون العجم ، وبالقبائل بطون العرب ، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل .

وقد لخصت هذا في مقدمة مفردة جمعتها من كتاب : " الإنباه " لأبي عمر بن عبد البر ، ومن كتاب " القصد والأمم ، في معرفة أنساب العرب والعجم " .

فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء ، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية ، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ; ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضا ، منبها على تساويهم في البشرية : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) أي : ليحصل التعارف بينهم ، كل يرجع إلى قبيلته .

وقال مجاهد في قوله : ( لتعارفوا ) ، كما يقال : فلان بن فلان من كذا وكذا ، أي : من قبيلة كذا وكذا .

وقال سفيان الثوري : كانت حمير ينتسبون إلى مخاليفها ، وكانت عرب الحجاز ينتسبون إلى قبائلها .

وقد قال أبو عيسى الترمذي : حدثنا أحمد بن محمد ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن عبد الملك بن عيسى الثقفي ، عن يزيد - مولى المنبعث - عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ; فإن صلة الرحم محبة في الأهل ، مثراة في المال ، منسأة في الأثر " .

ثم قال : غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

وقوله : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) أي : إنما تتفاضلون عند الله بالتقوى لا بالأحساب .

وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قال البخاري رحمه الله : حدثنا محمد بن سلام ، حدثنا عبدة ، عن عبيد الله ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي الناس أكرم ؟

قال : " أكرمهم عند الله أتقاهم " قالوا : ليس عن هذا نسألك .

قال : " فأكرم الناس يوسف نبي الله ، ابن نبي الله ، ابن خليل الله " .

قالوا : ليس عن هذا نسألك .

قال : " فعن معادن العرب تسألوني ؟

" قالوا : نعم .

قال : " فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا " .

وقد رواه البخاري في غير موضع من طرق عن عبدة بن سليمان .

ورواه النسائي في التفسير من حديث عبيد الله - وهو ابن عمر العمري - به .

حديث آخر : قال مسلم ، رحمه الله : حدثنا عمرو الناقد ، حدثنا كثير بن هشام ، حدثنا جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " .

ورواه ابن ماجه عن أحمد بن سنان ، عن كثير بن هشام ، به .

حديث آخر : وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن أبي هلال ، عن بكر ، عن أبي ذر قال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : " انظر ، فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى .

تفرد به أحمد .

حديث آخر : وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا أبو عبيدة عبد الوارث بن إبراهيم العسكري ، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة ، حدثنا عبيد بن حنين الطائي ، سمعت محمد بن حبيب بن خراش العصري ، يحدث عن أبيه : أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : المسلمون إخوة ، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى " حديث آخر : قال أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا أحمد بن يحيى الكوفي ، حدثنا الحسن بن الحسين ، حدثنا قيس - يعني ابن الربيع - عن شبيب بن غرقدة ، عن المستظل بن حصين ، عن حذيفة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كلكم بنو آدم .

وآدم خلق من تراب ، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم ، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان " .

ثم قال : لا نعرفه عن حذيفة إلا من هذا الوجه .

حديث آخر : قال ابن أبي حاتم : حدثنا الربيع بن سليمان ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا يحيى بن زكريا القطان ، حدثنا موسى بن عبيدة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة على ناقته القصواء يستلم الأركان بمحجن في يده ، فما وجد لها مناخا في المسجد حتى نزل - صلى الله عليه وسلم - على أيدي الرجال ، فخرج بها إلى بطن المسيل فأنيخت .

ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبهم على راحلته ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال : " يا أيها الناس ، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعظمها بآبائها ، فالناس رجلان : رجل بر تقي كريم على الله ، وفاجر شقي هين على الله .

إن الله يقول : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) ثم قال : " أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم " .

هكذا رواه عبد بن حميد ، عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد ، عن موسى بن عبيدة ، به .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، حدثنا ابن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد ، عن علي بن رباح ، عن عقبة بن عامر ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد ، كلكم بنو آدم طف الصاع لم يملأه ، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى ، وكفى بالرجل أن يكون بذيا بخيلا فاحشا " .

وقد رواه ابن جرير ، عن يونس ، عن ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، به ولفظه : " الناس لآدم وحواء ، طف الصاع لم يملئوه ، إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم " .

وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أحمد بن عبد الملك ، حدثنا شريك ، عن سماك ، عن عبد الله بن عميرة زوج درة ابنة أبي لهب ، عن درة بنت أبي لهب قالت : قام رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر ، فقال : يا رسول الله ، أي الناس خير ؟

فقال - صلى الله عليه وسلم - : " خير الناس أقرؤهم ، وأتقاهم لله عز وجل ، وآمرهم بالمعروف ، وأنهاهم عن المنكر ، وأوصلهم للرحم " .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا أبو الأسود ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة قالت : ما أعجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء من الدنيا ، ولا أعجبه أحد قط ، إلا ذو تقى .

تفرد به أحمد رحمه الله .

وقوله : ( إن الله عليم خبير ) أي : عليم بكم ، خبير بأموركم ، فيهدي من يشاء ، ويضل من يشاء ، ويرحم من يشاء ، ويعذب من يشاء ، ويفضل من يشاء على من يشاء ، وهو الحكيم العليم الخبير في ذلك كله .

وقد استدل بهذه الآية الكريمة وهذه الأحاديث الشريفة ، من ذهب من العلماء إلى أن الكفاءة في النكاح لا تشترط ، ولا يشترط سوى الدين ، لقوله : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) وذهب الآخرون إلى أدلة أخرى مذكورة في كتب الفقه ، وقد ذكرنا طرفا من ذلك في " كتاب الأحكام " ولله الحمد والمنة .

وقد روى الطبراني عن عبد الرحمن أنه سمع رجلا من بني هاشم يقول : أنا أولى الناس برسول الله .

فقال : غيرك أولى به منك ، ولك منه نسبه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس إنا أنشأنا خلقكم من ماء ذكر من الرجال, وماء أنثى من النساء.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو هشام, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا عثمان بن الأسود, عن مجاهد, قال: خلق الله الولد من ماء الرجل وماء المرأة, وقد قال تبارك وتعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ).

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, قال: ثنا عثمان بن الأسود, عن مجاهد, قوله ( إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ) قال: ما خلق الله الولد إلا من نطفة الرجل والمرأة جميعا, لأن الله يقول ( خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ).

وقوله ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) يقول: وجعلناكم متناسبين, فبعضكم يناسب بعضا نسبا بعيدا, وبعضكم يناسب بعضا نسبا قريبًا; فالمناسب النسب البعيد من لم ينسبه أهل الشعوب, وذلك إذا قيل للرجل من العرب: من أيّ شعب أنت؟

قال: أنا من مضر, أو من ربيعة.

وأما أهل المناسبة القريبة أهل القبائل, وهم كتميم من مضر, وبكر من ربيعة, وأقرب القبائل الأفخاذ وهما كشيبان من بكر ودارم من تميم, ونحو ذلك, ومن الشَّعْب قول ابن أحمر الباهلي: مِـن شَـعْبِ هَمْدانَ أوْ سَعْدِ العَشِيرَة أوْ خَـوْلانَ أو مَذْحِـجٍ هَـاجُوا لَـهُ طَرَبا (1) وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا أبو بكر بن عياش, قال: ثنا أبو حُصين, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) قال: الشعوب: الجُمَّاع والقبائل: البطون.

حدثنا خلاد بن أسلم, قال: ثنا أبو بكر بن عياش, عن أبي حصين, عن سعيد بن جُبَير, عن ابن عباس, في قوله ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) قال: الشعوب: الجُمَّاع.

قال خلاد, قال أبو بكر: القبائل العظام, مثل بني تميم, والقبائل: الأفخاذ.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن عطية, قال: ثنا إسرائيل, عن أبي حصين, عن سعيد بن جُبَير ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) قال: الشعوب: الجمهور, والقبائل: الأفخاذ.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( شُعُوبًا ) قال: النسب البعيد.( وَقَبَائِلَ ) دون ذلك.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) قال: الشعوب: النسب البعيد, والقبائل كقوله: فلان من بني فلان, وفلان من بني فلان.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة.( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا ) قال: هو النسب البعيد.

قال: والقبائل: كما تسمعه يقال: فلان من بني فلان.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا ) قال: أما الشعوب: فالنسب البعيد.

وقال بعضهم: الشعوب: الأفخاذ.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي حصين, عن سعيد بن جُبير ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) قال: الشعوب: الأفخاذ, والقبائل: القبائل.

وقال آخرون: الشعوب: البطون, والقبائل: الأفخاذ.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يحيى بن طلحة, قال: ثنا أبو بكر بن عياش, عن أبي حصين, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) قال: الشعوب: البطون, والقبائل: الأفخاذ الكبار.

وقال آخرون: الشعوب: الأنساب.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثنى أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس : ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) قال: الشعوب: الأنساب.

وقوله ( لِتَعَارَفُوا ) يقول: ليعرف بعضكم بعضا في النسب, يقول تعالى ذكره: إنما جعلنا هذه الشعوب والقبائل لكم أيها الناس, ليعرف بعضكم بعضا في قرب القرابة منه وبعده, لا لفضيلة لكم في ذلك, وقُربة تقرّبكم إلى الله, بل أكرمكم عند الله أتقاكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ) قال: جعلنا هذا لتعارفوا, فلان بن فلان من كذا وكذا.

وقوله ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) يقول تعالى ذكره: إن أكرمكم أيها الناس عند ربكم, أشدّكم اتقاء له بأداء فرائضه واجتناب معاصيه, لا أعظمكم بيتا ولا أكثركم عشيرة.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثني ابن لهيعة, عن الحارث بن يزيد, عن عليّ بن رباح, عن عقبة بن عامر, عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " النَّاسُ لآدَمَ وَحَوَّاءَ كَطَفِّ الصَّاعِ لَمْ يَمْلأوهُ, إنَّ اللّهُ لا يسألُكُمْ عَنْ أحْسابِكُمْ وَلا عَنْ أنْسابِكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ, إن أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ".

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثني ابن لهيعة, عن الحارث بن يزيد, عن عليّ بن رباح, عن عقبة بن عامر, أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " إنَّ أنْسابَكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمَسابٍّ عَلى أحَدٍ, وإنَّمَا أنْتُمْ وَلَدُ آدَمَ طَفَّ الصَّاعِ لَمْ تَمْلأوهُ, لَيْسَ لأحَدٍ على أحَدٍ فضْلٌ إلا بِدينٍ أوْ عَمَلٍ صالِحٍ حَسْبُ الرَّجُل أنْ يَكُونَ فاحِشا بَذيًّا بَخِيلا جَبانا ".

حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن ابن جُرَيْج, قال: سمعت عطاء يقول: قال ابن عباس: " ثلاث آيات جحدهنّ الناس: الإذن كله, وقال : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) وقال الناس أكرمكم: أعظمكم بيتا; وقال عطاء: نسيت الثالثة ".

وقوله ( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) يقول تعالى ذكره: إن الله أيها الناس ذو علم بأتقاكم عند الله وأكرمكم عنده, ذو خبرة بكم وبمصالحكم, وغير ذلك من أموركم, لا تخفى عليه خافية.

-------------------------------------------------------------------------------- الهوامش: (1) البيت لابن أحمر الباهلي ، كما نسبه المؤلف .

والشاهد فيه كلمة " الشعب " ، وهو الفرع الكبير من الأصل ، يجمع عددا من القبائل ، كما أوضحه المؤلف .

وقال النويري في ( نهاية الأرب 2 : 284 ) الشعب : هو الذي يجمع القبائل ، وتتشعب منه .

وفي مجاز القرآن لأبي عبيد ( الورقة 225 - 1 ) : " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " : يقال : من أي شعب أنت ؟

فتقول : من مضر ، من ربيعة ، والقبائل دون ذلك .

قال ابن أحمر " من شعب همدان ...

البيت " .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير .فيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى يعني آدم وحواء .

ونزلت الآية في أبي هند ، ذكره أبو داود في ( المراسيل ) ، حدثنا عمرو بن عثمان وكثير بن عبيد قالا حدثنا بقية بن الوليد قال حدثني الزهري قال : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم ، فقالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نزوج بناتنا موالينا ؟

فأنزل الله - عز وجل - : إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا الآية .

قال الزهري : نزلت في أبي هند خاصة .

وقيل : إنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس .

وقوله في الرجل الذي لم يتفسح له : ابن فلانة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( من الذاكر فلانة ) ؟

قال ثابت : أنا يا رسول الله ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( انظر في وجوه القوم ) فنظر ، فقال : ( ما رأيت ) ؟

قال رأيت أبيض وأسود وأحمر ، فقال : ( فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى ) فنزلت في ثابت هذه الآية .

ونزلت في الرجل الذي لم يتفسح له : يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس الآية .

قال ابن عباس : لما كان يوم فتح مكة أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالا حتى علا على ظهر الكعبة فأذن ، فقال عتاب بن أسيد بن أبي [ ص: 309 ] العيص : الحمد لله الذي قبض أبي حتى لا يرى هذا اليوم .

قال الحارث بن هشام : ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا .

وقال سهيل بن عمرو : إن يرد الله شيئا يغيره .

وقال أبو سفيان : إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به رب السماء ، فأتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبره بما قالوا ، فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

زجرهم عن التفاخر بالأنساب ، والتكاثر بالأموال ، والازدراء بالفقراء ، فإن المدار على التقوى .

أي : الجميع من آدم وحواء ، إنما الفضل بالتقوى .

وفي الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب بمكة فقال : ( يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها .

فالناس رجلان : رجل بر تقي كريم على الله ، وفاجر شقي هين على الله .

والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب قال الله تعالى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) .

خرجه من حديث عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني وهو ضعيف ، ضعفه يحيى بن معين وغيره .

وقد خرج الطبري في كتاب ( آداب النفوس ) وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا إسماعيل قال حدثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة قال : حدثني أو حدثنا من شهد خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنى في وسط أيام التشريق وهو على بعير فقال : أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى ألا هل بلغت ؟

- قالوا نعم قال - ليبلغ الشاهد الغائب .

وفيه عن مالك الأشعري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا إلى أنسابكم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه وإنما أنتم بنو آدم وأحبكم إليه أتقاكم .

ولعلي - رضي الله عنه - في هذا المعنى وهو مشهور من شعره :الناس من جهة التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء نفس كنفس وأرواح مشاكلةوأعظم خلقت فيهم وأعضاء فإن يكن لهم من أصلهم حسبيفاخرون به فالطين والماء ما الفضل إلا لأهل العلم إنهمعلى الهدى لمن استهدى أدلاء [ ص: 310 ] وقدر كل امرئ ما كان يحسنهوللرجال على الأفعال سيماء وضد كل امرئ ما كان يجهلهوالجاهلون لأهل العلم أعداءالثانية : بين الله تعالى في هذه الآية أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى ، وكذلك في أول سورة ( النساء ) ولو شاء لخلقه دونهما كخلقه لآدم ، أو دون ذكر كخلقه لعيسى - عليه السلام - ، أو دون أنثى كخلقه حواء من إحدى الجهتين .

وهذا الجائز في القدرة لم يرد به الوجود .

وقد جاء أن آدم خلق الله منه حواء من ضلع انتزعها من أضلاعه ، فلعله هذا القسم ، قاله ابن العربي .الثالثة : خلق الله الخلق بين الذكر والأنثى أنسابا وأصهارا وقبائل وشعوبا ، وخلق لهم منها التعارف ، وجعل لهم بها التواصل للحكمة التي قدرها وهو أعلم بها ، فصار كل أحد يحوز نسبه ، فإذا نفاه رجل عنه استوجب الحد بقذفه ، مثل أن ينفيه عن رهطه وحسبه ، بقوله للعربي : يا عجمي ، وللعجمي : يا عربي ، ونحو ذلك مما يقع به النفي حقيقة .

انتهى .الرابعة : ذهب قوم من الأوائل إلى أن الجنين إنما يكون من ماء الرجل وحده ، ويتربى في رحم الأم ، ويستمد من الدم الذي يكون فيه .

واحتجوا بقوله تعالى : ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين .

وقوله تعالى : ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين .

وقوله : ألم يك نطفة من مني يمنى فدل على أن الخلق من ماء واحد .

والصحيح أن الخلق إنما يكون من ماء الرجل والمرأة لهذه الآية ، فإنها نص لا يحتمل التأويل .

وقوله تعالى : خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب والمراد منه أصلاب الرجال وترائب النساء ، على ما يأتي بيانه .

وأما ما احتجوا به فليس فيه أكثر من أن الله تعالى ذكر خلق الإنسان من الماء والسلالة والنطفة ولم يضفها إلى أحد الأبوين دون الآخر .

فدل على أن الماء والسلالة لهما والنطفة منهما بدلالة ما ذكرنا .

وبأن المرأة تمني كما يمني الرجل ، وعن ذلك يكون الشبه ، حسب ما تقدم بيانه في آخر ( الشورى ) وقد قال في قصة نوح : فالتقى الماء على أمر قد قدر وإنما أراد ماء السماء وماء الأرض ; لأن الالتقاء لا يكون إلا من اثنين ، فلا ينكر أن يكون ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين وقوله تعالى : ألم نخلقكم من ماء مهين ويريد ماءين .

والله أعلم .[ ص: 311 ] الخامسة : قوله تعالى : وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا الشعوب : رءوس القبائل ، مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج ، واحدها شعب بفتح الشين ، سموا به لتشعبهم واجتماعهم كشعب أغصان الشجرة .

والشعب من الأضداد ، يقال شعبته إذا جمعته ، ومنه المشعب ( بكسر الميم ) وهو الإشفى ; لأنه يجمع به ويشعب .

قال :فكاب على حر الجبين ومتق بمدرية كأنه ذلق مشعبوشعبته إذا فرقته ، ومنه سميت المنية شعوبا لأنها مفرقة .

فأما الشعب ( بالكسر ) فهو الطريق في الجبل ، والجمع الشعاب .

قال الجوهري : الشعب : ما تشعب من قبائل العرب والعجم ، والجمع الشعوب .

والشعوبية : فرقة لا تفضل العرب على العجم .

وأما الذي في الحديث : أن رجلا من الشعوب أسلم ، فإنه يعني من العجم .

والشعب : القبيلة العظيمة ، وهو أبو القبائل الذي ينسبون إليه ، أي : يجمعهم ويضمهم .

قال ابن عباس : الشعوب الجمهور ، مثل مضر .

والقبائل : الأفخاذ .

وقال مجاهد : الشعوب البعيد من النسب ، والقبائل دون ذلك .

وعنه أيضا أن الشعوب النسب الأقرب .

وقاله قتادة .

ذكر الأول عنه المهدوي ، والثاني الماوردي .

قال الشاعر [ طرفة بن العبد ] :رأيت سعودا من شعوب كثيرة فلم أر سعدا مثل سعد بن مالكوقال آخر :قبائل من شعوب ليس فيهم كريم قد يعد ولا نجيبوقيل : إن الشعوب عرب اليمن من قحطان ، والقبائل من ربيعة ومضر وسائر عدنان .

وقيل : إن الشعوب بطون العجم ، والقبائل بطون العرب .

وقال ابن عباس في رواية : إن الشعوب الموالي ، والقبائل العرب .

قال القشيري : وعلى هذا فالشعوب من لا يعرف لهم أصل نسب كالهند والجبل والترك ، والقبائل من العرب .

الماوردي : ويحتمل أن الشعوب هم المضافون إلى النواحي والشعاب ، والقبائل هم المشتركون في الأنساب .

قال الشاعر :[ ص: 312 ]وتفرقوا شعبا فكل جزيرة فيها أمير المؤمنين ومنبروحكى أبو عبيد عن ابن الكلبي عن أبيه : الشعب أكبر من القبيلة ثم الفصيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ .

وقيل : الشعب ثم القبيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة ثم العشيرة ، وقد نظمها بعض الأدباء فقال :اقصد الشعب فهو أكثر حي عددا في الحواء ثم القبيلهثم تتلوها العمارة ثم ال بطن والفخذ بعدها والفصيلهثم من بعدها العشيرة لكن هي في جنب ما ذكرناه قليلهوقال آخر :قبيلة قبلها شعب وبعدهما عمارة ثم بطن تلوه فخذوليس يؤوي الفتى إلا فصيلته ولا سداد لسهم ما له قذذالسادسة : قوله تعالى : لتعارفوا إن أكرمكم عند الله وقد تقدم في سورة ( الزخرف ) عند قوله تعالى : وإنه لذكر لك ولقومك .

وفي هذه الآية ما يدلك على أن التقوى هي المراعى عند الله تعالى وعند رسوله دون الحسب والنسب .

وقرئ ( أن ) بالفتح .

كأنه قيل : لم يتفاخر بالأنساب ؟

قيل : لأن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم .

وفي الترمذي عن سمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الحسب المال والكرم التقوى ) .

قال : هذا حديث حسن غريب صحيح .

وذلك يرجع إلى قوله تعالى : إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، وقد جاء منصوصا عنه - عليه السلام - : ( من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله ) .والتقوى معناه مراعاة حدود الله تعالى أمرا ونهيا ، والاتصاف بما أمرك أن تتصف به ، والتنزه عما نهاك عنه .

وقد مضى هذا في غير موضع .وفي الخبر من رواية أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله تعالى يقول يوم القيامة إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا فجعلت أكرمكم أتقاكم وأبيتم إلا أن تقولوا فلان ابن فلان وأنا اليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم ، أين المتقون ؟

أين المتقون ؟

) .

وروى الطبري من حديث أبي هريرة [ ص: 313 ] أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن أوليائي المتقون يوم القيامة وإن كان نسب أقرب من نسب .

يأتي الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون يا محمد فأقول هكذا وهكذا ) .

وأعرض في كل عطفيه .وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جهارا غير سر يقول : ( إن آل أبي ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين ) .

وعن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل : من أكرم الناس ؟

فقال : ( يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ) قالوا : ليس عن هذا نسألك ، قال : ( فأكرمهم عند الله أتقاهم ) فقالوا : ليس عن هذا نسألك ، فقال : ( عن معادن العرب ؟

خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ) وأنشدوا في ذلك :ما يصنع العبد بعز الغنى والعز كل العز للمتقيمن عرف الله فلم تغنه معرفة الله فذاك الشقيالسابعة : ذكر الطبري حدثني عمر بن محمد قال حدثنا عبيد بن إسحاق العطار قال حدثنا مندل بن علي عن ثور بن يزيد عن سالم بن أبي الجعد قال : تزوج رجل من الأنصار امرأة فطعن عليها في حسبها ، فقال الرجل : إني لم أتزوجها لحسبها إنما تزوجتها لدينها وخلقها ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ما يضرك ألا تكون من آل حاجب بن زرارة ) .

ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله تبارك وتعالى جاء بالإسلام فرفع به الخسيسة وأتم به الناقصة وأذهب به اللوم فلا لوم على مسلم إنما اللوم لوم الجاهلية ) .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي ولذلك كان أكرم البشر على الله تعالى .قال ابن العربي : وهذا الذي لحظ مالك في الكفاءة في النكاح .

روى عبد الله عن مالك : يتزوج المولى العربية ، واحتج بهذه الآية .

وقال أبو حنيفة والشافعي : يراعى الحسب والمال .

وفي الصحيح عن عائشة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة - وكان ممن شهد بدرا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - تبنى سالما وأنكحه هندا بنت أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة ، وهو مولى لامرأة من الأنصار .

وضباعة بنت الزبير كانت تحت المقداد بن الأسود .قلت : وأخت عبد الرحمن بن عوف كانت تحت بلال .

وزينب بنت جحش كانت [ ص: 314 ] تحت زيد بن حارثة .

فدل على جواز نكاح الموالي العربية ، وإنما تراعى الكفاءة في الدين .

والدليل عليه أيضا ما روى سهل بن سعد في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر عليه رجل فقال : ( ما تقولون في هذا ) ؟

فقالوا : حري إن خطب أن ينكح ، وإن شفع أن يشفع وإن قال أن يسمع .

قال : ثم سكت ، فمر رجل من فقراء المسلمين فقال : ( ما تقولون في هذا ؟

) قالوا : حري إن خطب ألا ينكح ، وإن شفع ألا يشفع ، وإن قال ألا يسمع .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هذا خير من ملء الأرض مثل هذا ) .

وقال - صلى الله عليه وسلم - : تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها - وفي رواية - ولحسبها فعليك بذات الدين تربت يداك .وقد خطب سلمان إلى أبي بكر ابنته فأجابه ، وخطب إلى عمر ابنته فالتوى عليه ، ثم سأله أن ينكحها فلم يفعل سلمان .

وخطب بلال بنت البكير فأبى إخوتها ، قال بلال : يا رسول الله ، ماذا لقيت من بني البكير !

خطبت إليهم أختهم فمنعوني وآذوني ، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أجل بلال ، فبلغهم الخبر فأتوا أختهم فقالوا : ماذا لقينا من سببك ؟

فقالت أختهم : أمري بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فزوجوها .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في أبي هند حين حجمه : ( أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه ) .

وهو مولى بني بياضة .وروى الدارقطني من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن أبا هند مولى بني بياضة كان حجاما فحجم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( من سره أن ينظر إلى من صور الله الإيمان في قلبه فلينظر إلى أبي هند ) .

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أنكحوه وأنكحوا إليه ) .

قال القشيري أبو نصر : وقد يعتبر النسب في الكفاءة في النكاح وهو الاتصال بشجرة النبوة أو بالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، أو بالمرموقين في الزهد والصلاح .

والتقي المؤمن أفضل من الفاجر النسيب ، فإن كانا تقيين فحينئذ يقدم النسيب منهما ، كما تقدم الشاب على الشيخ في الصلاة إذا استويا في التقوى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه خلق بني آدم، من أصل واحد، وجنس واحد، وكلهم من ذكر وأنثى، ويرجعون جميعهم إلى آدم وحواء، ولكن الله تعالى بث منهما رجالاً كثيرا ونساء، وفرقهم، وجعلهم شعوبًا وقبائل أي: قبائل صغارًا وكبارًا، وذلك لأجل أن يتعارفوا، فإنهم لو استقل كل واحد منهم بنفسه، لم يحصل بذلك، التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون، والتوارث، والقيام بحقوق الأقارب، ولكن الله جعلهم شعوبًا وقبائل، لأجل أن تحصل هذه الأمور وغيرها، مما يتوقف على التعارف، ولحوق الأنساب، ولكن الكرم بالتقوى، فأكرمهم عند الله، أتقاهم، وهو أكثرهم طاعة وانكفافًا عن المعاصي، لا أكثرهم قرابة وقومًا، ولا أشرفهم نسبًا، ولكن الله تعالى عليم خبير، يعلم من يقوم منهم بتقوى الله، ظاهرًا وباطنًا، ممن يقوم بذلك، ظاهرًا لا باطنًا، فيجازي كلا، بما يستحق.وفي هذه الآية دليل على أن معرفة الأنساب، مطلوبة مشروعة، لأن الله جعلهم شعوبًا وقبائل، لأجل ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ) الآية .

قال ابن عباس : نزلت في ثابت بن قيس ، وقوله للرجل الذي لم يفسح له : ابن فلانة ، يعيره بأمه ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من الذاكر فلانة ؟

فقال ثابت : أنا يا رسول الله ، فقال : انظر في وجوه القوم فنظر فقال : ما رأيت يا ثابت ؟

قال : رأيت أبيض وأحمر وأسود ، قال : فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى ، فنزلت في ثابت هذه الآية ، وفي الذي لم يتفسح : " يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا " ( المجادلة - 11 ) .

وقال مقاتل : لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالا حتى علا ظهر الكعبة وأذن ، فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص : الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم ، وقال الحارث بن هشام : أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا ، وقال سهيل بن عمرو : إن يرد الله شيئا يغيره .

وقال أبو سفيان : إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به رب السماء ، فأتى جبريل فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما قالوا ، فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا فأنزل الله تعالى هذه الآية وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والإزراء بالفقراء فقال : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ) يعني آدم وحواء أي إنكم متساوون في النسب .

( وجعلناكم شعوبا ) جمع شعب بفتح الشين ، وهي رءوس القبائل مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج ، سموا شعوبا لتشعبهم واجتماعهم ، كشعب أغصان الشجر ، والشعب من الأضداد يقال : شعب ، أي : جمع ، وشعب أي : فرق .

( وقبائل ) وهي دون الشعوب ، واحدتها قبيلة وهي كبكر من ربيعة وتميم من مضر ، ودون القبائل العمائر ، واحدتها عمارة ، بفتح العين ، وهم كشيبان من بكر ، ودارم من تميم ، ودون العمائر البطون ، واحدتها بطن ، وهم كبني غالب ولؤي من قريش ودون البطون الأفخاذ واحدتها فخذ ، وهم كبني هاشم وأمية من بني لؤي ، ثم الفصائل والعشائر واحدتها فصيلة وعشيرة ، وليس بعد العشيرة حي يوصف به .

وقيل : الشعوب من العجم ، والقبائل من العرب ، والأسباط من بني إسرائيل .

وقال أبو روق : " الشعوب " الذين لا يعتزون إلى أحد ، بل ينتسبون إلى المدائن والقرى ، " والقبائل " : العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم .

( لتعارفوا ) ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده ، لا ليتفاخروا .

ثم أخبر أن أرفعهم منزلة عند الله أتقاهم فقال : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) قال قتادة في هذه الآية : إن أكرم الكرم التقوى ، وألأم اللؤم الفجور .

أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه ، أخبرنا إبراهيم بن خزيم الشاشي ، حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا سلام بن أبي مطيع ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الحسب المال ، والكرم التقوى " .

وقال ابن عباس : كرم الدنيا الغنى ، وكرم الآخرة التقوى .

أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم ، أنا عبد الله بن أحمد بن حمويه ، أخبرنا إبراهيم بن خزيم ، حدثنا عبد بن حميد ، أخبرنا الضحاك بن مخلد ، عن موسى بن عبيدة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه ، فلما خرج لم يجد مناخا ، فنزل على أيدي الرجال ، ثم قام فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : " الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها [ بآبائها ] ، الناس رجلان بر تقي كريم على الله ، وفاجر شقي هين على الله ثم تلا " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " ، ثم قال : أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد هو ابن سلام حدثنا عبدة عن عبيد الله ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي الناس أكرم ؟

قال : أكرمهم عند الله أتقاهم ، قالوا : ليس عن هذا نسألك ، قال : فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله .

قالوا : ليس عن هذا نسألك ، قال : فعن معادن العرب تسألوني ؟

قالوا : نعم ، قال : " فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا " .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا عمرو الناقد ، حدثنا كثير بن هشام ، حدثنا جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى» آدم وحواء «وجعلناكم شعوبا» جمع شعب بفتح الشين هو أعلى طبقات النسب «وقبائل» هي دون الشعوب وبعدها العمائر ثم البطون ثم الأفخاذ ثم الفصائل آخرها، مثاله خزيمة: شعب، كنانة: قبيلة، قريش: عمارة بكسر العين، قُصي: بطن، هاشم: فخذ، العباس: فصيلة «لتعارفوا» حذف منه إحدى التاءين ليعرف بعضكم بعضا لا لتفاخروا بعلو النسب وإنما الفخر بالتقوى «إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم» بكم «خبير» ببواطنكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من أب واحد هو آدم، وأُم واحدة هي حواء، فلا تفاضل بينكم في النسب، وجعلناكم بالتناسل شعوبًا وقبائل متعددة؛ ليعرف بعضكم بعضًا، إن أكرمكم عند الله أشدكم اتقاءً له.

إن الله عليم بالمتقين، خبير بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذه النداءات الخمسة للمؤمنين ، التى اشتملت على الآداب النفسية والاجتماعية .

.

وجه - سبحانه - نداء إلى الناس جميعا ، ذكرهم فيه بأصلهم وبميزان قبولهم عنده ، فقال - سبحانه - : ( ياأيها الناس .

.

.

) .وقد ورد فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر بنى بياضة أن يزوجوا امرأة منهم لأبى عند - وكان حجاما للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا رسول الله ، نزوج بناتنا - موالينا - أى : عبيدنا ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية .والمراد بالذكر والأنثى : آدم وحواء .

أى : خلقناكم من أب واحد ومن أم واحدة ، فأنتم جميعا تنتسبون إلى اصل واحد ، ويجمعكم وعاء واحد ، وما داما لأمر كذلك فلا وجه للتفاخر بالحساب والأنساب .قال الآلوسى : أى خلقناكم من آدم وحواء ، فالكل سواء فى ذلك ، فلا وجه للتفاخر بالنسب ، كما قال الشاعر :الناس فى عالم التمثيل أكفاء ...

أبوهم آدم والأم حواء .وجوز أن يكون المراد هنا : إنا خلقنا كل واحد منكم من أب وأم ، ويبعده عدم ظهور ترتب ذم التفاخر بالنسب عليه ، والكلام مساق له .

.وقوله : ( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لتعارفوا ) بيان لما ترتب على خلقهم على تلك الصورة ، وللحكمة من ذلك .والشعوب : جمع شعب ، وهو العدد الكثير من الناس يجمعهم - فى الغالب أصل واحد .والقبائل : جمع قبيلة وتمثل جزاء من الشعب ، إذ أن الشعب مجموعة من القبائل .قال صاحب الكشاف : والشعب الطبقة من الطبقات الست التى علها العرب .وهى : الشعب ، والقبيلة ، والعمارة ، والبطن ، والفخذ ، والفصيلة .

.

وسميت الشعوب بذلك ، لأن قبائل تشعبت منها .

.والمعنى : خلقناكم - أيها الناس - من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوبا وقبائل ( لتعارفوا ) أى : ليعرف بعضكم نسب بعض ، فينتسب كل فرد إلى آياته ، ولتتواصلوا فيما بينكم وتتعاونوا على البر والتقوى ، لا ليتفاخر بعضكم على بعض بحسبه أو نسبه أو جاهه .وقوله - سبحانه - ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ ) تعليل لما بدل ------------ النهى عن التفاخر بالأنساب .أى : إن أرفعكم منزلة عند الله ، وأعلاكم عنده - سبحانه - درجة .

.

هو أكثرهم تقوى وخشية منه - تعالى - فإنه أردتم الفخر ففاخروا بالتقوى وبالعمل الصالح .( إِنَّ الله عَلِيمٌ ) بكل أحوالكم ( خَبِيرٌ ) بما ترونه وتعلنونه من أقوال وأفعال .وقد ساق الإِمام ابن كثير - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية .

جملة من الأحاديث التى تنهى عن التفاخر ، وتحض على التقوى ، فقال : فجميع الناس فى الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء ، وإنما يتفاضلون بالأمر الدينية ، وهى طاعة الله ورسوله .

.روى البخارى - بسدنه - عن أبى هريرة قال : " سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أى الناس كرم؟

قال : " أكرمهم اتقاهم قالوا : ليس عن هذا نسألك قال : فأكرم الناس يوسف نبى لله ، ابن خليل الله ، قالوا : ليس عن هذا نسألك .

قال : فعن معادن العرب تسألونى؟

قالوا : نعم .

قال : فخياركم فى الجاهلية خياركم فى الإِسلام إذا فقهوا " " .وروى مسلم عن أبى هريرة قال : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله لا ينظر إلى صوركم موالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " .وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس يوم فتح مكة قال : " يأيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عُبَيَّةَ الجاهلية - أى تكبرها ، وتعظمها بآبائها ، الناس رجلان ، رجل يرتقى كريم على الله ، وفاجر شقى هين على الله .

إن الله - تعالى - يقول : ( ياأيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى .

.

) ثم قال : " أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم " " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

تبييناً لما تقدم وتقريراً له، وذلك لأن السخرية من الغير والعيب إن كان بسبب التفاوت في الدين والإيمان، فهو جائز لما بينا أن قوله: ﴿ لا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً  ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ  ﴾ منع من عيب المؤمن وغيبته، وإن لم يكن لذلك السبب فلا يجوز، لأن الناس بعمومهم كفاراً كانوا أو مؤمنين يشتركون فيما يفتخر به المفتخر غير الإيمان والكفر، والافتخار إن كان بسبب الغنى، فالكافر قد يكون غنياً، والمؤمن فقيراً وبالعكس، وإن كان بسبب النسب، فالكافر قد يكون نسيباً، والمؤمن قد يكون عبداً أسود وبالعكس، فالناس فيما ليس من الدين والتقوى متساوون متقاربون، وشيء من ذلك لا يؤثر مع عدم التقوى، فإن كل من يتدين بدين يعرف أن من يوافقه في دينه أشرف ممن يخالفه فيه، وإن كان أرفع نسباً أو أكثر نشباً، فكيف من له الدين الحق وهو فيه راسخ، وكيف يرجح عليه من دونه فيه بسبب غيره، وقوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من آدم وحواء ثانيهما: كل واحد منكم أيها الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم، فإن قلنا إن المراد هو الأول، فذلك إشارة إلى أن لا يتفاخر البعض على البعض لكونهم أبناء رجل واحد، وامرأة واحدة، وإن قلنا إن المراد هو الثاني، فذلك إشارة إلى أن الجنس واحد، فإن كل واحد خلق كما خلق الآخر من أب وأم، والتفاوت في الجنس دون التفاوت في الجنسين، فإن من سنن التفاوت أن لا يكون تقدير التفاوت بين الذباب والذئاب، لكن التفاوت الذي بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين، لأن الكافر جماد إذ هو كالأنعام، بل أضل، والمؤمن إنسان في المعنى الذي ينبغي أن يكون فيه، والتفاوت في الإنسان تفاوت في الحس لا في الجنس إذ كلهم من ذكر وأنثى، فلا يبقى لذلك عند هذ اعتبار، وفيه مباحث: البحث الأول: فإن قيل هذا مبني على عدم اعتبار النسب، وليس كذلك فإن للنسب اعتباراً عرفاً وشرعاً، حتى لا يجوز تزويج الشريفة بالنبطي، فنقول إذا جاء الأمر العظيم لا يبقى الأمر الحقير معتبراً، وذلك في الحس والشرع والعرف، أما الحس فلأن الكواكب لا ترى عند طلوع الشمس، ولجناح الذباب دوي ولا يسمع عندما يكون رعد قوي، وأما في العرف، فلأن من جاء مع الملك لا يبقى له اعتبار ولا إليه التفات، إذا علمت هذا فيهما ففي الشرع كذلك، إذا جاء الشرف الديني الإلهي، لا يبقى الأمر هناك اعتبار، لا لنسب ولا لنشب، ألا ترى أن الكافر وإن كان من أعلى الناس نسباً، والمؤمن وإن كان من أدونهم نسباً، لا يقاس أحدهما بالآخر، وكذلك ما هو من الدين مع غيره، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً صالحاً، ولا يصلح لشيء منها فاسق، وإن كان قرشي النسب، وقاروني النشب، ولكن إذا اجتمع في اثنين الدين المتين، وأحدهما نسيب ترجح بالنسب عند الناس لا عند الله لأن الله تعالى يقول: ﴿ وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى  ﴾ وشرف النسب ليس مكتسباً ولا يحصل بسعي.

البحث الثاني: ما الحكمة في اختيار النسب من جملة أسباب التفاخر، ولم يذكر المال؟

نقول الأمور التي يفتخر بها في الدنيا وإن كانت كثيرة لكن النسب أعلاها، لأن المال قد يحصل للفقير فيبطل افتخار المفتخر به، والحسن والسن، وغير ذلك غير ثابت دائم، والنسب ثابت مستمر غير مقدور التحصيل لمن ليس له فاختاره الله للذكر وأبطل اعتباره بالنسبة إلى التقوى ليعلم منه بطلان غيره بالطريق الأولى.

البحث الثالث: إذا كان ورود الآية لبيان عدم جواز الافتخار بغير التقوى فهل لقوله تعالى: ﴿ إِنَّا خلقناكم ﴾ فائدة؟

نقول نعم، وذلك لأن كل شيء يترجح على غيره، فإما أن يترجح بأمر فيه يلحقه، ويترتب عليه بعد وجوده، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله، والذي بعده كالحسن والقوة وغيرهما من الأوصاف المطلوبة من ذلك الشيء، والذي قبله فإما راجع إلى الأصل الذي منه وجد، أو إلى الفاعل الذي هو له أوجد، كم يقال في إناءين هذا من النحاس وهذا من الفضة، ويقال هذا عمل فلان، وهذا عمل فلان، فقال تعالى لا ترجيح فيما خلقتم منه لأنكم كلكم من ذكر وأنثى، ولا بالنظر إلى جاعلين لأنكم كلكم خلقكم الله، فإن كان بينكم تفاوت يكون بأمور تلحقكم وتحصل بعد وجودكم وأشرفها التقوى والقرب من الله تعالى.

ثم قال تعالى: ﴿ وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَائِلَ ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: ﴿ جعلناكم شُعُوباً ﴾ متفرقة لا يدري من يجمعكم كالعجم، وقبائل يجمعكم واحد معلوم كالعرب وبني إسرائيل وثانيهما: ﴿ جعلناكم شُعُوباً ﴾ داخلين في قبائل، فإن القبيلة تحتها الشعوب، وتحت الشعوب البطون وتحت البطون الأفخاذ، وتحت الأفخاذ الفصائل، وتحت الفصائل الأقارب، وذكر الأعم لأنه أذهب للافتخار، لأن لأمر الأعم منها يدخله فقراء وأغنياء كثيرة غير محصورة، وضعفاء وأقوياء كثيرة غير معدودة، ثم بيّن فائدة ذلك وهي التعارف وفيه وجهان: أحدهما: أن فائدة ذلك التناصر لا التفاخر وثانيهما: أن فائدته التعارف لا التناكر، واللمز والسخرية والغيبة تفضي إلى التناكر لا إلى التعارف وفيه معان لطيفة الأولى: قال تعالى: ﴿ إِنَّا خلقناكم ﴾ وقال: ﴿ وجعلناكم ﴾ لأن الخلق أصل تفرع عليه الجعل ﴿ شُعُوباً ﴾ فإن الأول هو الخلق والإيجاد، ثم الاتصاف بما اتصفوا به، لكن الجعل شعوباً للتعارف والخلق للعبادة كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ واعتبار الأصل متقدم على اعتبار الفرع، فاعلم أن النسب يعتبر بعد اعتبار العبادة كما أن الجعل شعوباً يتحقق بعد ما يتحقق الخلق، فإن كان فيكم عبادة تعتبر فيكم أنسابكم وإلا فلا الثانية: قوله تعالى: ﴿ خلقناكم وجعلناكم ﴾ إشارة إلى عدم جواز الافتخار لأن ذلك ليس لسعيكم ولا قدرة لكم على شيء من ذلك، فكيف تفتخرون بما لا مدخل لكم فيه؟

فإن قيل الهداية والضلال كذلك لقوله تعالى: ﴿ إِنَّا هديناه السبيل  ﴾ ﴿ نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء  ﴾ فنقول أثبت الله لنا فيه كسباً مبنياً على فعل، كم قال الله تعالى: ﴿ فَمَن شَاء اتخذ إلى رَبّهِ سَبِيلاً  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ وأما في النسب فلا الثالثة: قوله تعالى: ﴿ لتعارفوا ﴾ إشارة إلى قياس خفي، وبيانه هو أنه تعالى قال: إنكم جعلتم قبائل لتعارفوا وأنتم إذا كنتم أقرب إلى شريف تفتخرون به فخلقكم لتعرفوا ربكم، فإذا كنتم أقرب منه وهو أشرف الموجودات كان الأحق بالافتخار هناك من الكل الافتخار بذلك الرابعة: فيه إرشاد إلى برهان يدل على أن الافتخار ليس بالأنساب، وذلك لأن القبائل للتعارف بسبب الانتساب إلى شخص فإن كان ذلك الشخص شريفاً صح الافتخار في ظنكم، وإن لم يكن شريفاً لم يصح، فشرف ذلك الرجل الذي تفتخرون به هو بانتسابه إلى فصيلة أو باكتساب فضيلة، فإن كان بالانتساب لزم الانتهاء، وإن كان بالاكتساب فالدين الفقيه الكريم المحسن صار مثل من يفتخر به المفتخر، فكيف يفتخر بالأب وأب الأب على من حصل له من الحظ والخير ما فضل به نفسه عن ذلك الأب والجد؟

اللّهم إلا أن يجوز شرف الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أحداً لا يقرب من الرسول في الفضيلة حتى يقول أنا مثل أبيك، ولكن في هذا النسب أثبت النبي صلى الله عليه وسلم الشرف لمن انتسب إليه بالاكتساب، ونفاه لمن أراد الشرف بالانتساب، فقال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث وقال: العلماء ورثة الأنبياء أي لا نورث بالانتساب، وإنما نورث بالاكتساب، سمعت أن بعض الشرفاء في بلاد خراسان كان في النسب أقرب الناس إلى علي عليه السلام غير أنه كان فاسقاً، وكان هناك مولى أسود تقدم بالعلم والعمل، ومال الناس إلى التبرك به فاتفق أنه خرج يوماً من بيته يقصد المسجد، فأتبعه خلق فلقيه الشريف سكران، وكان الناس يطردون الشريف ويبعدونه عن طريقه، فغلبهم وتعلق بأطراف الشيخ وقال له: يا أسود الحوافر والشوافر، يا كافر ابن كافر، أنا ابن رسول الله، أذل وتجل!

وأذم وتكرم!

وأهان وتعان!

فهم الناس بضربه فقال الشيخ: لا هذا محتمل منه لجده، وضربه معدود لحده، ولكن يا أيها الشريف بيضت باطني وسودت باطنك، فيرى الناس بياض قلبي فوق سواد وجهي فحسنت، وأخذت سيرة أبيك وأخذت سيرة أبي، فرآني الخلق في سيرة أبيك ورأوك في سيرة أبي فظنوني ابن أبيك وظنوك ابن أبي، فعملوا معك ما يعمل مع أبي، وعملوا معي ما يعمل مع أبيك!

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أن المراد من يكون أتقى يكون عند الله أكرم أي التقوى تفيد الإكرام ثانيهما: أن المراد أن من يكون أكرم عند الله يكون أتقى أي الإكرام يورث التقوى كما يقال: المخلصون على خطر عظيم، والأول أشهر والثاني أظهر لأن المذكور ثانياً ينبغي أن يكون محمولاً على المذكور أولاً في الظاهر فيقال الإكرام للتقي، لكن ذوا العموم في المشهور هو الأول، يقال ألذ الأطعمة أحلاها أي اللذة بقدر الحلاوة لا أن الحلاوة بقدر اللذة، وهي إثبات لكون التقوى متقدمة على كل فضيلة، فإن قيل التقوى من الأعمال والعلم أشرف، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد» نقول التقوى ثمرة العلم قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء  ﴾ فلا تقوى إلا للعالم فالمتقي العالم أتم علمه، والعالم الذي لا يتقي كشجرة لا ثمرة لها، لكن الشجرة المثمرة أشرف من الشجرة التي لا تثمر بل هو حطب، وكذلك العالم الذي لا يتقي حصب جهنم، وأما العابد الذي يفضل الله عليه الفقيه فهو الذي لا علم له، وحينئذ لا يكون عنده من خشية الله نصاب كامل، ولعله يعبده مخافة الإلقاء في النار، فهو كالمكره، أو لدخول الجنة، فهو يعمل كالفاعل له أجرة ويرجع إلى بيته، والمتقي هو العالم بالله، المواظب لبابه، أي المقرب إلى جنابه عنده يبيت.

وفيه مباحث: البحث الأول: الخطاب مع الناس والأكرم يقتضي اشتراك الكل في الكرامة ولا كرامة للكافر، فإنه أضل من الأنعام وأذل من الهوام.

نقول ذلك غير لازم مع أنه حاصل بدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءادَمَ  ﴾ لأن كل من خلق فقد اعترف بربه، كأنه تعالى قال من استمر عليه لو زاد زيد في كرامته، ومن رجع عنه أزيل عنه أثر الكرامة الثاني: ما حد التقوى ومن الأتقى؟

تقول أدنى مراتب التقوى أن يجتنب العبد المناهي ويأتي بالأوامر ولا يقر ولا يأمن إلا عندهما فإن اتفق أن ارتكب منهياً لا يأمن ولا يتكل له بل يتبعه بحسنة ويظهر عليه ندامة وتوبة، ومتى ارتكب منهياً وما تاب في الحال واتكل على المهلة في الأجل ومنعه عن التذاكر طول الأمل فليس بمتق، أما الأتقى فهو الذي يأتي بما أمر به ويترك ما نهى عنه، وهو مع ذلك خاش ربه لا يشتغل بغير الله، فينور الله قلبه، فإن التفت لحظة إلى نفسه أو ولده جعل ذلك ذنبه، وللأولين النجاة لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ نُنَجّي الذين اتقوا  ﴾ وللآخرين السوق إلى الجنة لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم ﴾ فبين من أعطاه السلطان بستاناً وأسكنه فيه، وبين من استخلصه لنفسه يستفيد كل يوم بسبب القرب من بساتين وضياعاً بون عظيم.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله عَلَيمٌ خَبِيرٌ ﴾ أي عليم بظواهركم، يعلم أنسابكم خبير ببواطنكم لا تخفى عليه أسراركم، فاجعلوا التقوى عملكم وزيدوا في التقوى كما زادكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مّن ذَكَرٍ وأنثى ﴾ من آدم وحوّاء.

وقيل: خلقنا كل واحد منكم من أب وأمّ، فما منكم أحد إلا وهو يدلي بمثل ما يدلى به الآخر سواء بسواء، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب.

والشعب: الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب، وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة؛ فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل: خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصى بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة، وسميت الشعوب؛ لأنّ القبائل تشعبت منها.

وقرئ: ﴿ لتتعارفوا ﴾ ولتعارفوا بالإدغام.

ولتعرفوا، أي لتعلموا كيف تتناسبون.

ولتتعرفوا.

والمعنى: أن الحكمة التي من أجلها رتبكم على شعوب وقبائل هي أن يعرف بعضكم نسب بعض.

فلا يعتزى إلى غير آبائه، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد، وتدعوا التفاوت والتفاضل في الأنساب.

ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره ويكتسب الشرف والكرم عند الله تعالى فقال: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم ﴾ وقرئ: (إن) بالفتح، كأنه قيل: لم لا يتفاخر بالأنساب؟

فقيل: لأنّ أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه طاف يوم فتح مكة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها، يا أيها الناس، إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقيّ هين على الله» ثم قرأ الآية.

وعنه عليه السلام: «من سرّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله» وعن ابن عباس: كرم الدنيا الغني، وكرم الآخرة التقوى.

وعو يزيد بن شجرة: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة فرأى غلاماً أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فاشتراه رجل فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يراه عند كل صلاة، ففقده يوماً فسأل عنه صاحبه، فقال: محموم، فعاده ثم سأل عنه بعد ثلاثة أيام فقال: هو لما به، فجاءه وهو في ذمائه.

فتولى غسله ودفنه، فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم، فنزلت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى ﴾ مِن آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، أوْ خَلَقْنا كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن أبٍ وأُمٍّ فالكُلُّ سَواءٌ في ذَلِكَ فَلا وجْهَ لِلتَّفاخُرِ بِالنَّسَبِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرًا لِلْأُخُوَّةِ المانِعَةِ عَنِ الِاغْتِيابِ.

﴿ وَجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ ﴾ الشِّعْبِ الجَمْعُ العَظِيمُ المُنْتَسِبُونَ إلى أصْلٍ واحِدٍ وهو يَجْمَعُ القَبائِلَ.

والقَبِيلَةُ تَجْمَعُ العَمائِرَ.

والعِمارَةُ تَجْمَعُ البُطُونَ.

والبَطْنُ تَجْمَعُ الأفْخاذَ.

والفَخِذُ يَجْمَعُ الفَضائِلَ، فَخُزَيْمَةُ شِعْبٌ، وكِنانَةُ قَبِيلَةٌ، وقُرَيْشٌ عِمارَةٌ، وقُصَيٌّ بَطْنٌ، وهاشِمٌ فَخِذٌ، وعَبّاسٌ فَصِيلَةٌ.

وقِيلَ: الشُّعُوبُ بُطُونُ العَجَمِ والقَبائِلُ بُطُونُ العَرَبِ.

﴿ لِتَعارَفُوا ﴾ لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا لا لِلتَّفاخُرِ بِالآباءِ والقَبائِلِ.

وقُرِئَ «لِتَعارَفُوا» بِالإدْغامِ و «لِتَتَعارَفُوا» و «لِتَعْرِفُوا» .

﴿ إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ ﴾ فَإنَّ التَّقْوى بِها تَكْمُلُ النُّفُوسُ وتَتَفاضَلُ بِها الأشْخاصُ، فَمَن أرادَ شَرَفًا فَلْيَلْتَمِسْهُ مِنها كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أكْرَمَ النّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ».» وَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «يا أيُّها النّاسُ إنَّما النّاسُ رَجُلانِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ، وفاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ».» ﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ بِكم ﴿ خَبِيرٌ ﴾ بِبَواطِنِكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)

{يا أيها الناس إِنَّا خلقناكم مِّن ذَكَرٍ وأنثى} من آدم وحواء أو كل واحد منكم من أب وأم فما منكم من أحد إلا وهو يدلي بمثل ما يدلي به الآخر سواء بسواء فلا معنى للتفاخر والتفاضل في النسب {وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَآئِلَ} الشعب الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب وهي الشعب

والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة فالشعب يجمع القبائل والقبيلة تجمع العمائر والعمارة تجمع البطون والبطن تجمع الأفخاذ والفخذ تجمع الفصائل خزيمة شعب وكنانة قبيلة وقريش عمارة وقصي بطن وهاشم فخذ والعباس فصيلة وسمت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها {لتعارفوا} أي إنما رتبكم على شعوب وقبائل ليعرف بعضكم نسب بعض فلا يعترى إلى غير آبائه لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد وتدعوا التفاضل في الأنساب ثم بين الخصلة التي يفضل بها الإنسان غيره ويكتسب الشرف والكرم عند الله فقال {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم} في الحديث من سره ان يكون اكرم الناس فليتق الله عن ابن عباس رضى الله عنهما كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى ورُوي انه صلى الله عليه وسلم طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال الحمد لله الذي أذهب عنكم غيبة الجاهلية وتكبرها يا أيها الناس إنما الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله وفاجر شقى هين على الله ثم قرأ الآية وعن يزيد ابن شجرة مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة فرأى غلاما أسود يقول من اشتراني فعلى شرط أن لا يمنعني من الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتراه بعضهم فمرض فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توفي فحضر دفنه فقالوا في ذلك شيئاً فنزلت {إِنَّ الله عَلِيمٌ} كرم القلوب وتقواها {خبير} بهمهم النفوس في هواها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى ﴾ مِن آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ فالكُلُّ سَواءٌ في ذَلِكَ فَلا وجْهَ لِلتَّفاخُرِ بِالنَّسَبِ ومِن هَذا قَوْلُهُ: النّاسُ في عالَمِ التَّمْثِيلِ أكْفاءُ أبُوهم آدَمُ والأُمُّ حَوّاءُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُنا إنّا خَلَقْنا كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن أبٍ وأُمٍّ، ويُبْعِدُهُ عَدَمُ ظُهُورِ تَرَتُّبِ ذَمِّ التَّفاخُرِ بِالنَّسَبِ عَلَيْهِ والكَلامُ مُساقٌ لَهُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدُ، وقِيلَ: هو تَقْرِيرٌ لِلْأُخُوَّةِ المانِعَةِ عَنِ الِاغْتِيابِ وعَدَمِ ظُهُورِ التَّرَتُّبِ عَلَيْهِ عَلى حالِهِ مَعَ أنَّ مُلاءَمَةَ ما بَعْدُ لَهُ دُونَ مُلاءَمَتِهِ لِلْوَجْهِ السّابِقِ لَكِنَّ وجْهَ تَقْرِيرِهِ لِلْأُخُوَّةِ ظاهِرٌ.

﴿ وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ ﴾ الشُّعُوبُ جَمْعُ شَعْبٍ بِفَتْحِ الشِّينِ وسُكُونِ العَيْنِ وهُمُ الجَمْعُ العَظِيمُ المُنْتَسِبُونَ إلى أصْلٍ واحِدٍ، وهو يَجْمَعُ القَبائِلَ، والقَبِيلَةُ تَجْمَعُ العَمائِرَ، والعَمارَةُ بِفَتْحِ العَيْنِ وقَدْ تُكْسَرُ تَجْمَعُ البُطُونَ، والبَطْنُ تَجْمَعُ الأفْخاذَ، والفَخْذُ تَجْمَعُ الفَصائِلَ، فَخُزَيْمَةُ شَعْبٌ وكِنانَةُ قَبِيلَةٌ وقُرَيْشٌ عَمارَةٌ وقُصِيٌّ بَطْنٌ وهاشِمٌ فَخْذٌ والعَبّاسُ فَصِيلَةٌ وسُمِّيَتِ الشُّعُوبَ لِأنَّ القَبائِلَ تَشَعَّبَتْ مِنها، وهَذا هو الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ النَّسَبِ واللُّغَةِ، ونَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُ الأُدَباءِ فَقالَ: قَبِيلَةٌ فَوْقَها شَعْبٌ وبَعْدَهُما ∗∗∗ عَمارَةٌ ثُمَّ بَطْنٌ تَلُوهُ فَخْذُ ولَيْسَ يَؤْوِي الفَتى إلّا فَصِيلَتُهُ ∗∗∗ ولا سِدادَ لِسَهْمٍ ما لَهُ قَذَذُ وذَكَرَ بَعْضُهُمُ العَشِيرَةَ بَعْدَ الفَصِيلَةِ فَقالَ: اقْصِدِ الشَّعْبَ فَهو أكْثَرُ حَيٍّ ∗∗∗ عَدَدًا في الحِسابِ ثُمَّ القَبِيلَهْ ثُمَّ يَتْلُوهُما العَمارَةُ ثُمَّ البَطْنُ ∗∗∗ ثُمَّ الفَخْذُ وبَعْدُ الفَصِيلَهْ ثُمَّ مِن بَعْدِها العَشِيرَةُ لَكِنْ ∗∗∗ هي في جَنْبِ ما ذَكَرْنا قَلِيلَهْ وحَكى أبُو عُبَيْدٍ عَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِيهِ تَقْدِيمَ الشَّعْبِ ثُمَّ القَبِيلَةِ ثُمَّ الفَصِيلَةِ ثُمَّ العِمارَةِ ثُمَّ الفَخْذِ فَأقامَ الفَصِيلَةَ مَقامَ العِمارَةِ والعِمارَةَ مَقامَ الفَصِيلَةِ في ذِكْرِها قَبْلَ الفَخْذِ ولَمْ يَذْكُرْ ما يُخالِفُهُ، وقِيلَ: الشُّعُوبُ في العَجَمِ والقَبائِلُ في العَرَبِ والأسْباطُ في بَنِي إسْرائِيلَ، وأيَّدَ كَوْنَ الشُّعُوبِ في العَجَمِ ما في حَدِيثِ مَسْرُوقٍ أنَّ رَجُلًا مِنَ الشُّعُوبِ أسْلَمَ فَكانَتْ تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ فَإنَّ الشُّعُوبَ فِيهِ فُسِّرَتْ بِالعَجَمِ لَكِنْ قِيلَ: وجْهُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ أنَّ الشَّعْبَ ما تَشَعَّبَ مِنهُ قَبائِلُ العَرَبِ والعَجَمِ فَخُصَّ بِأحَدِهِما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ الشُّعُوبِيِّ وهو الَّذِي يَصْغُرُ شَأْنَ العَرَبِ ولا يَرى لَهم فَضْلًا عَلى غَيْرِهِمْ كَيَهُودَ ومَجُوسٍ في جَمْعِ المَجُوسِيِّ واليَهُودِيِّ، ومِنهم أبُو عُبَيْدَةَ وكانَ خارِجِيًّا وقَدْ ألَّفَ كِتابًا في مَثالِبِ العَرَبِ، وابْنُ غَرْسِيَّةَ ولَهُ رِسالَةٌ فَصِيحَةٌ في تَفْضِيلِ العَجَمِ عَلى العَرَبِ، وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ عُلَماءُ الأنْدَلُسِ بِرَسائِلَ عَدِيدَةٍ.

وقِيلَ: الشُّعُوبُ عَرَبُ اليَمَنِ مِن قَحْطانَ والقَبائِلُ رَبِيعَةُ ومُضَرُ وسائِرُ عَدْنانَ، وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: الشَّعْبُ النَّسَبُ الأبْعَدُ والقَبِيلَةُ الأقْرَبُ، وقِيلَ: الشُّعُوبُ المَوالِي والقَبائِلُ العَرَبُ، وقالَ أبُو رَوْقٍ: الشُّعُوبُ الَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إلى المَدائِنِ والقُرى والقَبائِلُ العَرَبُ الَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إلى آبائِهِمْ ﴿ لِتَعارَفُوا ﴾ عِلَّةٌ لِلْجَعْلِ أيْ جَعَلْناكم كَذَلِكَ لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا فَتَصِلُوا الأرْحامَ وتُبَيِّنُوا الأنْسابَ والتَّوارُثَ لا لِتَفاخَرُوا بِالآباءِ والقَبائِلِ، والحَصْرُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ والسُّكُوتِ في مَعْرِضِ البَيانِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ (لِتَتَعارَفُوا) بِتاءَيْنِ عَلى الأصْلِ، ومُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ، وابْنُ عَبّاسٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ (لِتَعْرِفُوا) بِكَسْرِ الرّاءِ مُضارِعِ عَرَفَ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ لِتَعْرِفُوا ما أنْتُمْ مُحْتاجُونَ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: وما عَلَّمَ الإنْسانَ إلّا لِيَعْلَما أيْ لِيَعْلَمَ ما عَلَّمَهُ وما أعْذَبَ هَذا الحَذْفَ وما أغْرَبَهُ لِمَن يُعْرَفُ مَذْهَبُهُ.

واخْتِيرَ في المَفْعُولِ المُقَدَّرِ قَرابَةُ بَعْضِكم مِن بَعْضٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّفاخُرِ بِالأنْسابِ المُسْتَفادِ مِنَ الكَلامِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ الحَقِيقِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى والأرْفَعَ مَنزِلَةً لَدَيْهِ عَزَّ وجَلَّ في الآخِرَةِ والدُّنْيا هو الأتْقى فَإنْ فاخَرْتُمْ فَفاخِرُوا بِالتَّقْوى.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (أنْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ لا تَتَفاخَرُوا بِالأنْسابِ؟

فَقِيلَ: لِأنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أتْقاكم لا أنْسَبُكم فَإنَّ مَدارَ كَمالِ النُّفُوسِ وتَفاوُتِ الأشْخاصِ هو التَّقْوى فَمَن رامَ نَيْلَ الدَّرَجاتِ العُلا فَعَلَيْهِ بِها.

وفِي البَحْرِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَرَأ (لِتَعْرِفُوا وأنَّ أكْرَمَكُمْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ (أنَّ أكْرَمَكُمْ) إلَخْ مَعْمُولًا لِتَعْرِفُوا وتَكُونُ اللّامُ في لِتَعْرِفُوا لامَ الأمْرِ وهو أجْوَدُ مِن حَيْثُ المَعْنى، وأمّا إنْ كانَتْ لامُ كَيْ فَلا يَظْهَرُ المَعْنى إذْ لَيْسَ جَعْلُهم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِأنْ يَعْرِفُوا أنَّ أكْرَمَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أتْقاهم فَإنْ جُعِلَتْ مَفْعُولًا لِتَعْرِفُوا مَحْذُوفًا أيْ لِتَعْرِفُوا الحَقَّ لِأنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم ساغَ في اللّامِ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ اهـ وهو كَما تَرى.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ بِكم وبِأعْمالِكم ﴿ خَبِيرٌ ﴾ بِباطِنِ أحْوالِكم.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أذَّنَ بِلالٌ عَلى الكَعْبَةِ فَغَضِبَ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ وعَتّابُ بْنُ أُسَيْدٍ وقالا: أهَذا العَبْدُ الأسْوَدُ يُؤَذِّنُ عَلى ظَهْرِ الكَعْبَةِ فَنَزَلَتْ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ سَبَبُ نُزُولِها «قَوْلُ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ لِرَجُلٍ لَمْ يُفْسِحْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يا ابْنَ فُلانَةَ فَوَبَّخَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: إنَّكَ لا تَفْضُلُ أحَدًا إلّا في الدِّينِ والتَّقْوى ونَزَلَتْ».

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وعَنِ البَيْهَقِيِّ في سُنَنِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَنِيَ بَيّاضَةَ أنْ يُزَوِّجُوا أبا هِنْدٍ امْرَأةً مِنهم فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنُزَوِّجُ بَناتِنا مَوالِينا؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى ﴾ الآيَةَ».

قالَ الزُّهْرِيُّ: نَزَلَتْ في أبِي هِنْدٍ خاصَّةً وكانَ حَجّامَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: أنْكِحُوا أبا هِنْدٍ وأنْكِحُوا إلَيْهِ ونَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ الآيَةَ» في ذَلِكَ، وعَنْ يَزِيدَ بْنِ شَجَرَةَ «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سُوقِ المَدِينَةِ فَرَأى غُلامًا أسْوَدَ يَقُولُ: مَنِ اشْتَرانِي فَعَلى شَرْطٍ لا يَمْنَعُنِي عَنِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فاشْتَراهُ رَجُلٌ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَراهُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ فَفَقَدَهُ فَسَألَ عَنْهُ صاحِبَهُ فَقالَ: مَحْمُومٌ فَعادَهُ ثُمَّ سَألَ عَنْهُ بَعْدَ أيّامٍ فَقالَ: هو لِما بِهِ فَجاءَهُ وهو في ذَمائِهِ فَتَوَلّى غُسْلَهُ ودَفَنَهُ فَدَخَلَ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أمْرٌ عَظِيمٌ» فَنَزَلَتْ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ هَذا شَيْءٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي التَّفاخُرُ بِالأنْسابِ وبِذَلِكَ نَطَقَتِ الأخْبارُ.

أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ  طافَ يَوْمَ الفَتْحِ عَلى راحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الأرْكانَ بِمِحْجَنِهِ فَلَمّا خَرَجَ لَمْ يَجِدْ مُناخًا فَنَزَلَ عَلى أيْدِي الرِّجالِ فَخَطَبَهم فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ، وقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنْكم عَيْبَةَ الجاهِلِيَّةِ وتَكَبُّرَها يا أيُّها النّاسُ النّاسُ رَجُلانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ وفاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ النّاسُ كُلُّهم بَنُو آدَمَ وخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِن تُرابٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَبِيرٌ ﴾ ثُمَّ قالَ: أقُولُ قَوْلِي هَذا وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكم».

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ  في وسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةَ الوَداعِ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ ألا إنَّ رَبَّكم واحِدٌ لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلى عَجَمِيٍّ ولا لِعَجَمِيٍّ عَلى عَرَبِيٍّ ولا لِأسْوَدَ عَلى أحْمَرَ ولا لِأحْمَرَ عَلى أسْوَدَ إلّا بِالتَّقْوى ﴿ إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ ﴾ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟

قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: فَلْيُبْلِغِ الشّاهِدُ الغائِبَ» .

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ (قالَ رَسُولُ اللَّهِ  «إنَّ اللَّهَ أذْهَبَ نَخْوَةَ الجاهِلِيَّةِ وتَكَبُّرَها بِآبائِها كُلُّكم لِآدَمَ وحَوّاءَ كَطَفِّ الصّاعِ بِالصّاعِ وإنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم فَمَن أتاكم تَرْضَوْنَ دِينَهُ وأمانَتَهُ فَزَوِّجُوهُ)» وأخْرَجَ أحْمَدُ وجَماعَةٌ نَحْوَهُ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ (فَمَن أتاكُمْ) إلَخْ.

وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ  «كُلُّكم بَنُو آدَمَ وآدَمُ خُلِقَ مِن تُرابٍ ولْيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ يَفْخَرُونَ بِآبائِهِمْ أوْ لَيَكُونَنَّ أهْوَنَ عَلى اللَّهِ مِنَ الجُعْلانِ)».

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: «(يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ أيُّها النّاسُ إنِّي جَعَلْتُ نَسَبًا وجَعَلْتُمْ نَسَبًا فَجَعَلْتُ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم فَأبَيْتُمْ إلّا أنْ تَقُولُوا: فُلانُ بْنُ فُلانٍ وفُلانٌ أكْرَمُ مِن فُلانٍ وإنِّي اليَوْمَ أرْفَعُ نَسَبِي وأضَعُ نَسَبَكم ألا إنَّ أوْلِيائِي المُتَّقُونَ)» وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا.

وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو يَعْلى والبَغَوِيُّ وابْنُ قانِعٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي رَيْحانَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: «(مَنِ انْتَسَبَ إلى تِسْعَةِ آباءٍ كُفّارٍ يُرِيدُ بِهِمْ عِزًّا وكِبَرًا فَهو عاشِرُهم في النّارِ)».

وأخْرَجَ البُخارِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «(سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ  أيُّ النّاسِ أكْرَمُ؟

قالَ: أكْرَمُهم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهم قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ قالَ: فَأكْرَمُ النّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنُ خَلِيلِ اللَّهِ قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ قالَ: فَعَنْ مَعادِنِ العَرَبِ تَسْألُونِي؟

قالُوا: نَعَمْ قالَ: خِيارُهم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهم في الإسْلامِ إذا فَقِهُوا)».

والأحادِيثُ في هَذا البابِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى.

وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى وجْهِ رَدِّ التَّفاخُرِ بِالنَّسَبِ حَيْثُ أفادَتْ أنَّ شَرَفَ النَّسَبِ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ ﴿ وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى ﴾ وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ النَّسِيبِ وغَيْرِهِ مِن جِهَةِ المادَّةِ لِاتِّحادِ ما خُلِقا مِنهُ، ولا مِن جِهَةِ الفاعِلِ لِأنَّهُ هو اللَّهُ تَعالى الواحِدُ، فَلَيْسَ لِلنَّسَبِ شَرَفٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ويَكُونُ مَدارًا لِلثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا أحَدَ أكْرَمُ مِن أحَدٍ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ إلّا بِالتَّقْوى وبِها تَكْمُلُ النَّفْسُ وتَتَفاضَلُ الأشْخاصُ، وهَذا لا يُنافِي كَوْنَ العَرَبِ أشْرَفَ مِنَ العَجَمِ وتَفاوُتَ كُلٍّ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ في الشَّرَفِ، فَقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الفُرْسَ أشْرَفُ مِنَ النَّبْطِ، وبَنُو إسْرائِيلَ أفْضَلُ مِنَ القِبْطِ.

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: (قالَ  «إنَّ اللَّهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ واصْطَفى قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ واصْطَفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ)» لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا بِاعْتِبارِ الخِصالِ الحَمِيدَةِ، فَشَرَفُ العَرَبِ عَلى العَجَمِ مَثَلًا لَيْسَ إلّا بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى امْتازَهم عَلى مَن سِواهم بِفَضائِلَ جَمَّةٍ وخِصالٍ حَمِيدَةٍ كَما صَحَّتْ بِهِ الأحادِيثُ، وقَدْ جَمَعَ الكَثِيرَ مِنها العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ في كِتابِهِ مَبْلَغِ الأرَبِ في فَضائِلِ العَرَبِ، ولا نَعْنِي بِذَلِكَ أنَّ كُلَّ عَرَبِيٍّ مُمْتازٌ عَلى كُلِّ عَجَمِيٍّ بِالخِصالِ الحَمِيدَةِ بَلْ إنَّ المَجْمُوعَ مُمْتازٌ عَلى المَجْمُوعِ، ثُمَّ إنَّ أشْرَفَ العَرَبِ نَسَبًا أوْلادُ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لِأنَّهم يُنْسَبُونَ إلى النَّبِيِّ  كَما صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ الفُقَهاءِ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَنْتَمُونَ إلى عُصْبَةٍ إلّا ولَدُ فاطِمَةَ فَأنا ولِيُّهم وأنا عَصَبَتُهُمْ)».

وفِي رِوايَةٍ لَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «(كُلُّ ابْنِ أُنْثى كانَ عَصَبَتُهم لِأبِيهِمْ ما خَلا ولَدِ فاطِمَةَ فَأنا عَصَبَتُهم وأنا أبُوهُمْ)» ونُوزِعَ في صِحَّةِ ذَلِكَ، ورَمَزَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ لِلْأوَّلِ بِأنَّهُ حَسَنٌ، وتُعِقِّبَ ولَيْسَ الأمْرُ مَوْقُوفًا عَلى ما ذُكِرَ لِظُهُورِ دَلِيلِهِ.

وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ولا كَلامَ فِيهِ.

قالَ: (قالَ  «فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي يَقْبِضُنِي ما يَقْبِضُها ويُبْسِطُنِي ما يُبْسِطُها وإنَّ الأنْسابَ كُلَّها تَنْقَطِعُ يَوْمَ القِيامَةِ غَيْرَ نَسَبِي وسَبَبِي وصِهْرِي)».

وحَدِيثُ بِضْعِيَّةِ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مُخَرَّجٌ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أيْضًا، قالَ الشَّرِيفُ السَّمْهُودِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّ أوْلادَها بِضْعَةٌ مِنها فَيَكُونُونَ بِواسِطَتِها بِضْعَةً مِنهُ  ، وهَذا غايَةُ الشَّرَفِ لِأوْلادِها، وعَدَمُ انْقِطاعِ نَسَبِهِ  جاءَ أيْضًا في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «(كُلُّ نَسَبٍ وصِهْرٍ يَنْقَطِعُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا نَسَبِي وصِهْرِي)».

والذَّهَبِيُّ وإنَّ تَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ فِيهِ ابْنُ وكِيعٍ لا يُعْتَمَدُ لَكِنِ اسْتَدْرَكَ ذَلِكَ بِأنَّهُ ورَدَ فِيهِ مُرْسَلٌ حَسَنٌ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ ونَحْوَهُ كَما قالَ المَناوِيُّ عَظِيمُ نَفْعِ الِانْتِسابِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا يُعارِضُهُ ما في أخْبارٍ أُخَرَ مِن حَثِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأهْلِ بَيْتِهِ عَلى خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى واتِّقائِهِ سُبْحانُهُ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا حِرْصًا عَلى إرْشادِهِمْ وتَحْذِيرًا لَهم مِن أنْ يَتَّكِلُوا عَلى النَّسَبِ فَتَقْصُرَ خُطاهم عَنِ اللُّحُوقِ بِالسّابِقِينَ مِنَ المُتَّقِينَ، ولِيَجْتَمِعَ لَهُمُ الشَّرَفانِ شَرَفُ التَّقْوى وشَرَفُ النَّسَبِ، ورِعايَةً لِمَقامِ التَّخْوِيفِ خاطَبَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: «(لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)».

والمُرادُ لا أُغْنِي عَنْكم شَيْئًا بِمُجَرَّدِ نَفْسِي مِن غَيْرِ ما يُكْرِمُنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن نَحْوِ شَفاعَةٍ فِيكم ومَغْفِرَةٍ مِنهُ تَعالى لَكُمْ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَمْلِكُ لِأحَدٍ نَفْعًا ولا ضُرًّا إلّا بِتَمْلِيكِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُمَلِّكُهُ نَفْعَ أُمَّتِهِ والأقْرَبُونَ أوْلى بِالمَعْرُوفِ.

فَعَلى هَذا لا بَأْسَ بِقَوْلِ الرَّجُلِ: أنا مِن ذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى وجْهِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَقاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ.

وقَدْ نَقَلَ المَناوِيُّ عَنِ ابْنِ حَجَرٍ أنَّهُ قالَ نَهْيُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ التَّفاخُرِ بِالأنْسابِ مَوْضِعُهُ مُفاخَرَةٌ تَقْتَضِي تَكَبُّرًا واحْتِقارَ مُسْلِمٍ، وعَلى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا جاءَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «(إنَّ اللَّهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ)» الحَدِيثَ.

وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ)» إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ومَعَ شَرَفِ الِانْتِسابِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَنْبَغِي لِمَن رَزَقَهُ أنْ يَجْعَلَهُ عاطِلًا عَنِ التَّقْوى ويُدَنِّسَهُ بِمُتابَعَةِ الهَوى، فالحَسَنَةُ في نَفْسِها حَسَنَةٌ وهي مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ أحْسَنُ، والسَّيِّئَةُ في نَفْسِها سَيِّئَةٌ وهي مِن أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ أسْوَأُ، وقَدْ يَبْلُغُ اتِّباعُ الهَوى بِذَلِكَ النَّسِيبِ الشَّرِيفِ إلى حَيْثُ يَسْتَحِي أنْ يُنْسَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ورُبَّما يُنْكِرُ نَسَبَهُ.

وعَلَيْهِ قِيلَ لِشَرِيفٍ سَيِّئِ الأفْعالِ: قالَ النَّبِيُّ مَقالَ صِدْقٍ لَمْ يَزَلْ ∗∗∗ يَحْلُو لَدى الأسْماعِ والأفْواهِ إنْ فاتَكم أصْلُ امْرِئٍ فَفِعالُهُ ∗∗∗ تُنْبِيكم عَنْ أصْلِهِ المُتَناهِي وأراكَ تُسْفِرُ عَنْ فِعالٍ لَمْ تَزَلْ ∗∗∗ بَيْنَ الأنامِ عَدِيمَةَ الأشْباهِ وتَقُولُ إنِّي مِن سُلالَةِ أحْمَدَ ∗∗∗ أفَأنْتَ تَصْدُقُ أمْ رَسُولُ اللَّهِ ولا يَلُومَنَّ الشَّرِيفُ إلّا نَفْسَهُ إذا عُومِلَ حِينَئِذٍ بِما يَكْرَهُ وقُدِّمَ عَلَيْهِ مَن هو دُونَهُ في النَّسَبِ بِمَراحِلَ، كَما يُحْكى أنَّ بَعْضَ الشُّرَفاءِ في بِلادِ خُراسانَ كانَ أقْرَبَ النّاسِ إلى رَسُولِ اللَّهِ  غَيْرَ أنَّهُ كانَ فاسِقًا ظاهِرَ الفِسْقِ وكانَ هُناكَ مَوْلًى أسْوَدُ تَقَدَّمَ في العِلْمِ والعَمَلِ فَأكَبَّ النّاسُ عَلى تَعْظِيمِهِ فاتَّفَقَ أنْ خَرَجَ يَوْمًا مِن بَيْتِهِ يَقْصِدُ المَسْجِدَ فاتَّبَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ فَلَقِيَهُ الشَّرِيفُ سَكْرانَ فَكانَ النّاسُ يَطْرُدُونَهُ عَنْ طَرِيقِهِ فَغَلَبَهم وتَعَلَّقَ بِأطْرافِ الشَّيْخِ وقالَ: يا أسْوَدَ الحَوافِرِ والمَشافِرِ يا كافِرُ ابْنُ كافِرٍ أنا ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ  أُذَلُّ وأنْتَ تُجَلُّ وأُهانُ وأنْتَ تُعانُ فَهَمَّ النّاسُ بِضَرْبِهِ فَقالَ الشَّيْخُ: لا تَفْعَلُوا هَذا مُحْتَمِلٌ مِنهُ لِجَدِّهِ ومَعْفُوٌّ عَنْهُ وإنْ خَرَجَ عَنْ حَدِّهِ، ولَكِنْ أيُّها الشَّرِيفُ بَيَّضْتُ باطِنِي وسَوَّدْتَ باطِنَكَ فَرُؤِيَ بَياضُ قَلْبِي فَوْقَ سَوادِ وجْهِي فَحَسُنْتُ وسَوادُ قَلْبِكَ فَوْقَ بَياضِ وجْهِكَ فَقُبِّحْتَ وأخَذْتُ سِيرَةَ أبِيكَ وأخَذْتَ سِيرَةَ أبِي فَرَآنِي الخَلْقُ في سِيرَةِ أبِيكَ ورَأوْكَ فِي سِيرَةِ أبِي فَظَنُّونِي ابْنَ أبِيكَ وظَنُّوكَ ابْنَ أبِي فَعَمِلُوا مَعَكَ ما يُعْمَلُ مَعَ أبِي وعَمِلُوا مَعِي ما يُعْمَلُ مَعَ أبِيكَ، ولِهَذا ونَحْوِهِ قِيلَ: ولا يَنْفَعُ الأصْلُ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ إذا كانَتِ النَّفْسُ مِن باهِلِهِ أيْ لا يَنْفَعُ في الِامْتِيازِ عَلى ذَوِي الخِصالِ السَّنِيَّةِ إذا كانَتِ النَّفْسُ في حَدِّ ذاتِها باهِلِيَّةً رَدِيَّةً ومِنَ الكِمالاتِ عَرِيَّةً، فَإنَّ باهِلَةَ في الأصْلِ اسْمُ امْرَأةٍ مِن هَمْدانَ كانَتْ تَحْتَ مَعْنِ بْنِ أعْصِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسٍ عَيْلانَ فَنُسِبَ ولَدُهُ إلَيْها، وقِيلَ: بَنُو باهِلَةٍ وهم قَوْمٌ مَعْرُوفُونَ بِالخَساسَةِ، قِيلَ: كانُوا يَأْكُلُونَ بَقِيَّةَ الطَّعامِ مَرَّةً ثانِيَةً وكانُوا يَأْخُذُونَ عِظامَ المَيْتَةِ يَطْبُخُونَها ويَأْخُذُونَ دُسُوماتِها فاسْتَنْقَصَتْهُمُ العَرَبُ جِدًّا حَتّى قِيلَ لِعَرَبِيٍّ أتَرْضى أنْ تَكُونَ باهِلِيًّا وتَدْخُلَ الجَنَّةَ فَقالَ: لا إلّا بِشَرْطِ أنْ لا يَعْلَمَ أهْلُ الجَنَّةِ أنِّي باهِلِيٌّ، وقِيلَ: إذا قِيلَ لِلْكَلْبِ يا باهِلِيُّ ∗∗∗ عَوى الكَلْبُ مِن شُؤْمٍ هَذا النَّسَبِ ولَمْ يَجْعَلْهُمُ الفُقَهاءُ لِذَلِكَ أكْفاءً لِغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ لَكِنْ لا يَخْلُو ذَلِكَ مِن نَظَرٍ، فَإنَّ النَّصَّ أعْنِي «(إنَّ العَرَبَ بَعْضُهم أكْفاءٌ لِبَعْضٍ)» لَمْ يُفْصَلَّ مَعَ أنَّهُ  كانَ أعْلَمَ بِقَبائِلِ العَرَبِ وأخْلاقِهِمْ وقَدْ أُطْلِقَ ولَيْسَ كُلُّ باهِلِيٍّ كَما يَقُولُونَ بَلْ فِيهِمُ الأجْوادُ، وكَوْنُ فَصِيلَةٍ مِنهم أوْ بَطْنٍ صَعالِيكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا لا يَسْرِي في حَقِّ الكُلِّ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: مَدارُ الكَفاءَةِ وعَدَمِها عَلى العارِ وعَدَمِهِ في المَعْرُوفِ بَيْنَ النّاسِ.

فَمَتى عَدُّوا الباهِلِيَّةَ عارًا وشاعَ اسْتِنْقاصُها فِيما بَيْنَهم وأبَتْها نُفُوسُهُمُ اعْتُبِرَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ أصْلٍ أصِيلٍ، وهَذا نَظِيرُ ما ذَكَرُوا فِيما إذا اشْتَرى الشَّخْصُ دارًا فَتَبَيَّنَ أنَّ النّاسَ يَسْتَشْئِمُونَها أنَّهُ بِالخِيارِ مَعَ قَوْلِ الجُلِّ مِنَ العُلَماءِ بِنَفْيِ الشُّؤْمِ المُتَعارَفِ بَيْنَ النّاسِ اعْتِبارًا لِكَوْنِ ذَلِكَ مِمّا يُنْقِصُ الثَّمَنَ بَيْنَ النّاسِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلٌ فَتَأمَّلْهُ، وبِالجُمْلَةِ شَرْفُ النَّسَبِ مِمّا اعْتُبِرَ جاهِلِيَّةً وإسْلامًا، أمّا جاهِلِيَّةٌ فَأظْهَرُ مِن أنْ يُبَرْهَنَ عَلَيْهِ، وأمّا إسْلامًا فَيَدُلُّ عَلَيْهِ اعْتِبارُ الكَفاءَةِ في النَّسَبِ في بابِ النِّكاحِ عَلى الوَجْهِ المُفَصَّلِ في كُتُبِ الفِقْهِ، ولَمْ يُخالِفْ في ذَلِكَ فِيما نَعْلَمُ إلّا الإمامُ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ والكَرْخِيُّ مِنَ الحَنَفِيَّةِ، وبَعْضُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأخْبارِ يُؤَيِّدُ كَلامَهم لَكِنْ أُجِيبُ عَنْهُ في مَحَلِّهِ، وكَذا يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرُوهُ في بَيانِ شَرائِطِ الإمامَةِ العُظْمى مِن أنَّهُ يَشْتَرِطُها فِيها كَوْنُ الإمامِ قُرَشِيًّا، وقَدْ أجْمَعُوا عَلى ذَلِكَ كَما قالَ الماوَرْدِيُّ، ولا اعْتِبارَ بِضِرارٍ.

وأبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ حَيْثُ شَذّا فَجَوَّزاها في جَمِيعِ النّاسِ، وقالَ الشّافِعِيَّةُ: فَإنْ لَمْ يُوجَدْ قُرَشِيٌّ أيْ مُسْتَجْمِعٌ لِشُرُوطِ الإمامَةِ اعْتُبِرَ كَوْنُ الإمامِ كِنانِيًّا مِن ولَدِ كِنانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ، فَإنْ تَعَذَّرَ اعْتُبِرَ كَوْنُهُ مَن بَنِي إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ تَعَذَّرَ اعْتُبِرَ كَوْنُهُ مِن جَرِّهِمْ لِشَرَفِهِمْ بِصَهارَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ فالتَّقْوى التَّقْوى فالِاتِّكالُ عَلى النَّسَبِ وتَرْكُ النَّفْسِ وهَواها مِن ضَعْفِ الرَّأْيِ وقِلَّةِ العَقْلِ، ويَكْفِي في هَذا الفَصْلِ قَوْلُهُ تَعالى لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في ابْنِهِ كَنْعانَ: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ﴾ وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «( سَلْمانُ مِنّا أهْلِ البَيْتِ)».

فالحَزْمُ اللّائِقُ بِالنَّسِيبِ أنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ تَعالى ويَكْتَسِبَ مِنَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ ما لَوْ كانَتْ في غَيْرِ نَسِيبٍ لَكَفَتْهُ لِيَكُونَ قَدْ زادَ عَلى الزُّبَدِ شَهْدًا وعَلَّقَ عَلى جِيدِ الحَسْناءِ عَقْدًا ولا يُكْتَفى بِمُجَرَّدِ الِانْتِسابِ إلى جُدُودٍ سَلَفُوا لِيُقالَ لَهُ: نِعْمَ الجُدُودُ ولَكِنْ بِئْسَ ما خَلَّفُوا، وقَدِ ابْتُلِيَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بِذَلِكَ فَتَرى أحَدَهم يَفْتَخِرُ بِعَظْمٍ بالٍ وهو عَرِيٌّ كالإبْرَةِ مِن كُلِّ كَمالٍ.

ويَقُولُ: كانَ أبِي كَذا وكَذا وذاكَ وصْفُ أبِيهِ فافْتِخارُهُ بِهِ نَحْوَ افْتِخارِ الكَوْسَجِ بِلِحْيَةِ أخِيهِ، ومِن هُنا قِيلَ: وأعْجَبُ شَيْءٍ إلى عاقِلٍ ∗∗∗ أُناسٌ عَنِ الفَضْلِ مُسْتَأْخِرَهْ إذا سُئِلُوا ما لَهم مِن عُلا ∗∗∗ أشارُوا إلى أعْظُمٍ ناخِرَهْ وقالَ الفاضِلُ السَّرِيُّ عَبْدُ الباقِي أفَنْدِي العُمَرِيُّ: أقُولُ لِمَن غَدا في كُلِّ وقْتٍ ∗∗∗ يُباهِينا بِأسْلافٍ عِظامِ أتَقْنَعُ بِالعِظامِ وأنْتَ تَدْرِي ∗∗∗ بِأنَّ الكَلْبَ يَقْنَعُ بِالعِظامِ وما ألْطَفَ قَوْلَهُ: لَمْ يَجِدْكَ الحَسَبُ العالِي بِغَيْرِ تُقى ∗∗∗ مَوْلاكَ شَيْئًا فَحاذِرْ واتَّقِ اللَّهَ وابْغِ الكَرامَةَ في نَيْلِ الفَخارِ بِهِ ∗∗∗ فَأكْرَمُ النّاسِ عِنْدَ اللَّهِ أتْقاها وأكْثَرُ ما رَأيْنا ذَلِكَ الِافْتِخارَ البارِدَ عِنْدَ أوْلادِ مَشايِخِ الزَّوايا الصُّوفِيَّةِ فَإنَّهُمُ ارْتَكَبُوا كُلَّ رَذِيلَةٍ وتَعَرَّوْا عَنْ كُلِّ فَضِيلَةٍ ومَعَ ذَلِكَ اسْتَطالُوا بِآبائِهِمْ عَلى فُضَلاءِ البَرِيَّةِ واحْتَقَرُوا أُناسًا فاقُوهم حَسَبًا ونَسَبًا وشَرَفُوهم أُمًّا وأبًا وهَذا هو الضَّلالُ البَعِيدُ والحُمْقُ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ مَزِيدٌ، ولَوْلا خَشْيَةُ السَّأمِ لَأطْلَقْنا في هَذا المَيْدانِ عِنانَ كُمَيْتِ القَلَمِ عَلى أنَّ فِيما ذَكَرْنا كِفايَةً لِمَن أخَذَتْ بِيَدِهِ العِنايَةُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ يعني: لا تحققوا الظن إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ يعني: معصية أي: إِنَّ ظن السوء بالمسلم معصية.

وقال سفيان الثوري: الظن ظنان.

ظن فيه إثم، وظن لا إثم فيه.

فالظن الذي فيه إثم، أن يظن ويتكلم به.

وأما الظن الذي لا إثم فيه، فهو أن يظن، ولا يتكلم به، لأنه قال: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ولم يقل: جميع الظن إثم.

ثم قال: وَلا تَجَسَّسُوا يعني: لا تطلبوا، ولا تبحثوا عن عيب أخيكم وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً روى أسباط عن السدي قال: كان سلمان الفارسي في سفر مع ناس فيهم عمر، فنزلوا منزلاً، فضربوا خيامهم، وصنعوا طعامهم، ونام سلمان، فقال بعض القوم لبعض: ما يريد هذا العبد إلا أن يجد خياماً مضروبة، وطعاماً مصنوعاً، فلما استيقظ سلمان، قالوا له: انطلق إلى رسول الله  ، والتمس لنا إداماً نأتدم به.

فأتى رسول الله  ، فقال-  -: «أَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ قَدِ ائْتَدَمُوا» .

فأخبرهم.

فقالوا: ما طعمنا بعد، وما كذب رسول الله  .

فأتوه، فقال: «ائْتَدَمْتُمْ مِنْ صَاحِبِكُمْ، حِينَ قُلْتُمْ مَا قُلْتُمْ وَهُوَ نَائِمٌ» ، ثم قرأ: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ يعني: فكما تكرهون أكل لحمه ميتاً، فكذلك اجتنبوا ذكره بالسوء وهو غائب.

ويقال: كان سلمان في سفر مع أبي بكر وعمر  ما، وكان يطبخ لهما، فنزلوا منزلاً، فلم يجد ما يصلح لهم أمر الطعام، فبعثاه إلى النبيّ  لينظر عنده شيئاً من الطعام، فقال أسامة: لم يبق عند النبيّ  شيء من الطعام، فرجع إليهما، فقالا: إنه لو ذهب إلى بئر كذا، ليبس ماؤها، فنزلت هذه الآية.

ويقال: نزلت في شأن زيد بن ثابت، وذلك أن نفراً ذكروا فيه شيئاً، فنزل: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً قرأ نافع: مَيِّتاً بتشديد الياء، والخفض.

والباقون بالجزم.

وقال أهل اللغة: الميت.

والميت واحد مثل ضيق وضيّق، وهين وهيّن، ولين وليّن.

ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ في الغيبة، وتوبوا إليه إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ يعني: قابل التوبة رَحِيمٌ بهم بعد التوبة.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قال مقاتل: وذلك أن النبيّ  لما فتح مكة، أمر بلالاً ليؤذن.

فقال الحارث بن هشام.

أما وجد رسول الله  غير هذا الغراب.

يعني: بلال.

فنزل يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى يعني: آدم وحواء وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ يعني: رؤوس القبائل، مثل مضر، وربيعة وَقَبائِلَ يعني: الأفخاذ مثل بني سعد، وبني عامر.

لِتَعارَفُوا في النسب إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ يعني: وإن كان عبداً حبشياً أسود مثل بلال.

وقال في رواية الكلبي: نزلت في ثابت بن قيس، كان في أذنيه ثقل، وكان يدنو من رسول الله  ليسمع كلامه فأبطأ يوماً واحداً وقد أخذ الناس مجالسهم فجاء فتخطى رقابهم حتى جلس قريباً من النبيّ  .

فقال رجل من القوم: هذا يتخطى رقابنا، فلم لا يجلس حيث وجد المكان؟

فقال ثابت: من هذا؟

فقالوا: فلان.

فقال ثابت: يا ابن فلانة، وكان يعيّر بأمه، فخجل.

فنزلت هذه الآية.

فقال النبيّ  : «مَنْ عَيَّرَ فُلاناً بِأُمِّهِ» ؟

فقال ثابت بن قيس: أنا قد ذكرت شيئاً.

فقرأ هذه الآية عليه، فاستغفر ثابت.

وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس  ما قال: القبائل، والأفخاذ: الصغار، والشعوب: الجمهور مثل مضر.

وقال الضحاك: الشعوب: الأفخاذ الصغار، والقبائل مثل بني تميم، وبني أسد.

وقال القتبي: الشعوب أكثر من القبيلة.

وقال الزجاج: الشعب أعظم من القبيلة، ومعناه: إني لم أخلقكم شعوباً وقبائل لتتفاخروا، وإنما خلقناكم كذلك لتعارفوا.

روي عن النبيّ  أنه قال: «إذا كان يَوْمُ الْقِيَامَةِ، يقولُ الله عَزَّ وَجَلَّ: إنَّكُمْ جَعَلْتُمْ لأنْفُسِكُمْ نَسَباً، وَجَعَلْتُ لِنَفْسِي نَسَباً، فَرفَعْتُم نَسَبَكُم، وَوَضَعْتُمْ نَسَبي، فَالْيَوْمَ أَرْفَعُ نَسَبِي، وَأَضَعُ نَسَبَكُم.

يعني: قلت: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ وقلتم: أنتم فلان وفلان» .

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بأتقيائكم خَبِيرٌ بافتخاركم قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قال ابن عباس: نزلت في بني أسد، قدموا على رسول الله  في قحط أصابهم، فجاؤوا بأهاليهم، وذراريهم، يطلبون الصدقة، وأظهروا الإسلام، وقالوا: يا رسول الله نحن أسلمنا طوعاً، وقدمنا بأهالينا، فأعطنا من الغنيمة أكثر مما تعطي غيرنا.

ويقال: كانت قبيلتان جهينة، ومزينة، قدموا بأهاليهم.

فنزلت الآية قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا يعني: صدقنا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا يعني: لم تصدقوا في السر، كما صدقتم في العلانية وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا يعني: دخلنا في الانقياد، والخضوع.

ويقال: استسلمنا مخافة القتل والسبي وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ يعني: التصديق.

ويقال: لم يدخل حب الإيمان في قلوبكم وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في السر، كما تطيعونه في العلانية لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً يعني: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً.

قرأ أبو عمرو: لا يألتكم بالألف والهمز.

والباقون: لاَ يَلِتْكُمْ بغير ألف ولا همز.

ومعناهما واحد يقال: لاته يلته وألته يألته إذا نقص حقه إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لو صدقوا بقلوبهم، ثم بيّن الله عز وجل لهم من المصدق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣) قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى ...

الآية: المعنى: يا أيها الناس، أَنتم سواء من حيثُ أنتم مخلوقون، وإنَّما جعلتم قبائل لأَنْ تتعارفوا، أوْ لأَنْ تعرفوا الحَقَائِقَ، وَأَمَّا الشرفُ والكرمُ فهو/ بتقوى اللَّه تعالى وسلامة القلوب، وقرأ ابن مسعود:

«لِتَعَارَفُوا بَيْنَكُمْ وَخَيْرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» «١» وقرأ ابن عباس: «لِتَعْرِفُوا أَنَّ» «٢» عَلَى وزن «تَفْعَلُوا» بكسر العين- وبفتح الهمزة من «أَنَّ» ، وَرُوِيَ أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ، فَلْيَتَّقِ اللَّه «٣» » وأَمَّا الشعوب فهو جمع شَعْبٍ، وهو أعظم ما يوجد من جماعات الناس مرتبطاً بنسب واحد كمُضَرٍ ورَبِيعَةَ وحِمْيَرَ، ويتلوه القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، والأسرة وهما قرابة الرجل الأَدْنَوْنَ، ثم نَبَّهَ سبحانه على الحذر بقوله:

إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ أي: بالمتقي الذي يستحق رُتْبَةَ الكرم، وَخرَّج مسلم في صحيحه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «إنَّ اللَّهَ أوحى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ على أَحَدٍ وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ على أَحَدٍ» «٤» وروى أبو داود والترمذيّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ، إنَّما هُمْ فَحْمٌ مِنْ جَهَنَّمَ- أوْ لَيَكُونُنَّ عَلَى اللَّهِ أَهْوَنَ مِنَ الجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الخُرَاءَ بِأَنْفِهِ، إنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا إنَّما هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، أوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» «٥» انتهى، ونقله البغويّ في «مصابيحه» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ وقَوْلِهِ في الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يُفْسِحْ لَهُ: أنْتَ ابْنُ فُلانَةٍ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ «لَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِلالًا فَصَعَدَ عَلى ظَهْرِ الكَعْبَةِ فَأذَّنَ، وأرادَ أنْ يُذِلَّ المُشْرِكِينَ بِذَلِكَ، فَلَمّا أذِنَ، قالَ عَتّابُ بْنُ أُسَيْدٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَبَضَ أُسَيْدًا قَبْلَ اليَوْمِ، وقالَ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ: أما وجَدَ مُحَمَّدًا غَيْرَ هَذا الغُرابِ الأسْوَدِ مُؤَذِّنًا؟!

وقالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: إنْ يَكْرَهِ اللَّهُ شَيْئًا يُغَيِّرْهُ، وقالَ أبُو سُفْيانَ: أمّا أنا فَلا أقُولُ شَيْئًا، فَإنِّي إنْ قُلْتُ شَيْئًا لَتَشْهَدَنَّ عَلَيَّ السَّماءُ، ولَتُخْبِرَنَّ عَنِّي الأرْضُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: «أنَّ عَبْدًا أسْوَدَ مَرِضَ فَعادَهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، ثُمَّ قُبِضَ فَتَوَلّى غَسْلَهُ وتَكْفِينَهُ ودَفْنَهُ، فَأثَّرَ ذَلِكَ عِنْدَ الصَّحابَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ يَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ.

فَأمّا المُرادُ بِالذَّكَرِ والأُنْثى، فَآدَمُ وحَوّاءُ.

والمَعْنى: إنَّكم تَتَساوُونَ في النَّسَبِ؛ وهَذا زَجْرٌ عَنِ التَّفاخُرِ بِالأنْسابِ.

فَأمّا الشُّعُوبُ، فَهي جَمْعُ شَعْبٍ.

وهو الحَيُّ العَظِيمُ، مِثْلُ مُضَرَ ورَبِيعَةَ، والقَبائِلُ دُونَها، كَبَكْرٍ مِن رَبِيعَةَ، وتَمِيمٌ مِن مُضَرَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ اللُّغَةِ.

ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ بِالشُّعُوبِ: المَوالِيَ، وبِالقَبائِلِ: العَرَبَ.

وقالَ أبُو رَزِينٍ: الشُّعُوبُ: أهْلُ الجِبالِ الَّذِينَ لا يَعْتَزُّونَ لِأحَدٍ، والقَبائِلُ: قَبائِلُ العَرَبِ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ القَبائِلَ هي الأُصُولُ، والشُّعُوبُ هي البُطُونُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ مِنها، وهَذا ضِدُّ القَوْلِ الأوَّلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَعارَفُوا ﴾ أيْ: لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا في قُرْبِ النَّسَبِ وبُعْدِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: جَعَلْناكم كَذَلِكَ لِتَعارَفُوا، لا لِتَفاخَرُوا.

ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ أرْفَعَهم عِنْدَهُ مَنزِلَةً أتْقاهم.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "لِتَعْرِفُوا" بِإسْكانِ العَيْنِ وكَسْرِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "لِتَّعارَفُوا" بِتاءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ وبِألِفٍ مَفْتُوحَةَ الرّاءِ مُخَفَّفَةً.

وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ، والأعْمَشُ: "لِتَتَعَرَّفُوا" بِتاءَيْنِ مَفْتُوحَةَ الرّاءِ وبِتَشْدِيدِها مِن غَيْرِ ألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ أكْرَمَكُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو الجَوْزاءِ: "أنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

قالَ الفَرّاءُ: مَن فَتَحَ "أنْ" فَكَأنَّهُ قالَ: لِتَعارَفُوا أنَّ الكَرِيمَ التَّقِيُّ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَتْ "لِتَعْرِفُوا"، غَيْرَ أنَّهُ يَجُوزُ "لِتَعارَفُوا" عَلى مَعْنى: لِيُعَرِّفَ بَعْضُكم بَعْضًا أنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللهِ أتْقاكم إنَّ اللهِ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ ﴿ قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ فِي قُلُوبِكم وإنْ تُطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَلامُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنّا خُلِقْنًا جَمِيعًا مِن آدَمَ وحَوّاءَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الذَكَرَ والأُنْثى اسْمَ الجِنْسِ، وكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنّا خَلَقْنا كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن ماءٍ ذَكَرٍ وأُنْثى، وقَصْدُ هَذِهِ الآيَةِ التَسْوِيَةُ بَيْنَ الناسِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا ﴾ ، أيْ: لِئَلّا تُفاخِرُوا ويُرِيدُ بَعْضُكم أنْ يَكُونَ أكْرَمَ مِن بَعْضٍ، فَإنَّ الطَرِيقَ إلى الكَرَمِ غَيْرُ هَذا، ﴿ إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ ﴾ .

ورَوى أبُو بَكَرَةَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، مَن خَيْرُ الناسِ؟

قالَ: "مَن طالَ عُمْرُهُ، وحَسُنَ عَمَلُهُ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «مَن خَيْرُ الناسِ؟

قالَ: "آمَرُهم بِالمَعْرُوفِ، وأنْهاهم عن مُنْكَرٍ، وأوصَلُهم لِلرَّحِمِ، وأتْقاهُمْ".» وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ غَضَبُ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، وعَتّابِ بْنِ أُسِيدٍ حِينَ أذَّنَ بِلالٌ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلى الكَعْبَةِ.

وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ سَبَبَها «قَوْلُ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ لِرَجُلٍ لَمْ يُفْسَحْ لَهُ عِنْدَ النَبِيِّ  : يا ابْنَ فُلانَةَ، فَوَبَّخَهُ النَبِيُّ  ، وقالَ لَهُ: إنَّكَ لا تُفَضِّلُ أحَدًا إلّا في الدِينِ والتَقْوى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» ونَزَلَ الأمْرُ بِالتَفَسُّحِ في ذَلِكَ أيْضًا.

و"الشُعُوبُ" جَمْعُ شَعْبٍ، وهو أعْظَمُ ما يُوجَدُ مِن جَماعاتِ الناسِ مُرْتَبِطًا بِنَسَبٍ واحِدٍ، ويَتْلُوهُ القَبِيلَةُ ثُمَّ العِمارَةُ ثُمَّ البَطْنُ ثُمَّ الفَخْذُ ثُمَّ الأُسْرَةُ والفَصِيلَةُ، وهُما قَرابَةُ الرَجُلِ الأدْنَوْنَ، فَمُضَرٌ ورَبِيعَةُ وحِمْيَرٌ شُعُوبٌ، وقَيْسٌ وتَمِيمٌ ومُذْحِجٌ ومُرادٌ قَبائِلُ، مُشَبَّهَةٌ بِقَبائِلِ الرَأْسِ لِأنَّها قِطَعٌ تَقابَلَتْ، وقُرَيْشٌ ومُحارِبُ عِماراتٌ، وبَنُو قَصِّي وبَنُو مَخْزُومٍ بُطُونٌ، وبَنُو هاشِمٍ وبَنُو أُمَيَّةَ ونَحْوُهُما أفْخاذٌ، وبَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ أُسْرَةٌ وفَصِيلَةٌ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الشُعُوبُ: الأفْخاذُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الشُعُوبُ: البُطُونُ، وهَذا غَيْرُ ما تَمالَأ عَلَيْهِ اللُغَوِيُّونَ.

قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: الشُعُوبُ في العَجَمِ والقَبائِلُ في العَرَبِ والأسْباطُ في بَنِي إسْرائِيلَ، وأمّا الشَعْبُ الَّذِي في هَمْدانَ الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ الشَعْبِيُّ فَهو بَطْنٌ يُقالُ لَهُ: الشِعْبُ، وقِيلَ لِلْأُمَمِ الَّتِي لَيْسَتْ بِعَرَبٍ: "شُعُوبِيَّةٌ" نِسْبَةً إلى الشُعُوبِ، وذَلِكَ أنَّ تَفْصِيلَ أنْسابِها خَفِيَ فَلَمْ يُعْرَفْ أحَدٌ مِنهم إلّا بِأنْ يُقالَ: فارِسِيٌّ، تُرْكِيٌّ، رُومِيٌّ، فَكَأنَّهم عُرِفُوا بِشُعُوبِهِمْ وهي أعَمُّ ما يُعَبَّرُ بِهِ عن جَماعَتِهِمْ، ويُقالُ لَهُمُ الشَعُوبِيَّةُ بِفَتْحِ الشِينِ، وهَذا مِن تَغْيِيرِ النَسَبِ، وقَدْ قِيلَ فِيهِمْ غَيْرُ ما ذَكَرْتُ، وهَذا أولى عِنْدِي.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِتَتَعارَفُوا"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لِتَعْرِفُوا أنَّ" عَلى وزْنِ "تَفْعَلُوا" بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الألِفِ مِن "أنَّ" وإعْمالِ "تَعْرِفُوا" فِيها، ويَحْتَمِلُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- أنْ تَكُونَ اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِتَعْرِفُوا" لامَ "كَيْ"، ويَضْطَرِبُ مَعْنى الآيَةِ مَعَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الأمْرِ، وهو أجْوَدُ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: "الحَقَّ"، وإذا كانَتْ لامَ "كَيْ" فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا أيُّها الناسُ أنْتُمْ سَواءٌ مِن حَيْثُ أنْتُمْ مَخْلُوقُونَ، وإنَّما جُعِلْتُمْ قَبائِلَ لِأنْ تَتَعارَفُوا ولِأنْ تَعْرِفُوا الحَقائِقَ، وأمّا الشَرَفُ والكَرَمُ فَهو بِتَقْوى اللهِ تَعالى وسَلامَةِ القُلُوبِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "لِتَعارَفُوا بَيْنَكُمْ، وخَيْرُكم عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ"، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أكْرَمَ الناسِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ".» ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى الحَذَرِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ أيْ بِالمُتَّقِي الَّذِي يَسْتَحِقُّ رُتْبَةَ الكَرَمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في بَنى أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وهى قَبِيلَةٌ كانَتْ تُجاوِرُ المَدِينَةَ، وكانُوا قَدْ أظْهَرُوا الإسْلامَ، وكانَتْ نُفُوسُهم مَعَ ذَلِكَ- دَخِلَةٌ، إنَّما يُحِبُّونَ المَغانِمَ وعَرَضَ الدُنْيا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وذَهَبُوا مَرَّةً إلى أنْ يَتَّسِمُوا بِالمُهاجِرِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُسَمِّيَةً لَهم بِالأعْرابِ، مُعَرِّفَةً لَهم بِذَلِكَ أقْدارَهُمْ، ومُخْرِجَةً ما في صُدُورِهِمْ مِن صُوَرِ مُعْتَقَدِهِمْ، وهم أعْرابٌ مَخْصُوصُونَ كَما ذَكَرْنا، قالَ أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ الزُبَيْرِ: «سَمِعَ النَبِيُّ  رَجُلًا يَقْرَأُ: "قالَتِ الأعْرابُ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِ بِهَمْزِ قَطْعٍ.» وقَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لِهَؤُلاءِ المُدَّعِينَ في الإيمانِ: "لَمْ تُؤْمِنُوا"، أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا بِقُلُوبِكُمْ، ﴿ وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ﴾ .

والإسْلامُ يُقالُ بِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الَّذِي يَعُمُّ الإيمانَ والأعْمالَ، وهو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ  ﴾ ، والَّذِي في قَوْلِهِ  : « "بُنِيَ الإسْلامُ عَلى خَمْسٍ"،» والَّذِي في تَعْلِيمِ النَبِيِّ  لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ «قالَ: ما الإسْلامُ؟

قالَ: "أنْ تَعْبُدَ اللهَ وحْدَهُ ولا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وتُقِيمَ الصَلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَكاةَ، وتَصُومَ رَمَضانَ، وتَحُجَّ البَيْتَ إنِ اسْتَطَعْتَ إلَيْهِ سَبِيلًا"،» والَّذِي في «قَوْلِهِ  لِسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أو مُسْلِمًا، إنِّي لَأُعْطِي الرَجُلَ وغَيْرُهُ أحَبُّ إلَيَّ مِنهُ"» الحَدِيثُ، فَهَذا الإسْلامُ لَيْسَ هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ﴾ والمَعْنى الثانِي لِلَفْظِ الإسْلامِ هو الِاسْتِسْلامُ والإظْهارُ الَّذِي يَسْتَعْصِمُ بِهِ ويَحْقِنُ الدَمَ، وهَذا هو الإسْلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ﴾ ، والإيمانُ الَّذِي هو التَصْدِيقُ أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ.

ثُمَّ صَرَّحَ تَعالى لَهم بِأنَّ الإيمانَ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ، ثُمَّ فَتَحَ تَعالى لَهم بابَ التَوْبَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَإنْ تُطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ ﴾ الآيَةُ، وطاعَةُ اللهِ تَعالى ورَسُولِهِ  في ضِمْنِها الإيمانُ والأعْمالُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا يَلِتْكُمْ"، مِن "لاتَ يَلِيتُ" إذا نَقَصَ، يُقالُ: "لاتَهُ حَقَّهُ" إذا نَقَصَهُ مِنهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وعَمْرٌو: "لا يَأْلِتْكُمْ" مِن "ألَتَ يَأْلِتُ" وهو بِمَعْنى "لاتَ"، وكَذَلِكَ يُقالُ: "ألِتَ" بِكَسْرِ اللامِ "يَأْلِتُ"، ويُقالُ أيْضًا في مَعْنى "لاتَ: "ألَتَ يُولِتُ"، ولَمْ يَقْرَأْ بِهَذِهِ اللُغَةِ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ في التَرْجِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من واجبات المعاملات إلى ما يجب أن يراعيه المرء في نفسه، وأعيد النداء للاهتمام بهذا الغرض، إذ كان إعجابُ كل قبيلة بفضائلها وتفضيل قومها على غيرهم فاشياً في الجاهلية كما ترى بقيته في شعر الفرزدق وجرير، وكانوا يحقرون بعض القبائل مثل بَاهلة، وضُبيعة، وبني عُكل.

سئل أعرابي: أتحب أن تدخل الجنة وأنت باهلي فأطرق حينا ثم قال: على شرط أن لا يعلم أهل الجنة أني باهلى.

فكان ذلك يجرّ إلى الإحن والتقاتل وتتفرع عليه السخرية واللمز والنبز والظن والتجسس والاغتياب الواردة فيها الآيات السابقة، فجاءت هذه الآية لتأديب المؤمنين على اجتناب ما كان في الجاهلية لاقتلاع جذوره الباقية في النفوس بسبب اختلاط طبقات المؤمنين بعد سنة الوفود إذ كثر الداخلون في الإسلام.

فعن أبي داود أنه روى في كتابه «المراسيل» عن الزهري قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بياضة (من الأنصار) أن يزوجوا أبا هند (مولَى بني بياضة قيل اسمه يَسار) امرأةً منهم فقالوا: تزوج بناتنا موالينَا، فأنزل الله تعالى: ﴿ إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ﴾ الآية.

وروي غير ذلك في سبب نزولها.

ونُودوا بعنوان ﴿ الناس ﴾ دون المؤمنين رعيا للمناسبة بين هذا العنوان وبين ما صُدّر به الغرض من التذكير بأن أصلهم واحد، أي أنهم في الخلقة سواء ليتوسل بذلك إلى أن التفاضل والتفاخر إنما يكون بالفضائل وإلى أن التفاضل في الإسلام بزيادة التقوى فقيل: ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ .

فمن أقدم على القول بأن هذه الآية نزلت في مكة دون بقية السورة اغترّ بأن غالِب الخطاب ب ﴿ يا أيها الناس ﴾ إنما كان في المكي.

والمراد بالذَكَر والأنثى: آدم وحواء أبَوَا البشر، بقرينة قوله ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾ .

ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم " أنتم بنو آدم وآدم من تراب " كما سيأتي قريباً.

فيكون تنوين (ذكر وأنثى) لأنهما وصفان لموصوف فقرر، أي من أب ذكر ومن أم أنثى.

ويجوز أن يراد ب ﴿ ذكر وأنثى ﴾ صنف الذكر والأنثى، أي كل واحد مكون من صنف الذكر والأنثى.

وحرف (من) على كلا الاحتمالين للابتداء.

والشعوب: جمع شعب بفتح الشين وهو مجمع القبائل التي ترجع إلى جد واحد من أمة مخصوصة وقد يسمى جذماً، فالأمة العربية تنقسم إلى شعوب كثيرة فمُضر شعب، وربيعة شعب، وأنمار شعب، وإياد شعب، وتجمعها الأمة العربية المستعربة، وهي عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام، وحمير وسبأ، والأزدُ شعوب من أمة قحطان.

وكنانة وقيس وتميم قبائل من شعب مضر.

ومَذْحج، وَكِنْدَة قبيلتان من شَعب سَبأ.

والأوسُ والخزرج قبيلتان من شَعب الأزد.

وتحت القبيلة العمارة مثل قريش من كِنانة، وتحت العمارة البطن مثل قصيّ من قريش، وتحت البطن الفخِذ مثل هاشم وأمية من قَصي، وتحت الفخذ الفصيلة مثل أبي طالب والعباس وأبي سفيان.

واقُتصر على ذكر الشعوب والقبائل لأن ما تحتها داخل بطريق لحن الخطاب.

وتجاوز القرآن عن ذكر الأمم جرياً على المتداول في كلام العرب في تقسيم طبقات الأنساب إذ لا يدركون إلا أنسابهم.

وجعلت علة جَعْل الله إياه شعوباً وقبائل.

وحكمتهُ من هذا الجَعل أن يتعارف الناس، أي يعرِف بعضهم بعضاً.

والتعارف يحصل طبقة بعد طبقة متدرجاً إلى الأعلى، فالعائلة الواحدة متعارفون، والعشيرة متعارفون من عائلات إذ لا يخلون عن انتساب ومصاهرة، وهكذا تتعارف العشائر مع البطون والبطون مع العمائِر، والعمائِر مع القبائل، والقبائل مع الشعوب لأن كل درجة تأتلف من مجموع الدرجات التي دونها.

فكان هذا التقسيم الذي ألهمهم الله إياه نظاماً محكماً لربط أواصرهم دون مشقة ولا تعذر فإن تسهيل حصول العمل بين عدد واسع الانتشار يكون بتجزئة تحصيله بين العدد القليل ثم ببث عمله بين طوائف من ذلك العدد القليل ثم بينه وبين جماعات أكثر.

وهكذا حتى يعم أمة أو يعم الناس كلهم وما انتشرت الحضارات المماثلة بين البشر إلا بهذا الناموس الحكيم.

والمقصود: أنكم حرَّفتم الفطرة وقلبتم الوضع فجعلتم اختلاف الشعوب والقبائل بِسبب تناكر وتطاحن وعدوان.

ألا ترى إلى قول الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب: مهلاً بني عمنا مهلاً موالِينا *** لا تَنْبُشوا بيننا ما كان مدفوناً لا تطمَعوا أن تُهِينُونا ونكرمَكُم *** وأن نَكُف الأذى عنكم وتؤذونا وقول العُقيلي وحاربه بنو عمه فقَتل منهم: ونَبكي حين نقتلكم عليكم *** ونَقتلكم كأنَّا لا نبالي وقول الشَّمَيْذَرِ الحارثي: وقد ساءنِي ما جرَّت الحربُ بيننا *** بني عَمّنا لو كان أمراً مُدانيا وأقوالهم في هذا لا تحصر عدا ما دون ذلك من التفاخر والتطاول والسخرية واللمز والنبز وسوء الظن والغيبة مما سبق ذكره.

وقد جبر الله صدع العرب بالإسلام كما قال تعالى: ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ﴾ فردهم إلى الفطرة التي فطرهم عليها وكذلك تصاريف الدين الإسلامي ترجع بالناس إلى الفطرة السليمة.

ولما أمر الله تعالى المؤمنين بأن يكونوا إخوة وأن يصلحوا بين الطوائف المتقاتلة ونهاهم عما يثلم الأخوة وما يَغِين على نُورها في نفوسهم من السخرية واللمز والتنابز والظن السوء والتَجسِس والغيبة، ذكَّرهم بأصل الأخوة في الأنساب التي أكدتها أخوة الإسلام ووحدة الاعتقاد ليكون ذلك التذكير عوناً على تبصرهم في حالهم، ولما كانت السخرية واللمز والتنابز مما يحمل عليه التنافس بين الأفراد والقبائل جمع الله ذلك كله في هذه الموعظة الحكيمة التي تدل على النداء عليهم بأنهم عَمدوا إلى هذا التشعيب الذي وضعتْه الحكمة الإلهية فاستعملوه في فاسد لوازمه وأهملوا صالح ما جعل له بقوله: ﴿ لتعارفوا ﴾ ثم وأتبعه بقوله: ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ أي فإن تنافستم فتنافسوا في التقوى كما قال تعالى: ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ [المطففين: 26].

والخبر في قوله: ﴿ إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ مستعمل كناية عن المساواة في أصل النوع الإنساني ليتوصل من ذلك إلى إرادة اكتساب الفضائل والمزايا التي ترفع بعض الناس على بعض كناية بمرتبتين.

والمعنى المقصود من ذلك هو مضمون جملة ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ فتلك الجملة تتنزل من جملة ﴿ إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ منزلة المقصد من المقدمة والنتيجةِ من القياس ولذلك فصلت لأنها بمنزلة البيان.

وأما جملة ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾ فهي معترضة بين الجملتين الأخريين.

والمقصود من اعتراضها: إدماج تأديب آخر من واجب بث التعارف والتواصل بين القبائل والأمم وأن ذلك مراد الله منهم.

ومن معنى الآية ما خطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع إذ قال: " يا أيها الناس ألاَ إن ربكم واحد وأن أباكم واحد لا فضل لعَربي على عجمي ولا لِعجمي على عربي ولا لأسودَ على أحمرَ ولا لأحمرَ على أسود إلا بالتقوى " ومن نمط نظم الآية وتبيينها ما رواه الترمذي في تفسير هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله أذهب عنكم عبيّة الجاهلية وفخرها لا لآباء الناس مؤمن تقي أو فاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب " وفي رواية «أن ذلك مما خطب به يوم فتح مكة (عبية بضم العين المهملة وبكسرها وبتشديد الموحدة المكسورة ثم تشديد المثناة التحتية: الكبر والفخر.

ووزنهما على لغة ضم الفاء فُعولة وعلى لغة كسر الفاء فعلية، وهي إما مشتقة من التعبية فتضعيف الباء لمجرد الإلحاق مثل نضّ الثوب بمعنى نضى أو مشتقة من عباب الماء فالتضعيف في الباء أصلي).

وفي رواية ابن أبي حاتم بسنده إلى ابن عمر «طاف رسول الله يوم فتح مكة ثم خطبهم في بطن المسيل فذكر الحديث وزاد فيه أن الله يقول: ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ إلى ﴿ إن الله عليم خبير ﴾ .

وجملة ﴿ إن أكرمكم عند اللَّه أتقاكم ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وإنما أخّرت في النظم عن جملة إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، لتكون تلك الجملة السابقة كالتوطئة لهذه وتتنزل منها منزلة المقدمة لأنهم لما تساوَوا في أصل الخلقة من أب واحد وأم واحدة كان الشأن أن لا يفضُل بعضهم بعضاً إلا بالكمال النفساني وهو الكمال الذي يرضاه الله لهم والذي جعل التقوى وسيلته ولذلك ناط التفاضل في الكرم ب ﴿ عند الله ﴾ إذ لا اعتداد بكرم لا يعبأ الله به.

والمراد بالأكرم: الأنْفَس والأشَرف، كما تقدم بيانه في قوله: ﴿ إني ألقي إلى كتاب كريم ﴾ في سورة [النمل: 29].

والأتقى: الأفضل في التقوى وهو اسم تفضيل صيغ من اتَّقى على غير قياس.

وجملة ﴿ إن الله عليم خبير ﴾ تعليل لمضمون ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ أي إنما كان أكرمكم أتقاكم لأن الله عليم بالكرامة الحق وأنتم جعلتم المكارم فيما دون ذلك من البطش وإفناء الأموال في غير وجه وغير ذلك الكرامة التي هي التقوى خبير بمقدار حظوظ الناس من التقوى فهي عنده حظوظ الكرامة فلذلك الأكرم هو الأتقى، وهذا كقوله: ﴿ فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ﴾ [النجم: 32] أي هو أعلم بمراتبكم في التقوى، أي التي هي التزكية الحق.

ومن هذا الباب قوله: ﴿ الله أعمل حيث يجعل رسالاته ﴾ [الأنعام: 124].

علم أن قوله: ﴿ إن أكرمكم عند الله اتقاكم ﴾ لا ينافي أن تكون للناس مكارم أخرى في المرتبة الثانية بعد التقوى مما شأنه أن يكون له أثر تزكية في النفوس مثل حسن التربية ونقاء النسب والعرافة في العلم والحضارة وحسن السمعة في الأمم وفي الفصائل، وفي العائلات، وكذلك بحسب ما خلده التاريخ الصادق للأمم والأفراد فما يترك آثاراً لأفرادها وخلالاً في سلائلها قال النبي صلى الله عليه وسلم «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» فإن في خلق الأنباء آثاراً من طباع الآباء الأدنَيْن أو الأعَليْن تكون مهيئة نفوسهم للكمال أو ضده وأن للتهذيب والتربية آثاراً جمّة في تكميل النفوس أو تقصيرها وللعوائد والتقاليد آثارها في الرفعة والضعة وكل هذه وسائل لإعداد النفوس إلى الكمال والزكاء الحقيقي الذي تخططه التقوى.

وجملة ﴿ إن الله عليم خبير ﴾ تذييل، وهو كناية عن الأمر بتزكية نواياهم في معاملاتهم وما يريدون من التقوى بأن الله يعلم ما في نفوسهم ويحاسبهم عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ الشُّعُوبَ والقَبائِلَ لِلتَّعارُفِ لا لِلِافْتِخارِ، وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الشُّعُوبَ النَّسَبُ الأبْعَدُ والقَبائِلَ النَّسَبُ الأقْرَبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

وَقالَ الشّاعِرُ قَبائِلُ مِن شُعُوبٍ لَيْسَ فِيهِمْ كَرِيمٌ قَدْ يُعَدُّ ولا نُجِيبُ وَسُمُّوا شُعُوبًا لِأنَّ القَبائِلَ تَشَعَّبَتْ مِنها.

الثّانِي: أنَّ الشُّعُوبَ عَرَبُ اليَمَنِ مِن قَحْطانَ، والقَبِيلَةُ رَبِيعَةُ ومُضَرُ وسائِرُ عَدْنانَ.

الثّالِثُ: أنَّ الشُّعُوبَ بُطُونُ العَجَمِ، والقَبائِلَ بُطُونُ العَرَبِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ الشُّعُوبَ هُمُ المُضافُونَ إلى النَّواحِي والشِّعابِ، والقَبائِلَ هُمُ المُشْتَرِكُونَ في الأنْسابِ، قالَ الشّاعِرُ وتَفَرَّقُوا شُعُبًا فَكُلُّ جَزِيرَةٍ ∗∗∗ فِيها أمِيرُ المُؤْمِنِينَ ومِنبَرُ والشُّعُوبُ جَمْعُ شَعْبٍ بِفَتْحِ الشِّينِ، والشِّعْبُ بِكَسْرِ الشِّينِ هو الطَّرِيقُ وجَمْعُهُ شِعابٌ، فَكانَ اخْتِلافُ الجَمْعَيْنِ مَعَ اتِّفاقِ اللَّفْظَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى اخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ.

﴿ إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ ﴾ إنَّ أفْضَلَكم، والكَرَمُ بِالعَمَلِ والتَّقْوى لا بِالنَّسَبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن أبي مليكة قال: لما كان يوم الفتح رقي بلال فأذن على الكعبة، فقال بعض الناس: هذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة، وقال بعضهم: إن يسخط الله هذا يغيره، فنزلت ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ الآية.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج وابن مردويه والبيهقي في سننه عن الزهري قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بياضة أن يزوّجوا أبا هند امرأة منهم، فقالوا: يا رسول الله أتزوّج بناتنا موالينا؟

فأنزل الله: ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ الآية قال الزهري: نزلت في أبي هند خاصة.

قال: وكان أبو هند حجام النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن مردويه من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنكحوا أبا هند وانكحوا إليه» قالت: ونزلت ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: ما خلق الله الولد إلا من نطفة الرجل والمرأة جميعاً، وذلك أن الله يقول: ﴿ إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية في الحجرات ﴿ إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ هي مكية وهي للعرب خاصة الموالي أي قبيلة لهم وأي شعاب، وقوله: ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ قال: أتقاكم للشرك.

وأخرج البخاري وابن جرير عن ابن عباس ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل ﴾ قال: الشعوب القبائل العظام، والقبائل البطون.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الشعوب الجماع، والقبائل الأفخاذ التي يتعارفون بها.

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل ﴾ قال: القبائل الأفخاذ، والشعوب الجمهور مثل مضر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل ﴾ قال: الشعب هو النسب البعيد، والقبائل كما سمعته يقول فلان من بني فلان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ وجعلناكم شعوباً ﴾ قال: النسب البعيد، ﴿ وقبائل ﴾ قال: دون ذلك جعلنا هذا لتعرفوا فلان ابن فلان من كذا وكذا.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: القبائل رؤوس القبائل، والشعوب الفصائل والأفخاذ.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه، فلما خرج لم يجد مناخاً فنزل على أيدي الرجال فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذي أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتكبرها بآبائها، الناس رجلان برٌّ تقيّ كريمٌ على الله وفاجرٌ شقيّ هّينٌ على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب.

قال الله: ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ إلى قوله: ﴿ خبير ﴾ ثم قال: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: «يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلغت؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: فليبلغ الشاهد الغائب» .

وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بآبائها، كلكم لآدم وحواء كطف الصاع بالصاع، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم، فمن أتاكم ترضون دينه وأمانته فزوجوه» .

وأخرج أحمد وابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أنسابكم هذه ليست بمسيئة على أحد، كلكم بنو آدم طف الصاع لم تملأوه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة، أكرمكم عند الله أتقاكم» .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقول يوم القيامة أمرتكم فضيعتم ما عهدت إليكم ورفعتم أنسابكم فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم، أين المتقون؟

أين المتقون؟

إن أكرمكم عند الله أتقاكم» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله يوم القيامة: أيها الناس إني جعلت نسباً وجعلتم نسباً فجعلت أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا فلان أكرم من فلان وفلان أكرم من فلان، وإني اليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم، ألا أن أوليائي المتقون» .

وأخرج الخطيب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة أوقف العباد بين يدي الله تعالى غرلاً بهماً فيقول الله: عبادي أمرتكم فضيعتم أمري، ورفعتم أنسابكم فتفاخرتم بها اليوم أضع أنسابكم، أنا الملك الديّان أين المتقون؟

أين المتقون؟

إن أكرمكم عند الله أتقاكم» .

وأخرج ابن مردويه عن سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من التراب، ولا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا أحمر على أبيض ولا أبيض على أحمر إلا بالتقوى» .

وأخرج الطبراني عن حبيب بن خراش القصري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى» .

وأخرج أحمد عن رجل من بني سليط قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، التقوى ههنا، وقال بيده إلى صدره، وما توادَّ رجلان في الله فيفرق بينهما إلا حدث يحدث أحدهما والمحدث شر والمحدث شر والمحدث شر» .

وأخرج البخاري والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم؟

قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك.

قال: فعن معادن العرب تسألوني؟

قالوا: نعم.

قال: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا» .

وأخرج أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أنظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى» .

وأخرج البخاري في الأدب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا أرى أحداً يعمل بهذه الآية ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴾ حتى بلغ ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ فيقول الرجل للرجل أنا أكرم منك فليس أحد أكرم من أحد إلا بتقوى الله.

وأخرج البخاري في الأدب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما تعدون الكرم وقد بين الله الكرم وأكرمكم عند الله أتقاكم، وما تعدون الحسب أفضلكم حسباً أحسنكم خلقاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن درة بنت أبي لهب قالت: قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟

فقال: «خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله عز وجل وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والطبراني والدارقطني والحاكم وصححه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحسب المال والكرم التقوى» .

وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما أعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من الدنيا ولا أعجبه أحد قط إلا ذو تقوى.

وأخرج الحكيم الترمذي عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اتقى الله أهاب الله منه كل شيء، ومن لم يتق الله أهابه الله من كل شيء» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الحياء زينة، والتقى كرم، وخير المركب الصبر، وانتظار الفرج من الله عبادة» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبده خيراً جعل غناه في نفسه وتقاه في قلبه، وإذا أراد الله بعبده شراً جعل فقره بين عينيه» .

وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أوصني، فقال: عليك بتقوى الله فإنها جماع كل خير، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية المسلمين، وعليك بذكر الله وتلاوة كتاب الله فإنه نور لك في الأرض وذكر لك في السماء، وأخزن لسانك إلا من خير فإنك بذلك تغلب الشيطان» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي نضرة رضي الله عنه أن رجلاً رأى أنه دخل الجنة فرأى مملوكه فوقه مثل الكوكب، فقال والله يا رب إن هذا لمملوكي في الدنيا فما أنزله هذه المنزلة؟

قال: هذا كان أحسن عملاً منك.

وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر.

وأخرج البزار عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان» .

وأخرج أحمد عن أبي ريحانة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزاً وكبراً فهو عاشرهم في النار» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من الجاهلية لا تتركهن أمتي: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إثنتان في الناس هما بهما كفر: النياحة والطعن في الأنساب» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ﴾ نزلت هذه الآية في الزجر عن التفاخر بالإنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء، وسبب نزولها على ما ذكره الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنه وقر، وكان إذا أتى رسول الله -  - أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول، فأتى ذات يوم وقد أخذ الناس في مجالسهم فجعل يتخطى رقاب الناس، فقال لرجل: تفسح، فقال: قد أصبت مجلساً فاجلس، فجلس مغضباً، ثم قال للرجل: من أنت؟

قال: أنا فلان، فقال له ثابت: ابن فلانة، وذكر أماً له كان يعير بها في الجاهلية، فنكس الرجل رأسه واستحيا، فقال رسول الله -  -: "من الذاكر فلانة" فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله، فقال: "انظر في وجوه الناس" فنظر إليهم، فقال: "ما رأيتَ" قال: رأيتُ أبيض وأسود وأحمر، قال: "فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى" وأنزل الله في ثابت هذه الآية (١) وقال مقاتل: نزلت في بلال المؤذن وفي أربعة نفر من قريش عابوه بسواده يوم فتح مكة، وذلك أن رسول الله -  - أمره أن يؤذن على ظهر الكعبة ليذل المشركين بذلك، فلما أذن قالوا: ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناً (٢) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ﴾ يعني: آدم وحواء، والمعنى: أنكم متساوون في النسب، ليس يفضل أحد غيره بنسبه؛ لأن كلكم مخلوق من آدم وحواء، ترجعون بالنسب إليهما، كما قال رسول الله -  -: "كلكم بنو آدم وكلكم بنو رجل واحد كطف الصاع" (٣) ثم ذكر الله تعالى أنه إنما فرق أنساب الناس ليتعارفوا لا ليتفاخروا فقال: ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا ﴾ وهي: جمع الشعب وهو الحي العظيم، والقبائل دون ذلك، وهذا قول أبي عبيدة (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) ونحو هذا ذكر أبو الهيثم فقال: الشعب شعب الرأس، يعني: شأنه الذي يضم قبائله، وفي الرأس أربع قبائل (١٢) قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: الشعوب الجمهور مثل: ربيعة ومضر والقبائل والأفخاذ (١٣) (١٤) وقال مقاتل: الشعوب رؤوس القبائل مضر وربيعة والأزد، وقبائل يعني: الأفخاذ سعد وبنو عامر (١٥) قال الزبير بن بكار (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد بالشعوب: الموالي، وبالقبائل: العرب (٢٠) (٢١) قوله تعالى: (لتعارفوا) أي: ليعرف بعضكم بعضاً في قرب النسب وبعده، ثم أعلمهم أن أرفعهم عنده منزلة أتقاهم فقال: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ ، وقال مقاتل: يعني: بلالاً (٢٢)  - قال: "إن الله -عز وجل- يقول يوم القيامة إني جعلت نسباً فجعلت أكرمكم أتقاكم، وأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان، وأنا اليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم، أين المتقون أين المتقون؟

" (٢٣) وقال أهل العلم: هذا في الزجر عن الازدراء بالناس والتحقير لهم لأجل النسب والاستطالة على من يكون حاصل (٢٤)  -، أو سبب ثان وهو العلم الموروث عنه -  -، وقد نبه على هذا بقوله: "كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي" (٢٥) (١) ذكره الثعلبي 10/ 165 أعن ابن عباس 10/ 165 أ، وأورده الماوردي في "تفسيره" 5/ 333 مختصرًا ونسبه للكلبي والفراء، ونسبه البغوي 7/ 342، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 465 لابن عباس، وذكره المؤلف في "أسباب النزول" بدون سند ص 415.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 96، "الدر المنثور" 7/ 563 وزاد نسبتة لابن أبي حاتم، وذكره البغوي 7/ 343، والقرطبي 16/ 341.

(٣) نص الحديث: "إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بآبائها كلكم لآدم وحواء، كطف الصالح بالصاع، وإن كرمكم عند الله أتقاكم فمن أتاكم، ترضون دينه وأمانته فزوجوه" انظر: "الدر المنثور" 7/ 579، وأخرج نحوه الطبري 13/ 140 عن عقبة بن عامر، قال أبو عبيد: الطف هو أن يقرب الإناء من الامتلاء من غير أن يمتلئ، يقال: هو طف المكيال وطفافه، إذا كرب أن يملأه، ومنه التطفيف في الكيل إنما هو نقصانه أي لم يملأ إلى شفته إنما هو إلى دون ذلك.

انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد الهروي 1/ 425، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير 3/ 129.

(٤) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 220.

(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 72.

(٦) انظر (شعب) في: "تهذيب اللغة" 1/ 442، و"الصحاح" 1/ 155، "اللسان" 1/ 497.

(٧) مضر: قبيلة من العدنانية، وهم بنو مضر بن معد بن عدنان، قال في "العبر": وكانت مضر أهل الكثرة والغلب بالحجاز من سائر بني عدنان، وكانت لهم الرياسة بمكة والحرم، انظر: "نهاية الأرب" ص 377.

(٨) ربيعة: حي من مضر من العدنانية، وهم بنو ربيعة بن نزار بن مضر، وتعرف بربيعة الحمرا، قال في العبر: وديارهم ما بين اليمامة والبحرين والعراق، انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 292، "نهاية الأرب" ص 242.

(٩) بنو بكر: بطن من ربيعة من العدنانية، وهم بنو بكر القحطاية، وهم بنو بكر بن عامر ابن عوف بن عذرة بن زيد اللات.

انظر: "نهاية الأرب" ص 170.

(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" (شعب) 1/ 443.

(١١) انظر (شعب) في: "العين" 1/ 262، "تهذيب اللغة" 1/ 442، "اللسان" 1/ 500.

(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" (شعب) 1/ 442، "اللسان" (شعب) 16/ 344.

(١٣) أخرجه الطبري 13/ 139 عن سعيد بن جبير، ونسبه القرطبي 16/ 344 لابن عباس.

(١٤) انظر: "تنوير المقباس" ص 517.

(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 97.

(١٦) هو: الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ابن خولجد أبو عبد الله الأسدي المديني العلامة، عالم بالأنساب وأخبار العرب، ولد بالمدينة، وولي قضاء مكة، فتوفي فيها، له تصانيف منها "أخبار العرب وأيامها"، و"نسب قريش وأخبارها"، و"الأوس والخزرج"، وغيرها، مات سنة == 256 هـ، وعمره 84 سنة.

انظر: "تاريخ بغداد" 8/ 467، "ميزان الاعتدال" 2/ 66، "تهذيب التهذيب" 3/ 312.

(١٧) انظر: "اللسان" (شعب) نسب ذلك للزبير بن بكار 1/ 500.

(١٨) انظر: "اللسان" (شعب) 1/ 500 - 501.

(١٩) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 170، 171، "تفسير البغوي" 7/ 348، "البحر المحيط" 8/ 104.

(٢٠) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 171 أ، ولم ينسبه، والبغوي 7/ 348 من غير نسبة، ونسبه ابن الجوزي 7/ 474 لعطاء عن ابن عباس، وذكره القرطبي 16/ 344 من غير نسبة، ونسبه في "الوسيط" 4/ 158 لعطاء عن ابن عباس.

(٢١) ذكر ذلك القرطبي 16/ 344 ونسبه للقشيري، وذكره المؤلف في "الوسيط" 4/ 158 ولم ينسبه.

(٢٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 97.

(٢٣) أخرج ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 171 ب عن أبي هريرة، وأورده السمرقندي في "تفسيره" 3/ 266 ولم ينسبه، وأورده القرطبي في "الجامع" 16/ 345 ونسبه لأبي هريرة، وأخرجه الحاكم عن أبي هريرة وقال: هذا حديث عال غريب الإسناد والمتن ولم يخرجاه، وقال الذهبي: غريب، قلت: المخزومي ابن زبالة ساقط.

انظر: "المستدرك" كتاب التفسير، سورة الحجرات 2/ 463 - 464.

(٢٤) كذا رسمها في الأصل.

(٢٥) أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 4/ 323 من حديث المسور بن مخرمة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ياأيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى ﴾ الذكر والأنثى هنا آدم وزوجه قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد الجنس كأنه قال: إنا خلقنا كل واحد منكم من ذكر وأنثى، والأول أظهر وأصلح لقوله صلى الله عليه وسلم: أنتم من آدم وآدم من التراب ومقصود الآية: التسوية بين الناس، والمنع مما كانت العرب تفعله من التفاخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، فبين الله أن الكرم والشرف عند الله ليس بالحسب والنسب؛ إنما هو بالتقوى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله وروي أن سبب الآية «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم فقالوا كيف نزوج بناتنا لموالينا» ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لتعارفوا ﴾ الشعوب: جمع شعب بفتح الشين، وهو أعظم من القبيلة، وتحته القبيلة ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة، وهم القرابة الأدنون فمضر وربيعة وأمثالها شعوباً، وقريش قبيلة، وبني عبد مناف بطن، وبنو هاشم فخذ، ويقال بإسكان الخاء فرقاً بينه وبين الجارحة، وبنو عبد المطلب فصيلة.

وقيل: الشعوب في العجم والقبائل في العرب والأسباط في بني إسرائيل، ومعنى لتعارفوا ليعرف بعضكم بعضاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

" القراءات: ﴿ لا تقدّموا ﴾ بالفتحات من التقدّم: يعقوب ﴿ الحجرات ﴾ بفتح الجيم: يزيد.

﴿ إخوتكم ﴾ على الجمع: يعقوب وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ ولا تجسسوا ﴾ ﴿ ولا تنابزوا ﴾ و ﴿ لتعارفوا ﴾ بالتشديدات للإدغام: البزي وابن فليح ﴿ ميتاً ﴾ مشدّداً: أبو جعفر ونافع ﴿ يألتكم ﴾ بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وقد لا يهمز في رواية.

الآخرون: بالحذف ﴿ بما يعملون ﴾ على الغيبة: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ج ﴿ لا تشعرون ﴾ ه ﴿ للتقوى ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ط ﴿ والعصيان ﴾ ط ﴿ الراشدون ﴾ ه لأن ﴿ فضلاً ﴾ مفعول له ﴿ ونعمة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أمر الله ﴾ ج لذلك ﴿ وأقسطوا ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ منهن ﴾ ج للعدول عن الغيبة إلى الخطاب ﴿ بالألقاب ﴾ ط ﴿ بعد الإيمان ﴾ ه ج لابتداء الشرط مع احتمال ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما ذكر من اللمز والنبز ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من الظن ﴾ ز للابتداء بأن إلا إنه للتعليل أي لأن ﴿ بعضاً ﴾ ج ﴿ فكرهتموه ﴾ ط ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لتعارفوا ﴾ ط ﴿ أتقاكم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ آمناً ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ أسلموا ﴾ ط ﴿ إسلامكم ﴾ ج لأن "بل" للإضراب عن الأول ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه.

التفسير: لما بين محل النبي  وعلو منصبه بقوله ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ إلى آخر السورة افتتح الآن بقوله ﴿ لا تقدموا ﴾ الآية.

ففيه تأكيد لما ذكر هناك من وجوب إتباعه والإذعان له.

والأظهر أن هذا إرشاد عام.

وذكر المفسرون في أسباب النزول وجوهاً منها ماروي عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبر أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه فقال أبو بكر لرسول الله  : أمّر القعقاع بن معبد وقال عمر: بل أمر الأقرع بن جابس.

فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي.

فقال عمر: ما أردت خلافك.

فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله الآية.

وقال الحسن والزجاج: نزلت في رجل ذبح الأضحية قبل الصلاة وقبل ذبح النبي  فأمره بإعادتها وهو مذهب أبي حنيفة إلى أن تزول الشمس.

وعند الشافعي يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة.

وعن عائشة أنها نزلت في صوم يوم الشك.

وروي أنها في القتال أي لا تحملوا على الكفار في الحرب قبل أن يأمر النبي  .

وقدّم إما متعد وحذف المفعول للعموم حتى يتناول كل فعل وقول، أو ترك مفعوله كما في قوله "فلان يعطي ويمنع" لأن النظر إلى الفعل لا إلى المفعول كأنه قيل: يجب أن لا يصدر منكم تقدم أصلاً في أيّ فعل كان.

وإما لازم نحو بين وتبين بمعنى يؤيده قراءة يعقوب.

قال جار الله: حقيقة قولهم "جلست بين يدي فلان" أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله حتى ينظر إليك من غير تقليب حدقة وذكر الله للتعظيم.

وفيه أن التقديم بين يدي رسول الله  كالتقديم بين يدي الله.

قال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه بل عليهم أن يصغوا ولا يتكلموا.

وقيل: معناه لا تخالفوا كتاب الله وسنة رسوله.

وعن الحسن في رواية أخرى: لما استقر رسول الله  بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل فنهوا أن يبتدؤه بالمسألة حتى يكون هو المبتدىء ﴿ واتقوا الله ﴾ في التقديم أو أمرهم بالتقوى ليحملهم على ترك التقدمة فإن المتقي حذر عن كل ما فيه تبعة وريب ﴿ إن الله سميع ﴾ لأقوالكم ﴿ عليم ﴾ بنياتكم وأفعالكم.

ثم أعاد النداء عليهم مزيداً للتنبيه، وفيه نوع تفصيل بعد إجمال وتتخصيص بعد تعميم.

وعن ابن عباس أن ثابت ابن قيس بن شماس كان في أذنه وقر وكان جهوريّ الصوت وكان يتأذى رسول الله  بصوته إذا كلمه، فحين نزلت الآية فقد ثابت فتفقده رسول الله  فاعتذر بأنه رجل جهير الصوت يخاف أن تكون الآية نزلت فيه.

فقال له رسول الله  : لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة.

وعن الحسن: نزلت في المنافقين كانوا يرفعون بأصواتهم فوق صوت رسول الله  استخفافاً واستهانة وليقتدي بهم ضعفة المسلمين فنهى المؤمنون عن ذلك.

وعلى هذا فإما أن يكون الإيمان أعم من أن يكون باللسان أو به وبالقلب، وإما أن يكون الإيمان حقيقة فيكون تأديباً للمؤمنين الخلص حتى يكون حالهم بخلاف حال أهل النفاق، ويكون كلامهم لرسول الله  أخفض من كلامه لهم رعاية لحشمته وصيانة على مهابته.

قوله ﴿ ولا تجهروا له بالقول كجهر ﴾ أي جهراً مثل جهر ﴿ بعضكم لبعض ﴾ قيل: تكرار للمعنى الأوّل لأجل التأكيد فإن الجهر هو رفع الصوت والجمهور على أن بين النهيين فرقاً.

ثم اختلفوا فقيل: الأول فيما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا في أثناء كلامه فنهوا أن يكون جهرهم باهر الجهر.

والثاني فيما إذا سكت ونطقوا فنهوا عن جهر مقيد بما اعتادوه فيما بينهم وهو الخالي عن مراعاة أبهة النبوّة.

وقيل: النهي الأول أعم مما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا والمراد بالنهي الثاني أن لا ينادي وقت الخطاب باسمه أو كنيته كنداء بعضهم لبعض فلا يقال: يا أحمد يا محمد يا أبا القاسم ولكن يا نبي الله يا رسول الله.

ثم علل كلاً من النهيين بقوله ﴿ أن تحبط ﴾ أي كراهة حبوط أعمالكم وذلك أن الرفع والجهر إذا كان عن استخفاف وإهانة كان كفراً محبطاً للأعمال السابقة.

والمفعول له يتعلق بالفعل الأول في الظاهر عند الكوفيين وبالعكس عند البصريين.

وجوز في الكشاف أن يقدر الفعل في الثاني مضموماً إليه المفعول له كأنهما شيء واحد ثم يصب عليهما الفعل جميعاً صباً واحداً، والمعنى أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط لأنه كان بصدد الأداء إليه فجعل كأنه سبب في إيجاده كقوله ﴿ ليكون لهم عدواً وحزناً  ﴾ وفي قوله ﴿ وأنتم لا تشعرون ﴾ إشارة إلى أن ارتكاب المآثم يجر الأعمال إلى الحبوط من حيث لا يشعر المرء به.

ومثله قول الحكيم: إن كلاً من الأخلاق الفاضلة والرذيلة تكون أوّلاً حالاً ثم تصير ملكة راسخة وعادة مستمرة.

ومنه قول أفلاطون: لا تصحب الشرير فإن طبعك يسرق وأنت لا تدري.

فالعاقل من يجتهد في الفضائل أن تصير ملكات، وفي الرذائل أن تزول عنه وهي أحوال.

قال ابن عباس: لما نزلت الآية قال أبو بكر: يا رسول الله والله ولا أكلمك إلا السرار أو كأخي السرار حتى ألقى الله فأنزل الله فيه وفي أمثاله ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ﴾ هو افتعل من المحنة وهو اختبار بليغ يقال: امتحن فلان لأمر كذا أي جرب له فوجد قوياً عليه، أو وضع الامتحان موضع المعرفة لأن تحقق الشيء باختباره فكأنه قيل: عرف الله قلوبهم كائنة للتقوى فاللام متعلقة بالمحذوف كقولك: أنت لهذا الأمر.

أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف لأجل التقوى وحصولها فيها سابقة ولا حقة ﴿ لهم مغفرة ﴾ لذنوبهم ﴿ وأجر عظيم ﴾ لطاعتهم.

وفي تنكير الوعد وغير ذلك من مؤكدات الجملة تعريض بعظم ما ارتكب غيرهم واستحقاقهم أضداد ما استحق هؤلاء.

يروى أنه كان إذا قدم على رسول الله  وفد أرسل إليهم أبو بكر من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة والوقار.

قال العلماء: إن النهي لا يتناول رفع الصوت الذي ليس باختيار المكلف كما مر في حديث ثابت بن قيس، ولا الذي نيط به صلاح في حرب أو جدال معاند أو إرهاب عدوّ.

ففي الحديث أنه  قال للعباس ابن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: أصرخ بالناس وكان العباس أجهر الناس صوتاً.

وفيه قال نابغة بني جعدة: زجر أبي عروة السباع إذا *** أشفق أن يختلطن بالغنم وأبو عروة كنية العباس.

زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيشق مرارة السبع في جوفه.

ويروى أن غارة أتتهم يوماً فصاح العباس يا صباحاه فأسقطت الحوامل لشدّة صوته.

ثم علمهم أدباً أخص فقال: ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ﴾ أي من جانب البر والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض.

والحجرة البقعة التي يحجرها المرء لنفسه كيلا يشاركه فيها غيره من الحجر وهو المنع "فعلة" بمعنى مفعولة، وجمعت لأن كلاً من أمهات المؤمنين لها حجرة.

روي أن وفداً من بني تميم قدم على النبي  وهم سبعون رجلاً منهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن.

فدخلوا المسجد ونادوا النبي  من خارج حجراته كأنهم تفرقوا على الحجرات أو أتوها حجرة فنادوه من ورائها أو نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالاً له  .

والفعل وإن كان مستنداً إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم لأن رضا الباقين به كالتولي له.

وحكى الأصم أن الذي ناداه عيينة والأقرع قالا: أخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا زين منا شين.

فتأذى رسول الله  من ذلك فخرج إليهم وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين.

فقال لهم: فيم جئتم؟

فقالوا: جئنا بخطيبنا وشاعرنا نفاخرك ونشاعرك.

فقال: ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا.

فقام خطيبهم فخطب وقام شاعرهم وأنشد فأمر النبي  ثابت بن قيس فقام وخطب وأمر حساناً فقام وأنشد.

فلما فرغوا قام الأقرع وقال: والله ما أدري ما هذا، تكلم خطيبنا وكان خطيبهم أحسن قولاً، وأنشد شاعرنا وكان شاعرهم أشعر.

ثم دنا من رسول الله  وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله.

وعن زيد بن أرقم أنهم قالوا: نمتحنه فإن يكن ملكاً عشنا في جنابه، وإن يكن نبياً كان أولى بأن نكون أسعد الناس به.

وقيل: إنهم وفدوا شافعين في أسرى بني العنبر.

أما إخبار الله  عنهم بأن أكثرهم لا يعقلون فإما لأن الأكثر أقيم مقام الكل على عادة الفصحاء كيلا يكون الكلام بصدد المنع، وإما لأن الحكم بقلة العقلاء فيهم عبارة عن العدم فإن القلة تقع موقع النفي في كلامهم، وإما لأن فيهم من رجع وندم على صنيعه فاستثناه الله  .

وإنما حكم عليهم بعدم العقل لأنهم يعقلوا أن هذا النحو من النداء خارج عن قانون الأدب ومنبىء عن عدم الوقار والأناة لا سيما في حق النبي  فإنه لم يكن يحتجب عن الناس إلا عند الخلوة والاشتغال بمهامّ أهل البيت فلذلك قال ﴿ ولو أنهم صبروا حتى تخرج ﴾ وفائدة قوله ﴿ إليهم ﴾ أنه لو خرج لا لأجلهم لزمهم الصبر إلى أن يكون خروجه إليهم لأجلهم ﴿ لكان ﴾ الصبر ﴿ خيراً لهم ﴾ في دينهم وهو ظاهر وفي دنياهم بأن ينسبوا إلى وفور العقل وكمال الأدب.

وقيل: بإطلاق أسرائهم جميعاً فقد روي أن النبي  أطلق النصف وفادى النصف ﴿ والله غفور ﴾ مع ذلك لمن تاب ﴿ رحيم ﴾ في قبول التوبة.

سئل رسول الله  عن وفد بني تميم فقال: إنهم جفاة بني تميم ولولا أنهم من أشد الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم.

ويحكى عن أبي عبيدة وهو المشهور بالعلم والزهادة وثقة الرواية أنه قال: ما وقفت بباب عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه.

ثم أرشدهم إلى أدب آخر فقال ﴿ يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ﴾ وقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله  إلى بني المصطلق مصدقاً وكان بينهما إحنة، فلما سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم خافهم فرجع فقال: إن القوم هموا بقتلي ومنعوا صدقاتهم.

فهم النبي  بغزوهم، فبيناهم في ذلك إذ قدم وفدهم وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فاتهمهم النبي  وقال: لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلاً هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم ويسبي ذراريكم، ثم ضرب بيده على كتف علي  فقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله.

وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه الصدقات فرجع.

قال جار الله: في تنكير الفاسق والنبأ عموم كأنه قيل: أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبأ فتوقفوا فيه واطلبوا البيان لأن من لا يتجافى جنس الفسوق ولا يتجافى بعض أنواعه الذي هو الكذب.

والفسوق الخروج عن الشيء والانسلاخ منه فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه "فقست البيضة" إذا كسرتها وأخرجت ما فيها.

ومن تقاليبه أيضاً "قفست الشيء" بتقديم القاف إذا أخرجته من يد مالكه غصباً.

والنبأ الخبر الذي يعظم وقعه.

واختبر لفظة "إن" التي هي للشك دون "إذا" تنبيهاً على أنه  ومن معه بمنزلة لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب إلا على سبيل الفرض والندرة، فعلى المؤمنين أن يكونوا بحيث لا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور.

ثم علل التبين بقوله ﴿ أن تصيبوا ﴾ أي كراهة إصابتكم ﴿ قوماً ﴾ حال كونكم جاهلين بحقيقة الأمر.

والندم ضرب من الغم وهو أن تغتم على ما وقع منك متمنياً أنه لم يقع ولا يخلو من دوام وإلزام.

ومن مقلوباته "أدمن الأمر" إذا دام عليه.

ومدن بالمكان أقام به.

قال الأصوليون من الأشاعرة: إن خبر الواحد العدل يجب العمل به لأن الله  أمر بالتبيين في خبر الفاسق، ولو تبينا في خبر العدل لسوّينا بينهما.

وضعف بأنه من باب التمسك بالمفهوم.

واتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لأن باب الشهادة أضيق من باب التمسك بمفهوم الخبر.

وأكثر المفسرين على أن الوليد كان ثقة عند رسول الله  فصار فاسقاً بكذبه.

وقيل: إن الوليد لم يقصد الكذب ولكنه ظن حين اجتمعوا لإكرامه أن يكونوا هموا بقتله.

ولقائل أن يقول: لفظ القرآن وسبب النزول يدل على خلافه.

نعم لو قيل: إنه تاب بعد ذلك لكان له وجه ثم أرشدهم إلى أمر آخر قائلاً ﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله ﴾ وليس هذا الأمر مقصوداً بظاهره لأنه معلوم مشاهد فلا حاجة إلى التنبيه عليه، وإنما المراد ما يستلزم كونه فيهم كما يقال من يغلط في مسألة أو يقول فيها برأيه: أعلم أن الشيخ حاضر.

ثم قيل: المراد لا تقولوا الباطل والكذب فإن الله يخبره ويوحي إليه.

وقيل: أراد أن الرأي رأيه فلا تعدوا رأيه وقد صرح بهذا المعنى في قوله ﴿ لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ﴾ لوقعتم في العسر والمشقة والحرج لأنه أعلم منكم بالحنيفية السهلة السمحاء، ومن جملة ذلك قصة الوليد فإنه لو أطاعه وقبل قوله لقتل وقتلتم وأخذ المال وأخذتم فاتهمتهم.

قال جار الله: الجملة المصدّره بلو ليس كلاماً مستأنفاً لاختلال النظم حينئذ ولكنها حال من أحد الضميرين في ﴿ فيكم ﴾ وهو المستتر المرفوع أو البارز المجرور.

والمعنى أن فيكم رسول الله على حالة يجب تغييرها وهي أنكم تطلبون منه اتباع آرائكم.

قلت: قد ذكرنا في وجه النظم بياناً آخر.

ثم قال: فائدة تقدير خبر "أن" هو أن يعلم أن التوبيخ ينصب إلى هذا الغرض.

وفائدة قوله ﴿ يطيعكم ﴾ بلفظ الاستقبال الدلالة على ما أرادوه من استمرار طاعته لهم وأنه لا يخالفهم في كثير مما عنّ لهم من الآراء والأهواء.

وفي قوله ﴿ في كثير من الأمر ﴾ مراعاة لجانب المؤمنين حيث لم ينسب جميع آرائهم إلى الخطأ، وفيه أيضاً تعليم حسن وتأديب جميل في باب التخاطب.

ويمكن أن يكون إشارة إلى تصويب رأي بعضهم لا إلى تصويب بعض رأيهم فقد قيل: إن بعضهم زينوا لرسول الله  الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد، وبعضهم كانوا يرون التحلم عنهم إلى أن يتبين أمرهم، وقد أشار إلى هذا البعض بقوله ﴿ ولكن الله حبب إليكم الأيمان ﴾ أي إلى بعضكم وإلا لم يحسن الاستدراك يعني بـ ﴿ لكن ﴾ فإن من شرطه مخالفة ما بعده لما قبله.

فلو كان المخاطبون في الطرفين واحداً لم يكن للاستدراك معنى بل يؤدّي إلى التناقض لأنه يكون قد أثبت لهم في ثاني الحال محبة الإيمان وكراهة العصيان، وذكر أوّلاً أنه توجب إجابتهم الوقوع في العنت.

قال أهل اللغة: الطاعة موافقة الداعي غير أن المستعمل في حق الأكابر الإجابة، وفي حق الأصاغر الطاعة، وقد ورد القرآن على أصل اللغة.

استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ حبب ﴾ و ﴿ كره ﴾ على مسألة خلق الأفعال.

وحملها المعتزلة على نصب الأدلة أو اللطف والتوفيق أو الوعد والوعيد.

والمعنى ولكن الله حبب إليكم الإيمان فأطعتموه فوقاكم العنت والكفر واضح.

وأما الفسوق والعصيان فقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر.

ويحتمل أن يكون الكفر مقابل التصديق بالجنان، والفسوق مقابل الإقرار باللسان لأن الفسق ههنا أمر قولي بدليل قوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ سماه فاسقاً لكذبه والعصيان مقابل العمل بالأركان ﴿ أولئك ﴾ البعض المتبينون ﴿ هم الراشدون ﴾ وهذه جملة معترضة.

وقوله ﴿ فضلاً من الله ونعمة ﴾ كل منهما مفعول له والعامل فيهما ﴿ حبب ﴾ و ﴿ كره ﴾ ويجوز أن يكونا منصوبين عن الراشدين لأن الرشد عبارة عن التحبيب والتكريه المستندين إلى الله، فكأن الرشد أيضاً فعله فاتحد الفاعل في الفعل والمفعول له بهذا الاعتبار.

ويجوز أن يكونا مصدرين من غير لفظ الفعل وهو الرشد فكأنه قيل: فأولئك هم الراشدون رشداً لأن رشدهم إفضال وإنعام منه.

قال بعض العلماء: الفضل بالنظر إلى جانب الله الغنيّ، والنعمة بالنظر إلى جانب العبد الفقير ﴿ والله عليم ﴾ بأحوال الخلق وما بينهم من التمايز والتفاضل ﴿ حكيم ﴾ في تدابيره وأفضاله وأنعامه.

ثم علمهم حكماً آخر.

في الصحيحين عن أنس أنه قيل لرسول الله  : يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبيّ.

فانطلق إليه على حمار وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة فبال الحمار فقال: إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك.

فقال عبد الله بن رواحة: والله إن بول حماره أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله رجل من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فوقع بينهم حرب بالجريد والأيدي والنعال فأنزل الله فيهم ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ جمع لأن الطائفتين في معنى القوم، أو الناس، أو لأن اقل الجمع اثنان فرجع إليهم رسول الله  فأصلح بينهم.

وعن مقاتل: قرأها عليهم فاصطلحوا.

وقال ابن بحر: القتال لا يكون بالنعال والأيدي وإنما هذا في المنتظر من الزمان.

والطائفة الجماعة وهي أقل من الفرقة لقوله ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة  ﴾ وارتفاعها بمضمر دل عليه ما بعده أي إن اقتتلت طائفتان واختير "أن" دون "إذا" مع كثرة وقوع القتال بين المؤمنين ليدل على أنه مما ينبغي أن لا يقع إلا نادراً وعلى سبيل الفرض والتقدير، ولهذه النكتة بعينها قال ﴿ طائفتان ﴾ ولم يقل "فريقان" تحقيقاً للتقليل كما قلنا.

وفي تقديم الفاعل على الفعل إشارة أيضاً إلى هذا المعنى لأن كونهما طائفتين مؤمنين يقتضي أن لا يقع القتال بينهما ولهذا اختير المضيّ في الفعل ولم يقل يقتتلون لئلا ينبىء عن الاستمرار.

وفيه أيضاً من التقابل ما فيه.

وإنما قدم الفعل في قوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ ليعلم أن المجيء بالنبأ الكاذب يورث كون الجائي به فاسقاً سواء كان قبل ذلك فاسقاً أم لا، ولو أخر الفعل لم تتناول الآية إلا مشهور الفسق قبل المجيء بالنبأ.

قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ اقتتلوا ﴾ على الجمع ولم يقل "فأصلحوا بينهم" لأن عند القتال يكون لكل منهم فعل برأسه، أما عند العود إلى الصلح فإنه تتفق كل طائفة وإلا لم يتحقق الصلح فكان كل من الطائفتين كنفس واحدة فكانت التثنية أقعد.

والبغي الاستطالة وإباء الصلح، والفيء الرجوع وبه سمي الظل لأنه يرجع بعد نسخ الشمس، أو لأن الناس يرجعون إليه، والغنيمة لأنها ترجع من الكفار إلى المسلمين.

ومعنى قوله ﴿ إلى أمر الله ﴾ قيل: إلى طاعة الرسول أو من قام مقامه من ولاة الأمر بقوله ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم  ﴾ وقيل: إلى الصلح لقوله ﴿ وأصلحوا ذات بينكم  ﴾ وقيل: إلى أمر الله بالتقوى فإن من خاف الله حق خشيته لا تبقى له عداوة إلا مع الشيطان.

وإنما قال ﴿ فإن بغت ﴾ ولم يقل "فإذا" بناء على أن بغي إحداهما مع صلاح الأخرى كالنادر، وكذا قوله ﴿ فإن فاءت ﴾ لأن الفئة الباغية مع جهلها وعنادها وإصرارها على حقدها كالأمر النادر نظيره قول القائل لعبده: "إن مت فأنت حر".

مع أن الموت لا بد منه وذلك لأن موته بحيث يكون العبد حياً باقياً في ملكه غير معلوم.

واعلم أن الباغية في اصطلاح الفقهاء فرقة خالفت الإمام بتأويل باطل بطلاناً بحسب الظن لا القطع، فيخرج المرتد لأن تأويله باطل قطعاً، وكذا الخوارج وهم صنف من المبتدعة يكفرون من أتى بكبيرة ويسبون بعض الأئمة.

وهكذا يخرج مانع حق الشرع لله أو للعباد عناداً لأنه لا تأويل له.

ولا بد أن يكون له شوكة وعدد يحتاج الإمام في دفعهم إلى كلفه ببذل مال أو إعداد رجال، فإن كانوا أفراداً يسهل ضبطهم فليسوا بأهل بغي.

والأكثرون على أن البغاة ليسوا بفسقه ولا كفرة لقوله  ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ وعن عليّ  : إخواننا بغوا علينا ولكنهم يخطئون فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل كما وقع للخارجة عن عليّ  حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص لمواطأته إياهم.

وكما قال مانعو الزكاة لأبي بكر: أمرنا بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا وصلاة غير النبي  ليست بسكن لنا.

واتفقوا على أن معاوية ومن تابعه كانوا باغين للحديث المشهور "إن عماراً تقتله الفئة الباغية" وقد يقال: إن الباغية في حال بغيها ليست بمؤمنة وإنما سماهم المؤمنين باعتبار ما قبل البغي كقوله { ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه  ﴾ والمرتد ليس بمؤمن بالاتفاق.

أما الذي يتلفه العادل على الباغي وبالعكس في غير القتال فمضمون على القاعدة الممهدة في قصاص النفوس وغرامة الأموال، وأما في القتال فلا يضمن العادل لأنه مأمور بالقتال ولا الباغي على الأصح، لأن في الوقائع التي جرت في عصر الصحابة والتابعين لم يطلب بعضهم بعضاً بضمان نفس ومال، ولأنه لو وجبت الغرامة لنفرهم ذلك عن العود إلى الطاعة.

والأموال المأخوذة في القتال تردّ بعد انقضاء الحرب إلى أربابها من الجانبين.

والمراد من متلف القتال ما يتلف بسبب القتال ويتولد منه هلاكه حتى لو فرض إتلاف في القتال من غير ضرورة القتال كان كالإتلاف في غير القتال، والذين لهم تأويل بلا شوكة لزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس ومال وإن كان على صورة القتال، وحكمهم حكم قطاع الطريق إذا قاتلوا، ولو أسقطنا الضمان لأبدت كل شرذمة من أهل الفساد تأويلاً وفعلت ما شاءت وفي ذلك إبطال السياسات، ولهذه النكتة قرن بالإصلاح.

والثاني قوله ﴿ بالعدل ﴾ لأن تضمين الأنفس والأموال يحتاج فيه إلى سلوك سبيل العدل والنصفة لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة مرة أخرى.

واحتج الشافعي لوجوب الضمان إذا لم يكن قتال بأن ابن ملجم قتل علياًَ  زاعماً أن له شبهة وتأويلاً فأمر بحبسه وقال لهم: إن قتلتم فلا تمثلوا به فقتله الحسن بن علي  وما أنكر عليه أحد.

وأما الذين لهم شوكة ولا تأويل فالظاهر عند بعضهم نفي الضمان وعند آخرين الوجوب.

وأما كيفية قتال الباغين فإن أمكن الأسر لم يقتلوا، وإن أمكن الإثخان فلا يذفف عليه كدفع الصائل إلا إذا التحم القتال وتعسر الضبط.

قوله ﴿ وأقسطوا ﴾ أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعدما أمر به في إصلاح ذات البين، قال أهل اللغة: القسط بالفتح والسكون الجور من القسط بفتحتين وهو اعوجاج في الرجلين.

وعود قاسط يابس، والقسط بالكسر العدل والهمزة في أقسط للسلب أي أزال القسط وهو الجور.

وحين بين إصلاح الخلل الواقع بين الطائفتين أراد أن يبين الخلل الواقع بين اثنين بالتشاتم والسباب ونحو ذلك فقال ﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ أي حالهم لا يعدوا الأخوة الدينية إلى ما يضادّها ﴿ فأصحلوا بين أخويكم ﴾ بإيصال المظلوم إلى حقه وبدفع إثم الظلم عن الظالم.

والتثنية بحسب الأغلب، ويحتمل أن يقال: إنه شامل لما دون الطائفتين.

روي أن النبي  قال "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يعيبه ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه ولا يؤذيه بقتار قدره ثم قال احفظوا ولا يحفظ منكم إلى قليل" ﴿ واتقوا الله ﴾ في سائر الأبواب راجين أن يرحمكم ربكم.

ثم شرع في تأديبات آخر.

والقوم الرجال خاصة لقيامهم على الأمور.

قال جمهور المفسرين: إن ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنيه وقر وكان إذا أتى رسول الله  أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول.

فجاء يوماً وقد أخذ الناس مجالسهم فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول: تفسحوا تفسحوا.

فقال له رجل: أصبت مجلساً فاجلس.

فجلس ثابت مغضباً ثم قال للرجل: يا فلان ابن فلانه يريد أمّاً كان يعير بها في الجاهلية فسكت الرجل استحياء فنزلت.

وقيل: نزلت في الذين نادوا رسول الله  من وراء الحجرات واستهزؤا بالفقراء.

وقيل: في كعب بن مالك قال لعبد الله: يا أعرابي.

فقال له عبد الله: يا يهودي.

وقيل: نزلت ﴿ ولا نساء من نساء ﴾ في عائشة وقد عابت أم سلمة بالقصر.

ويروى أنها ربطت حقويها بثوب أبيض وأسدلت طرفها خلفها وكانت تجره فقالت عائشة لحفصة: انظري ماذات تجر خلفها كأنه لسان كلب.

وعن عكرمة عن ابن عباس: أن صفية بنت حييّ أتت رسول الله  فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين.

فقال لها رسول الله  : هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد.

وتنكير القوم والنساء للبعضية أو لإفادة الشياع.

وإنما لم يقل "رجل من رجل ولا امرأة من امرأة " زيادة للتوبيخ وتنبيهاً على أن السخرية قلما تصدر عن واحد ولكن ليشاركه في ذلك جمع من الحاضرين لأن ميل الطباع لى التلهي والدعابة والازدراء بالضعفاء وأهل السآمة أكثريّ.

وإنما لم يقل "رجل من امرأة" وبالعكس لأن سخرية الجنس من الجنس أكثر فاقتصر على ذلك والباقي فيه بالأولى.

وقوله ﴿ عسى أن يكونوا ﴾ كلام مستأنف ينبىء عن سبب النهي.

عن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلباً.

قوله  ﴿ ولا تلمزوا ﴾ تأديب آخر واللمز الطعن باللسان.

والمعنى حضوا أنفسكم بالانتهاء عن الطعن في أمثالكم من أهل هذا الدين ولا عليكم أن تعيبوا غير أهل دينكم.

قيل: اللمز والسب خلف الإنسان، والهمز العيب في وجهه الإنسان.

وقيل: بل الأمر بالعكس لأن من تقاليب همز هزم، وهو يدل على البعد، ومن مقلوب اللمز اللزم وهو يدل على القرب فيشمل العيب بالإشارة أيضاً.

قوله ﴿ ولا تنابزوا ﴾ تأديب آخر والنبز بالسكون القذف بالمكروه من الألقاب، واللقب من الأعلام ما دل على مدح أو ذم، والنبز بالفتح اللقب القبيح فهو أخص من اللقب كما أن اللقب أخص من العلم.

وإنما قال ﴿ ولا تنابزوا ﴾ ولم يقل ولا تنبزوا على منوال ﴿ ولا تلمزوا ﴾ لأن النبز لا يعجز الإنسان عن جوابه غالباً فمن ينبز غيره بالحمار كان لذلك الغير أن ينبزه بالثور مثلاً ولا كذلك اللمز فإن الملموز كثيراً ما يغفل عن عيب اللامز فلا يحضره في الجواب شيء فيقع اللمز من جانب واحد فقط.

ثم أكد النهي عن التنابز بقوله ﴿ بئس الاسم ﴾ أي الذكر ﴿ الفسوق ﴾ وفي قوله ﴿ بعد الإيمان ﴾ وجوه أحدها: استقباح الجمع بين الأمرين كما تقول "بئس الشأن الصبوة بعد الشيخوخة" أي معها.

وثانيها بئس الذكر أن يذكروا الرجل بالفسق أو باليهودية بعد إيمانه، وكانوا يقولون لمن أسلم من اليهود يا يهودي يا فاسق فنهوا عنه.

وثالثها أن يجعل الفاسق غير مؤمن كما يقال للمتحوّل عن التجارة إلى الفلاحة "بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة" فمعنى بعد الإيمان بدلاً عن الإيمان ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما نهي عنه ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ لأن الإصرار على المنهي كفر إذ جعل المنهي كالمأمور فوضع الشيء في غير موضعه قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن ﴾ فيه تأديب آخر.

ومعنى اجتنبوا كونوا منه في جانب.

وإنما قال ﴿ كثيراً ﴾ ولم يقل الظن مطلقاً لأن منه ما هو واجب كحسن الظن بالله وبالمؤمنين كما جاء في الحديث القدسي " أنا عند ظن عبدي بي" قال النبي  "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" وقال "إن حسن الظن من الإيمان" ومنه ما هو محظور وهو سوء الظن بالله وبأهل الصلاح.

عن النبي  "إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء " وهو الذي أمر في الآية باجتنابه.

ومنه ما هو مندوب إليه وهو إذا كان المظنون به ظاهر الفسق وإليه الإشارة بقوله  "من الحزم سوء الظن" وعن النبي  "احترسوا من الناس بسوء الظن" ومنه المباح كالظن في المسائل الاجتهادية.

قال أهل المعاني: إنما نكر ﴿ كثيراً ﴾ ليفيد معنى البعضية المصرح بها في قوله ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ ولو عرّف لأوهم أن المنهي عنه هو الظن الموصوف بالكثرة والذي يتصف بالقلة مرخص فيه.

والهمزة في الإثم عوض عن الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه.

تأديب آخر ﴿ ولا تجسسوا ﴾ وقد يخص الذي بالحاء المهملة بتطلب الخبر والبحث عنه كقوله ﴿ فتحسسوا من يوسف وأخيه  ﴾ فبالجيم تفعل من الجس، وبالحاء من الحس.

قال مجاهد: معناه خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله.

عن النبي  أنه قال في خطبته "يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لاتتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع عورته حتى يفضحه ولو كان في جوف بيته" وهذا الأدب كالسبب لما قبله.

فلما نهى عن ذلك نهى عن سببه أيضاً.

تأديب آخر ﴿ ولا يغتب ﴾ يقال غابه واغتابه بمعنى، والاسم الغيبة بالكسر وهي ذكر العيب بظهر الغيب، وسئل رسول الله  عنها فقال "أن تذكر أخاك بما يكره فإن كنت صادقاً اغتبته وإن كانت كاذباً فقد بهته" ثم مثل ما يناله المغتاب من عرض صاحبه على أفظع وجه فقال ﴿ أيحب ﴾ إلى آخره.

وفيه أنواع من المبالغة منها الاستفهام للتقرير ومحبة المكروه، ومنها إسناد الفعل إلى ﴿ أحدكم ﴾ ففيه إشعار بأنه لا أحد يحب ذلك، ومنها تقييد المكروه بأكل لحم الإنسان، ومنها تقييد الإنسان بالأخ، ومنها جعل الأخ أو اللحم ميتاً ففيه مزيد تنفير للطبع.

وإنما مثل بالأكل لأن العرب تقول لمن ذكر بالسوء إن الناس يأكلون فلاناً ويمضغونه، وفلان مضغة للماضغ.

شبهوا إدارة ذكره في الفم بالأكل.

والميت لمزيد التنفير كما قلنا، أو لأن الغائب كالميت من حيث لا يشعر بما يقال فيه.

أما الفاء في قوله ﴿ فكرهتموه ﴾ ففصيحة أو نتيجة لأنها للإلزام أي بل عافته نفوسكم فكرهتموه.

أو فتحققت بوجوب الإقرار وبحكم العقل وداعي الطبع كراهتكم للأكل أو اللحم أو الميت فليتحق أيضاً أن تكرهوا لما هو نظيره وهي الغيبة.

وقال ابن عباس: هي إدام كلاب الناس.

وعنه أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوّي لهما طعامهما فنام عن شأنه يوماً فبعثاه إلى رسول الله  فقال: ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فعند ذلك قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة "لبئر من آبار مكة" لغار ماؤها.

فلما راحا إلى رسول الله  قال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟

فقالا: ما تناولنا لحماً.

فقال: إنكما قد اغتبتما فنزلت.

قلت: قد تبين في الحديث أن في الآية مبالغة أخرى وهي أنه أراد باللحم الميت المدوّد المنتن المخضر، وقد عبر رسول الله  بالأمر الحسي عن الأمر المعنوي الذي أدركه بنور النبوّة منهما.

واعلم أن الغيبة وإن كانت منهية إلا أنها مباحة في حق الفاسق.

ففي الحديث "اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس" وروي "من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له واتقوا الله فيما نهاكم وتوبوا فيما وجد منكم " .

وحين علم المؤمنين تلك الآداب الجميلة عمم الخطاب منعاً من السخرية واللمز وغير ذلك على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.

قال بعض الرواة: "إن ثابت بن قيس حين قال فلان ابن فلانة قال النبي  : من الذاكر فلانة؟

فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله.

فقال: انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟

قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر.

قال: فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى والدين" ، فأنزل الله هذه الآية.

وعن مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر النبي  بلالاً حتى أذن على ظهر الكعبة فقال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم.

وقال الحرث بن هشام: أما وجه محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناَ.

وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئاً يغيره.

وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به رب السماء.

فأتى جبريل  فأخبره.

وأقول: الآية تزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء.

ويروى أن رسول الله  رأي في سوق المدينة غلاماً أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف النبي  : فاشتراه رجل وكان رسول الله  يراه عند كل صلاة ففقده يوماً فسأل عنه صاحبه فقال: محموم.

فعاده ثم سأل عنه بعد أيام فقيل: هو في ذمائه.

فجاءه وتولى غسله ودفنه فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم فنزلت.

وقوله ﴿ من ذكر وأنثى ﴾ فيه وجهان: أحدهما من آدم وحوّاء فيدل على أنه لا تفاخر لبعض على بعض لكونهم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة، والثاني كل واحد منكم أيها الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم، والتفاوت في الجنس دون التفاوت في الجنسين كالذباب والذئاب مثلاً، لكن التفاوت بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين، لأن الكافر كالأنعام بل أضل، والمؤمن هو الناس وغيره كالنسناس.

والحاصل أن الشيء إما أن يترجح على غيره بأمر يلحقه ويترتب عليه بعد وجوده، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله.

وهذا القسم إما أن يرجع إلى القابل أو إلى الفاعل كما يقال "كان هذا من النحاس وهذا من الفضة وهذا عمل فلان" فذكر الله  أنه لا ترجح بحسب الأصل القابل لأنكم كلكم من ذكر وأنثى، ولا بحسب الفاعل فإن الله هو خالقكم.

فإن كان تفاوت فبأمور لاحقة وأحقها بالتمييز هو التقوى لما قلنا، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح لشيء منها فاسق وإن كان قرشي النسب قارونيّ النشب.

ثم بين الحكمة التي من أجلها رتبهم على شعوب وقبائل وهي أن يعرف بعضهم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه فقال ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾ أي ليقع بينكم التعارف بسبب ذلك لا أن تتفاخروا بالأنساب.

وقيل: الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب.

وقال جار الله: الشعب بالفتح الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب.

أوّلها شعب وهي أعم سمي بذلك لأن القبيلة تنشعب منها، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة وهي الأخص مثال ذلك: خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.

فائدة: لا ريب أن الخلق يستعمل في الأصول أكثر، والجعل يستعمل فيما يتفرع عليه، ولهذا قال ﴿ خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور  ﴾ وقال في الآية ﴿ خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل ﴾ ولكنه قال في موضع آخر ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ فبين أن الأصل في الخلق والغرض الأقدم هو العبادة ليعلم منه أن اعتبار النسب وغيره مؤخر عن اعتبار العبادة فلهذا قال ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ وفيه معنيان: أحدهما أن التقوى تفيد الإكرام عند الله.

والثاني أن الإكرام في حكم الله يورث التقوى والأول أشهر كما يقال "ألذ الأطعمة أحلاها" أي اللذة بقدر الحلاوة لا أن الحلاوة بقدر اللذة.

عن النبي صلى الله عيله وسلم أنه طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال "الحمد لله الذي أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتكبرها.

يا أيها الناس إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم قرأ الآية" وعنه  "من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله" قال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى.

﴿ إن الله عليم ﴾ بظواهركم ﴿ خبير ﴾ ببواطنكم وحق مثله أن يخشى ويتقى.

وحين حث عموم الناس على تقواه وبخ من في إيمانه ضعف.

قال ابن عباس: إن نفراً من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا طريق المدينة بالقذاة، وأغلوا أسعارها وكانوا يقولون لرسول الله  : أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه فأنزل الله هذه الآيات.

أي قالوا آمنا بشرائطه فأطلع الله نبيه على مكنون ضمائرهم وقال: لن تؤمنوا إيماناً حقيقياً وهو الذي وافق القلب فيه اللسان.

﴿ ولكن قولوا أسلمنا ﴾ يعني إسلاماً لغوياً وهو الخضوع والانقياد خوفاً من القتل ودخولاً في زمرة أهل الإيمان والسلم.

ثم أكد النفي المذكور بقوله ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ وفيه فائدة زائدة هي أن يعلم أن الإيمان متوقع منهم لأن "لما" حرف فيه توقع وانتظار.

ثم حثهم على الطاعة بقوله ﴿ وإن تطيعوا الله ورسوله لايلتكم ﴾ أي لا ينقصكم ﴿ من ﴾ ثواب ﴿ أعمالكم شيئاً ﴾ يعني الثواب المضاعف الموعود في نحو قوله ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ ألت يألت بالهمز إذا نقص وهي لغة غطفان.

يقال ألته السلطان حقه أشدّ الألت.

ولغة أسد وأهل الحجاز لأته ليتاً.

وقال قطرب: ولته يلته بمعنى صرفه عن وجهه.

فيكون ﴿ يلتكم ﴾ على وزن "يعدكم"، وعلى الوجه المتقدم على وزن "يبعكم".

﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ لمن تاب وأخلص نيته.

ثم وصف المؤمنين المحقين بقوله ﴿ إنما المؤمنون ﴾ ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم لم يرتابوا ﴾ كما في قوله ﴿ ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ وارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة أي ثم لم يقع في قلوبهم شك فيما آمنوا به ولا إتهام لمن صدّقوه وذلك بتشكيك بعض شياطين الجن والإنس.

وقال جار الله: وجه آخر لما كان زوال الريب ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعد تقدم الإيمان تنبيهاً على مزيته وإشعاراً بأنهم مستقرون على ذلك في الأزمنة المتطاولة غضاً جديداً.

وفي قوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ تعريض بأن المذكورين أولاً كاذبون ولهذا قال ﴿ قل لم تؤمنوا ﴾ إشارة إلى كذبهم في دعواهم ورب تعريض لا يقاومه التصريح.

ثم أراد تجهيلهم بقوله ﴿ قل أتعلمون الله بدينكم ﴾ والباء قيل للسببية والأظهر أنه الذي في قولهم ما علمت بقدومك أي ما شعرت ولا أحطت به.

وذكر في أسباب النزول أنه لما نزلت الآية الأولى جاءت هؤلاء الأعراب وحلفوا أنهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه الآية.

والاستفهام للتوبيخ أي كيف تعلمونه بعقيدتكم وهو عالم بكل خافية والتعليم إفادة العلم على التدريج والمعالجة؟

وقيل: تعريض من لا يعلم بإفهام المعنى لأن يعلم قوله ﴿ يمنون عليك ﴾ نزلت في المذكورين وفي أمثالهم.

يقال: منّ عليه صنعه إذا اعتدّه عليه منة وإنعاماً.

قال أهل العربية: اشتقاق المنة من المن الذي هو القطع لأنه إنما يسدي النعمة إليه ليقطع بها حاجته لا غير من غير أن يعمل لطلب مثوبة وعوض.

ثم قال ﴿ بل الله يمن عليكم ﴾ حيث هداكم للإيمان الذي ادّعيتموه.

وفي إضافة الإسلام إليهم ازدراء بإسلامهم، وفي إيراد الإيمان مطلقاً غير مضاف إشارة إلى الإيمان المعهود الذي يجب أن يكون المكلف عليه.

وجواب الشرط محذوف أي ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في ادعاء الإيمان الحقيقي فلله المنة عليكم.

ثم عرض بأنهم غير صادقين فقال ﴿ إن الله يعلم ﴾ الآية والمراد أنه لا يخفي عليه ضمائرهم والله أعلم بالصواب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ ﴾ ظاهر الآية نهي للجماعة عن سخرية جماعة؛ لأن السخرية إنما تقع وتكون في الأغلب بين قوم وقوم، وقلما تقع بين الأفراد والآحاد؛ فعلى ذلك جرى النهي، ولكن يكون ذلك النهي للجماعة والأفراد والآحاد جميعاً، والله أعلم.

لم يحتمل السخرية المذكورة في الآية وجهينن: أحدهما: في الأفعال، يقول: لا يسخر قوم من قوم في الأفعال عسى أن يكونوا خيراً منهم في النية في تلك الأفعال أو خيراً منهم؛ أي: أفعالهم أخلص عند الله من أفعال أولئك، وأقرب إلى القبول.

والثاني: سخرية في الخلقة، وذلك راجع إلى منشئها، لا إليهم، وهم قد رضوةا بالخلقة التي أنشئوا عليها، وعسى أن يكونوا هم على تلك الخلقة عندهم خيراً منهم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: عسى أن يصيروا من بعدهم خيراً من تلك الأحوال والأفعال التي هم عليها اليوم.

والثاني: عسى أن يكونوا هم عند الله خيراً منهم في الحال؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ أخبر أن الأكرم منهم عند الله -  - هو أتقاهم، ولا ما افتخروا بما هو أسباب الفخار عندهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ﴾ ذكر سخرية نساء من نساء؛ لأن النساء ليس لهن اختلاط مع الرجال حتى تجري السخرية بينهم، وإنما الاختلاط في الغالب بين الجنس يكون، فعلى ذلك جرى النهي بالسخرية، والله أعلم.

ويحتمل أنه خص هؤلاء بهؤلاء كما خص القصاص في قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ...

﴾ الآية [البقرة: 178]، ثم جمع بين الأحرار والعبيد، والذكور والإناث بالمعنى الذي جمعهم فيه، وهو ما ذكر: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ  ﴾ أبان عن المعنى الذي به وجب القصاص فيما بينهم، فاشتركوا جميعاً في ذلك: الأحرار والعبيد، والذكور والإناث، فعلى ذلك ذكر المعنى الذي به نهاهم عن السخرية، وهو ما ذكر ﴿ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ﴾ فذلك المعنى يجمع سخرية الرجال من النساء، وسخرية النساء من الرجال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ واللمز: هو الطعن.

ثم منهم من يقول: هو الطعن باللسان.

ومنهم من يقول: بالشدق والشفة.

ومنهم من يقول: بالعين؛ وحاصله هو الطعن فيه.

وقال القتبي: اللمز: هو العيب؛ أي: لا تعيبوا.

وقال أبو عوسجة: هو شبه العيب.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَنفُسَكُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي: تذكروا مساوى أنفسكم عند الناس.

وفيه الأمر بالستر عليهم وعلى أنفسهم، وألا يهتلكوا سترهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ ﴾ أي: لا تدعوا بالألقاب، والنبز: اللقب؛ يقال: نبزت فلاناً: أي: لقبته، وفي الحجيث: "قوم نبزهم الرافضة" أي: لقبهم، ولو قال: ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ ﴾ لكان كافياً، لكن كأنه قال: ولا تظهروا ألقابهم فيسوءهم ما أظهرتم من اللقب، والله أعلم.

طثم قال بعض أهل التأويل: إنما نهو عن ذلك؛ لأنهم يسمونهم بعد إسلامهم بالأفعال التي كانوا يفعلون في حال جاهليتهم من الكفر والفسوق، ويلقبونهم بذلك، ويقولون: يا كافر، يا فاسق، ونحو ذلك، ودل على ذلك قوله -  -: ﴿ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ ﴾ .

وجائز أن يلقبوا بذلك وبغيره من الألقاب، فنهوا عن أن يسموهم بغير أسمائهم التي كانت لهم، وأن يعرفوا بأسمائهم اتي لهم، ونهوا عن التعريف بالألقاب وتغيير الأنساب والأسماء التي لهم إذا كان التعريف بذلك يسوءهم ويغطيهم، والله أعلم.

ثم قال الله -  -: ﴿ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ أي: واضعون الشيء في غير موضعه، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا؛ أي: بئس النسبة إلى الفسق التي كانت والتسمية بها بعد الإيمان إلى الاسم والفعل الذي كان له ومنه قبل الإيمان؛ كأنه قال: لا تسموهم بتلك [الأسماء] بعد الإيمان، والله أعلم.

والثاني: ﴿ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ ﴾ أي: بئس ما اختار من اسم الفسق بعدما كان اختار اسم الإيمان وفعله، فهذا يرجع إلى اختيار الفسق بعد الإيمان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ .

هاهنا أسماء ثلاثة يجب أن يتعرف ما محلها؟

وما قدرها؟

وكيف أسبابها؟

أحدها: الظن، والثاني: الشك، والثالث: العلم واليقين.

أما الظن فكأه هو الذي له ظاهر الأسباب التي لها خوف الزوال والانتقال.

والشك هو الذي فقد ظاهر أسبابه، أو له استواء الأسباب، ومقابلة بعضها بعضاً، فهو المتردد بين الحالين، لا يقر قلبه على شيء.

واليقين هو الذي له الأسباب الظاهرة التي ليس لها خوف الزوال الانتقال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ ﴾ كأنه نهى أن يحقق أو يعمل في صاحبه بسوء على ظاهر الأسباب التي هي على شرف الزوال وطرف الانتقال يجوز أن تكون غير متحققه في الأصل أو زائلة، والله أعلم.

ثم في الآية دليل على أنه ليس كل ظن يجتنب عنه، ولا كل الظن يكون إثما؛ لأنه استثنى منه بعضه بقوله: ﴿ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ فجائز أن يكون ما استثنى من الظن، ولا يأمر بالاجتناب عنه هو ما يغلب عليه الأسباب، وغالب الأسباب ربما تعمل عمل العلم واليقين بحق المكره على شيء يرخص له أو يباح العمل إذا رأى من ظاهر المكره أنه فاعل به ما أوعده، وإن كان يجوز ألا يفعل به أو لا يقدر على ما أوعده، وعلى ذلك موضوع عامة الأحكام والشرائع بين الخلق أنها على غالب الظن وضعت ليس على التحقيق، والله أعلم.

ويحتمل أن يرجع ما استثنى من الظن القليل الذي لا إثم فيه إلى الظن الحسن؛ إذ يجوز أن يظن بالإنسان الظن الحسن؛ ولا إثم فيه، إنما الأمر بالاجتناب إلى الظن بالسوء على غير تحقيق أسباب أو غير تحقيق عين ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَجَسَّسُواْ ﴾ التجسس: هو تكلف طلب المساوئ في الناس من غير أن يظهر منهم أسبابها شيء، فنهى عن تكليف طلب ذلك أو من الإظهار وأمر بالستر، ويمثل ذلك روي في الأخبار عن النبي  .

وروي عن ابن مسعود -  - أنه قيل له: هل لك في فلان يعطر لحيته خمراً، فقال عبد الله بن مسعود -  -: إن يظهر لنا شيء نأخذه، وإلا فإن الله -  - قد نهانا عن التجسس، والله أعلم.

وفرق بعضهم بين التجسس والتحسس، فقال بعضهم: بالجيم في الشرور والمساوئ، وبالحاء في الخير وفيما يباح طلبه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً ﴾ الغيبة ترجع إلى وجهين: أحدهما: أن يذكر ما فيه من مساوئ الأفعال التي سترها عن أعين الناس مما يكره إظهار ذلك عنه.

والثاني: يذكر ما فيه من قبح الأحوال والأخلاق التي لا يكاد يذكر ذلك منه أو يظهر، وعلى ذلك روي في الخبر عن النبي  أنه نهى أن يذكر الرجل أخاه بما فيه مما يكره، فقيل: إنما كنا نذكره بالشيء الذي فيه، لا بما ليس فيه، قال: "ذلك البهتان".

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ أي: لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه بعد موته، فكأنه يقول: فإذا لم يحب هذا وكرهه؛ بل يستقذره كل استقذار فالغيبة هي تناول من أخيك وهو حي، فهو في القبح يبلغ التناول منه بعد موته، فإنه كان لا أحد يتناول من لحم أخيه بعد موته، لا في حال اختياره، ولا في حال اضطراره، فلا تغتابوا ولا تذكروا منه ما فيه؛ فإنه في القبح ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ ﴾ تأويل الآية على وجهين: أحدهما: إنما خلقناكم جميعاً من أصل واحد، وهو آدم وحواء - عليهما السلام - فيكونون جميعاً إخوة وأخوات، وليس لبعض الإخوة والأخوات الافتخار والفضيلة على بعض بالآباء والقبائل التي جعلنا لهم، إنما القبائل وما ذكر للتعارف والفضيلة والكرامة فيما ذكر ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ مع ما لو كان في ذلك فضيلة وافتخار، فالكل في النسبة إليهم على السواء؛ فلا معنى لانفراد البعض بالافتخار.

والثاني: يحتمل: إنا خلقنا كل واحد منكم من الملوك والأتباع، والحر والعبد، والذكر والأنثى من ماء الذكر والأنثى، فليس لأحد على أحد من تلك الجهة التي يفتخرون بها الافتخار والفضيلة؛ إذ كانوا جميعاً من نطفة مذرة منتنة تستقذرها الطباع.

ذكر هذا؛ ليتركوا التفاخر والتطاول بالأنساب والقبائل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ ﴾ ، ثم اختلفوا في تأويل قوله: ﴿ لِتَعَارَفُوۤاْ ﴾ : قال بعضهم: الشعوب أكبر من القبائل، فالشعوب هم الأصول، والقبائل: الأفخاذ منهم، فالشعوب للعرب، والأمم والقرون للعجم.

وقال بعضهم: الشعوب للعجم، والقبائل للعرب.

وقال أبو عوسجة: الشعوب: الضروب، وهي القبائل، والواحد: شعب، والشعب الاجتماع؛ يقال: شعبت الإناء: إذا انكسر فجمعته وأصلحته، ويسمى من يصلح الإناء: شعاباً، والشعب: التفريق - أيضاً - والشعوب: المنية، ونحو ذلك.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِتَعَارَفُوۤاْ ﴾ أي: جعل فيكم هذه القبائل؛ ليعرف بعضكم بعضاً بالنسبة إلى القبائل والأفخاذ؛ فيقال: فلان التميمي والهاشمي؛ إذ كل أحد لا يعرف بأبيه وجده.

ثم قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ بين الله -  - بما به تكومن الفضيلة والكرامة، وهي التقوى، لا فيما يرون ويفتخرون بذلك، وهو النسبة إلى الآباء والقبائل؛ بل ذلك لما ذكر من التعارف؛ وهذا لأن التقوى فعله، وهو إتيان الطاعات والاجتناب عن المعاصي، وذلك مما يأتيه تعظيماً لأمر الله -  - ونهيه.

وجائز أن تنال الفضيلة والكرامة بفضل الله وكرمه بناء على فعله، فأمّا ما لا فعل له في التولد من آباء كرام فأنى يستحق الفضل بذلك لو كان افتخاراً بما يكون للآباء بمباشرتهم أسباب حصول الأولالد ليوحدوا الله -  - ويتمسكوا بطاعته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ على الوعيد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر واحد وهو أبوكم آدم، وأنثى واحدة وهي أمكم حواء، فنسبكم واحد، فلا يفخر بعضكم على بعض في النسب، وصيّرناكم بعد ذلك شعوبًا كثيرة وقبائل منتشرة؛ ليعرف بعضكم بعضًا، لا ليفخر عليه؛ لأن التمايز لا يكون إلا بالتقوى، لذا قال: إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم بأحوالكم، خبير بما تكونون عليه من كمال ونقص، لا يخفى عليه شيء من ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.vklyo"

مزيد من التفاسير لسورة الحجرات

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله