الآية ١١ من سورة المجادلة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 58 المجادلة > الآية ١١ من سورة المجادلة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا۟ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ فَٱفْسَحُوا۟ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُوا۟ فَٱنشُزُوا۟ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍۢ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 148 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة المجادلة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة المجادلة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مؤدبا عباده المؤمنين ، وآمرا لهم أن يحسن بعضهم إلى بعض في المجالس : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ) وقرئ ) في المجلس ) ( فافسحوا يفسح الله لكم ) وذلك أن الجزاء من جنس العمل ، كما جاء في الحديث الصحيح : " من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة " وفي الحديث الآخر : " ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه " ولهذا أشباه كثيرة ; ولهذا قال : ( فافسحوا يفسح الله لكم ) .

قال قتادة : نزلت هذه الآية في مجالس الذكر ، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلا ضنوا بمجالسهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض .

وقال مقاتل بن حيان : أنزلت هذه الآية يوم جمعة وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ في الصفة ، وفي المكان ضيق ، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجالس ، فقاموا حيال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته .

فرد النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم سلموا على القوم بعد ذلك ، فردوا عليهم ، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم ، فعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يحملهم على القيام ، فلم يفسح لهم ، فشق ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار ، من غير أهل بدر : " قم يا فلان ، وأنت يا فلان " .

فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه من المهاجرين والأنصار من أهل بدر ، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه ، وعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - الكراهة في وجوههم ، فقال المنافقون : ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس ؟

والله ما رأيناه قبل عدل على هؤلاء ، إن قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب لنبيهم ، فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه .

فبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " رحم الله رجلا فسح لأخيه " .

فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعا ، فتفسح القوم لإخوانهم ، ونزلت هذه الآية يوم الجمعة .

رواه ابن أبي حاتم .

وقد قال الإمام أحمد ، والشافعي : حدثنا سفيان ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه ، ولكن تفسحوا وتوسعوا " .

وأخرجاه في الصحيحين من حديث نافع به وقال الشافعي : أخبرنا عبد المجيد ، عن ابن جريج قال : قال سليمان بن موسى ، عن جابر بن عبد الله .

أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ، ولكن ليقل : افسحوا " .

على شرط السنن ولم يخرجوه وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الملك بن عمرو ، حدثنا فليح ، عن أيوب عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن يعقوب بن أبي يعقوب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ، ثم يجلس فيه ، ولكن افسحوا يفسح الله لكم " ورواه أيضا عن سريج بن يونس ، ويونس بن محمد المؤدب ، عن فليح به .

ولفظه : " لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه ، ولكن افسحوا يفسح الله لكم " تفرد به أحمد وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال : فمنهم من رخص في ذلك محتجا بحديث : " قوموا إلى سيدكم " ومنهم من منع من ذلك محتجا بحديث : " من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار " ومنهم من فصل فقال : يجوز عند القدوم من سفر ، وللحاكم في محل ولايته ، كما دل عليه قصة سعد بن معاذ ، فإنه لما استقدمه النبي - صلى الله عليه وسلم - حاكما في بني قريظة فرآه مقبلا قال للمسلمين : " قوموا إلى سيدكم " .

وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه ، والله أعلم .

فأما اتخاذه ديدنا فإنه من شعار العجم .

وقد جاء في السنن أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان إذا جاء لا يقومون له ، لما يعلمون من كراهته لذلك وفي الحديث المروي في السنن : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس حيث انتهى به المجلس ، ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس ، وكان الصحابة ، رضي الله عنهم ، يجلسون منه على مراتبهم فالصديق يجلسه عن يمينه ، وعمر عن يساره ، وبين يديه غالبا عثمان ، وعلي ; لأنهما كانا ممن يكتب الوحي ، وكان يأمرهما بذلك ، كما رواه مسلم من حديث الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي معمر ، عن أبي مسعود ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم " وما ذاك إلا ليعقلوا عنه ما يقوله ، صلوات الله وسلامه عليه ; ولهذا أمر أولئك النفر بالقيام ليجلس الذين وردوا من أهل بدر ، إما لتقصير أولئك في حق البدريين ، أو ليأخذ البدريون من العلم بنصيبهم ، كما أخذ أولئك قبلهم ، أو تعليما بتقديم الأفاضل إلى الأمام .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير التيمي عن أبي معمر ، عن أبي مسعود قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول : " استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ، ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم " .

قال أبو مسعود فأنتم اليوم أشد اختلافا .

وكذا رواه مسلم وأهل السنن ، إلا الترمذي ، من طرق عن الأعمش به .

وإذا كان هذا أمره لهم في الصلاة أن يليه العقلاء ثم العلماء ، فبطريق الأولى أن يكون ذلك في غير الصلاة .

وروى أبو داود من حديث معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، عن كثير بن مرة ، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أقيموا الصفوف ، وحاذوا بين المناكب ، وسدوا الخلل ، ولينوا بأيدي إخوانكم ، ولا تذروا فرجات للشيطان ، ومن وصل صفا وصله الله ، ومن قطع صفا قطعه الله " ولهذا كان أبي بن كعب - سيد القراء - إذا انتهى إلى الصف الأول انتزع منه رجلا يكون من أفناء الناس ، ويدخل هو في الصف المقدم ، ويحتج بهذا الحديث : " ليليني منكم أولو الأحلام والنهى " .

وأما عبد الله بن عمر فكان لا يجلس في المكان الذي يقوم له صاحبه عنه ، عملا بمقتضى ما تقدم من روايته الحديث الذي أوردناه .

ولنقتصر على هذا المقدار من الأنموذج المتعلق بهذه الآية ، وإلا فبسطه يحتاج إلى غير هذا الموضع ، وفي الحديث الصحيح : بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس ، إذ أقبل ثلاثة نفر ، فأما أحدهم فوجد فرجة في الحلقة فدخل فيها ، وأما الآخر فجلس وراء الناس ، وأدبر الثالث ذاهبا .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ألا أنبئكم بخبر الثلاثة ، أما الأول فآوى إلى الله فآواه الله ، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه ، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه " وقال الإمام أحمد : حدثنا عتاب بن زياد ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا أسامة بن زيد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما " .

ورواه أبو داود ، والترمذي ، من حديث أسامة بن زيد الليثي به .

وحسنه الترمذي .

وقد روي عن ابن عباس ، والحسن البصري ، وغيرهما أنهم قالوا في قوله تعالى : ( إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس فافسحوا ) يعني : في مجالس الحرب ، قالوا : ومعنى قوله : ( وإذا قيل انشزوا فانشزوا ) أي : انهضوا للقتال .

وقال قتادة : ( وإذا قيل انشزوا فانشزوا ) أي : إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا .

وقال مقاتل بن حيان إذا دعيتم إلى الصلاة فارتفعوا إليها .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كانوا إذا كانوا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيته فأرادوا الانصراف أحب كل منهم أن يكون هو آخرهم خروجا من عنده ، فربما يشق ذلك عليه - عليه السلام - وقد تكون له الحاجة ، فأمروا أنهم إذا أمروا بالانصراف أن ينصرفوا ، كقوله : ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا ) [ النور : 28 ] وقوله : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير ) أي : لا تعتقدوا أنه إذا فسح أحد منكم لأخيه إذا أقبل ، أو إذا أمر بالخروج فخرج ، أن يكون ذلك نقصا في حقه ، بل هو رفعة ومزية عند الله ، والله تعالى لا يضيع ذلك له ، بل يجزيه بها في الدنيا والآخرة ، فإن من تواضع لأمر الله رفع الله قدره ، ونشر ذكره ; ولهذا قال : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير ) أي : خبير بمن يستحق ذلك وبمن لا يستحقه .

قال الإمام أحمد : حدثنا أبو كامل ، حدثنا إبراهيم ، حدثنا ابن شهاب ، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب بعسفان ، وكان عمر استعمله على مكة ، فقال له عمر : من استخلفت على أهل الوادي ؟

قال : استخلفت عليهم ابن أبزى .

قال : وما ابن أبزى ؟

فقال : رجل من موالينا .

فقال عمر بن الخطاب استخلفت عليهم مولى ؟

.

فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه قارئ لكتاب الله ، عالم بالفرائض ، قاض .

فقال عمر ، رضي الله عنه : أما إن نبيكم - صلى الله عليه وسلم - قد قال : " إن الله يرفع بهذا الكتاب قوما ويضع به آخرين " وهكذا رواه مسلم من غير وجه ، عن الزهري به .

وقد ذكرت فضل العلم وأهله وما ورد في ذلك من الأحاديث مستقصاة في شرح " كتاب العلم " من صحيح البخاري ، ولله الحمد والمنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ )، يعني بقوله: تفسَّحوا: توسعوا، من قولهم مكان فسيح إذا كان واسعًا.

واختلف أهل التأويل في المجلس الذي أمر الله المؤمنين بالتفسح فيه، فقال بعضهم: ذلك كان مجلس النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خاصة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ ) قال: مجلس النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يقال ذاك خاصة.

حدثنا الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، &; 23-244 &; عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ ) ...

الآية، كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلا ضنُّوا بمجلسهم عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فأمرهم أن يفسح بعضهم لبعض.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ ) قال: كان هذا للنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ومن حوله خاصة يقول: استوسعوا حتى يصيب كلّ رجل منكم مجلسًا من النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وهي أيضًا مقاعد للقتال.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ ) قال: كان الناس يتنافسون في مجلس النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقيل لهم: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا ) .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ) قال: هذا مجلس رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، كان الرجل يأتي فيقول: افسحوا لي رحمكم الله، فيضنّ كلّ أحد منهم بقربه من رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فأمرهم الله بذلك، ورأى أنه خير لهم.

وقال آخرون: بل عُنِيَ بذلك في مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا &; 23-245 &; فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ) قال: ذلك في مجلس القتال.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين أن يتفسحوا في المجلس، ولم يخصص بذلك مجلس النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم دون مجلس القتال، وكلا الموضعين يقال له مجلس، فذلك على جميع المجالس من مجالس رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، ومجالس القتال.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار (تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ ) على التوحيد، غير الحسن البصري وعاصم، فإنهما قرآ ذلك (فِي الْمَجَالِسِ ) على الجماع .

وبالتوحيد قراءة ذلك عندنا لإجماع الحجة من القرّاء عليه.

وقوله: (فَافْسَحُوا ) يقول: فوسعوا، (يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ) يقول: يوسع الله منازلكم في الجنة، (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا ) يقول تعالى ذكره: وإذا قيل ارتفعوا، وإنما يُرَاد بذلك: وإذا قيل لكم قوموا إلى قتال عدوّ، أو صلاة، أو عمل خير، أو تفرّقوا عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقوموا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا ) إلى (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) قال: إذا قيل: انشزوا فانشزوا إلى الخير والصلاة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (فَانْشُزُوا ) قال: إلى كلّ خير، قتال عدوّ، أو أمر بالمعروف، أو حقّ ما كان.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَإِذَا &; 23-246 &; قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا ) يقول: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا.

وقال الحسن: هذا كله في الغزو.

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا ) : كان إذا نودي للصلاة تثاقل رجال، فأمرهم الله إذا نودي للصلاة أن يرتفعوا إليها، يقوموا إليها.

وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا ) قال: انشزوا عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، قال: هذا في بيته إذا قيل انشزوا، فارتفعوا عن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فإن له حوائج، فأحبّ كلّ رجل منهم أن يكون آخر عهده برسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال: (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا ) .

وإنما اخترت التأويل الذي قلت في ذلك، لأن الله عز وجل أمر المؤمنين إذا قيل لهم انشزوا، أن ينشزوا، فعم بذلك الأمر جميع معاني النشوز من الخيرات، فذلك على عمومه حتى يخصه ما يجب التسليم له.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة (فَانْشُزُوا ) بضم الشين، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة بكسرها.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان بمنـزلة يعكفُون ويعكِفون، ويعرُشون ويعرِشون، فبأيّ القراءتين قرأ القارئ فمصيب.

قوله: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) يقول تعالى ذكره: يرفع الله المؤمنين منكم أيها القوم بطاعتهم ربهم، فيما أمرهم به من التفسح في المجلس إذا قيل لهم تفسحوا، أو بنشوزهم إلى الخيرات إذا قيل لهم انشزوا إليها، ويرفع الله الذين أوتوا العلم من أهل الإيمان على المؤمنين، الذين لم يؤتوا العلم بفضل علمهم درجات، إذا عملوا بما أمروا به.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: &; 23-247 &; (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) إن بالعلم لأهله فضلا وإن له على أهله حقًا، ولعمري للحقّ عليك أيها العالم فضل، والله معطي كل ذي فضل فضله.

وكان مطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير يقول: فضل العلم أحبّ إليّ من فضل العبادة، وخير دينكم الورع.

وكان عبد الله بن مطرف يقول: إنك لتلقى الرجلين أحدهما أكثر صومًا وصلاة وصدقة، والآخر أفضل منه بونًا بعيدًا، قيل له: وكيف ذاك؟

فقال: هو أشدّهما ورعًا لله عن محارمه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به.

وقوله: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) يقول تعالى ذكره: والله بأعمالكم أيها الناس ذو خبرة، لا يخفى عليه المطيع منكم ربه من العاصي، وهو مجاز جميعكم بعمله المحسن بإحسانه، والمسيء بالذي هو أهله، أو يعفو.

-------------------------------------------------------------------------------- الهوامش: (1) المراد من هذه العبارة أن عدم تأتي النهى عن الرؤيا المنامية، وتقدم النهي عن المناجاة بمعنى المسارة، يوضحان ما اختاره، من أن النجوى معناه المسارة، تأمل.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير فيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس " لما بين أن اليهود يحيونه بما لم يحيه به الله وذمهم على ذلك ، وصل به الأمر بتحسين الأدب في مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى لا يضيقوا عليه المجلس ، وأمر المسلمين بالتعاطف والتآلف حتى يفسح بعضهم لبعض ، حتى يتمكنوا من الاستماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظر إليه .

قال قتادة ومجاهد : كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمروا أن يفسح بعضهم لبعض .

وقاله الضحاك .

وقال ابن عباس : المراد بذلك مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب .

قال الحسن ويزيد بن أبي حبيب : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قاتل المشركين تشاح أصحابه على الصف الأول فلا يوسع بعضهم لبعض ، رغبة في القتال والشهادة فنزلت .

فيكون كقوله : مقاعد للقتال .

وقال مقاتل : كان النبي صلى الله عليه وسلم في الصفة ، وكان في المكان ضيق يوم الجمعة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء أناس من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سبقوا في المجلس ، فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم ، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لمن حوله من غير أهل بدر : قم يا فلان وأنت يا فلان بعدد القائمين من أهل بدر ، فشق ذلك على من أقيم ، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهية في وجوههم ، فغمز المنافقون وتكلموا بأن قالوا : ما أنصف هؤلاء وقد أحبوا القرب من نبيهم [ ص: 266 ] فسبقوا إلى المكان ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية .

تفسحوا أي : توسعوا .

وفسح فلان لأخيه في مجلسه يفسح فسحا أي : وسع له ، ومنه قولهم : بلد فسيح ولك في كذا فسحة ، وفسح يفسح مثل منع يمنع ، أي : وسع في المجلس ، وفسح يفسح فساحة مثل كرم يكرم كرامة أي : صار واسعا ، ومنه مكان فسيح .الثانية : قرأ السلمي وزر بن حبيش وعاصم في المجالس .

وقرأ قتادة وداود بن أبي هند والحسن باختلاف عنه " إذا قيل لكم تفاسحوا " الباقون " تفسحوا في المجلس " فمن جمع فلأن قول : تفسحوا في المجالس ينبئ أن لكل واحد مجلسا .

وكذلك إن أريد به الحرب .

وكذلك يجوز أن يراد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وجمع لأن لكل جالس مجلسا .

وكذلك يجوز إن أريد بالمجلس المفرد مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ، ويجوز أن يراد به الجمع على مذهب الجنس ، كقولهم : كثر الدينار والدرهم .قلت : الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير والأجر ، سواء كان مجلس حرب أو ذكر أو مجلس يوم الجمعة ، فإن كل واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه قال صلى الله عليه وسلم : من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ فيخرجه الضيق عن موضعه .

روى البخاري ومسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه .

وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر ، ولكن تفسحوا وتوسعوا .

وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه .

لفظ البخاري .الثالثة : إذا قعد واحد من الناس في موضع من المسجد لا يجوز لغيره أن يقيمه حتى [ ص: 267 ] يقعد مكانه ، لما روى مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول : افسحوا .فرع : القاعد في المكان إذا قام حتى يقعد غيره موضعه نظر ؛ فإن كان الموضع الذي قام إليه مثل الأول في سماع كلام الإمام لم يكره له ذلك ، وإن كان أبعد من الإمام كره له ذلك ، لأن فيه تفويت حظه .الرابعة : إذا أمر إنسان إنسانا أن يبكر إلى الجامع فيأخذ له مكانا يقعد فيه لا يكره ، فإذا جاء الآمر يقوم من الموضع ، لما روي : أن ابن سيرين كان يرسل غلامه إلى مجلس له في يوم الجمعة فيجلس له فيه ، فإذا جاء قام له منه .فرع : وعلى هذا من أرسل بساطا أو سجادة فتبسط له في موضع من المسجد .الخامسة : روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا قام أحدكم - وفي حديث أبي عوانة من قام من مجلسه - ثم رجع إليه فهو أحق به قال علماؤنا : هذا يدل على صحة القول بوجوب اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه ، لأنه إذا كان أولى به بعد قيامه فقبله أولى به وأحرى .

وقد قيل : إن ذلك على الندب ، لأنه موضع غير متملك لأحد لا قبل الجلوس ولا بعده .

وهذا فيه نظر ، وهو أن يقال : سلمنا أنه غير متملك لكنه يختص به إلى أن يفرغ غرضه منه ، فصار كأنه يملك منفعته ؛ إذ قد منع غيره من أن يزاحمه عليه .

والله أعلم .السادسة : قوله تعالى : يفسح الله لكم أي : في قبوركم .

وقيل : في قلوبكم .

وقيل : يوسع عليكم في الدنيا والآخرة .وإذا قيل انشزوا فانشزوا قرأ نافع وابن عامر وعاصم بضم الشين فيهما .

وكسر الباقون ، وهما لغتان مثل يعكفون و يعرشون والمعنى : انهضوا إلى الصلاة والجهاد وعمل الخير ، قال أكثر المفسرين .

وقال مجاهد والضحاك : إذا نودي للصلاة فقوموا إليها .

وذلك أن رجالا تثاقلوا عن الصلاة فنزلت .

وقال الحسن ومجاهد أيضا : أي : انهضوا إلى الحرب .

وقال ابن زيد : هذا في بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، كان كل رجل منهم يحب أن يكون آخر عهده بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال الله تعالى : وإذا قيل انشزوا عن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 268 ] فانشزوا ؛ فإن له حوائج فلا تمكثوا .

وقال قتادة : المعنى أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بمعروف ، وهذا هو الصحيح ؛ لأنه يعم .

والنشز : الارتفاع ، مأخوذ من نشز الأرض وهو ارتفاعها ، يقال : نشز ينشز وينشز إذا انتحى من موضعه ، أي : ارتفع منه .

وامرأة ناشز منتحية عن زوجها .

وأصل هذا من النشز ، والنشز هو ما ارتفع من الأرض وتنحى ؛ ذكره النحاس .السابعة : قوله تعالى : يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات أي : في الثواب في الآخرة وفي الكرامة في الدنيا ، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن ، والعالم على من ليس بعالم .

وقال ابن مسعود : مدح الله العلماء في هذه الآية .

والمعنى أنه يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات أي : درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به .

وقيل : كان أهل الغنى يكرهون أن يزاحمهم من يلبس الصوف فيستبقون إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ، فالخطاب لهم .

ورأى عليه الصلاة والسلام رجلا من الأغنياء يقبض ثوبه نفورا من بعض الفقراء أراد أن يجلس إليه فقال : يا فلان خشيت أن يتعدى غناك إليه أو فقره إليك وبين في هذه الآية أن الرفعة عند الله تعالى بالعلم والإيمان لا بالسبق إلى صدور المجالس .

وقيل : أراد بالذين أوتوا العلم الذين قرءوا القرآن .

وقال يحيى بن يحيى عن مالك : يرفع الله الذين آمنوا منكم الصحابة والذين أوتوا العلم درجات يرفع الله بها العالم والطالب للحق .قلت : والعموم أوقع في المسألة وأولى بمعنى الآية ، فيرفع المؤمن بإيمانه أولا ثم بعلمه ثانيا .

وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقدم عبد الله بن عباس على الصحابة ، فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه ، وسألهم عن تفسير إذا جاء نصر الله والفتح فسكتوا ، فقال ابن عباس : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله إياه .

فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تعلم .

وفي البخاري عن عبد الله بن عباس قال : قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن ، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا .

الحديث ، وقد مضى في آخر ( الأعراف ) .

وفي صحيح مسلم أن نافع بن الحارث لقي عمر بعسفان وكان عمر [ ص: 269 ] يستعمله على مكة فقال : من استعملته على أهل الوادي ؟

فقال : ابن أبزى .

فقال : ومن ابن أبزى ؟

قال : مولى من موالينا .

قال : فاستخلفت عليهم مولى !

قال : إنه قارئ لكتاب الله وإنه عالم بالفرائض .

قال عمر : أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال : إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين وقد مضى أول الكتاب .

ومضى القول في فضل العلم والعلماء في غير موضع من هذا الكتاب والحمد لله .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : بين العالم والعابد مائة درجة ، بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة .

وعنه صلى الله عليه وسلم : فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب .

وعنه عليه الصلاة والسلام : يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء فأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وعن ابن عباس : خير سليمان عليه السلام بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا تأديب من الله لعباده المؤمنين، إذا اجتمعوا في مجلس من مجالس مجتمعاتهم، واحتاج بعضهم أو بعض القادمين عليهم للتفسح له في المجلس، فإن من الأدب أن يفسحوا له تحصيلا لهذا المقصود.وليس ذلك بضار للجالس شيئا، فيحصل مقصود أخيه من غير ضرر يلحقه هو، والجزاء من جنس العمل، فإن من فسح فسح الله له، ومن وسع لأخيه، وسع الله عليه.{ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا } أي: ارتفعوا وتنحوا عن مجالسكم لحاجة تعرض، { فَانْشُزُوا } أي: فبادروا للقيام لتحصيل تلك المصلحة، فإن القيام بمثل هذه الأمور من العلم والإيمان، والله تعالى يرفع أهل العلم والإيمان درجات بحسب ما خصهم الله به، من العلم والإيمان.{ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فيجازي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.وفي هذه الآية فضيلة العلم، وأن زينته وثمرته التأدب بآدابه والعمل بمقتضاه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - ( يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا ) الآية قال مقاتل بن حيان : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء ناس منهم يوما وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلموا عليه فرد عليهم ، ثم سلموا على القوم فردوا عليهم ، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم ، فلم يفسحوا لهم فشق ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال لمن حوله : قم يا فلان وأنت يا فلان ، فأقام من المجلس بقدر النفر الذين قاموا بين يديه من أهل بدر ، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - الكراهية في وجوههم فأنزل الله هذه الآية .

وقال الكلبي : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس ، وقد ذكرنا في سورة الحجرات قصته .

وقال قتادة : كانوا يتنافسون في مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلا ضنوا بمجلسهم فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض .

وقيل : كان ذلك يوم الجمعة ، فأنزل الله - عز وجل - : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا ) ( يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا ) أي توسعوا في المجلس ، قرأ الحسن وعاصم : " في المجالس " لأن الكل جالس مجلسا معناه : ليتفسح كل رجل في مجلسه .

وقرأ الآخرون : " في المجلس " على التوحيد لأن المراد منه مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - ( فافسحوا ) أوسعوا ، يقال : فسح يفسح فسحا : إذا وسع في المجلس ( يفسح الله لكم ) يوسع الله لكم الجنة والمجالس فيها .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، حدثنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يخلفه فيه ، ولكن تفسحوا وتوسعوا " .

أخبرنا عبد الوهاب بن الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أخبرنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج قال : قال سليمان بن موسى عن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ولكن ليقل : افسحوا " وقال أبو العالية ، والقرظي والحسن : هذا في مجالس الحرب ومقاعد القتال ، كان الرجل يأتي القوم في الصف فيقول توسعوا فيأبون عليه لحرصهم على القتال ورغبتهم في الشهادة ( وإذا قيل انشزوا فانشزوا ) قرأ أهل المدينة والشام وعاصم بضم الشين وقرأ الآخرون بكسرهما وهما لغتان أي ارتفعوا قيل : ارتفعوا عن مواضعكم حتى توسعوا لإخوانكم .

وقال عكرمة والضحاك : كان رجال يتثاقلون عن الصلاة إذا نودي لها فأنزل الله تعالى هذه الآية معناه : إذا نودي للصلاة فانهضوا لها وقال مجاهد وأكثر المفسرين : معناه : إذا قيل لكم انهضوا إلى الصلاة وإلى الجهاد وإلى مجالس كل خير وحق فقوموا لها ولا تقصروا .

( يرفع الله الذين آمنوا منكم ) بطاعتهم لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وقيامهم من مجالسهم وتوسعتهم لإخوانهم ( والذين أوتوا العلم ) من المؤمنين بفضل علمهم وسابقتهم " درجات " فأخبر الله - عز وجل - أن رسوله - صلى الله عليه وسلم - مصيب فيما أمر وأن أولئك المؤمنين مثابون فيما ائتمروا وأن النفر من أهل بدر مستحقون لما عوملوا من الإكرام .

( والله بما تعملون خبير ) قال الحسن : قرأ ابن مسعود هذه الآية وقال : أيها الناس افهموا هذه الآية ولنرغبنكم في العلم ، فإن الله تعالى يقول : " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات المؤمن العالم فوق الذي لا يعلم درجات .

[ أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان ] حدثنا أبو علي حامد بن محمد بن عبد الله الهروي أخبرنا محمد بن يونس القرشي أخبرنا عبيد الله بن داود ، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة ، حدثني داود بن جميل عن كثير بن قيس قال : كنت جالسا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق فجاء رجل فقال : يا أبا الدرداء إني جئتك من مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما كانت لك حاجة غيره ؟

قال : لا قال : ولا جئت لتجارة ؟

قال : لا قال : ولا جئت إلا رغبة فيه ؟

قال : نعم قال : فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم ، وإن السماوات والأرض والحوت في الماء لتدعو له ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو علي الحسين بن أحمد بن إبراهيم السراج ، أخبرنا الحسن بن يعقوب العدل ، حدثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء ، حدثنا جعفر بن عون أخبرنا عبد الرحمن بن زياد عن عبد الرحمن بن رافع ، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بمجلسين في مسجده ، أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون إليه ، والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه ، قال : " كلا المجلسين على خير ، وأحدهما أفضل من صاحبه ، أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه ويعلمون الجاهل ، فهؤلاء أفضل وإنما بعثت معلما ثم جلس فيهم " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا» توسعوا «في المجلسْ» مجلس النبي صلى الله عليه وسلم والذكر حتى مجلس من جاءكم وفي قراءة المجالس «فافسحوا يفسح الله لكم» في الجنة «وإذا قيل انشِزوا» قوموا إلى الصلاة وغيرها من الخيرات «فانشِزوا» وفي قراءة بضم الشين فيهما «يرفع الله الذين آمنوا منكم» بالطاعة في ذلك «و» يرفع «الذين أوتوا العلم درجات» في الجنة «والله بما تعملون خبير».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إذا طُلب منكم أن يوسع بعضكم لبعض المجالس فأوسعوا، يوسع الله عليكم في الدنيا والآخرة، وإذا طلب منكم- أيها المؤمنون- أن تقوموا من مجالسكم لأمر من الأمور التي يكون فيها خير لكم فقوموا، يرفع الله مكانة المؤمنين المخلصين منكم، ويرفع مكانة أهل العلم درجات كثيرة في الثواب ومراتب الرضوان، والله تعالى خبير بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها، وهو مجازيكم عليها.

وفي الآية تنويه بمكانة العلماء وفضلهم، ورفع درجاتهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم لفت - سبحانه - أنظار المؤمنين إلى أدب رفيع فقال : ( ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي المجالس فافسحوا يَفْسَحِ الله لَكُمْ ) .وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما روى عن قتادة أنه قال : نزلت هذه الآية فى مجالس الذكر ، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلا ، ضنوا بمجالسهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض .وقال مقاتل بن حيان : " أنزلت هذه الآية يوم الجمعة ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ فى الصفة ، وفى المكان ضيق ، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء ناس من أهل بدر وقد سُبِقوا فى المجالس فقاموا حيال رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقالوا السلام عليكم أيها النبى ورحمة الله وبركاته ، فرد النبى - صلى الله عليه وسلم - ثم سلموا على القوم بعد ذلك ، فردوا عليهم السلام ، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم .فعرف النبى - صلى الله عليه وسلم - ما يحملهم على القيام فلم يُفْسَح لهم ، فشق ذلك عليه ، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر : قم يا فلان ، قم يا فلان .فشق ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف - صلى الله عليه وسلم - الكراهة فى وجوههم .فقال المنافقون : ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟

والله ما رأيناه قد عدل على هؤلاء .

.

.

فبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " رحم الله رجلا يفسح لأخيه " فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعا "، ونزلت هذه الآية .وقوله ( تَفَسَّحُواْ ) من التفسح ، وهو تفعل بمعنى التوسع ، يقال : فسح فلان لفلان فى المجلس - من باب نفع - إذا أوجد له فسحة فى المكان ليجلس فيه .والمعنى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، إذا قيل لكم توسعوا فى مجالسكم لتسع أكبر قدر من إخوانكم فامتثلوا واستجيبوا .

لأن فعلكم هذا يؤدى إلى أن يفسح الله - تعالى - لكم فى رحمته ، وفى منازلكم فى الجنة ، وفى كل شىء تحبونه .وحذف - سبحانه - متعلق ( يَفْسَحِ الله لَكُمْ ) ليشمل كل ما يرجو الناس أن يفسح الله لهم فيه من رزق ، ورحمة ، وخير دنيوى وأخروى .والمراد بالمجالس : مجالس الخير ، كمجالس الذكر ، والجهاد ، والصلاة ، وطلب العلم ، وغير ذلك من المجالس التى يحبها الله - تعالى- .وقراءة الجمهور : " إذا قيل لكم تفسحوا فى المجلس " ، بالإفراد على إرادة الجنس .

.

أى : قيل لم تفسحوا فى أى مجلس خير فافسحوا .

.

.

لأن هذا التوسع يؤدى إلى ازدياد المحبة والمودة بينكم ، وقرأ عاصم بصيغة الجمع .ثم أرشدهم - سبحانه - إلى نوع آخر من الأدب السامى فقال : ( وَإِذَا قِيلَ انشزوا فَانشُزُواْ ) .والنشوز الارتفاع عن الأرض .

يقال : نشَز ينشُز وينشِز - من بابى نصر وضرب - إذا ارتفع من مكانه .أى : وإذا قبل لكم - أيها المؤمنون - أنهضوا من أماكنكم ، للتوسعة على المقبلين عليكم ، فانهضوا ولا تتكاسلوا .وقوله : ( يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم دَرَجَاتٍ ) جواب الأمر فى قوله : ( فَانشُزُواْ ) .وعطف " الذين أوتوا العلم " على " الذين آمنوا " من باب عطف الخاص على العام ، على سبيل التعظيم والتنويه بقدر العلماء .أى : وإذا قيل لكم ارتفعوا عن مواضعكم فى المجالس فارتفعوا ، فإنكم إن تفعلوا ذلك ، يرفع الله - تعالى - المؤمنين الصادقين منكم درجات عظيمة فى الآخرة ، ويرفع العلماء منكم درجات أعظم وأكبر .ويرى بعضهم أن المراد بالموصولين واحد ، والعطف فى الآية لتنزيل التغاير فى الصفات ، منزلة التغاير فى الذات .والمعنى : يرفع الله الذين آمنوا العالمين درجات عظيمة لا يعلم مقدارها إلا الله - تعالى - .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على شمول علمه فقال : ( والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) .أى : والله - تعالى - مطلع اطلاعا تاما على نواياكم ، وعلى ظواهركم وبواطنكم ، فاحذروا مخالفة أمره ، واتبعوا ما أرشدكم إليه من أدب وسلوك .هذا : ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : أن إفساح المؤمن لأخيه المؤمن فى المجلس ، من الآداب الإسلامية التى ينبغى التحلى بها ، لأن هذا الفعل بجانب رفعه للدرجات فإنه سبب للتواد والتعاطف والتراحم .قال القرطبى ما ملخصه : والصحيح فى الآية أنها عامة فى كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير والأجر ، سواء أكان مجلس حرب ، أم ذكر ، أم مجلس يوم الجمعة .

.

.

ولكن بدون أذى ، فقد أخرج الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه " .وعن ابن عمر - " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يقام الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه آخر ، " ولكن تفسحوا وتوسعوا " " .وعلى أية حال فإن الآية الكريمة ترشد المؤمنين فى كل زمان ومكان ، إلى لون من مكارم الأخلاق ، ألا وهو التوسعة فى المجالس ، وتقديم أهل العلم والفضل ، وإنزالهم منازلهم التى تليق بهم فى المجالس .كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة أنه يجوز القيام للقادم .قال الإمام ابن كثير : وقد اختلف الفقهاء فى جواز القيام للوارد إذا جاء - على أقوال : فمنهم من رخص فى ذلك محتجا بحديث : " قوموا إلى سيدكم " .ومنهم من منع من ذلك ، محتجا بحديث : " قوموا إلى سيدكم " .ومنهم من منع من ذلك ، محتجا بحديث : " من أحب أن يتمثل له الرجال قياما .

فليتبوأ مقعده من النار " .ومنهم من فصل فقال : يجوز القيام للقادم من سفر ، وللحاكم فى محل ولايته ، كما دل عليه قصة سعد بن معاذ ، فإنه لما استقبله البنى - صلى الله عليه وسلم - حاكما فى بنى قريظة ، فرآه مقبلا قال للمسلمين : " قوموا إلى سيدكم " ، وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه - والله أعلم - .فأما اتخاذه - أى القيام - دينا ، فإنه من شعار الأعاجم .

.

.

وفى الحديث المروى فى السنن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس حيث انتهى به المجلس - ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس ، وكان الصحابة يجلسون منه على مراتبهم ، فالصديق عن يمينه ، وعمر عن يساره ، وبين يديه غالبا عثمان وعلى لأنهما كانا ممن يكتب الوحى ، وكان يأمرهما بذلك .

.كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، فضل العلماء وسمو منزلتهم .قال صاحب الكشاف : عن عبد الله بن مسعود أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال : يأيها الناس افهموا هذه الآية ، ولترغبكم فى العلم .

وفى الحديث الشريف : " بين العالم والعابد مائة درجة " وفى حديث آخر : " فضل العالم عل العابد ، كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم " .وعن بعض الحكماء أنه قال : ليت شعرى أى شىء أدرك من فاته العلم ، وأى شىء فات من أدرك العلم .وعن الأحنف : كل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل يصير .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي المجالس فافسحوا يَفْسَحِ الله لَكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما نهى عباده المؤمنين عما يكون سبباً للتباغض والتنافر، أمرهم الآن بما يصير سبباً لزيادة المحبة والمودة، وقوله: ﴿ تَفَسَّحُواْ فِي المجالس ﴾ توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض، من قولهم: افسح عني، أي تنح، ولا تتضاموا، يقال: بلدة فسيحة، ومفازة فسيحة، ولك فيه فسحة، أي سعة.

المسألة الثانية: قرأ الحسن وداود بن أبي هند: (تفاسحوا)، قال ابن جني: هذا لائق بالغرض لأنه إذا قيل: (تفسحوا)، فمعناه ليكن هناك تفسح، وأما التفاسح فتفاعل، والمراد هاهنا المفاعلة، فإنها تكون لما فوق الواحد كالمقاسمة والمكايلة، وقرئ: ﴿ فِي المجلسِ ﴾ قال الواحدي: والوجه التوحيد لأن المراد مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وهو واحد، ووجه الجمع أن يجعل لكل جالس مجلس على حدة، أي موضع جلوس.

المسألة الثالثة: ذكروا في الآية أقوالاً: الأول: أن المراد مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتضامون فيه تنافساً على القرب منه، وحرصاً على استماع كلامه، وعلى هذا القول ذكروا في سبب النزول وجوهاً الأول: قال مقاتل بن حيان: كان عليه السلام يوم الجمعة في الصفة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر، وقد سبقوا إلى المجلس، فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام وشق ذلك على الرسول، فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان، قم يا فلان، فلم يزل يقيم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه، وشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرفت الكراهية في وجوههم، وطعن المنافقون في ذلك، وقالوا: والله ما عدل على هؤلاء، إن قوماً أخذوا مجالسهم، وأحبوا القرب منه فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه، فنزلت هذه الآية يوم الجمعة الثاني: روي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس بن الشماس، وذلك أنه دخل المسجد وقد أخذ القوم مجالسهم، وكان يريد القرب من الرسول عليه الصلاة والسلام للوقر الذي كان في أذنيه فوسعوا له حتى قرب، ثم ضايقه بعضهم وجرى بينه وبينه كلام، ووصف للرسول محبة القرب منه ليسمع كلامه، وإن فلاناً لم يفسح له، فنزلت هذه الآية، وأمر القوم بأن يوسعوا ولا يقوم أحد لأحد.

الثالث: أنهم كانوا يحبون القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الرجل منهم يكره أن يضيق عليه فربما سأله أخوه أن يفسح له فيأبى فأمرهم الله تعالى بأن يتعاطفوا ويتحملوا المكروه وكان فيهم من يكره أن يمسه الفقراء، وكان أهل الصفة يلبسون الصوف ولهم روائح، القول الثاني: وهو اختيار الحسن أن المراد تفسحوا في مجالس القتال، وهو كقوله: ﴿ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ  ﴾ وكان الرجل يأتي الصف فيقول تفسحوا، فيأبون لحرصهم على الشهادة والقول الثالث: أن المراد جميع المجالس والمجامع، قال القاضي: والأقرب أن المراد، منه مجلس الرسول عليه السلام، لأنه تعالى ذكر المجلس على وجه يقتضي كونه معهوداً، والمعهود في زمان نزول الآية ليس إلا مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يعظم التنافس عليه، ومعلوم أن للقرب منه مزية عظيمة لما فيه من سماع حديثه، ولما فيه من المنزلة، ولذلك قال عليه السلام: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى» ولذلك كان يقدم الأفاضل من أصحابه، وكانوا لكثرتهم يتضايقون، فأمروا بالتفسح إذا أمكن، لأن ذلك أدخل في التحبب، وفي الاشتراك في سماع مالا بد منه في الدين، وإذا صح ذلك في مجلسه، فحال الجهاد ينبغي أن يكون مثله، بل ربما كان أولى، لأن الشديد البأس قد يكون متأخراً عن الصف الأول، والحاجة إلى تقدمه ماسة فلابد من التفسح، ثم يقاس على هذا سائر مجالس العلم والذكر.

أما قوله تعالى: ﴿ يَفْسَحِ الله لَكُمْ ﴾ فهو مطلق في كل ما يطلب الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر والجنة.

واعلم أن هذه الآية دلت على أن كل من وسع على عباد الله أبواب الخير والراحة، وسع الله عليه خيرات الدنيا والآخرة، ولا ينبغي للعاقل أن يقيد الآية بالتفسح في المجلس، بل المراد منه إيصال الخير إلى المسلم، وإدخال السرور في قلبه، ولذلك قال عليه السلام: «لا يزال الله في عون العبد ما زال العبد في عون أخيه المسلم».

ثم قال تعالى: ﴿ وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: إذا قيل لكم: ارتفعوا فارتفعوا، واللفظ يحتمل وجوهاً أحدها: إذا قيل لكم: قوموا للتوسعة على الداخل، فقوموا.

وثانيها: إذا قيل: قوموا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تطولوا في الكلام، فقوموا ولا تركزوا معه، كما قال: ﴿ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النبي  ﴾ وهو قول الزجاج.

وثالثها: إذا قيل لكم: قوموا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير وتأهبوا له، فاشتغلوا به وتأهبوا له، ولا تتثاقلوا فيه، قال الضحاك وابن زيد: إن قوماً تثاقلوا عن الصلاة، فأمروا بالقيام لها إذا نودي.

المسألة الثانية: قرئ: ﴿ انشزوا ﴾ بكسر الشين وبضمها، وهما لغتان مثل: ﴿ يَعْكُفُونَ ﴾ و ﴿ يَعْكُفُونَ  ﴾ ، و ﴿ يَعْرِشُونَ ﴾ و ﴿ يَعْرِشُونَ  ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما نهاهم أولاً عن بعض الأشياء، ثم أمرهم ثانياً ببعض الأشياء وعدهم على الطاعات، فقال: ﴿ يَرْفَعِ الله الذين ءامَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم درجات ﴾ أي يرفع الله المؤمنين بامتثال أوامر رسوله، والعالمين منهم خاصة درجات، ثم في المراد من هذه الرفعة قولان: الأول: وهو القول النادر: أن المراد به الرفعة في مجلس الرسول عليه السلام والثاني: وهو القول المشهور: أن المراد منه الرفعة في درجات الثواب، ومراتب الرضوان.

واعلم أنا أطنبنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأسماء كُلَّهَا  ﴾ في فضيلة العلم، وقال القاضي: لا شبهة أن علم العالم يقتضي لطاعته من المنزلة مالا يحصل للمؤمن، ولذلك فإنه يقتدي بالعلم في كل أفعاله، ولا يقتدي بغير العالم، لأنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام والشبهات، ومحاسبة النفس مالا يعرفه الغير، ويعلم من كيفية الخشوع والتذلل في العبادة مالا يعرفه غيره، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها مالا يعرفه غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق مالا يتحفظ منه غيره، وفي الوجوه كثرة، لكنه كما تعظم منزلة أفعاله من الطاعات في درجة الثواب، فكذلك يعظم عقابه فيما يأتيه من الذنوب، لمكان علمه حتى لا يمتنع في كثير من صغائر غيره أن يكون كبيراً منه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تَفَسَّحُواْ فِي المجالس ﴾ توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض، من قولهم: أفسح عني، أي: تنحّ؛ ولا تتضامّوا.

وقرى: ﴿ تفاسحوا ﴾ والمراد: مجلس رسول الله، وكانوا يتضامّون فيه تنافساً على القرب منه، وحرصاً على استماع كلامه، وقيل: هو المجلس من مجالس القتال، وهي مراكز الغزاة، كقوله تعالى: ﴿ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ [آل عمران: 121] وقرئ: ﴿ في المجالس ﴾ قيل: كان الرجل يأتي الصف فيقول: تفسحوا، فيأبون لحرصهم على الشهادة.

وقرئ: ﴿ في المجلس ﴾ بفتح اللام: وهو الجلوس، أي: توسعوا في جلوسكم ولا تتضايقوا فيه ﴿ يَفْسَحِ الله لَكُمْ ﴾ مطلق في كل ما يبتغي الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر وغير ذلك ﴿ انشزوا ﴾ انهضوا للتوسعة على المقبلين.

أو انهضوا عن مجلس رسول الله إذا أمرتم بالنهوض عنه، ولا تملوا رسول الله بالارتكاز فيه: أو انهضوا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير إذا استنهضتم، ولا تثبطوا ولا تفرطوا ﴿ يَرْفَعِ الله ﴾ المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسوله، والعالمين منهم خاصة ﴿ درجات والله بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ قرئ: بالتاء والياء.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنه كان إذا قرأها قال يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة» وعنه عليه السلام: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» وعنه عليه السلام: «يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء، ثم الشهداء» فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوّة والشهادة بشهادة رسول الله.

وعن ابن عباس: خيّر سليمان بين العلم والمال والملك، فاختار العلم فأعطى المال والملك معه.

وقال عليه السلام: «أوحى الله إلى إبراهيم، يا إبراهيم، إني عليم أحب كل عليم» وعن بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم، وأي شيء فات من أدرك العلم، وعن الأحنف: كاد العلماء يكونون أرباباً، وكل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل ما يصير.

وعن الزبيري العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ ﴾ تَوَسَّعُوا فِيهِ ولْيُفْسِحْ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ مِن قَوْلِهِمُ: افْسَحْ عَنِّي أيْ تَنَحَّ، وقُرِئَ «تَفاسَحُوا» والمُرادُ بِالمَجْلِسِ الجِنْسُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عاصِمٍ بِالجَمْعِ، أوْ مَجْلِسُ رَسُولِ اللَّهِ  فَإنَّهم كانُوا يَتَضامُّونَ بِهِ تَنافُسًا عَلى القُرْبِ مِنهُ وحِرْصًا عَلى اسْتِماعِ كَلامِهِ.

﴿ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ فِيما تُرِيدُونَ التَّفَسُّحَ فِيهِ مِنَ المَكانِ والرِّزْقِ والصَّدْرِ وغَيْرِها.

﴿ وَإذا قِيلَ انْشُزُوا ﴾ انْهَضُوا لِلتَّوْسِعَةِ أوْ لِما أُمِرْتُمْ بِهِ كَصَلاةٍ أوْ جِهادٍ، أوِ ارْتَفِعُوا عَنِ المَجْلِسِ.

﴿ فانْشُزُوا ﴾ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ بِضَمِّ الشِّينِ فِيهِما.

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ﴾ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ الذِّكْرِ في الدُّنْيا، وإيوائِهِمْ غُرَفَ الجِنانِ في الآخِرَةِ.

﴿ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ ﴾ ويَرْفَعُ العُلَماءَ مِنهم خاصَّةً دَرَجاتٍ بِما جَمَعُوا مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، فَإنَّ العِلْمَ مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِهِ يَقْتَضِي العَمَلَ المَقْرُونَ بِهِ مَزِيدُ رِفْعَةٍ، ولِذَلِكَ يُقْتَدى بِالعالِمِ في أفْعالِهِ ولا يُقْتَدى بِغَيْرِهِ.

وَفِي الحَدِيثِ: «فَضْلُ العالِمِ عَلى العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ».» ﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ تَهْدِيدٌ لِمَن لَمْ يَتَمَثَّلِ الأمْرَ أوِ اسْتَكْرَهَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس} توسعوا فيه فِى المجالس عاصم ونافع والمراد مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يتضامنون فيه تنافساً على القرب منه وحرصاً على استماع كلامه وقيل هو المجلس من مجالس القتال وهي مراكز الغزاة كقوله مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ مقاتل في صلاة الجمعة {فافسحوا} فوسعوا {يَفْسَحِ الله لكم} مطلق في كل ما ينبغي الناس الفسحة فيه من المكان والرزق {فافسحوا} فوسعوا {يَفْسَحِ الله لَكُمْ} مطلق في كل ما ينبغي الناس الفسحة فيها من المكان والرزق والصدر والقبر وغير ذلك {وإذا قيل انشزوا} انهضوا للتوسع على المقبلين أو انهضوا عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتم بالنهوض عنه أو انهضوا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير {فَانشُزُواْ} بالضم فيهما مدني وشامي وعاصم غير حماد {يَرْفَعِ الله الذين آمنوا مِنكُمْ} بامتثال أوامره وأوامر رسوله {والذين أُوتُواْ العلم} والعالمين منهم خاصة {درجات والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} وفي

الدرجات قولان أحدهما في الدنيا في المرتبة والشرف والآخر في الآخرة وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا قرأها يا أيها الناس اهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم وعن النبي صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وعنه صلى الله عليه وسلم عبادة العالم يوما واحدا تعدل عابدة العابد أربعين

سنة وعنه صلى الله عليه وسلم يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما خير سليمان عليه السلام بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه وقال صلى الله عليه وسلم أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام يا إبراهيم إني عليم أحب كل عليم وعن بعض الحكماء ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم وأي شيء فات من أدرك العلم وعن الزبيري العلم ذكر فلا يحب إلا ذكورة الرجال والعلوم أنواع فاشرفها أشرفها معلوما

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ولَمّا نَهى سُبْحانَهُ عَنِ التَّناجِي والسِّرارِ عَلِمَ مِنهُ الجُلُوسُ مَعَ المَلَأِ فَذَكَرَ جَلَّ وعَلا آدابَهُ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ ﴾ إلَخْ ولَمّا نَهى عَزَّ وجَلَّ عَمّا هو سَبَبٌ لِلتَّباغُضِ والتَّنافُرِ أمَرَ سُبْحانَهُ بِما هو سَبَبٌ لِلتَّوادِّ والتَّوافُقِ أيْ إذا قالَ لَكم قائِلٌ كائِنًا مَن كانَ: تَوَسَّعُوا فَلْيُفْسِحْ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ في المَجالِسِ ولا تَتَضامُّوا فِيها، مِن قَوْلِهِمُ: افْسَحْ عَنِّي أيْ تَنَحَّ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿ فِي المَجالِسِ ﴾ بِتَفَسَّحُوا، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ - بِقِيلَ.

.

وقَرَأ الحَسَنُ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ وقَتادَةُ وعِيسى - تَفاسَحُوا - وقَرَأ الأخِيرانِ وعاصِمٌ في المَجالِسِ، والجُمْهُورُ في -المَجْلِسِ - بِالإفْرادِ، فَقِيلَ: عَلى إرادَةِ الجِنْسِ لِقِراءَةِ الجَمْعِ، وقِيلَ: عَلى إرادَةِ العَهْدِ، والمُرادُ بِهِ مَجْلِسُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والجَمْعُ لِتَعَدُّدِهِ بِاعْتِبارِ مَن يَجْلِسُ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ لِكُلٍّ أجِدُ مِنهم مَجْلِسًا، وفي أخْبارِ سَبَبِ النُّزُولِ ما يُؤَيِّدُ كُلًّا، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ««كانَ  يَوْمَ جُمُعَةٍ في الصُّفَّةِ وفي المَكانِ ضِيقٌ وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُكْرِمُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَجاءَ ناسٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ مِنهم ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ وقَدْ سَبَقُوا إلى المَجالِسِ فَقامُوا حِيالَ رَسُولِ اللَّهِ  فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ فَرَدَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ سَلَّمُوا عَلى القَوْمِ فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ فَقامُوا عَلى أرْجُلِهِمْ يَنْتَظِرُونَ أنْ يُوَسَّعَ لَهم فَلَمْ يُفْسِحُوا لَهم فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ لِبَعْضِ مَن حَوْلَهُ: قُمْ يا فُلانُ ويا فُلانُ فَأقامَ نَفَرًا مِقْدارَ مَن قَدِمَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وعُرِفَتْ كَراهِيَتُهُ في وُجُوهِهِمْ، وقالَ المُنافِقُونَ: ما عَدَلَ بِإقامَةِ مَن أخَذَ مَجْلِسَهُ وأحَبَّ قُرْبَهُ لِمَن تَأخَّرَ عَنِ الحُضُورِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ »» إلَخْ، وكانَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يُفْسِحْ تَنافُسًا في القُرْبِ مِن رَسُولِ اللَّهِ  ورَغْبَةً فِيهِ ولا تَكادُ نَفْسٌ تُؤْثِرُ غَيْرَها بِذَلِكَ.

وقالَ الحَسَنُ ويَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: كانَ الصَّحابَةُ يَتَشاحُّونَ في مَجالِسِ القِتالِ إذا اصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ فَلا يُوَسِّعُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ رَغْبَةً في الشَّهادَةِ فَنَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلَخْ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها نَزَلَتْ لِما كانَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ التَّضامِّ في مَجْلِسِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والضِّنَةِ بِالقُرْبِ مِنهُ وتَرْكِ التَّفَسُّحِ لِمُقْبِلٍ وأيًّا ما كانَ فالحُكْمُ مُطَّرِدٌ في مَجْلِسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَصافِّ القِتالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقُرِئَ في -المَجْلَسِ - بِفَتْحِ اللّامِ، فَإمّا أنْ يُرادَ بِهِ ما أُرِيدَ بِالمَكْسُورِ والفَتْحُ شاذٌّ في الِاسْتِعْمالِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ - بِتَفَسَّحُوا - أيْ إذا قِيلَ لَكم تَوَسَّعُوا في جُلُوسِكم ولا تَضايَقُوا فِيهِ ﴿ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أيْ في رَحْمَتِهِ أوْ في مَنازِلِكم في الجَنَّةِ أوْ في قُبُورِكم أوْ في صُدُورِكم أوْ في رِزْقِكم أقْوالٌ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ يُفْسِحُ سُبْحانَهُ لَكم في كُلِّ ما تُرِيدُونَ الفَسْحَ فِيهِ أيْ مِمّا ذُكِرَ وغَيْرِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الفَسْحَ يَخْتَلِفُ المُرادُ مِنهُ بِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقاتِهِ كالمَنازِلِ والرِّزْقِ والصَّدْرِ فَلا تَغْفُلْ ﴿ وإذا قِيلَ انْشُزُوا ﴾ أيِ انْهَضُوا لِلتَّوْسِعَةِ عَلى المُقْبِلِينَ ﴿ فانْشُزُوا ﴾ فانْهَضُوا ولا تَتَثَبَّطُوا، وأصْلُهُ مِنَ النَّشْزِ وهو المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ فَإنَّ مُرِيدَ التَّوْسِعَةِ عَلى المُقْبِلِ يَرْتَفِعُ إلى فَوْقٍ فَيَتَّسِعُ المَوْضِعُ، أوْ لِأنَّ النُّهُوضَ نَفْسَهُ ارْتِفاعٌ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: المَعْنى إذا دُعِيتُمْ إلى قِتالٍ أوْ صَلاةٍ أوْ طاعَةٍ فَأجِيبُوا، وقِيلَ: إذا دُعِيتُمْ إلى القِيامِ عَنْ مَجْلِسِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُومُوا، وهَذا لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُؤْثِرُ أحْيانًا الِانْفِرادَ في أمْرِ الإسْلامِ أوْ لِأداءِ وظائِفَ تَخُصُّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا تَتَأتّى أوْ لا تَكْمُلُ بِدُونِ الِانْفِرادِ، وعَمَّمَ الحُكْمَ فَقِيلَ: إذا قالَ صاحِبُ مَجْلِسٍ لِمَن في مَجْلِسِهِ: قُومُوا يَنْبَغِي أنْ يُجابَ، وفَعَلَ ذَلِكَ لِحاجَةٍ إذا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ أعْظَمُ مِنها مِمّا لا نِزاعَ في جَوازِهِ، نَعَمْ لا يَنْبَغِي لِقادِمٍ أنْ يُقِيمَ أحَدًا لِيَجْلِسَ في مَجْلِسِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِن مَجْلِسِهِ ولَكِنْ تَفَسَّحُوا وتَوَسَّعُوا»» .

وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وجَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ -انْشِزُوا فانْشِزُوا - بِكَسْرِ الشِّينِ مِنهُما.

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ﴾ جَوابُ الأمْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ تَنْشُزُوا يَرْفَعُ عَزَّ وجَلَّ المُؤْمِنِينَ مِنكم في الآخِرَةِ جَزاءً لِلِامْتِثالِ ﴿ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ الشَّرْعِيَّ ﴿ دَرَجاتٍ ﴾ أيْ كَثِيرَةً جَلِيلَةً كَما يُشْعِرُ بِهِ المَقامُ، وعَطْفُ -الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ - عَلى ”الَّذِينَ آمَنُوا“ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ تَعْظِيمًا لَهم ”بِعَدِّهِمْ“ كَأنَّهم جِنْسٌ آخَرُ، ولِذا أُعِيدَ المَوْصُولُ في النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ والدّارِمِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا ««فَضْلُ العالِمِ عَلى العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ»» .

وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن جاءَهُ المَوْتُ وهو يَطْلُبُ العِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإسْلامَ فَبَيْنَهُ وبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ»» وعَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««بَيْنَ العالِمِ والعابِدِ مِائَةُ دَرَجَةٍ بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حَضَرَ الجَوادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً»» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««يَشْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: الأنْبِياءُ ثُمَّ العُلَماءُ ثُمَّ الشُّهَداءُ»»، فَأعْظِمْ بِمَرْتَبَةٍ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والشَّهادَةِ بِشَهادَةِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «خُيِّرَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ العِلْمِ والمُلْكِ والمالِ فاخْتارَ العِلْمَ فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى المُلْكَ والمالَ تَبَعًا لَهُ» .

وعَنِ الأحْنَفِ «كادَ العُلَماءُ يَكُونُونَ أرْبابًا» وكُلُّ عِزٍّ لَمْ يُوَطَّدْ بِعِلْمٍ فَإلى ذُلٍّ ما يَصِيرُ، وعَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ: لَيْتَ شِعْرِي أيُّ شَيْءٍ أدْرَكَ مَن فاتَهُ العِلْمُ ؟

وأيُّ شَيْءٍ فاتَهُ مَن أدْرَكَ العِلْمَ ؟

والدّالُّ عَلى فَضْلِ العِلْمِ والعُلَماءِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وأرْجى حَدِيثٍ عِنْدِي في فَضْلِهِمْ ما رَواهُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ في مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يَجْمَعُ اللَّهُ العُلَماءَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: إنِّي لَمْ أجْعَلْ حِكْمَتِي في قُلُوبِكم إلّا وأنا أُرِيدُ بِكُمُ الخَيْرَ اذْهَبُوا إلى الجَنَّةِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم عَلى ما كانَ مِنكم»» .

وذَكَرَ العارِفُ إلْياسُ الكُورانِيُّ أنَّهُ أحَدُ الأحادِيثِ المُسَلْسَلَةِ بِالأوَّلِيَّةِ، ودَلالَةُ الآيَةِ عَلى فَضْلِهِمْ ظاهِرَةٌ بَلْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ما خَصَّ اللَّهُ تَعالى العُلَماءَ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ ما خَصَّهم في هَذِهِ الآيَةِ - فَضَّلَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وأُوتُوا العِلْمَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ بِدَرَجاتٍ - وجَعَلَ بَعْضُهُمُ العَطْفَ عَلَيْهِ لِلتَّغايُرِ بِالذّاتِ بِحَمْلِ ”الَّذِينَ آمَنُوا“ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا افْهَمُوا مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ولْتُرَغِّبْكم في العِلْمِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُ المُؤْمِنَ العالِمَ فَوْقَ الَّذِي لا يَعْلَمُ.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ في كَلامِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إشارَةً إلى أنَّ -الَّذِينَ أُوتُوا - مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والعَطْفَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ أيْ ويَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ خاصَّةً دَرَجاتٍ، ونَحْوُهُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يُرْفَعُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ دَرَجاتٍ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ العامِلِ، والمَعْنى عَلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، واخْتارَ الطَّيِّبِيُّ التَّقْدِيرَ وجَعَلَ الدَّرَجاتِ مَعْمُولًا لِذَلِكَ المُقَدَّرِ، وقالَ: يُضْمَرُ لِلْمَذْكُورِ أحَطُّ مِنهُ مِمّا يُناسِبُ المَقامَ نَحْوَ أنْ يُقالَ: يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا في الدُّنْيا بِالنَّصْرِ وحُسْنِ الذِّكْرِ أوْ يَرْفَعُهم في الآخِرَةِ بِالإيواءِ إلى ما يَلِيقُ بِهِمْ مِن غُرَفِ الجَنّاتِ، ويَرْفَعُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ تَعْظِيمًا لَهم، وجُوِّزَ كَوْنُ المُرادِ بِالمَوْصُولَيْنِ واحِدًا والعَطْفُ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ بِمَنزِلَةِ تَغايُرِ الذّاتِ، فالمَعْنى يَرْفَعُ اللَّهَ المُؤْمِنِينَ العالِمِينَ دَرَجاتٍ، وكَوْنُ العَطْفِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ هو الأظْهَرُ، وفي الِانْتِصافِ في الجَزاءِ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ مُناسِبَةٌ لِلْعَمَلِ المَأْمُورِ بِهِ وهو التَّفْسِيحُ في المَجالِسِ وتَرْكُ ما تَنافَسُوا فِيهِ مِنَ الجُلُوسِ في أرْفَعِها وأقْرَبِها مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلَمّا كانَ المُمْتَثِلُ لِذَلِكَ يَخْفِضُ نَفْسَهُ عَمّا يُتَنافَسُ فِيهِ مِنَ الرِّفْعَةِ امْتِثالًا وتَواضُعًا جُوزِيَ عَلى تَواضُعِهِ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ كَقَوْلِهِ: مَن تَواضَعَ لِلَّهِ تَعالى رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ لَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّ أهْلَ العِلْمِ بِحَيْثُ يَسْتَوْجِبُونَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وعِنْدَ النّاسِ ارْتِفاعَ مَجالِسِهِمْ خَصَّهم بِالذِّكْرِ عِنْدَ الجَزاءِ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ ما لَهم مِنَ الرَّفْعَةِ في المَجْلِسِ تَواضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى خَصَّ أهْلَ العِلْمِ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ ما عُرِفُوا بِالحِرْصِ عَلَيْهِ مِن رِفْعَةِ المَجالِسِ وحُبِّهِمْ لِلتَّصْدِيرِ، وهَذا مِن مُغَيَّباتِ القُرْآنِ لِما ظَهَرَ مِن هَؤُلاءِ في سائِرِ الأعْصارِ مِنَ التَّنافُسِ في ذَلِكَ.

والخَفاجِيُّ أدْرَجَ هَذا في نَقْلِ كَلامِ صاحِبِ الِانْتِصافِ وكَلامُهُ عَلى ما سَمِعْتَهُ أوْفَقُ بِالأدَبِ مَعَ أهْلِ العِلْمِ، ولا أظُنُّ - بِالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ -المَذْكُورِينَ في الآيَةِ أنَّهم كالعُلَماءِ الَّذِينَ عَرَّضَ بِهِمُ الخَفاجِيُّ، نَعَمْ إنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ صادِقٌ فِيما قالَ بِالنِّسْبَةِ إلى كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ آخِرِ الزَّمانِ كَعُلَماءِ زَمانِهِ وكَعُلَماءِ زَمانِنا - لَكِنْ كَثِيرٌ مِن هَؤُلاءِ - إطْلاقُ اسْمِ العالِمِ عَلى أحَدِهِمْ مَجازٌ لا تُعْرَفُ عَلاقَتُهُ، ومَعَ ذَلِكَ قَدِ امْتَلَأ قَلْبُهُ مِن حُبِّ الصَّدْرِ وجَعَلَ يُزاحِمُ العُلَماءُ حَقِيقَةً عَلَيْهِ ولَمْ يَدْرِ أنَّ مَحَلَّهُ لَوْ أنْصَفَ العَجْزُ، هَذا واسْتَدَلَّ غَيْرُ واحِدٍ بِالآيَةِ عَلى تَقْدِيمِ العِلْمِ ولَوْ باهِلِيًّا شابًّا عَلى الجاهِلِ ولَوْ هاشِمِيًّا شَيْخًا، وهو بِناءٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن مَعْناها لِدَلالَتِها عَلى فَضْلِ العالِمِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلَيْهِ، ويَجْعَلُ مَنزِلَتَهُ فَوْقَ مَنزِلَتِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ في مَجالِسِ الدُّنْيا فَوْقَ مَحَلِّ الجاهِلِ.

وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في كِتابِ الأحْكامِ قالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ يَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ العُلَماءَ مِنكم دَرَجاتٍ عَلى غَيْرِهِمْ فَلِذَلِكَ أمَرَ بِالتَّفَسُّحِ مِن أجْلِهِمْ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى رَفْعِ العُلَماءِ في المَجالِسِ والتَّفَسُّحِ لَهم عَنِ المَجالِسِ الرَّفِيعَةِ.

انْتَهى.

وهَذا المَعْنى الَّذِي نَقَلَهُ ظاهِرٌ في أنَّ المُتَعاطِفَيْنِ مُتَّحِدانِ بِالذّاتِ والعَطْفُ لِجَعْلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ بِمَنزِلَةِ تَغايُرِ الذّاتِوَهُوَ احْتِمالٌ بَعِيدٌ، ويَظْهَرُ مِنهُ أيْضًا أنَّهُ ظَنَّ رَفَعَ يَرْفَعُ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ عَنْ عِلَّةِ الأمْرِ السّابِقِ مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ لَكِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ كَوْنُ الرَّفْعِ دَرَجاتٍ جَزاءَهُ الِامْتِثالُ عَلى نَحْوِ كَوْنِ الفَسْحِ قَبْلَهُ جَزاءَهُ فَتَأمَّلْهُ ﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ تَهْدِيدٌ لِمَن لَمْ يَمْتَثِلْ بِالأمْرِ واسْتَكْرَهَ، وقُرِئَ بِما - يَعْمَلُونَ -بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ.

قرأ عاصم فِي الْمَجالِسِ بلفظ الجمع، والباقون في المجلس يعني: في مجلس النبي  .

نزلت في ثابت بن قيس، وكان في أذنيه شيء من الثقل، فحضر مجلس النبيّ  وقد أخذوا مجالسهم، فبقي قائما فقال النبيّ  : «رَحِمَ الله مَنْ وَسَّعَ لأَخِيهِ» ، فنزلت الآية.

وروى معمر، عن قتادة أنه قال: كان الناس يتنافسون في مجلس النبيّ  فقيل لهم: إذا قيل لكم تفسحوا فى المجالس، فَافْسَحُوا يعني: وسعوا المجلس.

يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يعني: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا.

وروى معمر، عن الحسن قال: هذا في الغزاة وقال مجاهد: تَفَسَّحُواْ في المجلس يعني: مجلس النبيّ  خاصة وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا إلى كل خير وقتال عدو وأمر بالمعروف.

وروي عن ابن عمر، عن النبيّ  قال: «لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، ولكن تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا» .

قرأ نافع وابن عامر وعاصم في إحدى الروايتين انْشُزُوا بالضم للشين، والباقون بالكسر وهما لغتان.

يقال: نشز ينشز يعني: إذ قيل لكم انهضوا يعني: قوموا لا تتثاقلوا، ويقال: انْشُزُوا يعني: قوموا للصلاة وقضاء حق أو شهادة فانشزوا يعني: انهضوا.

ثم قال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ يعني: من كان له إيمان وعلم، وكان له فضائل على الذين يقومون وليس بعالم.

قال الضحاك: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وقد تم الكلام.

ثم قال: وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ يعني: لأهل العلم درجات، أي: الذين أوتوا العلم في الدنيا ولهم درجات في العقبى.

قال: وللعلماء مثل درجة الشهداء، وقال مقاتل: إذا انتهى المؤمن إلى باب الجنة، يقال للمؤمن الذي ليس بعالم: ادخل الجنة بعملك، ويقال للعالم: أقم على باب الجنة واشفع للناس.

وقال ابن مسعود: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ على الذين آمنوا منكم ولم يؤتوا العلم درجات.

ثم قال: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ من التفسح في المجلس وغيره.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ يعني: إذا كلمتم الرسول سراً، فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً يعني: تصدقوا قبل كلامكم بصدقة.

ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ يعني: التصدق خير لكم من إمساكه، وَأَطْهَرُ لقلوبكم وأزكى من المعصية.

فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ما تتصدقون، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَنْ لم يجد الصدقة.

وذلك أن الأغنياء كانوا يكثرون مناجاة النبي  ، ولم يمكنوا الفقراء من سماع كلامه، وكان يكره طول مجالستهم وكثرة نجواهم، فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند المناجاة، فانتهوا عن ذلك، فقدرت الفقراء على سماع كلام النبيّ  ومجالسته.

وقال مجاهد: نُهوا عن مناجاة النبيّ  حتى يتصدقوا، فلم يناجه إِلاَّ عَليُّ بن أبي طالب-  - قدم ديناراً تصدق به وكلم النبيّ  في عشر كلمات، ثم أنزلت الرخصة بالآية التي بعدها وهو قوله: أَأَشْفَقْتُمْ يعني: أبخلتم يا أهل الميسرة أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ؟

فلو فعلتم كان خيرا لكم، فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتكرهوا ذلك، فإن الله تعالى غني عن صدقاتكم.

وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يعني: تجاوز عنكم.

فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ، فَنَسَخَت الزكاةُ الصدقة التي عند المناجاة.

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما يأمركم به وينهاكم عنه.

وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الخير والشر والتصدق والنجوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عبّاس «١» : نزلت في اليهود والمنافقين، وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ: هو قولهم: السَّامُ عليكم، يريدون الموتَ، ثم كشف اللَّه تعالى خُبْثَ طَوِيَّتِهِمْ والحُجَّةَ التي إليها يسترحون، وذلك أَنَّهُمْ كانوا يقولون: لو كان محمد نبيًّا لعذبنا بهذه الأقوال التي تسيئه، وجَهِلُوا أَنَّ أمرهم مُؤَخَّرٌ إلى عذاب جهنم.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ ...

الآية: وصِيَّةٌ منه سبحانه للمؤمنين أَلاَّ يتناجوا بمكروه، وذلك عامٌّ في جميع الناس إلى يوم القيامة.

وقوله: إِنَّمَا النَّجْوى أي: بالإِثم مِنَ الشَّيْطانِ وقرأ نافع وأهل المدينة «٢» :

«ليحزن» - بضم الياء وكسر الزاي- والفعل مُسْنَدٌ إلى الشيطان، وقرأ أبو عمرو وغيره:

«لِيَحْزُنَ» - بفتح الياء وضم الزاي-، ثم أخبر تعالى أَنَّ الشيطان أو التناجي الذي هو منه، ليس بضارٍّ أحداً إلاَّ أَنْ يكونَ ضُرَّ بإذن اللَّه، أي: بأمره وقَدَرِهِ، ثم أمر بتوكّل المؤمنين عليه تبارك وتعالى.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)

وقوله تعالى: «يا أيّها الّذين آمنوا إذا قيل لكم تفسّحوا في المجلس ...

» الآية، وقرأ عاصم «٣» : «في المَجَالِسِ» قال زيد بن أسلم وقتادة «٤» : هذه الآية نزلت بسبب تضايق الناس

في مجلس النبي صلّى الله عليه وسلّم وذلك أَنَّهُمْ كانوا يتنافسون في القُرْبِ منه وسَمَاعِ/ كلامه والنظر إليه، فيأتي الرجلُ الذي له الحَقُّ والسِّنُّ والقَدَمُ في الإسلام، فلا يجد مكاناً، فنزلت بسبب ذلك، وروى أبو هريرة أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «لاَ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسَ فِيهِ الرَّجُلُ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ» «١» .

قال جمهور العلماء: سببُ نزولِ الآية مجلس النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم الحكم مُطَّرِدٌ في سائر المجالس التي هي للطاعات ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أَحَبُّكُمْ إلَى اللَّهِ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ في الصَّلاَةِ، وَرُكَباً في المَجَالِسِ» «٢» ، وهذا قول مالك رحمه اللَّه، وقال: ما أرى الحكم إلاَّ يَطَّرِدُ في مجالس العلم ونحوها غَابِرَ الدهر قال ع «٣» : فالسنة المندوبُ إليها هي التفسُّحُ، والقيامُ منهيّ عنه في حديث النبي صلّى الله عليه وسلّم، حيثُ نهى أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيَجْلِسَ الآخَرُ مَكَانَهُ «٤» .

ت: وقد روى أبو دَاوُدَ في «سننه» عن سَعِيدِ بْنِ أبي الحَسَنِ قال: «جَاءَنَا أَبُو بَكْرَةَ في شَهَادَةٍ، فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ، وقال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَنَهَى أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُ يَدَهُ بِثَوْبِ مَنْ لَمْ يَكْسُهُ» «٥» وروى أبو داودَ عن ابن عمر قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَذَهَبَ لِيَجْلِسَ فيه، فنهاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» «٦» انتهى، قال ع «٧» : فَأَمَّا القيام إجلالاً فجائز بالحديث، وهو قوله ع حين أقبل سعد بن معاذ: «قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ» «٨» .

وواجب على المُعَظَّمِ أَلاَّ يُحِبَّ ذَلِكَ ويأخذ الناس به لقوله ع: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيَاماً، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» «٩» .

ت: وفي الاحتجاج بقضية/ سعد نظر لأَنَّها احْتَفَّتْ بِها قرائن سوّغت ذلك

انظر السير، وقد أطنب صاحب المدخل في الإنحاء والرَّدِّ على المجيزين للقيام، والسلامةُ عندي تركُ القيام.

وقوله تعالى: يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ معناه: في رحمته وَجَنَّتِهِ.

- ص-: يَفْسَحِ مجزوم في جواب الأمر، انتهى، وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا معناه:

ارتفعوا، وقوموا فافعلوا ذلك ومن «رياض الصالحين» للنوويِّ: وعن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جَدِّه، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لاَ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إلاَّ بِإذْنِهِمَا» «١» رواه أبو داودَ، والترمذيُّ وقال: حديث حسن، وفي رواية لأبي داودَ: «لاَ يَجْلِسْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إلاَّ بِإذْنِهِمَا» وعن حُذَيْفَةَ- رضي اللَّه عنه- أَنَّ رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم: «لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الحَلْقَةِ» «٢» ، رواه أبو داود بإسناد حسن، وروى الترمذيُّ عن أبي مِجْلِزٍ أَنَّ رَجُلاً قَعَدَ وَسَطَ الْحَلْقَةِ، فَقَالَ حذيفة: «ملعون على لسان محمّد صلّى الله عليه وسلّم، أو لعن الله على لسان محمّد صلّى الله عليه وسلّم مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الْحَلْقَةِ» «٣» قال الترمذيُّ: حديث حسن صحيح، انتهى.

وقوله سبحانه: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ...

الآية: قال جماعة: المعنى: يرفع اللَّه المؤمنين العلماءَ درجاتٍ فلذلك أمر بالتفسُّح من أجلهم، وقال آخرون: المعنى: يرفع اللَّه المؤمنين والعلماءَ الصنفينِ جميعاً درجاتٍ، لَكِنَّا نعلمُ تفاضُلَهم في الدرجات من مواضعَ أُخَرَ فلذلك جاء الأمر بالتفسح عامّا بالتفسح عامًّا للعلماء وغيرهم، وقال ابن مسعود وغيره «٤» :

«يرفع الله الذين آمنوا مِنكُمْ» وهنا تَمَّ الكلامُ، ثم ابتدأ بتخصيص العلماء بالدرجات، ونصبهم بإضمار فعلٍ، فللمؤمنين رفع على هذا/ التأويل، وللعلماء درجات، وعلى هذا التأويل قال مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّخِّيرِ «٥» : فَضْلُ العلمِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ فَضْلِ العِبَادَةِ، وخيرُ دِينِكُمُ الوَرَعُ، وروى البخاريُّ وغيره عن أبي موسى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «مثل ما

بَعَثَنِي اللَّهُ بهِ مِنَ الهدى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضاً، فَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَبِلَتِ الماء، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا، وَسُقُوا، وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أخرى إنَّما هِيَ قِيَعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءَ، وَلا تُنْبِتُ كَلأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» انتهى «١» .

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ روي عن ابن عباس وقتادة في سببها: أَنَّ قوماً من شباب المؤمنين وأغْفَالِهِمْ كَثُرَتْ مناجاتُهم للنبي صلّى الله عليه وسلّم في غير حاجة، وكان صلّى الله عليه وسلّم سَمْحاً، لا يَرُدُّ أحداً، فنزلت هذه الآية مُشَدِّدَةً عليهم «٢» ، وقال مقاتل: نزلتْ في الأغنياء لأنّهم غلبوا الفقراء على مناجاة النبي صلّى الله عليه وسلّم ومجالسته «٣» ، قال جماعة من الرواة: نُسِخَتْ هذه الآيةُ قبل العمل بها، لكنِ استقر حُكْمُهَا بالعزم عليه، وصَحَّ عن عليٍّ أَنَّهُ قال: ما عَمِلَ بها أَحَدٌ غيري، وأنا كنتُ سَبَبَ الرخصة والتخفيفِ عن المسلمين، قال: ثم فهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أَنَّ هذه الْعِبَادَةَ قد شَقَّتْ/ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ لي: يَا عَلِيُّ، كَمْ ترى أَنْ يَكُونَ حدُّ هذه الصَّدَقَةِ؟

أَتَرَاهُ دِينَاراً؟

قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَنِصْفُ دِينِارٍ؟

قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَكَمْ؟

قُلْتُ: حَبَّةٌ مِنْ شَعِيرٍ، قَالَ: إنَّكَ لَزَهِيدٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ «٤» ، يريد لِلْوَاجِدِينَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَجِدْ فَالرُّخْصَةُ لَهُ ثَابِتَةٌ بقوله:

«فَإنْ لَمْ تَجِدُوا» قال الفخر «٥» : قوله عليه السلام لعليٍّ: «إنَّكَ لَزَهِيدٌ» معناه: إنك قليل المال، فقدّرت على حسب حالك، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ( إذا قِيلَ لَكم تُفْسِحُوا في المَجْلِسِ ) وقَرَأ عاصِمٌ في "المَجالِسِ" عَلى الجَمْعِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ جالِسٍ لَهُ مَجْلِسٌ، فالمَعْنى: لِيُفْسِحْ كُلُّ رَجُلٍ مِنكم في مَجْلِسِهِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في «نَفَرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يُسابِقُونَ إلى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَإذا أقْبَلَ المُهاجِرُونَ وأهْلُ السّابِقَةِ، لَمْ يَجِدُوا مَوْضِعًا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُحِبُّ أنْ يَلِيَهُ أُولُو الفَضْلِ لِيَحْفَظُوا عَنْهُ، فَبَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ  يَوْمَ جُمْعَةٍ جالِسٌ في صُفَّةٍ ضَيِّقَةٍ في المَسْجِدِ، جاءَ نَفَرٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ فِيهِمْ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ ابْنِ شَمّاسٍ، فَسَلَّمُوا وانْتَظَرُوا أنْ يُوَسِّعُوا لَهُمْ، فَأوْسَعُوا لِبَعْضِهِمْ، وبَقِيَ بَعْضُهُمْ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَ: قُمْ يا فُلانُ، قُمْ يا فُلانُ، حَتّى أقامَ مِنَ المَجْلِسِ عَلى عِدَّةِ مَن هو قائِمٌ مِن أهْلِ السّابِقَةِ، فَرَأى رَسُولُ اللَّهِ  في وُجُوهِ مَن أقامَهُمُ الكَراهَةَ، وتَكَلَّمَ المُنافِقُونَ في ذَلِكَ وقالُوا: واللَّهِ ما عَدَلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وقالَ قَتادَةُ: كانُوا يَتَنافَسُونَ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَإذا أقْبَلَ مُقْبِلٌ ضَنُّوا بِمَجْلِسِهِمْ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يُفْسِحَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى ﴿ تَفَسَّحُوا ﴾ تَوَسَّعُوا وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَجْلِسُونَ مُتَضايِقِينَ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ  فَلا يَجِدُ غَيْرُهم مَجْلِسًا عِنْدَهُ، فَأمَرَهم أنْ يُوَسِّعُوا لِغَيْرِهِمْ لِيَتَساوى النّاسُ في الحَظِّ مِنهُ، ويُظْهِرَ فَضِيلَةَ المُقَرَّبِينَ إلَيْهِ مِن أهْلِ بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ.

وَفِي المُرادِ "بِالمَجْلِسِ" ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مَجْلِسُ الحَرْبِ، ومَقاعِدُ القِتالِ، كانَ الرَّجُلُ يَأْتِي القَوْمَ في الصَّفِّ، فَيَقُولُ لَهُمْ: تَوَسَّعُوا، فَيَأْبَوْنَ عَلَيْهِ لِحِرْصِهِمْ عَلى القِتالِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي العالِيَةِ، والقُرَظِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ مَجْلِسُ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا لِلنَّبِيِّ  ومَن حَوْلَهُ خاصَّةً.

والثّالِثُ: مَجالِسُ الذِّكْرِ كُلُّها، رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا.

وقَرَأ عَلِيُّ ابْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والأعْمَشُ: "تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أيْ: يُوَسِّعِ اللَّهُ لَكُمُ الجَنَّةَ، والمَجالِسَ فِيها.

﴿ وَإذا قِيلَ انْشُزُوا ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "انْشُزُوا فانْشُزُوا" بِرَفْعِ الشِّينِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِ الشِّينِ فِيهِما.

ومَعْنى "انْشُزُوا" قُومُوا.

قالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ.

وفي المُرادِ بِهَذا القِيامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ القِيامُ إلى الصَّلاةِ، وكانَ رِجالٌ يَتَثاقَلُونَ عَنْها، فَقِيلَ لَهُمْ: إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ فانْهَضُوا، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّهُ القِيامُ إلى قِتالِ العَدُوِّ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ القِيامُ إلى كُلِّ خَيْرٍ، مِن قِتالٍ أوْ أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الخُرُوجُ مِن بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا جَلَسُوا في بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ  أطالُوا لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم آخِرَهم عَهْدًا بِهِ، فَأُمِرُوا أنْ يَنْشُزُوا إذا قِيلَ لَهُمً: انْشُزُوا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قُومُوا وتَحَرَّكُوا وتَوَسَّعُوا لِإخْوانِكُمْ، قالَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ﴾ أيْ: يَرْفَعُهم بِإيمانِهِمْ عَلى مَن لَيْسَ بِمَنزِلَتِهِمْ مِنَ الإيمانِ "وَ"يَرْفَعِ "الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ" عَلى مَن لَيْسَ بِعالِمٍ.

وهَلْ هَذا الرَّفْعُ في الدُّنْيا.

أمْ في الآخِرَةِ؟

فِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ ارْتِفاعِ دَرَجاتِهِمْ في الجَنَّةِ.

والثّانِي: أنَّهُ ارْتِفاعُ مَجالِسِهِمْ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ تَرْتِيبُهم فِيها بِحَسَبَ فَضائِلِهِمْ في الدِّينِ والعِلْمِ.

وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: أيُّها النّاسُ: افْهَمُوا هَذِهِ الآيَةَ ولِتُرَغِّبَكم في العِلْمِ، فَإنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ المُؤْمِنَ العالِمَ فَوْقَ مَن لا يَعْلَمُ دَرَجاتٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكم وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنْ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُفْسِحُوا"، وقَرَأ الحَسَنُ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ:، "تَفاسَحُوا"، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فِي المَجْلِسِ"، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ وقَتادَةُ، وعِيسى: "فِي المَجالِسِ".

واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ الآيَةِ والمَقْصُودِ بِها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في مَقاعِدِ الحَرْبِ والقِتالِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ تُضايِقِ الناسِ في مَجْلِسِ النَبِيِّ  ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَنافَسُونَ في القُرْبِ مِنهُ وسَماعِ كَلامِهِ والنَظَرِ إلَيْهِ، فَيَأْتِي الرَجُلُ الَّذِي لَهُ الحَقُّ والسِنُّ والقِدَمُ في الإسْلامِ فَلا يَجِدُ مَكانًا، فَنَزَلَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وقالَ مُقاتِلٌ: أقامَ رَسُولُ اللهِ  قَوْمًا لِيَجْلِسَ أشْياخٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ ونَحْوُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "لا يَقُمْ أحَدٌ مِن مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ الرَجُلُ، ولَكِنْ تَفَسَّحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ"»، وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّما الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ في مَجْلِسِ النَبِيِّ  في سائِرِ المَجالِسِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "فِي المَجْلِسِ"، ومَن قَرَأ "فِي المَجالِسِ" فَذَلِكَ مُرادُهُ أيْضًا لِأنَّ لِكُلِّ أحَدٍ مَجْلِسًا في بَيْتِ النَبِيِّ  ومَوْضِعُهُ، فَتَجْمَّعَ لِذَلِكَ، وقالَ الجُمْهُورُ مِن أهْلِ العِلْمِ: السَبَبُ مَجْلِسُ النَبِيِّ  ، والحُكْمُ مُطَّرِدٌ في سائِرِ المَجالِسِ الَّتِي هي لِلطّاعاتِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "أحَبَّكم إلى اللهِ ألْيَنُكم مَناكِبَ في الصَلاةِ ورُكَبًا في المَجالِسِ"»، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى وقالَ: ما أرى الحُكْمَ إلّا يُطْرَدُ في مَجالِسِ العِلْمِ ونَحْوِها غابِرَ الدَهْرِ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "فِي المَجالِسِ"، ومَن قَرَأ: "فِي المَجْلِسِ" فَذَلِكَ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- اسْمُ جِنْسٍ، فالسُنَّةُ المَندُوبُ إلَيْها هي التَفَسُّحُ، والقِيامُ مَنهِيٌّ عنهُ، وحَدِيثُ النَبِيِّ  حَيْثُ «نَهى أنْ يَقُومَ الرَجُلُ فَيَجْلِسُ الآخَرُ مَكانَهُ،» فَأمّا القِيامُ إجْلالًا فَجائِزٌ بِالحَدِيثِ، وهو قَوْلُهُ  حِينَ أقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: « "قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ"»، وواجِبٌ عَلى المُعْظَمِ ألّا يُحِبَّ ذَلِكَ ويَأْخُذَ الناسَ بِهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِجالُ قِيامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ"»،وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: في رَحْمَتِهِ وجَنَّتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا ﴾ مَعْناهُ: إذا قِيلَ لَكُمُ ارْتَفِعُوا وقُومُوا فافْعَلُوا ذَلِكَ، ومِنهُ نُشُوزُ العِظامِ، أيْ: نَباتُها، والنَشَزُ مِنَ الأرْضِ: المُرْتَفِعُ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا النُشُوزِ الَّذِي أُمِرُوا بِامْتِثالِهِ، ما هُوَ؟

فَقالَ الحَسَنُ، والضَحّاكُ وقَتادَةُ: مَعْناهُ: إذا دَعَوْا إلى قِتالٍ أو طاعَةٍ أو صَلاةٍ ونَحْوِهِ، وقالَ آخَرُونَ: إذا دَعَوْا إلى القِيامِ عَنِ النَبِيِّ  ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ أحْيانًا يُحِبُّ الِانْفِرادَ في آمِرِ الإسْلامِ، فَرُبَّما جَلَسَ قَوْمٌ وأرادَ كُلُّ أحَدٍ أنْ يَكُونَ آخِرَ الناسِ عَهْدًا بِالنَبِيِّ  ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ آمِرَةً بِالقِيامِ عنهُ مَتى فَهِمَ ذَلِكَ بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: انْشُزُوا في المَجْلِسِ بِمَعْنى التَفَسُّحِ؛ لِأنَّ الَّذِي يُرِيدُ التَوَسُّعَ يَرْتَفِعُ إلى فَوْقٍ في الهَواءِ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ جُمْلَةً اتَّسَعَ المَوْضِعُ، فَيَجِيءُ "انْشُزُوا" في غَرَضٍ واحِدٍ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: "تَفَسَّحُوا"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "انْشُزُوا" بِرَفْعِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والأعْرَجِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "انْشُذُوا" بِكَسْرِ السِينِ فِيها، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةُ، يُقالُ: نَشَزَ يَنْشُزُ كَحَشَرَ يَحْشُرُ ويَحْشِرُ وعَكَفَ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَرْفَعِ اللهُ" جَوابُ الأمْرِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في تَرْتِيبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ ﴾ فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: يَرْفَعِ اللهُ المُؤْمِنِينَ العُلَماءَ مِنكم دَرَجاتٍ، فَلِذَلِكَ أمَرَ بِالتَفَسُّحِ مِن أجْلِهِمْ، ويَجِيءُ -عَلى هَذا- قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: جاءَنِي العاقِلُ والكَرِيمُ والشُجاعُ، وأنْتَ تُرِيدُ رَجُلًا واحِدًا.

وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: يَرْفَعِ اللهُ المُؤْمِنِينَ والعُلَماءَ، الصِنْفَيْنِ جَمِيعًا دَرَجاتٍ، لَكِنّا نَعْلَمُ تَفاضُلَهم في الدَرَجاتِ مِن مَواضِعَ أُخَرَ، ولِذَلِكَ جاءَ الأمْرُ بِالتَفَسُّحِ عامًّا لِلْعُلَماءِ وغَيْرِهِمْ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: المَعْنى: "يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم "، وتَمَّ القَوْلُ، ثُمَّ ابْتَدَأ بِتَخْصِيصِ العُلَماءِ بِالدَرَجاتِ، ونَصْبِهِمْ بِإضْمارِ فِعْلٍ، فالمُؤْمِنُونَ رُفِعَ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ولِلْعُلَماءِ دَرَجاتٌ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِخِّيرِ: "فَضْلُ العِلْمِ أحَبُّ إلَيَّ مَن فَضْلِ العِبادَةِ، وخَيْرُ دِينِكُمُ الوَرَعُ"، ثُمَّ تُوَعَّدَ تَعالى وحَذَّرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ .

وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَسُولَ ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ في سَبَبِها أنْ قَوْمًا مِن شَبابِ المُسْلِمِينَ كَثُرَتْ مُناجاتُهم لِلنَّبِيِّ  في غَيْرِ حاجَةٍ إلّا لِتَظْهَرَ مَنزِلَتُهُمْ، وكانَ رَسُولُ اللهِ  سَمْحًا لا يَرُدُّ أحَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُشَدِّدَةً عَلَيْهِمْ في أمْرِ المُناجاةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الأغْنِياءِ لِأنَّهم غَلَبُوا الفُقَراءَ عَلى مُناجاةِ رَسُولِ اللهِ  وعَلى مَجْلِسِهِ.

وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الرُواةِ: لَمْ يَعْمَلْ بِهَذِهِ الآيَةِ بَلْ نُسِخَتْ قَبْلَ العَمَلِ، لَكِنِ اسْتَقَرَّ حُكْمُها بِالعَزْمِ عَلَيْهِ، كَأمْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في ذَبْحِ ابْنِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وصَحَّ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: ما عَمِلَ بِها أحَدٌ غَيْرِي، وأنا كُنْتُ سَبَبَ الرُخْصَةِ والتَخْفِيفِ عَنِ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ أنِّي أرَدْتُ مُناجاةَ النَبِيِّ  في أمْرٍ ضَرُورِيٍّ، فَصَرَفْتُ دِينارًا بِعَشَرَةِ دَراهِمَ، ثُمَّ ناجَيْتُهُ عَشْرَ مَرّاتٍ، أُقَدِّمُ في كُلَّ مَرَّةٍ دِرْهَمًا، ورُوِيَ عنهُ «أنَّهُ تَصَدَّقَ في كُلِّ مَرَّةٍ بِدِينارٍ، قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ثُمَّ فَهِمَ رَسُولُ اللهِ  أنَّ هَذِهِ العِبادَةَ قَدْ شُقَّتْ عَلى الناسِ، فَقالَ لِي: يا عَلِيُّ، كَمْ تَرى أنْ يَكُونَ حَدُّ هَذِهِ الصَدَقَةِ؛ أتَراهُ دِينارًا؟

قُلْتُ: لا، قالَ فَنِصْفُ دِينارٍ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: فَكَمْ؟

قُلْتُ: حَبَّةٌ مِن شَعِيرٍ، قالَ: إنَّكَ لِزَهِيدٌ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى الرُخْصَةَ لِلْواجِدِينَ، وأمّا مَن لا يَجِدُ فالرُخْصَةُ لَهُ ثابِتَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنْ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ،» وقالَ مُقاتِلٌ: بَقِيَ هَذا الحُكْمُ عَشَرَةَ أيّامٍ، وقالَ قَتادَةُ: بَقِيَ ساعَةً مِن نَهارٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "صَدَقَةٌ" بِالإفْرادِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "صَدَقاتٌ" بِالجَمْعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فصل بين آيات الأحكام المتعلقة بالنجوى بهذه الآية مراعاة لاتحاد الموضوع بين مضمون هذه الآية ومضمون التي بعدها في أنهما يجمعهما غرض التأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم وتلك المراعاة أولى من مراعاة اتحاد سياق الأحكام.

ففي هذه الآية أدب في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم والآية التي بعدها تتعلق بالأدب في مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخرت تلك عن آيات النجوى العامة إيذاناً بفضلها دون النجوى التي تضمنتها الآيات السابقة، فاتحاد الجنس في النجوى هو مسوغ الانتقال من النوع الأول إلى النوع الثاني، والإِيماءُ إلى تميزها بالفضل هو الذي اقتضى الفصل بين النوعين بآية أدب المجلس النبوي.

وأيضاً قد كان للمنافقين نية مكر في قضية المجلس كما كان لهم نية مكر في النجوى، وهذا مما أنشأ مناسبة الانتقال من الكلام على النجوى إلى ذكر التفسح في المجلس النبوي الشريف.

روي عن مقاتل أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في الصُفّة، وكان في المكان ضيق في يوم الجمعة فجاء ناس من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس بن شَماس قد سُبقوا في المجلس فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يفسح لهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر فقال لمن حوله: قم يا فلان بعَدد الواقفين من أهل بدر فشقّ ذلك على الذين أقيموا، وغمز المنافقون وقالوا: ما أُنْصِف هؤلاء، وقد أحبّوا القرب من نبيئهم فسَبَقوا إلى مجلسه فأنزل الله هذه الآية تطييباً لخاطر الذين أقيموا، وتعليماً للأمة بواجب رعي فضيلة أصحاب الفضيلة منها، وواجببِ الاعتراف بمزية أهل المزايا، قال الله تعالى: ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ [النساء: 32]، وقال: ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ [الحديد: 10].

والخطاب ب ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ خطاب لجميع المؤمنين يعم من حضروا المجلس الذي وقعت فيه حادثة سبب النزول وغيرَهم ممن عسى أن يحضر مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وابتدئت الآية بالأمر بالتفسح لأن إقامة الذين أقيموا إنما كانت لطلب التفسيح فإناطة الحكم إيماء إلى علة الحكم.

والتفسح: التوسع وهو تفعل من فسح له بفتح السين مخففة إذا أوجد له فُسحة في مكان، وفسُح المكان من باب كرُم إذا صار فسيحاً.

ومادة التفعل هنا للتكلف، أي يكلف أن يجعل فسحة في المكان وذلك بمضايقة مع الجُلاّس.

وتعريف ﴿ المجلس ﴾ يجوز أن يكون تعريف العهد، وهو مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أي إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لكم ذلك لأن أمره لا يكون إلا لمراعاة حق راجح على غيره والمجلس مكان الجلوس.

وكان مجلس النبي صلى الله عليه وسلم بمسجده والأكثر أن يكون جلوسه المكان المسمّى بالروضة وهو ما بين منبر النبي صلى الله عليه وسلم وبيته.

ويجوز أن يكون تعريف ﴿ المجلس ﴾ تعريف الجنس.

وقوله: ﴿ يفسح الله لكم ﴾ مجزوم في جواب قوله: ﴿ فافسحوا ﴾ ، وهو وعد بالجزاء على الامتثال لأمر التفسح من جنس الفعل إذ جعلت توسعة الله على الممتثل جزاءً على امتثاله الذي هو إفساحه لغيره فضمير ﴿ لكم ﴾ عائد على ﴿ الذين آمنوا ﴾ باعتبار أن الذين يفسحون هم من جملة المؤمنين لأن الحكم مشاع بين جميع الأمة وإنما الجزاء للذين تعلق بهم الأمر تعلقاً إلزامياً.

وحذف متعلق ﴿ يفسح الله لكم ﴾ ليعم كل ما يتطلب الناس الإِفساح فيه بحقيقته ومجازه في الدنيا والآخرة من مكان ورزق أو جنة عرضها السماوات والأرض على حسب النيات، وتقديرُه الجزاء موكول إلى إرادة الله تعالى.

وحذف فاعل القول لظهوره، أي إذا قال لكم الرسول: تفسحوا فافسحوا، فإن الله يثيبكم على ذلك.

فالآية لا تدلّ إلاّ على الأمر بالتفسح إذا أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ولكن يستفاد منها أن تفسح المسلمين بعضهم لبعض في المجالس محمود مأمور به وجوباً أو ندباً لأنه من المكارمة والإِرفاق.

فهو من مكملات واجب التحابّ بين المسلمين وإن كان فيه كلفة على صاحب البقعة يُضايقه فيها غيره.

فهي كلفة غير معتبرة إذا قوبلت بمصلحة التحابّ وفوائده، وذلك ما لم يفض إلى شدة مضايقة ومضرة أو إلى تفويت مصلحة من سماع أو نحوه مثل مجالس العلم والحديث وصفوففِ الصلاة.

وذلك قياس على مجلس النبي صلى الله عليه وسلم في أنه مجلس خير.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم " أحبكم إليّ ألْيَنُكم مناكب في الصلاة " قال مالك: ما أرى الحكم إلا يطرد في مجالس العلم ونحوها غابرَ الدهر.

يريد أن هذا الحكم وإن نزل في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فهو شامل لمجالس المسلمين من مجالس الخير لأن هذا أدب ومؤاساة، فليس فيه قرينة الخصوصية بالمجالس النبوية، وأراد مالك ب«نحوها» كل مجلس فيه أمر مهمّ في شؤون الدين فمن حق المسلمين أن يحرصوا على إعانة بعضهم بعضاً على حضوره.

وهذا قياس على مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وعلته هي التعاون على المصالح.

وأفهم لفظ التفسح أنه تجنب للمضايقة والمراصة بحيث يفوت المقصود من حضور ذلك المجلس أو يحصل ألم للجالسين.

وقد أرخص مالك في التخلف عن دعوة الوليمة إذا كثر الزحام فيها.

وقرأ الجمهور ﴿ في المجلس ﴾ وقرأه عاصم بصيغة الجمع ﴿ في المجالس ﴾ وعلى كلتا القراءتين يجوز كون اللام للعهد وكونها للجنس وأن يكون المقصود مجالس النبي صلى الله عليه وسلم كلما تكررت أو ما يشمل جميع مجالس المسلمين، وعلى كلتا القراءتين يصح أن يكون الأمر في قوله تعالى: ﴿ فافسحوا ﴾ للوجوب أو للندب.

وقوله: ﴿ وإذا قيل انشزوا فانشزوا ﴾ الآية عطف على ﴿ إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس ﴾ .

و ﴿ انشزوا ﴾ أمر من نَشَز إذا نهض من مكانه يقال: نَشُزَ يَنشِزُ من باب قَعد وضرَب إذا ارتفع لأن النهوض ارتفاع من المكان الذي استقرّ فيه ومنه نشوز المرأة من زوجها مجازاً عن بعدها عن مضجعها.

والنشوز: أخص من التفسيح من وجه فهو من عطف الأخص: من وجهٍ على الأعم منه للاهتمام بالمعطوف لأن القيام من المجلس أقوى من التفسيح من قعود.

فذكر النشوز لئلا يتوهم وأن التفسيح المأمور به تفسيح من قعود لا سيما وقد كان سبب النزول بنشوز، وهو المقصود من نزول الآية على ذلك القول.

ومن المفسرين من فسر النشوز بمطلق القيام من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم سواء كان لأجل التفسيح أو لغير ذلك مما يؤمر بالقيام لأجله.

روي عن ابن عباس وقتادة والحسن «إذا قيل انشزوا إلى الخير وإلى الصلاة فانشزوا».

وقال ابن زيد: إذا قيل انشزوا عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتفعوا فإن للنبيء صلى الله عليه وسلم حوائج، وكانوا إذا كانوا في بيته أحبّ كل واحد منهم أن يكون آخر عهده برسول الله صلى الله عليه وسلم وسبب النزول لا يخصص العام ولا يقيد المطلق.

وهذا الحكم إذا عسر التفسيح واشتد الزحام والتراصّ فإن لأصحاب المقاعد الحقّ المستقر في أن يستمرّوا قاعدين لا يقام أحد لغيره وذلك إذا كان المقوّم لأجله أولى بالمكان من الذي أقيم له بسبب من أسباب الأوّلية كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة نفر لإِعطاء مقاعدهم للبدريين.

ومنه أولوية طلبة العلم بمجالس الدرس، وأولوية الناس في مقاعد المساجد بالسبق، ونحو ذلك، فإن لم يكن أحد أولى من غيره فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يقيم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه.

وللرجل أن يرسل إلى المسجد ببساطه أو طنفسته أو سجادته لتبسط له في مكان من المسجد حتى يأتي فيجلس عليها فإن ذلك حوز لذلك المكان في ذلك الوقت.

وكان ابن سيرين يرسل غلامه إلى المسجد يوم الجمعة فيجلس له فيه فإذا جاء ابن سرين قام الغلام له منه.

وفي «الموطأ» عن مالك بن أبي عامر قال: كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب يوم الجمعة تطرح إلى جدار المسجد الغربي فإذا غشي الطنفسة كلها ظِلُّ الجدار خرج عمر بن الخطاب فصلّى الجمعة.

فالطنفسة ونحوها حوز المكان لصاحب البساط.

فيجوز لأحد أن يأمر أحداً يبكر إلى المسجد فيأخذ مكاناً يقعد فيه حتى إذا جاء الذي أرسل ترك له البقعة لأن ذلك من قبيل النيابة في حوز الحق.

وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ﴿ انشزوا فانشزوا ﴾ بضم الشين فيهما.

وقرأه الباقون بكسر الشين.

وهما لغتان في مضارع نشز.

وقوله: ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ﴾ جواب الأمر في قوله: ﴿ فانشزوا ﴾ فقد أجمع القراء على جزم فعل ﴿ يرفعْ ﴾ فهو جواب الأمر بهذا.

وعد بالجزاء على الامتثال للأمر الشرعي فيما فيه أمر أو لما يقتضي الأمر من علّة يقاس بها على المأمور به أمثالُه مما فيه علة الحكم كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ فافسحوا ﴾ .

ولما كان النشوز ارتفاعاً عن المكان الذي كان به كان جزاؤه من جنسه.

وتنكير ﴿ درجات ﴾ للإِشارة إلى أنواعها من درجات الدنيا ودرجات الآخرة.

وضمير ﴿ منكم ﴾ خطاب للذين نودوا ب ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ .

و (من) تبعيضية، أي يرفع الله درجات الذين امتثلوا.

وقرينة هذا التقدير هي جعل الفعل جزاء للأمر فإن الجزاء مسبب عما رتب عليه بقوله: ﴿ منكم ﴾ صفة للذين آمنوا.

أي الذين آمنوا من المؤمنين والتغايُر بين معنى الوصف ومعنى الموصوف بتغاير المقدَّر وإن كان لفظ الوصف ولفظ الموصوف مترادفين في الظاهر.

فآل الكلام إلى تقدير: يرفع الله الذين استجابوا للأمر بالنشوز إذا كانوا من المؤمنين، أي دون من يضمه المجلس من المنافقين.

فكان مقتضى الظاهر أن يقال: يرفع الله الناشزين منكم فاستحضروا بالموصول بصلة الإِيمان لما تؤذن به الصلة من الإِيماء إلى علة رفع الدرجات لأجل امتثالهم أمرَ القائل ﴿ انشزوا ﴾ وهو الرسول صلى الله عليه وسلم إن كان لإِيمانهم وأن ذلك الامتثال من إيمانهم ليس لنفاق أو لصاحبه امتعاض.

وعطف «الذين أوتوا العلم منهم» عطف الخاص على العام لأن غشيان مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو لطلب العلم من مواعظه وتعليمه، أي والذين أوتوا العلم منكم أيها المؤمنون، لأن الذين أوتوا العلم قد يكون الأمر لأحد بالقيام من المجلس لأجلهم، أي لأجل إجلاسهم، وذلك رفع لدرجاتهم في الدنيا، ولأنهم إذا تمكنوا من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم كان تمكنهم أجمع للفهم وأنفى للملل، وذلك أدعى لإطالتهم الجلوس وازديادهم التلقي وتوفير مستنبطات أفهامهم فيما يلقى إليهم من العلم، فإقامة الجالسين في المجلس لأجل إجلاس الذين أوتوا العلم من رفع درجاتهم في الدنيا.

ولعل البدريين الذين نزلت الآية بسبب قصتهم كانوا من الصحابة الذين أوتوا العلم.

ويجوز أن بعضاً من الذين أمروا بالقيام كان من أهل العلم فأقيم لأجل رجحان فضيلة البدريين عليه، فيكون في الوعد للذي أقيم من مكانه برفع الدرجات استئناس له بأن الله رافع درجته.

هذا تأويل نظم الآية الذي اقتضاه قوة إيجازه.

وقد ذهب المفسرون في الإفصاح عن استفادة المعنى من هذا النظم البديع مذاهب كثيرة وما سلكناه أوضح منها.

وانتصب ﴿ درجات ﴾ ، على أنه ظرف مكان يتعلق ب ﴿ يرفع ﴾ أي: يرفع الله الذين آمنوا رفعاً كائناً في درجات.

ويجوز أن يكون نائباً عن المفعول المطلق ل ﴿ يرفع ﴾ لأنها درجات من الرفع، أي مرافع.

والدرجات مستعارة للكرامة فإن الرفع في الآية رفعاً مجازياً، وهو التفضيل والكرامة وجيء للاستعارة بترشيحها بكون الرفع درجات.

وهذا الترشيح هو أيضاً استعارة مثل الترشيح في قوله تعالى: ﴿ ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ﴾ [الرعد: 25] وهذا أحسن الترشيح.

وقد تقدم نظيره في قوله تعالى في سورة [الأنعام: 83] ﴿ نرفع درجات من نشاء.

﴾ وقال عبد الله بن مسعود وجماعة من أهل التفسير: إن قوله: والذين أوتوا العلم درجات } كلام مستأنف وتَم الكلام عند قوله: ﴿ منكم ﴾ قال ابن عطية: ونصب بفعل مُضمر ولعله يعني: نُصب ﴿ درجات ﴾ بفعل هو الخبر عن المبتدأ، والتقدير: جعلهم.

وجملة ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ تذييل، أي الله عليم بأعمالكم ومختلف نياتكم من الامتثال كقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا يُكلَمُ أحد في سبيل الله.

والله أعلم بمن يكلَم في سبيله» الحديث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَجْلِسُ النَّبِيِّ  خاصَّةً إذا جَلَسَ فِيهِ قَوْمٌ تَشاحُّوا بِأمْكِنَتِهِمْ عَلى مَن يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ أنْ يُؤْثِرُوهُ بِها أوْ يُفْسِحُوا لَهُ فِيها، فَأمَرُوا بِذَلِكَ قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ في مَجالِسِ صَلاةِ الجُمُعَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: أنَّها في مَجالِسِ الذِّكْرِ كُلِّها، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّ ذَلِكَ في الحَرْبِ والقِتالِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ وإذا قِيلَ لَكُمُ انْهَضُوا إلى القِتالِ فانْهَضُوا، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: إذا دُعِيتُمْ إلى الخَيْرِ فَأجِيبُوا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ فاسْعَوْا إلَيْها، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا إذا جَلَسُوا في بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ  أطالُوا لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم هو الآخِرُ عَهْدًا بِهِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَنْشُزُوا إذا قِيلَ لَهُمُ انْشُزُوا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَمَعْنى ﴿ تَفَسَّحُوا ﴾ تَوَسَّعُوا.

وَفي ﴿ انْشُزُوا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ قُومُوا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: ارْتَفَعُوا، مَأْخُوذٌ مِن نَشْزِ الأرْضِ وهو ارْتِفاعُها.

وَفِيما أُمِرُوا أنْ يَنْشُزُوا إلَيْهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلى الصَّلاةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: إلى الغَزْوِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: إلى كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي بِإيمانِهِ عَلى مَن لَيْسَ بِمَنزِلَتِهِ في الإيمانِ.

﴿ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ ﴾ عَلى مَن لَيْسَ بِعالِمٍ.

وَيَحْتَمِلُ هَذا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنْ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرَةِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ أمْرًا يَرْفَعُهم في المَجالِسِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها لِتَرْتِيبِ النّاسِ فِيها بِحَسَبِ فَضائِلِهِمْ في الدِّينِ والعِلْمِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية وأغزاها التقى المنافقون فانغضوا رؤوسهم إلى المسلمين، ويقولون: قتل القوم، وإذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تناجوا وأظهروا الحزن فبلغ ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ومن المسلمين، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإِثم والعدوان ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان المنافقون يتناجون بينهم، فكان ذلك يغيظ المؤمنين ويكبر عليهم، فأنزل الله في ذلك ﴿ إنما النجوى من الشيطان ﴾ الآية.

وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال: «كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرقه أمر أو يأمر بشيء فكثر أهل النوب والمحتسبون ليلة حتى إذا كنا نتحدث فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فقال: ما هذه النجوى؟

ألم تنهوا عن النجوى؟» .

قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا ﴾ الآية.

أخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه كان يقرأها تفسحوا في المجالس بالألف فافسحوا يفسح الله لكم وقال: في القتال ﴿ وإذا قيل انشزوا فانشزوا ﴾ قال: إذا قيل: انهدوا إلى الصدر فانهدوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ﴾ قال: مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إذا قيل لكم تفسحوا ﴾ الآية قال: نزلت هذه الآية في مجالس الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلاً ضنوا بمجالسهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن في الآية قال: كانوا يجيئون فيجلسون ركاماً بعضهم خلف بعض، فأمروا أن يتفسحوا في المجلس فانفسح بعضهم لبعض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: أنزلت هذه الآية يوم جمعة وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ في الصفة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس، فقاموا حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم سلموا على القوم بعد ذلك فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام فلم يفسح لهم، فشق ذلك عليه فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: قم يا فلان، وأنت يا فلان، فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، فنزلت هذه الآية.

وأخرج البخاري ومسلم عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ﴾ قال: ذلك في مجلس القتال ﴿ وإذا قيل انشزوا ﴾ قال: إلى الخير والصلاة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا قيل انشزوا ﴾ قال: إلى كل خير قتال عدوّ وأمر بمعروف أو حق ما كان.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وإذا قيل انشزوا فانشزوا ﴾ يقول: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا.

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في المدخل عن ابن عباس في قوله: ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ﴾ قال: يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: تفسير هذه الآية: يرفع الله الذين آمنوا منكم وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات.

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال: ما خص الله العلماء في شيء من القرآن ما خصهم في هذه الآية، فضل الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي المجالس فافسحوا ﴾ اختلف في سبب نزول الآية فقيل: نزلت في مقاعد الحرب والقتال، وقيل: نزلت بسبب ازدحام الناس، في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرصهم على القرب منه، وقيل: أقام النبي صلى الله عليه وسلم قوماً ليُجلسَ أشياخاً من أهل بدر في مواضعهم، فنزلت الآية.

ثم اختلفوا هل هي مقصورة على مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أو هي عامة في جميع المجالس؟

فقال قوم إنها مخصوصة ويدل على ذلك قراءة المجلس بالإفراد، وذهب الجمهور إلى أنها عامة ويدل على ذلك قراءة المجالس بالجمع، وهذا هو الأصح ويكون المجلس بالإفراد على هذا للجنس، والتفسيح المأمور به هو التوسع دون القيام ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقم أحد من مجلسه ثم يجلس الرجل فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا» وقد اختلف في هذا النهي عن القيام من المجلس لأحد هل هو على التحريم أو الكراهة ﴿ يَفْسَحِ الله لَكُمْ ﴾ أي يوسع لكم في جنته ورحمته ﴿ وَإِذَا قِيلَ انشزوا فَانشُزُواْ ﴾ إي إذا قيل لكم: ارتفعوا وقوموا فافعلوا ذلك، واختلف في هذا النشوز المأمور به فقيل: إذا دعوا إلى قتال أو صلات أو فعل طاعةٍ، وقيلأ: إذا أُمروا بالقيام من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه كان يحب الانفراد أحياناً، وربما جلس قوم حتى يؤمروا بالقيام، وقيل: المراد القيام في المجلس للتوسع.

﴿ يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم دَرَجَاتٍ ﴾ فيها قولان أحدهما: يرفع الله المؤمنين العلماء درجات فقوله: ﴿ والذين أُوتُواْ العلم دَرَجَاتٍ ﴾ صفة للذين آمنوا كقوله: جاءني العاقل الكريم، وأنت تريد رجلاًَ واحداً، والثاني: يرفع الله المؤمنين والعلماء الصنفين جميعاً درجات، فالدرجات على الأول للمؤمنين بشرط أن يكون علماء، وعلى الثاني للمؤمنين الذين ليسوا علماء، وللعلماء أيضاً ولكن بين درجات العلماء وغيرهم تفاوت يوجد في موضع آخر كقوله صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» ، وقوله عليه الصلاة والسلام: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم رجلاً» وقوله عليه السلام: «يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» فإذا كان لهم فضل على العابدين والشهداء، فما ظنك بفضلهم على سائر المؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ يظاهرون ﴾ من المظاهرة: عاصم ﴿ يظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء من الظهر وأصله " يتظهرون " أدغمت التاء في الظاء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

والباقون ﴿ يظاهرون ﴾ بتشديد الظاء ويزادة الألف من التظاهر وأصله " يتظاهرون" ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ بالرفع: المفضل.

الآخرون: بكسر التاء على إعمال " ما " عمل ليس هذه هي الفصحى ﴿ ما تكون ﴾ بتاء التأنيث: يزيد وهو ظاهر.

الآخرون: على التذكير بناء على أن التقدير ما يقع شيء من نجوى.

﴿ ولا أكثر ﴾ بالرفع: يعقوب إما على الابتداء كقولك " لا حول ولا قوة" أو للعطف على محل ﴿ من نجوى ﴾ الباقون: بالنصب على أن " لا " لنفي الجنس أو على أنهما مجروران عطفاً على ﴿ نجوى ﴾ كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم.

أو عطفاً على العدد والتقدير: ما يكون من نجوى أكثر من ذلك ﴿ وتتناجوا ﴾ على باب الافتعال: حمزة ورويس ﴿ ولا تتناجوا ﴾ من الافتعال أيضاً.

رويس.

﴿ المجالس ﴾ على الجمع: عاصم ﴿ انشزوا ﴾ بضم الشين فيهما: أبو جعفر ونافع وأبن عامر وعاصم غير يحيى وحماد والهراز.

الآخرون: بالكسر فيهما وهما لغتان مثل ﴿ يعرشون ﴾ و ﴿ يعرشون ﴾ ﴿ ورسلي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ عشيراتهم ﴾ على الجمع: الشموني ﴿ كتب ﴾ مجهولاً الإيمان بالرفع: المفضل.

الوقوف: ﴿ تحاوركما ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ ط ﴿ ولدنهم ﴾ ط ﴿ وزوراً ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ يتماسا ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ يتماسا ﴾ ج ﴿ مسكيناً ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ق ﴿ مهين ﴾ ه ط لاحتمال تعلق الظرف بما قبله وكونه مفعولاً لاذكر ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ ونسوه ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ه ﴿ كانوا ﴾ ج لأن " ثم " للعطف أو لترتيب الاخبار ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين معنى مع أن ﴿ جاؤك ﴾ فعل ماض لفظاً ﴿ به الله ﴾ لا لأن ما بعده حال أو عطف على ﴿ جاؤك ﴾ لمستقبل معنى ﴿ نقول ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط لاحتمال الحال وكونه مستأنفاً ﴿ يصلونها ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والتقوى ﴾ ج ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ يفسح الله لكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ منكم ﴾ لا للعطف ﴿ درجات ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ صدقة ﴾ ط ﴿ وأطهر ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ صدقات ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عيلهم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ﴿ منهم ﴾ لا بناء على أن ما بعده حاله والعامل معنى الفعل في الجار أي وهم يحلفون قاله السجاوندي ولا يبعد عندي أن يكون مستأنفاً فيحسن الوقف.

﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ شديداً ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ أولئك حزب الشيطان ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ه ﴿ الأذلين ﴾ ه ﴿ رسلي ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ عشيرتهم ﴾ ط ﴿ بروح منه ﴾ ط للعدول عن الماضي إلى المستقبل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ أولئك حزب الله ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه.

التفسير: عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمت المجادلة رسول الله  في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع وقد سمع الله لها.

وعن عمر أن النبي  كان إذا دخلت عليه أكرمها وقال: قد سمع الله لها أي أجاب وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة.

ورآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم فلما سلمت راودها فأبت فغضب وكان به حدة فظاهر منها، فأتت رسول الله  فقالت: إن أوساً تزوّجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما كبر سني ونثرت بطني أي كثر منه ولدي جعلني منه كأمه.

وفي رواية أنها قالت: إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا.

فقال  لها: ما عندي في أمرك شيء.

وروي أنه قال لها مراراً: حرمت عليه.

وهي تقول: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي فنزلت.

ومعنى ﴿ في زوجها ﴾ في شأنه ومعنى " قد" في ﴿ قد سمع الله ﴾ التوقع لأن رسول الله  والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله عز وجل مجادلتها وشكواها وينزل في شأنها ما يفرج عنها.

والتحاور التراجع في الكلام وفي الآية دلالة على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق كفاه الله همه.

"يروى أنه  أرسل إلى زوجها وقال: ما حملك على ما صنعت؟

فقال: الشيطان، فهل من رخصة؟

فقال  : نعم وقرأ عليه الآيات الأربع وقال  له: هل تستطيع العتق؟

فقال: لا والله.

فقال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟

فقال: لا والله يا رسول الله إلا أن تعينني منك بصدقة فأعانه بخمسة عشر صاعاً وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين" .

وعلم أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية لأنه في التحريم غاية فإن كان شرعاً متقدماً فالآية ناسخة له ولا سيما فيمن روى أنه  قال لها: حرمت عليه.

وإن كان عادة الجاهلية فلا نسخ لأن النسخ لا يوجد إلا في الشرائع.

ثم إنه  وبخ العرب أوّلاً بقوله ﴿ الذين يُظاهِرُونَ منكم ﴾ ثم بين الحكم العام في الآية الثانية ولهذا لم يورد لفظة منكم ونحن نبني تفسير الآية على أبحاث الأول في معنى الظهار وهو عبارة عن قول الرجل لامرأته "أنت عليّ كظهر أمي" فاشتقاقه من الظهر.

وقال صاحب النظم: ليس الظهر بذلك أولى في هذا المطلوب من سائر الأعضاء التي هي موضع التلذذ فهو مأخوذ من ظهر إذا علا وغلب وبه سمي المركوب ظهراً لأن راكبه يعلوه، وكذلك امرأة الرجل مركبه وظهر له.

والدليل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي أي طلقتها.

وفي لفظ الظهار إضمار والتقدير: ظهرك عليّ أي علوي وركوبي عليك حرام علي كعلو أمي.

ثم لا مناقشة بين العلماء في الصلات فلو قال: أنت معي أو عندي أو مني أو لي كظهر أمي صح ظهاره.

وكذا لو ترك الصلات كلها وقال: أنت كظهر أمي كما أن قوله "أنت طالق" صريح وإن لم يقل "مني" أما إذا شبهها بغير الظهر فذهب الشافعي إلى أن ذلك العضو إن كان مشعراً بالإكرام كقوله أنت علي كروح أمي أو عين أمي صح ظهاره إن أراد الظهار لا الإكرام وإلا فلا.

وإن لم ينو شيئاً ففيه قولان، وإن لم يكن مشعراً بالكرامة كقوله أنت كرجل أمي أو كيدها أو بطنها ففي الجديد ظهار، وفي القديم لا، وقد يرجح هذا البراءة الأصلية.

وقال أبو حنيفة: إن شبهها بعضو من الأم يحل له النظر إليه كاليد أو الرأس لم يكن ظهاراً، وإن شبهها بعضو يحرم النظر إليه كالبطن والفخذ كان ظهاراً.

وفي التشبيه بالمحرمات الأخر من النسب أو الرضاع سوى الأم في الجديد وعليه أبو حنيفة أنه ظهار لعموم قوله ﴿ يظاهرون ﴾ ومن قصره على الأم احتج بقوله بعده ﴿ ما هنّ أمهاتهم ﴾ وبأن حرمة الأم أشد.

البحث الثاني في المظاهر وفيه مسائل: الأولى: قال الشافعي: كل من صح طلاقه صح ظهاره وإن كان خصياً أو مجبوباً، ويتفرع عليه أن ظهار الذمي صحيح.

حجة الشافعي عموم قوله  ﴿ والذين يظاهرون ﴾ وأيضاً تأثير الظهار في التحريم والذمي أهل لذلك بدليل صحة طلاقه.

وأيضاً إيجاب الكفارة للزجر عن هذا الفعل الذي هو منكر من القول وزور وهذا المعنى قائم في حق الذمي.

وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح ظهاره.

واحتج أبو بكر الرازي لهما بأن قوله ﴿ والذين يظاهرون منكم ﴾ خطاب للمؤمنين.

وأيضاً من لوازم الظهار تصحيح وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع لأنه مع الكفر باطل، وبعد الإسلام غير لازم لأنه يجب ما قبله.

وأجيب عن الأول بأن قوله ﴿ منكم ﴾ خطاب للحاضرين فلم قلتم: إنه يختص بالمؤمنين؟

على أن التخصيص بالذكر عندكم لا يدل على نفي ما عداه.

وأيضاً العام عندكم إذا أورد بعد الخاص كان ناسخاً للخاص.

وعن الثاني أن من لوازم الظهار أيضاً أنه حين عجز عن الصوم اكتفي منه بالإطعام فهو ههنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفي فيه بالإطعام، وإن لم يتحقق العجز زال السؤال.

وأيضاً الصوم بدل عن الإعتاق والبدل أضعف عن المبدل.

ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره بالاتفاق فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب منع الظهار ففوات الأضعف كيف يمنع؟

وقال القاضي حسين من أصحاب الشافعي في الجواب: نقول للذمي إن أردت الخلاص من التحريم فأسلم وصم قوله الإسلام يجب ما قبله.

قلنا: إنه عام والتكفير خاص والخاص مقدّم على العام.

الثانية قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو ظاهر ولو قال شهراً فقد قال أبو حنيفة والشافعي: بطل ظهاره بمضي المدة وكان قبل ذلك صحيحاً لام روي أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان ثم وطئها في المدة فأمره النبي  بتحرير رقبة.

وأما بطلان ظهاره بعد المدة فلمقتضى اللفظ كما في الأيمان.

فإذا مضت المدة حل الوطء لارتفاع الظهار وبقيت الكفارة في ذمته.

وقال مالك وابن أبى ليلى: هو مظاهر أبداً.

البحث الثالث في المظاهر عنها.

ويصح الظهار عن الصغيرة والمجنونة والأمة المتزوّجة والذمية والرتقاء والحائض والنفساء، ولا يصح عن الأجنبية سواء أطلق أو علق بالنكاح فقال "إذا نكحتك فأنت عليّ كظهر أمي".

ويصح عن الرجعية ولا يصح عن الأمة وأم الولد عند أبي حنيفة والشافعي لأن قوله  ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ﴾ يتناول الحرائر دون الاماء كما في قوله ﴿ أو نسائهن  ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله ﴿ أو ما ملكت أيمانهن  ﴾ وقال مالك والأوزاعي: يصح لأن قوله ﴿ من نسائهم ﴾ يشمل ملك اليمين لغة.

وفي الآية سؤال وهو أن المظاهر شبّه الزوجة بالأم ولم يقل إنها أم فيكف أنكر الله عليه بقوله ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ وحكم بأنه منكر وزور؟

والجواب أن قوله " أنت عليّ كظهر أمي " إن كان إخباراً فهو كذب لأن الزوجة حلال والأم حرام وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب، وإن كان إنشاء كان معناه أن الشرع جعله سبباً في حصول الحرمة، ولما لم يرد الشرع بهذا السبب كان الحكم به كذباً وزوراً ولهذا أوجب الله  الكفارة على صاحب القول بعد العود.

سؤال آخر قوله  ﴿ إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ﴾ ظاهره يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة لكنه قال في موضع آخر ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم  ﴾ وقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم  ﴾ أجاب في الكشاف بأنه يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هن الوالدات وغيرهن ملحقات بهن لدخولهن في حكمهن بسبب الإرضاع، أو لكونها زوجة النبي  الذي هو أبو الأمة.

وأما الزوجات فلسن من أحد القبيلين وكان قول المظاهر منكراً لمخالفة الحقيقة وزوراً لعدم موافقة الشرع.

قوله ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ قال الفراء: لا فرق في اللغة بين قولك عاد لما قال وإلى ما قال وفيما قال.

وقال أبو علي الفارسي: كلمة إلى واللام يتعاقبان قال الله  ﴿ الحمد لله الذي هدانا لهذا  ﴾ وقال ﴿ فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ } [الصافات: 23] وقال أهل اللغة: إذا قال قائل عاد لما فعل جاز أن يريد أنه فعله مرة أخرى وهذا ظاهر، وجاز أن يريد أن نقض ما فعل لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعودة إليه، وإلى هذا ذهب أكثر المجتهدين إلا أن الشافعي قال: معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق قعد الظهار زماناً يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك أنه لما ظاهر فقد قصد التحريم فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق دل على أنه ندم على ما ابتدأه من التحريم فحينئذ تجب عليه الكفارة.

واعترض أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عليه من وجهين: الأول أنه  قال ﴿ ثم يعودون ﴾ وكلمة " ثم " تقتضي التراخي.

وعلى قول الشافعي يكون المظاهر عائداً عقيب القول بلا تراخ وهذا خلاف مفهوم الآية.

الثاني أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها فلا يكون إمساك الزوجة نقضاً لما قال.

وأجيب عن الأول بأنه يوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك.

والتحقيق أن العبرة بالحكم ونحن لا نحكم بالعود ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه فقد تأخر كونه عائداً عن كونه مظاهراً بهذا القدر من الزمان وهذا يكفي في العمل بمقتضى كلمة " ثم ".

وعن الثاني أن المراد إمساكها على سبيل الزوجية واللفظ محتمل لهذا وإمساك الأم بهذا الوجه محرم.

وقال أبو حنيفة: معناه استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة، وذلك أنه لام شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء ثم قصد استباحتها كان مناقضاً لقوله " أنت عليّ كظهر أمي".

وقال مالك: العود إليها عبارة عن العزم على جماعها، وضعف بأن العزم على جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة هو القصد إلى استحلال جماعها فيرجع إلى قول أبي حنيفة.

ولا يرد عليه إلا أنه خص وجه التشبيه من غير دليل، والذي ذكره الشافعي أعم وأقل ما يطلق عليه اسم العود فكان أولى.

وعن طاوس والحسن أن العود إليها عبارة عن جماعها وخطىء لقوله ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ وإذا كان التكفير قبل الجماع والتكفير لا يثبت إلا بعد العود فالعود غير الجماع.

وأما الاحتمال الأول وهو أن العود لما فعل هو فعلة مرة أخرى ففيه أيضاً وجوه: الأول: قول الثوري: إن العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام وزيف بأنه يرجع حاصل المعنى إلى قوله ﴿ والذين ﴾ كانوا ﴿ يظاهرون من نسائهم ﴾ في الجاهلية ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ في الإسلام ﴿ فكفارته ﴾ كذا وكذا وهذا إضمار من غير دليل مع أنه خلاف الأصل.

الثاني قال أبو العالية: إذا كرر لفظ الظهار فهو عود وإلا فلا.

وضعف بحديث أوس وحديث سلمة بن صخر قال رسول الله  : لزمهما الكفارة مع أنهما لم يكررا الظهار.

الثالثة: قال أبو مسلم الأصفهاني: العود هو أن يحلف على ما قال أوّلاً من لفظ الظهار فإذا لم يحلف لم تلزمه الكفارة قياساً على ما لو قال في بعض الأطعمة " إنه حرام عليّ كلحم الآدمي " فإنه لا يلزمه الكفارة إلا إذا حلف عليه.

ورد بأن الكفارة قد تجب بالإجماع في المناسك ولا يمين.

وعندي أن هذا الرد مردود لأنه لا يلزم من وجوب الكفارة في الصورتين من غير يمين وجوبها في كل صورة بلا يمين.

نعم يرد على أبي مسلم أن تفسير العود بالحلف إثبات اللغة بالقياس، ولا يخفى أن العود لما قالوا على هذا الاحتمال ظاهر لأنه أريد بالقول اللفظ.

وأما الاحتمال الآخر فيحتاج إلى تأويل القول بالمقول فيه وهو ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار كما مر في قوله ﴿ ونرثه ما يقول  ﴾ أي المال والواو للحال.

مسائل: الأولى: الجديد وأبو حنيفة أن الظهار يحرم جميع جهات الاستمتاعات لأن قوله  ﴿ من قبل أن يتماسا ﴾ يعم جميع ضروب المس من المس بيد وغيرها.

"وروى عكرمة أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي  فأخبره بذلك فقال: اعتزلها حتى تكفِّر" .

الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر مراراً فقال أبو حنيفة والشافعي: لكل ظهار كفّارة إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار للتأكيد.

وقال مالك: من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفّارة واحدة.

وحجتهما أنه  رتب الكفّارة على التلفظ بكلمة الظهار والمعلول يتكرر بتكرر العلة، ويتفرع عليه أنه لو كانت تحته أربع نسوة وقال لهن: أنتن عليّ كظهر أمي لزمه أربع كفارات لأن الحكم يتكرر ويتعدّد المحل.

حجته أنه رتب الكفارة على مطلق الظهار والمطلق شامل للمتعدد، ونوقض باليمين فإن الكفارة لازمة في كل يمين.

الثالثة: دلت على إيجاب الكفارة قبل التماس فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة وهو قول أكثر أهل العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحق، لأن سلمة بن صخر قال لرسول الله  : ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها.

فقال عليه الصلاة والسلام: استغفر ربك ولا تعد حتى تكفّر.

وقال بعضهم ومنهم بعد الرحمن بن مهدي: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان.

الرابعة: لا ينبغي للمرأة أن تدع الزوج يقربها حتى يكفّر فإن تهاون حال الإمام بينهما ويجبره على التكفير وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع.

قال الفقهاء: ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة وامتناع من إيفاء حقها.

الخامسة: قد ذكرنا أن الاستمتاعات محرمة عليه إلى أن يكفّر وذلك صريح في تحرير الربة وفي الصيام والآن نقول: إن التكفير بالإطعام أيضاً كذلك وإن لم يتعرض للتماس في قوله ﴿ فإطعام ستين مسكيناً ﴾ حملاً للمطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة، وللأقل وهو صورة واحدة على الأكثر وهذه من فصاحات القرآن.

السادسة: مذهب أبي حنيفة أن هذه الرقبة تجزي وإن كانت كافرة لإطلاق الآية.

وقال الشافعي: لا بد أن تكون مؤمنة قياساً على كفارة القتل.

والجامع أن الإعتاق إنعام والمؤمن أولى به، ولأن المشركين نجس وكل نجس خبيث بالإجماع.

وقال الله  ﴿ ولا تيمموا الخبيث  ﴾ ولا تجزي أم الولد ولا المكاتب عند الشافعي لضعف الملكية فيه ولا يحصل الجزم بالخروج عن العهدة.

وقال أبو حنيفة: إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئاً جاز عن الكفارة لأنه رقبة بدليل قوله ﴿ وفي الرقاب  ﴾ وإن أعتقه بعد أن يؤدي شيئاً لم يجز.

والمدبر يجزي عند الشافعي ولا يجزي عند أبي حنيفة.

السابعة: يعتبر في الرقبة بعد الإيمان على خلاف فيه السلامة عن العيوب لا التي يثبت بها الرد في البيع ولكن التي تخل بالعمل والاكتساب لأن المقصود هناك المالية وههنا تكميل حاله ليتفرغ للعبادات والوظائف المخصوصة بالأحرار، فلا يجزي مقطوع اليدين أو الرجلين أو إحداهما ولا المجنون، ويجزي الأعور والأصم والأخرس ومقطوع الأذنين أو الأنف أو أصابع الرجلين لا أصابع اليد لأن البطش والعمل يتعلق بها.

والعبد الغائب.

إن انقطع خبره لا يجزي ولو أعتق بعده عن كفارته شرط أن يردّ ديناراًَ أو غيره لم يجز بل يجب أن يكون الإعتاق خالياً من شوائب العوض.

الثامنة: كفارة الظهار مرتبة على ما في الآية.

فإن كان في ملكه عبد فاضل عن حاجته فواجبه هو، وإن احتاج إلى خدمته لمرض أو كبر أو لأن منصبه يأبى أن يخدم نفسه لم يكلف صرفه إلى الكفارة، ولو وجد ثمن العبد فكالعبد.

والشرط أن يفضل عن حاجة نفقته وكسوته ونفقة عياله وكسوتهم وعن المسكن وما لا بدّ له من الأثاث ولو كانت له ضيعة أو رأس مال يتجر فيه ويفي ما يحصل منهما بكفايته بلا مزيد ولو باعهما لارتدّ إلى حد المساكين لم يكلف صرفه إلى الكفارة.

ولو وجد ثمن العبد فكالعبد والشرط بيعها وإن كان ماله غائباً أو لم يجد الرقبة في الحال لم يجز العدول إلى الصوم بل يصبر، وإن كان يتضرر بامتناع الابتياع لأنه  قال ﴿ فمن لم يجد ﴾ وهو واجد.

أما من كان مريضاً في الحال ولا يقدر على الصوم فإنه ينتقل إلى الإطعام لأنه  قال ﴿ فمن لم يستطع ﴾ وهو غير مستطيع، والمآل غير معلوم ولا هو متعلق باختياره بخلاف إحضار المال أو تحصيل الرقبة فإن ذلك قد يمكنه.

التاسعة: لو أطعم مسكيناً واحداً ستين مرة لا يجزي عند الشافعي لظاهر الآية، ولأن إدخال السرور في قلب ستين أجمع وأقرب من رضا الله.

وقال أبو حنيفة: يجزي.

العاشرة: الشبق المفرط والغلمة عذر عند الأكثرين في الانتقال إلى الإطعام كما في قصة الأعرابي وهل أتيت إلا من قبل الصوم فأمره النبي  وقال: أطعم.

وحمله آخرون على خاصة الأعرابي.

ولنكتف بهذا القدر من المسائل الفقهية في تفسير آية الظهار.

قال الزجاج ﴿ ذلكم توعظون ﴾ أي ذلك التغليظ وعظ لكم حتى تتركوا الظهار.

وحين ذكر حكم الآية عقبه بقوله ذلك فيحتمل أن يعود إلى مطلق بيان كفارة الظهار، ويحتمل أن يعود إلى التخفيف والتوسيع لتصدقوا بالله ورسوله فإن التخفيف مناسب للتصديق والعمل بالشريعة ﴿ وللكافرين ﴾ الذين استمروا على أحكام الجاهلية ﴿ عذاب أليم ﴾ وإنما قال في الآية الثانية ﴿ عذاب مهين ﴾ ليناسب قوله ﴿ كبتوا ﴾ أي أخزوا وأهلكوا.

قيل: أريد كبتهم يوم الخندق.

وفي الحدود مع المحادة نوع من التجانس، والمحادّة المشاقة من الحد الطرف كأن كلاً من المتخاصمين في طرف آخر كالمشاقة من الشق.

وقال أبو مسلم: هي من الحديد كأن كلا منهما يكاد يستعمل الحديد أي السيف وهم المنافقون أو الكافرون على الإطلاق.

قوله ﴿ أحصاه الله ﴾ أي أحاط بما عمل كل منهم كماً وكيفاً وزماناً ومكاناً ﴿ ونسوه ﴾ لكثرته أو لقلة اكتراثهم بالمعاصي وإنما يحفظ معظمات الأمور.

ثم قرر كمال علمه بقوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة ﴾ نفر ويجوز أن يكون ثلاثة وصفاً للنجوى على حذف المضاف أي من أهل نجوى، أو لأنهم جعلوا نجوى مبالغة وكذلك كل مصدر وصف به.

قال الزجاج: هي مشتقة من النجوة المكان المرتفع لأن الكلام المذكور سراً يجل عن استماع الغير.

سؤال: لم ذكر الثلاثة والخمسة وأهمل ذكر الاثنين والاربعة؟

الجواب من وجوه أحدها: أن الآية نزلت في قوم من المنافقين اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين وكانوا على هذين العددين فحص صورة الواقعة بالذكر.

عن ابن عباس أن ربيعة وحبيباً ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوماً مّا يتحدثون فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول.

فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً.

وقال الثالث: إن كان يعلم بعضاً فهو يعلم كله فنزلت.

قالت جماعة: الحق مع الثالث فلعل الآخر كان فلسفي الاعتقاد القائل بأنه  يعلم الكليات دون الجزئيات.

ثانيها أن العدد الفرد أشرف من الزوج لأن الله  وتر ولأن الزوج يحتاج إلى الوتر دون العكس كالواحد.

وثالثها أن المتشاورين الاثنين كالمتنازعين في النفي والإثبات، والثالث كالمتوسط الحكم وهكذا في كل زوج اجتمعوا للمشاورة فلا بد فيهم من واحد يكون حكماً فذكر  الفردين الأولين تنبيهاً على الأفراد الباقية.

ورابعها أن هذا إشارة إلى كمال المرحمة، وذلك أن الثلاثة إذا أخذ اثنان منهم في التناجي والمسارّة بقي الواحد ضائعاً وحيداً فيضيق قلبه فيقول الله  : أنا جليسك وأنيسك.

وكذا الخمسة إذا اجتمع اثنان اثنان منهم بقي الخامس فريداً فنفس الله  عنه ببشارة المعية.

وهذا التأويل لا يتأتى في الاثنين والأربعة فأهمل ذكرهما.

وفيه أن من انقطع عن الخلق لم يتركه الله ضائعاً.

وخامسها وهو من السوانح.

أنه  لما أراد تكميل الكلام بقوله ﴿ ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ﴾ لم يكن بد من الابتداء بالثلاثة مع أنها عدد أكثري في التشاور، ثم بالخمسة ليكون لكل من العددين طرفا قلة وكثرة.

وفيه أيضاً من الفصاحة أنه لم يقع حروف الأربعة مكرراً إذ لو قال " ولا أربعة إلا وهو خامسهم " على ما وقع في مصحف عبد الله لكان في ذكر الرابع والأربعة شبه تكرار.

ولعل في الآية إشارة إلى التناجي لا ينبغي أن يكون إلا بين اثنين إلى ستة لتكون الزيادة على الخمسة بقدر احتمال النقصان على الثلاثة، ويعضده ما روي أن عمر بن الخطاب ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع، وهذه من نكت القرآن زادنا الله اطلاعاً عليها.

قال أكثر المفسرين: كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين يريدون بذلك غيظهم، فنهاهم رسول الله  عن ذلك فعادوا لمثله وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمحالفة الرسول  فنزل ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ الآية منهم من قال: هم المنافقون ومنهم من قال: فريق من الكفار.

والأول أقرب بدليل قوله ﴿ وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك ﴾ وذلك أنهم كانوا يقولون " السلام عليك يا محمد " والله  يقول ﴿ وسلام على عباده الذين اصطفى  ﴾ و " يا أيها الرسول " و " يا أيها النبي ".

وحديث عائشة مع اليهود في هذا المعنى مذكور مع شهرته وكانوا يقولون: ما له إن كان نبياً لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فأجاب الله  عن قولهم بأن جهنم تكفيهم.

قال أبو علي: التناجي والانتجاء بمعنى نحو اجتوروا واعتوروا في معنى تجاوروا وتعاوروا.

ثم نهى المؤمنين عن مثل تلك النجوى وهو ظاهر.

وقال جمع من المفسرين: وهو خطاب المنافقين الذين آمنوا باللسان دون مواطأة القلوب.

وأعلم أن المناجاة إذا كانت على طريقة البر والتقوى فقلما تقع الداعية إلى كتمانها فلا تكره النجوى ولا يتأذى بها أحد إذا عرفت سيرة المناجي فلهذا أمر الله  أن لا يقع التناجي إلا على وجه البر.

قوله ﴿ إنما النجوى ﴾ الألف واللام فيه لا يمكن أن تكون للاستغراق أو للجنس، فمن النجوى ما تكون ممدوحة لاشتمالها على مصلحة دينية أو دنيوية فهي إذن للعهد وهو التناجي بالإثم والعدوان زينة الشيطان لأجلهم ﴿ ليحزن ﴾ الشيطان، أو التناجي المؤمنين وكانوا يقولون ما نراهم متناجين إلا وقد بلغهم عن أقاربنا الذين خرجوا إلى الغزوات أنهم قتلوا أو هربوا.

ثم بين أن الشيطان أو الحزن لا يضر المؤمن أصلاً إلا بمشيئة الله وإرادته.

عن النبي  " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه" وفي رواية " دون الثالث".

وحين نهى  عباده المؤمنين عما يكون سبباً للتباغض والتنافر حثهم على ما يوجب مزيد المحبة والألفة.

والتفسح في المجلس التوسع لله والمراد مجلس رسول الله  كانوا يتضامّون فيه تنافساً في القرب منه وحرصاً على استماع كلامه.

ومن قرأ على الجمع جعل لكل جالس مجلساً على حدة.

وقيل: هو المجلس من مجالس القتال أي مراكز القتال.

كان الرجل يأتي الصف فيقول: تفسحوا.

فيأبون حرصاً على الشهادة.

والقول الأول أصح.

قال مقاتل بن حيان: كان  يوم الجمعة في الصفة وفي المكان ضيق وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي  ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول الله  ما يحملهم على القيام وشق ذلك على الرسول فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان قم يا فلان.

فلم يزل كذلك حتى أقعد النفر الذين هم قيام بين يديه فعرفت الكراهية في وجه من أقيم من مجلسه، وطعن المنافقون في ذلك قالوا: والله ما عدل على هؤلاء وإن قوماً أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم فأجلس من أبطأ عنه فنزلت ﴿ وإذا قيل انشزوا ﴾ أي انهضوا للتوسعة على المقبلين فانشزوا ولا تملوا رسول الله  بالارتكاز فيه ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم ﴾ أيها الممتثلون والعالمين منهم خاصة ﴿ درجات ﴾ قال بعض أهل العلم: المراد به الرفعة في مجلس النبي  وهو مناسب للمقام لقوله "ليليني منكم أولو الأحلام والنهي" " والمشهور أنه الرفعة في درجات ثواب الآخرة وقد أطنبنا في فضيلة العلم في أوائل البقرة عند قوله ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ والأمر يقتضي أن يقتدى بالعالم في كل شيء ولا يقتدى بالجاهل في شيء، وذلك أنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام والشبهات ومحاسبة النفس ما لا يعرفه الغير، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها ما لا خبر فيه عند غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق ما لا يتحفظ غيره ولكنه كما تعظم منزلته عند الطاعة ينبغى أن يعظم عتابه عند التقصيرات حتى كاد تكون الصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، واللهم ثبتنا على صراطك المستقيم ووفقنا للعمل بما فهمنا من كتابك الكريم.

قال ابن عباس: كان المسلمون أكثروا المسائل على رسول الله  حتى شقوا عليه وأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت آية النجوى شح كثير من الناس فكفوا عن المسئلة.

وقال مقاتل بن حيان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء في مجلس النبي  وأكثروا مناجاته فأمر الله بالصدقة عند المناجاة فازدادت درجة الفقراء وانحطت رتبة الأغنياء وتميز محب الآخرة عن محب الدنيا.

قال بعضهم: هذه الصدقة مندوبة لقوله ﴿ ذلك خير لكم ﴾ ولأنه أزيل العمل به بكلام متصل وهو قوله ﴿ أأشفقتم ﴾ والأكثرون على أنها كانت واجبة لظاهر الأمر , والواجب قد يوصف بكونه خيراً ولا يلزم من اتصال الآيتين في القراءة اتصالهما في النزول.

وقد يكون الناسخ متقدماً على المنسوخ كما مر في آية الاعتداد بالحول في البقرة.

واختلفوا في مقدار تأخرها: فعن الكلبي ما بقى ذلك التكليف إلا ساعة من نهار.

وعن مقاتل بقي عشرة أيام.

وعن علي  : لما نزلت الآية دعاني رسول الله  فقال: ما تقول في دينار؟

قلت: لا يطيقونه.

قال: كم؟

قلت: حبة أو شعيرة.

قال: إنك لزهيد أي إنك لقليل المال فقدرت على حسب مالك.

وعنه  : إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي.

كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم.

قال الكلبي: تصدق به في عشر كلمات سألهن رسول الله  .

قال القاضي: هذا لا يدل على فضله على أكابر الصحابة لأن الوقت لعله لم يتسع للعمل بهذا الفرض.

وقال فخر الدين الرازي: سلمنا أن الوقت قد وسع إلا أن الاقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير الذي لا يجد شيئاً وينفر الرجل الغني ولم يكن في تركه مضرة.لأن الذي يكون سبباً للألفة أولى مما يكون سبباً للوحشة.

وأيضاً الصدقة عند المناجاة واجبة: أما المناجاة فليست بواجبة ولا مندوبة بل الأولى ترك المناجاة لما بيّنا من أنها كانت سبباً لسآمة النبي  .

قلت: هذا الكلام لا يخلو عن تعصب مّا.

ومن أين يلزمنا أن نثبت مفضولية علي  في كل خصلة، ولم لا يجوز أن يحصل له فضيلة لم توجد لغيره من أكابر الصحابة.

فقد روي عن ابن عمر كان لعلي  ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إليّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة  ا وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى.

وهل يقول منصف إن مناجاة النبي  نقيصة على أنه لم يرد في الآية نهي عن المناجاة وإنما ورد تقديم الصدقة على المناجاة فمن عمل بالآية حصل لهالفضيلة من جهتين: سدّ خلة بعض الفقراء، ومن جهة محبة نجوى الرسول  ففيها القرب منه وحل المسائل العويصة وإظهار أن نجواه أحب إلى المناجي من المال والظاهر أن الآية منسوخة بما بعدها وهو قوله ﴿ أأشفقتم ﴾ إلى آخرها.

قاله ابن عباس.

وقيل: نسخت بآية الزكاة.

أما أبو مسلم الذي يدعي أن لا نسخ في القرآن فإنه يقول: كان هذا التكليف مقدراً بغاية مخصوصة ليتميز الموافق من المنافق والمخلص من المرائي، وانتهاء أمد الحكم لا يكون نسخاً له.

ومعنى الآية أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق المنقص للمال الذي هو أحب الأشياء إليكم ﴿ فإذا لم تفعلوا ﴾ ما أمرتم به ﴿ وتاب الله عليكم ﴾ ورخص لكم في أن لا تفعلوا فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات.

ومن زعم أن العمل بآية النجوى لم يكن من الطاعات قال: إنه لا يمتنع أن الله  علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل لو دام الوجوب فقال: إذا كنتم تائبين راجعين إلى الله وأقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة فقد كفاكم هذا التكليف.

قال المفسرون: كان عبد الله بن نبتل المنافق يجالس رسول الله  ثم يرفع حديثه إلى اليهود.

فبينا رسول الله  في حجرة من حجراته إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل ابن نبتل وكان أزرق فقال له النبي  : علام تشتمني أنت وأصحابك؟

فحلف بالله ما فعل.

فقال رسول الله  : بل فعلت.

فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزل ﴿ ألم تر إلى الذين تولوا ﴾ أي وادّوا ﴿ قوماً غضب الله عليهم ﴾ وهم اليهود ﴿ ما هم منكم ﴾ لأنهم ليسوا مسلمين بالحقيقة ﴿ ولا منهم ﴾ لأنهم كانوا مشركين في الأصل ﴿ ويحلفون على الكذب ﴾ وهو ادعاء الإسلام.

وفي قوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على إبطال قول الجاحظ إن الخبر الكذب هو الذي يكون مخالفاً للمخبر عنه مع أن المخبر يعلم المخالفة وذلك أنه لو كان كما زعم لم يكن لقوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ فائدة بل يكون تكراراً صرفاً.

قال بعض المحققين: العذاب الشديد هو عذاب القبر، العذاب المهين الذي يجيء عقيبه هو عذاب الآخرة.

وقيل: الكل عذاب الآخرة لقوله ﴿ الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب  ﴾ قال جار الله: معنى قوله ﴿ إنهم ساء ما كانوا يعملون ﴾ إنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول مصرين على سور العمل، أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة.

ومعنى الفاء في ﴿ فصدوا ﴾ أنهم حين دخلوا في حماية الايمان بالأيمان الكاذبة وأمنوا على النفس والمال اشتغلوا بصدّ الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات وتقبيح حال المسلمين.

ويروى أن رجلاً منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا فنزل ﴿ لن تغني عنهم ﴾ الآية.

ثم أخبر عن حالهم العجيبة الشأن وهو أنهم يحلفون يوم المحشر لعلام الغيوب كما يحلفون لكم في الدنيا وأنتم بشر يخفى عليكم السرائر ﴿ ويحسبون أنهم على شيء ﴾ من النفع.

والمراد أنهم كما عاشوا على النفاق والحلف الكاذب يموتون ويبعثون على ذلك الوصف.

قال القاضي والجبائي: إن أهل الآخرة لا يكذبون.

ومعنى الآية أنهم يحلفون في الآخرة إما ما كنا كافرين عند أنفسنا.

وقوله ﴿ ألا أنهم هم الكاذبون ﴾ في الدنيا.

ولا يخفى ما في هذا التأويل من التعسف وقد مر البحث في قوله ﴿ والله ما كنا مشركين  ﴾ ثم بين أن الشيطان هو الذي زين لهم ذلك.

ومعنى استحوذ استولى وغلب ومنه قول عائشة في حق عمر: كان أحوذياً أي سائساً غالباً على الأمور وهو أحد ما جاء على الأصل نحو " استصوب واستنوق" احتج القاضي به في خلق الأعمال بأن ذلك النسيان لو حصل بخلق الله لكانت إضافتها إلى الشيطان كذباً، ولكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب الله لا حزب الشيطان.

والجواب ظاهر مما سلف مراراً فإن الكلام في الانتهاء لا في الوسط.

قوله ﴿ أولئك في الأذلين ﴾ قال أهل المعنى: إن ذل أحد الخصمين تابع لعز الخصم الآخر.

ولما كانت عزة أولياء الله  غير متناهية فذل أعدائه لا نهاية له فهم إذن أذل خلق الله.

ثم قرر سبب ذلهم بقوله ﴿ كتب الله ﴾ في اللوح ﴿ لأغلبن أنا ورسلي ﴾ إما بالحجة وحدها أو بها وبالسيف.

قال مقاتل: إن المسلمين قالوا: إنا لنرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم.

فقال عبد الله بن أبيّ: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم عليها؟

كلا والله إنهم أكثر عدداً وعدّة فنزلت الآية.

ثم بين أن الجمع بين الإيمان الخالص وموادّة من حادّ الله ورسوله غير ممكن ولو كان المحادّون بعض الأقربين.

وقال جار الله: هذا من باب التمثيل والغرض أنه لا ينبغي أن يكون وحقه أن يمتنع ولا يوجد.

قلت: لو اعتبر كل من الأمرين من حيث الحقيقة كان بينهما أشد التباين ولا حاجة إلى هذا التكلف إلا أن يحمل أحدهما على الحقيقة والآخر على الظاهر فحينذ قد يجتمعان كما في حق أهل النفاق، وكما يوجد بعض أهل الإيمان يخالط بعض الكفرة ويعاشرهم لأسباب دنيوية ضرورية.عن النبي  " "لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة فإني أجد فيما أوحي إليّ" ﴿ لا تجد قوماً ﴾ يروى أنها نزلت في أبي بكر، وذلك أن أبا قحافة سب رسول الله  فصكه صكة سقط منها فقال له رسول الله  : أو قد فعلته؟

قال: نعم.

قال: لا تعد.

قال: والله لو كان السيف قريباً مني لقتلته.

وقيل: في أبي عبيدة بن الجراح فقتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، وفي كثير من أكابر الصحابة أعرضوا عن عشائرهم وعادوهم لحب الله ورسوله.

فذهب جمع من المفسرين إلى أنها نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي  إليهم عام الفتح وسيجيء في الممتحنة.

والأظهر عندي نزولها في المؤمنين الخلص لقوله ﴿ أولئك كتب ﴾ أي أثبت ﴿ في قلوبهم الإيمان ﴾ إثبات المكتوب في القرطاس.

وقيل: معناه جمع.

والتركيب يدور عليه أي استكلموا أجزاء الإيمان بحذافيرها ليسوا ممن يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض.

قوله ﴿ وأيدهم بروح منه ﴾ قال ابن عباس: أي نصرهم على عدوّهم.

وسمي النصرة روحاً لأن الأمر يحيا بها.

ويحتمل أن يكون الضمير للإيمان على أنه في نفسه روح فيه حياة القلوب والباقي ظاهر والله أعلم وإليه المصير وبيده التوفيق والإتمام بالصواب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ﴾ .

إن أهل التأويل صرفوا الآية إلى المنافقين، وعندنا يحتمل صرف النهي إلى المؤمنين عن التناجي بمثل ما تناجوا أولئك، أي: لا تتناجوا أنتم يأهل الإيمان فيهم بالإثم والعدوان كما تناجوا فيكم، يقول: لا تجاوزهم بالذي فعلوا هم بكم، ولكن تناجوا فيهم بالبر والتقوى، وهو كقوله -  -: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ  ﴾ : نهى المؤمنين أن يجازوهم جزاء الاعتداء الذي كان منهم من صدهم عن المسجد الحرام؛ بل أمرهم [بالتعاون] علكى البر والتقوى، قال: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ  ﴾ ، فعلى ذلك يحتمل هذا، والله أعلم.

وجائز أن يكون في المؤمنين حقيقة على الابتداء؛ نهيا منه لهم، يقول: إذا تناجيتم فلا تتناجوا فيما يؤثمكم ويحملكم على العدوان: على المجاوزة عن الحد، ومعصية الرسول فيما يأمركم وينهاكم، ﴿ وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ﴾ : يحتمل كل أنواع الخير، وأما التقوى فهو كل ما يقون به أنفسهم عن النار، وقد تقدم ذكره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ .

جائز أن يكون هذا الخطاب لهم - أعني: المؤمنين والكافرين الذين يقرون بالحشر - لأن أهل الكتاب وبعض المشركين يقرون بالبعث، وبعض المشركين ينكرون مع الدهرية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ .

أي: النجوى الذين كانوا يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، ليس كل نجوى على ظاهر ما يخرج الخطاب عامّاً؛ ولكن يرجع إلى النجوى التي ذكرنا، وهو الذي نهوا عنه.

ثم قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ جائز أن يكون معناه: ابتداء النجوى في الشر من الشيطان، وهو ما ذكر في بعض القصة أن الله -  - لما خلق آدم -  - قال إبليس للملائكة: أرأيتم إن فضل هو عليكم ما تصنعون؟

فأجابوه بما أجابوا؛ فقال هو: إن فضلت عليه لأهلكنه، وإن فضل هو على لأعادية، فقد ناجاهم في أمر آدم -  - بالشر، فكان أول النجوى في الشر من الشيطان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

لولا أن الشيطان ي حال الحزن يكون أملك على إفسادهم وإخراجهم من أمر الله -  - وإدخالهم في نهيه؛ وإلاش لم يكن لقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ معنى؛ فدل في أنه - لعنه الله - في حال الحزن والغضب أملك وأقدر من حال السرور والسعة، لكنه بما يدعوه إلى اللذات ويمنيه أشياء كان قصده من ذلك أن يوقعه في الضيق والشدة لما هو عليه أقدم في تلك الحال؛ ولذلك قال لآدم وحواء - عليهما السلام -: ﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ  ﴾ تلقاهم بالغرور بالذي ذكر، ومناهم ما ذكر، وكان قصده من ذلك إبداء عورتهما وإيقاعهما في الضيق والبلاء؛ حيث قال: ﴿ فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا...

﴾ الآية [طه: 121]، مكن الله -  - إبليس من الشر بالذي ذكرنا، ولم يمكن له من إفساد الطعام واللباس والأشربة ونحو ذلك، وهو دون الأول، وذلك أكثر، لكن هذا في الضرر الدنياوي أكثر؛ فلم يمكنه من إفساد هذه الأشياء تفضلا منه وإحساناً عليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: ليسوا بضارين لهم فيما يتناجون من الكيد بهم والمكر، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

أي: في دفع من قصدهم من الكيد بهم والمكر والهلاك، وعليه يتوكلون في النصر لهم والمعونة على أعدائهم، والتوفيق لهم في كل خير، وكل هذا وصف المؤمنين وأما المعتزلة، فهم بمعزل عن هذه الآية، وكذلك: المؤمنون على قولهم غير متوكلين على الله؛ لأنهم يقولون: إن الله -  - قد أعطى كلا من النصر والمعونة ما ينتصر على أعدائه وينتقم منهم حتى لا يبقى عنده مزيد ما ينصرهم ويعينهم على شيء؛ فعلى قولهم لا يقع للمؤمنين في التكل على الله  - شيء؛ لأنه ليس عنده ما ينصرهم ولا ما يعينهم، فعلى ماذا يتوكلون عليه على قولهم إذا لم يملك ما ذكرنا، ومن قولهم: إن على الله -  - أن يعطي من المعونة والتوفيق حتى لا يبقى عنده مزيد بشيء فلو منع شيئاً من ذلك لم يعطهم يكون جائزاً، ثم إذأ أعطاهم ما ذكروا، ولا يهتدون ولا ينتصرون، والله -  - قال: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ  ﴾ ، وقال: ﴿ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي  ﴾ ؛ فدل أن ما قالوا مخالف للكتاب.

ثم اختلف في اشتقاق النجوى: فمنهم من قال: هو النجوة، وهو المكان العالي المرتفع: وذلك أنهم كانوا يقومون في مكان مرتفع فيتحدثون فيه فإذا رأوا من قصد بهم فيتفرقون، أو كلام نحو هذا معناه.

ومنهم من قال: التناجي: التخالي بما ذكروا، فيكون معنمى قوله: ﴿ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ ﴾ أي: إذا تحاليتم فلا تتخالوا بما ذكر.

وقال القتبي: التناجي من التشاور، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ...

﴾ الآية.

يخرج على وجهين: أحدهما: وإذا قيل لكم تأخروا في المجلس فتأخروا، ﴿ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ ﴾ ، أي: ارتفعوا وتقدموا؛ فيكون قوله: ﴿ تَفَسَّحُواْ ﴾ إذا كان الحضور أولا هم الذين هتمهم السماع العلم به ثم جاء من يريد التفقه فيه، فقيل لهم: تأخروا؛ حتى يقرب من يصير إماماً للناس وفقيهاً لهم.

وإذا كان الحضور هم الذين هتمهم أن يكونوا هم الأئمة، ثم جاء بعد ذلك من كان همتهم السماع والعمل به، قيل للذين تقدموا أولا: ارتفعوا وتقدموا حتى يسمع من حضر بعدكم قول النبي  ، والله أعلم.

والثاني: أنه إذا كان في المجلس أدنى سعة وفسحة ما يمكن تمكين غيره بالتحريك والتفسح دون القيام يقال لهم: تفسحوا.

وإذ لم يمكن ذلك إلا بالقيام قيل لهم: قوموا وارتفعوا وتقدموا.

وقوله: ﴿ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ يحتم لوجوهاً: أحدها: يفسح الله لكم في القبر، أو في الآخرة في الجنة، أو يفسح الله لكم في المجلس أو يفسح لكم فسحة القلب وتوسعة للعلم والحكم، والله أعلم.

وقال الحسن: ﴿ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ ﴾ ، أي: في القتال والحرب، ﴿ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ ﴾ ، أي: إذا قيل: انهزوا إلى العدو فانهزوا.

قال قتادة: أي: إذا دعيتم إلى خير أو صلاة فأجيبوا.

وقيل: هو كل خير: من قتال عدو، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو حق كائناً ما كان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ .

أخبر أنه يرفع الله الذين آمنوا، وأخبر أنه يرفع الله الذين أوتوا العلممن المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات؛ لفضل العلم على سائر العبادات من الجهاد وغيره؛ ألا ترى أنه قال في آية الجهاد: ﴿ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةً  ﴾ جعل للمجاهدين على القاعدين فضل درجة، وللذين أوتوا العلم على الذين لم يؤتوا درجات؛ ليعلم فضيلة العلم على غيره، وكذلك قوله -  -: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ  ﴾ .

قال بعضهم: إن النبي  كان يجلس قوماً عند نفسه؛ ليتفقهوا في الدين، ويبعث قوماً سرايا، حتى إذا رجع السرايا أنذرهم الذين تفقهوا في الدين وتعلموا من رسول الله  .

فإن كان التأويل هذا؛ ففيه دلالة فضيلة العلم على الجهاد؛ حتى أحوج أولئك إليهم.

وقال بعضهم: كان ينفر من كل قوم طائفة؛ ليتفقهوا في الدين، فإذا رجعوا إلى قومهم أنذروا قومهم.

وقال قتادة: إن بالعلم لأهله فضيلة، وإن له على أهله حقّاً، ولعمري الحق عليك أيها العالم أفضل، والله يعطي كلا من فضل فضله.

وقتادة يقول في قوله -  -: ﴿ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ ﴾ : إنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلا يضنون بمجالسهم عند رسول الله  فأمر الله -  - أن يفسح بعضهم لبعض.

وقال مقاتل: أقبل نفر من الأنصار ممن شهد بدراً، فسلموا على النبي  ومن حوله، فردوا السلام، وضنوا بمجلسهم من رسول الله  فلم يوسعوا لهم؛ فقال لهم رسول الله: "قم يا فلان ويا فلان" لنفر منهم من الذين لم يشهدوا بدراً؛ فتكلم في ذلك المنافقين؛ فنزلت هذه الآية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ﴾ .

يشبه أن يكون ما ذكر من مناجاة الرسول -  - على جوه، والناس في مناجاته طبقات: أحدهم: يناجيه مسترشداً في أمر الدين، وما ينزل به من النوازل.

والآخر: يناجيه افتخاراً به على غيره من الناس ومباهاة منه؛ ليعلم أن له خصوصية عند رسول الله  وفضلا له عنه، وهو صنيع المنافقين.

والفريق الثالث: يناجونه؛ ليسمعوا الناس الكذب ويسمعوهم غير الذي سمعوا، كقوله -  -: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ  ﴾ وهم اليهود وصنيعهم ما ذكر؛ فجائز أن يخرج المناجاة مع رسول الله  على الوجوه التي ذكرنا.

ثم ما ذكر من تقديم الصدقة على المناجاة يخرج على وجوه: أحدها: أمر بتقديم الصدقة؛ لعظم قدر رسول الله  والخصوصية له، يطهر بتلك الصدقة ويصير أهلا لمناجاة بها، وهو كالطهارة التي جعلها سبباً للوصول إلى مناجاة الرب،  وتعالى .

والثاني: لما خصهم بمناجاة الرسول، وجعلهم أهلا لها، أمرهم بتقديم الصدقة؛ شكراً له منهم بذلك.

والثالث: جائز أن يكون أمرهم بتقديم الصدقة؛ امتحاناً منه أياهم؛ ليظهر حقيقة أمرهم، وهو ما جعل الأمر بالجهاد سبباً لظهور نفاقهم وارتيابهم في الأمر؛ فكذلك الأول، والله أعلم.

وجائز أن يكون الأمر بالصدقة لأهل المناجاة على الذين كانت لهم حوائج عند رسول الله  فيمنعونه عن قضاء حاجاتهم بالاشتغال بالمناجاة، أمرهم بالصلة لأولئك؛ تطييباً لقلوبهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾ .

أي: أن تقديم الصدقة أطهر لقلوبكم من ترك الصدقة.

وقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

جائز أن يكون هذا الأمر لأهل الغناء دون الفقر، حتى قال: ﴿ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ ﴾ ما تصدقون به، ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: أي: أبخلتم يأهل الميسرة أن تقدموا بين [يدي] نجواكم صدقات؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

أي: تجاوز عنكم إذا لم تفعلوا.

﴿ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ﴾ .

أي: إذا لم تصدقوا تلك الصدقة فآتوا زكاة أموالكم.

قال أهل التأويل: نسخ ما أمروا به من الصدقة عن المناجاة بما ذكر: من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .

هذا وعيد، ثم في قوله: ﴿ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ ﴾ دلالة قبول خبر الواحد؛ لأنه يناجيه ولا يعلم به غيره؛ دل أنه يقبل إذا أخبر به غيره.

وفيه أن لا كل مناجاة تكون من الشيطان؛ لأن النبي  ناجى من ذكر؛ فدل أنه قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ مصروف إلى ما سبق ذكره.

وفيه ألا يفهم من ذكر اليد الجارحة لا محالة؛ فإنه قال: ﴿ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ ﴾ ، وليس للنجوى يدٌ ولا بين، وكذلك قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ  ﴾ ، ولم يشكل على أحد أنه لم يرد باليد الجارحة هاهنا؛ فكيف فهم فيما أضيف إلى الله -  - في قوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ  ﴾ ، وقول رسول الله صلى لله عليه وسلم: "الصدقة تقع في يد الرحمن": الجارحة، لولا فساد اعتقادهم في الله -  - وتشبيههم إياه بالخلق.

وقال قتادة: أكثروا النجوى مع رسول الله  فمنعهم الله  عنه، فقال: ﴿ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً...

﴾ الآية.

وعن علي -  - أنه قال: أنا أول من عمل بها، تصدقت بكذا، ثم نزلت الرخصة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، إذا قيل لكم: توسَّعوا في المجالس فأوسِعوا فيها، يوسِّع الله لكم في حياتكم الدنيا وفي الآخرة، وإذا قيل لكم: ارتفعوا من بعض المجالس ليجلس فيها أهل الفضل فارتفعوا عنها، يرفع الله سبحانه الذين آمنوا منكم والذين أعطوا العلم درجات عظيمة، والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها.

من فوائد الآيات مع أن الله عالٍ بذاته على خلقه؛ إلا أنَّه مطلع عليهم بعلمه لا يخفى عليه أي شيء.

لما كان كثير من الخلق يأثمون بالتناجي يأمر الله المؤمنين أن تكون نجواهم بالبر والتقوى.

من آداب المجالس التوسيع فيها للآخرين.

<div class="verse-tafsir" id="91.lylOB"

مزيد من التفاسير لسورة المجادلة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله