الإسلام > القرآن > سور > سورة 58 المجادلة > الآية ١٨ من سورة المجادلة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 75 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨ من سورة المجادلة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( يوم يبعثهم الله جميعا ) أي : يحشرهم يوم القيامة عن آخرهم فلا يغادر منهم أحدا ، ( فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ) أي : يحلفون بالله عز وجل ، أنهم كانوا على الهدى والاستقامة ، كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا ; لأن من عاش على شيء مات عليه وبعث عليه ، ويعتقدون أن ذلك ينفعهم عند الله كما كان ينفعهم عند الناس ، فيجرون عليهم الأحكام الظاهرة ; ولهذا قال : ( ويحسبون أنهم على شيء ) أي : حلفهم ذلك لربهم ، عز وجل .
ثم قال منكرا عليهم حسبانهم ( ألا إنهم هم الكاذبون ) فأكد الخبر عنهم بالكذب .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن نفيل ، حدثنا زهير عن سماك بن حرب ، حدثني سعيد بن جبير ; أن ابن عباس حدثه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في ظل حجرة من حجره ، وعنده نفر من المسلمين قد كان يقلص عنهم الظل ، قال : " إنه سيأتيكم إنسان ينظر بعيني شيطان ، فإذا أتاكم فلا تكلموه " .
فجاء رجل أزرق ، فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمه ، فقال ; " علام تشتمني أنت وفلان وفلان ؟
" - نفر دعاهم بأسمائهم - قال : فانطلق الرجل فدعاهم ، فحلفوا له واعتذروا إليه ، قال فأنزل الله ، عز وجل : ( فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ) وهكذا رواه الإمام أحمد من طريقين ، عن سماك به ورواه ابن جرير ، عن محمد بن المثنى ، عن غندر ، عن شعبة ، عن سماك ، به نحوه ، وأخرجه أيضا من حديث سفيان الثوري ، عن سماك بنحوه .
إسناد جيد ولم يخرجوه .
وحال هؤلاء كما أخبر الله تعالى عن المشركين حيث يقول : ( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ) [ الأنعام : 23 ، 24 ]
القول في تأويل قوله تعالى : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ &; 23-255 &; الْكَاذِبُونَ (18) يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين ذكرهم هم أصحاب النار، يوم يبعثهم الله جميعًا، فيوم من صلة أصحاب النار.
وعُني بقوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ) من قبورهم أحياء كهيئاتهم قبل مماتهم، فيحلفون له كما يحلفون لكم كاذبين مبطلين فيها.
كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (فَيَحْلِفُونَ لَهُ ) قال: إن المنافق حلف له يوم القيامة كما حلف لأوليائه في الدنيا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ) ...
الآية، والله حالف المنافقون ربهم يوم القيامة، كما حالفوا أولياءه في الدنيا.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سماك بن حرب البكري، عن سعيد بن جُبَير، قال: كان النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في ظلّ حجرة قد كاد يَقْلِصُ عنه الظلّ، فقال: " إنَّهُ سيَأتِيكُمْ رَجُلٌ، أو يَطْلُعُ رَجُلٌ بِعَيْنِ شَيْطَانٍ فَلا تُكَلِّمُوهُ" فلم يلبث أن جاء، فاطلع فإذا رجل أزرق، فقال له: " عَلام تَشْتُمُنِي أَنْت وَفُلانٌ وَفُلانٌ "؟
قال: فذهب فدعا أصحابه، فحلفوا ما فعلوا، فنـزلت: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) .
وقوله: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ ) يقول: ويظنون أنهم في أيمانهم وحلفهم بالله كاذبين على شيء من الحقّ، (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) فيما يحلفون عليه.
يوم يبعثهم الله جميعا أي : لهم عذاب مهين يوم يبعثهم فيحلفون له كما يحلفون لكم اليوم ، وهذا أمر عجيب وهو مغالطتهم باليمين غدا ، وقد صارت المعارف ضرورية .
وقال ابن عباس : هو قولهم والله ربنا ما كنا مشركين .
ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ويحسبون أنهم على شيء بإنكارهم وحلفهم .
قال ابن زيد : ظنوا أنهم ينفعهم في الآخرة .
وقيل : ويحسبون في الدنيا أنهم على شيء لأنهم في الآخرة يعلمون الحق باضطرار .
والأول أظهر .
وعن ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ينادي مناد يوم القيامة : أين خصماء الله فتقوم القدرية مسودة وجوههم ، مزرقة أعينهم ، مائل شدقهم ، يسيل لعابهم ، فيقولون : والله ما عبدنا من دونك شمسا ولا قمرا ولا صنما ولا وثنا ، ولا اتخذنا من دونك [ ص: 274 ] إلها .
قال ابن عباس : صدقوا والله !
أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون ، ثم تلا ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون هم والله القدرية - ثلاثا .
فكما أن المنافقين في الدنيا يموهون على المؤمنين، ويحلفون لهم أنهم مؤمنون، فإذا كان يوم القيامة وبعثهم الله جميعا، حلفوا لله كما حلفوا للمؤمنين، ويحسبون في حلفهم هذا أنهم على شيء، لأن كفرهم ونفاقهم وعقائدهم الباطلة، لم تزل ترسخ في أذهانهم شيئا فشيئا، حتى غرتهم وظنوا أنهم على شيء يعتد به، ويعلق عليه الثواب، وهم كاذبون في ذلك، ومن المعلوم أن الكذب لا يروج على عالم الغيب والشهادة.
( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له ) .
كاذبين ما كانوا مشركين ( كما يحلفون لكم ) في الدنيا ( ويحسبون أنهم على شيء ) من أيمانهم الكاذبة ( ألا إنهم هم الكاذبون )
اذكر «يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له» أنهم مؤمنون «كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء» من نفع حلفهم في الآخرة كالدنيا «ألا إنهم هم الكاذبون».
يوم القيامة يبعث الله المنافقين جميعًا من قبورهم أحياء، فيحلفون له أنهم كانوا مؤمنين، كما كانوا يحلفون لكم- أيها المؤمنون- في الدنيا، ويعتقدون أن ذلك ينفعهم عند الله كما كان ينفعهم في الدنيا عند المسلمين، ألا إنهم هم البالغون في الكذب حدًا لم يبلغه غيرهم.
ثم بين - سبحانه - حالهم يوم القيامة ، وأنهم سيكونون على مثل حالهم فى الدنيا من الكذب والفجور .
.
فقال - تعالى - ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون ) .أى : اذكر - أيها الرسول الكريم - يوم يبعث الله - هؤلاء المنافقين جميعا للحساب والجزاء " فيحلفون " لله - تعالى - فى الآخرة بأنهم مسلمون " كما " كانوا " يحلفون لكم " فى الدنيا بأنهم مسلمون ." ويحسبون " فى الآخرة - لغبائهم وانطماس بصائرهم " أنهم " بسبب تلك الأيمان الفاجرة " على شىء " من جلب المنفعة أو دفع المضرة .أى يتوهمون فى الآخرة أن هذه الأيمان قد تنفعهم فى تخفيف شىء من العذاب عنهم .( أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون ) أى الذين بلغوا فى الكذب حدا لا غاية وراءه .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بينت أن هؤلاء المنافقين فىب الدنيا ، قد بعثوا والنفاق ما زال فى قلوبهم ، وسلوكهم القبيح لا يزال متلبسا بهم .
فهم لم يكتفوا بكذبهم علىالمؤمنين فى الدنيا ، بل وفى الآخرة - أيضا - يحلفون لله - تعالى - بأنهم كانوا مسلمين .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) وقوله - سبحانه - : ( وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : يعنى ليس العجب من حلفهم لكم - فى الدنيا بأنهم مسلمون - فإنكم بشر تخفى عليكم السرائر .
ولكن العجب من حلفهم لله عالم الغيب والشهادة - بأنهم كانوا مسلمين فى الدنيا .والمراد وصفهم بالتوغل فى نفاقهم ، ومرونهم عليه ، وأن ذلك بعد موتهم وبعثهم باق فيهم لا يضمحل " .وقال بعض العلماء ما ملخصه : وقوله : ( وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيْءٍ ) حذفت صفة شىء ، لظهور معناها من المقام ، أى : ويحسبون أنهم على شىء نافع .وهذا يقتضى توغلهم فى النفاق ، ومرونتهم عليه ، وأنه باق فى أرواحهم بعد بعثهم ، لأن نفوسهم خرجت من الدنيا متخلقة به ، فإن النفوس إنما تكتسب تزكية أو خبثا فى عالم التكليف .وفى الحديث : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن رجلا من أهل الجنة يستأذن ربه أن يزرع ، فيقول الله له : أولست فيما شئت؟
قال : بلى يا ربى ولكن أحب أن أزرع ، فأسرع وبذر ، فيبادر الطرفَ نباتُه واستواؤُه واستحصادُه أمثالَ الجبال .وكان رجل من أهل البادية عند النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله لا نجد هذا الرجل إلا قرشيا أو أنصاريا ، فإنهم أصحاب زرع ، فأما نحن - أى أهل البادية - فلسنا بأصحاب زرع ، فضحك النبى - صلى الله عليه وسلم - إقرارا لما فهمه الأعرابى " .وفى حديث جابر بن عبد الله الذى رواه الإمام مسلم فى صحيحه ، " أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : يبعث كل عبد على ما مات عليه " .قال عياض : هو عام فى كل حالة مات عليها المرء ، وقال السيوطى : يبعث الزمار بمزماره ، وشارب الخمر بقدحه .قلت : " ثم تتجلى لهم الحقائق على ما هى عليه ، إذ تصير العلوم على الحقيقة " .
قال ابن عباس: إن المنافق يحلف لله يوم القيامة كذباً كما يحلف لأوليائه في الدنيا كذباً أما الأول: فكقوله: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ .
وأما الثاني: فهو كقوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ ﴾ والمعنى أنهم لشدة توغلهم في النفاق ظنوا يوم القيامة أنه يمكنهم ترويج كذبهم بالأيمان الكاذبة على علام الغيوب، فكان هذا الحلف الذميم يبقى معهم أبداً، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ قال الجبائي والقاضي: إن أهل الآخرة لا يكذبون، فالمراد من الآية أنهم يحلفون في الآخرة أنا ما كنا كافرين عند أنفسنا، وعلى هذا الوجه لا يكون هذا الحلف كذباً، وقوله: ﴿ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون ﴾ أي في الدنيا، واعلم أن تفسير الآية بهذا الوجه لا شك أنه يقتضي ركاكة عظيمة في النظم، وقد استقصينا هذه المسألة في سورة الأنعام في تفسير قوله: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب الله عليهم في قوله تعالى: ﴿ من لعنه الله وغضب عليه ﴾ [المائدة: 60] ويناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين ﴿ مَّا هُم مِّنكُمْ ﴾ يا مسلمون ﴿ وَلاَ مِنْهُمْ ﴾ ولا من اليهود، كقوله تعالى: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء ﴾ [النساء: 143] ، ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب ﴾ أي يقولون: والله إنا لمسلمون، فيحلفون على الكذب الذي هو ادعاء الإسلام ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أن المحلوف عليه كذب بحت.
فإن قلت: فما فائدة قوله: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ ؟
قلت: الكذب: أن يكون الخبر لا على وفاق المخبر عنه، سواء علم المخبر أو لم يعلم، فالمعنى: أنهم الذين يخبرون وخبرهم خلاف ما يخبرون عنه، وهم عالمون بذلك متعمدون له، كمن يحلف بالغموس وقيل: كان عبد الله بن نبتل المنافق يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله في حجرة من حجره إذ قال لأصحابه: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل ابن نبتل وكان أزرق، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «علام تشتمني أنت وأصحابك» ؟
فحلف بالله ما فعل، فقال عليه السلام: «فعلت» فانطلق فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما سبوه، فنزلت ﴿ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ نوعاً من العذاب متفاقماً ﴿ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ يعني أنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول على سوء العمل مصرين عليه.
أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة.
وقرئ: ﴿ إيمانهم ﴾ بالكسر، أي: اتخذوا أيمانهم التي حلفوا بها.
أو إيمانهم الذي أظهروه ﴿ جُنَّةً ﴾ أي سترة يتسترون بها من المؤمنين ومن قتلهم ﴿ فَصَدُّواْ ﴾ الناس في خلال أمنهم وسلامتهم ﴿ عَن سَبِيلِ الله ﴾ وكانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويضعفون أمر المسلمين عندهم.
وإنما وعدهم الله العذاب المهين المخزي لكفرهم وصدهم، كقوله تعالى: ﴿ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب ﴾ [النحل: 88] .
﴿ مِنَ الله ﴾ من عذاب الله ﴿ شَيْئاً ﴾ قليلاً من الإغناء.
وروي أنّ رجلاً منهم قال: لنننصرنّ يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا ﴿ فَيَحْلِفُونَ ﴾ لله تعالى على أنهم مسلمون في الآخرة ﴿ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾ في الدنيا على ذلك ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيْء ﴾ من النفع، يعني: ليس العجب من حلفهم لكم، فإنكم بشر تخفى عليكم السرائر، وأن لهم نفعاً في ذلك دفعاً عن أرواحهم واستجرار فوائد دنيوية، وأنهم يفعلونه في دار لا يضطرون فيها إلى علم ما يوعدون، ولكن العجب من حلفهم لله عالم الغيب والشهادة مع عدم النفع والإضطرار إلى علم ما أنذرتهم الرسل، والمراد: وصفهم بالتوغل في نفاقهم ومرونهم عليه، وأن ذلك بعد موتهم وبعثهم باق فيهم لا يضمحل، كما قال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ [الأنعام: 28] وقد اختلف العلماء في كذبهم في الآخرة، والقرآن ناطق بثباته نطقاً مكشوفاً.
كما ترى في هذه الآية وفي قوله تعالى: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ [الأنعام: 23- 24] ونحو حسبانهم أنهم على شيء من النفع إذا حلفوا استنظارهم المؤمنين ليقتبسوا من نورهم، لحسبان أن الإيمان الظاهر مما ينفعهم.
وقيل عند ذلك: يختم على أفواههم ﴿ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون ﴾ يعني أنهم الغاية التي لا مطمح وراءها في قول الكذب، حيث استوت حالهم فيه في الدنيا والآخرة ﴿ استحوذ عَلَيْهِمُ ﴾ استولى عليهم، من حاذ الحمار العانة إذا جمعها وساقها غالباً لها.
ومنه: كان أحوذياً نسيج وحده، وهو أحد ما جاء على الأصل، نحو: استصوب واستنوق، أي: ملكهم ﴿ الشيطان ﴾ لطاعتهم له في كل ما يريده منهم، حتى جعلهم رعيته وحزبه ﴿ فأنساهم ﴾ أن يذكروا الله أصلاً لا بقلوبهم ولا بألسنتهم.
قال أبو عبيدة: حزب الشيطان جنده.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ ﴾ أيْ لِلَّهِ تَعالى عَلى أنَّهم مُسْلِمُونَ.
﴿ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾ في الدُّنْيا ويَقُولُونَ إنَّهم لَمِنكم.
﴿ وَيَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ﴾ في حَلِفِهِمُ الكاذِبِ لِأنَّ تَمَكُّنَ النِّفاقِ في نُفُوسِهِمْ بِحَيْثُ يُخَيَّلُ إلَيْهِمْ في الآخِرَةِ أنَّ الأيْمانَ الكاذِبَةَ تُرَوِّجُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ كَما تُرَوِّجُهُ عَلَيْكم في الدُّنْيا.
﴿ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ البالِغُونَ الغايَةَ في الكَذِبِ حَيْثُ يَكْذِبُونَ مَعَ عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ويَحْلِفُونَ عَلَيْهِ.
﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ ﴾ اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ مِن حُذْتُ الإبِلَ وأحَذْتُها إذا اسْتَوْلَيْتَ عَلَيْها، وهو مِمّا جاءَ عَلى الأصْلِ.
﴿ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ ﴾ لا يَذْكُرُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ ولا بِألْسِنَتِهِمْ.
﴿ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ﴾ جُنُودُهُ وأتْباعُهُ.
﴿ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ لِأنَّهم فَوَّتُوا عَلى أنْفُسِهِمُ النَّعِيمَ المُؤَبَّدَ وعَرَّضُوها لِلْعَذابِ المُخَلَّدِ.
<div class="verse-tafsir"
{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ} أي لله في الآخرة أنهم كانوا مخلصين في الدنيا غير منافقين {كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ} في الدنيا على ذلك {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ} في الدنيا {على شَىْءٍ} من النفع أو يحسبون أنهم على شئ من النفع بإيمانهم الكاذبة كما انتفعوا ههنا {إنهم هم الكاذبون} حيث اسوت حالهم فيه في الدنيا والآخرة
﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِهِ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴿ فَيَحْلِفُونَ لَهُ ﴾ أيْ لِلَّهِ تَعالى يَوْمَئِذٍ قائِلِينَ: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾ في الدُّنْيا أنَّهم مُسْلِمُونَ مِثْلُكم، والتَّشْبِيهُ بِمُجَرَّدِ الحَلِفِ لَهم في الدُّنْيا وإنِ اخْتَلَفَ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِناءً عَلى ما قَدَّمْنا مِن سَبَبِ النُّزُولِ ﴿ ويَحْسَبُونَ ﴾ في الآخِرَةِ ﴿ أنَّهُمْ ﴾ بِتِلْكَ الأيْمانِ الفاجِرَةِ ﴿ عَلى شَيْءٍ ﴾ مِن جَلْبِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ كَما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا حَيْثُ كانُوا يَدْفَعُونَ بِها عَنْ أرْواحِهِمْ وأمْوالِهِمْ ويَسْتَجِرُّونَ بِها فَوائِدَ دُنْيَوِيَّةً ﴿ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ البالِغُونَ في الكَذِبِ إلى غايَةٍ لَيْسَ وراءَها غايَةٌ حَيْثُ تَجاسَرُوا عَلى الكَذِبِ بَيْنَ يَدَيْ عَلّامِ الغُيُوبِ، وزَعَمُوا أنَّ أيْمانَهُمُ الفاجِرَةَ تُرَوِّجُ الكَذِبَلَدَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كَما تُرَوِّجُهُ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني: المنافقين اتخذوا اليهود أولياء وتولَّوهم وناصحوهم، وهم اليهود، وغضب الله عليهم- ثم قال: مَّا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ يعني: ليسوا منكم في الحقيقة ولا من اليهود في العلانية، وهذا كقوله: لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إلى هؤلاء.
وكانوا إذا سألهم المسلمون: إنكم تتولون اليهود، كانوا يحلفون بالله إنهم من المؤمنين، كما قال الله تعالى في آية أخرى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ فأخبر الله تعالى إنهم لكاذبون في أيمانهم، فقال: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يعني: يحلفون أنهم مصدقون في السر وهم يعلمون أنهم مكذبون.
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً في الآخرة.
إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: بئس ما كانوا يعملون بولايتهم اليهود وكذبهم وحلفهم، ثم قال عز وجل: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً يعني: جعلوا حلفهم بدلاً عن القتل، ليأمنوا بها عن القتل والسبي فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: صَدُّوا وصرفوا الناس عن دين الله تعالى في السر.
فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ يهانون فيه.
قوله تعالى: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يعني: لم تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئاً.
أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يعني: دائمين.
ثم قال عز وجل: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً يعني: المنافقين واليهود، فَيَحْلِفُونَ لَهُ يعني: يحلفون لله تعالى في الآخرة، كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ في الدنيا وحَلفهم في الآخرة ما قال الله تعالى في سورة الأنعام وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23] ، وروى معمر، عن قتادة قال: المنافق يحلف لله تعالى يوم القيامة، كما كان حلف لأوليائه في الدنيا.
ثم قال: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ يعني: يحسبون أن يمينهم تنفعهم شيئاً، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ في قولهم، ويقال: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ من الدين، ويقال: وَيَحْسَبُونَ يعني: يحسب المؤمنون أنهم على شيء، يعني: إن المنافقين على شَىْء من الدين، يعني: إذا سمعوا حلفهم.
قال الله تعالى: مِنْ الدين يعني: إذا سمعوا حلفهم، قال الله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ في حلفهم وهم كافرون في السر.
ثم قال: اسْتَحْوَذَ يعني: غلب عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ، ويقال: استولى عليهم الشيطان.
أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ يعني: جند الشيطان أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ يعني: خسروا أنفسهم وأموالهم في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧)
وقوله سبحانه: أَأَشْفَقْتُمْ ...
الآية: الإشفاق: هنا الفزع من العجز عن الشيء المتصدق به، أو من ذهاب المال في الصدقة.
وقوله: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ...
الآية: المعنى: دوموا على هذه الأعمال التي هي قواعِدُ شرعكم، ومَنْ قال: إنْ هذه الصدقة منسوخة بآية الزكاة فقوله ضعيف.
وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا: نزلت في قوم من المنافقين، تولوا قوماً من اليهود، وهمُ المغضوب عليهم، قال الطبري «١» : مَّا هُمْ مِنْكُمْ: يريد به المنافقين وَلا مِنْهُمْ أي: ولا من اليهود، وهذا التأويل يجري مع قوله تعالى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لاَ إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ [النساء: ١٤٣] كالشاة العائرة بين الغنمين، وتحتمل الآية تأويلاً آخرَ، وهو أَنْ يكونَ قوله: مَّا هُمْ يريد به اليهودَ وَلا مِنْهُمْ يريد به المنافقين، وَيَحْلِفُونَ: يعني المنافقين، وقرأ الحسن: اتّخذوا إيمانكم- بكسر الهمزة «٢» -، والجُنَّةُ: ما يُتَسَتَّرُ به، ثم أخبر تعالى عن المنافقين في هذه الآية أَنَّهُ ستكون لهم أيمان يومَ القيامة بين يدي اللَّه تعالى، يخيل إليهم بجهلهم أَنَّها تنفعهم، وتُقْبَلُ منهم، وهذا هو حسابهم أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أي: على شيء نافع لهم.
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)
وقوله تعالى: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ معناه: تَملَّكَهُمْ من كل جهة، / وغلب على نفوسهم، وحُكِيَ أَنَّ عمر قرأ: «اسْتَحَاذَ» «١» ، ثم قضى تعالى على مُحَادِّه بِالذُّلِّ، وباقي الآية بَيِّنٌ.
وقوله سبحانه: لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ...
الآية: نَفَتْ هذه الآيةُ أَنْ يُوجَدَ مَنْ يؤمن باللَّه حَقَّ الإيمان، ويلتزم شُعَبَهُ على الكمال- يوادّ كافرا أو منافقا، وكَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ: معناه: أثبته وخلقه بالإيجاد.
وقوله: أُولئِكَ: إشارة إلى المؤمنين الذين يقتضيهم معنى الآية لأَنَّ المعنى:
لكنك تجدهم لا يوادُّونَ مَنْ حادَّ اللَّه.
وقوله تعالى: بِرُوحٍ مِنْهُ معناه: بهدى منه ونور وتوفيق إلهي ينقدح لهم من القرآن وكلام النبي صلّى الله عليه وسلّم و «الحزب» : الفريق، وباقي الآية بيّن.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ نَزَلَتْ في المَنافِقِينَ الَّذِينَ تَوَلَّوُا اليَهُودَ، ونَقَلُوا إلَيْهِمْ أسْرارَ المُؤْمِنِينَ.
وقالَ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَبْتَلَ المُنافِقِ، وذَلِكَ «أنَّهُ كانَ يُجالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ، ويَرْفَعُ حَدِيثَهُ إلى اليَهُودِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا، وكانَ أزْرَقَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ؟
فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما فَعَلَ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ : "فَعَلْتَ" فانْطَلَقَ فَجاءَ بِأصْحابِهِ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما سَبُّوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآياتِ.» ورَوى الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في "صَحِيحِهِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ كانَ في ظِلِّ حُجْرَةٍ مِن حُجَرِهِ، وعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالَ: إنَّهُ سَيَأْتِيكم إنْسانٌ يَنْظُرُ إلَيْكم بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ، فَإذا أتاكم فَلا تُكَلِّمُوهُ، فَجاءَ رَجُلٌ أزْرَقُ، فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ ، فَقالَ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وفُلانٌ وفُلانٌ؟
فانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَدَعاهُمْ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ، واعْتَذَرُوا إلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ.
.
.
﴾ الآيَةُ.» فَأمّا التَّفْسِيرُ، فالَّذِينَ تَوَلَّوْا: هُمُ المُنافِقُونَ، والمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ: هُمُ اليَهُودُ ﴿ ما هم مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي: المَنافِقِينَ لَيْسُوا مِنَ المُسْلِمِينَ، ولا مِنَ اليَهُودِ ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ ﴾ وهو ما ذَكَرْنا في سَبَبِ نُزُولِها.
وقالَ بَعْضُهُمْ: حَلَفُوا أنَّهم ما سَبُّوا رَسُولَ اللَّهِ ، ولا تَوَلَّوُا اليَهُودَ ﴿ وَهم يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّهم كَذَبَةٌ ﴿ اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً ﴾ أيْ: سُتْرَةً يَتَّقُونَ بِها القَتْلَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: اسْتَتَرُوا بِالحَلِفِ، فَكُلَّما ظَهَرَ لَهم شَيْءٌ يُوجِبُ مُعاقَبَتَهم حَلَفُوا كاذِبِينَ، ﴿ فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: صَدُّوا النّاسَ عَنْ دِينِ الإسْلامِ قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: صَدُّوا عَنْ جِهادِهِمْ بِالقَتْلِ وأخْذِ مالِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَحْلِفُونَ لَهُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ: يَحْلِفُونَ لِلَّهِ في الآخِرَةِ أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ، كَما حَلَفُوا لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا ﴿ وَيَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ﴾ مِن أيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ ﴿ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ في قَوْلِهِمْ وأيْمانِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: غَلَبَ عَلَيْهِمْ، وحاذَهُمْ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [النِّساءِ] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ ﴾ أيْ: في المَغْلُوبِينَ، فَلَهم في الدُّنْيا ذُلٌّ، وفي الآخِرَةِ خِزْيٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عنهم أمْوالُهم ولا أولادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَيْطانُ ألا إنَّ حِزْبُ الشَيْطانُ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ ﴾ ﴿ كَتَبَ اللهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ رُوِيَ أنَّ المُنافِقِينَ فَخَرُوا بِكَثْرَةِ أمْوالِهِمْ وأولادِهِمْ وأظْهَرُوا السُرُورَ بِذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُعْلِمَةً أنَّ ذَلِكَ لا غَناءَ لَهُ عنهم ولا مَدْفَعَ بِسَبَبِهِ، والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" "أصْحابُ" عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ.
وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم سَتَكُونُ لَهم أيْمانٌ يَوْمَ القِيامَةِ وبَيْنَ يَدَيِ اللهِ يُخَيَّلُ إلَيْهِمْ بِجَهْلِهِمْ أنَّها تَنْفَعُهم وتُقْبَلُ مِنهُمْ، وهَذا هو حِسابُهم أنَّهم عَلى شَيْءٍ، أيْ: عَلى فِعْلٍ أيْ: شَيْءٍ نافِعٍ لَهُمْ، وقالابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ: أيْنَ خُصَماءُ اللهِ؟
فَتَأْتِي القَدَرِيَّةُ مُسَوَّدَةٌ وُجُوهُهم مُزْرَقَّةٌ أعْيُنُهُمْ، فَيَقُولُونَ: ما عَبَدْنا شَمْسًا ولا قَمَرًا ولا صَنَمًا ولا اتَّخَذْنا مِن دُونِكَ إلَهًا"، قالابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: صَدَقُوا واللهِ ولَكِنْ أتاهُمُ الإشْراكُ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَيْطانُ ﴾ مَعْناهُ: تَمَلَّكَهم مِن كُلِّ جِهَةٍ وغَلَبَ عَلى نُفُوسِهِمْ، وهَذا الفِعْلُ مِمّا اسْتُعْمِلَ عَلى الأصْلِ، فَإنَّ قِياسَ التَعْلِيلِ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: اسْتَحاذَ، وحَكى الفَرّاءُ في كِتابِ "اللُغاتِ" أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَرَأ: "اسْتَحاذَ".
و"يُحادُّونَ" مَعْناهُ: يُعْطُونَ الحَدَّ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ المَعانِي: مَعْناهُ: يَكُونُونَ في حَدٍّ غَيْرِ الحَدِّ الَّذِي شَرَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ قَضى اللهُ تَعالى عَلى مُحادِّهِ بِالذُلِّ، وأخْبَرَ أنَّهُ كَتَبَ فِيما أمْضى مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ في الأزَلِ أنَّهُ يَغْلِبُ هو ورُسُلُهُ كُلَّ مَن حادَّ اللهَ والرُسُلَ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "وَرُسُلِي" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، وقالَ الحَسَنُ: ما أمَرَ اللهُ تَعالى قَطُّ رَسُولًا بِالقِتالِ إلّا وغَلَبَهُ، وظَفَرَهُ بِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ، لا رَبَّ سِواهُ، وقالَ غَيْرُهُ: ومَن لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالٍ فَهو غالِبٌ بِالحُجَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
هذا متصل بقوله: ﴿ ويحلفون على الكذب ﴾ إلى قوله: ﴿ اتخذوا أيمانهم جنة ﴾ [المجادلة: 14- 16] وتقدم الكلام على نظير قوله: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فينبئهم بما عملوا ﴾ [المجادلة: 6].
كما سبق آنفاً في هذه السورة، أي اذكر يوم يبعثهم الله.
وحلفهم لله في الآخرة إشارة إلى ما حكاه الله عنهم في قوله: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [الأنعام: 23].
والتشبيه في قوله: ﴿ كما يحلفون لكم ﴾ في صفة الحلف، وهي قولهم: إنهم غير مشركين، وفي كونه حلفاً على الكذب، وهم يعلمون، ولذلك سماه تعالى فتنة في آية [الأنعام: 23] بقوله تعالى: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين.
﴾ ومعنى ويحسبون أنهم على شيء } يظنون يومئذٍ أن حلفهم يفيدهم تصديقَهم عند الله فيحسبون أنهم حصّلوا شيئاً عظيماً، أي نافعاً.
و ﴿ على ﴾ للاستعلاء المجازي وهو شدة التلبس بالوصف ونحوِه كقوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ في سورة [البقرة: 5].
وحذفت صفة شيء } لظهور معناها من المقام، أي على شيء نافع، كقوله تعالى: ﴿ قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ﴾ [المائدة: 68].
وقول النبي صلى الله عليه وسلم لَمّا سُئِل عن الكُهّان «ليسوا بشيء».
وهذا يقتضي توغّلَهم في النفاق ومرونتهم عليه وأنه باققٍ في أرواحهم بعد بعثهم لأن نفوسهم خرجت من عالم الدنيا متخلّقة به، فإن النفوس إنما تكتسب تزكية أو خبثاً في عالم التكليف.
وحكمة إيجاد النفوس في الدنيا هي تزكيتها وتصفية أكدارها لتخلص إلى عالم الخلود طاهرة، فإن هي سلكت مسلك التزكية تخلصت إلى عالم الخلود زكية ويزيدها الله زكاء وارتياضاً يوم البعث.
وإن انغمست مدة الحياة في حمأة النقائص وصلصال الرذائل جاءت يوم القيامة على ما كانت عليه تشويهاً لحالها لتكون مهزلة لأهل المحشر.
وقد تبقى في النفوس الزكية خَلائق لا تنافي الفضيلة ولا تناقض عالم الحقيقة مثل الشهوات المباحة ولقاء الأحبة قال تعالى: ﴿ الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ﴾ [الزخرف: 67 70].
وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن رجلاً من أهل الجنة يستأذن ربه أن يزرع، فيقول الله: أو لستَ فيما شئتَ قال: بلى ولكن أحب أن أزرع، فأسْرع وبذر فيبادر الطرفَ نباتُه واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثالَ الجبال.
وكان رجل من أهل البادية عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لا نجد هذا إلا قرشياً أو أنصارياً فإنهم أصحاب زَرع فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم إقراراً لما فهمه الأعرابي " وفي حديث جابر بن عبد الله عن مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يُبعَث كل عبد على ما مَات عليه " قال عياض في «الإِكمال»: هو عام في كل حالة مات عليها المرء.
قال السيوطي: يبعث الزمار بمزماره.
وشارب الخمر بقدحه ا ه.
قلت: ثم تتجلى لهم الحقائق على ما هي عليه إذ تصير العلوم على الحقيقة.
وختم هذا الكلام بقوله تعالى: ﴿ ألا إنهم هم الكاذبون ﴾ وهو تذييل جامع لحال كذبهم الذي ذكره الله بقوله: ﴿ ويحلفون على الكذب ﴾ [المجادلة: 14].
فالمراد أن كذبهم عليكم لا يماثله كذب، حتى قُصرت صفة الكاذب عليهم بضمير الفصل في قوله: ﴿ إنهم هم الكاذبون ﴾ وهو قصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد بكذب غيرهم.
وأكد ذلك بحرف التوكيد توكيداً لمفاد الحصر الادعائي، وهو أن كذب غيرهم كلا كذب في جانب كذبهم، وبأداة الاستفتاح المقتضية استمالة السمع لخبرهم لتحقيق تمكن صفة الكذب منهم حتى أنهم يلازمهم يوم البعث.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمُ اليَهُودُ.
﴿ ما هم مِنكُمْ ﴾ لِأجْلِ نِفاقِهِمْ.
﴿ وَلا مِنهُمْ ﴾ لِخُرُوجِهِمْ بِيَهُودِيَّتِهِمْ.
﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ ﴾ أنَّهم لَمْ يُنافِقُوا.
﴿ وَهم يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّهم مُنافِقُونَ.
﴿ اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ في قَتْلِهِمْ بِالكُفْرِ لَمّا أظْهَرُوهُ مِنَ النِّفاقِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: صَدُّوا عَنِ الجِهادِ مُمايَلَةً لِلْيَهُودِ.
﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قَوِيَ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: أحاطَ بِهِمْ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
وَفِيهِ ثالِثٌ: أنَّهُ غَلَبَ واسْتَوْلى عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.
﴿ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ ذِكْرُ اللَّهِ هاهُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أوامِرُهُ في العَمَلِ بِطاعَتِهِ.
الثّانِي: زَواجِرُهُ في النَّهْيِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
وَيَحْتَمِلُ ما أنْساهم مِن ذِكْرِهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالغَفْلَةِ عَنْها.
الثّانِي: بِالشِّرْكِ بِها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين تولوا قوماً ﴾ الآية قال: بلغنا أنها نزلت في عبد الله بن نبتل، وكان رجلاً من المنافقين.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم ﴾ قال: هم اليهود والمنافقون ويحلفون على الكذب، وهم يعلمون حلفهم أنهم لمنكم.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ألم تر إلى الذين تولوا قوماً ﴾ الآية قال: هم المنافقون تولوا اليهود ﴿ يوم يبعثهم الله ﴾ الآية قال: يحالف المنافقون ربهم يوم القيامة كما حالفوا أولياءه في الدنيا.
وأخرج أحمد والبزار والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين فقال: إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعين شيطان، فإذا جاءكم فلا تكلمونه، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق أعور فقال، حين رآه: علام تشتمني أنت وأصحابك؟
فقال ذرني آتك بهم، فانطلق فدعاهم فحلفوا واعتذروا فأنزل الله: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ﴾ الآية والتي بعدها» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾ قال مقاتل: إذا سئلوا يوم القيامة عن أعمالهم الخبيثة استعانوا بالكذب كعادتهم في الدنيا، ويحلفون لله في الآخرة أنهم كانوا مؤمنين كما يحلفون لكم في الدنيا (١) وقال قتادة: إن المنافق يحلف لله (٢) (٣) قال ابن عباس: أما الأول فكقوله: ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ ، وأما الثاني فهو قوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ ﴾ (٤) وقال ابن زيد: كان الحلف جنة لهم في الدنيا فظنوا أنها تنفع في الآخرة (٥) قوله تعالى: ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ ﴾ قال مقاتل: على شيء من الدين (٦) وقال غيره: ويحسبون أنهم على شيء من أيمانهم الكاذبة (٧) ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾ في قولهم وأيمانهم.
(١) انظر: "تفسير مقاتل" 146 ب.
(٢) (لله) ساقطة من (ك).
(٣) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 281، و"جامع البيان" 28/ 17، و"الكشف والبيان" 12/ 83 أ.
(٤) من الآية (56) من سورة التوبة.
وانظر: "التفسير الكبير" 29/ 274، و"الجامع" 17/ 305.
(٥) انظر: "الجامع" 17/ 305.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 146 ب.
(٧) انظر: "جامع البيان" 28/ 17، و"معالم التنزيل" 4/ 312.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ﴾ أصل الجنة ما يستتر به ويتقى به المحذور كالترس، ثم استعمل هنا استعارة لأنهم كانوا يظهرون الإسلام لتعصم دماءهم وأموالهم، وقرئ اتخذوا بكسر الهمزة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ يظاهرون ﴾ من المظاهرة: عاصم ﴿ يظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء من الظهر وأصله " يتظهرون " أدغمت التاء في الظاء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
والباقون ﴿ يظاهرون ﴾ بتشديد الظاء ويزادة الألف من التظاهر وأصله " يتظاهرون" ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ بالرفع: المفضل.
الآخرون: بكسر التاء على إعمال " ما " عمل ليس هذه هي الفصحى ﴿ ما تكون ﴾ بتاء التأنيث: يزيد وهو ظاهر.
الآخرون: على التذكير بناء على أن التقدير ما يقع شيء من نجوى.
﴿ ولا أكثر ﴾ بالرفع: يعقوب إما على الابتداء كقولك " لا حول ولا قوة" أو للعطف على محل ﴿ من نجوى ﴾ الباقون: بالنصب على أن " لا " لنفي الجنس أو على أنهما مجروران عطفاً على ﴿ نجوى ﴾ كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم.
أو عطفاً على العدد والتقدير: ما يكون من نجوى أكثر من ذلك ﴿ وتتناجوا ﴾ على باب الافتعال: حمزة ورويس ﴿ ولا تتناجوا ﴾ من الافتعال أيضاً.
رويس.
﴿ المجالس ﴾ على الجمع: عاصم ﴿ انشزوا ﴾ بضم الشين فيهما: أبو جعفر ونافع وأبن عامر وعاصم غير يحيى وحماد والهراز.
الآخرون: بالكسر فيهما وهما لغتان مثل ﴿ يعرشون ﴾ و ﴿ يعرشون ﴾ ﴿ ورسلي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ عشيراتهم ﴾ على الجمع: الشموني ﴿ كتب ﴾ مجهولاً الإيمان بالرفع: المفضل.
الوقوف: ﴿ تحاوركما ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ ط ﴿ ولدنهم ﴾ ط ﴿ وزوراً ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ يتماسا ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ يتماسا ﴾ ج ﴿ مسكيناً ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ق ﴿ مهين ﴾ ه ط لاحتمال تعلق الظرف بما قبله وكونه مفعولاً لاذكر ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ ونسوه ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ه ﴿ كانوا ﴾ ج لأن " ثم " للعطف أو لترتيب الاخبار ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين معنى مع أن ﴿ جاؤك ﴾ فعل ماض لفظاً ﴿ به الله ﴾ لا لأن ما بعده حال أو عطف على ﴿ جاؤك ﴾ لمستقبل معنى ﴿ نقول ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط لاحتمال الحال وكونه مستأنفاً ﴿ يصلونها ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والتقوى ﴾ ج ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ يفسح الله لكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ منكم ﴾ لا للعطف ﴿ درجات ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ صدقة ﴾ ط ﴿ وأطهر ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ صدقات ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عيلهم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ﴿ منهم ﴾ لا بناء على أن ما بعده حاله والعامل معنى الفعل في الجار أي وهم يحلفون قاله السجاوندي ولا يبعد عندي أن يكون مستأنفاً فيحسن الوقف.
﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ شديداً ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ أولئك حزب الشيطان ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ه ﴿ الأذلين ﴾ ه ﴿ رسلي ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ عشيرتهم ﴾ ط ﴿ بروح منه ﴾ ط للعدول عن الماضي إلى المستقبل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ أولئك حزب الله ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه.
التفسير: عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمت المجادلة رسول الله في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع وقد سمع الله لها.
وعن عمر أن النبي كان إذا دخلت عليه أكرمها وقال: قد سمع الله لها أي أجاب وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة.
ورآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم فلما سلمت راودها فأبت فغضب وكان به حدة فظاهر منها، فأتت رسول الله فقالت: إن أوساً تزوّجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما كبر سني ونثرت بطني أي كثر منه ولدي جعلني منه كأمه.
وفي رواية أنها قالت: إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا.
فقال لها: ما عندي في أمرك شيء.
وروي أنه قال لها مراراً: حرمت عليه.
وهي تقول: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي فنزلت.
ومعنى ﴿ في زوجها ﴾ في شأنه ومعنى " قد" في ﴿ قد سمع الله ﴾ التوقع لأن رسول الله والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله عز وجل مجادلتها وشكواها وينزل في شأنها ما يفرج عنها.
والتحاور التراجع في الكلام وفي الآية دلالة على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق كفاه الله همه.
"يروى أنه أرسل إلى زوجها وقال: ما حملك على ما صنعت؟
فقال: الشيطان، فهل من رخصة؟
فقال : نعم وقرأ عليه الآيات الأربع وقال له: هل تستطيع العتق؟
فقال: لا والله.
فقال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟
فقال: لا والله يا رسول الله إلا أن تعينني منك بصدقة فأعانه بخمسة عشر صاعاً وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين" .
وعلم أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية لأنه في التحريم غاية فإن كان شرعاً متقدماً فالآية ناسخة له ولا سيما فيمن روى أنه قال لها: حرمت عليه.
وإن كان عادة الجاهلية فلا نسخ لأن النسخ لا يوجد إلا في الشرائع.
ثم إنه وبخ العرب أوّلاً بقوله ﴿ الذين يُظاهِرُونَ منكم ﴾ ثم بين الحكم العام في الآية الثانية ولهذا لم يورد لفظة منكم ونحن نبني تفسير الآية على أبحاث الأول في معنى الظهار وهو عبارة عن قول الرجل لامرأته "أنت عليّ كظهر أمي" فاشتقاقه من الظهر.
وقال صاحب النظم: ليس الظهر بذلك أولى في هذا المطلوب من سائر الأعضاء التي هي موضع التلذذ فهو مأخوذ من ظهر إذا علا وغلب وبه سمي المركوب ظهراً لأن راكبه يعلوه، وكذلك امرأة الرجل مركبه وظهر له.
والدليل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي أي طلقتها.
وفي لفظ الظهار إضمار والتقدير: ظهرك عليّ أي علوي وركوبي عليك حرام علي كعلو أمي.
ثم لا مناقشة بين العلماء في الصلات فلو قال: أنت معي أو عندي أو مني أو لي كظهر أمي صح ظهاره.
وكذا لو ترك الصلات كلها وقال: أنت كظهر أمي كما أن قوله "أنت طالق" صريح وإن لم يقل "مني" أما إذا شبهها بغير الظهر فذهب الشافعي إلى أن ذلك العضو إن كان مشعراً بالإكرام كقوله أنت علي كروح أمي أو عين أمي صح ظهاره إن أراد الظهار لا الإكرام وإلا فلا.
وإن لم ينو شيئاً ففيه قولان، وإن لم يكن مشعراً بالكرامة كقوله أنت كرجل أمي أو كيدها أو بطنها ففي الجديد ظهار، وفي القديم لا، وقد يرجح هذا البراءة الأصلية.
وقال أبو حنيفة: إن شبهها بعضو من الأم يحل له النظر إليه كاليد أو الرأس لم يكن ظهاراً، وإن شبهها بعضو يحرم النظر إليه كالبطن والفخذ كان ظهاراً.
وفي التشبيه بالمحرمات الأخر من النسب أو الرضاع سوى الأم في الجديد وعليه أبو حنيفة أنه ظهار لعموم قوله ﴿ يظاهرون ﴾ ومن قصره على الأم احتج بقوله بعده ﴿ ما هنّ أمهاتهم ﴾ وبأن حرمة الأم أشد.
البحث الثاني في المظاهر وفيه مسائل: الأولى: قال الشافعي: كل من صح طلاقه صح ظهاره وإن كان خصياً أو مجبوباً، ويتفرع عليه أن ظهار الذمي صحيح.
حجة الشافعي عموم قوله ﴿ والذين يظاهرون ﴾ وأيضاً تأثير الظهار في التحريم والذمي أهل لذلك بدليل صحة طلاقه.
وأيضاً إيجاب الكفارة للزجر عن هذا الفعل الذي هو منكر من القول وزور وهذا المعنى قائم في حق الذمي.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح ظهاره.
واحتج أبو بكر الرازي لهما بأن قوله ﴿ والذين يظاهرون منكم ﴾ خطاب للمؤمنين.
وأيضاً من لوازم الظهار تصحيح وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع لأنه مع الكفر باطل، وبعد الإسلام غير لازم لأنه يجب ما قبله.
وأجيب عن الأول بأن قوله ﴿ منكم ﴾ خطاب للحاضرين فلم قلتم: إنه يختص بالمؤمنين؟
على أن التخصيص بالذكر عندكم لا يدل على نفي ما عداه.
وأيضاً العام عندكم إذا أورد بعد الخاص كان ناسخاً للخاص.
وعن الثاني أن من لوازم الظهار أيضاً أنه حين عجز عن الصوم اكتفي منه بالإطعام فهو ههنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفي فيه بالإطعام، وإن لم يتحقق العجز زال السؤال.
وأيضاً الصوم بدل عن الإعتاق والبدل أضعف عن المبدل.
ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره بالاتفاق فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب منع الظهار ففوات الأضعف كيف يمنع؟
وقال القاضي حسين من أصحاب الشافعي في الجواب: نقول للذمي إن أردت الخلاص من التحريم فأسلم وصم قوله الإسلام يجب ما قبله.
قلنا: إنه عام والتكفير خاص والخاص مقدّم على العام.
الثانية قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو ظاهر ولو قال شهراً فقد قال أبو حنيفة والشافعي: بطل ظهاره بمضي المدة وكان قبل ذلك صحيحاً لام روي أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان ثم وطئها في المدة فأمره النبي بتحرير رقبة.
وأما بطلان ظهاره بعد المدة فلمقتضى اللفظ كما في الأيمان.
فإذا مضت المدة حل الوطء لارتفاع الظهار وبقيت الكفارة في ذمته.
وقال مالك وابن أبى ليلى: هو مظاهر أبداً.
البحث الثالث في المظاهر عنها.
ويصح الظهار عن الصغيرة والمجنونة والأمة المتزوّجة والذمية والرتقاء والحائض والنفساء، ولا يصح عن الأجنبية سواء أطلق أو علق بالنكاح فقال "إذا نكحتك فأنت عليّ كظهر أمي".
ويصح عن الرجعية ولا يصح عن الأمة وأم الولد عند أبي حنيفة والشافعي لأن قوله ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ﴾ يتناول الحرائر دون الاماء كما في قوله ﴿ أو نسائهن ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله ﴿ أو ما ملكت أيمانهن ﴾ وقال مالك والأوزاعي: يصح لأن قوله ﴿ من نسائهم ﴾ يشمل ملك اليمين لغة.
وفي الآية سؤال وهو أن المظاهر شبّه الزوجة بالأم ولم يقل إنها أم فيكف أنكر الله عليه بقوله ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ وحكم بأنه منكر وزور؟
والجواب أن قوله " أنت عليّ كظهر أمي " إن كان إخباراً فهو كذب لأن الزوجة حلال والأم حرام وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب، وإن كان إنشاء كان معناه أن الشرع جعله سبباً في حصول الحرمة، ولما لم يرد الشرع بهذا السبب كان الحكم به كذباً وزوراً ولهذا أوجب الله الكفارة على صاحب القول بعد العود.
سؤال آخر قوله ﴿ إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ﴾ ظاهره يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة لكنه قال في موضع آخر ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ﴾ وقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ أجاب في الكشاف بأنه يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هن الوالدات وغيرهن ملحقات بهن لدخولهن في حكمهن بسبب الإرضاع، أو لكونها زوجة النبي الذي هو أبو الأمة.
وأما الزوجات فلسن من أحد القبيلين وكان قول المظاهر منكراً لمخالفة الحقيقة وزوراً لعدم موافقة الشرع.
قوله ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ قال الفراء: لا فرق في اللغة بين قولك عاد لما قال وإلى ما قال وفيما قال.
وقال أبو علي الفارسي: كلمة إلى واللام يتعاقبان قال الله ﴿ الحمد لله الذي هدانا لهذا ﴾ وقال ﴿ فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ } [الصافات: 23] وقال أهل اللغة: إذا قال قائل عاد لما فعل جاز أن يريد أنه فعله مرة أخرى وهذا ظاهر، وجاز أن يريد أن نقض ما فعل لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعودة إليه، وإلى هذا ذهب أكثر المجتهدين إلا أن الشافعي قال: معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق قعد الظهار زماناً يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك أنه لما ظاهر فقد قصد التحريم فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق دل على أنه ندم على ما ابتدأه من التحريم فحينئذ تجب عليه الكفارة.
واعترض أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عليه من وجهين: الأول أنه قال ﴿ ثم يعودون ﴾ وكلمة " ثم " تقتضي التراخي.
وعلى قول الشافعي يكون المظاهر عائداً عقيب القول بلا تراخ وهذا خلاف مفهوم الآية.
الثاني أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها فلا يكون إمساك الزوجة نقضاً لما قال.
وأجيب عن الأول بأنه يوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك.
والتحقيق أن العبرة بالحكم ونحن لا نحكم بالعود ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه فقد تأخر كونه عائداً عن كونه مظاهراً بهذا القدر من الزمان وهذا يكفي في العمل بمقتضى كلمة " ثم ".
وعن الثاني أن المراد إمساكها على سبيل الزوجية واللفظ محتمل لهذا وإمساك الأم بهذا الوجه محرم.
وقال أبو حنيفة: معناه استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة، وذلك أنه لام شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء ثم قصد استباحتها كان مناقضاً لقوله " أنت عليّ كظهر أمي".
وقال مالك: العود إليها عبارة عن العزم على جماعها، وضعف بأن العزم على جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة هو القصد إلى استحلال جماعها فيرجع إلى قول أبي حنيفة.
ولا يرد عليه إلا أنه خص وجه التشبيه من غير دليل، والذي ذكره الشافعي أعم وأقل ما يطلق عليه اسم العود فكان أولى.
وعن طاوس والحسن أن العود إليها عبارة عن جماعها وخطىء لقوله ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ وإذا كان التكفير قبل الجماع والتكفير لا يثبت إلا بعد العود فالعود غير الجماع.
وأما الاحتمال الأول وهو أن العود لما فعل هو فعلة مرة أخرى ففيه أيضاً وجوه: الأول: قول الثوري: إن العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام وزيف بأنه يرجع حاصل المعنى إلى قوله ﴿ والذين ﴾ كانوا ﴿ يظاهرون من نسائهم ﴾ في الجاهلية ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ في الإسلام ﴿ فكفارته ﴾ كذا وكذا وهذا إضمار من غير دليل مع أنه خلاف الأصل.
الثاني قال أبو العالية: إذا كرر لفظ الظهار فهو عود وإلا فلا.
وضعف بحديث أوس وحديث سلمة بن صخر قال رسول الله : لزمهما الكفارة مع أنهما لم يكررا الظهار.
الثالثة: قال أبو مسلم الأصفهاني: العود هو أن يحلف على ما قال أوّلاً من لفظ الظهار فإذا لم يحلف لم تلزمه الكفارة قياساً على ما لو قال في بعض الأطعمة " إنه حرام عليّ كلحم الآدمي " فإنه لا يلزمه الكفارة إلا إذا حلف عليه.
ورد بأن الكفارة قد تجب بالإجماع في المناسك ولا يمين.
وعندي أن هذا الرد مردود لأنه لا يلزم من وجوب الكفارة في الصورتين من غير يمين وجوبها في كل صورة بلا يمين.
نعم يرد على أبي مسلم أن تفسير العود بالحلف إثبات اللغة بالقياس، ولا يخفى أن العود لما قالوا على هذا الاحتمال ظاهر لأنه أريد بالقول اللفظ.
وأما الاحتمال الآخر فيحتاج إلى تأويل القول بالمقول فيه وهو ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار كما مر في قوله ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ أي المال والواو للحال.
مسائل: الأولى: الجديد وأبو حنيفة أن الظهار يحرم جميع جهات الاستمتاعات لأن قوله ﴿ من قبل أن يتماسا ﴾ يعم جميع ضروب المس من المس بيد وغيرها.
"وروى عكرمة أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي فأخبره بذلك فقال: اعتزلها حتى تكفِّر" .
الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر مراراً فقال أبو حنيفة والشافعي: لكل ظهار كفّارة إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار للتأكيد.
وقال مالك: من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفّارة واحدة.
وحجتهما أنه رتب الكفّارة على التلفظ بكلمة الظهار والمعلول يتكرر بتكرر العلة، ويتفرع عليه أنه لو كانت تحته أربع نسوة وقال لهن: أنتن عليّ كظهر أمي لزمه أربع كفارات لأن الحكم يتكرر ويتعدّد المحل.
حجته أنه رتب الكفارة على مطلق الظهار والمطلق شامل للمتعدد، ونوقض باليمين فإن الكفارة لازمة في كل يمين.
الثالثة: دلت على إيجاب الكفارة قبل التماس فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة وهو قول أكثر أهل العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحق، لأن سلمة بن صخر قال لرسول الله : ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها.
فقال عليه الصلاة والسلام: استغفر ربك ولا تعد حتى تكفّر.
وقال بعضهم ومنهم بعد الرحمن بن مهدي: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان.
الرابعة: لا ينبغي للمرأة أن تدع الزوج يقربها حتى يكفّر فإن تهاون حال الإمام بينهما ويجبره على التكفير وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع.
قال الفقهاء: ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة وامتناع من إيفاء حقها.
الخامسة: قد ذكرنا أن الاستمتاعات محرمة عليه إلى أن يكفّر وذلك صريح في تحرير الربة وفي الصيام والآن نقول: إن التكفير بالإطعام أيضاً كذلك وإن لم يتعرض للتماس في قوله ﴿ فإطعام ستين مسكيناً ﴾ حملاً للمطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة، وللأقل وهو صورة واحدة على الأكثر وهذه من فصاحات القرآن.
السادسة: مذهب أبي حنيفة أن هذه الرقبة تجزي وإن كانت كافرة لإطلاق الآية.
وقال الشافعي: لا بد أن تكون مؤمنة قياساً على كفارة القتل.
والجامع أن الإعتاق إنعام والمؤمن أولى به، ولأن المشركين نجس وكل نجس خبيث بالإجماع.
وقال الله ﴿ ولا تيمموا الخبيث ﴾ ولا تجزي أم الولد ولا المكاتب عند الشافعي لضعف الملكية فيه ولا يحصل الجزم بالخروج عن العهدة.
وقال أبو حنيفة: إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئاً جاز عن الكفارة لأنه رقبة بدليل قوله ﴿ وفي الرقاب ﴾ وإن أعتقه بعد أن يؤدي شيئاً لم يجز.
والمدبر يجزي عند الشافعي ولا يجزي عند أبي حنيفة.
السابعة: يعتبر في الرقبة بعد الإيمان على خلاف فيه السلامة عن العيوب لا التي يثبت بها الرد في البيع ولكن التي تخل بالعمل والاكتساب لأن المقصود هناك المالية وههنا تكميل حاله ليتفرغ للعبادات والوظائف المخصوصة بالأحرار، فلا يجزي مقطوع اليدين أو الرجلين أو إحداهما ولا المجنون، ويجزي الأعور والأصم والأخرس ومقطوع الأذنين أو الأنف أو أصابع الرجلين لا أصابع اليد لأن البطش والعمل يتعلق بها.
والعبد الغائب.
إن انقطع خبره لا يجزي ولو أعتق بعده عن كفارته شرط أن يردّ ديناراًَ أو غيره لم يجز بل يجب أن يكون الإعتاق خالياً من شوائب العوض.
الثامنة: كفارة الظهار مرتبة على ما في الآية.
فإن كان في ملكه عبد فاضل عن حاجته فواجبه هو، وإن احتاج إلى خدمته لمرض أو كبر أو لأن منصبه يأبى أن يخدم نفسه لم يكلف صرفه إلى الكفارة، ولو وجد ثمن العبد فكالعبد.
والشرط أن يفضل عن حاجة نفقته وكسوته ونفقة عياله وكسوتهم وعن المسكن وما لا بدّ له من الأثاث ولو كانت له ضيعة أو رأس مال يتجر فيه ويفي ما يحصل منهما بكفايته بلا مزيد ولو باعهما لارتدّ إلى حد المساكين لم يكلف صرفه إلى الكفارة.
ولو وجد ثمن العبد فكالعبد والشرط بيعها وإن كان ماله غائباً أو لم يجد الرقبة في الحال لم يجز العدول إلى الصوم بل يصبر، وإن كان يتضرر بامتناع الابتياع لأنه قال ﴿ فمن لم يجد ﴾ وهو واجد.
أما من كان مريضاً في الحال ولا يقدر على الصوم فإنه ينتقل إلى الإطعام لأنه قال ﴿ فمن لم يستطع ﴾ وهو غير مستطيع، والمآل غير معلوم ولا هو متعلق باختياره بخلاف إحضار المال أو تحصيل الرقبة فإن ذلك قد يمكنه.
التاسعة: لو أطعم مسكيناً واحداً ستين مرة لا يجزي عند الشافعي لظاهر الآية، ولأن إدخال السرور في قلب ستين أجمع وأقرب من رضا الله.
وقال أبو حنيفة: يجزي.
العاشرة: الشبق المفرط والغلمة عذر عند الأكثرين في الانتقال إلى الإطعام كما في قصة الأعرابي وهل أتيت إلا من قبل الصوم فأمره النبي وقال: أطعم.
وحمله آخرون على خاصة الأعرابي.
ولنكتف بهذا القدر من المسائل الفقهية في تفسير آية الظهار.
قال الزجاج ﴿ ذلكم توعظون ﴾ أي ذلك التغليظ وعظ لكم حتى تتركوا الظهار.
وحين ذكر حكم الآية عقبه بقوله ذلك فيحتمل أن يعود إلى مطلق بيان كفارة الظهار، ويحتمل أن يعود إلى التخفيف والتوسيع لتصدقوا بالله ورسوله فإن التخفيف مناسب للتصديق والعمل بالشريعة ﴿ وللكافرين ﴾ الذين استمروا على أحكام الجاهلية ﴿ عذاب أليم ﴾ وإنما قال في الآية الثانية ﴿ عذاب مهين ﴾ ليناسب قوله ﴿ كبتوا ﴾ أي أخزوا وأهلكوا.
قيل: أريد كبتهم يوم الخندق.
وفي الحدود مع المحادة نوع من التجانس، والمحادّة المشاقة من الحد الطرف كأن كلاً من المتخاصمين في طرف آخر كالمشاقة من الشق.
وقال أبو مسلم: هي من الحديد كأن كلا منهما يكاد يستعمل الحديد أي السيف وهم المنافقون أو الكافرون على الإطلاق.
قوله ﴿ أحصاه الله ﴾ أي أحاط بما عمل كل منهم كماً وكيفاً وزماناً ومكاناً ﴿ ونسوه ﴾ لكثرته أو لقلة اكتراثهم بالمعاصي وإنما يحفظ معظمات الأمور.
ثم قرر كمال علمه بقوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة ﴾ نفر ويجوز أن يكون ثلاثة وصفاً للنجوى على حذف المضاف أي من أهل نجوى، أو لأنهم جعلوا نجوى مبالغة وكذلك كل مصدر وصف به.
قال الزجاج: هي مشتقة من النجوة المكان المرتفع لأن الكلام المذكور سراً يجل عن استماع الغير.
سؤال: لم ذكر الثلاثة والخمسة وأهمل ذكر الاثنين والاربعة؟
الجواب من وجوه أحدها: أن الآية نزلت في قوم من المنافقين اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين وكانوا على هذين العددين فحص صورة الواقعة بالذكر.
عن ابن عباس أن ربيعة وحبيباً ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوماً مّا يتحدثون فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول.
فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً.
وقال الثالث: إن كان يعلم بعضاً فهو يعلم كله فنزلت.
قالت جماعة: الحق مع الثالث فلعل الآخر كان فلسفي الاعتقاد القائل بأنه يعلم الكليات دون الجزئيات.
ثانيها أن العدد الفرد أشرف من الزوج لأن الله وتر ولأن الزوج يحتاج إلى الوتر دون العكس كالواحد.
وثالثها أن المتشاورين الاثنين كالمتنازعين في النفي والإثبات، والثالث كالمتوسط الحكم وهكذا في كل زوج اجتمعوا للمشاورة فلا بد فيهم من واحد يكون حكماً فذكر الفردين الأولين تنبيهاً على الأفراد الباقية.
ورابعها أن هذا إشارة إلى كمال المرحمة، وذلك أن الثلاثة إذا أخذ اثنان منهم في التناجي والمسارّة بقي الواحد ضائعاً وحيداً فيضيق قلبه فيقول الله : أنا جليسك وأنيسك.
وكذا الخمسة إذا اجتمع اثنان اثنان منهم بقي الخامس فريداً فنفس الله عنه ببشارة المعية.
وهذا التأويل لا يتأتى في الاثنين والأربعة فأهمل ذكرهما.
وفيه أن من انقطع عن الخلق لم يتركه الله ضائعاً.
وخامسها وهو من السوانح.
أنه لما أراد تكميل الكلام بقوله ﴿ ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ﴾ لم يكن بد من الابتداء بالثلاثة مع أنها عدد أكثري في التشاور، ثم بالخمسة ليكون لكل من العددين طرفا قلة وكثرة.
وفيه أيضاً من الفصاحة أنه لم يقع حروف الأربعة مكرراً إذ لو قال " ولا أربعة إلا وهو خامسهم " على ما وقع في مصحف عبد الله لكان في ذكر الرابع والأربعة شبه تكرار.
ولعل في الآية إشارة إلى التناجي لا ينبغي أن يكون إلا بين اثنين إلى ستة لتكون الزيادة على الخمسة بقدر احتمال النقصان على الثلاثة، ويعضده ما روي أن عمر بن الخطاب ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع، وهذه من نكت القرآن زادنا الله اطلاعاً عليها.
قال أكثر المفسرين: كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين يريدون بذلك غيظهم، فنهاهم رسول الله عن ذلك فعادوا لمثله وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمحالفة الرسول فنزل ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ الآية منهم من قال: هم المنافقون ومنهم من قال: فريق من الكفار.
والأول أقرب بدليل قوله ﴿ وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك ﴾ وذلك أنهم كانوا يقولون " السلام عليك يا محمد " والله يقول ﴿ وسلام على عباده الذين اصطفى ﴾ و " يا أيها الرسول " و " يا أيها النبي ".
وحديث عائشة مع اليهود في هذا المعنى مذكور مع شهرته وكانوا يقولون: ما له إن كان نبياً لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فأجاب الله عن قولهم بأن جهنم تكفيهم.
قال أبو علي: التناجي والانتجاء بمعنى نحو اجتوروا واعتوروا في معنى تجاوروا وتعاوروا.
ثم نهى المؤمنين عن مثل تلك النجوى وهو ظاهر.
وقال جمع من المفسرين: وهو خطاب المنافقين الذين آمنوا باللسان دون مواطأة القلوب.
وأعلم أن المناجاة إذا كانت على طريقة البر والتقوى فقلما تقع الداعية إلى كتمانها فلا تكره النجوى ولا يتأذى بها أحد إذا عرفت سيرة المناجي فلهذا أمر الله أن لا يقع التناجي إلا على وجه البر.
قوله ﴿ إنما النجوى ﴾ الألف واللام فيه لا يمكن أن تكون للاستغراق أو للجنس، فمن النجوى ما تكون ممدوحة لاشتمالها على مصلحة دينية أو دنيوية فهي إذن للعهد وهو التناجي بالإثم والعدوان زينة الشيطان لأجلهم ﴿ ليحزن ﴾ الشيطان، أو التناجي المؤمنين وكانوا يقولون ما نراهم متناجين إلا وقد بلغهم عن أقاربنا الذين خرجوا إلى الغزوات أنهم قتلوا أو هربوا.
ثم بين أن الشيطان أو الحزن لا يضر المؤمن أصلاً إلا بمشيئة الله وإرادته.
عن النبي " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه" وفي رواية " دون الثالث".
وحين نهى عباده المؤمنين عما يكون سبباً للتباغض والتنافر حثهم على ما يوجب مزيد المحبة والألفة.
والتفسح في المجلس التوسع لله والمراد مجلس رسول الله كانوا يتضامّون فيه تنافساً في القرب منه وحرصاً على استماع كلامه.
ومن قرأ على الجمع جعل لكل جالس مجلساً على حدة.
وقيل: هو المجلس من مجالس القتال أي مراكز القتال.
كان الرجل يأتي الصف فيقول: تفسحوا.
فيأبون حرصاً على الشهادة.
والقول الأول أصح.
قال مقاتل بن حيان: كان يوم الجمعة في الصفة وفي المكان ضيق وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول الله ما يحملهم على القيام وشق ذلك على الرسول فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان قم يا فلان.
فلم يزل كذلك حتى أقعد النفر الذين هم قيام بين يديه فعرفت الكراهية في وجه من أقيم من مجلسه، وطعن المنافقون في ذلك قالوا: والله ما عدل على هؤلاء وإن قوماً أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم فأجلس من أبطأ عنه فنزلت ﴿ وإذا قيل انشزوا ﴾ أي انهضوا للتوسعة على المقبلين فانشزوا ولا تملوا رسول الله بالارتكاز فيه ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم ﴾ أيها الممتثلون والعالمين منهم خاصة ﴿ درجات ﴾ قال بعض أهل العلم: المراد به الرفعة في مجلس النبي وهو مناسب للمقام لقوله "ليليني منكم أولو الأحلام والنهي" " والمشهور أنه الرفعة في درجات ثواب الآخرة وقد أطنبنا في فضيلة العلم في أوائل البقرة عند قوله ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ والأمر يقتضي أن يقتدى بالعالم في كل شيء ولا يقتدى بالجاهل في شيء، وذلك أنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام والشبهات ومحاسبة النفس ما لا يعرفه الغير، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها ما لا خبر فيه عند غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق ما لا يتحفظ غيره ولكنه كما تعظم منزلته عند الطاعة ينبغى أن يعظم عتابه عند التقصيرات حتى كاد تكون الصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، واللهم ثبتنا على صراطك المستقيم ووفقنا للعمل بما فهمنا من كتابك الكريم.
قال ابن عباس: كان المسلمون أكثروا المسائل على رسول الله حتى شقوا عليه وأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت آية النجوى شح كثير من الناس فكفوا عن المسئلة.
وقال مقاتل بن حيان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء في مجلس النبي وأكثروا مناجاته فأمر الله بالصدقة عند المناجاة فازدادت درجة الفقراء وانحطت رتبة الأغنياء وتميز محب الآخرة عن محب الدنيا.
قال بعضهم: هذه الصدقة مندوبة لقوله ﴿ ذلك خير لكم ﴾ ولأنه أزيل العمل به بكلام متصل وهو قوله ﴿ أأشفقتم ﴾ والأكثرون على أنها كانت واجبة لظاهر الأمر , والواجب قد يوصف بكونه خيراً ولا يلزم من اتصال الآيتين في القراءة اتصالهما في النزول.
وقد يكون الناسخ متقدماً على المنسوخ كما مر في آية الاعتداد بالحول في البقرة.
واختلفوا في مقدار تأخرها: فعن الكلبي ما بقى ذلك التكليف إلا ساعة من نهار.
وعن مقاتل بقي عشرة أيام.
وعن علي : لما نزلت الآية دعاني رسول الله فقال: ما تقول في دينار؟
قلت: لا يطيقونه.
قال: كم؟
قلت: حبة أو شعيرة.
قال: إنك لزهيد أي إنك لقليل المال فقدرت على حسب مالك.
وعنه : إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي.
كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم.
قال الكلبي: تصدق به في عشر كلمات سألهن رسول الله .
قال القاضي: هذا لا يدل على فضله على أكابر الصحابة لأن الوقت لعله لم يتسع للعمل بهذا الفرض.
وقال فخر الدين الرازي: سلمنا أن الوقت قد وسع إلا أن الاقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير الذي لا يجد شيئاً وينفر الرجل الغني ولم يكن في تركه مضرة.لأن الذي يكون سبباً للألفة أولى مما يكون سبباً للوحشة.
وأيضاً الصدقة عند المناجاة واجبة: أما المناجاة فليست بواجبة ولا مندوبة بل الأولى ترك المناجاة لما بيّنا من أنها كانت سبباً لسآمة النبي .
قلت: هذا الكلام لا يخلو عن تعصب مّا.
ومن أين يلزمنا أن نثبت مفضولية علي في كل خصلة، ولم لا يجوز أن يحصل له فضيلة لم توجد لغيره من أكابر الصحابة.
فقد روي عن ابن عمر كان لعلي ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إليّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة ا وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى.
وهل يقول منصف إن مناجاة النبي نقيصة على أنه لم يرد في الآية نهي عن المناجاة وإنما ورد تقديم الصدقة على المناجاة فمن عمل بالآية حصل لهالفضيلة من جهتين: سدّ خلة بعض الفقراء، ومن جهة محبة نجوى الرسول ففيها القرب منه وحل المسائل العويصة وإظهار أن نجواه أحب إلى المناجي من المال والظاهر أن الآية منسوخة بما بعدها وهو قوله ﴿ أأشفقتم ﴾ إلى آخرها.
قاله ابن عباس.
وقيل: نسخت بآية الزكاة.
أما أبو مسلم الذي يدعي أن لا نسخ في القرآن فإنه يقول: كان هذا التكليف مقدراً بغاية مخصوصة ليتميز الموافق من المنافق والمخلص من المرائي، وانتهاء أمد الحكم لا يكون نسخاً له.
ومعنى الآية أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق المنقص للمال الذي هو أحب الأشياء إليكم ﴿ فإذا لم تفعلوا ﴾ ما أمرتم به ﴿ وتاب الله عليكم ﴾ ورخص لكم في أن لا تفعلوا فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات.
ومن زعم أن العمل بآية النجوى لم يكن من الطاعات قال: إنه لا يمتنع أن الله علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل لو دام الوجوب فقال: إذا كنتم تائبين راجعين إلى الله وأقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة فقد كفاكم هذا التكليف.
قال المفسرون: كان عبد الله بن نبتل المنافق يجالس رسول الله ثم يرفع حديثه إلى اليهود.
فبينا رسول الله في حجرة من حجراته إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل ابن نبتل وكان أزرق فقال له النبي : علام تشتمني أنت وأصحابك؟
فحلف بالله ما فعل.
فقال رسول الله : بل فعلت.
فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزل ﴿ ألم تر إلى الذين تولوا ﴾ أي وادّوا ﴿ قوماً غضب الله عليهم ﴾ وهم اليهود ﴿ ما هم منكم ﴾ لأنهم ليسوا مسلمين بالحقيقة ﴿ ولا منهم ﴾ لأنهم كانوا مشركين في الأصل ﴿ ويحلفون على الكذب ﴾ وهو ادعاء الإسلام.
وفي قوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على إبطال قول الجاحظ إن الخبر الكذب هو الذي يكون مخالفاً للمخبر عنه مع أن المخبر يعلم المخالفة وذلك أنه لو كان كما زعم لم يكن لقوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ فائدة بل يكون تكراراً صرفاً.
قال بعض المحققين: العذاب الشديد هو عذاب القبر، العذاب المهين الذي يجيء عقيبه هو عذاب الآخرة.
وقيل: الكل عذاب الآخرة لقوله ﴿ الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ قال جار الله: معنى قوله ﴿ إنهم ساء ما كانوا يعملون ﴾ إنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول مصرين على سور العمل، أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة.
ومعنى الفاء في ﴿ فصدوا ﴾ أنهم حين دخلوا في حماية الايمان بالأيمان الكاذبة وأمنوا على النفس والمال اشتغلوا بصدّ الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات وتقبيح حال المسلمين.
ويروى أن رجلاً منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا فنزل ﴿ لن تغني عنهم ﴾ الآية.
ثم أخبر عن حالهم العجيبة الشأن وهو أنهم يحلفون يوم المحشر لعلام الغيوب كما يحلفون لكم في الدنيا وأنتم بشر يخفى عليكم السرائر ﴿ ويحسبون أنهم على شيء ﴾ من النفع.
والمراد أنهم كما عاشوا على النفاق والحلف الكاذب يموتون ويبعثون على ذلك الوصف.
قال القاضي والجبائي: إن أهل الآخرة لا يكذبون.
ومعنى الآية أنهم يحلفون في الآخرة إما ما كنا كافرين عند أنفسنا.
وقوله ﴿ ألا أنهم هم الكاذبون ﴾ في الدنيا.
ولا يخفى ما في هذا التأويل من التعسف وقد مر البحث في قوله ﴿ والله ما كنا مشركين ﴾ ثم بين أن الشيطان هو الذي زين لهم ذلك.
ومعنى استحوذ استولى وغلب ومنه قول عائشة في حق عمر: كان أحوذياً أي سائساً غالباً على الأمور وهو أحد ما جاء على الأصل نحو " استصوب واستنوق" احتج القاضي به في خلق الأعمال بأن ذلك النسيان لو حصل بخلق الله لكانت إضافتها إلى الشيطان كذباً، ولكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب الله لا حزب الشيطان.
والجواب ظاهر مما سلف مراراً فإن الكلام في الانتهاء لا في الوسط.
قوله ﴿ أولئك في الأذلين ﴾ قال أهل المعنى: إن ذل أحد الخصمين تابع لعز الخصم الآخر.
ولما كانت عزة أولياء الله غير متناهية فذل أعدائه لا نهاية له فهم إذن أذل خلق الله.
ثم قرر سبب ذلهم بقوله ﴿ كتب الله ﴾ في اللوح ﴿ لأغلبن أنا ورسلي ﴾ إما بالحجة وحدها أو بها وبالسيف.
قال مقاتل: إن المسلمين قالوا: إنا لنرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم.
فقال عبد الله بن أبيّ: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم عليها؟
كلا والله إنهم أكثر عدداً وعدّة فنزلت الآية.
ثم بين أن الجمع بين الإيمان الخالص وموادّة من حادّ الله ورسوله غير ممكن ولو كان المحادّون بعض الأقربين.
وقال جار الله: هذا من باب التمثيل والغرض أنه لا ينبغي أن يكون وحقه أن يمتنع ولا يوجد.
قلت: لو اعتبر كل من الأمرين من حيث الحقيقة كان بينهما أشد التباين ولا حاجة إلى هذا التكلف إلا أن يحمل أحدهما على الحقيقة والآخر على الظاهر فحينذ قد يجتمعان كما في حق أهل النفاق، وكما يوجد بعض أهل الإيمان يخالط بعض الكفرة ويعاشرهم لأسباب دنيوية ضرورية.عن النبي " "لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة فإني أجد فيما أوحي إليّ" ﴿ لا تجد قوماً ﴾ يروى أنها نزلت في أبي بكر، وذلك أن أبا قحافة سب رسول الله فصكه صكة سقط منها فقال له رسول الله : أو قد فعلته؟
قال: نعم.
قال: لا تعد.
قال: والله لو كان السيف قريباً مني لقتلته.
وقيل: في أبي عبيدة بن الجراح فقتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، وفي كثير من أكابر الصحابة أعرضوا عن عشائرهم وعادوهم لحب الله ورسوله.
فذهب جمع من المفسرين إلى أنها نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي إليهم عام الفتح وسيجيء في الممتحنة.
والأظهر عندي نزولها في المؤمنين الخلص لقوله ﴿ أولئك كتب ﴾ أي أثبت ﴿ في قلوبهم الإيمان ﴾ إثبات المكتوب في القرطاس.
وقيل: معناه جمع.
والتركيب يدور عليه أي استكلموا أجزاء الإيمان بحذافيرها ليسوا ممن يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض.
قوله ﴿ وأيدهم بروح منه ﴾ قال ابن عباس: أي نصرهم على عدوّهم.
وسمي النصرة روحاً لأن الأمر يحيا بها.
ويحتمل أن يكون الضمير للإيمان على أنه في نفسه روح فيه حياة القلوب والباقي ظاهر والله أعلم وإليه المصير وبيده التوفيق والإتمام بالصواب.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ ﴾ .
يذكر سفه المنافقين لرسول الله لتوليهم قوماً غضب عليهم، على ما علم منهم أن الله - - قد غضب عليهم؛ لكنه تولوهم طمعا منهم في أموالهم وفيما كان عندهم من السعة وفضل الدنيا، ثم أخبر أنهم ليسوا منكم، أي: ليسوا على دينكم، ولا أنتم منهم، أي: على دينهم، أي: أولئك اليهود؛ لكنهم يتولونهم طمعاً فيما عندهم من فضل الدنيا.
﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .
كأنه قيل لهم: لم توليتم قوماً غضب الله عليهم؟!
فحلفوا أنهم لم يتولوهم؛ فأخبر أنهم كاذبون في حلفهم.
وفيه دلالة إثبات رسالة محمد لأنهم تولوا اليهود سرّاً من المؤمنين، وحلفوا كذاباً، فأخبرهم رسول الله بتوليهم وكذبهم في الحلف؛ دل أنه - عليه الصلاة والسلام - عرف ذلك بالوحي ثم أخبر ما أعدّ لهم في الآخرة بتوليهم أولئك وحلفهم بالكذب، فقال: ﴿ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: قد أساءوا إلى أنفسهم بعملهم الذي عملوا في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ﴾ .
أي حلفهم الذي حلفوا: إنهم لم يتولوا أولئك اليهود جنة.
﴿ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل: صدوا أنفسهم عن سبيل الله، أو صدوا الناس عن سبيله بما ذكر.
﴿ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ .
أي: يهانون في ذلك العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً ﴾ .
يخبر أن أموالهم التي لأجلها تولوا اليهود وعاندوا المؤمنين لا تغنيهم تلك الأموال من عذاب الله شيئاً إذا نزل بهم، ثم أخبر عن شدة سفههم أنهم يحلفون في الآخرة كما يحلفون لكم في الدنيا بقوله: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾ .
ثم فيه أن الآية لا تضطر أحداً إلى الإيمان به والتوحيد؛ لأن الآية [ليست] أعظم من قيام الساعة، ثم لم يمنعهم ذلك عن الكذب والكفر به، ولا اضطرهم إلى الإيمان به، وكذلك قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ في الدنيا؛ فإذا كان ما ذكرنا، كان تأويل قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ : أنهم يؤمنون إذا شاء الله، ولا يؤمنون، وإن نزل عليهم الآيات التي ذكر، ولا آية أعظم مما ذكر من إنزال الملائكة، وإحياء الموتى، وتكليمهم أنهم على الباطل، وإن الحق هو الذي دعا رسول الله إليه؛ دل هذا كله أن الآية لا تضطر أهلها على الإيمان، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ .
قال ابن عباس - ما -: ﴿ ٱسْتَحْوَذَ ﴾ ، أي: غلبهم الشيطان.
وقال مقاتل: أي أحاط بهم.
وقال الزجاج والقتبي: أي: استولى عليهم.
وذلك كله يرجع إلى معنى واحد، وفيه أن الشيطان قد سلط عليهم حتى غلب عليهم بإجابتهم بما دعاهم إليه من معاداة الله ورسوله والمؤمنين، ولكن سلطانه على ما ذكر، وهو قوله: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ فعليهم إذا عملوا بما أراد وأجابوه إلى ما دعا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل: أي: أنساهم عظمة الله، أو نعم الله وإحسانه، أو شكر نعمه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ﴾ .
الحزب هو جمع الفرق؛ تحزبوا، أي: تفرقوا، فحزبه هو جنده كما قال أهل التأويل؛ لأنهم يصيرون فرقاً، ثم يجتمعون، فيكونون جندا له، وجند الرجل هم الذين يستعملهم فيما شاء من القتال وغيره، ويصدرون لرأيه؛ فعلى ذلك أولئك الكفرة هم جنده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ ﴾ .
لأنه مناهم في الدنيا أمورا، وأملهم تأميلات فيما اتبعوه، فلم يصلوا إلى شيء من ذلك، وفي الآخرة بقوله: أن لا بعث ولا جنة ولا نار، ولهم فيها عذاب؛ فخسروا الدارين جميعاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ ﴾ .
قيل: في الأسفلين، وقيل: في المهزومين، وقيل: في الآخرين، وقيل: هو في الآخرة؛ كقوله - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ، وأما في الدنيا فربما يكونون هم الغالبين.
ومنهم من يقول: ذلك في الدارين جميعاً هم الأذلاء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ ﴾ .
أي: قضاء الله لأغلبين، ثم قال بعضهم: ليغلبن محمد كقوله - -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ ، وفعل ذلك.
وجائز أن يكون المراد منه جملة رسله؛ كقوله - -: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، ثم الغلبة قد تكون من وجهين: أحدهما: بالحجج والبراهين، وما من رسول إلا وقد غلب على خصمانه بالحجة.
والثاني: بالقتال والحرب، وكانت العاقبة للرسل - عليهم السلام - لما لم يذكر أنه قتل رسول الله ، والله أعلم.
وإضافة الغلبة إلى نفسه؛ على إراة الرسل [و] أوليائه؛ على ما ذكرنا في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ .
قوي بذاته؛ لأنه يكون قوة من دونه، وكذلك كل من دونه بتكوينه.
أو يكون فيه بشارة لأوليائه أنه قوي عزيز بذاته: أنه ينصركم على أعدائهم ويقهرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ...
﴾ الآية.
قال عامة أهل التأويل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة؛ لأنه كان كتب إلى أهل مكة: إن رسول الله يقصد إليكم؛ فخذوا حذركم، وكان له بمكة أهل؛ فأراد أن يكون له عنددهم يد، فشعر بذلك رسول الله فقال: "ما حملك على هذا؟
فقال ما ذكرنا؛ فنزلت الآية فإن كان نزولها فيه على ما ذكروا فيه براءة من وجهين: أحدهما: أنه لم يرجع عن الإيمان والتصديق لرسول الله ، وأنه لا يعود إلى مثله بعد ذلك أبداً.
والثاني: أنه لم يقصد بصنيعه مودتهم؛ ولكن قصد إلقاء المودة إليهم؛ ليقع عندهم أنه وادهم، وهو في الحقيقة يلقي المودة، وقد يكون ذلك كقوله - -: ﴿ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ ﴾ ، والله أعلم.
وإن كانت الآية في غير حاطب فهي للمؤمنين الذين حققوا الإيمان بالله - - وثبتوا عليه؛ لأن أهل الإيمان كانوا أصنافاً ثلاثة: صنف محققون، وصنف يظهرون القتال مع أعدائهم، وصنف منهم لا يقدرون على إظهار ذلك والمناصبة معهمه، ولكن يتبعون الأقوياء منهم فأهل الصنف الثالث مترددون يوادون الكفرة في السر، ويظهرون الموافقة للمؤمنين؛ فجائز أن يكون قوله - -: ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ ، أي: الذين يحققون الإيمان بالله - - واليوم الآخر [لا] ﴿ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ ﴾ ؛ ولكن إما يوادهم من لم يحقق الإيمان؛ فيكون فيه إخبار عن إثبات الإيمان في قلوبهم كقوله - -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ ﴾ ، أي: أثبت في قلوبهم الإيمان؛ فلا يجعون عنه، وفيه أن الإيمان موضعه القلب.
وفي حرف ابن مسعود - -: (ما كان لقوم يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يوادوا من حاد الله) وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ ﴾ .
قيل :أيدهم بنور الإيمان الذي أثبت في قلوبهم، وأخبر - عز وجل - أنه أثبت المؤمنين على الإيمان ﴿ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ ﴾ ، وقال: ﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ﴾ .
وقيل: ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ ﴾ ، أي: برحمة منه.
ثم وصف ما أعد الله لهم في الآخرة فقال: ﴿ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ﴾ .
أي: جند الله، على ما ذكرنا: أنهم يأتمرون بأمره، ويقاتلون أعداءه، ويوالون أولياءه؛ فهم جند الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .
قيل: هم الناجون، وقيل: الباقون في نعم الله - - والله أعلم بالصواب.
يوم يبعثهم الله جميعًا لا يترك منهم أحدًا إلا بعثه للجزاء، فيحلفون لله ما كانوا على الكفر والنفاق، وإنما كانوا مؤمنين عاملين بما يرضي الله، يحلفون له في الآخرة كما كانوا يحلفون لكم -أيها المؤمنون- في الدنيا أنهم مسلمون، ويظنون أنهم بهذه الأيمان التي يحلفونها لله على شيء مما يجلب لهم نفعًا أو يدفع عنهم ضرًّا، ألا إنهم هم الكاذبون حقًّا في أيمانهم في الدنيا، وفي أيمانهم في الآخرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.Q3yG6"