تفسير الآية ١٠ من سورة الحشر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ١٠ من سورة الحشر

وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّۭا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ ١٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٠ من سورة الحشر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة الحشر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء ، وهم المهاجرون ثم الأنصار ، ثم التابعون بإحسان ، كما قال في آية " براءة " : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ) [ التوبة : 100 ] فالتابعون لهم بإحسان هم : المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة ، الداعون لهم في السر والعلانية ; ولهذا قال في هذه الآية الكريمة : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ) أي : قائلين : ( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا ) أي : بغضا وحسدا ( للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) وما أحسن ما استنبط الإمام مالك من هذه الآية الكريمة : أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم : ( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، حدثنا محمد بن بشر ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ، عن أبيه ، عن عائشة أنها قالت : أمروا أن يستغفروا لهم ، فسبوهم !

ثم قرأت هذه الآية : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ) الآية .

وقال إسماعيل بن علية ، عن عبد الملك بن عمير ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فسببتموهم .

سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها " .

رواه البغوي .

.

وقال أبو داود : حدثنا مسدد ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا أيوب ، عن الزهري قال : قال عمر رضي الله عنه : ( وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ) قال الزهري : قال عمر : هذه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة ، قرى عربية : فدك وكذا وكذا ، فما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وللفقراء الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ، ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ) ( والذين جاءوا من بعدهم ) فاستوعبت هذه الآية الناس ، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق - قال أيوب : أو قال : حظ - إلا بعض من تملكون من أرقائكم .

كذا رواه أبو داود ، وفيه انقطاع .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن أيوب ، عن عكرمة بن خالد ، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : قرأ عمر بن الخطاب : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) حتى بلغ ( عليم حكيم ) [ التوبة : 60 ] ، ثم قال هذه لهؤلاء ، ثم قرأ : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ) [ الأنفال : 41 ] ، ثم قال : هذه لهؤلاء ، ثم قرأ : ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ) حتى بلغ للفقراء ( والذين تبوءوا الدار والإيمان ) ( والذين جاءوا من بعدهم ) ثم قال : استوعبت هذه الآية المسلمين عامة وليس أحد إلا له فيها حق ، ثم قال : لئن عشت ليأتين الراعي - وهو بسرو حمير - نصيبه فيها ، لم يعرق فيها جبينه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) يقول تعالى ذكره: والذين جاءوا من بعد الذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأوّلين ( يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ ) من الأنصار.

وعنى بالذين جاءا من بعدهم المهاجرون أنهم يستغفرون لإخوانهم من الأنصار.

وقوله: ( وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا ) يعني غمرا وضغنا.

وقيل: عني بالذين جاءوا من بعدهم: الذين أسلموا من بعد الذين تبوّءوا الدار.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ) قال: الذين أسلموا نعتوا أيضًا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثم ذكر الله الطائفة الثالثة، فقال: ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا ) حتى بلغ ( إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) إنما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ولم يؤمروا بسبهم.

وذكر لنا أن غلامًا لحاطب بن أَبي بلتعة جاء نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا نبيّ الله ليدخلن حاطب في حيّ النار، قال: " كذبت إنه شهد بدرًا والحُديبية " وذُكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أغلظ لرجل من أهل بدر، فقال نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ لَعَلَّه قَدْ شَهِدَ مَشْهَدًا اطَّلَعَ اللهُ فِيهِ إلَى أَهْلِهِ، فأشْهَدَ مَلائِكَتَهُ إني قَدْ رَضِيتُ عَنْ عِبَادِي هَؤُلاءِ، فَلْيَعْمَلُوا ما شَاءُوا " فما زال بعضُنا منقبضا من أهل بدر، هائبًا لهم، وكان عمر رضي الله عنه يقول: وإلى أهل بدر تهالك المتهالكون، وهذا الحيّ من الأنصار، أحسن الله عليهم الثناء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله: ( وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا ) قال: لا تورث قلوبنا غلا لأحد من أهل دينك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن ابن أَبي ليلى، قال: كان الناس على ثلاث منازل: المهاجرون الأوَّلون: ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) وأحسن ما يكون أن يكون بهذه المنـزلة.

وقوله: ( لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) يقول جلّ ثناؤه مخبرًا عن قيل الذين جاءوا من بعد الذين تبوّءوا الدار والإيمان أنهم قالوا: لا تجعل في قلوبنا غلا لأحد من أهل الإيمان بك يا ربنا.

قوله: ( إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) يقول: إنك ذو رأفة بخلقك، وذو رحمة بمن تاب واستغفر من ذنوبه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيمفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : والذين جاءوا من بعدهم يعني التابعين ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة .

قال ابن أبي ليلى : الناس على ثلاثة منازل : المهاجرون ، والذين تبوءوا الدار والإيمان ، والذين جاءوا من بعدهم .

فاجهد ألا تخرج من هذه المنازل .

وقال بعضهم : كن شمسا ، فإن لم تستطع فكن قمرا ، فإن لم تستطع فكن كوكبا مضيئا ، فإن لم تستطع فكن كوكبا صغيرا ، ومن جهة النور لا تنقطع .

ومعنى هذا : كن مهاجريا .

فإن قلت : لا أجد ، فكن أنصاريا .

فإن لم تجد فاعمل كأعمالهم ، فإن لم تستطع فأحبهم واستغفر لهم كما أمرك الله .

وروى مصعب بن سعد قال : الناس على ثلاثة منازل ، فمضت منزلتان وبقيت منزلة ; فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت .

وعن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جده علي بن الحسين رضي الله عنه ، أنه جاءه رجل فقال له : يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما تقول في عثمان ؟

فقال له : يا أخي أنت من قوم قال الله فيهم : للفقراء المهاجرين الآية .

قال : لا .

قال : فوالله لئن لم تكن من أهل الآية فأنت من قوم قال الله فيهم : والذين تبوءوا الدار والإيمان الآية .

قال : لا .

قال : فوالله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجن من الإسلام وهي قوله تعالى : والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان الآية .

وقد قيل : إن محمد بن علي بن الحسين ، رضي الله عنهم ، روى عن أبيه : أن نفرا من أهل العراق جاءوا إليه ، فسبوا أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - ثم عثمان [ ص: 30 ] - رضي الله عنه - فأكثروا ; فقال لهم : أمن المهاجرين الأولين أنتم ؟

قالوا : لا .

فقال : أفمن الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ؟

فقالوا : لا .

فقال : قد تبرأتم من هذين الفريقين !

أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل : والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم قوموا ، فعل الله بكم وفعل ذكره النحاس .الثانية : هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة ; لأنه جعل لمن بعدهم حظا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم ، وأن من سبهم أو واحدا منهم أو اعتقد فيه شرا أنه لا حق له في الفيء ; روي ذلك عن مالك وغيره .

قال مالك : من كان يبغض أحدا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، أو كان في قلبه عليهم غل ، فليس له حق في فيء المسلمين ; ثم قرأ : والذين جاءوا من بعدهم الآية .الثالثة : هذه الآية تدل على أن الصحيح من أقوال العلماء قسمة المنقول ، وإبقاء العقار والأرض شملا بين المسلمين أجمعين ; كما فعل عمر رضي الله عنه ; إلا أن يجتهد الوالي فينفذ أمرا فيمضي عمله فيه لاختلاف الناس عليه وأن هذه الآية قاضية بذلك ; لأن الله تعالى أخبر عن الفيء وجعله لثلاث طوائف : المهاجرين والأنصار - وهم معلومون - والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان .

فهي عامة في جميع التابعين والآتين بعدهم إلى يوم الدين .

وفي الحديث الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال : " السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وددت أن رأيت إخواننا " .

قالوا : يا رسول الله ، ألسنا بإخوانك ؟

فقال : " بل أنتم أصحابي ، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد ، وأنا فرطهم على الحوض " .

فبين صلى الله عليه وسلم أن إخوانهم كل من يأتي بعدهم ; لا كما قال السدي والكلبي : إنهم الذين هاجروا بعد ذلك .

وعن الحسن أيضا والذين جاءوا من بعدهم من قصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد انقطاع الهجرة .الرابعة : قوله تعالى : يقولون نصب في موضع الحال ; أي قائلين .ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان فيه وجهان : أحدهما : أمروا أن يستغفروا لمن سبق هذه الأمة من مؤمني أهل الكتاب .

قالت عائشة رضي الله عنها : فأمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم .

الثاني : أمروا أن يستغفروا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار .

قال ابن عباس : أمر [ ص: 31 ] الله تعالى بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو يعلم أنهم سيفتنون .

وقالت عائشة : أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد فسببتموهم ، سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها " وقال ابن عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعن الله أشركم " .

وقال العوام بن حوشب : أدركت صدر هذه الأمة يقولون : اذكروا محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تألف عليهم القلوب ، ولا تذكروا ما شجر بينهم فتجسروا الناس عليهم .

وقال الشعبي : تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة ، سئلت اليهود : من خير أهل ملتكم ؟

فقالوا : أصحاب موسى .

وسئلت النصارى : من خير أهل ملتكم ؟

فقالوا : أصحاب عيسى .

وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم ؟

فقالوا : أصحاب محمد ، أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم ، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة ، لا تقوم لهم راية ، ولا تثبت لهم قدم ، ولا تجتمع لهم كلمة ، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وإدحاض حجتهم .

أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلة .

ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم أي حقدا وحسدا ربنا إنك رءوف رحيم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وحسب من بعدهم من الفضل أن يسير خلفهم، ويأتم بهداهم، ولهذا ذكر الله من اللاحقين، من هو مؤتم بهم وسائر خلفهم فقال: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ } أي: من بعد المهاجرين والأنصار { يَقُولُونَ } على وجه النصح لأنفسهم ولسائر المؤمنين: { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين، السابقين من الصحابة، ومن قبلهم ومن بعدهم، وهذا من فضائل الإيمان أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين التي من فروعها أن يدعو بعضهم لبعض، وأن يحب بعضهم بعضا.ولهذا ذكر الله في الدعاء نفي الغل عن القلب، الشامل لقليل الغل وكثيره الذي إذا انتفى ثبت ضده، وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح، ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين.فوصف الله من بعد الصحابة بالإيمان، لأن قولهم: { سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } دليل على المشاركة في الإيمان وأنهم تابعون للصحابة في عقائد الإيمان وأصوله، وهم أهل السنة والجماعة، الذين لا يصدق هذا الوصف التام إلا عليهم، ووصفهم بالإقرار بالذنوب والاستغفار منها، واستغفار بعضهم لبعض، واجتهادهم في إزالة الغل والحقد عن قلوبهم لإخوانهم المؤمنين، لأن دعاءهم بذلك مستلزم لما ذكرنا، ومتضمن لمحبة بعضهم بعضا، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه وأن ينصح له حاضرا وغائبا، حيا وميتا، ودلت الآية الكريمة [على] أن هذا من جملة حقوق المؤمنين بعضهم لبعض، ثم ختموا دعاءهم باسمين كريمين، دالين على كمال رحمة الله وشدة رأفته وإحسانه بهم، الذي من جملته، بل من أجله، توفيقهم للقيام بحقوق الله وحقوق عباده.فهؤلاء الأصناف الثلاثة هم أصناف هذه الأمة، وهم المستحقون للفيء الذي مصرفه راجع إلى مصالح الإسلام.وهؤلاء أهله الذين هم أهله، جعلنا الله منهم، بمنه وكرمه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( والذين جاءوا من بعدهم ) يعني التابعين وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان والمغفرة فقال : ( يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا ) غشا وحسدا وبغضا ( للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة ولم يترحم على جميعهم فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية لأن الله تعالى رتب المؤمنين على ثلاثة منازل : المهاجرين والأنصار والتابعين الموصوفين بما ذكر الله فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجا من أقسام المؤمنين .

قال ابن أبي ليلى : الناس على ثلاثة منازل : الفقراء المهاجرين والذين تبوءوا الدار والإيمان والذين جاءوا من بعدهم فاجتهد أن لا تكون خارجا من هذه المنازل .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرنا عبد الله بن حامد أخبرنا أحمد بن عبد الله بن سليمان حدثنا ابن نمير حدثنا أبي عن إسماعيل بن إبراهيم عن عبد الملك بن عمير عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت : أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فسببتموهم سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها " .

وقال مالك بن مغول : قال عامر بن شراحيل الشعبي : يا مالك تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة [ بخصلة ] سئلت اليهود : من خير أهل ملتكم فقالت : أصحاب موسى عليه السلام .

وسئلت النصارى : من خير أهل ملتكم فقالوا : حواري عيسى عليه السلام .

وسئلت الرافضة : من شر أهل ملتكم فقالوا : أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة لا تقوم لهم راية ولا يثبت لهم قدم ولا تجتمع لهم كلمة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم وإدحاض حجتهم أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلة .

قال مالك بن أنس : من يبغض أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين ثم تلا " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى " حتى أتى على هذه الآية : " للفقراء المهاجرين والذين تبوءوا الدار والإيمان والذين جاءوا من بعدهم " إلى قوله : رءوف رحيم " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين جاءُوا من بعدهم» من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة «يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا» حقدا «للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين جاؤوا من المؤمنين من بعد الأنصار والمهاجرين الأولين يقولون: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، واغفر لإخواننا في الدين الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا حسدًا وحقدًا لأحد من أهل الإيمان، ربنا إنك رؤوف بعبادك، رحيم بهم.

وفي الآية دلالة على أنه ينبغي للمسلم أن يذكر سلفه بخير، ويدعو لهم، وأن يحب صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويذكرهم بخير، ويترضى عنهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم مدح - سبحانه - كل من سار على نهج المهاجرين والأنصار فى قوة الإيمان ، وفى طهارة القلب ، وسماحة النفس فقال - تعالى - : ( والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ .

.

) عطف عند الأكثرين أيضا على المهاجرين ، والمراد بهؤلاء : قيل : الذين هاجروا حين قوة الإسلام ، فالمجىء حسى ، وهو مجيئهم إلى المدينة ، وضمير من بعدهم ، للمهاجرين الأولين .وقيل هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ، فالمجىء إما إلى الوجود أو إلى الايمان وضمير ( مِن بَعْدِهِمْ ) للفريقين : المهاجرين والأنصار .وهذا هو الذى يدل عليه كلام عمر - رضى الله عنه - وكلام كثير من السلف كالصريح فيه ، فالآية قد استوعبت جميع المؤمنين .ويبدو لنا أن هذا الرأى الثانى ، وهو كون الذين جاءوا من بعدهم يشمل المؤمنين الصادقين جميعا ، أقرب إلى الصواب ، لأنهم هم التابعون بإحسان للمهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة ، كما قال - تعالى - : ( والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ .

.

.

) وعليه يكون المعنى : والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار ، واتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة ( يَقُولُونَ ) على سبيل الدعاء لأنفسهم ولإخوانهم فى العقيدة ، ( رَبَّنَا اغفر لَنَا ) أى : يا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ، واغفر ، لإخواننا فى الدين ( الذين سَبَقُونَا بالإيمان ) فهم أسبق منا إلى الخير والفضل .

.

( وَلاَ تَجْعَلْ ) يا ربنا ( فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ ) أى : حسدا وحقدا ( لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ) أى : يا ربنا لا تجعل فى قلوبنا أى غل أو حسد لإخواننا المؤمنين جميعا .( رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) أى : يا ربنا إنك شديد الرأفة بعبادك واسع الرحمة بهم .وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أن من حق الصحابة - رضى الله عنهم - على من جاءوا بعدهم ، أن يدعوا لهم ، وأن ينزلوهم فى قلوبهم منزلة الاحترام والتبجيل والتكريم .

.ورحم الله الإمام القرطبة فقد أفاض فى بيان هذا المعنى ، فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ .

.

.

) يعنى التابعين ، ومن دخل فى الإسلام إلى يوم القيامة .قال ابن أبى ليلى : الناس على ثلاثة منازل : المهاجرون ، والذين تبوأوا الدار والإيمان ، والذين جاءوا من بعدهم ، فاجتهد ألا تخرج من هذه المنازل .وهذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة .

.وقال الإمام الرازى : واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين لأنهم إما المهاجرون ، أو الأنصار ، أو الذين جاءوا من بعدهم ، وبين أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار ، أن يذكر السابقين ، وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء والرحمة ، فمن لم يكن كذلك ، بل ذكرهم بسوء كان خارجا من جملة أقسام المؤمنين ، بحسب نص هذه الآية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ والذين جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ عطف أيضاً على المهاجرين وهم الذين هاجروا من بعد، وقيل: التابعون بإحسان وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، وذكر تعالى أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان، وهو قوله: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا ولإخواننا الذين سَبَقُونَا بالإيمان وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ أي غشاً وحسداً وبغضاً.

واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين لأنهم إما المهاجرون أو الأنصار أو الذين جاءوا من بعدهم، وبين أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء والرحمة فمن لم يكن كذلك بل ذكرهم بسوء كان خارجاً من جملة أقسام المؤمنين بحسب نص هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ ﴾ عطف أيضاً على المهاجرين: وهم الذين هاجروا من بعد.

وقيل: التابعون بإحسان ﴿ غِلاًّ ﴾ وقرئ: ﴿ غمرا ﴾ وهما الحقد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ ﴾ عَطْفٌ عَلى المُهاجِرِينَ، والمُرادُ بِهِمُ الأنْصارُ الَّذِينَ ظَهَرَ صِدْقُهم فَإنَّهم لَزِمُوا المَدِينَةَ والإيمانَ وتَمَكَّنُوا فِيهِما، وقِيلَ: المَعْنى تَبَوَّءُوا دارَ الهِجْرَةِ ودارَ الإيمانِ فَحَذَفَ المُضافَ مِنَ الثّانِي والمُضافَ إلَيْهِ مِنَ الأوَّلِ وعَوَّضَ عَنْهُ اللّامَ، أوْ تَبَوَءُّوا الدّارَ وأخْلَصُوا الإيمانَ كَقَوْلِهِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا.

وَقِيلَ: سَمّى المَدِينَةَ بِالإيمانِ لِأنَّها مَظْهَرُهُ ومَصِيرُهُ.

﴿ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِن قَبْلِ هِجْرَةِ المُهاجِرِينَ.

وقِيلَ: تَقْدِيرُ الكَلامِ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ مِن قَبْلِهِمْ والإيمانَ.

﴿ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ﴾ ولا يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ ﴾ في أنْفُسِهِمْ.

﴿ حاجَةً ﴾ ما تَحْمِلُ عَلَيْهِ الحاجَةُ كالطَّلَبِ والحَزّازَةِ والحَسَدِ والغَيْظِ.

﴿ مِمّا أُوتُوا ﴾ مِمّا أُعْطِيَ المُهاجِرُونَ مِنَ الفَيْءِ وغَيْرِهِ.

﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ ويُقَدِّمُونَ المُهاجِرِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ حَتّى إنَّ مَن كانَ عِنْدَهُ امْرَأتانِ نَزَلَ عَنْ واحِدَةٍ وزَوَّجَها مِن أحَدِهِمْ.

﴿ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ﴾ حاجَةٌ مِن خَصاصِ البِناءِ وهي فُرْجَةٌ.

﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ حَتّى يُخالِفَها فِيما يَغْلِبُ عَلَيْها مِن حُبِّ المالِ وبُغْضِ الإنْفاقِ.

﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ الفائِزُونَ بِالثَّناءِ العاجِلِ والثَّوابِ الآجِلِ.

﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ هُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا حِينَ قَوِيَ الإسْلامُ، أوِ التّابِعُونَ بِإحْسانٍ وهُمُ المُؤْمِنُونَ بَعْدَ الفَرِيقَيْنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ.

﴿ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ﴾ أيْ لِإخْوانِنا في الدِّينِ، ﴿ وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ حِقْدًا لَهم.

﴿ رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ فَحَقِيقٌ بِأنْ تُجِيبَ دُعاءَنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والذين جاؤوا مِن بَعْدِهِمْ} عطف أيضاً على المهاجرين وهم الذين هاجروا من بعد وقيل التابعون بإحسان وقيل من بعدهم إلى يوم القيامة قال عمر رضى الله عنه دخل في هذا الفيء كل من هو مولود إلى يوم القيامة في الإسلام فجعل الواو للعطف فيهما وقرئ لِلَّذِينَ فيهما {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} قيل هم المهاجرين

والأنصار عائشة رضى الله عنها أمروا بأن يستغفروا لهم فسبوهم {وَلاَ تَجْعَلْ في قلوبنا غلا} حقدا {للذين آمنوا} يعنى الصحابة {ربنا إنك رؤوف رحيم} وقيل لسعيد بن أبى المسيب ما تقول في عثمان وطلحة والزبير قال أقول ما قولنيه الله وتلى هذه الآية ثم عجب نبيه بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ عَطْفٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ أيْضًا عَلى المُهاجِرِينَ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ قِيلَ: الَّذِينَ هاجَرُوا حِينَ قَوِيَ الإسْلامُ، فالمَجِيءُ حِسِّيٌّ وهو مَجِيئُهم إلى المَدِينَةِ، وضَمِيرُ ﴿ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ لِلْمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ بَعْدَ الفَرِيقَيْنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فالمَجِيءُ إمّا إلى الوُجُودِ أوْ إلى الإيمانِ، وضَمِيرُ ﴿ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ لِلْفَرِيقَيْنِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهَذا هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَلامُ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ كالصَّرِيحِ فِيهِ، فالآيَةُ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ ﴾ إلَخْ حالِيَّةٌ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ ﴿ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا ﴾ أيْ في الدِّينِ الَّذِي هو أعَزُّ وأشْرَفُ عِنْدَهم مِنَ النَّسَبِ ﴿ الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ﴾ وصَفُوهم بِذَلِكَ اعْتِرافًا بِفَضْلِهِمْ ﴿ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا ﴾ أيْ حِقْدًا، وقُرِئَ غَمْرًا ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ عَلى الإطْلاقِ ﴿ رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ أيْ مَبالِغٌ في الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ.

فَحَقِيقٌ بِأنْ تُجِيبَ دُعاءَنا، وفي الآيَةِ حَثٌّ عَلى الدُّعاءِ لِلصَّحابَةِ وتَصْفِيَةُ القُلُوبِ مِن بُغْضِ أحَدٍ مِنهم، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: أُمِرُوا أنَّ يَسْتَغْفِرُوا لِأصْحابِ النَّبِيِّ  فَسَبُّوهم ثُمَّ قَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ والَّذِينَ جاءُوا ﴾ إلَخْ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا وهو يَتَناوَلُ بَعْضَ المُهاجِرِينَ فَدَعاهُ فَقَرَأ عَلَيْهِ ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: هَؤُلاءِ المُهاجِرُونَ أفَمِنهم أنْتَ ؟

قالَ: لا، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: هَؤُلاءِ الأنْصارُ أفَمِنهم أنْتَ ؟

قالَ: لا، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: أفَمِن هَؤُلاءِ أنْتَ ؟

قالَ: أرْجُو قالَ: لا واللَّهِ لَيْسَ مِن هَؤُلاءِ مَن سَبَّ هَؤُلاءِ.

وفِي رِوايَةٍ أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَلَغَهُ أنَّ رَجُلًا نالَ مِن عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَدَعاهُ فَقَرَأ عَلَيْهِ الآياتِ وقالَ لَهُ ما قالَ، وقالَ الإمامُ مالِكٌ: مَن كانَ لَهُ في أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قَوْلٌ سَيِّئٌ أوْ بُغْضٌ فَلا حَظَّ لَهُ في الفَيْءِ أخْذًا مِن هَذِهِ الآيَةِ، وفِيها ما يَدُلُّ عَلى ذَمِّ الغِلِّ لِأحَدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ««أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: في أيّامٍ ثَلاثَةٍ يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَطَلَعَ فِيها رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَباتَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ ثَلاثَ لَيالٍ مُسْتَكْشِفًا حالَهُ فَلَمْ يَرَ لَهُ كَثِيرَ عَمَلٍ فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ فَقالَ لَهُ: ما هو إلّا ما رَأيْتَ غَيْرَ أنِّي لا أجِدُ في نَفْسِي غِلًّا لِأحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ولا أحْسُدُهُ عَلى خَيْرٍ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وهي الَّتِي لا نُطِيقُ» - وفي رِوايَةٍ - أنَّهُ قالَ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا لِي فَأُخِذَتْ مِنِّي لَمْ أحْزَنْ عَلَيْها ولَوْ أُعْطِيتَها لَمْ أفْرَحْ بِها وأبِيتُ ولَيْسَ في قَلْبِي غِلٌّ عَلى أحَدٍ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَكِنِّي أقُومُ اللَّيْلَ وأصُومُ النَّهارَ ولَوْ وُهِبَتْ لِي شاةٌ لَفَرِحْتُ بِها ولَوْ ذَهَبَتْ لَحَزِنْتُ عَلَيْها واللَّهِ لَقَدْ فَضَّلَكَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا فَضْلًا بَيِّنًا» هَذا وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا ﴾ إلَخْ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةَ ﴿ يُحِبُّونَ ﴾ إلَخْ خَبَرُهُ، والكَلامُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِمَدْحِ الأنْصارِ، وجُوِّزَ كَوْنُ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى ”أُولَئِكَ“ فَيُفِيدُ شَرِكَةَ الأنْصارِ لِلْمُهاجِرِينَ في الصِّدْقِ، وجُمْلَةُ ﴿ يُحِبُّونَ ﴾ إلَخْ إمّا اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِصِدْقِهِمْ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ تَبَوَّءُوا ﴾ وإلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا ﴾ إلَخْ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ يَقُولُونَ ﴾ إلَخْ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مَسُوقَةٌ لِمَدْحِ هَؤُلاءِ بِمَحَبَّتِهِمْ مَن تَقَدَّمَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُراعاتِهِمْ لِحُقُوقِ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ والسَّبَقِ بِالإيمانِ كَما أنَّ ما عُطِفَتْ عَلَيْهِ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِمَدْحِ الأنْصارِ.

واسْتُدِلَّ لِعَدَمِ عَطْفِ ”الَّذِينَ تَبَوَّءوا“ عَلى ﴿ المُهاجِرِينَ ﴾ بِما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَسَّمَ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ عَلى المُهاجِرِينَ ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ إلّا ثَلاثَةً كَما تَقَدَّمَ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم: إنَّ شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ لِلْمُهاجِرِينَ مِن أمْوالِكم ودِيارِكم وشارَكْتُمُوهم مِن هَذِهِ الغَنِيمَةِ وإنْ شِئْتُمْ كانَتْ لَكم دِيارُكم وأمْوالُكم ولَمْ يُقْسَمْ لَكم شَيْءٌ مِنَ الغَنِيمَةِ فَقالُوا: بَلْ نَقْسِمُ لَهُمْ- أيْ لِلْمُهاجِرِينَ - مِن أمْوالِنا ودِيارِنا ونُؤْثِرُهم بِالغَنِيمَةِ ولا نُشارِكُهم فِيها»» فَنَزَلَتِ الآيَةُ ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ ﴾ إلى آخِرِهِ، وبَعْضُ القائِلِينَ بِالعَطْفِ يَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِحُكْمِ الأخْماسِ الأرْبَعَةِ عَلى مَعْنى أنَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَعُمَّ النّاسَ بِها حَسَبَ اخْتِيارِهِ وأنَّ الأنْصارَ مَصْرِفٌ مِنَ المَصارِفِ، ولَكِنْ قَدِ اخْتارَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَكُونَ إعْطاؤُهم بِالشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم، وهُمُ اخْتارُوا ما اخْتارُوا إيثارًا مِنهم، وذَلِكَ لا يُخْرِجُهم عَنْ كَوْنِهِمْ مَصْرِفًا بَلْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ رَمْزٌ إلَيْهِ عَلى أنَّ في الأخْبارِ ما هو أصَحُّ وأصْرَحُ في الدَّلالَةِ عَلى عَطْفِهِمْ عَلى ما تَقَدَّمَ، وأنَّهم يُعْطَوْنَ مِنَ الفَيْءِ، وكَذا عَطْفُ -الَّذِينَ جاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ - فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ حَيّانَ وغَيْرُهم عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ - أيْ في قَضاءٍ بَيْنَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعَمِّهِ العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في فَدَكٍ، وقَدْ كانَ عُمَرُ دَفَعَها إلَيْهِما وأخَذَ عَلَيْهِما عَهْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنْ يَعْمَلا فِيها بِما كانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْمَلُ بِهِ فِيها فَتَنازَعا - إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهُ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مِن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ثُمَّ واللَّهِ ما أعْطاها هَؤُلاءِ وحْدَهم حَتّى قالَ تَعالى: ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهِ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ﴾ ، ثُمَّ واللَّهِ ما جَعَلَها لِهَؤُلاءِ وحْدَهم حَتّى قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَحِيمٌ ﴾ فَقَسَمَها هَذا القَسْمَ عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَ، ولَئِنْ بَقِيتُ لَيَأْتِيَنَّ الرُّوَيْعِيَّ بِصَنْعاءَ حَقُّهَ ودَمُهُ في وجْهِهِ، وظاهِرُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي أنَّ لِلْمُهاجِرِينَ سَهْمًا غَيْرُ السِّهامِ السّابِقَةِ فَلا يَكُونُ ﴿ لِلْفُقَراءِ ﴾ بَدَلًا مِن - لِذِي القُرْبى - وما بَعْدَهُ ولا مِمّا بَعْدَهُ دُونَهُ، وكَذا ظاهِرُ ما في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنِ الأعْمَشِ - ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ - عَلى أنَّ الإبْدالَ يَقْتَضِي ظاهِرًا كَوْنَ اليَتامى مُهاجِرِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ إلى آخِرِ الصِّفاتِ، وفي صِدْقِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بَعْدُ، وكَذا يَقْتَضِي كَوْنَ ابْنِ السَّبِيلِ كَذَلِكَ، وفِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ أيْضًا كَما لا يَخْفى فَلَعَلَّهُ اعْتَبَرَ تَعَلُّقَهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الخُمُسَ يُصْرَفُ لِمَن تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ انْقَدَحَ في أذْهانِهِمْ أنَّ المَذْكُورِينَ مَصْرِفُ الخُمُسِ ولَمْ يَعْلَمُوا مَصْرِفَ الأخْماسِ الأرْبَعَةِ الباقِيَةِ فَكَأنَّهم قالُوا: فَلِمَن تَكُونُ الأخْماسُ الأرْبَعَةُ الباقِيَةُ أوْ فَلِمَن يَكُونُ الباقِي ؟

فَقِيلَ: تَكُونُ الأخْماسُ الأرْبَعَةُ الباقِيَةُ أوْ يَكُونُ الباقِي ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ ﴾ إلى آخِرِهِ ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ فَتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى أحْسَنِ المَسالِكِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، يعني: ما أعطى الله ورسوله من بني النضير وذلك أنهم طلبوا من النبي  أن يقسم أموالهم بين جميع المسلمين كما قسم أموال بدر، فلم يفعل النبيّ  ، وقسم بين فقراء المهاجرين، فنزل وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ يعني: ما أعطى الله ورسوله من أموال بني النضير فَما أَوْجَفْتُمْ يعني: ما أجريتم عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ، يعني: لا على خيل ولا على إبل أتيتم، بل إنكم مشيتم مشيا حتى فتحتموها.

ويقال: أوجف الفرس والبعير، إذا أسرعا يعني: لم يكن عن غزوة أوجفتم خيلا ولا ركابا.

وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ يعني: محمدا  عَلى مَنْ يَشاءُ من بني النضير.

وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من النصرة والغنيمة.

ثم بين لمن يعطي تلك الغنائم، فقال: مَّآ أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى، يعني: من بني النضير وفدك ويقال: بني قريظة والنضير وخيبر.

فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، يعني: لله أن يأمركم فيه بما أحب.

وروى عبد الرازق، عن معمر، عن الزهري قال: كانت بنو النضير للنبي  خالصا، لم يفتحوها عنوة ولكن افتتحوها على صلح، فقسمها بين المهاجرين.

ثم قال: وَلِذِي الْقُرْبى، يعني: قرابة الرسول  .

وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.

وروى مالك بن أنس، عن عمر قال: كانت للنبي  ثلث صفايا بني النضير وخيبر وفدك.

فأما بنو النضير، فكانت حبسا لنوائبه.

وأما فدك، فكانت لابن السبيل.

وأما خيبر، فجزأها ثلاثة أجزاء، فقسم جزأين بين المسلمين، وحبس جزءا للنفقة.

فما فضل عن أهله، رده إلى فقراء المسلمين.

ثم قال: كَيْ لا يَكُونَ، المال.

دُولَةً.

قرأ أبو جعفر المدني دُولَةً بالضم وجعله اسم يكون وقراءة العامة بالنصب، يعني: لكي لا يكون دولة.

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي دُولَةً بنصب الدال، والباقون بالضم.

فمن قرأ بالضم، فهو اسم المال الذي يتداول، فيكون مرة لهذا ومرة لهذا.

وأما النصب، فهو النقل والانتقال من حال إلى حال.

بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ، يعني: لكيلا يغلب الأغنياء على الفقراء، ليقسمونه بينهم.

ثم قال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، يعني: ما أعطاكم النبيّ  من الغنيمة فخذوه، وما أمركم الرسول فاعملوا به، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا يعني: فامتنعوا عنه.

وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصاه.

ثم ذكر أن الفيء للمهاجرين، فقال تعالى لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ، يعني: الغنائم للفقراء المهاجرين، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ، يعني: تركوا أموالهم وديارهم في بلادهم، وهاجروا إلى النبيّ  .

ويقال: هذا ابتداء ومعناه عليكم بالفقراء المهاجرين، يعني: اعرفوا حقهم وصلوهم، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني: أخرجهم أهل مكة من ديارهم وأموالهم.

يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، يعني: يطلبون رزقا في الجنة ورضوان الله تعالى، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يعني: يطيعون الله فيما أمرهم بطاعته.

أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ يعني: الصادقين في إيمانهم فطابت أنفس الأنصار بذلك، فقالوا: هذا كله لهم وأموالنا أيضا لهم.

فأثنى الله تعالى على الأنصار، فقال عز وجل: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: استوطنوا الدار يعني: دار المدينة من قبل هجرتهم، يعني: نزلوا دار الهجرة في المدينة والإيمان، يعني: تبوءوا الإيمان، أي كانوا مؤمنين من قبل أن هاجر إليهم النبي  وأصحابه.

قال الله تعالى: يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ.

يعني: يحبون من يقدم إليهم من المؤمنين، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، يعني: لا يكون في قلوبهم حسدا مما أعطوا، يعني: المهاجرين.

ويقال: حاجة يعني: حزازة، وهو الحزن ويقال: ولا يجدون في صدورهم بخلا وكراهة بما أعطوا.

وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ في القسمة يعني: الغنيمة، يعني: تركوها للمهاجرين.

وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ يعني: حاجة.

وروى وكيع، عن فضيل بن عمران، عن أبي هريرة-  - إن رجلا من الأنصار نزل به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفئي السراج، وقربي إلى الضيف ما عندك، فنزل وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.

ويقال: إن رجلا من الأنصار أهدي له برا من مشوي، فقال: لعل جاري أحوج مني، فبعث إليه.

ثم إن جاره بعثه إلى آخر، فطاف سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول، فنزل وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ قال الله تعالى وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ يعني: ومن يمنع بخل نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني: الناجين.

وروى وكيع بإسناده، عن النبيّ  أنه قال «بريء من الشح من أدى الزكاة وأقرى الضيف وأعطى في النائبة» .

وقد أثنى الله تعالى على المهاجرين وعلى الأنصار، ثم أثنى على الذين من بعدهم على طريقتهم، فقال: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني: التابعين، ويقال: يعني: الذين هاجروا من بعد الأولين.

يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ يعني: أظهروا الإيمان قبلنا، يعني: المهاجرين والأنصار.

وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا يعني: غشا وحسدا وعداوة لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ يعني: رحيم بعبادك المؤمنين.

وفي الآية دليل: أن من ترحم على الصحابة واستغفر لهم، ولم يكن في قلبه غل لهم، فله حظ في المسلمين، وله أجر مثل أجر الصحابة.

ومن شتم أو لم يترحم عليهم، أو كان في قلبه غل لهم، ليس له حظ في المسلمين، لأنه ذكر للمهاجرين فيه حظ، ثم ذكر الأنصار، ثم ذكر الذين جاءوا من بعدهم، وقد وصفهم الله بصفة الأولين، إذ دعا لهم وفي الآية دليل: أن الواجب على المؤمنين أن يستغفروا لإخوانهم الماضين، وينبغي للمؤمنين أن يستغفروا لآبائهم ولمعلميهم الذين علموهم أمور الدين.

ثم نزل في شأن المنافقين: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: مَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى ...

الآية: أهل القرى في هذه الآية: هم أهل الصفراء والينبوع ووادي القرى وما هنالك من قرى العرب، وذلك أَنَّها فُتِحَتْ في ذلك الوقت من غير إيجاف، وأعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جميعَ ذلك للمهاجرين، ولم يحبس منها لنفسه شيئاً، ولم يعط الأنصار شيئاً لغناهم، والقُرْبَى في الآية: قرابته صلّى الله عليه وسلّم مُنِعُوا الصدقةَ فَعُوِّضُوا من الفيء.

وقوله سبحانه: كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ: مخاطبة للأنصار لأَنَّهُ لم يكن في المهاجرين في ذلك الوقت غَنِيٌّ، والمعنى: كي لا يتداول ذلك المالَ الأغنياءُ بتصرفاتهم، ويبقى المساكينُ بلا شيءٍ، وقد مضى القولُ في الغنائم في سورة الأنفال، ورُوِيَ أَنَّ قوماً من الأنصار تكلّموا في هذه القرى المفتحة، وقالوا: لنا منها سَهْمُنَا، فنزل قوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ...

الآية: فَرَضُوا بذلك، ثم اطَّرَدَ بعد معنى الآية في أوامر النبي صلّى الله عليه وسلّم ونواهيه، حَتَّى قال قوم: إنَّ الخمر مُحَرَّمَةٌ في كتاب اللَّه بهذه الآية، وانتزع منها ابن مسعود لعنة الواشمة، الحديث «١» .

ت: وبهذا المعنى يحصل التعميم للأشياء في قوله تعالى: مَّا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] .

لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)

وقوله تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ: بيان لقوله: وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وكرر لام الجر، لما كانت الجملة الأولى مجرورةً باللام ليبيِّنَ أَنَّ البدل إنَّما هو منها، ثم/ وصفهم تعالى بالصفة التي تقتضي فقرهم، وتُوجِبُ الشفقة عليهم، وهي إخراجهم من ديارهم وأموالهم يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً: يريد به الآخرة والجنة: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ أي: في الأقوال والأفعال والنِّيَّاتِ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ: هم الأنصار- رضي اللَّه عن جميعهم-، والضمير في مِنْ قَبْلِهِمْ للمهاجرين، والدار هي المدينة، والمعنى:

تبوؤوا الدار مع الإيمان، وبهذا الاقتران يتضح معنى قوله تعالى: مِنْ قَبْلِهِمْ فتأمله، قال- ص-: وَالْإِيمانَ منصوب بفعل مُقَدَّرٍ، أي: واعتقدوا الإيمان، فهو من عطف

الجمل كقوله: [من الرجز]

عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً ...

......

انتهى، وقيل غير هذا، وأثنى اللَّه تعالى في هذه الآية على الأنصار بِأَنَّهُمْ يحبون المهاجرين، وبأَنَّهم يؤثرون على أنفسهم، وبأَنَّهم قد وُقُوا شُحَّ أنفسهم.

ت: وروى الترمذيُّ عن أنس قال: «لمّا قدم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم المَدِينَةَ أَتَاهُ المُهَاجِرُونَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا قَوْماً أَبْذَلَ لِكَثِيرٍ وَلاَ أَحْسَنَ مُوَاساةً في قلِيلٍ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أظهرهم لقد كفونا المئونة، وَأَشْرَكُونَا في الْمِهْنَةِ، حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يذهبوا بالأجر كلّه، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لاَ، مَا دَعَوتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ» «١» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، انتهى، والحاجة: الحسد في هذا الموضع قاله الحسن «٢» ، ثم يَعُمُّ بعدُ وُجُوهاً، وقال الثعلبيُّ: حاجَةً أي: حَزَازَةً، وقيل: حسداً مِمَّا أُوتُوا أي: مما أعطي المهاجرون من أموال بَنِي النضير والقرى، انتهى.

وقوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ: صفة للأنصار، وجاء الحديث الصحيح من غير ما طريق، أَنَّها نزلت/ بسبب رجل من الأنصار وصنيعه مع ضيفِ رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم إذْ نَوَّمَ صبيانه، وَقَدَّمَ للضيف طعامَه، وأطفأتْ أهلُه السراجَ، وأوهما الضيفَ أَنَّهُمَا يأكلان معه، وباتا طاويين فلمَّا غدا الأنصاريُّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال له: «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ فِعْلِكُمَا الْبَارِحَةَ» «٣» ونزلت الآية في ذلك، قال صاحب «سلاح المؤمن» : الرجل الأنصاريّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﴾ أيْ: ما رَدَّ عَلَيْهِمْ ﴿ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي: مَن بَنِي النَّضِيرِ ﴿ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإيجافُ.

الإيضاعُ، والرِّكابُ: الإبِلُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: وجَفَ الفَرَسُ والبَعِيرُ، وأوْجَفْتُهُ، ومِثْلُهُ: الإيضاعُ، وهو الإسْراعُ في السَّيْرِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لا شَيْءَ لَكم في هَذا، إنَّما هو لِرَسُولِ اللَّهِ  خاصَّةً.

قالَ المُفَسِّرُونَ: طَلَبَ المُسْلِمُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ  أنْ يُخَمِّسَ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا أُجْلُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تُبَيِّنُ أنَّها فَيْءٌ لَمْ تَحْصُلْ لَهم بِمُحارَبَتِهِمْ، وإنَّما هو بِتَسْلِيطِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَهو لَهُ خاصَّةٌ، يَفْعَلُ فِيهِ ما يَشاءُ، فَقَسَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ  بَيْنَ المُهاجِرِينَ، ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ مِنهُ شَيْئًا، إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ كانَتْ بِهِمْ حاجَةٌ، وهُمْ: أبُو دُجانَةَ، وسَهْلُ بْنُ حَنِيفٍ، والحارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ الفَيْءِ فَقالَ تَعالى: ﴿ ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى ﴾ أيْ: مِن أمْوالِ كُفّارِ أهْلِ القُرى ﴿ فَلِلَّهِ ﴾ أيْ: يَأْمُرُكم فِيهِ بِما أحَبَّ، ﴿ وَلِرَسُولِهِ ﴾ بِتَحْلِيلِ اللَّهِ إيّاهُ.

وقَدْ ذَكَرْنا ﴿ ذَوِي القُرْبى واليَتامى ﴾ في [الأنْفالِ: ٤١] وذَكَرْنا هُناكَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَيْءِ والغَنِيمَةِ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ: أنَّ المُرادَ بِالفَيْءِ ها هُنا: الغَنِيمَةُ الَّتِي يَأْخُذُها المُسْلِمُونَ مِن أمْوالِ الكافِرِينَ عَنْوَةً، وكانَتْ في بُدُوِّ الإسْلامِ لِلَّذِينِ سَمّاهُمُ اللَّهُ ها هُنا دُونَ الغالِبِينَ المُوجِفِينَ عَلَيْها، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى في [الأنْفالِ: ٤١] ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ.

.

.

﴾ الآيَةُ، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ ويَزِيدَ بْنِ رُومانَ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذا الفَيْءَ: ما أُخِذَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ ما لَمْ يُوجَفْ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، كالصُّلْحِ، والجِزْيَةِ، والعُشُورِ، ومالِ مَن ماتَ مِنهم في دارِ الإسْلامِ ولا وارِثَ لَهُ، فَهَذا كانَ يُقَسَّمُ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ  خَمْسَةَ أخْماسٍ، فَأرْبَعَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  يَفْعَلُ بِها ما يَشاءُ، والخُمُسُ الباقِي لِلْمَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيما يُصْنَعُ بِسَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ  بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى ما بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٤١] فَعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُثْبِتَةً لِحُكْمِ الفَيْءِ والَّتِي في [الأنْفالِ: ٤١] مُثْبِتَةً لِحُكْمِ الغَنِيمَةِ فَلا يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْ لا يَكُونَ ﴾ يَعْنِي: الفَيْءُ "دُولَةً" وهو اسْمٌ لِلشَّيْءِ يَتَداوَلُهُ القَوْمُ.

والمَعْنى: لِئَلّا يَتَداوَلَهُ الأغْنِياءُ بَيْنَهم فَيَغْلِبُوا الفُقَراءَ عَلَيْهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الدُّولَةُ: اسْمُ الشَّيْءِ يُتَداوَلُ.

والدَّوْلَةُ، بِالفَتْحِ: الفِعْلُ والِانْتِقالُ مِن حالٍ إلى حالٍ ﴿ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ ﴾ مِنَ الفَيْءِ ﴿ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ ﴾ عَنْ أخْذِهِ ﴿ فانْتَهُوا ﴾ وهَذا نَزَلَ في أمْرِ الفَيْءِ، وهو عامٌّ في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ، ونَهى عَنْهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: ثُمَّ بَيَّنَ مَنِ المَساكِينُ الَّذِينَ لَهُمُ الحَقُّ؟، فَقالَ تَعالى: ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِهِمُ المُهاجِرِينَ ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ: رِزْقًا يَأْتِيهِمْ ﴿ وَرِضْوانًا ﴾ رِضى رَبِّهِمْ حِينَ خَرَجُوا إلى دارِ الهِجْرَةِ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ﴾ في إيمانِهِمْ.

ثُمَّ مَدَحَ الأنْصارَ حِينَ طابَتْ أنْفُسُهم عَنِ الفَيْءِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ ﴾ يَعْنِي: دارَ الهِجْرَةِ، وهي المَدِينَةُ ﴿ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فِيها تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدّارَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: مِن قَبْلِ المُهاجِرِينَ، والإيمانُ عُطِفَ عَلى "الدّارِ" في الظّاهِرِ، لا في المَعْنى، لِأنَّ "الإيمانَ" لَيْسَ بِمَكانٍ يُتَبَوَّأُ، وإنَّما تَقْدِيرُهُ: وآثَرُوا الإيمانَ، وإسْلامُ المُهاجِرِينَ قَبْلَ الأنْصارِ، وسُكْنى الأنْصارِ المَدِينَةَ قَبْلَ المُهاجِرِينَ.

وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، والمَعْنى: تَبَوَّؤُوا الدّارَ والإيمانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ ﴿ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم شارَكُوهم في مَنازِلِهِمْ، وأمْوالِهِمْ ﴿ وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً ﴾ أيْ: حَسَدًا وغَيْظًا مِمّا أُوتِيَ المُهاجِرُونَ.

وَفِيما أُوتُوهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مالُ الفَيْءِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقَدْ ذَكَرْنا آنِفًا أنَّ النَّبِيَّ  قَسَّمَ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ بَيْنَ المُهاجِرِينَ، ولَمْ يُعْطِ مِنَ الأنْصارِ غَيْرَ ثَلاثَةِ نَفَرٍ.

والثّانِي: الفَضْلُ والتَّقَدُّمُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ بِأمْوالِهِمْ ومَنازِلِهِمْ ﴿ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ﴾ أيْ: فَقْرٌ وحاجَةٌ، فَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ إيثارَهم لَمْ يَكُنْ عَنْ غِنًى.

وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذا الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ  ، وقَدْ أصابَهُ الجَهْدُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي جائِعٌ فَأطْعِمْنِي، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى أزْواجِهِ: هَلْ عِنْدَكُنَّ شَيْءٌ؟

فَكُلُّهُنَّ قُلْنَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما عِنْدَنا إلّا الماءُ، فَقالَ: ما عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  ما يُطْعِمُكَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ.

ثُمَّ قالَ: "مَن يَضِيفُ هَذا هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَرْحَمْهُ اللَّهُ؟" فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأتى بِهِ مَنزِلَهُ، فَقالَ لِأهْلِهِ: هَذا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَأكْرِمِيهِ ولا تَدَّخِرِي عَنْهُ شَيْئًا، فَقالَتْ: ما عِنْدَنا إلّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، فَقالَ: قُومِي فَعَلِّلِيهم عَنْ قُوتِهِمْ حَتّى يَنامُوا ولا يَطْعَمُوا شَيْئًا، ثُمَّ أصْبِحِي سِراجَكِ، فَإذا أخَذَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ، فَقَوْمِي كَأنَّكَ تُصْلِحِينَ السِّراجَ، فَأطْفِئِيهِ، وتَعالَيْ نَمْضُغُ ألْسِنَتَنا لِأجْلِ ضَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ  حَتّى يَشْبَعَ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، وظَنَّ الضَّيْفُ أنَّهُما يَأْكُلانِ مَعَهُ، فَشَبِعَ هُوَ، وباتا طاوِيَيْنِ، فَلَمّا أصْبَحا غَدَوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِما تَبَسَّمَ، ثُمَّ قالَ: ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أوْ عَجِبَ مِن فَعالِكُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.

.

.

﴾ الآيَةُ.» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وفي بَعْضِ الألْفاظِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ الضَّيْفَ كانَ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ، والمُضِيفَ كانَ مِنَ الأنْصارِ، وأنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « "لَقَدْ عَجِبَ مِن فِعالِكُما أهْلُ السَّماءِ" .» والثّانِي: أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  أُهْدِيَ لَهُ رَأْسُ شاةٍ، فَقالَ: إنَّ أخِي فُلانًا وعِيالَهُ أحْوَجُ إلى هَذا مِنّا، فَبَعَثَ بِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْعَثُ بِهِ واحِدٌ إلى واحِدٍ حَتّى تَداوَلَها سَبْعَةُ أهْلِ أبْياتٍ، حَتّى رَجَعَتْ إلى أُولَئِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

ورُوِيَ نَحْوُ هَذِهِ القِصَّةِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: أُهْدِيَ لِبَعْضِ الصَّحابَةِ رَأْسُ شاةٍ مَشْوِيٌّ، وكانَ مَجْهُودًا، فَوَجَّهَ بِهِ إلى جارٍ لَهُ فَتَناوَلَهُ تِسْعَةُ أنْفُسٍ، ثُمَّ عادَ إلى الأوَّلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ ﴿ وَمَن يُوقَ ﴾ بِتَشْدِيدِ القافِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: هو أنْ لا يَأْخُذَ شَيْئًا مِمّا نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، ولا يَمْنَعُ شَيْئًا أمَرَهُ اللَّهُ بِأدائِهِ.

والمَعْنى: أنَّ الأنْصارَ مِمَّنْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ حِينَ طابَتْ أنْفُسُهم بِتَرْكِ الفَيْءِ لِلْمُهاجِرِينَ.

* فَصْلٌ وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الشُّحِّ والبُخْلِ، هَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ، أمْ لا؟

فَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الشُّحُّ في كَلامِ العَرَبِ: هو مَنعُ الفَضْلِ مِنَ المالِ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: الشُّحُّ أبْلَغُ في المَنعِ مِنَ البُخْلِ، وإنَّما الشُّحُّ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ، والبُخْلُ بِمَنزِلَةِ النَّوْعِ، وأكْثَرُ ما يُقالُ في البُخْلِ: إنَّما هو في أفْرادِ الأُمُورِ وخَواصِّ الأشْياءِ، والشُّحُّ عامٌّ، فَهو كالوَصْفِ اللّازِمِ لِلْإنْسانِ مِن قِبَلِ الطَّبْعِ والجِبِلَّةِ.

وحَكى الخَطّابِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: البُخْلُ: أنْ يَضِنَّ بِمالِهِ، والشُّحُّ: أنْ يَبْخَلَ بِمالِهِ ومَعْرُوفِهِ.

وقَدْ رَوى أبُو الشَّعْثاءِ أنَّ رَجُلًا أتى ابْنَ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنِّي أخافُ أنْ أكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، قالَ: وما ذاكَ؟

قالَ: أسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ وأنا رَجُلٌ شَحِيحٌ لا يَكادُ يَخْرُجُ مِن يَدَيَّ شَيْءٌ، فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ، الشُّحُّ: أنْ تَأْكُلَ مالَ أخِيكَ ظُلْمًا، إنَّما ذَلِكَ البُخْلُ، وبِئْسَ الشَّيْءُ البُخْلُ ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: « "بَرِئَ مِنَ الشُّحِّ مَن أدّى الزَّكاةَ، وقَرى الضَّيْفَ، وأعْطى في النّائِبَةِ" .» قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ يَعْنِي التّابِعِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِهَؤُلاءِ المُسْلِمِينَ، ولِلَّذِينِ يَجِيئُونَ مِن بَعْدِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ما أقامُوا عَلى مَحَبَّةِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، ودَلِيلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيِ: الَّذِينَ جاؤُوا في حالِ قَوْلِهِمْ: ﴿ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا ﴾ فَمَن تَرَحَّمَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ولَمْ يَكُنْ في قَلْبِهِ غِلٌّ لَهُمْ، فَلَهُ حَظٌّ مِن فَيْءِ المُسْلِمِينَ، ومَن شَتَمَهم ولَمْ يَتَرَحَّمْ عَلَيْهِمْ، وكانَ في قَلْبِهِ غِلٌّ لَهُمْ، فَما جَعَلَ اللَّهُ لَهُ حَقًّا في شَيْءٍ مِن فَيْءِ المُسْلِمِينَ بِنَصِّ الكِتابِ.

وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مَن تَنَقَّصَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، أوْ كانَ في قَلْبِهِ عَلَيْهِمْ غِلٌّ، فَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ في فَيْءِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآياتِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مِن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ "الَّذِينَ تَبَوَّؤُا" هُمُ الأنْصارُ، والضَمِيرُ في "قَبْلِهِمْ" لِلْمُهاجِرِينَ، و"الدارَ" هي المَدِينَةُ، والمَعْنى: تَبَوَّءُوا الدارَ مَعَ الإيمانِ مَعًا، وبِهَذا الِاقْتِرانِ يَصِحُّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "مِن قَبْلِهِمْ" فَتَأمَّلْهُ.

والإيمانُ لا يُتَبَوَّأُ لِأنَّهُ لَيْسَ مَكانًا، ولَكِنَّ هَذا مِن بَلِيغِ الكَلامِ، ويَتَخَرَّجُ عَلى وُجُوهٍ كُلُّها جَمِيلٌ حَسَنٌ.

وأثْنى اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الأنْصارِ بِأنَّهم يُحِبُّونَ المُهاجِرِينَ رَضِيَ اللهُ عن جَمِيعِهِمْ وبِأنَّهم يُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، وبِأنَّهم قَدْ وُقُوا شُحَّ أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ مُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ أنَّ هَؤُلاءِ المَمْدُوحِينَ قَدْ وُقُوا الشُحَّ.

و"الحاجَةُ": الحَسَدُ في هَذا المَوْضِعِ، قالَهُ الحَسَنُ، وتَعُمُّ بَعْدُ جَمِيعَ الوُجُوهِ الَّتِي هي بِخِلافِ ما فَعَلَهُ النَبِيُّ  في إعْطاءِ المُهاجِرِينَ أمْوالَ بَنِي النَضِيرِ والقُرى.

و"أُوتُوا" مَعْناهُ: أُعْطُوا، والضَمِيرُ المَرْفُوعُ بِأنْ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو لِلْمُهاجِرِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ الآيَةُ...

صِفَةٌ لِلْأنْصارِ، وقَدْ رُوِيَ -مِن غَيْرِ ما طَرِيقٍ- أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، قالَ أبُو المُتَوَكِّلِ: هو ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في كِتابِ مَكِّيٍّ: كُنْيَةُ هَذا الرَجُلِ أبُو طَلْحَةُ، وخَلَطَ المَهْدَوِيُّ في ذِكْرِ هَذا الرَجُلِ- «نَدَبَ رَسُولُ اللهِ  إلى ضِيافَةِ مُهاجِرِيٍّ، فانْتَدَبَ الأنْصارِيَّ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ فَذَهَبَ بِالضَيْفِ وقالَ لِامْرَأتِهِ هَذا ضَيْفُ رَسُولِ اللهِ  ، قالَتْ: واللهِ ما عِنْدِي إلّا قُوتُ الصِبْيَةِ، فَقالَ لَها: نَوِّمِي صِبْيانَكِ، وأطْفِئِي السِراجَ، وقَدِّمِي ما عِنْدَكِ لِلضَّيْفِ ونُوهِمُهُ أنّا نَأْكُلُ، فَفَعَلا ذَلِكَ، فَلَمّا غَدا عَلى رَسُولِ اللهِ  قالَ: "عَجِبَ اللهُ مِن فِعْلِكَ البارِحَةَ"، ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» والإيثارُ عَلى النَفْسِ أكْرَمُ خُلُقٍ، وقالَ حُذَيْفَةُ العَدْوِيُّ: طَلَبْتُ يَوْمَ اليَرْمُوكِ ابْنَ عَمٍّ لِي في الجَرْحى ومَعِي شَيْءٌ مِن ماءٍ، فَوَجَدْتُهُ، فَقُلْتُ: أسْقِيكَ؟

فَأشارَ أنَّ نَعَمْ، فَإذا رَجُلٌ يَصِيحُ آهْ، فَأشارَ ابْنُ عَمِّي أنِ انْطَلِقْ إلَيْهِ فَإذا هو هِشامُ بْنُ العاصِ، فَقُلْتُ: أتَشْرَبُ؟

فَإذا آخَرُ يَقُولُ: آهٍ، فَأشارَ هِشامٌ أنِ انْطَلِقْ إلَيْهِ، فَجِئْتُهُ فَإذا بِهِ قَدْ فاضَتْ نَفْسُهُ، فَرَجَعْتُ إلى هِشامٍ، فَإذا هو قَدْ ماتَ، فَرَجَعْتُ إلى ابْنِ عَمِّي فَإذا هو قَدْ ماتَ، فَعَجِبْتُ مِن إيثارِهِمْ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالى، وقالَ أبُو زَيْدٍ البَسْطامِيُّ: قَدِمَ عَلَيْنا شابٌّ مِن بَلْخٍ فَقالَ لِي: ما حَدُّ الزُهْدِ عِنْدَكُمْ؟

فَقُلْتُ: إذا فَقَدْنا صَبَرْنا، وإذا وجَدْنا شَكَرْنا، قالَ: هَذِهِ حالُ الكِلابِ عِنْدَنا بِبَلْخٍ، فَقُلْتُ فَما الزُهْدُ عِنْدَكُمْ؟

قالَ: إذا فَقَدْنا شَكَرْنا، وإذا وجَدْنا آثَرْنا.

ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ النَبِيَّ  لَمّا قَسَّمَ هَذِهِ القُرى في المُهاجِرِينَ قالَ لِلْأنْصارِ: "إنْ شِئْتُمْ قَسَّمْتُمْ لِلْمُهاجِرِينَ مِن أمْوالِكم ودِيارِكم وشارَكْتُمُوهم في هَذِهِ الغَنِيمَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وَ"الخَصاصَةُ": الفاقَةُ والحاجَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن خَصائِصِ البَيْتِ، وهو ما يَبْقى بَيْنَ عِيدانِهِ مِنَ الفَرَجِ والفُتُوحِ، فَكَأنَّ حالَ الفَقِيرِ هي كَذَلِكَ يَتَخَلَّلُها النَقْصُ والِاحْتِياجُ، و"شُحُّ النَفْسِ" هو كَثْرَةُ طَمَعِها وضَبْطِها عَلى المالِ والرَغْبَةِ فِيهِ وامْتِدادُ الأمَلِ، هَذا جِماعُ شُحِّ النَفْسِ، وهو داعِيَةُ كُلِّ خُلُقِ سُوءٍ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "مَن أدّى الزَكاةَ المَفْرُوضَةَ، وقَرى الضَيْفَ، وأعْطى في النائِبَةِ، فَقَدَ بَرِئَ مِنَ الشُحِّ".» واخْتَلَفَ الناسُ بَعْدَ هَذا الَّذِي قُلْنا، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ والعارِفُونَ بِالكَلامِ إلى هَذا، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ كانَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَطُوفُ وهو يَقُولُ: اللهُمَّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي، لا يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: إذا وفَّيْتَهُ لَمْ أفْعَلْ سُوءًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: شُحُّ النَفْسِ فَقْرٌ لا يُذْهِبُهُ غِنى المالِ بَلْ يَزِيدُهُ ويَنْصَبُّ بِهِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وجَماعَةٌ: مَن لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا نَهاهُ اللهُ تَعالى عنهُ ولَمْ يَمْنَعِ الزَكاةَ المَفْرُوضَةَ فَقَدَ بَرِئَ مَن شُحِّ النَفْسِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: شُحُّ النَفْسِ: هو أكْلُ مالِ الغَيْرِ بِالباطِلِ، وأمّا مَنعُ الإنْسانِ مالَهُ فَهو بُخْلٌ، وهو قَبِيحٌ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِالشُحِّ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما" "شُحِّ" بِكَسْرِ الشِينِ.

و"يُوقَ" وزْنُهُ "يَفْعَلُ" مِن وقى يَقِي، مِثْلُ وزَنَ يَزِنُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُوَقِّ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ القافِ، و"المُفْلِحُونَ": الفائِزُونَ بِبُغْيَتِهِمْ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: أرادَ الفِرْقَةَ الثالِثَةَ مِنَ الصَحابَةِ وهي الَّتِي آمَنَتْ أو كَبُرَ في آخِرِ مُدَّةِ النَبِيِّ  ، وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: أرادَ مَن يَجِيءُ مِنَ التابِعِينَ وغَيْرِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَوَصَفَ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى القَوْلَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَلْتَزِمَهُ كُلُّ مَن لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَدْرِ الأوَّلِ.

وإعْرابُ "الَّذِينَ" رُفِعَ عَطْفًا عَلى "هُمُ" أو عَلى "والَّذِينَ" أو رُفِعَ بِالِابْتِداءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَقُولُونَ" حالٌ فِيها الفائِدَةٌ، والمُرادُ: والَّذِينَ جاءُوا قائِلِينَ كَذا، أو يَكُونُ "يَقُولُونَ" صِفَةً.

ولِهَذِهِ الآيَةِ قالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: إنَّهُ مَن كانَ لَهُ في أحَدٍ مِنَ الصَحابَةِ قَوْلُ سُوءٍ أو بُغْضٍ فَلا حَظَّ لَهُ في الغَنِيمَةِ أدَبًا لَهُ، وجاءَ بَعْضُ العارِفِينَ إلى عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَسَبُّوا أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، فَقالَ لَهُمْ: أمِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ أنْتُمْ؟

قالُوا: لا، قالَ أفَمِنَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدارَ والإيمانَ أنْتُمْ؟

قالُوا: لا، قالَ: فَقَدْ تَبَرَّأْتُمْ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، وأنا أشْهَدُ أنَّكم لَسْتُمْ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ الآيَةُ...

فَقُومُوا، فَعَلَ اللهُ تَعالى بِكم وفَعَلَ، وقالَ الحَسَنُ: «أدْرَكْتُ ثَلاثَمِائَةٍ مِنَ الصَحابَةِ مِنهم سَبْعُونَ بَدْرِيًّا كُلُّهم يُحَدِّثُنِي أنَّ النَبِيَّ  قالَ: "مَن فارَقَ الجَماعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسْلامِ مِن عُنُقِهِ"،» فالجَماعَةُ أنْ لا تَسُبُّوا الصَحابَةَ، ولا تُمارُوا في دِينِ اللهِ تَعالى، ولا تُكَفِّرُوا أحَدًا مِن أهْلِ التَوْحِيدِ بِذَنْبٍ.

و"الغِلُّ": الحِقْدُ والِاعْتِقادُ الرَدِيءُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فِي قُلُوبِنا غِمْرًا"، والغِمْرُ: الحِقْدُ: وقَدْ تَقَدَّمَ الِاخْتِلافُ في قِراءَةِ "رَؤُفٌ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ والذين تبوؤا الدار ﴾ [الحشر: 9] على التفسيرين المتقدمين؛ فأما على رأي من جعلوا ﴿ والذين تبوءوا الدار ﴾ [الحشر: 9] معطوفاً على ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ [الحشر: 8] جعلوا ﴿ الذين جاؤوا من بعدهم ﴾ فريقاً من أهل القُرى، وهو غير المهاجرين والأنصار بلْ هو من جاء إلى الإِسلام بعد المهاجرين والأنصار، فضمير ﴿ من بعدهم ﴾ عائد إلى مجموع الفريقين.

والمجيء مستعمل للطروِّ والمصير إلى حالة تماثل حالهم، وهي حالة الإِسلام، فكأنهم أتوا إلى مكان لإِقامتهم، وهذا فريق ثالث وهؤلاء هم الذين ذُكروا في قوله تعالى بعدَ ذكر المهاجرين والأنصار ﴿ والذين اتَّبعوهم بإحسان ﴾ [التوبة: 100] أي اتبعوهم في الإِيمان.

وإنما صيغ ﴿ جاءوا ﴾ بصيغة الماضي تغليباً لأن من العرب وغيرهم من أسلموا بعد الهجرة مثل غِفارة، ومُزينة، وأسلم، ومثل عبد الله بن سَلاَم، وسلمان الفارسي، فكأنه قيل: الذين جاؤوا ويجيئون، بدلالة لحن الخطاب.

والمقصود من هذا: زيادة دفع إيهام أن يختص المهاجرون بما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أهل القرى كما اختصهم النبي صلى الله عليه وسلم بفيْء بني النضير.

وقد شملت هذه الآية كل من يوجد من المسلمين أبد الدهر، وعلى هذا جرى فهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

روى البخاري من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال عمر: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها (أي الفاتحين) كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر.

وذكر القرطبي: أن عمر دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح الله عليه وقال لهم: تثبتوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا عليَّ فلما غدَوا عليه قال: قد مررت بالآيات التي في سورة الحشر وتلا ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ (7، 8).

قال: ما هي لهؤلاء فقط وتلا قوله: والذين جاءوا من بعدهم } إلى قوله: ﴿ رؤوف رحيم ﴾ ثم قال: ما بقي أحد من أهل الإِسلام إلا وقد دخل في ذلك اه.

وهذا ظاهر في الفيء، وأما ما فُتح عنوة فمسألة أخرى ولعمر بن الخطاب في عدم قسمته سوادَ العراق بين الجيش الفاتحين له عمل آخر، وهو ليس من غرضنا.

ومحله كتب الفقه والحديث.

والفريق من المفسرين الذين جعلوا قوله تعالى: ﴿ والذين تبوءوا الدار والإيمان ﴾ [الحشر: 9] كلاماً مستأنفاً، وجعل ﴿ يحبون من هاجر إليهم ﴾ [الحشر: 9] خبراً عن اسم الموصول، جعلوا قوله: ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ كذلك مستأنفاً.

ومن الذين جعلوا قوله: ﴿ والذين تبوءوا ﴾ [الحشر: 9] معطوفاً على ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ [الحشر: 8] من جعل قوله: ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ مستأنفاً.

ونسبه ابن الفرس في «أحكام القرآن» إلى الشافعي.

ورأى أن الفيء إذا كان أرضاً فهو إلى تخيير الإِمام وليس يتعين صرفه للأصناف المذكورة في فيء بني النضير.

وجملة ﴿ يقولون ربنا اغفر لنا ﴾ على التفسير المختار في موضع الحال من ﴿ الذين جاؤوا من بعدهم ﴾ .

والغلّ بكسر الغين: الحسد والبغض، أي سألوا الله أن يطَهر نفوسهم من الغلّ والحسد للمؤمنين السابقين على ما أعطُوه من فضيلة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وما فُضّل به بعضهم من الهجرة وبعضهم من النصرة، فبيّن الله للذين جاؤا من بعدهم ما يكسبهم فضيلة ليست للمهاجرين والأنصار، وهي فضيلة الدعاء لهم بالمغفرة وانطواء ضمائرهم على محبتهم وانتفاء البغض لهم.

والمراد أنهم يضمرون ما يدعون الله به لهم في نفوسهم ويرضوا أنفسهم عليه.

وقد دلت الآية على أن حقاً على المسلمين أن يَذكروا سلفهم بخير، وأن حقاً عليهم محبة المهاجرين والأنصار وتعظيمهم، قال مالك: من كان يبغض أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أو كان قلبه عليه غل فليس له حق في فيْء المسلمين، ثم قرأ ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ الآية.

فلعله أخذ بمفهوم الحال من قوله تعالى: ﴿ يقولون ربنا اغفر لنا ﴾ الآية، فإن المقصد من الثناء عليهم بذلك أن يضمروا مضمونه في نفوسهم فإذا أضمروا خلافه وأعلنوا بما ينافي ذلك فقد تخلف فيهم هذا الوصف، فإن الفيء عطية أعطاها الله تلك الأصناف ولم يكتسبوها بحق قتال، فاشترط الله عليهم في استحقاقها أن يكونوا محبين لسلفهم غير حاسدين لهم.

وهو يعني إلا ما كان من شنآن بين شخصين لأسباب عادية أو شرعية مثل ما كان بين العباس وعليّ حين تحاكما إلى عمر، فقال العباس: اقض بيني وبين هذا الظالم الخائن الغادر.

ومثل إقامة عمر حدّ القذف على أبي بَكرة.

وأما ما جرى بين عائشة وعليّ من النزاع والقتال وبين عليّ ومعاوية من القتال فإنما كان انتصاراً للحق في كلا رأيَي الجانبين وليس ذلك لغلّ أو تنقص، فهو كضرب القاضي أحداً تأديباً له فوجب إمساك غيرهم من التحَزب لهم بعدهم فإنه وإن ساغ ذلك لآحادِهم لتكافئ درجاتهم أو تقاربها.

والظنِّ بهم زوال الحزازات من قلوبهم بانقضاء تلك الحوادث، لا يسوغ ذلك للأذناب من بعدهم الذين ليسوا منهم في عير ولا نفير، وإنما هي مسحَة من حمية الجاهلية نَخرت عضد الأمة المحمدية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ﴾ يَعْنِي فَضْلًا مِن عَطاءِ اللَّهِ في الدُّنْيا، ورِضْوانًا مِن ثَوابِهِ في الآخِرَةِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنَّ الفَضْلَ الكِفايَةُ، والرِّضْوانُ القَناعَةُ.

وَرَوى عَلِيُّ بْنُ رَباحٍ اللَّخْمِيُّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ خَطَبَ بِالجابِيَةِ فَقالَ: مَن أرادَ أنْ يَسْألَ عَنِ الفَرائِضِ فَلْيَأْتِ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ، ومَن أرادَ أنْ يَسْألَ عَنِ الفِقْهِ فَلْيَأْتِ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ، ومَن أرادَ أنْ يَسْألَ عَنِ المالِ فَلْيَأْتِنِي فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَنِي خازِنًا وقاسِمًا، إنِّي بادِئُ بِأزْواجِ النَّبِيِّ  فَمُعْطِيهِنَّ، ثُمَّ بِالمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ أنا وأصْحابِي أُخْرِجْنا مِن مَكَّةَ مِن دِيارِنا وأمْوالِنا.

قالَ قَتادَةُ: لِأنَّهُمُ اخْتارُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ  عَلى ما كانَتْ مِن شِدَّةٍ، حَتّى ذُكِرَ لَنا أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَعْصِبُ عَلى بَطْنِهِ الحَجَرَ لِيُقِيمَ صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ، وكانَ الرَّجُلُ يَتَّخِذُ الحَفِيرَةَ في الشِّتاءِ ما لَهُ دِثارٌ غَيْرُها.

﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ويَكُونُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ومَعْناهُ تَبَوَّءُوا الدّارَ مِن قَبْلِهِمْ والإيمانَ.

الثّانِي: أنَّ الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ ومَعْناهُ أنَّهم تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ إلَيْهِمْ يَعْنِي بِقَبُولِهِمْ ومُواساتِهِمْ بِأمْوالِهِمْ ومَساكِنِهِمْ.

﴿ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غَيْرَةً وحَسَدًا عَلى ما قُدِّمُوا بِهِ مِن تَفْضِيلٍ وتَقْرِيبٍ، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّانِي: يَعْنِي حَسَدًا عَلى ما خُصُّوا بِهِ مِن مالِ الفَيْءِ وغَيْرِهِ فَلا يَحْسُدُونَهم عَلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ﴾ يَعْنِي يُفَضِّلُونَهم ويُقَدِّمُونَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ فاقَةٌ وحاجَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أمّا الرَّبِيعُ إذا تَكُونُ خَصاصَةً عاشَ السَّقِيمُ بِهِ وأثْرى المُقْتِرُ وَفِي إيثارِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم آثَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِما حَصَلَ مِن فَيْءٍ وغَنِيمَةٍ حَتّى قُسِّمَتْ في المُهاجِرِينَ دُونَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ حَيّانَ.

رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ  قَسَّمَ عَلى المُهاجِرِينَ ما أفاءَ اللَّهُ مِنَ النَّضِيرِ ونَفَلَ مِن قُرَيْظَةَ عَلى أنْ يَرُدَّ المُهاجِرُونَ عَلى الأنْصارِ ما كانُوا أعْطُوهم مِن أمْوالِهِمْ فَقالَتِ الأنْصارُ بَلْ نُقِيمُ لَهم مِن أمْوالِنا ونُؤْثِرُهم بِالفَيْءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

» الثّانِي: أنَّهم آثَرُوا المُهاجِرِينَ بِأمْوالِهِمْ وواسُوهم بِها.

رَوى ابْنُ زَيْدٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لَهُمْ: « (إنَّ إخْوانَكم تَرَكُوا الأمْوالَ والأوْلادَ وخَرَجُوا إلَيْكم فَقالُوا: أمْوالُنا بَيْنَهم قَطائِعُ، فَقالَ: (أوَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقالُوا: وما ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

فَقالَ: (هم قَوْمٌ لا يَعْرِفُونَ العَمَلَ فَتَكْفُونَهم وتُقاسِمُونَهُمُ التَّمْرَ يَعْنِي مِمّا صارَ إلَيْهِمْ مِن نَخِيلِ بَنِي النَّضِيرِ، قالُوا نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ.

» ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ فِيهِ ثَمايِنَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ هَذا الشُّحَّ هو أنْ يَشِحَّ بِما في أيْدِي النّاسِ يَحِبُّ أنْ يَكُونَ لَهُ ولا يَقْنَعُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وطاوُسٌ.

الثّانِي: أنَّهُ مَنَعَ الزَّكاةَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: يَعْنِي هَوى نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ اكْتِسابُ الحَرامِ، رَوى الأسْوَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلًا أتاهُ فَقالَ: إنِّي أخافُ أنْ أكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، قالَ وما ذاكَ؟

قالَ سَمِعْتُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ وأنا رَجُلٌ شَحِيحٌ لا أكادُ أُخْرِجُ مِن يَدِي شَيْئًا فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيْسَ ذَلِكَ بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ، إنَّما الشُّحُّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ أنْ تَأْكُلَ مالَ أخِيكَ ظُلْمًا ولَكِنَّ ذَلِكَ البُخْلُ، وبِئْسَ الشَّيْءُ البُخْلُ.

الخامِسُ: أنَّهُ الإمْساكُ عَنِ النَّفَقَةِ، قالَهُ عَطاءٌ.

السّادِسُ: أنَّهُ الظُّلْمُ، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ.

السّابِعُ: أنَّهُ أرادَ العَمَلَ بِمَعاصِي اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّامِنُ: أنَّهُ أرادَ تَرْكَ الفَرائِضِ وانْتِهاكَ المَحارِمِ، قالَهُ اللَّيْثُ.

وَفي الشُّحِّ والبُخْلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُما يَفْتَرِقانِ وفي الفَرْقِ بَيْنَهُما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الشُّحَّ أخْذُ المالِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والبُخْلَ أنْ يَمْنَعَ مِنَ المالِ المُسْتَحَقِّ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: أنَّ الشُّحَّ بِما في يَدَيْ غَيْرِهِ، والبُخْلُ بِما في يَدَيْهِ، قالَهُ طاوُسٌ.

﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُمُ التّابِعُونَ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ الصَّحابَةِ ثُمَّ مِن بَعْدِهِمْ إلى قِيامِ الدُّنْيا هُمُ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَرَوى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ قالَ: النّاسُ عَلى ثَلاثَةِ مَنازِلَ، فَمَضَتْ مَنزِلَتانِ وبَقِيَتِ الثّالِثَةُ: فَأحْسَنُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أنْ تَكُونُوا بِهَذِهِ المَنزِلَةِ الَّتِي بَقِيَتْ.

وَفي قَوْلِهِمْ: ﴿ اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِمَن سَبَقَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ.

قالَتْ عائِشَةُ: فَأُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لَهم فَسَبُّوهم.

الثّانِي: أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلسّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.

﴿ وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ.

في الغِلِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: الغِشُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: العَداوَةُ، قالَهُ الأعْمَشُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا ﴾ الآية قال: هؤلاء المهاجرون تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر، وخرجوا حباً لله ولرسوله، واختاروا الإِسلام على ما كان فيه من شدة، حتى لقد ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع وإن كان الرجل ليتخذ الحفر في الشتاء ما له دثار غيرها.

قوله تعالى: ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان ﴾ .

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ والذين تبوءُو الدار والإِيمان ﴾ إلى آخر الآية، قال: هم هذا الحي من الأنصار أسلموا في ديارهم، وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، وأحسن الله عليهم الثناء في ذلك وهاتان الطائفتان الأولتان من هذه الآية أخذتا بفضلهما ومضتا على مهلهما، وأثبت الله حظهما في هذا الفيء، ثم ذكر الطائفة الثالثة، فقال: ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإِخواننا ﴾ إلى آخر الآية.

قال: إنما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمروا بسبهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان من قبلهم ﴾ قال: الأنصار نعت سخاوة أنفسهم عندما رأى من ذلك وإيثارهم إياهم ولم يصب الأنصار من ذلك الفيء شيء.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن يزيد بن الأصم «أن الأنصار قالوا: يا رسول الله أقسم بيننا وبين إخواننا المهاجرين الأرض نصفين، قال: لا ولكن يكفونكم المؤنة وتقاسمونهم الثمرة، والأرض أرضكم» قالوا: رضينا فأنزل الله: ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان من قبلهم ﴾ إلى آخر الآية.

أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن قال: فضل المهاجرين على الأنصار فلم يجدوا في صدورهم حاجة قال: الحسد.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه عن عمر أنه قال: أوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار الذين تبوّءُو الدار والإِيمان من قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم.

وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للمدينة عشرة أسماء هي المدينة وهي طيبة وطابة ومسكينة وجابرة ومجبورة وتبدد ويثرب والدار» .

قوله تعالى: ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ .

أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه البيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أتى رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً فقال: ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه الله تعالى» فقال رجل من الأنصار، وفي رواية فقال أبو طلحة الأنصاري: أنا يا رسول الله، فذهب به إلى أهله فقال لامرأته: اكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخرين شيئاً.

قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية.

قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي، فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلت ثم غدا الضيف على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لقد عجب الله من فلان وفلانة وأنزل الله فيهما ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ » .

وأخرج مسدد في مسنده وابن أبي الدنيا في كتاب قري الضيف وابن المنذر عن أبي المتوكل الناجي رضي الله عنه «أن رجلاً من المسلمين مكث صائماً ثلاثة أيام، يمسي فلا يجد ما يفطر فيصبح صائماً حتى فطن له رجل من الأنصار يقال له ثابت بن قيس رضي الله عنه، فقال لأهله: إني ساجيء الليلة بضيف لي فإذا وضعتم طعامكم فليقم بعضكم إلى السراج كأنه يصلحه فليطفئه ثم اضربوا بأيدكم إلى الطعام كأنكم تأكلون فلا تأكلوا حتى يشبع ضيفنا، فلما أمسى ذهب به فوضعوا طعامهم فقامت امرأته إلى السراج كأنها تصلحه فأطفأته، ثم جعلوا يضربون أيديهم في الطعام كأنهم يأكلون ولا يأكلون حتى شبع ضيفهم، وإنما كان طعامهم ذلك خبزة هي قوتهم، فلما أصبح ثابت غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ثابت لقد عجب الله البارحة منكم ومن ضيفكم» فنزلت فيه هذه الآية ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنه قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منا فبعث به إليهم، فلم يزل يبعث به واحداً إلى آخر حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول فنزلت ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو كان بهم خصاصة ﴾ قال: فاقة.

قوله تعالى: ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ .

أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً قال له: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟

قال: إني سمعت الله يقول: ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج مني شيء، فقال له ابن مسعود رضي الله عنه: ليس ذاك بالشح، ولكنه البخل، ولا خير في البخل، وإن الشح الذي ذكره الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن يوق شح نفسه ﴾ قال: ليس الشحيح أن يمنع الرجل ماله، ولكنه البخل وإنه لشر إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال: النظر إلى المرأة، لا يملكها من الشح.

وأخرج ابن المنذر عن طاووس رضي الله عنه قال: البخل أن يبخل الإِنسان بما في يديه، والشح أن يشح على ما في أيدي الناس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف أنه كان يطوف بالبيت يقول: اللهم قني شح نفسي لا يزيد على ذلك فقيل له فقال: إذا وقيت شح نفسي لا أسرق ولا أزني ولم أفعل شيئاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ومن يوق شح نفسه ﴾ قال: إدخال الحرام ومنع الزكاة.

وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: من أدى زكاة ماله فقد وقي شح نفسه.

وأخرج الخرائطي في مساوي الأخلاق عن ابن عمرو قال: الشح أشد من البخل لأن الشحيح يشح على ما في يديه فيحبسه ويشح على ما في أيدي الناس حتى يأخذه، وإن البخيل إنما يبخل على ما في يديه.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم البخل عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله جنة عدن ثم قال لها: انطقي، فقالت: ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ [ المؤمنون: 1] فقال الله: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل» ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاث من كن فيه فقد برئ من الشح، من أدى زكاة ماله، وقرى الضيف، وأعطى في النوائب» .

وأخرج الحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما محق الإِسلام محق الشح شيء قط» وأخرج ابن مردويه عن أبي زرعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان الفقر في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له في الدنيا وإنما يضر نفسه شحها» .

وأخرج عبد بن حميد عن مجمع بن يحيى بن جارية قال: حدثني عمي خالد بن يزيد بن جارية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأدى في النائبة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبداً، ولا يجتمع الشح والإِيمان في قلب عبد أبداً» .

وأخرج الترمذي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خصلتان لا يجتمعان في جوف مسلم البخل وسوء الظن» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع» .

وأخرج أحمد والبخاري في الأدب ومسلم والبيهقي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والشح والبخل، فإنه دعا من قبلكم إلى أن يقطعوا أرحامهم فقطعوها، ودعاهم إلى أن يستحلوا محارمهم فاستحلوها، ودعاهم إلى أن يسفكوا دماءهم فسفكوها» .

وأخرج الترمذي والبيهقي عن أنس رضي الله عنه «أن رجلاً توفي فقالوا: ابشر بالجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولا تدرون فلعله قد تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا ينفعه» .

وأخرج البيهقي من وجه آخر عن أنس رضي الله عنه قال: «أصيب رجل يوم أحد فجاءت امرأة فقالت: يا بني لتهنك الشهادة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه» .

وأخرج البيهقي عن ابن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلقان يحبهما الله وخلقان يبغضهما الله.

فأما اللذان يحبها الله فالسخاء والسماحة، وأما اللذان يبغضهما الله فسوء الخلق والبخل، فإذا أراد الله بعبد خيراً استعمله على قضاء حوائج الناس» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأدى في النائبة» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يذهب السخاء على الله، السخي قريب من الله، فإذا لقيه يوم القيامة أخذ بيده فأقله عثرته» .

وأخرج البيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاح أوّل هذه الأمة بالزهد والتقوى وهلاك آخرها بالبخل والفجور» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السخيّ قريب من الله قريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من العابد البخيل» .

وأخرج البيهقي عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، ولَجَاهل سخيٌ أحب إلى الله من عابد بخيل» .

وأخرج ابن عدي في الكامل والبيهقي وضعفه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، ولفاجر سخيّ أحبّ إلى الله من عابد بخيل، وأي داء أدوأ من البخل» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني سلمة من سيدكم اليوم؟

قالوا: الجد بن قيس ولكنا نبخله، قال: وأي داء أدوأ من البخل؟

ولكن سيدكم عمرو بن الجموح» .

وأخرج البيهقي عن جابر رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا بني سلمة من سيدكم؟

قالوا: الجد بن قيس وإنا لنبخله.

قال: وأي داء أدوأ من البخل بل سيدكم الخير الأبيض عمرو بن الجموح» قال: وكان على أضيافهم في الجاهلية قال: وكان يولم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوّج.

وأخرج البيهقي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سيدكم يا بني سلمة؟

قالوا: الجد بن قيس.

قال: وبم تسوّدونه؟

قالوا: بأنه أكثرنا مالاً وإنا على ذلك لنزنه بالبخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأي داء أدوأ من البخل، ليس ذاك سيدكم.

قالوا: فمن سيدنا يا رسول الله؟

قال: سيدكم البراء بن معرور» قال البيهقي مرسل.

وأخرج الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سيدكم يا بني عبيد؟

قالوا: الجد بن قيس على أن فيه بخلاً، قال: وأي داء أدوأ من البخل؟

بل سيدكم وابن سيدكم بشر بن البراء بن معرور» .

وأخرج البيهقي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة بخيل ولا خب ولا خائن ولا سيء الملكة، وأول من يقرع باب الجنة المملوكون وإذا أحسنوا فيما بينهم وبين الله وبين مواليهم» .

وأخرج البيهقي عن أبي سهل الواسطي رفع الحديث قال: «إن الله اصطنع هذا الدين لنفسه وإنما صلاح هذا الدين بالسخاء وحسن الخلق فاكرموه بهما» .

وأخرج البيهقي من طرق وضعفه عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال لي جبريل: قال الله تعالى: إن هذا الدين ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن عبدالله بن جراد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ابتغيتم المعروف فابتغوه في حسان الوجوه، فوالله لا يلج النار إلا بخيل، ولا يلج الجنة شحيح، إن السخاء شجرة في الجنة تسمى السخاء، وإن الشح شجرة في النار تسمى الشح» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السخاء شجرة من شجر الجنة أغصانها متدليات في الدنيا من أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى الجنة، والبخل شجرة من شجر النار أغصانها متدليات في الدنيا من أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى النار» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السخاء شجرة في الجنة فمن كان سخياً أخذ بغصن منها، فلم يتركه الغصن حتى يدخله الجنة، والشح شجرة في النار فمن كان شحيحاً أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله النار» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كنت قاعدا مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ثلاثة عشر رجلاً عليهم ثياب السفر فسلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قالوا: من السيد من الرجال يا رسول الله قال: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

قالوا: ما في أمتك سيد؟

قال: بلى، رجل أعطي مالاً حلالاً ورزق سماحة فأدنى الفقير فقلت شكايته في الناس» .

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: «ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه، حتى تغشى أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها فهو يوسعها ولا تتسع» .

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبدالله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: «قدم خالد بن الوليد من ناحية أرض الروم على النبي صلى الله عليه وسلم بأسرى، فعرض عليهم الإِسلام فأبوا، فأمر أن تضرب أعناقهم، حتى إذا جاء إلى آخرهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا خالد كف عن الرجل» قال: يا رسول الله ما كان في القوم أشد عليّ منه.

قال: «هذا جبريل يخبرني عن الله أنه كان سخيّاً في قومه فكف عنه وأسلم الرومي» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ أي أتوا المدينة بعد الأنصار، فإنهم نزلوها بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبل وألف بين قلوبنا ولا تجعل فيها غمرًا (١) (٢) ﴿ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ﴾ والأنصار لم يسبقوا المهاجرين بالإيمان (٣) ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ ﴾ وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا ﴾ عطف على قوله: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ (٤) (٥) ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ﴾ حتى بلغ ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ فقرأها ثم قرأ ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ ثم قال: استوعبت هذه الآية المسلمين عامة، فليس أحد إلا له فيها حق (٦) وروى عن مالك بن أنس أنه قال: من تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله -  -، أو كان في قلبه عليه غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا هذه الآيات.

قال: وهذا نص في الكتاب بين (٧) وقال المقاتلان: قوله: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ ﴾ ابتدأ كلام في الثناء على الأنصار ثم حين طالت أنفسهم عن الفيء جعل للمهاجرين دونهم، وعلى قولهما: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو ﴾ ابتداء، وخبره ﴿ يُحِبُّونَ ﴾ وكذلك ما بعده (٨) ثم أنزل فيما دس المنافقون إلى اليهود أنا معكم في النصر والخروج.

(١) الغِمْرُ والغَمَرُ: الحقد والغل، والجمع غُمور.

وقد غَمِرَ صدرهُ عليّ بالكسر يَغْمُر غِمْرًا وغَمَرًا.

"اللسان" 2/ 1015 (غمر).

(٢) "معاني القرآن" للفراء 3/ 145، و"جامع البيان" 28/ 31، ذكراه دون نسبة لقائل.

(٣) قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء وهم المهاجرون ثم الأنصار ثم التابعون لهم بإحسان كما قال في آية براءة ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ .

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 339.

(٤) قال النحاس: وعلى هذا كلام أهل التفسير والفقهاء، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 399.

(٥) مالك بن أوس بن الحدثان.

قديم أدرك الجاهلية، ولكنه تأخر إسلامه، رأى أبا بكر، وروى عن عمر وعثمان.

مات بالمدينة سنة (72 هـ).

انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 56، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 170، و"المعارف" ص 427، و"التقريب" 2/ 223.

(٦) مسلم في كتاب: الجهاد، باب: حكم الفيء، الترمذي رقم (1609) والنسائي 7/ 136 في قسم الفيء "تفسير عبد الرزاق" 2/ 283، وانظر: "موسوعة فقه عمر بن الخطاب" لمحمد رواس قلعه جي ص 532 - 533.

(٧) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 399، و"الكشف والبيان" 13/ 98 ب، 98 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 321، و"زاد المسير" 8/ 216.

(٨) انظر: "البحر المحيط" 8/ 247.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ هذا معطوف على المهاجرين والأنصار المذكورين قبل، فالمعنى أن الفيء للمهاجرين والأنصار ولهؤلاء الذين جاؤوا من بعدهم، ويعني بهم الفرقة الثالثة من الصحابة وهم ما عدا المهاجرين والأنصار كالذين أسلموا يوم الفتح.

وقيل: يعني من جاء بعد الصحابة وهم التابعون ومن تبعهم إلى يوم القيامة، وعلى هذا حملها مالك فقال: إن من قال في أحد الصحابة قول سوء فلا حظ له في الغنيمة والفيء، لأن الله وصف الذين جاؤوا بعد الصحابة بأنهمه: يقولون ربنا اغفر لنا ولأخواننا الذين سبقونا بالإيمان، فمن قال ضدّ ذلك فقد خرج عن الذين وصفهم الله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ثم قوله: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ .

يعني: رد الله على رسوله من ملك الكفرة، أو ما أعطى الله لرسوله من ملك الكفرة.

وقوله: ﴿ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ يجوز أن يكون قرى قد أعطوه، أو يكون هذه بشارة لرسول الله  في فتح القرى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

يجوز أن يقال: إن الظاهر من هذه الآية أن يكون المراد منها غير قرابة رسول الله  : "إن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى"، فقرابة رسول الله  إنما تدخل في هذه الآية بالتأويل، وذلك أن المفهوم من ذكر القرابة إنما هو قرابة المخاطبين في الآية، ومعلوم أن الخطاب بالقسم إنما هو للمغتنمين.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ إنما يفهم منه قرابة الرسول -  - وذوو القربى من أصحابنا يسلكون في ذلك مذهبين: منهم من يقول: إن هذا الحق في الأصل للمحتاجين من القرابة لوجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ وكان المراد منه منصرفاً إلى المحتاجين؛ فكذلك في القرابة.

ومنهم من قال: إن الخمس كان لرسول الله  يصل به إلى قرابته، فلما قبض -  - انقطع ذلك الحق؛ لوجهين: أحدهما: قوله -  -: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة" والثاني: إنما كانوا يستوجبونه برسول الله  فإذا قبض انقطع ذلك عنهم؛ على سبيل انقطاع الحقوق ع أصحابها عند وفاتهم، ثم الفائدة في منع ما كان لرسول الله  عن الوراثة من وجهين: أحدهما: أن رسول الله  كان لا يستعمل نفسه في شيء من لذات الدنيا وشهواتها، وكان قائماً لله  [ ]؛ فإذا كان كذلك، جاز أن يكون حقيقة الملك فيه لمولاه، وإن كان في الظاهر له، والله أعلم.

فإن قيل: أليست الأملاك كلها لله؟

قيل لهم: نعم، غير أن الإضافة قد تكون خصوصية حال، كقوله -  -: ﴿ نَاقَةُ ٱللَّهِ  ﴾ ، وبيت الله.

ووجه آخر: ما كان لرسول الله  فهو وقف عليه إلى يوم القيامة؛ ألا ترى أن زوجاته محبوسات عليه لا يحللن لأحد بعده، ونبوته عليه، لم تتحول بعده إلى غيره؛ فلزم - أيضاً - أن يوقف عليه ملكه -  - ومعلوم أن ما كان موقوفاً فسبيله التصدق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ ﴾ .

له معنيان: أحدهما: أنه لو لم يبين هذه المواضع لكان ذلك الخمس الذي كان لرسول الله  يخلفه فيه الخلفاء من بعده؛ فيداوله الأغنياء بينهم.

ومعنى آخر: لو فرق هذا بين الفقير والغني لكان حين يقع هذا للغني بيده كان يكتسب به فضول الدنيا، وأما الفقير فأول [ما]يقع في يده يستمتع به في منافع نفسه؛ فلذلك فرق في الفقراء، والله أعلم.

قال بعضهم: الدولة: هي اسم للذي يدول بين الناس، والدّولة: واحدة، وهي فعلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ﴾ .

يعني: ما أعطاكم رسول الله  من هذه الغنيمة فخذوه ولا تظنوا به ظنّاً مكروهاً وما نهاكم عنه فانتهوا، ليس نهي زجر وشريعة، ولكن نهي منع، وما منع منكم من هذا الفيء فانتهوا عنه.

وعلى قراءة ابن مسعود -  -: ﴿ وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ ، يحمل معنى الأمر ومعنى الإعطاء، أي: ما آتاكم من الدنيا فخذوه، وما نهاكم من الدنيا عنه - يعني: زجركم عنه - فانتهوا عنه.

قال - رحمه الله -: ويروى: [أن] عامة الفقهاء يحتجون بهذه الآية في موضع الآمر مع لفظ الإتياء، وليس يوجب ظاهره هذا؛ إذ الإيتاء هو الإعطاء والتمليك، كقوله: ﴿ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ  ﴾ ، ولكن وجه الاحتجاج به: أن الله -  - لما أمرنا بأخذ معروفه -  - وإن كان في أخذ المعروف من غيره  خيار: فلأن يلزمنا الأخذ بأمره والاتباع له أحرى وأولى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

هذا يؤكد ما ذكر من اتباع أمره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ...

﴾ الآية.

وما نسق عليه من قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ...

﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ...

﴾ الآيات ظاهره هذا يقتضي إيجاب حق لهم؛ لأنه إذا قيل: لفلان، لم يكن بد من أن يقال: كذا وكذا، وإذا كان كذلك لم يكن به من حق يذكر لهم، ولا يحتمل أيضاً أن يخفي الله -  - علم ذلك الحق الذي أوجب لهذه الأصناف عن خلقه؛ فالسبيل في ذلك من جهة التأويل عندنا، والله أعلم.

ثم يحتمل أن يكون رسول الله  سئل عن جوابه: لمن؟

قال: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ .

ويحتمل أن يكون الرسول سأل ربه - جل وعلا - عن جوابه: لمن؟

فأخبر: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ .

ثم إنه يجوز أن يكون ذلك الحق، هو ما وظف من الخراج على أهل القرية إذا فتحت وهو ما روي عن عمر بن الخطاب -  - أنه قال لعلي وابن مسعود -  ما - حين فتح سواد الكوفة: أني أستبشركم في أمر، قد أغناني الله -  - عن مشورتكم حين تلوت هذه الآية، ثم تلا: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ ، ثم قال: لهؤلاء خاصة، وتلا قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ، ثم قال: ليس لهؤلاء خاصة، وتلا قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ .

وروي أن بلالا قال له: اقسم بيننا كما قسم رسول الله  خيبر بين أهل العسكر، وقال: اللهم اكفني بلالا وأهله.

ثم قال عمر -  -: "لو قسمتها بينكم لتركت آخر عصابة في الإسلام لم تصب من هذا، وأخبر الله بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أنهم شركاء هؤلاء؛ فجائز أن يكون عمر -  - حين تلا هذه الآيات تذكر خبرا أخبر به رسول الله  فعلم أن الحق الذي أوجب الله -  - لهؤلاء ذلك.

أو يجوز أن يكون الله -  - بلطفه ألهمه وعليا وابن مسعود -  م - لأنه روي أنهما أشارا عليه بذلك؛ ولذلك قال أصحابنا: إن الإمام إذا افتتح قرية من قرى أهل الحرب فهو فيها بالخيار: إن شاء قسمها بين أهلها ووظف عليهم الخراج، وإن شاء قسمها بين أهل العسكر.

وإنما كان كذلك؛ لأن المقصود من المقاتلة أحد معنيين: إما لتوسيع أمكنة الإسلام أن يضيق، أو يضيق المكان بهم؛ ليستسلموا لدين الله، وينقادوا لأمره، وينظروا في حججه، وليست مقاتلتهم عقوبة كفرهم؛ بل لما وصفنا من المعنى، وهذا المعنى قد يستفاد إذا وظف عليهم الخراج؛ فلذلك كان الإمام الخيار، والله أعلم.

ولو فهم بلال -  - المعنى الذي لأجله قسم رسول الله  خيبر بينهم لم يقس سواد الكوفة عليه.

والمعنى من قسمته -  - خيبر بينهم، عندنا - والله أعلم -: هو أن المسلمين لما صدوا عن البيت بالحديبية بشرهم الله -  - بفتح قريب؛ عوضاً عما نالهم فيما أصابهم، وأما سواد الكوفة فلم يكن يها شء من هذا المعنى؛ فلم يجز أن يكون أمره مقيساً عليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ يحتمل أن يكن المراد منه المجاهدين المقاطعين لأسباب عيشهم من الأموال والديار، أي: لهم هذا الحق الذي سبق وصفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ ﴾ .

لم يخرجوهم من ديارهم في الحقيقة، ولكنهم ضيقوا عليهم حتى خرجوا، فإذن أضيف الإخراج إليهم؛ لما كانوا أسباباً لخروجهم، وهذا كقوله -  -: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ ، وإبليس - عليه اللعنة - لم يتول إخراجهما من الجنة، ولكن حرضهما على سبب إتيانه؛ فلم يستقرا بعده في ذلك المكان؛ فأضيف الفعل إليه، وقد وصفنا أن اهذه الأفعال إذا أضيفت إلى العباد فإنما معنى ذلك أسباب تكون منهم لا حقيقة تلك الأفعال، وما أضيف إلى الله -  - من ذلك فهو يحتمل الأمرين جميعاً: الحقيقة والسبب في ذلك؛ لأجل أن العبد لا يمكنه أن يقدر آخر على فعل في وقت فعله إلا على التسبب، فأما رب العالمين فإنه قادر على إقدار العبد على فعل وقت فعله؛ فلذلك قلنا: إنه يجوز أن يراد حقيقة الفعل فيما يضاف إلى الله  ، وهو الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ﴾ .

يدل على أنه كانت لهم بمكة ديار وأموال، ثم مع هذه لم يرو عن رسول الله  رد شيء من ديارهم عليهم بعد فتح مكة، ولا تضمين أولئك شيئاً من أموالهم؛ ليعلم أن أهل الحرب إذا غلبوا على أموال المسلمين ملكوها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

يعني: أنهم هاجروا لدينهم، وانقطعوا عن أسباب عيشهم من الأموال؛ يبتغون الرزق من الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .

دل أن هذا الحق للمجاهدين منهم، ثم قوله: ﴿ وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ ﴾ ؛ يحتمل وجهين: أحدهما: ينصرون رسول الله  ، وذكر الهل صلة.

والثاني: ينصرون دين الله، ويطيعون رسوله،  .

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ ﴾ .

يعني: الذين أظهروا صدق الإيمان من قلوبهم؛ لهجرتهم لدينهم وسعيهم إلى ما يزلهم إلى الله -  - ويقرب إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ ﴾ .

يعني: الذين اتخذوا ديارا واسعة تسعهم والمهاجرين، وهم الأنصار.

وقوله: ﴿ وَٱلإِيمَانَ ﴾ .

أي: أنهم آمنوا قبل هجرة هؤلاء، لك يأمن هؤلاء المهاجرون من أحنهم، ولا يخافوا شرهم.

وقوله: ﴿ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .

يعني: من قبل الهجرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ﴾ ، يعني: أن الله -  - ألقى [إليهم] محبة؛ حتى أنزلوا المهاجرين ديارهم، وأنفقوا عليهم أموالهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ ﴾ .

يعني: أن رسول الله  لما قسم خيبر بين المهاجرين، ورتك الأنصار لم يقسم بينهم، لم يجد الأنصار في قلوبهم حاجة مما أعطى المهاجرين، يعني: أن الله -  - أغنى قلوبهم حتى لا يفكروا عن حاجة ولا مقت ألبتة.

ويحتمل أن يكون المعنى من الحاجة - هاهنا -: الغل والحسد، يعني: أن الله -  - ظهر قلوبهم حتى لم يجدوا في صدورهم حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ .

أي: يؤثرون على أنفسهم في أملاكهم أنهم لا يجدون بما يبذلون هم حاجة مما يملكون، ويؤثرون المهاجرين على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

إن الله -  - خلق في طبع البشر محبة المحاسن والمنافع الطلب لها، وبغض المساوي والمضار والهرب عنها، ثم إنه امتحنهم بالإنفاق مما يحبون، وحمل النفس على ما يكرهون؛ طلباً لنجاتهم، وتوصلا إلى ثوابهم، ثم وقاية الأنفس من الشح تكون بوجهين: أحدهما: أن يمن الله على عبده ليصير ما هو غائب عنه من الثواب في الأجل كالشاهد؛ فيخفف عليه الإنفاق مما يحب، ويصير ذلك كالطبع له.

والثاني: يوفقه الله -  - ويعصمه، ويلهمه تعظيم أمره ونهيه؛ حتى يقهر نفسه ويحملها على الائتمار بأمر الله -  - والانتهاء عما نهى عنه، وإن كان طبعها على خلاف ذلك.

ثم إضافة الوقاية إلى نفسه تدل على أنه قد بقي في خزانته شيء لم يؤته عبده، حتى يصف نفسه بأنه يقي عنه شح نفسه، ولولا ذلك لم يكن لوعده بوقاية نفسه عن شحها معنى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

يعني: الباقون في النعيم الدائم، والفلاح في الحقيقة: هو البقاء في النعيم.

وقوله - عز جل -: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا...

﴾ الآية.

قد علم الله -  - أنه قد يكون في أمة محمد  من يلعن سلفه حتى أمرهم بالاستغفار لهم.

وفيه دلالة على فساد قول الروافض والخوارج والمعتزلة؛ لأن الروافض من قولهم: إن القوم لما ولو الخلافة أبا بكر الصديق -  - كفروا.

ومن قول الخوارج: إن عليا 0-  - كفر بقتاله معاوية وأصحابه.

وقال المعتزلة بأن من عدل عن الحق في القتال خرج عن الإيمان، ولو كان ما ارتكبوا من الزلات يكفرهم أو يخرجهم عن الإيمان لم يكن للاستغفار لهم معنى؛ لأن الله -  - نهى عن الاستغفار للمشركين، فإذا أذن - هاهنا - بالاستغفار لهم تبين بهذا أن ما ارتكبوا من الذنوب، ولم يخرجهم من الإيمان، ولأ،ه أبقى الأخوة فيما بينهم، مع علمنا أنه لم يكن بين الآخرين والأولين أخوة إلا في الدين، فلولا أنهم كانوا مؤمنين لم يكن لإبقاء الأخوة معنى، والله أعلم.

ولأنه قال -  -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، ولو كان ذلك يخرجهم من الإيمان، لم يكن لهذا الدعاء معنى؛ لأن الواجب أن يكون في قلوب المؤمنين عداوة الكفار ومقتهم، فلما ندب جل شأنه في هذه الآية إلى نفي الغل والحسد عن قلوبهم بتلك الدعوة ثبت أ،هم كانوا مؤمنين، والله أعلم.

ثم في الأمر بالاستغفار لهم دلالة أنه قد كانت منهم ذنوب يستوجبون بها العقوبة لولا فضل الله ومغفرته، وإن كانوا فيما يتعاطونه مجتهدين؛ ليعلم أنه ليس كل مجتهد مصيباً.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

يعني: عداوة يحتمل أن يكون المراد منه المؤمنين الذين سبقوهم.

ويحتمل أن يكون هذا في كل المؤمنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

الرحمة من الله -  - فضل منه على عباده وإحسان إليهم؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ  ﴾ : فأخبر أن رحمته هبة منه وإحسان إلى عبده، والله أعلم.

ثم الاستغفار في حال الحياة له معنيان: أحدهما: طلب السبب الذي إذا جاءه استوجب المغفرة.

والثاني: حقيقة المغفرة.

وفي حال الوفاة ليس إلا طلب عين المغفرة، فلما ندب - جل وعلا - إلى الاستغفار لهم بعد وفاتهم، وحال الاستغفار بعد الوفاة على ما وصفنا لا يتوجه إلى على حقيقة المغفرة - ثبت أن ذنوبهم لم تخرجهم؛ لأنه لو كان من حكمه - جل ثناءه - ألا تحل مغفرتهم إذ ارتكبوا كبيرة لم يكن في الأمر بالاستغفار لهم حكمة، والله أعلم.

وقال جعفر بن حرب: إنه ليس في قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ ﴾ ما يدل على أنه يجعل في قلوبهم؛ لأنه إذا قيل: لا تفعل بنا شيئاً لم يفهم منه أ،ه يفعله إذا أحب، ولكن يجاب عن هذا أنه قال  نصا في آية أخرى ما يدل على جعل العداوة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ .

فإن قال: تأويله: أنه خفلى بينهم وبينها، لا أنه جعلها.

قلنا: غير محتمل أن يخلق الله -  - العداوة في قلوبهم من غير فعل يكون منهم، وإن كان كذلك ثبت أنه يخلق هذه الأشياء وقت فعل العبد لها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين جاؤوا من بعد هؤلاء واتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا في الدين الذين سبقونا إلى الإيمان بالله وبرسوله، ولا تجعل في قلوبنا ضعيفة وحقدًا لأحد من المؤمنين، ربنا إنك رؤوف بعبادك، رحيم بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.bNP3J"

مزيد من التفاسير لسورة الحشر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله