الآية ١١ من سورة الحشر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ١١ من سورة الحشر

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ يَقُولُونَ لِإِخْوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًۭا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة الحشر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة الحشر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن المنافقين كعبد الله بن أبي وأضرابه ، حين بعثوا إلى يهود بني النضير يعدونهم النصر من أنفسهم ، فقال تعالى : ( ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم ) قال الله تعالى : ( والله يشهد إنهم لكاذبون ) أي : لكاذبون فيما وعدوهم به إما أنهم قالوا لهم قولا من نيتهم ألا يفوا لهم به ، وإما أنهم لا يقع منهم الذي قالوه ;

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد، فترى إلى الذين نافقوا وهم فيما ذُكر عبد الله بن أَُبي ابن سلول، ووديعة ومالك، ابنا نوفل، وسُوَيد وداعس، بَعَثوا إلى بني النضير حين نـزل بهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم للحرب أن اثبتُوا وتمنَّعوا، فإنا لن نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم، خرجنا معكم، فتربصوا لذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يجليهم، ويكفّ عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة.

حدثنا بذلك ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان.

وقال مجاهد في ذلك ما حدثني به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا ) قال: عبد الله بن أُبيّ بن سلول، ورفاعة أو رافعة بن تابوت.

وقال الحارث: رفاعة بن تابوت، ولم يشكّ فيه، وعبد الله بن نَبْتل، وأوس بن قَيْظِيّ.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرِمة، أو عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا ) يعني عبد الله بن أُبيّ بن سلول وأصحابه، ومن كان منهم على مثل أمرهم.

وقوله: ( يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) يعني بني النضير.

كما حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أَبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ( يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) يعني: بني النضير.

وقوله: ( لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ) يقول: لئن أخرجتم من دياركم ومنازلكم، وأُجليتم عنها لنخرجن معكم، فنُجلى عن منازلنا وديارنا معكم.

وقوله: ( وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا ) يقول: ولا نطيع أحدًا سألنا خذلانكم، وترك نصرتكم، ولكنا نكون معكم، ( وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ) يقول: وإن قاتلكم محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ومن معه لننصرنَّكم معشرَ النضير عليهم.

وقوله: ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) يقول: والله يشهد إن هؤلاء المنافقين الذين وعدوا بني النضير النصرة على محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( لَكَاذِبُونَ ) في وعدهم إياهم مَا وَعَدُوهم من ذلك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبونتعجب من اغترار اليهود بما وعدهم المنافقون من النصر مع علمهم بأنهم لا يعتقدون دينا ولا كتابا .

ومن جملة المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول ، وعبد الله بن نبتل ، ورفاعة بن زيد .

وقيل : رافعة بن تابوت ، وأوس بن قيظي ، كانوا من الأنصار ولكنهم نافقوا ، وقالوا ليهود قريظة والنضير .لئن أخرجتم لنخرجن معكم وقيل : هو من قول بني النضير لقريظة .قوله تعالى : ولا نطيع فيكم أحدا أبدا يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم ; لا نطيعه في قتالكم .

وفي هذا دليل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من جهة علم الغيب ; لأنهم أخرجوا فلم يخرجوا ، وقوتلوا فلم ينصروهم ; كما قال الله تعالى .والله يشهد إنهم لكاذبون أي في قولهم وفعلهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم تعجب تعالى من حال المنافقين، الذين طمعوا إخوانهم من أهل الكتاب، في نصرتهم، وموالاتهم على المؤمنين، وأنهم يقولون لهم: { لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا } أي: لا نطيع في عدم نصرتكم أحدا يعذلنا أو يخوفنا، { وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } في هذا الوعد الذي غروا به إخوانهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( ألم تر إلى الذين نافقوا ) أي أظهروا خلاف ما أضمروا : يعني : عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه ( يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ) اليهود من بني قريظة والنضير جعل المنافقين إخوانهم في الدين لأنهم كفار مثلهم .

( لئن أخرجتم ) من المدينة ( لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا ) يسألنا خذلانكم وخلافكم ( أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم ) يعني المنافقين ( لكاذبون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم ترْ» تنظر «إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب» وهم بنو النضير وإخوانهم في الكفر «لئن» لام قسم في الأربعة «أخرجتم» من المدينة «لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم» في خذلانكم «أحدا أبدا وإن قوتلتم» حذفت منه اللام الموطئة «لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم تنظر إلى المنافقين، يقولون لإخوانهم في الكفر من يهود بني النضير: لئن أخرجكم محمد ومَن معه مِن منازلكم لنخرجن معكم، ولا نطيع فيكم أحدًا أبدًا سألَنا خِذْلانكم أو ترك الخروج معكم، ولئن قاتلوكم لنعاوننكم عليهم؟

والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما وعدوا به يهود بني النضير.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن رسمت السورة الكريمة ، تلك الصورة الوضيئة للمهاجرين والأنصار والذين ابتعوهم بإحسان .

.

.

بعد لك ذلك أخذت فى رسم صورة أخرى ، متباينة تمام المباينة مع صورة هؤلاء الصادقين ، ألا وهى صورة المنافقين ، الذين انضموا إلى كل مناوئ للدعوة الإسلامية ، فقال - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ .

.

.

) .قال الآلوسى : قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نَافَقُواْ .

.

) حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة وتعجب منها بعد حكاية محاسن أحوال المؤمنين على اختلاف طبقاتهم ، والخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب .والآية - كما روى عن ابن عباس - نزلت فى رهط من بنى عوف منهم عبد الله بن أبى بن سلول .

.

.

بعثوا إلى بنى النضير بما تضمنته الجمل المحكية ، بقوله - تعالى - : ( يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب .

.

) .والمراد بالأخوة فى قوله - سبحانه - : ( يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ) : أخوة فى الكفر والفسوق والعصيان .

.

.

) .والمعنى : ألم يصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - حال أولئك المنافقين الذين أظهروا الإسلام ، وأبطنوا الكفر ، وهم يقولون لإخوانهم فى الكفر من أهل الكتاب ، وهم : يهود بنى النضير ، أثناء محاصرتكم - أيها المؤمنون - لهم .يقولون لهم : " والله لئن أخرجتم " من دياركم ( لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ) أى : لنخرجن من ديارنا معكم ، لنكون مصاحبين لكم حيثما سرتم .ويقولون لهم : - أيضا - ( وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً .

.

) أى : ولا نطيع فى شأنكم أحدا أبدا ، يريد العدوان عليكم ، أو يريد منعنا من الخروج معكم ومؤازرتكم .

.

.ويقولون لهم - كذلك - : ( وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ ) أى : وإن قاتلكم المسلمون ، لنقفن إلى جواركم ، ولنقدمن العون الذى يؤدى إلى نصركم .وقوله - سبحانه - : ( والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) رد عليهم ، وإبطال لمزاعمهم .أى : والله - تعالى - يشهد بأن هؤلاء المنافقين لكاذبون فى أقوالهم ، وفى عهودهم .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال المقاتلان: يعني عبد الله بن أبي، وعبد الله بن نبتل، ورفاعة بن زيد، كانوا من الأنصار، ولكنهم نافقوا يقولون لإخوانهم، وهذه الأخوة تحتمل وجوهاً أحدها: الأخوة في الكفر لأن اليهود والمنافقين كانوا مشتركين في عموم الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.

وثانيها: الأخوة بسبب المصادقة والموالاة والمعاونة.

وثالثها: الأخوة بسبب ما بينهما من المشاركة في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم قالوا لليهود: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ ﴾ من المدينة ﴿ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ ﴾ أي في خذلانكم ﴿ أَحَداً أَبَداً ﴾ ووعدوهم النصر أيضاً بقولهم: ﴿ وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ ﴾ ثم إنه تعالى شهد على كونهم كاذبين في هذا القول فقال: ﴿ والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ .

ولما شهد على كذبهم على سبيل الإجمال أتبعه بالتفصيل فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لإِخْوَانِهِمُ ﴾ الذين بينهم وبينهم أخوة الكفر، ولأنهم كانوا يوالونهم ويواخونهم، وكانوا معهم على المؤمنين في السر ﴿ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ ﴾ في قتالكم أحداً من رسول الله والمسلمين إن حملنا عليه.

أو في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة ﴿ لكاذبون ﴾ أي في مواعيدهم لليهود.

وفيه دليل على صحة النبوّة: لأنه إخبار بالغيوب.

فإن قلت: كيف قيل ﴿ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ ﴾ بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم؟

قلت: معناه: ولئن نصروهم على الفرض والتقدير، كقوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [الزمر: 65] وكما يعلم ما يكون، فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون.

والمعنى: ولئن نصر المنافقون اليهود لينهزمن المنافقون ثم لا ينصرون بعد ذلك، أي: يهلكهم الله تعالى ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم.

أو لينهزمنَّ اليهود ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ يُرِيدُ الَّذِينَ بَيْنَهم وبَيْنَهم أُخُوَّةُ الكُفْرِ أوِ الصَّداقَةُ والمُوالاةُ.

﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ ﴾ مِن دِيارِكم.

﴿ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكُمْ ﴾ في قِتالِكم أوْ خِذْلانِكم.

﴿ أحَدًا أبَدًا ﴾ أيْ مِن رَسُولِ اللَّهِ  والمُؤْمِنِينَ.

﴿ وَإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ﴾ لَنُعاوِنَنَّكم.

﴿ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ لِعِلْمِهِ بِأنَّهم لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ ﴾ وكانَ كَذَلِكَ فَإنَّ ابْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ راسَلُوا بَنِي النَّضِيرِ بِذَلِكَ ثُمَّ أخْلَفُوهُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ وإعْجازِ القُرْآنِ.

﴿ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ ﴾ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ.

﴿ لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ﴾ انْهِزامًا.

﴿ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ بَعْدُ بَلْ يَخْذُلُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْفَعُهم نُصْرَةُ المُنافِقِينَ، أوْ نِفاقُهم إذْ ضَمِيرُ الفِعْلَيْنِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِلْيَهُودِ وأنْ يَكُونَ لِلْمُنافِقِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نافقوا} أي ألم تر يا محمد إلى عبد الله بن أبيّ وأشياعه {يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب} يعني بني النضير والمراد إخوة الكفر {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ} من دياركم {لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ} روى ابن أبيّ وأصحابه دسوا إلى بني النضير حين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ولئن أخرجتم لنخرجن معكم {وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ} في قتالكم {أَحَداً أَبَداً} من رسول الله والمسلمين إن حملنا عليه أو في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون} في مواعيدهم لليهود وفيه دليل على صحة النبوة لأنه إخبار بالغيب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا ﴾ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ الكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ مِنَ الأقْوالِ الكاذِبَةِ والأحْوالِ الفاسِدَةِ وتَعْجِيبٌ مِنها بَعْدَ حِكايَةِ مَحاسِنِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ.

والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ والآيَةُ كَما أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رَهْطٍ مِن بَنِي عَوْفٍ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ووَدِيعَةُ بْنُ مالِكٍ وسُوَيْدٌ وداعِسٌ بَعَثُوا إلى بَنِي النَّضِيرِ بِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ المَحْكِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ ﴾ إلَخْ.

وقالَ السُّدِّيُّ: أسْلَمُ ناسٌ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وكانَ فِيهِمْ مُنافِقُونَ فَبَعَثُوا إلى بَنِي النَّضِيرِ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَقُولُونَ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ قَوْلِهِمْ، أوْ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِهِ، واللّامُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ لِلتَّبْلِيغِ والمُرادُ بِأُخُوَّتِهِمُ الأُخُوَّةُ في الدِّينِ واعْتِقادِ الفِكْرَةِ أوِ الصَّداقَةِ، وكَثُرَ جَمْعُ الأخِ مُرادًا بِهِ ما ذُكِرَ عَلى إخْوانٍ، ومُرادًا بِهِ الأُخُوَّةُ في النَّسَبِ عَلى إخْوَةٍ، وقَلَّ خِلافُ ذَلِكَ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ ﴾ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ واللَّهِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ مِن دِيارِكم قَسْرًا لَنَخْرُجَنَّ مِن دِيارِنا مَعَكُمُ البَتَّةَ ونَذْهَبَنَّ في صُحْبَتِكم أيْنَما ذَهَبْتُمْ ﴿ ولا نُطِيعُ فِيكُمْ ﴾ في شَأْنِكم ﴿ أحَدًا ﴾ يَمْنَعُنا مِنَ الخُرُوجِ مَعَكم وهو لِدَفْعِ أنْ يَكُونُوا وعَدُوهُمُ الخُرُوجَ بِشَرْطِ أنْ يُمْنَعُوا مِنهُ ﴿ أبَدًا ﴾ وإنْ طالَ الزَّمانُ، وقِيلَ: لا نُطِيعُ في قِتالِكم أوْ خِذْلانِكم، قالَ في الإرْشادِ: ولَيْسَ بِذاكَ لِأنَّ تَقْدِيرَ القِتالِ مُتَرَقَّبٌ بَعْدُ، ولِأنَّ وعْدَهم لَهم عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَدَمِ طاعَتِهِمْ لِمَن يَدْعُوهم إلى قِتالِهِمْ بَلْ نُصْرَتُهم عَلَيْهِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ﴾ أيْ لَنُعاوِنَنَّكم عَلى عَدُوِّكم عَلى أنَّ دَعْوَتَهم إلى خِذْلانِ اليَهُودِ مِمّا لا يُمْكِنُ صُدُورُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  والمُؤْمِنِينَ حَتّى يَدَّعُوا عَدَمَ طاعَتِهِمْ فِيها ضَرُورَةَ أنَّها لَوْ كانَتْ لَكانَتْ عِنْدَ اسْتِعْدادِهِمْ لِنُصْرَتِهِمْ وإظْهارِ كُفْرِهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ ما يَفْعَلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ ذَلِكَ قَتْلُهم لا دَعْوَتُهم إلى تَرْكِ نُصْرَتِهِمْ، وأمّا الخُرُوجُ مَعَهم فَلَيْسَ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ مِن إظْهارِ الكُفْرِ لِجَوازِ أنْ يَدَّعُوا أنَّ خُرُوجَهم مَعَهم لِما بَيْنَهم مِنَ الصَّداقَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لا لِلْمُوافَقَةِ في الدِّينِ، ونُوقِشَ في ذَلِكَ، وجَوابُ ”إنْ“ مَحْذُوفٌ، و ﴿ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةِ، وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ عَلى ما هو القاعِدَةُ المَشْهُورَةُ فِيما إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ عَلى الشَّرْطِ ﴿ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ في مَواعِيدِهِمُ المُؤَكَّدَةِ بِالأيْمانِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يعني: منافقي المدينة.

يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني: من بني النضير.

لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً يعني: ولا نطيع محمدا  في خذلانكم.

وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ يعني: لنعينكم.

وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في مقالتهم، وإنما قالوا ذلك بلسانهم في غير حقيقة قلوبهم، فقال الله تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ يعني: لئن أخرج بنو النضير، لا يخرج المنافقين معهم.

وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ يعني: لا يمنعونهم من ذلك.

وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ يعني: ولو أعانوهم لا يثبتون على ذلك وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ يعني: رجعوا منهزمين.

ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ، ثم لا يثبتون يعني: لا يُمْنَعون من الهزيمة.

ثم قال عز وجل: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً يعني: أنتم يا معشر المسلمين أشد رهبة فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ، يعني: خوفهم منكم أشد مِنْ عَذَابِ الله في الآخرة.

ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ، يعني: لا يعقلون أمر الله تعالى.

ثم أخبر عن ضعف اليهود في الحرب، فقال عز وجل: لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً، يعني: لا يخرجون إلى الصحراء لقتالكم.

إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ، يعني: حصينة أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ، يعني: يقاتلونكم من وراء جدر، فحذف الألف وهو جمع الجدار.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو من وراء جدار بالألف، والباقون جُدُرٍ بحذف الألف وهو جماعة وممن قرأ جدار، فهو واحد يريد به الجمع.

ثم قال: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ، يعني: قتالهم فيما بينهم إذا اقتتلوا شديد، وأما مع المؤمنين فلا.

ثم قال تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً، يعني: تظن أن المنافقين واليهود على أمر واحد وكلمتهم واحدة.

وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى، يعني: قلوب اليهود مختلفة ولم يكونوا على كلمة واحدة.

ذلِكَ بِأَنَّهُمْ يعني: ذلك الاختلاف بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ يعني: لا يعقلون أمر الله تعالى.

ثم ضرب لهم مثلا، فقال عز وجل: كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: مثل بني النضير مثل الذين من قبلهم، يعني: أهل بدر.

قَرِيباً يعني: كان قتال بدر قبل ذلك بقريب، وهو مقدار سنتين أو نحو ذلك قريبا.

ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ يعني: عقوبة ذنبهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: عذابا شديدا في الآخرة ثم ضرب لهم مثلا آخر في الآخرة، وهو مثل المنافقين مع اليهود حين خذلوهم ولم يعينوهم.

كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ يعني: برصيصا الراهب.

وروى عدي بن ثابت، عن ابن عباس-  ما- قال: كان في بني إسرائيل راهب عبد الله تعالى زمانا من الدهر، حتى كان يؤتى بالمجانين فيعودهم ويداويهم، فيبرءون على يديه.

وأنه أتى بامرأة قد جنت وكان لها أخوة فأتوه بها، فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزين له، حتى وقع عليها، فحملت.

فلما استبان حملها، لم يزل به الشيطان يخوفه ويزين له، حتى قتلها ودفنها.

ثم ذهب الشيطان إلى إخوتها في صورة رجل، حتى لقي أحدا من أخوتها، فأخبره بالذي فعل الراهب، وأنه دفنها في مكان كذا.

فبلغ ذلك ملكهم، فسار الملك مع الناس، فأتوه فاستنزلوه من الصومعة فأقر لهم بالذي فعل، فأمر به، فصلب.

فلما رفع على خشبة، تمثل له الشيطان، فقال: أنا الذي زينت لك هذا وألقيتك فيه، فهل لك أن تطيعني: فيما أقول لك، وأخلصك مما أنت فيه؟

فقال: نعم.

قال: اسجد لي سجدة واحدة.

فسجد له، فذلك قوله: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ يعني: اسجد.

فَلَمَّا كَفَرَ يعني: سجد.

قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ، قال ذلك على وجه الاستهزاء، كذلك المنافقون خذلوهم اليهود كما خذل الشيطان الراهب، فَكانَ عاقِبَتَهُما يعني: عاقبة الشيطان والراهب، أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها يعني: مقيمين فيها.

وكان ابن مسعود يقرأ خالدان فيها، وقراءة العامة بعده خالِدَيْنِ فِيها بالنصب.

وإنما هو نصب على الحال.

وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ يعني: الخلود في النار جزاء المنافقين والكافرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الذي أضاف هو، أبو طلحة انتهى، قال الترمذي الحكيم في كتاب «ختم الأولياء» له:

حدثنا أبي قال: حدثنا عبد اللَّه بن عاصم: حدثنا الجمانيُّ: حدثنا صالح المُرِّيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: قال رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ بُدَلاَءَ أُمَّتِي لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلاَ صَلاَةٍ إنَّما دَخَلُوهَا بِسَلاَمَةِ الصُّدُورِ، وَسَخَاوَةِ الأَنْفُسِ، وَحُسْنِ الخُلُقِ، والرَّحْمَةِ بِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ» «١» انتهى، والإيثار على النفس أكرم خلق، قال أبو يزيد البسطاميُّ: قدم علينا شاب من بَلْخٍ حاجًّا فقال لي: ما حَدُّ الزهد عندكم؟

فقلت: إذَا وَجَدْنَا أَكَلْنَا، وَإذَا فَقَدْنَا صَبَرْنَا، فقال: هكذا عندنا كلابُ بلخ!

فقلت له: فما هو عندكم؟!

فقال: إذا فقدنا صَبْرَنَا، وَإذَا وجدنا آثرنا، ورُوِيَ أَنَّ سبب هذه الآية أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم، لَمَّا فَتَحَ هذه الْقُرَى قَالَ لِلاٌّنْصَارِ: «إنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَمْوَالِكْمْ وَدِيَارِكُمْ وَشَارَكْتُمُوهُمْ في هذه الْغَنِيمَةِ، وَإنْ شِئْتُمْ أَمْسَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ وَتَرَكْتُمْ لَهُمْ هذه الغَنِيمَةَ فَقَالُوا: بَلْ نَقْسِمُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِنَا، وَنَتْرُكُ لَهُمْ هذه الغَنِيمَةَ، فنزلت الآية، والخصاصة: الفاقَةُ والحاجةُ، وشُحُّ النفس: هو/ كثرةَ طَمَعِهَا.

وضبطها على المال، والرغبةُ فيه، وامتدادُ الأمل هذا جماع شُحِّ النفس.

وهو داعية كُلِّ خلق سوء، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: مَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَقَرَى الضَّيْفَ، وَأَعْطَى في النَّائِبَةِ- فَقَدْ بَرِىءَ من الشُّحِّ» ، وَإلى هذا الذي قلناه ذهب الجمهور والعارفون بالكلام، وقيل في الشح غير هذا، قال ع «٢» : وشُحُّ النفس فَقْرٌ لا يذهبه غِنَى المالِ، بل يزيده، وينصب به ويُوقَ مِنْ وقى يَقِي، وقال الفخر:

اعلم أَنَّ الفرق بين الشُّحِّ والبخل هو أَنَّ البخل نفس المنع، والشُّحُّ هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المَنْعَ، ولَمَّا كان الشُّحُّ من صفات النفس لا جَرَمَ، قال اللَّه تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي: الظافرون بما أرادوا، قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه اللَّه عن أخذه، ولم يمنع شيئاً أمره اللَّه تعالى بإعطائه- فقد وقي شحّ نفسه «٣» ، انتهى.

وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤)

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ ...

الآية: قال جمهور العلماء: أراد مَنْ يجيء من التابعين وغيرهم إلى يوم القيامة، وقال الفرَّاءُ: أراد الفرقة الثالثة من الصحابة، وهي مَنْ آمن في آخر مُدَّةِ النبي صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: يَقُولُونَ: حال فيها الفائدة، والمعنى: والذين جاؤوا قائلين كذا، وروت أُمُّ الدرداء، وأبو الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ كان يقول: «دَعْوَةُ المُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مَوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ قَالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ مِثْلُهُ» «١» رواه مسلم، انتهى، قال ع «٢» : ولهذه الآية قال مالك وغيره: إِنَّه مَنْ كان له في أحدٍ من/ الصحابة رأيُ سوءٍ أو بغض، فلا حَظَّ له في فَيْءِ المسلمين، وقال عبد اللَّه بن يزيد: قال الحسن: أدركت ثلاثمائةٍ مِنْ أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم منهم سبعون بَدْرِيًّا كُلُّهم يحدثني أَنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ» «٣» فالجماعة أَلاَّ تَسُبّوا الصحابة، ولا تماروا في دينِ اللَّه، ولا تُكَفِّرُوا أَحداً من أَهْلِ التوحيد بذنب، قال عبد اللَّه: فَلَقِيتُ أبا أمامة وأبا الدرداء وواثلةَ وأَنَساً، فكلُّهم يحدثني عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بمثل حديث الحسن، والغِلُّ: الحقد والاعتقاد الرديء.

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ ...

الآية: نزلَتْ في عبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيٍّ ابن سلول، ورفاعةَ بن التابوت وقومٍ من منافقي الأنصار كانوا بعثوا إلى بني النضير، وقالوا لهم: اثبتوا في معاقلكم، فإنَّا مَعَكُمْ كيفما تقلبت حالُكم، وكانوا في ذلك كاذبين، وإنَّما أرادوا بذلك أَنْ تقوى نُفُوسُهُمْ عسى أَنْ يثبتوا حَتَّى لا يقدر النبي صلّى الله عليه وسلّم عليهم، فيتمَّ مرادهم، وجاءت الأفعال غيرَ مجزومة في قوله: لا يَخْرُجُونَ ولا يَنْصُرُونَهُمْ لأَنَّها راجعةٌ إلى حكم القسم، لا إلى حكم الشرط، والضمير في

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا ﴾ يَعْنِي: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ ﴿ يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ ﴾ في الدِّينِ، لِأنَّهم كُفّارٌ مِثْلُهُمْ، وهُمُ اليَهُودُ ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ ﴾ مِنَ المَدِينَةِ ﴿ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكُمْ ﴾ أيْ: في خِذْلانِكم ﴿ أحَدًا أبَدًا ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم يُخْلِفُونَهم ما وعَدُوهم مِنَ الخُرُوجِ والنَّصْرِ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ، فَكانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، لِأنَّهم أُخْرِجُوا فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمُ المُنافِقُونَ، وقُوتِلُوا فَلَمْ يَنْصُرُوهُمْ، ومَعْنى ﴿ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ ﴾ لَئِنْ قُدِّرَ وُجُودُ نَصْرِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ نَفى نَصْرَهُمْ، فَلا يَجُوزُ وجُودُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ يَعْنِي: بَنِي النَّضِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأنْتُمْ أشَدُّ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ أشَدُّ ﴿ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: بَنُو النَّضِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُقاتِلُونَكم جَمِيعًا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: اليَهُودُ والمُنافِقُونَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والمَعْنى: أنَّهم لا يَبْرُزُونَ لِحَرْبِكُمْ، إنَّما يُقاتِلُونَ مُتَحَصِّنِينَ ﴿ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبانُ "جِدارٍ" بِألِفٍ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "جُدُرٍ" بِضَمِّ الجِيمِ والدّالِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "جَدَرٍ" بِفَتْحِ الجِيمِ والدّالِ جَمِيعًا، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، ومُعاوِيَةُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "جَدْرٍ" بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ الدّالِ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ يَعْمَرَ "جُدْرٍ" بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ الدّالِ ﴿ بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ ﴾ فِيما وراءَ الحُصُونِ شَدِيدٌ، وإذا خَرَجُوا إلَيْكم فَهم أجْبَنُ خَلْقِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَحْسَبُهم جَمِيعًا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: بَنُو النَّضِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلُوبُهم شَتّى ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: هم مُخْتَلِفُونَ لا تَسْتَوِي قُلُوبُهُمْ، ولا يَتَعاوَنُونَ بِنِيّاتٍ مُجْتَمِعَةٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ناصِرُ حِزْبِهِ، وخاذِلُ أعْدائِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي: ذَلِكَ الِاخْتِلافَ ﴿ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ما فِيهِ الحَظُّ لَهم.

ثُمَّ ضَرَبَ لِلْيَهُودِ مَثَلًا، فَقالَ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بَنُو قَيْنُقاعٍ، وكانُوا وادَعُوا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ غَدَرُوا، فَحَصَرُوهُمْ، ثُمَّ نَزَلُوا عَلى حُكْمِهِ أنَّ لَهُ أمْوالَهُمْ، ولَهُمُ النِّساءُ والذُّرِّيَّةُ.

فالمَعْنى: مَثَلُ بَنِي النَّضِيرِ فِيما فُعِلَ بِهِمْ كَبَنِي قَيْنُقاعٍ فِيما فُعِلَ بِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهم كُفّارُ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والمَعْنى: مَثَلُ هَؤُلاءِ اليَهُودِ كَمَثَلِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبِلِهِمْ قَرِيبًا، وذَلِكَ لِقُرْبِ غَزاةِ بَنِي النَّضِيرِ مِن غَزاةِ بَدْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم بَنُو قُرَيْظَةَ، فالمَعْنى: مَثَلُ بَنِي النَّضِيرِ كَبَنِي قُرَيْظَةَ ﴿ ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ﴾ بِأنْ قُتِلَتْ مُقاتَلَتُهُمْ، وسُبِيَتْ ذَرارِيهُمْ، وهَؤُلاءِ أُجْلُوا عَنْ دِيارِهِمْ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ في الآخِرَةِ.

ثُمَّ ضَرَبَ لِلْيَهُودِ والمُنافِقِينَ مَثَلًا فَقالَ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ﴾ والمَعْنى: مَثَلُ المُنافِقِينَ في غُرُورِهِمْ بَنِي النَّضِيرِ، وقَوْلِهِمْ: لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ، ولَئِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ، كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ﴿ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْكافِرِ في طاعَةِ الشَّيْطانِ، وهو عامٌّ في جَمِيعِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وهَذا شَرْحُ قِصَّتِهِ.

ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ عابِدًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ يُقالُ لَهُ: بِرْصِيصا تَعَبَّدَ في صَوْمَعَةٍ لَهُ أرْبَعِينَ سَنَةً لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الشَّيْطانُ، فَجَمَعَ إبْلِيسُ يَوْمًا مَرَدَةَ الشَّياطِينِ، فَقالَ: ألا أحَدٌ مِنكم يَكْفِينِي بِرْصِيصا، فَقالَ الأبْيَضُ، وهو صاحِبُ الأنْبِياءِ: أنا أكْفِيكَهُ، فانْطَلَقَ عَلى صِفَةِ الرُّهْبانِ، وأتى صَوْمَعَتَهُ، فَناداهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، وكانَ لا يَنْفَتِلُ عَنْ صِلاتِهِ إلّا في كُلِّ عَشْرَةِ أيّامٍ، ولا يُفْطِرُ إلّا في كُلِّ عَشْرَةِ أيّامٍ، فَلَمّا رَأى أنَّهُ لا يُجِيبُهُ أقْبَلَ عَلى العِبادَةِ في أصْلِ صَوْمَعَتِهِ، فَلَمّا انْفَتَلَ بِرْصِيصا، اطَّلَعَ فَرَآهُ مُنْتَصِبًا يُصَلِّي عَلى هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، فَناداهُ: ما حاجَتُكَ؟

فَقالَ: إنِّي أحْبَبْتُ أنْ أكُونَ مَعَكَ، أقْتَبِسُ مِن عَمَلِكَ، وأتَأدَّبُ بِأدَبِكَ، ونَجْتَمِعُ عَلى العِبادَةِ، فَقالَ بِرْصِيصا: إنِّي لَفي شُغْلٍ عَنْكَ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى صَلاتِهِ، وأقْبَلَ الأبْيَضُ يُصَلِّي، فَلَمْ يُقْبِلْ إلَيْهِ بِرْصِيصا أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَرَآهُ يُصَلِّي، فَلَمّا رَأى شِدَّةً اجْتِهادِهِ، قالَ: ما حاجَتُكَ؟

فَأعادَ عَلَيْهِ القَوْلَ، فَأذِنَ لَهُ، فَصَعِدَ إلَيْهِ، فَأقامَ مَعَهُ حَوْلًا لا يُفْطِرُ إلّا كُلَّ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ولا يَنْفَتِلُ مِن صِلاتِهِ إلّا في كُلِّ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ورُبَّما زادَ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا رَأى بِرْصِيصا اجْتِهادَهُ، أعْجَبَهُ شَأْنُهُ وتَقاصَرَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ، فَلَمًّا حالَ الحَوْلُ قالَ الأبْيَضُ لِبِرْصِيصا: إنِّي مُنْطَلِقٌ عَنْكَ، فَإنَّ لِي صاحِبًا غَيْرَكَ ظَنَنْتُ أنَّكَ أشَدُّ اجْتِهادًا مِمّا أرى، وكانَ يُبْلِغُنا عَنْكَ غَيْرَ الَّذِي أرى، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى بِرْصِيصا، وكَرِهَ مُفارَقَتَهُ، فَلَمّا ودَّعَهُ قالَ لَهُ الأبْيَضُ: إنَّ عِنْدِي دَعَواتٍ أُعَلِّمُكَها، يَشْفِي اللَّهُ بِها السَّقِيمَ، ويُعافِي بِها المُبْتَلى، فَقالَ بِرْصِيصا: إنِّي أكْرَهُ هَذِهِ المَنزِلَةَ، لِأنَّ لِي في نَفْسِي شُغْلًا، فَأخافُ أنْ يَعْلَمَ النّاسُ بِهَذا، فَيَشْغَلُونِي عَنِ العِبادَةِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى عَلَّمَهُ إيّاها، ثُمَّ انْطَلَقَ إلى إبْلِيسَ فَقالَ: قَدِ واللَّهِ أهْلَكْتُ الرَّجُلَ، فانْطَلَقَ الأبْيَضُ، فَتَعَرَّضَ لِرَجُلٍ فَخَنَقَهُ، ثُمَّ جاءَهُ في صُورَةِ رَجُلٍ مُتَطَبِّبٍ، فَقالَ لِأهْلِهِ: إنَّ بِصاحِبِكم جُنُونًا فَأُعالِجُهُ؟

قالُوا: نَعَمْ، فَقالَ لَهُمْ: إنِّي لا أقْوى عَلى جِنِّيِهِ، ولَكِنْ سَأُرْشِدُكم إلى مَن يَدْعُو لَهُ فَيُعافى، فَقالُوا لَهُ: دُلَّنا، قالَ: انْطَلَقُوا إلى بِرْصِيصا العابِدِ، فَإنَّ عِنْدَهُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ، فانْطَلَقُوا إلَيْهِ، فَدَعا بِتِلْكَ الكَلِماتِ، فَذَهَبَ عَنْهُمُ الشَّيْطانُ، وكانَ الأبْيَضُ يَفْعَلُ بِالنّاسِ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْشِدُهم إلى بِرْصِيصا، فَيُعافَوْنَ، فَلَمّا طالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ انْطَلَقَ إلى جارِيَةٍ مِن بَناتِ مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ، لَها ثَلاثَةُ إخْوَةٍ، فَخَنَقَها، ثُمَّ جاءَ إلَيْهِمْ في صُورَةِ مُتَطَبِّبٍ، فَقالَ: أُعالِجُها؟

قالُوا: نَعَمْ.

فَقالَ: إنَّ الَّذِي عَرَضَ لَها مارِدٌ لا يُطاقُ، ولَكِنْ سَأُرْشِدُكم إلى رَجُلٍ تَدَعُونَها عِنْدَهُ، فَإذا جاءَ شَيْطانُها دَعا لَها، قالُوا، ومَن هُوَ؟

قالَ: بِرْصِيصا، قالُوا: فَكَيْفَ لَنا أنْ يَقْبَلَها مِنّا، وهو أعْظَمُ شَأْنًا مِن ذَلِكَ؟!

قالَ: إنْ قَبِلَها، والا فَضَعُوها في صَوْمَعَتِهِ، وقُولُوا لَهُ: هي أمانَةٌ عِنْدَكَ، فانْطَلَقُوا إلَيْهِ، فَأبى عَلَيْهِمْ، فَوَضَعُوها عِنْدَهُ.

وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ قالَ: ضَعُوها في ذَلِكَ الغارِ، وهو غارٌ إلى جَنْبِ صَوْمَعَتِهِ، فَوَضَعُوها، فَجاءَ الشَّيْطانُ فَقالَ: لَهُ انْزِلْ إلَيْها فامْسَحْها بِيَدِكَ تُعافى، وتَنْصَرِفُ إلى أهْلِها، فَنَزَلَ، فَلَمّا دَنا إلى بابِ الغارِ دَخَلَ الشَّيْطانُ فِيها، فَإذا هي تَرْكُضُ، فَسَقَطَتْ عَنْها ثِيابُها، فَنَظَرَ العابِدُ إلى شَيْءٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ حُسْنًا وجَمالًا، فَلَمْ يَتَمالَكْ أنْ وقْعَ عَلَيْها، وضَرَبَ عَلى أُذُنِهِ، فَجَعَلَ يَخْتَلِفُ إلَيْها إلى أنْ حَمَلَتْ، فَقالَ لَهُ الشَّيْطانُ: ويْحَكَ يا بِرْصِيصا قَدِ افْتُضِحْتَ، فَهَلْ لَكَ أنْ تَقْتُلَ هَذِهِ وتَتُوبَ؟!

فَإنْ سَألُوكَ عَنْها فَقُلْ: جاءَ شَيْطانُها، فَذَهَبَ بِها، فَلَمْ يَزَلْ بِها حَتّى قَتَلَها، ودَفَنَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى صَوْمَعَتِهِ، فَأقْبَلَ عَلى صَلاتِهِ إذْ جاءَ إخْوَتُها يَسْألُونَ عَنْها، فَقالُوا: يا بِرْصِيصا!

ما فَعَلَتْ أُخْتُنا؟

قالَ: جاءَ شَيْطانُها فَذَهَبَ بِها، ولَمْ أُطِقْهُ، فَصَدَّقُوهُ، وانْصَرَفُوا.

وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ قالَ: دَعَوْتُ لَها، فَعافاها اللَّهُ، ورَجَعَتْ إلَيْكُمْ، فَتَفَرَّقُوا يَنْظُرُونَ لَها أثَرًا، فَلَمّا أمْسَوْا جاءَ الشَّيْطانُ إلى كَبِيرِهِمْ في مَنامِهِ، فَقالَ: ويْحَكَ: إنَّ بِرْصِيصا فَعَلَ بِأُخْتِكَ كَذا وكَذا، وإنَّهُ دَفَنَها في مَوْضِعِ كَذا مِن جَبَلِ كَذا، فَقالَ: هَذا حُلْمٌ، و بِرْصِيصا خَيْرٌ مِن ذَلِكَ، فَتَتابَعَ عَلَيْهِ ثَلاثَ لَيالٍ، ولا يَكْتَرِثُ، فانْطَلَقَ إلى الأوْسَطِ كَذَلِكَ، ثُمَّ إلى الأصْغَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالَ الأصْغَرُ لِإخْوَتِهِ: لَقَدْ رَأيْتُ كَذا وكَذا، فَقالَ الأوْسَطُ: وأنا واللَّهِ، فَقالَ الأكْبَرُ: وأنا واللَّهِ، فَأتَوْا بِرْصِيصا، فَسَألُوهُ عَنْها، فَقالَ: قَدْ أعْلَمْتُكم بِحالِها، فَكَأنَّكُمُ اتَّهَمْتُمُونِي، قالُوا: لا واللَّهِ، واسْتَحْيَوْا، وانْصَرَفُوا، فَجاءَهُمُ الشَّيْطانُ فَقالَ: ويْحَكم إنَّها لَمَدْفُونَةٌ في مَوْضِعِ كَذا وكَذا، وإنَّ إزارَها لَخارِجٌ مِنَ التُّرابِ، فانْطَلَقُوا، فَحَفَرُوا عَنْها، فَرَأوْها، فَقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ لَمَ قَتَلْتَها؟

اهْبِطْ، فَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، ثُمَّ أوْثَقُوهُ، وجَعَلُوا في عُنُقِهِ حَبْلًا، ثُمَّ قادُوهُ إلى المَلِكِ فَأقَرَّ عَلى نَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّ الشَّيْطانَ عَرَضَ لَهُ، فَقالَ: تَقْتُلُها ثُمَّ تُكابِرُ، فاعْتَرَفَ، فَأمَرَ المَلِكُ بِقَتْلِهِ وصَلْبِهِ، فَعَرَضَ لَهُ الأبْيَضُ، فَقالَ: أتَعْرِفُنِي؟

قالَ: لا، قالَ: أنا صاحِبُكَ الَّذِي عَلَّمْتُكَ الدَّعَواتِ، ويْحَكَ ما اتَّقَيْتَ اللَّهَ في أمانَةٍ خُنْتَ أهْلَها، أما اسْتَحْيَيْتَ مِنَ اللَّهِ؟!

ألَمْ يَكْفِكَ ذَلِكَ حَتّى أقْرَرْتَ فَفَضَحَتْ نَفْسَكَ وأشْباهَكَ بَيْنَ النّاسِ؟!

فَإنَّ مُتَّ عَلى هَذِهِ الحالَةِ لَمْ تُفْلِحْ، ولا أحَدٌ مِن نُظَرائِكَ، قالَ: فَكَيْفَ أصْنَعُ قالَ: تُطِيعُنِي في خَصْلَةٍ حَتّى أُنْجِيَكَ، وآخُذَ بِأعْيُنِهِمْ، وأُخْرِجَكَ مِن مَكانِكَ، قالَ: ما هِيَ؟

قالَ: تَسْجُدُ لِي، فَسَجَدَ لَهُ، فَقالَ: هَذا الَّذِي أرَدْتُ مِنكَ صارَتْ عاقِبَةُ أمْرِكَ أنْ كَفَرْتَ ﴿ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ ﴾ ثُمَّ قُتِلَ.

فَضَرَبَ اللَّهُ هَذا المَثَلَ لِلْيَهُودِ حِينَ غَرَّهُمُ المُنافِقُونَ، ثُمَّ أسْلَمُوهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أخافُ اللَّهَ ﴾ ونَصَبَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو ياءَ "إنِّيَ" وأسْكَنَها الباقُونَ.

وقَدْ بَيَّنّا المَعْنى في [الأنْفالِ: ٤٨] ﴿ فَكانَ عاقِبَتَهُما ﴾ يَعْنِي: الشَّيْطانَ وذَلِكَ الكافِرَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم واللهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ لأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، ورِفاعَةَ بْنِ التابُوتِ، وقَوْمٍ مِن مُنافِقِي الأنْصارِ كانُوا بَعَثُوا إلى بَنِي النَضِيرِ وقالُوا لَهُمْ: اثْبُتُوا في مَعاقِلِكم فَإنّا مَعَكم كَيْفَما تَقَلَّبَتْ حالُكُمْ، وإنَّما أرادُوا بِذَلِكَ أنْ تَقْوى نُفُوسُهم عَسى أنْ يَثْبُتُوا حَتّى لا يَقْدِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلَيْهِمْ فَيَتِمُّ لَهم مُرادُهُمْ، وكانُوا كِذْبَةً فِيما قالُوا مِن ذَلِكَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَخْرُجُوا حِينَ أُخْرِجَ بَنُو النَضِيرِ بَلْ قَعَدُوا في دِيارِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ ﴾ مَعْناهُ: ولَئِنْ حاوَلُوا نَصْرَهم فَإنَّهم يَنْهَزِمُونَ ثُمَّ لا يَنْصُرُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِنهم.

وجاءَتِ الأفْعالُ غَيْرُ مَجْزُومَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَخْرُجُونَ" و"لا يَنْصُرُونَهُمْ" لِأنَّها راجِعَةٌ عَلى حُكْمِ القِسْمِ لا عَلى حُكْمِ الشَرْطِ، وفي هَذا نَظَرٌ.

ثُمَّ خاطَبَ تَعالى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  مُخْبِرًا أنَّ اليَهُودَ والمُنافِقِينَ أشَدُّ خَوْفًا مِنَ المُؤْمِنِينَ مِنهم مَنِ اللهِ تَعالى لِأنَّهم يَتَوَقَّعُونَ عاجِلَ الشَرِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ ولا يُؤْمِنُونَ بِآجِلِ العَذابِ مِنَ اللهِ تَعالى، وذَلِكَ لِقِلَّةِ فَهْمِهِمْ بِالأُمُورِ وتَوْفِيقِهِمْ لِلْحَقِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعقب ذكر ما حلّ ببني النضير وما اتصل به من بيان أسبابه، ثم بياننِ مصارف فيْئهم وفَيْء ما يُفتح من القرى بعد ذلك، بذكر أحوال المنافقين مع بني النضير وتغريرهم بالوعود الكاذبة ليعلم المسلمون أن النفاق سجية في أولئك لا يتخلون عنه ولو في جانب قوم هم الذين يودُّون أن يظهروا على المسلمين.

والجملة استئناف ابتدائي والاستفهام مستعمل في التعجيب من حال المنافقين فبني على نفي العلم بحالهم كناية عن التحريض على إيقاع هذا العلم كأنه يقول: تأمَّل الذين نافقوا في حال مقالتهم لإِخوانهم ولا تترك النظر في ذلك فإنه حال عجيب، وقد تقدم تفصيل معنى: ﴿ ألم تر ﴾ إلى كذا عند قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ في سورة [البقرة: 243].

وجملة يقولون} في موضع المفعول الثاني.

والتقدير: ألم تَرَهم قائلين.

وجيء بالفعل المضارع لقصد تكرر ذلك منهم، أي يقولون ذلك مؤكّدينه ومكرِّرينه لا على سبيل البداء أو الخاطر المعدول عنه.

و ﴿ الذين نافقوا ﴾ المخبر عنهم هنا هم فريق من بني عوف من الخزرج من المنافقين سمي منهم عبد الله بنُ أُبيّ ابنُ سلول، وعبد الله بن نبتَل، ورفاعة بن زيد، ورافعة بن تابوت، وأوس بن قيظي، ووديعة بن أبي قوتل، أو ابن قوقل، وسويد (لم يُنسب) وداعس (لم ينسب)، بَعثوا إلى بني النضير حين حاصر جيش المسلمين بني النضير يقولون لهم: اثبتوا في معاقلكم فإنَّا معكم.

والمراد بإخوانهم بنو النضير وإنما وصفهم بالإِخوة لهم لأنهم كانوا متّحدين في الكفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وليست هذه أخوة النسب فإن بني النضير من اليهود، والمنافقين الذين بَعثوا إليهم من بني عوف من عرب المدينة وأصلهم من الأزد.

وفي وصف إخوانهم ب ﴿ الذين كفروا ﴾ إيماء إلى أن جانب الأخوة بينهم هو الكفر إلا أن كفر المنافقين كفرُ الشرك وكفر إخوانهم كفر أهل الكتاب وهو الكفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولام ﴿ لئن أخرجتم ﴾ موطئة للقسم، أي قالوا لهم كلاماً مؤكداً بالقسم.

وإنما وعدوهم بالخروج معهم ليطمئنُّوا لنصرتهم فهو كناية عن النصر وإلاَّ فإنهم لا يرضون أن يفارقوا بلادهم.

وجملة ﴿ ولا نطيع فيكم أحداً ﴾ معطوفة على جملة ﴿ لئن أخرجتم ﴾ فهي من المقول لا من المقسَم عليه، وقد أُعريت عن المؤكد لأن بني النضير يعلمون أن المنافقين لا يطيعون الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين فكان المنافقون في غنية عن تحقيق هذا الخبر.

ومعنى ﴿ فيكم ﴾ في شأنكم، ويعرف هذا بقرينة المقام، أي في ضركم إذ لا يخطر بالبال أنهم لا يطيعُون من يَدعوهم إلى موالاة إخوانهم، ويقدر المضاف في مثل هذا بما يناسب المقام.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم، ﴾ [المائدة: 52] أي في الموالاة لهم.

ومعنى ﴿ لننصرنكم ﴾ لنعيننكم في القتال.

والنصر يطلق على الإِعانة على المعادي.

وقد أعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأنهم كاذبون في ذلك بعد ما أعلمه بما أقسموا عليه تطميناً لخاطره لأن الآية نزلت بعد إجْلاء بني النضير وقبل غزو قريظة لئلا يتوجس الرسول صلى الله عليه وسلم خِيفة من بأس المنافقين، وسمى الله الخبر شهادة لأنه خبر عن يقين بمنزلة الشهادة التي لا يتجازف المخبر في شأنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اخْتِلافُ قُلُوبِهِمْ حَتّى لا يَتَّفِقُوا عَلى أمْرٍ واحِدٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ وعِيدُهم لِلْمُسْلِمِينَ لَنَفْعَلَنَّ كَذا وكَذا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ تَحْسَبُهم جَمِيعًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ.

الثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ واليَهُودُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَقُلُوبُهم شَتّى ﴾ يَعْنِي مُخْتَلِفَةً مُتَفَرِّقَةً، قالَ الشّاعِرُ إلى اللَّهِ أشْكُو نِيَّةً شَقَّتِ العَصا هي اليَوْمُ شَتّى وهي بِالأمْسِ جَمْعٌ وَفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَقُلُوبُهم أشَتُّ) بِمَعْنى أشَدُّ تَشْتِيتًا، أيْ أشَدُّ اخْتِلافًا.

وَفي اخْتِلافِ قُلُوبِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهم عَلى باطِلٍ، والباطِلُ مُخْتَلِفٌ، والحَقُّ مُتَّفِقٌ.

الثّانِي: أنَّهم عَلى نِفاقٍ، والنِّفاقُ اخْتِلافٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم كُفّارُ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهم قَتْلى بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: أنَّهم بَنُو النَّضِيرِ الَّذِينَ أُجْلُوا مِنَ الحِجازِ إلى الشّامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهم بَنُو قُرَيْظَةَ، كانَ قَبْلَهم إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ.

﴿ ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ﴾ بِأنْ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ [بْنِ مُعاذٍ] فَحَكَمَ فِيهِمْ بِقَتْلِ مُقاتِلِيهِمْ وسَبْيِ ذَرارِيهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في تِجارَتِهِمْ.

الثّانِي: في نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ.

﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكافِرِ في طاعَتِهِ لِلشَّيْطانِ، وهو عامٌّ في النّاسِ كُلِّهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّها خاصَّةً في سَبَبٍ خاصٍّ صارَ بِهِ المَثَلُ عامًّا، وذَلِكَ ما رَواهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ راهِبًا كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَيُحْسِنُ عِبادَتَهُ، وكانَ يُؤْتى مِن كُلِّ أرْضٍ يَسْألُ عَنِ الفِقْهِ وكانَ عالِمًا، وأنَّ ثَلاثَةَ إخْوَةٍ كانَتْ لَهم أُخْتٌ مِن أحْسَنِ النِّساءِ مَرِيضَةٌ، وأنَّهم أرادُوا سَفَرًا فَكَبُرَ عَلَيْهِمْ أنْ يَذَرُوها ضائِعَةً، فَجَعَلُوا يَأْتَمِرُونَ فِيما يَفْعَلُونَ، فَقالَ أحَدُهُمْ: ألا أدُلُّكم عَلى مَن تَتْرُكُونَها عِنْدَهُ؟

فَقالَ لَهُ مَن؟

فَقالَ: راهِبُ بَنِي إسْرائِيلَ، وإنْ ماتَ قامَ عَلَيْها، وإنْ عاشَتْ حَفِظَها حَتّى تَرْجِعُوا إلَيْهِ، فَعَمَدُوا إلَيْهِ وقالُوا: إنّا نُرِيدُ السَّفَرَ وإنّا لا نَجِدُ أحَدًا أوْثَقَ في أنْفُسِنا مِنكَ ولا آمَنَ عَلَيْنا غَيْرَكَ، فاجْعَلْ أُخْتَنا عِنْدَكَ فَإنَّها ضائِعَةً مَرِيضَةً، فَإنْ ماتَتْ فَقُمْ عَلَيْها، وإنْ عاشَتْ فاحْفَظْها حَتّى نَرْجِعَ، فَقالَ: أكْفِيكم إنْ شاءَ اللَّهُ، وإنَّهُمُ انْطَلَقُوا، فَقامَ عَلَيْها وداواها حَتّى بَرِئَتْ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ الشَّيْطانُ يُزَيِّنُ لَهُ حَتّى وقَعَ عَلَيْها وحَبِلَتْ، ثُمَّ تَقَدَّمَ مِنهُ الشَّيْطانُ فَزَيَّنَ لَهُ قَتْلَها وقالَ: إنْ لَمْ تَفْعَلِ افْتُضِحْتَ، فَقَتَلَها.

فَلَمّا عادَ إخْوَتُها سَألُوهُ عَنْها فَقالَ: ماتَتْ فَدَفَنْتُها، قالُوا أحْسَنْتَ، فَجَعَلُوا يَرَوْنَ في المَنامِ أنَّ الرّاهِبَ قَتَلَها وأنَّها تَحْتَ شَجَرَةِ كَذا، فَعَمَدُوا إلى الشَّجَرَةِ فَوَجَدُوها قَدْ قُتِلَتْ، فَأخَذُوهُ، فَقالَ لَهُ الشَّيْطانُ: أنا الَّذِي زَيَّنْتُ لَكَ قَتْلَها بَعْدَ الزِّنى فَهَلْ لَكَ أنْ أُنْجِيكَ وتُطِيعُنِي؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ فاسْجُدْ لِي سَجْدَةً واحِدَةً، فَسَجَدَ ثُمَّ قُتِلَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ﴾ فَكَذا المُنافِقُونَ وبَنُو النَّضِيرِ مَصِيرُهم إلى النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ قال: الذين أسلموا فعنوا أيضاً عبدالله بن نبتل وأوس بن قيظي.

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: الناس على ثلاثة منازل قد مضت منزلتان وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة وقد مضت ثم قرأ ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان من قبلهم ﴾ الآية ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة وقد مضت، ثم قرأ ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان ﴾ فقد مضت هاتان المنزلتان وبقيت هذه المنزلة فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ الآية قال: أمروا بالاستغفار لهم، وقد علم ما أحدثوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم ثم قرأت هذه الآية ﴿ والذين جاؤوا يقولون ربنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر أنه سمع رجلاً وهو يتناول بعض المهاجرين، فقرأ عليه ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون فمنهم أنت؟

قال: لا ثم قرأ عليه ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار أفأنت منهم؟

قال: لا.

ثم قرأ عليه ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ الآية، ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟

قال: أرجو.

قال: لا ليس من هؤلاء من يسب هؤلاء.

وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عمر أنه بلغه أن رجلاً نال من عثمان، فدعاه فأقعده بين يديه، فقرأ عليه ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ الآية قال: من هؤلاء أنت؟

قال: لا.

ثم قرأ ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ الآية، قال: من هؤلاء أنت؟

قال: أرجو أن أكون منهم.

قال: لا والله ما يكون منهم من يتناولهم وكان في قلبه الغل عليهم.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ ﴿ ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ﴾ .

وأخرج الحكيم الترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه قال: «بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يطلع الآن رجل من أهل الجنة فأطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته ماء من وضوئه، معلق نعليه في يده الشمال، فلما كان من الغد؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فاطلع ذلك الرجل على مثل مرتبته الأولى، فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فأطلع ذلك الرجل، فلما قام الرجل أتبعه عبدالله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تحل يميني فعلت.

قال: نعم، قال أنس: فكان عبدالله بن عمرو يحدث أنه بات معه ليلة فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه كان إذا تقلب على فراشه ذكر الله وكبر، حتى يقوم لصلاة الفجر فيسبغ الوضوء غير أني لا أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت احتقر عمله قلت: يا عبدالله إنه لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرات في ثلاث مجالس يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فأطلعت أنت تلك المرات الثلاث، فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك، فإذا ما هو إلا ما رأيت فانصرفت عنه فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلاّ ما قد رأيت غير أني لا أجد في نفسي غلاً لأحد من المسلمين، ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه، فقال له عبدالله بن عمرو: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: «بلغنا أن رجلاً صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا الرجل من أهل الجنة.

قال عبدالله بن عمرو: فأتيته فقلت: يا عماه الضيافة، قال نعم، فإذا له خيمة وشاة ونخل، فلما أمسى خرج من خيمته فاحتلب العنز واجتنى لي رطباً ثم وضعه، فأكلت معه فبات نائماً وبت قائماً، وأصبح مفطراً، وأصبحت صائماً، ففعل ذلك ثلاث ليال، فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيك: إنك من أهل الجنة فأخبرني ما عملك؟

فائت الذي أخبرك حتى يخبرك بعملي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ائته فمره أن يخبرك فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تخبرني.

قال: أما الآن فنعم فقال: لو كانت الدنيا لي فأخذت مني لم أحزن عليها، ولو أعطيتها لم أفرح بها وأبيت وليس في قلبي غل على أحد قال عبدالله: لكني والله أقوم الليل وأصوم النهار ولو وهبت لي شاة لفرحت بها، ولو ذهبت لحزنت عليها، والله لقد فضلك الله علينا فضلاً بيناً» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا ﴾ قال عبدالله بن أبيّ بن سلول ورفاعة بن تابوت وعبدالله بن نبتل وأوس بن قيظي وإخوانهم بنو النضير.

وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس أن رهطاً من بني عوف بن الحارث منهم عبدالله بن أبيّ بن سلول ووديعة بن مالك وسويد وداعس بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لا نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا وقذف الله الرعب في قلوبهم، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإِبل من أموالهم إلا الحلقة، ففعل، فكان الرجل منهم يهدم بيته فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قد أسلم ناس من أهل قريظة والنضير، وكان فيهم منافقون، وكانوا يقولون لأهل النضير: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، فنزلت فيهم هذه الآية ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإِخوانهم ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا ﴾ قال: عبدالله بن أبيّ بن سلول ورفاعة بن تابوت وعبدالله بن نبتل وأوس بن قيظي ﴿ يقولون لإِخوانهم ﴾ قال: النضير ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ قال: بالكلام ﴿ تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ﴾ قال: المنافقون يخالف دينهم دين النضير ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً ﴾ قال: كفار قريش يوم بدر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ﴾ قال: كذلك أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً ﴾ قال: هم بنو النضير.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ﴾ قال: هم المشركون.

وأخرج الديلمي عن علي قال: المؤمنون بعضهم لبعض نصحاء وادّون وإن افترقت منازلهم، والفجرة بعضهم لبعض غششة خونة وإن اجتمعت أبدانهم.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً ﴾ قال: هم كفار قريش يوم بدر.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً ﴾ قال: هم بنو النضير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾ (١) (٢) ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ ﴾ أي من المدينة ﴿ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ ﴾ أي في خذلانكم وإسلامكم ﴿ أَحَدًا أَبَدًا ﴾ ووعدوهم (٣) (٤) ﴿ وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ﴾ ثم كذبهم الله تعالى في ذلك فقال ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر.

(١) أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قد أسلم ناس من أهل قريظة والنضير، وكان فيهم منافقون، وكانوا يقولون لأهل النضير: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، فنزلت فيهم هذه الآية ...

"الدر" 6/ 199.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 148 ب، و"التفسير الكبير" 29/ 288.

(٣) (ك): (ووعدهم).

(٤) (ك): (بقوله).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نَافَقُواْ ﴾ الآية: نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول وقوم من المنافقين بعثوا إلى بني النضير، وقالوا لهم: اثبتوا في حصونكم فإنا معكم كيف ما تقلبت حالكم ﴿ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً ﴾ أي لا نسمع فيكم قول قائل، ولا نطيع من يأمرنا بخذلانكم، ثم كذبهم الله في هذه المواعيد التي وعدوا بها.

فإن قيل: كيف قال لئن نصروهم ليولنّ الأدبار بعد قوله: ﴿ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ ؟

فالجواب: أن المعنى على الفرض والتقدير أي لو فرضنا أن ينصروهم لولوا الأدبار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد: أبوعمرو.

والباقون: بالتخفيف من الإخراب ﴿ تكون ﴾ بالتاء الفوقانية ﴿ دولة ﴾ بالرفع على " كان " التامة: يزيد.

والآخرون: على التذكير والنصب ﴿ جدار ﴾ بالألف على التوحيد: ابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون: بضمتين من غير ألف.

﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ الباري ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو طريق ابن عبدوس.

الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الحشر ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ط ﴿ في الدنيا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ه ﴿ ورسوله ﴾ ج بناء على أن الشرط من جملة المذكور ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ فانتهوا ﴾ ج لابتداء من بعد جزاء الشرط مع اتفاق النظم ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه لئلا يوهم أن قوله ﴿ للفقراء ﴾ يتعلق بـ ﴿ شديد ﴾ ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ج بناء على أن ما بعده مستأنف أو معطوف ويجيء وجه كل منهما في التفسير.

﴿ خصاصة ﴾ قف قيل: وقفة والأحسن الوصل لأن الاعتراض مؤكد لما قبله ﴿ المفلحون ﴾ ه لمثل المذكور ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ لا لأن ما بعده من تمام القول ﴿ لننصركم ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ معهم ﴾ ج ﴿ لا ينصرونهم ﴾ ط للعطف فيهما مع الابتداء بالقسم ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ جدر ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ج لتعلق الكاف بـ ﴿ لا يعقلون ﴾ أو بمحذوف أو مثلهم كمثل ﴿ أمرهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ أليم ﴾ ه ج لما قلنا ﴿ اكفر ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لغد ﴾ ج لاعتراض خصوص بين العمومين أي لم يتق الله كل واحد منكم فلتنظر لغدها نفس واحد منكم ﴿ واتقوا الله ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أنفسهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ الأولى ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ من خشية الله ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده خبر مبتدأ محذوف ﴿ والشهادة ﴾ ج لاحتمال كون الضمير بدلاً من عالم أو مبتدأ ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط لما قلنا ﴿ المتكبر ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: قال المفسرون: صالح بنو النضر رسول الله  على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما غلب الكفار يوم بدر قالوا: هوالنبي الذي نعته في التوراة لا ترد له رأيه، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبين إلى مكة فعاهدوا قريشاً عند الكعبة، فأمر النبي  محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة وكان اخا كعب من الرضاعة ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم: اخرجوا من المدينة فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك.

فتنادوا بالحرب.

وقيل: استمهلوا رسول الله  عشرة أيام ليتجهزوا للخروج فأرسل إليهم عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فدرّبوا على الأزقة وحصنوها، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة.

فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصرة المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم، فذهبوا إلى اريحاء وأذرعات من الشأم إلا أهل بيتين منهم ابن أبي الحقيق وحُيَيّ بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة.

واللام في قوله ﴿ لأول الحشر ﴾ بمعنى الوقت كقولك " جئت ليوم كذا ".

وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام.

فمعنى الحشر إخراج الجميع من مكان، ومعنى الأولية أنه لم يصبهم قبل ذلك مثل هذا الذل لأنهم كانوا أهل منعة هذا قول ابن عباس والأكثرين.

وقيل: هذا أول حشرهم، وآخره حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام كما جاء في الحديث " نار تخرج من المشرق وتسوق الناس إلى المغرب" قاله قتادة.

وقيل: آخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام.

وقيل: معناه لأول ما حشر بقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله  .

قال في الكشاف: الفرق بين النظم الذي جاء عليه وبين قول القائل " وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم " هو أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وثوقهم بحصانتها، وفي نصب ضميرهم اسماً لأن إسناد الجملة إليه دليل على أنهم اعتقدوا عزة أنفسهم ومنعتها بحيث لا يمكن لأحد أن يتعرض لهم.

قلت: حاصل كلامه  الحصر.

ومعنى إتيان الله إتيان أمره وهو النصر إن عاد إلى اليهود وهذا أظهر ليناسب قوله  ﴿ في قلوبهم ﴾ ولاستعمال القرآن نظيره في مواضع أخر في معرض التهديد ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك  ﴾ ومعنى ﴿ لم يحتسبوا ﴾ أنه لم يخطر ببالهم قتل كعب غيلة على يد أخيه.

وقذف الرعب في قلوبهم وهذا من خواص نبينا  كما مر في آل عمران ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب  ﴾ وفي لفظ القذف زيادة تأكيد ولهذا قالوا في صفة الأسد " مقذف " فكأنما قذف باللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه.

قال الفراء ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها.

وكان أبو عمرو ويقول: الإخراب أن يترك الشيء خراباً، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا.

وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض الأحكام نحو " فرحته " و " أفرحته " و " حسنة الله " و " أحسنه ".

قال المفسرون: إنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج.

قلت: ويحتمل أن يكون بعض التخريب لسدّ أفواه الأزقة بالخشب والحجارة أو لنقل ما أرادوا حمله من جيد الخشب والساج.

وأما المؤمنون فداعيهم إلى ذلك إزالة تحصنهم أو أن يتسع لهم في الحرب مجال، ومعنى تخريبهم بأيدي المؤمنين أنهم كانوا السبب فيه وأنهم عرضوا المؤمنين لذلك.

ثم أمر أهل الابصار الباطنة بالاعتبار وهو العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ومنه العبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، والتعبير لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، والعبارة لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى فهم المستمع، والسعيد من اعتبر بغيره لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، أو القائس يعبر عن المقيس عليه إلى المقيس.

ومعنى الاعتبار في الآية أنهم اعتمدوا على حصونهم وعدّتهم فأمر الله تعالى أرباب العقول بأن ينظروا في حالهم ولا يعتمدوا على شيء غير الله، أو المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الكفر والغدر والطعن في النبوّة فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر والكفر في البلاء والجلاء.

واعترض بأن رب شخص وكفر وما عذب في الدنيا، ورب ممتحن مبتلى هو نبي أو ولي.

وأجيب بأن حاصل القياس والاعتبار يرجع إلى أن الغادر الكافر معذب أعم من أن يكون بالتخريب أو بالقتل أو في الدنيا أو في الآخرة والعكس لا يلزم.

وقيل: معنى الاعتبار أن رسول الله  وعدهم أن يورثهم أرضهم وأموالهم بغير قتال فكان كما وقع فدل على صحة نبوّته.

والجلاء أن لم يبق لهم بالمدينة دار ولا فيها منهم ديار وهذا عندهم أشدّ من الموت فلهذا قال ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ﴾ بالقتل ﴿ ولهم في الآخرة ﴾ بعدما عاينوا في الدنيا ﴿ عذاب النار ذلك ﴾ التخريب أو الجلاء أو العذاب بسبب مخالفتهم وعصيانهم الله ورسوله.

قالت الفقهاء: فيه دليل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها فليس أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب.

يروى أنه  حين أمر أن يقطع نخلهم ويحرق قالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟

فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء فأنزل الله تعالى ﴿ ما قطعتم ﴾ محله نصب و ﴿ من لينة ﴾ بيان له كأنه قيل: أي شيء قطعتم من لينة وهي النخلة من الألوان ما خلا العجوة والبرنية وهما أجود النخل.

وياؤها واو في الأصل كالديمة.

وقيل: هي النخلة الكريمة من اللين فتكون الياء أصلية، فبين الله  أن ذلك جائز غيظاً لقلوب الكفرة.

واحتج الفقهاء بها على جواز هدم حصون الكفار وقلع أشجارهم.

وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال.

وروي أن رجلين كان يقطع أحدهما العجوة والآخر يترك فسألهما رسول الله  فقال هذا: تركتها لرسول الله  وقال هذا: قطعتها غيظاً للكفار.

وقد يستدل بهذا على جواز الاجتهاد ولو بحضرة النبي  وعلى أن كل مجتهد مصيب.

قوله ﴿ وما أفاء الله ﴾ أدخل العاطف ههنا دون الأخرى لأن تلك بيان لهذه فهي غير أجنبية عنها والأولى معطوفة على ما قبلها.

ومعنى أفاء جعله فيئاً من فاء إذا رجع وذلك لرجوعه من ملك الكفار إلى ملك المسلمين.

والإيجاف من الوجيف وهو السير السريع.

وقوله ﴿ عليه ﴾ أي على ما أفاء.

والركاب ما يركب من الإبل واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها، وقلما تطلق العرب الراكب إلا على راكب البعير، بين الله  الفرق بين الغنيمة والفيء حين طلب الصحابة أن يقسم أموال أولئك اليهود بينهم اعترض بعضهم بأن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا أياماً وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من الغنيمة لا من الفيء.

وأجاب المفسرون من وجهين: الأول أنها لم تنزل في بني النضير وإنما نزلت في فدك ولهذا كان رسول الله  ينفق على نفسه وعلى عياله من غلة فدك ويجعل الباقي في السلاح والكراع.

الثاني تسليم أنها نزلت فيهم ولكن لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا على أرجلهم ولم يركب إلا رسول الله  وكان راكب جمل، فلما كان المعاملة قليلة ولم يكن خيل ولا ركاب أجراه الله مجرى ما لم يكن قتال ثمة.

ثم روي أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهو أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن أبرهة قال الواحدي: كان الفيء مقسوماً في زمان رسول الله  خمسة أسهم: أربعة منها لرسول الله  خاصة وكذا خمس الباقي، والسهم الأربعة من هذا الباقي لذي القربى ولد بني هاشم والمطلب، واليتامى والمساكين وابن السبيل.

وأما بعد الرسول فللشافعي فيه قولان: أحدهما أنه للمجاهدين المترصدين للقتال في الثغور لأنهم قاموا مقام رسول الله  في رباط الثغور.

والثاني أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر الأهم فالأهم.

هذا في الأربعة الأخماس التي كانت له، وأما السهم الذي كان له من خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف وقد مر سائر ما يتعلق بقسمة الغنائم في سورة الأنفال.

ثم بين الغرض من قسمة الفيء على الوجه المذكور فقال ﴿ كيلا يكون دولة ﴾ قال المبرد: هي اسم للشيء الذي يتداوله الناس بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة كالغرفة اسم لما يغرف.

والدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم.

قال جار الله: هي بالضم ما يدول للانسان أي يدور من الجد يقال دالت الدولة.

فعلى قول المبرد معناه كيلا يكون الفيء شيئاً يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء، وعلى قول جار الله: كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء جداً بين الأغنياء يتكاثرون به، أو لكيلا يكون الفيء دولة جاهلية كان الرؤساء منهم يستأثرون بالغنائم لأنهم أهل الرياسة والجد والغلبة وكانوا يقولون من عز بر ومنه قول الحسن " اتخذوا عباد الله خولاً ومال الله دولاً " يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به.

ومن قرأ على " كان " التامة فالمعنى كيلا يقع شيء متعاوراً بينهم غير مخرج إلى الفقراء، أو كيلا تقع دولة جاهلية أي ينقطع أثرها.

قوله ﴿ وما آتاكم ﴾ الآية.

قيل: يختص بأنه يقسم الغنائم وأن على المؤمنين أن يرضوا بما يعطيهم الرسول  منها، والأولى عند المحققين العموم.

قوله ﴿ للفقراء ﴾ بدل من قوله ﴿ ولذي القربى ﴾ إلى آخر الأصناف الأربعة.

ولا يجوز أيضاً أن يكون ابتدال البدل من قوله ﴿ فلله ﴾ لأنه يخل بتعظيم قولهم ﴿ وللرسول ﴾ لأنه  أخرجه عن الفقراء بقوله ﴿ وينصرون الله ورسوله ﴾ ولترفع منصبه عن التسمية بالفقير.

ولئن صح أنه  قال " "الفقر فخري" فذاك معنى آخر وهو غنى القلب وانقطاع التعلق عما سوى الله وجعل الهموم هماً واحداً وهو الافتقار بالكلية إلى الله.

إستدل بعض العلماء بقوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ على إمامة أبي بكر لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يقولون له يا خليفة رسول الله  .

فلو لم تكن خلافته حقه لزم كذبهم وهو خلاف الآية.

وقال في الكشاف: أراد صدقهم في إيمانهم وجهادهم.

قوله ﴿ والذين تبوّؤا الدار ﴾ معطوف على المهاجرين وكذا قوله ﴿ والذين جاءوا ﴾ وذلك عند من يجعل الغنائم حلاً للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان أو التابعين لهم إلى يوم القيامة وعلى هذا يكون قوله ﴿ يحبون ﴾ و ﴿ يقولون ﴾ حالين أي الغنائم لهم محببن قائلين.

ومن جعل المراد بيان غنائم بني النضير وقف على ﴿ هم الصادقون ﴾ و ﴿ المفلحون ﴾ وجعل الفعلين خبرين.

وعلى هذا يكون الآيتان ثناء على الأنصار على الإيثار، وللتابعين على الدعاء.

قال مقاتل: أثنى على الأنصار حين طالبت أنفسهم عن الفيء إذ جعل للمهاجرين دونهم.

وههنا سؤالان أحدهما: أنه لا يقال تبوؤا الإيمان.

الثاني بتقدير التسليم أن الأنصار ما تبوؤا الإيمان قبل المهاجرين.

والجواب من الأول أن المراد تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله: "علفتها تبناً وماء بارداً" *** أو هو مجاز من تمكنهم واستقامتهم على الإيمان كأنهم جعلوه مستقراً لهم كالمدينة أو هو مجاز بالنقصان.

والمعنى تبوّؤا دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من الثاني، أو سمى المدينة بالإيمان لأنها مكان ظهور الإيمان وهذا يؤل بالحقيقة إلى الوجه الذي تقدمه.

وعن الثاني أن المراد من قبل هجرتهم أو هو من تمام تبوء الدار، ولا شك أن الأنصار سبقوهم في ذلك وإن لم يسبقوهم في الإيمان ﴿ ولا يجدون في صدورهم حاجة ﴾ أي حسداً وغيظاً مما أوتى المهاجرون من الفيء وغيره.

وإطلاق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة من إطلاق اسم اللازم على الملزوم لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة.

وقال جار الله: المحتاج إليه يسمى حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطح إلى شيء منه يحتاج إليه ﴿ ولو كان بهم خصاصة ﴾ أي خلة فهي من خصاص البيت أي فرجه، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص الواحد خصاصة.

وفعول ﴿ يؤثرون ﴾ محذوف أي يؤثرونهم ويخصونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم.

عن ابن عباس أن النبي  قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم.

فقالوا: لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا نؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها فنزلت.

والشح المنع الذاتي الذي تقتضيه الحالة النفسانية ولهذا أضيف إلى النفس، والبخل المنع المطلق من غير اعتبار صيرورته غريزة وملكة.

قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه فقد وقي شح نفسه.

وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار الضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى شبع الضيف.

والظاهر أنها نزلت في الفيء كما مر ويدخل فيه غيره.

قوله ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ أي هاجروا بعد المهاجرين الأوّلين.

وقيل: هم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فتشمل الآيات الثلاث جميع المؤمنين.

ثم عجب من أحوال أهل النفاق من أهل المدينة كعبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن زيد، كانوا في الظاهر من الأنصار ولكنهم يوالون اليهود في السر فصاروا إخوانهم في الكفر وقالوا له ملا نطيع في قتالكم أو خذلانكم أحداً.

ثم شهد إجمالاً عليهم بأنهم كاذبون، ثم فصل ذلك قائلاً ﴿ لئن أخرجوا ﴾ إلى قوله ﴿ ولئن نصروهم ﴾ وهذا على سبيل الفرض لأنه  كما يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون.

والمعنى لو فرض نصر المنافقين اليهود ليهزمن المنافقون ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ بعد ذلك أي لا يمنعهم من عذاب الله مانع لظهور كفرهم.

وقيل: ليهزمن اليهود ثم لا تنفعهم نصرة المنافقين.

وعلى هذا يكون " ثم " لترتيب الأخبار كقوله ﴿ ثم اهتدى  ﴾ ثم بيّن الحكمة في الغزو فقال ﴿ لأنتم أشد رهبة ﴾ قال في الكشاف: أي مرهوبية هي مصدر رهب المبني للمفعول.

وقوله ﴿ في صدورهم ﴾ دلالة على نفاقهم يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله خوفاً شديداً ورهبتهم في السر منكم أشد من ذلك لأنهم لا يفقهون عظمة الله فلا يخشونه حق خشيته.

وجوز أن يكون المراد أن اليهود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله وكانوا يتشجعون للمسلمين مع إضمار الخيفة في صدورهم.

قلت: الأظهر أن المراد أنتم فيه أكثر مكانة من مواعظ الله أو لثمرة جهادكم معهم أوفر من ثمرة ترهبهم بعقاب الله ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ من سر التكاليف وتبعة الكفر والنفاق في الآخرة فلا يرتدعون إلا خوفاً من العقوبة العاجلة.

ومن هذا أخذ عمر فقال: ما ينزع السلطان أي يمنع أكثر مما ينزع القرآن.

وقال الشاعر: السيف أصدق إنباء من الكتب *** وقيل: العبد لا يردعه إلا العصا.

ثم شجع المسلمين بقوله ﴿ لا يقاتلونكم ﴾ أي لا يقدرون على قتالكم مجتمعين ﴿ إلا في قرى محصنة ﴾ غاية التحصين ﴿ أو من وراء جدر ﴾ لا مبارزين مكشوفين في الأراضي المستوية ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ لا بينكم لأنكم منصورون بنصرة الله مؤيدون بتأييده، أو لأنهم يحسبون في أنفسهم وفيما بينهم أموراً يعلم الله أنها لا تقع في الخارج على وفق حسبانهم وعن ابن عباس: معناه بعضهم لبعض عدوّ يؤيده قوله ﴿ تحسبهم جميعاً ﴾ مجتمعين ذوي تآلف ومحبة ﴿ وقلوبهم شتى ﴾ متفرقة وهو فعلى من الشت.

وإنما قال ههنا ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ وفي الأوّل ﴿ لا يفقهون ﴾ لأن الفقه معرفة ظاهر الشيء وغامضه فنفي عنهم ذلك كما قلنا، وأراد ههنا أنهم لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا فتشتتهم دليل عدم عقلهم لأن العقل يحكم بأن الاجتماع معين على المطلوب والتفرق يوهن القوى ولا سيما إذا كانوا مبطلين.

ثم شبه حالهم بحال من قتلوا قبلهم ببدر في زمان قريب.

قال جار الله: انتصب ﴿ قريباً ﴾ بمحذوف أي كوجود مثل أهل بدر قريباً.

قلت: لا يبعد أن يتعلق بصلة الذين.

ثم ضرب مثلاً آخر لإغراء المنافقين اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، والمراد إما عموم دعوة الشيطان للإنسان إلى الكفر وإما خصوص إغراء إبليس قريشاً يوم بدر كما مر في الأنفال في قوله  ﴿ وإذ زين لهم الشيطان  ﴾ إلى قوله ﴿ إني برىء منكم  ﴾ قال مقاتل: وكان عاقبة اليهود والمنافقين مثل عاقبة الشيطان والإنسان حتى صار إلى النار.

قال جار الله: كرر الأمر بالتقوى تأكيداً أو لأن الأول في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل والثاني في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد.

وسمى القيامة بالغد تقريباً لمجيئها.

عن الحسن: لم يزل بقربه حتى جعله كالغد.

وقيل: جعل مجموع زمان الدنيا كنهار عند الآخرة.

قال أهل المعاني: تنكير ﴿ نفس ﴾ للتقليل كما مر في الوقوف وتنكير ﴿ غد ﴾ للتعظيم والتهويل.

قال مقاتل: ونسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم حتى لم يشعروا لها بما ينفعها، أو فأراهم يوم القيامة من الأحوال ما نسوا فيه أنفسهم.

قلت: يجوز أن يراد نسوا ذكر الله فأورثهم القسوة وفساد الاستعداد بالكلية.

وحين نهى المؤمنين عن كونهم مثل الناسين الغافلين ذكرهم بأنه لا استواء بين الفريقين ففيه شبه قرع العصا كأنهم غفلوا عن هذا الواضح البين كما تقول لمن يعصي أباه " هو أبوك ".

استدل أصحاب الشافعي بالآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي وإلا استويا، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالقهر وإلا استويا.

واحتج بعض المعتزلة بها على أن صاحب الكبيرة لو دخل الجنة وهو من أهل النار لزم خلاف الآية.

والجواب ظاهر لأنه على تقدير إمكان العفو لا يحكم أنه من أهل النار.

ثم عظم أمر القرآن الذي يعلم منه هذا البيان.

قال الكشاف: هو مثل وتخييل بدليل قوله ﴿ وتلك الأمثال ﴾ يعني هذا وغيره من أمثال التنزيل.

وقال غيره: المعنى إشارة إلى قوله ﴿ كمثل الذين ﴾ ﴿ كمثل الشيطان ﴾ ولما وصف القرآن بما وصف عظم شأنه بوجه آخر وهو التنبيه على أوصاف منزله، وقد سبق شرح أكثر هذه الأسماء في هذا الكتاب ولا سيما في البسملة.

والقدّوس مبالغة القدس وهو التبليغ في الطهارة والبراءة عما يشين هذا بالنسبة إلى زمان الماضي والحال.

والسلام إشارة إلى كونه سالماً عن الآفات والعاهات والنقائص في زمان الاستقبال، ويجوز أن يراد أنه المعطي للسلامة.

المؤمن الواهب الأمن والمصدق لأنبيائه بالمعجزات.

وقد مر معنى المهيمن وأصل اشتقاقه في المائدة في قوله ﴿ ومهيمناً عليه  ﴾ وأن معناه الرقيب الحافظ لكل شيء.

ولمكان تعداد هذه الأوصاف كرر قوله ﴿ يسبح له ﴾ إلى آخر السورة.

فمن عزته كان منزهاً عن النقائص أهلاً للتسبيح، ومن حكمته أمر المكلفين في السموات والأرضين بأن يسبحوا له ليربحوا لا ليربح هو عليهم وهو تعالى أعلم بمراده وبالله التوفيق للخير وإليه المآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ .

هذه الآية تدل على أن الله -  - جعل حجة رسالة محمد  قول المنافقين في أنفسهم؛ لأنهم قالوا هذا القول سرا منهم إلى أهل الكتاب؛ لأنه لا يحتمل أن يظهروا مثل هذا القول بين يدي المؤمنين؛ ولا كان الكفار يخبرون بهذا أحداً من المؤمنين، فلما أخبر بما قال المنافقون، ثبت أنه ما علمه إلا من الوحي والتنزيل، وذلك علم نبوته عليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يجوز أن يكونوا قالوا لهم هذا على أن يتكثر أتباعهم في القتال.

والثاني: أنهم قالوا ذلك لأهل الكتاب على حسبان منهم أن رسول الله  إذا علم بحال هؤلاء، لم يخرجهم من المدينة؛ خوفاً أن يقال: أخرج أصحابه، وإذن لهم لم يخرج أهل الكتاب ولم يقاتلوا.

وقوله: ﴿ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً ﴾ .

يعني: لا ننظر أحداً فيكم أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ ﴾ يحتمل أن يكونوا وعدوا نصرهم هذا في قرى محصنة، ثم أخبر أنهم: وإن نصروهم ثم انهزموا، هربوا ونفروا وتولوا ولم ينصروهم بعد ذلك أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

لقائل أن يقول: كيف يشهد عليهم بالكذب، والكذب إنما يدخل في الأخبار، وقولهم الذي قالوا إنما هو وعد منهم؛ فحقه أن يقال: إنهم لمخلفوا الوعد؟

وبمثل هذه الحجة احتج الخوارج في تكفير من أذنب ذنباً، وذلك أنهم يقولون: إن من آمن بالله -  - فقد اعتقد ألا يعصيه، فإذا عصاه تبين بعصيانه أنه كذب في اعتقاده؛ فكفر لهذا المعنى.

ومن جوابنا عن هذا: أن قول المنافقين لأهل الكتاب إخبار منهم من موالاتهم أياهم، فأخبر الله -  - أنهم كاذبون فيما أخبروا عن الموالاة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ .

في هذه الآية حجة رسالته على الفريقين جميعاً وذلكأن هذا خبر عن الغائب، وذلك لا يوصل إلى علمه إلا بالتعليم، ولم يكن النبي  اختلف إلى أحد غيره، ولا تلقن شيئاً من أحد من البشر، فإذا أخبر عما يحدث وعما هو غائب، ثبت أنه ما قاله إلا عن الرسالة والوحي، والله أعلم.

قال: ويجوز أن يكون الله -  - ذكر المؤمنين بهذه الآيات على ما لقي الرسول -  - ممن كان الواجب [عليهم] - على ما عليه عادتهم -: الإحسان إليه؛ وذلك أنه كان من عادة العرب المعونة والنصرة لمن قاربهم في النسب أو القبيلة، وإن كان ظالماً، ثم إن الله -  وتعالى - أرسل محمداً  من بين أظهرهمه من قريش، فأظهروا معه من العداوة ما أظهروا حتى هموا بقتله، وجعل محمداً  حين أرسله حجة يظهر لليهود والنصارى وجميع أهل [الكتاب] ما ذكر في كتابهم من نعته وصفته، فقابلوه بذلك ما قابلوا من سوء الصنيع وإظهار العداوة، وكان هذا كله - والله أعلم - حجة وعلامة، يعلم بها أن رسالته -  - لم تظهر بمعاونة أحد؛ بل بنصر الله وفضله وتأييده، والله المستعان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل أن يكون رهبة هؤلاء في صدورهم على التحقيق، ويجوز أن تكون على التمثيل: فأما وجه التمثيل فهو ما قال: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ  ﴾ ؛ فأخبر أنهم يعتذرون إليهم بالحلف؛ فيجوز أن يكون معاملتهم هذه - التمثيل - معاملة من يرهبهم؛ فسمى ذلك: رهبة في قلوبهم، وهذا نحو قوله -  -: ﴿ ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ  يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ  ﴾ ، يعني: جمع ماله جمع من يحسب أن ماله أخلده؛ فكذلك الأول.

ويجوز أن يكون على التحقيق؛ ولذلك أوجه من التأويل: أحدها: أنهم كانوا يظهرون الموالاة لكل فريق، وكان عندهم أن الله -  - ولي أحد الفريقين لا محالة، وإذا نجا أحد الفريقين نجوا هم أيضاً؛ فكأنهم على هذا التأويل كانوا يرهبون الخلق جميعاً، لا أن يختص به المؤمنون، وكانوا لا يرهبون الله؛ لأنهم أمنوا ناحتيه من الوجه الذي وصفنا.

ويجوز أن يكون رهبتهم من المؤمنين خاصة، وذلك أن أهل النفاق إنما كانوا من أحد الصنفين: أما إذا كانوا دهرية فنافقوا إذا كانوا أهل كتاب، وإن كانوا أهل كتاب فنافقوا، فإن كانوا دهرية فكانوا لا يرهبون الله -  - لما كانوا غير مقربين بالصانع، وإن كانوا أهل كتاب، فإنهم قد آمنوا - أيضاً - لما كانوا يصفون من قولهم : ﴿ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ  ﴾ ، وإذا سقطت الرهبة من كلا الجنابين من الله -  - حصلت الرهبة من المؤمنين خاصة، والله أعلم.

ويجوز أن يكون تفسير قوله -  -: ﴿ لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ في قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ ، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم لا يفقهون أن البلايا التي في الدنيا ونعيمها تذكير لبلايا الآخرة ونعيمها، وكانوا يرون أنها جعلت لأنفسها، وإذا كان هذا وهمهم وحسبانهم لم يرهبوا من الله  .

والثاني: أنهم قوم لا يفقهون من الوعد والوعيد؛ بل كانت رهبتهم ممن كانوا يأملون منهم المنافع ويحذرون مضارهم، فلا يرهبون من الله  .

ولقائل أن يقول: إنه لا أحد من أهل الإسلام إلا ورهبته من الناس أشد من ربهة الله -  - لأنك ترى الرجل يمتنع عن الزلة عند اطلاع الناس عليه ما لا يمتنع عن كثير من الزلات فيما بينه وبين الله  .

والجواب عن هذا وجهان: أحدهما: أنه ليس بإزاء الخوف من الإنسان رجاء يرجوه، وبإزاء رهبته من الله -  - رجاء يرجوه من رحمته وفضله وإحسانه؛ فيجوز أن يكون الرجاء من رحمته وفضله يغلب عليه؛ فيقترف الذنوب ويرتكبها.

والوجه الثاني: إذا كان يما يرتكبه من الذنب شرك فليس يهابهم، وإنما خوفه من قوم فيهم سمعة الصلاح وأمارة النصر لدين الله -  - ليس من نفس المخلوقين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ ﴾ .

قوله: ﴿ جَمِيعاً ﴾ ، أي: لا يقاتلكم أهل النفاق وأهل الكتاب جميعاً معا، وإنهم ليسوا بفاعلين ما وعدوا لأهل الكتاب من النصر والقتال.

واحتمل أن يكون استثناؤه من الوعد الذي وعدوا لأهل الكتاب، فإن كان من القتال فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم لا يقاتلون إلا أن يكونوا في قرى أو حصون أو من وراء جدر، لا يعلم بهم أهل الإسلام، والله أعلم.

وإن كان من الوجه الثاني فهو يحتمل وجهين أيضاً.

أحدهما: أنهم لا يوفون ما وعدوا من النصر في القتال لأهل الكتاب، ولكنهم يلتجئون إلى قرى محصنة؛ ألا ترى إلى ما أخبر الله -  - منهم من ناحية المسلمين: ﴿ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ  ﴾ ، فأخبر أنهم قد أظهروا الموالاة للمسلمين كما اظهروا لأهل الكتاب إلى أن جاء القتال التجئوا إلى مكان يستمعون من أخبارهم؛ فعلى ذلك النحو يجوز أن يكون في أهل الكتاب.

والوجه الثاني: أنهم لا يقاتلون، ولكنهم يدخلون في قرى محصنة يتربصون لمن يكون الظفر والعاقبة؟

كما أخبر عنهم في آية أخرى، وهو قوله -  -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ  ﴾ : فأخبر الله -  -: أنهم يتربصون العاقبة، فالتجاؤهم إلى قرى محصنة يجوز أن يكون بهذا التأويل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقول: ﴿ بَأْسُهُمْ ﴾ ، يعني: قوتهم ﴿ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ﴾ ، لما لم يروا أعداء ظاهرة.

أو يقول: بأسهم شديد ما دام القتال بينهم؛ لأنه ليس فيهم من أكرم بالرعب مسيرة شهرين، فإذا أكرم بالرعب هذا المقدار من المسير، فلا يحرم ذكل في أهل قريته، وإذا كان كذلك ثبت أن التأويل ما وصفنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ﴾ .

لأن همة المنافقين سلامة الأنفس وراحة الأبدان، وهمة أهل الكتاب الذب عن المذهب والسعي في إقامته، فإذا اختلف همتهم ومقاصدهم تشتت قلوبهم، وذلك معنى قوله: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ  ﴾ يعني: في الهمم والقلوب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ﴾ .

يحمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم لا يعقلون حق الوعد والوعيد.

والثاني: أنهم لا ينتفعون بما يعقلون.

والثالث: أنهم لا يعقلون لمن يكون له العاقبة، وقد وصفنا أن عادتهم التربص لمن يكون الظفر والعاقبة، فإذا اشتبهت عليم العاقبة ولم يعقلوها لم يوالوا واحداً من الفريقين في الظاهر والباطن جميعاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ...

﴾ الآية.

يجوز أن يكون في هذا إضمار مثل آخر؛ كأنه يقول: مثل هؤلاء الكفار كمثل الذين كانوا من قبلهم، وكذلك في قوله: ﴿ وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً  ﴾ ، يعني: مثل محمد  [و]مثل هؤلاء الكفار، على إضمار مثل آخر، ثم التمثيل وكيفيته يحتمل أوجهاً ثلاثة: أحدها: أن يقول: مثل هؤلاء الكفار الذين أساءوا لرسوله كمثل الكفار الذين أساءوا للرسل من قبله، كان قريباً أن ذاقوا وبال أمرهم.

والوجه الثاني: أن يقول: مثل أهل المدينة من الكفار حين هموا بإخراج الرسول من المدينة كمثل أهل مكة حين أخرجوا الرسول  من مكة وكان قريباً، حتى ذقوا وبال أمرهم من الأسر والقتل، والدليل على أن كفار المدينة هموا بإخراج الرسول  قول - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا...

﴾ الآية [الإسراء: 76].

ويحتمل أن يكون تخصيصاً لقرية أو قبيلة، ووجه ذلك أن يقول: مثل بني قريظة كمثل الذين من قبلهم وهم بنو النضير، وإن كانوا قريباً أن ذاقوا وبال أمرهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

هذا أخبار أنهم يموتون على الكفر، وفيه دلالة رسالته  حيث أخبر عن الغيب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ ﴾ .

فكذلك المنافقون يظهرون الموالاة والنصر، فإذا جاء القتال امتنعوا وتبرءوا عنهم.

ثم قوله: ﴿ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ ﴾ يجوز أن يكون في الآخرة؛ حيث يقول: ﴿ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ  ﴾ .

ويجوز أن يكون في الدنيا، وهو قوله: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ...

﴾ الآية [الأنفال: 48].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألم تر -أيها الرسول- إلى الذين أضمروا الكفر وأظهروا الإيمان، يقولون لإخوانهم في الكفر من اليهود أتباع التوراة المحرفة: اثبتوا في دياركم فلن نخذلكم، ولن نسلمكم، فلئن أخرجكم المسلمون منها لنخرجنّ تضامنًا معكم، ولا نطيع أحدًا يريد أن يمنعنا من الخروج معكم، وإن قاتلوكم لنعيننَّكم عليهم، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما ادعوه من الخروج مع اليهود إذا اخْرجوا، والقتال معهم إذا قُوتِلوا.

<div class="verse-tafsir" id="91.PPgwW"

مزيد من التفاسير لسورة الحشر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده