الآية ١٠ من سورة الحشر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ١٠ من سورة الحشر

وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّۭا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ ١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 113 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠ من سورة الحشر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة الحشر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء ، وهم المهاجرون ثم الأنصار ، ثم التابعون بإحسان ، كما قال في آية " براءة " : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ) [ التوبة : 100 ] فالتابعون لهم بإحسان هم : المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة ، الداعون لهم في السر والعلانية ; ولهذا قال في هذه الآية الكريمة : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ) أي : قائلين : ( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا ) أي : بغضا وحسدا ( للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) وما أحسن ما استنبط الإمام مالك من هذه الآية الكريمة : أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم : ( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، حدثنا محمد بن بشر ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ، عن أبيه ، عن عائشة أنها قالت : أمروا أن يستغفروا لهم ، فسبوهم !

ثم قرأت هذه الآية : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ) الآية .

وقال إسماعيل بن علية ، عن عبد الملك بن عمير ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فسببتموهم .

سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها " .

رواه البغوي .

.

وقال أبو داود : حدثنا مسدد ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا أيوب ، عن الزهري قال : قال عمر رضي الله عنه : ( وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ) قال الزهري : قال عمر : هذه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة ، قرى عربية : فدك وكذا وكذا ، فما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وللفقراء الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ، ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ) ( والذين جاءوا من بعدهم ) فاستوعبت هذه الآية الناس ، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق - قال أيوب : أو قال : حظ - إلا بعض من تملكون من أرقائكم .

كذا رواه أبو داود ، وفيه انقطاع .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن أيوب ، عن عكرمة بن خالد ، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : قرأ عمر بن الخطاب : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) حتى بلغ ( عليم حكيم ) [ التوبة : 60 ] ، ثم قال هذه لهؤلاء ، ثم قرأ : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ) [ الأنفال : 41 ] ، ثم قال : هذه لهؤلاء ، ثم قرأ : ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ) حتى بلغ للفقراء ( والذين تبوءوا الدار والإيمان ) ( والذين جاءوا من بعدهم ) ثم قال : استوعبت هذه الآية المسلمين عامة وليس أحد إلا له فيها حق ، ثم قال : لئن عشت ليأتين الراعي - وهو بسرو حمير - نصيبه فيها ، لم يعرق فيها جبينه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) يقول تعالى ذكره: والذين جاءوا من بعد الذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأوّلين ( يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ ) من الأنصار.

وعنى بالذين جاءا من بعدهم المهاجرون أنهم يستغفرون لإخوانهم من الأنصار.

وقوله: ( وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا ) يعني غمرا وضغنا.

وقيل: عني بالذين جاءوا من بعدهم: الذين أسلموا من بعد الذين تبوّءوا الدار.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ) قال: الذين أسلموا نعتوا أيضًا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثم ذكر الله الطائفة الثالثة، فقال: ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا ) حتى بلغ ( إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) إنما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ولم يؤمروا بسبهم.

وذكر لنا أن غلامًا لحاطب بن أَبي بلتعة جاء نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا نبيّ الله ليدخلن حاطب في حيّ النار، قال: " كذبت إنه شهد بدرًا والحُديبية " وذُكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أغلظ لرجل من أهل بدر، فقال نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ لَعَلَّه قَدْ شَهِدَ مَشْهَدًا اطَّلَعَ اللهُ فِيهِ إلَى أَهْلِهِ، فأشْهَدَ مَلائِكَتَهُ إني قَدْ رَضِيتُ عَنْ عِبَادِي هَؤُلاءِ، فَلْيَعْمَلُوا ما شَاءُوا " فما زال بعضُنا منقبضا من أهل بدر، هائبًا لهم، وكان عمر رضي الله عنه يقول: وإلى أهل بدر تهالك المتهالكون، وهذا الحيّ من الأنصار، أحسن الله عليهم الثناء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله: ( وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا ) قال: لا تورث قلوبنا غلا لأحد من أهل دينك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن ابن أَبي ليلى، قال: كان الناس على ثلاث منازل: المهاجرون الأوَّلون: ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) وأحسن ما يكون أن يكون بهذه المنـزلة.

وقوله: ( لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) يقول جلّ ثناؤه مخبرًا عن قيل الذين جاءوا من بعد الذين تبوّءوا الدار والإيمان أنهم قالوا: لا تجعل في قلوبنا غلا لأحد من أهل الإيمان بك يا ربنا.

قوله: ( إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) يقول: إنك ذو رأفة بخلقك، وذو رحمة بمن تاب واستغفر من ذنوبه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيمفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : والذين جاءوا من بعدهم يعني التابعين ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة .

قال ابن أبي ليلى : الناس على ثلاثة منازل : المهاجرون ، والذين تبوءوا الدار والإيمان ، والذين جاءوا من بعدهم .

فاجهد ألا تخرج من هذه المنازل .

وقال بعضهم : كن شمسا ، فإن لم تستطع فكن قمرا ، فإن لم تستطع فكن كوكبا مضيئا ، فإن لم تستطع فكن كوكبا صغيرا ، ومن جهة النور لا تنقطع .

ومعنى هذا : كن مهاجريا .

فإن قلت : لا أجد ، فكن أنصاريا .

فإن لم تجد فاعمل كأعمالهم ، فإن لم تستطع فأحبهم واستغفر لهم كما أمرك الله .

وروى مصعب بن سعد قال : الناس على ثلاثة منازل ، فمضت منزلتان وبقيت منزلة ; فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت .

وعن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جده علي بن الحسين رضي الله عنه ، أنه جاءه رجل فقال له : يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما تقول في عثمان ؟

فقال له : يا أخي أنت من قوم قال الله فيهم : للفقراء المهاجرين الآية .

قال : لا .

قال : فوالله لئن لم تكن من أهل الآية فأنت من قوم قال الله فيهم : والذين تبوءوا الدار والإيمان الآية .

قال : لا .

قال : فوالله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجن من الإسلام وهي قوله تعالى : والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان الآية .

وقد قيل : إن محمد بن علي بن الحسين ، رضي الله عنهم ، روى عن أبيه : أن نفرا من أهل العراق جاءوا إليه ، فسبوا أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - ثم عثمان [ ص: 30 ] - رضي الله عنه - فأكثروا ; فقال لهم : أمن المهاجرين الأولين أنتم ؟

قالوا : لا .

فقال : أفمن الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ؟

فقالوا : لا .

فقال : قد تبرأتم من هذين الفريقين !

أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل : والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم قوموا ، فعل الله بكم وفعل ذكره النحاس .الثانية : هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة ; لأنه جعل لمن بعدهم حظا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم ، وأن من سبهم أو واحدا منهم أو اعتقد فيه شرا أنه لا حق له في الفيء ; روي ذلك عن مالك وغيره .

قال مالك : من كان يبغض أحدا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، أو كان في قلبه عليهم غل ، فليس له حق في فيء المسلمين ; ثم قرأ : والذين جاءوا من بعدهم الآية .الثالثة : هذه الآية تدل على أن الصحيح من أقوال العلماء قسمة المنقول ، وإبقاء العقار والأرض شملا بين المسلمين أجمعين ; كما فعل عمر رضي الله عنه ; إلا أن يجتهد الوالي فينفذ أمرا فيمضي عمله فيه لاختلاف الناس عليه وأن هذه الآية قاضية بذلك ; لأن الله تعالى أخبر عن الفيء وجعله لثلاث طوائف : المهاجرين والأنصار - وهم معلومون - والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان .

فهي عامة في جميع التابعين والآتين بعدهم إلى يوم الدين .

وفي الحديث الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال : " السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وددت أن رأيت إخواننا " .

قالوا : يا رسول الله ، ألسنا بإخوانك ؟

فقال : " بل أنتم أصحابي ، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد ، وأنا فرطهم على الحوض " .

فبين صلى الله عليه وسلم أن إخوانهم كل من يأتي بعدهم ; لا كما قال السدي والكلبي : إنهم الذين هاجروا بعد ذلك .

وعن الحسن أيضا والذين جاءوا من بعدهم من قصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد انقطاع الهجرة .الرابعة : قوله تعالى : يقولون نصب في موضع الحال ; أي قائلين .ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان فيه وجهان : أحدهما : أمروا أن يستغفروا لمن سبق هذه الأمة من مؤمني أهل الكتاب .

قالت عائشة رضي الله عنها : فأمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم .

الثاني : أمروا أن يستغفروا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار .

قال ابن عباس : أمر [ ص: 31 ] الله تعالى بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو يعلم أنهم سيفتنون .

وقالت عائشة : أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد فسببتموهم ، سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها " وقال ابن عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعن الله أشركم " .

وقال العوام بن حوشب : أدركت صدر هذه الأمة يقولون : اذكروا محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تألف عليهم القلوب ، ولا تذكروا ما شجر بينهم فتجسروا الناس عليهم .

وقال الشعبي : تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة ، سئلت اليهود : من خير أهل ملتكم ؟

فقالوا : أصحاب موسى .

وسئلت النصارى : من خير أهل ملتكم ؟

فقالوا : أصحاب عيسى .

وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم ؟

فقالوا : أصحاب محمد ، أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم ، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة ، لا تقوم لهم راية ، ولا تثبت لهم قدم ، ولا تجتمع لهم كلمة ، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وإدحاض حجتهم .

أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلة .

ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم أي حقدا وحسدا ربنا إنك رءوف رحيم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وحسب من بعدهم من الفضل أن يسير خلفهم، ويأتم بهداهم، ولهذا ذكر الله من اللاحقين، من هو مؤتم بهم وسائر خلفهم فقال: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ } أي: من بعد المهاجرين والأنصار { يَقُولُونَ } على وجه النصح لأنفسهم ولسائر المؤمنين: { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين، السابقين من الصحابة، ومن قبلهم ومن بعدهم، وهذا من فضائل الإيمان أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين التي من فروعها أن يدعو بعضهم لبعض، وأن يحب بعضهم بعضا.ولهذا ذكر الله في الدعاء نفي الغل عن القلب، الشامل لقليل الغل وكثيره الذي إذا انتفى ثبت ضده، وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح، ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين.فوصف الله من بعد الصحابة بالإيمان، لأن قولهم: { سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } دليل على المشاركة في الإيمان وأنهم تابعون للصحابة في عقائد الإيمان وأصوله، وهم أهل السنة والجماعة، الذين لا يصدق هذا الوصف التام إلا عليهم، ووصفهم بالإقرار بالذنوب والاستغفار منها، واستغفار بعضهم لبعض، واجتهادهم في إزالة الغل والحقد عن قلوبهم لإخوانهم المؤمنين، لأن دعاءهم بذلك مستلزم لما ذكرنا، ومتضمن لمحبة بعضهم بعضا، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه وأن ينصح له حاضرا وغائبا، حيا وميتا، ودلت الآية الكريمة [على] أن هذا من جملة حقوق المؤمنين بعضهم لبعض، ثم ختموا دعاءهم باسمين كريمين، دالين على كمال رحمة الله وشدة رأفته وإحسانه بهم، الذي من جملته، بل من أجله، توفيقهم للقيام بحقوق الله وحقوق عباده.فهؤلاء الأصناف الثلاثة هم أصناف هذه الأمة، وهم المستحقون للفيء الذي مصرفه راجع إلى مصالح الإسلام.وهؤلاء أهله الذين هم أهله، جعلنا الله منهم، بمنه وكرمه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( والذين جاءوا من بعدهم ) يعني التابعين وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان والمغفرة فقال : ( يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا ) غشا وحسدا وبغضا ( للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة ولم يترحم على جميعهم فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية لأن الله تعالى رتب المؤمنين على ثلاثة منازل : المهاجرين والأنصار والتابعين الموصوفين بما ذكر الله فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجا من أقسام المؤمنين .

قال ابن أبي ليلى : الناس على ثلاثة منازل : الفقراء المهاجرين والذين تبوءوا الدار والإيمان والذين جاءوا من بعدهم فاجتهد أن لا تكون خارجا من هذه المنازل .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرنا عبد الله بن حامد أخبرنا أحمد بن عبد الله بن سليمان حدثنا ابن نمير حدثنا أبي عن إسماعيل بن إبراهيم عن عبد الملك بن عمير عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت : أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فسببتموهم سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها " .

وقال مالك بن مغول : قال عامر بن شراحيل الشعبي : يا مالك تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة [ بخصلة ] سئلت اليهود : من خير أهل ملتكم فقالت : أصحاب موسى عليه السلام .

وسئلت النصارى : من خير أهل ملتكم فقالوا : حواري عيسى عليه السلام .

وسئلت الرافضة : من شر أهل ملتكم فقالوا : أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة لا تقوم لهم راية ولا يثبت لهم قدم ولا تجتمع لهم كلمة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم وإدحاض حجتهم أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلة .

قال مالك بن أنس : من يبغض أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين ثم تلا " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى " حتى أتى على هذه الآية : " للفقراء المهاجرين والذين تبوءوا الدار والإيمان والذين جاءوا من بعدهم " إلى قوله : رءوف رحيم " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين جاءُوا من بعدهم» من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة «يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا» حقدا «للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين جاؤوا من المؤمنين من بعد الأنصار والمهاجرين الأولين يقولون: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، واغفر لإخواننا في الدين الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا حسدًا وحقدًا لأحد من أهل الإيمان، ربنا إنك رؤوف بعبادك، رحيم بهم.

وفي الآية دلالة على أنه ينبغي للمسلم أن يذكر سلفه بخير، ويدعو لهم، وأن يحب صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويذكرهم بخير، ويترضى عنهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم مدح - سبحانه - كل من سار على نهج المهاجرين والأنصار فى قوة الإيمان ، وفى طهارة القلب ، وسماحة النفس فقال - تعالى - : ( والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ .

.

) عطف عند الأكثرين أيضا على المهاجرين ، والمراد بهؤلاء : قيل : الذين هاجروا حين قوة الإسلام ، فالمجىء حسى ، وهو مجيئهم إلى المدينة ، وضمير من بعدهم ، للمهاجرين الأولين .وقيل هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ، فالمجىء إما إلى الوجود أو إلى الايمان وضمير ( مِن بَعْدِهِمْ ) للفريقين : المهاجرين والأنصار .وهذا هو الذى يدل عليه كلام عمر - رضى الله عنه - وكلام كثير من السلف كالصريح فيه ، فالآية قد استوعبت جميع المؤمنين .ويبدو لنا أن هذا الرأى الثانى ، وهو كون الذين جاءوا من بعدهم يشمل المؤمنين الصادقين جميعا ، أقرب إلى الصواب ، لأنهم هم التابعون بإحسان للمهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة ، كما قال - تعالى - : ( والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ .

.

.

) وعليه يكون المعنى : والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار ، واتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة ( يَقُولُونَ ) على سبيل الدعاء لأنفسهم ولإخوانهم فى العقيدة ، ( رَبَّنَا اغفر لَنَا ) أى : يا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ، واغفر ، لإخواننا فى الدين ( الذين سَبَقُونَا بالإيمان ) فهم أسبق منا إلى الخير والفضل .

.

( وَلاَ تَجْعَلْ ) يا ربنا ( فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ ) أى : حسدا وحقدا ( لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ) أى : يا ربنا لا تجعل فى قلوبنا أى غل أو حسد لإخواننا المؤمنين جميعا .( رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) أى : يا ربنا إنك شديد الرأفة بعبادك واسع الرحمة بهم .وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أن من حق الصحابة - رضى الله عنهم - على من جاءوا بعدهم ، أن يدعوا لهم ، وأن ينزلوهم فى قلوبهم منزلة الاحترام والتبجيل والتكريم .

.ورحم الله الإمام القرطبة فقد أفاض فى بيان هذا المعنى ، فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ .

.

.

) يعنى التابعين ، ومن دخل فى الإسلام إلى يوم القيامة .قال ابن أبى ليلى : الناس على ثلاثة منازل : المهاجرون ، والذين تبوأوا الدار والإيمان ، والذين جاءوا من بعدهم ، فاجتهد ألا تخرج من هذه المنازل .وهذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة .

.وقال الإمام الرازى : واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين لأنهم إما المهاجرون ، أو الأنصار ، أو الذين جاءوا من بعدهم ، وبين أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار ، أن يذكر السابقين ، وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء والرحمة ، فمن لم يكن كذلك ، بل ذكرهم بسوء كان خارجا من جملة أقسام المؤمنين ، بحسب نص هذه الآية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ والذين جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ عطف أيضاً على المهاجرين وهم الذين هاجروا من بعد، وقيل: التابعون بإحسان وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، وذكر تعالى أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان، وهو قوله: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا ولإخواننا الذين سَبَقُونَا بالإيمان وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ أي غشاً وحسداً وبغضاً.

واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين لأنهم إما المهاجرون أو الأنصار أو الذين جاءوا من بعدهم، وبين أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء والرحمة فمن لم يكن كذلك بل ذكرهم بسوء كان خارجاً من جملة أقسام المؤمنين بحسب نص هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والذين جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ ﴾ عطف أيضاً على المهاجرين: وهم الذين هاجروا من بعد.

وقيل: التابعون بإحسان ﴿ غِلاًّ ﴾ وقرئ: ﴿ غمرا ﴾ وهما الحقد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ ﴾ عَطْفٌ عَلى المُهاجِرِينَ، والمُرادُ بِهِمُ الأنْصارُ الَّذِينَ ظَهَرَ صِدْقُهم فَإنَّهم لَزِمُوا المَدِينَةَ والإيمانَ وتَمَكَّنُوا فِيهِما، وقِيلَ: المَعْنى تَبَوَّءُوا دارَ الهِجْرَةِ ودارَ الإيمانِ فَحَذَفَ المُضافَ مِنَ الثّانِي والمُضافَ إلَيْهِ مِنَ الأوَّلِ وعَوَّضَ عَنْهُ اللّامَ، أوْ تَبَوَءُّوا الدّارَ وأخْلَصُوا الإيمانَ كَقَوْلِهِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا.

وَقِيلَ: سَمّى المَدِينَةَ بِالإيمانِ لِأنَّها مَظْهَرُهُ ومَصِيرُهُ.

﴿ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِن قَبْلِ هِجْرَةِ المُهاجِرِينَ.

وقِيلَ: تَقْدِيرُ الكَلامِ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ مِن قَبْلِهِمْ والإيمانَ.

﴿ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ﴾ ولا يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ ﴾ في أنْفُسِهِمْ.

﴿ حاجَةً ﴾ ما تَحْمِلُ عَلَيْهِ الحاجَةُ كالطَّلَبِ والحَزّازَةِ والحَسَدِ والغَيْظِ.

﴿ مِمّا أُوتُوا ﴾ مِمّا أُعْطِيَ المُهاجِرُونَ مِنَ الفَيْءِ وغَيْرِهِ.

﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ ويُقَدِّمُونَ المُهاجِرِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ حَتّى إنَّ مَن كانَ عِنْدَهُ امْرَأتانِ نَزَلَ عَنْ واحِدَةٍ وزَوَّجَها مِن أحَدِهِمْ.

﴿ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ﴾ حاجَةٌ مِن خَصاصِ البِناءِ وهي فُرْجَةٌ.

﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ حَتّى يُخالِفَها فِيما يَغْلِبُ عَلَيْها مِن حُبِّ المالِ وبُغْضِ الإنْفاقِ.

﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ الفائِزُونَ بِالثَّناءِ العاجِلِ والثَّوابِ الآجِلِ.

﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ هُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا حِينَ قَوِيَ الإسْلامُ، أوِ التّابِعُونَ بِإحْسانٍ وهُمُ المُؤْمِنُونَ بَعْدَ الفَرِيقَيْنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ.

﴿ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ﴾ أيْ لِإخْوانِنا في الدِّينِ، ﴿ وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ حِقْدًا لَهم.

﴿ رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ فَحَقِيقٌ بِأنْ تُجِيبَ دُعاءَنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والذين جاؤوا مِن بَعْدِهِمْ} عطف أيضاً على المهاجرين وهم الذين هاجروا من بعد وقيل التابعون بإحسان وقيل من بعدهم إلى يوم القيامة قال عمر رضى الله عنه دخل في هذا الفيء كل من هو مولود إلى يوم القيامة في الإسلام فجعل الواو للعطف فيهما وقرئ لِلَّذِينَ فيهما {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} قيل هم المهاجرين

والأنصار عائشة رضى الله عنها أمروا بأن يستغفروا لهم فسبوهم {وَلاَ تَجْعَلْ في قلوبنا غلا} حقدا {للذين آمنوا} يعنى الصحابة {ربنا إنك رؤوف رحيم} وقيل لسعيد بن أبى المسيب ما تقول في عثمان وطلحة والزبير قال أقول ما قولنيه الله وتلى هذه الآية ثم عجب نبيه بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ عَطْفٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ أيْضًا عَلى المُهاجِرِينَ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ قِيلَ: الَّذِينَ هاجَرُوا حِينَ قَوِيَ الإسْلامُ، فالمَجِيءُ حِسِّيٌّ وهو مَجِيئُهم إلى المَدِينَةِ، وضَمِيرُ ﴿ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ لِلْمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ بَعْدَ الفَرِيقَيْنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فالمَجِيءُ إمّا إلى الوُجُودِ أوْ إلى الإيمانِ، وضَمِيرُ ﴿ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ لِلْفَرِيقَيْنِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وهَذا هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَلامُ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ كالصَّرِيحِ فِيهِ، فالآيَةُ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ ﴾ إلَخْ حالِيَّةٌ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ ﴿ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا ﴾ أيْ في الدِّينِ الَّذِي هو أعَزُّ وأشْرَفُ عِنْدَهم مِنَ النَّسَبِ ﴿ الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ﴾ وصَفُوهم بِذَلِكَ اعْتِرافًا بِفَضْلِهِمْ ﴿ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا ﴾ أيْ حِقْدًا، وقُرِئَ غَمْرًا ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ عَلى الإطْلاقِ ﴿ رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ أيْ مَبالِغٌ في الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ.

فَحَقِيقٌ بِأنْ تُجِيبَ دُعاءَنا، وفي الآيَةِ حَثٌّ عَلى الدُّعاءِ لِلصَّحابَةِ وتَصْفِيَةُ القُلُوبِ مِن بُغْضِ أحَدٍ مِنهم، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: أُمِرُوا أنَّ يَسْتَغْفِرُوا لِأصْحابِ النَّبِيِّ  فَسَبُّوهم ثُمَّ قَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ والَّذِينَ جاءُوا ﴾ إلَخْ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا وهو يَتَناوَلُ بَعْضَ المُهاجِرِينَ فَدَعاهُ فَقَرَأ عَلَيْهِ ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: هَؤُلاءِ المُهاجِرُونَ أفَمِنهم أنْتَ ؟

قالَ: لا، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: هَؤُلاءِ الأنْصارُ أفَمِنهم أنْتَ ؟

قالَ: لا، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: أفَمِن هَؤُلاءِ أنْتَ ؟

قالَ: أرْجُو قالَ: لا واللَّهِ لَيْسَ مِن هَؤُلاءِ مَن سَبَّ هَؤُلاءِ.

وفِي رِوايَةٍ أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَلَغَهُ أنَّ رَجُلًا نالَ مِن عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَدَعاهُ فَقَرَأ عَلَيْهِ الآياتِ وقالَ لَهُ ما قالَ، وقالَ الإمامُ مالِكٌ: مَن كانَ لَهُ في أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قَوْلٌ سَيِّئٌ أوْ بُغْضٌ فَلا حَظَّ لَهُ في الفَيْءِ أخْذًا مِن هَذِهِ الآيَةِ، وفِيها ما يَدُلُّ عَلى ذَمِّ الغِلِّ لِأحَدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ««أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: في أيّامٍ ثَلاثَةٍ يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَطَلَعَ فِيها رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَباتَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ ثَلاثَ لَيالٍ مُسْتَكْشِفًا حالَهُ فَلَمْ يَرَ لَهُ كَثِيرَ عَمَلٍ فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ فَقالَ لَهُ: ما هو إلّا ما رَأيْتَ غَيْرَ أنِّي لا أجِدُ في نَفْسِي غِلًّا لِأحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ولا أحْسُدُهُ عَلى خَيْرٍ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وهي الَّتِي لا نُطِيقُ» - وفي رِوايَةٍ - أنَّهُ قالَ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا لِي فَأُخِذَتْ مِنِّي لَمْ أحْزَنْ عَلَيْها ولَوْ أُعْطِيتَها لَمْ أفْرَحْ بِها وأبِيتُ ولَيْسَ في قَلْبِي غِلٌّ عَلى أحَدٍ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَكِنِّي أقُومُ اللَّيْلَ وأصُومُ النَّهارَ ولَوْ وُهِبَتْ لِي شاةٌ لَفَرِحْتُ بِها ولَوْ ذَهَبَتْ لَحَزِنْتُ عَلَيْها واللَّهِ لَقَدْ فَضَّلَكَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا فَضْلًا بَيِّنًا» هَذا وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا ﴾ إلَخْ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةَ ﴿ يُحِبُّونَ ﴾ إلَخْ خَبَرُهُ، والكَلامُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِمَدْحِ الأنْصارِ، وجُوِّزَ كَوْنُ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى ”أُولَئِكَ“ فَيُفِيدُ شَرِكَةَ الأنْصارِ لِلْمُهاجِرِينَ في الصِّدْقِ، وجُمْلَةُ ﴿ يُحِبُّونَ ﴾ إلَخْ إمّا اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِصِدْقِهِمْ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ تَبَوَّءُوا ﴾ وإلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا ﴾ إلَخْ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ يَقُولُونَ ﴾ إلَخْ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مَسُوقَةٌ لِمَدْحِ هَؤُلاءِ بِمَحَبَّتِهِمْ مَن تَقَدَّمَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُراعاتِهِمْ لِحُقُوقِ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ والسَّبَقِ بِالإيمانِ كَما أنَّ ما عُطِفَتْ عَلَيْهِ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِمَدْحِ الأنْصارِ.

واسْتُدِلَّ لِعَدَمِ عَطْفِ ”الَّذِينَ تَبَوَّءوا“ عَلى ﴿ المُهاجِرِينَ ﴾ بِما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَسَّمَ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ عَلى المُهاجِرِينَ ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ إلّا ثَلاثَةً كَما تَقَدَّمَ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم: إنَّ شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ لِلْمُهاجِرِينَ مِن أمْوالِكم ودِيارِكم وشارَكْتُمُوهم مِن هَذِهِ الغَنِيمَةِ وإنْ شِئْتُمْ كانَتْ لَكم دِيارُكم وأمْوالُكم ولَمْ يُقْسَمْ لَكم شَيْءٌ مِنَ الغَنِيمَةِ فَقالُوا: بَلْ نَقْسِمُ لَهُمْ- أيْ لِلْمُهاجِرِينَ - مِن أمْوالِنا ودِيارِنا ونُؤْثِرُهم بِالغَنِيمَةِ ولا نُشارِكُهم فِيها»» فَنَزَلَتِ الآيَةُ ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ ﴾ إلى آخِرِهِ، وبَعْضُ القائِلِينَ بِالعَطْفِ يَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِحُكْمِ الأخْماسِ الأرْبَعَةِ عَلى مَعْنى أنَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَعُمَّ النّاسَ بِها حَسَبَ اخْتِيارِهِ وأنَّ الأنْصارَ مَصْرِفٌ مِنَ المَصارِفِ، ولَكِنْ قَدِ اخْتارَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَكُونَ إعْطاؤُهم بِالشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم، وهُمُ اخْتارُوا ما اخْتارُوا إيثارًا مِنهم، وذَلِكَ لا يُخْرِجُهم عَنْ كَوْنِهِمْ مَصْرِفًا بَلْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ رَمْزٌ إلَيْهِ عَلى أنَّ في الأخْبارِ ما هو أصَحُّ وأصْرَحُ في الدَّلالَةِ عَلى عَطْفِهِمْ عَلى ما تَقَدَّمَ، وأنَّهم يُعْطَوْنَ مِنَ الفَيْءِ، وكَذا عَطْفُ -الَّذِينَ جاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ - فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ حَيّانَ وغَيْرُهم عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ - أيْ في قَضاءٍ بَيْنَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعَمِّهِ العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في فَدَكٍ، وقَدْ كانَ عُمَرُ دَفَعَها إلَيْهِما وأخَذَ عَلَيْهِما عَهْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنْ يَعْمَلا فِيها بِما كانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْمَلُ بِهِ فِيها فَتَنازَعا - إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهُ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مِن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ثُمَّ واللَّهِ ما أعْطاها هَؤُلاءِ وحْدَهم حَتّى قالَ تَعالى: ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهِ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ﴾ ، ثُمَّ واللَّهِ ما جَعَلَها لِهَؤُلاءِ وحْدَهم حَتّى قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَحِيمٌ ﴾ فَقَسَمَها هَذا القَسْمَ عَلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَ، ولَئِنْ بَقِيتُ لَيَأْتِيَنَّ الرُّوَيْعِيَّ بِصَنْعاءَ حَقُّهَ ودَمُهُ في وجْهِهِ، وظاهِرُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي أنَّ لِلْمُهاجِرِينَ سَهْمًا غَيْرُ السِّهامِ السّابِقَةِ فَلا يَكُونُ ﴿ لِلْفُقَراءِ ﴾ بَدَلًا مِن - لِذِي القُرْبى - وما بَعْدَهُ ولا مِمّا بَعْدَهُ دُونَهُ، وكَذا ظاهِرُ ما في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنِ الأعْمَشِ - ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ - عَلى أنَّ الإبْدالَ يَقْتَضِي ظاهِرًا كَوْنَ اليَتامى مُهاجِرِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ إلى آخِرِ الصِّفاتِ، وفي صِدْقِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بَعْدُ، وكَذا يَقْتَضِي كَوْنَ ابْنِ السَّبِيلِ كَذَلِكَ، وفِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ أيْضًا كَما لا يَخْفى فَلَعَلَّهُ اعْتَبَرَ تَعَلُّقَهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الخُمُسَ يُصْرَفُ لِمَن تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ انْقَدَحَ في أذْهانِهِمْ أنَّ المَذْكُورِينَ مَصْرِفُ الخُمُسِ ولَمْ يَعْلَمُوا مَصْرِفَ الأخْماسِ الأرْبَعَةِ الباقِيَةِ فَكَأنَّهم قالُوا: فَلِمَن تَكُونُ الأخْماسُ الأرْبَعَةُ الباقِيَةُ أوْ فَلِمَن يَكُونُ الباقِي ؟

فَقِيلَ: تَكُونُ الأخْماسُ الأرْبَعَةُ الباقِيَةُ أوْ يَكُونُ الباقِي ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ ﴾ إلى آخِرِهِ ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ فَتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى أحْسَنِ المَسالِكِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، يعني: ما أعطى الله ورسوله من بني النضير وذلك أنهم طلبوا من النبي  أن يقسم أموالهم بين جميع المسلمين كما قسم أموال بدر، فلم يفعل النبيّ  ، وقسم بين فقراء المهاجرين، فنزل وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ يعني: ما أعطى الله ورسوله من أموال بني النضير فَما أَوْجَفْتُمْ يعني: ما أجريتم عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ، يعني: لا على خيل ولا على إبل أتيتم، بل إنكم مشيتم مشيا حتى فتحتموها.

ويقال: أوجف الفرس والبعير، إذا أسرعا يعني: لم يكن عن غزوة أوجفتم خيلا ولا ركابا.

وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ يعني: محمدا  عَلى مَنْ يَشاءُ من بني النضير.

وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من النصرة والغنيمة.

ثم بين لمن يعطي تلك الغنائم، فقال: مَّآ أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى، يعني: من بني النضير وفدك ويقال: بني قريظة والنضير وخيبر.

فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، يعني: لله أن يأمركم فيه بما أحب.

وروى عبد الرازق، عن معمر، عن الزهري قال: كانت بنو النضير للنبي  خالصا، لم يفتحوها عنوة ولكن افتتحوها على صلح، فقسمها بين المهاجرين.

ثم قال: وَلِذِي الْقُرْبى، يعني: قرابة الرسول  .

وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.

وروى مالك بن أنس، عن عمر قال: كانت للنبي  ثلث صفايا بني النضير وخيبر وفدك.

فأما بنو النضير، فكانت حبسا لنوائبه.

وأما فدك، فكانت لابن السبيل.

وأما خيبر، فجزأها ثلاثة أجزاء، فقسم جزأين بين المسلمين، وحبس جزءا للنفقة.

فما فضل عن أهله، رده إلى فقراء المسلمين.

ثم قال: كَيْ لا يَكُونَ، المال.

دُولَةً.

قرأ أبو جعفر المدني دُولَةً بالضم وجعله اسم يكون وقراءة العامة بالنصب، يعني: لكي لا يكون دولة.

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي دُولَةً بنصب الدال، والباقون بالضم.

فمن قرأ بالضم، فهو اسم المال الذي يتداول، فيكون مرة لهذا ومرة لهذا.

وأما النصب، فهو النقل والانتقال من حال إلى حال.

بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ، يعني: لكيلا يغلب الأغنياء على الفقراء، ليقسمونه بينهم.

ثم قال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، يعني: ما أعطاكم النبيّ  من الغنيمة فخذوه، وما أمركم الرسول فاعملوا به، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا يعني: فامتنعوا عنه.

وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصاه.

ثم ذكر أن الفيء للمهاجرين، فقال تعالى لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ، يعني: الغنائم للفقراء المهاجرين، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ، يعني: تركوا أموالهم وديارهم في بلادهم، وهاجروا إلى النبيّ  .

ويقال: هذا ابتداء ومعناه عليكم بالفقراء المهاجرين، يعني: اعرفوا حقهم وصلوهم، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني: أخرجهم أهل مكة من ديارهم وأموالهم.

يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، يعني: يطلبون رزقا في الجنة ورضوان الله تعالى، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يعني: يطيعون الله فيما أمرهم بطاعته.

أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ يعني: الصادقين في إيمانهم فطابت أنفس الأنصار بذلك، فقالوا: هذا كله لهم وأموالنا أيضا لهم.

فأثنى الله تعالى على الأنصار، فقال عز وجل: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: استوطنوا الدار يعني: دار المدينة من قبل هجرتهم، يعني: نزلوا دار الهجرة في المدينة والإيمان، يعني: تبوءوا الإيمان، أي كانوا مؤمنين من قبل أن هاجر إليهم النبي  وأصحابه.

قال الله تعالى: يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ.

يعني: يحبون من يقدم إليهم من المؤمنين، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، يعني: لا يكون في قلوبهم حسدا مما أعطوا، يعني: المهاجرين.

ويقال: حاجة يعني: حزازة، وهو الحزن ويقال: ولا يجدون في صدورهم بخلا وكراهة بما أعطوا.

وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ في القسمة يعني: الغنيمة، يعني: تركوها للمهاجرين.

وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ يعني: حاجة.

وروى وكيع، عن فضيل بن عمران، عن أبي هريرة-  - إن رجلا من الأنصار نزل به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفئي السراج، وقربي إلى الضيف ما عندك، فنزل وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.

ويقال: إن رجلا من الأنصار أهدي له برا من مشوي، فقال: لعل جاري أحوج مني، فبعث إليه.

ثم إن جاره بعثه إلى آخر، فطاف سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول، فنزل وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ قال الله تعالى وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ يعني: ومن يمنع بخل نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني: الناجين.

وروى وكيع بإسناده، عن النبيّ  أنه قال «بريء من الشح من أدى الزكاة وأقرى الضيف وأعطى في النائبة» .

وقد أثنى الله تعالى على المهاجرين وعلى الأنصار، ثم أثنى على الذين من بعدهم على طريقتهم، فقال: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني: التابعين، ويقال: يعني: الذين هاجروا من بعد الأولين.

يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ يعني: أظهروا الإيمان قبلنا، يعني: المهاجرين والأنصار.

وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا يعني: غشا وحسدا وعداوة لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ يعني: رحيم بعبادك المؤمنين.

وفي الآية دليل: أن من ترحم على الصحابة واستغفر لهم، ولم يكن في قلبه غل لهم، فله حظ في المسلمين، وله أجر مثل أجر الصحابة.

ومن شتم أو لم يترحم عليهم، أو كان في قلبه غل لهم، ليس له حظ في المسلمين، لأنه ذكر للمهاجرين فيه حظ، ثم ذكر الأنصار، ثم ذكر الذين جاءوا من بعدهم، وقد وصفهم الله بصفة الأولين، إذ دعا لهم وفي الآية دليل: أن الواجب على المؤمنين أن يستغفروا لإخوانهم الماضين، وينبغي للمؤمنين أن يستغفروا لآبائهم ولمعلميهم الذين علموهم أمور الدين.

ثم نزل في شأن المنافقين: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الذي أضاف هو، أبو طلحة انتهى، قال الترمذي الحكيم في كتاب «ختم الأولياء» له:

حدثنا أبي قال: حدثنا عبد اللَّه بن عاصم: حدثنا الجمانيُّ: حدثنا صالح المُرِّيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: قال رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ بُدَلاَءَ أُمَّتِي لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلاَ صَلاَةٍ إنَّما دَخَلُوهَا بِسَلاَمَةِ الصُّدُورِ، وَسَخَاوَةِ الأَنْفُسِ، وَحُسْنِ الخُلُقِ، والرَّحْمَةِ بِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ» «١» انتهى، والإيثار على النفس أكرم خلق، قال أبو يزيد البسطاميُّ: قدم علينا شاب من بَلْخٍ حاجًّا فقال لي: ما حَدُّ الزهد عندكم؟

فقلت: إذَا وَجَدْنَا أَكَلْنَا، وَإذَا فَقَدْنَا صَبَرْنَا، فقال: هكذا عندنا كلابُ بلخ!

فقلت له: فما هو عندكم؟!

فقال: إذا فقدنا صَبْرَنَا، وَإذَا وجدنا آثرنا، ورُوِيَ أَنَّ سبب هذه الآية أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم، لَمَّا فَتَحَ هذه الْقُرَى قَالَ لِلاٌّنْصَارِ: «إنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَمْوَالِكْمْ وَدِيَارِكُمْ وَشَارَكْتُمُوهُمْ في هذه الْغَنِيمَةِ، وَإنْ شِئْتُمْ أَمْسَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ وَتَرَكْتُمْ لَهُمْ هذه الغَنِيمَةَ فَقَالُوا: بَلْ نَقْسِمُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِنَا، وَنَتْرُكُ لَهُمْ هذه الغَنِيمَةَ، فنزلت الآية، والخصاصة: الفاقَةُ والحاجةُ، وشُحُّ النفس: هو/ كثرةَ طَمَعِهَا.

وضبطها على المال، والرغبةُ فيه، وامتدادُ الأمل هذا جماع شُحِّ النفس.

وهو داعية كُلِّ خلق سوء، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: مَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَقَرَى الضَّيْفَ، وَأَعْطَى في النَّائِبَةِ- فَقَدْ بَرِىءَ من الشُّحِّ» ، وَإلى هذا الذي قلناه ذهب الجمهور والعارفون بالكلام، وقيل في الشح غير هذا، قال ع «٢» : وشُحُّ النفس فَقْرٌ لا يذهبه غِنَى المالِ، بل يزيده، وينصب به ويُوقَ مِنْ وقى يَقِي، وقال الفخر:

اعلم أَنَّ الفرق بين الشُّحِّ والبخل هو أَنَّ البخل نفس المنع، والشُّحُّ هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المَنْعَ، ولَمَّا كان الشُّحُّ من صفات النفس لا جَرَمَ، قال اللَّه تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي: الظافرون بما أرادوا، قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه اللَّه عن أخذه، ولم يمنع شيئاً أمره اللَّه تعالى بإعطائه- فقد وقي شحّ نفسه «٣» ، انتهى.

وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤)

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ ...

الآية: قال جمهور العلماء: أراد مَنْ يجيء من التابعين وغيرهم إلى يوم القيامة، وقال الفرَّاءُ: أراد الفرقة الثالثة من الصحابة، وهي مَنْ آمن في آخر مُدَّةِ النبي صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: يَقُولُونَ: حال فيها الفائدة، والمعنى: والذين جاؤوا قائلين كذا، وروت أُمُّ الدرداء، وأبو الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ كان يقول: «دَعْوَةُ المُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مَوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ قَالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ مِثْلُهُ» «١» رواه مسلم، انتهى، قال ع «٢» : ولهذه الآية قال مالك وغيره: إِنَّه مَنْ كان له في أحدٍ من/ الصحابة رأيُ سوءٍ أو بغض، فلا حَظَّ له في فَيْءِ المسلمين، وقال عبد اللَّه بن يزيد: قال الحسن: أدركت ثلاثمائةٍ مِنْ أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم منهم سبعون بَدْرِيًّا كُلُّهم يحدثني أَنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ» «٣» فالجماعة أَلاَّ تَسُبّوا الصحابة، ولا تماروا في دينِ اللَّه، ولا تُكَفِّرُوا أَحداً من أَهْلِ التوحيد بذنب، قال عبد اللَّه: فَلَقِيتُ أبا أمامة وأبا الدرداء وواثلةَ وأَنَساً، فكلُّهم يحدثني عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بمثل حديث الحسن، والغِلُّ: الحقد والاعتقاد الرديء.

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ ...

الآية: نزلَتْ في عبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيٍّ ابن سلول، ورفاعةَ بن التابوت وقومٍ من منافقي الأنصار كانوا بعثوا إلى بني النضير، وقالوا لهم: اثبتوا في معاقلكم، فإنَّا مَعَكُمْ كيفما تقلبت حالُكم، وكانوا في ذلك كاذبين، وإنَّما أرادوا بذلك أَنْ تقوى نُفُوسُهُمْ عسى أَنْ يثبتوا حَتَّى لا يقدر النبي صلّى الله عليه وسلّم عليهم، فيتمَّ مرادهم، وجاءت الأفعال غيرَ مجزومة في قوله: لا يَخْرُجُونَ ولا يَنْصُرُونَهُمْ لأَنَّها راجعةٌ إلى حكم القسم، لا إلى حكم الشرط، والضمير في

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﴾ أيْ: ما رَدَّ عَلَيْهِمْ ﴿ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي: مَن بَنِي النَّضِيرِ ﴿ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإيجافُ.

الإيضاعُ، والرِّكابُ: الإبِلُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: وجَفَ الفَرَسُ والبَعِيرُ، وأوْجَفْتُهُ، ومِثْلُهُ: الإيضاعُ، وهو الإسْراعُ في السَّيْرِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لا شَيْءَ لَكم في هَذا، إنَّما هو لِرَسُولِ اللَّهِ  خاصَّةً.

قالَ المُفَسِّرُونَ: طَلَبَ المُسْلِمُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ  أنْ يُخَمِّسَ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا أُجْلُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تُبَيِّنُ أنَّها فَيْءٌ لَمْ تَحْصُلْ لَهم بِمُحارَبَتِهِمْ، وإنَّما هو بِتَسْلِيطِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَهو لَهُ خاصَّةٌ، يَفْعَلُ فِيهِ ما يَشاءُ، فَقَسَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ  بَيْنَ المُهاجِرِينَ، ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ مِنهُ شَيْئًا، إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ كانَتْ بِهِمْ حاجَةٌ، وهُمْ: أبُو دُجانَةَ، وسَهْلُ بْنُ حَنِيفٍ، والحارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ الفَيْءِ فَقالَ تَعالى: ﴿ ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى ﴾ أيْ: مِن أمْوالِ كُفّارِ أهْلِ القُرى ﴿ فَلِلَّهِ ﴾ أيْ: يَأْمُرُكم فِيهِ بِما أحَبَّ، ﴿ وَلِرَسُولِهِ ﴾ بِتَحْلِيلِ اللَّهِ إيّاهُ.

وقَدْ ذَكَرْنا ﴿ ذَوِي القُرْبى واليَتامى ﴾ في [الأنْفالِ: ٤١] وذَكَرْنا هُناكَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَيْءِ والغَنِيمَةِ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ: أنَّ المُرادَ بِالفَيْءِ ها هُنا: الغَنِيمَةُ الَّتِي يَأْخُذُها المُسْلِمُونَ مِن أمْوالِ الكافِرِينَ عَنْوَةً، وكانَتْ في بُدُوِّ الإسْلامِ لِلَّذِينِ سَمّاهُمُ اللَّهُ ها هُنا دُونَ الغالِبِينَ المُوجِفِينَ عَلَيْها، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى في [الأنْفالِ: ٤١] ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ.

.

.

﴾ الآيَةُ، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ ويَزِيدَ بْنِ رُومانَ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذا الفَيْءَ: ما أُخِذَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ ما لَمْ يُوجَفْ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، كالصُّلْحِ، والجِزْيَةِ، والعُشُورِ، ومالِ مَن ماتَ مِنهم في دارِ الإسْلامِ ولا وارِثَ لَهُ، فَهَذا كانَ يُقَسَّمُ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ  خَمْسَةَ أخْماسٍ، فَأرْبَعَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  يَفْعَلُ بِها ما يَشاءُ، والخُمُسُ الباقِي لِلْمَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيما يُصْنَعُ بِسَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ  بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى ما بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٤١] فَعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُثْبِتَةً لِحُكْمِ الفَيْءِ والَّتِي في [الأنْفالِ: ٤١] مُثْبِتَةً لِحُكْمِ الغَنِيمَةِ فَلا يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْ لا يَكُونَ ﴾ يَعْنِي: الفَيْءُ "دُولَةً" وهو اسْمٌ لِلشَّيْءِ يَتَداوَلُهُ القَوْمُ.

والمَعْنى: لِئَلّا يَتَداوَلَهُ الأغْنِياءُ بَيْنَهم فَيَغْلِبُوا الفُقَراءَ عَلَيْهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الدُّولَةُ: اسْمُ الشَّيْءِ يُتَداوَلُ.

والدَّوْلَةُ، بِالفَتْحِ: الفِعْلُ والِانْتِقالُ مِن حالٍ إلى حالٍ ﴿ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ ﴾ مِنَ الفَيْءِ ﴿ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ ﴾ عَنْ أخْذِهِ ﴿ فانْتَهُوا ﴾ وهَذا نَزَلَ في أمْرِ الفَيْءِ، وهو عامٌّ في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ، ونَهى عَنْهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: ثُمَّ بَيَّنَ مَنِ المَساكِينُ الَّذِينَ لَهُمُ الحَقُّ؟، فَقالَ تَعالى: ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِهِمُ المُهاجِرِينَ ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ: رِزْقًا يَأْتِيهِمْ ﴿ وَرِضْوانًا ﴾ رِضى رَبِّهِمْ حِينَ خَرَجُوا إلى دارِ الهِجْرَةِ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ﴾ في إيمانِهِمْ.

ثُمَّ مَدَحَ الأنْصارَ حِينَ طابَتْ أنْفُسُهم عَنِ الفَيْءِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ ﴾ يَعْنِي: دارَ الهِجْرَةِ، وهي المَدِينَةُ ﴿ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فِيها تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدّارَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: مِن قَبْلِ المُهاجِرِينَ، والإيمانُ عُطِفَ عَلى "الدّارِ" في الظّاهِرِ، لا في المَعْنى، لِأنَّ "الإيمانَ" لَيْسَ بِمَكانٍ يُتَبَوَّأُ، وإنَّما تَقْدِيرُهُ: وآثَرُوا الإيمانَ، وإسْلامُ المُهاجِرِينَ قَبْلَ الأنْصارِ، وسُكْنى الأنْصارِ المَدِينَةَ قَبْلَ المُهاجِرِينَ.

وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، والمَعْنى: تَبَوَّؤُوا الدّارَ والإيمانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ ﴿ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم شارَكُوهم في مَنازِلِهِمْ، وأمْوالِهِمْ ﴿ وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً ﴾ أيْ: حَسَدًا وغَيْظًا مِمّا أُوتِيَ المُهاجِرُونَ.

وَفِيما أُوتُوهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مالُ الفَيْءِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقَدْ ذَكَرْنا آنِفًا أنَّ النَّبِيَّ  قَسَّمَ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ بَيْنَ المُهاجِرِينَ، ولَمْ يُعْطِ مِنَ الأنْصارِ غَيْرَ ثَلاثَةِ نَفَرٍ.

والثّانِي: الفَضْلُ والتَّقَدُّمُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ بِأمْوالِهِمْ ومَنازِلِهِمْ ﴿ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ﴾ أيْ: فَقْرٌ وحاجَةٌ، فَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ إيثارَهم لَمْ يَكُنْ عَنْ غِنًى.

وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذا الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ  ، وقَدْ أصابَهُ الجَهْدُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي جائِعٌ فَأطْعِمْنِي، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى أزْواجِهِ: هَلْ عِنْدَكُنَّ شَيْءٌ؟

فَكُلُّهُنَّ قُلْنَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما عِنْدَنا إلّا الماءُ، فَقالَ: ما عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  ما يُطْعِمُكَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ.

ثُمَّ قالَ: "مَن يَضِيفُ هَذا هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَرْحَمْهُ اللَّهُ؟" فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأتى بِهِ مَنزِلَهُ، فَقالَ لِأهْلِهِ: هَذا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَأكْرِمِيهِ ولا تَدَّخِرِي عَنْهُ شَيْئًا، فَقالَتْ: ما عِنْدَنا إلّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، فَقالَ: قُومِي فَعَلِّلِيهم عَنْ قُوتِهِمْ حَتّى يَنامُوا ولا يَطْعَمُوا شَيْئًا، ثُمَّ أصْبِحِي سِراجَكِ، فَإذا أخَذَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ، فَقَوْمِي كَأنَّكَ تُصْلِحِينَ السِّراجَ، فَأطْفِئِيهِ، وتَعالَيْ نَمْضُغُ ألْسِنَتَنا لِأجْلِ ضَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ  حَتّى يَشْبَعَ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، وظَنَّ الضَّيْفُ أنَّهُما يَأْكُلانِ مَعَهُ، فَشَبِعَ هُوَ، وباتا طاوِيَيْنِ، فَلَمّا أصْبَحا غَدَوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِما تَبَسَّمَ، ثُمَّ قالَ: ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أوْ عَجِبَ مِن فَعالِكُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.

.

.

﴾ الآيَةُ.» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وفي بَعْضِ الألْفاظِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ الضَّيْفَ كانَ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ، والمُضِيفَ كانَ مِنَ الأنْصارِ، وأنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « "لَقَدْ عَجِبَ مِن فِعالِكُما أهْلُ السَّماءِ" .» والثّانِي: أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  أُهْدِيَ لَهُ رَأْسُ شاةٍ، فَقالَ: إنَّ أخِي فُلانًا وعِيالَهُ أحْوَجُ إلى هَذا مِنّا، فَبَعَثَ بِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْعَثُ بِهِ واحِدٌ إلى واحِدٍ حَتّى تَداوَلَها سَبْعَةُ أهْلِ أبْياتٍ، حَتّى رَجَعَتْ إلى أُولَئِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

ورُوِيَ نَحْوُ هَذِهِ القِصَّةِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: أُهْدِيَ لِبَعْضِ الصَّحابَةِ رَأْسُ شاةٍ مَشْوِيٌّ، وكانَ مَجْهُودًا، فَوَجَّهَ بِهِ إلى جارٍ لَهُ فَتَناوَلَهُ تِسْعَةُ أنْفُسٍ، ثُمَّ عادَ إلى الأوَّلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ ﴿ وَمَن يُوقَ ﴾ بِتَشْدِيدِ القافِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: هو أنْ لا يَأْخُذَ شَيْئًا مِمّا نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، ولا يَمْنَعُ شَيْئًا أمَرَهُ اللَّهُ بِأدائِهِ.

والمَعْنى: أنَّ الأنْصارَ مِمَّنْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ حِينَ طابَتْ أنْفُسُهم بِتَرْكِ الفَيْءِ لِلْمُهاجِرِينَ.

* فَصْلٌ وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الشُّحِّ والبُخْلِ، هَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ، أمْ لا؟

فَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الشُّحُّ في كَلامِ العَرَبِ: هو مَنعُ الفَضْلِ مِنَ المالِ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: الشُّحُّ أبْلَغُ في المَنعِ مِنَ البُخْلِ، وإنَّما الشُّحُّ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ، والبُخْلُ بِمَنزِلَةِ النَّوْعِ، وأكْثَرُ ما يُقالُ في البُخْلِ: إنَّما هو في أفْرادِ الأُمُورِ وخَواصِّ الأشْياءِ، والشُّحُّ عامٌّ، فَهو كالوَصْفِ اللّازِمِ لِلْإنْسانِ مِن قِبَلِ الطَّبْعِ والجِبِلَّةِ.

وحَكى الخَطّابِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: البُخْلُ: أنْ يَضِنَّ بِمالِهِ، والشُّحُّ: أنْ يَبْخَلَ بِمالِهِ ومَعْرُوفِهِ.

وقَدْ رَوى أبُو الشَّعْثاءِ أنَّ رَجُلًا أتى ابْنَ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنِّي أخافُ أنْ أكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، قالَ: وما ذاكَ؟

قالَ: أسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ وأنا رَجُلٌ شَحِيحٌ لا يَكادُ يَخْرُجُ مِن يَدَيَّ شَيْءٌ، فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ، الشُّحُّ: أنْ تَأْكُلَ مالَ أخِيكَ ظُلْمًا، إنَّما ذَلِكَ البُخْلُ، وبِئْسَ الشَّيْءُ البُخْلُ ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: « "بَرِئَ مِنَ الشُّحِّ مَن أدّى الزَّكاةَ، وقَرى الضَّيْفَ، وأعْطى في النّائِبَةِ" .» قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ يَعْنِي التّابِعِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِهَؤُلاءِ المُسْلِمِينَ، ولِلَّذِينِ يَجِيئُونَ مِن بَعْدِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ما أقامُوا عَلى مَحَبَّةِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، ودَلِيلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيِ: الَّذِينَ جاؤُوا في حالِ قَوْلِهِمْ: ﴿ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا ﴾ فَمَن تَرَحَّمَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ولَمْ يَكُنْ في قَلْبِهِ غِلٌّ لَهُمْ، فَلَهُ حَظٌّ مِن فَيْءِ المُسْلِمِينَ، ومَن شَتَمَهم ولَمْ يَتَرَحَّمْ عَلَيْهِمْ، وكانَ في قَلْبِهِ غِلٌّ لَهُمْ، فَما جَعَلَ اللَّهُ لَهُ حَقًّا في شَيْءٍ مِن فَيْءِ المُسْلِمِينَ بِنَصِّ الكِتابِ.

وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مَن تَنَقَّصَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، أوْ كانَ في قَلْبِهِ عَلَيْهِمْ غِلٌّ، فَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ في فَيْءِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآياتِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مِن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ "الَّذِينَ تَبَوَّؤُا" هُمُ الأنْصارُ، والضَمِيرُ في "قَبْلِهِمْ" لِلْمُهاجِرِينَ، و"الدارَ" هي المَدِينَةُ، والمَعْنى: تَبَوَّءُوا الدارَ مَعَ الإيمانِ مَعًا، وبِهَذا الِاقْتِرانِ يَصِحُّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "مِن قَبْلِهِمْ" فَتَأمَّلْهُ.

والإيمانُ لا يُتَبَوَّأُ لِأنَّهُ لَيْسَ مَكانًا، ولَكِنَّ هَذا مِن بَلِيغِ الكَلامِ، ويَتَخَرَّجُ عَلى وُجُوهٍ كُلُّها جَمِيلٌ حَسَنٌ.

وأثْنى اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الأنْصارِ بِأنَّهم يُحِبُّونَ المُهاجِرِينَ رَضِيَ اللهُ عن جَمِيعِهِمْ وبِأنَّهم يُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، وبِأنَّهم قَدْ وُقُوا شُحَّ أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ مُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ أنَّ هَؤُلاءِ المَمْدُوحِينَ قَدْ وُقُوا الشُحَّ.

و"الحاجَةُ": الحَسَدُ في هَذا المَوْضِعِ، قالَهُ الحَسَنُ، وتَعُمُّ بَعْدُ جَمِيعَ الوُجُوهِ الَّتِي هي بِخِلافِ ما فَعَلَهُ النَبِيُّ  في إعْطاءِ المُهاجِرِينَ أمْوالَ بَنِي النَضِيرِ والقُرى.

و"أُوتُوا" مَعْناهُ: أُعْطُوا، والضَمِيرُ المَرْفُوعُ بِأنْ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو لِلْمُهاجِرِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ الآيَةُ...

صِفَةٌ لِلْأنْصارِ، وقَدْ رُوِيَ -مِن غَيْرِ ما طَرِيقٍ- أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، قالَ أبُو المُتَوَكِّلِ: هو ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في كِتابِ مَكِّيٍّ: كُنْيَةُ هَذا الرَجُلِ أبُو طَلْحَةُ، وخَلَطَ المَهْدَوِيُّ في ذِكْرِ هَذا الرَجُلِ- «نَدَبَ رَسُولُ اللهِ  إلى ضِيافَةِ مُهاجِرِيٍّ، فانْتَدَبَ الأنْصارِيَّ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ فَذَهَبَ بِالضَيْفِ وقالَ لِامْرَأتِهِ هَذا ضَيْفُ رَسُولِ اللهِ  ، قالَتْ: واللهِ ما عِنْدِي إلّا قُوتُ الصِبْيَةِ، فَقالَ لَها: نَوِّمِي صِبْيانَكِ، وأطْفِئِي السِراجَ، وقَدِّمِي ما عِنْدَكِ لِلضَّيْفِ ونُوهِمُهُ أنّا نَأْكُلُ، فَفَعَلا ذَلِكَ، فَلَمّا غَدا عَلى رَسُولِ اللهِ  قالَ: "عَجِبَ اللهُ مِن فِعْلِكَ البارِحَةَ"، ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» والإيثارُ عَلى النَفْسِ أكْرَمُ خُلُقٍ، وقالَ حُذَيْفَةُ العَدْوِيُّ: طَلَبْتُ يَوْمَ اليَرْمُوكِ ابْنَ عَمٍّ لِي في الجَرْحى ومَعِي شَيْءٌ مِن ماءٍ، فَوَجَدْتُهُ، فَقُلْتُ: أسْقِيكَ؟

فَأشارَ أنَّ نَعَمْ، فَإذا رَجُلٌ يَصِيحُ آهْ، فَأشارَ ابْنُ عَمِّي أنِ انْطَلِقْ إلَيْهِ فَإذا هو هِشامُ بْنُ العاصِ، فَقُلْتُ: أتَشْرَبُ؟

فَإذا آخَرُ يَقُولُ: آهٍ، فَأشارَ هِشامٌ أنِ انْطَلِقْ إلَيْهِ، فَجِئْتُهُ فَإذا بِهِ قَدْ فاضَتْ نَفْسُهُ، فَرَجَعْتُ إلى هِشامٍ، فَإذا هو قَدْ ماتَ، فَرَجَعْتُ إلى ابْنِ عَمِّي فَإذا هو قَدْ ماتَ، فَعَجِبْتُ مِن إيثارِهِمْ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالى، وقالَ أبُو زَيْدٍ البَسْطامِيُّ: قَدِمَ عَلَيْنا شابٌّ مِن بَلْخٍ فَقالَ لِي: ما حَدُّ الزُهْدِ عِنْدَكُمْ؟

فَقُلْتُ: إذا فَقَدْنا صَبَرْنا، وإذا وجَدْنا شَكَرْنا، قالَ: هَذِهِ حالُ الكِلابِ عِنْدَنا بِبَلْخٍ، فَقُلْتُ فَما الزُهْدُ عِنْدَكُمْ؟

قالَ: إذا فَقَدْنا شَكَرْنا، وإذا وجَدْنا آثَرْنا.

ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ النَبِيَّ  لَمّا قَسَّمَ هَذِهِ القُرى في المُهاجِرِينَ قالَ لِلْأنْصارِ: "إنْ شِئْتُمْ قَسَّمْتُمْ لِلْمُهاجِرِينَ مِن أمْوالِكم ودِيارِكم وشارَكْتُمُوهم في هَذِهِ الغَنِيمَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وَ"الخَصاصَةُ": الفاقَةُ والحاجَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن خَصائِصِ البَيْتِ، وهو ما يَبْقى بَيْنَ عِيدانِهِ مِنَ الفَرَجِ والفُتُوحِ، فَكَأنَّ حالَ الفَقِيرِ هي كَذَلِكَ يَتَخَلَّلُها النَقْصُ والِاحْتِياجُ، و"شُحُّ النَفْسِ" هو كَثْرَةُ طَمَعِها وضَبْطِها عَلى المالِ والرَغْبَةِ فِيهِ وامْتِدادُ الأمَلِ، هَذا جِماعُ شُحِّ النَفْسِ، وهو داعِيَةُ كُلِّ خُلُقِ سُوءٍ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "مَن أدّى الزَكاةَ المَفْرُوضَةَ، وقَرى الضَيْفَ، وأعْطى في النائِبَةِ، فَقَدَ بَرِئَ مِنَ الشُحِّ".» واخْتَلَفَ الناسُ بَعْدَ هَذا الَّذِي قُلْنا، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ والعارِفُونَ بِالكَلامِ إلى هَذا، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ كانَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَطُوفُ وهو يَقُولُ: اللهُمَّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي، لا يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: إذا وفَّيْتَهُ لَمْ أفْعَلْ سُوءًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: شُحُّ النَفْسِ فَقْرٌ لا يُذْهِبُهُ غِنى المالِ بَلْ يَزِيدُهُ ويَنْصَبُّ بِهِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وجَماعَةٌ: مَن لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا نَهاهُ اللهُ تَعالى عنهُ ولَمْ يَمْنَعِ الزَكاةَ المَفْرُوضَةَ فَقَدَ بَرِئَ مَن شُحِّ النَفْسِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: شُحُّ النَفْسِ: هو أكْلُ مالِ الغَيْرِ بِالباطِلِ، وأمّا مَنعُ الإنْسانِ مالَهُ فَهو بُخْلٌ، وهو قَبِيحٌ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِالشُحِّ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما" "شُحِّ" بِكَسْرِ الشِينِ.

و"يُوقَ" وزْنُهُ "يَفْعَلُ" مِن وقى يَقِي، مِثْلُ وزَنَ يَزِنُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُوَقِّ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ القافِ، و"المُفْلِحُونَ": الفائِزُونَ بِبُغْيَتِهِمْ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: أرادَ الفِرْقَةَ الثالِثَةَ مِنَ الصَحابَةِ وهي الَّتِي آمَنَتْ أو كَبُرَ في آخِرِ مُدَّةِ النَبِيِّ  ، وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: أرادَ مَن يَجِيءُ مِنَ التابِعِينَ وغَيْرِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَوَصَفَ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى القَوْلَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَلْتَزِمَهُ كُلُّ مَن لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَدْرِ الأوَّلِ.

وإعْرابُ "الَّذِينَ" رُفِعَ عَطْفًا عَلى "هُمُ" أو عَلى "والَّذِينَ" أو رُفِعَ بِالِابْتِداءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَقُولُونَ" حالٌ فِيها الفائِدَةٌ، والمُرادُ: والَّذِينَ جاءُوا قائِلِينَ كَذا، أو يَكُونُ "يَقُولُونَ" صِفَةً.

ولِهَذِهِ الآيَةِ قالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: إنَّهُ مَن كانَ لَهُ في أحَدٍ مِنَ الصَحابَةِ قَوْلُ سُوءٍ أو بُغْضٍ فَلا حَظَّ لَهُ في الغَنِيمَةِ أدَبًا لَهُ، وجاءَ بَعْضُ العارِفِينَ إلى عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَسَبُّوا أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، فَقالَ لَهُمْ: أمِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ أنْتُمْ؟

قالُوا: لا، قالَ أفَمِنَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدارَ والإيمانَ أنْتُمْ؟

قالُوا: لا، قالَ: فَقَدْ تَبَرَّأْتُمْ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، وأنا أشْهَدُ أنَّكم لَسْتُمْ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ الآيَةُ...

فَقُومُوا، فَعَلَ اللهُ تَعالى بِكم وفَعَلَ، وقالَ الحَسَنُ: «أدْرَكْتُ ثَلاثَمِائَةٍ مِنَ الصَحابَةِ مِنهم سَبْعُونَ بَدْرِيًّا كُلُّهم يُحَدِّثُنِي أنَّ النَبِيَّ  قالَ: "مَن فارَقَ الجَماعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسْلامِ مِن عُنُقِهِ"،» فالجَماعَةُ أنْ لا تَسُبُّوا الصَحابَةَ، ولا تُمارُوا في دِينِ اللهِ تَعالى، ولا تُكَفِّرُوا أحَدًا مِن أهْلِ التَوْحِيدِ بِذَنْبٍ.

و"الغِلُّ": الحِقْدُ والِاعْتِقادُ الرَدِيءُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فِي قُلُوبِنا غِمْرًا"، والغِمْرُ: الحِقْدُ: وقَدْ تَقَدَّمَ الِاخْتِلافُ في قِراءَةِ "رَؤُفٌ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ والذين تبوؤا الدار ﴾ [الحشر: 9] على التفسيرين المتقدمين؛ فأما على رأي من جعلوا ﴿ والذين تبوءوا الدار ﴾ [الحشر: 9] معطوفاً على ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ [الحشر: 8] جعلوا ﴿ الذين جاؤوا من بعدهم ﴾ فريقاً من أهل القُرى، وهو غير المهاجرين والأنصار بلْ هو من جاء إلى الإِسلام بعد المهاجرين والأنصار، فضمير ﴿ من بعدهم ﴾ عائد إلى مجموع الفريقين.

والمجيء مستعمل للطروِّ والمصير إلى حالة تماثل حالهم، وهي حالة الإِسلام، فكأنهم أتوا إلى مكان لإِقامتهم، وهذا فريق ثالث وهؤلاء هم الذين ذُكروا في قوله تعالى بعدَ ذكر المهاجرين والأنصار ﴿ والذين اتَّبعوهم بإحسان ﴾ [التوبة: 100] أي اتبعوهم في الإِيمان.

وإنما صيغ ﴿ جاءوا ﴾ بصيغة الماضي تغليباً لأن من العرب وغيرهم من أسلموا بعد الهجرة مثل غِفارة، ومُزينة، وأسلم، ومثل عبد الله بن سَلاَم، وسلمان الفارسي، فكأنه قيل: الذين جاؤوا ويجيئون، بدلالة لحن الخطاب.

والمقصود من هذا: زيادة دفع إيهام أن يختص المهاجرون بما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أهل القرى كما اختصهم النبي صلى الله عليه وسلم بفيْء بني النضير.

وقد شملت هذه الآية كل من يوجد من المسلمين أبد الدهر، وعلى هذا جرى فهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

روى البخاري من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال عمر: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها (أي الفاتحين) كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر.

وذكر القرطبي: أن عمر دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح الله عليه وقال لهم: تثبتوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا عليَّ فلما غدَوا عليه قال: قد مررت بالآيات التي في سورة الحشر وتلا ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ (7، 8).

قال: ما هي لهؤلاء فقط وتلا قوله: والذين جاءوا من بعدهم } إلى قوله: ﴿ رؤوف رحيم ﴾ ثم قال: ما بقي أحد من أهل الإِسلام إلا وقد دخل في ذلك اه.

وهذا ظاهر في الفيء، وأما ما فُتح عنوة فمسألة أخرى ولعمر بن الخطاب في عدم قسمته سوادَ العراق بين الجيش الفاتحين له عمل آخر، وهو ليس من غرضنا.

ومحله كتب الفقه والحديث.

والفريق من المفسرين الذين جعلوا قوله تعالى: ﴿ والذين تبوءوا الدار والإيمان ﴾ [الحشر: 9] كلاماً مستأنفاً، وجعل ﴿ يحبون من هاجر إليهم ﴾ [الحشر: 9] خبراً عن اسم الموصول، جعلوا قوله: ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ كذلك مستأنفاً.

ومن الذين جعلوا قوله: ﴿ والذين تبوءوا ﴾ [الحشر: 9] معطوفاً على ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ [الحشر: 8] من جعل قوله: ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ مستأنفاً.

ونسبه ابن الفرس في «أحكام القرآن» إلى الشافعي.

ورأى أن الفيء إذا كان أرضاً فهو إلى تخيير الإِمام وليس يتعين صرفه للأصناف المذكورة في فيء بني النضير.

وجملة ﴿ يقولون ربنا اغفر لنا ﴾ على التفسير المختار في موضع الحال من ﴿ الذين جاؤوا من بعدهم ﴾ .

والغلّ بكسر الغين: الحسد والبغض، أي سألوا الله أن يطَهر نفوسهم من الغلّ والحسد للمؤمنين السابقين على ما أعطُوه من فضيلة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وما فُضّل به بعضهم من الهجرة وبعضهم من النصرة، فبيّن الله للذين جاؤا من بعدهم ما يكسبهم فضيلة ليست للمهاجرين والأنصار، وهي فضيلة الدعاء لهم بالمغفرة وانطواء ضمائرهم على محبتهم وانتفاء البغض لهم.

والمراد أنهم يضمرون ما يدعون الله به لهم في نفوسهم ويرضوا أنفسهم عليه.

وقد دلت الآية على أن حقاً على المسلمين أن يَذكروا سلفهم بخير، وأن حقاً عليهم محبة المهاجرين والأنصار وتعظيمهم، قال مالك: من كان يبغض أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أو كان قلبه عليه غل فليس له حق في فيْء المسلمين، ثم قرأ ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ الآية.

فلعله أخذ بمفهوم الحال من قوله تعالى: ﴿ يقولون ربنا اغفر لنا ﴾ الآية، فإن المقصد من الثناء عليهم بذلك أن يضمروا مضمونه في نفوسهم فإذا أضمروا خلافه وأعلنوا بما ينافي ذلك فقد تخلف فيهم هذا الوصف، فإن الفيء عطية أعطاها الله تلك الأصناف ولم يكتسبوها بحق قتال، فاشترط الله عليهم في استحقاقها أن يكونوا محبين لسلفهم غير حاسدين لهم.

وهو يعني إلا ما كان من شنآن بين شخصين لأسباب عادية أو شرعية مثل ما كان بين العباس وعليّ حين تحاكما إلى عمر، فقال العباس: اقض بيني وبين هذا الظالم الخائن الغادر.

ومثل إقامة عمر حدّ القذف على أبي بَكرة.

وأما ما جرى بين عائشة وعليّ من النزاع والقتال وبين عليّ ومعاوية من القتال فإنما كان انتصاراً للحق في كلا رأيَي الجانبين وليس ذلك لغلّ أو تنقص، فهو كضرب القاضي أحداً تأديباً له فوجب إمساك غيرهم من التحَزب لهم بعدهم فإنه وإن ساغ ذلك لآحادِهم لتكافئ درجاتهم أو تقاربها.

والظنِّ بهم زوال الحزازات من قلوبهم بانقضاء تلك الحوادث، لا يسوغ ذلك للأذناب من بعدهم الذين ليسوا منهم في عير ولا نفير، وإنما هي مسحَة من حمية الجاهلية نَخرت عضد الأمة المحمدية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ﴾ يَعْنِي فَضْلًا مِن عَطاءِ اللَّهِ في الدُّنْيا، ورِضْوانًا مِن ثَوابِهِ في الآخِرَةِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنَّ الفَضْلَ الكِفايَةُ، والرِّضْوانُ القَناعَةُ.

وَرَوى عَلِيُّ بْنُ رَباحٍ اللَّخْمِيُّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ خَطَبَ بِالجابِيَةِ فَقالَ: مَن أرادَ أنْ يَسْألَ عَنِ الفَرائِضِ فَلْيَأْتِ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ، ومَن أرادَ أنْ يَسْألَ عَنِ الفِقْهِ فَلْيَأْتِ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ، ومَن أرادَ أنْ يَسْألَ عَنِ المالِ فَلْيَأْتِنِي فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَنِي خازِنًا وقاسِمًا، إنِّي بادِئُ بِأزْواجِ النَّبِيِّ  فَمُعْطِيهِنَّ، ثُمَّ بِالمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ أنا وأصْحابِي أُخْرِجْنا مِن مَكَّةَ مِن دِيارِنا وأمْوالِنا.

قالَ قَتادَةُ: لِأنَّهُمُ اخْتارُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ  عَلى ما كانَتْ مِن شِدَّةٍ، حَتّى ذُكِرَ لَنا أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَعْصِبُ عَلى بَطْنِهِ الحَجَرَ لِيُقِيمَ صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ، وكانَ الرَّجُلُ يَتَّخِذُ الحَفِيرَةَ في الشِّتاءِ ما لَهُ دِثارٌ غَيْرُها.

﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ويَكُونُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ومَعْناهُ تَبَوَّءُوا الدّارَ مِن قَبْلِهِمْ والإيمانَ.

الثّانِي: أنَّ الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ ومَعْناهُ أنَّهم تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ إلَيْهِمْ يَعْنِي بِقَبُولِهِمْ ومُواساتِهِمْ بِأمْوالِهِمْ ومَساكِنِهِمْ.

﴿ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غَيْرَةً وحَسَدًا عَلى ما قُدِّمُوا بِهِ مِن تَفْضِيلٍ وتَقْرِيبٍ، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّانِي: يَعْنِي حَسَدًا عَلى ما خُصُّوا بِهِ مِن مالِ الفَيْءِ وغَيْرِهِ فَلا يَحْسُدُونَهم عَلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ﴾ يَعْنِي يُفَضِّلُونَهم ويُقَدِّمُونَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ فاقَةٌ وحاجَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أمّا الرَّبِيعُ إذا تَكُونُ خَصاصَةً عاشَ السَّقِيمُ بِهِ وأثْرى المُقْتِرُ وَفِي إيثارِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم آثَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِما حَصَلَ مِن فَيْءٍ وغَنِيمَةٍ حَتّى قُسِّمَتْ في المُهاجِرِينَ دُونَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ حَيّانَ.

رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ  قَسَّمَ عَلى المُهاجِرِينَ ما أفاءَ اللَّهُ مِنَ النَّضِيرِ ونَفَلَ مِن قُرَيْظَةَ عَلى أنْ يَرُدَّ المُهاجِرُونَ عَلى الأنْصارِ ما كانُوا أعْطُوهم مِن أمْوالِهِمْ فَقالَتِ الأنْصارُ بَلْ نُقِيمُ لَهم مِن أمْوالِنا ونُؤْثِرُهم بِالفَيْءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

» الثّانِي: أنَّهم آثَرُوا المُهاجِرِينَ بِأمْوالِهِمْ وواسُوهم بِها.

رَوى ابْنُ زَيْدٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لَهُمْ: « (إنَّ إخْوانَكم تَرَكُوا الأمْوالَ والأوْلادَ وخَرَجُوا إلَيْكم فَقالُوا: أمْوالُنا بَيْنَهم قَطائِعُ، فَقالَ: (أوَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقالُوا: وما ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

فَقالَ: (هم قَوْمٌ لا يَعْرِفُونَ العَمَلَ فَتَكْفُونَهم وتُقاسِمُونَهُمُ التَّمْرَ يَعْنِي مِمّا صارَ إلَيْهِمْ مِن نَخِيلِ بَنِي النَّضِيرِ، قالُوا نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ.

» ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ فِيهِ ثَمايِنَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ هَذا الشُّحَّ هو أنْ يَشِحَّ بِما في أيْدِي النّاسِ يَحِبُّ أنْ يَكُونَ لَهُ ولا يَقْنَعُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وطاوُسٌ.

الثّانِي: أنَّهُ مَنَعَ الزَّكاةَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: يَعْنِي هَوى نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ اكْتِسابُ الحَرامِ، رَوى الأسْوَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلًا أتاهُ فَقالَ: إنِّي أخافُ أنْ أكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، قالَ وما ذاكَ؟

قالَ سَمِعْتُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ وأنا رَجُلٌ شَحِيحٌ لا أكادُ أُخْرِجُ مِن يَدِي شَيْئًا فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيْسَ ذَلِكَ بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ، إنَّما الشُّحُّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ أنْ تَأْكُلَ مالَ أخِيكَ ظُلْمًا ولَكِنَّ ذَلِكَ البُخْلُ، وبِئْسَ الشَّيْءُ البُخْلُ.

الخامِسُ: أنَّهُ الإمْساكُ عَنِ النَّفَقَةِ، قالَهُ عَطاءٌ.

السّادِسُ: أنَّهُ الظُّلْمُ، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ.

السّابِعُ: أنَّهُ أرادَ العَمَلَ بِمَعاصِي اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّامِنُ: أنَّهُ أرادَ تَرْكَ الفَرائِضِ وانْتِهاكَ المَحارِمِ، قالَهُ اللَّيْثُ.

وَفي الشُّحِّ والبُخْلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُما يَفْتَرِقانِ وفي الفَرْقِ بَيْنَهُما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الشُّحَّ أخْذُ المالِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والبُخْلَ أنْ يَمْنَعَ مِنَ المالِ المُسْتَحَقِّ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: أنَّ الشُّحَّ بِما في يَدَيْ غَيْرِهِ، والبُخْلُ بِما في يَدَيْهِ، قالَهُ طاوُسٌ.

﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُمُ التّابِعُونَ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ الصَّحابَةِ ثُمَّ مِن بَعْدِهِمْ إلى قِيامِ الدُّنْيا هُمُ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَرَوى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ قالَ: النّاسُ عَلى ثَلاثَةِ مَنازِلَ، فَمَضَتْ مَنزِلَتانِ وبَقِيَتِ الثّالِثَةُ: فَأحْسَنُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أنْ تَكُونُوا بِهَذِهِ المَنزِلَةِ الَّتِي بَقِيَتْ.

وَفي قَوْلِهِمْ: ﴿ اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِمَن سَبَقَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ.

قالَتْ عائِشَةُ: فَأُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لَهم فَسَبُّوهم.

الثّانِي: أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلسّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.

﴿ وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ.

في الغِلِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: الغِشُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: العَداوَةُ، قالَهُ الأعْمَشُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ قال: الذين أسلموا فعنوا أيضاً عبدالله بن نبتل وأوس بن قيظي.

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: الناس على ثلاثة منازل قد مضت منزلتان وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة وقد مضت ثم قرأ ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان من قبلهم ﴾ الآية ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة وقد مضت، ثم قرأ ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان ﴾ فقد مضت هاتان المنزلتان وبقيت هذه المنزلة فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ الآية قال: أمروا بالاستغفار لهم، وقد علم ما أحدثوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم ثم قرأت هذه الآية ﴿ والذين جاؤوا يقولون ربنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر أنه سمع رجلاً وهو يتناول بعض المهاجرين، فقرأ عليه ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون فمنهم أنت؟

قال: لا ثم قرأ عليه ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار أفأنت منهم؟

قال: لا.

ثم قرأ عليه ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ الآية، ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟

قال: أرجو.

قال: لا ليس من هؤلاء من يسب هؤلاء.

وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عمر أنه بلغه أن رجلاً نال من عثمان، فدعاه فأقعده بين يديه، فقرأ عليه ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ الآية قال: من هؤلاء أنت؟

قال: لا.

ثم قرأ ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ الآية، قال: من هؤلاء أنت؟

قال: أرجو أن أكون منهم.

قال: لا والله ما يكون منهم من يتناولهم وكان في قلبه الغل عليهم.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ ﴿ ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ﴾ .

وأخرج الحكيم الترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه قال: «بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يطلع الآن رجل من أهل الجنة فأطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته ماء من وضوئه، معلق نعليه في يده الشمال، فلما كان من الغد؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فاطلع ذلك الرجل على مثل مرتبته الأولى، فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فأطلع ذلك الرجل، فلما قام الرجل أتبعه عبدالله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تحل يميني فعلت.

قال: نعم، قال أنس: فكان عبدالله بن عمرو يحدث أنه بات معه ليلة فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه كان إذا تقلب على فراشه ذكر الله وكبر، حتى يقوم لصلاة الفجر فيسبغ الوضوء غير أني لا أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت احتقر عمله قلت: يا عبدالله إنه لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرات في ثلاث مجالس يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فأطلعت أنت تلك المرات الثلاث، فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك، فإذا ما هو إلا ما رأيت فانصرفت عنه فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلاّ ما قد رأيت غير أني لا أجد في نفسي غلاً لأحد من المسلمين، ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه، فقال له عبدالله بن عمرو: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: «بلغنا أن رجلاً صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا الرجل من أهل الجنة.

قال عبدالله بن عمرو: فأتيته فقلت: يا عماه الضيافة، قال نعم، فإذا له خيمة وشاة ونخل، فلما أمسى خرج من خيمته فاحتلب العنز واجتنى لي رطباً ثم وضعه، فأكلت معه فبات نائماً وبت قائماً، وأصبح مفطراً، وأصبحت صائماً، ففعل ذلك ثلاث ليال، فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيك: إنك من أهل الجنة فأخبرني ما عملك؟

فائت الذي أخبرك حتى يخبرك بعملي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ائته فمره أن يخبرك فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تخبرني.

قال: أما الآن فنعم فقال: لو كانت الدنيا لي فأخذت مني لم أحزن عليها، ولو أعطيتها لم أفرح بها وأبيت وليس في قلبي غل على أحد قال عبدالله: لكني والله أقوم الليل وأصوم النهار ولو وهبت لي شاة لفرحت بها، ولو ذهبت لحزنت عليها، والله لقد فضلك الله علينا فضلاً بيناً» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا ﴾ قال عبدالله بن أبيّ بن سلول ورفاعة بن تابوت وعبدالله بن نبتل وأوس بن قيظي وإخوانهم بنو النضير.

وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس أن رهطاً من بني عوف بن الحارث منهم عبدالله بن أبيّ بن سلول ووديعة بن مالك وسويد وداعس بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لا نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا وقذف الله الرعب في قلوبهم، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإِبل من أموالهم إلا الحلقة، ففعل، فكان الرجل منهم يهدم بيته فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قد أسلم ناس من أهل قريظة والنضير، وكان فيهم منافقون، وكانوا يقولون لأهل النضير: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، فنزلت فيهم هذه الآية ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإِخوانهم ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا ﴾ قال: عبدالله بن أبيّ بن سلول ورفاعة بن تابوت وعبدالله بن نبتل وأوس بن قيظي ﴿ يقولون لإِخوانهم ﴾ قال: النضير ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ قال: بالكلام ﴿ تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ﴾ قال: المنافقون يخالف دينهم دين النضير ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً ﴾ قال: كفار قريش يوم بدر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ﴾ قال: كذلك أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً ﴾ قال: هم بنو النضير.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ﴾ قال: هم المشركون.

وأخرج الديلمي عن علي قال: المؤمنون بعضهم لبعض نصحاء وادّون وإن افترقت منازلهم، والفجرة بعضهم لبعض غششة خونة وإن اجتمعت أبدانهم.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً ﴾ قال: هم كفار قريش يوم بدر.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً ﴾ قال: هم بنو النضير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ أي أتوا المدينة بعد الأنصار، فإنهم نزلوها بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبل وألف بين قلوبنا ولا تجعل فيها غمرًا (١) (٢) ﴿ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ﴾ والأنصار لم يسبقوا المهاجرين بالإيمان (٣) ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ ﴾ وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا ﴾ عطف على قوله: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ (٤) (٥) ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ﴾ حتى بلغ ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ فقرأها ثم قرأ ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ ثم قال: استوعبت هذه الآية المسلمين عامة، فليس أحد إلا له فيها حق (٦) وروى عن مالك بن أنس أنه قال: من تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله -  -، أو كان في قلبه عليه غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا هذه الآيات.

قال: وهذا نص في الكتاب بين (٧) وقال المقاتلان: قوله: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ ﴾ ابتدأ كلام في الثناء على الأنصار ثم حين طالت أنفسهم عن الفيء جعل للمهاجرين دونهم، وعلى قولهما: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو ﴾ ابتداء، وخبره ﴿ يُحِبُّونَ ﴾ وكذلك ما بعده (٨) ثم أنزل فيما دس المنافقون إلى اليهود أنا معكم في النصر والخروج.

(١) الغِمْرُ والغَمَرُ: الحقد والغل، والجمع غُمور.

وقد غَمِرَ صدرهُ عليّ بالكسر يَغْمُر غِمْرًا وغَمَرًا.

"اللسان" 2/ 1015 (غمر).

(٢) "معاني القرآن" للفراء 3/ 145، و"جامع البيان" 28/ 31، ذكراه دون نسبة لقائل.

(٣) قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء وهم المهاجرون ثم الأنصار ثم التابعون لهم بإحسان كما قال في آية براءة ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ .

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 339.

(٤) قال النحاس: وعلى هذا كلام أهل التفسير والفقهاء، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 399.

(٥) مالك بن أوس بن الحدثان.

قديم أدرك الجاهلية، ولكنه تأخر إسلامه، رأى أبا بكر، وروى عن عمر وعثمان.

مات بالمدينة سنة (72 هـ).

انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 56، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 170، و"المعارف" ص 427، و"التقريب" 2/ 223.

(٦) مسلم في كتاب: الجهاد، باب: حكم الفيء، الترمذي رقم (1609) والنسائي 7/ 136 في قسم الفيء "تفسير عبد الرزاق" 2/ 283، وانظر: "موسوعة فقه عمر بن الخطاب" لمحمد رواس قلعه جي ص 532 - 533.

(٧) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 399، و"الكشف والبيان" 13/ 98 ب، 98 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 321، و"زاد المسير" 8/ 216.

(٨) انظر: "البحر المحيط" 8/ 247.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ هذا معطوف على المهاجرين والأنصار المذكورين قبل، فالمعنى أن الفيء للمهاجرين والأنصار ولهؤلاء الذين جاؤوا من بعدهم، ويعني بهم الفرقة الثالثة من الصحابة وهم ما عدا المهاجرين والأنصار كالذين أسلموا يوم الفتح.

وقيل: يعني من جاء بعد الصحابة وهم التابعون ومن تبعهم إلى يوم القيامة، وعلى هذا حملها مالك فقال: إن من قال في أحد الصحابة قول سوء فلا حظ له في الغنيمة والفيء، لأن الله وصف الذين جاؤوا بعد الصحابة بأنهمه: يقولون ربنا اغفر لنا ولأخواننا الذين سبقونا بالإيمان، فمن قال ضدّ ذلك فقد خرج عن الذين وصفهم الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد: أبوعمرو.

والباقون: بالتخفيف من الإخراب ﴿ تكون ﴾ بالتاء الفوقانية ﴿ دولة ﴾ بالرفع على " كان " التامة: يزيد.

والآخرون: على التذكير والنصب ﴿ جدار ﴾ بالألف على التوحيد: ابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون: بضمتين من غير ألف.

﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ الباري ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو طريق ابن عبدوس.

الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الحشر ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ط ﴿ في الدنيا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ه ﴿ ورسوله ﴾ ج بناء على أن الشرط من جملة المذكور ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ فانتهوا ﴾ ج لابتداء من بعد جزاء الشرط مع اتفاق النظم ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه لئلا يوهم أن قوله ﴿ للفقراء ﴾ يتعلق بـ ﴿ شديد ﴾ ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ج بناء على أن ما بعده مستأنف أو معطوف ويجيء وجه كل منهما في التفسير.

﴿ خصاصة ﴾ قف قيل: وقفة والأحسن الوصل لأن الاعتراض مؤكد لما قبله ﴿ المفلحون ﴾ ه لمثل المذكور ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ لا لأن ما بعده من تمام القول ﴿ لننصركم ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ معهم ﴾ ج ﴿ لا ينصرونهم ﴾ ط للعطف فيهما مع الابتداء بالقسم ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ جدر ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ج لتعلق الكاف بـ ﴿ لا يعقلون ﴾ أو بمحذوف أو مثلهم كمثل ﴿ أمرهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ أليم ﴾ ه ج لما قلنا ﴿ اكفر ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لغد ﴾ ج لاعتراض خصوص بين العمومين أي لم يتق الله كل واحد منكم فلتنظر لغدها نفس واحد منكم ﴿ واتقوا الله ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أنفسهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ الأولى ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ من خشية الله ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده خبر مبتدأ محذوف ﴿ والشهادة ﴾ ج لاحتمال كون الضمير بدلاً من عالم أو مبتدأ ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط لما قلنا ﴿ المتكبر ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: قال المفسرون: صالح بنو النضر رسول الله  على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما غلب الكفار يوم بدر قالوا: هوالنبي الذي نعته في التوراة لا ترد له رأيه، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبين إلى مكة فعاهدوا قريشاً عند الكعبة، فأمر النبي  محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة وكان اخا كعب من الرضاعة ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم: اخرجوا من المدينة فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك.

فتنادوا بالحرب.

وقيل: استمهلوا رسول الله  عشرة أيام ليتجهزوا للخروج فأرسل إليهم عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فدرّبوا على الأزقة وحصنوها، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة.

فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصرة المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم، فذهبوا إلى اريحاء وأذرعات من الشأم إلا أهل بيتين منهم ابن أبي الحقيق وحُيَيّ بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة.

واللام في قوله ﴿ لأول الحشر ﴾ بمعنى الوقت كقولك " جئت ليوم كذا ".

وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام.

فمعنى الحشر إخراج الجميع من مكان، ومعنى الأولية أنه لم يصبهم قبل ذلك مثل هذا الذل لأنهم كانوا أهل منعة هذا قول ابن عباس والأكثرين.

وقيل: هذا أول حشرهم، وآخره حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام كما جاء في الحديث " نار تخرج من المشرق وتسوق الناس إلى المغرب" قاله قتادة.

وقيل: آخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام.

وقيل: معناه لأول ما حشر بقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله  .

قال في الكشاف: الفرق بين النظم الذي جاء عليه وبين قول القائل " وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم " هو أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وثوقهم بحصانتها، وفي نصب ضميرهم اسماً لأن إسناد الجملة إليه دليل على أنهم اعتقدوا عزة أنفسهم ومنعتها بحيث لا يمكن لأحد أن يتعرض لهم.

قلت: حاصل كلامه  الحصر.

ومعنى إتيان الله إتيان أمره وهو النصر إن عاد إلى اليهود وهذا أظهر ليناسب قوله  ﴿ في قلوبهم ﴾ ولاستعمال القرآن نظيره في مواضع أخر في معرض التهديد ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك  ﴾ ومعنى ﴿ لم يحتسبوا ﴾ أنه لم يخطر ببالهم قتل كعب غيلة على يد أخيه.

وقذف الرعب في قلوبهم وهذا من خواص نبينا  كما مر في آل عمران ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب  ﴾ وفي لفظ القذف زيادة تأكيد ولهذا قالوا في صفة الأسد " مقذف " فكأنما قذف باللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه.

قال الفراء ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها.

وكان أبو عمرو ويقول: الإخراب أن يترك الشيء خراباً، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا.

وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض الأحكام نحو " فرحته " و " أفرحته " و " حسنة الله " و " أحسنه ".

قال المفسرون: إنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج.

قلت: ويحتمل أن يكون بعض التخريب لسدّ أفواه الأزقة بالخشب والحجارة أو لنقل ما أرادوا حمله من جيد الخشب والساج.

وأما المؤمنون فداعيهم إلى ذلك إزالة تحصنهم أو أن يتسع لهم في الحرب مجال، ومعنى تخريبهم بأيدي المؤمنين أنهم كانوا السبب فيه وأنهم عرضوا المؤمنين لذلك.

ثم أمر أهل الابصار الباطنة بالاعتبار وهو العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ومنه العبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، والتعبير لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، والعبارة لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى فهم المستمع، والسعيد من اعتبر بغيره لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، أو القائس يعبر عن المقيس عليه إلى المقيس.

ومعنى الاعتبار في الآية أنهم اعتمدوا على حصونهم وعدّتهم فأمر الله تعالى أرباب العقول بأن ينظروا في حالهم ولا يعتمدوا على شيء غير الله، أو المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الكفر والغدر والطعن في النبوّة فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر والكفر في البلاء والجلاء.

واعترض بأن رب شخص وكفر وما عذب في الدنيا، ورب ممتحن مبتلى هو نبي أو ولي.

وأجيب بأن حاصل القياس والاعتبار يرجع إلى أن الغادر الكافر معذب أعم من أن يكون بالتخريب أو بالقتل أو في الدنيا أو في الآخرة والعكس لا يلزم.

وقيل: معنى الاعتبار أن رسول الله  وعدهم أن يورثهم أرضهم وأموالهم بغير قتال فكان كما وقع فدل على صحة نبوّته.

والجلاء أن لم يبق لهم بالمدينة دار ولا فيها منهم ديار وهذا عندهم أشدّ من الموت فلهذا قال ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ﴾ بالقتل ﴿ ولهم في الآخرة ﴾ بعدما عاينوا في الدنيا ﴿ عذاب النار ذلك ﴾ التخريب أو الجلاء أو العذاب بسبب مخالفتهم وعصيانهم الله ورسوله.

قالت الفقهاء: فيه دليل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها فليس أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب.

يروى أنه  حين أمر أن يقطع نخلهم ويحرق قالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟

فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء فأنزل الله تعالى ﴿ ما قطعتم ﴾ محله نصب و ﴿ من لينة ﴾ بيان له كأنه قيل: أي شيء قطعتم من لينة وهي النخلة من الألوان ما خلا العجوة والبرنية وهما أجود النخل.

وياؤها واو في الأصل كالديمة.

وقيل: هي النخلة الكريمة من اللين فتكون الياء أصلية، فبين الله  أن ذلك جائز غيظاً لقلوب الكفرة.

واحتج الفقهاء بها على جواز هدم حصون الكفار وقلع أشجارهم.

وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال.

وروي أن رجلين كان يقطع أحدهما العجوة والآخر يترك فسألهما رسول الله  فقال هذا: تركتها لرسول الله  وقال هذا: قطعتها غيظاً للكفار.

وقد يستدل بهذا على جواز الاجتهاد ولو بحضرة النبي  وعلى أن كل مجتهد مصيب.

قوله ﴿ وما أفاء الله ﴾ أدخل العاطف ههنا دون الأخرى لأن تلك بيان لهذه فهي غير أجنبية عنها والأولى معطوفة على ما قبلها.

ومعنى أفاء جعله فيئاً من فاء إذا رجع وذلك لرجوعه من ملك الكفار إلى ملك المسلمين.

والإيجاف من الوجيف وهو السير السريع.

وقوله ﴿ عليه ﴾ أي على ما أفاء.

والركاب ما يركب من الإبل واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها، وقلما تطلق العرب الراكب إلا على راكب البعير، بين الله  الفرق بين الغنيمة والفيء حين طلب الصحابة أن يقسم أموال أولئك اليهود بينهم اعترض بعضهم بأن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا أياماً وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من الغنيمة لا من الفيء.

وأجاب المفسرون من وجهين: الأول أنها لم تنزل في بني النضير وإنما نزلت في فدك ولهذا كان رسول الله  ينفق على نفسه وعلى عياله من غلة فدك ويجعل الباقي في السلاح والكراع.

الثاني تسليم أنها نزلت فيهم ولكن لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا على أرجلهم ولم يركب إلا رسول الله  وكان راكب جمل، فلما كان المعاملة قليلة ولم يكن خيل ولا ركاب أجراه الله مجرى ما لم يكن قتال ثمة.

ثم روي أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهو أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن أبرهة قال الواحدي: كان الفيء مقسوماً في زمان رسول الله  خمسة أسهم: أربعة منها لرسول الله  خاصة وكذا خمس الباقي، والسهم الأربعة من هذا الباقي لذي القربى ولد بني هاشم والمطلب، واليتامى والمساكين وابن السبيل.

وأما بعد الرسول فللشافعي فيه قولان: أحدهما أنه للمجاهدين المترصدين للقتال في الثغور لأنهم قاموا مقام رسول الله  في رباط الثغور.

والثاني أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر الأهم فالأهم.

هذا في الأربعة الأخماس التي كانت له، وأما السهم الذي كان له من خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف وقد مر سائر ما يتعلق بقسمة الغنائم في سورة الأنفال.

ثم بين الغرض من قسمة الفيء على الوجه المذكور فقال ﴿ كيلا يكون دولة ﴾ قال المبرد: هي اسم للشيء الذي يتداوله الناس بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة كالغرفة اسم لما يغرف.

والدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم.

قال جار الله: هي بالضم ما يدول للانسان أي يدور من الجد يقال دالت الدولة.

فعلى قول المبرد معناه كيلا يكون الفيء شيئاً يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء، وعلى قول جار الله: كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء جداً بين الأغنياء يتكاثرون به، أو لكيلا يكون الفيء دولة جاهلية كان الرؤساء منهم يستأثرون بالغنائم لأنهم أهل الرياسة والجد والغلبة وكانوا يقولون من عز بر ومنه قول الحسن " اتخذوا عباد الله خولاً ومال الله دولاً " يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به.

ومن قرأ على " كان " التامة فالمعنى كيلا يقع شيء متعاوراً بينهم غير مخرج إلى الفقراء، أو كيلا تقع دولة جاهلية أي ينقطع أثرها.

قوله ﴿ وما آتاكم ﴾ الآية.

قيل: يختص بأنه يقسم الغنائم وأن على المؤمنين أن يرضوا بما يعطيهم الرسول  منها، والأولى عند المحققين العموم.

قوله ﴿ للفقراء ﴾ بدل من قوله ﴿ ولذي القربى ﴾ إلى آخر الأصناف الأربعة.

ولا يجوز أيضاً أن يكون ابتدال البدل من قوله ﴿ فلله ﴾ لأنه يخل بتعظيم قولهم ﴿ وللرسول ﴾ لأنه  أخرجه عن الفقراء بقوله ﴿ وينصرون الله ورسوله ﴾ ولترفع منصبه عن التسمية بالفقير.

ولئن صح أنه  قال " "الفقر فخري" فذاك معنى آخر وهو غنى القلب وانقطاع التعلق عما سوى الله وجعل الهموم هماً واحداً وهو الافتقار بالكلية إلى الله.

إستدل بعض العلماء بقوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ على إمامة أبي بكر لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يقولون له يا خليفة رسول الله  .

فلو لم تكن خلافته حقه لزم كذبهم وهو خلاف الآية.

وقال في الكشاف: أراد صدقهم في إيمانهم وجهادهم.

قوله ﴿ والذين تبوّؤا الدار ﴾ معطوف على المهاجرين وكذا قوله ﴿ والذين جاءوا ﴾ وذلك عند من يجعل الغنائم حلاً للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان أو التابعين لهم إلى يوم القيامة وعلى هذا يكون قوله ﴿ يحبون ﴾ و ﴿ يقولون ﴾ حالين أي الغنائم لهم محببن قائلين.

ومن جعل المراد بيان غنائم بني النضير وقف على ﴿ هم الصادقون ﴾ و ﴿ المفلحون ﴾ وجعل الفعلين خبرين.

وعلى هذا يكون الآيتان ثناء على الأنصار على الإيثار، وللتابعين على الدعاء.

قال مقاتل: أثنى على الأنصار حين طالبت أنفسهم عن الفيء إذ جعل للمهاجرين دونهم.

وههنا سؤالان أحدهما: أنه لا يقال تبوؤا الإيمان.

الثاني بتقدير التسليم أن الأنصار ما تبوؤا الإيمان قبل المهاجرين.

والجواب من الأول أن المراد تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله: "علفتها تبناً وماء بارداً" *** أو هو مجاز من تمكنهم واستقامتهم على الإيمان كأنهم جعلوه مستقراً لهم كالمدينة أو هو مجاز بالنقصان.

والمعنى تبوّؤا دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من الثاني، أو سمى المدينة بالإيمان لأنها مكان ظهور الإيمان وهذا يؤل بالحقيقة إلى الوجه الذي تقدمه.

وعن الثاني أن المراد من قبل هجرتهم أو هو من تمام تبوء الدار، ولا شك أن الأنصار سبقوهم في ذلك وإن لم يسبقوهم في الإيمان ﴿ ولا يجدون في صدورهم حاجة ﴾ أي حسداً وغيظاً مما أوتى المهاجرون من الفيء وغيره.

وإطلاق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة من إطلاق اسم اللازم على الملزوم لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة.

وقال جار الله: المحتاج إليه يسمى حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطح إلى شيء منه يحتاج إليه ﴿ ولو كان بهم خصاصة ﴾ أي خلة فهي من خصاص البيت أي فرجه، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص الواحد خصاصة.

وفعول ﴿ يؤثرون ﴾ محذوف أي يؤثرونهم ويخصونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم.

عن ابن عباس أن النبي  قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم.

فقالوا: لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا نؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها فنزلت.

والشح المنع الذاتي الذي تقتضيه الحالة النفسانية ولهذا أضيف إلى النفس، والبخل المنع المطلق من غير اعتبار صيرورته غريزة وملكة.

قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه فقد وقي شح نفسه.

وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار الضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى شبع الضيف.

والظاهر أنها نزلت في الفيء كما مر ويدخل فيه غيره.

قوله ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ أي هاجروا بعد المهاجرين الأوّلين.

وقيل: هم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فتشمل الآيات الثلاث جميع المؤمنين.

ثم عجب من أحوال أهل النفاق من أهل المدينة كعبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن زيد، كانوا في الظاهر من الأنصار ولكنهم يوالون اليهود في السر فصاروا إخوانهم في الكفر وقالوا له ملا نطيع في قتالكم أو خذلانكم أحداً.

ثم شهد إجمالاً عليهم بأنهم كاذبون، ثم فصل ذلك قائلاً ﴿ لئن أخرجوا ﴾ إلى قوله ﴿ ولئن نصروهم ﴾ وهذا على سبيل الفرض لأنه  كما يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون.

والمعنى لو فرض نصر المنافقين اليهود ليهزمن المنافقون ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ بعد ذلك أي لا يمنعهم من عذاب الله مانع لظهور كفرهم.

وقيل: ليهزمن اليهود ثم لا تنفعهم نصرة المنافقين.

وعلى هذا يكون " ثم " لترتيب الأخبار كقوله ﴿ ثم اهتدى  ﴾ ثم بيّن الحكمة في الغزو فقال ﴿ لأنتم أشد رهبة ﴾ قال في الكشاف: أي مرهوبية هي مصدر رهب المبني للمفعول.

وقوله ﴿ في صدورهم ﴾ دلالة على نفاقهم يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله خوفاً شديداً ورهبتهم في السر منكم أشد من ذلك لأنهم لا يفقهون عظمة الله فلا يخشونه حق خشيته.

وجوز أن يكون المراد أن اليهود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله وكانوا يتشجعون للمسلمين مع إضمار الخيفة في صدورهم.

قلت: الأظهر أن المراد أنتم فيه أكثر مكانة من مواعظ الله أو لثمرة جهادكم معهم أوفر من ثمرة ترهبهم بعقاب الله ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ من سر التكاليف وتبعة الكفر والنفاق في الآخرة فلا يرتدعون إلا خوفاً من العقوبة العاجلة.

ومن هذا أخذ عمر فقال: ما ينزع السلطان أي يمنع أكثر مما ينزع القرآن.

وقال الشاعر: السيف أصدق إنباء من الكتب *** وقيل: العبد لا يردعه إلا العصا.

ثم شجع المسلمين بقوله ﴿ لا يقاتلونكم ﴾ أي لا يقدرون على قتالكم مجتمعين ﴿ إلا في قرى محصنة ﴾ غاية التحصين ﴿ أو من وراء جدر ﴾ لا مبارزين مكشوفين في الأراضي المستوية ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ لا بينكم لأنكم منصورون بنصرة الله مؤيدون بتأييده، أو لأنهم يحسبون في أنفسهم وفيما بينهم أموراً يعلم الله أنها لا تقع في الخارج على وفق حسبانهم وعن ابن عباس: معناه بعضهم لبعض عدوّ يؤيده قوله ﴿ تحسبهم جميعاً ﴾ مجتمعين ذوي تآلف ومحبة ﴿ وقلوبهم شتى ﴾ متفرقة وهو فعلى من الشت.

وإنما قال ههنا ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ وفي الأوّل ﴿ لا يفقهون ﴾ لأن الفقه معرفة ظاهر الشيء وغامضه فنفي عنهم ذلك كما قلنا، وأراد ههنا أنهم لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا فتشتتهم دليل عدم عقلهم لأن العقل يحكم بأن الاجتماع معين على المطلوب والتفرق يوهن القوى ولا سيما إذا كانوا مبطلين.

ثم شبه حالهم بحال من قتلوا قبلهم ببدر في زمان قريب.

قال جار الله: انتصب ﴿ قريباً ﴾ بمحذوف أي كوجود مثل أهل بدر قريباً.

قلت: لا يبعد أن يتعلق بصلة الذين.

ثم ضرب مثلاً آخر لإغراء المنافقين اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، والمراد إما عموم دعوة الشيطان للإنسان إلى الكفر وإما خصوص إغراء إبليس قريشاً يوم بدر كما مر في الأنفال في قوله  ﴿ وإذ زين لهم الشيطان  ﴾ إلى قوله ﴿ إني برىء منكم  ﴾ قال مقاتل: وكان عاقبة اليهود والمنافقين مثل عاقبة الشيطان والإنسان حتى صار إلى النار.

قال جار الله: كرر الأمر بالتقوى تأكيداً أو لأن الأول في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل والثاني في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد.

وسمى القيامة بالغد تقريباً لمجيئها.

عن الحسن: لم يزل بقربه حتى جعله كالغد.

وقيل: جعل مجموع زمان الدنيا كنهار عند الآخرة.

قال أهل المعاني: تنكير ﴿ نفس ﴾ للتقليل كما مر في الوقوف وتنكير ﴿ غد ﴾ للتعظيم والتهويل.

قال مقاتل: ونسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم حتى لم يشعروا لها بما ينفعها، أو فأراهم يوم القيامة من الأحوال ما نسوا فيه أنفسهم.

قلت: يجوز أن يراد نسوا ذكر الله فأورثهم القسوة وفساد الاستعداد بالكلية.

وحين نهى المؤمنين عن كونهم مثل الناسين الغافلين ذكرهم بأنه لا استواء بين الفريقين ففيه شبه قرع العصا كأنهم غفلوا عن هذا الواضح البين كما تقول لمن يعصي أباه " هو أبوك ".

استدل أصحاب الشافعي بالآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي وإلا استويا، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالقهر وإلا استويا.

واحتج بعض المعتزلة بها على أن صاحب الكبيرة لو دخل الجنة وهو من أهل النار لزم خلاف الآية.

والجواب ظاهر لأنه على تقدير إمكان العفو لا يحكم أنه من أهل النار.

ثم عظم أمر القرآن الذي يعلم منه هذا البيان.

قال الكشاف: هو مثل وتخييل بدليل قوله ﴿ وتلك الأمثال ﴾ يعني هذا وغيره من أمثال التنزيل.

وقال غيره: المعنى إشارة إلى قوله ﴿ كمثل الذين ﴾ ﴿ كمثل الشيطان ﴾ ولما وصف القرآن بما وصف عظم شأنه بوجه آخر وهو التنبيه على أوصاف منزله، وقد سبق شرح أكثر هذه الأسماء في هذا الكتاب ولا سيما في البسملة.

والقدّوس مبالغة القدس وهو التبليغ في الطهارة والبراءة عما يشين هذا بالنسبة إلى زمان الماضي والحال.

والسلام إشارة إلى كونه سالماً عن الآفات والعاهات والنقائص في زمان الاستقبال، ويجوز أن يراد أنه المعطي للسلامة.

المؤمن الواهب الأمن والمصدق لأنبيائه بالمعجزات.

وقد مر معنى المهيمن وأصل اشتقاقه في المائدة في قوله ﴿ ومهيمناً عليه  ﴾ وأن معناه الرقيب الحافظ لكل شيء.

ولمكان تعداد هذه الأوصاف كرر قوله ﴿ يسبح له ﴾ إلى آخر السورة.

فمن عزته كان منزهاً عن النقائص أهلاً للتسبيح، ومن حكمته أمر المكلفين في السموات والأرضين بأن يسبحوا له ليربحوا لا ليربح هو عليهم وهو تعالى أعلم بمراده وبالله التوفيق للخير وإليه المآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ثم قوله: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ .

يعني: رد الله على رسوله من ملك الكفرة، أو ما أعطى الله لرسوله من ملك الكفرة.

وقوله: ﴿ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ يجوز أن يكون قرى قد أعطوه، أو يكون هذه بشارة لرسول الله  في فتح القرى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

يجوز أن يقال: إن الظاهر من هذه الآية أن يكون المراد منها غير قرابة رسول الله  : "إن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى"، فقرابة رسول الله  إنما تدخل في هذه الآية بالتأويل، وذلك أن المفهوم من ذكر القرابة إنما هو قرابة المخاطبين في الآية، ومعلوم أن الخطاب بالقسم إنما هو للمغتنمين.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ إنما يفهم منه قرابة الرسول -  - وذوو القربى من أصحابنا يسلكون في ذلك مذهبين: منهم من يقول: إن هذا الحق في الأصل للمحتاجين من القرابة لوجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ وكان المراد منه منصرفاً إلى المحتاجين؛ فكذلك في القرابة.

ومنهم من قال: إن الخمس كان لرسول الله  يصل به إلى قرابته، فلما قبض -  - انقطع ذلك الحق؛ لوجهين: أحدهما: قوله -  -: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة" والثاني: إنما كانوا يستوجبونه برسول الله  فإذا قبض انقطع ذلك عنهم؛ على سبيل انقطاع الحقوق ع أصحابها عند وفاتهم، ثم الفائدة في منع ما كان لرسول الله  عن الوراثة من وجهين: أحدهما: أن رسول الله  كان لا يستعمل نفسه في شيء من لذات الدنيا وشهواتها، وكان قائماً لله  [ ]؛ فإذا كان كذلك، جاز أن يكون حقيقة الملك فيه لمولاه، وإن كان في الظاهر له، والله أعلم.

فإن قيل: أليست الأملاك كلها لله؟

قيل لهم: نعم، غير أن الإضافة قد تكون خصوصية حال، كقوله -  -: ﴿ نَاقَةُ ٱللَّهِ  ﴾ ، وبيت الله.

ووجه آخر: ما كان لرسول الله  فهو وقف عليه إلى يوم القيامة؛ ألا ترى أن زوجاته محبوسات عليه لا يحللن لأحد بعده، ونبوته عليه، لم تتحول بعده إلى غيره؛ فلزم - أيضاً - أن يوقف عليه ملكه -  - ومعلوم أن ما كان موقوفاً فسبيله التصدق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ ﴾ .

له معنيان: أحدهما: أنه لو لم يبين هذه المواضع لكان ذلك الخمس الذي كان لرسول الله  يخلفه فيه الخلفاء من بعده؛ فيداوله الأغنياء بينهم.

ومعنى آخر: لو فرق هذا بين الفقير والغني لكان حين يقع هذا للغني بيده كان يكتسب به فضول الدنيا، وأما الفقير فأول [ما]يقع في يده يستمتع به في منافع نفسه؛ فلذلك فرق في الفقراء، والله أعلم.

قال بعضهم: الدولة: هي اسم للذي يدول بين الناس، والدّولة: واحدة، وهي فعلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ﴾ .

يعني: ما أعطاكم رسول الله  من هذه الغنيمة فخذوه ولا تظنوا به ظنّاً مكروهاً وما نهاكم عنه فانتهوا، ليس نهي زجر وشريعة، ولكن نهي منع، وما منع منكم من هذا الفيء فانتهوا عنه.

وعلى قراءة ابن مسعود -  -: ﴿ وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ ، يحمل معنى الأمر ومعنى الإعطاء، أي: ما آتاكم من الدنيا فخذوه، وما نهاكم من الدنيا عنه - يعني: زجركم عنه - فانتهوا عنه.

قال - رحمه الله -: ويروى: [أن] عامة الفقهاء يحتجون بهذه الآية في موضع الآمر مع لفظ الإتياء، وليس يوجب ظاهره هذا؛ إذ الإيتاء هو الإعطاء والتمليك، كقوله: ﴿ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ  ﴾ ، ولكن وجه الاحتجاج به: أن الله -  - لما أمرنا بأخذ معروفه -  - وإن كان في أخذ المعروف من غيره  خيار: فلأن يلزمنا الأخذ بأمره والاتباع له أحرى وأولى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

هذا يؤكد ما ذكر من اتباع أمره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ...

﴾ الآية.

وما نسق عليه من قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ...

﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ...

﴾ الآيات ظاهره هذا يقتضي إيجاب حق لهم؛ لأنه إذا قيل: لفلان، لم يكن بد من أن يقال: كذا وكذا، وإذا كان كذلك لم يكن به من حق يذكر لهم، ولا يحتمل أيضاً أن يخفي الله -  - علم ذلك الحق الذي أوجب لهذه الأصناف عن خلقه؛ فالسبيل في ذلك من جهة التأويل عندنا، والله أعلم.

ثم يحتمل أن يكون رسول الله  سئل عن جوابه: لمن؟

قال: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ .

ويحتمل أن يكون الرسول سأل ربه - جل وعلا - عن جوابه: لمن؟

فأخبر: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ .

ثم إنه يجوز أن يكون ذلك الحق، هو ما وظف من الخراج على أهل القرية إذا فتحت وهو ما روي عن عمر بن الخطاب -  - أنه قال لعلي وابن مسعود -  ما - حين فتح سواد الكوفة: أني أستبشركم في أمر، قد أغناني الله -  - عن مشورتكم حين تلوت هذه الآية، ثم تلا: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ ، ثم قال: لهؤلاء خاصة، وتلا قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ، ثم قال: ليس لهؤلاء خاصة، وتلا قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ .

وروي أن بلالا قال له: اقسم بيننا كما قسم رسول الله  خيبر بين أهل العسكر، وقال: اللهم اكفني بلالا وأهله.

ثم قال عمر -  -: "لو قسمتها بينكم لتركت آخر عصابة في الإسلام لم تصب من هذا، وأخبر الله بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أنهم شركاء هؤلاء؛ فجائز أن يكون عمر -  - حين تلا هذه الآيات تذكر خبرا أخبر به رسول الله  فعلم أن الحق الذي أوجب الله -  - لهؤلاء ذلك.

أو يجوز أن يكون الله -  - بلطفه ألهمه وعليا وابن مسعود -  م - لأنه روي أنهما أشارا عليه بذلك؛ ولذلك قال أصحابنا: إن الإمام إذا افتتح قرية من قرى أهل الحرب فهو فيها بالخيار: إن شاء قسمها بين أهلها ووظف عليهم الخراج، وإن شاء قسمها بين أهل العسكر.

وإنما كان كذلك؛ لأن المقصود من المقاتلة أحد معنيين: إما لتوسيع أمكنة الإسلام أن يضيق، أو يضيق المكان بهم؛ ليستسلموا لدين الله، وينقادوا لأمره، وينظروا في حججه، وليست مقاتلتهم عقوبة كفرهم؛ بل لما وصفنا من المعنى، وهذا المعنى قد يستفاد إذا وظف عليهم الخراج؛ فلذلك كان الإمام الخيار، والله أعلم.

ولو فهم بلال -  - المعنى الذي لأجله قسم رسول الله  خيبر بينهم لم يقس سواد الكوفة عليه.

والمعنى من قسمته -  - خيبر بينهم، عندنا - والله أعلم -: هو أن المسلمين لما صدوا عن البيت بالحديبية بشرهم الله -  - بفتح قريب؛ عوضاً عما نالهم فيما أصابهم، وأما سواد الكوفة فلم يكن يها شء من هذا المعنى؛ فلم يجز أن يكون أمره مقيساً عليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ يحتمل أن يكن المراد منه المجاهدين المقاطعين لأسباب عيشهم من الأموال والديار، أي: لهم هذا الحق الذي سبق وصفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ ﴾ .

لم يخرجوهم من ديارهم في الحقيقة، ولكنهم ضيقوا عليهم حتى خرجوا، فإذن أضيف الإخراج إليهم؛ لما كانوا أسباباً لخروجهم، وهذا كقوله -  -: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ ، وإبليس - عليه اللعنة - لم يتول إخراجهما من الجنة، ولكن حرضهما على سبب إتيانه؛ فلم يستقرا بعده في ذلك المكان؛ فأضيف الفعل إليه، وقد وصفنا أن اهذه الأفعال إذا أضيفت إلى العباد فإنما معنى ذلك أسباب تكون منهم لا حقيقة تلك الأفعال، وما أضيف إلى الله -  - من ذلك فهو يحتمل الأمرين جميعاً: الحقيقة والسبب في ذلك؛ لأجل أن العبد لا يمكنه أن يقدر آخر على فعل في وقت فعله إلا على التسبب، فأما رب العالمين فإنه قادر على إقدار العبد على فعل وقت فعله؛ فلذلك قلنا: إنه يجوز أن يراد حقيقة الفعل فيما يضاف إلى الله  ، وهو الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ﴾ .

يدل على أنه كانت لهم بمكة ديار وأموال، ثم مع هذه لم يرو عن رسول الله  رد شيء من ديارهم عليهم بعد فتح مكة، ولا تضمين أولئك شيئاً من أموالهم؛ ليعلم أن أهل الحرب إذا غلبوا على أموال المسلمين ملكوها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

يعني: أنهم هاجروا لدينهم، وانقطعوا عن أسباب عيشهم من الأموال؛ يبتغون الرزق من الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .

دل أن هذا الحق للمجاهدين منهم، ثم قوله: ﴿ وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ ﴾ ؛ يحتمل وجهين: أحدهما: ينصرون رسول الله  ، وذكر الهل صلة.

والثاني: ينصرون دين الله، ويطيعون رسوله،  .

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ ﴾ .

يعني: الذين أظهروا صدق الإيمان من قلوبهم؛ لهجرتهم لدينهم وسعيهم إلى ما يزلهم إلى الله -  - ويقرب إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ ﴾ .

يعني: الذين اتخذوا ديارا واسعة تسعهم والمهاجرين، وهم الأنصار.

وقوله: ﴿ وَٱلإِيمَانَ ﴾ .

أي: أنهم آمنوا قبل هجرة هؤلاء، لك يأمن هؤلاء المهاجرون من أحنهم، ولا يخافوا شرهم.

وقوله: ﴿ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .

يعني: من قبل الهجرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ﴾ ، يعني: أن الله -  - ألقى [إليهم] محبة؛ حتى أنزلوا المهاجرين ديارهم، وأنفقوا عليهم أموالهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ ﴾ .

يعني: أن رسول الله  لما قسم خيبر بين المهاجرين، ورتك الأنصار لم يقسم بينهم، لم يجد الأنصار في قلوبهم حاجة مما أعطى المهاجرين، يعني: أن الله -  - أغنى قلوبهم حتى لا يفكروا عن حاجة ولا مقت ألبتة.

ويحتمل أن يكون المعنى من الحاجة - هاهنا -: الغل والحسد، يعني: أن الله -  - ظهر قلوبهم حتى لم يجدوا في صدورهم حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ .

أي: يؤثرون على أنفسهم في أملاكهم أنهم لا يجدون بما يبذلون هم حاجة مما يملكون، ويؤثرون المهاجرين على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

إن الله -  - خلق في طبع البشر محبة المحاسن والمنافع الطلب لها، وبغض المساوي والمضار والهرب عنها، ثم إنه امتحنهم بالإنفاق مما يحبون، وحمل النفس على ما يكرهون؛ طلباً لنجاتهم، وتوصلا إلى ثوابهم، ثم وقاية الأنفس من الشح تكون بوجهين: أحدهما: أن يمن الله على عبده ليصير ما هو غائب عنه من الثواب في الأجل كالشاهد؛ فيخفف عليه الإنفاق مما يحب، ويصير ذلك كالطبع له.

والثاني: يوفقه الله -  - ويعصمه، ويلهمه تعظيم أمره ونهيه؛ حتى يقهر نفسه ويحملها على الائتمار بأمر الله -  - والانتهاء عما نهى عنه، وإن كان طبعها على خلاف ذلك.

ثم إضافة الوقاية إلى نفسه تدل على أنه قد بقي في خزانته شيء لم يؤته عبده، حتى يصف نفسه بأنه يقي عنه شح نفسه، ولولا ذلك لم يكن لوعده بوقاية نفسه عن شحها معنى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

يعني: الباقون في النعيم الدائم، والفلاح في الحقيقة: هو البقاء في النعيم.

وقوله - عز جل -: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا...

﴾ الآية.

قد علم الله -  - أنه قد يكون في أمة محمد  من يلعن سلفه حتى أمرهم بالاستغفار لهم.

وفيه دلالة على فساد قول الروافض والخوارج والمعتزلة؛ لأن الروافض من قولهم: إن القوم لما ولو الخلافة أبا بكر الصديق -  - كفروا.

ومن قول الخوارج: إن عليا 0-  - كفر بقتاله معاوية وأصحابه.

وقال المعتزلة بأن من عدل عن الحق في القتال خرج عن الإيمان، ولو كان ما ارتكبوا من الزلات يكفرهم أو يخرجهم عن الإيمان لم يكن للاستغفار لهم معنى؛ لأن الله -  - نهى عن الاستغفار للمشركين، فإذا أذن - هاهنا - بالاستغفار لهم تبين بهذا أن ما ارتكبوا من الذنوب، ولم يخرجهم من الإيمان، ولأ،ه أبقى الأخوة فيما بينهم، مع علمنا أنه لم يكن بين الآخرين والأولين أخوة إلا في الدين، فلولا أنهم كانوا مؤمنين لم يكن لإبقاء الأخوة معنى، والله أعلم.

ولأنه قال -  -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، ولو كان ذلك يخرجهم من الإيمان، لم يكن لهذا الدعاء معنى؛ لأن الواجب أن يكون في قلوب المؤمنين عداوة الكفار ومقتهم، فلما ندب جل شأنه في هذه الآية إلى نفي الغل والحسد عن قلوبهم بتلك الدعوة ثبت أ،هم كانوا مؤمنين، والله أعلم.

ثم في الأمر بالاستغفار لهم دلالة أنه قد كانت منهم ذنوب يستوجبون بها العقوبة لولا فضل الله ومغفرته، وإن كانوا فيما يتعاطونه مجتهدين؛ ليعلم أنه ليس كل مجتهد مصيباً.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

يعني: عداوة يحتمل أن يكون المراد منه المؤمنين الذين سبقوهم.

ويحتمل أن يكون هذا في كل المؤمنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

الرحمة من الله -  - فضل منه على عباده وإحسان إليهم؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ  ﴾ : فأخبر أن رحمته هبة منه وإحسان إلى عبده، والله أعلم.

ثم الاستغفار في حال الحياة له معنيان: أحدهما: طلب السبب الذي إذا جاءه استوجب المغفرة.

والثاني: حقيقة المغفرة.

وفي حال الوفاة ليس إلا طلب عين المغفرة، فلما ندب - جل وعلا - إلى الاستغفار لهم بعد وفاتهم، وحال الاستغفار بعد الوفاة على ما وصفنا لا يتوجه إلى على حقيقة المغفرة - ثبت أن ذنوبهم لم تخرجهم؛ لأنه لو كان من حكمه - جل ثناءه - ألا تحل مغفرتهم إذ ارتكبوا كبيرة لم يكن في الأمر بالاستغفار لهم حكمة، والله أعلم.

وقال جعفر بن حرب: إنه ليس في قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ ﴾ ما يدل على أنه يجعل في قلوبهم؛ لأنه إذا قيل: لا تفعل بنا شيئاً لم يفهم منه أ،ه يفعله إذا أحب، ولكن يجاب عن هذا أنه قال  نصا في آية أخرى ما يدل على جعل العداوة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ .

فإن قال: تأويله: أنه خفلى بينهم وبينها، لا أنه جعلها.

قلنا: غير محتمل أن يخلق الله -  - العداوة في قلوبهم من غير فعل يكون منهم، وإن كان كذلك ثبت أنه يخلق هذه الأشياء وقت فعل العبد لها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين جاؤوا من بعد هؤلاء واتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا في الدين الذين سبقونا إلى الإيمان بالله وبرسوله، ولا تجعل في قلوبنا ضعيفة وحقدًا لأحد من المؤمنين، ربنا إنك رؤوف بعبادك، رحيم بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.bNP3J"

مزيد من التفاسير لسورة الحشر

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 17.7 / 29.5
الإضاءة 91%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
الله أكبر