تفسير الآية ١٦ من سورة الحشر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ١٦ من سورة الحشر

كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٦ من سورة الحشر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة الحشر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك ) يعني : مثل هؤلاء اليهود في اغترارهم بالذين وعدوهم النصر من المنافقين ، وقول المنافقين لهم : ( وإن قوتلتم لننصرنكم ) ثم لما حقت الحقائق وجد بهم الحصار والقتال ، تخلوا عنهم وأسلموهم للهلكة ، مثالهم في هذا كمثل الشيطان إذ سول للإنسان - والعياذ بالله - الكفر ، فإذا دخل فيما سوله تبرأ منه وتنصل ، وقال : ( إني أخاف الله رب العالمين ) وقد ذكر بعضهم ها هنا قصة لبعض عباد بني إسرائيل هي كالمثال لهذا المثل ، لا أنها المرادة وحدها بالمثل ، بل هي منه مع غيرها من الوقائع المشاكلة لها ، فقال ابن جرير : حدثنا خلاد بن أسلم ، أخبرنا النضر بن شميل ، أخبرنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، سمعت عبد الله بن نهيك قال : سمعت عليا رضي الله عنه ، يقول : إن راهبا تعبد ستين سنة ، وإن الشيطان أراده فأعياه ، فعمد إلى امرأة فأجنها ولها إخوة ، فقال لإخوتها : عليكم بهذا القس فيداويها .

قال : فجاءوا بها إليه فداواها ، وكانت عنده ، فبينما هو يوما عندها إذ أعجبته ، فأتاها فحملت ، فعمد إليها فقتلها ، فجاء إخوتها ، فقال الشيطان للراهب : أنا صاحبك ، إنك أعييتني ، أنا صنعت هذا بك فأطعني أنجك مما صنعت بك ، فاسجد لي سجدة .

فسجد له ، فلما سجد له قال : إني بريء منك ، إني أخاف الله رب العالمين ، فذلك قوله : ( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ) .

وقال ابن جرير : حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ، حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن عمارة ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية : ( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ) قال : كانت امرأة ترعى الغنم ، وكان لها أربعة إخوة ، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب .

قال : فنزل الراهب ففجر بها ، فحملت ، فأتاه الشيطان فقال له : اقتلها ثم ادفنها ، فإنك رجل مصدق يسمع قولك .

فقتلها ثم دفنها .

قال : فأتى الشيطان إخوتها في المنام فقال لهم : إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم ، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا .

فلما أصبحوا قال رجل منهم : والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك ؟

قالوا : لا بل قصها علينا .

قال : فقصها ، فقال الآخر : وأنا والله لقد رأيت ذلك ، فقال الآخر : وأنا والله لقد رأيت ذلك .

فقالوا : فوالله ما هذا إلا لشيء .

قال : فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب ، فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به فلقيه الشيطان فقال : إني أنا الذي أوقعتك في هذا ، ولن ينجيك منه غيري ، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه .

قال : فسجد له ، فلما أتوا به ملكهم تبرأ منه ، وأخذ فقتل .

وكذا روي عن ابن عباس ، وطاوس ، ومقاتل بن حيان ، نحو ذلك .

واشتهر عند كثير من الناس أن هذا العابد هو برصيصا ، والله أعلم .

وهذه القصة مخالفة لقصة جريج العابد ، فإن جريجا اتهمته امرأة بغي بنفسها ، وادعت أن حملها منه ، ورفعت أمره إلى ولي الأمر ، فأمر به فأنزل من صومعته وخر‍بت صومعته وهو يقول : ما لكم ؟

ما لكم ؟

فقالوا : يا عدو الله ، فعلت بهذه المرأة كذا وكذا .

فقال : جريج : اصبروا .

ثم أخذ ابنها وهو صغير جدا ، ثم قال : يا غلام ، من أبوك ؟

قال أبي الراعي - وكانت قد أمكنته من نفسها فحملت منه - فلما رأى بنو إسرائيل ذلك عظموه كلهم تعظيما بليغا ، وقالوا : نعيد صومعتك من ذهب .

قال : لا بل أعيدوها من طين ، كما كانت .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) يقول تعالى ذكره: مثل هؤلاء المنافقين الذين وعدوا اليهود من النضير، النصرة إن قوتلوا، أو الخروج معهم إن أُخرجوا، ومثل النضير في غرورهم إياهم بإخلافهم الوعد، وإسلامهم إياهم عند شدّة حاجتهم إليهم، وإلى نُصرتهم إياهم، كمثل الشيطان الذي غرّ إنْسانًا، ووعده على اتباعه وكفره بالله، النصرة عند الحاجة إليه، فكفر بالله واتبعه وأطاعه، فلما احتاج إلى نُصرته أسلمه وتبرأ منه، وقال له: ( إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) في نُصرتك.

وقد اختلف أهل التأويل في الإنسان الذي قال الله جلّ ثناؤه ( إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ ) هو إنسان بعينه، أم أريد به المثل لمن فعل الشيطان ذلك به، فقال بعضهم: عُنِي بذلك إنسان بعينه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا شعبة، عن أَبي إسحاق، قال: سمعت عبد الله بن نهيك، قال: سمعت عليًا رضي الله عنه يقول: إن راهبًا تعبَّد ستين سنة، وأن الشيطان أراده فأعياه، فعمد إلى امرأة فأجنها، ولها إخوة، فقال لإخوتها: عليكم بهذا القسّ فيداويها، فجاءوا بها، قال: فداواها، وكانت عنده؛ فبينما هو يوما عندها إذا أعجبته، فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك، إن أعييتني، أنا صنعت بك هذا فأطعني أنجك مما صنعتُ بك، اسجد لي سجدة، فسجد له؛ فلما سجد له قال: إني بريء منك، ( إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) فذلك قوله: ( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) .

حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أَبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن زيد، عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية ( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) قال: كانت امرأة ترعى الغنم، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، قال: فنـزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان، فقال له: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدّق يسمع كلامك، فقتلها ثم دفنها؛ قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم؛ فلما أحبلها قتلها، ثم دفنها في مكان كذا وكذا؛ فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا وما أدري أقصها عليكم أم أترك؟

قالوا: لا بل قُصَّها علينا؛ قال: فقصها، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك؛ قالوا: فما هذا إلا لشيء، فانطلقوا فاستعدوْا مَلِكَهُم على ذلك الراهب، فأتَوه فأنـزلوه، ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي سجدة واحدة وأنا أنجيك مما أوقعتك فيه؛ قال: فسجد له؛ فلما أتَوا به ملكَهم تبرأ منه، وأُخِذ فقتل.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ ) ...

إلى وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ قال عبد الله بن عباس: كان راهب من بني إسرائيل يعبد الله فيحسن عبادته، وكان يُؤتى من كلّ أرض فيُسأل عن الفقه، وكان عالمًا، وإن ثلاثة إخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن الناس، وإنهم أرادوا أن يسافروا، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها؛ فقال أحدهم: أدلكم على من تتركونها عنده؟

قالوا: من هو؟

قال: راهب بني إسرائيل، إن ماتت قام عليها، وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليه؛ فعمدوا إليه فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد أحدًا أوثق فى أنفسنا، ولا أحفظ لما وُلِّيً منك لما جعل عندك، فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع، فقال: أفيكم إن شاء الله؛ فانطلقوا فقام عليها فداواها حتى بَرَأَت، وعاد إليها حسنها، فاطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان حتى يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت، ثم ندمه الشيطان فزين له قتلها؛ قال: إن لم تقتلها افتضحت وعرف شبهك في الولد، فلم يكن لك معذرة، فلم يزل به حتى قتلها؛ فلما قدم إخوتها سألوه ما فعلت؟

قال: ماتت فدفنتها، قالوا: قد أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام، ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زيَّنت لك الزنا وقتلها بعد الزنا، فهل لك أن أنجيك؟

قال: نعم، قال: أفتطيعني؟

قال: نعم قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له ثم قتل، فذلك قوله: ( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ ) الآية حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: " كان رجل من بني إسرائيل عابدًا، وكان ربما داوى المجانين، فكانت امرأة جميلة، فأخذها الجنون، فجيء بها إليه، فتركت عنده، فأعجبته فوقع عليها فحملت، فجاءه الشيطان فقال: إن عُلم بهذا افتضحت، فاقتلها وادفنها في بيتك، فقتلها ودفنها، فجاء أهلها بعد ذلك بزمان يسألونه، فقال: ماتت، فلم يتهموه لصلاحه فيهم، فجاءهم الشيطان فقال: إنها لم تمت، ولكنه وقع عليها فقتلها ودفنها في بيته في مكان كذا وكذا، فجاء أهلها، فقالوا: ما نتهمك، فأخبرنا أين دفنتها، ومن كان معك، فوجدوها حيث دفنها، فأُخذ وسُجن، فجاءه الشيطان فقال: إن كنت تريد أن أخرجك مما أنت فيه فتخرج منه، فاكفر بالله، فأطاع الشيطان، وكفر بالله، فأُخذ وقُتل، فتبرأ الشيطان منه حينئذ.

قال: فما أعلم هذه الآية إلا نـزلت فيه ( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) .

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك الناس كلهم، وقالوا: إنما هذا مثل ضُرِب للنضير فى غرور المنافقين إياهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد ( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ ) عامة الناس.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمينقوله تعالى : كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر هذا ضرب مثل للمنافقين واليهود في تخاذلهم وعدم الوفاء في نصرتهم .

وحذف حرف العطف ، ولم يقل : وكمثل الشيطان ; لأن حذف حرف العطف كثير كما تقول : أنت عاقل أنت كريم أنت عالم .

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن الإنسان الذي قال له الشيطان اكفر ، راهب تركت عنده امرأة أصابها لمم ليدعو لها ، فزين له الشيطان فوطئها فحملت ، ثم قتلها خوفا أن يفتضح ، فدل الشيطان قومها على موضعها ، فجاءوا فاستنزلوا الراهب ليقتلوه ، فجاء الشيطان فوعده أنه إن سجد له أنجاه منهم ، فسجد له فتبرأ منه فأسلمه .

ذكره القاضي إسماعيل وعلي بن المديني عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عروة بن عامر عن عبيد بن رفاعة الزرقي عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وذكر خبره مطولا ابن عباس ووهب بن منبه .

ولفظهما مختلف .

قال ابن عباس في قوله تعالى : كمثل الشيطان : كان راهب في الفترة يقال له : برصيصا ; قد تعبد في صومعته سبعين سنة ، لم يعص الله فيها طرفة عين ، حتى أعيا إبليس ، فجمع إبليس مردة الشياطين فقال : ألا أجد منكم من يكفيني أمر برصيصا ؟

فقال الأبيض ، وهو صاحب الأنبياء ، وهو الذي قصد النبي صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل ليوسوس إليه على وجه الوحي ، فجاء جبريل فدخل بينهما ، ثم دفعه بيده حتى وقع بأقصى الهند فذلك قوله تعالى : ذي قوة عند ذي العرش مكين فقال : أنا [ ص: 35 ] أكفيكه ; فانطلق فتزيا بزي الرهبان ، وحلق وسط رأسه حتى أتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه ; وكان لا ينفتل من صلاته إلا في كل عشرة أيام يوما ، ولا يفطر إلا في كل عشرة أيام ; وكان يواصل العشرة الأيام والعشرين والأكثر ; فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته ; فلما انفتل برصيصا من صلاته ، رأى الأبيض قائما يصلي في هيئة حسنة من هيئة الرهبان ; فندم حين لم يجبه ، فقال : ما حاجتك ؟

فقال : أن أكون معك ، فأتأدب بأدبك ، وأقتبس من عملك ، ونجتمع على العبادة ; فقال : إني في شغل عنك ; ثم أقبل على صلاته ; وأقبل الأبيض أيضا على الصلاة ; فلما رأى برصيصا شدة اجتهاده وعبادته قال له : ما حاجتك ؟

فقال : أن تأذن لي فأرتفع إليك .

فأذن له فأقام الأبيض معه حولا لا يفطر إلا في كل أربعين يوما يوما واحدا ، ولا ينفتل من صلاته إلا في كل أربعين يوما ، وربما مد إلى الثمانين ; فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه .

ثم قال الأبيض : عندي دعوات يشفي الله بها السقيم والمبتلى والمجنون ; فعلمه إياها .

ثم جاء إلى إبليس فقال : قد والله أهلكت الرجل .

ثم تعرض لرجل فخنقه ، ثم قال لأهله - وقد تصور في صورة الآدميين - : إن بصاحبكم جنونا أفأطبه ؟

قالوا : نعم .

فقال : لا أقوى على جنيته ، ولكن اذهبوا به إلى برصيصا ، فإن عنده اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى ، وإذا دعي به أجاب ; فجاءوه فدعا بتلك الدعوات ، فذهب عنه الشيطان .

ثم جعل الأبيض يفعل بالناس ذلك ويرشدهم إلى برصيصا فيعافون .

فانطلق إلى جارية من بنات الملوك بين ثلاثة إخوة ، وكان أبوهم ملكا فمات واستخلف أخاه ، وكان عمها ملكا في بني إسرائيل فعذبها وخنقها .

ثم جاء إليهم في صورة رجل متطبب ليعالجها فقال : إن شيطانها مارد لا يطاق ، ولكن اذهبوا بها إلى برصيصا فدعوها عنده ، فإذا جاء شيطانها دعا لها فبرئت ; فقالوا : لا يجيبنا إلى هذا ; قال : فابنوا صومعة في جانب صومعته ثم ضعوها فيها ، وقولوا : هي أمانة عندك فاحتسب فيها .

فسألوه ذلك فأبى ، فبنوا صومعة ووضعوا فيها الجارية ; فلما انفتل من صلاته عاين الجارية وما بها من الجمال فأسقط في يده ، فجاءها الشيطان فخنقها فانفتل من صلاته ودعا لها فذهب عنها الشيطان ، ثم أقبل على صلاته فجاءها الشيطان فخنقها .

وكان يكشف عنها ويتعرض بها لبرصيصا ، ثم جاءه الشيطان فقال : ويحك !

واقعها ، فما تجد مثلها ثم تتوب بعد ذلك .

فلم يزل به حتى واقعها فحملت وظهر حملها .

فقال له الشيطان : ويحك !

قد افتضحت .

فهل لك أن تقتلها ثم تتوب فلا تفتضح ، فإن جاءوك وسألوك فقل جاءها شيطانها فذهب بها .

فقتلها برصيصا ودفنها ليلا ; فأخذ الشيطان طرف ثوبها حتى بقي خارجا من التراب ; ورجع برصيصا إلى صلاته .

ثم جاء الشيطان إلى إخوتها في المنام فقال : إن برصيصا فعل بأختكم كذا وكذا ، وقتلها ودفنها في جبل كذا وكذا ; فاستعظموا [ ص: 36 ] ذلك وقالوا لبرصيصا : ما فعلت أختنا ؟

فقال : ذهب بها شيطانها ; فصدقوه وانصرفوا .

ثم جاءهم الشيطان في المنام وقال : إنها مدفونة في موضع كذا وكذا ، وإن طرف ردائها خارج من التراب ; فانطلقوا فوجدوها ، فهدموا صومعته وأنزلوه وخنقوه ، وحملوه إلى الملك فأقر على نفسه فأمر بقتله .

فلما صلب قال الشيطان : أتعرفني ؟

قال : لا والله ، قال : أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات ، أما اتقيت الله أما استحيت وأنت أعبد بني إسرائيل ثم لم يكفك صنيعك حتى فضحت نفسك ، وأقررت عليها وفضحت أشباهك من الناس ، فإن مت على هذه الحالة لم يفلح أحد من نظرائك بعدك .

فقال : كيف أصنع ؟

قال : تطيعني في خصلة واحدة وأنجيك منهم وآخذ بأعينهم .

قال : وما ذاك ؟

قال : تسجد لي سجدة واحدة ; فقال : أنا أفعل ; فسجد له من دون الله .

فقال : يا برصيصا ، هذا أردت منك ; كان عاقبة أمرك أن كفرت بربك ، إني بريء منك ، إني أخاف الله رب العالمين .

وقال وهب بن منبه : إن عابدا كان في بني إسرائيل ، وكان من أعبد أهل زمانه ، وكان في زمانه ثلاثة إخوة لهم أخت ، وكانت بكرا ، ليست لهم أخت غيرها ، فخرج البعث على ثلاثتهم ، فلم يدروا عند من يخلفون أختهم ، ولا عند من يأمنون عليها ، ولا عند من يضعونها .

قال : فاجتمع رأيهم على أن يخلفوها عند عابد بني إسرائيل ، وكان ثقة في أنفسهم ، فأتوه فسألوه أن يخلفوها عنده ، فتكون في كنفه وجواره إلى أن يقفلوا من غزاتهم ، فأبى ذلك عليهم وتعوذ بالله منهم ومن أختهم .

قال : فلم يزالوا به حتى أطاعهم ، فقال : أنزلوها في بيت حذاء صومعتي ، فأنزلوها في ذلك البيت ثم انطلقوا وتركوها ، فمكثت في جوار ذلك العابد زمانا ، ينزل إليها الطعام من صومعته ، فيضعه عند باب الصومعة ، ثم يغلق بابه ويصعد في صومعته ، ثم يأمرها فتخرج من بيتها فتأخذ ما وضع لها من الطعام .

قال : فتلطف له الشيطان فلم يزل يرغبه في الخير ، ويعظم عليه خروج الجارية من بيتها نهارا ، ويخوفه أن يراها أحد فيعلقها .

قال : فلبث بذلك زمانا ، ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والأجر ، وقال له : لو كنت تمشي إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها كان أعظم لأجرك ; قال : فلم يزل به حتى مشى إليها بطعامها فوضعه في بيتها ، قال : فلبث بذلك زمانا ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وحضه عليه ، وقال : لو كنت تكلمها وتحدثها فتأنس بحديثك ، فإنها قد استوحشت وحشة شديدة .

قال : فلم يزل به حتى حدثها زمانا يطلع عليها من فوق صومعته .

قال : ثم أتاه إبليس بعد ذلك فقال : لو كنت تنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتحدثها [ ص: 37 ] وتقعد على باب بيتها فتحدثك كان آنس لها .

فلم يزل به حتى أنزله وأجلسه على باب صومعته يحدثها ، وتخرج الجارية من بيتها ، فلبثا زمانا يتحدثان ، ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والثواب فيما يصنع بها ، وقال : لو خرجت من باب صومعتك فجلست قريبا من باب بيتها كان آنس لها .

فلم يزل به حتى فعل .

قال : فلبثا زمانا ، ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وفيما له من حسن الثواب فيما يصنع بها ، وقال له : لو دنوت من باب بيتها فحدثتها ولم تخرج من بيتها ، ففعل .

فكان ينزل من صومعته فيقعد على باب بيتها فيحدثها .

فلبثا بذلك حينا ثم جاءه إبليس فقال : لو دخلت البيت معها تحدثها ولم تتركها تبرز وجهها لأحد كان أحسن بك .

فلم يزل به حتى دخل البيت ، فجعل يحدثها نهاره كله ، فإذا أمسى صعد في صومعته .

قال : ثم أتاه إبليس بعد ذلك ، فلم يزل يزينها له حتى ضرب العابد على فخذها وقبلها .

فلم يزل به إبليس يحسنها في عينه ويسول له حتى وقع عليها فأحبلها ، فولدت له غلاما ، فجاءه إبليس فقال له : أرأيت إن جاء إخوة هذه الجارية وقد ولدت منك !

كيف تصنع !

لا آمن عليك أن تفتضح أو يفضحوك !

فاعمد إلى ابنها فاذبحه وادفنه ، فإنها ستكتم عليك مخافة إخوتها أن يطلعوا على ما صنعت بها ، ففعل .

فقال له : أتراها تكتم إخوتها ما صنعت بها وقتلت ابنها !

خذها فاذبحها وادفنها مع ابنها .

فلم يزل به حتى ذبحها وألقاها في الحفيرة مع ابنها ، وأطبق عليها صخرة عظيمة ، وسوى عليها التراب ، وصعد في صومعته يتعبد فيها ; فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث ; حتى قفل إخوتها من الغزو ، فجاءوه فسألوه عنها فنعاها لهم وترحم عليها ، وبكى لهم وقال : كانت خير أمة ، وهذا قبرها فانظروا إليه .

فأتى إخوتها القبر فبكوا على قبرها وترحموا عليها ، وأقاموا على قبرها أياما ثم انصرفوا إلى أهاليهم .

فلما جن عليهم الليل وأخذوا مضاجعهم ، أتاهم الشيطان في صورة رجل مسافر ، فبدأ بأكبرهم فسأله عن أختهم ; فأخبره بقول العابد وموتها وترحمه عليها ، وكيف أراهم موضع قبرها ; فكذبه الشيطان وقال : لم يصدقكم أمر أختكم ، إنه قد أحبل أختكم وولدت منه غلاما فذبحه وذبحها معه فزعا منكم ، وألقاها في حفيرة احتفرها خلف الباب الذي كانت فيه عن يمين من دخله .

فانطلقوا فادخلوا البيت الذي كانت فيه عن يمين من دخله ، فإنكم ستجدونهما هنالك جميعا كما أخبرتكم .

قال : وأتى الأوسط في منامه وقال له مثل ذلك .

ثم أتى أصغرهم فقال له مثل ذلك .

فلما استيقظ القوم استيقظوا متعجبين لما رأى كل واحد منهم .

فأقبل بعضهم على بعض ، يقول كل واحد منهم : لقد رأيت عجبا ، فأخبر بعضهم بعضا بما رأى .

قال أكبرهم : هذا حلم ليس بشيء ، فامضوا بنا ودعوا هذا .

قال أصغرهم : لا أمضي حتى آتي ذلك المكان فأنظر فيه .

قال : فانطلقوا جميعا حتى دخلوا البيت الذي كانت فيه أختهم ، ففتحوا الباب وبحثوا الموضع الذي وصف لهم في منامهم ، فوجدوا [ ص: 38 ] أختهم وابنها مذبوحين في الحفيرة كما قيل لهم ، فسألوا العابد فصدق قول إبليس فيما صنع بهما .

فاستعدوا عليه ملكهم ، فأنزل من صومعته فقدموه ليصلب ، فلما أوقفوه على الخشبة أتاه الشيطان فقال له : قد علمت أني صاحبك الذي فتنتك في المرأة حتى أحبلتها وذبحتها وذبحت ابنها ، فإن أنت أطعتني اليوم وكفرت بالله الذي خلقك خلصتك مما أنت فيه .

قال : فكفر العابد بالله ; فلما كفر خلى عنه الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه .

قال : ففيه نزلت هذه الآية : كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين إلى قوله جزاء الظالمين .

قال ابن عباس : فضرب الله هذا مثلا للمنافقين من اليهود .

وذلك أن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام أن يجلي بني النضير من المدينة ، فدس إليهم المنافقون ألا تخرجوا من دياركم ، فإن قاتلوكم كنا معكم ، وإن أخرجوكم كنا معكم ، فحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم فخذلهم المنافقون ، وتبرءوا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصا العابد .

فكان الرهبان بعد ذلك لا يمشون إلا بالتقية والكتمان .

وطمع أهل الفسوق والفجور في الأحبار فرموهم بالبهتان والقبيح ، حتى كان أمر جريج الراهب ، وبرأه الله فانبسطت بعده الرهبان وظهروا للناس .

وقيل : المعنى مثل المنافقين في غدرهم لبني النضير كمثل إبليس إذ قال لكفار قريش : لا غالب لكم اليوم من الناس ، وإني جار لكم وقال مجاهد المراد بالإنسان هاهنا جميع الناس في غرور الشيطان إياهم .

ومعنى قوله تعالى : إذ قال للإنسان اكفر أي أغواه حتى قال : إني كافر .إني أخاف الله رب العالمين وليس قول الشيطان حقيقة ، إنما هو على وجه التبرؤ من الإنسان ، فهو تأكيد لقوله تعالى : إني بريء منك وفتح الياء من " إني " نافع وابن كثير وأبو عمرو .

وأسكن الباقون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومثل هؤلاء المنافقين الذين غروا إخوانهم من أهل الكتاب { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ } أي: زين له الكفر وحسنه ودعاه إليه، فلما اغتر به وكفر، وحصل له الشقاء، لم ينفعه الشيطان، الذي تولاه ودعاه إلى ما دعاه إليه، بل تبرأ منه و { قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } أي: ليس لي قدرة على دفع العذاب عنك، ولست بمغن عنك مثقال ذرة من الخير.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم ضرب مثلا للمنافقين واليهود جميعا في [ تخاذلهم ] فقال : ( كمثل الشيطان ) أي مثل المنافقين في غرورهم بني النضير وخذلانهم كمثل الشيطان ( إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك ) وذلك ما روى عطاء وغيره عن ابن عباس قال : كان راهب في الفترة يقال له " برصيصا " تعبد في صومعة له سبعين سنة لم يعص الله فيها طرفة عين وإن إبليس أعياه في أمره الحيل فجمع ذات يوم مردة الشياطين فقال : ألا أجد أحدا منكم يكفيني أمر برصيصا فقال الأبيض - وهو صاحب الأنبياء وهو الذي تصدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - وجاءه في صورة جبرائيل ليوسوس إليه على وجه الوحي فدفعه جبرائيل إلى أقصى أرض الهند - فقال الأبيض لإبليس : أنا أكفيك أمره فانطلق فتزين بزينة الرهبان وحلق وسط رأسه وأتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه وكان لا ينفتل عن صلاته إلا في كل عشرة أيام ولا يفطر إلا في عشرة أيام مرة .

فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته فلما انفتل برصيصا اطلع من صومعته فرأى الأبيض قائما يصلي في هيئة حسنة من هيئة الرهبان فلما رأى ذلك من حاله ندم في نفسه حين لم يجبه فقال له : إنك ناديتني وكنت مشتغلا عنك فما حاجتك ؟

قال : حاجتي أني أحببت أن أكون معك فأتأدب بك وأقتبس من عملك وعلمك ونجتمع على العبادة فتدعو لي وأدعو لك فقال برصيصا : إني لفي شغل عنك فإن كنت مؤمنا فإن الله سيجعل لك فيما أدعو للمؤمنين نصيبا إن استجاب لي ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض وأقبل الأبيض يصلي فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوما بعدها ، فلما انفتل رآه قائما يصلي فلما رأى برصيصا شدة اجتهاده قال له : ما حاجتك قال : حاجتي أن تأذن لي فأرتفع إليك فأذن له فارتفع إليه في صومعته فأقام معه حولا يتعبد لا يفطر إلا في كل أربعين يوما ولا ينفتل عن صلاته إلا في كل أربعين يوما مرة وربما مد إلى الثمانين فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه وأعجبه شأن الأبيض .

فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا : إني منطلق فإن لي صاحبا غيرك ظننت أنك أشد اجتهادا مما أرى وكان يبلغنا عنك غير الذي رأيت فدخل من ذلك على برصيصا أمر شديد وكره مفارقته للذي رأى من شدة اجتهاده فلما ودعه قال له الأبيض : إن عندي دعوات أعلمكها تدعو بهن فهن خير مما أنت فيه يشفي الله بها السقيم ويعافي بها المبتلى والمجنون قال برصيصا : إني أكره هذه المنزلة لأن لي في نفسي شغلا وإني أخاف إن علم به الناس شغلوني عن العبادة فلم يزل به الأبيض حتى علمه .

ثم انطلق حتى أتى إبليس فقال : قد والله أهلكت الرجل .

قال : فانطلق الأبيض فتعرض لرجل فخنقه ثم جاء في صورة رجل متطبب فقال لأهله إن بصاحبكم جنونا أفأعالجه قالوا : نعم فقال لهم : إني لا أقوى على جنته ولكن سأرشدكم إلى من يدعو الله فيعافيه انطلقوا إلى برصيصا فإن عنده الاسم الذي إذا دعا به أجيب فانطلقوا إليه فسألوه ذلك فدعا بتلك الكلمات فذهب عنه الشيطان فكان الأبيض يفعل مثل ذلك بالناس ويرشدهم إلى برصيصا فيدعو فيعافون فانطلق الأبيض فتعرض لجارية من بنات ملوك بني إسرائيل بين ثلاثة إخوة وكان أبوهم ملكهم فمات واستخلف أخاه فكان عمها ملك بني إسرائيل فعذبها وخنقها ثم جاء إليهم في صورة متطبب فقال لهم : أتريدون أن أعالجها قالوا : نعم قال : إن الذي عرض لها مارد لا يطاق ولكن سأرشدكم إلى رجل تثقون به تدعونها عنده إذا جاء شيطانها دعا لها حتى تعلموا أنها قد عوفيت وتردونها صحيحة قالوا : ومن هو قال برصيصا قالوا : وكيف لنا أن يجيبنا إلى هذا وهو أعظم شأنا من ذلك قال : فانطلقوا فابنوا صومعة إلى جانب صومعته حتى تشرفوا عليه فإن قبلها وإلا فضعوها في صومعتها ثم قولوا له هي أمانة عندك فاحتسب فيها .

قال : فانطلقوا إليه فسألوه فأبى عليهم فبنوا صومعة على ما أمرهم الأبيض ووضعوا الجارية في صومعته وقالوا : هذه أختنا أمانة فاحتسب فيها .

ثم انصرفوا فلما انفتل برصيصا عن صلاته عاين الجارية وما بها من الحسن والجمال فوقعت في قلبه ودخل عليه أمر عظيم ثم أقبل في صلاته فجاءها الشيطان فخنقها فدعا برصيصا بتلك الدعوات فذهب عنها الشيطان ثم أقبل على صلاته فجاءها الشيطان فخنقها فدعا برصيصا بتلك الدعوات ثم أقبل على صلاته فجاءها الشيطان فخنقها وكانت تكشف عن نفسها فجاءه الشيطان وقال واقعها فستتوب بعد فتدرك ما تريد من الأمر فلم يزل به حتى واقعها فلم يزل على ذلك يأتيها حتى حملت وظهر حملها فقال له الشيطان : ويحك يا برصيصا قد افتضحت فهل لك أن تقتلها وتتوب فإن سألوك فقل : ذهب بها شيطانها فلم أقدر عليه .

فدخل فقتلها ثم انطلق بها فدفنها إلى جانب الجبل فجاء الشيطان وهو يدفنها ليلا فأخذ بطرف إزارها فبقي طرف خارجا من التراب ثم رجع برصيصا إلى صومعته فأقبل على صلاته إذ جاء إخوتها يتعاهدون أختهم وكانوا يجيئون في طرف الأيام يسألون عنها ويوصونه بها فقالوا : يا برصيصا ما فعلت أختنا قال : قد جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه فصدقوه وانصرفوا فلما أمسوا وهم مكروبون جاء الشيطان إلى أكبرهم في منامه فقال : ويحك إن برصيصا فعل بأختك كذا وكذا وإنه ودفنها في موضع كذا وكذا فقال الأخ في نفسه : هذا حلم وهو من عمل الشيطان فإن برصيصا خير من ذلك .

قال : فتتابع عليه ثلاث ليال فلم يكترث .

فانطلق إلى الأوسط بمثل ذلك فقال الأوسط مثل ما قاله الأكبر فلم يخبر أحدا فانطلق إلى أصغرهم بمثل ذلك فقال أصغرهم لأخويه : والله لقد رأيت كذا وكذا وقال الأوسط : وأنا والله قد رأيت مثله وقال الأكبر : وأنا رأيت مثله فانطلقوا إلى برصيصا وقالوا : يا برصيصا ما فعلت أختنا قال : أليس قد أعلمتكم بحالها فكأنكم اتهمتموني فقالوا : والله لا نتهمك واستحيوا منه فانصرفوا فجاءهم الشيطان فقال : ويحكم إنها لمدفونة في موضع كذا وإن طرف إزارها خارج من التراب .

فانطلقوا فرأوا أختهم على ما رأوا في النوم فمشوا في مواليهم وغلمانهم ومعهم الفؤوس والمساحي فهدموا صومعته وأنزلوه ثم كتفوه فانطلقوا به إلى الملك فأقر على نفسه وذلك أن الشيطان أتاه فقال : تقتلها ثم تكابر يجتمع عليك أمران : قتل ومكابرة اعترف فلما اعترف أمر الملك بقتله وصلبه على خشبة فلما صلب أتاه الأبيض فقال : يا برصيصا أتعرفني قال : لا قال : أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات فاستجيب لك ويحك ما اتقيت الله في أمانتك !

خنت أهلها وإنك زعمت أنك أعبد بني إسرائيل أما استحييت فلم يزل يعيره ثم قال في آخر ذلك : ألم يكفك ما صنعت حتى أقررت على نفسك وفضحت نفسك وفضحت أشباهك من الناس فإن مت على هذه الحالة لم يفلح أحد من نظرائك قال : فكيف أصنع قال : تطيعني في خصلة واحدة حتى أنجيك مما أنت فيه فآخذ بأعينهم فأخرجك من مكانك !

قال : وما هي قال تسجد لي [ قال : ما أستطيع .

قال : افعل ] فسجد له فقال : يا برصيصا هذا الذي كنت أردت منك صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربك إني بريء منك " إني أخاف الله رب العالمين " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

مثلهم أيضا في سماعهم من المنافقين وتخلفهم عنهم «كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين» كذبا منه ورياءً.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومثل هؤلاء المنافقين في إغراء اليهود على القتال ووَعْدهم بالنصر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كمثل الشيطان حين زيَّن للإنسان الكفر ودعاه إليه، فلما كفر قال: إني بريء منك، إني أخاف الله رب الخلق أجمعين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وأما المثل الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى - : ( كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكفر فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي برياء مِّنكَ .

.

) .أى : مثل المنافقين فى تزيينهم الشر والفساد ليهود بنى النضير .

.

.

كمثل الشيطان إذ قال للإنسان فى الجنيا اكفر بالله - تعالى - فلما كفر ذلك الإنسان ومات على الكفر ، وبعث يوم القيامة ، ووجد مصيره السيىء .

.

.

ندم وألقى التبعة على الشيطان الذى قال له : إنى برىء منك ومن كفرك ، إنى أخاف الله رب العالمين ، ووجه الشبه : أن المنافقين تبرأوا من معاونتهم ومن مناصرتهم .

.

عندما حانت ساعة الجد .

.

كما يتبرأ الشيطان من كفر الكافر يوم القيامة .ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ( وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ .

.

).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أي مثل المنافقين الذين غروا بني النضير بقولهم: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ  ﴾ ثم خذلوهم وما وفوا بعهدهم: ﴿ كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ للإنسان اكفر ﴾ ثم تبرأ منه في العاقبة، والمراد إما عموم دعوة الشيطان إلى الكفر، وإما إغواء الشيطان قريشاً يوم بدر بقوله: ﴿ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنّي بَرِئ مّنْكُمْ  ﴾ .

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لإِخْوَانِهِمُ ﴾ الذين بينهم وبينهم أخوة الكفر، ولأنهم كانوا يوالونهم ويواخونهم، وكانوا معهم على المؤمنين في السر ﴿ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ ﴾ في قتالكم أحداً من رسول الله والمسلمين إن حملنا عليه.

أو في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة ﴿ لكاذبون ﴾ أي في مواعيدهم لليهود.

وفيه دليل على صحة النبوّة: لأنه إخبار بالغيوب.

فإن قلت: كيف قيل ﴿ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ ﴾ بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم؟

قلت: معناه: ولئن نصروهم على الفرض والتقدير، كقوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [الزمر: 65] وكما يعلم ما يكون، فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون.

والمعنى: ولئن نصر المنافقون اليهود لينهزمن المنافقون ثم لا ينصرون بعد ذلك، أي: يهلكهم الله تعالى ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم.

أو لينهزمنَّ اليهود ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً ﴾ أيْ أشَدُّ مَرْهُوبِيَّةً مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ.

﴿ فِي صُدُورِهِمْ ﴾ فَإنَّهم كانُوا يُضْمِرُونَ مَخافَتَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ.

﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ عَلى ما يُظْهِرُونَهُ نِفاقًا فَإنَّ اسْتِبْطانَ رَهْبَتِكم سَبَبٌ لِإظْهارِ رَهْبَةِ اللَّهِ.

﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ لا يَعْلَمُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ حَتّى يَخْشَوْهُ حَقَّ خَشْيَتِهِ ويَعْلَمُوا أنَّهُ الحَقِيقُ بِأنْ يُخْشى.

﴿ لا يُقاتِلُونَكُمْ ﴾ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ.

﴿ جَمِيعًا ﴾ مُجْتَمَعِينَ مُتَّفِقِينَ.

﴿ إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ ﴾ بِالدُّرُوبِ والخَنادِقِ.

﴿ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ ﴾ لِفَرْطِ رَهْبَتِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو «جِدارٍ» وأمالَ أبُو عَمْرٍو فَتْحَةَ الدّالِ.

﴿ بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ ﴾ أيْ ولَيْسَ ذَلِكَ لِضَعْفِهِمْ وجُبْنِهِمْ فَإنَّهُ يَشْتَدُّ بَأْسُهم إذا حارَبَ بَعْضُهم بَعْضًا، بَلْ لِقَذْفِ اللَّهِ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ ولِأنَّ الشُّجاعَ يَجْبُنُ والعَزِيزَ يَذِلُّ إذا حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ.

﴿ تَحْسَبُهم جَمِيعًا ﴾ مُجْتَمَعِينَ مُتَّفِقِينَ.

﴿ وَقُلُوبُهم شَتّى ﴾ مُتَفَرِّقَةٌ لِافْتِراقِ عَقائِدِهِمْ واخْتِلافِ مَقاصِدِهِمْ.

﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ما فِيهِ صَلاحُهم وإنَّ تَشَتُّتَ القُلُوبِ يُوهِنُ قُواهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أَخَافُ الله رَبَّ العالمين} أي مثل المنافقين في إغرائهم اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر ثم متاركتهم لهم وإخلافهم كمثل الشيطان إذا استغوى الإنسان بكيده ثم تبرأ منه في العاقبة وقيل المراد استغواؤه قريشاً يوم بدر وقوله لهم لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ إلى قوله إِنّي برئ منكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ﴾ جَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْضًا أيْ مَثَلُهم كَمَثَلِ الشَّيْطانِ عَلى أنَّ ضَمِيرَ - مَثَلُهم -ها هُنا لِلْمُنافِقِينَ وفِيما تَقَدَّمَ لِبَنِي النَّضِيرِ، وقالَ بَعْضُهم: ضَمِيرُ -مَثَلُهم -المُقَدَّرُ في المَوْضِعَيْنِ لِلْفَرِيقَيْنِ، وجَعَلَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ ﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ هُناكَ لِلْفَرِيقَيْنِ إلّا أنَّ المَثَلَ الأوَّلَ يَخُصُّ بَنِي النَّضِيرِ، والثّانِيَ يَخُصُّ المُنافِقِينَ، وأُسْنِدَ كُلٌّ مِنَ الخِبْرَيْنِ إلى ذَلِكَ المُقَدَّرِ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِما مِن غَيْرِ تَعْيِينِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ بِخُصُوصِ ثِقَةٍ بِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ كُلًّا إلى ما يَلِيقُ بِهِ ويُماثِلُهُ كَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلُ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ في حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ومَثَلُ المُنافِقِينَ في إغْرائِهِمْ إيّاهم عَلى القِتالِ حَسْبَما نُقِلَ عَنْهم كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ﴿ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ ﴾ أيْ أغْراهُ عَلى الكُفْرِ إغْراءَ الآمِرِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ فَهو تَمْثِيلٌ واسْتِعارَةٌ ﴿ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ ﴾ تَبَرَّأ مِنهُ مَخافَةَ أنْ يُشارِكَهُ في العَذابِ ولَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، يعني: ما أعطى الله ورسوله من بني النضير وذلك أنهم طلبوا من النبي  أن يقسم أموالهم بين جميع المسلمين كما قسم أموال بدر، فلم يفعل النبيّ  ، وقسم بين فقراء المهاجرين، فنزل وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ يعني: ما أعطى الله ورسوله من أموال بني النضير فَما أَوْجَفْتُمْ يعني: ما أجريتم عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ، يعني: لا على خيل ولا على إبل أتيتم، بل إنكم مشيتم مشيا حتى فتحتموها.

ويقال: أوجف الفرس والبعير، إذا أسرعا يعني: لم يكن عن غزوة أوجفتم خيلا ولا ركابا.

وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ يعني: محمدا  عَلى مَنْ يَشاءُ من بني النضير.

وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من النصرة والغنيمة.

ثم بين لمن يعطي تلك الغنائم، فقال: مَّآ أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى، يعني: من بني النضير وفدك ويقال: بني قريظة والنضير وخيبر.

فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، يعني: لله أن يأمركم فيه بما أحب.

وروى عبد الرازق، عن معمر، عن الزهري قال: كانت بنو النضير للنبي  خالصا، لم يفتحوها عنوة ولكن افتتحوها على صلح، فقسمها بين المهاجرين.

ثم قال: وَلِذِي الْقُرْبى، يعني: قرابة الرسول  .

وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.

وروى مالك بن أنس، عن عمر قال: كانت للنبي  ثلث صفايا بني النضير وخيبر وفدك.

فأما بنو النضير، فكانت حبسا لنوائبه.

وأما فدك، فكانت لابن السبيل.

وأما خيبر، فجزأها ثلاثة أجزاء، فقسم جزأين بين المسلمين، وحبس جزءا للنفقة.

فما فضل عن أهله، رده إلى فقراء المسلمين.

ثم قال: كَيْ لا يَكُونَ، المال.

دُولَةً.

قرأ أبو جعفر المدني دُولَةً بالضم وجعله اسم يكون وقراءة العامة بالنصب، يعني: لكي لا يكون دولة.

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي دُولَةً بنصب الدال، والباقون بالضم.

فمن قرأ بالضم، فهو اسم المال الذي يتداول، فيكون مرة لهذا ومرة لهذا.

وأما النصب، فهو النقل والانتقال من حال إلى حال.

بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ، يعني: لكيلا يغلب الأغنياء على الفقراء، ليقسمونه بينهم.

ثم قال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، يعني: ما أعطاكم النبيّ  من الغنيمة فخذوه، وما أمركم الرسول فاعملوا به، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا يعني: فامتنعوا عنه.

وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصاه.

ثم ذكر أن الفيء للمهاجرين، فقال تعالى لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ، يعني: الغنائم للفقراء المهاجرين، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ، يعني: تركوا أموالهم وديارهم في بلادهم، وهاجروا إلى النبيّ  .

ويقال: هذا ابتداء ومعناه عليكم بالفقراء المهاجرين، يعني: اعرفوا حقهم وصلوهم، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني: أخرجهم أهل مكة من ديارهم وأموالهم.

يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، يعني: يطلبون رزقا في الجنة ورضوان الله تعالى، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يعني: يطيعون الله فيما أمرهم بطاعته.

أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ يعني: الصادقين في إيمانهم فطابت أنفس الأنصار بذلك، فقالوا: هذا كله لهم وأموالنا أيضا لهم.

فأثنى الله تعالى على الأنصار، فقال عز وجل: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: استوطنوا الدار يعني: دار المدينة من قبل هجرتهم، يعني: نزلوا دار الهجرة في المدينة والإيمان، يعني: تبوءوا الإيمان، أي كانوا مؤمنين من قبل أن هاجر إليهم النبي  وأصحابه.

قال الله تعالى: يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ.

يعني: يحبون من يقدم إليهم من المؤمنين، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، يعني: لا يكون في قلوبهم حسدا مما أعطوا، يعني: المهاجرين.

ويقال: حاجة يعني: حزازة، وهو الحزن ويقال: ولا يجدون في صدورهم بخلا وكراهة بما أعطوا.

وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ في القسمة يعني: الغنيمة، يعني: تركوها للمهاجرين.

وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ يعني: حاجة.

وروى وكيع، عن فضيل بن عمران، عن أبي هريرة-  - إن رجلا من الأنصار نزل به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفئي السراج، وقربي إلى الضيف ما عندك، فنزل وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.

ويقال: إن رجلا من الأنصار أهدي له برا من مشوي، فقال: لعل جاري أحوج مني، فبعث إليه.

ثم إن جاره بعثه إلى آخر، فطاف سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول، فنزل وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ قال الله تعالى وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ يعني: ومن يمنع بخل نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني: الناجين.

وروى وكيع بإسناده، عن النبيّ  أنه قال «بريء من الشح من أدى الزكاة وأقرى الضيف وأعطى في النائبة» .

وقد أثنى الله تعالى على المهاجرين وعلى الأنصار، ثم أثنى على الذين من بعدهم على طريقتهم، فقال: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني: التابعين، ويقال: يعني: الذين هاجروا من بعد الأولين.

يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ يعني: أظهروا الإيمان قبلنا، يعني: المهاجرين والأنصار.

وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا يعني: غشا وحسدا وعداوة لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ يعني: رحيم بعبادك المؤمنين.

وفي الآية دليل: أن من ترحم على الصحابة واستغفر لهم، ولم يكن في قلبه غل لهم، فله حظ في المسلمين، وله أجر مثل أجر الصحابة.

ومن شتم أو لم يترحم عليهم، أو كان في قلبه غل لهم، ليس له حظ في المسلمين، لأنه ذكر للمهاجرين فيه حظ، ثم ذكر الأنصار، ثم ذكر الذين جاءوا من بعدهم، وقد وصفهم الله بصفة الأولين، إذ دعا لهم وفي الآية دليل: أن الواجب على المؤمنين أن يستغفروا لإخوانهم الماضين، وينبغي للمؤمنين أن يستغفروا لآبائهم ولمعلميهم الذين علموهم أمور الدين.

ثم نزل في شأن المنافقين: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الذي أضاف هو، أبو طلحة انتهى، قال الترمذي الحكيم في كتاب «ختم الأولياء» له:

حدثنا أبي قال: حدثنا عبد اللَّه بن عاصم: حدثنا الجمانيُّ: حدثنا صالح المُرِّيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: قال رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ بُدَلاَءَ أُمَّتِي لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلاَ صَلاَةٍ إنَّما دَخَلُوهَا بِسَلاَمَةِ الصُّدُورِ، وَسَخَاوَةِ الأَنْفُسِ، وَحُسْنِ الخُلُقِ، والرَّحْمَةِ بِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ» «١» انتهى، والإيثار على النفس أكرم خلق، قال أبو يزيد البسطاميُّ: قدم علينا شاب من بَلْخٍ حاجًّا فقال لي: ما حَدُّ الزهد عندكم؟

فقلت: إذَا وَجَدْنَا أَكَلْنَا، وَإذَا فَقَدْنَا صَبَرْنَا، فقال: هكذا عندنا كلابُ بلخ!

فقلت له: فما هو عندكم؟!

فقال: إذا فقدنا صَبْرَنَا، وَإذَا وجدنا آثرنا، ورُوِيَ أَنَّ سبب هذه الآية أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم، لَمَّا فَتَحَ هذه الْقُرَى قَالَ لِلاٌّنْصَارِ: «إنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَمْوَالِكْمْ وَدِيَارِكُمْ وَشَارَكْتُمُوهُمْ في هذه الْغَنِيمَةِ، وَإنْ شِئْتُمْ أَمْسَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ وَتَرَكْتُمْ لَهُمْ هذه الغَنِيمَةَ فَقَالُوا: بَلْ نَقْسِمُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِنَا، وَنَتْرُكُ لَهُمْ هذه الغَنِيمَةَ، فنزلت الآية، والخصاصة: الفاقَةُ والحاجةُ، وشُحُّ النفس: هو/ كثرةَ طَمَعِهَا.

وضبطها على المال، والرغبةُ فيه، وامتدادُ الأمل هذا جماع شُحِّ النفس.

وهو داعية كُلِّ خلق سوء، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: مَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَقَرَى الضَّيْفَ، وَأَعْطَى في النَّائِبَةِ- فَقَدْ بَرِىءَ من الشُّحِّ» ، وَإلى هذا الذي قلناه ذهب الجمهور والعارفون بالكلام، وقيل في الشح غير هذا، قال ع «٢» : وشُحُّ النفس فَقْرٌ لا يذهبه غِنَى المالِ، بل يزيده، وينصب به ويُوقَ مِنْ وقى يَقِي، وقال الفخر:

اعلم أَنَّ الفرق بين الشُّحِّ والبخل هو أَنَّ البخل نفس المنع، والشُّحُّ هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المَنْعَ، ولَمَّا كان الشُّحُّ من صفات النفس لا جَرَمَ، قال اللَّه تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي: الظافرون بما أرادوا، قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه اللَّه عن أخذه، ولم يمنع شيئاً أمره اللَّه تعالى بإعطائه- فقد وقي شحّ نفسه «٣» ، انتهى.

وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤)

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ ...

الآية: قال جمهور العلماء: أراد مَنْ يجيء من التابعين وغيرهم إلى يوم القيامة، وقال الفرَّاءُ: أراد الفرقة الثالثة من الصحابة، وهي مَنْ آمن في آخر مُدَّةِ النبي صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: يَقُولُونَ: حال فيها الفائدة، والمعنى: والذين جاؤوا قائلين كذا، وروت أُمُّ الدرداء، وأبو الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ كان يقول: «دَعْوَةُ المُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مَوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ قَالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ مِثْلُهُ» «١» رواه مسلم، انتهى، قال ع «٢» : ولهذه الآية قال مالك وغيره: إِنَّه مَنْ كان له في أحدٍ من/ الصحابة رأيُ سوءٍ أو بغض، فلا حَظَّ له في فَيْءِ المسلمين، وقال عبد اللَّه بن يزيد: قال الحسن: أدركت ثلاثمائةٍ مِنْ أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم منهم سبعون بَدْرِيًّا كُلُّهم يحدثني أَنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ» «٣» فالجماعة أَلاَّ تَسُبّوا الصحابة، ولا تماروا في دينِ اللَّه، ولا تُكَفِّرُوا أَحداً من أَهْلِ التوحيد بذنب، قال عبد اللَّه: فَلَقِيتُ أبا أمامة وأبا الدرداء وواثلةَ وأَنَساً، فكلُّهم يحدثني عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بمثل حديث الحسن، والغِلُّ: الحقد والاعتقاد الرديء.

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ ...

الآية: نزلَتْ في عبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيٍّ ابن سلول، ورفاعةَ بن التابوت وقومٍ من منافقي الأنصار كانوا بعثوا إلى بني النضير، وقالوا لهم: اثبتوا في معاقلكم، فإنَّا مَعَكُمْ كيفما تقلبت حالُكم، وكانوا في ذلك كاذبين، وإنَّما أرادوا بذلك أَنْ تقوى نُفُوسُهُمْ عسى أَنْ يثبتوا حَتَّى لا يقدر النبي صلّى الله عليه وسلّم عليهم، فيتمَّ مرادهم، وجاءت الأفعال غيرَ مجزومة في قوله: لا يَخْرُجُونَ ولا يَنْصُرُونَهُمْ لأَنَّها راجعةٌ إلى حكم القسم، لا إلى حكم الشرط، والضمير في

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﴾ أيْ: ما رَدَّ عَلَيْهِمْ ﴿ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي: مَن بَنِي النَّضِيرِ ﴿ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإيجافُ.

الإيضاعُ، والرِّكابُ: الإبِلُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: وجَفَ الفَرَسُ والبَعِيرُ، وأوْجَفْتُهُ، ومِثْلُهُ: الإيضاعُ، وهو الإسْراعُ في السَّيْرِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لا شَيْءَ لَكم في هَذا، إنَّما هو لِرَسُولِ اللَّهِ  خاصَّةً.

قالَ المُفَسِّرُونَ: طَلَبَ المُسْلِمُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ  أنْ يُخَمِّسَ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا أُجْلُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تُبَيِّنُ أنَّها فَيْءٌ لَمْ تَحْصُلْ لَهم بِمُحارَبَتِهِمْ، وإنَّما هو بِتَسْلِيطِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَهو لَهُ خاصَّةٌ، يَفْعَلُ فِيهِ ما يَشاءُ، فَقَسَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ  بَيْنَ المُهاجِرِينَ، ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ مِنهُ شَيْئًا، إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ كانَتْ بِهِمْ حاجَةٌ، وهُمْ: أبُو دُجانَةَ، وسَهْلُ بْنُ حَنِيفٍ، والحارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ الفَيْءِ فَقالَ تَعالى: ﴿ ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى ﴾ أيْ: مِن أمْوالِ كُفّارِ أهْلِ القُرى ﴿ فَلِلَّهِ ﴾ أيْ: يَأْمُرُكم فِيهِ بِما أحَبَّ، ﴿ وَلِرَسُولِهِ ﴾ بِتَحْلِيلِ اللَّهِ إيّاهُ.

وقَدْ ذَكَرْنا ﴿ ذَوِي القُرْبى واليَتامى ﴾ في [الأنْفالِ: ٤١] وذَكَرْنا هُناكَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَيْءِ والغَنِيمَةِ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ: أنَّ المُرادَ بِالفَيْءِ ها هُنا: الغَنِيمَةُ الَّتِي يَأْخُذُها المُسْلِمُونَ مِن أمْوالِ الكافِرِينَ عَنْوَةً، وكانَتْ في بُدُوِّ الإسْلامِ لِلَّذِينِ سَمّاهُمُ اللَّهُ ها هُنا دُونَ الغالِبِينَ المُوجِفِينَ عَلَيْها، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى في [الأنْفالِ: ٤١] ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ.

.

.

﴾ الآيَةُ، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ ويَزِيدَ بْنِ رُومانَ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذا الفَيْءَ: ما أُخِذَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ ما لَمْ يُوجَفْ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، كالصُّلْحِ، والجِزْيَةِ، والعُشُورِ، ومالِ مَن ماتَ مِنهم في دارِ الإسْلامِ ولا وارِثَ لَهُ، فَهَذا كانَ يُقَسَّمُ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ  خَمْسَةَ أخْماسٍ، فَأرْبَعَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  يَفْعَلُ بِها ما يَشاءُ، والخُمُسُ الباقِي لِلْمَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيما يُصْنَعُ بِسَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ  بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى ما بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٤١] فَعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُثْبِتَةً لِحُكْمِ الفَيْءِ والَّتِي في [الأنْفالِ: ٤١] مُثْبِتَةً لِحُكْمِ الغَنِيمَةِ فَلا يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْ لا يَكُونَ ﴾ يَعْنِي: الفَيْءُ "دُولَةً" وهو اسْمٌ لِلشَّيْءِ يَتَداوَلُهُ القَوْمُ.

والمَعْنى: لِئَلّا يَتَداوَلَهُ الأغْنِياءُ بَيْنَهم فَيَغْلِبُوا الفُقَراءَ عَلَيْهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الدُّولَةُ: اسْمُ الشَّيْءِ يُتَداوَلُ.

والدَّوْلَةُ، بِالفَتْحِ: الفِعْلُ والِانْتِقالُ مِن حالٍ إلى حالٍ ﴿ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ ﴾ مِنَ الفَيْءِ ﴿ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ ﴾ عَنْ أخْذِهِ ﴿ فانْتَهُوا ﴾ وهَذا نَزَلَ في أمْرِ الفَيْءِ، وهو عامٌّ في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ، ونَهى عَنْهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: ثُمَّ بَيَّنَ مَنِ المَساكِينُ الَّذِينَ لَهُمُ الحَقُّ؟، فَقالَ تَعالى: ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِهِمُ المُهاجِرِينَ ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ: رِزْقًا يَأْتِيهِمْ ﴿ وَرِضْوانًا ﴾ رِضى رَبِّهِمْ حِينَ خَرَجُوا إلى دارِ الهِجْرَةِ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ﴾ في إيمانِهِمْ.

ثُمَّ مَدَحَ الأنْصارَ حِينَ طابَتْ أنْفُسُهم عَنِ الفَيْءِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ ﴾ يَعْنِي: دارَ الهِجْرَةِ، وهي المَدِينَةُ ﴿ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فِيها تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدّارَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: مِن قَبْلِ المُهاجِرِينَ، والإيمانُ عُطِفَ عَلى "الدّارِ" في الظّاهِرِ، لا في المَعْنى، لِأنَّ "الإيمانَ" لَيْسَ بِمَكانٍ يُتَبَوَّأُ، وإنَّما تَقْدِيرُهُ: وآثَرُوا الإيمانَ، وإسْلامُ المُهاجِرِينَ قَبْلَ الأنْصارِ، وسُكْنى الأنْصارِ المَدِينَةَ قَبْلَ المُهاجِرِينَ.

وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، والمَعْنى: تَبَوَّؤُوا الدّارَ والإيمانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ ﴿ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم شارَكُوهم في مَنازِلِهِمْ، وأمْوالِهِمْ ﴿ وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً ﴾ أيْ: حَسَدًا وغَيْظًا مِمّا أُوتِيَ المُهاجِرُونَ.

وَفِيما أُوتُوهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مالُ الفَيْءِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقَدْ ذَكَرْنا آنِفًا أنَّ النَّبِيَّ  قَسَّمَ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ بَيْنَ المُهاجِرِينَ، ولَمْ يُعْطِ مِنَ الأنْصارِ غَيْرَ ثَلاثَةِ نَفَرٍ.

والثّانِي: الفَضْلُ والتَّقَدُّمُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ بِأمْوالِهِمْ ومَنازِلِهِمْ ﴿ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ﴾ أيْ: فَقْرٌ وحاجَةٌ، فَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ إيثارَهم لَمْ يَكُنْ عَنْ غِنًى.

وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذا الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ  ، وقَدْ أصابَهُ الجَهْدُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي جائِعٌ فَأطْعِمْنِي، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى أزْواجِهِ: هَلْ عِنْدَكُنَّ شَيْءٌ؟

فَكُلُّهُنَّ قُلْنَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما عِنْدَنا إلّا الماءُ، فَقالَ: ما عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  ما يُطْعِمُكَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ.

ثُمَّ قالَ: "مَن يَضِيفُ هَذا هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَرْحَمْهُ اللَّهُ؟" فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأتى بِهِ مَنزِلَهُ، فَقالَ لِأهْلِهِ: هَذا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَأكْرِمِيهِ ولا تَدَّخِرِي عَنْهُ شَيْئًا، فَقالَتْ: ما عِنْدَنا إلّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، فَقالَ: قُومِي فَعَلِّلِيهم عَنْ قُوتِهِمْ حَتّى يَنامُوا ولا يَطْعَمُوا شَيْئًا، ثُمَّ أصْبِحِي سِراجَكِ، فَإذا أخَذَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ، فَقَوْمِي كَأنَّكَ تُصْلِحِينَ السِّراجَ، فَأطْفِئِيهِ، وتَعالَيْ نَمْضُغُ ألْسِنَتَنا لِأجْلِ ضَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ  حَتّى يَشْبَعَ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، وظَنَّ الضَّيْفُ أنَّهُما يَأْكُلانِ مَعَهُ، فَشَبِعَ هُوَ، وباتا طاوِيَيْنِ، فَلَمّا أصْبَحا غَدَوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِما تَبَسَّمَ، ثُمَّ قالَ: ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أوْ عَجِبَ مِن فَعالِكُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.

.

.

﴾ الآيَةُ.» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وفي بَعْضِ الألْفاظِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ الضَّيْفَ كانَ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ، والمُضِيفَ كانَ مِنَ الأنْصارِ، وأنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « "لَقَدْ عَجِبَ مِن فِعالِكُما أهْلُ السَّماءِ" .» والثّانِي: أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  أُهْدِيَ لَهُ رَأْسُ شاةٍ، فَقالَ: إنَّ أخِي فُلانًا وعِيالَهُ أحْوَجُ إلى هَذا مِنّا، فَبَعَثَ بِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْعَثُ بِهِ واحِدٌ إلى واحِدٍ حَتّى تَداوَلَها سَبْعَةُ أهْلِ أبْياتٍ، حَتّى رَجَعَتْ إلى أُولَئِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

ورُوِيَ نَحْوُ هَذِهِ القِصَّةِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: أُهْدِيَ لِبَعْضِ الصَّحابَةِ رَأْسُ شاةٍ مَشْوِيٌّ، وكانَ مَجْهُودًا، فَوَجَّهَ بِهِ إلى جارٍ لَهُ فَتَناوَلَهُ تِسْعَةُ أنْفُسٍ، ثُمَّ عادَ إلى الأوَّلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ ﴿ وَمَن يُوقَ ﴾ بِتَشْدِيدِ القافِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: هو أنْ لا يَأْخُذَ شَيْئًا مِمّا نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، ولا يَمْنَعُ شَيْئًا أمَرَهُ اللَّهُ بِأدائِهِ.

والمَعْنى: أنَّ الأنْصارَ مِمَّنْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ حِينَ طابَتْ أنْفُسُهم بِتَرْكِ الفَيْءِ لِلْمُهاجِرِينَ.

* فَصْلٌ وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الشُّحِّ والبُخْلِ، هَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ، أمْ لا؟

فَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الشُّحُّ في كَلامِ العَرَبِ: هو مَنعُ الفَضْلِ مِنَ المالِ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: الشُّحُّ أبْلَغُ في المَنعِ مِنَ البُخْلِ، وإنَّما الشُّحُّ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ، والبُخْلُ بِمَنزِلَةِ النَّوْعِ، وأكْثَرُ ما يُقالُ في البُخْلِ: إنَّما هو في أفْرادِ الأُمُورِ وخَواصِّ الأشْياءِ، والشُّحُّ عامٌّ، فَهو كالوَصْفِ اللّازِمِ لِلْإنْسانِ مِن قِبَلِ الطَّبْعِ والجِبِلَّةِ.

وحَكى الخَطّابِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: البُخْلُ: أنْ يَضِنَّ بِمالِهِ، والشُّحُّ: أنْ يَبْخَلَ بِمالِهِ ومَعْرُوفِهِ.

وقَدْ رَوى أبُو الشَّعْثاءِ أنَّ رَجُلًا أتى ابْنَ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنِّي أخافُ أنْ أكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، قالَ: وما ذاكَ؟

قالَ: أسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ وأنا رَجُلٌ شَحِيحٌ لا يَكادُ يَخْرُجُ مِن يَدَيَّ شَيْءٌ، فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ، الشُّحُّ: أنْ تَأْكُلَ مالَ أخِيكَ ظُلْمًا، إنَّما ذَلِكَ البُخْلُ، وبِئْسَ الشَّيْءُ البُخْلُ ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: « "بَرِئَ مِنَ الشُّحِّ مَن أدّى الزَّكاةَ، وقَرى الضَّيْفَ، وأعْطى في النّائِبَةِ" .» قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ يَعْنِي التّابِعِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِهَؤُلاءِ المُسْلِمِينَ، ولِلَّذِينِ يَجِيئُونَ مِن بَعْدِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ما أقامُوا عَلى مَحَبَّةِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، ودَلِيلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيِ: الَّذِينَ جاؤُوا في حالِ قَوْلِهِمْ: ﴿ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا ﴾ فَمَن تَرَحَّمَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ولَمْ يَكُنْ في قَلْبِهِ غِلٌّ لَهُمْ، فَلَهُ حَظٌّ مِن فَيْءِ المُسْلِمِينَ، ومَن شَتَمَهم ولَمْ يَتَرَحَّمْ عَلَيْهِمْ، وكانَ في قَلْبِهِ غِلٌّ لَهُمْ، فَما جَعَلَ اللَّهُ لَهُ حَقًّا في شَيْءٍ مِن فَيْءِ المُسْلِمِينَ بِنَصِّ الكِتابِ.

وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مَن تَنَقَّصَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، أوْ كانَ في قَلْبِهِ عَلَيْهِمْ غِلٌّ، فَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ في فَيْءِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآياتِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم واللهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ لأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، ورِفاعَةَ بْنِ التابُوتِ، وقَوْمٍ مِن مُنافِقِي الأنْصارِ كانُوا بَعَثُوا إلى بَنِي النَضِيرِ وقالُوا لَهُمْ: اثْبُتُوا في مَعاقِلِكم فَإنّا مَعَكم كَيْفَما تَقَلَّبَتْ حالُكُمْ، وإنَّما أرادُوا بِذَلِكَ أنْ تَقْوى نُفُوسُهم عَسى أنْ يَثْبُتُوا حَتّى لا يَقْدِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلَيْهِمْ فَيَتِمُّ لَهم مُرادُهُمْ، وكانُوا كِذْبَةً فِيما قالُوا مِن ذَلِكَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَخْرُجُوا حِينَ أُخْرِجَ بَنُو النَضِيرِ بَلْ قَعَدُوا في دِيارِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ ﴾ مَعْناهُ: ولَئِنْ حاوَلُوا نَصْرَهم فَإنَّهم يَنْهَزِمُونَ ثُمَّ لا يَنْصُرُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِنهم.

وجاءَتِ الأفْعالُ غَيْرُ مَجْزُومَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَخْرُجُونَ" و"لا يَنْصُرُونَهُمْ" لِأنَّها راجِعَةٌ عَلى حُكْمِ القِسْمِ لا عَلى حُكْمِ الشَرْطِ، وفي هَذا نَظَرٌ.

ثُمَّ خاطَبَ تَعالى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  مُخْبِرًا أنَّ اليَهُودَ والمُنافِقِينَ أشَدُّ خَوْفًا مِنَ المُؤْمِنِينَ مِنهم مَنِ اللهِ تَعالى لِأنَّهم يَتَوَقَّعُونَ عاجِلَ الشَرِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ ولا يُؤْمِنُونَ بِآجِلِ العَذابِ مِنَ اللهِ تَعالى، وذَلِكَ لِقِلَّةِ فَهْمِهِمْ بِالأُمُورِ وتَوْفِيقِهِمْ لِلْحَقِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

خبر مبتدأ محذوف دلّ عليه هذا الخبر، فالتقدير: مثلهم كمثل الذين من قبلهم قريباً، أي حال أهل الكتاب الموعود بنصر المنافقين كحال الذين مِن قبلهم قريباً.

والمراد: أن حالهم المركبة من التظاهر بالبأس مع إضمار الخوف من المسلمين، ومن التفرق بينهم وبين إخوانهم من أهل الكتاب، ومن خذلان المنافقين إياهم عند الحاجة، ومن أنهم لا يقاتلون المسلمين إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر، كَحال الذين كانوا من قبلهم في زمن قريب وهم بنو النضير فإنهم أظهروا الاستعداد للحرب وأبَوا الجلاء، فلم يحاربوا إلا في قريتهم إذ حصنوها وقبعوا فيها حتى أعياهم الحصار فاضطُرّوا إلى الجلاء ولم ينفعهم المنافقون ولا إخوانهم من أهل الكتاب.

وعن مجاهد أن ﴿ الذين من قبلهم ﴾ المشركون يوم بدر.

و ﴿ مِنْ ﴾ زائدة لتأكيد ارتباط الظرف بعامله.

وانتصب ﴿ قريباً ﴾ على الظرفية متعلقاً بالكون المضمر في قوله: ﴿ كمثل ﴾ ، أي كحاللِ كائن قريب، أو انتصب على الحال من ﴿ الذين ﴾ أي القوم القريب منهم، كقوله: ﴿ وما قوم لوط منكم بِبَعيد ﴾ [هود: 89].

والوبال أصله: وخامة المرعى المستلذ به للماشية يقال: كلأ وبيل، إذا كان مَرعى خَضِراً «حلواً» تهشّ إليه الإِبل فيحبطها ويمرضها أو يقتلها، فشبهوا في إقدامهم على حرب المسلمين مع الجهل بعاقبة تلك الحرب بإبل ترامت على مرعى وبِيل فهلكت وأُثبت الذوق على طريقة المكنية وتخييلها، فكان ذكر ﴿ ذاقوا ﴾ مع ﴿ وبال ﴾ إشارة إلى هذه الاستعارة.

و ﴿ أمرهم ﴾ شأنُهم وما دبّروه وحسبوا له حسابه وذلك أنهم أوقعوا أنفسهم في الجلاء وترك الديار وما فيها، أي ذاقوا سوء أعمالهم في الدنيا.

وضمير ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ عائد إلى ﴿ الذين من قبلهم ﴾ أي زيادة على ما ذاقوه من عذاب الدنيا بالجلاء وما فيه من مشقة على الأنفس والأجساد لهم عذاب أليم في الآخرة على الكفر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ﴾ يَعْنِي فَضْلًا مِن عَطاءِ اللَّهِ في الدُّنْيا، ورِضْوانًا مِن ثَوابِهِ في الآخِرَةِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنَّ الفَضْلَ الكِفايَةُ، والرِّضْوانُ القَناعَةُ.

وَرَوى عَلِيُّ بْنُ رَباحٍ اللَّخْمِيُّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ خَطَبَ بِالجابِيَةِ فَقالَ: مَن أرادَ أنْ يَسْألَ عَنِ الفَرائِضِ فَلْيَأْتِ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ، ومَن أرادَ أنْ يَسْألَ عَنِ الفِقْهِ فَلْيَأْتِ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ، ومَن أرادَ أنْ يَسْألَ عَنِ المالِ فَلْيَأْتِنِي فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَنِي خازِنًا وقاسِمًا، إنِّي بادِئُ بِأزْواجِ النَّبِيِّ  فَمُعْطِيهِنَّ، ثُمَّ بِالمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ أنا وأصْحابِي أُخْرِجْنا مِن مَكَّةَ مِن دِيارِنا وأمْوالِنا.

قالَ قَتادَةُ: لِأنَّهُمُ اخْتارُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ  عَلى ما كانَتْ مِن شِدَّةٍ، حَتّى ذُكِرَ لَنا أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَعْصِبُ عَلى بَطْنِهِ الحَجَرَ لِيُقِيمَ صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ، وكانَ الرَّجُلُ يَتَّخِذُ الحَفِيرَةَ في الشِّتاءِ ما لَهُ دِثارٌ غَيْرُها.

﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ويَكُونُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ومَعْناهُ تَبَوَّءُوا الدّارَ مِن قَبْلِهِمْ والإيمانَ.

الثّانِي: أنَّ الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ ومَعْناهُ أنَّهم تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ إلَيْهِمْ يَعْنِي بِقَبُولِهِمْ ومُواساتِهِمْ بِأمْوالِهِمْ ومَساكِنِهِمْ.

﴿ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غَيْرَةً وحَسَدًا عَلى ما قُدِّمُوا بِهِ مِن تَفْضِيلٍ وتَقْرِيبٍ، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّانِي: يَعْنِي حَسَدًا عَلى ما خُصُّوا بِهِ مِن مالِ الفَيْءِ وغَيْرِهِ فَلا يَحْسُدُونَهم عَلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ﴾ يَعْنِي يُفَضِّلُونَهم ويُقَدِّمُونَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ فاقَةٌ وحاجَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أمّا الرَّبِيعُ إذا تَكُونُ خَصاصَةً عاشَ السَّقِيمُ بِهِ وأثْرى المُقْتِرُ وَفِي إيثارِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم آثَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِما حَصَلَ مِن فَيْءٍ وغَنِيمَةٍ حَتّى قُسِّمَتْ في المُهاجِرِينَ دُونَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ حَيّانَ.

رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ  قَسَّمَ عَلى المُهاجِرِينَ ما أفاءَ اللَّهُ مِنَ النَّضِيرِ ونَفَلَ مِن قُرَيْظَةَ عَلى أنْ يَرُدَّ المُهاجِرُونَ عَلى الأنْصارِ ما كانُوا أعْطُوهم مِن أمْوالِهِمْ فَقالَتِ الأنْصارُ بَلْ نُقِيمُ لَهم مِن أمْوالِنا ونُؤْثِرُهم بِالفَيْءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

» الثّانِي: أنَّهم آثَرُوا المُهاجِرِينَ بِأمْوالِهِمْ وواسُوهم بِها.

رَوى ابْنُ زَيْدٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لَهُمْ: « (إنَّ إخْوانَكم تَرَكُوا الأمْوالَ والأوْلادَ وخَرَجُوا إلَيْكم فَقالُوا: أمْوالُنا بَيْنَهم قَطائِعُ، فَقالَ: (أوَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقالُوا: وما ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

فَقالَ: (هم قَوْمٌ لا يَعْرِفُونَ العَمَلَ فَتَكْفُونَهم وتُقاسِمُونَهُمُ التَّمْرَ يَعْنِي مِمّا صارَ إلَيْهِمْ مِن نَخِيلِ بَنِي النَّضِيرِ، قالُوا نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ.

» ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ فِيهِ ثَمايِنَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ هَذا الشُّحَّ هو أنْ يَشِحَّ بِما في أيْدِي النّاسِ يَحِبُّ أنْ يَكُونَ لَهُ ولا يَقْنَعُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وطاوُسٌ.

الثّانِي: أنَّهُ مَنَعَ الزَّكاةَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: يَعْنِي هَوى نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ اكْتِسابُ الحَرامِ، رَوى الأسْوَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلًا أتاهُ فَقالَ: إنِّي أخافُ أنْ أكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، قالَ وما ذاكَ؟

قالَ سَمِعْتُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ وأنا رَجُلٌ شَحِيحٌ لا أكادُ أُخْرِجُ مِن يَدِي شَيْئًا فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيْسَ ذَلِكَ بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ، إنَّما الشُّحُّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ أنْ تَأْكُلَ مالَ أخِيكَ ظُلْمًا ولَكِنَّ ذَلِكَ البُخْلُ، وبِئْسَ الشَّيْءُ البُخْلُ.

الخامِسُ: أنَّهُ الإمْساكُ عَنِ النَّفَقَةِ، قالَهُ عَطاءٌ.

السّادِسُ: أنَّهُ الظُّلْمُ، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ.

السّابِعُ: أنَّهُ أرادَ العَمَلَ بِمَعاصِي اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّامِنُ: أنَّهُ أرادَ تَرْكَ الفَرائِضِ وانْتِهاكَ المَحارِمِ، قالَهُ اللَّيْثُ.

وَفي الشُّحِّ والبُخْلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُما يَفْتَرِقانِ وفي الفَرْقِ بَيْنَهُما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الشُّحَّ أخْذُ المالِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والبُخْلَ أنْ يَمْنَعَ مِنَ المالِ المُسْتَحَقِّ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: أنَّ الشُّحَّ بِما في يَدَيْ غَيْرِهِ، والبُخْلُ بِما في يَدَيْهِ، قالَهُ طاوُسٌ.

﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُمُ التّابِعُونَ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ الصَّحابَةِ ثُمَّ مِن بَعْدِهِمْ إلى قِيامِ الدُّنْيا هُمُ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَرَوى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ قالَ: النّاسُ عَلى ثَلاثَةِ مَنازِلَ، فَمَضَتْ مَنزِلَتانِ وبَقِيَتِ الثّالِثَةُ: فَأحْسَنُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أنْ تَكُونُوا بِهَذِهِ المَنزِلَةِ الَّتِي بَقِيَتْ.

وَفي قَوْلِهِمْ: ﴿ اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِمَن سَبَقَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ ومِن مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ.

قالَتْ عائِشَةُ: فَأُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لَهم فَسَبُّوهم.

الثّانِي: أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلسّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.

﴿ وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ.

في الغِلِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: الغِشُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: العَداوَةُ، قالَهُ الأعْمَشُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ قال: الذين أسلموا فعنوا أيضاً عبدالله بن نبتل وأوس بن قيظي.

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: الناس على ثلاثة منازل قد مضت منزلتان وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة وقد مضت ثم قرأ ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان من قبلهم ﴾ الآية ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة وقد مضت، ثم قرأ ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان ﴾ فقد مضت هاتان المنزلتان وبقيت هذه المنزلة فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ الآية قال: أمروا بالاستغفار لهم، وقد علم ما أحدثوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم ثم قرأت هذه الآية ﴿ والذين جاؤوا يقولون ربنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر أنه سمع رجلاً وهو يتناول بعض المهاجرين، فقرأ عليه ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون فمنهم أنت؟

قال: لا ثم قرأ عليه ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار أفأنت منهم؟

قال: لا.

ثم قرأ عليه ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ الآية، ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟

قال: أرجو.

قال: لا ليس من هؤلاء من يسب هؤلاء.

وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عمر أنه بلغه أن رجلاً نال من عثمان، فدعاه فأقعده بين يديه، فقرأ عليه ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ الآية قال: من هؤلاء أنت؟

قال: لا.

ثم قرأ ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ الآية، قال: من هؤلاء أنت؟

قال: أرجو أن أكون منهم.

قال: لا والله ما يكون منهم من يتناولهم وكان في قلبه الغل عليهم.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ ﴿ ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ﴾ .

وأخرج الحكيم الترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه قال: «بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يطلع الآن رجل من أهل الجنة فأطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته ماء من وضوئه، معلق نعليه في يده الشمال، فلما كان من الغد؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فاطلع ذلك الرجل على مثل مرتبته الأولى، فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فأطلع ذلك الرجل، فلما قام الرجل أتبعه عبدالله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تحل يميني فعلت.

قال: نعم، قال أنس: فكان عبدالله بن عمرو يحدث أنه بات معه ليلة فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه كان إذا تقلب على فراشه ذكر الله وكبر، حتى يقوم لصلاة الفجر فيسبغ الوضوء غير أني لا أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت احتقر عمله قلت: يا عبدالله إنه لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرات في ثلاث مجالس يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فأطلعت أنت تلك المرات الثلاث، فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك، فإذا ما هو إلا ما رأيت فانصرفت عنه فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلاّ ما قد رأيت غير أني لا أجد في نفسي غلاً لأحد من المسلمين، ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه، فقال له عبدالله بن عمرو: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: «بلغنا أن رجلاً صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا الرجل من أهل الجنة.

قال عبدالله بن عمرو: فأتيته فقلت: يا عماه الضيافة، قال نعم، فإذا له خيمة وشاة ونخل، فلما أمسى خرج من خيمته فاحتلب العنز واجتنى لي رطباً ثم وضعه، فأكلت معه فبات نائماً وبت قائماً، وأصبح مفطراً، وأصبحت صائماً، ففعل ذلك ثلاث ليال، فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيك: إنك من أهل الجنة فأخبرني ما عملك؟

فائت الذي أخبرك حتى يخبرك بعملي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ائته فمره أن يخبرك فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تخبرني.

قال: أما الآن فنعم فقال: لو كانت الدنيا لي فأخذت مني لم أحزن عليها، ولو أعطيتها لم أفرح بها وأبيت وليس في قلبي غل على أحد قال عبدالله: لكني والله أقوم الليل وأصوم النهار ولو وهبت لي شاة لفرحت بها، ولو ذهبت لحزنت عليها، والله لقد فضلك الله علينا فضلاً بيناً» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا ﴾ قال عبدالله بن أبيّ بن سلول ورفاعة بن تابوت وعبدالله بن نبتل وأوس بن قيظي وإخوانهم بنو النضير.

وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس أن رهطاً من بني عوف بن الحارث منهم عبدالله بن أبيّ بن سلول ووديعة بن مالك وسويد وداعس بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لا نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا وقذف الله الرعب في قلوبهم، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإِبل من أموالهم إلا الحلقة، ففعل، فكان الرجل منهم يهدم بيته فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قد أسلم ناس من أهل قريظة والنضير، وكان فيهم منافقون، وكانوا يقولون لأهل النضير: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، فنزلت فيهم هذه الآية ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإِخوانهم ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا ﴾ قال: عبدالله بن أبيّ بن سلول ورفاعة بن تابوت وعبدالله بن نبتل وأوس بن قيظي ﴿ يقولون لإِخوانهم ﴾ قال: النضير ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ قال: بالكلام ﴿ تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ﴾ قال: المنافقون يخالف دينهم دين النضير ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً ﴾ قال: كفار قريش يوم بدر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ﴾ قال: كذلك أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً ﴾ قال: هم بنو النضير.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ﴾ قال: هم المشركون.

وأخرج الديلمي عن علي قال: المؤمنون بعضهم لبعض نصحاء وادّون وإن افترقت منازلهم، والفجرة بعضهم لبعض غششة خونة وإن اجتمعت أبدانهم.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً ﴾ قال: هم كفار قريش يوم بدر.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً ﴾ قال: هم بنو النضير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلًا فقال قولى تعالى: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ ﴾ أي مثل المنافقين الذين غروا بني النضير بقولهم: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ﴾ الآية، ثم خذلوهم ولم يفوا لهم ما وعدوهم ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ ﴾ وهو عابد في بني إسرائيل كان يداوي من الجنون، فداوى امرأة فأعجبته فأغواه الشيطان حتى وقع بها، ثم قتلها، ثم صار آخر أمره أن كفر، فلما كفر تبرأ منه الشيطان (١) ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ  ﴾ الآية.

قوله تعالى: ﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾ ذكرنا تفسيره في سورة الأنفال في قوله: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ﴾ .

(١) أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، والحاكم، وصححه، عن علي بن أبي طالب، وابن عباس.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 285، و"جامع البيان" 28/ 33 ، و"المستدرك" 2/ 484، وقال هذا حديث صحح الإسناد، ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي، و"تفسير مقاتل" 148 ب، 149 أ.

وقال ابن كثير: وكذا روي عن ابن عباس، وطاووس ومقاتل بن حيان، نحو ذلك، واشتهر عند كثير من الناس أن هذا العابد هو برصيصا، فالله أعلم.

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 341.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ﴾ أي هؤلاء اليهود كمثل الذين من قبلهم يعني يهد بني قينقاع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلاهم عن المدينة قبل بني النضير، فكانوا أمثالهم.

وقيل: يعني أهل بدر الكفار، فإنهم قبلهم ومثلاً لهم في أن غلبوا وقهروا.

والأول أرجح: لأن قوله: ﴿ قَرِيباً ﴾ يقتضي أنهم كانوا قبلهم بمدة يسيرة، وذلك أوقع على بني قينقاع، وأيضاً فإن تمثيل بني النضير ببني القينقاع أليق لأنهم يهود مثلهم، وأخرجوا من ديارهم كما فعل بهم وذلك هو المراد بقوله: ﴿ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ ﴾ وقريباً ظرف الزمان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ثم قوله: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ .

يعني: رد الله على رسوله من ملك الكفرة، أو ما أعطى الله لرسوله من ملك الكفرة.

وقوله: ﴿ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ يجوز أن يكون قرى قد أعطوه، أو يكون هذه بشارة لرسول الله  في فتح القرى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

يجوز أن يقال: إن الظاهر من هذه الآية أن يكون المراد منها غير قرابة رسول الله  : "إن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى"، فقرابة رسول الله  إنما تدخل في هذه الآية بالتأويل، وذلك أن المفهوم من ذكر القرابة إنما هو قرابة المخاطبين في الآية، ومعلوم أن الخطاب بالقسم إنما هو للمغتنمين.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ إنما يفهم منه قرابة الرسول -  - وذوو القربى من أصحابنا يسلكون في ذلك مذهبين: منهم من يقول: إن هذا الحق في الأصل للمحتاجين من القرابة لوجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ وكان المراد منه منصرفاً إلى المحتاجين؛ فكذلك في القرابة.

ومنهم من قال: إن الخمس كان لرسول الله  يصل به إلى قرابته، فلما قبض -  - انقطع ذلك الحق؛ لوجهين: أحدهما: قوله -  -: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة" والثاني: إنما كانوا يستوجبونه برسول الله  فإذا قبض انقطع ذلك عنهم؛ على سبيل انقطاع الحقوق ع أصحابها عند وفاتهم، ثم الفائدة في منع ما كان لرسول الله  عن الوراثة من وجهين: أحدهما: أن رسول الله  كان لا يستعمل نفسه في شيء من لذات الدنيا وشهواتها، وكان قائماً لله  [ ]؛ فإذا كان كذلك، جاز أن يكون حقيقة الملك فيه لمولاه، وإن كان في الظاهر له، والله أعلم.

فإن قيل: أليست الأملاك كلها لله؟

قيل لهم: نعم، غير أن الإضافة قد تكون خصوصية حال، كقوله -  -: ﴿ نَاقَةُ ٱللَّهِ  ﴾ ، وبيت الله.

ووجه آخر: ما كان لرسول الله  فهو وقف عليه إلى يوم القيامة؛ ألا ترى أن زوجاته محبوسات عليه لا يحللن لأحد بعده، ونبوته عليه، لم تتحول بعده إلى غيره؛ فلزم - أيضاً - أن يوقف عليه ملكه -  - ومعلوم أن ما كان موقوفاً فسبيله التصدق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ ﴾ .

له معنيان: أحدهما: أنه لو لم يبين هذه المواضع لكان ذلك الخمس الذي كان لرسول الله  يخلفه فيه الخلفاء من بعده؛ فيداوله الأغنياء بينهم.

ومعنى آخر: لو فرق هذا بين الفقير والغني لكان حين يقع هذا للغني بيده كان يكتسب به فضول الدنيا، وأما الفقير فأول [ما]يقع في يده يستمتع به في منافع نفسه؛ فلذلك فرق في الفقراء، والله أعلم.

قال بعضهم: الدولة: هي اسم للذي يدول بين الناس، والدّولة: واحدة، وهي فعلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ﴾ .

يعني: ما أعطاكم رسول الله  من هذه الغنيمة فخذوه ولا تظنوا به ظنّاً مكروهاً وما نهاكم عنه فانتهوا، ليس نهي زجر وشريعة، ولكن نهي منع، وما منع منكم من هذا الفيء فانتهوا عنه.

وعلى قراءة ابن مسعود -  -: ﴿ وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ ، يحمل معنى الأمر ومعنى الإعطاء، أي: ما آتاكم من الدنيا فخذوه، وما نهاكم من الدنيا عنه - يعني: زجركم عنه - فانتهوا عنه.

قال - رحمه الله -: ويروى: [أن] عامة الفقهاء يحتجون بهذه الآية في موضع الآمر مع لفظ الإتياء، وليس يوجب ظاهره هذا؛ إذ الإيتاء هو الإعطاء والتمليك، كقوله: ﴿ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ  ﴾ ، ولكن وجه الاحتجاج به: أن الله -  - لما أمرنا بأخذ معروفه -  - وإن كان في أخذ المعروف من غيره  خيار: فلأن يلزمنا الأخذ بأمره والاتباع له أحرى وأولى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

هذا يؤكد ما ذكر من اتباع أمره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ...

﴾ الآية.

وما نسق عليه من قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ...

﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ...

﴾ الآيات ظاهره هذا يقتضي إيجاب حق لهم؛ لأنه إذا قيل: لفلان، لم يكن بد من أن يقال: كذا وكذا، وإذا كان كذلك لم يكن به من حق يذكر لهم، ولا يحتمل أيضاً أن يخفي الله -  - علم ذلك الحق الذي أوجب لهذه الأصناف عن خلقه؛ فالسبيل في ذلك من جهة التأويل عندنا، والله أعلم.

ثم يحتمل أن يكون رسول الله  سئل عن جوابه: لمن؟

قال: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ .

ويحتمل أن يكون الرسول سأل ربه - جل وعلا - عن جوابه: لمن؟

فأخبر: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ .

ثم إنه يجوز أن يكون ذلك الحق، هو ما وظف من الخراج على أهل القرية إذا فتحت وهو ما روي عن عمر بن الخطاب -  - أنه قال لعلي وابن مسعود -  ما - حين فتح سواد الكوفة: أني أستبشركم في أمر، قد أغناني الله -  - عن مشورتكم حين تلوت هذه الآية، ثم تلا: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ ، ثم قال: لهؤلاء خاصة، وتلا قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ، ثم قال: ليس لهؤلاء خاصة، وتلا قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ .

وروي أن بلالا قال له: اقسم بيننا كما قسم رسول الله  خيبر بين أهل العسكر، وقال: اللهم اكفني بلالا وأهله.

ثم قال عمر -  -: "لو قسمتها بينكم لتركت آخر عصابة في الإسلام لم تصب من هذا، وأخبر الله بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أنهم شركاء هؤلاء؛ فجائز أن يكون عمر -  - حين تلا هذه الآيات تذكر خبرا أخبر به رسول الله  فعلم أن الحق الذي أوجب الله -  - لهؤلاء ذلك.

أو يجوز أن يكون الله -  - بلطفه ألهمه وعليا وابن مسعود -  م - لأنه روي أنهما أشارا عليه بذلك؛ ولذلك قال أصحابنا: إن الإمام إذا افتتح قرية من قرى أهل الحرب فهو فيها بالخيار: إن شاء قسمها بين أهلها ووظف عليهم الخراج، وإن شاء قسمها بين أهل العسكر.

وإنما كان كذلك؛ لأن المقصود من المقاتلة أحد معنيين: إما لتوسيع أمكنة الإسلام أن يضيق، أو يضيق المكان بهم؛ ليستسلموا لدين الله، وينقادوا لأمره، وينظروا في حججه، وليست مقاتلتهم عقوبة كفرهم؛ بل لما وصفنا من المعنى، وهذا المعنى قد يستفاد إذا وظف عليهم الخراج؛ فلذلك كان الإمام الخيار، والله أعلم.

ولو فهم بلال -  - المعنى الذي لأجله قسم رسول الله  خيبر بينهم لم يقس سواد الكوفة عليه.

والمعنى من قسمته -  - خيبر بينهم، عندنا - والله أعلم -: هو أن المسلمين لما صدوا عن البيت بالحديبية بشرهم الله -  - بفتح قريب؛ عوضاً عما نالهم فيما أصابهم، وأما سواد الكوفة فلم يكن يها شء من هذا المعنى؛ فلم يجز أن يكون أمره مقيساً عليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ يحتمل أن يكن المراد منه المجاهدين المقاطعين لأسباب عيشهم من الأموال والديار، أي: لهم هذا الحق الذي سبق وصفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ ﴾ .

لم يخرجوهم من ديارهم في الحقيقة، ولكنهم ضيقوا عليهم حتى خرجوا، فإذن أضيف الإخراج إليهم؛ لما كانوا أسباباً لخروجهم، وهذا كقوله -  -: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ ، وإبليس - عليه اللعنة - لم يتول إخراجهما من الجنة، ولكن حرضهما على سبب إتيانه؛ فلم يستقرا بعده في ذلك المكان؛ فأضيف الفعل إليه، وقد وصفنا أن اهذه الأفعال إذا أضيفت إلى العباد فإنما معنى ذلك أسباب تكون منهم لا حقيقة تلك الأفعال، وما أضيف إلى الله -  - من ذلك فهو يحتمل الأمرين جميعاً: الحقيقة والسبب في ذلك؛ لأجل أن العبد لا يمكنه أن يقدر آخر على فعل في وقت فعله إلا على التسبب، فأما رب العالمين فإنه قادر على إقدار العبد على فعل وقت فعله؛ فلذلك قلنا: إنه يجوز أن يراد حقيقة الفعل فيما يضاف إلى الله  ، وهو الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ﴾ .

يدل على أنه كانت لهم بمكة ديار وأموال، ثم مع هذه لم يرو عن رسول الله  رد شيء من ديارهم عليهم بعد فتح مكة، ولا تضمين أولئك شيئاً من أموالهم؛ ليعلم أن أهل الحرب إذا غلبوا على أموال المسلمين ملكوها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

يعني: أنهم هاجروا لدينهم، وانقطعوا عن أسباب عيشهم من الأموال؛ يبتغون الرزق من الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .

دل أن هذا الحق للمجاهدين منهم، ثم قوله: ﴿ وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ ﴾ ؛ يحتمل وجهين: أحدهما: ينصرون رسول الله  ، وذكر الهل صلة.

والثاني: ينصرون دين الله، ويطيعون رسوله،  .

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ ﴾ .

يعني: الذين أظهروا صدق الإيمان من قلوبهم؛ لهجرتهم لدينهم وسعيهم إلى ما يزلهم إلى الله -  - ويقرب إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ ﴾ .

يعني: الذين اتخذوا ديارا واسعة تسعهم والمهاجرين، وهم الأنصار.

وقوله: ﴿ وَٱلإِيمَانَ ﴾ .

أي: أنهم آمنوا قبل هجرة هؤلاء، لك يأمن هؤلاء المهاجرون من أحنهم، ولا يخافوا شرهم.

وقوله: ﴿ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .

يعني: من قبل الهجرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ﴾ ، يعني: أن الله -  - ألقى [إليهم] محبة؛ حتى أنزلوا المهاجرين ديارهم، وأنفقوا عليهم أموالهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ ﴾ .

يعني: أن رسول الله  لما قسم خيبر بين المهاجرين، ورتك الأنصار لم يقسم بينهم، لم يجد الأنصار في قلوبهم حاجة مما أعطى المهاجرين، يعني: أن الله -  - أغنى قلوبهم حتى لا يفكروا عن حاجة ولا مقت ألبتة.

ويحتمل أن يكون المعنى من الحاجة - هاهنا -: الغل والحسد، يعني: أن الله -  - ظهر قلوبهم حتى لم يجدوا في صدورهم حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ .

أي: يؤثرون على أنفسهم في أملاكهم أنهم لا يجدون بما يبذلون هم حاجة مما يملكون، ويؤثرون المهاجرين على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

إن الله -  - خلق في طبع البشر محبة المحاسن والمنافع الطلب لها، وبغض المساوي والمضار والهرب عنها، ثم إنه امتحنهم بالإنفاق مما يحبون، وحمل النفس على ما يكرهون؛ طلباً لنجاتهم، وتوصلا إلى ثوابهم، ثم وقاية الأنفس من الشح تكون بوجهين: أحدهما: أن يمن الله على عبده ليصير ما هو غائب عنه من الثواب في الأجل كالشاهد؛ فيخفف عليه الإنفاق مما يحب، ويصير ذلك كالطبع له.

والثاني: يوفقه الله -  - ويعصمه، ويلهمه تعظيم أمره ونهيه؛ حتى يقهر نفسه ويحملها على الائتمار بأمر الله -  - والانتهاء عما نهى عنه، وإن كان طبعها على خلاف ذلك.

ثم إضافة الوقاية إلى نفسه تدل على أنه قد بقي في خزانته شيء لم يؤته عبده، حتى يصف نفسه بأنه يقي عنه شح نفسه، ولولا ذلك لم يكن لوعده بوقاية نفسه عن شحها معنى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

يعني: الباقون في النعيم الدائم، والفلاح في الحقيقة: هو البقاء في النعيم.

وقوله - عز جل -: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا...

﴾ الآية.

قد علم الله -  - أنه قد يكون في أمة محمد  من يلعن سلفه حتى أمرهم بالاستغفار لهم.

وفيه دلالة على فساد قول الروافض والخوارج والمعتزلة؛ لأن الروافض من قولهم: إن القوم لما ولو الخلافة أبا بكر الصديق -  - كفروا.

ومن قول الخوارج: إن عليا 0-  - كفر بقتاله معاوية وأصحابه.

وقال المعتزلة بأن من عدل عن الحق في القتال خرج عن الإيمان، ولو كان ما ارتكبوا من الزلات يكفرهم أو يخرجهم عن الإيمان لم يكن للاستغفار لهم معنى؛ لأن الله -  - نهى عن الاستغفار للمشركين، فإذا أذن - هاهنا - بالاستغفار لهم تبين بهذا أن ما ارتكبوا من الذنوب، ولم يخرجهم من الإيمان، ولأ،ه أبقى الأخوة فيما بينهم، مع علمنا أنه لم يكن بين الآخرين والأولين أخوة إلا في الدين، فلولا أنهم كانوا مؤمنين لم يكن لإبقاء الأخوة معنى، والله أعلم.

ولأنه قال -  -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، ولو كان ذلك يخرجهم من الإيمان، لم يكن لهذا الدعاء معنى؛ لأن الواجب أن يكون في قلوب المؤمنين عداوة الكفار ومقتهم، فلما ندب جل شأنه في هذه الآية إلى نفي الغل والحسد عن قلوبهم بتلك الدعوة ثبت أ،هم كانوا مؤمنين، والله أعلم.

ثم في الأمر بالاستغفار لهم دلالة أنه قد كانت منهم ذنوب يستوجبون بها العقوبة لولا فضل الله ومغفرته، وإن كانوا فيما يتعاطونه مجتهدين؛ ليعلم أنه ليس كل مجتهد مصيباً.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

يعني: عداوة يحتمل أن يكون المراد منه المؤمنين الذين سبقوهم.

ويحتمل أن يكون هذا في كل المؤمنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

الرحمة من الله -  - فضل منه على عباده وإحسان إليهم؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ  ﴾ : فأخبر أن رحمته هبة منه وإحسان إلى عبده، والله أعلم.

ثم الاستغفار في حال الحياة له معنيان: أحدهما: طلب السبب الذي إذا جاءه استوجب المغفرة.

والثاني: حقيقة المغفرة.

وفي حال الوفاة ليس إلا طلب عين المغفرة، فلما ندب - جل وعلا - إلى الاستغفار لهم بعد وفاتهم، وحال الاستغفار بعد الوفاة على ما وصفنا لا يتوجه إلى على حقيقة المغفرة - ثبت أن ذنوبهم لم تخرجهم؛ لأنه لو كان من حكمه - جل ثناءه - ألا تحل مغفرتهم إذ ارتكبوا كبيرة لم يكن في الأمر بالاستغفار لهم حكمة، والله أعلم.

وقال جعفر بن حرب: إنه ليس في قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ ﴾ ما يدل على أنه يجعل في قلوبهم؛ لأنه إذا قيل: لا تفعل بنا شيئاً لم يفهم منه أ،ه يفعله إذا أحب، ولكن يجاب عن هذا أنه قال  نصا في آية أخرى ما يدل على جعل العداوة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ .

فإن قال: تأويله: أنه خفلى بينهم وبينها، لا أنه جعلها.

قلنا: غير محتمل أن يخلق الله -  - العداوة في قلوبهم من غير فعل يكون منهم، وإن كان كذلك ثبت أنه يخلق هذه الأشياء وقت فعل العبد لها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

مَثَلُهم في سماعهم من المنافقين كمثل الشيطان حين زيّن للإنسان أن يكفر، فلما كفر بسبب تزيينه الكفر له قال: إني بريء منك لما كفرت، إني أخاف الله رب الخلائق.

من فوائد الآيات رابطة الإيمان لا تتأثر بتطاول الزمان وتغير المكان.

صداقة المنافقين لليهود وغيرهم صداقة وهمية تتلاشى عند الشدائد.

اليهود جبناء لا يواجهون في القتال، ولو قاتلوا فإنهم يتحصنون بِقُرَاهم وأسلحتهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.lPBgL"

مزيد من التفاسير لسورة الحشر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله