الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ٢١ من سورة الحشر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢١ من سورة الحشر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى معظما لأمر القرآن ، ومبينا علو قدره ، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب ، وتتصدع عند سماعه لما فيه من الوعد والوعيد الأكيد : ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ) أي : فإن كان الجبل في غلظته وقساوته ، لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه ، لخشع وتصدع من خوف الله ، عز وجل ، فكيف يليق بكم أيها البشر ألا تلين قلوبكم وتخشع ، وتتصدع من خشية الله ، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه ؟
ولهذا قال تعالى : ( وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ) .
قال العوفي : عن ابن عباس في قوله : ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا ) إلى آخرها ، يقول : لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه ، لتصدع وخشع من ثقله ، ومن خشية الله .
فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع .
ثم قال : كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون .
وكذا قال قتادة ، وابن جرير .
وقد ثبت في الحديث المتواتر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما عمل له المنبر ، وقد كان يوم الخطبة يقف إلى جانب جذع من جذوع المسجد ، فلما وضع المنبر أول ما وضع ، وجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخطب فجاوز الجذع إلى نحو المنبر ، فعند ذلك حن الجذع وجعل يئن كما يئن الصبي الذي يسكن ، لما كان يسمع من الذكر والوحي عنده .
ففي بعض روايات هذا الحديث قال الحسن البصري بعد إيراده : " فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الجذع " .
وهكذا هذه الآية الكريمة ، إذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام الله وفهمته ، لخشعت وتصدعت من خشيته فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم ؟
وقد قال تعالى : ( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ) الآية [ الرعد : 31 ] .
وقد تقدم أن معنى ذلك : أي لكان هذا القرآن .
وقال تعالى : ( وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله ) [ البقرة : 74 ] .
وقوله: (لَوْ أَنـزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) يقول جلّ ثناؤه: لو أنـزلنا هذا القرآن على جبل، وهو حجر، لرأيته يا محمد يا خاشعًا؛ يقول: متذللا متصدّعا من خشية الله على قساوته، حذرًا من أن لا يؤدّي حقّ الله المفترض عليه في تعظيم القرآن، وقد أنـزل على ابن آدم وهو بحقه مستخفٌّ، وعنه عما فيه من العِبَر والذكر مُعْرض، كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أََبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (لَوْ أَنـزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) ...
إلى قوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) قال، يقول: لو أني أنـزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدّع وخشع من ثِقله، ومن خشية الله، فأمر الله عزّ وجلّ الناس إذا أنـزل عليهم القرآن، أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع، قال: (وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون ) .
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (لَوْ أَنـزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) ...
الآية، يعذر الله الجبل الأصمّ، ولم يعذر شقيّ ابن آدم، هل رأيتم أحدًا قط تصدّعت جوانحه من خشية الله (وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ) يقول تعالى ذكره: وهذه الأشياء نشبهها للناس، وذلك تعريفه جلّ ثناؤه إياهم أن الجبال أشدّ تعظيمًا لحقه منهم مع قساوتها وصلابتها.
وقوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) يقول: يضرب الله لهم هذه الأمثال ليتفكروا فيها، فينيبوا، وينقادوا للحق.
قوله تعالى : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرونقوله تعالى : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا حث على تأمل مواعظ القرآن وبين أنه لا عذر في ترك التدبر ; فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبال مع تركيب العقل فيها لانقادت لمواعظه ، ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة متصدعة ; أي متشققة من خشية الله .
والخاشع : الذليل .
والمتصدع : المتشقق .
وقيل : خاشعا لله بما كلفه من طاعته .متصدعا من خشية الله أن يعصيه فيعاقبه .
وقيل : هو على وجه المثل للكفار .قوله تعالى : وتلك الأمثال نضربها للناس أي أنه لو أنزل هذا القرآن على جبل لخشع لوعده وتصدع لوعيده ، وأنتم أيها المقهورون بإعجازه لا ترغبون في وعده ، ولا ترهبون من وعيده وقيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ; أي لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت ، وتصدع من نزوله عليه ; وقد أنزلناه عليك وثبتناك له ; فيكون ذلك امتنانا عليه أن ثبته لما لا تثبت له الجبال .
وقيل : إنه خطاب للأمة ، وأن الله تعالى لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدعت من خشية الله .
والإنسان أقل قوة وأكثر ثباتا ; فهو يقوم بحقه إن أطاع ، ويقدر على رده إن عصى ; لأنه موعود بالثواب ، ومزجور بالعقاب .
ولما بين تعالى لعباده ما بين، وأمرهم ونهاهم في كتابه العزيز، كان هذا موجبا لأن يبادروا إلى ما دعاهم إليه وحثهم عليه، ولو كانوا في القسوة وصلابة القلوب كالجبال الرواسي، فإن هذا القرآن لو أنزله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله أي: لكمال تأثيره في القلوب، فإن مواعظ القرآن أعظم المواعظ على الإطلاق، وأوامره ونواهيه محتوية على الحكم والمصالح المقرونة بها، وهي من أسهل شيء على النفوس، وأيسرها على الأبدان، خالية من التكلف لا تناقض فيها ولا اختلاف، ولا صعوبة فيها ولا اعتساف، تصلح لكل زمان ومكان، وتليق لكل أحد.ثم أخبر تعالى أنه يضرب للناس الأمثال، ويوضح لعباده في كتابه الحلال والحرام، لأجل أن يتفكروا في آياته ويتدبروها، فإن التفكر فيها يفتح للعبد خزائن العلم، ويبين له طرق الخير والشر، ويحثه على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، ويزجره عن مساوئ الأخلاق، فلا أنفع للعبد من التفكر في القرآن والتدبر لمعانيه.
قوله - عز وجل - : ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ) قيل : لو جعل في الجبل تمييز وأنزل عليه القرآن لخشع وتشقق وتصدع من خشية الله مع صلابته ورزانته حذرا من أن لا يؤدي حق الله - عز وجل - في تعظيم القرآن والكافر يعرض عما فيه من العبر كأن لم يسمعها يصفه بقساوة القلب ( وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون )
«لو أنزلنا هذا القرآن على جبل» وجعل فيه تمييز كالإنسان «لرأيته خاشعا متصدعا» متشققا «من خشية الله وتلك الأمثال» المذكورة «نضربها للناس لعلهم يتفكرون» فيؤمنون.
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل من الجبال، ففهم ما فيه مِن وعد ووعيد، لأبصَرْته على قوته وشدة صلابته وضخامته، خاضعًا ذليلا متشققًا من خشية الله تعالى.
وتلك الأمثال نضربها، ونوضحها للناس؛ لعلهم يتفكرون في قدرة الله وعظمته.
وفي الآية حث على تدبر القرآن، وتفهم معانيه، والعمل به.
ثم نوه - سبحانه - بشأن القرآن الكريم ، المشتمل على ألوان من الهدايات والمواعظ ، والآداب والأحكام ، التى فى اتباعها سعادة الناس وفوزهم فقال : ( لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله .
.
) .والمراد بالجبل : حقيقته والكلام على سبيل الفرض والتقدير ، واختير الجبل ، لأنه أشد الأشياء صلابة ، وقلة تأثر بما ينزل به .أى : لو أنزلنا - على سبل الفرض والتقدير - هذا القرآن العظيم الشأن على جبل من الجبال العالية الشامخة الصلبة وخاطبناه به .
.
.
لرايت - أيها العاقل - هذا الجبل الذى هو مثال فى الشدة والغلظة والضخامة وعدم التأثر .
لرأيته ( خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله ) .أى : لرأيته متذللا متشققا من شدة خوفه من الله - تعالى - ومن خشيته .قال الآلوسى : وهذا تمثيل لعلو شأن القرآن ، وقوة تأثيره ، والغرض - من هذه الآية - توبيخ الإنسان على قسوة قلبه ، وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن الكريم ، وتدبر ما فيه من القوارع ، وهو الذى لو أنزل على جبل - وقد ركب فيه العقل - لخشع وتصدع .ويشير إلى كونه تمثيلا ، قوله - تعالى - : ( وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) .أى : وتلك الأمثال الباهرة التى اشتمل عليها هذا القرآن العظيم ، نضربها ونسوقها للناس ، لكى يتفكروا فيها ، ويعملوا بما تقتضيه من توجيهات حكيمة ومن مواعظ سديدة ، ومن إرشادات نافعة .
ثم إنه تعالى لما شرح هذه البيانات عظم أمر القرآن فقال: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله ﴾ والمعنى أنه لو جعل في الجبل عقل كما جعل فيكم، ثم أنزل عليه القرآن لخشع وخضع وتشقق من خشية الله.
ثم قال: ﴿ وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ أي الغرض من ذكر هذا الكلام التنبيه على قساوة قلوب هؤلاء الكفار، وغلظ طباعهم، ونظير قوله: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذلك فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ واعلم أنه لما وصف القرآن بالعظم، ومعلوم أن عظم الصفة تابع لعظم الموصوف، أتبع ذلك بشرح عظمة الله فقال: <div class="verse-tafsir"
هذا تمثيل وتخييل، كما مرّ في قوله تعالى: ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ [الأحزاب: 72] وقد دل عليه قوله: ﴿ وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ﴾ والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره.
وقرئ: ﴿ مصدّعاً ﴾ على الإدغام ﴿ وَتِلْكَ الأمثال ﴾ إشارة إلى هذا المثل وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿ إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ ﴾ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فَإنَّ الإشارَةَ إلَيْهِ وإلى أمْثالِهِ.
والمُرادُ تَوْبِيخُ الإنْسانِ عَلى عَدَمِ تَخَشُّعِهِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ لِقَساوَةِ قَلْبِهِ وقِلَّةِ تَدَبُّرِهِ، والتَّصَدُّعُ التَّشَقُّقُ.
وَقُرِئَ «مُصَّدَّعًا» عَلى الإدْغامِ.
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ ما غابَ عَنِ الحِسِّ مِنَ الجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ وأحْوالِها، وما حَضَرَ لَهُ مِنَ الأجْرامِ وأعْراضِها، وتَقْدِيمُ الغَيْبِ لِتَقَدُّمِهِ في الوُجُودِ وتَعَلُّقِ العِلْمِ القَدِيمِ بِهِ، أوِ المَعْدُومِ والمَوْجُودِ، أوِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ.
وقِيلَ: الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ <div class="verse-tafsir"
{لو أنزلنا هذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله} أي من شان االقرآن وعظمته أنه لو جعل في الجبل تميز وأنزل عليه القرآن لخشع أي لخضع وتطأطأ وتصدع أي تشقق من خشية الله وجائزان يكون هذا تمثيلاً كما في قوله إِنَّا عرضنا الأمانة ويدل عليه قوله {وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} وهي إشارة إلى هذا المثل وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل والمراد توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره ثم رد على من أشرك وشبهه بخلقه فقال
﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ ﴾ العَظِيمَ الشَّأْنِ المُنْطَوِيَ عَلى فُنُونِ القَوارِعِ ﴿ عَلى جَبَلٍ ﴾ مِنَ الجِبالِ أوْ جَبَلٍ عَظِيمٍ ﴿ لَرَأيْتَهُ ﴾ مَعَ كَوْنِهِ عَلَمًا في القَسْوَةِ وعَدَمِ التَّأثُّرِ مِمّا يُصادِمُهُ ﴿ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ أيْ مُتَشَقِّقًا مِنها.
وقَرَأ أبُو طَلْحَةَ مُصَدَّعًا بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ، وهَذا تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ لِعُلُوِّ شَأْنِ القُرْآنِ وقُوَّةِ تَأْثِيرِ ما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ والزَّواجِرِ، والغَرَضُ تَوْبِيخُ الإنْسانِ عَلى قَسْوَةِ قَلْبِهِ وقِلَّةِ تَخَشُّعِهِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ وتَدَبُّرِ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ وهو الَّذِي لَوْ أُنْزِلَ عَلى جَبَلٍ وقَدْ رُكِّبَ فِيهِ العُقَلُ لَخَشَعَ وتَصَدَّعَ، ويُشِيرُ إلى كَوْنِهِ تَمْثِيلًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فَإنَّ الإشارَةَ فِيهِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ أنْزَلْنا ﴾ إلَخْ وإلى أمْثالِهِ، فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ تِلْكَ، أوِ المُرادُ تِلْكَ وأشْباهُها والأمْثالُ في الأغْلَبِ تَمْثِيلاتٌ مُتَخَيَّلَةٌ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ يعني: اخشوا الله، ويقال: أطيعوا الله.
وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ يعني: ما عملت لغد، وأسلفت لغد أي ليوم القيامة، ومعناه: تصدقوا واعملوا بالطاعة، لتجدوا ثوابه يوم القيامة.
ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الخير والشر.
ثم وعظ المؤمنين بأن لا يتركوا أمره ونهيه كاليهود.
ويوحدوه في السر والعلانية، ولا يكونوا في المعصية كالمنافقين، فقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ يعني: تركوا أمر الله تعالى.
فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني: خذلهم الله تعالى، حتى تركوا حظ أنفسهم أن يقدموا خيرا لها.
أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني: العاصين، ويقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ أي: تركوا ذكر الله وما أمرهم به فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني: فترك ذكرهم بالرحمة والتوفيق، ويقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ يعني: تركوا عهد الله ونبذوا كتابه وراء ظهورهم، فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني: أنساهم حالهم، حتى لم يعملوا لأنفسهم ولم يقدموا لها خيرا.
أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني: الناقضين للعهد.
ثم ذكر مستقر الفريقين، فقال: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ، يعني: لا يستوي في الكرامة والهوان في الدنيا والآخرة، لأن أصحاب الجنة في الدنيا موفقون منعمون معتصمون، وفي الآخرة لهم الثواب والكرامة، وأصحاب النار مخذولون في الدنيا معذبون في الآخرة.
ويقال: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ في الآخرة، لان أصحاب الجنة يتقلبون في النعيم، وأصحاب النار يتقلبون في النار والهوان.
ثم قال: أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ يعني: المستعدون الناجون، وأصحاب النار الهالكون.
ثم وعظهم ليعتبروا بالقرآن، فقال عز وجل: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ يعني: القرآن الذي فيه وعده ووعيده لو أنزلناه على جبل، لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ يعني: خاضعا متصدعا، ويقال: يندق من خوف عذاب الله، فكيف لا يندق ولا يرق هذا الإنسان ويخشع؟
ويقال: هذا على وجه المثل، يعني: لو كان الجبل له تميز عقل، لتصدع من الخشية.
ثم قال عز وجل: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ يعني: نبينها للناس، لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ يعني: لكي يتعظوا في أمثال الله، يعني: يعتبرون ولا يعصون الله تعالى.
ثم قال: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق ولا رازق غيره.
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني: عالم السر والعلانية، ويقال: الغيب: ما غاب عن العباد.
والشهادة: ما شاهدوه وعاينوه ويقال: عالم بما كان وبما يكون، ويقال: عالم بأمر الآخرة وبأمر الدنيا.
ثم قال: هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ يعني: العاطف على جميع الخلق بالرزق، الرَّحِيمُ بالمؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
وقوله/ سبحانه: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ...
الآية: موعظةٌ للإنسان، وَذَمٌّ لأخلاقه وإعراضه وغفلته عن تَدَبُّرِ كلام خالقه، وإذا كان الجبلُ، على عِظَمِهِ وقُوَّتِهِ، لو أُنْزِلَ عليه القرآن وفَهِمَ منه ما فَهِمَهُ الإنسان، لخشع واستكان، وتصدَّع، خشيةً للَّه تعالى-:
فالإِنسانُ على حقارته وضَعْفِهِ أولى بذلك، وضرب اللَّه سبحانه هذا المثل ليتفكر فيه العاقلُ، ويخشعَ ويلينَ قلبُهُ.
وقوله سبحانه: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ الآية: لما قال تعالى: مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، جاء بالأوصاف العَلِيَّةِ التي تُوجِبُ لمخلوقاته هذه الخشيةَ، وقرأ الجمهور «١» : «القُدُّوسُ» - بضم القاف- من تَقَدَّسَ إذا تطهَّرَ وتنزَّه.
وقوله: السَّلامُ أي: ذو السلام لأَنَّ الإيمان به وتوحيدَه وأفعاله هي لمن آمنَ سلام كلّها، والْمُؤْمِنُ: اسم فاعل من آمن بمعنى أمن من الأمن، وقيل: معناه:
المصدّق عباده المؤمنين، والْمُهَيْمِنُ: معناه: الحفيظ والأمين قاله ابن عبّاس «٢» ، والْجَبَّارُ: هو الذي لا يدانيه شيءٌ، ولا تُلْحَقُ رتبته، قال الفخر «٣» : وفي اسمه تعالى:
الْجَبَّارُ وجوه:
أحدها: أَنَّه فَعَّالٌ من جَبَرَ إذا أغنى الفقيرَ وجبر الكسير.
والثاني: أنْ يكون الجبار من جَبَرَهُ إذا أكرهه قال الأزهريُّ: وهي لغة تميم، وكثيرٌ من الحجازيين يقولونها بغير ألف في الإكراه، وكان الشافعيُّ رحمه اللَّه يقول: جَبَرَهُ السلطانُ على كذا بغير ألف، وجعل الفرَّاءُ الْجَبَّارُ بهذا المعنى من أجبر بالألف، وهي
اللغة المعروفة في الإكراه، انتهى، والْمُتَكَبِّرُ: معناه: الذي له التكبّر حقّا والْبارِئُ بمعنى: الخالق، والْمُصَوِّرُ: هو الذي يوجد الصورَ، وباقي الآية بَيِّنٌ، وروى معقل بن يسار عن النبي صلّى الله عليه وسلّم/ أَنَّه قال: مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقَرَأَ ثَلاَثَ آياتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ-: وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، حَتَّى يُمْسِي، وَإنْ مَاتَ في ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيداً، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتَلْكَ الْمَنْزِلَةِ» «١» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ﴾ أخْبَرَ اللَّهُ بِهَذا عَنْ تَعْظِيمِ شَأْنِ القُرْآنِ، وأنَّهُ لَوْ جُعِلَ في جَبَلٍ - عَلى قَساوَتِهِ وصَلابَتِهِ تَمْيِيزًا، كَما جُعِلَ في بَنِي آدَمَ، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لَتَشَقَّقَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وخَوْفًا أنْ لا يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ في تَعْظِيمِ القُرْآنِ.
و"الخاشِعُ": المُتَطَأْطِئُ الخاضِعُ، و"المُتَصَدِّعُ": المُتَشَقِّقُ.
وهَذا تَوْبِيخٌ لِمَن لا يَحْتَرِمُ القُرْآنَ، ولا يُؤَثِّرُ في قَلْبِهِ مَعَ الفَهْمِ والعَقْلِ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا المَثَلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ بِعَظْمَتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ ﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ فَأمّا هَذِهِ الأسْماءُ، فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ "اللَّهِ"، و"الرَّحْمَنِ"، و"الرَّحِيمِ" في [الفاتِحَةِ] وذَكَرْنا مَعْنى ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ في [الأنْعامِ: ٧٣] .
و ﴿ المَلِكُ ﴾ في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ١١٦] .
فَأمّا "القُدُّوسُ" فَقَرَأ أبُو الأشْهَبِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ بِفَتْحِ القافِ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: "القُدُّوسُ": الطّاهِرُ مِنَ العُيُوبِ، المُنَزَّهُ عَنِ الأنْدادِ والأوْلادِ.
و"القُدْسُ": الطَّهارَةُ.
ومِنهُ سُمِّيَ: بَيْتُ المَقْدِسِ، ومَعْناهُ: المَكانُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ.
وقِيلَ لِلْجَنَّةِ: حَظِيرَةُ القُدُسِ، لِطَهارَتِها مِن آفاتِ الدُّنْيا.
والقُدْسُ: السَّطْلُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ فِيهِ، ولَمْ يَأْتِ مِنَ الأسْماءِ عَلى فُعُّولٍ بِضَمِّ الفاءِ إلّا "قُدُّوسٌ" و"سُبُّوحٌ" وقَدْ يُقالُ أيْضًا: قَدُّوسٌ، وسَبُّوحٌ بِالفَتْحِ فِيهِما، وهو القِياسُ في الأسْماءِ، كَقَوْلِهِمْ: سَفُّودٌ، وكَلُّوبٌ.
فَأمّا "السَّلامُ" فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سَمّى نَفْسَهَ سَلامًا، لِسَلامَتِهِ مِمّا يَلْحَقُ الخَلْقَ مِنَ العَيْبِ والنَّقْصِ والفَناءِ.
وقالَ الخَطّابِيُّ: مَعْناهُ: ذُو السَّلامِ.
والسَّلامُ في صِفَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: هو الَّذِي سَلِمَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، وبَرِئَ مِن كُلِّ آفَةٍ ونَقْصٍ يَلْحَقُ المَخْلُوقِينَ.
قالَ وقَدْ قِيلَ هو الَّذِي سَلِمَ الخَلْقُ مِن ظُلْمِهِ.
فَأمّا "المُؤْمِنُ"، فَفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي أمِنَ النّاسُ ظُلْمَهُ، وأمِنَ مَن آمَنَ بِهِ عَذابَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ المُجِيرُ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والثّالِثُ: الَّذِي يُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ إذا وحَّدُوهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي وحَّدَ نَفْسَهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَصْدُقُ عِبادَهُ وعْدَهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والسّادِسُ: أنَّهُ يُصَدِّقُ ظُنُونَ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، ولا يُخَيِّبُ آمالَهُمْ، «كَقَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما يَحْكِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ: "أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي"» حَكاهُ الخَطّابِيُّ.
فَأمّا "المُهَيْمِنُ" فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوال.
أحَدُها: أنَّهُ الشَّهِيدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والكِسائِيُّ.
قالَ الخَطّابِيُّ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ ، فاللَّهُ الشّاهِدُ عَلى خَلْقِهِ بِما يَكُونُ مِنهم مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الأمِينُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالَ الخَطّابِيُّ: وأصْلُهُ: مُؤَيْمِنٌ، فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ هاءً، لِأنَّ الهاءَ أخَفُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الهَمْزَةِ.
ولَمْ يَأْتِ مُفَيْعِلٌ في غَيْرِ التَّصْغِيرِ، إلّا في ثَلاثَةِ أحْرُفٍ "مُسَيْطِرٌ" و"مُبَيْطِرٌ" و"مُهَيْمِنٌ" وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ [الطُّورِ: ٣٧] عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، أنَّها خَمْسَةُ أحْرُفٍ.
والثّالِثُ: المُصَدِّقُ فِيما أخْبَرَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّقِيبُ عَلى الشَّيْءِ، والحافِظُ لَهُ، قالَهُ الخَلِيلُ.
قالَ الخَطّابِيُّ وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الهَيْمَنَةُ: القِيامُ عَلى الشَّيْءِ؛ والرِّعايَةُ لَهُ، وأنْشَدَ: ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِ مُهَيْمِنُهُ التّالِّيهِ في العُرْفِ والنُّكْرِ يُرِيدُ القائِمَ عَلى النّاسِ بَعْدَهُ بِالرِّعايَةِ لَهم.
وقَدْ زِدْنا هَذا شَرْحًا في [المائِدَةِ: ٤٨] وبَيَّنّا مَعْنى "العَزِيزِ" في [البَقَرَةِ: ١٢٩] .
فَأمّا "الجَبّارُ" فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ العَظِيمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَقْهَرُ النّاسَ ويُجْبِرُهم عَلى ما يُرِيدُ، قالَهُ القُرَظِيُّ والسُّدِّيُّ.
وقالَ قَتادَةُ: جَبْرُ خَلْقِهِ عَلى ما شاءَ.
وحَكى الخَطّابِيُّ: أنَّهُ الَّذِي جَبَرَ الخَلْقَ عَلى ما أرادَ مِن أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
يُقالُ: جَبَرَهُ السُّلْطانُ، وأجْبَرَهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي جَبَرَ مَفاقِرَ الخَلْقِ، وكَفاهم أسْبابَ المَعاشِ والرِّزْقِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ العالِي فَوْقَ خَلْقِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: تَجَبَّرَ النَّباتُ: إذا طالَ وعَلا، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الخَطّابِيُّ.
فَأمّا "المُتَكَبِّرُ" فَفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي تَكَبَّرَ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي تَكَبَّرَ عَنْ ظُلْمِ عِبادِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ذُو الكِبْرِياءِ، وهو المَلِكُ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ المُتَعالِي عَنْ صِفاتِ الخَلْقِ.
والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَتَكَبَّرُ عَلى عُتاةٍ خَلْقِهِ إذا نازَعُوهُ العَظَمَةَ، فَقَصَمَهُمْ، ذَكَرَهُما الخَطّابِيُّ.
قالَ: والتّاءُ في "المُتَكَبِّرِ" تاءُ التَّفَرُّدِ، والتَّخَصُّصِ، لِأنَّ التَّعاطِيَ والتَّكَلُّفَ والكِبْرَ لا يَلِيقُ بِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، وإنَّما سِمَةُ العَبْدِ الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ.
وقِيلَ: إنَّ المُتَكَبِّرَ مِنَ الكِبْرِياءِ الَّذِي هو عَظَمَةُ اللَّهِ، لا مِنَ الكِبْرِ الَّذِي هو مَذْمُومٌ في الخَلْقِ.
وَأمّا "الخالِقُ" فَقالَ الخَطّابِيُّ: هو المُبْتَدِئُ لِلْخَلْقِ المُخْتَرِعُ لَهم عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ، فَأمّا في نُعُوتِ الآدَمِيِّينَ، فَمَعْنى الخَلْقِ: كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي يَقُولُ: إذا قَدَرْتَ شَيْئًا قَطَعْتَهُ، وغَيْرُكَ يَقْدِرُ ما لا يَقْطَعُهُ، أيْ: يَتَمَنّى ما لا يَبْلُغُهُ.
و"البارِئُ" الخالِقُ.
يُقالُ: بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ يَبْرَؤُهم.
و"المُصَوِّرُ": الَّذِي أنْشَأ خَلْقَهُ عَلى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ لِيَتَعارَفُوا بِها.
ومَعْنى: التَّصْوِيرِ: التَّخْطِيطُ والتَّشْكِيلُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ "البارِئُ المُصَوَّرَ" بِفَتْحِ الواوِ والرّاءِ جَمِيعًا، يَعْنِي: آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [الأعْرافِ: ١٨٠،والإسْراءِ: ١١٠] إلى آخِرِ السُّورَةِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ﴿ لا يَسْتَوِي أصْحابُ النارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ ﴾ ﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللهِ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ وتَقْرِيبٍ لِلْآخِرَةِ، وتَحْذِيرٍ مِمَّنْ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَلْتَنْظُرْ" بِسُكُونِ اللامِ وجَزْمِ الراءِ عَلى أصْلِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ، وفِرْقَةٌ كَذَلِكَ الأمْرُ، إلّا أنَّها كُسِرَتْ عَلى أصْلِ لامَ الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "وَلِتَنْظُرَ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى لامِ "كَيْ"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وأمَرْنا بِالتَقْوى لِتَنْظُرُوا، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: اتَّقُوا اللهَ ولْتَكُنْ تَقْواكم لِتَنْظُرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِغَدٍ" يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ قَتادَةُ: قَرَّبَ اللهُ تَعالى القِيامَةَ حَتّى جَعَلَها غَدًا، وذَلِكَ لِأنَّها آتِيَةٌ لا مَحالَةَ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَعالى بِقَوْلِهِ:"لِغَدٍ" لِيَوْمِ المَوْتِ لِأنَّهُ لِكُلِّ إنْسانٍ كَغَدِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: ما قَدَّمْتَ مِنَ الأعْمالِ، فَإذا نَظَرَها الإنْسانُ تَزِيدُ مِنَ الصالِحاتِ وكَفَّ عَنِ السَيِّئاتِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: الأمْسُ الدُنْيا وغَدٌ الآخِرَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَكُونُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى مُخاطَبَةِ جَمِيعِ الَّذِينَ آمَنُوا، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يَكُونُوا" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، كِنايَةٌ عن "نَفْسِ" الَّتِي هي اسْمُ الجِنْسِ، و"الَّذِينَ نَسُوا اللهَ" هُمُ الكُفّارُ، والمَعْنى: تَرَكُوا اللهَ وغَفَلُوا عنهُ حَتّى كانُوا كالناسِينَ، وعَبَّرَ تَعالى عَمّا حَفَّهم بِهِ مِنَ الضَلالَةِ بـ "فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ"، سَمّى عُقُوبَتَهم بِاسْمِ ذَنْبِهِمْ بِوَجْهٍ ما، وهَذا أيْضًا هو الجَزاءُ بِالذَنْبِ عَلى الذَنْبِ، فَكَسَبُوا هم نِسْيانَ جِهَةِ اللهِ تَعالى.
فَعاقَبَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ جَعَلَهم يَنْسَوْنَ أنْفُسَهُمْ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: حَظُّ أنْفُسِهِمْ، ويُعْطِي لَفْظَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن عَرَفَ نَفْسَهُ ولَمْ يُنْسِها عَرَفَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ، وقَدْ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: اعْرَفْ نَفْسَكَ تَعْرِفْ رَبَّكَ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اعْرَفْ نَفْسَكَ تَعْرِفْ رَبَّكَ، ورَوى عنهُ أنَّهُ قالَ أيْضًا: مَن لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَلا أصْحابَ الجَنَّةِ" بِزِيادَةِ "لا".
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ ﴾ الآيَةُ...
مَوْعِظَةٌ لِلْإنْسانِ، أو ذَمٌّ لِأخْلاقِهِ في غَفْلَتِهِ وإعْراضِهِ عن داعِيَةِ اللهِ تَعالى، وذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ وفَهِمُوهُ وأعْرَضُوا عنهُ، وهو لَوْ نَزَلَ عَلى جَبَلٍ وفَهِمَ الجَبَلُ مِنهُ ما فَهِمَ الإنْسانُ لَخَشَعَ واسْتَكانَ وتَصَدَّعَ مِن خَشْيَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وإذا كانَ الجَبَلُ عَلى عِظَمِهِ وقُوَّتِهِ يَفْعَلُ هَذا فَما عَسى أنْ يَحْتاجَ ابْنُ آدَمَ يَفْعَلُ، لَكِنَّهُ يُعْرِضُ ويَصُدُّ عَلى حَقارَتِهِ وضَعْفِهِ، وضَرَبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى هَذا المَثَلَ لِيَتَفَكَّرَ فِيهِ العاقِلُ ويَخْشَعَ ويَلِينَ قَلْبُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مُصَّدِّعًا" عَلى إدْغامِ التاءِ في الصادِ.
<div class="verse-tafsir"
لما حذّر المسلمين من الوقوع في مهواة نسيان الله التي وقع فيها الفاسقون، وتوعد الدين نَسُوا الله بالنار، وبيّن حالهم بأن الشيطان سوّل لهم الكفر.
وكان القرآن دالاً على مسالك الخير ومحذّراً من مسالك الشر، وما وقع الفاسقون في الهلكة إلا من جراء إهمالهم التدبر فيه، وذلك من نسيانهم الله تعالى انتقل الكلام إلى التنويه بالقرآن وهديه البيّن الذي لا يصرف الناسَ عنه إلا أهواؤهم ومكابرتهم، وكان إعراضهم عنه أصل استمرار ضلالهم وشركهم، ضَرب لهم هذا المثل تعجيباً من تصلبهم في الضلال.
وفي هذا الانتقال إيذان بانتهاء السورة لأنه انتقال بعد طول الكلام في غرضضِ فَتح قُرى اليهود وما ينال المنافقين من جَرَّائِه من خسران في الدنيا والآخرة.
و ﴿ هذا القرآن ﴾ إشارة إلى المقدار الذي نَزل منه، وهو ما عرفوه وتلَوه وسمعوا تلاوته.
وفائدة الإِتيان باسم إشارة القريب التعريض لهم بأن القرآن غير بعيد عنهم.
وأنه في متناولهم ولا كلفة عليهم في تدبره ولكنهم قصدوا الإِعراض عنه.
وهذا مثَلٌ ساقه الله تعالى كما دلّ عليه قوله: ﴿ وتلك الأمثال ﴾ الخ.
وقد ضرب هذا مثلاً لقسوة الذين نَسُوا الله وانتفاء تأثرهم بقوارع القرآن.
والمراد بالجبل: حقيقته، لأن الكلام فرض وتقدير كما هو مقتضى ﴿ لَو ﴾ أن تجيء في الشروط المفروضة.
فالجبل: مثال لأشد الأشياء صلابة وقلة تأثر بما يقرعه.
وإنزال القرآن مستعار للخطاب به.
عبر عنه بالإِنزال على طريقة التبعية تشبيهاً لشرف الشيء بعلوّ المكان، ولإِبلاغه للغير بإنزال الشيء من علوّ.
والمعنى: لو كان المخاطب بالقرآن جَبلاً، وكان الجبل يفهم الخطاب لتأثر بخطاب القرآن تأثراً ناشئاً من خشية لله خشية تؤثرها فيه معاني القرآن.
والمعنى: لو كان الجبل في موضع هؤلاء الذين نسُوا الله وأعرضوا عن فهم القرآن ولم يتّعظوا بمواعظه لاتَّعظ الجبل وتصدّع صخرهُ وتربه من شدة تأثره بخشية الله.
وضرَب التصدع مثلاً لشدة الانفعال والتأثر لأن منتهى تأثر الأجسام الصلبة أن تنْشَقَّ وتتصدع إذ لا يحصل ذلك لها بسهولة.
والخشوع: التطأطؤ والركوع، أي لرأيته ينزل أعلاه إلى الأرض.
والتصدع: التشقق، أي لتزلزل وتشقق من خوفه الله تعالى.
والخطاب في ﴿ لرأيته ﴾ لغير معيّن فيعمّ كل من يسمع هذا الكلام والرؤية بصرية، وهي منفية لوقوعها جواباً لحرف ﴿ لو ﴾ الامتناعية.
والمعنى: لو كان كذلك لرأيت الجبل في حالة الخشوع والتصدع.
وجملة ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس ﴾ تذييل لأن ما قبلها سيق مساق المثل فذُيّل بأن الأمثال التي يضربها الله في كلامه مثلَ المثل أراد منها أن يتفكروا فإن لم يتفكروا بها فقد سُجّل عليهم عنادُهم ومكابرتهم، فالإِشارة بتلك إلى مجموع ما مرّ على أسماعهم من الأمثال الكثيرة، وتقديرُ الكلام: ضربنا هذا مثلاً، ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس ﴾ .
وضرب المثل سَوقه، أطلق عليه الضرب بمعنى الوضع كما يقال: ضرب بيتاً، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ﴾ ما في سورة [البقرة: 26].
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ إنَّنا لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَما ثَبَتَ لَهُ بَلِ انْصَدَعَ مِن نُزُولِهِ عَلَيْهِ، وقَدْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ وثَبَّتْناكَ لَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ امْتِنانًا عَلَيْهِ أنْ ثَبَّتَهُ لِما لا تَثْبُتُ لَهُ الجِبالُ.
الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأُمَّةِ، وأنَّ اللَّهَ لَوْ أنْذَرَ بِهَذا القُرْآنِ الجِبالَ لَتَصَدَّعَتْ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، والإنْسانُ أقَلُّ قُوَّةً وأكْثَرُ ثَباتًا، فَهو يَقُومُ بِحَقِّهِ إنْ أطاعَ، ويَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ إنْ عَصى، لِأنَّهُ مَوْعُودٌ بِالثَّوابِ ومَزْجُورٌ بِالعِقابِ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ضَرَبَهُ مَثَلًا لِلْكُفّارِ أنَّهُ إذا نَزَلَ هَذا القُرْآنُ عَلى جَبَلٍ خَشَعَ لِوَعْدِهِ وتَصَدَّعَ لِوَعِيدِهِ، وأنْتُمْ أيُّها المَقْهُورُونَ بِإعْجازِهِ لا تَرْغَبُونَ في وعْدِهِ ولا تَرْهَبُونَ مِن وعِيدِهِ.
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ كانَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ يَرى أنَّ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ هو اللَّهُ، لِمَكانِ هَذِهِ الآيَةِ.
﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عالِمُ السِّرِّ والعَلانِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: عالِمُ ما كانَ وما يَكُونُ.
الثّالِثُ: عالِمُ ما يُدْرَكُ وما لا يُدْرَكُ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ والأجَلِ والرِّزْقِ.
الرّابِعُ: عالِمٌ بِالآخِرَةِ والدُّنْيا، قالَهُ سَهْلٌ.
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ القُدُّوسُ ﴾ في ﴿ القُدُّوسُ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُبارَكُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ دَعَوْتُ رَبَّ العِزَّةِ القُدُّوسا دُعاءَ مَن لا يَقْرَعُ النّاقُوسا الثّانِي: أنَّهُ الطّاهِرُ، قالَهُ وهْبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: قَدْ عَلِمَ القُدُّوسُ مَوْلى القُدُّوسِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِن تَقْدِيسِ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ مِن تَسْبِيحِ المَلائِكَةِ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ المُنَزَّهُ عَنِ القَبائِحِ لِاشْتِقاقِهِ مِن تَقْدِيسِ المَلائِكَةِ بِالتَّسْبِيحِ فَصارَ مَعْناهُما واحِدٌ.
وَأمّا ﴿ السَّلامُ ﴾ فَهو مِن أسْمائِهِ تَعالى كالقُدُّوسِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن سَلامَتِهِ وبَقائِهِ، فَإذا وُصِفَ المَخْلُوقُ بِمِثْلِهِ قِيلَ سالِمٌ وهو في صِفَةِ اللَّهِ سَلامٌ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ سَلامَكَ رَبَّنا في كُلِّ فَجْرٍ ∗∗∗ بَرِيئًا ما تَعَنَّتْكَ الذُّمُومُ الثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن سَلامَةِ عِبادِهِ مِن ظُلْمِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
[وَفِي ﴿ المُؤْمِنُ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الَّذِي يُؤَمِّنُ أوْلِياءَهُ مِن عَذابِهِ] الثّانِي: أنَّهُ مُصَدِّقُ خَلْقِهِ في وعْدِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الدّاعِي إلى الإيمانِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَأمّا ﴿ المُهَيْمِنُ ﴾ فَهو مِن أسْمائِهِ أيْضًا، وفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ الشّاهِدُ عَلى خَلْقِهِ بِأعْمالِهِمْ، وعَلى نَفْسِهِ بِثَوابِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُفَضَّلُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ شَهِيدٌ عَلَيَّ اللَّهُ أنِّي أُحِبُّها ∗∗∗ كَفى شاهِدًا رَبَّ العِبادِ المُهَيْمِنَ والثّانِي: مَعْناهُ الأمِينُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: المُصَدِّقُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الحافِظُ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: إنِّي داعٍ فَهَيْمِنُوا، أيْ قُولُوا آمِينَ حَفِظْنا الدُّعاءَ، لِما يُرْجى مِنَ الإجابَةِ.
الخامِسُ: الرَّحِيمُ، حَكاهُ ابْنُ تَغْلَبَ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ مَلِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ ∗∗∗ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ ﴿ العَزِيزُ ﴾ هو القاهِرُ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: العَزِيزُ في امْتِناعِهِ.
الثّانِي: في انْتِقامِهِ.
﴿ الجَبّارُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ العالِي العَظِيمُ الشَّأْنِ في القُدْرَةِ والسُّلْطانِ.
الثّانِي: الَّذِي جَبَرَ خَلْقَهُ عَلى ما شاءَ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يَجْبُرُ فاقَةَ عِبادِهِ، قالَهُ واصِلُ بْنُ عَطاءٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يَذَلُّ لَهُ مَن دُونِهِ.
﴿ المُتَكَبِّرُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُتَكَبِّرُ عَنِ السَّيِّئاتِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: المُسْتَحِقُّ لِصِفاتِ الكِبْرِ، والتَّعْظِيمِ، والتَّكَبُّرُ في صِفاتِ اللَّهِ مَدْحٌ، وفي صِفاتِ المَخْلُوقِينَ ذَمٌّ.
الثّالِثُ: المُتَكَبِّرُ عَنْ ظُلْمِ عِبادِهِ.
﴿ هُوَ اللَّهُ الخالِقُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُحْدِثُ لِلْأشْياءِ عَلى إرادَتِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ المُقَدِّرُ لَها بِحِكْمَتِهِ.
﴿ البارِئُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُمَيِّزُ لِلْخَلْقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: بَرِئْتُ مِنهُ، إذا تَمَيَّزْتَ مِنهُ.
الثّانِي: المُنْشِئُ لِلْخَلْقِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ بَراكَ اللَّهُ حِينَ بَراهُ غَيْثًا ∗∗∗ ويَجْرِي مِنكَ أنْهارًا عِذابًا ﴿ المُصَوِّرُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِتَصْوِيرِ الخَلْقِ عَلى مَشِيئَتِهِ.
الثّانِي: لِتَصْوِيرِ كُلِّ جِنْسٍ عَلى صُورَتِهِ.
فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَحْمُولًا عَلى ابْتِداءِ الخَلْقِ بِتَصْوِيرِ كُلِّ خَلْقٍ عَلى ما شاءَ مِنَ الصُّوَرِ.
وَعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ مَحْمُولًا عَلى ما اسْتَقَرَّ مِن صُورِ الخَلْقِ، فَيُحْدِثُ خَلْقَ كُلِّ جِنْسٍ عَلى صُورَتِهِ وفِيهِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ دَلِيلٌ عَلى قُدْرَتِهِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنْ يَكُونَ لِنَقْلِهِ خَلْقَ الإنْسانِ وكُلَّ حَيَوانٍ مِن صُورَةٍ إلى صُورَةٍ، فَيَكُونُ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى أنْ يَصِيرَ شَيْخًا هَرِمًا، كَما قالَ النّابِغَةُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ في ال ∗∗∗ أرْحامِ ماءً حَتّى يَصِيرُ دَمًا ﴿ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ جَمِيعَ أسْمائِهِ حُسْنى لِاشْتِقاقِهِ مِن صِفاتِهِ الحُسْنى.
الثّانِي: أنَّ لَهُ الأمْثالَ العُلْيا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
أخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ﴾ الآية، قال: لو أنزلت هذا القرآن على جبل فأمرته بالذي أمرتكم وخوّفته بالذي خوفتكم به إذاً يصدع ويخشع من خشية الله، فأنتم أحق أن تخشوا وتذلوا وتلين قلوبكم لذكر الله.
وأخرج ابن المنذر عن مالك بن دينار قال: أقسم لكم لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا صدع قلبه.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن ﴾ الآية قال: يقول: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله ومن خشية الله فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع قال: ﴿ كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون ﴾ .
وأخرج الديلمي عن ابن مسعود وعليّ مرفوعاً في قوله: ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ﴾ إلى آخر السورة، قال: هي رقية الصداع.
وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه قال: «أنبأنا أبو نعيم الحافظ أبنأنا أبو الطيب محمد بن أحمد بن يوسف بن جعفر المقري البغدادي، يعرف بغلام ابن شنبوذ، أبنأنا إدريس بن عبد الكريم الحداد قال: قرأت على خلف فلما بلغت هذه الآية ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ﴾ قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على سليم فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على الأعمش، فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك، فإني قرأت على يحيى بن وثاب، فلما بلغت هذه الآية قال: ضد يدك على رأسك، فإني قرأت على علقمة والأسود، فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك، فإنا قرأنا على عبدالله، فلما بلغنا هذه الآية قال: ضعا أيديكما على رؤوسكما فإني قرأت على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت هذه الآية قال لي: ضع يدك على رأسك فإن جبريل لما نزل بها إليّ قال لي: ضع يدك على رأسك فإنها شفاء من كل داء إلا السأم والسأم الموت» .
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: اسم الله الأعظم هو الله.
وأخرج ابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري أنه كان له مربد للتمر في بيته، فوجد المربد قد نقص، فلما كان الليل أبصره، فإذا بحس رجل فقال له: من أنت؟
قال: رجل من الجن، أردنا هذا البيت فأرملنا من الزاد فأصبنا من تمركم، ولا ينقصكم الله منه شيئاً، فقال له أبو أيوب الأنصاري: إن كنت صادقاً فناولني يدك فناوله يده، فإذا بشعر كذراع الكلب، فقال له أبو أيوب: ما أصبت من تمرنا فأنت في حل، ألا تُخبرني بأفضل ما تتعوّذ به الإِنس من الجن؟
قال: هذه الآية آخر سورة الحشر.
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آخر سورة الحشر ثم مات من يومه وليلته كفر عنه كل خطيئة عملها» .
وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً إذا أوى إلى فراشه أن يقرأ آخر سورة الحشر، وقال: «إن متَّ متَّ شهيداً» .
وأخرج أبو علي عبد الرحمن بن محمد النيسابوري في فوائده عن محمد بن الحنفية أن البراء بن عازب قال لعلي بن أبي طالب: سألتك بالله إلا ما خصصتني بأفضل ما خصك به رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما خصه به جبريل، مما بعث به إليه الرحمن، قال: يا براء إذا أردت أن تدعو الله باسمه الأعظم فاقرأ من أول الحديد عشر آيات وآخر سورة الحشر، ثم قل: يا من هو هكذا وليس شيء هكذا غيره أسألك أن تفعل بي كذا وكذا، فوالله يا براء لو دعوت عليّ لخسف بي.
وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات ثم قرأ آخر سورة لحشر بعث الله إليه سبعين ألف ملك يطردون عنه شياطين الإِنس والجن إن كان ليلاً حتى يصبح، وإن كان نهاراً حتى يمسي» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله إلا أنه قال: «يتعوذ الشيطان عشر مرات» .
وأخرج أحمد والدارمي والترمذي وحسنه وابن الضريس والبيهقي في شعب الإِيمان عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يصبح عشر مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قرأ الثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات ذلك اليوم مات شهيداً، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة» .
وأخرج ابن عدي وابن مردويه والخطيب والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ خواتيم الحشر في ليل أو نهار فمات في يومه أو ليلته فقد أوجب له الجنة» .
وأخرج ابن الضريس عن عتيبة قال: حدثنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من قرأ خواتيم الحشر حين يصبح أدرك ما فاته من ليلته وكان محفوظاً إلى أن يمسي، ومن قرأها حين يمسي أدرك ما فاته من يومه وكان محفوظاً إلى أن يصبح، وإن مات أوجب.
وأخرج الدارمي وابن الضريس عن الحسن قال: من قرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر إذا أصبح فمات من يومه ذلك طبع بطابع الشهداء، وإن قرأ إذا أمسى فمات من ليلته طبع بطابع الشهداء.
وأخرج الديلمي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسم الله الأعظم في ستة آيات من آخر سورة الحشر» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ قال: السر والعلانية، وفي قوله: ﴿ المؤمن ﴾ قال: المؤمن خلقه من أن يظلمهم وفي قوله: ﴿ المهيمن ﴾ قال: الشاهد.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ عالم الغيب ﴾ قال: ما يكون وما هو كائن وفي قوله: ﴿ القدوس ﴾ قال: تقدسه الملائكة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة في قوله: ﴿ القدوس ﴾ قال: المبارك ﴿ السلام المؤمن ﴾ قال: المؤمن من آمن به ﴿ المهيمن ﴾ الشهيد عليه ﴿ العزيز ﴾ في نقمته إذا انتقم ﴿ الجبار ﴾ جبر خلقه على ما يشاء المتكبر عن كل سوء.
وأخرج ابن المنذر عن زيد بن علي قال: إنما سمي نفسه ﴿ المؤمن ﴾ لأنه آمنهم من العذاب.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن محمد بن كعب قال: إنما تسمى ﴿ الجبار ﴾ أنه يجبر الخلق على ما أراده.
قوله تعالى: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ ﴾ الآية.
قال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل أن من شأن القرآن وعظمته وبيانه أنه لو جعل في الجبل تمييز كما جعل فيكم وأنزل عليه القرآن لخشع، أي: تطأطأ وخضع وتشقق من خشية الله، هذا كلامه (١) والمعنى أن الجبل على قساوته وصلابته يتشقق من خشية الله وحذرًا من أن لا يؤدي حق الله في تعظيم القرآن، والكافر مستخف بحقه معرض عما فيه من العبر والذكر كأن لم يسمعها، فهو غافل عما تضمنه القرآن من تمييز الحق من الباطل، والواجب مما لا يجب، والجائز مما لا يجوز، والأولى مما ليس بأولى بأحسن البيان وأوضح البرهان، ومن وقف على هذا أوجب ذلك له الخشوع والخشية.
قال مقاتل: يقول: فالذين هم أضعف من الجبل أولى أن يأخذوا القرآن بالخشية والمخافة (٢) ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ ﴾ الآية.
وهذه الآية تمثيل، لأن الجبل لا يتصور منه الخشوع إلا أن يخلق الله له تمييزًا يدل على أنه تمثيل ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ قال مقاتل: ضرب الله ذلك مثلاً (٣) (٤) ثم أخبر بربوبيته وعظمته فقال: (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 150.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 149 ب.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 149 ب.
(٤) وروى نحوه عن ابن عباس، وقتادة.
انظر: "جامع البيان" 28/ 35، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 343.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرآن على جَبَلٍ ﴾ الآية: توبيخ لابن آدم على قسوة قلبه، وقلة خشوعه عند تلاوة القرآن فإنه أذا كان الجبل يخشغ ويتصدع لو سمع القرآن فما ظنك بابن آدم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد: أبوعمرو.
والباقون: بالتخفيف من الإخراب ﴿ تكون ﴾ بالتاء الفوقانية ﴿ دولة ﴾ بالرفع على " كان " التامة: يزيد.
والآخرون: على التذكير والنصب ﴿ جدار ﴾ بالألف على التوحيد: ابن كثير وأبو عمرو.
والآخرون: بضمتين من غير ألف.
﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
و ﴿ الباري ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو طريق ابن عبدوس.
الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الحشر ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ط ﴿ في الدنيا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ه ﴿ ورسوله ﴾ ج بناء على أن الشرط من جملة المذكور ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ فانتهوا ﴾ ج لابتداء من بعد جزاء الشرط مع اتفاق النظم ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه لئلا يوهم أن قوله ﴿ للفقراء ﴾ يتعلق بـ ﴿ شديد ﴾ ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ج بناء على أن ما بعده مستأنف أو معطوف ويجيء وجه كل منهما في التفسير.
﴿ خصاصة ﴾ قف قيل: وقفة والأحسن الوصل لأن الاعتراض مؤكد لما قبله ﴿ المفلحون ﴾ ه لمثل المذكور ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ لا لأن ما بعده من تمام القول ﴿ لننصركم ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ معهم ﴾ ج ﴿ لا ينصرونهم ﴾ ط للعطف فيهما مع الابتداء بالقسم ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ جدر ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ج لتعلق الكاف بـ ﴿ لا يعقلون ﴾ أو بمحذوف أو مثلهم كمثل ﴿ أمرهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ أليم ﴾ ه ج لما قلنا ﴿ اكفر ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لغد ﴾ ج لاعتراض خصوص بين العمومين أي لم يتق الله كل واحد منكم فلتنظر لغدها نفس واحد منكم ﴿ واتقوا الله ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أنفسهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ الأولى ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ من خشية الله ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده خبر مبتدأ محذوف ﴿ والشهادة ﴾ ج لاحتمال كون الضمير بدلاً من عالم أو مبتدأ ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط لما قلنا ﴿ المتكبر ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.
التفسير: قال المفسرون: صالح بنو النضر رسول الله على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما غلب الكفار يوم بدر قالوا: هوالنبي الذي نعته في التوراة لا ترد له رأيه، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبين إلى مكة فعاهدوا قريشاً عند الكعبة، فأمر النبي محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة وكان اخا كعب من الرضاعة ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم: اخرجوا من المدينة فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك.
فتنادوا بالحرب.
وقيل: استمهلوا رسول الله عشرة أيام ليتجهزوا للخروج فأرسل إليهم عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فدرّبوا على الأزقة وحصنوها، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة.
فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصرة المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم، فذهبوا إلى اريحاء وأذرعات من الشأم إلا أهل بيتين منهم ابن أبي الحقيق وحُيَيّ بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة.
واللام في قوله ﴿ لأول الحشر ﴾ بمعنى الوقت كقولك " جئت ليوم كذا ".
وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام.
فمعنى الحشر إخراج الجميع من مكان، ومعنى الأولية أنه لم يصبهم قبل ذلك مثل هذا الذل لأنهم كانوا أهل منعة هذا قول ابن عباس والأكثرين.
وقيل: هذا أول حشرهم، وآخره حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام كما جاء في الحديث " نار تخرج من المشرق وتسوق الناس إلى المغرب" قاله قتادة.
وقيل: آخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام.
وقيل: معناه لأول ما حشر بقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله .
قال في الكشاف: الفرق بين النظم الذي جاء عليه وبين قول القائل " وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم " هو أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وثوقهم بحصانتها، وفي نصب ضميرهم اسماً لأن إسناد الجملة إليه دليل على أنهم اعتقدوا عزة أنفسهم ومنعتها بحيث لا يمكن لأحد أن يتعرض لهم.
قلت: حاصل كلامه الحصر.
ومعنى إتيان الله إتيان أمره وهو النصر إن عاد إلى اليهود وهذا أظهر ليناسب قوله ﴿ في قلوبهم ﴾ ولاستعمال القرآن نظيره في مواضع أخر في معرض التهديد ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك ﴾ ومعنى ﴿ لم يحتسبوا ﴾ أنه لم يخطر ببالهم قتل كعب غيلة على يد أخيه.
وقذف الرعب في قلوبهم وهذا من خواص نبينا كما مر في آل عمران ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ﴾ وفي لفظ القذف زيادة تأكيد ولهذا قالوا في صفة الأسد " مقذف " فكأنما قذف باللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه.
قال الفراء ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها.
وكان أبو عمرو ويقول: الإخراب أن يترك الشيء خراباً، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا.
وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض الأحكام نحو " فرحته " و " أفرحته " و " حسنة الله " و " أحسنه ".
قال المفسرون: إنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج.
قلت: ويحتمل أن يكون بعض التخريب لسدّ أفواه الأزقة بالخشب والحجارة أو لنقل ما أرادوا حمله من جيد الخشب والساج.
وأما المؤمنون فداعيهم إلى ذلك إزالة تحصنهم أو أن يتسع لهم في الحرب مجال، ومعنى تخريبهم بأيدي المؤمنين أنهم كانوا السبب فيه وأنهم عرضوا المؤمنين لذلك.
ثم أمر أهل الابصار الباطنة بالاعتبار وهو العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ومنه العبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، والتعبير لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، والعبارة لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى فهم المستمع، والسعيد من اعتبر بغيره لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، أو القائس يعبر عن المقيس عليه إلى المقيس.
ومعنى الاعتبار في الآية أنهم اعتمدوا على حصونهم وعدّتهم فأمر الله تعالى أرباب العقول بأن ينظروا في حالهم ولا يعتمدوا على شيء غير الله، أو المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الكفر والغدر والطعن في النبوّة فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر والكفر في البلاء والجلاء.
واعترض بأن رب شخص وكفر وما عذب في الدنيا، ورب ممتحن مبتلى هو نبي أو ولي.
وأجيب بأن حاصل القياس والاعتبار يرجع إلى أن الغادر الكافر معذب أعم من أن يكون بالتخريب أو بالقتل أو في الدنيا أو في الآخرة والعكس لا يلزم.
وقيل: معنى الاعتبار أن رسول الله وعدهم أن يورثهم أرضهم وأموالهم بغير قتال فكان كما وقع فدل على صحة نبوّته.
والجلاء أن لم يبق لهم بالمدينة دار ولا فيها منهم ديار وهذا عندهم أشدّ من الموت فلهذا قال ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ﴾ بالقتل ﴿ ولهم في الآخرة ﴾ بعدما عاينوا في الدنيا ﴿ عذاب النار ذلك ﴾ التخريب أو الجلاء أو العذاب بسبب مخالفتهم وعصيانهم الله ورسوله.
قالت الفقهاء: فيه دليل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها فليس أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب.
يروى أنه حين أمر أن يقطع نخلهم ويحرق قالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟
فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء فأنزل الله تعالى ﴿ ما قطعتم ﴾ محله نصب و ﴿ من لينة ﴾ بيان له كأنه قيل: أي شيء قطعتم من لينة وهي النخلة من الألوان ما خلا العجوة والبرنية وهما أجود النخل.
وياؤها واو في الأصل كالديمة.
وقيل: هي النخلة الكريمة من اللين فتكون الياء أصلية، فبين الله أن ذلك جائز غيظاً لقلوب الكفرة.
واحتج الفقهاء بها على جواز هدم حصون الكفار وقلع أشجارهم.
وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال.
وروي أن رجلين كان يقطع أحدهما العجوة والآخر يترك فسألهما رسول الله فقال هذا: تركتها لرسول الله وقال هذا: قطعتها غيظاً للكفار.
وقد يستدل بهذا على جواز الاجتهاد ولو بحضرة النبي وعلى أن كل مجتهد مصيب.
قوله ﴿ وما أفاء الله ﴾ أدخل العاطف ههنا دون الأخرى لأن تلك بيان لهذه فهي غير أجنبية عنها والأولى معطوفة على ما قبلها.
ومعنى أفاء جعله فيئاً من فاء إذا رجع وذلك لرجوعه من ملك الكفار إلى ملك المسلمين.
والإيجاف من الوجيف وهو السير السريع.
وقوله ﴿ عليه ﴾ أي على ما أفاء.
والركاب ما يركب من الإبل واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها، وقلما تطلق العرب الراكب إلا على راكب البعير، بين الله الفرق بين الغنيمة والفيء حين طلب الصحابة أن يقسم أموال أولئك اليهود بينهم اعترض بعضهم بأن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا أياماً وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من الغنيمة لا من الفيء.
وأجاب المفسرون من وجهين: الأول أنها لم تنزل في بني النضير وإنما نزلت في فدك ولهذا كان رسول الله ينفق على نفسه وعلى عياله من غلة فدك ويجعل الباقي في السلاح والكراع.
الثاني تسليم أنها نزلت فيهم ولكن لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا على أرجلهم ولم يركب إلا رسول الله وكان راكب جمل، فلما كان المعاملة قليلة ولم يكن خيل ولا ركاب أجراه الله مجرى ما لم يكن قتال ثمة.
ثم روي أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهو أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن أبرهة قال الواحدي: كان الفيء مقسوماً في زمان رسول الله خمسة أسهم: أربعة منها لرسول الله خاصة وكذا خمس الباقي، والسهم الأربعة من هذا الباقي لذي القربى ولد بني هاشم والمطلب، واليتامى والمساكين وابن السبيل.
وأما بعد الرسول فللشافعي فيه قولان: أحدهما أنه للمجاهدين المترصدين للقتال في الثغور لأنهم قاموا مقام رسول الله في رباط الثغور.
والثاني أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر الأهم فالأهم.
هذا في الأربعة الأخماس التي كانت له، وأما السهم الذي كان له من خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف وقد مر سائر ما يتعلق بقسمة الغنائم في سورة الأنفال.
ثم بين الغرض من قسمة الفيء على الوجه المذكور فقال ﴿ كيلا يكون دولة ﴾ قال المبرد: هي اسم للشيء الذي يتداوله الناس بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة كالغرفة اسم لما يغرف.
والدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم.
قال جار الله: هي بالضم ما يدول للانسان أي يدور من الجد يقال دالت الدولة.
فعلى قول المبرد معناه كيلا يكون الفيء شيئاً يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء، وعلى قول جار الله: كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء جداً بين الأغنياء يتكاثرون به، أو لكيلا يكون الفيء دولة جاهلية كان الرؤساء منهم يستأثرون بالغنائم لأنهم أهل الرياسة والجد والغلبة وكانوا يقولون من عز بر ومنه قول الحسن " اتخذوا عباد الله خولاً ومال الله دولاً " يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به.
ومن قرأ على " كان " التامة فالمعنى كيلا يقع شيء متعاوراً بينهم غير مخرج إلى الفقراء، أو كيلا تقع دولة جاهلية أي ينقطع أثرها.
قوله ﴿ وما آتاكم ﴾ الآية.
قيل: يختص بأنه يقسم الغنائم وأن على المؤمنين أن يرضوا بما يعطيهم الرسول منها، والأولى عند المحققين العموم.
قوله ﴿ للفقراء ﴾ بدل من قوله ﴿ ولذي القربى ﴾ إلى آخر الأصناف الأربعة.
ولا يجوز أيضاً أن يكون ابتدال البدل من قوله ﴿ فلله ﴾ لأنه يخل بتعظيم قولهم ﴿ وللرسول ﴾ لأنه أخرجه عن الفقراء بقوله ﴿ وينصرون الله ورسوله ﴾ ولترفع منصبه عن التسمية بالفقير.
ولئن صح أنه قال " "الفقر فخري" فذاك معنى آخر وهو غنى القلب وانقطاع التعلق عما سوى الله وجعل الهموم هماً واحداً وهو الافتقار بالكلية إلى الله.
إستدل بعض العلماء بقوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ على إمامة أبي بكر لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يقولون له يا خليفة رسول الله .
فلو لم تكن خلافته حقه لزم كذبهم وهو خلاف الآية.
وقال في الكشاف: أراد صدقهم في إيمانهم وجهادهم.
قوله ﴿ والذين تبوّؤا الدار ﴾ معطوف على المهاجرين وكذا قوله ﴿ والذين جاءوا ﴾ وذلك عند من يجعل الغنائم حلاً للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان أو التابعين لهم إلى يوم القيامة وعلى هذا يكون قوله ﴿ يحبون ﴾ و ﴿ يقولون ﴾ حالين أي الغنائم لهم محببن قائلين.
ومن جعل المراد بيان غنائم بني النضير وقف على ﴿ هم الصادقون ﴾ و ﴿ المفلحون ﴾ وجعل الفعلين خبرين.
وعلى هذا يكون الآيتان ثناء على الأنصار على الإيثار، وللتابعين على الدعاء.
قال مقاتل: أثنى على الأنصار حين طالبت أنفسهم عن الفيء إذ جعل للمهاجرين دونهم.
وههنا سؤالان أحدهما: أنه لا يقال تبوؤا الإيمان.
الثاني بتقدير التسليم أن الأنصار ما تبوؤا الإيمان قبل المهاجرين.
والجواب من الأول أن المراد تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله: "علفتها تبناً وماء بارداً" *** أو هو مجاز من تمكنهم واستقامتهم على الإيمان كأنهم جعلوه مستقراً لهم كالمدينة أو هو مجاز بالنقصان.
والمعنى تبوّؤا دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من الثاني، أو سمى المدينة بالإيمان لأنها مكان ظهور الإيمان وهذا يؤل بالحقيقة إلى الوجه الذي تقدمه.
وعن الثاني أن المراد من قبل هجرتهم أو هو من تمام تبوء الدار، ولا شك أن الأنصار سبقوهم في ذلك وإن لم يسبقوهم في الإيمان ﴿ ولا يجدون في صدورهم حاجة ﴾ أي حسداً وغيظاً مما أوتى المهاجرون من الفيء وغيره.
وإطلاق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة من إطلاق اسم اللازم على الملزوم لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة.
وقال جار الله: المحتاج إليه يسمى حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطح إلى شيء منه يحتاج إليه ﴿ ولو كان بهم خصاصة ﴾ أي خلة فهي من خصاص البيت أي فرجه، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص الواحد خصاصة.
وفعول ﴿ يؤثرون ﴾ محذوف أي يؤثرونهم ويخصونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم.
عن ابن عباس أن النبي قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم.
فقالوا: لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا نؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها فنزلت.
والشح المنع الذاتي الذي تقتضيه الحالة النفسانية ولهذا أضيف إلى النفس، والبخل المنع المطلق من غير اعتبار صيرورته غريزة وملكة.
قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه فقد وقي شح نفسه.
وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار الضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى شبع الضيف.
والظاهر أنها نزلت في الفيء كما مر ويدخل فيه غيره.
قوله ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ أي هاجروا بعد المهاجرين الأوّلين.
وقيل: هم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فتشمل الآيات الثلاث جميع المؤمنين.
ثم عجب من أحوال أهل النفاق من أهل المدينة كعبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن زيد، كانوا في الظاهر من الأنصار ولكنهم يوالون اليهود في السر فصاروا إخوانهم في الكفر وقالوا له ملا نطيع في قتالكم أو خذلانكم أحداً.
ثم شهد إجمالاً عليهم بأنهم كاذبون، ثم فصل ذلك قائلاً ﴿ لئن أخرجوا ﴾ إلى قوله ﴿ ولئن نصروهم ﴾ وهذا على سبيل الفرض لأنه كما يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون.
والمعنى لو فرض نصر المنافقين اليهود ليهزمن المنافقون ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ بعد ذلك أي لا يمنعهم من عذاب الله مانع لظهور كفرهم.
وقيل: ليهزمن اليهود ثم لا تنفعهم نصرة المنافقين.
وعلى هذا يكون " ثم " لترتيب الأخبار كقوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ ثم بيّن الحكمة في الغزو فقال ﴿ لأنتم أشد رهبة ﴾ قال في الكشاف: أي مرهوبية هي مصدر رهب المبني للمفعول.
وقوله ﴿ في صدورهم ﴾ دلالة على نفاقهم يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله خوفاً شديداً ورهبتهم في السر منكم أشد من ذلك لأنهم لا يفقهون عظمة الله فلا يخشونه حق خشيته.
وجوز أن يكون المراد أن اليهود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله وكانوا يتشجعون للمسلمين مع إضمار الخيفة في صدورهم.
قلت: الأظهر أن المراد أنتم فيه أكثر مكانة من مواعظ الله أو لثمرة جهادكم معهم أوفر من ثمرة ترهبهم بعقاب الله ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ من سر التكاليف وتبعة الكفر والنفاق في الآخرة فلا يرتدعون إلا خوفاً من العقوبة العاجلة.
ومن هذا أخذ عمر فقال: ما ينزع السلطان أي يمنع أكثر مما ينزع القرآن.
وقال الشاعر: السيف أصدق إنباء من الكتب *** وقيل: العبد لا يردعه إلا العصا.
ثم شجع المسلمين بقوله ﴿ لا يقاتلونكم ﴾ أي لا يقدرون على قتالكم مجتمعين ﴿ إلا في قرى محصنة ﴾ غاية التحصين ﴿ أو من وراء جدر ﴾ لا مبارزين مكشوفين في الأراضي المستوية ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ لا بينكم لأنكم منصورون بنصرة الله مؤيدون بتأييده، أو لأنهم يحسبون في أنفسهم وفيما بينهم أموراً يعلم الله أنها لا تقع في الخارج على وفق حسبانهم وعن ابن عباس: معناه بعضهم لبعض عدوّ يؤيده قوله ﴿ تحسبهم جميعاً ﴾ مجتمعين ذوي تآلف ومحبة ﴿ وقلوبهم شتى ﴾ متفرقة وهو فعلى من الشت.
وإنما قال ههنا ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ وفي الأوّل ﴿ لا يفقهون ﴾ لأن الفقه معرفة ظاهر الشيء وغامضه فنفي عنهم ذلك كما قلنا، وأراد ههنا أنهم لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا فتشتتهم دليل عدم عقلهم لأن العقل يحكم بأن الاجتماع معين على المطلوب والتفرق يوهن القوى ولا سيما إذا كانوا مبطلين.
ثم شبه حالهم بحال من قتلوا قبلهم ببدر في زمان قريب.
قال جار الله: انتصب ﴿ قريباً ﴾ بمحذوف أي كوجود مثل أهل بدر قريباً.
قلت: لا يبعد أن يتعلق بصلة الذين.
ثم ضرب مثلاً آخر لإغراء المنافقين اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، والمراد إما عموم دعوة الشيطان للإنسان إلى الكفر وإما خصوص إغراء إبليس قريشاً يوم بدر كما مر في الأنفال في قوله ﴿ وإذ زين لهم الشيطان ﴾ إلى قوله ﴿ إني برىء منكم ﴾ قال مقاتل: وكان عاقبة اليهود والمنافقين مثل عاقبة الشيطان والإنسان حتى صار إلى النار.
قال جار الله: كرر الأمر بالتقوى تأكيداً أو لأن الأول في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل والثاني في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد.
وسمى القيامة بالغد تقريباً لمجيئها.
عن الحسن: لم يزل بقربه حتى جعله كالغد.
وقيل: جعل مجموع زمان الدنيا كنهار عند الآخرة.
قال أهل المعاني: تنكير ﴿ نفس ﴾ للتقليل كما مر في الوقوف وتنكير ﴿ غد ﴾ للتعظيم والتهويل.
قال مقاتل: ونسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم حتى لم يشعروا لها بما ينفعها، أو فأراهم يوم القيامة من الأحوال ما نسوا فيه أنفسهم.
قلت: يجوز أن يراد نسوا ذكر الله فأورثهم القسوة وفساد الاستعداد بالكلية.
وحين نهى المؤمنين عن كونهم مثل الناسين الغافلين ذكرهم بأنه لا استواء بين الفريقين ففيه شبه قرع العصا كأنهم غفلوا عن هذا الواضح البين كما تقول لمن يعصي أباه " هو أبوك ".
استدل أصحاب الشافعي بالآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي وإلا استويا، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالقهر وإلا استويا.
واحتج بعض المعتزلة بها على أن صاحب الكبيرة لو دخل الجنة وهو من أهل النار لزم خلاف الآية.
والجواب ظاهر لأنه على تقدير إمكان العفو لا يحكم أنه من أهل النار.
ثم عظم أمر القرآن الذي يعلم منه هذا البيان.
قال الكشاف: هو مثل وتخييل بدليل قوله ﴿ وتلك الأمثال ﴾ يعني هذا وغيره من أمثال التنزيل.
وقال غيره: المعنى إشارة إلى قوله ﴿ كمثل الذين ﴾ ﴿ كمثل الشيطان ﴾ ولما وصف القرآن بما وصف عظم شأنه بوجه آخر وهو التنبيه على أوصاف منزله، وقد سبق شرح أكثر هذه الأسماء في هذا الكتاب ولا سيما في البسملة.
والقدّوس مبالغة القدس وهو التبليغ في الطهارة والبراءة عما يشين هذا بالنسبة إلى زمان الماضي والحال.
والسلام إشارة إلى كونه سالماً عن الآفات والعاهات والنقائص في زمان الاستقبال، ويجوز أن يراد أنه المعطي للسلامة.
المؤمن الواهب الأمن والمصدق لأنبيائه بالمعجزات.
وقد مر معنى المهيمن وأصل اشتقاقه في المائدة في قوله ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ وأن معناه الرقيب الحافظ لكل شيء.
ولمكان تعداد هذه الأوصاف كرر قوله ﴿ يسبح له ﴾ إلى آخر السورة.
فمن عزته كان منزهاً عن النقائص أهلاً للتسبيح، ومن حكمته أمر المكلفين في السموات والأرضين بأن يسبحوا له ليربحوا لا ليربح هو عليهم وهو تعالى أعلم بمراده وبالله التوفيق للخير وإليه المآب.
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
الأصل إذا ذكرت الحال بين البعد وبين سيده، لم يكن بد من إضمار يدخل في ذلك، مثاله قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ ، يعني: أنه معهم في النصر والمعونة، وقوله: ﴿ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ : في التوفيق والولاية.
وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ؛ لأنه لا يحتمل أن يتقوا الله حتى يكون معهم في التقوى؛ إذ ظاهر اللفظ يقتضي هذا؛ كقوله: ﴿ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ ، أي: في الصدق، وإذا ثبت فيه الإضمار كان الوجه في ذلك أحد معانٍ: إما أن يقول: اتقوا حق الله - - أن تضيعوه، أو اتقوا حده أن تعدوه وتبطلوه، أو اتقوا سخطه واتقوا مخالفته، أو اتقوا الأسباب التي تستوجبون بها مقت الله .
ويحتمل أن يراد من التقوى في هذه الآية أوامره ونواهيه، على ما وصفنا أن [لفظ] التقوى إذا أطلق جاز أن يراد به الأوامر والنواهي، وإذا ذكر مقابلة أمر كان المعنى منه محارمة ونواهيه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ ، قال [بعضهم]: من عمل بما أمر في هذه الآية سلم من تبعات الآخرة؛ لأنه إذا شعر قلبه أن الذي يفعله يقدمه لغد امتنع عن ارتكاب ما يجب أن يستحي منه أو يخرب عليه في ذلك الوقت، وأتى بما يستر عليه، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون معنى الآية على النظر لما قدمته نفسه للغد، وذلك أنه إذا تذكر، فنظر فيما قدمت نفسه للغد، وذلك أنه دعاه إلى أحد أمرين: إما إلى التوبة عن السيئة التي قدمها أو إلى الشكر على الحسنة التي يتعاطاها، وكل ذلك منه زيادة في الخير، فكان الواجب ألا يغفل المرء عن ذلك، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون هذا على المستأنف من الأفعال أنه ينظر فيما يريد أن يقدمه لغد، فإن كانت عاقبة الهلاك: انتهى عنه، وإن كانت عاقبته النجاة: مضى عليه وأتى به، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ أن يكون المراد منه: الاتقاء عن ترك النظر لما تقدمه نفسه لغد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ : ذكر قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ مرة أخرى، والآية واحدة، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد من الأول: أن اتقوا مخالفة الله في أوامره ونواهيه، وفي الثاني: اتقوةا سخطه وعقوبته.
والثاني: أنه خرج على التكرار على ما جرت العادة في الكلام في التكرير عند الوعيد على التأكيد؛ كقوله - -: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾ \[المؤمنون: 36\]، وكقوله: ﴿ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .
فيه تحريض على المراقبة والتيقظ وقت فعله؛ لأن من علم وقت فعله أن الله - - مطلع على ما يرتكبه من الذنوب ويقربه من الشرور، امتنع عنها وازدجر، وقالوا: في قوله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ وعيد من أربعة أوجه: أحدها: في قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
والثاني: في قوله: ﴿ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ .
والثالث: في قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
والرابع: في قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .
ثم ذكر هذا الوعيد خرج بعدما خاطب المؤمنين، كقوله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ﴾ ، فكان الوعيد للمؤمنين أكثر من الوعيد في الكفرة، لكن المؤمنين يوعدهم عما هي معدة للكافرين؛ لئلا يعملوا عملا يستوجبون بذلك ما أعد للكافرين، وهو كقوله - -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ ، ثم إن الله - عز وجل - سمى الآخرة باسم الغد؛ لسرعة مجيئه، وسمى الدنيا باسم الأمس؛ لسرعة فنائها، وهو كقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ ﴾ ، فيذكرهم ويعظهم بهذه الآية؛ ليتفكر كل أحد في نفسه ما به: خلق للعبث، أم خلق لأمر عظيم؟
على ما ذكره الله، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ﴾ .
قال بعض المفسرين: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: نسوا العمل لله، والنسيان هو الترك، أي: تركوا العمل الواجب لله - - فأنساهم أنفسهم، أي: خذلهم الله - - بما نسوا.
ثم الوجه عندنا في الآية: أن ليس أحد من البشر يعمل عملا إلا وهو يأم بذلك نفعاً لنفسه؛ إذ من لا يعمل للنفع فهو عابث في الشاهد في ذلك العمل؛ فهؤلاء الكفرة لما لم يأتمروا بأمر الله - - ولم يطيعوا، وتركوا العمل له - صار تركهم العمل لله - والعمل له عمل لأنفسهم - فاصروا تاركين العمل لأنفسهم؛ فكأنه قال: نسوا أنفسهم؛ فاصروا منسيين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ﴾ ، أي: خلق فعل النسيان والترك فيهم: أضاف اختيار النسيان إليهم، ثم أضاف الإنساء إلى نفسه وأثبت فعله فيه، وليس هذا على أن تقدم منهم فعل النسيان، ثم هو أنساهم بعد ذلك؛ لكن على أن خلق ذلك فيهم وقتما اختاروا ذلك الفعل، وهو كقولهم: هداه الله - - فاهتدى، واهتدى فهداه الله؛ فذلك كله في وقت واحد؛ فكذلك هذا في الخذلان والنسيان: لما اختار هو فعل النسيان خلق الله - - ذلك النسيان فيه، كما خلق الهداية والكفر باختياره، ولا يجوز أن يحمل ذلك على تقدم بعض على بعض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ﴾ كقوله: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ ﴾ ؛ إذ قوله - - هذا داخل في قوله: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ ﴾ ؛ إذ العمل لله هو العمل لأنفسهم، والعمل لأنفسهم هو العمل للذي أريد به وجه الله؛ فلذلك قلنا بأن المراد منهما ما في الآخرة.
ويحتمل وجهاً آخر، وهو أنهم لما تركوا طاعة الله فخذلهم الله - - بتركهم أمر الله تركهم أنفسهم لهم [فلم يهتدوا] ثَمَّ للخيرات والطاعات، وهذا من أشد العقوبات.
ويحتمل أن يكون معناه: أي: يجازيهم في الآخرة جزاء ما عملوا بأن تركهم في الآخرة في العذاب الدائم؛ فيكون ذلك جزاء لهم بما عملوا في الدنيا وبما تركوا من الإيمان بالله ، وهذان التأويلان يرجعان إلى ما ذكر من الخذلان فيما فعلوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .
فالفسق هو الخروج عن أمر الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ﴾ .
أي: الناجون، والفوز: هو الظفر بالحاجة، ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ألا يستووا في الدنيا، أو لا يستووا في الآخرة، فإن كان على الأول فمعناه: لا يستوي عمل أهل الجنة في الدنيا في العقول [و]عمل أهل النار، إذ عمل أهل النار بالذي يستقبحه العقول، وأما أفعال أهل الجنة الداعية إليها بالتي يستحسنها العقول؛ لأن عمل هؤلاء بالذي ظهر بالبراهين والحجج، وليس لعمل أولئك براهين وما أقيم بالبراهين والحجج فهو في العقول أحسن من الذي لا برهان عليه، وكذلك كل عمل يستحق صاحبه عليه الثواب فهو في العقول مستحسن، وما يستحق صاحبه عليه العقاب فهو في العقول مستقبح؛ فلم يستويا.
وأما الوجه الثاني: لا يستوي جزاء أهل النار [و]جزاء أهل الجنة؛ إذ في الجنة النعيم الدائم وفي النار الشدة والنقمة الدائمة؛ فلم يستويا، يذكرهم الله - - هذا؛ لينتهوا عن غفلتهم، ويعملوا لله - - حتى يستوجبوا بها الثواب في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
اختلف الناس في تأويل هذه الآية: [قال بعضهم: هي] على التمثيل، وهي على التنبيه والتذكير، وذهبوا في ذلك إلى أن العرب إذا استقبلهم أمر، وأرادوا أن يصفوه بالعظم والشدة كانوا يضربون الأمثال بما يعظم ذلك عندهم وصفه - لم يكن يريدون به الحقيقة في ذلك، وهو كقولهم عند شدة الأمر: أظلم علي ما بين السماء والأرض، وكقولهم: ضافت علي الأرض برحبها، وكما وصف الله - - من أمر لوط - -: ﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ .
فهذا القول من العرب إنما كان على التمثيل فيما يريدون أن يصفوا الشيء بغايته لا على الحقيقة؛ لأنه معلوم أن الدنيا عليه كما كانت لم تتغير، وكذلك لم يظلم عليه ذلك، لكنهم تكلموا على التمثيل من شدة ما نزل بهم من الأمر، وكذلك قوله - -: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ...
﴾ ، يقول: لو كانت هذه الحجج أنزلت على جبل مع صلابته وشدته، لخضع لله - - وانصدع؛ من خشيته على وجه التمثيل، لكن قلوب هؤلاء أقسى منه؛ حيث لم يتخضع ولم تشخع، وهو كقوله: ﴿ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ ؛ إذ الحجارة قد تكون فيها منافع: نحو خروج الماء وغيره، فأما قلوب هؤلاء الكفرة فليس فيها شيء من المنافع، بل هي قاسية لا تخشع ولا تتصدع، وعلى ذلك حملوا تأويل قوله - -: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ﴾ على التمثيل، وليس على حقيقة ذلك.
وقال قائلون: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ ﴾ : إنه حقيقة ذلك الفعل منه: وهو الانصداع والخشوع، وكذلك تأويل قوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ﴾ ، فمعناه: لو كان نزول هذا القرآن وما فيه من الأحكام والأمانات التي أوجب على البشر على الجبل، وكان هو بحيث يملك قبول ذلك باختياره لقيام شرئطه - لكان هو يفزع ويخضع ويتصدع من خشية الله - - وكان لا يقبل؛ مخافة ألا يمكنه أداء ما لزمه بنزوله، وهو كقوله - -: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ...
﴾ الآية [الأحزاب: 72]: فيقول: معناه: لو أنزلنا هذه الأمانات التي في هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً؛ إذ الأمانات التي في هذا القرآن مما قد يلزم المرء لا يمكن أداؤها كلها؛ لأن الأمانات مما يكثر عدها، فضلا من أن يمكن أداؤها؛ فعلى هذا التأويل يخرج على حقيقة التصدع أو لو أنزل عليه - مع عظمه وصلابته - لانصدع؛ فعلى هذا تنبيه للخلق وتذكير لهم.
وقال بعضهم: إن في هذه الآية تذكير الرسول منته عليه وعلى جميع الرسل: لولا فضل الله ومنته على الرسل، لكان لا يطيق أحد من الرسل حمل ما في الكتب، ولا أداء ما افترض مدَّكرٌ؛ فيسر عليهم وثقل العمل بما فيه، فيقولون كذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ : لثقل ما فيه، لكنه [أنزله] عليك، ويسر ذكره [و]وفقك تبليغ ما فيه إلى أهله.
وقال قائلون: إن الله - - لما أراد أن ينزل التوراة على موسى - - وكانت في لوح من زبرجدة حمراء - أم الملائكة أن يحملوها فلم يطيقوا حملها، ثم أمرهم أن يحملوا كل حرف منها، فلم يطيقوا ذلك؛ فخفف الله - - على موسى - - حتى حمل ذلك، فكذلك ذكر ذلك في عيسى وداود - عليهما الصلاة والسلام - ثم خفف ذلك على الأنبياء - عليهم الصلاة ولاسلام - فكانه يقول لرسوله : ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ ﴾ كذا، لكنه خفف ذلك عليك كما خفف على الأنبياء من قبلك، وإليه يذهب الكلبي، لكن إن صح هذا الخبر فإن ذلك الثقل لم يكن في تلك الكتابة التي في الألواح، لكن ذلك فيما يلزمهم من العمل بذلك من أداء الأمانات وغيرها؛ لأنه - - أخبر أنه لو كان أنزل هذا القرآن على جبل ﴿ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ...
﴾ الآية [الأحزاب: 72].
ثم كانت تلك الألواح قد احتملها الأرض، وأمكن لموسى - - حملها؛ فكذلك هذا القرآن كله والتوراة والإنجيل والزبور مما قد يحتمل حقيقة، ويمكن كتابته في قليل الألواح، ثبت أن المراد من ذكره ليس هو الحروف، إنما كان على ما فيه من الأمر والنهي وأداء الأمانات واتقاء الله حق تقاته، لا على نفس تلك الألواح، وهذا الذي ذكرنا هو تأويل القوم في نزول هذه الآية، فأما أنا لا علم لي بحقيقة تأويل هذه الآية، ولولا أن في الآية تذكيراً وتنبيهاً لكنا نقول: هي من المتشابه المكتوم الذي لا يفسر، لكنه لما خرج مخرج التذكير واستئداء شكر ما سهل علينا قراءته - احتجنا إلى تأويله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
هو ظاهر.
<div class="verse-tafsir"
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيت -أيها الرسول- ذلك الجبل مع صلابته متذللًا متشققًا من شدة خشية الله؛ لما في القرآن من المواعظ الزاجرة والوعيد الشديد، وهذه الأمثال نضربها للناس لعلهم يعملون عقولهم فيتعظوا بما تشتمل عليه آياته من العظات والعبر.
<div class="verse-tafsir" id="91.ROnRW"