الآية ٢٢ من سورة الحشر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ٢٢ من سورة الحشر

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ۖ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة الحشر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة الحشر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم ) أخبر تعالى أنه الذي لا إله إلا هو فلا رب غيره ، ولا إله للوجود سواه ، وكل ما يعبد من دونه فباطل ، وأنه عالم الغيب والشهادة ، أي : يعلم جميع الكائنات المشاهدات لنا والغائبات عنا فلا يخفى عليه شيء في الأرض ، ولا في السماء من جليل وحقير ، وصغير وكبير ، حتى الذر في الظلمات .

وقوله : ( هو الرحمن الرحيم ) قد تقدم الكلام على ذلك في أول التفسير ، بما أغنى عن إعادته ها هنا .

والمراد أنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات ، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ، وقد قال تعالى : ( ورحمتي وسعت كل شيء ) [ الأعراف : 156 ] ، وقال ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) [ الأنعام : 54 ] ، وقال ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ) [ يونس : 58 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) يقول تعالى ذكره: الذي يتصدّع من خشيته الجبل أيها الناس هو المعبود، الذي لا تنبغي العبادة والألوهية إلا له، عالم غيب السموات والأرض، وشاهد ما فيهما مما يرى ويحسّ(هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) يقول: هو رحمن الدنيا والآخرة، رحيم بأهل الإيمان به.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيمقوله تعالى : هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة قال ابن عباس : عالم السر والعلانية .

وقيل : ما كان وما يكون .

وقال سهل : عالم بالآخرة والدنيا .

وقيل : الغيب ما لم يعلم العباد ولا عاينوه .

والشهادة ما علموا وشاهدوا .هو الرحمن الرحيم تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه الآيات الكريمات قد اشتملت على كثير من أسماء الله الحسنى وأوصافه العلى، عظيمة الشأن، وبديعة البرهان، فأخبر أنه الله المألوه المعبود، الذي لا إله إلا هو، وذلك لكماله العظيم، وإحسانه الشامل، وتدبيره العام، وكل إله سواه فإنه باطل لا يستحق من العبادة مثقال ذرة، لأنه فقير عاجز ناقص، لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا، ثم وصف نفسه بعموم العلم الشامل، لما غاب عن الخلق وما يشاهدونه، وبعموم رحمته التي وسعت كل شيء ووصلت إلى كل حي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة"، "الغيب": ما غاب عن العباد مما لم يعاينوه ولم يعلموه، والشهادة ما شاهدوه وما علموه، "هو الرحمن الرحيم".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة» السر والعلانية «هو الرحمن الرحيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هو الله سبحانه وتعالى المعبود بحق الذي لا إله سواه، عالم السر والعلن، يعلم ما غاب وما حضر، هو الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، الرحيم بأهل الإيمان به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته - تعالى - وببيان بعض أسمائه الحسنى فقال - تعالى - : ( هُوَ الله .

.

.

) .قال الجمل : لما وصف - تعالى - القرآن العظيم ، ومعلوم أن عظم الصفة تابع لعظم الموصوف ، أتبع ذلك بوصف عظمته - تعالى - فقال : ( هُوَ الله الذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ ) أى : هو الله الذى وجوده من ذاته ، فلا عدم له بوجه من الوجوه ، فلا شىء يستحق الوصف بهذا غيره ، لأنه هو الموجود أزلا وأبدا ، فهو حاضر فى كل ضمير ، غائب بعظمته عن كل حس ، فلذلك تصدع الجبل من خشيته .أى : هو المعبود الذى لا تنبغى العبادة والألوهية إلا له ، الذى لا إله إلا هو ، فإنه لا مجانس له ، ولا يليق ولا يصح ، ولا يتصور ، أن يكافئه أو يدانيه شىء .

.وقوله : ( عَالِمُ الغيب والشهادة ) أى : هو - سبحانه - العليم علما تاما بما غاب عن أذهان الخلائق وعقولهم ، وبما هو حاضر ومشاهد أمام أعينهم .فالمراد بالغيب : كل ما غاب عن إحساس الناس وعن مداركهم .

.

.والمراد بالشهادة : ما يشاهدونه بعيونهم ، ويدركونه بعقولهم .والتعريف فيهما للاستغراق الحقيقى ، لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شىء فى هذا الكون .وقوله - تعالى - : ( هُوَ الرحمن الرحيم ) أى : هو العظيم الرحمة الدائمها ، لأن لفظ ( الرحمن ) صيغة مبالغة لكثرة الشىء وعظمته ، ولفظ ( الرحيم ) صيغة تدل على الدوام والاستمرار .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وقيل: السر والعلانية وقيل: الدنيا والآخرة.

اعلم أنه تعالى قدم الغيب على الشهادة في اللفظ وفيه سر عقلي، أما المفسرون فذكروا أقوالاً في الغيب والشهادة، فقيل: الغيب المعدوم، والشهادة الموجود ما غاب عن العباد وما شاهدوه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هذا تمثيل وتخييل، كما مرّ في قوله تعالى: ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ [الأحزاب: 72] وقد دل عليه قوله: ﴿ وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ﴾ والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره.

وقرئ: ﴿ مصدّعاً ﴾ على الإدغام ﴿ وَتِلْكَ الأمثال ﴾ إشارة إلى هذا المثل وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿ إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ ﴾ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فَإنَّ الإشارَةَ إلَيْهِ وإلى أمْثالِهِ.

والمُرادُ تَوْبِيخُ الإنْسانِ عَلى عَدَمِ تَخَشُّعِهِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ لِقَساوَةِ قَلْبِهِ وقِلَّةِ تَدَبُّرِهِ، والتَّصَدُّعُ التَّشَقُّقُ.

وَقُرِئَ «مُصَّدَّعًا» عَلى الإدْغامِ.

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ ما غابَ عَنِ الحِسِّ مِنَ الجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ وأحْوالِها، وما حَضَرَ لَهُ مِنَ الأجْرامِ وأعْراضِها، وتَقْدِيمُ الغَيْبِ لِتَقَدُّمِهِ في الوُجُودِ وتَعَلُّقِ العِلْمِ القَدِيمِ بِهِ، أوِ المَعْدُومِ والمَوْجُودِ، أوِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ.

وقِيلَ: الدُّنْيا والآخِرَةِ.

﴿ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أي السر والعلانية أو الدنيا والآخرة أو المعدوم والموجود {هو الرحمن الرحيم}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ وحْدَهُ سُبْحانَهُ ﴿ عالِمُ الغَيْبِ ﴾ وهو ما لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمُ مَخْلُوقٍ وإحْساسُهُ أصْلًا وهو الغَيْبُ المُطْلَقُ ﴿ والشَّهادَةِ ﴾ وهو ما يُشاهِدُهُ مَخْلُوقٌ.

قالَ الرّاغِبُ: الشُّهُودُ والشَّهادَةُ الحُضُورُ مَعَ المُشاهَدَةِ إمّا بِالبَصَرِ أوْ بِالبَصِيرَةِ، وقَدْ يُعْتَبَرُ الحُضُورُ مُفْرَدًا لَكِنَّ الشُّهُودَ بِالحُضُورِ المُجَرَّدِ أوْلى والشَّهادَةُ مَعَ المُشاهَدَةِ أوْلى، وحَمْلُ الغَيْبِ عَلى المُطْلَقِ هو المُتَبادَرُ، وألْ فِيهِ لِلِاسْتِغْراقِ إذْ لا قَرِينَةَ لِلْعَهْدِ، ومَقامُ المَدْحِ يَقْتَضِيهِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ”عَلّامُ الغُيُوبِ“ [المائِدَةَ: 109، 116، التَّوْبَةَ: 78، سَبَأ: 48] فَيَشْمَلُ كُلَّ غَيْبٍ واجِبًا كانَ أوْ مُمْكِنًا مَوْجُودًا أوْ مَعْدُومًا أوْ مُمْتَنِعًا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمُ مَخْلُوقٍ، ويُطْلَقُ الغَيْبُ عَلى ما لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمُ مَخْلُوقٍ مُعَيَّنٍ وهو الغَيْبُ المُضافُ أيِ الغَيْبُ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ المَخْلُوقِ وهو عَلى ما قِيلَ: مُرادُ الفُقَهاءِ في قَوْلِهِمْ: مُدَّعِي عِلْمِ الغَيْبِ كافِرٌ، وهَذا قَدْ يَكُونُ مِن عالَمِ الشَّهادَةِ كَما لا يَخْفى، وذِكْرُ الشَّهادَةِ مَعَ أنَّهُ إذا كانَ كُلُّ غَيْبٍ مَعْلُومًا لَهُ تَعالى كانَ كُلُّ شَهادَةٍ مَعْلُومًا لَهُ سُبْحانَهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى مِن بابِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها  ﴾ ، وقِيلَ: الغَيْبُ ما لا يَقَعُ عَلَيْهِ الحِسُّ مِنَ المَعْدُومِ أوِ المَوْجُودِ الَّذِي لا يُدْرَكُ، والشَّهادَةُ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الإدْراكُ بِالحِسِّ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: الغَيْبُ ما لَمْ يَكُنْ والشَّهادَةُ ما كانَ، وقالَ الحَسَنُ: الغَيْبُ السِّرُّ والشَّهادَةُ العَلانِيَةُ، وقِيلَ: الأوَّلُ الدُّنْيا بِما فِيها والثّانِي الآخِرَةُ بِما فِيها، وقِيلَ: الأوَّلُ الجَواهِرُ المُجَرَّدَةُ وأحْوالُها والثّانِي الأجْرامُ والأجْسامُ وأعْراضُها، وفِيهِ أنَّ في ثُبُوتِ المُجَرَّداتِ خِلافًا قَوِيًّا، وأكْثَرُ السَّلَفِ عَلى نَفْيِها، وتَقْدِيمُ الغَيْبِ لِأنَّ العِلْمَ بِهِ كالدَّلِيلِ عَلى العِلْمِ بِالشَّهادَةِ، وقِيلَ: لِتَقَدُّمِهِ عَلى الشَّهادَةِ فَإنَّ كُلَّ شَهادَةٍ كانَ غَيْبًا وما بَرَزَ ما بَرَزَ إلّا مِن خَزائِنِ الغَيْبِ، وصاحِبُ القِيلِ الأخِيرِ يَقُولُ: إنَّ تَقْدِيمَ الغَيْبِ لِتَقَدُّمِهِ في الوُجُودِ وتَعَلُّقِ العِلْمِ القَدِيمِ بِهِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، ووَجْهُهُ ما أشَرْنا إلَيْهِ، وتَتَضَمَّنُ عَلى ما قِيلَ: دَلِيلًا آخَرَ عَلَيْهِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مَعْبُودَ إلّا هو ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ خالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ بِالِاخْتِيارِ كَما هو الواقِعُ في نَفْسِ الأمْرِ، والخَلْقُ بِالِاخْتِيارِ يَسْتَحِيلُ بِدُونِ العِلْمِ، ومِن هُنا قِيلَ: الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى هَذا المَطْلَبِ أوْلى مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ”واللَّهُ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ“ [البَقَرَةَ: 282، النِّساءَ: 176، النُّورَ: 35، 64، الحُجُراتِ: 16، التَّغابُنَ: 11] ﴿ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ بِرَحْمَةٍ تَلِيقُ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ، والتَّأْوِيلُ وإنْ ذَكَرَهُ عُلَماءُ أجِلّاءُ مِنَ الماتُرِيدِيَّةِ والأشاعِرَةِ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ سَلَفِيٌّ كَما حَقَّقَ في التَّمْيِيزِ وغَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ يعني: اخشوا الله، ويقال: أطيعوا الله.

وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ يعني: ما عملت لغد، وأسلفت لغد أي ليوم القيامة، ومعناه: تصدقوا واعملوا بالطاعة، لتجدوا ثوابه يوم القيامة.

ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الخير والشر.

ثم وعظ المؤمنين بأن لا يتركوا أمره ونهيه كاليهود.

ويوحدوه في السر والعلانية، ولا يكونوا في المعصية كالمنافقين، فقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ يعني: تركوا أمر الله تعالى.

فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني: خذلهم الله تعالى، حتى تركوا حظ أنفسهم أن يقدموا خيرا لها.

أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني: العاصين، ويقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ أي: تركوا ذكر الله وما أمرهم به فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني: فترك ذكرهم بالرحمة والتوفيق، ويقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ يعني: تركوا عهد الله ونبذوا كتابه وراء ظهورهم، فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني: أنساهم حالهم، حتى لم يعملوا لأنفسهم ولم يقدموا لها خيرا.

أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني: الناقضين للعهد.

ثم ذكر مستقر الفريقين، فقال: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ، يعني: لا يستوي في الكرامة والهوان في الدنيا والآخرة، لأن أصحاب الجنة في الدنيا موفقون منعمون معتصمون، وفي الآخرة لهم الثواب والكرامة، وأصحاب النار مخذولون في الدنيا معذبون في الآخرة.

ويقال: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ في الآخرة، لان أصحاب الجنة يتقلبون في النعيم، وأصحاب النار يتقلبون في النار والهوان.

ثم قال: أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ يعني: المستعدون الناجون، وأصحاب النار الهالكون.

ثم وعظهم ليعتبروا بالقرآن، فقال عز وجل: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ يعني: القرآن الذي فيه وعده ووعيده لو أنزلناه على جبل، لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ يعني: خاضعا متصدعا، ويقال: يندق من خوف عذاب الله، فكيف لا يندق ولا يرق هذا الإنسان ويخشع؟

ويقال: هذا على وجه المثل، يعني: لو كان الجبل له تميز عقل، لتصدع من الخشية.

ثم قال عز وجل: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ يعني: نبينها للناس، لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ يعني: لكي يتعظوا في أمثال الله، يعني: يعتبرون ولا يعصون الله تعالى.

ثم قال: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق ولا رازق غيره.

عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني: عالم السر والعلانية، ويقال: الغيب: ما غاب عن العباد.

والشهادة: ما شاهدوه وعاينوه ويقال: عالم بما كان وبما يكون، ويقال: عالم بأمر الآخرة وبأمر الدنيا.

ثم قال: هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ يعني: العاطف على جميع الخلق بالرزق، الرَّحِيمُ بالمؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله/ سبحانه: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ...

الآية: موعظةٌ للإنسان، وَذَمٌّ لأخلاقه وإعراضه وغفلته عن تَدَبُّرِ كلام خالقه، وإذا كان الجبلُ، على عِظَمِهِ وقُوَّتِهِ، لو أُنْزِلَ عليه القرآن وفَهِمَ منه ما فَهِمَهُ الإنسان، لخشع واستكان، وتصدَّع، خشيةً للَّه تعالى-:

فالإِنسانُ على حقارته وضَعْفِهِ أولى بذلك، وضرب اللَّه سبحانه هذا المثل ليتفكر فيه العاقلُ، ويخشعَ ويلينَ قلبُهُ.

وقوله سبحانه: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ الآية: لما قال تعالى: مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، جاء بالأوصاف العَلِيَّةِ التي تُوجِبُ لمخلوقاته هذه الخشيةَ، وقرأ الجمهور «١» : «القُدُّوسُ» - بضم القاف- من تَقَدَّسَ إذا تطهَّرَ وتنزَّه.

وقوله: السَّلامُ أي: ذو السلام لأَنَّ الإيمان به وتوحيدَه وأفعاله هي لمن آمنَ سلام كلّها، والْمُؤْمِنُ: اسم فاعل من آمن بمعنى أمن من الأمن، وقيل: معناه:

المصدّق عباده المؤمنين، والْمُهَيْمِنُ: معناه: الحفيظ والأمين قاله ابن عبّاس «٢» ، والْجَبَّارُ: هو الذي لا يدانيه شيءٌ، ولا تُلْحَقُ رتبته، قال الفخر «٣» : وفي اسمه تعالى:

الْجَبَّارُ وجوه:

أحدها: أَنَّه فَعَّالٌ من جَبَرَ إذا أغنى الفقيرَ وجبر الكسير.

والثاني: أنْ يكون الجبار من جَبَرَهُ إذا أكرهه قال الأزهريُّ: وهي لغة تميم، وكثيرٌ من الحجازيين يقولونها بغير ألف في الإكراه، وكان الشافعيُّ رحمه اللَّه يقول: جَبَرَهُ السلطانُ على كذا بغير ألف، وجعل الفرَّاءُ الْجَبَّارُ بهذا المعنى من أجبر بالألف، وهي

اللغة المعروفة في الإكراه، انتهى، والْمُتَكَبِّرُ: معناه: الذي له التكبّر حقّا والْبارِئُ بمعنى: الخالق، والْمُصَوِّرُ: هو الذي يوجد الصورَ، وباقي الآية بَيِّنٌ، وروى معقل بن يسار عن النبي صلّى الله عليه وسلّم/ أَنَّه قال: مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقَرَأَ ثَلاَثَ آياتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ-: وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، حَتَّى يُمْسِي، وَإنْ مَاتَ في ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيداً، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتَلْكَ الْمَنْزِلَةِ» «١» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ﴾ أخْبَرَ اللَّهُ بِهَذا عَنْ تَعْظِيمِ شَأْنِ القُرْآنِ، وأنَّهُ لَوْ جُعِلَ في جَبَلٍ - عَلى قَساوَتِهِ وصَلابَتِهِ تَمْيِيزًا، كَما جُعِلَ في بَنِي آدَمَ، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لَتَشَقَّقَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وخَوْفًا أنْ لا يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ في تَعْظِيمِ القُرْآنِ.

و"الخاشِعُ": المُتَطَأْطِئُ الخاضِعُ، و"المُتَصَدِّعُ": المُتَشَقِّقُ.

وهَذا تَوْبِيخٌ لِمَن لا يَحْتَرِمُ القُرْآنَ، ولا يُؤَثِّرُ في قَلْبِهِ مَعَ الفَهْمِ والعَقْلِ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا المَثَلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ بِعَظْمَتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ ﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ فَأمّا هَذِهِ الأسْماءُ، فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ "اللَّهِ"، و"الرَّحْمَنِ"، و"الرَّحِيمِ" في [الفاتِحَةِ] وذَكَرْنا مَعْنى ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ في [الأنْعامِ: ٧٣] .

و ﴿ المَلِكُ ﴾ في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ١١٦] .

فَأمّا "القُدُّوسُ" فَقَرَأ أبُو الأشْهَبِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ بِفَتْحِ القافِ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: "القُدُّوسُ": الطّاهِرُ مِنَ العُيُوبِ، المُنَزَّهُ عَنِ الأنْدادِ والأوْلادِ.

و"القُدْسُ": الطَّهارَةُ.

ومِنهُ سُمِّيَ: بَيْتُ المَقْدِسِ، ومَعْناهُ: المَكانُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ.

وقِيلَ لِلْجَنَّةِ: حَظِيرَةُ القُدُسِ، لِطَهارَتِها مِن آفاتِ الدُّنْيا.

والقُدْسُ: السَّطْلُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ فِيهِ، ولَمْ يَأْتِ مِنَ الأسْماءِ عَلى فُعُّولٍ بِضَمِّ الفاءِ إلّا "قُدُّوسٌ" و"سُبُّوحٌ" وقَدْ يُقالُ أيْضًا: قَدُّوسٌ، وسَبُّوحٌ بِالفَتْحِ فِيهِما، وهو القِياسُ في الأسْماءِ، كَقَوْلِهِمْ: سَفُّودٌ، وكَلُّوبٌ.

فَأمّا "السَّلامُ" فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سَمّى نَفْسَهَ سَلامًا، لِسَلامَتِهِ مِمّا يَلْحَقُ الخَلْقَ مِنَ العَيْبِ والنَّقْصِ والفَناءِ.

وقالَ الخَطّابِيُّ: مَعْناهُ: ذُو السَّلامِ.

والسَّلامُ في صِفَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: هو الَّذِي سَلِمَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، وبَرِئَ مِن كُلِّ آفَةٍ ونَقْصٍ يَلْحَقُ المَخْلُوقِينَ.

قالَ وقَدْ قِيلَ هو الَّذِي سَلِمَ الخَلْقُ مِن ظُلْمِهِ.

فَأمّا "المُؤْمِنُ"، فَفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي أمِنَ النّاسُ ظُلْمَهُ، وأمِنَ مَن آمَنَ بِهِ عَذابَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ المُجِيرُ، قالَهُ القُرَظِيُّ.

والثّالِثُ: الَّذِي يُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ إذا وحَّدُوهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي وحَّدَ نَفْسَهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ  ﴾ ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَصْدُقُ عِبادَهُ وعْدَهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والسّادِسُ: أنَّهُ يُصَدِّقُ ظُنُونَ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، ولا يُخَيِّبُ آمالَهُمْ، «كَقَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما يَحْكِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ: "أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي"» حَكاهُ الخَطّابِيُّ.

فَأمّا "المُهَيْمِنُ" فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوال.

أحَدُها: أنَّهُ الشَّهِيدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والكِسائِيُّ.

قالَ الخَطّابِيُّ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ  ﴾ ، فاللَّهُ الشّاهِدُ عَلى خَلْقِهِ بِما يَكُونُ مِنهم مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الأمِينُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالَ الخَطّابِيُّ: وأصْلُهُ: مُؤَيْمِنٌ، فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ هاءً، لِأنَّ الهاءَ أخَفُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الهَمْزَةِ.

ولَمْ يَأْتِ مُفَيْعِلٌ في غَيْرِ التَّصْغِيرِ، إلّا في ثَلاثَةِ أحْرُفٍ "مُسَيْطِرٌ" و"مُبَيْطِرٌ" و"مُهَيْمِنٌ" وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ [الطُّورِ: ٣٧] عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، أنَّها خَمْسَةُ أحْرُفٍ.

والثّالِثُ: المُصَدِّقُ فِيما أخْبَرَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّقِيبُ عَلى الشَّيْءِ، والحافِظُ لَهُ، قالَهُ الخَلِيلُ.

قالَ الخَطّابِيُّ وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الهَيْمَنَةُ: القِيامُ عَلى الشَّيْءِ؛ والرِّعايَةُ لَهُ، وأنْشَدَ: ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِ مُهَيْمِنُهُ التّالِّيهِ في العُرْفِ والنُّكْرِ يُرِيدُ القائِمَ عَلى النّاسِ بَعْدَهُ بِالرِّعايَةِ لَهم.

وقَدْ زِدْنا هَذا شَرْحًا في [المائِدَةِ: ٤٨] وبَيَّنّا مَعْنى "العَزِيزِ" في [البَقَرَةِ: ١٢٩] .

فَأمّا "الجَبّارُ" فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العَظِيمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَقْهَرُ النّاسَ ويُجْبِرُهم عَلى ما يُرِيدُ، قالَهُ القُرَظِيُّ والسُّدِّيُّ.

وقالَ قَتادَةُ: جَبْرُ خَلْقِهِ عَلى ما شاءَ.

وحَكى الخَطّابِيُّ: أنَّهُ الَّذِي جَبَرَ الخَلْقَ عَلى ما أرادَ مِن أمْرِهِ ونَهْيِهِ.

يُقالُ: جَبَرَهُ السُّلْطانُ، وأجْبَرَهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي جَبَرَ مَفاقِرَ الخَلْقِ، وكَفاهم أسْبابَ المَعاشِ والرِّزْقِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ العالِي فَوْقَ خَلْقِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: تَجَبَّرَ النَّباتُ: إذا طالَ وعَلا، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الخَطّابِيُّ.

فَأمّا "المُتَكَبِّرُ" فَفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي تَكَبَّرَ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي تَكَبَّرَ عَنْ ظُلْمِ عِبادِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ذُو الكِبْرِياءِ، وهو المَلِكُ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المُتَعالِي عَنْ صِفاتِ الخَلْقِ.

والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَتَكَبَّرُ عَلى عُتاةٍ خَلْقِهِ إذا نازَعُوهُ العَظَمَةَ، فَقَصَمَهُمْ، ذَكَرَهُما الخَطّابِيُّ.

قالَ: والتّاءُ في "المُتَكَبِّرِ" تاءُ التَّفَرُّدِ، والتَّخَصُّصِ، لِأنَّ التَّعاطِيَ والتَّكَلُّفَ والكِبْرَ لا يَلِيقُ بِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، وإنَّما سِمَةُ العَبْدِ الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ.

وقِيلَ: إنَّ المُتَكَبِّرَ مِنَ الكِبْرِياءِ الَّذِي هو عَظَمَةُ اللَّهِ، لا مِنَ الكِبْرِ الَّذِي هو مَذْمُومٌ في الخَلْقِ.

وَأمّا "الخالِقُ" فَقالَ الخَطّابِيُّ: هو المُبْتَدِئُ لِلْخَلْقِ المُخْتَرِعُ لَهم عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ، فَأمّا في نُعُوتِ الآدَمِيِّينَ، فَمَعْنى الخَلْقِ: كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي يَقُولُ: إذا قَدَرْتَ شَيْئًا قَطَعْتَهُ، وغَيْرُكَ يَقْدِرُ ما لا يَقْطَعُهُ، أيْ: يَتَمَنّى ما لا يَبْلُغُهُ.

و"البارِئُ" الخالِقُ.

يُقالُ: بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ يَبْرَؤُهم.

و"المُصَوِّرُ": الَّذِي أنْشَأ خَلْقَهُ عَلى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ لِيَتَعارَفُوا بِها.

ومَعْنى: التَّصْوِيرِ: التَّخْطِيطُ والتَّشْكِيلُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ "البارِئُ المُصَوَّرَ" بِفَتْحِ الواوِ والرّاءِ جَمِيعًا، يَعْنِي: آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [الأعْرافِ: ١٨٠،والإسْراءِ: ١١٠] إلى آخِرِ السُّورَةِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ هو الرَحْمَنُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ هُوَ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ هُوَ اللهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ مِن خَشْيَةِ اللهِ  ﴾ جاءَ بِالأوصافِ الَّتِي تُوجِبُ لِمَخْلُوقاتِهِ هَذِهِ الخَشْيَةُ، و"الغَيْبُ" ما غابَ عَنِ المَخْلُوقِينَ، و"الشَهادَةُ": ما شاهَدُوهُ، وقالَ حَرْبُ المَكِّيُّ: الغَيْبُ الآخِرَةُ والشَهادَةُ الدُنْيا، قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "القُدُّوسُ" بِضَمِّ القافِ، وهو فِعْلٌ مِن تَقَدَّسَ إذا تَطَهَّرَ، وحَظِيرَةُ القُدْسِ الجَنَّةُ لِأنَّها طاهِرَةٌ، ومِنهُ: رُوحُ القُدُسِ، ومِنهُ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، بَيْتُ المَقْدِسِ، ورُوِيَ عن أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "القُدُّوسُ" بِفَتْحِ القافِ، وهي لُغَةٌ.

و"السَلامُ" مَعْناهُ: الَّذِي سُلِمَ مِن جَوْرِهِ، وهَذا اسْمٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذُو السَلامِ، لِأنَّ الإيمانَ بِهِ وتَوْحِيدَهُ وأفْعالَهُ هي لِمَن آمَنَ سَلامٌ كُلُّها.

و"المُؤْمِنُ" اسْمُ فاعِلٍ مِن "آمَنَ" بِمَعْنى "أمَّنَ" وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبُ مَعْناهُ: المُصَدِّقُ لِلْمُؤْمِنِينَ في أنَّهم آمَنُوا، قالَ النَحّاسُ: أو في شَهادَتِهِمْ عَلى الناسِ في القِيامَةِ، وقالَ ناسٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: مَعْناهُ: المُصَدِّقُ نَفْسَهُ في أقْوالِهِ الأزَلِيَّةِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ، و"المُهَيْمِنُ" مَعْناهُ: الأمِينُ والحَفِيظُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ مُؤَرَّجٌ: المُهَيْمِنُ: الشاهِدُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وهَذا بِناءٌ لَمْ يَجِئْ مِنهُ في الصِفاتِ إلّا مُهَيْمِنٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ ومُبَيْطِرٌ، وجاءَ مِنهُ في الأسْماءِ "مُحَيْمِرٌ" وهو اسْمُ وادٍ و"مُدَيْبِرٌ".

و"الجَبّارُ" هو الَّذِي لا يُدانِيهِ شَيْءٌ ولا يَلْحَقُ رُتْبَتَهُ، ومِنهُ "نَخْلَةٌ جَبّارَةٌ" إذا لَمْ تَلْحَقْ، وأنْشَدَ الزَهْراوِيُّ: أطافَتْ بِهِ جِيلانُ عِنْدَ قِطافِهِ ورَدَّتْ إلَيْهِ الماءَ حَتّى تُجَبَّرا و"المُتَكَبِّرُ" مَعْناهُ: الَّذِي لَهُ التَكَبُّرُ حَقًّا.

ثُمَّ نَزَّهَ اللهُ تَعالى نَفْسَهُ عن إشْراكِ الكَفّارِ بِهِ الأصْنامَ الَّتِي لَيْسَ لَها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الصِفاتِ، و"البارِئُ" بِمَعْنى: الخالِقُ، بَرَأ اللهُ تَعالى الخَلْقَ، أيْ: أوَجَدَهُمْ، و"المُصَوِّرُ" هو الَّذِي يُوجِدُ الصُوَرَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "المُصَوِّرُ"، عَلى إعْمالِ "البارِئِ" فِيهِ، وهي حَسَنَةٌ، يُرادُ بِها الحَسَنُ في الصُوَرِ، وقالَ قَوْمٌ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنَّهُ قَرَأ: "المُصَوَّرِ" بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ الراءِ، عَلى قَوْلِهِمْ: "الحَسَنُ الوَجْهِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ أيْ: ذاتُ الحُسْنِ في مَعانِيها القائِمَةِ بِذاتِهِ لا إلَهَ إلّا هُوَ، وهَذِهِ الأسْماءُ هي الَّتِي حَصَرَها رَسُولُ اللهِ  بِقَوْلِهِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةٌ إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ"،»، وقَدْ ذَكَرَها التِرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ مُسْنَدَةً، واخْتَلَفَ الرُواةُ في بَعْضِها، ولَمْ يَصِحَّ فِيها شَيْءٌ إلّا إحْصاؤُها دُونَ تَعْيِينٍ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الحَشْرِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما تكرر في هذه السورة ذكر اسم الله وضمائره وصفاته أربعين مرة منها أربع وعشرون بذكر اسم الجلالة وست عشرة مرة بذكر ضميره الظاهرِ، أو صفاته العلية.

وكان ما تضمنته السورة دلائل على عظيم قدرة الله وبديع تصرفه وحكمته.

وكان مما حوته السورة الاعتبارُ بعظيم قدرة الله إذْ أيد النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ونصرَهم على بني النضير ذلك النصرَ الخارق للعادة، وذِكر ما حل بالمنافقين أنصارهم وأن ذلك لأنهم شاقُّوا الله ورسوله وقوبل ذلك بالثناء على المؤمنين بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم الذين نصروا الدّين، ثم الأمر بطاعة الله والاستعداد ليوم الجزاء، والتحذير من الذين أعرضوا عن كتاب الله ومن سوء عاقبتهم، وختم ذلك بالتذكير بالقرآن الدال على الخير، والمعرّف بعظمة الله المقتضية شدة خشيته، عقب ذلك بذكر طائفة من عظيم صفات الله ذات الآثار العديدة في تصرفاته المناسبة لغرض السورة زيادة في تعريف المؤمنين بعظمته المقتضية للمزيد من خشيته.

وبالصفات الحسنى الموجبة لمحبته، وزيادةً في إرهاب المعاندين المعرضين من صفات بطشه وجبروته، ولذلك ذُكر في هذه الآيات الخواتم للسورة من صفاته تعالى ما هو مختلف التعلق والآثار للفريقين حظ مَا يليق به منها.

وفي غضون ذلك كله دلائل على بطلان إشراكهم به أصنامهم.

وسنذكر مراجع هذه الأسماء إلى ما اشتملت عليه السورة فيما يأتي.

فضمير الغيبة الواقع في أول الجملة عائد إلى اسم الجلالة في قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ [الحشر: 18]، و ﴿ هو ﴾ مبتدأ واسم الجلالة خبر عنه و ﴿ الذي ﴾ صفة لاسم الجلالة.

وكان مقتضى الظاهر الاقتصار على الضمير دون ذكر اسم الجلالة لأن المقصود الإِخبار عن الضمير ب ﴿ الذي لا إله إلا هو ﴾ وبما بعد ذلك من الصفات العلية، فالجمع بين الضمير وما يساوي معادَة اعتبار بأن اسم الجلالة يجمع صفات الكمال لأن أصله الإله ومدلول الإله يقتضي جميع صفات الكمال.

ويجوز أن يجعل الضمير ضمير الشأن ويكون الكلام استئنافاً قُصد منه تعليم المسلمين هذه الصفات ليتبَصَّرُوا فيها وللردّ على المشركين إشراكهم بصاحب هذه الصفات معه أصنافاً ليس لواحد منها شيء من مثل هذه الصفات، ولذلك ختمت طائفة منها بجملة ﴿ سبحان الله عما يشركون ﴾ [الحشر: 23]، لتكون ختاماً لهذه السورة الجليلة التي تضمنت منة عظيمة، وهي منة الفتح الواقع والفتح الميسّر في المستقبل، لا جرم أنه حقيق بأن يعرفوا جلائل صفاته التي لتعلقاتها آثار في الأحوال الحاصلة والتي ستحصل من هذه الفتوح وليعلمَ المشركون والكافرون من اليهود أنهم ما تعاقبت هزائمهم إلاّ من جرّاء كفرهم.

ولما كان شأن هذه الصفات عظيماً ناسب أن تفتتح الجملة بضمير الشأن، فيكون اسم الجلالة مبتدأ و ﴿ الذي لا إله إلا هو ﴾ خبر.

والجملة خبر عن ضمير الشأن فيكون اسم الجلالة مبتدأ و ﴿ الذي لا إله إلا هو ﴾ خبراً والجملة خبراً عن ضمير الشأن.

وابتدئ في هذه الصفات العلية بصفة الوحدانية وهي مدلول ﴿ الذي لا إله إلا هو ﴾ وهي الأصل فيما يتبعها من الصفات.

ولذلك كثر في القرآن ذكرها عقب اسم الجلالة كما في آية الكرسي، وفاتحة آل عمران.

وثني بصفة ﴿ عالم الغيب ﴾ لأنها الصفة التي تقتضيها صفة الإلهية إذ علم الله هو العلم الواجب وهي تقتضي جميع الصفات إذ لا تتقوّم حقيقة العلم الواجب إلا بالصفات السَّلبية، وإذْ هو يقتضي الصفات المعنوية، وإنما ذكر من متعلقات علمه أمور الغيب لأنه الذي فارق به علمُ الله تعالى علمَ غيره، وذكر معه علم الشهادة للاحتراس تَوهُّم أنه يعلم الحقائق العالية الكلية فقط كما ذهب إليه فريق من الفلاسفة الأقدمين ولأن التعريف في ﴿ الغيب والشهادة ﴾ للاستغراق.

أي كل غيب وشهادة، وذلك مما لا يشاركه فيه غيره.

وهو علم الغيب والشهادة، أي الغائب عن إحساس الناس والمشاهد لهم.

فالمقصود فيهما بمعنى اسم الفاعل، أي عالم ما ظهر للناس وما غاب عنهم من كل غائب يتعلق به العلم على ما هو عليه.

والتعريف في ﴿ الغيب والشهادة ﴾ للاستغراق الحقيقي.

وفي ذكر الغيب إيماء إلى ضلال الذين قصَروا أنفسهم على المشاهدات وكفروا بالمغيبات من البعث والجزاء وإرسال الرسل، أمّا ذكر علم الشهادة فتتميم على أن المشركين يتوهمون الله لا يطلع على ما يخفونه.

قال تعالى: ﴿ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم إلى قوله: من الخاسرين ﴾ [فصلت: 22- 23].

وضمير ﴿ هو الرحمن الرحيم ﴾ ضمير فصل يفيد قصر الرحمة عليه تعالى لعدم الاعتداد برحمة غيره لقصورها قال تعالى: ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ [الأعراف: 156].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم «جعل الله الرحمة في مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل في الأرض جزءاً واحداً.

فمن ذلك الجُزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشيةَ أن تصيبه» وقد تقدم الكلام على ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ في سورة [الفاتحة: 3].

ووجه تعقيب صفة عموم العلم بصفة الرحمة أن عموم العلم يقتضي أن لا يغيب عن علمه شيء من أحوال خلقه وحاجتهم إليه، فهو يرحم المحْتاجين إلى رحمته ويُهْمِل المعاندين إلى عقاب الآخرة، فهو رحمان بهم في الدنيا، وقد كثر إتباع اسم الجلالة بصفتي الرحمن الرحيم في القرآن كما في الفاتحة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ  إنَّنا لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَما ثَبَتَ لَهُ بَلِ انْصَدَعَ مِن نُزُولِهِ عَلَيْهِ، وقَدْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ وثَبَّتْناكَ لَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ امْتِنانًا عَلَيْهِ أنْ ثَبَّتَهُ لِما لا تَثْبُتُ لَهُ الجِبالُ.

الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأُمَّةِ، وأنَّ اللَّهَ لَوْ أنْذَرَ بِهَذا القُرْآنِ الجِبالَ لَتَصَدَّعَتْ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، والإنْسانُ أقَلُّ قُوَّةً وأكْثَرُ ثَباتًا، فَهو يَقُومُ بِحَقِّهِ إنْ أطاعَ، ويَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ إنْ عَصى، لِأنَّهُ مَوْعُودٌ بِالثَّوابِ ومَزْجُورٌ بِالعِقابِ.

وَفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ضَرَبَهُ مَثَلًا لِلْكُفّارِ أنَّهُ إذا نَزَلَ هَذا القُرْآنُ عَلى جَبَلٍ خَشَعَ لِوَعْدِهِ وتَصَدَّعَ لِوَعِيدِهِ، وأنْتُمْ أيُّها المَقْهُورُونَ بِإعْجازِهِ لا تَرْغَبُونَ في وعْدِهِ ولا تَرْهَبُونَ مِن وعِيدِهِ.

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ كانَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ يَرى أنَّ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ هو اللَّهُ، لِمَكانِ هَذِهِ الآيَةِ.

﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عالِمُ السِّرِّ والعَلانِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عالِمُ ما كانَ وما يَكُونُ.

الثّالِثُ: عالِمُ ما يُدْرَكُ وما لا يُدْرَكُ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ والأجَلِ والرِّزْقِ.

الرّابِعُ: عالِمٌ بِالآخِرَةِ والدُّنْيا، قالَهُ سَهْلٌ.

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو المَلِكُ القُدُّوسُ ﴾ في ﴿ القُدُّوسُ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُبارَكُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ دَعَوْتُ رَبَّ العِزَّةِ القُدُّوسا دُعاءَ مَن لا يَقْرَعُ النّاقُوسا الثّانِي: أنَّهُ الطّاهِرُ، قالَهُ وهْبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: قَدْ عَلِمَ القُدُّوسُ مَوْلى القُدُّوسِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِن تَقْدِيسِ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ مِن تَسْبِيحِ المَلائِكَةِ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ المُنَزَّهُ عَنِ القَبائِحِ لِاشْتِقاقِهِ مِن تَقْدِيسِ المَلائِكَةِ بِالتَّسْبِيحِ فَصارَ مَعْناهُما واحِدٌ.

وَأمّا ﴿ السَّلامُ ﴾ فَهو مِن أسْمائِهِ تَعالى كالقُدُّوسِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن سَلامَتِهِ وبَقائِهِ، فَإذا وُصِفَ المَخْلُوقُ بِمِثْلِهِ قِيلَ سالِمٌ وهو في صِفَةِ اللَّهِ سَلامٌ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ سَلامَكَ رَبَّنا في كُلِّ فَجْرٍ ∗∗∗ بَرِيئًا ما تَعَنَّتْكَ الذُّمُومُ الثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن سَلامَةِ عِبادِهِ مِن ظُلْمِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

[وَفِي ﴿ المُؤْمِنُ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الَّذِي يُؤَمِّنُ أوْلِياءَهُ مِن عَذابِهِ] الثّانِي: أنَّهُ مُصَدِّقُ خَلْقِهِ في وعْدِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الدّاعِي إلى الإيمانِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَأمّا ﴿ المُهَيْمِنُ ﴾ فَهو مِن أسْمائِهِ أيْضًا، وفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ الشّاهِدُ عَلى خَلْقِهِ بِأعْمالِهِمْ، وعَلى نَفْسِهِ بِثَوابِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُفَضَّلُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ شَهِيدٌ عَلَيَّ اللَّهُ أنِّي أُحِبُّها ∗∗∗ كَفى شاهِدًا رَبَّ العِبادِ المُهَيْمِنَ والثّانِي: مَعْناهُ الأمِينُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: المُصَدِّقُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الحافِظُ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: إنِّي داعٍ فَهَيْمِنُوا، أيْ قُولُوا آمِينَ حَفِظْنا الدُّعاءَ، لِما يُرْجى مِنَ الإجابَةِ.

الخامِسُ: الرَّحِيمُ، حَكاهُ ابْنُ تَغْلَبَ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ مَلِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ ∗∗∗ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ ﴿ العَزِيزُ ﴾ هو القاهِرُ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: العَزِيزُ في امْتِناعِهِ.

الثّانِي: في انْتِقامِهِ.

﴿ الجَبّارُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ العالِي العَظِيمُ الشَّأْنِ في القُدْرَةِ والسُّلْطانِ.

الثّانِي: الَّذِي جَبَرَ خَلْقَهُ عَلى ما شاءَ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يَجْبُرُ فاقَةَ عِبادِهِ، قالَهُ واصِلُ بْنُ عَطاءٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يَذَلُّ لَهُ مَن دُونِهِ.

﴿ المُتَكَبِّرُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُتَكَبِّرُ عَنِ السَّيِّئاتِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: المُسْتَحِقُّ لِصِفاتِ الكِبْرِ، والتَّعْظِيمِ، والتَّكَبُّرُ في صِفاتِ اللَّهِ مَدْحٌ، وفي صِفاتِ المَخْلُوقِينَ ذَمٌّ.

الثّالِثُ: المُتَكَبِّرُ عَنْ ظُلْمِ عِبادِهِ.

﴿ هُوَ اللَّهُ الخالِقُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُحْدِثُ لِلْأشْياءِ عَلى إرادَتِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ المُقَدِّرُ لَها بِحِكْمَتِهِ.

﴿ البارِئُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُمَيِّزُ لِلْخَلْقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: بَرِئْتُ مِنهُ، إذا تَمَيَّزْتَ مِنهُ.

الثّانِي: المُنْشِئُ لِلْخَلْقِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ بَراكَ اللَّهُ حِينَ بَراهُ غَيْثًا ∗∗∗ ويَجْرِي مِنكَ أنْهارًا عِذابًا ﴿ المُصَوِّرُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِتَصْوِيرِ الخَلْقِ عَلى مَشِيئَتِهِ.

الثّانِي: لِتَصْوِيرِ كُلِّ جِنْسٍ عَلى صُورَتِهِ.

فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَحْمُولًا عَلى ابْتِداءِ الخَلْقِ بِتَصْوِيرِ كُلِّ خَلْقٍ عَلى ما شاءَ مِنَ الصُّوَرِ.

وَعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ مَحْمُولًا عَلى ما اسْتَقَرَّ مِن صُورِ الخَلْقِ، فَيُحْدِثُ خَلْقَ كُلِّ جِنْسٍ عَلى صُورَتِهِ وفِيهِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ دَلِيلٌ عَلى قُدْرَتِهِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنْ يَكُونَ لِنَقْلِهِ خَلْقَ الإنْسانِ وكُلَّ حَيَوانٍ مِن صُورَةٍ إلى صُورَةٍ، فَيَكُونُ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى أنْ يَصِيرَ شَيْخًا هَرِمًا، كَما قالَ النّابِغَةُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ في ال ∗∗∗ أرْحامِ ماءً حَتّى يَصِيرُ دَمًا ﴿ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ جَمِيعَ أسْمائِهِ حُسْنى لِاشْتِقاقِهِ مِن صِفاتِهِ الحُسْنى.

الثّانِي: أنَّ لَهُ الأمْثالَ العُلْيا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ﴾ الآية، قال: لو أنزلت هذا القرآن على جبل فأمرته بالذي أمرتكم وخوّفته بالذي خوفتكم به إذاً يصدع ويخشع من خشية الله، فأنتم أحق أن تخشوا وتذلوا وتلين قلوبكم لذكر الله.

وأخرج ابن المنذر عن مالك بن دينار قال: أقسم لكم لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا صدع قلبه.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن ﴾ الآية قال: يقول: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله ومن خشية الله فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع قال: ﴿ كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون ﴾ .

وأخرج الديلمي عن ابن مسعود وعليّ مرفوعاً في قوله: ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ﴾ إلى آخر السورة، قال: هي رقية الصداع.

وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه قال: «أنبأنا أبو نعيم الحافظ أبنأنا أبو الطيب محمد بن أحمد بن يوسف بن جعفر المقري البغدادي، يعرف بغلام ابن شنبوذ، أبنأنا إدريس بن عبد الكريم الحداد قال: قرأت على خلف فلما بلغت هذه الآية ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ﴾ قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على سليم فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأت على الأعمش، فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك، فإني قرأت على يحيى بن وثاب، فلما بلغت هذه الآية قال: ضد يدك على رأسك، فإني قرأت على علقمة والأسود، فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك، فإنا قرأنا على عبدالله، فلما بلغنا هذه الآية قال: ضعا أيديكما على رؤوسكما فإني قرأت على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت هذه الآية قال لي: ضع يدك على رأسك فإن جبريل لما نزل بها إليّ قال لي: ضع يدك على رأسك فإنها شفاء من كل داء إلا السأم والسأم الموت» .

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: اسم الله الأعظم هو الله.

وأخرج ابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري أنه كان له مربد للتمر في بيته، فوجد المربد قد نقص، فلما كان الليل أبصره، فإذا بحس رجل فقال له: من أنت؟

قال: رجل من الجن، أردنا هذا البيت فأرملنا من الزاد فأصبنا من تمركم، ولا ينقصكم الله منه شيئاً، فقال له أبو أيوب الأنصاري: إن كنت صادقاً فناولني يدك فناوله يده، فإذا بشعر كذراع الكلب، فقال له أبو أيوب: ما أصبت من تمرنا فأنت في حل، ألا تُخبرني بأفضل ما تتعوّذ به الإِنس من الجن؟

قال: هذه الآية آخر سورة الحشر.

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آخر سورة الحشر ثم مات من يومه وليلته كفر عنه كل خطيئة عملها» .

وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً إذا أوى إلى فراشه أن يقرأ آخر سورة الحشر، وقال: «إن متَّ متَّ شهيداً» .

وأخرج أبو علي عبد الرحمن بن محمد النيسابوري في فوائده عن محمد بن الحنفية أن البراء بن عازب قال لعلي بن أبي طالب: سألتك بالله إلا ما خصصتني بأفضل ما خصك به رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما خصه به جبريل، مما بعث به إليه الرحمن، قال: يا براء إذا أردت أن تدعو الله باسمه الأعظم فاقرأ من أول الحديد عشر آيات وآخر سورة الحشر، ثم قل: يا من هو هكذا وليس شيء هكذا غيره أسألك أن تفعل بي كذا وكذا، فوالله يا براء لو دعوت عليّ لخسف بي.

وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات ثم قرأ آخر سورة لحشر بعث الله إليه سبعين ألف ملك يطردون عنه شياطين الإِنس والجن إن كان ليلاً حتى يصبح، وإن كان نهاراً حتى يمسي» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله إلا أنه قال: «يتعوذ الشيطان عشر مرات» .

وأخرج أحمد والدارمي والترمذي وحسنه وابن الضريس والبيهقي في شعب الإِيمان عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يصبح عشر مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قرأ الثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات ذلك اليوم مات شهيداً، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة» .

وأخرج ابن عدي وابن مردويه والخطيب والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ خواتيم الحشر في ليل أو نهار فمات في يومه أو ليلته فقد أوجب له الجنة» .

وأخرج ابن الضريس عن عتيبة قال: حدثنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من قرأ خواتيم الحشر حين يصبح أدرك ما فاته من ليلته وكان محفوظاً إلى أن يمسي، ومن قرأها حين يمسي أدرك ما فاته من يومه وكان محفوظاً إلى أن يصبح، وإن مات أوجب.

وأخرج الدارمي وابن الضريس عن الحسن قال: من قرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر إذا أصبح فمات من يومه ذلك طبع بطابع الشهداء، وإن قرأ إذا أمسى فمات من ليلته طبع بطابع الشهداء.

وأخرج الديلمي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسم الله الأعظم في ستة آيات من آخر سورة الحشر» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ قال: السر والعلانية، وفي قوله: ﴿ المؤمن ﴾ قال: المؤمن خلقه من أن يظلمهم وفي قوله: ﴿ المهيمن ﴾ قال: الشاهد.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ عالم الغيب ﴾ قال: ما يكون وما هو كائن وفي قوله: ﴿ القدوس ﴾ قال: تقدسه الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة في قوله: ﴿ القدوس ﴾ قال: المبارك ﴿ السلام المؤمن ﴾ قال: المؤمن من آمن به ﴿ المهيمن ﴾ الشهيد عليه ﴿ العزيز ﴾ في نقمته إذا انتقم ﴿ الجبار ﴾ جبر خلقه على ما يشاء المتكبر عن كل سوء.

وأخرج ابن المنذر عن زيد بن علي قال: إنما سمي نفسه ﴿ المؤمن ﴾ لأنه آمنهم من العذاب.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن محمد بن كعب قال: إنما تسمى ﴿ الجبار ﴾ أنه يجبر الخلق على ما أراده.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ هُوَ اللَّهُ ﴾ وهو ظاهر التفسير ماض فيما سبق (١) ﴿ الْقُدُّوسُ ﴾ قال المفسرون: هو الطاهر من كل عيب، المنزه مما لا يليق به (٢) ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ  ﴾ وروى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ الْقُدُّوسُ ﴾ الذي منه البركات (٣) (٤) ﴿ السَّلَامُ ﴾ ذكروا فيه قولين: أحدهما: أنه الذي سلم من النقص والعيب (٥) والآخر: أنه الذي سلم خلقه من ظلمه (٦) وكلا القولين قد تقدم بيانه عند قوله: ﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ ﴾ (٧) ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾ (٨) (١) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 6، 19، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ص 57.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 150 أ، و"الكشف والبيان" 13/ 102 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 326.

(٣) وفي "التفسير الكبير" 29/ 293، قال الحسن: إنه الذي كثرت بركاته.

(٤) انظر: "جامع البيان" 28/ 36، الكشف والبيان" 102 ب، ولفظه (المبارك).

(٥) انظر:"تفسير غريب القرآن" ص 6، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 1/ 101، و"معالم التنزيل" 4/ 326، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 343، وهو المعتمد عنده، حيث قال: ﴿ السَّلَامُ ﴾ أي من جميع العيوب، والنقائض لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله.

(٦) قاله قتادة، ومقاتل: انظر: "تفسير مقاتل" 150 أ، و"جامع البيان" 28/ 36، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 150، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 1/ 102.

(٧) عند تفسيره الآية (127) من سورة الأنعام.

(٨) عند تفسيره الآية (25) من سورة يونس.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ عَالِمُ الغيب والشهادة ﴾ أي يعلم ما غاب عن المخلوقين وما شاهدوه، وقيل: الغيب الآخرة والشهادة الدنيا، والعموم أحسن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد: أبوعمرو.

والباقون: بالتخفيف من الإخراب ﴿ تكون ﴾ بالتاء الفوقانية ﴿ دولة ﴾ بالرفع على " كان " التامة: يزيد.

والآخرون: على التذكير والنصب ﴿ جدار ﴾ بالألف على التوحيد: ابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون: بضمتين من غير ألف.

﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ الباري ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو طريق ابن عبدوس.

الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الحشر ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ط ﴿ في الدنيا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ه ﴿ ورسوله ﴾ ج بناء على أن الشرط من جملة المذكور ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ فانتهوا ﴾ ج لابتداء من بعد جزاء الشرط مع اتفاق النظم ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه لئلا يوهم أن قوله ﴿ للفقراء ﴾ يتعلق بـ ﴿ شديد ﴾ ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ج بناء على أن ما بعده مستأنف أو معطوف ويجيء وجه كل منهما في التفسير.

﴿ خصاصة ﴾ قف قيل: وقفة والأحسن الوصل لأن الاعتراض مؤكد لما قبله ﴿ المفلحون ﴾ ه لمثل المذكور ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ لا لأن ما بعده من تمام القول ﴿ لننصركم ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ معهم ﴾ ج ﴿ لا ينصرونهم ﴾ ط للعطف فيهما مع الابتداء بالقسم ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ جدر ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ج لتعلق الكاف بـ ﴿ لا يعقلون ﴾ أو بمحذوف أو مثلهم كمثل ﴿ أمرهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ أليم ﴾ ه ج لما قلنا ﴿ اكفر ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لغد ﴾ ج لاعتراض خصوص بين العمومين أي لم يتق الله كل واحد منكم فلتنظر لغدها نفس واحد منكم ﴿ واتقوا الله ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أنفسهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ الأولى ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ من خشية الله ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده خبر مبتدأ محذوف ﴿ والشهادة ﴾ ج لاحتمال كون الضمير بدلاً من عالم أو مبتدأ ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط لما قلنا ﴿ المتكبر ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: قال المفسرون: صالح بنو النضر رسول الله  على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما غلب الكفار يوم بدر قالوا: هوالنبي الذي نعته في التوراة لا ترد له رأيه، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبين إلى مكة فعاهدوا قريشاً عند الكعبة، فأمر النبي  محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة وكان اخا كعب من الرضاعة ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم: اخرجوا من المدينة فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك.

فتنادوا بالحرب.

وقيل: استمهلوا رسول الله  عشرة أيام ليتجهزوا للخروج فأرسل إليهم عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فدرّبوا على الأزقة وحصنوها، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة.

فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصرة المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم، فذهبوا إلى اريحاء وأذرعات من الشأم إلا أهل بيتين منهم ابن أبي الحقيق وحُيَيّ بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة.

واللام في قوله ﴿ لأول الحشر ﴾ بمعنى الوقت كقولك " جئت ليوم كذا ".

وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام.

فمعنى الحشر إخراج الجميع من مكان، ومعنى الأولية أنه لم يصبهم قبل ذلك مثل هذا الذل لأنهم كانوا أهل منعة هذا قول ابن عباس والأكثرين.

وقيل: هذا أول حشرهم، وآخره حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام كما جاء في الحديث " نار تخرج من المشرق وتسوق الناس إلى المغرب" قاله قتادة.

وقيل: آخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام.

وقيل: معناه لأول ما حشر بقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله  .

قال في الكشاف: الفرق بين النظم الذي جاء عليه وبين قول القائل " وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم " هو أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وثوقهم بحصانتها، وفي نصب ضميرهم اسماً لأن إسناد الجملة إليه دليل على أنهم اعتقدوا عزة أنفسهم ومنعتها بحيث لا يمكن لأحد أن يتعرض لهم.

قلت: حاصل كلامه  الحصر.

ومعنى إتيان الله إتيان أمره وهو النصر إن عاد إلى اليهود وهذا أظهر ليناسب قوله  ﴿ في قلوبهم ﴾ ولاستعمال القرآن نظيره في مواضع أخر في معرض التهديد ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك  ﴾ ومعنى ﴿ لم يحتسبوا ﴾ أنه لم يخطر ببالهم قتل كعب غيلة على يد أخيه.

وقذف الرعب في قلوبهم وهذا من خواص نبينا  كما مر في آل عمران ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب  ﴾ وفي لفظ القذف زيادة تأكيد ولهذا قالوا في صفة الأسد " مقذف " فكأنما قذف باللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه.

قال الفراء ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها.

وكان أبو عمرو ويقول: الإخراب أن يترك الشيء خراباً، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا.

وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض الأحكام نحو " فرحته " و " أفرحته " و " حسنة الله " و " أحسنه ".

قال المفسرون: إنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج.

قلت: ويحتمل أن يكون بعض التخريب لسدّ أفواه الأزقة بالخشب والحجارة أو لنقل ما أرادوا حمله من جيد الخشب والساج.

وأما المؤمنون فداعيهم إلى ذلك إزالة تحصنهم أو أن يتسع لهم في الحرب مجال، ومعنى تخريبهم بأيدي المؤمنين أنهم كانوا السبب فيه وأنهم عرضوا المؤمنين لذلك.

ثم أمر أهل الابصار الباطنة بالاعتبار وهو العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ومنه العبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، والتعبير لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، والعبارة لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى فهم المستمع، والسعيد من اعتبر بغيره لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، أو القائس يعبر عن المقيس عليه إلى المقيس.

ومعنى الاعتبار في الآية أنهم اعتمدوا على حصونهم وعدّتهم فأمر الله تعالى أرباب العقول بأن ينظروا في حالهم ولا يعتمدوا على شيء غير الله، أو المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الكفر والغدر والطعن في النبوّة فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر والكفر في البلاء والجلاء.

واعترض بأن رب شخص وكفر وما عذب في الدنيا، ورب ممتحن مبتلى هو نبي أو ولي.

وأجيب بأن حاصل القياس والاعتبار يرجع إلى أن الغادر الكافر معذب أعم من أن يكون بالتخريب أو بالقتل أو في الدنيا أو في الآخرة والعكس لا يلزم.

وقيل: معنى الاعتبار أن رسول الله  وعدهم أن يورثهم أرضهم وأموالهم بغير قتال فكان كما وقع فدل على صحة نبوّته.

والجلاء أن لم يبق لهم بالمدينة دار ولا فيها منهم ديار وهذا عندهم أشدّ من الموت فلهذا قال ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ﴾ بالقتل ﴿ ولهم في الآخرة ﴾ بعدما عاينوا في الدنيا ﴿ عذاب النار ذلك ﴾ التخريب أو الجلاء أو العذاب بسبب مخالفتهم وعصيانهم الله ورسوله.

قالت الفقهاء: فيه دليل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها فليس أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب.

يروى أنه  حين أمر أن يقطع نخلهم ويحرق قالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟

فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء فأنزل الله تعالى ﴿ ما قطعتم ﴾ محله نصب و ﴿ من لينة ﴾ بيان له كأنه قيل: أي شيء قطعتم من لينة وهي النخلة من الألوان ما خلا العجوة والبرنية وهما أجود النخل.

وياؤها واو في الأصل كالديمة.

وقيل: هي النخلة الكريمة من اللين فتكون الياء أصلية، فبين الله  أن ذلك جائز غيظاً لقلوب الكفرة.

واحتج الفقهاء بها على جواز هدم حصون الكفار وقلع أشجارهم.

وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال.

وروي أن رجلين كان يقطع أحدهما العجوة والآخر يترك فسألهما رسول الله  فقال هذا: تركتها لرسول الله  وقال هذا: قطعتها غيظاً للكفار.

وقد يستدل بهذا على جواز الاجتهاد ولو بحضرة النبي  وعلى أن كل مجتهد مصيب.

قوله ﴿ وما أفاء الله ﴾ أدخل العاطف ههنا دون الأخرى لأن تلك بيان لهذه فهي غير أجنبية عنها والأولى معطوفة على ما قبلها.

ومعنى أفاء جعله فيئاً من فاء إذا رجع وذلك لرجوعه من ملك الكفار إلى ملك المسلمين.

والإيجاف من الوجيف وهو السير السريع.

وقوله ﴿ عليه ﴾ أي على ما أفاء.

والركاب ما يركب من الإبل واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها، وقلما تطلق العرب الراكب إلا على راكب البعير، بين الله  الفرق بين الغنيمة والفيء حين طلب الصحابة أن يقسم أموال أولئك اليهود بينهم اعترض بعضهم بأن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا أياماً وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من الغنيمة لا من الفيء.

وأجاب المفسرون من وجهين: الأول أنها لم تنزل في بني النضير وإنما نزلت في فدك ولهذا كان رسول الله  ينفق على نفسه وعلى عياله من غلة فدك ويجعل الباقي في السلاح والكراع.

الثاني تسليم أنها نزلت فيهم ولكن لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا على أرجلهم ولم يركب إلا رسول الله  وكان راكب جمل، فلما كان المعاملة قليلة ولم يكن خيل ولا ركاب أجراه الله مجرى ما لم يكن قتال ثمة.

ثم روي أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهو أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن أبرهة قال الواحدي: كان الفيء مقسوماً في زمان رسول الله  خمسة أسهم: أربعة منها لرسول الله  خاصة وكذا خمس الباقي، والسهم الأربعة من هذا الباقي لذي القربى ولد بني هاشم والمطلب، واليتامى والمساكين وابن السبيل.

وأما بعد الرسول فللشافعي فيه قولان: أحدهما أنه للمجاهدين المترصدين للقتال في الثغور لأنهم قاموا مقام رسول الله  في رباط الثغور.

والثاني أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر الأهم فالأهم.

هذا في الأربعة الأخماس التي كانت له، وأما السهم الذي كان له من خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف وقد مر سائر ما يتعلق بقسمة الغنائم في سورة الأنفال.

ثم بين الغرض من قسمة الفيء على الوجه المذكور فقال ﴿ كيلا يكون دولة ﴾ قال المبرد: هي اسم للشيء الذي يتداوله الناس بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة كالغرفة اسم لما يغرف.

والدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم.

قال جار الله: هي بالضم ما يدول للانسان أي يدور من الجد يقال دالت الدولة.

فعلى قول المبرد معناه كيلا يكون الفيء شيئاً يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء، وعلى قول جار الله: كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء جداً بين الأغنياء يتكاثرون به، أو لكيلا يكون الفيء دولة جاهلية كان الرؤساء منهم يستأثرون بالغنائم لأنهم أهل الرياسة والجد والغلبة وكانوا يقولون من عز بر ومنه قول الحسن " اتخذوا عباد الله خولاً ومال الله دولاً " يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به.

ومن قرأ على " كان " التامة فالمعنى كيلا يقع شيء متعاوراً بينهم غير مخرج إلى الفقراء، أو كيلا تقع دولة جاهلية أي ينقطع أثرها.

قوله ﴿ وما آتاكم ﴾ الآية.

قيل: يختص بأنه يقسم الغنائم وأن على المؤمنين أن يرضوا بما يعطيهم الرسول  منها، والأولى عند المحققين العموم.

قوله ﴿ للفقراء ﴾ بدل من قوله ﴿ ولذي القربى ﴾ إلى آخر الأصناف الأربعة.

ولا يجوز أيضاً أن يكون ابتدال البدل من قوله ﴿ فلله ﴾ لأنه يخل بتعظيم قولهم ﴿ وللرسول ﴾ لأنه  أخرجه عن الفقراء بقوله ﴿ وينصرون الله ورسوله ﴾ ولترفع منصبه عن التسمية بالفقير.

ولئن صح أنه  قال " "الفقر فخري" فذاك معنى آخر وهو غنى القلب وانقطاع التعلق عما سوى الله وجعل الهموم هماً واحداً وهو الافتقار بالكلية إلى الله.

إستدل بعض العلماء بقوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ على إمامة أبي بكر لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يقولون له يا خليفة رسول الله  .

فلو لم تكن خلافته حقه لزم كذبهم وهو خلاف الآية.

وقال في الكشاف: أراد صدقهم في إيمانهم وجهادهم.

قوله ﴿ والذين تبوّؤا الدار ﴾ معطوف على المهاجرين وكذا قوله ﴿ والذين جاءوا ﴾ وذلك عند من يجعل الغنائم حلاً للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان أو التابعين لهم إلى يوم القيامة وعلى هذا يكون قوله ﴿ يحبون ﴾ و ﴿ يقولون ﴾ حالين أي الغنائم لهم محببن قائلين.

ومن جعل المراد بيان غنائم بني النضير وقف على ﴿ هم الصادقون ﴾ و ﴿ المفلحون ﴾ وجعل الفعلين خبرين.

وعلى هذا يكون الآيتان ثناء على الأنصار على الإيثار، وللتابعين على الدعاء.

قال مقاتل: أثنى على الأنصار حين طالبت أنفسهم عن الفيء إذ جعل للمهاجرين دونهم.

وههنا سؤالان أحدهما: أنه لا يقال تبوؤا الإيمان.

الثاني بتقدير التسليم أن الأنصار ما تبوؤا الإيمان قبل المهاجرين.

والجواب من الأول أن المراد تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله: "علفتها تبناً وماء بارداً" *** أو هو مجاز من تمكنهم واستقامتهم على الإيمان كأنهم جعلوه مستقراً لهم كالمدينة أو هو مجاز بالنقصان.

والمعنى تبوّؤا دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من الثاني، أو سمى المدينة بالإيمان لأنها مكان ظهور الإيمان وهذا يؤل بالحقيقة إلى الوجه الذي تقدمه.

وعن الثاني أن المراد من قبل هجرتهم أو هو من تمام تبوء الدار، ولا شك أن الأنصار سبقوهم في ذلك وإن لم يسبقوهم في الإيمان ﴿ ولا يجدون في صدورهم حاجة ﴾ أي حسداً وغيظاً مما أوتى المهاجرون من الفيء وغيره.

وإطلاق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة من إطلاق اسم اللازم على الملزوم لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة.

وقال جار الله: المحتاج إليه يسمى حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطح إلى شيء منه يحتاج إليه ﴿ ولو كان بهم خصاصة ﴾ أي خلة فهي من خصاص البيت أي فرجه، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص الواحد خصاصة.

وفعول ﴿ يؤثرون ﴾ محذوف أي يؤثرونهم ويخصونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم.

عن ابن عباس أن النبي  قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم.

فقالوا: لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا نؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها فنزلت.

والشح المنع الذاتي الذي تقتضيه الحالة النفسانية ولهذا أضيف إلى النفس، والبخل المنع المطلق من غير اعتبار صيرورته غريزة وملكة.

قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه فقد وقي شح نفسه.

وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار الضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى شبع الضيف.

والظاهر أنها نزلت في الفيء كما مر ويدخل فيه غيره.

قوله ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ أي هاجروا بعد المهاجرين الأوّلين.

وقيل: هم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فتشمل الآيات الثلاث جميع المؤمنين.

ثم عجب من أحوال أهل النفاق من أهل المدينة كعبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن زيد، كانوا في الظاهر من الأنصار ولكنهم يوالون اليهود في السر فصاروا إخوانهم في الكفر وقالوا له ملا نطيع في قتالكم أو خذلانكم أحداً.

ثم شهد إجمالاً عليهم بأنهم كاذبون، ثم فصل ذلك قائلاً ﴿ لئن أخرجوا ﴾ إلى قوله ﴿ ولئن نصروهم ﴾ وهذا على سبيل الفرض لأنه  كما يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون.

والمعنى لو فرض نصر المنافقين اليهود ليهزمن المنافقون ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ بعد ذلك أي لا يمنعهم من عذاب الله مانع لظهور كفرهم.

وقيل: ليهزمن اليهود ثم لا تنفعهم نصرة المنافقين.

وعلى هذا يكون " ثم " لترتيب الأخبار كقوله ﴿ ثم اهتدى  ﴾ ثم بيّن الحكمة في الغزو فقال ﴿ لأنتم أشد رهبة ﴾ قال في الكشاف: أي مرهوبية هي مصدر رهب المبني للمفعول.

وقوله ﴿ في صدورهم ﴾ دلالة على نفاقهم يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله خوفاً شديداً ورهبتهم في السر منكم أشد من ذلك لأنهم لا يفقهون عظمة الله فلا يخشونه حق خشيته.

وجوز أن يكون المراد أن اليهود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله وكانوا يتشجعون للمسلمين مع إضمار الخيفة في صدورهم.

قلت: الأظهر أن المراد أنتم فيه أكثر مكانة من مواعظ الله أو لثمرة جهادكم معهم أوفر من ثمرة ترهبهم بعقاب الله ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ من سر التكاليف وتبعة الكفر والنفاق في الآخرة فلا يرتدعون إلا خوفاً من العقوبة العاجلة.

ومن هذا أخذ عمر فقال: ما ينزع السلطان أي يمنع أكثر مما ينزع القرآن.

وقال الشاعر: السيف أصدق إنباء من الكتب *** وقيل: العبد لا يردعه إلا العصا.

ثم شجع المسلمين بقوله ﴿ لا يقاتلونكم ﴾ أي لا يقدرون على قتالكم مجتمعين ﴿ إلا في قرى محصنة ﴾ غاية التحصين ﴿ أو من وراء جدر ﴾ لا مبارزين مكشوفين في الأراضي المستوية ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ لا بينكم لأنكم منصورون بنصرة الله مؤيدون بتأييده، أو لأنهم يحسبون في أنفسهم وفيما بينهم أموراً يعلم الله أنها لا تقع في الخارج على وفق حسبانهم وعن ابن عباس: معناه بعضهم لبعض عدوّ يؤيده قوله ﴿ تحسبهم جميعاً ﴾ مجتمعين ذوي تآلف ومحبة ﴿ وقلوبهم شتى ﴾ متفرقة وهو فعلى من الشت.

وإنما قال ههنا ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ وفي الأوّل ﴿ لا يفقهون ﴾ لأن الفقه معرفة ظاهر الشيء وغامضه فنفي عنهم ذلك كما قلنا، وأراد ههنا أنهم لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا فتشتتهم دليل عدم عقلهم لأن العقل يحكم بأن الاجتماع معين على المطلوب والتفرق يوهن القوى ولا سيما إذا كانوا مبطلين.

ثم شبه حالهم بحال من قتلوا قبلهم ببدر في زمان قريب.

قال جار الله: انتصب ﴿ قريباً ﴾ بمحذوف أي كوجود مثل أهل بدر قريباً.

قلت: لا يبعد أن يتعلق بصلة الذين.

ثم ضرب مثلاً آخر لإغراء المنافقين اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، والمراد إما عموم دعوة الشيطان للإنسان إلى الكفر وإما خصوص إغراء إبليس قريشاً يوم بدر كما مر في الأنفال في قوله  ﴿ وإذ زين لهم الشيطان  ﴾ إلى قوله ﴿ إني برىء منكم  ﴾ قال مقاتل: وكان عاقبة اليهود والمنافقين مثل عاقبة الشيطان والإنسان حتى صار إلى النار.

قال جار الله: كرر الأمر بالتقوى تأكيداً أو لأن الأول في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل والثاني في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد.

وسمى القيامة بالغد تقريباً لمجيئها.

عن الحسن: لم يزل بقربه حتى جعله كالغد.

وقيل: جعل مجموع زمان الدنيا كنهار عند الآخرة.

قال أهل المعاني: تنكير ﴿ نفس ﴾ للتقليل كما مر في الوقوف وتنكير ﴿ غد ﴾ للتعظيم والتهويل.

قال مقاتل: ونسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم حتى لم يشعروا لها بما ينفعها، أو فأراهم يوم القيامة من الأحوال ما نسوا فيه أنفسهم.

قلت: يجوز أن يراد نسوا ذكر الله فأورثهم القسوة وفساد الاستعداد بالكلية.

وحين نهى المؤمنين عن كونهم مثل الناسين الغافلين ذكرهم بأنه لا استواء بين الفريقين ففيه شبه قرع العصا كأنهم غفلوا عن هذا الواضح البين كما تقول لمن يعصي أباه " هو أبوك ".

استدل أصحاب الشافعي بالآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي وإلا استويا، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالقهر وإلا استويا.

واحتج بعض المعتزلة بها على أن صاحب الكبيرة لو دخل الجنة وهو من أهل النار لزم خلاف الآية.

والجواب ظاهر لأنه على تقدير إمكان العفو لا يحكم أنه من أهل النار.

ثم عظم أمر القرآن الذي يعلم منه هذا البيان.

قال الكشاف: هو مثل وتخييل بدليل قوله ﴿ وتلك الأمثال ﴾ يعني هذا وغيره من أمثال التنزيل.

وقال غيره: المعنى إشارة إلى قوله ﴿ كمثل الذين ﴾ ﴿ كمثل الشيطان ﴾ ولما وصف القرآن بما وصف عظم شأنه بوجه آخر وهو التنبيه على أوصاف منزله، وقد سبق شرح أكثر هذه الأسماء في هذا الكتاب ولا سيما في البسملة.

والقدّوس مبالغة القدس وهو التبليغ في الطهارة والبراءة عما يشين هذا بالنسبة إلى زمان الماضي والحال.

والسلام إشارة إلى كونه سالماً عن الآفات والعاهات والنقائص في زمان الاستقبال، ويجوز أن يراد أنه المعطي للسلامة.

المؤمن الواهب الأمن والمصدق لأنبيائه بالمعجزات.

وقد مر معنى المهيمن وأصل اشتقاقه في المائدة في قوله ﴿ ومهيمناً عليه  ﴾ وأن معناه الرقيب الحافظ لكل شيء.

ولمكان تعداد هذه الأوصاف كرر قوله ﴿ يسبح له ﴾ إلى آخر السورة.

فمن عزته كان منزهاً عن النقائص أهلاً للتسبيح، ومن حكمته أمر المكلفين في السموات والأرضين بأن يسبحوا له ليربحوا لا ليربح هو عليهم وهو تعالى أعلم بمراده وبالله التوفيق للخير وإليه المآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

فمن الناس من يقول: إن قوله: ﴿ هُوَ ﴾ من أرفع أسماء الله -  - وذكر عن بعض أهل بيت رسول الله  أنه كان يدعو بقوله: يا هو، يا من لا إله إلا هو، تأويل هذا الكلام: أن كل شيء بهويته كان.

وقوله: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ ، قيل فيه بوجوه ثلاثة: أحدها: أنه عالم بما غاب عن الخلق وبما شهدوا.

والثاني: بما قد كان وبما يكون.

والثالث: أنه عليم بما قد كان ويعلمه أن كيف يكون إذا كان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ فهما اسمان مشتقان من الرحمة، وفي هذه الآية بيان وجوه أربعة: أحدها: فيها بيان التوحيد، وهو قوله: ﴿ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ اسم المعبود: أن كل معبود دونه باطل.

والثاني: أن فيها تنبيهاً وتحذيراً بأن يتذكر الإنسان في جميع أحواله اطلاع الله -  - عليه، وعلمه فيه، وذلك في قوله: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .

والثالث: فيها ترغيب في رحمته وإخبار لهم: أن كل نعمة لهم في الدنيا والآخرة من الله  ؛ إذ هو عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

والرابع: ما ذكرنا في قوله: ﴿ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ...

﴾ الآية: ﴿ ٱلْمَلِكُ ﴾ من الملك، أي: ملك كل شيء له، ليس لأحد سواه حقيقة الملك، ﴿ ٱلْقُدُّوسُ ﴾ قيل فيه بوجهين: قال بعضهم: القدوس هو المبارك، والبركة اسم كل خير، أي: منه ميع الخيرات، لكن لا يجوز أن يقال لله -  -: يا مبارك، وإن كان المعنى منه يؤدي إلى أن يأتي منه كل خير؛ لأنه لا يعرف في أسمائه هذا بالنقل، وعلينا أن نسكت عن تسميته بما لم يسم نفسه بذلك؛ لذلك قلنا بأنه لا يجوز التسمي بالمبارك، والله الموفق.

والثاني: القدوس هو الطاهر، يعني: هو مقدس عما قالت الملاحدة والكفرة فيه من الولد والشريك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلسَّلاَمُ ﴾ .

اختلف في تأويله منهم من قال: سمى نفسه: سلاماً؛ لما هو سالم عن الآفات، وغيره من المخلوقين لا يسلمون من حلول الآفات بهم.

وقال آخرون: سمى نفسه: سلاماً؛ لما سلم المؤمنون من عذابه.

والتأويل الأول أقرب.

وقوله: ﴿ ٱلْمُؤْمِنُ ﴾ .

اختلف الناس في تأويله: قال قائلون: والأمان: أن يؤمن المؤمنين من العذاب، ولا يمكن لأحد أن يؤمن أحداً من عذابه.

وقال قائلون: أصله من الإيمان: وهو التصديق، ثم ذلك يتوجه إلى وجهين: أحدهما: أي: مصدق القول بما وعد للمؤمنين الجنة.

والثاني: المؤمن هو المصدق لما قال المؤمنون المصدقون من تصديقهم، فيصدقهم بما قالوا.

ومن الناس من قال: سمى نفسه بما أخبر أن هذا القرآن لما بين يديه مصدق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْمُهَيْمِنُ ﴾ اختلف فيه - أيضاً -: قال قائلون: المهيمن هو الأمين.

وقال قائلون: المهيمن هو المسلط.

وقال قائلون: المهيمن هو الشاهد.

فمن قال بالأول فإنه يذهب إلى أن أصل ذلك من المؤتمن، وهو من الأمانة، وإلى هذا التأويل يذهب القتبي، أي: أمين في كل ما يقول، وفي كل ما يفعل لا يجور.

ومن قال بأنه هو المسلط، أصله من: هيمن يهيمن، أي: سلط يسلط، سئل عن تأويل المسلط؛ فقال: هو كالظاهر؛ إذ قهر العباد كلهم، وهم ملك له.

ومن فسره بالشاهد فإنه يحتمل تأويلين: أحدهما: أي: شاهد على أفعال العباد من حيث لا يغيب عنه شيء.

والثاني: أي: شاهد بما أنزل على رسوله بالصدق، وهو كقوله -  -: ﴿ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ  ﴾ ، أي: شاهداً عليه.

وقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ﴾ .

أي: ما من عزيز دونه إلا وهو ذليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْجَبَّارُ ﴾ ، قيل فيه بوجهين: أحدهما: سمى نفسه: الجبار؛ لأنه هو المجبر لكل كبير.

فقال قائلون: سمى نفسه: [الجبار]؛ لجبروته وعظمته، ولا يجوز لأحد أن يسمى بذل الاسم إلا هو أي: الله  وتجبر عن أن يكون له أمثال وأشكال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْمُتَكَبِّرُ ﴾ .

من الكبرياء والعظمة، هذا الاسم لا يليق بغيره؛ لأن الخلق بعضهم لبعض أكفاء في الخلقة؛ فلا فضل لأحد على آخر، فلما استووا لم يجز لأحد على آخر التكبر؛ فصار الحق في ذلك لله  ، والتكبر على الآخر هو الارتفاع، والأصل فيه واحد، وهو ألا يرى لنفسه شكلا، والله أعلم.

إنما سمى نفسه: متكبراً؛ إذ هو المتكبر لذاته لم يكن تكبره بغيره؛ فلذلك قلنا: إنه لا يستحق أحد من الخلائق التكبر إلا الله -  - إذ لم يكن أحد [له] شكلا ولا ضدا ولا ندّاً، وأما غيره من الخلائق فكل واحد منهم بالذي له شكل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

فيه تنزيه لله -  - عما قالت الملاحدة فيه، فهذا اسم سمى به نفسه، وأمر الملائكة والأنبياء والمؤمنين أن يقولوا ذلك، ومعنى قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: معاذ الله أن يكون ذلك على ما قالت الكفرة، وسمى نفسه: جباراً؛ لما أنه يجبر الأشياء فيجعلها على ما يشاء، وهو كقوله: ﴿ يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ  ﴾ على ما يريد هو الأشياء، لا على ما يريده غيره.

قال [الشيخ] - رحمه الله -: إن الله -  - يتعالى بمعان أربعة: أحدها: تعاليه عن الظلم والجور وجميع ما لا يليق.

والثاني: تعاليه على الأشياء كلها بقهره لها وتصريفه إياها على ما شاء، أي: ليس أحد يقهره، بل هو يقهر الخلائق.

والثالث: تعاليه عن أن تمسه الحاجة والآفة وكل من هو ونه لا يخلو عن ذلك.

والرابع: تعاليه عما قال الظالمون فيه من الولد والأضداد والأشكال والأنداد، وتعاليه عن جميع الآفات التي تصيب الخلق، و الله المستعان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ ﴾ .

فالخالق والبارئ واحد، ويقل: برأ، أي: خلق، والبرية هي الخلق، ويقال: سميت البرية: برية؛ لأنه خلق من التراب إذ البري من التراب.

وقوله: ﴿ ٱلْمُصَوِّرُ ﴾ ، والمصور هو الذي يعطي كل شيء صورته، فيصوره على ما هو، فالتصوير هو بيان الحدود، وهو قول الناس: صورت الأمر عند فلان؛ أي: حددته.

وقوله: ﴿ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .

أي: الأمثال العلا، وهي الصفات؛ إذ الصفة ترجع إلى وجهين: إلى الصفة مرة، وإلى التشبيه مرة أخرى، فإذا رجع إلى الصفة فإنه يرجع إلى حقيقة ذلك، وإن رجع إلى التشبيه فإنه لا يرجع إلى حقيقة ذلك.

ثم قوله: ﴿ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، أي: الصفات العلا، أي: لا يسمى بذلك إلا هو؛ إذ لا يقال لغيره: الرب، ولا الرحمن، ولا المالك إلا أن يضاف ذلك إلى شيء، فأما على الإطلاق فلا يطلق ذلك إلا له جل وعلا.

ويحتمل وجهاً آخر: أي: لا شبيه له في أسمائه وألا يشركه أحد في تلك الأسماء؛ بل هي [له] خاصة، والله المستعان.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

﴿ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ  ﴾ هو الله الَّذي لا معبود بحق غيره، عالم ما غاب وما حضر، لا يخفي عليه شيء من ذلك، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وسعت رحمته العالمين، الملك، المُنَزَّه والمُقَدَّس عن كل نقص، السالم من كل عيب، المصدق رسله بالآيات الباهرة، الرقيب على أعمال عباده، العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الجبار الَّذي قهر بجبروته كل شيء، المتكبر، تَنَزَّه الله وتَقَدّس عما يشرك معه المشركون من الأوثان وغيرها.

<div class="verse-tafsir" id="91.bd5Nj"

مزيد من التفاسير لسورة الحشر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله