الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ٢٣ من سورة الحشر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 72 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٣ من سورة الحشر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله ( هو الله الذي لا إله إلا هو الملك ) أي : المالك لجميع الأشياء المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة .
وقوله : ( القدوس ) قال وهب بن منبه : أي الطاهر .
وقال مجاهد ، وقتادة : أي المبارك : وقال ابن جريج : تقدسه الملائكة الكرام .
( السلام ) أي : من جميع العيوب والنقائص ; بكماله في ذاته وصفاته وأفعاله .
وقوله : ( المؤمن ) قال الضحاك عن ابن عباس : أي أمن خلقه من أن يظلمهم .
وقال قتادة : أمن بقوله : إنه حق .
وقال ابن زيد : صدق عباده المؤمنين في إيمانهم به .
وقوله : ( المهيمن ) قال ابن عباس وغير واحد : أي الشاهد على خلقه بأعمالهم ، بمعنى : هو رقيب عليهم ، كقوله : ( والله على كل شيء شهيد ) [ البروج : 9 ] ، وقوله ( ثم الله شهيد على ما يفعلون ) [ يونس : 46 ] .
وقوله : ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) الآية [ الرعد : 33 ] .
وقوله : ( العزيز ) أي : الذي قد عز كل شيء فقهره ، وغلب الأشياء فلا ينال جنابه لعزته ، وعظمته ، وجبروته ، وكبريائه ; ولهذا قال : ( الجبار المتكبر ) أي : الذي لا تليق الجبرية إلا له ، ولا التكبر إلا لعظمته ، كما تقدم في الصحيح : " العظمة إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني واحدا منهما عذبته " .
وقال قتادة : الجبار : الذي جبر خلقه على ما يشاء .
وقال ابن جرير : الجبار : المصلح أمور خلقه ، المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم .
وقال قتادة : المتكبر : يعني عن كل سوء .
ثم قال : ( سبحان الله عما يشركون ) .
القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) يقول تعالى ذكره: هو المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، الملك الذي لا ملك فوقه، ولا شيء إلا دونه، القدّوس، قيل: هو المبارك.
وقد بيَّنت فيما مضى قبل معنى التقديس بشواهده، وذكرت اختلاف المختلفين فيه بما أغنى عن إعادته.
* ذكر من قال: عُنِيَ به المبارك .
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( الْقُدُّوسُ ): أي المبارك.
وقوله: ( السَّلامَ ) يقول: هو الذي يسلم خلقه من ظلمه، وهو اسم من أسمائه.
كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمّر، عن قتادة ( السَّلامَ ) : الله السلام.
حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله، يعني العَتكي، عن جابر بن زيد قوله: ( السَّلامَ ) قال: هو الله، وقد ذكرت الرواية فيما مضى، وبيَّنت معناه بشواهده، فأعنى ذلك عن إعادته.
وقوله: ( الْمُؤْمِنُ ) يعني بالمؤمن: الذي يؤمن خلقه من ظلمه.
وكان قتادة يقول في ذلك ما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( الْمُؤْمِنُ ): أمن بقوله أنه حقّ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( الْمُؤْمِنُ ): آمن بقوله أنه حقّ.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جُوَيبر عن الضحاك ( الْمُؤْمِنُ ) قال: المصدق.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ( الْمُؤْمِنُ ) قال: المؤمن: المصدّق الموقن، آمن الناس بربهم فسماهم مؤمنين، وآمن الربّ الكريم لهم بإيمانهم صدّقهم أن يسمى بذلك الاسم.
وقوله: ( الْمُهَيْمِنُ ) اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: المهيمن الشهيد.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( الْمُهَيْمِنُ ) قال: الشهيد، وقال مرّة أخرى: الأمين.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( الْمُهَيْمِنُ ) قال: الشهيد.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( الْمُهَيْمِنُ ) قال: أنـزل الله عزّ وجلّ كتابًا فشهد عليه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( الْمُهَيْمِنُ ) قال: الشهيد عليه.
وقال آخرون: المهيمن: الأمين.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جُويبر، عن الضحاك ( الْمُهَيْمِنُ ) الأمين.
وقال آخرون: ( الْمُهَيْمِنُ ) : المصدّق.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( الْمُهَيْمِنُ ) قال: المصدق لكلّ ما حدّث، وقرأ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ قال: فالقرآن مصدّق على ما قبله من الكتب، والله مصدّق في كلّ ما حدّث عما مضى من الدنيا، وما بقي، وما حدّث عن الآخرة.
وقد بيَّنت أولى هذه الأقوال بالصواب فيما مضى قبل في سورة المائدة بالعلل الدالة على صحته، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وقوله: ( الْعَزِيزُ ) : الشديد في انتقامه ممن انتقم من أعدائه.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( الْعَزِيزُ ) أي في نقمته إذا انتقم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( الْعَزِيزُ ) في نقمته إذا انتقم.
وقوله: ( الْجَبَّارُ ) يعني: المصلح أمور خلقه، المصرفهم فيما فيه صلاحهم.
وكان قتادة يقول: جبر خلقه على ما يشاء من أمره.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( الْجَبَّارُ ) قال: جَبَرَ خلقه على ما يشاء.
وقوله: ( الْمُتَكَبِّرُ ) قيل: عُنِيَ به أنه تكبر عن كلّ شرّ.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( الْمُتَكَبِّرُ ) قال: تكبر عن كلّ شر.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، قال: ثني رجل، عن جابر بن زيد، قال: إن اسم الله الأعظم هو الله، ألم تسمع يقول: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ يقول: تنـزيهًا لله وتبرئة له عن شرك المشركين به.
قوله تعالى : هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركونقوله تعالى : هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس أي المنزه عن كل نقص ، والطاهر عن كل عيب .
والقدس ( بالتحريك ) : السطل بلغة أهل الحجاز ; لأنه يتطهر به .
ومنه القادوس لواحد الأواني التي يستخرج بها الماء من البئر بالسانية .
وكان سيبويه يقول : قدوس وسبوح ; بفتح أولهما .
وحكى أبو حاتم عن يعقوب أنه سمع عند الكسائي أعرابيا فصيحا يكنى أبا الدينار يقرأ " القدوس " بفتح القاف .
قال ثعلب : كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول ; مثل سفود وكلوب وتنور وسمور وشبوط ، إلا السبوح والقدوس فإن الضم فيهما أكثر ; وقد يفتحان .
وكذلك الذروح ( بالضم ) وقد يفتح .السلام أي ذو السلامة من النقائص .
وقال ابن العربي : اتفق العلماء رحمة الله عليهم على أن معنى قولنا في الله السلام : النسبة ، تقديره ذو السلامة .
ثم اختلفوا في ترجمة النسبة على ثلاثة أقوال :[ ص: 42 ] الأول : معناه الذي سلم من كل عيب وبرئ من كل نقص .
الثاني : معناه ذو السلام ; أي المسلم على عباده في الجنة ; كما قال : سلام قولا من رب رحيم .
الثالث : أن معناه الذي سلم الخلق من ظلمه .قلت : وهذا قول الخطابي ; وعليه والذي قبله يكون صفة فعل .
وعلى أنه البريء من العيوب والنقائص يكون صفة ذات .
وقيل : السلام معناه المسلم لعباده .المؤمن أي المصدق لرسله بإظهار معجزاته عليهم ومصدق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب ومصدق الكافرين ما أوعدهم من العقاب .
وقيل : المؤمن الذي يؤمن أولياءه من عذابه ويؤمن عباده من ظلمه ; يقال : آمنه من الأمان الذي هو ضد الخوف ; كما قال تعالى : وآمنهم من خوف فهو مؤمن ; قال النابغة :والمؤمن العائذات الطير يمسحها ركبان مكة بين الغيل والسندوقال مجاهد : المؤمن الذي وحد نفسه بقوله : شهد الله أنه لا إله إلا هو .
وقال ابن عباس : إذا كان يوم القيامة أخرج أهل التوحيد من النار .
وأول من يخرج من وافق اسمه اسم نبي ، حتى إذا لم يبق فيها من يوافق اسمه اسم نبي قال الله تعالى لباقيهم : أنتم المسلمون وأنا السلام ، وأنتم المؤمنون وأنا المؤمن ، فيخرجهم من النار ببركة هذين الاسمين .المهيمن العزيز تقدم الكلام في المهيمن في المائدة ، وفي العزيز في غير موضع .الجبار قال ابن عباس : هو العظيم .
وجبروت الله عظمته .
وهو على هذا القول صفة ذات ، من قولهم : نخلة جبارة .
قال امرؤ القيس :سوامق جبار أثيث فروعه وعالين قنوانا من البسر أحمرايعني النخلة التي فاتت اليد .
فكان هذا الاسم يدل على عظمة الله وتقديسه عن أن تناله النقائص وصفات الحدث .
وقيل : هو من الجبر وهو الإصلاح ، يقال : جبرت العظم فجبر ، إذا أصلحته بعد الكسر ، فهو فعال من جبر إذا أصلح الكسير وأغنى الفقير .
وقال الفراء : هو من [ ص: 43 ] أجبره على الأمر أي قهره .
قال : ولم أسمع فعالا من أفعل إلا في جبار ودراك من أدرك .
وقيل : الجبار الذي لا تطاق سطوته .المتكبر الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله .
وقيل : المتكبر عن كل سوء المتعظم عما لا يليق به من صفات الحدث والذم .
وأصل الكبر والكبرياء الامتناع وقلة الانقياد .
وقال حميد بن ثور :عفت مثل ما يعفو الفصيل فأصبحت بها كبرياء الصعب وهي ذلولوالكبرياء في صفات الله مدح ، وفي صفات المخلوقين ذم .
وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال : ( الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قصمته ثم قذفته في النار ) .
وقيل : المتكبر معناه العالي .
وقيل : معناه الكبير لأنه أجل من أن يتكلف كبرا .
وقد يقال : تظلم بمعنى ظلم ، وتشتم بمعنى شتم ، واستقر بمعنى قر .
كذلك المتكبر بمعنى الكبير .
وليس كما يوصف به المخلوق إذا وصف بتفعل إذا نسب إلى ما لم يكن منه .ثم نزه نفسه فقال : سبحان الله عما يشركون أي تنزيها لجلالته وعظمته عما يشركون .
ثم كرر ذكر عموم إلهيته وانفراده بها، وأنه المالك لجميع الممالك، فالعالم العلوي والسفلي وأهله، الجميع، مماليك لله، فقراء مدبرون.{ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ } أي: المقدس السالم من كل عيب وآفة ونقص، المعظم الممجد، لأن القدوس يدل على التنزيه عن كل نقص، والتعظيم لله في أوصافه وجلاله.{ الْمُؤْمِنُ } أي: المصدق لرسله وأنبيائه بما جاءوا به، بالآيات البينات، والبراهين القاطعات، والحجج الواضحات.{ الْعَزِيزُ } الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كل شيء، وخضع له كل شيء، { الْجَبَّارُ } الذي قهر جميع العباد، وأذعن له سائر الخلق، الذي يجبر الكسير، ويغني الفقير، { الْمُتَكَبِّرُ } الذي له الكبرياء والعظمة، المتنزه عن جميع العيوب والظلم والجور.{ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } وهذا تنزيه عام عن كل ما وصفه به من أشرك به وعانده.
( هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ) الطاهر من كل عيب المنزه عما لا يليق به ( السلام ) الذي سلم من النقائص ( المؤمن ) قال ابن عباس : هو الذي أمن الناس من ظلمه وأمن من آمن به من عذابه هو من الأمان الذي هو ضد التخويف كما قال : " وآمنهم من خوف " ( قريش - 4 ) وقيل : معناه المصدق لرسله بإظهار المعجزات والمصدق للمؤمنين بما وعدهم من الثواب وللكافرين بما أوعدهم من العقاب .
( المهيمن ) الشهيد على عباده بأعمالهم وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي ومقاتل .
يقال : هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيبا على الشيء وقيل : هو في الأصل مؤيمن قلبت الهمزة هاء كقولهم : أرقت وهرقت ومعناه المؤمن .
وقال الحسن : الأمين .
وقال الخليل : هو الرقيب الحافظ .
وقال ابن زيد : المصدق .
وقال سعيد بن المسيب والضحاك : القاضي .
وقال ابن كيسان : هو اسم من أسماء الله تعالى في الكتب والله أعلم بتأويله .
( العزيز الجبار ) قال ابن عباس : " الجبار " هو العظيم وجبروت الله عظمته وهو على هذا القول صفة ذات الله وقيل : هو من الجبر وهو الإصلاح يقال : جبرت الأمر وجبرت العظم إذا أصلحته بعد الكسر فهو يغني الفقير ويصلح الكسير .
وقال السدي ومقاتل : هو الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراد .
وسئل بعضهم عن معنى الجبار فقال : هو القهار الذي إذا أراد أمرا فعله لا يحجزه عنه حاجز .
( المتكبر ) الذي تكبر عن كل سوء .
وقيل : المتعظم عما لا يليق به .
وأصل الكبر والكبرياء : الامتناع .
وقيل : ذو الكبرياء وهو الملك ( سبحان الله عما يشركون ) .
«هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدُّوس» الطاهر عما لا يليق به «السلام» ذو السلامة من النقائص «المؤمن» المصدق رسله بخلق المعجزة لهم «المهيمن» من هيمن يهيمن إذا كان رقيبا على الشيء، أي الشهيد على عباده بأعمالهم «العزيز» القوي «الجبار» جبر خلقه على ما أراد «المتكبر» عما لا يليق به «سبحان الله» نزَّه نفسه «عما يشركون» به.
هو الله المعبود بحق، الذي لا إله إلا هو، الملك لجميع الأشياء، المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة، المنزَّه عن كل نقص، الذي سلِم من كل عيب، المصدِّق رسله وأنبياءه بما ترسلهم به من الآيات البينات، الرقيب على كل خلقه في أعمالهم، العزيز الذي لا يغالَب، الجبار الذي قهر جميع العباد، وأذعن له سائر الخلق، المتكبِّر الذي له الكبرياء والعظمة.
تنزَّه الله تعالى عن كل ما يشركونه به في عبادته.
وقوله - سبحانه - : ( هُوَ الله الذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ .
.
.
) تأكيد لأمر التوحيد لأن مقام التعيم يقتضى ذلك .
ثم عدد - سبحانه - بعد ذلك بعض أسمائه الحسنى ، وصفاته الجليلة فقال : ( الملك ) أى : المالك لجميع الأشياء ، والحاكم على جميع المخلوقات والمتصرف فيها تصرف المالك فى ملكه .
( القدوس ) أى : المنزه عن كل نقص ، البالغ أقصى ما يتصوره العقل فى الطهارة وفى البعد عن النقائص والعيوب ، وعن كل مالا يليق .
من القدس بمعنى الطهارة ، والقدَس - بفتح الدال - اسم للإناء الذى يتطهر به ومنه القادوس .
وجاء لفظ القدوس بعد لفظ الملك ، للإشعار بأنه - تعالى - وإن كان مالكا لكل شىء ، إلا أنه لا يتصرف فيما يملكه تصرف الملوك المغرورين الظالمين ، وإنما يتصرف فى خلقه تصرفا منزها عن كل ظلم ونقص وعيب .
( السلام ) أى : ذو السلامة من كل ما لا يليق ، أو ذو السلام على عباده فى الجنة ، كما قال - تعالى - ( سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ ) ( المؤمن ) أى : الذى وهب لعباده نعمة الأمان والاطمئنان ، والذى صدق رسله بأن أظهر على أيديهم المعجزات التى تدل على أنهم صادقون فيما يبلغونه عنه .
( المهيمن ) أى : الرقيب على عباده ، الحافظ لأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم ، من الأمن ، ثم قلبت همزته هاء ، وقيل أصله هيمن بمعنى رقب ، فهاؤه أصلية .
( العزيز ) أى : الذى يغلب غيره ، ولا يتجاسر على مقامه أحد .
( الجبار ) أى : العظيم القدرة ، القاهر فوق عباده .
قال القرطبى : قال ابن عباس : الجبار : هو العظيم .
وجبروت الله عظمته .
وهو على هذا القول صفة ذات ، من قولهم : نخلة جبارة .
وقيل هو من الجبر وهو الإصلاح ، يقال : جبرت العظم فجبر ، إذا أصلحته بعد الكسر ، فهو فعال من جبر ، إذا أصلح الكسير وأغنى الفقير .
( المتكبر ) أى : الشديد الكبرياء ، والعظمة والجلالة ، والتنزه عما لا يليق بذاته .
وهاتان الصفتان - الجبار المتكبر - صفتا مدح بالنسبة لله - تعالى - ، وصفتا ذم بالنسبة لغيره - تعالى - ، وفى الحديث الصحيح عن أبى هريرة " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال فيما يرويه عن ربه : " الكبرياء ردائى ، والعظمة إزارى ، فمن نازعنى فى واحد منهما قصمته .
ثم قذفته فى النار " " .
( سُبْحَانَ الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ) أى : تنزه - سبحانه - وتقدس عن إشراك المشركين .
وكفر الكافرين .
ثم قال: ﴿ هُوَ الله الذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ الملك ﴾ وكل ذلك قد تقدم تفسيره.
ثم قال: ﴿ القدوس ﴾ قرئ: بالضم والفتح، وهو البليغ في النزاهة في الذات والصفات، والأفعال والأحكام والأسماء، وقد شرحناه في أول سورة الحديد، ومضى شيء منه في تفسير قوله: ﴿ وَنُقَدّسُ لَكَ ﴾ وقال الحسن: إنه الذي كثرت بركاته.
وقوله: ﴿ السلام ﴾ فيه وجهان الأول: أنه بمعنى السلامة ومنه دار السلام، وسلام عليكم وصف به مبالغة في كونه سليماً من النقائص كما يقال: رجاء، وغياث، وعدل فإن قيل فعلى هذا التفسير لايبقى بين القدوس، وبين السلام فرق، والتكرار خلاف الأصل، قلنا: كونه قدوساً، إشارة إلى براءته عن جميع العيوب في الماضي والحاضر، كونه: سليماً، إشارة إلى أنه لا يطرأ عليه شيء من العيوب في الزمان المستقبل فإن الذي يطرأ عليه شيء من العيوب، فإنه تزول سلامته ولا يبقى سليماً الثاني: أنه سلام بمعنى كونه موجباً للسلامة.
وقوله: ﴿ المؤمن ﴾ فيه وجهان الأول: أنه الذي آمن أولياءه عذابه، يقال: آمنه يؤمنه فهو مؤمن والثاني: أنه المصدق، إما على معنى أنه يصدق أنبياءه بإظهار المعجزة لهم، أو لأجل أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون لسائر الأنبياء، كما قال: ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ ثم إن الله يصدقهم في تلك الشهادة، وقرئ بفتح الميم، يعني المؤمن به على حذف الجار كما حذف في قوله: ﴿ واختار موسى قَوْمَهُ ﴾ .
وقوله: ﴿ المهيمن ﴾ قالوا: معناه الشاهد الذي لا يغيب عنه شيء.
ثم في أصله قولان، قال الخليل وأبو عبيدة: هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيب على الشيء، وقال آخرون: مهيمن أصله مؤيمن، من آمن يؤمن، فيكون بمعنى المؤمن، وقد تقدم استقصاؤه عند قوله: ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ وقال ابن الأنباري: المهيمن القائم على خلقه برزقه وأنشد: ألا إن خير الناس بعد نبيه *** مهيمنه التاليه في العرف والنكر قال معناه: القائم على الناس بعده.
وما ﴿ العزيز ﴾ فهو إما الذي لا يوجد له نظير، وإما الغالب القاهر.
وأما ﴿ الجبار ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنه فعال من جبر إذا أغنى الفقير، وأصلح الكسير.
قال الأزهري: وهو لعمري جابر كل كسير وفقير، وهو جابر دينه الذي ارتضاه، قال العجاج: قد جبر الدين الإله فجبر *** والثاني: أن يكون الجبار من جبره على كذا إذا أكرهه على ما أراده، قال السدي: إنه الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراده، قال الأزهري: هي لغة تميم، وكثير من الحجازيين يقولونها، وكان الشافعي يقول: جبره السلطان على كذا بغير ألف.
وجعل الفراء الجبار بهذا معنى من أجبره، وهي اللغة المعروفة في الإكراه، فقال: لم أسمع فعالاً من أفعل إلا في حرفين، وهما جبار من أجبر، ودراك من أدرك، وعلى هذا القول الجبار هو القهار الثالث: قال ابن الأنباري: الجبار في صفة الله الذي لا ينال، ومنه قيل للنخلة التي فاتت يد المتناول: جبارة الرابع: قال ابن عباس: الجبار، هو الملك العظيم، قال الواحدي: هذا الذي ذكرناه من معاني الجبار في صفة الله، وللجبار معان في صفة الخلق أحدها: المسلط كقوله: ﴿ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾ ، والثاني: العظيم الجسم كقوله: ﴿ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ ﴾ والثالث: المتمرد عن عبادة الله، كقوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً ﴾ ، والرابع: القتال كقوله: ﴿ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾ وقوله: ﴿ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأرض ﴾ .
أما قوله: ﴿ المتكبر ﴾ ففيه وجوه: أحدها: قال ابن عباس: الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله.
وثانيها: قال قتادة: المتعظم عن كل سوء.
وثالثها: قال الزجاج: الذي تعظم عن ظلم العباد.
ورابعها: قال ابن الأنباري: المتكبرة ذو الكبرياء، والكبرياء عند العرب: الملك، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء فِي الأرض ﴾ ، واعلم أن المتكبر في حق الخلق اسم ذم، لأن المتكبر هو الذي يظهر من نفسه الكبر، وذلك نقص في حق الخلق، لأنه ليس له كبر ولا علو، بل ليس معه إلا الحقارة والذلة والمسكنة، فإذا أظهر العلو كان كاذباً، فكان ذلك مذموماً في حقه أما الحق سبحانه فله جميع أنواع العلو والكبرياء، فإذا أظهره فقد أرشد العباد إلى تعريف جلاله وعلوه، فكان ذلك في غاية المدح في حقه سبحانه ولهذا السبب لما ذكر هذا الإسم: قال: ﴿ سبحان الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ كأنه قيل: إن المخلوقين قد يتكبرون ويدعون مشاركة الله في هذا الوصف لكنه سبحانه منزه عن التكبر الذي هو حاصل للخلق لأنهم ناقصون بحسب ذواتهم، فادعاؤهم الكبر يكون ضم نقصان الكذب إلى النقصان الذاتي، أما الحق سبحانه فله العلو والعزة، فإذا أظهره كان ذلك ضم كمال إلى كمال، فسبحان الله عما يشركون في إثبات صفة المتكبرية للخلق.
<div class="verse-tafsir"
هذا تمثيل وتخييل، كما مرّ في قوله تعالى: ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ [الأحزاب: 72] وقد دل عليه قوله: ﴿ وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ﴾ والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره.
وقرئ: ﴿ مصدّعاً ﴾ على الإدغام ﴿ وَتِلْكَ الأمثال ﴾ إشارة إلى هذا المثل وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ تَمْثِيلٌ وتَخْيِيلٌ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿ إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ ﴾ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فَإنَّ الإشارَةَ إلَيْهِ وإلى أمْثالِهِ.
والمُرادُ تَوْبِيخُ الإنْسانِ عَلى عَدَمِ تَخَشُّعِهِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ لِقَساوَةِ قَلْبِهِ وقِلَّةِ تَدَبُّرِهِ، والتَّصَدُّعُ التَّشَقُّقُ.
وَقُرِئَ «مُصَّدَّعًا» عَلى الإدْغامِ.
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ ما غابَ عَنِ الحِسِّ مِنَ الجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ وأحْوالِها، وما حَضَرَ لَهُ مِنَ الأجْرامِ وأعْراضِها، وتَقْدِيمُ الغَيْبِ لِتَقَدُّمِهِ في الوُجُودِ وتَعَلُّقِ العِلْمِ القَدِيمِ بِهِ، أوِ المَعْدُومِ والمَوْجُودِ، أوِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ.
وقِيلَ: الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ <div class="verse-tafsir"
{هُوَ الله الذى لاَ إله إِلاَّ هُوَ الملك} الذي لا يزول ملكه {القدوس} المنزه عن القبائح وفي تسبيح الملائكة سبوح قدوس رب الملائكة والروح {السلام} الذي سلم لخلق من ظلمه عن الزجاج {المؤمن} واهب الأمن وعن الزجاج الذي آمن الخلق من ظلمه أو المؤمن من عذابه من أطاعه {المهيمن} الرقيب على كل شيء الحافظ له مفيعل من الأمن إلا أن همزته قلبت هاء {العزيز} الغالب غير المغلوب {الجبار} العالي العظيم الذي يذل له من دونه أو العظيم الشأن في القدرة والسلطان أو القهار ذو الجبروت {المتكبر} البليغ الكبرياء والعظمة {سبحان الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} نزه ذاته عما يصفه به المشركون
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ كُرِّرَ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّوْحِيدِ ﴿ المَلِكُ ﴾ المُتَصَرِّفُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، أوِ المالِكُ لِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّذِي لَهُ التَّصَرُّفُ فِيها، أوِ الَّذِي يُعِزُّ مَن يَشاءُ ويُذِلُّ مَن يَشاءُ ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الإذْلالُ، أوِ الَّذِي يُوَلِّي ويَعْزِلُ ولا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهِ تَوْلِيَةٌ ولا عَزْلٌ، أوِ المُنْفَرِدُ بِالعِزِّ والسُّلْطانِ، أوْ ذُو المُلْكِ والمُلْكُ خَلْقُهُ، أوِ القادِرُ أقْوالٌ حَكاها الآمِدِيُّ، وحُكِيَ الأخِيرُ عَنِ القاضِي أبِي بَكْرٍ ﴿ القُدُّوسُ ﴾ البَلِيغُ في النَّزاهَةِ عَمّا يُوجِبُ نُقْصانًا، أوِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ في كُلِّ وصْفٍ اخْتُصَّ بِهِ، أوِ الَّذِي لا يُحَدُّ ولا يُتَصَوَّرُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وأبُو دِينارٍ الأعْرابِيُّ «القَدُّوسُ» بِفَتْحِ القافِ وهو لُغَةٌ فِيهِ لَكِنَّها نادِرَةٌ، فَقَدْ قالُوا: فُعُولٌ بِالضَّمِّ كَثِيرٌ، وأمّا بِالفَتْحِ فَيَأْتِي فِي الأسْماءِ - كَسَمُّورٍ وتَنُّورٍ وهَبُّودٍ -اسْمُ جَبَلٍ بِاليَمامَةِ، وأمّا في الصِّفاتِ فَنادِرٌ جِدًّا، ومِنهُ سَبُّوحٌ بِفَتْحِ السِّينِ ﴿ السَّلامُ ﴾ ذُو السَّلامَةِ مِن كُلِّ نَقْصٍ وآفَةٍ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وعَنِ الجُبّائِيِّ هو الَّذِي تُرْجى مِنهُ السَّلامَةُ، وقِيلَ: أيِ الَّذِي يُسَلِّمُ عَلى أوْلِيائِهِ فَيَسْلَمُونَ مِن كُلِّ مَخُوفٍ ﴿ المُؤْمِنُ ﴾ قِيلَ: المُصَدِّقُ لِنَفْسِهِ ولِرُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيما بَلَّغُوهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ إمّا بِالقَوْلِ أوْ بِخَلْقِ المُعْجِزَةِ، أوْ واهِبُ عِبادَةِ الأمْنِ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ أوْ مُؤَمِّنُهم مِنهُ إمّا بِخَلْقِ الطُّمَأْنِينَةِ في قُلُوبِهِمْ أوْ بِإخْبارِهِمْ أنْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: مُؤَمِّنُ الخَلْقِ مِن ظُلْمِهِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: المُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ في أنَّهم آمَنُوا، وقالَ النَّحّاسُ: في شَهادَتِهِمْ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ وقِيلَ: ذُو الأمْنِ مِنَ الزَّوالِ لِاسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَرَأ الإمامُ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -وقِيلَ- أبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ «المُؤْمَنُ» بِفَتْحِ المِيمِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ﴾ أيِ المُؤْمَنُ بِهِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ إطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَعالى لِإيهامِهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ سُبْحانَهُ إذِ المُؤْمَنُ المُطْلَقُ مَن كانَ خائِفًا وآمَنُهُ غَيْرُهُ، وفِيهِ أنَّهُ مَتى كانَ ذَلِكَ قِراءَةً ولَوْ شاذَّةً لا يَصِحَّ هَذا لِأنَّ القِراءَةَ لَيْسَتْ بِالرَّأْيِ ﴿ المُهَيْمِنُ ﴾ الرَّقِيبُ الحافِظُ لِكُلِّ شَيْءٍ مُفَيْعِلٌ مِنَ الأمْنِ بِقَلْبِ هَمْزَتِهِ هاءً، وإلَيْهِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ، وتَحْقِيقُهُ كَما في الكَشْفِ أنَّ أيْمَنَ عَلى فَيَعَلَ مُبالَغَةُ أمَّنَ العَدُوَّ لِلزِّيادَةِ في البِناءِ، وإذا قُلْتَ: أمِنَ الرّاعِي الذِّئْبَ عَلى الغَنَمِ مَثَلًا دَلَّ عَلى كَمالِ حِفْظِهِ ورَقَبَتِهِ، فاللَّهُ تَعالى أمِنَ كُلَّ شَيْءٍ سِواهُ سُبْحانَهُ عَلى خَلْقِهِ ومُلْكِهِ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مُجَرَّدُ الدَّلالَةِ بِمَعْنى الرَّقِيبِ والحَفِيظِ عَلى الشَّيْءِ مِن ذِكْرِ المَفْعُولِ بِلا واسِطَةٍ لِلْمُبالَغَةِ في كَمالِ الحِفْظِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ وجَعْلُهُ مِن ذاكَ أوْلى مِن جَعْلِهِ مِنَ الأمانَةِ نَظَرًا إلى أنَّ الأمِينَ عَلى الشَّيْءِ حافِظٌ لَهُ إذْ لا يُنْبِئُ عَنِ المُبالَغَةِ ولا عَنْ شُمُولِ العِلْمِ والقُدْرَةِ، وجَعَلَهُ في الصِّحاحِ اسْمَ فاعِلٍ مِن آمَنَهُ الخَوْفَ عَلى الأصْلِ فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ الأصْلِيَّةُ ياءً كَراهَةَ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ وقُلِبَتِ الأُولى هاءً كَما في هَراقَ الماءَ، وقَوْلُهم في إيّاكَ: هَياكَ كَأنَّهُ تَعالى بِحِفْظِهِ المَخْلُوقِينَ صَيَّرَهم آمِنِينَ، وحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ - كَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ - لِتَضْمِينِ مَعْنى الِاطِّلاعِ ونَحْوِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاشْتِقاقَ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا أدُلُّ والخُرُوجُ عَنِ القِياسِ فِيهِ أقَلُّ، وظاهِرُ كَلامِ الكَشْفِ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ التَّصْغِيرِ في شَيْءٍ.
وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّهُ مُصَغَّرٌ، وخُطِّئَ في ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ تَصْغِيرُ أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ العَزِيزُ ﴾ الغالِبُ.
وقِيلَ: الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ، وقِيلَ: الَّذِي يُعَذِّبُ مَن أرادَ، وقِيلَ: الَّذِي عَلَيْهِ ثَوابُ العامِلِينَ، وقِيلَ: الَّذِي لا يُحَطُّ عَنْ مَنزِلَتِهِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ ﴿ الجَبّارُ ﴾ الَّذِي جَبَرَ خَلْقَهُ عَلى ما أرادَ وقَسَرَهم عَلَيْهِ: ويُقالُ في فِعْلِهِ: أجْبَرَ، وأمْثِلَةُ المُبالَغَةِ تُصاغُ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ لَكِنْ بِقِلَّةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن جَبَرَهُ بِمَعْنى أصْلَحَهُ، ومِنهُ جَبَرْتُ العَظْمَ فانْجَبَرَ فَهو الَّذِي جَبَرَ أحْوالَ خَلْقِهِ أيْ أصْلَحَها، وقِيلَ: هو المَنِيعُ الَّذِي لا يُنالُ يُقالُ لِلنَّخْلَةِ إذا طالَتْ وقَصُرَتْ عَنْها الأيْدِي: جَبّارَةٌ، وقِيلَ: هو الَّذِي لا يُنافَسُ في فِعْلِهِ ولا يُطالَبُ بِعِلَّةٍ ولا يُحْجَرُ عَلَيْهِ في مَقْدُورِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَظِيمُ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ ﴿ المُتَكَبِّرُ ﴾ البَلِيغُ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ بَرِيءٌ مِنَ التَّكْلِيفِ الَّذِي تُؤْذِنُ بِهِ الصِّيغَةُ فَيُرْجَعُ إلى لازِمِهِ مِن أنَّ الفِعْلَ الصّادِرَ عَنْ تَأنُّقٍ أقْوى وأبْلَغُ، أوِ الَّذِي تَكَبَّرَ عَنْ كُلِّ ما يُوجِبُ حاجَةً أوْ نُقْصانًا ﴿ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ، أوْ عَنْ إشْراكِهِمْ بِهِ عَزَّ وجَلَّ إثْرَ تَعْدادِ صِفاتِهِ تَعالى الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ يُشارَكَ سُبْحانَهُ في شَيْءٍ مِنها أصْلًا <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ يعني: اخشوا الله، ويقال: أطيعوا الله.
وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ يعني: ما عملت لغد، وأسلفت لغد أي ليوم القيامة، ومعناه: تصدقوا واعملوا بالطاعة، لتجدوا ثوابه يوم القيامة.
ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الخير والشر.
ثم وعظ المؤمنين بأن لا يتركوا أمره ونهيه كاليهود.
ويوحدوه في السر والعلانية، ولا يكونوا في المعصية كالمنافقين، فقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ يعني: تركوا أمر الله تعالى.
فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني: خذلهم الله تعالى، حتى تركوا حظ أنفسهم أن يقدموا خيرا لها.
أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني: العاصين، ويقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ أي: تركوا ذكر الله وما أمرهم به فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني: فترك ذكرهم بالرحمة والتوفيق، ويقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ يعني: تركوا عهد الله ونبذوا كتابه وراء ظهورهم، فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني: أنساهم حالهم، حتى لم يعملوا لأنفسهم ولم يقدموا لها خيرا.
أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني: الناقضين للعهد.
ثم ذكر مستقر الفريقين، فقال: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ، يعني: لا يستوي في الكرامة والهوان في الدنيا والآخرة، لأن أصحاب الجنة في الدنيا موفقون منعمون معتصمون، وفي الآخرة لهم الثواب والكرامة، وأصحاب النار مخذولون في الدنيا معذبون في الآخرة.
ويقال: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ في الآخرة، لان أصحاب الجنة يتقلبون في النعيم، وأصحاب النار يتقلبون في النار والهوان.
ثم قال: أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ يعني: المستعدون الناجون، وأصحاب النار الهالكون.
ثم وعظهم ليعتبروا بالقرآن، فقال عز وجل: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ يعني: القرآن الذي فيه وعده ووعيده لو أنزلناه على جبل، لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ يعني: خاضعا متصدعا، ويقال: يندق من خوف عذاب الله، فكيف لا يندق ولا يرق هذا الإنسان ويخشع؟
ويقال: هذا على وجه المثل، يعني: لو كان الجبل له تميز عقل، لتصدع من الخشية.
ثم قال عز وجل: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ يعني: نبينها للناس، لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ يعني: لكي يتعظوا في أمثال الله، يعني: يعتبرون ولا يعصون الله تعالى.
ثم قال: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق ولا رازق غيره.
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني: عالم السر والعلانية، ويقال: الغيب: ما غاب عن العباد.
والشهادة: ما شاهدوه وعاينوه ويقال: عالم بما كان وبما يكون، ويقال: عالم بأمر الآخرة وبأمر الدنيا.
ثم قال: هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ يعني: العاطف على جميع الخلق بالرزق، الرَّحِيمُ بالمؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
وحُمِلَ العابدُ شَرَّ حَمْلٍ، / وَصُلِبَ- جَاءَهُ الشيطانُ فَقَالَ له: اسجد لي سجدةً وأنا أُخَلِّصُكَ، فسجد له، فقال له الشيطان: هذا الذي أردتُ منك أَنْ كفرتَ بربك، إنِّي بريء منك، فضرب اللَّه تعالى هذا المَثَلَ ليهودِ بني النضير والمنافقين، وهذا يحتاج إلى صِحَّةِ سَنَدٍ، والتأويل الأول هو وجه الكلام.
ت: قال السهيلي: وقد ذكر هذه القصةَ هكذا القاضي إسماعيلُ وغيره من طريق سفيان عن عمرو بن دينار، عن عُرْوَةَ بنِ عَامِرِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرْقِيِّ، عنِ النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنَّ رَاهِباً كَانَ في بَنِي إسرائيل» «١» فذكر القصة بكمالها، ويقال: إنَّ اسمَ هذا الراهب «بَرْصِيصَا» ، ولم يذكر اسمه القاضي إسماعيل، انتهى، قال ع «٢» : وقول الشيطان: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رياءً من قوله، وليست على ذلك عقيدته، ولا يعرف اللَّه حَقَّ معرفته، ولا يحجزه خوفُه عن سُوءٍ يوقع فيه ابنَ آدم من أول إلى آخر فَكانَ عاقِبَتَهُما يعني: الشيطان والإنسان على ما تقدم من حملها على الجنس أو الخصوص.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ...
الآية:
هذه آية وعظ وتذكير، وتقريبٍ للآخرة، وتحذيرٍ مِمَّنْ لا تخفى عليه خافيةٌ، وقوله تعالى:
لِغَدٍ: يريد يوم القيامة، والذين نسوا اللَّه: هم الكفار، والمعنى: تركوا اللَّه وغفلوا عنه، حَتَّى كانوا كالناسين، فعاقبهم بأَنْ [جعلهم] «٣» ينسون أنفسهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بالذنب، قال سفيان «٤» : المعنى: حَظَّ أنفسهم، ويُعْطِي لفظُ الآية أَنَّ مَنْ عرف نفسه ولم يَنْسَهَا عَرَفَ رَبَّهُ تعالى، وقد قال عليُّ بن أبي طالبٍ «٥» ، - رضي اللَّه عنه-: اعْرِفْ نفسك تَعْرِفْ ربك، وروي عنه أَيضاً أَنَّه قال: مَنْ لم يعرفْ نفسه، لم يعْرف ربه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ أيْ: لِيَنْظُرْ أحَدُكم أيَّ شَيْءٍ قَدَّمَ؟
أعْمَلًا صالِحًا يُنْجِيهِ؟
أمْ سَيِّئًا يُوبِقُهُ؟
﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: تَرَكُوا أمْرَهُ ﴿ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ ﴾ أيْ: أنْساهم حُظُوظَ أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَعْمَلُوا بِالطّاعَةِ، ولَمْ يُقَدِّمُوا خَيْرًا.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرَ، وبَنِي قَيْنُقاعٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ﴿ لا يَسْتَوِي أصْحابُ النارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ ﴾ ﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللهِ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ وتَقْرِيبٍ لِلْآخِرَةِ، وتَحْذِيرٍ مِمَّنْ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَلْتَنْظُرْ" بِسُكُونِ اللامِ وجَزْمِ الراءِ عَلى أصْلِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ، وفِرْقَةٌ كَذَلِكَ الأمْرُ، إلّا أنَّها كُسِرَتْ عَلى أصْلِ لامَ الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "وَلِتَنْظُرَ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى لامِ "كَيْ"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وأمَرْنا بِالتَقْوى لِتَنْظُرُوا، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: اتَّقُوا اللهَ ولْتَكُنْ تَقْواكم لِتَنْظُرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِغَدٍ" يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ قَتادَةُ: قَرَّبَ اللهُ تَعالى القِيامَةَ حَتّى جَعَلَها غَدًا، وذَلِكَ لِأنَّها آتِيَةٌ لا مَحالَةَ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَعالى بِقَوْلِهِ:"لِغَدٍ" لِيَوْمِ المَوْتِ لِأنَّهُ لِكُلِّ إنْسانٍ كَغَدِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: ما قَدَّمْتَ مِنَ الأعْمالِ، فَإذا نَظَرَها الإنْسانُ تَزِيدُ مِنَ الصالِحاتِ وكَفَّ عَنِ السَيِّئاتِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: الأمْسُ الدُنْيا وغَدٌ الآخِرَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَكُونُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى مُخاطَبَةِ جَمِيعِ الَّذِينَ آمَنُوا، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يَكُونُوا" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، كِنايَةٌ عن "نَفْسِ" الَّتِي هي اسْمُ الجِنْسِ، و"الَّذِينَ نَسُوا اللهَ" هُمُ الكُفّارُ، والمَعْنى: تَرَكُوا اللهَ وغَفَلُوا عنهُ حَتّى كانُوا كالناسِينَ، وعَبَّرَ تَعالى عَمّا حَفَّهم بِهِ مِنَ الضَلالَةِ بـ "فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ"، سَمّى عُقُوبَتَهم بِاسْمِ ذَنْبِهِمْ بِوَجْهٍ ما، وهَذا أيْضًا هو الجَزاءُ بِالذَنْبِ عَلى الذَنْبِ، فَكَسَبُوا هم نِسْيانَ جِهَةِ اللهِ تَعالى.
فَعاقَبَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ جَعَلَهم يَنْسَوْنَ أنْفُسَهُمْ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: حَظُّ أنْفُسِهِمْ، ويُعْطِي لَفْظَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن عَرَفَ نَفْسَهُ ولَمْ يُنْسِها عَرَفَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ، وقَدْ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: اعْرَفْ نَفْسَكَ تَعْرِفْ رَبَّكَ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اعْرَفْ نَفْسَكَ تَعْرِفْ رَبَّكَ، ورَوى عنهُ أنَّهُ قالَ أيْضًا: مَن لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَلا أصْحابَ الجَنَّةِ" بِزِيادَةِ "لا".
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ ﴾ الآيَةُ...
مَوْعِظَةٌ لِلْإنْسانِ، أو ذَمٌّ لِأخْلاقِهِ في غَفْلَتِهِ وإعْراضِهِ عن داعِيَةِ اللهِ تَعالى، وذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ وفَهِمُوهُ وأعْرَضُوا عنهُ، وهو لَوْ نَزَلَ عَلى جَبَلٍ وفَهِمَ الجَبَلُ مِنهُ ما فَهِمَ الإنْسانُ لَخَشَعَ واسْتَكانَ وتَصَدَّعَ مِن خَشْيَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وإذا كانَ الجَبَلُ عَلى عِظَمِهِ وقُوَّتِهِ يَفْعَلُ هَذا فَما عَسى أنْ يَحْتاجَ ابْنُ آدَمَ يَفْعَلُ، لَكِنَّهُ يُعْرِضُ ويَصُدُّ عَلى حَقارَتِهِ وضَعْفِهِ، وضَرَبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى هَذا المَثَلَ لِيَتَفَكَّرَ فِيهِ العاقِلُ ويَخْشَعَ ويَلِينَ قَلْبُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مُصَّدِّعًا" عَلى إدْغامِ التاءِ في الصادِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُوَ الله الذى لاَ إله إِلاَّ هُوَ الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجَبّارُ المتُتَكَبِرُّ ﴾ .
القول في ضمير ﴿ هو ﴾ كالقول في نظيره في الجملة الأولى.
وهذا تكرير للاستئناف لأن المقام مقام تعظيم وهو من مقامات التكرير، وفيه اهتمام بصفة الوحدانية.
و ﴿ الملك ﴾ : الحاكِم في الناس، ولا مَلِك على الإِطلاق إلاّ الله تعالى وأما وصف غيره بالمَلِك فهو بالإِضافة إلى طائفة معيَّنة من الناس.
وعُقب وصفا الرحمة بوصف ﴿ الملك ﴾ للإِشارة إلى أن رحمته فضل وأنه مطلق التصرف كما وقع في سورة الفاتحة.
و ﴿ القدوس ﴾ بضم القاف في الأفصح، وقد تفتح القاف قال ابن جنّي: فَعُّول في الصفة قليل، وإنما هو في الأسماء مثل تَنُّور وسَفُّود وعَبُّود.
وذكر سيبويه السَّبُّوح والقَدوس بالفتح، وقال ثعلب: لم يَرد فَعُّول بضم أوله إلا القُدوس والسُّبوح.
وزاد غيره الذُّرُّوح، وهو ذُباب أحمر متقطع الحمرة بسواد يشبه الزنبور.
ويسمى في اصطلاح الأطباء ذباب الهند.
وما عداهما مفتوح مثل سَفُّود وكَلُّوب.
وتَنُّور وسَمُّور وشَبُّوط (صنف من الحوت) وكأنه يريد أن سبوح وقدوس صارا اسمين.
وعقب ب ﴿ القدوس ﴾ وصف ﴿ الملك ﴾ للاحتراس إشارة إلى أنه مُنزه عن نقائص الملوك المعروفة من الغرور، والاسترسال في الشهوات ونحو ذلك من نقائص النفوس.
و ﴿ السلام ﴾ مصدر بمعنى المسالَمَة وُصف الله تعالى به على طريقة الوصف بالمصدر للمبالغة في الوصف، أي ذو السلام، أي السلامة، وهي أنه تعالى سالَمَ الخلقَ من الظلم والجور.
وفي الحديث «إن الله هو السلام ومنه السّلام» وبهذا ظهر تعقيب وصف ﴿ الملك ﴾ بوصف ﴿ السلام ﴾ فإنه بعد أن عُقب ب ﴿ القدوس ﴾ للدلالة على نزاهة ذاته، عُقب ب ﴿ السلام ﴾ للدلالة على العدل في معاملته الخلق، وهذا احتراس أيضاً.
و ﴿ المؤمن ﴾ اسم فاعل من آمن الذي همزته للتعدية، أي جعل غيره آمناً.
فالله هو الذي جعل الأمان في غالب أحوال الموجودات، إذ خلق نظام المخلوقات بعيداً عن الأخطار والمصائب، وإنما تَعْرِض للمخلوقات للمصائب بعوارض تتركب من تقارن أو تضاد أو تعارض مصالح، فيرجَع أقواها ويَدحض أدناها، وقد تأتي من جرّاء أفعال الناس.
وذكر وصف ﴿ المؤمن ﴾ عقب الأوصاف التي قبله إتمام للاحتراس من توهّم وصفه تعالى ب ﴿ الملك ﴾ أنه كالملوك المعروفين بالنقائص.
فأفيد أولاً نزاهة ذاته بوصف ﴿ القدوس ﴾ ، ونزاهة تصرفاته المغيَّبة عن الغدر والكَيد بوصف ﴿ المؤمن ﴾ ، ونزاهةُ تصرفاته الظاهرةِ عن الجور والظلم بوصف ﴿ السلام ﴾ .
و ﴿ المهيمن ﴾ : الرقيب بلغة قريش، والحافظ في لغة بقية العرب.
واختلف في اشتقاقه فقيل: مشتق من أمَنَ الداخل عليه همزة التعدية فصار آمَن وأن وزن الوصففِ مُؤَيْمِن قلبت همزته هاء، ولعل موجب القلب إرادة نقله من الوصف إلى الاسمية بقطع النظر عن معنى الأمن، بحيث صار كالاسم الجامد.
وصار معناه: رقب: (ألا ترى أنه لم يبق فيه معنى إلا من الذين في المؤمن لمّا صار اسماً للرقيب والشاهد)، وهو قلب نادر مثل قلب همزة: أراق إلى الهاء فقالوا: هَراق، وقد وضعه الجوهري في فصل الهمزة من باب النون ووزنه مفَعْلِل اسم فاعل من آمن مثل مُدحرج، فتصريفه مُؤَأْمِن بهمزتين بعد الميم الأولى المزيدة، فأبدلت الهمزة الأولى هاء كما أبدلت همزة آراق فقالوا: هراق.
وقيل: أصله هَيْمن بمعنى: رَقب، كذا في «لسان العرب» وعليه فالهاء أصلية ووزنه مُفَيْعل.
وذَكره صاحب «القاموس» في فصل الهاء من باب النون ولم يذكره في فصل الهمزة منه.
وذكره الجوهري في فصل الهمزة وفصل الهاء من باب النون مصرحاً بأن هاءه أصلها همزة.
وعدل الراغب وصاحب «الأساس» عن ذكر.
وذلك يشعر بأنهما يريان هاءه مبدلة من الهمزة وأنه مندرج في معاني الأمن.
وفي «المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى» للغزالي ﴿ المهيمن ﴾ في حق الله: القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وإنما قيامه عليهم باطلاعه واستيلائه وحفظه.
والإِشرافُ، (أي الذي هو الإطلاع) يرجع إلى العلم، والاستيلاءُ يرجع إلى كمال القدرة، والحفظُ يرجع إلى الفعل.
والجامعُ بين هذه المعاني اسمه ﴿ المهيمن ﴾ ولن يجتمع عَلَى ذلك الكمال والإِطلاققِ إلا الله تعالى، ولذلك قيل: إنه من أسماء الله تعالى في الكتب القديمة ا ه.
وفي هذا التعريف بهذا التفصيل نظر ولعله جرى من حجة الإِسلام مجرى الاعتبار بالصفة لا تفسير مدلولها.
وتعقيب ﴿ المؤمن ﴾ ب ﴿ المهيمن ﴾ لدفع توهم أن تأمينه عن ضعف أو عن مخافة غيره، فأُعلموا أن تأمينه لحكمته مع أنه رقيب مطلع على أحوال خلقه فتأمينه إياهم رحمة بهم.
و ﴿ العزيز ﴾ الذي لا يُغلب ولا يُذلّه أحد، ولذلك فسر بالغالب.
و ﴿ الجبار ﴾ : القاهر المُكرِه غيره على الانفعال بفعله، فالله جبار كل مخلوق على الانفعال لما كوّنه عليه لا يستطيع مخلوق اجتياز ما حدّه له في خلقته فلا يستطيع الإِنسان الطيران ولا يستطيع ذوات الأربع المشي على رجلين فقط، وكذلك هو جبّار للموجودات على قبول ما أراده بها وما تعلقت به قدرته عليها.
وإذا وصف الإِنسان بالجبار كان وصف ذمّ لأنه يشعر بأنه يحمل غيره على هواه ولذلك قال تعالى: ﴿ إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ﴾ [القصص: 19].
فالجبار من أمثلة المبالغة لأنه مشتق من أجبره، وأمثلة المبالغة تشتق من المزيد بقلة مثل الحكيم بمعنى المحكم.
قال الفراء: لم أسمع فَعَّالاً في أفعَلَ إلا جبّاراً ودَرَّاكاً.
وكان القياس أن يقال: المجبر والمُدرك، وقيل: الجبار معناه المصلح من جبر الكَسر، إذَا أصلحه، فاشتقاقه لا نذرة فيه.
و ﴿ المتكبر ﴾ : الشديد الكبرياء، أي العظمة والجلالة.
وأصل صيغة التفعل أن تدل على التكلف لكنها استعملت هنا في لازم التكلف وهو القوة لأن الفعل الصادر عن تأنق وتكلف يكون أتقن.
ويقال: فلان يتظلم على الناس، أي يكثر ظلمهم.
ووجه ذكر هذه الصفات الثلاث عقب صفة ﴿ المهيمن ﴾ أن جميع ما ذكره آنفاً من الصفات لا يؤذن إلا باطمئنان العباد لعناية ربهم بهم وإصلاح أمورهم وأن صفة ﴿ المهيمن ﴾ تؤذن بأمر مشترك فعقبت بصفة ﴿ العزيز ﴾ ليعلم الناس أن الله غالب لا يعجزه شيء.
وأتبعت بصفة ﴿ الجبار ﴾ الدالة على أنّه مسخر المخلوقات لإِرادته ثم صفة ﴿ المتكبر ﴾ الدالة على أنه ذو الكبرياء يصغر كل شيء دون كبريائه فكانت هذه الصفات في جانب التخويف كما كانت الصفات قبلها في جانب الإِطماع.
﴿ المتكبر سبحان الله عَمَّا ﴾ .
ذيلت هذه الصفات بتنزيه الله تعالى عن أن يكون له شركاء بأن أشرك به المشركون.
فضمير ﴿ يشركون ﴾ عائد إلى معلوم من المقام وهم المشركون الذين لم يزل القرآن يقرعهم بالمواعظ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ رَوى مَعْنُ أوْ عَوْنُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلًا أتاهُ فَقالَ: اعْهَدْ لِي، فَقالَ: إذا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فَأرْعِها سَمْعَكَ فَإنَّهُ خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ أوْ شَرٌ تَنْهى عَنْهُ.
وَفِي هَذِهِ التَّقْوى وجْهانِ: أحَدُهُما: اجْتِنابُ المُنافِقِينَ.
الثّانِي: هو اتِّقاءُ الشُّبُهاتِ.
﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ما قَدَّمَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
﴿ لِغَدٍ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ والأمْسُ: الدُّنْيا.
قالَ قَتادَةُ: إنَّ رَبَّكم قَدَّمَ السّاعَةَ حَتّى جَعَلَها لِغَدٍ.
﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في هَذِهِ التَّقْوى وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَأْكِيدٌ لِلْأُولى.
والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ بِها مُخْتَلِفٌ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأُولى التَّوْبَةُ مِمّا مَضى مِنَ الذُّنُوبِ، والثّانِيَةَ اتِّقاءُ المَعاصِي في المُسْتَقْبَلِ.
الثّانِي: أنَّ الأُولى فِيما تَقَدَّمَ لِغَدٍ، والثّانِيَةُ فِيما يَكُونُ مِنكم.
﴿ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِعِمَلِكم.
الثّانِي: خَبِيرٌ بِكم عَلِيمٌ بِما يَكُونُ مِنكم، وهو مَعْنى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: نَسُوا اللَّهَ أيْ تَرَكُوا أمْرَ اللَّهِ، فَأنْساهم أنْفُسَهم أنْ يَعْمَلُوا لَها خَيْرًا، قالَهُ ابْنُ حِبّانَ.
الثّانِي: نَسُوا حَقَّ اللَّهِ فَأنْساهم حَقَّ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: نَسُوا اللَّهَ بِتَرْكِ شُكْرِهِ وتَعْظِيمِهِ فَأنْساهم أنْفُسَهم بِالعَذابِ أنْ يَذْكُرَ بَعْضُهم بَعْضًا، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: نَسُوا اللَّهَ عِنْدَ الذُّنُوبِ فَأنْساهم أنْفُسَهم عِنْدَ التَّوْبَةِ، قالَهُ سَهْلٌ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: نَسُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ فَأنْساهم أنْفُسَهم في الشَّدائِدِ.
﴿ أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: العاصُونَ: قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: الكاذِبُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَسْتَوُونَ في أحْوالِهِمْ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ في نَعِيمٍ، وأهْلَ النّارِ في عَذابٍ.
الثّانِي: لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مِن أوْلِيائِهِ، وأهْلَ النّارِ مِن أعْدائِهِ.
﴿ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُقَرَّبُونَ المُكَرَّمُونَ.
الثّانِي: النّاجُونَ مِنَ النّارِ، قالَهُ ابْنُ حِبّانَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن راهويه وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن علي بن أبي طالب أن رجلاً كان يتعبد في صومعة، وأن امرأة كان لها إخوة فعرض لها شيء، فأتوه بها، فزينت له نفسه فوقع عليها، فجاءه الشيطان فقال: اقتلها فإنهم إن ظهروا عليك افتضحت، فقتلها ودفنها، فجاؤوه فأخذوه، فذهبوا به، فبينما هم يمشون إذ جاءه الشيطان فقال: إني أنا الذي زينت لك فاسجد لي سجدة أنجيك، فسجد له، فذلك قوله: ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ كمثل الشيطان ﴾ الآية، قال: كان راهب من بين إسرائيل يعبد الله فيحسن عبادته، وكان يؤتي من كل أرض فيسأل عن الفقه، وكان عالماً، وإن ثلاثة إخوة لهم أخت حسناء من أحسن الناس، وإنهم أرادوا أن يسافروا، وكبر عليهم أن يدعوها ضائعة، فعمدوا إلى الراهب، فقالوا: إنا نريد السفر، وإنا لا نجد أحد أوثق في أنفسنا ولا آمن عندنا منك، فإن رأيت جعلنا أختنا عندك، فإنها شديدة الوجع، فإن ماتت، فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى ترجع، فقال: أكفيكم إن شاء الله، فقام عليها فداواها حتى برئت وعاد إليها حسنها، وإنه اطلع إليها فوجدها متصنعة، ولم يزل به الشيطان حتى وقع عليها فحملت، ثم ندمه الشيطان فزين له قتلها وقال: إن لم تفعل افتضحت وعرف أمرك، فلم يكن لك معذره، فلم يزل به حتى قتلها، فلما قدم إخوتها سألوه ما فعلت؟
قال: ماتت، فدفنتها.
قالوا: أحسنت.
فجعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب قتلها وأنها تحت شجرة كذا وكذا، وأنهم عمدوا إلى الشجرة فوجدها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه فقال الشيطان: أنا الذي زينت لك الزنا وزينت لك قتلها، فهل لك أن تطيعني وأنجيك؟
قال: نعم، قال: قال فاسجد لي سجدة واحدة فسجد له ثم قتل فذلك قول الله: ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في هذه الآية قال: كانت امرأة ترعى الغنم وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب فنزل الراهب ففجر بها، فأتاه الشيطان فقال: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يسمع قولك، فقتلها ثم دفنها، فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلم أصبح قال رجل منهم: لقد رأيت البارحة كذا وكذا فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت كذلك فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت كذلك قالوا: فوالله ما هذا إلا لشيء، فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب فأتوه فأنزلوه، ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا، ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، فسجد له فلما أتوا به ملكهم تبرأ منه وأُخِذَ فقُتِل.
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبيد بن رفاعة الدارمي يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان راهب في بني إسرائيل، فأخذ الشيطان جارية فخنقها فألقى في قلوب أهلها أن دواءها عند الراهب، فأتي بها الراهب، فأبى أن يقبلها، فلم يزالوا به حتى قبلها، فكانت عنده، فأتاه الشيطان فوسوس له وزين له، فلم يزل به حتى وقع عليها، فلما حملت وسوس له الشيطان فقال: الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها، فإن أتوك، فقل: ماتت، فقتلها ودفنها فأتى الشيطان أهلها فوسوس إليهم، وألقى في قلوبهم أنه أحبلها ثم قتلها، فأتاه أهلها فسألوه فقال: ماتت، فأخذوه فأتاه الشيطان فقال: أنا الذي ألقيت في قلوب أهلها، وأنا الذي أوقعتك في هذا فأطعني تنج واسجد لي سجدتين فسجد له سجدتين فهو الذي قال الله: ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر ﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر والخرائطي في اعتلال القلوب من طريق عدي بن ثابت عن ابن عباس في الآية قال: كان راهب في بني إسرائيل متعبداً زماناً حتى كان يؤتى بالمجانين فيقرأ عليهم ويعودهم حتى يبرؤوا فأتى بامرأة في شرف قد عرض لها الجنون، فجاء إخوتها إليه ليعوذها، فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها فحملت، فلما عظم بطنها لم يزل الشيطان يزين له حتى قتلها ودفنها في مكان، فجاء الشيطان في صورة رجل إلى بعض إخوتها فأخبره، فجعل الرجل يقول لأخيه: والله لقد أتاني آت فأخبرني بكذا وكذا حتى أفضى به بعضهم إلى بعض حتى رفعوه إلى ملكهم، فسار الملك والناس حتى استنزله فأقر واعترف فأمر به الملك فصلب، فأتاه الشيطان وهو على خشبته فقال: أنا الذي زينت لك، هذا وألقيتك فيه، فهل أنت مطيعي فيما آمرك به وأخلصك؟
قال: نعم.
قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له وكفر، فقتل في تلك الحال.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن طاووس قال: كان رجل من بني إسرائيل عابداً وكان ربما داوى المجانين وكانت امرأة جميلة أخذها الجنون فجيء بها إليه فتركت عنده، فأعجبته، فوقع عليها، فحملت، فجاءه الشيطان، فقال: إن علم بهذا افتضحت فاقتلها وادفنها في بيتك، فقتلها فجاء أهلها بعد زمان يسألونه عنها، فقال: ماتت، فلم يتهموه لصلاحه فيهم ورضاه، فجاءهم الشيطان فقال: إنها لم تمت ولكنه وقع عليها فحملت فقتلها ودفنها في بيته في مكان كذا وكذا، فجاء أهلها فقالوا: ما نتهمك، ولكن أخبرنا أين دفنتها ومن كان معك ففتشوا بيته فوجدوها حيث دفنها، فأخذ فسجن، فجاءه الشيطان فقال: إن كنت تريد أن أخرجك مما أنت فيه فأكفر بالله، فأطاع الشيطان وكفر، فأخذ وقتل فتبرأ منه الشيطان حينئذ.
قال طاوس: فما أعلم إلا أن هذه الآية أنزلت فيه ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر ﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في الآية قال: ضرب الله مثل الكفار والمنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر ﴾ قال: عامة الناس.
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه كان يقرأ «فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدان فيها» والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ الآية.
أخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن جرير قال: «كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه قوم مجتابي النمار متقلدي السيوف عليهم أزر ولا شيء غيرها، عامتهم من مضر، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم الذي بهم من الجهد والعري والجوع تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام فدخل بيته، ثم راح إلى المسجد، فصلى الظهر ثم صعد منبره، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد ذلكم فإن الله أنزل في كتابه ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون، لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ﴾ تصدقوا قبل أن لا تصدقوا، تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة، تصدق امرؤ من ديناره تصدق امرؤ من درهمه، تصدق امرؤ من بره، من شعيره، من تمره، لا يحقرن شيء من الصدقة ولو بشق التمرة» فقام رجل من الأنصار بصرة في كفه فناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على منبره فعرف السرور في وجهه، فقال: من سن في الإِسلام سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً «فقام الناس فتفرقوا فمن ذي دينار، ومن ذي درهم، ومن ذي طعام، ومن ذي، ومن ذي فاجتمع فقسمه بينهم» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ما قدمت لغد ﴾ قال: يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن نعيم بن محمد الرحبي قال: كان من خطبة أبي بكر الصديق: واعلموا أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه فإن استطعتم أن ينقضي الأجل وأنتم على حذر فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بإذن الله، وإن قوماً جعلوا أجلهم لغيرهم فنهاكم الله أن تكونوا أمثالهم، فقال: ﴿ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ﴾ أين من كنتم تعرفون من إخوانكم؟
قد انتهت عنهم أعمالهم ووردوا على ما قدموا.
أين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط؟
قد صاروا تحت الصخر والآكام هذا كتاب الله لا تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره استضيئوا منه اليوم ليوم الظلمة، واستنصحوا كتابه وتبيانه، فإن الله قد أثنى على قوم فقال: ﴿ كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين ﴾ [ الأنبياء: 90] لا خير في قول لا يبتغي به وجه الله، ولا خر في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب غضبه حلمه، ولا خير في رجل يخاف في الله لومة لائم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالي: ﴿ الْمُؤْمِنُ ﴾ ذكره (١) (٢) والمؤمنِ العائذاتِ الطَّيرَ يَمْسَحُها ...
رُكْبانُ مكة بين الغيل والسَّند (٣) حلف بالله الذي آمن طير مكة فلا ينفر عن أن يمسحها الركبان، وهذا من الإيمان الذي هو ضد التخويف.
قال الكلبي: المؤمن الذي لا يخاف ظلمه (٤) وقال مقاتل: هو الذي يؤمن أولياءه (٥) القول الثاني: أن معنى المؤمن في صفته تعالى: المصدق (٦) (٧) قال ابن الأنباري: سمعت أحمد بن يحيى يقول: المؤمن عند العرب المصدق (٨) (٩) - فيسئلون عن ذلك فيصدقون نبيهم والأنبياء الماضين، فيصدقهم الله تعالى عند ذلك (١٠) ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ معناه: يصدق الله ويصدق المؤمنين (١١) قوله تعالى: ﴿ الْمُهَيْمِنُ ﴾ قال ابن عباس: الشاهد الذي لا يغيب عنه شيء، وهو قول قتادة، ومجاهد، قالوا: معناه الشهيد على عباده بأعمالهم (١٢) (١٣) وذهب كثير من المفسرين وأهل المعاني على أن المهيمن مؤيمن على الأصل من أمن يؤمن، فيكون بمعنى المؤمن (١٤) ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ قال ابن الأنباري: المهيمن القائم على خلقه برزقه وأنشد: ألا إن خير الناس بعد نبيه ...
مهيمنه التاليه في العرف والنكر قال معناه: القائم على الناس بعده (١٥) (١٦) قوله تعالى: ﴿ الْجَبَّارُ ﴾ له معان في صفة الله تعالى، قال ابن عباس: هو العظيم، وجبروت الله عظمته (١٧) وانعم صباحًا أيها الجبر (١٨) أراد: أيها الملك.
والعرب تسمي الجوزاء الجبار، تشبيهًا لها بالملك، لأنها في صورة رجل على كرسي وعليه تاج، ويجوز أن يكون الجبار في صفة الله تعالى من جبر إذا أغنى الفقير، وأصلح الكسير.
قال الأزهري: وهو لعمري جابر (١٩) قد جبر الدين الإله فجبر (٢٠) قال اللحياني: يقال جبرت اليتيم والفقير أجْبُرُه جَبْرًا وجُبُورًا، فَجَبَرَ يجْبُرُ جُبُورًا، وانْجَبَرَ، واجْتَبَرَ بمعنى واحد (٢١) ويجوز أن يكون الجبار من جبره على كذا إذا أكرهه على ما أراد.
قال السدي: هو الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراد (٢٢) (٢٣) (٢٤) وكان الشافعي -رحمه الله- يقول: جبره السلطان على كذا بغير ألف (٢٥) وجعل الفراء الجبار بهذا المعنى من أجبر، وهي اللغة المعروفة في الإكراه، فقال: لم أسمع فعالاً من أفعل إلا في حرفين، وهما جبار من أجبر، ودراك من أدرك (٢٦) قال القرظي: إنما سمي الجبار، لأنه جبر الخلق على ما أراد.
والخلق أرق شأنا من أن يعصوا ربهم طرفة عين إلا بما أراد (٢٧) (٢٨) وقال ابن الأنباري: الجبار في صفة الله: الذي لا ينال، ومنه قيل للنخلة التي فاتت يد المتناول: جبارة (٢٩) هذا الذي ذكرنا معاني الجبار في صفة الله تعالى، وللجبار معان في صفة الخلق: أحدهما: المسلط كقوله: ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾ .
والثاني: القوي العظيم الجسم، كقوله: ﴿ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا ﴾ .
والثالث: التكبر على عبادة الله، كقوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾ .
والرابع: القتال كقوله: ﴿ بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ ﴾ ، ذكر ذلك ابن الأنباري (٣٠) قوله: ﴿ الْمُتَكَبِّرُ ﴾ قال ابن عباس: الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله (٣١) وقال مقاتل: المتعظم عن كل سوء (٣٢) (٣٣) وقال أبو إسحاق: الذي تكبر عن ظلم عباده (٣٤) قال ابن الأنباري: المتكبر ذو الكبرياء، والكبرياء عند العرب: الملك، ومنه قوله: ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ ﴾ (٣٥) وقال أهل المعاني: المتكبر في صفة الله تعالى معناه الكبرياء فإنه أجل من أن يتكلف كبرًا، والعرب تضع يفعل في موضع فعل، يقولون: تظلم بمعنى ظلم، ومنه قول الجعدي: وما يشعر الرُّمْحُ الأصم كُعوبُه ...
بثروة رهط الا ثلج المتظلمِ (٣٦) ويقولون لشتم الرجل إذا شتم، قال الشاعر: فقل لزهيرٍ إن شَتَمْتَ سَرَاتَنا ...
فلسنا بشَتَّامين للمُتَشَتِّم (٣٧) (١) في (ك): (ذكره).
(٢) وهو المروي عن ابن عباس، وابن جريج، وزيد بن علي.
انظر: "تنوير المقباس" 6/ 47، و"الكشف والبيان" 13/ 102 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 343.
(٣) البيت للنابغة الذبياني.
انظر: "ديوانه" 25، و"الخزانة" 2/ 315، و"شرح المفصل" 3/ 11، ومعنى العائذات: التي عاذت بالحرم، والغيل، الشجر الملتف، ورواية "الديوان" (نسعد) بدل "السند"، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 1/ 165 - 166.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 150، ذكر نحوه ولم ينسبه.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل": 150 أ.
(٦) (ك): (المتصدق).
(٧) ذكره المفسرون عن الضحاك، وابن زيد.
وانظر: "جامع البيان" 28/ 36، و"الكشف والبيان" 13/ 102 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 343.
(٨) في (ك): (المتصدق).
وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس" 3/ 407، و"اللسان" 1/ 108 (أمن).
(٩) في (ك): (فيقول).
(١٠) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 407، و"اللسان" 1/ 109 (أمن).
(١١) انظر: "اللسان" 1/ 109 (أمن).
(١٢) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 285، و"جامع البيان" 28/ 36، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 407، و"الكشف والبيان" 13/ 103 أ.
(١٣) انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 334 (همن)، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 407، و"زاد المسير" 8/ 226، و"روح المعاني" 6/ 152.
(١٤) انظر: تفسير "غريب القرآن " ص 11 - 12، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 150، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 407.
(١٥) انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 334، و"اللسان" 3/ 833 (همن)، و"التفسير الكبير" 29/ 293.
(١٦) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 103 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 327.
(١٧) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 103 أ، و"زاد المسير" 8/ 227، و"التفسير الكبير" 29/ 294.
(١٨) وصدره: أسْلَمْ براووُقٍ حُييتَ به والبيت لعمرو بن أحمر، وقد ورد منسوبًا في "الخصائص" 2/ 21، "المحتسب" 1/ 97، و"تهذيب اللغة" 11/ 59، و"اللسان" 1/ 395 (جبر).
(١٩) (ك): (على).
(٢٠) "ديوان العجاج" ص 15، وصدره: وعور الرحن من ولى العور و"الخصائص" 2/ 263، و"اللسان" 1/ 396 (جبر)، و"شرح الأشموني لألفية ابن مالك" 4/ 241.
(٢١) انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 60 (جبر).
(٢٢) انظر: " الكشف والبيان" 12/ 103 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 293.
(٢٣) انظر: "تفسير مقاتل" 150 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 327.
(٢٤) انظر: "اللسان" 1/ 396 (جبر).
(٢٥) انظر: " اللسان" 1/ 396، وقال ابن منظور.
وهو حجازي وفصيح.
(٢٦) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 293 - 294، و"البحر المحيط" 8/ 251.
(٢٧) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 103 أ، و"الدر" 6/ 202.
(٢٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 151.
(٢٩) انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 58 (جبر)، و"اللسان" 1/ 395 (جبر)، و"التفسير الكبير" 29/ 294.
(٣٠) انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 51، و"اللسان" 1/ 395 (جبر)، وقد نسباه للحياني.
(٣١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 294.
(٣٢) انظر: "تفسير مقاتل" 150 أ، ولفظه: (المتعظم على كل شيء).
(٣٣) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 285، و"جامع البيان" 28/ 37.
(٣٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 151.
(٣٥) من آية (78) من سورة يونس.
وانظر: "تهذيب اللغة"، و"اللسان" (كبر) عن ابن الأنباري.
(٣٦) "ديوان النابغة" ص 144، و"كتاب سيبويه في شرح شواهده" للأعلم 1/ 237، و"الأغاني" 4/ 139، و"السبع الطوال" ص 347، و"شروح سقط الزند" صس 592، و"اللسان" (ظلم).
(٣٧) والبيت لمعبد بن علقمة.
انظر: "الحماسة" لأبي تمام 1/ 362.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَالِمُ الغيب والشهادة ﴾ أي يعلم ما غاب عن المخلوقين وما شاهدوه، وقيل: الغيب الآخرة والشهادة الدنيا، والعموم أحسن.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
الأصل إذا ذكرت الحال بين البعد وبين سيده، لم يكن بد من إضمار يدخل في ذلك، مثاله قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ ، يعني: أنه معهم في النصر والمعونة، وقوله: ﴿ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ : في التوفيق والولاية.
وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ؛ لأنه لا يحتمل أن يتقوا الله حتى يكون معهم في التقوى؛ إذ ظاهر اللفظ يقتضي هذا؛ كقوله: ﴿ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ ، أي: في الصدق، وإذا ثبت فيه الإضمار كان الوجه في ذلك أحد معانٍ: إما أن يقول: اتقوا حق الله - - أن تضيعوه، أو اتقوا حده أن تعدوه وتبطلوه، أو اتقوا سخطه واتقوا مخالفته، أو اتقوا الأسباب التي تستوجبون بها مقت الله .
ويحتمل أن يراد من التقوى في هذه الآية أوامره ونواهيه، على ما وصفنا أن [لفظ] التقوى إذا أطلق جاز أن يراد به الأوامر والنواهي، وإذا ذكر مقابلة أمر كان المعنى منه محارمة ونواهيه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ ، قال [بعضهم]: من عمل بما أمر في هذه الآية سلم من تبعات الآخرة؛ لأنه إذا شعر قلبه أن الذي يفعله يقدمه لغد امتنع عن ارتكاب ما يجب أن يستحي منه أو يخرب عليه في ذلك الوقت، وأتى بما يستر عليه، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون معنى الآية على النظر لما قدمته نفسه للغد، وذلك أنه إذا تذكر، فنظر فيما قدمت نفسه للغد، وذلك أنه دعاه إلى أحد أمرين: إما إلى التوبة عن السيئة التي قدمها أو إلى الشكر على الحسنة التي يتعاطاها، وكل ذلك منه زيادة في الخير، فكان الواجب ألا يغفل المرء عن ذلك، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون هذا على المستأنف من الأفعال أنه ينظر فيما يريد أن يقدمه لغد، فإن كانت عاقبة الهلاك: انتهى عنه، وإن كانت عاقبته النجاة: مضى عليه وأتى به، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ أن يكون المراد منه: الاتقاء عن ترك النظر لما تقدمه نفسه لغد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ : ذكر قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ مرة أخرى، والآية واحدة، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد من الأول: أن اتقوا مخالفة الله في أوامره ونواهيه، وفي الثاني: اتقوةا سخطه وعقوبته.
والثاني: أنه خرج على التكرار على ما جرت العادة في الكلام في التكرير عند الوعيد على التأكيد؛ كقوله - -: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾ \[المؤمنون: 36\]، وكقوله: ﴿ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .
فيه تحريض على المراقبة والتيقظ وقت فعله؛ لأن من علم وقت فعله أن الله - - مطلع على ما يرتكبه من الذنوب ويقربه من الشرور، امتنع عنها وازدجر، وقالوا: في قوله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ وعيد من أربعة أوجه: أحدها: في قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
والثاني: في قوله: ﴿ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ .
والثالث: في قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
والرابع: في قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .
ثم ذكر هذا الوعيد خرج بعدما خاطب المؤمنين، كقوله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ﴾ ، فكان الوعيد للمؤمنين أكثر من الوعيد في الكفرة، لكن المؤمنين يوعدهم عما هي معدة للكافرين؛ لئلا يعملوا عملا يستوجبون بذلك ما أعد للكافرين، وهو كقوله - -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ ، ثم إن الله - عز وجل - سمى الآخرة باسم الغد؛ لسرعة مجيئه، وسمى الدنيا باسم الأمس؛ لسرعة فنائها، وهو كقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ ﴾ ، فيذكرهم ويعظهم بهذه الآية؛ ليتفكر كل أحد في نفسه ما به: خلق للعبث، أم خلق لأمر عظيم؟
على ما ذكره الله، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ﴾ .
قال بعض المفسرين: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: نسوا العمل لله، والنسيان هو الترك، أي: تركوا العمل الواجب لله - - فأنساهم أنفسهم، أي: خذلهم الله - - بما نسوا.
ثم الوجه عندنا في الآية: أن ليس أحد من البشر يعمل عملا إلا وهو يأم بذلك نفعاً لنفسه؛ إذ من لا يعمل للنفع فهو عابث في الشاهد في ذلك العمل؛ فهؤلاء الكفرة لما لم يأتمروا بأمر الله - - ولم يطيعوا، وتركوا العمل له - صار تركهم العمل لله - والعمل له عمل لأنفسهم - فاصروا تاركين العمل لأنفسهم؛ فكأنه قال: نسوا أنفسهم؛ فاصروا منسيين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ﴾ ، أي: خلق فعل النسيان والترك فيهم: أضاف اختيار النسيان إليهم، ثم أضاف الإنساء إلى نفسه وأثبت فعله فيه، وليس هذا على أن تقدم منهم فعل النسيان، ثم هو أنساهم بعد ذلك؛ لكن على أن خلق ذلك فيهم وقتما اختاروا ذلك الفعل، وهو كقولهم: هداه الله - - فاهتدى، واهتدى فهداه الله؛ فذلك كله في وقت واحد؛ فكذلك هذا في الخذلان والنسيان: لما اختار هو فعل النسيان خلق الله - - ذلك النسيان فيه، كما خلق الهداية والكفر باختياره، ولا يجوز أن يحمل ذلك على تقدم بعض على بعض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ﴾ كقوله: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ ﴾ ؛ إذ قوله - - هذا داخل في قوله: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ ﴾ ؛ إذ العمل لله هو العمل لأنفسهم، والعمل لأنفسهم هو العمل للذي أريد به وجه الله؛ فلذلك قلنا بأن المراد منهما ما في الآخرة.
ويحتمل وجهاً آخر، وهو أنهم لما تركوا طاعة الله فخذلهم الله - - بتركهم أمر الله تركهم أنفسهم لهم [فلم يهتدوا] ثَمَّ للخيرات والطاعات، وهذا من أشد العقوبات.
ويحتمل أن يكون معناه: أي: يجازيهم في الآخرة جزاء ما عملوا بأن تركهم في الآخرة في العذاب الدائم؛ فيكون ذلك جزاء لهم بما عملوا في الدنيا وبما تركوا من الإيمان بالله ، وهذان التأويلان يرجعان إلى ما ذكر من الخذلان فيما فعلوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .
فالفسق هو الخروج عن أمر الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ﴾ .
أي: الناجون، والفوز: هو الظفر بالحاجة، ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ألا يستووا في الدنيا، أو لا يستووا في الآخرة، فإن كان على الأول فمعناه: لا يستوي عمل أهل الجنة في الدنيا في العقول [و]عمل أهل النار، إذ عمل أهل النار بالذي يستقبحه العقول، وأما أفعال أهل الجنة الداعية إليها بالتي يستحسنها العقول؛ لأن عمل هؤلاء بالذي ظهر بالبراهين والحجج، وليس لعمل أولئك براهين وما أقيم بالبراهين والحجج فهو في العقول أحسن من الذي لا برهان عليه، وكذلك كل عمل يستحق صاحبه عليه الثواب فهو في العقول مستحسن، وما يستحق صاحبه عليه العقاب فهو في العقول مستقبح؛ فلم يستويا.
وأما الوجه الثاني: لا يستوي جزاء أهل النار [و]جزاء أهل الجنة؛ إذ في الجنة النعيم الدائم وفي النار الشدة والنقمة الدائمة؛ فلم يستويا، يذكرهم الله - - هذا؛ لينتهوا عن غفلتهم، ويعملوا لله - - حتى يستوجبوا بها الثواب في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
اختلف الناس في تأويل هذه الآية: [قال بعضهم: هي] على التمثيل، وهي على التنبيه والتذكير، وذهبوا في ذلك إلى أن العرب إذا استقبلهم أمر، وأرادوا أن يصفوه بالعظم والشدة كانوا يضربون الأمثال بما يعظم ذلك عندهم وصفه - لم يكن يريدون به الحقيقة في ذلك، وهو كقولهم عند شدة الأمر: أظلم علي ما بين السماء والأرض، وكقولهم: ضافت علي الأرض برحبها، وكما وصف الله - - من أمر لوط - -: ﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ .
فهذا القول من العرب إنما كان على التمثيل فيما يريدون أن يصفوا الشيء بغايته لا على الحقيقة؛ لأنه معلوم أن الدنيا عليه كما كانت لم تتغير، وكذلك لم يظلم عليه ذلك، لكنهم تكلموا على التمثيل من شدة ما نزل بهم من الأمر، وكذلك قوله - -: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ...
﴾ ، يقول: لو كانت هذه الحجج أنزلت على جبل مع صلابته وشدته، لخضع لله - - وانصدع؛ من خشيته على وجه التمثيل، لكن قلوب هؤلاء أقسى منه؛ حيث لم يتخضع ولم تشخع، وهو كقوله: ﴿ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ ؛ إذ الحجارة قد تكون فيها منافع: نحو خروج الماء وغيره، فأما قلوب هؤلاء الكفرة فليس فيها شيء من المنافع، بل هي قاسية لا تخشع ولا تتصدع، وعلى ذلك حملوا تأويل قوله - -: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ﴾ على التمثيل، وليس على حقيقة ذلك.
وقال قائلون: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ ﴾ : إنه حقيقة ذلك الفعل منه: وهو الانصداع والخشوع، وكذلك تأويل قوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ﴾ ، فمعناه: لو كان نزول هذا القرآن وما فيه من الأحكام والأمانات التي أوجب على البشر على الجبل، وكان هو بحيث يملك قبول ذلك باختياره لقيام شرئطه - لكان هو يفزع ويخضع ويتصدع من خشية الله - - وكان لا يقبل؛ مخافة ألا يمكنه أداء ما لزمه بنزوله، وهو كقوله - -: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ...
﴾ الآية [الأحزاب: 72]: فيقول: معناه: لو أنزلنا هذه الأمانات التي في هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً؛ إذ الأمانات التي في هذا القرآن مما قد يلزم المرء لا يمكن أداؤها كلها؛ لأن الأمانات مما يكثر عدها، فضلا من أن يمكن أداؤها؛ فعلى هذا التأويل يخرج على حقيقة التصدع أو لو أنزل عليه - مع عظمه وصلابته - لانصدع؛ فعلى هذا تنبيه للخلق وتذكير لهم.
وقال بعضهم: إن في هذه الآية تذكير الرسول منته عليه وعلى جميع الرسل: لولا فضل الله ومنته على الرسل، لكان لا يطيق أحد من الرسل حمل ما في الكتب، ولا أداء ما افترض مدَّكرٌ؛ فيسر عليهم وثقل العمل بما فيه، فيقولون كذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ : لثقل ما فيه، لكنه [أنزله] عليك، ويسر ذكره [و]وفقك تبليغ ما فيه إلى أهله.
وقال قائلون: إن الله - - لما أراد أن ينزل التوراة على موسى - - وكانت في لوح من زبرجدة حمراء - أم الملائكة أن يحملوها فلم يطيقوا حملها، ثم أمرهم أن يحملوا كل حرف منها، فلم يطيقوا ذلك؛ فخفف الله - - على موسى - - حتى حمل ذلك، فكذلك ذكر ذلك في عيسى وداود - عليهما الصلاة والسلام - ثم خفف ذلك على الأنبياء - عليهم الصلاة ولاسلام - فكانه يقول لرسوله : ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ ﴾ كذا، لكنه خفف ذلك عليك كما خفف على الأنبياء من قبلك، وإليه يذهب الكلبي، لكن إن صح هذا الخبر فإن ذلك الثقل لم يكن في تلك الكتابة التي في الألواح، لكن ذلك فيما يلزمهم من العمل بذلك من أداء الأمانات وغيرها؛ لأنه - - أخبر أنه لو كان أنزل هذا القرآن على جبل ﴿ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ...
﴾ الآية [الأحزاب: 72].
ثم كانت تلك الألواح قد احتملها الأرض، وأمكن لموسى - - حملها؛ فكذلك هذا القرآن كله والتوراة والإنجيل والزبور مما قد يحتمل حقيقة، ويمكن كتابته في قليل الألواح، ثبت أن المراد من ذكره ليس هو الحروف، إنما كان على ما فيه من الأمر والنهي وأداء الأمانات واتقاء الله حق تقاته، لا على نفس تلك الألواح، وهذا الذي ذكرنا هو تأويل القوم في نزول هذه الآية، فأما أنا لا علم لي بحقيقة تأويل هذه الآية، ولولا أن في الآية تذكيراً وتنبيهاً لكنا نقول: هي من المتشابه المكتوم الذي لا يفسر، لكنه لما خرج مخرج التذكير واستئداء شكر ما سهل علينا قراءته - احتجنا إلى تأويله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
هو ظاهر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ هو الله الَّذي لا معبود بحق غيره، عالم ما غاب وما حضر، لا يخفي عليه شيء من ذلك، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وسعت رحمته العالمين، الملك، المُنَزَّه والمُقَدَّس عن كل نقص، السالم من كل عيب، المصدق رسله بالآيات الباهرة، الرقيب على أعمال عباده، العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الجبار الَّذي قهر بجبروته كل شيء، المتكبر، تَنَزَّه الله وتَقَدّس عما يشرك معه المشركون من الأوثان وغيرها.
<div class="verse-tafsir" id="91.bd5Nj"