تفسير الآية ٣ من سورة الحشر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ٣ من سورة الحشر

وَلَوْلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 37 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣ من سورة الحشر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة الحشر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ) أي : لولا أن كتب الله عليهم هذا الجلاء ، وهو النفي من ديارهم وأموالهم ، لكان لهم عند الله عذاب آخر من القتل والسبي ، ونحو ذلك ، قاله الزهري ، عن عروة ، والسدي ، وابن زيد ; لأن الله قد كتب عليهم أنه سيعذبهم في الدار الدنيا مع ما أعد لهم في الآخرة من العذاب في نار جهنم .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن صالح - كاتب الليث - حدثني الليث عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة بن الزبير قال : ثم كانت وقعة بني النضير ، وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر .

وكان منزلهم بناحية من المدينة فحاصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزلوا من الجلاء ، وأن لهم ما أقلت الإبل من الأموال والأمتعة إلا الحلقة ، وهي السلاح ، فأجلاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الشام .

قال : والجلاء أنه كتب عليهم في آي من التوراة ، وكانوا من سبط لم يصبهم الجلاء قبل ما سلط عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله فيهم : ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ) إلى قوله ( وليخزي الفاسقين ) .

وقال عكرمة : الجلاء : القتل .

وفي رواية عنه : الفناء .

وقال قتادة : الجلاء : خروج الناس من البلد إلى البلد .

وقال الضحاك : أجلاهم إلى الشام وأعطى كل ثلاثة بعيرا وسقاء ، فهذا الجلاء .

وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أحمد بن كامل القاضي ، حدثنا محمد بن سعيد العوفي ، حدثني أبي ، عن عمي ، حدثني أبي ، عن جدي ، عن ابن عباس قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ ، فأعطوه ما أراد منهم ، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم ، وأن يخرجهم من أرضهم ، ومن ديارهم ، وأوطانهم ، وأن يسيرهم إلى أذرعات الشام وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء ، والجلاء إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى وروي أيضا من حديث يعقوب بن محمد الزهري ، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة ، عن أبيه ، عن جده ، عن محمد بن مسلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثه إلى بني النضير ، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث ليال .

وقوله : ( ولهم في الآخرة عذاب النار ) أي : حتم لازم لا بد لهم منه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) يقول تعالى ذكره: ولولا أن الله قضى وكتب على هؤلاء اليهود من بني النضير في أم الكتاب الجلاء، وهو الانتقال من موضع إلى موضع، وبلدة إلى أخرى.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ ) : خروج الناس من البلد إلى البلد.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس (وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ ) والجلاء: إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى، قال: ويقال: الجلاء: الفرار، يقال منه: جلا القوم من منازلهم، وأجليتهم أنا.

وقوله: (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ) يقول تعالى ذكره: (وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ ) من أرضهم وديارهم، لعذّبهم في الدنيا بالقتل والسَّبْي، ولكنه رفع العذاب عنهم في الدنيا بالقتل، وجعل عذابهم في الدنيا والجلاء، (وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ) مع ما حلّ بهم من خزي الدنيا بالجلاء عن أرضهم ودورهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، قال: كان النضير من سِبْطٍ لم يصبهم جلاء فيما مضى، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذّبهم في الدنيا بالقتل والسبي.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا سَلَمَة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان (وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ )، وكان لهم من الله نقمة، (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ): أي بالسيف (وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ )، مع ذلك.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ) قال: كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم، ويسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرًا وسقاء.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ ) : أهل النضير، حاصرهم نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى بلغ منهم كلّ مبلغ، فأعطوا نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ما أراد، ثم ذكر نحوه وزاد فيه: فهذا الجلاء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النارقوله تعالى : ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء أي لولا أنه قضى أنه سيجليهم عن دارهم وأنهم يبقون مدة فيؤمن بعضهم ويولد لهم من يؤمن .لعذبهم في الدنيا أي بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة .

والجلاء مفارقة الوطن يقال : جلا بنفسه جلاء ، وأجلاه غيره إجلاء .

والفرق بين الجلاء والإخراج وإن كان معناهما في الإبعاد واحدا من وجهين : [ ص: 8 ] أحدهما : أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد ، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد .

الثاني : أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة ، والإخراج يكون لواحد ولجماعة ; قاله الماوردي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلولا أنه كتب عليهم الجلاء الذي أصابهم وقضاه عليهم وقدره بقدره الذي لا يبدل ولا يغير، لكان لهم شأن آخر من عذاب الدنيا ونكالها، ولكنهم - وإن فاتهم العذاب الشديد الدنيوي - فإن لهم في الآخرة عذاب النار، الذي لا يمكن أن يعلم شدته إلا الله تعالى، فلا يخطر ببالهم أن عقوبتهم قد انقضت وفرغت ولم يبق لهم منها بقية، فما أعد الله لهم من العذاب في الآخرة أعظم وأطم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء ) الخروج من الوطن ( لعذبهم في الدنيا ) بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة ( ولهم في الآخرة عذاب النار ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولولا أن كتب الله» قضى «عليهم الجلاء» الخروج من الوطن «لعذبهم في الدنيا» بالقتل والسبي كما فعل بقريظة من اليهود «ولهم في الآخرة عذاب النار».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولولا أن كتب الله عليهم الخروج مِن ديارهم وقضاه، لَعذَّبهم في الدنيا بالقتل والسبي، ولهم في الآخرة عذاب النار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - جانبا من حكمته فى إخراجهم فقال : ( وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدنيا وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابُ النار ) .ولفظ " لولا " هنا حرف امتناع لوجود أى : امتنع وجود جوابها لوجود شرطها .

.

.

و " أن " مصدرية ، وهى مع ما فى حيزها فى محل رفع على الابتداء .

لأن لولا الامتناعية لا يليها إلا لمبتدأ ، والخبر محذوف .والجلاء : الإخراج .

يقال : جلا فلان عن مكان كذا ، إذا خرج منه .

وأجلاه عنه غيره ، إذا أخرجه عنه :قال القرطبى : والجلاء مفارقة الوطن ، يقال جلا بنفسه جلاء ، وأجلاه غيره إجلاء ، والفرق بين الجلاء والإخراج - وإن كان معناهما فى الإبعاد واحدا - من وجهين :أحدهما : أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد ، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد .الثانى : أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة ، والإخراج يكون لواحد ولجماعة .

.

.أى : ولولا أن الله - تعالى - قد قدر على هؤلاء اليهود ، الجلاء عن ديارهم ، لولا أن ذلك موجود ، لعذبهم فى الدنيا عذابا شديدا ، استأصل معه شأفتهم .ولكن الله - تعالى - كتب عليهم الجلاء دون القتل والإهلاك لمصلحة اقتضتها حكمته ، لعل من مظاهرها أن يغننم المسلمون ديارهم وأموالهم ، دون أن تراق دماء من الفريقين ، ودون أن يعرض المؤمنون أنفسهم لمخاطر القتال .وجملة " ولهم فى الآخرة عذاب النار " مستأنفة .

أى : أن هؤلاء اليهود أن نجوا من القتل والإهلاك فى الدنيا ، فلن ينجوا فى الآخرة من العذاب الذى يذلهم ويهينهم ، بل سيحل بهم عذاب مقيم ، لافكاك لهم منه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

معنى الجلاء في اللغة، الخروج من الوطن والتحول عنه، فإن قيل: أن ﴿ لَوْلاَ ﴾ تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره فيلزم من ثبوت الجلاء عدم التعذيب في الدنيا، لكن الجلاء نوع من أنواع التعذيب، فإذاً يلزم من ثبوت الجلاء عدمه وهو محال، قلنا معناه: ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا بالقتل كمافعل بإخوانهم بني قريظة، وأما قوله: ﴿ وَلَهُمْ فِي الأخرة عَذَابُ النار ﴾ فهو كلام مبتدأ وغير معطوف على ما قبله، إذ لو كان معطوفاً على ما قبله لزم أن لا يوجد لما بينا، أن (لولا) تقتضي انتفاء الجزاء لحصول الشرط.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

صالح بنو النضير رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة لا ترد له راية، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة فحالفوا عليه قريشاً عند الكعبة فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة وكان أخاه من الرضاعة، ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم: أخرجوا من المدينة، فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك، فتنادوا بالحرب.

وقيل: استمهلوا رسول الله عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدس عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه إليهم: لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم، ولئن خرجتم لنخرجنّ معكم، فدربوا على الأزقة وحصنوها فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصر المنافقين: طلبوا الصلح، فأبى عليهم إلا الجلاء؛ على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم فجلوا إلى الشام إلى أريحا وأذرعات، إلا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة.

اللام في ﴿ لأَوَّلِ الحشر ﴾ تتعلق بأخرج، وهي اللام في قوله تعالى: ﴿ يَقُولُ ياليتنى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى ﴾ [الفجر: 24] وقولك: جئته لوقت كذا.

والمعنى: أخرج الذين كفروا عند أوّل الحشر.

ومعنى أوّل الحشر: أن هذا أوّل حشرهم إلى الشأم، وكانوامن سبط لم يصبهم جلاء قط، وهم أوّل من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام.

أو هذا أوّل حشرهم؛ وآخر حشرهم: إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام.

وقيل: آخر حشرهم حشر يوم القيامة؛ لأنّ المحشر يكون بالشام.

وعن عكرمة: من شك أنّ المحشر ههنا- يعني الشام- فليقرأ هذه الآية.

وقيل: معناه أخرجهم من ديارهم لأوّل ما حشر لقتالهم: لأنه أوّل قتال قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ ﴾ لشدة بأسهم ومنعتهم، ووثاقة حصونهم، وكثرة عددهم وعدتهم، وظنوا أنّ حصونهم تمنعهم من بأس الله ﴿ فأتاهم ﴾ أمر الله ﴿ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ ﴾ من حيث لم يظنوا ولم يخطر ببالهم: وهو قتل رئيسهم كعب ابن الأشرف غرّة على يد أخيه، وذلك مما أضعف قوتهم وفل من شوكتهم، وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة بما قذف فيها من الرعب، وألهمهم أن يوافقوا المؤمنين في تخريب بيوتهم ويعينوا على أنفسهم، وثبط المنافقين الذين كانوا يتولونهم عن مظاهرتهم.

وهذا كله لم يكن في حسبانهم.

ومنه أتاهم الهلاك.

فإن قلت: أي فرق بين قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم، وبين النظم الذي جاء عليه؟

قلت: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم؛ وفي تصيير ضميرهم إسماً لأن وإسناد الجملة إليه: دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعه لا يبالي معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم؛ وليس ذلك في قولك: وظنوا أنّ حصونهم تمنعهم.

وقرئ: ﴿ فآتاهم الله ﴾ أي: فآتاهم الهلاك.

والرعب: الخوف الذي يرعب الصدر، أي يملؤه؛ وقذفه: إثباته وركزه.

ومنه قالوا في صفة الأسد: مقذف، كأنما قذف باللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه.

وقرئ: ﴿ يخرّبون ويخربون ﴾ ، مثقلاً ومخففاً.

والتخريب والإخراب: الإفساد بالنقض والهدم.

والخربة: الفساد، كانوا يخربون بواطنها والمسلمون ظواهرها: لما أراد الله من استئصال شأفتهم وأن لا يبقى لهم بالمدينة دار ولا منهم ديار، والذي دعاهم إلى التخريب: حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدّوا بها أفواه الأزقة.

وأن لا يتحسروا بعد جلائهم على بقائها مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جد الخشب والساج المليح.

وأما المؤمنون فداعيهم إزالة متحصنهم ومتمنعهم.

وأن يتسع لهم مجال الحرب.

فإن قلت: ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمينن؟

قلت: لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه ﴿ فاعتبروا ﴾ بما دبر الله ويسر من أمر إخراجهم وتسليط المسلمين عليهم من غير قتال.

وقيل: وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يورثهم الله أرضهم وأموالهم بغير قتال، فكان كما قال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لأوَّلِ الحَشْرِ ﴾ أيْ في أوَّلِ حَشْرِهِمْ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ إذْ لَمْ يُصِبْهم هَذا الذُّلُّ قَبْلَ ذَلِكَ، أوْ في أوَّلِ حَشْرِهِمْ لِلْقِتالِ أوِ الجَلاءِ إلى الشَّأْمِ، وآخِرُ حَشْرِهِمْ إجْلاءُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إيّاهم مِن خَيْبَرَ إلَيْهِ، أوْ في أوَّلِ حَشْرِ النّاسِ إلى الشَّأْمِ وآخِرُ حَشْرِهِمْ أنَّهم يُحْشَرُونَ إلَيْهِ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ فَيُدْرِكُهم هُناكَ، أوْ أنَّ نارًا تَخْرُجُ مِنَ المَشْرِقِ فَتَحْشُرُهم إلى المَغْرِبِ.

والحَشْرُ إخْراجُ جَمْعٍ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ.

﴿ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا ﴾ لِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ ومَنَعَتِهِمْ.

﴿ وَظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم مِن بَأْسِ اللَّهِ، وتَغْيِيرُ النَّظْمِ وتَقْدِيمُ الخَبَرِ وإسْنادُ الجُمْلَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى فَرْطِ وُثُوقِهِمْ بِحَصانَتِها واعْتِقادِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم في عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ بِسَبَبِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حُصُونُهم فاعِلًا لِ مانِعَتُهم.

﴿ فَأتاهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ عَذابُهُ وهو الرُّعْبُ والِاضْطِرارُ إلى الجَلاءِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ المُؤْمِنِينَ أيْ فَأتاهم نَصْرُ اللَّهِ، وقُرِئَ «فَأتاهُمُ اللَّهُ» أيِ العَذابُ أوِ النَّصْرُ.

﴿ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ لِقُوَّةِ وُثُوقِهِمْ.

﴿ وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ وأثْبَتَ فِيها الخَوْفَ الَّذِي يُرْعِبُها أيْ يَمْلَؤُها.

﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ ﴾ ضَنًّا بِها عَلى المُسْلِمِينَ وإخْراجًا لِما اسْتَحْسَنُوا مِن آلاتِها.

﴿ وَأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ فَإنَّهم أيْضًا كانُوا يُخْرِبُونَ ظَواهِرَها نِكايَةً وتَوْسِيعًا لِمَجالِ القِتالِ.

وعَطْفُها عَلى «أيْدِيهِمْ» مِن حَيْثُ إنَّ تَخْرِيبَ المُؤْمِنِينَ مُسَبَّبٌ عَنْ نَقْضِهِمْ فَكَأنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوهم فِيهِ، والجُمْلَةُ حالٌ أوْ تَفْسِيرٌ لِ ( الرُّعْبَ ) .

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو يُخَرِّبُونَ بِالتَّشْدِيدِ وهو أبْلَغُ لِما فِيهِ مِنَ التَّكْثِيرِ.

وقِيلَ: الإخْرابُ التَّعْطِيلُ أوْ تَرْكُ الشَّيْءِ خَرابًا والتَّخْرِيبُ الهَدْمُ.

﴿ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ فاتَّعِظُوا بِحالِهِمْ فَلا تَغْدِرُوا ولا تَعْتَمِدُوا عَلى غَيْرِ اللَّهِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ أمْرٌ بِالمُجاوَزَةِ مِن حالٍ إلى حالٍ وحَمْلُها عَلَيْها في حُكْمٍ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشارَكَةِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ عَلى ما قَرَّرْناهُ في الكُتُبِ الأُصُولِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء} الخروج من الوطن مع الأهل والولد {لَعَذَّبَهُمْ فِى الدنيا} بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة {وَلَهُمْ} سواء أجلوا أو قتلوا {فِى الآخرة عَذَابُ النار} الذي لا أشد منه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ ﴾ أيِ الإخْراجَ أوِ الخُرُوجَ عَنْ أوْطانِهِمْ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ الفَظِيعِ ﴿ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ﴾ بِالقَتْلِ كَأهْلِ بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ أوْ كَما فَعَلَ سُبْحانَهُ بِبَنِي قُرَيْظَةَ في سَنَةِ خَمْسٍ إذِ الحِكْمَةُ تَقْتَضِيهِ لَوْ لَمْ يُكْتَبِ الجَلاءُ عَلَيْهِمْ، وجاءَ أجْلَيْتُ القَوْمَ عَنْ مَنازِلِهِمْ أيْ أخْرَجْتُهم عَنْها وأبْرَزْتُهم، وجَلَوْا عَنْها خَرَجُوا أوْ بَرَزُوا، ويُقالُ أيْضًا: جَلاهم وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الجَلاءِ والإخْراجِ بِأنَّ الجَلاءَ ما كانَ مَعَ الأهْلِ والوَلَدِ، والإخْراجَ قَدْ يَكُونُ مَعَ بَقاءِ الأهْلِ والوَلَدِ.

وقالَ الماوَرْدِيُّ: الجَلاءُ لا يَكُونُ إلّا لِجَماعَةٍ، والإخْراجُ قَدْ يَكُونُ لِواحِدٍ ولِجَماعَةٍ، ويُقالُ فِيهِ: الجَلَأُ مَهْمُوزًا مِن غَيْرِ ألِفٍ كالنَّبَأِ، وبِذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ وأخُوهُ عَلِيُّ بْنُ صالِحٍ وطَلْحَةُ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ لا مُخَفَّفَةٌ واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ كَما تَوَهَّمَهُ عِبارَةُ الكَشّافِ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الرَّضِيُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ ﴾ اسْتِئْنافٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِجَوابِ لَوْلا أيْ إنَّهم إنْ نَجَوْا مِن عَذابِ الدُّنْيا وهو القَتْلُ لِأمْرٍ أشَقَّ عَلَيْهِمْ وهو الجَلاءُ لَمْ يَنْجُوا مِن عَذابِ الآخِرَةِ فَلَيْسَ تَمَتُّعُهم أيّامًا قَلائِلُ بِالحَياةِ وتَهْوِينُ أمْرِ الجَلاءِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِنافِعٍ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ القَتْلَأشَدُّ مِنَ الجَلاءِ لا لِذاتِهِ بَلْ لِأنَّهم يَصِلُونَ عِنْدَهُ إلى عَذابِ النّارِ، وإنَّما أُوثِرَ الجَلاءُ لِأنَّهُ أشَقُّ عِنْدَهم وأنَّهم غَيْرُ مُعْتَقِدِينَ لِما أمامَهم مِن عَذابِ النّارِ أوْ مُعْتَقِدُونَ ولَكِنْ لا يُبالُونَ بِهِ بالَةً ولَمْ تُجْعَلْ حالِيَّةً لِاحْتِياجِها لِلتَّأْوِيلِ لِعَدَمِ المُقارَنَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي أربع وعشرون آية مدنية قوله تبارك وتعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ، يعني: صلى لله، ويقال: خضع لله، ويقال: هو التسبيح بعينه مَا فِي السَّماواتِ من الملائكة.

وَما فِي الْأَرْضِ يعني: من الخلق.

وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه، الْحَكِيمُ في أمره.

ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: يهود بني النضير.

مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ.

وكان بدأ أمر بني النضير، أن النبيّ  بعث ثلاثة بعوث، أحد البعوث مرشد بن أبي مرشد الغنوي، وأمره على سبعة نفر إلى بعض النواحي، فساروا حتى جاءوا بطن الرجيع، فنزلوا عند شجرة، فأكلوا من تمر عجوة كانت معهم، فسقطت نوايات بالأرض، وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار، فكمنوا بالجبل.

فجاءت امرأة من هذيل ترعى الغنم، فرأت النوايات التي سقطت في الأرض، فأنكرت صفرهن فعرفت أنها تمر المدينة، فصاحت في قومها: أنتم أتيتم.

فجاؤوا يطلبونها، فوجدوهم قد كمنوا في الجبل، فقالوا لهم: انزلوا ولكم الأمان.

فقالوا: لا نعطي بأيدينا.

فقاتلوهم، فقتلوا كلهم إلا عبد الله بن طارق، فجرحوه وحسبوا أنه قد مات، فتركوه فنجا من بينهم.

وبقي أخوهم عاصم بن ثابت بن الأفلح، ففرغ جعبته ثم جعل يرميهم ويرتجز، ويقاتلهم حتى فنيت سبله ثم طاعن بالرمح حتى انكسر الرمح وبقي السيف.

ثم قال: اللهم إني قد حميت دينك أول النهار، فاحم جسدي في آخره.

وكانوا يجردون من قتل أصحابه، فلما قتلوا عاصماً، حمته الدبر وهي الذنابير، حتى جاء السيل من الليل، فذهب به الدبر.

وأسروا خبيب بن عدي ورجل آخر اسمه زيد بن الديشة، فأما خبيب فذهبوا به إلى مكة، فاشترته امرأة ومعها أناس من قريش- قتل لهم قتيل يوم بدر- فلما جيء بخبيب أتي به في الشهر الحرام، فحبس حتى انسلخ الشهر الحرام ثم خرجوا به من الحرم ليصلبوه، فقال لهم: اتركوني أصلي ركعتين، فصلاهما.

ثم قال: لولا خشيت أن يقولوا جزع من الموت، لازددت.

فقال: اللهم ليس هاهنا أحد أن يبلغ عني رسولك السلام، فبلغ أنت عني السلام.

ثم التفت إلى وجوههم، وقال: اللهم أحصهم عدداً وأهلكهم بدناً يعني: متفرقين، ولا تبقي منهم أحداً.

ثم صلبوه.

وأما صاحبه، الذي أسر معه، اشتراه صفوان بن أمية.

وأما البعث الثاني، فإنه بعث محمد بن سلمة مع أصحابه، فقتل أصحابه عن نحو طريق العراق، وارتث هو من وسط القتلى فنجا.

وأما البعث الثالث، فإن عمرو بن مالك كتب إلى رسول الله  : أن ابعث إليَّ رجالاً يعلموننا القرآن، ويفقهوننا في الدين، فهم في ذمتي وجواري.

فبعث النبيّ  المنذر بن عمرو الساعدي في أربعة عشر من المهاجرين والأنصار، فساروا نحو بئر معونة.

فلما ساروا ليلة من المدينة، بلغهم أن عمرو بن مالك مات، فكتب المنذر بن عمرو إلى رسول الله  يستمده، فأمده  بأربعة نفر منهم عمرو بن أمية الضمري، والحارث بن الصمة، وسعد بن أبي وقاص، ورجل آخر فساروا حتى بلغوا بئر معونة، وكتبوا إلى ربيعة بن عامر بن مالك: نحن في ذمتك وذمة أبيك، أفنقدم إليك أم لا؟

فقال: أنتم في ذمتي وجواري فأقدموا.

فخرج إليهم عامر بن الطفيل، واستعان برعل وذكوان وعصية فخرجوا إلى المسلمين.

فقاتلوهم، فقتلوا كلهم إلا عمرو بن أمية الضمري، والحارث بن الصمة، وسعد بن أبي وقاص، كانوا تخلفوا.

فنزلوا تحت شجرة إذ وقع على الشجرة طير، فرمى عليهم بعلقة دم، فعرفوا أن الطير قد شرب الدم، فقال بعضهم لبعض: قد قتل أصحابنا.

فصعدوا أعلى الجبل، فنظروا فإذا القوم صرعى، وقد اعتكفت عليهم الطير، فقال الحارث بن الصمة: أنا لا أنتهي حتى أبلغ مصارع أصحابي.

فخرج إليهم فقاتل القوم، فقتل منهم رجلين.

ثم أخذوه فقالوا له: ما تحب أن نصنع بك؟

فقال لهم: ابلغوا بي مصارع قومي.

فلما بلغ مصارع أصحابه، أرسلوه فقاتلهم، فقتل منهم اثنين.

ثم قتل فرجع عمرو بن أمية الضمري، ورجع معه الرجلان الآخران إلى رسول الله  ، فخرج رجلان من عند رسول الله  مستأمنين، قد كساهما وحملهما رسول الله  ، فقال: من أنتما؟

قال: كلابيان.

فقتلهما عمرو بن أمية الضمري، وأخذ سلبهما، ودخل على رسول الله  وأخبره الخبر، فقال: بئس ما صنعت حين قتلتهما.

فلما جاء إلى رسول الله  ، وأخبره خبر هذه البعوث الثلاثة في ليلة واحدة، صلى الصبح في ذلك اليوم، وقال في الركعة الثانية: اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سنين كسني يوسف، اللهم العن رعلان وذكوان وبني لحيان، اللهم غفار، غفر الله لها وسالم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله.

فجاء أناس من بني كلاب يلتمسون من رسول الله  دية الكلابيين، وكان رسول الله  حين قدم المدينة، صالح بني النضير على أن لا يكونوا معه ولا عليه فاستعان النبيّ  في عقل الكلابيين قبائل الأنصار فلما بلغ العالية استعان من بني النضير فقال: أعينوني في عقل أصابني، فقال: هؤلاء حلفائي.

فخرج رسول الله  ، ومعه أبو بكر، وعمر، وعلي-  م- إلى بني النضير، فقال حيي بن أخطب: اجلس يا أبا القاسم حتى نطعمك ونعطيك ما سألتنا.

فجلس النبيّ  في صفه، ومعه أبو بكر، وعمر، وعلي-  م- فقال حيي بن أخطب لأصحابه: إنما هو في ثلاثة نفر لا ترونه أقرب من الآن، فاقتلوه لا تروا شراً أبداً.

فنزل جبريل-  - وأخبره، فقام النبيّ  كأنه يريد حاجة، حتى دخل المدينة فجاء إنسان، فسألوه عنه فقال: رأيت النبيّ  دخل أول البيوت.

فقاموا من هناك، فقال حيي بن أخطب: عجل أبو القاسم عليه، فقد أردنا أن نطعمه ونعطيه الذي سأله.

فلما رجع النبي  إلى المدينة، جمع الناس وجاء بالجيش، واختلفوا في قتل كَعْب بن الأشرف، فقال بعضهم لبعض: قد كان قتل قبل ذلك، وقال بعضهم: قتل في هذا الوقت.

فبعث محمد بن سلمة، فخرج محمد بن سلمة، وأبو نائلة، ورجلان آخران، فأتوه بالليل، وقالوا: أتيناك نستقرض منك شيئاً من التمر.

فخرج إليهم فقتلوه، ورجعوا إلى النبيّ  ، فخرج إليهم.

النبيّ  مع الجيش إلى بني النضير، فقال لهم: اخرجوا منها.

فإذا جاء وقت الجذاذ، فجذوا ثماركم.

فقالوا: لا نفعل.

فحاصرهم النبي  فقالوا: يا أبا القاسم، نحن نعطيك الذي سألتنا.

قال: «لاَ ولكن اخْرُجُوا مِنْهَا، وَلَكُمْ مَا حَمَلَتِ الإِبِلُ إلاّ الحَلَقَةُ» ، يعني: السلاح، قالوا: لا.

فحاصرهم رسول الله  خمس عشرة ليلة، وأمر بقطع نخيلهم، ونقب بيوتهم.

فلما رأت اليهود ما يصنعون بهم، فكلما نقب المسلمون بيت فروا إلى بيت، آخر ينتظرون المنافقين.

وقد قال المنافقون لهم: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، وإن قوتلتم لننصرنكم.

فلما رأوا أنه لا يأتيهم أحد من المنافقين ولحقهم من الشر ما لحقهم، قال بعضهم لبعض: ليس لنا مقام بعد النخيل، فنحن نعطيك يا أبا القاسم على أن تعتق رقابنا إلا الحلقة ونخرج، فأجلاهم رسول الله  من المدينة، ولهم ما حملت الإبل إلا الحلقة.

فأخذ أموالهم، فقسمها بين المهاجرين، ولم يعطها أحداً من الأنصار إلا رجلين كانا محتاجين مثل حاجة المهاجرين، وهما سهل بن حنيف وسماك بن خرشة أبو دجانة، فنزلت هذه الآية: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ يعني: بني النضير لِأَوَّلِ الْحَشْرِ، يعني: أول الإجلاء من المدينة.

وقال عكرمة: من شك بأن الحشر هو الشام، فليقرأ هذه الآية هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ.

فلما قال لهم: اخرجوا من المدينة، قالوا: إلى أين؟

قال: إلى أرض المحشر.

فقال لهم: إنهم أول من يحشر، وأخرج من ديارهم.

ثم قال: مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا، يعني: ما ظننتم أيها المؤمنين أن يخرجوا من ديارهم.

وذلك إن بني النضير كان لهم عز ومنعة، وظن الناس أنهم بعزهم ومنعتم لا يخرجون.

وَظَنُّوا أَنَّهُمْ، يعني: وحسبوا بني النضير أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ يعني: أن حصونهم تمنعهم من عذاب الله.

فَأَتاهُمُ اللَّهُ، يعني: أتاهم أمر الله، ويقال: فَأَتاهُمُ اللَّهُ بما وعد لهم.

مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، يعني: لم يظنوا أنه ينزل بهم، وهو قتل كعب بن الأشرف، ويقال: خروج النبي  مع الجيش إليهم.

وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، يعني: جعل في قلوبهم الخوف.

يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ.

وذلك أنهم حصنوا أزقتهم بالدروب، وكان المسلمون ينقبون بيوتهم، ويدخلونها، وكان اليهود ينقبون بيوتهم من الجانب الآخر ويخرجون منها.

ويقال: كان اليهود ينقبون بيوتهم، ليرموا بها على المسلمين وكان المسلمون يخربون نواحي بيوتهم، ليتمكنوا من الحرب.

ويقال: كان اليهود أنفقوا في بيوتهم، فلما علموا أنهم يخرجون منها، جعلوا يخربونها كيلا يسكنها المسلمون وكان المؤمنون يخربونها، ليدخلوا عليهم.

قرأ أبو عمرو يُخْرِبُونَ بالتشديد.

والباقون بالتخفيف.

قال بعضهم: هما لغتان: خرب وأخرب.

وروي عن الفراء أنه قال: من قرأ بالتشديد، فمعناه يهدمون ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه يعطلون.

ثم قال فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ، يعني: من له البصارة في أمر الله.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَشْرِ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفاقٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وهي سُورَةُ بَنِي النَضِيرِ؛ وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ قَدْ عاهَدَ بَنِي النَضِيرِ عَلى سِلْمٍ وهم يَرَوْنَ أنَّهُ لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، فَلَمّا جَرَتْ هَزِيمَةُ أُحُدٍ ارْتابُوا وداخَلُوا قُرَيْشًا وغَدَرُوا، فَلَمّا رَجَعَ النَبِيُّ  مِن أُحُدٍ تَبَيَّنَ لَهُ مُعْتَقَدُ بَنِي النَضِيرِ وغَدْرُهم بِعَهْدِهِ ومُوالاتُهم لِلْكُفّارِ، فَجَمَعَ إلَيْهِمْ وحاصَرَهم وعاهَدَهم عَلى أنْ يُجْلِيَهم عن أرْضِهِمْ، فارْتَحَلُوا إلى بِلادٍ مُخْتَلِفَةٍ: خَيْبَرُ والشامُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ البِلادِ، ثُمَّ كانَ أمْرُ بَنِي قُرَيْظَةَ مَرْجِعُهُ مِنَ الأحْزابِ.» قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لأوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِن اللهِ فَأتاهُمُ اللهِ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَسْبِيحِ الجَماداتِ الَّتِي يَتَناوَلُها عُمُومُ "ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ"، وأنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فَقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ مَجازٌ، أيْ: أنَّ آثارَ الصَنْعَةِ فِيها والإيجادِ لَها كالتَسْبِيحِ وداعِيَةٍ إلى التَسْبِيحِ مِمَّنْ لَهُ أنْ يُسَبِّحَ، وقالَ مَكِّيٌّ: "سَبَّحَ" مَعْناهُ: صَلّى وسَجَدَ، فَهَذا كُلُّهُ بِمَعْنى الخُضُوعِ والطَوْعِ، و"العَزِيزُ الحَكِيمُ" صِفَتانِ مُناسِبَتانِ لِما يَأْتِي بَعْدُ مِن قِصَّةِ العَدُوِّ الَّذِينَ أخْرَجَهم مِن دِيارِهِمْ.

و ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ هم بَنُو النَضِيرِ، وكانَتْ قَبِيلَةً عَظِيمَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ مُوازِيَةً في القَدْرِ والمَنزِلَةِ لِبَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَ يُقالُ لِلْقَبِيلَتَيْنِ: الكاهِنانِ لِأنَّهُما مِن ولَدِ الكاهِنِ بْنِ هارُونَ، وكانَتْ أرْضُهم وحُصُونُهم قَرِيبَةً مِنَ المَدِينَةِ، ولَهم نَخْلٌ وَأمْوالٌ عَظِيمَةٌ، «فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ  مِن أُحُدٍ خَرَجَ إلى بَنِي النَضِيرِ فَحاصَرَهم وأجْلاهم عَلى أنْ يَحْمِلُوا مِن أمْوالِهِمْ ما أقَلَّتْهُ الإبِلُ حاشى الحَلْقَةَ -وَهِيَ جَمِيعُ السِلاحِ-: فَخَرَجُوا إلى بِلادٍ مُخْتَلِفَةٍ،» فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِأوَّلِ الحَشْرِ" اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى ذَلِكَ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "الحَشْرَ" هو الجَمْعُ والتَوْجِيهُ إلى ناحِيَةٍ ما، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وغَيْرُهُ: أرادَ حَشْرَ القِيامَةِ، أيْ: هَذا أوَّلُهُ، والقِيامُ مِنَ القُبُورِ آخِرُهُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ النَبِيَّ  قالَ لَهُمْ: « "امْضُوا، هَذا أوَّلُ الحَشْرِ وإنّا عَلى الأثَرِ"»، وقالَ عِكْرِمَةُ، والزَهْراوِيُّ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: لِأوَّلِ مَوْضِعِ الحَشْرِ وهو الشامُ، وذَلِكَ أنَّ أكْثَرَ بَنِي النَضِيرِ جاءَتْ إلى الشامِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ حَشْرَ القِيامَةِ هو إلى الشامِ وأنَّ النَبِيَّ  «قالَ لِبَنِي النَضِيرِ: "اخْرُجُوا"، قالُوا: إلى أيْنَ يا مُحَمَّدُ؟

قالَ: "إلى أرْضِ المَحْشَرِ"،» وقالَ قَوْمٌ -فِي كِتابِ المَهْدَوِيِّ- المُرادُ الحَشْرُ في الدُنْيا الَّذِي هو الجَلاءُ والإخْراجُ، فَهَذا الَّذِي فَعَلَ رَسُولُ اللهِ  بِبَنِي النَضِيرِ أوَّلُهُ، والَّذِي فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِأهْلِ خَيْبَرَ آخِرُهُ، وأخْبَرَتِ الآيَةُ بِمَغِيبٍ، وقَدْ أخْبَرَ النَبِيُّ  بِجَلاءِ أهْلِ خَيْبَرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ آخِرَ الحَشْرِ في قَوْلِ النَبِيِّ  في مَرَضِهِ: « "لا يَبْقَيَنَّ دِينانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ"»، فَإنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إجْلاءَ بَقاياهُمْ، قالَ الخَلِيلُ -فِيما حَكى الزَجّاجُ -: سُمِّيَتْ جَزِيرَةً لِأنَّهُ أحاطَ بِها بِحْرُ الحَبَشَةِ وبَحْرُ فارِسٍ ودِجْلَةُ والفُراتُ.

وفي هَذِهِ الإحاطَةِ نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا ﴾ مَعْناهُ: لِمَنعَتِهِمْ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فَلَمْ تَكُنْ آمالُكم وظُنُونُكم تَنْتَهِي إلى أنَّهم يَخْرُجُونَ ويَدَّعُونَ أمْوالَهم لَكُمْ، وبِحَسَبِ ذَلِكَ مِنَ المَنعَةِ والعَدَدِ والتَحَصُّنِ ظَنُّوا هم أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ اللهِ" يُرِيدُ: مِن جُنْدِ اللهِ وحِزْبِ اللهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتاهُمُ اللهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ عِبارَةٌ عن إظْهارِ اللهِ تَعالى المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وإلْقائِهِمْ في حَيِّزِ الهَزْمِ والذُلِّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الرُعْبَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "الرُعُبُ" بِضَمِّ العَيْنِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ فَقالَ الضَحّاكُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: كُلَّما هَدَمَ المُسْلِمُونَ مِن تَحْصِينِهِمْ في القِتالِ هَدَمُوا هم مِنَ البُيُوتِ وجَبَرُوا الحِصْنَ دَأْبًا، فَهَذا مَعْنى تَخْرِيبِهِمْ، وقالَ الزَهْرِيُّ وغَيْرُهُ: كانُوا لِما أُبِيحَ لَهم ما تَسْتَقِلُّ بِهِ الإبِلُ لا يَدْعُونَ خَشَبَةً حَسَنَةً ولا نَجافًا ولا سارِيَةً إلّا قَلَعُوها وخَرَّبُوا البُيُوتَ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ مِن حَيْثُ فِعْلُهم بِكُفْرِهِمْ داعِيَةٌ إلى تَخْرِيبِ المُؤْمِنِينَ بُيُوتَهُمْ، فَكَأنَّهم قَدْ خَرَّبُوها بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهم لَمّا أزْمَعُوا الجَلاءَ شَحُّوا عَلى تَرْكِ البُيُوتِ سَلِيمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَهَدَمُوا وخَرَّبُوا لِمَعْنى الإفْسادِ عَلى مَن يَأْتِي، وقالَ قَتادَةُ: خَرَّبَ المُؤْمِنُونَ مِن خارِجٍ لِيَدْخُلُوا وخَرَّبُوا هم مِن داخِلٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُخْرِبُونَ" بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ، والحَسَنُ -بِخِلافٍ عنهُ- وقَتادَةُ، وعِيسى: "يُخَرِّبُونَ" بِفَتْحِ الخاءِ وشَدِّ الراءِ، فَقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ اللُغَوِيِّينَ: القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: "خَرِبَ" مَعْناهُ: هَدَمَ وأفْسَدَ، و"أخْرَبَ" مَعْناهُ: تَرَكَ المَوْضِعَ خَرابًا وذَهَبَ عنهُ.

ثُمَّ نَبِّهْ تَبارَكَ وتَعالى المُؤْمِنِينَ وغَيْرَهم مِمَّنْ لَهُ أنْ يَنْظُرَ عَلى نُصْرَةِ رَسُولِهِ  وصُنْعِهِ لَهُ فِيمَن حادَّهُ وناوَأهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ أيِ: العُقُولُ والأفْهامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء لَعَذَّبَهُمْ فِى الدنيا ﴾ .

جملة معترضة ناشئة عن جملة ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ [الحشر: 2].

فالواو اعتراضية، أي أخرجهم الله من قريتهم عقاباً لهم على كفرهم وتكذيبهم للرسول صلى الله عليه وسلم كما قال: ﴿ ذلك بأنهم شاقّوا الله ورسوله ﴾ [الحشر: 4] ولو لم يعاقبهم الله بالجلاء لعاقبهم بالقَتل والأسر لأنهم استحقّوا العقاب.

فلو لم يقذف في قلوبهم الرعب حتى استسلموا لعاقبهم بجوع الحصار وفتح ديارهم عنوة فعذبوا قتلاً وأسراً.

والمراد بالتعذيب: الألم المحسوس بالأبدان بالقتل والجرح والأسر والإِهانة وإلاّ فإن الإِخراج من الديار نكبة ومصيبة لكنها لا تدرك بالحس وإنما تدرك بالوجدان.

و ﴿ لولا ﴾ حرف امتناع لوجود، تفيد امتناع جوابها لأجل وجود شرطها، أي وجود تقدير الله جلاءهم سبب لانتفاء تعذيب الله إياهم في الدنيا بعذاب آخر.

وإنما قدر الله لهم الجلاء دون التعذيب في الدنيا لمصلحة اقتضتها حكمته، وهي أن يأخذ المسلمون أرضهم وديارهم وحوائطهم دون إتلاف من نفوس المسلمين مما لا يخلو منه القتال لأن الله أراد استبقاء قوة المسلمين لما يستقبل من الفتوح، فليس تقدير الجلاء لهم لقصد اللطف بهم وكرامتهم وإن كانوا قد آثروه على الحرب.

ومعنى ﴿ كتب الله عليهم ﴾ قَدّر لهم تقديراً كالكتابة في تحقق مضمونه وكان مظهر هذا التقدير الإِلهي ما تلاحق بهم من النكبات من جلاء النضير ثم فتح قريظة ثم فتح خيبر.

والجلاء: الخروج من الوطن بنية عدم العود، قال زهير: فإن الحق مقطعه ثلاث *** يمين أو نفارٌ أو جَلاء وأعلم أن ﴿ أنْ ﴾ الواقعة بعد ﴿ لولا ﴾ هنا مصدريةٌ لأن ﴿ أَنْ ﴾ الساكنة النون إذا لم تقع بعد فعل عِلم يقين أو ظن ولا بعد ما فيه معنى القول، فهي مصدرية وليست مخففة من الثقيلة.

﴿ الدنيا وَلَهُمْ فِى الاخرة عَذَابُ ﴾ .

عطف على جملة ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم ﴾ الآية، أو على جملة ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا ﴾ [الحشر: 2]، وليس عطفاً على جواب ﴿ لولا ﴾ فإن عذاب النار حاقّ عليهم وليس منتفياً.

والمقصود الاحتراس من توهم أنَّ الجلاء بَدل من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ ﴾ معنى الجلاء في اللغة: الخروج من الوطن والتحول منه، يقال منه: جلا القوم عن منازلهم.

وتقول: أجليناهم عن بلادهم فجلوا (١) وأجلوا عن مساكن فارقوها ...

كما جلت الفراخ من العشاش (٢) يقول: لولا أن الله قضى عليهم أنهم يخرجون عن أوطانهم بالمدينة إلى الشام وخيبر.

قوله تعالى: ﴿ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ﴾ بالقتل والسبي، ولسلطكم عليهم كما فعل بقريظة (٣) ﴿ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ﴾ مع ما أحل بهم في الدنيا، وهذا معنى قول عامة المفسرين (٤) (١) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 256، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 373، و"تهذيب اللغة" 1/ 488، و"اللسان" 1/ 488 (جلل).

(٢) انظر: "الخزانة" 9/ 271.

(٣) وهي الغزوة التي حكم فيها سعد بن معاذ بأن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم، وأن تقسم أموالهم، وكانت بعد غزوة الأحزاب، وذلك لنقضهم العهد الذي بينهم وبين محمد -  -، انظر: "تاريخ الطبري" 2/ 93 - 98.

(٤) انظر: "جامع البيان" 28/ 22، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 332.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ ﴾ يعني بني النضير ﴿ لأَوَّلِ الحشر ﴾ في معناه أربعة أقوال: أحدها أنه حشر القيامة أي خروجهم من حصونهم أول الحشر والقيام من القبور آخره.

وروي في هذا المعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: امضوا هذا أول الحشر، وأنا على الأثر.

الثاني: أن المعنى لأول موضع الحشر هو الشام، وذلك أن أكثر بني النضير خرجوا إلى الشام، وقد جاء في الأثر أن حشر القيامة إلى أرض الشام، وروي في هذا المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبني النضير: اخرجوا.

قالوا: إلى أين؟

قال: إلى أرض المحشر الثالث أن المراد الحشر في الدنيا الذي هو الجلاء والإخراج، فأخرجهم من حصونهم أول الحشر، وإخراج أهل خيبر آخره، الرابع أن معناه إخراجهم من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم؛ لأنه أول قتال قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقال الزمخشري: اللام في قوله لأول بمعنى عند كقولك جئت لوقت كذا ﴿ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ ﴾ يعني لكثرة عدتهم ومنعة حصونهم ﴿ فَأَتَاهُمُ الله ﴾ عبارة عن أخذ الله لهم ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المؤمنين ﴾ أما إخراب المؤمنين فهو هدم أسوار الحصون ليدخلوها، وأسند ذلك إلى الكفار في قوله: ﴿ يُخْرِبُونَ ﴾ لأنه كان بسبب كفرهم وغدرهم، وأما إخراب الكفار لبيوتهم فلثلاثة مقاصد: أحدها حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدوا بها أفواه الأزقة ويحصنوا ما خرَّبه المسلمون من الأسوار، والثاني ليحملوا معهم ما أعجبهم من الخشب والسواري وغير ذلك.

الثالث أن لا تبقى مساكنهم مبنية للمسلمين فهدموها شحاً عليهم ﴿ فاعتبروا ياأولي الأبصار ﴾ استدل الذين أثبوا القياس في الفقه بهذه الآية، واستدلالهم بها ضعيف خارج عن معناها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولولا أن الله كتب عليهم إخراجهم من ديارهم، لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، كما فعل بإخوانهم من بني قُرَيْظة، ولهم في الآخرة عذاب النار ينتظرهم خالدين فيه أبدًا.

من فوائد الآيات المحبة التي لا تجعل المسلم يتبرأ من دين الكافر ويكرهه، فإنها محرمة، أما المحبة الفطرية؛ كمحبة المسلم لقريبه الكافر، فإنها جائزة.

رابطة الإيمان أوثق الروابط بين أهل الإيمان.

قد يعلو أهل الباطل حتَّى يُظن أنهم لن ينهزموا، فتأتي هزيمتهم من حيث لا يتوقعون.

من قدر الله في الناس دفع المصائب بوقوع ما دونها من المصائب.

<div class="verse-tafsir" id="91.LROLm"

مزيد من التفاسير لسورة الحشر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر