الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ٥ من سورة الحشر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 73 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٥ من سورة الحشر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله تعالى : ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ) اللين : نوع من التمر ، وهو جيد .
قال : أبو عبيدة : وهو ما خالف العجوة والبرني من التمر .
وقال كثيرون من المفسرين : اللينة : ألوان التمر سوى العجوة .
قال : ابن جرير : هو جميع النخل .
ونقله عن مجاهد : وهو البويرة أيضا ; وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما حاصرهم أمر بقطع نخيلهم إهانة لهم ، وإرهابا وإرعابا لقلوبهم .
فروى محمد ابن إسحاق ، عن يزيد بن رومان ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان أنهم قالوا : [ فبعث بنو النضير ] يقولون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنك تنهى عن الفساد ، فما بالك تأمر بقطع الأشجار ؟
فأنزل الله هذه الآية الكريمة ، أي : ما قطعتم وما تركتم من الأشجار ، فالجميع بإذن الله ومشيئته وقدرته ورضاه ، وفيه نكاية بالعدو وخزي لهم ، وإرغام لأنوفهم .
وقال مجاهد : نهى بعض المهاجرين بعضا عن قطع النخل ، وقالوا : إنما هي مغانم المسلمين .
فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه ، وتحليل من قطعه من الإثم ، وإنما قطعه وتركه بإذنه .
وقد روي نحو هذا مرفوعا ، فقال النسائي : أخبرنا الحسن بن محمد ، عن عفان حدثنا حفص بن غياث ، حدثنا حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله : ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ) قال : يستنزلونهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل ، فحاك في صدورهم ، فقال المسلمون : قطعنا بعضا وتركنا بعضا ، فلنسألن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هل لنا فيما قطعنا من أجر ؟
وهل علينا فيما تركنا من وزر ؟
فأنزل الله : ( ما قطعتم من لينة ) وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده : حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا حفص ، عن ابن جريج ، عن سليمان بن موسى ، عن جابر - وعن أبي الزبير ، عن جابر - قال : رخص لهم في قطع النخل ، ثم شدد عليهم فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا رسول الله ، علينا إثم فيما قطعنا ؟
أو علينا وزر فيما تركنا ؟
فأنزل الله ، عز وجل : ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ) .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطع نخل بني النضير وحرق .
وأخرجه صاحبا الصحيح من رواية موسى بن عقبة ، بنحوه ولفظ البخاري من طريق عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : حاربت النضير وقريظة فأجلى بني النضير ، وأقر قريظة ، ومن عليهم حتى حاربت قريظة فقتل من رجالهم ، وقسم نساءهم ، وأولادهم ، وأموالهم بين المسلمين ، إلا بعضهم لحقوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فأمنهم وأسلموا ، وأجلى يهود المدينة كلهم بني قينقاع ، وهم رهط عبد الله بن سلام ، ويهود بني حارثة ، وكل يهودي بالمدينة .
ولهما أيضا عن قتيبة ، عن الليث بن سعد ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرق نخل بني النضير وقطع - وهي البويرة - فأنزل الله ، عز وجل فيه : ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ) .
وللبخاري رحمه الله ، من رواية جويرية بن أسماء ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرق نخل بني النضير .
ولها يقول حسان بن ثابت ، رضي الله عنه : وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير فأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول : أدام الله ذلك من صنيع وحرق في نواحيها السعير ستعلم أينا منها بنزه وتعلم أي أرضينا نضير كذا رواه البخاري ولم يذكره ابن إسحاق .
وقال محمد بن إسحاق : وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير وقتل ابن الأشرف : لقد خزيت بغدرتها الحبور كذاك الدهر ذو صرف يدور وذلك أنهم كفروا برب عظيم أمره أمر كبير وقد أوتوا معا فهما وعلما وجاءهم من الله النذير نذير صادق أدى كتابا وآيات مبينة تنير فقال ما أتيت بأمر صدق وأنت بمنكر منا جدير فقال : بلى لقد أديت حقا يصدقني به الفهم الخبير فمن يتبعه يهد لكل رشد ومن يكفر به يجز الكفور فلما أشربوا غدرا وكفرا وجد بهم عن الحق النفور أرى الله النبي برأي صدق وكان الله يحكم لا يجور فأيده وسلطه عليهم وكان نصيره نعم النصير فغودر منهمو كعب صريعا فذلت بعد مصرعه النضير على الكفين ثم وقد علته بأيدينا مشهرة ذكور بأمر محمد إذ دس ليلا إلى كعب أخا كعب يسير فماكره فأنزله بمكر ومحمود أخو ثقة جسور فتلك بنو النضير بدار سوء أبارهم بما اجترموا المبير غداة أتاهم في الزحف رهوا رسول الله وهو بهم بصير وغسان الحماة موازروه على الأعداء وهو لهم وزير فقال : السلم ويحكم فصدوا وحالف أمرهم كذب وزور فذاقوا غب أمرهم دبالا لكل ثلاثة منهم بعير وأجلوا عامدين لقينقاع وغودر منهم نخل ودور قال : وكان مما قيل من الأشعار في بني النضير قول ابن لقيم العبسي - ويقال : قالها قيس بن بحر بن طريف ، قال ابن هشام الأشجعي : أهلي فداء لامرئ غير هالك أحل اليهود بالحسي المزنم يقيلون في جمر الغضاة وبدلوا أهيضب عودا بالودي المكمم فإن يك ظني صادقا بمحمد يروا خيله بين الصلا ويرمرم يؤم بها عمرو بن بهثة إنهم عدو وما حي صديق كمجرم عليهن أبطال مساعير في الوغى يهزون أطراف الوشيج المقوم وكل رقيق الشفرتين مهند تورثن من أزمان عاد وجرهم فمن مبلغ عني قريشا رسالة فهل بعدهم في المجد من متكرم بأن أخاكم فاعلمن محمدا تليد الندى بين الحجون وزمزم فدينوا له بالحق تجسم أموركم وتسموا من الدنيا إلى كل معظم نبي تلافته من الله رحمة ولا تسألوه أمر غيب مرجم فقد كان في بدر لعمري عبرة لكم يا قريش والقليب الملمم غداة أتى في الخزرجية عامدا إليكم مطيعا للعظيم المكرم معانا بروح القدس ينكى عدوه رسولا من الرحمن حقا بمعلم رسولا من الرحمن يتلو كتابه فلما أنار الحق لم يتلعثم أرى أمره يزداد في كل موطن علوا لأمر حمه الله محكم وقد أورد ابن إسحاق ، رحمه الله ، ها هنا أشعارا كثيرة ، فيها آداب ومواعظ وحكم ، وتفاصيل للقصة ، تركنا باقيها اختصارا واكتفاء بما ذكرناه ، ولله الحمد والمنة .
قال ابن إسحاق : كانت وقعة بني النضير بعد وقعة أحد ، وبعد بئر معونة .
وحكى البخاري ، عن الزهري ، عن عروة أنه قال : كانت وقعة بني النضير بعد بدر بستة أشهر .
القول في تأويل قوله تعالى : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5) يقول تعالى ذكره: ما قطعتم من ألوان النخل، أو تركتموها قائمة على أصولها.
اختلف أهل التأويل في معنى اللينة، فقال بعضهم: هي جميع أنواع النخل سوى العجوة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن داود بن أَبي هند، عن عكرِمة: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ) قال: النخلة.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة أنه قال في هذه الآية: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا ) قال: اللينة: ما دون العجوة من النخل.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، في قوله: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ) قال: اللينة ما خالف العجوة من التمر.
وحدثنا به مرة أخرى فقال: من النخل.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد، عن قتادة، في قوله: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ) قال: النخل كله ما خلا العجوة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ )، واللينة: ما خلا العجوة من النخل.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ): ألوان النخل كلها إلا العجوة.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن داود بن أَبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ) قال: النخلة دون العجوة.
وقال آخرون: النخل كله لينة، العجوة منه وغير العجوة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ) قال: النخلة.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ) قال: نخلة.
قال: نهى بعض المهاجرين بعضا عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين، ونـزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم، وإنما قطعه وتركه بإذنه.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن أَبي بكير، قال: ثنا شريك، عن أَبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ) قال: النخلة.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ) قال: اللينة: النخلة؛ عجوة كانت أو غيرها، قال الله: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ) قال: الذي قطعوا من نخل النضير حين غدرت النضير.
وقال آخرون: هي لون من النخل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ) قال: اللينة: لون من النخل.
وقال، آخرون: هي كرام النخل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان في (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ) قال: من كرام نخلهم.
والصواب من القول في ذلك قول من قال: اللينة: النخلة، وهن من ألوان النخل ما لم تكن عجوة، وإياها عنى ذو الرُّمَّة بقوله: طِـرَاقُ الخَـوَافِي وَاقِـعٌ فَـوْقَ لِيَنـةٍ نَــدَى لَيْلـهِ فِـي رِيشِـهِ يَـترَقْرَقُ (1) وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: اللينة من اللون، والليان في الجماعة واحدها اللينة.
قال: وإنما سميت لينة لأنه فعلة من فَعْل، هو اللون، وهو ضرب من النخل، ولكن لما انكسر ما قبلها انقلبت إلى الياء.
وكان بعضهم ينكر هذا القول ويقول: لو كان كما قال لجمعوه: اللوان لا الليان.
وكان بعض نحويي الكوفة يقول: جمع اللينة لين، وإنما أُنـزلت هذه الآية فيما ذُكر من أجل أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لما قطع نخل بني النضير وحرّقها، قالت بنو النضير لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: إنك كنت تنهى عن الفساد وتعيبه، فما بالك تقطع نخلنا وتُحرقها؟
فأنـزل الله هذه الآية، فأخبرهم أن ما قطع من ذلك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أو ترك، فعن أمر الله فعل.
وقال آخرون: بل نـزل ذلك لاختلاف كان من المسلمين في قطعها وتركها.
* ذكر من قال: نـزل ذلك لقول اليهود للمسلمين ما قالوا: حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثنا يزيد بن رومان، قال: لما نـزل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بهم، يعني ببني النضير تحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بقطع النخل، والتحريق فيها، فنادوْه: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟
فأنـزل الله عزّ وجلّ: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ) .
* ذكر من قال: نـزل ذلك لاختلاف كان بين المسلمين في أمرها: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا ) ...
الآية، أي ليعظهم، فقطع المسلمون يومئذ النخل، وأمسك آخرون كراهية أن يكون إفسادًا، فقالت اليهود: آلله أذن لكم في الفساد؟
فأنـزل الله: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ) .
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا ) قال: نهى بعض المهاجرين بعضًا عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين، ونـزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم، وإنما قطعه وتركه بإذنه.
حدثنا سليمان بن عمر بن خالد البرقي، قال ابن المبارك، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قطع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نخل بني النضير، وفي ذلك نـزلت (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ) ...
الآية، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت: وَهَــانَ عَــلَى سَـرَاةَ بَنِـي لُـؤَيّ حَـــرِيقٌ بـــالبُوَيْرَةِ مُسْــتَطِيرُ (2) وقوله: (فَبِإِذْنِ اللَّهِ ) يقول: فبأمر الله قطعتم ما قطعتم، وتركتم ما تركتم، وليغيظ بذلك أعداءه، ولم يكن فسادًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان (فَبِإِذْنِ اللَّهِ ) : أي فبأمر الله قطعت، ولم يكن فسادًا، ولكن نقمة من الله، وليخزي الفاسقين.
وقوله: (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ) وليذلّ الخارجين عن طاعة الله عزّ وجلّ، المخالفين أمره ونهيه، وهم يهود بني النضير.
------------------- الهوامش: (1) البيت لذي الرمة (اللسان: ريع) والرواية فيه "ريعه" في موضع "لينة" واللينة: النخلة، وكل شيء من النخل سوى العجوة فهو من اللين.
وقد سبق استشهاد المؤلف بالبيت عند قوله تعالى: "أتبنون بكل ريع آية"، وشرحناه هناك شرحًا مفصلا، فارجع إليه في (19 : 93) (2) البيت لحسان بن ثابت (معجم ما استعجم للبكري: رسم البويرة 285) قال البويرة، بضم أوله، وبالراء المهملة، على لفظ التصغير، وهي من تيماء.
قال أبو عبيدة في كتاب الأموال: أحرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير، وقطع زهو البويرة، فنزل فيهم: "ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين".
قال حسان: "هان على سراة ...
البيت".
قال ذلك حسان، لأن قريشًا هم الذين حملوا كعب بن أسد القرظي، صاحب عقد بني قريظة، على نقض العقد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى خرج معهم إلى الخندق، وعند ذلك اشتد البلاء والخوف على المسلمين.
ا هـ
قوله تعالى : ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين فيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : ما قطعتم من لينة ما في محل نصب ب : " قطعتم " ; كأنه قال : أي شيء قطعتم .
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل على حصون بني النضير - وهي البويرة - حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أحد ، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها .
واختلفوا في عدد ذلك ; فقال قتادة والضحاك : إنهم قطعوا من نخيلهم وأحرقوا ست نخلات .
وقال محمد بن إسحاق : إنهم قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة .
وكان ذلك عن إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بأمره ; إما لإضعافهم بها ، وإما لسعة المكان بقطعها .
فشق ذلك عليهم فقالوا وهم يهود أهل الكتاب : يا محمد ، ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح ، أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر ؟
وهل وجدت فيما أنزل الله عليك إباحة الفساد في الأرض ؟
فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم .
ووجد المؤمنون في أنفسهم حتى اختلفوا ; فقال بعضهم : لا تقطعوا مما أفاء الله علينا .
وقال بعضهم : اقطعوا لنغيظهم بذلك .
فنزلت الآية بتصديق من نهى عن القطع وتحليل من قطع من الإثم ، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله .
وقال شاعرهم سماك اليهودي في ذلك :[ ص: 9 ]ألسنا ورثنا الكتاب الحكيم على عهد موسى ولم نصدف وأنتم رعاء لشاء عجافبسهل تهامة والأخيف ترون الرعاية مجدا لكملدى كل دهر لكم مجحف فيا أيها الشاهدون انتهواعن الظلم والمنطق المؤنف لعل الليالي وصرف الدهوريدلن من العادل المنصف بقتل النضير وإجلائهاوعقر النخيل ولم تقطففأجابه حسان بن ثابت :تفاقد معشر نصروا قريشا وليس لهم ببلدتهم نصيرهموا أوتوا الكتاب فضيعوه وهم عمي عن التوراة بوركفرتم بالقران وقد أبيتم بتصديق الذي قال النذيروهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطيرفأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب :أدام الله ذلك من صنيع وحرق في نواحيها السعيرستعلم أينا منها بنزه وتعلم أي أرضينا تصيرفلو كان النخيل بها ركابا لقالوا لا مقام لكم فسيرواالثانية : كان خروج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم في ربيع الأول أول السنة الرابعة من الهجرة ، وتحصنوا منه في الحصون ، وأمر بقطع النخل وإحراقها ، وحينئذ نزل تحريم الخمر .
ودس عبد الله بن أبي ابن سلول ومن معه من المنافقين إلى بني النضير : إنا معكم ، وإن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم ; فاغتروا بذلك .
فلما جاءت الحقيقة خذلوهم وأسلموهم وألقوا بأيديهم ، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكف عن دمائهم ويجليهم ; على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح ، فاحتملوا كذلك إلى خيبر ، ومنهم من سار إلى الشام .
وكان ممن سار منهم إلى خيبر أكابرهم ; كحيي بن أخطب ، وسلام بن أبي الحقيق ، وكنانة بن الربيع .
فدانت لهم خيبر .[ ص: 10 ] الثالثة : ثبت في صحيح مسلم وغيره عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النضير وحرق .
ولها يقول حسان :وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطيروفي ذلك نزلت : ما قطعتم من لينة الآية .واختلف الناس في تخريب دار العدو وتحريقها وقطع ثمارها على قولين : الأول : أن ذلك جائز ; قاله في المدونة .
الثاني : إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا ، وإن يئسوا فعلوا ; قاله مالك في الواضحة .
وعليه يناظر أصحاب الشافعي .
ابن العربي : والصحيح الأول .
وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخل بني النضير له ; ولكنه قطع وحرق ليكون ذلك نكاية لهم ووهنا فيهم حتى يخرجوا عنها .
وإتلاف بعض المال لصلاح باقيه مصلحة جائزة شرعا ، مقصودة عقلا .الرابعة : قال الماوردي : إن في هذه الآية دليلا على أن كل مجتهد مصيب .
وقاله الكيا الطبري قال : وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ، ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ذلك وسكت ; فتلقوا الحكم من تقريره فقط .
قال ابن العربي : وهذا باطل ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معهم ، ولا اجتهاد مع حضور رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما يدل على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه ; أخذا بعموم الأذية للكفار ، ودخولا في الإذن للكل لما يقضي عليهم بالاجتياح والبوار ; وذلك قوله تعالى : وليخزي الفاسقين .الخامسة : اختلف في اللينة ما هي ; على أقوال عشرة : الأول : النخل كله إلا العجوة ; قاله الزهري ومالك وسعيد بن جبير وعكرمة والخليل .
وعن ابن عباس ومجاهد والحسن : أنها النخل كله ، ولم يستثنوا عجوة ولا غيرها .
وعن ابن عباس أيضا : أنها لون من النخل .
وعن الثوري : أنها كرام النخل .
وعن أبي عبيدة : أنها جميع ألوان التمر سوى العجوة والبرني .
وقال جعفر بن محمد : إنها العجوة خاصة .
وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح عليه السلام في السفينة .
والعتيق : الفحل .
وكانت العجوة أصل الإناث كلها فلذلك شق على اليهود قطعها ; حكاه الماوردي .
وقيل : هي ضرب من النخل يقال لتمره : اللون ، تمره أجود التمر ، [ ص: 11 ] وهو شديد الصفرة ، يرى نواه من خارجه ويغيب فيه الضرس ; النخلة منها أحب إليهم من وصيف .
وقيل : هي النخلة القريبة من الأرض .وأنشد الأخفش :قد شجاني الحمام حين تغنى بفراق الأحباب من فوق لينهوقيل : إن اللينة الفسيلة ; لأنها ألين من النخلة .
ومنه قول الشاعر :غرسوا لينها بمجرى معين ثم حفوا النخيل بالآجاموقيل : إن اللينة الأشجار كلها للينها بالحياة ; قال ذو الرمة :طراق الخوافي واقع فوق لينة ندى ليله في ريشه يترقرقوالقول العاشر : أنها الدقل ; قاله الأصمعي .
قال : وأهل المدينة يقولون : لا تنتفخ الموائد حتى توجد الألوان ; يعنون الدقل .
قال ابن العربي : والصحيح ما قاله الزهري ومالك لوجهين : أحدهما : أنهما أعرف ببلدهما وأشجارهما .
الثاني : أن الاشتقاق يعضده ، وأهل اللغة يصححونه ; فإن اللينة وزنها لونة ، واعتلت على أصولهم فآلت إلى لينة فهي لون ، فإذا دخلت الهاء كسر أولها ; كبرك الصدر ( بفتح الباء ) وبركه ( بكسرها ) لأجل الهاء .
وقيل لينة أصلها لونة فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها .
وجمع اللينة لين .
وقيل : ليان ; قال امرؤ القيس يصف عنق فرسه :وسالفة كسحوق الليا ن أضرم فيها الغوي السعروقال الأخفش : إنما سميت لينة اشتقاقا من اللون لا من اللين .
المهدوي : واختلف في اشتقاقها ; فقيل : هي من اللون وأصلها لونة .
وقيل : أصلها لينة من لان يلين .
وقرأ عبد الله " ما قطعتم من لينة ولا تركتم قوماء على أصولها " أي قائمة على سوقها .
وقرأ الأعمش " ما قطعتم من لينة أو تركتموها قوما على أصولها " المعنى لم تقطعوها .
وقرئ " قوماء على أصلها " .
وفيه وجهان : أحدهما : أنه جمع أصل ; كرهن ورهن .
والثاني : اكتفي فيه بالضمة عن [ الواو ] .
وقرئ : " قائما على أصوله " ذهابا إلى لفظ " ما " .فبإذن الله أي بأمره وليخزي الفاسقين أي ليذل اليهود الكفار به وبنبيه وكتبه .
ولما لام بنو النضير رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين في قطع النخيل والأشجار، وزعموا أن ذلك من الفساد، وتوصلوا بذلك إلى الطعن بالمسلمين، أخبر تعالى أن قطع النخيل إن قطعوه أو إبقاءهم إياه إن أبقوه، إنه بإذنه تعالى، وأمره { وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } حيث سلطكم على قطع نخلهم، وتحريقها، ليكون ذلك نكالا لهم، وخزيا في الدنيا، وذلا يعرف به عجزهم التام، الذي ما قدروا على استنقاذ نخلهم، الذي هو مادة قوتهم.
واللينة: اسم يشمل سائر النخيل على أصح الاحتمالات وأولاها، فهذه حال بني النضير، وكيف عاقبهم الله في الدنيا.
( ما قطعتم من لينة ) الآية .
وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا : يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح !
أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخيل فهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض ؟
!
فوجد المسلمون في أنفسهم [ من قولهم وخشوا ] أن يكون ذلك فسادا واختلفوا في ذلك فقال بعضهم : لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا .
وقال بعضهم : بل نغيظهم بقطعها .
فأنزل الله هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا آدم حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر قال : حرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نخل بني النضير وقطع البويرة فنزلت ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ) ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ) أخبر الله في هذه الآية أن ما قطعوه وما تركوه فبإذن الله ( وليخزي الفاسقين ) واختلفوا في " اللينة " فقال قوم : النخل كلها لينة ما خلا العجوة [ وهو قول عكرمة وقتادة .
ورواه زاذان عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقطع نخلهم إلا العجوة ] وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من التمرة : الألوان واحدها لون ولينة .
وقال الزهري : هي ألوان النخل كلها إلا العجوة والبرنية .
وقال مجاهد وعطية : هي النخل كلها من غير استثناء .
وقال العوفي عن ابن عباس - رضي الله عنهم - : هي لون من النخل .
وقال سفيان : هي كرام النخل .
وقال مقاتل هي ضرب من النخل يقال لثمرها اللون ، وهو شديد الصفرة يرى نواه من خارج ، يغيب فيها الضرس وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهم ، وكانت النخلة الواحدة منها ثمنها ثمن وصيف ، وأحب إليهم من وصيف فلما رأوهم يقطعونها شق ذلك عليهم وقالوا للمؤمنين : إنكم تكرهون الفساد في الأرض ، وأنتم تفسدون دعوا هذا النخل [ قائما هو لمن غلب عليها ] فأخبر الله تعالى أن ذلك بإذنه .
«ما قطعتم» يا مسلمون «من لينة» نخلة «أو تركتموها قائمة على أصولها فبأذن الله» أي خيَّركم في ذلك «وليخزيَ» بالإذن في القطع «الفاسقين» اليهود في اعتراضهم أن قطع الشجر المثمر فساد.
ما قطعتم -أيها المؤمنون- من نخلة أو تركتموها قائمة على ساقها، من غير أن تتعرضوا لها، فبإذن الله وأمره؛ وليُذلَّ بذلك الخارجين عن طاعته المخالفين أمره ونهيه، حيث سلَّطكم على قطع نخيلهم وتحريقها.
ثم ساق - سبحانه - ما يغرس الطمأنينة فى قلوب المؤمنين ، الذين اشتركوا فى تخريب ديار بنى النضير ، وفى قطع نخيلهم ، فقال - تعالى - : ( مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله وَلِيُخْزِيَ الفاسقين ) .و " ما " شرطية فى موضع نصب ، بقوله : ( قَطَعْتُمْ ) وقوله : ( مِّن لِّينَةٍ ) بيان لها .
.وقوله : ( فَبِإِذْنِ الله ) جزاء الشرط .
واللام فى قوله - تعالى - : ( وَلِيُخْزِيَ الفاسقين ) متعلقة بمحذوف .واللينةواحدة اللين ، وهو النخل كله ، أو كرام النخل فقط .قال الآلوسى ما ملخصه : اللينة هى النخلة مطلقا .
.
.
وهى فعلة من اللَّونِ ، وياؤها مقلوبة عن واو لكسر ما قبلها - فأصل لِينَة : لِوْنَة .
.وقيل : اللينة : النخلة مطلقا .
.
.
وقيل : هى النخلة القصيرة ، وقيل : الكريمة من النخل .
.
ويمكن أن يقال : أراد باللينة النخلة الكريمة .وقد ذكروا فى سبب نزول الآية روايات منها : أن المسلمين عندما أخذوا فى تقطيع نخيل اليهود ، قال اليهود للنبى - صلى الله عليه وسلم - : ( يا محمد إنك تنهى عن الفساد ، فما بالك تأمر بقطع النخيل؟
فأنزل الله هذه الآية .وقيل : إن المسلمين بعد أن قطعوا بعض النخيل ، ظنوا أنهم قد أخطأوا فى ذلك ، فقالوا : لنسألن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية .وقيل : إن المسلمين نهى بعضهم بعضا عن قطع النخيل ، وقالوا إنما هى مغانم للمسلمين ، فنزلت هذه الآية؛ لتصديق من نهى عن القطع ، وتحليل من قطع من الإثم .والمعنى : لا تختلفوا - ايها المؤمنون - فى شأن ما فعلتموه بنخيل بنى النضير ، فإن ذلك قطع شيئا من هذه النخيل لا إثم عليه ، والذى لم يقطع لا إثم عليه - أيضا - لأن كلا الأمرين بإذن الله - تعالى - ورضاه ، وفى كليهما مصلحة لكم .لأن من قطع يكون قد فعل ما يغيظ العدو ويذله ، ويحمله على الاستسلام والخضوع لأمركم .
.
.ومن ترك يكون قد فعل ما يعود بالخير عليكم ، لأن تلك النخيل الباقية ، منفعتها ستئول إليكم .وقد شرع - سبحانه - لكم كلا الأمرين فى هذا المقام ( وَلِيُخْزِيَ الفاسقين ) عن أمره ، وهم يهود بنى النضير ، ومن ناصرهم ، وأيدهم ، وسار على طريقتهم فى الخيانة والغدر .فالآية الكريمة المقصود بها : إدخال المسرة والبهجة فى قلوب المؤمنين ، حتى لا يتأثروا بما حدث منهم بالنسبة لنخيل بنى النضير ، وحتى يتركوا الخلاف فى شأن هذه المسألة ، بعد أن صدر حكم الله - تعالى - فيها ، وهو أن القطع والترك بإذنه ورضاه ، لأن كلا الأمرين يغرس الحسرة فى قلوب الأعداء .وعبر - سبحانه - باللينة عن النخلة ، لأن لفظ " لينة " أخف لفظا ، وأدخل فى كونها نخلة من كرام النخل .وقال - سبحانه - : ( أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً على أُصُولِهَا ) لتصوير هيئتها وحسنها وأن فروعها قد بقيت قائمة على أصولها ، التى هى جذورها وجذوعها .قال الآلوسى : وقوله : ( وَلِيُخْزِيَ الفاسقين ) متعلق بمقدر على أنه علة له ، وذلك المقدر عطف على مقدر آخر .
أى : ليعز المؤمنين ، وليخزى الفاسقين أى : ليذلهم .
.
.والمراد بالفاسقين : أولئك الذين كفروا من أهل الكتاب .
ووضع الظاهر موضع المضمر ، إشعارا بعلة الحكم - أى أن فسقهم هو السبب فى إخزائهم .هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية : أن تخريب ديار العدو ، وقطع الأشجار التى يملكها ، وهدم حصونه ومعسكراته .
.
جائز ما دام فى ذلك مصلحة تعود على المسلمين ، وما دامت هناك حرب بينهم وبين أعدائهم .
فيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ مّن لِّينَةٍ ﴾ بيان لِ ﴿ مَا قَطَعْتُمْ ﴾ ، ومحل ﴿ مَا ﴾ نصب بقطعتم، كأنه قال: أي شيء قطعتم، وأنث الضمير الراجع إلى ما في قوله: ﴿ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا ﴾ لأنه في معنى اللينة.
المسألة الثانية: قال أبو عبيدة: اللينة النخلة ما لم تكن عجوة أو برنية، وأصل لينة لونة، فذهبت الواو لكسرة اللام، وجمعها ألوان، وهي النخل كله سوى البرني والعجوة، وقال بعضهم: اللينة النخلة الكريمة، كأنهم اشتقوها من اللين وجمعها لين، فإن قيل: لم خصت اللينة بالقطع؟
قلنا: إن كانت من الألوان فليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية، وإن كانت من كرام النخل فليكون غيظ اليهود أشد.
المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: قرئ (قوماً على أصلها)، وفيه وجهان: أحدهما: أنه جمع أصل كرهن ورهن، واكتفى فيه بالضمة عن الواو، وقرئ (قائماً على أصوله)، ذهاباً إلى لفظ ما، وقوله: ﴿ فَبِإِذْنِ الله ﴾ أي قطعها بإذن الله وبأمره ﴿ وَلِيُخْزِىَ الفاسقين ﴾ أي ولأجل إخزاء الفاسقين، أي اليهود أذن الله في قطعها.
المسألة الرابعة: روي أنه عليه الصلاة والسلام حين أمر أن يقطع نخلهم ويحرق، قالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟
وكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء، فنزلت هذه الآية، والمعنى أن الله إنما أذن في ذلك حتى يزداد غيظ الكفار، وتتضاعف حسرتهم بسبب نفاذ حكم أعدائهم في أعز أموالهم.
المسألة الخامسة: احتج العلماء بهذه الآية على أن حصون الكفرة وديارهم لا بأس أن تهدم وتحرق وتغرق وترمى بالمجانيق، وكذلك أشجارهم لا بأس بقلعها مثمرة كانت أو غير مثمرة، وعن ابن مسعود قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال.
المسألة السادسة: روي أن رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة، والآخر اللون، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال هذا: تركتها لرسول الله، وقال هذا: قطعتها غيظاً للكفار، فاستدلوا به على جواز الاجتهاد، وعلى جوازه بحضرة الرسول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مّن لّينَةٍ ﴾ بيان لما قطعتم.
ومحل (ما) نصب بقطعتم، كأنه قال: أي شيء قطعتم، وأنث الضمير الراجع إلى ما في قوله: ﴿ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا ﴾ لأنه في معنى اللينة.
واللينة: النخلة من الألوان، وهي ضروب النخل ما خلا العجوة.
والبرنية، وهما أجود النخيل، وياؤها عن واو، قلبت لكسرة ما قبلها، كالديمة.
وقيل: ﴿ اللينة ﴾ النخلة الكريمة، كأنهم اشتقوها من اللين.
قال ذو الرمّة: كَأَنَّ قُتُودِي فَوْقَهَا عُشُّ طَائِرٍ ** عَلَى لِينَةٍ سَوْقَاءَ تَهْفُو جُنُوبُهَا وجمعها لين.
وقرئ: ﴿ قوّما ﴾ على أصلها.
وفيه وجهان: أنه جمع أصل كرهن ورهن.
أو اكتفى فيه بالضمة عن الواو.
وقرئ: ﴿ قائماً على أصوله ﴾ ذهاباً إلى لفظ ما ﴿ فَبِإِذْنِ الله ﴾ فقطعها بإذن الله وأمره ﴿ وَلِيُخْزِىَ الفاسقين ﴾ وليذل اليهود ويغيظهم إذن في قطعها، وذلك: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر أن تقطع نخلهم وتحرق قالوا: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض، فما بال قطع النخل وتحريقها؟
فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء.
فنزلت، يعني: أنّ الله أذن لهم في قطعها ليزيدكم غيظاً ويضاعف لكم حسرة إذا رأيتموهم يتحكمون في أموالكم كيف أحبوا ويتصرفون فيها ما شاؤوا.
واتفق العلماء أنّ حصون الكفرة وديارهم لا بأس بأن تهدم وتحرق وتغرق وترمى بالمجانيق.
وكذلك أشجارهم لا بأس بقلعها مثمرة كانت أو غير مثمرة.
وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعا للقتال.
فإن قلت: لم خصت اللينة بالقطع؟
قلت: إن كانت من الألوان فليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية، وإن كانت من كرام النخل فليكون غيظ اليهود أشد وأشق.
وروى: أن رجلين كانا يقطعان: أحدهما العجوة، والآخر اللون، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا: تركتها لرسول الله، وقال هذا: قطعتها غيظاً للكفار.
وقد استدل به على جواز الاجتهاد، وعلى جوازه بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهما بالاجتهاد فعلا ذلك، واحتج به من يقول: كل مجتهد مصيب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ ﴾ أيْ شَيْءٍ قَطَعْتُمْ مِن نَخْلَةٍ فِعْلَةٌ مِنَ اللَّوْنِ ويُجْمَعُ عَلى ألْوانٍ، وقِيلَ: مِنَ اللِّينِ ومَعْناها النَّخْلَةُ الكَرِيمَةُ وجَمْعُها ألْيانٌ.
﴿ أوْ تَرَكْتُمُوها ﴾ الضَّمِيرُ لِما وتَأْنِيثُهُ لِأنَّهُ مُفَسَّرٌ بِاللِّينَةِ.
﴿ قائِمَةً عَلى أُصُولِها ﴾ وقُرِئَ «أُصُلِها» اكْتِفاءً بِالضَّمَّةِ عَنِ الواوِ أوْ عَلى أنَّهُ كَرُهُنٍ.
﴿ فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فَبِأمْرِهِ.
﴿ وَلِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ ﴾ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ وفَعَلْتُمْ أوْ وأذِنَ لَكم في القَطْعِ لِيَجْزِيَهم عَلى فِسْقِهِمْ بِما غاظَهم مِنهُ.
رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ قالُوا: قَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ تَنْهى عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ فَما بالُ قَطْعِ النَّخْلِ وتَحْرِيقِها فَنَزَلَتْ.» واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ هَدْمِ دِيارِ الكُفّارِ وقَطْعِ أشْجارِهِمْ زِيادَةً لِغَيْظِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{ما قطعتم من لينة} هو بيان لما قطعتم ومحل ما نصب بقطعتم كأنه قيل أي شيء قطعتم وأنث الضمير الراجع إلى ما في قوله {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا} لانه في معنى اللينة واللينة من الألوان وياؤها عن واو قلبت لكسر ما قبلها وقيل اللينة النخلة الكريمة كأنهم اشتقوها من اللين {قَائِمَةً على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله} فقطعها وتركها بإذن الله {وَلِيُخْزِىَ الفاسقين} وليذل اليهود ويغيظهم أذن في قطعها
﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ ﴾ هي النَّخْلَةُ مُطْلَقًا عَلى ما قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ والرّاغِبُ وهي فِعْلَةٌ مِنَ اللَّوْنِ وياؤُها مَقْلُوبَةٌ مِن واوٍ لِكَسْرِ ما قَبْلَها كَدِيمَةٍ، وتُجْمَعُ عَلى ألْوانٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: هي النَّخْلَةُ ما لَمْ تَكُنْ عَجْوَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وسُفْيانُ: ما تَمْرُها لَوِنَ وهو نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ، قالَ سُفْيانُ: شَدِيدُ الصُّفْرَةِ يَشُفُّ عَنْ نَواهُ فَيُرى مِن خارِجٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا: هي ألْوانُ النَّخْلِ المُخْتَلِطَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها عَجْوَةٌ ولا بَرَنِيٌّ، وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هي العَجْوَةُ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: هي الدَّقْلُ، وقِيلَ: هي النَّخْلَةُ القَصِيرَةُ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: الكَرِيمَةُ مِنَ النَّخْلِ كَأنَّهُمُ اشْتَقُّوها مِنَ اللِّينِ فَتُجْمَعُ عَلى لِيَنٍ، وجاءَ جَمْعُها لِيانًا كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: وسالِفَةٌ كَسُوقِ اللِّيا نِ أضْرَمَ فِيهِ القَوِيُّ السَّعَرُ وقِيلَ: هي أغْصانُ الأشْجارِ لِلِينِها، وهو قَوْلٌ شاذٌّ، وأنْشَدُوا عَلى كَوْنِها بِمَعْنى النَّخْلَةِ سَواءٌ كانَتْ مِنَ اللَّوْنِ أوْ مِنَ اللِّينِ قَوْلَ ذِي الرُّمَّةِ: كَأنَّ قَنُودِي فَوْقَها عُشُّ طائِرٍ ∗∗∗ عَلى لِينَةٍ سَوْقاءَ تَهْفُو جَنُوبُها ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: أرادَ بِاللِّينَةِ النَّخْلَةَ الكَرِيمَةَ لِأنَّهُ يَصِفُ النّاقَةَ بِالعَراقَةِ في الكَرَمِ فَيَنْبَغِي أنْ يَرْمُزَ في المُشَبَّهِ بِهِ إلى ذَلِكَ المَعْنى، وما شَرْطِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ - بِقَطَعْتُمْ-و ﴿ مِن لِينَةٍ ﴾ بَيانٌ لَها، ولِذا أنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها ﴾ أيْ أبْقَيْتُمُوها كَما كانَتْ ولَمْ تَتَعَرَّضُوا لَها بِشَيْءٍ ما، وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ فَذَلِكَ أيْ قَطْعُها أوْ تَرْكُها بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى الواصِلِ إلَيْكم بِواسِطَةِ رَسُولِهِ أوْ بِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ ومَشِيئَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ - قَوْمًا - عَلى وزْنِ فَعْلٍ كَضَرْبٍ جَمْعُ قائِمٍ، وقُرِئَ - قائِمًا -اسْمُ فاعِلٍ مُذَكَّرٌ عَلى لَفْظِ ما، وأبْقى أُصُولَها عَلى التَّأْنِيثِ، وقُرِئَ -أصْلُها - بِضَمَّتَيْنِ، وأصْلُهُ ﴿ أُصُولِها ﴾ فَحُذِفَتِ الواوُ اكْتِفاءً بِالضَّمَّةِ أوْ هو كَرُهُنٍ بِضَمَّتَيْنِ مِن غَيْرِ حَذْفٍ وتَخْفِيفٍ.
﴿ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ وذَلِكَ المُقَدَّرُ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ آخَرَ أيْ لِيُعِزّالمُؤْمِنِينَ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ أيْ لِيُذِلَّهم أذِنَ عَزَّ وجَلَّ في القَطْعِ والتَّرْكِ، وجُوِّزَ فِيهِ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ”بِإذْنِ اللَّهِ“ وتُعْطَفُ العِلَّةُ عَلى السَّبَبِ فَلا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ فِيهِ، والمُرادُ - بِالفاسِقِينَ - أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، واعْتِبارَ القَطْعِ والتَّرْكِ في المُعَلَّلِ هو الظّاهِرُ وإخْزاؤُهم بِقَطْعِ اللِّينَةِ لِحَسْرَتِهِمْ عَلى ذَهابِها بِأيْدِي أعْدائِهِمُ المُسْلِمِينَ وبِتَرْكِها لِحَسْرَتِهِمْ عَلى بَقائِها في أيْدِي أُولَئِكَ الأعْداءِ كَذا في الِانْتِصافِ.
قالَ بَعْضُهم: وهاتانِ الحَسْرَتانِ تَتَحَقَّقانِ كَيْفَما كانَتِ المَقْطُوعَةُ والمَتْرُوكَةُ لِأنَّ النَّخْلَ مُطْلَقًا مِمّا يَعِزُّ عَلى أصْحابِهِ فَلا تَكادُ تَسْمَحُ أنْفُسُهم بِتَصَرُّفِ أعْدائِهِمْ فِيهِ حَسْبَما شاؤُوا وعِزَّتُهُ عَلى صاحِبِهِ الغارِسِ لَهُ أعْظَمُ مِن عِزَّتِهِ عَلى صاحِبِهِ غَيْرِ الغارِسِ لَهُ، وقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ الغارِسِينَ يَقُولُ: السَّعَفَةُ عِنْدِي كَأُصْبُعٍ مِن أصابِعِ يَدِي، وتَحَقُّقُ الحَسْرَةِ عَلى الذَّهابِ إنْ كانَتِ المَقْطُوعَةُ النَّخْلَةَ الكَرِيمَةَ أظْهَرُ، وكَذا تَحَقُّقُها عَلى البَقاءِ في أيْدِي أعْدائِهِمُ المُسْلِمِينَ إنْ كانَتْ هي المَتْرُوكَةُ، والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الآثارِ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ كانَ يَقْطَعُ الكَرِيمَةَ وبَعْضُهم يَقْطَعُ غَيْرَها وأقَرَّهُما النَّبِيُّ لَمّا أفْصَحَ الأوَّلُ بِأنَّ غَرَضَهُ إغاظَةُ الكُفّارِ، والثّانِي بِأنَّهُ اسْتِبْقاءُ الكَرِيمَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ نُزُولِ المُسْلِمِينَ عَلى أُولَئِكَ الكَفَرَةِ ومُحاصَرَتِهِمْ لَهم، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَ في صَدْرِ الحَرْبِ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ قَدْ كُنْتَ تَنْهى عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ فَما بالُ قَطْعِ النَّخْلِ وتَحْرِيقِها ؟
فَنَزَلَتِ الآيَةُ ﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ ﴾ إلَخْ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ فِيها لِلتَّحْرِيقِ لِأنَّهُ في مَعْنى القَطْعِ فاكْتَفى بِهِ عَنْهُ، وأمّا التَّعَرُّضُ لِلتَّرْكِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِفَسادٍ عِنْدَهِمْ أيْضًا فَلِتَقْرِيرِ عَدَمِ كَوْنِ القَطْعِ فَسادًا لِنَظْمِهِ في سِلْكِ مالَيْسَ بِفَسادٍ إيذانًا بِتَساوِيهِما في ذَلِكَ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ هَدْمِ دِيارِ الكَفَرَةِ وقَطْعِ أشْجارِهِمْ وإحْراقِ زُرُوعِهِمْ زِيادَةً لِغَيْظِهِمْ، وحاصِلُ ما ذَكَرَهُ الفُقَهاءُ في المَسْألَةِ أنَّهُ إنْ عُلِمَ بَقاءُ ذَلِكَ في أيْدِي الكَفَرَةِ فالتَّخْرِيبُ والتَّحْرِيقُ أوْلى، وإلّا فالإبْقاءُ أوْلى ما لَمْ يَتَضَمَّنْ ذَلِكَ مَصْلَحَةً، <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ، يعني: لولا أن قضى الله عليهم الإخراج من جزيرة العرب إلى الشام، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا يعني: لعذبهم بالقتل والسبي.
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ، يعني: ذلك الذي أصابهم من الجلاء في الدنيا والعذاب في الآخرة.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ، يعني: خالفوا الله ورسوله في الدين، ويقال: عادوا الله ورسوله.
وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ وأصله من يشاقق الله، إلا أن إحدى القافين أدغمت في الأخرى وشددت، يعني: من يخالف الله ورسوله في الدين، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، يعني: إذا عاقب، فعقوبته شديدة.
قوله عز وجل: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ يعني: من نخلة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فلم تقطعوها، فَبِإِذْنِ اللَّهِ يعني: بأمر الله.
وقال عكرمة: لما دخل المسلمون على بني النضير، أخذوا يقطعون النخل، فنهاهم بعضهم، وتأولوا قوله تعالى: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ [البقرة: 205] وقال بعضهم: يقطع ويتأول قوله تعالى: وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا [التوبة: 120] ، فأنزل الله تعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ.
وقال الزهري في قوله: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ اللينة: ألوان النخل كلها إلا العجوة، وقال الضحاك: اللينة: النخلة الكرمة والشجرة الطيبة المثمرة، وقال مجاهد: اللينة: الشجرة المثمرة.
وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين.
فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعها، وبتحليل من قطعها، وإنما قطعها وتركها بإذن الله تعالى.
وعن ابن عباس أنه قال: أمر النبي بقطع النخل، فشق ذلك على بني النضير مشقة شديدة، فقالوا للمؤمنين: تزعمون أنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون في الأرض، فدعوها قائمة فإنما هي لمن غلب، فنزل: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ واللينة هي النخلة كلها ما خلا العجوة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها وهي العجوة فَبِإِذْنِ اللَّهِ يعني: القطع والترك بإذن الله.
وروي عن النبيّ أنه أمر عبد الله بن سلام، وأبا ليلى المازني بقطع النخل، فكان أبو ليلى يقطع العجوة، وكان عبد الله بن سلام يقطع اللون، فقيل لأبي ليلى: لِمَ تقطع العجوة؟
قال: لأن فيه كبت العدو.
وقيل لابن سلام: لِمَ تقطع اللون، قال: لأني أريد أن تبقى العجوة للمسلمين.
فأنزل الله تعالى رضاً بما فعل الفريقان، فقال الله تعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ.
ثم قال عز وجل: وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ يعني: وليذل العاصين الناقضين العهد.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الحَشْرِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ جَمِيعَها أُنْزِلَتْ في بَنِي النَّضِيرِ.
وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُسَمِّي هَذِهِ السُّورَةَ "سُورَةَ بَنِي النَّضِيرِ" وهَذِهِ الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ.
ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ والسِّيَرِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ إلى مَسْجِدِ قِباءٍ، ومَعَهُ نَفَرٌ مِن أصْحابِهِ، فَصَلّى فِيهِ، ثُمَّ أتى بَنِي النَّضِيرِ، فَكَلَّمَهم أنْ يُعِينُوهُ في دِيَةِ رَجُلَيْنِ كانَ قَدْ آمَنَهُما، فَقَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضِّمْرِيُّ وهو لا يَعْلَمُ، فَقالُوا: نَفْعَلُ، وهَمُّوا بِالغَدْرِ بِهِ، وقالَ عَمْرُو بْنُ جِحاشٍ: أنا أظْهَرُ عَلى البَيْتِ، فَأطْرَحُ عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَقالَ سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ: لا تَفْعَلُوا، واللَّهِ لَيُخْبَرَنَّ بِما هَمَمْتُمْ بِهِ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ الخَبَرَ، فَنَهَضَ سَرِيعًا، فَتَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ، فَلَحِقَهُ أصْحابُهُ، فَقالُوا: قُمْتَ ولَمْ نَشْعُرْ؟!
فَقالَ: هَمَّتْ يَهُودٌ بِالغَدْرِ، فَأخْبَرَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ، فَقُمْتُ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ: أنِ اخْرُجُوا مِن بَلْدَتِي، فَلا تُساكِنُونِي، وقَدْ هَمَمْتُمْ بِما هَمَمْتُمْ بِهِ، وقَدْ أجَّلْتُكم عَشْرًا.
فَمَن رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَمَكَثُوا أيّامًا يَتَجَهَّزُونَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ ابْنُ أُبَيٍّ: لا تَخْرُجُوا، فَإنَّ مَعِي ألْفَيْنِ مِن قَوْمِي وغَيْرِهِمْ، وتَمُدُّكم قُرَيْظَةُ، وحُلَفاؤُكم مِن غَطَفانَ، وطَمِعَ حُيَيٌّ فِيما قالَ ابْنُ أُبَيٍّ، فَأرْسَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ : إنّا لا نَخْرُجُ، فاصْنَعْ ما بَدا لَكَ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ لِتَكْبِيرِهِ، وقالَ: حارَبَتْ يَهُودٌ، ثُمَّ سارَ إلَيْهِمْ في أصْحابِهِ، فَلَمّا رَأوْهُ قامُوا، عَلى حُصُونِهِمْ مَعَهُمُ النَّبْلُ والحِجارَةُ، فاعْتَزَلَتْهم قُرَيْظَةُ، وخَذَلَهُمُ ابْنُ أُبَيٍّ، وحُلَفاؤُهم مِن غَطَفانَ، وكانَ رَئِيسُهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ قَدْ خَرَجَ إلى مَكَّةَ فَعاقَدَ المُشْرِكِينَ عَلى التَّظاهُرِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ، فَبَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فاغْتَرَّهُ فَقَتَلَهُ، وحاصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ، وقَطَعَ نَخْلَهُمْ، فَقالُوا: نَحْنُ نَخْرُجُ عَنْ بِلادِكَ، فَأجْلاهم عَنِ المَدِينَةِ، فَمَضى بَعْضُهم إلى الشّامِ، وبَعْضُهم إلى خَيْبَرَ، وقَبَضَ سِلاحَهم وأمْوالَهُمْ، فَوَجَدَ خَمْسِينَ دِرْعًا، وخَمْسِينَ بَيْضَةً، وثَلاثَمِائَةٍ وأرْبَعِينَ سَيْفًا.» فَأمّا التَّفْسِيرُ فَقَدْ ذَكَرْنا فاتِحَةَ هَذِهِ السُّورَةِ في [الحَدِيدِ: ١] أحَدُها: أنَّهم أوَّلُ مَن حُشِرَ وأُخْرِجَ مِن دارِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: هم أوَّلُ مَن نُفِيَ مِن أهْلِ الكِتابِ.
والثّانِي: أنَّ هَذا كانَ أوَّلَ حَشْرِهِمْ، والحَشْرُ الثّانِي: إلى أرْضِ المَحْشَرِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
قالَ عِكْرِمَةُ: مَن شَكَّ أنَّ المَحْشَرَ إلى الشّامِ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ، «وَأنَّ النَّبِيَّ قالَ لَهم يَوْمَئِذٍ: اخْرُجُوا، فَقالُوا: إلى أيْنَ؟
قالَ: إلى أرْضِ المَحْشَرِ.» والثّالِثُ: أنَّ هَذا كانَ أوَّلَ حَشْرِهِمْ.
والحَشْرُ الثّانِي: نارٌ تَحْشُرُهم مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: أنَّ هَذا كانَ أوَّلَ حَشْرِهِمْ مِنَ المَدِينَةِ، والحَشْرُ الثّانِي: مِن خَيْبَرَ، وَجَمِيعِ جَزِيرَةِ العَرَبِ إلى أذَرِعاتٍ، وأرِيحا مِن أرْضِ الشّامِ في أيّامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، قالَهُ مُرَّةُ الهَمَدانِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما ظَنَنْتُمْ ﴾ يُخاطِبُ المُؤْمِنِينَ ﴿ أنْ يَخْرُجُوا ﴾ مِن دِيارِهِمْ لِعِزِّهِمْ، ومَنعَتِهِمْ، وحُصُونِهِمْ ﴿ وَظَنُّوا ﴾ يَعْنِي: بَنِي النَّضِيرِ أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم مِن سُلْطانِ اللَّهِ ﴿ فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَ نَبِيَّهُ بِقِتالِهِمْ وإجْلائِهِمْ، ولَمْ يَكُونُوا يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ، ولا يَحْسَبُونَهُ ﴿ وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ لِخَوْفِهِمْ مِن رَسُولِ اللَّهِ ، وقِيلَ: لِقَتْلِ سَيِّدِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو "يُخَرِّبُونَ" بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الباقُونَ"يُخْرِبُونَ" .
وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ، أمْ لا؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المُشَدَّدَةَ مَعْناها: النَّقْضُ والهَدْمُ.
والمُخَفَّفَةَ مَعْناها: يَخْرُجُونَ مِنها ويَتْرُكُونَها خَرابًا مُعَطَّلَةً، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قالَ: إنَّما اخْتَرْتُ التَّشْدِيدَ، لِأنَّ بَنِي النَّضِيرِ نَقَضُوا مَنازِلَهُمْ، ولَمْ يَرْتَحِلُوا عَنْها وهي مَعْمُورَةٌ.
والثّانِي: أنَّ القِراءَتَيْنِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
والتَّخْرِيبُ والإخْرابُ لُغَتان ِبِمَعْنًى، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيما فَعَلُوا بِمَنازِلِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ المُسْلِمُونَ كُلَّما ظَهَرُوا عَلى دارٍ مِن دُورِهِمْ هَدَمُوها لِيَتَّسِعَ لَهم مَكانُ القِتالِ، وكانُوا هم يُنَقِّبُونَ دُورَهُمْ، فَيَخْرُجُونَ إلى ما يَلِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ المُسْلِمُونَ كُلَّما هَدَمُوا شَيْئًا مِن حُصُونِهِمْ نَقَضُوا ما يَبْنُونَ بِهِ الَّذِي خَرَّبَهُ المُسْلِمُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَنْظُرُونَ إلى الخَشَبَةِ في مَنازِلِهِمْ، أوِ العَمُودِ، أوِ البابِ، فَيَسْتَحْسِنُونَهُ، فَيَهْدِمُونَ البُيُوتَ، ويَنْزِعُونَ ذَلِكَ مِنها، ويَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ، ويُخَرِّبُ المُؤْمِنُونَ باقِيَها، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يُخَرِّبُونَها لِئَلّا يَسْكُنُها المُؤْمِنُونَ، حَسَدًا مِنهُمْ، وبَغْيًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ الِاعْتِبارُ: النَّظَرُ في الأُمُورِ، لِيُعْرَفَ بِها شَيْءٌ آخَرُ مِن جِنْسِها، و " الأبْصارِ " العُقُولُ.
والمَعْنى: تَدَبَّرُوا ما نَزَلَ بِهِمْ ﴿ وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ ﴾ أيْ: قَضى ﴿ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ ﴾ وهو خُرُوجُهم مِن أوْطانِهِمْ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ بَيْنَ الإخْراجِ والجَلاءِ فَرْقَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ الجَلاءَ: ما كانَ مَعَ الأهْلِ والوَلَدِ، والإخْراجُ: قَدْ يَكُونُ مَعَ بَقاءِ الأهْلِ والوَلَدِ.
والثّانِي: أنَّ الجَلاءَ لا يَكُونُ إلّا لِجَماعَةٍ.
والإخْراجُ: قَدْ يَكُونُ لِواحِدٍ ولِجَماعَةٍ.
والمَعْنى: لَوْلا أنَّ اللَّهَ قَضى عَلَيْهِمْ بِالخُرُوجِ ﴿ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، كَما فَعَلَ بِقُرَيْظَةَ ﴿ وَلَهم في الآخِرَةِ ﴾ مَعَ ما حَلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا عَذاب النّارِ، ذَلِكَ الَّذِي أصابَهم ﴿ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ الآيَةِ [الأنْفالِ: ١٣] و[مُحَمَّدٍ: ٣٢] .
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى جَوازِ مُصالَحَةِ أهْلِ الحَرْبِ عَلى الجَلاءِ مِن دِيارِهِمْ مِن غَيْرِ سَبْيٍ ولا اسْتِرْقاقٍ، وَلا جِزْيَةٍ، ولا دُخُولٍ في ذِمَّةٍ، وهَذا حُكْمٌ مَنسُوخٌ إذا كانَ في المُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلى قِتالِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِقِتالِ الكُفّارِ حَتّى يُسْلِمُوا، أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ.
وإنَّما يَجُوزُ هَذا الحُكْمُ إذا عَجَزَ المُسْلِمُونَ عَنْ مُقاوَمَتِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى إدْخالِهِمْ في الإسْلامِ أوِ الذِّمَّةِ، فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ مُصالَحَتُهم عَلى الجَلاءِ مِن بِلادِهِمْ.
وفي هَذِهِ القِصَّةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ مُصالَحَتِهِمْ عَلى مَجْهُولٍ مِنَ المالِ، لِأنَّ النَّبِيَّ صالَحُهم عَلى أرْضِهِمْ، وعَلى الحَلْقَةِ، وتَرَكَ لَهم ما أقَلَّتِ الإبِلُ، وذَلِكَ مَجْهُولٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ حَرَقَ نَخَلَ بَنِي النَّضِيرِ، وقَطَعَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ بِبَنِي النَّضِيرِ تَحَصَّنُوا في حُصُونِهِمْ، فَأمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ، وإحْراقِها، فَجَزِعُوا، وقالُوا: يا مُحَمَّدُ زَعَمْتَ أنَّكَ تُرِيدُ الصَّلاحَ، أفَمِنَ الصَّلاحِ عَقْرُ الشَّجَرِ، وقَطْعُ النَّخْلِ؟
وهَلْ وجَدْتَ فِيما أُنْزِلَ عَلَيْكَ الفَسادَ في الأرْضِ؟
فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ، ووَجَدَ المُسْلِمُونَ في أنْفُسِهِمْ مِن قَوْلِهِمْ.
واخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَقْطَعُوا، فَإنَّهُ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْنا.
وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَغِيظُهم بِقَطْعِهِ،» والثّانِي: أنَّهُ النَّخْلُ والشَّجَرُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ألْوانُ النَّخْلِ كُلِّها إلّا العَجْوَةَ، والبَرْنِيَّةَ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ المَدِينَةِ يُسَمُّونَ جَمِيعَ النَّخِيلِ: الألْوانَ، ما خَلا البَرْنِيَّ، والعَجْوَةَ.
وأصْلُ "لِينَةٍ" لِوْنَةٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها.
والرّابِعُ: أنَّها النَّخْلُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعَطِيَّةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ: ما قَطَعْتُمْ مِن ألْوانِ النَّخِيلِ.
والخامِسُ: أنَّها كِرامُ النَّخْلِ، قالَهُ سُفْيانُ.
والسّادِسُ: أنَّها ضَرْبٌ مِنَ النَّخْلِ يُقالُ لِتَمْرِها: اللَّوْنُ، وهي شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، تَرى نَواهُ مِن خارِجٍ، وكانَ أعْجَبَ ثَمَرِهِمْ إلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وفي عَدَدِ ما قَطَعَ المُسْلِمُونَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم قَطَعُوا وأحْرَقُوا سِتَّ نَخْلاتٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: أحْرَقُوا نَخْلَةً وقَطَعُوا نَخْلَةً قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والثّالِثُ: قَطَعُوا أرْبَعَ نَخْلاتٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ قالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ ومُقاتِلٌ: بِأمْرِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.
وخِزْيُهُمْ: أنْ يُرِيَهم أمْوالَهم يَتَحَكَّمُ فِيها المُؤْمِنُونَ كَيْفَ أحَبُّوا.
والمَعْنى: ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ، أذِنَ في ذَلِكَ، ودَلَّ عَلى المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿ فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَشْرِ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفاقٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وهي سُورَةُ بَنِي النَضِيرِ؛ وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ قَدْ عاهَدَ بَنِي النَضِيرِ عَلى سِلْمٍ وهم يَرَوْنَ أنَّهُ لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، فَلَمّا جَرَتْ هَزِيمَةُ أُحُدٍ ارْتابُوا وداخَلُوا قُرَيْشًا وغَدَرُوا، فَلَمّا رَجَعَ النَبِيُّ مِن أُحُدٍ تَبَيَّنَ لَهُ مُعْتَقَدُ بَنِي النَضِيرِ وغَدْرُهم بِعَهْدِهِ ومُوالاتُهم لِلْكُفّارِ، فَجَمَعَ إلَيْهِمْ وحاصَرَهم وعاهَدَهم عَلى أنْ يُجْلِيَهم عن أرْضِهِمْ، فارْتَحَلُوا إلى بِلادٍ مُخْتَلِفَةٍ: خَيْبَرُ والشامُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ البِلادِ، ثُمَّ كانَ أمْرُ بَنِي قُرَيْظَةَ مَرْجِعُهُ مِنَ الأحْزابِ.» قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لأوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِن اللهِ فَأتاهُمُ اللهِ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَسْبِيحِ الجَماداتِ الَّتِي يَتَناوَلُها عُمُومُ "ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ"، وأنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فَقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ مَجازٌ، أيْ: أنَّ آثارَ الصَنْعَةِ فِيها والإيجادِ لَها كالتَسْبِيحِ وداعِيَةٍ إلى التَسْبِيحِ مِمَّنْ لَهُ أنْ يُسَبِّحَ، وقالَ مَكِّيٌّ: "سَبَّحَ" مَعْناهُ: صَلّى وسَجَدَ، فَهَذا كُلُّهُ بِمَعْنى الخُضُوعِ والطَوْعِ، و"العَزِيزُ الحَكِيمُ" صِفَتانِ مُناسِبَتانِ لِما يَأْتِي بَعْدُ مِن قِصَّةِ العَدُوِّ الَّذِينَ أخْرَجَهم مِن دِيارِهِمْ.
و ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ هم بَنُو النَضِيرِ، وكانَتْ قَبِيلَةً عَظِيمَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ مُوازِيَةً في القَدْرِ والمَنزِلَةِ لِبَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَ يُقالُ لِلْقَبِيلَتَيْنِ: الكاهِنانِ لِأنَّهُما مِن ولَدِ الكاهِنِ بْنِ هارُونَ، وكانَتْ أرْضُهم وحُصُونُهم قَرِيبَةً مِنَ المَدِينَةِ، ولَهم نَخْلٌ وَأمْوالٌ عَظِيمَةٌ، «فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ مِن أُحُدٍ خَرَجَ إلى بَنِي النَضِيرِ فَحاصَرَهم وأجْلاهم عَلى أنْ يَحْمِلُوا مِن أمْوالِهِمْ ما أقَلَّتْهُ الإبِلُ حاشى الحَلْقَةَ -وَهِيَ جَمِيعُ السِلاحِ-: فَخَرَجُوا إلى بِلادٍ مُخْتَلِفَةٍ،» فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِأوَّلِ الحَشْرِ" اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى ذَلِكَ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "الحَشْرَ" هو الجَمْعُ والتَوْجِيهُ إلى ناحِيَةٍ ما، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وغَيْرُهُ: أرادَ حَشْرَ القِيامَةِ، أيْ: هَذا أوَّلُهُ، والقِيامُ مِنَ القُبُورِ آخِرُهُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ النَبِيَّ قالَ لَهُمْ: « "امْضُوا، هَذا أوَّلُ الحَشْرِ وإنّا عَلى الأثَرِ"»، وقالَ عِكْرِمَةُ، والزَهْراوِيُّ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: لِأوَّلِ مَوْضِعِ الحَشْرِ وهو الشامُ، وذَلِكَ أنَّ أكْثَرَ بَنِي النَضِيرِ جاءَتْ إلى الشامِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ حَشْرَ القِيامَةِ هو إلى الشامِ وأنَّ النَبِيَّ «قالَ لِبَنِي النَضِيرِ: "اخْرُجُوا"، قالُوا: إلى أيْنَ يا مُحَمَّدُ؟
قالَ: "إلى أرْضِ المَحْشَرِ"،» وقالَ قَوْمٌ -فِي كِتابِ المَهْدَوِيِّ- المُرادُ الحَشْرُ في الدُنْيا الَّذِي هو الجَلاءُ والإخْراجُ، فَهَذا الَّذِي فَعَلَ رَسُولُ اللهِ بِبَنِي النَضِيرِ أوَّلُهُ، والَّذِي فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِأهْلِ خَيْبَرَ آخِرُهُ، وأخْبَرَتِ الآيَةُ بِمَغِيبٍ، وقَدْ أخْبَرَ النَبِيُّ بِجَلاءِ أهْلِ خَيْبَرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ آخِرَ الحَشْرِ في قَوْلِ النَبِيِّ في مَرَضِهِ: « "لا يَبْقَيَنَّ دِينانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ"»، فَإنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إجْلاءَ بَقاياهُمْ، قالَ الخَلِيلُ -فِيما حَكى الزَجّاجُ -: سُمِّيَتْ جَزِيرَةً لِأنَّهُ أحاطَ بِها بِحْرُ الحَبَشَةِ وبَحْرُ فارِسٍ ودِجْلَةُ والفُراتُ.
وفي هَذِهِ الإحاطَةِ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا ﴾ مَعْناهُ: لِمَنعَتِهِمْ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فَلَمْ تَكُنْ آمالُكم وظُنُونُكم تَنْتَهِي إلى أنَّهم يَخْرُجُونَ ويَدَّعُونَ أمْوالَهم لَكُمْ، وبِحَسَبِ ذَلِكَ مِنَ المَنعَةِ والعَدَدِ والتَحَصُّنِ ظَنُّوا هم أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ اللهِ" يُرِيدُ: مِن جُنْدِ اللهِ وحِزْبِ اللهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتاهُمُ اللهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ عِبارَةٌ عن إظْهارِ اللهِ تَعالى المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وإلْقائِهِمْ في حَيِّزِ الهَزْمِ والذُلِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الرُعْبَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "الرُعُبُ" بِضَمِّ العَيْنِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ فَقالَ الضَحّاكُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: كُلَّما هَدَمَ المُسْلِمُونَ مِن تَحْصِينِهِمْ في القِتالِ هَدَمُوا هم مِنَ البُيُوتِ وجَبَرُوا الحِصْنَ دَأْبًا، فَهَذا مَعْنى تَخْرِيبِهِمْ، وقالَ الزَهْرِيُّ وغَيْرُهُ: كانُوا لِما أُبِيحَ لَهم ما تَسْتَقِلُّ بِهِ الإبِلُ لا يَدْعُونَ خَشَبَةً حَسَنَةً ولا نَجافًا ولا سارِيَةً إلّا قَلَعُوها وخَرَّبُوا البُيُوتَ عنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ مِن حَيْثُ فِعْلُهم بِكُفْرِهِمْ داعِيَةٌ إلى تَخْرِيبِ المُؤْمِنِينَ بُيُوتَهُمْ، فَكَأنَّهم قَدْ خَرَّبُوها بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهم لَمّا أزْمَعُوا الجَلاءَ شَحُّوا عَلى تَرْكِ البُيُوتِ سَلِيمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَهَدَمُوا وخَرَّبُوا لِمَعْنى الإفْسادِ عَلى مَن يَأْتِي، وقالَ قَتادَةُ: خَرَّبَ المُؤْمِنُونَ مِن خارِجٍ لِيَدْخُلُوا وخَرَّبُوا هم مِن داخِلٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُخْرِبُونَ" بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ، والحَسَنُ -بِخِلافٍ عنهُ- وقَتادَةُ، وعِيسى: "يُخَرِّبُونَ" بِفَتْحِ الخاءِ وشَدِّ الراءِ، فَقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ اللُغَوِيِّينَ: القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: "خَرِبَ" مَعْناهُ: هَدَمَ وأفْسَدَ، و"أخْرَبَ" مَعْناهُ: تَرَكَ المَوْضِعَ خَرابًا وذَهَبَ عنهُ.
ثُمَّ نَبِّهْ تَبارَكَ وتَعالى المُؤْمِنِينَ وغَيْرَهم مِمَّنْ لَهُ أنْ يَنْظُرَ عَلى نُصْرَةِ رَسُولِهِ وصُنْعِهِ لَهُ فِيمَن حادَّهُ وناوَأهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ أيِ: العُقُولُ والأفْهامُ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي أفضى به إلى المقصد من السورة عن أحكام أموال بني النضير وإشارة الآية إلى ما حدث في حصار بني النضير وذلك أنهم قبل أن يستسلموا اعتصموا بحصونهم فحاصرهم المسلمون وكانت حوائطهم خارج قريتهم وكانت الحوائط تسمى البُويرة (بضم الباء الموحدة وفتح الواو وهي تصغير بؤر بهمزة مضمومة بعد الباء فخففت واواً) عمد بعض المسلمين إلى قطع بعض نخيل النضير قيل بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم وقيل بدون أمره ولكنه لم يغيره عليهم.
فقيل كان ذلك ليوسعوا مكاناً لمُعسكرهم، وقيل لتخويف بني النضير ونكايتهم، وأمسك بعض الجيش عن قطع النخيل وقالوا: لا تقطعوا مما أفاء الله علينا.
وقد ذكر أن النخلات التي قطعت ست نخلات أو نخلتان.
فقالت اليهود: يا محمد ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر، وهل وجدت فيما أنزل عليك إباحة الفساد في الأرض فأنزل الله هذه الآية.
والمعنى: أن ما قطعوا من النخل أريد به مصلحة إلجاء العدوّ إلى الاستسلام وإلقاء الرعب في قلوبهم وإذلالِهم بأن يروا أكرم أموالهم عرضة للإِتلاف بأيدي المسلمين، وأن ما أبقي لم يقطع في بقائه مصلحة لأنه آيل إلى المسلمين فيما أفاء الله عليهم فكان في كلا القطع والإِبقاء مصلحة فتعارض المصلحتان فكان حكم الله تخيير المسلمين.
والتصرف في وجوه المصالح يكون تابعاً لاختلاف الأحوال، فجعل الله القطع والإِبقاء كليهما بإذنه، أي مرضياً عنده، فأطلق الإِذن على الرضى على سبيل الكناية، أو أطلق إذن الله على إذن رسوله صلى الله عليه وسلم إن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن بذلك ابتداء، ثم أمر بالكف عنه.
وكلام الأيمة غير واضح في إذن النبي صلى الله عليه وسلم فيه ابتداء وأظهر أقوالهم قول مجاهد: إن القطع والامتناع منه كان اختلافاً بين المسلمين، وأن الآية نزلت بتصديق من نهي عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإِثم.
وفي ذلك قال حسان بن ثابت يتورك على المشركين بمكة إذ غلب المسلمون بني النضير أحلافهم ويتورك على بني النضير إذ لم ينصرهم أحلافهم المشركون من قريش: تفاقد معشر نصرُوا قريشاً وليس لهم ببلدتهم نصير *** وهان على سَراة بني لُؤيّ حريقٌ بالبُوَيْرة مستطيرُ *** يريد سراة أهل مكة وكلهم من بني لؤيّ بن غالب بن فهر، وفهر هو قريش أي لم ينقذوا أحلافهم لهوانهم عليهم.
وأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو يومئذٍ مشرك: أدام الله ذلك من صنيع *** وحَرَّق في نواحيها السعير ستعلم أيُّنا منها بنزْه *** وتعلم أيَّ أرضينا تضير يريد أن التحريق وقع بنواحي مدينتكم فلا يضير إلا أرضكم ولا يضير أرضنا، فقوله: أدام الله ذلك من صنيع، تهكم.
ومن هذه الآية أخذ المحققون من الفقهاء أن تحريق دار العدوّ وتخريبها وقطع ثمارها جائز إذا دعت إليه المصلحة المتعينة وهو قول مالك.
وإتلافُ بعض المال لإِنقاذ باقيه مصلحة وقوله: ﴿ من لينة ﴾ بيان لما في قوله: ﴿ ما قطعتم ﴾ .
واللِّينة: النخلة ذات الثمر الطيّب تُطلق اسم اللينة على كل نخلة غيرِ العجوةِ والبرنيِّ في قول جمهور أهل المدينة وأيمة اللغة.
وتمر اللِّينة يسمى اللَّوْن.
وإيثار ﴿ لينة ﴾ على نخلة لأنه أخف ولذلك لم يرد لفظ نخلة مفرداً في القرآن، وإنما ورد النخل اسم جمع.
قال أهل اللغة: ياء لينة أصلها واوٌ انقلبت ياء لوقوعها إثر كسرة ولم يذكروا سبب كسر أوله ويقال: لِونة وهو ظاهر.
وفي كتب السيرة يذكر أن بعض نخل بني النضير أحرقه المسلمون وقد تضمن ذلك شعر حسان ولم يذكر القرآن الحرق فلعل خبر الحرق مما أُرجف به فتناقله بعض الرواة، وجرى عليه شعر حسّان وشعر أبي سفيان بن الحارث، أو أن النخلات التي قطعت أحرقها الجيش للطبخ أو للدفء.
وجيء بالحال في قوله: ﴿ قائمة على أصولها ﴾ لتصوير هيئتها وحسنها.
وفيه إيماء إلى أن ترك القطع أولى.
وضمير ﴿ أصولها ﴾ عائد إلى ﴿ ما ﴾ الموصولة في قوله تعالى: ﴿ ما قطعتم ﴾ لأن مدلول ﴿ ما ﴾ هنا جمع وليس عائداً إلى ﴿ لينة ﴾ لأن اللّينة ليس لها عدة أصول بل لكل ليّنة أصل واحد.
وتعلق ﴿ على أصولها ﴾ ب ﴿ قائمة ﴾ .
والمقصود: زيادة تصوير حسنها.
والأصول: القواعد.
والمراد هنا: سوق النخل قال تعالى: ﴿ أصلها ثابت وفرعها في السماء ﴾ [إبراهيم: 24].
ووصفها بأنها ﴿ قائمة على أصولها ﴾ هو بتقدير: قائمة فروعها على أصولها لظهور أن أصل النخلة بعضها.
والفاء من قوله: ﴿ فبإذن الله ﴾ مزيدة في خبر المبتدأ لأنه اسم موصول، واسم الموصول يعامل معاملة الشرط كثيراً إذا ضُمن معنى التسبب، وقد قرئ بالفاء وبدونها قوله تعالى: ﴿ وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم ﴾ في سورة [الشورى: 30].
وعطف وليخزي الفاسقين } من عطف العلة على السبب وهو ﴿ فبإذن الله ﴾ لأن السبب في معنى العلة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين ﴾ الآية في [آل عمران: 166].
والمعنى: فقطعُ ما قطعتم من النخل وترك ما تركتم لأن الله أذن للمسلمين به لصلاح لهم فيه، وليخزي الفاسقين } ، أي ليهين بني النضير فيروا كرائم أموالهم بعضها مخضود وبعضها بأيدي أعدائهم.
فذلك عزة للمؤمنين وخزي للكافرين والمراد ب ﴿ الفاسقين ﴾ هنا: يهود النضير.
وعُدل عن الإتيان بضميرهم كما أتي بضمائرهم من قبل ومن بعد إلى التعبير عنهم بوصف ﴿ الفاسقين ﴾ لأن الوصف المشتق يؤذن بسبب ما اشتق منه في ثبوت الحكم، أي ليجزيهم لأجل الفسق.
والفسق: الكفر.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الحَشْرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ.
﴿ مِن دِيارِهِمْ ﴾ يَعْنِي مِن مَنازِلِهِمْ.
﴿ لأوَّلِ الحَشْرِ ﴾ أجْلاهم رَسُولُ اللَّهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِن أُحُدٍ إلى أذْرُعاتِ الشّامِ، وأعْطى كُلَّ ثَلاثَةٍ بِعِيرًا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ ما اسْتَقَلَّ إلّا السِّلاحَ، وكانَ النَّبِيُّ قَدْ عاهَدَهم حِينَ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أنْ لا يُقاتِلُوا مَعَهُ ولا عَلَيْهِ، فَكَفُّوا يَوْمَ بَدْرٍ لِظُهُورِ المُسْلِمِينَ، وأعانُوا المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ رَأوْا ظُهُورَهم عَلى المُسْلِمِينَ، فَقَتَلَ رَئِيسُهم كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، قَتَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ غِيلَةً.
ثُمَّ سارَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللِّهِ فَحاصَرَهم ثَلاثًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً مُحارِبًا حَتّى أجْلاهم عَنِ المَدِينَةِ.
فِي قَوْلِهِ ﴿ لأوَّلِ الحَشْرِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّهم أوَّلُ مَن أجْلاهُ النَّبِيُّ مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ ابْنُ حِبّانَ.
الثّانِي: لِأنَّهُ أوَّلُ حَشْرِهِمْ، لِأنَّهم يُحْشَرُونَ بَعْدَها إلى أرْضِ المَحْشَرِ في القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ «أنَّهُ لَمّا أجْلى بَنِي النَّضِيرِ قالَ لَهُمُ (امْضُوا فَهَذا أوَّلُ الحَشْرِ وأنا عَلى الأثَرِ).» الثّالِثُ: أنَّهُ أوَّلُ حَشْرِهِمْ لِما ذَكَرَهُ قَتادَةُ أنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِن مَشْرِقِ الشَّمْسِ نارٌ تَحْشُرُهم إلى مَغْرِبِها تَبِيتُ مَعَهم إذا باتُوا [وَتَقِيلُ مَعَهم حَيْثُ قالُوا] وتَأْكُلُ مِنهم مَن تَخَلَّفَ.
﴿ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا ﴾ يَعْنِي مِن دِيارِهِمْ لِقُوَّتِهِمْ وامْتِناعِهِمْ.
﴿ وَظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ مِن أمْرِ اللَّهِ.
﴿ فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَحْتَسِبُوا بِأمْرِ اللَّهِ.
الثّانِي: قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ: مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا بِقَتْلِ ابْنِ الأشْرَفِ.
﴿ وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِخَوْفِهِمْ مِن رَسُولِ اللَّهِ.
الثّانِي: بِقَتْلِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ.
﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِأيْدِيهِمْ بِنَقْضِ المُوادَعَةِ، وأيْدِي المُؤْمِنِينَ بِالمُقاتَلَةِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.
الثّانِي: بِأيْدِيهِمْ في تَرْكِها، وأيْدِي المُؤْمِنِينَ في إجْلائِهِمْ عَنْها، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.
الثّالِثُ: بِأيْدِيهِمْ في إخْرابِ دَواخِلِها وما فِيها لِئَلّا يَأْخُذَها المُسْلِمُونَ، وبِأيْدِي المُؤْمِنِينَ في إخْرابِ ظَواهِرِها لِيَصِلُوا بِذَلِكَ إلَيْهِمْ.
قالَ عِكْرِمَةُ: كانَتْ مَنازِلُهم مُزَخْرَفَةً فَحَسَدُوا المُسْلِمِينَ أنْ يَسْكُنُوها فَخَرَّبُوها مِن داخِلٍ، وخَرَّبَها المُسْلِمُونَ مِن خارِجٍ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ: أنَّهم كانُوا كُلَّما هَدَمَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ مِن حُصُونِهِمْ شَيْئًا نَقَضُوا مِن بُيُوتِهِمْ ما يَبْنُونَ بِهِ مِن حُصُونِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الخامِسُ: أنَّ تَخْرِيبَهِمْ بُيُوتَهم أنَّهم لَمّا صُولِحُوا عَلى حِمْلٍ ما أقَلَّتْهُ إبِلُهم جَعَلُوا يَنْقُضُونَ ما أعْجَبَهم مِن بُيُوتِهِمْ حَتّى الأوْتارِ لِيَحْمِلُوها عَلى إبِلِهِمْ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وابْنُ زَيْدٍ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ يُخْرِبُونَ ﴾ قِراءَتانِ: بِالتَّخْفِيفِ، وبِالتَّشْدِيدِ، وفِيهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ ولَيْسَ بَيْنَهُما فَرْقٌ.
الثّانِي: أنَّ مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ.
وَفي الفَرْقِ بَيْنَهُما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ أرادَ إخْرابَها بِأفْعالِهِمْ، ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ أرادَ إخْرابَها بِفِعْلِ غَيْرِهِمْ قالَهُ أبُو عَمْرٍو.
الثّانِي: أنَّ مَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ أرادَ إخْرابَها بِهَدْمِهِمْ لَها.
وَبِالتَّخْفِيفِ أرادَ فَراغَها بِخُرُوجِهِمْ عَنْها، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَلِمَن تَعَمَّقَ بِغَوامِضِ المَعانِي في تَأْوِيلِ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم أيْ يُبْطِلُونَ أعْمالَهم بِأيْدِيهِمْ، يَعْنِي بِاتِّباعِ البِدَعِ، وأيْدِي المُؤْمِنِينَ في مُخالَفَتِهِمْ.
﴿ وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالجَلاءِ الفَناءَ ﴿ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ﴾ بِالسَّبْيِ.
والثّانِي: يَعْنِي بِالجَلاءِ الإخْراجَ عَنْ مَنازِلِهِمْ ﴿ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي بِالقَتْلِ، قالَهُ عُرْوَةُ.
والفَرْقُ بَيْنَ الجَلاءِ والإخْراجِ - وإنْ كانَ مَعْناهُما في الإبْعادِ واحِدٌ - مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَلاءَ ما كانَ مَعَ الأهْلِ والوَلَدِ، والإخْراجَ قَدْ يَكُونُ مَعَ بَقاءِ الأهْلِ والوَلَدِ.
الثّانِي: أنَّ الجَلاءَ لا يَكُونُ إلّا لِجَماعَةٍ، والإخْراجَ يَكُونُ لِجَماعَةٍ ولِواحِدٍ.
﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ وذَلِكَ «أنَّ النَّبِيَّ لَمّا نَزَلَ عَلى حُصُونِ بَنِي النَّضِيرِ وهي البُوَيْرَةُ حِينَ نَقَضُوا العَهْدَ بِمَعُونَةِ قُرَيْشٍ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ قَطَعَ المُسْلِمُونَ مِن نَخْلِهِمْ وأحْرَقُوا سِتَّ نَخْلاتٍ»، وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّهم قَطَعُوا نَخْلَةً وأحْرَقُوا نَخْلَةً، وكانَ ذَلِكَ عَنْ إقْرارِ رَسُولِ اللَّهِ أوْ بِأمْرِهِ، إمّا لِإضْعافِهِمْ بِها أوْ لِسَعَةِ المَكانِ بِقَطْعِها، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقالُوا وهم يَهُودُ أهْلِ كِتابٍ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيٌّ تُرِيدُ الإصْلاحَ؟
أفَمِنَ الصَّلاحِ حَرْقُ الشَّجَرِ وقَطْعُ النَّخْلِ؟
وقالَ شاعِرُهم سِماكٌ اليَهُودِيُّ ألَسْنا ورِثْنا كِتابَ الحَكِيمِ عَلى عَهْدِ مُوسى ولَمْ نَصْدِفِ ∗∗∗ وأنْتُمْ رِعاءٌ لِشاءٍ عِجافٍ ∗∗∗ بِسَهْلِ تِهامَةَ والأخْيَفِ ∗∗∗ تَرَوْنَ الرِّعايَةَ مَجْدًا لَكم ∗∗∗ لَدى كُلِّ دَهْرٍ لَكم مُجْحِفٌ ∗∗∗ فَيا أيُّها الشّاهِدُونَ انْتَهُوا ∗∗∗ عَنِ الظُّلْمِ والمَنطِقِ المُؤْنِفِ ∗∗∗ لَعَلَّ اللَّيالِي وصَرْفَ الدُّهُورِ ∗∗∗ يُدَلْنَ عَنِ العادِلِ المُنْصِفِ ∗∗∗ بِقَتْلِ النَّضِيرِ وإجْلائِها ∗∗∗ وعَقْرِ النَّخِيلِ ولَمْ تُقْطَفْ فَأجابَهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هم أُوتُوُا الكِتابَ فَضَيَّعُوهُ ∗∗∗ وهم عُمْيٌ عَنِ التَّوْراةِ بُورُ ∗∗∗ كَفَرْتُمْ بِالقُرْآنِ وقَدْ أتَيْتُمْ ∗∗∗ بِتَصْدِيقِ الَّذِي قالَ النَّذِيرُ ∗∗∗ وهانَ عَلى سَراةِ بَنِي لُؤَيٍّ ∗∗∗ حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ ثُمَّ إنَّ المُسْلِمِينَ جَلَّ في صُدُورِهِمْ ما فَعَلُوهُ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هَذا فَسادٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: هَذا مِمّا يَجْزِي اللَّهُ بِهِ أعْداءَهُ ويَنْصُرُ أوْلِياءَهُ فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَنا فِيما قَطَعْنا مِن أجْرٍ؟
وهَلْ عَلَيْنا فِيما تَرَكْنا مِن وِزْرٍ؟
فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ ﴾ الآيَةَ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ.
وَفِي اللِّينَةِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النَّخْلَةُ مِن أيِّ الأصْنافِ كانَتْ، قالَهُ ابْنُ حِبّانَ.
الثّانِي: أنَّها كِرامُ النَّخْلِ، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: أنَّها العَجْوَةُ خاصَّةً، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وذَكَرَ أنَّ العَتِيقَ والعَجْوَةَ كانا مَعَ نُوحٍ في السَّفِينَةِ، والعَتِيقُ الفَحْلُ، وكانَتِ العَجْوَةُ أصْلَ الإناثِ كُلِّها ولِذَلِكَ شَقَّ عَلى اليَهُودِ قَطْعُها.
الرّابِعُ: أنَّ اللِّينَةَ الفَسِيلَةُ لِأنَّها ألْيَنُ مِنَ النَّخْلَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ غَرَسُوا لِينَها بِمَجْرى مَعِينٍ ∗∗∗ ثُمَّ حَفُّوا النَّخِيلَ بِالآجامِ الخامِسُ: أنَّ اللِّينَةَ جَمِيعُ الأشْجارِ لِلِينِها بِالحَياةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ طِراقُ الخَوافِي واقِعٌ فَوْقَ لِينَةٍ ∗∗∗ نَدى لَيْلَةٍ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ قالَ الأخْفَشُ: سُمِّيَتْ لِينَةً اشْتِقاقًا مِنَ اللَّوْنِ لا مِنَ اللِّينِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ﴾ قال أبو عبيدة: اللينة: النخلة، ما لم تكن عجوة أو برنية، وأنشد لذي الرمة: كأن قُتودي فوقَها عُشُّ طائر ...
علي لينةٍ فرواء تهفو جنوبها (١) (٢) قال المبرد: أصل الياء في لينة الواو، بمنزلة ريح، فإذا قلت ألوان رجعت الواو لذهاب الكسرة كما تقول ريح وأرواح (٣) طراق الخوافي واقع فوق لينة ...
ندى ليله في ريشة يترفرف (٤) ويجمع اللينة أيضًا ليان، قال امرؤ القيس يصف عنق فرس: وسالفه كسحون الليان ...
أضرم فيه الغوىَّ السعر (٥) ونحو هذا قال المفسرون في تفسير اللينة، الزهري، وقتادة، وجماعة قالوا: هي النخل ليس بالعجوة (٦) (٧) وقال المقاتلان: هي ضرب من النخل ثمره أجود الثمر يرى نواه من ظاهره، النخلة منها أحب إليهم من وصيف (٨) قال المفسرون: لما حصر رسول الله - - بني النضير وتحصنوا بحصونهم، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فشق ذلك على اليهود، وجزعوا، وأكثروا القول، وقالوا: أين وجدت فيما أنزل عليك الفساد في الأرض وأخذ المسلمون من ذلك دمامة (٩) (١٠) وروي عن ابن عباس قال: أمروا بقطع النخل فحك في صدورهم، فقال المسلمون: قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا ولنسألن رسول الله - - هل لنا فيما قطعناه من أجر؟
وهل علينا فيما تركنا من وزر، فأنزل الله هذه الآية (١١) قال أبو إسحاق: فأعلم الله أن ذلك بإذنه، وإليه القطع والترك جميعًا (١٢) وقال قتادة: نزلت الآية لاختلاف كان بين المسلمين في قطعها وتركها.
قال مجاهد: نهى بعض المسلمين بعضًا عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين فنزل القرآن بتصديق من نهى، وتحليل من قطع (١٣) قوله: ﴿ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ﴾ يعني اليهود، قال مقاتل: كان قطع النخل ذلاً لهم وهوانًا (١٤) وقال ابن حيان: كان ذلك خزيًا لبني النضير (١٥) وقال الزجاج ﴿ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ﴾ أن يريهم بأموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا (١٦) ﴿ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ (١٧) (١) والبيت في "الديوان" 2/ 699، و"تهذيب اللغة" 4/ 121، ورواية الديوان: على== لينة سوقاء تهفو جنوبها والقتودي عيدان الرحل: أي أن الناقة طويلة يصغر الرحل عليها، وسوقاء: طويلة الساق، وتهفو: تضطرب.
(٢) وهذا القول قول الزجاج.
انظر:"معاني القرآن" للزجاج 5/ 144، و"تهذيب اللغة" 15/ 470، و"اللسان" 3/ 424 (لين).
وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 256.
(٣) "التفسير الكبير" 29/ 282.
(٤) "ديوان ذي الرمة" ص 79، و"الكتاب" 7/ 112، و"الخزانة" 4/ 21.
(٥) انظر: "الديوان" ص 315.
(٦) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 283، و"جامع البيان" 28/ 22، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 391، و"فتح الباري" 8/ 629، وهو قول سعيد بن جبير، ويزيد بن رومان، وعكرمة، وابن عباس.
(٧) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 663، و"جامع البيان" 28/ 22، و"الكشف والبيان" 13/ 88 ب قال النحاس: وهذه الأقوال صحيحة، لأن الأصمعي حكى مثل القول الأول فيكون لجميع النخل، ويكون ما قطعوا منها مخصوصًا فتتفق الأقوال.
"إعراب القرآن" 3/ 392.
(٨) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 88 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 316، و"زاد المسير" 8/ 208.
(٩) أي: غضب مما فعلوا.
"اللسان" 1/ 1015 (دمم).
(١٠) انظر: "جامع البيان" 28/ 23، و"أسباب النزول" للواحدي ص 481، و"معالم التنزيل" 4/ 315.
(١١) أخرجه الترمذي (3303) كتاب: التفسير: تفسير سورة الحشر، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والنسائي 6/ 483 كتاب: التفسير، و"الدر" 6/ 187.
(١٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 145.
(١٣) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 663، و"جامع البيان" 28/ 23.
(١٤) "تفسير مقاتل" 147 ب.
(١٥) لم أجده، في الأصل (يريهم).
(١٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 145.
(١٧) انظر: "زاد المسير" 8/ 208.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ ﴾ اللينة هي النخلة وقيل: هي الكريمة من النخل، وقيل: النخلة التي ليست بعجوة، وقيل: ألوان النخل المختلط، وسبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل على حصون بني النضير قطع المسلمون بعض نخلهم، وأحرقوه فقال بنو النضير: ما هذا إلا فساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد، فنزلت الآية مُعْلمة أن كل ما جرى من قطع أو إمساك فإن الله إذن للمسلمين في ذلك ﴿ وَلِيُخْزِيَ الفاسقين ﴾ يعني بني النضير، واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على أن كل مجتهد مصيب، فإن الله قد صوب فعل من قطع النخل ومن تركها، واختلف العلماء في قطع شجر المشركين وتخريب بلادهم؛ فأجازه الجمهور لهذه الآية، ولإقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريق نخل بني النضير، وكرهه قوم لوصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه الجيش الذي وجهه إلى الشام أن لا يقطعوا شجراً مثمراً.
<div class="verse-tafsir"
ما قطعتم -معشر المؤمنين- من نخلة لتغيظوا أعداء الله في غزوة بني النَّضِير أو تركتموها قائمة على جذوعها لتنتفعوا بها -فبأمر الله، وليس من الفساد في الأرض كما زعموا، وليذلّ الله به الخارجين عن طاعته من اليهود الذين نقضوا العهد، واختاروا سبيل الغدر على طريق الوفاء.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZbY7A"