الآية ٥ من سورة الممتحنة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 60 الممتحنة > الآية ٥ من سورة الممتحنة

رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةًۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَٱغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 61 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة الممتحنة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة الممتحنة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ) قال مجاهد : معناه : لا تعذبنا بأيديهم ، ولا بعذاب من عندك ، فيقولوا : لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا .

وكذا قال الضحاك .

وقال قتادة لا تظهرهم علينا فيفتتنوا بذلك ، يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه .

واختاره ابن جرير .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : لا تسلطهم علينا فيفتنونا .

وقوله : ( واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ) أي : واستر ذنوبنا عن غيرك ، واعف عنها فيما بيننا وبينك ، ( إنك أنت العزيز الحكيم ) أي : الذي لا يضام من لاذ بجناحك ) الحكيم ) في أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل إبراهيم خليله والذين معه: يا ربَّنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا بك فجحدوا وحدانيتك، وعبدوا غيرك، بأن تسلطهم علينا، فيروا أنهم على حقّ، وأنا على باطل، فتجعلنا بذلك فتنة لهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) قال لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) قال: يقول: لا تظهرهم علينا فَيَفْتَتِنُوا بذلك.

يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحقّ هم عليه.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) يقول: لا تسلِّطْهم علينا فيفتنونا.

وقوله: ( وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ) يقول: واستر علينا ذنوبنا بعفوك لنا عنها يا ربنا، ( إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) يعني الشديد الانتقام ممن انتقم منه، الحكيم: يقول الحكيم في تدبيره خلقه، وصرفه إياهم فيما فيه صلاحهم.

--------------------------- الهوامش: (1) ‌البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة 330) عند قوله تعالى "تلقون إليهم بالمودة".

قال: دخول الباء في مودة وسقوطها سواء، هذا بمنزلة أظن أنك قائم، وبأنك قائم، وأريد أن تذهب، وأريد بأن تقوم.

وقد قال الله: "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم" فأدخل الباء.

والمعنى: ومن يرد فيه إلحادًا، أنشدني أبو الجراح: "فلما رجت بالشرب...

البيت" معناه: فلما رجت أن تشرب.

ا هـ.

والإزاء: الحوض الذي تشرب منه الإبل.

والنهيم صوت زجر وتوعد.

وقد سبق استشهاد المؤلف بالبيت في سورة الحج عند قوله تعالى "ومن يرد فيه بإلحاد" الجزء (17 : 139).

ووقع في متن البيت هناك "الأداء" في موضع "الإزاء" هنا، خطأ مطبعيًا، فلتصلح الكلمة كما هنا "الإزاء" وهو الحوض.

(2) ‌في الأصل: وضمها، وهو خطأ من الناسخ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا أي لا تظهر عدونا علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك .

وقيل : لا تسلطهم علينا فيفتنونا ويعذبونا .واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا } أي: لا تسلطهم علينا بذنوبنا، فيفتنونا، ويمنعونا مما يقدرون عليه من أمور الإيمان، ويفتنون أيضا بأنفسهم، فإنهم إذا رأوا لهم الغلبة، ظنوا أنهم على الحق وأنا على الباطل، فازدادوا كفرا وطغيانا، { وَاغْفِرْ لَنَا } ما اقترفنا من الذنوب والسيئات، وما قصرنا به من المأمورات، { رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ } القاهر لكل شيء، { الْحَكِيمُ } الذي يضع الأشياء مواضعها، فبعزتك وحكمتك انصرنا على أعدائنا، واغفر لنا ذنوبنا، وأصلح عيوبنا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ) قال الزجاج : لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق فيفتنوا وقال مجاهد : لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولون : لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم ذلك ( واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا» أي لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق فيفتنوا أي تذهب عقولهم بنا «واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم» في ملكك وصنعك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا بعذابك لنا أو تسلط الكافرين علينا فيفتنونا عن ديننا، أو يظهروا علينا فيُفتنوا بذلك، ويقولوا: لو كان هؤلاء على حق، ما أصابهم هذا العذاب، فيزدادوا كفرًا، واستر علينا ذنوبنا بعفوك عنها ربنا، إنك أنت العزيز الذي لا يغالَب، الحكيم في أقواله وأفعاله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ) والفتنة هنا مصدر بمعنى المفتون ، أى : المعذب ، مأخوذ من فتن فلان الفضة إذا أذابها .أى : يا ربنا لا تجعلنا مفتونين معذبين لهؤلاء الكافرين ، بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نستطيع صده ، كما قال - تعالى - : ( إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات .

.

) أى : عذبوهم وحاولوا إنزال الضرر والأذى بهم .ويصح أن يكون المعنى : يا ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ، بأن تعذبنا بأيديهم ، فيظنوا بسبب ذلك أنهم على الحق ، ونحن على الباطل ، ويزعموا أننا لو كنا على الحق ما انتصروا علينا .ولبعض العلماء رأى آخر فى فهم هذه الآية ، وهو أن المراد بالفتنة هنا : اضطراب حال المسلمين وفساده .

وكونهم لا يصلحون أن يكونوا قدوة لغيرهم فى وجوه الخير .

.

.

فيكون المعنى : يا ربنا لا تجعل أعمالنا وأقوالنا سيئة .

فيترتب على ذلك أن ينفر الكافرون من ديننا ، بحجة أنه لو كان دينا سليما ، لظهر أثر ذلك على أتباعه ، ولكانوا بعيدين عن كل تفرق وتباعد وتأخر .قال بعض العلماء ما ملخصه : قوله : ( رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ) .

الفتنة : اضطراب الحال وفساده ، وهى اسم مصدر ، فتجىء بمعنى المصدر ، كقوله - تعالى - : ( والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل ) وتجىء وصفاً للمفتون والفاتن .ومعنى جعلهم فتنة للذين كفروا : جعلهم مفتونين يفتنهم الذين كفروا ، فيصدق ذلك بأن يتسلط عليهم الذين كفروا فيفتنون .ويصدق - أيضا - بأن تختل أمور دينهم بسبب الذين كفروا .

أى : بسبب محبتهم والتقرب منهم .وعلى الوجهين ، فالفتنة من إطلاق المصدر على اسم المفعول .

.

.

واللام فى " الذين كفروا " على الوجهين - أيضا - للملك ، أى : مفتونين مسخرين لهم .ويجوز عندى أن تكون " فتنة " مصدرا بمعنى اسم الفاعل ، أى : لا تجعلنا فاتنين ، أى : سبب فتنة للذين كفروا ، فيكون كناية عن معنى : لا تغلب الذين كفروا علينا ، واصرف عنا ما يكون من اختلال أمرنا ، وسوء الأحوال ، كى لا يكون شىء من ذلك فاتنا للذين كفروا ..

.

أى : يزيدهم كفرا ، لأنهم يظنون أنا على الباطل وأنهم على الحق .وقوله : ( واغفر لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ) أى : واغفر لنا يا ربنا ذنوبنا ، إنك أنت الغالب الذى لا يغالب ، الحكيم فى كل أقواله وأفعاله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً ﴾ من دعاء إبراهيم.

قال ابن عباس: لا تسلط علينا أعداءنا فيظنوا أنهم على الحق، وقال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ذلك، وقيل: لا تبسط عليهم الرزق دوننا، فإن ذلك فتنة لهم، وقيل: قوله: ﴿ لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً ﴾ ، أي عذاباً أي سبباً يعذب به الكفرة، وعلى هذا ليست الآية من قول إبراهيم.

وقوله تعالى: ﴿ واغفر لَنَا رَبَّنَا ﴾ الآية، من جملة ما مر، فكأنه قيل: لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ثم أعاد ذكر الأسوة تأكيداً للكلام، فقال: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ أي في إبراهيم والذين معه، وهذا هو الحث عن الائتساء بإبراهيم وقومه، قال ابن عباس: كانوا يبغضون من خالف الله ويحبون من أحب الله، وقوله تعالى: ﴿ لّمَن كَانَ يَرْجُو الله ﴾ بدل من قوله: ﴿ لَكُمْ ﴾ وبيان أن هذه الأسوة لمن يخاف الله ويخاف عذاب الآخرة، ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ﴾ أي يعرض عن الائتساء بهم ويميل إلى مودة الكفار ﴿ فَإِنَّ الله هُوَ الغنى ﴾ عن مخالفة أعدائه ﴿ الحميد ﴾ إلى أوليائه.

أما قوله: ﴿ عَسَى الله ﴾ فقال مقاتل: لما أمر الله تعالى المؤمنين بعداوة الكفار شددوا في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقاربهم والبراءة منهم فأنزل الله تعالى قوله: ﴿ عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مّنْهُم ﴾ أي من كفار مكة ﴿ مَّوَدَّةَ ﴾ وذلك بميلهم إلى الإسلام ومخالطتهم مع أهل الإسلام ومناكحتهم إياهم.

وقيل: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة، فلانت عند ذلك عريكة أبي سفيان، واسترخت شكيمته في العداوة، وكانت أم حبيبة قد أسلمت، وهاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة، فتنصر وراودها على النصرانية فأبت، وصبرت على دينها، ومات زوجها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، فخطبها عليه، وساق عنه إليها أربعمائة دينار، وبلغ ذلك أباها فقال: ذلك الفحل لا يفدغ أنفه، و ﴿ عَسَى ﴾ وعد من الله تعالى: ﴿ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مّنْهُم مَّوَدَّةً ﴾ يريد نفراً من قريش آمنوا بعد فتح مكة، منهم أبو سفيان بن حرب، وأبو سفيان بن الحرث، والحرث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، والله تعالى قادر على تقليب القلوب، وتغيير الأحوال، وتسهيل أسباب المودة، ﴿ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ بهم إذا تابوا وأسلموا، ورجعوا إلى حضرة الله تعالى، قال بعضهم: لا تهجروا كل الهجر، فإن الله مطلع على الخفيات والسرائر.

ويروى: أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما.

ومن المباحث في هذه الحكمة هو أن قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً ﴾ إذا كان تأويله: لا تسلط علينا أعداءنا مثلاً، فلم ترك هذا، وأتى بذلك؟

فنقول: إذا كان ذلك بحيث يحتمل أن يكون عبارة عن هذا، فإذا أتى به فكأنه أتى بهذا وذلك، وفيه من الفوائد ما ليس في الاقتصار على واحد من تلك التأويلات.

الثاني: لقائل أن يقول: ما الفائدة في قوله تعالى: ﴿ واغفر لَنَا رَبَّنَا ﴾ وقد كان الكلام مرتباً إذا قيل: لا تجعلنا فتنة للذين كفروا إنك أنت العزيز الحكيم فنقول: إنهم طلبوا البراءة عن الفتنة، والبراءة عن الفتنة لا يمكن وجودها بدون المغفرة، إذ العاصي لو لم يكن مغفوراً كان مقهوراً بقهر العذاب، وذلك فتنة، إذ الفتنة عبارة عن كونه مقهوراً، و ﴿ الحميد ﴾ قد يكون بمعنى الحامد، وبمعنى المحمود، فالمحمود أي يستحق الحمد من خلقه بما أنعم عليهم، والحامد أي يحمد الخلق، ويشكرهم حيث يجزيهم بالكثير من الثواب عن القليل من الأعمال.

ثم إنه تعالى بعدما ذكر من ترك انقطاع المؤمنين بالكلية عن الكفار رخص في صلة الذين لم يقاتلوهم من الكفار فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ أسوة وإسوة ﴾ وهو اسم المؤتسى به، أي كان فيهم مذهب حسن مرضي بأن يؤتسى به ويتبع أثره، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا، حيث كاشفوهم بالعداوة وقشروا لهم العصا، وأظهروا البغضاء والمقت، وصرحوا بأن سبب عداوتهم وبغضائهم ليس إلا كفرهم بالله؛ ومادام هذا السبب قائماً كانت العداوة قائمة، حتى إن أزالوه وآمنوا بالله وحده انقلبت العداوة موالاة، والبغضاء محبة، والمقت مقة، فأفصحوا عن محض الإخلاص.

ومعنى ﴿ كَفَرْنَا بِكُمْ ﴾ وبما تعبدون من دون الله: أنا لا نعتدّ بشأنكم ولا بشأن آلهتكم، وما أنتم عندنا على شيء.

فإن قلت: مم استثني قوله: ﴿ إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم ﴾ ؟

قلت: من قوله: ﴿ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ لأنه أراد بالأسوة الحسنة: قولهم الذي حق عليهم أن يأتسوا به ويتخذونه سنة يستنون بها.

فإن قلت: فإن كان قوله ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ مستثنى من القول الذي هو أسوة حسنة، فما بال قوله: ﴿ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَيْء ﴾ وهو غير حقيق بالاستثناء.

ألا ترى إلى قوله ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً ﴾ [المائدة: 17] قلت: أراد استثناء جملة قوله لأبيه، والقصد إلى موعد الاستغفار له، وما بعده مبنيّ عليه وتابع له، كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار.

فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا ﴾ ؟

قلت: بما قبل الاستثناء، وهو من جملة الأسوة الحسنة.

ويجوز أن يكون المعنى: قولوا ربنا، أمراً من الله تعالى للمؤمنين بأن يقولوه، وتعليماً منه لهم تتميماً لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار، والائتساء بإبراهيم وقومه في البراءة منهم، وتنبيهاً على الإنابة إلى الله والاستعاذة به من فتنة أهل الكفر، والاستغفار مما فرط منهم.

وقرى: ﴿ برآء ﴾ كشركاء.

وبراء كظراف.

وبراء على إبدال الضم من الكسر، كرخال ورباب.

وبراء على الوصف بالمصدر.

والبراء والبراءة كالظماء والظماءة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ قُدْوَةٌ.

اسْمٌ لِما يُؤْتَسى بِهِ.

﴿ فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ خَبَرُ كانَ ولَكم لَغْوٌ أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في ( حَسَنَةٌ ) أوْ صِلَةٌ لَها لا لِـ أُسْوَةٌ لِأنَّها وُصِفَتْ.

﴿ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ ﴾ ظَرْفٌ لِخَبَرِ كانَ.

﴿ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ ﴾ جَمِيعُ بَرِيءٍ كَظَرِيفٍ وظُرَفاءَ.

﴿ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ ﴾ أيْ بِدِينِكُمُ أوْ بِمَعْبُودِكُمْ، أوْ بِكم وبِهِ فَلا نَعْتَدُّ بِشَأْنِكم وآلِهَتِكم.

﴿ وَبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ ﴾ فَتَنْقَلِبُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أُلْفَةً ومَحَبَّةً.

﴿ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَإنَّ اسْتِغْفارَهُ لِأبِيهِ الكافِرِ لَيْسَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يَأْتَسُوا بِهِ، فَإنَّهُ كانَ قَبْلَ النَّهْيِ أوْ لِمَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ.

﴿ وَما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ مِن تَمامِ قَوْلِهِ المُسْتَثْنى ولا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِثْناءِ المَجْمُوعِ اسْتِثْناءُ جَمِيعِ أجْزائِهِ.

﴿ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ أوْ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقُولُوهُ تَتْمِيمًا لِما وصّاهم بِهِ مِن قَطْعِ العَلائِقِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ.

﴿ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِأنْ تُسَلِّطَهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا بِعَذابٍ لا نَتَحَمَّلُهُ.

﴿ واغْفِرْ لَنا ﴾ ما فَرَّطَ مِنّا ﴿ رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُجِيرَ المُتَوَكِّلَ ويُجِيبَ الدّاعِيَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي لا تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب {واغفر لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} أي الغالب الحاكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَسُبُّونَنا ويُعَذِّبُونَنا - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - فالفِتْنَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْتُونِ أيِ المُعَذَّبِ مِن فَتَنَ الفِضَّةَ إذا أذابَها فَكَأنَّهُ قِيلَ: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مُعَذَّبِينَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وقالَ مُجاهِدٌ: أيْ لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ، أوْ بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ فَيَظُنُّوا أنَّهم مُحِقُّونَ وأنّا مُبْطِلُونَ فَيُفْتَنُوا لِذَلِكَ.

وقالَ قَرِيبًا مِنهُ قَتادَةُ وأبُو مِجْلَزٍ، والأوَّلُ أرْجَحُ، ولَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الدُّعائِيَّةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها سُلُوكًا بِهِما مَسْلَكَ الجُمَلِ المَعْدُودَةِ، وكَذا الجُمْلَةُ الآتِيَةُ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِمّا قَبْلَها، ورُدَّ بِعَدَمِ اتِّحادِ المَعْنَيَيْنِ كُلًّا وجُزْءًا ولا مُناسَبَةَ بَيْنَهُما سِوى الدُّعاءِ ﴿ واغْفِرْ لَنا ﴾ ما فَرَطَ مِنّا ﴿ رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ ﴾ الغالِبُ الَّذِي لا يُذِلُّ مَنِ التَجَأ إلَيْهِ ولا يُخَيِّبُ رَجاءَ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ يعني: هلا فعلتم كما فعل إبراهيم، تبرأ من أبيه لأجل كفره؟

ويقال: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ يعني: قدوة حسنة وسنة صالحة في إبراهيم فاقتدوا به.

وَالَّذِينَ مَعَهُ يعني: من كان مع إبراهيم من المؤمنين.

إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ أي: لمن كفر من قومهم: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ يعني: من دينكم، وَمِمَّا تَعْبُدُونَ يعني: برآء مما تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة.

كَفَرْنا بِكُمْ يعني: تبرأنا منكم.

قرأ عاصم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ بضم الألف، والباقون بالكسر، وهما لغتان إسوة وأُسوة وهما بمعنى الاقتداء.

ثم قال: وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ يعني: حتى تصدقوا بالله وحده، فأعلم الله تعالى أن أصحاب إبراهيم تبرؤوا من قومهم، وعادوهم، لأجل كفرهم، فأمر الله تعالى أصحاب النبيّ  أن يقتدوا بهم.

ثم قال: إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ، يعني: اقتدوا بهم إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ يعني: لأدعون لك أن يهديك الله ويكون على هذا التفسير إلا بمعنى لكن قَوْلَ إبراهيم لاًّبِيهِ لاّسْتَغْفِرَنَّ لك يعني: لأدعون لك أن يهديك الله يعني: هذا التفسير إلا بمعنى لكن قول إبراهيم لأبيه بالهدى.

ثم قال: وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ يعني: إبراهيم تبرأ من قومه، لكنه يدعو لأبيه لاستغفرن لك يعني: لأدعون لك أن ثم علَّمهم ما يقولون، فقال: قولوا رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا يعني: فوَّضنا أمرنا إليك وأمر أهالينا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا يعني: أقبلنا إليك بالطاعة وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ يعني: المرجع في الآخرة.

قوله تعالى: رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، فتقتر علينا الرزق وتبسط عليهم، فيظنوا أنهم على الحق ونحن على الباطل وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وفي قراءة عبد الله بن مسعود-  - إِنَّكَ أَنتَ الغفور الرحيم.

وقال بعضهم: هذا كله حكاية عن قول إبراهيم أنه دعا ربه بذلك، ويقال: هذا تعليم لحاطب بن أبي بلتعة هلاّ دعوت بهذا الدعاء، حتى ينجو أهلك، ولا يسلط عليهم عدوك.

قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ يعني: في إبراهيم وقومه في الاقتداء.

لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ يعني: لمن يخاف الله ويخاف البعث ويقال: لِمَنْ كانَ يَرْجُوا ثواب الله وثواب يوم القيامة.

وَمَنْ يَتَوَلَّ يعني: يعرض عن الحق ويقال: يأبى عن أمر الله تعالى.

فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ يعني: الغني عن عباده الحميد في فعاله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فقال: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ أي: إنْ يتمكنوا منكم وتحصلوا في ثقافهم ظهرت عداوتهم، وانبسطت إليكم أيديهم بِضَرَرِكُمْ وَقَتْلِكُمْ، وانبسطت ألسنتُهم بسبِّكم، وأَشَدُّ من هذا كله إنَّما يقنعهم أَنْ تكفروا، وهذا هو ودهم، ثم أخبر تعالى أنَّ هذه الأرحامَ التي رغبتم في وصلها، ليستْ بنافعة يومَ القيامة، فالعامل في يَوْمَ قوله تَنْفَعَكُمْ، وقيل: العامل فيه يَفْصِلُ وهو مِمَّا بعده لا مِمَّا قبله، وعبارةُ الثعلبيِّ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ أي: قرابتكم منهم وَلا أَوْلادُكُمْ: الذين عندهم بمكة يَوْمَ الْقِيامَةِ: إذا عصيتم اللَّه من أجلهم يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ: فيدخل المؤمنون الجنة، والكافرون النارَ، انتهى.

ت: وهذه الآيةُ تُنظر إلى قوله تعالى: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى ...

[سبأ: ٣٧] الآية: واعلم أنَّ المال والسبب النافع يوم القيامة، ما كان لِلَّهِ وقُصِدَ به العونُ على طاعة اللَّه، وإلاَّ فهو على صاحبه وَبَالٌ وطولُ حساب، قال ابن المبارك في «رقائقه» : أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد اللَّه بن الحارث يُحَدِّثُ عن أبي كثير، عن عبد اللَّه بن عمرو بن/ العاصي أَنَّه سمعه يقول: ويجمعون- يعني ليوم القيامة- فيقال: أين فقراء هذه الأمة ومساكينُها؟

فيبرزون، فَيُقَالُ: ما عندكم؟

فيقولون: يا رَبَّنَا، ابْتُلِينَا فَصَبِرْنَا، وأنت أعلم، أحسبه، قال: ووليت الأموال والسلطانَ غَيْرَنا، فيقال: صدقتم، فيدخلون الجنة قبل سائر الناس بزمان، وتبقى شِدَّةُ الحساب على ذَوِي السلطان والأموال، قال: قلت: فأين المؤمنون يومئذ؟

قال: توضع لهم كراسيُّ من نور، ويُظَلِّلُ عليهم الغمامُ، ويكون ذلك اليومُ أقصرَ عليهم من ساعة من نهار، انتهى، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: وعيد وتحذير.

وقوله تعالى: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ أي: قدوة فِي إِبْراهِيمَ: الخليل وَالَّذِينَ مَعَهُ: قيل: مَنْ آمن به مِنَ الناس، وقال الطبريُّ وغيره «١» : الَّذِينَ مَعَهُ: هم الأنبياء المعاصرون له أو قريباً من عصره، قال ع «٢» : وهذا أرجح لأَنَّهُ لم يرو أنّ لإبراهيم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ.

والثّانِي: المُؤْمِنُونَ ﴿ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ أفَلا تَأسَّيْتَ يا حاطِبُ بِإبْراهِيمَ وقَوْمِهِ فَتَبَرَّأْتَ مِن أهْلِكَ كَما تَبَرَّؤُوا مِن قَوْمِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: تَأسُّوا بِإبْراهِيمَ إلّا في اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ فَلا تَأسَّوْا بِهِ في ذَلِكَ، فَإنَّهُ كانَ عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ ﴿ وَما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ أيْ: ما أدْفَعُ عَنْكَ عَذابَ اللَّهِ إنْ أشْرَكْتَ بِهِ، وكانَ مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ وأصْحابِهِ: ﴿ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: قُولُوا أنْتُمْ: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في [يُونُسَ] [آيَةُ: ٨٥] .

ثُمَّ أعادَ الكَلامَ في ذِكْرِ الأُسْوَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ ﴾ أيْ: في إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُبْغِضُونَ مَن خالَفَ اللَّهَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَكُمْ ﴾ وبَيانٌ أنَّ هَذِهِ الأُسْوَةَ لِمَن يَخافُ اللَّهَ، ويَخْشى عِقابَ الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ﴾ أيْ: يُعْرِضْ عَنِ الإيمانِ ويُوالِ الكُفّارَ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ ﴾ عَنْ خَلْقِهِ "الحَمِيدُ" إلى أوْلِيائِهِ.

فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِعَداوَةِ الكُفّارِ عادَوْا أقْرِباءَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن كَفّارِ مَكَّةَ "مَوَدَّةً" فَفَعَلَ ذَلِكَ، بِأنْ أسْلَمَ كَثِيرٌ مِنهم يَوْمَ الفَتْحِ، وتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ  أمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ، فانْكَسَرَ أبُو سُفْيانَ عَنْ كَثِيرٍ مِمّا كانَ عَلَيْهِ حَتّى هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ ﴿ واللَّهُ قَدِيرٌ ﴾ عَلى جَعْلِ المَوَدَّةِ ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ ﴾ لَهم ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِهِمْ بَعْدَما أسْلَمُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها في أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، وذَلِكَ «أنَّ أُمَّها قَتِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ العُزّى.

قَدِمَتْ عَلَيْها المَدِينَةَ بِهَدايا، فَلَمْ تَقْبَلْ هَداياها، ولَمْ تُدْخِلْها مَنزِلَها، فَسَألَتْ لَها عائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ  أنْ تُدْخِلَها مَنزِلَها، وتَقْبَلَ هَدِيَّتَها، وتُكْرِمَها، وتُحْسِنَ إلَيْها،» قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في خُزاعَةَ وبَنِي مُدْلَجٍ، وكانُوا صالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَلى أنْ لا يُقاتِلُوهُ، ولا يُعِينُوا عَلَيْهِ أحَدًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في خُزاعَةَ، وبَنِي الحارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  عَهْدٌ، فَدامُوا عَلى الوَفاءِ بِهِ.

والثّالِثُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي هاشِمٍ مِنهُمُ العَبّاسُ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ ومُرَّةُ.

والرّابِعُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الكَفّارِ، وهي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: نَزَلَتْ في النِّساءِ والصِّبْيانِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ رُخْصَةٌ في صِلَةِ الَّذِينَ لَمْ يَنْصِبُوا الحَرْبَ لِلْمُسْلِمِينَ، وجَوازِ بِرِّهِمْ، وإنْ كانَتِ المُوالاةُ مُنْقَطِعَةً مِنهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكُمْ ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ أنْ ﴿ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ ﴾ أيْ: تُعامِلُوهم بِالعَدْلِ فِيما بَيْنَكم وبَيْنَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظاهَرُوا عَلى إخْراجِكُمْ ﴾ أيْ: عاوَنُوا عَلى ذَلِكَ ﴿ أنْ تَوَلَّوْهُمْ ﴾ والمَعْنى: إنَّما يَنْهاكم عَنْ أنْ تَوَلَّوْا هَؤُلاءِ، لِأنَّ مُكاتَبَتَهم بِإظْهارِ ما أسَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  مُوالاةٌ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا وجْهَ لِادِّعاءِ النَّسْخِ، لِأنَّ بِرَّ المُؤُمِنِينَ لِلْمُحارِبِينَ سَواءٌ كانُوا قَرابَةً أوْ غَيْرَ قَرابَةٍ، غَيْرُ مُحَرَّمٍ إذا لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لَهم عَلى الحَرْبِ بِكُراعٍ أوْ سِلاحٍ، أوْ دَلالَةٌ لَهم عَلى عَوْرَةِ أهْلِ الإسْلامِ.

ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُ أسْماءَ وأمِّها الَّذِي سَبَقَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ ﴿ عَسى اللهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً واللهُ قَدِيرٌ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا ﴾ الآيَةُ...

حِكايَةٌ عن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَن مَعَهُ، والمَعْنى: لا تَغْلِبُهم عَلَيْنا، فَنَكُونُ لَهم فِتْنَةً وسَبَبَ ضَلالَةٍ لِأنَّهم يَتَمَسَّكُونَ بِكُفْرِهِمْ ويَقُولُونَ: إنَّما غَلَبْناهم لِأنّا عَلى الحَقِّ وهم عَلى الباطِلِ، نَحا هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وأبُو مَجْلَزٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لا تُسَلِّطُهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا عن أدْيانِنا فَكَأنَّهُ قالَ: لا تَجْعَلْنا مَفْتُونِينَ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِالمَصْدَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ لِأنَّهم إنَّما دَعَوْا لِأنْفُسِهِمْ، وعَلى مَنحى قَتادَةَ إنَّما دَعَوْا لِلْكُفّارِ، أمّا أنَّ مَقْصِدَهم إنَّما هو أنْ يَنْدَفِعَ عنهم ظُهُورُ الكُفّارِ الَّذِي يُسَبِّبُهُ فِتَنُ الكُفّارِ، فَجاءَ في المَعْنى تَحْلِيقٌ بَلِيغٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "بِئْسَ المَيِّتُ سَعْدٌ "» لِيَهُودٍ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صاحِبُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكُمْ ﴾ الآيَةُ...

خَطابٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "لِمَن" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ "لَكُمْ"، وكَرَّرَ حَرْفَ الجَرِّ لِيَتَحَقَّقَ البَدَلُ، وذَلِكَ عُرْفُ هَذِهِ المُبْدَلاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ  ﴾ ، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ، وأكْثَرُ ما يَلْزَمُ مِنَ الحُرُوفِ اللامُ، ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادَةِ، وأنَّهُ الحَمِيدُ في ذاتِهِ وأفْعالِهِ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ كُفْرُ كافِرٍ ولا نِفاقُ مُنافِقٍ.

ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ لَمّا نَزَلَتْ وأزْمَعَ المُؤْمِنُونَ امْتِثالَ أمْرِها وصَرْمَ حِبالِ الكَفَرَةِ وإظْهارِ عَداوَتِهِمْ، لِحَقَهم تَأسُّفٌ عَلى قَراباتِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَهْتَدُوا حَتّى يَكُونَ بَيْنَهُمُ الوِدُّ والتَواصُلُ فَنَزَلَتْ: "عَسى اللهُ" الآيَةُ مُؤْنِسَةٌ في ذَلِكَ، ومُرْجِيَةٌ أنْ يَقَعَ، مَوْقِعٌ ذَلِكَ بِإسْلامِهِمْ في الفَتْحِ، وصارَ الجَمِيعُ إخْوانًا، ومَن ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ المَوَدَّةَ تَزْوِيجُ النَبِيِّ  أمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ وأنَّها كانَتْ بَعْدَ الفَتْحِ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ النَبِيَّ  تَزَوَّجَها وقْتَ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ، وهَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلّا أنْ يَسُوقَهُ مِثالًا وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا لِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ اسْتَمَرَّ بَعْدَ الفَتْحِ كَسائِرِ ما نَشَأ مِنَ المَوَدّاتِ، و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةُ الوُقُوعِ إنْ شاءَ اللهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ واغفر لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ .

الفتنة: اضطراب الحال وفساده، وهي اسم مصدر فتجيء بمعنى المصدر كقوله تعالى: ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ [البقرة: 191] وتجيء وصفاً للمفتون والفاتن.

ومعنى جَعلهم فتنة للذين كفروا: جعلهم مفتونين يفتنُهم الذين كفروا، فيصدق ذلك بأن يتسلط عليهم الذين كفروا فيفتنون كما قال تعالى: ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين ﴾ [البروج: 10] الخ.

ويصدق أيضاً بأن تختل أمور دينهم بسبب الذين كفروا، أي بمحبتهم والتقرب منهم كقوله تعالى حكاية عن دعاء موسى ﴿ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء ﴾ [الأعراف: 155].

وعلى الوجهين فالفتنة من إطلاق المصدر على اسم المفعول.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ﴾ في سورة [يونس: 85].

واللام في للذين كفروا} على الوجهين للملك، أي مفتونين مسخرين لهم.

ويجوز عندي أن تكون ﴿ فتنة ﴾ مصدراً بمعنى اسم الفاعل، أي لا تجعلنا فاتنين، أي سبب فتنة للذين كفروا، فيكونَ كناية عن معنى لا تغلِّب الذين كفروا علينا واصرف عنا ما يكون به اختلال أمرنا وسوءِ الأحوال كيلا يكون شيء من ذلك فاتناً الذين كفروا، أي مقوياً فتنتهم فيُفْتَتَنُوا في دينهم، أي يزدادوا كفراً وهو فتنة في الدين، أي فيظنوا أنا على الباطل وأنهم على الحق، وقد تطلق الفتنة على ما يفضي إلى غرور في الدين كما في قوله تعالى: ﴿ بل هي فتنة ﴾ في سورة [الزمر: 49] وقوله: ﴿ وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ﴾ في سورة [الأنبياء: 111].

واللام على هذا الوجه لام التبليغ وهذه معان جمّة أفادتها الآية.

كَفَرُواْ واغفر لَنَا}.

أعقبوا دعواتهم التي تعود إلى إصلاح دينهم في الحياة الدنيا بطلب ما يصلح أمورهم في الحياة الآخرة وما يوجب رضى الله عنهم في الدنيا فإن رضاهُ يفضي إلى عنايته بهم بتسيير أمورهم في الحياتين.

وللإِشعار بالمغايرة بين الدعوتين عطفت هذه الواو ولم تعطف التي قبلها.

﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ العزيز ﴾ .

تعليل للدعوات كلها فإن التوكل والإِنابة والمصير تناسب صفة ﴿ العزيز ﴾ إذ مثله يعامِل بمثل ذلك، وطلبَ أن لا يجعلهم فتنة باختلاف معانيه يناسب صفة ﴿ الحكيم ﴾ ، وكذلك طلب المغفرة لأنهم لما ابتهلوا إليه أن لا يَجعلهم فتنة الكافرين وأن يغفر لهم رأوا أن حكمته تناسبها إجابة دعائهم لما فيه من صلاحهم وقد جاؤوا سائلينه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ ذَكَرَ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ أنَّهُ أرادَ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: عِبْرَةٌ حَسَنَةٌ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

﴿ فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

﴿ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ الكُفّارِ.

﴿ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ فَتَبَرَّؤُوا مِنهم فَهَلّا تَبَرَّأْتَ أنْتَ يا حاطِبُ مِن كُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ ولَمْ تَفْعَلْ ما فَعَلْتَهُ مِن مُكاتَبِتِهِمْ وإعْلامِهِمْ.

ثُمَّ قالَ ﴿ كَفَرْنا بِكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: كَفَرْنا بِما آمَنتُمْ بِهِ مِنَ الأوْثانِ.

الثّانِي: بِأفْعالِكم وكَذَّبْنا بِها.

﴿ وَبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَأسَّوْا بِإبْراهِيمَ في فِعْلِهِ واقْتَدُوا بِهِ إلّا في الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ فَلا تَقْتَدُوا بِهِ فِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مَعْناهُ إلّا إبْراهِيمَ فَإنَّهُ اسْتَثْنى أباهُ مِن قَوْمِهِ في الِاسْتِغْفارِ لَهُ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتُنُونا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ فَنَصِيرُ فِتْنَةً لَهم فَيَقُولُوا لَوْ كانُوا عَلى حَقٍّ ما عُذِّبُوا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والحميدي وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو عوانة وابن حبان وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل «عن عليّ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فائتوني به، فخرجنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب.

قالت: ما معي كتاب.

قلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا حاطب؟

قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله، إني كنت امرأ ملصقاً من قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم: قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال إنه شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ونزلت فيه ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ﴾ » .

وأخرج أبو يعلى وابن المنذر من طريق الحارث عن علي قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي مكة أسر إلى ناس من أصحابه أنه يريد الدخول إلى مكة منهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر، فكتب حاطب إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثني أنا ومن معي فقال: ائتوا روضة خاخ فذكر له ما تقدم فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ﴾ الآية.

وأخرج ابن المنذرر من طريق قتادة وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه في الآية قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم السيرورة من الحديبية إلى مشركي قريش كتب إليها حاطب بن أبي بلتعة يحذرهم، فأطلع الله نبيه على ذلك، فوجد الكتاب مع امرأة في قرن من رأسها فقال له: ما حملك على الذي صنعت؟

قال: أما والله ما ارتبت في أمر الله، ولا شككت فيه، ولكنه كان لي بها أهل ومال، فأردت مصانعة قريش، وكان حليفاً لهم، ولم يكن منهم، فأنزل الله فيه القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ﴾ الآية، قال: نزلت في رجل كان مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة من قريش كتب إلى أهله وعشيرته بمكة يخبرهم وينذرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سائر إليهم، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحيفته فبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأتاه بها.

وأخرج أبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء في المختارة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: «كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين بكتاب فجيء به إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا حاطب ما دعاك إلى ما صنعت؟

قال: يا رسول الله كان أهلي فيهم فخشيت أن يصرموا عليهم، فقلت: أكتب كتاباً لا يضر الله ورسوله، فقلت: أضرب عنقه يا رسول الله فقد كفر، فقال: وما يدريك يا ابن الخطاب أن يكون الله أطلع على أهل العصابة من أهل بدر؟

فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» .

وأخرج ابن مردويه من طريق شهاب «عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، وحاطب رجل من أهل اليمن كان حليفاً للزبير بن العوام من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد شهد بدراً، وكان بنوه وإخوته بمكة، فكتب حاطب وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إلى كفار قريش بكتاب ينتصح لهم فيه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً والزبير، فقال لهما انطلقا حتى تدركا امرأة معها كتاب، فخذا الكتاب، فائتياني به، فانطلقا حتى أدركا المرأة بحليفة بني أحمد، وهي من المدينة على قريب من اثني عشر ميلاً، فقالا لها: أعطينا الكتاب الذي معك.

قالت: ليس معي كتاب.

قالا كذبت قد حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن معك كتاباً، والله لتعطين الكتاب الذي معك أو لا نترك عليك ثوباً إلا التمسنا فيه.

قالت: أو لستم بناس مسلمين؟

قالا: بلى، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن معك كتاباً حتى إذ ظنت أنهما ملتمسان كل ثوب معها حلت عقاصها، فأخرجت لهما الكتاب من بين قرون رأسها كانت قد اعتقصت عليه، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً، قال: أنت كتبت هذا الكتاب؟

قال: نعم قال: فما حملك على أن تكتب به؟

قال حاطب: أما والله ما ارتبت منذ أسلمت في الله عز وجل، ولكني كنت امرأ غريباً فيكم أيها الحيّ من قريش وكان لي بنون وإخوة بمكة فكتبت إلى كفار قريش بهذا الكتاب لكي أدفع عنهم، فقال عمر: ائذن لي يا رسول الله أضرب عنقه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإنه قد شهد بدراً، وإنك لا تدري لعل الله أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني غافر لكم ما عملتم فأنزل الله في ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ﴾ حتى بلغ ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ﴾ » .

أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عروة مرسلاً.

وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم الفتح إلا أربعة: عبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأم سارة، فذكر الحديث قال: وأما أم سارة فإنها كانت مولاة لقريش فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكت إليه الحاجة، فأعطاها شيئاً، ثم أتاها رجل، فبعث معها بكتاب إلى أهل مكة يتقرب بذلك إليها لحفظ عياله، وكان له بها عيال، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فبعث في أثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فلقياها في الطريق، ففتشاها، فلم يقدرا على شيء معها، فأقبلا راجعين، ثم قال أحدهما لصاحبه: والله ما كذبنا ولا كذبنا ارجع بنا إليها، فرجعا إليها، فسلاّ سيفهما، فقالا: والله لنذيقنك الموت أو لتدفعنّ إلينا الكتاب، فأنكرت، ثم قالت: أدفعه إليكما على أن لا ترداني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبلا ذلك منها فحلت عقاص رأسها، فأخرجت الكتاب من قرن من قرونها، فدفعته إليهما، فرجعا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه إليه، فدعا الرجل فقال: ما هذا الكتاب؟

فقال: أخبرك يا رسول الله أنه ليس من رجل ممن معك إلا وله بمكة من يحفظ عياله، فكتبت بهذا الكتاب ليكونوا لي في عيالي، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: «كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين كتاباً يذكر فيه مسير النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث به مع امرأة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبها فأخذ الكتاب منها فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا حاطباً فقال: أنت كتبت هذا الكتاب؟

قال: نعم يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله، وما كفرت منذ أسلمت ولا شككت منذ استيقنت، ولكني كنت امرأ لا نسب لي في القوم، إنما كنت حليفهم، وفي أيديهم من أهلي ما قد علمت، فكتبت إليهم بشيء قد علمت أن لن يغني عنهم من الله شيئاً أراده أن أدرأ به عن أهلي ومالي، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله خلّ عني وعن عدوّ الله هذا المنافق فأضرب عنقه، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نظراً عرف عمر أنه قد غضب، ثم قال: ويحك يا عمر بن الخطاب وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل موطن من مواطن الخير فقال للملائكة: اشهدوا أني قد غفرت لأعبدي هؤلاء فليعملوا ما شاؤوا؟» قال عمر: الله ورسوله أعلم.

قال: «إنهم أهل بدر فاجتنب أهل بدر إنهم أهل بدر، فاجتنب أهل بدر إنهم أهل بدر فاجتنب أهل بدر» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد «عن جابر أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد غزوهم، فدلّ النبي صلى الله عليه وسلم على المرأة التي معها الكتاب، فأرسل إليها، فأخذ كتابها من رأسها، فقال: يا حاطب أفعلت؟

قال: نعم أما إني لم أفعل غشاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفاقاً قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له غير أني كنت غريباً بين ظهرانيهم، وكانت والدتي فأردت أن أخدمها عندهم، فقال له عمر: ألا أضرب رأس هذا؟

قال: أتقتل رجلاً من أهل بدر، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر وقال: اعملوا ما شئتم» .

وأخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي «عن جابر أن عبداً لحاطب بن أبي بلعتة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشتكي حاطباً فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبت لا يدخلها فإنه قد شهد بدراً والحديبية» .

وأخرج ابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: اسم الذي أنزلت فيه ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ حاطب بن أبي بلتعة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: «ذكر لنا أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يحذرهم سيرورة رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال له نبي الله: ما حملك على الذي صنعت؟

قال: أما والله ما شككت في أمري، ولا ارتبت فيه، ولكن كان لي هناك مال وأهل، فأردت مصانعة قريش على أهلي ومالي، وذكر لنا أنه كان حليفاً لقريش، ولم يكن من أنفسهم، فأنزل الله القرآن وقال: ﴿ إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ﴾ إلى قوله: ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ قال: يقول فلا تأسوا في ذلك فإنها كانت موعدة وعدها إياه ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا يقول: لا تظهرهم علينا ففتنوا بذلك يرون أنهم إنما ظهروا لأنهم أولى بالحق منا» .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ إلى قوله: ﴿ بما تعملون بصير ﴾ قال: في مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة ومن معه إلى كفار قريش يحذرونهم.

وفي قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه ﴾ قال: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا للمشركين، وفي قوله: ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾ قال: لا تعذبنا بأيديهم ولا تعذب من عبدك فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا.

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ إلى قوله: ﴿ بصير ﴾ في مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة ومن معه إلى كفار قريش يحذرونهم، وقوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ نهو أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه، وقوله: ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾ لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك، فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة ﴾ قال: في صنع إبراهيم كله إلا في الاستغفار لأبيه لا يستغفر له وهو مشرك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾ يقول: لا تسلطهم علينا فيفتنونا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال ابن عباس: وكان من دعاء إبراهيم وأصحابه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) (٢) (٣) قال أبو إسحاق: معناه لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك (٤) وقال الفراء: يقول لا تظهر علينا الكفار فيروا أنهم على حق وإنا على باطل (٥) وقال مقاتل: لا تقتر علينا الرزق وتبسط لهم فيكون ذلك فتنة لهم (٦) (٧)  - قوله: ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فأضمر القول.

(١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 301.

(٢) (ك): (فيقولون).

(٣) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 667، و"جامع البيان" 28/ 42، و"الدر" 6/ 205.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 157، وهو قول قتادة كما ذكره الطبري في جامعه 28/ 42.

(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 150.

(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 151 ب، ولفظه: (لا تقتر علينا بالرزق وتبسط لهم في الرزق فيحتاج إليهم فيكون ذلك فتنة لنا).

(٧) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 52، و"التفسير الكبير" 29/ 302، وصدر هذه الأقوال بقيل دون نسبة لقائل.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ في معناه قولان: أحدهما لا تنصروهم علينا فيكون ذلك لهم فتنة وسبب ضلالهم؛ لأنهم يقولون: غلبناهم فيكون ذلك لهم، لأنا على الحق وهم على الباطل.

والآخر: لا تسلطهم علينا فيفتنونا عن ديننا، ورجح ابن عطية هذا، لأنه دعاء لأنفسهم وأما القول الأول فهو دعاء للكفار، ولكن مقصدهم ليس الدعاء للكفار، وإنما هو دعاء لأنفسهم بالنصر بحيث لا يفتتن الكفار بذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يفصل ﴾ ثلاثياً معلوماً: عاصم غير المفضل وسهل ويعقوب ﴿ يفصل ﴾ بالتشديد: حمزة وعلي وخلف.

مثله ولكن مجهولاً: ابن ذكوان.

الآخرون: ثلاثياً مجهولاً ﴿ في إبراهام ﴾ كنظائره ﴿ أن تولوهم ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ تمسكوا ﴾ بالتشديد: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الوقوف ﴿ من الحق ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل الحال من ضمير ﴿ كفروا ﴾ والاستئناف ﴿ بالله ربكم ﴾ ط ﴿ أعلنتم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ أولادكم ﴾ ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لن تنفعكم ﴾ أو يفصل ﴿ يوم القيامة ﴾ ج بناء على المذكور ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والذين معه ﴾ ج لأن الظرف قد يتعلق باذكر محذوفاً أو أسوة ﴿ من دون الله ﴾ ط لأن ما بعد مستأنف في النظم وإن كان متصلاً في المعنى ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ لنا ربنا ﴾ ه للابتداء بأن مع أن التقدير فإنك ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ مودة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ تولوهم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ فامتحنوهنّ ﴾ ط ﴿ بإيمانهنّ ﴾ ط ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ لهنّ ﴾ ط ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ أجورهنّ ﴾ ط ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ حكم الله ﴾ ط ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ز ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ لهنّ الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ القبور ﴾ ه.

التفسير: يروى أن مولاة أبي عمرو ابن صيفي بن هاشم يقال لها سارة، أتت رسول الله  بالمدينة وهو متجهز لفتح مكة فعرضت حاجتها، فحث بني المطلب على الإحسان إليها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دناينر وكساها برداً واستحملها كتاباً إلى أهل مكة هذه نسخته " من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة.

اعلموا أن رسول الله  يريدكم فخذوا حذركم".

فخرجت سارة ونزل جبريل  بالخبر، فبعث رسول الله  علياً  وعماراً وعمرو فرساناً أخر وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فإن أبت فاضربوا عنقها.

فأدركوها فجحدته وحلفت فهموا بالرجوع فقال علي  : والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله  وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب أن تضعي رأسك فأخرجته من عقاص شعرها.

فقال رسول الله عليه وسلم لحاطب: ما حملك عليه؟

فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكني كنت غريباً في قريش وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً، وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً فصدّقه وقبل عذره فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق.

فقال: وما يدريك يا عمر لعل الله قد أطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم وأنزلت السورة.

و ﴿ تلقون ﴾ مستأنف أو حال من ضمير ﴿ لا تتخذوا ﴾ أو صفة لأولياء، ولا حاجة إلى الضمير البارز وهو أنتم وإن جرى على غير من هو له لأن ذاك في الأسماء دون الأفعال كما لو قلت مثلاً ملقين أنتم والإلقاء عبارة عن الإيصال التام.

والباء في ﴿ بالمودة ﴾ إما زائدة كما في قوله ﴿ ولا تلقوا بأيديكم  ﴾ أو للسببية ومفعول ﴿ تلقون ﴾ محذوف معناه تلقون إليهم أخبار الرسول  بسبب المودة.

و ﴿ أن تؤمنوا ﴾ تعليل لـ ﴿ يخرجون ﴾ أي يخرجونكم لإيمانكم.

و ﴿ إن كنتم خرجتم ﴾ تأكيد متعلق بـ ﴿ لا تتخذوا ﴾ وجوابه مثله.

وانتصب ﴿ جهاداً ﴾ و ﴿ ابتغاء ﴾ على العلة أي إن كنتم خرجتم من أوطانكم لأجل جهاد عدوّى ولابتغاء رضواني فلا تتولوا أعدائي.

وقوله ﴿ تسرون ﴾ مستأنف والمقصود أنه لا فائدة في الإسرار فإن علام الغيوب لا يخفى عليه شيء.

ثم خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أنهم إن يظفروا بهم أخلصوا العداوة ويقصدونهم بكل سوء باللسان والسنان.

قال علماء المعاني: إنما عطف قوله ﴿ وودّوا ﴾ وهو ماضٍ لفظاً على ما تقدمه وهو مضارع تنبيهاً على أن ودادهم كفرهم أسبق شيء عندهم لعلمهم أن الدين أعز على المؤمنين من الأرواح والأموال وأهم شيء عند العدوّ أن يقصد أعز شيء عند صاحبه.

ثم بين خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أن المودة إذا لم تكن في الله لم تنفع في القيامة لانفصال كل اتصال يومئذ كما قال ﴿ يوم يفر المرء من أخيه  ﴾ الآية.

ويجوز أن يكون الفصل بمعنى القضاء والحكم.

ثم ذكر أن وجوب البغض في الله وإن كان أخاه أو أباه أسوة في إبراهيم  والذين آمنوا معه حيث جاهروا قومهم بالعداوة وقشروا لهم العصا وصرحوا بأن سبب العدوة ليس إلا الكفر بالله، فإذا آمنوا انقلبت العداوة موالاة والمناوأة مصافاة والمقت محبة.

ثم استثنى ﴿ إلا قول إبراهيم ﴾ من قوله أسوة كأنه قال حق عليكم أن تأتسوا بأقواله إلا هذا القول الذي هو الاستغفار لقوله ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ أما قوله ﴿ وما أملك لك من الله من شيء ﴾ فليس بداخل في حكم الاستثناء لأنه قول حق، وإنما أورده إتماماً لقصة إبراهيم مع أبيه.

وقال في الكشاف: هو مبني على الاستغفار وتابع له كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار.

ثم أكد أمر المؤمنين بأن يقولوا ﴿ ربنا عليك توكلنا ﴾ الآية.

ويجوز أن يكون من تتمة قول إبراهيم ومن معه وفيه مزيد توجيه.

ثم أكد أمر الائتساء بقوله ﴿ لقد كان ﴾ فأدخل لام الابتداء وأبدل من قوله ﴿ لكم ﴾ قوله ﴿ لمن كان يرجو ﴾ وختم الآية بنوع من الوعيد.

ثم أطمع المؤمنين فيما تمنوا من عداوة أقاربهم بالمودة ﴿ والله قدير ﴾ على تقليب القلوبوتصريف الأحوال ﴿ والله غفور رحيم ﴾ لمن وادهم قبل النهي أو لمن أسلم من المشركين، فحين يسر الله فتح مكة أسلم كثير منهم ولم يبق بينهم إلا التحاب والتصافي.

ولما نزلت هذه الآيات تشدّد المؤمنون في عداوة أقاربهم وعشائرهم فنزل ﴿ لا ينهاكم الله ﴾ وقوله ﴿ أن تبروهم ﴾ بدل من ﴿ الذين لم يقاتلوكم ﴾ وكذا قوله ﴿ أن تولوهم ﴾ من ﴿ الذين قاتلوكم ﴾ والمعنى لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء.

ومعنى ﴿ تقسطوا إليهم ﴾ تعطوهم مما تملكون من طعام وغيره قسطاً.

وعدّي بـ " إلى " لتضمنه معنى الإحسان وقال في الكشاف: تقضوا إليهم بالقسط أي العدل ولا تظلموهم.

وقيل: أراد بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله  على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه.

وعن مجاهد: الذين آمنوا بمكة.

وقيل: هم النساء والصبيان.

وعن قتادة: نسختها آية القتال.

قال المفسرون: إن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة رد إليهم ومن أتى مكة منهم لم يرد إليكم وكتبوا بذلك كتاباً وختموه.

فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي  بالحديبية، فأقبل زوجها مسافراً المخزومي.

وقيل: صيفي بن الراهب فقال: يا محمد اردد إليّ امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طية الكتاب لم تجف فأنزل الله  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ الآية.

فكانت بياناً لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء.

وعن الضحاك: كان بين رسول الله  وبين المشركين عهد أن تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها.

وللنبي  من الشرط مثل ذلك فأتت امرأة فاستحلفها رسول الله  لقوله  ﴿ فامتحنوهن ﴾ فحلفت فأعطى زوجها ما أنفق وتزوّجها عمر.

وفائدة قوله ﴿ الله أعلم بأيمانهنّ ﴾ أنه لا سبيل لكم إلى ما تسكن إليه النفس من اليقين الكامل لأنكم تختبرونهن بالحلف والنظر في سائر الأمارات التي لا تفيد إلا الظن، وأما الإحاطة بحقيقة إيمانهن فإن ذلك مما تفرد به علام الغيوب ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات ﴾ العلم الذي يليق بحالكم وهو الظن الغالب ﴿ فلا ترجعون إلى ﴾ أزواجهن ﴿ الكفار ﴾ لأنه لا حلّ بين المؤمنة والمشرك وآتوا أزواجهن ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ مثل ما دفعوا إليهن من المهور.

ثم نفى عنهم الحرج في تزوّج هؤلاء المهاجرات إذا أعطوهن مهورهن.

قال العلماء: إما أن يريد بهذا الأجر ما كان يدفع إليهن ليدفعنه إلى أزواجهن فيشترط في إباحة تزوّجهن تقديم أدائه، وإما أن يراد بيان أن ذلك المدفوع لا يقوم مقام المهر وأنه لا بد من إصداق.

احتج أبو حنيفة بالآية على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلماً أو بذمة وبقي الآخر حربياً وقعت الفرقة بينهما ولا يرى العدة على المهاجرة ويصح نكاحها إلا أن تكون حاملاً ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ وهو ما يعتصم به من عقد وسبب قال ابن عباس: أراد من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعدّها من نسائه لأن اختلاف الدين قطع عصمتها وحل عقدتها.

وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر.

وقال مجاهد: هذا أمر بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن ﴿ واسئلوا ما أنفقتم ﴾ من مهور أزواجكم الملحقات بالكفار ﴿ وليسئلوا ما أنفقوا ﴾ من مهور نسائهم المهاجرات.

أمر المؤمنين بالإيتاء ثم أمر الكافرين بالسؤال وهذه غاية العدل ونهاية الإنصاف.

ثم أكد ما ذكر من الأحكام بأنها حكم الله.

قال جار الله: ﴿ يحكم بينكم ﴾ كلام مستأنف أو حال من حكم الله على حذف العائد أي يحكمه الله، أو جعل الحكم حاكماً على المبالغة.

يروى أن بعض المشركين أبوا أن يؤدّوا شيئاً من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين فأنزل الله  ﴿ وإن فاتكم ﴾ أي سبقكم وانفلت منكم ﴿ شيء من أزواجكم ﴾ أحد منهن قال أهل المعاني: فائدة إيقاع شيء في هذا التركيب التغليظ في الحكم والتشديد فيه أي لا ينبغي أن يترك شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر غير معوّض عنه.

ويجوز أن يراد وإن فاتكم شيء من مهور أزواجكم.

ومعنى ﴿ فعاقبتم ﴾ فجاءت عقبتكم من أداء المهر والعقبة النوبة شبه أداء كل طائفة من المسلمين والكافرين المهر إلى صاحبتها بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره ﴿ فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ﴾ إلى الكفار ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ أي مثل مهرها من مهر المهاجرة ولا تؤتوه زوجها الكافر.

وقال الزجاج: معنى ﴿ فعاقبتم ﴾ فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، فالذي ذهبت زوجته كان يعطي من الغنيمة المهر.

قال بعض المفسرين: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة: أم الحكم ينت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شدّاد الفهرى، وفاطمة بنت أبي أمية كانت تحت عمر بن الخطاب وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نصلة وزوجها عمرو بن عبد ودّ، وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص، وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر.

أعطاهم رسول الله  مهور نسائهم من الغنيمة.

وفي قوله ﴿ واتقوا الله ﴾ ندب إلى سيرة التقوى ورعاية العدل ولو مع الكفرة.

ثم نبّه نبيه  على شرائط المبالغة وهي المعاهدة على كل ما يقع عليه اتفاق كالإسلام والإمارة والإمامة، والمراد ههنا المعاقدة على الإسلام وإعطاء العهود به وبشرائطه وعدم قتل الأولاد ووأد البنات، وكانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك فكني عنه بالهتان المفترى بين يديها ورجليها لأن بطنها الذي تحمله فيه هو بين اليدين وفرجها الذي تلد به بين الرجلين.

وقيل: البهتان في الآية الكذب والتهمة والمشي بالسعاية مختلفة من تلقاء أنفسهنّ.

وقيل: قذف المحصنين.

قال ابن عباس: في قوله ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ إنما هو شرط شرطه الله  على النساء، والمعروف كل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات.

واختلف في كيفية مبايعته إياهنّ فقيل: دعا بقدح من ماء وغمس يده فيه ثم غمسن أيديهنّ.

وقيل: صافحهنّ وكان على يده ثوب.

وقيل: كان عمر يصافحهنّ ما مست يد رسول الله  يد امرأة يملكها إنما كان كلاماً.

وعن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله  في نسوة من الأنصار نبايعه على الإسلام فأخذ علينا يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنّ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصينك في معروف.

قال رسول الله  : فيما استطعن وأطقتن.

قلنا؛ الله وسوله أرحم بنا منا بأنفسنا هلمّ نصافحك يا رسول الله.

قال: إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة.

يروى أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود طمعاً في ثمارهم فنزلت ﴿ لا تتلوا قوماً ﴾ الآية.

وسبب يأسهم من الآخرة تكذيبهم بصحة نبوّة الرسول ثم عنادهم كما يئس الكفار من موتاهم أن يرجعوا أحياء.

وقيل: من أصحاب القبور بيان للكفار لأنهم أيسوا من خير الآخرة ومعرفة المعبود الحق فكأنهم أولى.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية.

الأصل في أنباء المتقدمين أنها عِبَرٌ لهذه الأمة، فما ذكر منها في المؤمنين منهم فهو تذكير للمؤمنين من هذه الأمة، وتعليم لهم معاملة الكفرة ومنابذتهم على مثل ما فعل المؤمنون منهم بكَفَرتهم من سائر الأمم.

وما ذكر منها في الكفرة من الأمم الماضية؛ فهو تخويف لكفرة هذه الأمة لئلا يصنعوا مثل صنيعهم فيستوجبوا من النقمة مثل ما استوجب أولئك.

وما كان منها في حق الرسل - عليهم السلام - فهو في حق التسلي لرسولنا وسيدنا محمد  عن بعض ما مسه.

وأصل آخر: أن الخطاب قد يلزم المخاطب مرة بما يخاطب في نفسه، ومرة بما يؤمر بالاقتداء بغيره إذا كان ذلك الغير لم يفعل ما فعله إلا عن أمر.

ثم إن الله -  - أمر المؤمنين من هذه الأمة الاقتداء بإبراهيم -  - ومن معه من المؤمنين، وأخبرهم عن معاملتهم إياهم وترك مولاتهم؛ فكأنه قال: اتركوا موالاة الكفرة والإسرار إليهم بالمودة ما داموا على كفرهم، كما فعله إبراهيم -  - والذين معه ﴿ ذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ ﴾ : فنابذوهم ولم يوالوهم، فافعلوا كفعلهم.

﴿ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ .

فكأنه قال: اقتدوا بهم إلا بما قال إبراهيم لأبيه: ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ ، يعني: لا تستغفروا للمشركين مثلما استغفر إبراهيم لأبيه المشرك؛ لأنكم لا تعلمون المعنى الذي استغفر إبراهيم -  - لأبيه.

ثم اختلفوا في المعنى الذي استغفر إبراهيم لأبيه: فقال أبو بكر: إنه كان - صلوات الله عليه - وعد أن يستغفر لأبيه، وأرى أن إيجاب الوعد لازم عليه؛ فاستغفر لهذا المعنى.

قال الحسن: إنه إنما اسغفر له لوقت توبته لا في حال الشرك؛ لأنه لا يتوهم أنه لم يعلم أنه لا يحل له أن يستغفر للمشر، ومن علم أنه يحل له لم يكن مسلماً ومؤمناً؛ فثبت [أنه] إنما استغفر لوقت إسلامه.

وعندنا: الاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة من الله -  - على وجهين: أحدهما: مغفرة رحمة وفضل وكرم.

والثاني: أن يوفقه للسبب الذي إذا جاء به غفر له؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً  ﴾ ، أي: السبب الذي إذا جئتم به غفر لكم، وإذا كان كذلك جاز أن يكون استغفار إبراهيم لأبيه على هذا الوجه أن يكون طلب من الله -  - التوفيق له بالسبب الذي إذا جاء به غفر له، وذلك مستقيم، ولكنه لم تبين أنه لا يوفقه لذلبك السبب تبرأ منه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .

أي: لا أملك أن أدفع عند عذاب الله من شيء، أو لا أملك أن أهديك دون أن يهديك الله؛ فكأنه قال: [لا أملك] سوى أن أدعو لك بالتوفيق للهداية لا أملك لك من عذاب الله من شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا ﴾ .

يجوز أن يكون هذا عند المنابذة وإظهار العداوة مع الكفرة، يعني: عليك معتمدنا في النصر على أعدائنا عند قلة عددنا وكثرة عددهم، وإليك مرجعنا ومفزعنا.

﴿ وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، إذا قبضنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

ذكر أهل التفسير أن تأويل هذه الآية يخرج على ثلاثة أوجه: أحدها: أي: لا تسلط علينا أعدائنا؛ فيظنوا أنهم على حق ونحن على باطل.

أو لا تنزل علينا العذاب دونهم؛ فيظنوا أنهم على حق ونحن على باطل.

أو لا توسع عليهم الدنيا وتضيق علينا؛ فيظنوا أنهم على حق ونحن على باطل.

ولو كان التأويل هو الثاني لكان يجء على هذا أن يكون الواجب على العدول من هذه الأمة أن يسألوا الله -  - العافية؛ لئلا يتوهم فساقهم أنهم على حق.

ولكن الجواب عن هذا أن الفساق من هذه الأمة قد علموا أن الذي هم فيه من الفسق محظور، وأما الكفرة فإن عندهم أن ما يدينون به من الكفر حق؛ فإذا سلطوا على المؤمنين توهموا أن الذي حسبوه حقّاً: حق، وأما الفسقة من هذه الأمة إذ علموا أن الفسق منهي عنه محظور، لا يقع لهم هذا الحسبان، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون المعنى من قوله: ﴿ لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً ﴾ ، يعني: عذاباً، أي: سبباً يعذب به الكفرة؛ كما قال: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ  ﴾ ، وكان تأويله أن آتنا السبب الذي نستوجب به ما وعدتنا على رسلك، فكذلك الأول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

يعني: المنتقم من أعدائه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ ﴾ .

يعني: لقد كانت لكم في إبراهيم والذين معه قدوة حسنة تحسنون بها إذا اقتديتم بهم وأطعتموهم.

وقوله: ﴿ لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: أي: لمن كان يرجو ثواب الله  .

والثاني: أن يؤمن بالبعث؛ وذلك أن الله -  - وصف أمر البعث في كتابه بصفات مختلفة: مرة أضافه إلى نفسه بقوله: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ  ﴾ ، وكان المعنى منه البعث.

ومرة وصفه بصفة أخرى.

وإن كان المراد: الثواب؛ ففيه إخبار أن الراجي في الحقيقة هو الطالب لما يرجوه بالأسباب التي يرجو الوصول بها إلى ما دعا ورجا، والخائف في الحقيقة هو الحذر عما حذر، والمنتهي عما نهى عنه وحظر.

فإن من اعتمد على مجرد الرجاء والخوف دون التمسك بسببهما، فهو متمن على الله  .

والدليل على تأييد ما نقول: قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ  ﴾ ألا تراه كيف حقق معنى الرجاء بالمجاهدة في سبيل الله والعمل بطاعته، والله أعلم.

وإن كن على البعث فكذلك أيضاً؛ لأنه أضرب عما نهي عنه، وطلب لما أمر به؛ فقد تبين أنه يوالي من تفضي موالاته إلى ثواب الله ورحمته، وأنه يعادي من تفضي موالاته إلى نقمة الله وعذابه، ومعلوم أنه لا يفعل ذلك إلا من يؤمن بالبعث؛ فإنما يوالي من رجا منهم منفعة الدنيا ويتولى عمن يضره في هذه الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ﴾ .

يعني: من يتول عن طاعة الله فيما أمره من معاداة من عادوا ربهم.

﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ .

يعني: عن طاعة الخلق؛ ليعلم أن ما أمرهم به لم يأمرهم لحاجة له في طاعتهم أو لمنفعة ترجع إليه؛ بل هو غني عن كل ذلك؛ وإنما أمرهم لحاجتهم إلى ذلك، ولما علم أن منافع طاعتهم ترجع إليهم خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَمِيدُ ﴾ له معنيان: معنى: الحامد، ومعنى: المحمود.

فإن كان المراد منه: المحمود، ففيه أن الله -  - يستحق الحمد من خلقه بما أنعم عليهم.

وإن كان المراد: الحامد، فمعناه: أن الله يحمد الخلق ويشكرهم، حتى يجزيهم بالكثير من الثواب عن القليل من الأعمال فيتفضل عليهم بأعمالهم، فهو حميد من هذين المعنيين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ربنا لا تُصَيِّرنا فتنة للذين كفروا بأن تسلطهم علينا فيقولوا: لو كانوا على حق لما سُلِّطنا عليهم، واغفر لنا ربنا ذنوبنا، إنك أنت العزيز الَّذي لا يُغْلب، الحكيم في خلقك وشرعك وقدرك.

من فوائد الآيات تسريب أخبار أهل الإسلام إلى الكفار كبيرة من الكبائر.

عداوة الكفار عداوة مُتَأصِّلة لا تؤثر فيها موالاتهم.

استغفار إبراهيم لأبيه لوعده له بذلك، فلما نهاه الله عن ذلك لموته على الكفر ترك الاستغفار له.

<div class="verse-tafsir" id="91.zYVM9"

مزيد من التفاسير لسورة الممتحنة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله