الآية ١ من سورة الجمعة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 62 الجمعة > الآية ١ من سورة الجمعة

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الجمعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة الجمعة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة الجمعة وهي مدنية .

عن ابن عباس ، وأبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين .

رواه مسلم في صحيحه .

يخبر تعالى أنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض ، أي : من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها ، كما قال : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) [ الإسراء : 44 ] ثم قال : ( الملك القدوس ) أي : هو مالك السماوات والأرض المتصرف فيهما بحكمه ، وهو ( القدوس ) أي : المنزه عن النقائص ، الموصوف بصفات الكمال ( العزيز الحكيم ) تقدم تفسيره غير مرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: يسبح لله كلّ ما في السموات السبع، وكل ما في الأرضين من خلقه، ويعظمه طوعًا وكرهًا، (الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ) الذي له ملك الدنيا والآخرة وسلطانهما، النافذ أمره في السموات والأرض وما فيهما، القدوس: وهو الطاهر من كلّ ما يضيف إليه المشركون به، ويصفونه به مما ليس من صفاته المبارك (الْعَزِيزِ ) يعني الشديد في انتقامه من أعدائه (الْحَكِيم ) في تدبيره خلقه، وتصريفه إياهم فيما هو أعلم به من مصالحهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة الجمعةمدنية في قول الجميع ، وهي إحدى عشرة آية .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة " .

وعنه قال : قال رسول الله : " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ، ونحن أول من يدخل الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا ، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق ، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له - قال - يوم الجمعة ، فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى " .بسم الله الرحمن الرحيميسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيمتقدم الكلام فيه .

وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم " الملك القدوس العزيز الحكيم " كلها رفعا ; أي هو الملك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: يسبح لله، وينقاد لأمره، ويتألهه، ويعبده، جميع ما في السماوات والأرض، لأنه الكامل الملك، الذي له ملك العالم العلوي والسفلي، فالجميع مماليكه، وتحت تدبيره، { الْقُدُّوسُ } المعظم، المنزه عن كل آفة ونقص، { الْعَزِيزُ } القاهر للأشياء كلها، { الْحَكِيمُ } في خلقه وأمره.فهذه الأوصاف العظيمة مما تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مدنية "يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يسبح لله» ينزهه فاللام زائدة «ما في السماوات وما في الأرض» في ذكر ما تغليب للأكثر «الملك القدوس» المنزه عما لا يليق به «العزيز الحكيم» في ملكه وصنعه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ينزِّه الله تعالى عن كل ما لا يليق به كلُّ ما في السموات وما في الأرض، وهو وحده المالك لكل شيء، المتصرف فيه بلا منازع، المنزَّه عن كل نقص، العزيز الذي لا يغالَب، الحكيم في تدبيره وصنعه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

افتتحت سورة " الجمعة " كغيرها من أخواتها " المسبحات " بالثناء على الله - تعالى - وببيان أن المخلوقات جميعها ، تسبح بحمده - تعالى - وتقدس له .والتسبيح : تنزيه الله - تعالى - عما لا يليق به ، اعتقادا وقولا وعملا مأخوذ من السبح وهو المر السريع فى الماء أو الهواء ، لأن المسبح لله ، - تعالى - مسرع فى تنزيهه - تعالى - وتبرئته من كل سوء .وقوله : ( القدوس ) من التقديس بمعنى والتطهير وغير ذلك من صفات الكمال .أى : أن التسبيح : نفى ما لا يليق بذاته - تعالى - ، والتقديس : إثبات ما يليق بجلاله - سبحانه - والمعنى : ينزه الله - تعالى - ويبعده عن كل نقص ، جميع ما فى السموات ، وجميع ما فى الأرض من مخلوقات ، فهو - سبحانه - ( الملك ) أى : المدبر لشئون هذا الكون ، المتصرف فيه تصرف المالك فيما يملكه .

.

.( القدوس ) أى : البليغ فى الطهارة وفى التنزه عن كل نقص ، من القُدْس - ضم القاف وسكون الدال - بمعنى الطهر ، وأصله القَدَس - بفتح القاف والدال - وهو الإناء الذى يكون فيه ما يتطهر به ، ومنه القادوس وهو إناء معروف .( العزيز ) الذى لا يغلبه غالب ( الحكيم ) فى كل أقواله وأفعاله وتصرفاته .هذا ، ومن الآيات الكثيرة الدالة على أن جميع من فى السموات ومن فى الأرض ، يسبحون لله - تعالى - قوله - عز وجل - : ( تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً .

.

).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أنه تعالى قال في أول تلك السورة: ﴿ سَبَّحَ للَّهِ  ﴾ بلفظ الماضي وذلك لا يدل على التسبيح في المستقبل، فقال في أول هذه السورة بلفظ المستقبل ليدل على التسبيح في زماني الحاضر والمستقبل، وأما تعلق الأول بالآخر، فلأنه تعالى ذكر في آخر تلك السورة أنه كان يؤيد أهل الإيمان حتى صاروا عالين على الكفار، وذلك على وفق الحكمة لا للحاجة إليه إذ هو غني على الإطلاق، ومنزه عما يخطر ببال الجهلة في الآفاق، وفي أول هذه السورة ما يدل على كونه مقدساً ومنزهاً عما لا يليق بحضرته العالية بالاتفاق، ثم إذا كان خلق السموات والأرض بأجمعهم في تسبيح حضرة الله تعال فله الملك، كما قال تعالى: ﴿ يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض لَهُ الملك  ﴾ ولا ملك أعظم من هذا، وهو أنه خالقهم ومالكهم وكلهم في قبضة قدرته وتحت تصرفه، يسبحون له آناء الليل وأطراف النهار بل في سائر الأزمان، كما مر في أول تلك السورة، ولما كان الملك كله له فهو الملك على الإطلاق، ولما كان الكل بخلقه فهو المالك، والمالك والملك أشرف من المملوك، فيكون متصفاً بصفات يحصل منها الشرف، فلا مجال لما ينافيه من الصفات فيكون قدوساً، فلفظ ﴿ الملك ﴾ إشارة إلى إثبات ما يكون من الصفات العالية، ولفظ ﴿ القدوس ﴾ هو إشارة إلى نفي مالا يكون منها، وعن الغزالي ﴿ القدوس ﴾ المنزه عما يخطر ببال أوليائه، وقد مر تفسيره وكذلك ﴿ العزيز الحكيم ﴾ ثم الصفات المذكورة قرئت بالرفع على المدح، أي هو الملك القدوس، ولو قرئت بالنصب لكان وجهاً، كقول العرب: الحمد لله أهل الحمد، كذا ذكره في الكشاف، ثم في الآية مباحث: الأول: قال تعالى: ﴿ يُسَبّحُ لِلَّهِ ﴾ ولم يقل: يسبح الله، فما الفائدة؟

نقول: هذا من جملة ما يجري فيه اللفظان: كشكره وشكر له، ونصحه ونصح له.

الثاني: ﴿ القدوس ﴾ من الصفات السلبية، وقيل: معناه المبارك.

الثالث: لفظ ﴿ الحكيم ﴾ يطلق على الغير أيضاً، كما قيل في لقمان: إنه حكيم، نقول: الحكيم عند أهل التحقيق هو الذي يضع الأشياء (في) مواضعها، والله تعالى حكيم بهذا المعنى.

ثم إنه تعالى بعدما فرغ من التوحيد والتنزيه شرع في النبوة فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئت صفات الله عزّ وعلا بالرفع على المدح، كأنه قيل: هو الملك القدوس، ولو قرئت منصوبة لكان وجها، كقول العرب: الحمد لله أهل الحمد.

الأمي: منسوب إلى أمّة العرب، لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون من بين الأمم.

وقيل: بدأت الكتابة بالطائف، أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار.

ومعنى ﴿ بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مّنْهُمْ ﴾ بعث رجلاً أمياً في قوم أميين، كما جاء في حديث شعياء: أني أبعث أعمى في عميان، وأميّاً في أميين وقيل ﴿ منهم ﴾ ، كقوله تعالى: ﴿ مّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ [التوبة: 128] يعلمون نسبه وأحواله.

وقرئ: ﴿ في الأمين ﴾ ، بحذف ياءي النسب ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياته ﴾ يقرؤها عليهم مع كونه أميّاً مثلهم لم تعهد منه قراءة ولم يعرف بتعلم، وقراءة أمي بغير تعلم أية بينة ﴿ وَيُزَكّيهِمْ ﴾ ويطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية ﴿ وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة ﴾ القرآن والسنة.

وإن في ﴿ وَإِن كَانُواْ ﴾ هي المخففة من الثقيلة واللام دليل عليها، أي: كانوا في ضلال لا ترى ضلالاً أعظم منه ﴿ وَءاخَرِينَ ﴾ مجرور عطف على الأميين، يعني: أنه بعثه في الأميين الذين على عهده، وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون بهم، وهم الذين بعد الصحابة رضي الله عنهم.

وقيل: [1172] لما نزلت قيل: من هم يا رسول الله، فوضع يده على سلمان ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء» وقيل: هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة، ويجوز أن ينتصب عطفاً على المنصوب في ﴿ وَيُعَلّمُهُمُ ﴾ أي: يعلمهم ويعلم آخرين؛ لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستنداً إلى أوّله، فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه ﴿ وَهُوَ العزيز الحكيم ﴾ في تمكينه رجلاً أميّاً من ذلك الأمر العظيم، وتأييده عليه، واختياره إياه من بين كافة البشر ﴿ ذَلِكَ ﴾ الفضل الذي أعطاه محمداً وهو أن يكون نبي أبناء عصره، ونبي أبناء العصور الغوابر.

هو ﴿ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء ﴾ إعطاءه وتقتضيه حكمته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الجُمُعَةِ مَدَنِيَّةٌ وآيُها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ وقَدْ قُرِئَ الصِّفاتُ الأرْبَعُ بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ.

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ ﴾ أيْ في العَرَبِ لِأنَّ أكْثَرَهم لا يَكْتُبُونَ ولا يَقْرَءُونَ.

﴿ رَسُولا مِنهُمْ ﴾ مِن جُمْلَتِهِمْ أُمِّيًّا مِثْلَهم.

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ﴾ مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا مِثْلَهم لَمْ يُعْهَدْ مِنهُ قِراءَةٌ ولا تَعَلُّمٌ.

﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ مِن خَبائِثِ العَقائِدِ والأعْمالِ.

﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ﴾ القُرْآنَ والشَّرِيعَةَ، أوْ مَعالِمَ الدِّينِ مِنَ المَنقُولِ والمَعْقُولِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِواهُ مُعْجِزَةً لَكَفاهُ.

﴿ وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ مِنَ الشِّرْكِ وخُبْثِ الجاهِلِيَّةِ، وهو بَيانٌ لِشِدَّةِ احْتِياجِهِمْ إلى نَبِيٍّ يُرْشِدُهُمْ، وإزاحَةٌ لِما يُتَوَهَّمُ أنَّ الرَّسُولَ تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِن مُعَلِّمٍ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ واللّامُ تَدُلُّ عَلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)

{هُوَ الذى بَعَثَ} أرسل {فِى الأميين رَسُولاً مّنْهُمْ} أي بعث رجلاً أمياً في قوم أميين وقيل منهم كقوله من انفسكم يعلمون نسبه وأحواله والأمي منسوب إلى أمة العرب لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون من بين الأمم وقيل بدئت الكتابة بالطائف وهم أخذوها من اهل ال حيرة وأهل الحيرة من اهل الأنبار {يتلو عليهم آياته} القرآن {وَيُزَكّيهِمْ} ويطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية {وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب} القرآن

{والحكمة} السنة أو الفقه في

الدين {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ} من قبل محمد صلى الله عليه وسلم {لفي ضلال مبين} كفر وجهالة وإن مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها أي كانوا في ضلال لا ترى ضلالاً أعظم منه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ الجُمُعَةِ مَدَنِيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، وقالَ ابْنُ يَسارٍ: هي مَكِّيَّةٌ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ لِما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ أُنْزِلَتْ سُورَةُ الجُمُعَةِ» الحَدِيثَ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وإسْلامُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِمُدَّةٍ بِالِاتِّفاقِ، ولِأنَّ أمْرَ الِانْفِضاضِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ آخِرُ السُّورَةِ وكَذا أمْرَ اليَهُودِ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ  ﴾ إلَخْ - لَمْ يَكُنْ إلّا بِالمَدِينَةِ - وآيُها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِلا خِلافٍ، ووَجْهُ اتِّصالِها بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلُ حالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ وأذاهم لَهُ ناعِيًا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ حالَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفَضْلَ أُمَّتِهِ تَشْرِيفًا لَهم لِيُنْظَرَ فَضْلُ ما بَيْنَ الأُمَّتَيْنِ، ولِذا تَعَرَّضَ فِيها لِذِكْرِ اليَهُودِ، وأيْضًا لَمّا حُكِيَ هُناكَ قَوْلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ  ﴾ قالَ سُبْحانَهُ هُنا: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ  ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسى، وأيْضًا لَمّا خَتَمَ تِلْكَ السُّورَةَ بِالأمْرِ بِالجِهادِ وسَمّاهُ ﴿ تِجارَةٍ  ﴾ خَتَمَ هَذِهِ بِالأمْرِ بِالجُمُعَةِ وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ مِنَ التِّجارَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

وأيْضًا في كِلْتا السُّورَتَيْنِ إشارَةٌ إلى اصْطِفافٍ في عِبادَةٍ، أمّا في الأُولى فَظاهِرٌ، وأمّا في هَذِهِ فَلِأنَّ فِيها الأمْرَ بِالجُمُعَةِ، وهي يُشْتَرَطُ فِيها الجَماعَةُ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ الِاصْطِفافَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- كَما أخْرَجَ مُسْلِمٌ - وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ بِسُورَتِها - و ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ  ﴾ .

وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أنَّهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ  ﴾ و ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ  ﴾ وكانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ العِشاءِ الأخِيرَةِ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ سُورَةَ الجُمُعَةِ.

والمُنافِقُونَ -» وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى مَزِيدِ شَرَفِ هَذِهِ السُّورَةِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ تَسْبِيحًا مُتَجَدِّدًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ صِفاتٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها، وقَرَأ أبُو وائِلٍ، ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ، ورُؤْبَةُ، وأبُو الدِّينارِ، والأعْرابِيُّ بِرَفْعِها عَلى المَدْحِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ الفَصْلُ الَّذِي فِيهِ نَوْعُ طُولٍ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ يَعْقُوبَ، وقَرَأ أبُو الدِّينارِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «القَدُّوسِ» بِفَتْحِ القافِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إحدى عشرة آية مدنية قوله تعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وقد ذكرناه.

الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ يعني: الملك الذي يملك كل شيء، ولا يزال ملكه القدوس يعني: الطاهر عن الشريك والولد.

قرئ في الشاذ: الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ بالضم ومعناه هو الملك القدوس وقرأه العامة بالكسر، فيكون نعتاً لله تعالى: الْعَزِيزِ في ملكه، الْحَكِيمِ في أمره.

ثم قال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ يعني: في العرب.

والأميون الذين لا يكتبون، وهو ما خلقت عليه الأمة قبل تعلم الكتابة.

رَسُولًا مِنْهُمْ يعني: من قومهم العرب.

يَتْلُوا عَلَيْهِمْ يعني: يقرأ عليهم آياتِهِ يعني: القرآن، وَيُزَكِّيهِمْ يعني: يدعوهم إلى التوحيد، ويطهرهم به من عبادة الأوثان ويقال: يُزَكِّيهِمْ يعني: يصلحهم، ويقال: يأمرهم بالزكاة.

وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يعني: القرآن وَالْحِكْمَةَ يعني: الحلال والحرام.

وَإِنْ كانُوا يعني: وقد كانوا مِنْ قَبْلُ أن يبعث إليهم محمدا  ، لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: لفي خطأ بيِّن يعني: الشرك.

وَآخَرِينَ مِنْهُمْ يعني: التابعين من هذه الأمة ممن بقي، لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ يعني: لم يكونوا بعد فسيكونون.

وروى جويبر، عن الضحاك في قوله: آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قال: يعني: من أسلم من الناس، وعمل صالحاً إلى يوم القيامة من عربي وعجمي.

ثم قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يعني: العزيز في ملكه، الحكيم في أمره.

قوله تعالى: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ يعني: الإسلام فضل الله يؤتيه مَنْ يَشاءُ يعني: يعطيه من يشاء، ويكرم به من يشاء من كان أهلاً لذلك.

وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعني: ذو المنّ العظيم لمن اختصه بالإسلام.

ثم قال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ يعني: صفة الذين علموا التوراة، وأمروا بأن يعملوا بما فيها.

ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، أي: لم يعملوا بما أمروا فيها من الأمر والنهي وبيان صفة محمد  .

ويقال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ وأمروا بأن يحملوا تفسيرها، ثم لم يحملوها يعني: لم يعلموا تفسيرها، فمثلهم كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً يعني: يحمل كتباً ولا يدري ما فيها، كما لا يدري اليهود ما حملوا من التوراة.

ثم قال: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني: بئس مثل القوم ضربنا لهم الأمثال، ويقال: بئس صفة القوم الذين كَذَّبُواْ بآيات الله، يعني: جحدوا بالقرآن وبمحمد  .

وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: إلى طريق الجنة اليهود الذين لا يرغبون في الحق.

وقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا يعني: مالوا عن الإسلام والحق إلى اليهودية.

إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ يعني: إن ادعيتم وقلتم إنكم أَوْلِياءُ لِلَّهِ يعني: أحباباً لِلَّهِ.

مِنْ دُونِ النَّاسِ يعني: من دون المؤمنين، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ يعني: سلوا الموت، فقولوا: اللهم أمتنا.

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأنكم أولياء الله من دون المؤمنين.

وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً يعني: لا يسألون أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني: بما عملت وأسلفت أيديهم.

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ يعني: عليماً بحالهم بأنهم لا يتمنون الموت.

قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ أي: تكرهون الموت، يعني: نازل بكم لا محالة.

ثُمَّ تُرَدُّونَ يعني: ترجعون في الآخرة.

إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، وقد ذكرناه فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: يخبركم ويجازيكم بما كنتم تعملون في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تنطقُ بنبوتهِ، فكان كلُّ حَبْرٍ لم ينتَفِعْ بما حُمِّلَ كَمَثَلِ حِمَارٍ عليه أسفارٌ، وفي مصحف ابن مسعود «١» «كَمَثَلِ حِمَارٍ» بِغَيْرِ تعريفٍ، والسِّفْرُ الكتَابُ المجتمعُ الأوراقِ منضدة.

وقوله: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ التقدير: بِئْسَ المثلُ مثلُ القومِ الذين كذبوا بآياتِ اللَّه، - ص-: وَرُدَّ بأَنَّ فيه حذف الفاعلِ ولا يجوزُ، والظاهرُ أنَّ مَثَلُ الْقَوْمِ فاعل بِئْسَ، والَّذِينَ كَذَّبُوا هو المخصوصُ بالذَّمِّ على حذف مضافٍ أي: مثل الذين كذّبوا، انتهى.

وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ ...

الآية، رُوِيَ أنها نزلتْ بسبب أنَّ يهودَ المدينةِ لَمَّا ظَهَرَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، خَاطَبُوا يهودَ خيبرَ في أمره، وذكرُوا لهم نبوَّتَه، وقالوا إن رأيتم اتَّبَاعَهُ أطَعْنَاكُمْ وإنْ رأيتم خِلاَفَه خَالَفْنَاه معكم، فجاءهَم جوابُ أهْلِ خيبرَ يقولونَ: نحن أبناءُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن وأبناءُ عزيرِ بنُ اللَّهِ ومنا الأنبياءُ، ومتى كَانَتْ النبوةُ في العرب؟، نحن أحقُّ بالنبوةِ من محمدِ، ولا سبيلَ إلى اتباعهِ، فنزلتِ الآيةَ بمعنى:

أنكم إذا كنتم منَ اللَّهِ بهذه المنزلةِ فَقُرْبُهُ وفراقُ هذه الحياةِ الخسيسةِ أحبُّ إليكم، فَتَمَنَّوْا الموتَ إن كنتم تَعْتَقِدُون في أنفسِكم هذه المنزلة، ثم أخبر تعالى أنهم لا يتمنونه أبداً لعلمِهم بسوءِ حالِهم، ورَوَى كثيرٌ من المفسرينَ أن اللَّه- جَلَّتْ قُدْرَتُه- جَعَلَ هذه الآيةَ معجزةً لمحمدٍ نبيِّه صلّى الله عليه وسلّم فِيهم، فَهِيَ آيةٌ باهرةٌ وأعلَمَه أنه إن تمنى أحدٌ منهمُ الموتَ في أيام معدوداتٍ مات وفارق الدنيا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تَمَنّوُا الموتَ، على جهةِ التعجيزِ وإظهار الآيةِ، فما تَمَنَّاهُ أحد منهم خَوْفاً/ من الموتِ وثقة بصدق نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ الآية، النداء: الأذانُ، وكان على الجِدَارِ في مسجدِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي «مصنف أبي داودَ» : كَانَ بَيْنَ يَدَي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم

وهو عَلى المنبر أذَانُ، ثم زادَ عثمانُ النداءَ عَلَى الزوراء ليسمعَ الناسُ.

ت: وفي البخاريّ والترمذيِّ وصححه عن السائبِ بن يزيد قَالَ: كَانَ النداءُ يومَ الجمعةِ أوَّلُه إذا جَلَسَ الإمام على المنبر على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكرٍ وعمرَ، فلما تَوَلَّى عثمانُ وكثرَ الناسُ، زَادَ الأذَانَ الثالثَ فأَذَّنَ به على الزَّورَاءِ «١» ، فَثَبَتَ الأَمْرُ على ذلك «٢» ، قِيل: فقوله «الثالثَ» يَقْتَضِي أنَّهمُ كَانُوا ثلاثةً، وفي طريقٍ آخرَ «الثاني» بدَلَ «الثالث» وهو يَقْتَضِي أَنَّهُمَا اثنانِ، انتهى، وخرَّجَ مسلم عن أبي هريرةَ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من اغتسل، ثمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فصلى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثم أَنْصَتَ لِلإمَامِ حتى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأخرى، وَفَضَلُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ» «٣» انتهى، وخرَّجَهُ البخاريُّ من طريقِ سُلَيْمَان.

وقوله: مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قال ابن هشام: «من» مرادفةِ «في» ، انتهى.

وقوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ...

الآية، السعِيُ في الآيةِ لاَ يُرَادُ به الإسْرَاعُ في المشي، وإنما هو بمعنى قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى [النجم: ٣٩] فالسَّعْيُ هو بالنِّيةِ والإرَادَةِ والعَمَلِ مِنْ وُضُوءٍ، وغُسْلٍ، وَمَشْيٍ، ولُبْسِ ثوبٍ كُلُّ ذلكَ سَعْيٌ، وَقَدْ قَالَ مالكٌ وغيره: إنما تُؤْتَى الصلاةُ بالسَّكِينَةِ، ت: وهو نصُّ الحديثِ الصحيحِ، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة: / «فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا [و] عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ» ، ت:

والظاهرُ أنَّ المرادَ بالسعيِ هُنا المُضِيُّ إلى الجمعةِ، كما فسَّره الثعلبيُّ، ويدلُّ على ذلكَ إطلاقُ العلماءِ لفظَ الوجوبِ عَلَيْهِ، فيقولونَ السَّعْيُ إلَى الجمعةِ واجبٌ، ويدلُّ عَلَى ذلك قراءةُ عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابن عمر وابنِ عباس وابن الزبير وجماعة من التابعين «٤» :

«فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ» وقال ابن مسعود: لَوْ قَرَأْتُ: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ لأَسْرَعْتُ حَتَّى يَقَع رِدَائي، وقال العِرَاقِيُّ: فَاسْعَوْا معناه بَادِروا، انتهى، وقوله: إِلى ذِكْرِ اللَّهِ هو وعظُ الخطبةِ قاله ابن المسيب، ويؤيدُه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «إذَا كَانَ يومُ الجمعةِ، كَانَ على كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ ملائكة يكتبون الأوّل فالأوّل، فإذا جلس [الإما] م طَوُوُا الصُّحُفَ، وجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» الحديثُ خَرَّجَهُ البخاريُّ ومسلم، واللفظُ لمسلمٍ، والخُطْبَةُ عِنْدَ الجمهورِ شَرْطٌ في انعقادِ الجمعةِ» «١» ، وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إنَّ اللَّهَ- عزَّ وجلَّ- يَبْعَثُ الأيَّامَ يومَ القيامةِ على هَيْئَتِهَا، وَيْبَعَثُ الجُمُعَةَ زَهْرَاءَ مُنِيرَةً، أَهْلُهَا مُحِفُّونَ بِهَا كالْعَرُوسِ تهدى إلَى كرِيمَها، تُضِيءُ لهم يَمْشُونَ في ضَوْئِهَا أَلْوَانُهُمْ كالثَّلْجِ بَيَاضاً، وَرِيحُهُمْ يَسْطَعُ كَالْمِسْكِ، يَخُوضُونَ في جِبَالِ الكَافُورِ، يَنْظُرُ إلَيْهِمُ الثَّقَلاَنِ، مَا يَطْرِفُونَ تَعَجُّباً، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لاَ يُخَالِطُهُمْ إلاَّ المُؤَذِّنُونَ المُحْتَسِبُونَ» خَرَّجَهُ القاضِي الشريفُ أبو الحسنِ علي بن عبد اللَّهِ بن إبراهيمَ الهاشميّ، قال صاحبُ «التذكرة» «٢» : وإسنادهُ صحيح، انتهى.

وقوله سبحانه: ذلِكُمْ إشارةٌ إلى السعي وتَرْكِ/ البَيْعِ.

وقوله: فَانْتَشِرُوا أجمعَ الناسُ على أنَّ مُقْتَضَى هذا الأمْرِ الإباحةُ، وكذلك قوله:

«وابتَغُوا من فضل اللَّه» أنَّه الإبَاحَة في طلب المعاش، مثلَ قوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: ٢] إلا ما روي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ذلكَ الفضْلُ المُبْتَغى هو عيادةُ مريضٍ، أو صِلَةُ صديقٍ، أو اتِّباعُ جنازةٍ» ، قال ع «٣» : وفي هذا ينبغي أنْ يكونَ المرءُ بقيةَ يومِ الجمعةِ، ونحوه عن جعفر بن محمد، وقال مكحول: الفضلُ المبْتَغَى: العلمُ فينبغي أن يطلب إثر الجمعة.

وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً ...

الآية، قال معاذ بن جبل: مَا شَيْءٌ أنجى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ «١» : رواه الترمذيُّ واللفظُ له، وابنُ ماجه، والحاكمُ في «المستدرك» وقال صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح» .

وقوله سبحانه: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً ...

الآية، نزلت بسبب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانَ قائِماً على المنبرِ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فأقبلت عِيرٌ مِنَ الشَامِ تحملُ مِيرةً، وصاحبُ أمْرِهَا دِحْيَةُ بن خليفةَ الكلبي، قال مجاهد: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أن تَدْخُلَ عِيرُ المدينةِ بالطَّبْلِ والمعازفِ، والصياحِ سروراً بها، فدخلتْ العيرُ بمثلِ ذلكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المسجدِ إلى رؤيةِ ذلك وسماعه وتركوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائماً عَلَى المنبرِ، ولم يَبْقَ معه غَيْر اثنَيْ عَشَرَ رَجُلاً «٢» ، قال جابر بن عبد اللَّه: أنا أحَدُهُم، قال ع «٣» : ولم تَمُرَّ بِي تَسْمِيتُهم في ديوانٍ فيما أذْكُرُ الآنَ، إلا أنِّي سمعتُ أبي- رحمه اللَّه- يقولُ: همُ العشرةُ المشهودُ لهم بالجنةِ، واخْتُلِفَ في الحادِيَ عَشَرَ، فقيل: عمارُ بن ياسر، وقيل: ابن مسعودٍ، ت: وفي تقييد أبي الحسنِ الصغير: والاثْنَا عَشَر الباقون «٤» همُ الصحابةُ العَشَرَةُ، والحادِيَ عَشَرَ: بلالٌ، واخْتُلِفَ في الثاني عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل:

ابن مسعود، انتهى، قال السهيلي: وجَاءَتْ تسميةُ الاثْنَي عَشَرَ في حديثِ مُرْسَلٍ رواه أسد بن عمرو والدُ موسى بن أسد، وفيه: أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لَمْ يَبْقَ معه إلا أبو بكرٍ وعُمَرُ وعثمانُ حتى العشرةِ، وقَال: وبلالٌ وابن مسعود، وفي روايةٍ: عمارُ بَدلَ ابنِ مسعودٍ، وفي «مَرَاسِيلِ أبي داودَ» ذكر السببَ الذي من أجله تَرَخَّصُوا، فقال: إن الخطبةَ يوم الجمعةِ كَانَتْ بعدَ الصلاةِ فَتَأَوَّلُوا- رضي اللَّه عنهم- أنهم قَدْ قَضَوْا مَا عَلَيْهِمْ، فَحوِّلَتْ الخطبةُ بعد

ذلك قبلَ الصلاةِ، فهذا الحديثُ وإن كانَ مرسلا فالظن الجميل بأصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم يُوجِبُ أنْ يكونَ صحيحاً، واللَّه أعلم انتهى، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَال: «لَوْلاَ هؤلاءِ لَقَدْ كَانَتِ الحِجَارَةُ سُوِّمَتْ على المُنَفضِّينَ من السماءِ» ، وفي حديثٍ آخر: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ تَتَابَعْتُمْ حتى لاَ يبقى أَحَدٌ لسَالَ بِكُمُ الوَادِي نَاراً «١» ، قَالَ البخاريُّ: انْفَضُّوا معناه تَفَرَّقُوا، انتهى، وقرأ ابن مسعود «٢» : «وَمِنَ التِّجَارَةِ لِلَّذِينَ اتقوا وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» وإنما أعاد الضميرَ في قوله: إِلَيْها على التجارةِ وَحْدَهَا لأنَّهَا أهَمُّ، وهي كَانَتْ سَبَبَ اللَّهوِ، - ص-: وقرىء «٣» «إلَيْهِمَا» بالتثنيةِ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الجُمُعَةِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ فاتِحَتِها.

وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والنَّخَعِيُّ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ ( المَلِكُ القُدُّوسُ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) بِالرَّفْعِ فِيهِنَّ.

فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في إعادَتِهِ ذِكْرَ التَّسْبِيحِ في هَذِهِ السُّورَةِ؟

فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ لِاسْتِفْتاحِ السُّورِ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَما تُسْتَفْتَحُ بِـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وإذا جَلَّ المَعْنى في تَعْظِيمِ اللَّهِ، حَسُنَ الِاسْتِفْتاحُ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ ﴾ يَعْنِي: العَرَبَ، وكانُوا لا يَكْتُبُونَ وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في [البَقَرَةِ: ٧٨] ﴿ رَسُولا ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا  ﴿ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن جِنْسِهِمْ ونَسَبِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: فَما وجْهُ الِامْتِنانِ في أنَّهُ بَعَثَ نَبِيًّا أُمِّيًّا؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: لِمُوافِقَةِ ما تَقَدَّمَتِ البِشارَةُ [بِهِ في كُتُبِ] الأنْبِياءِ.

والثّانِي: لِمُشاكَلَةِ حالِهِ لِأحْوالِهِمْ، فَيَكُونُ أقْرَبَ لِمُوافَقَتِهِمْ.

والثّالِثُ: لِئَلّا يُظَنَّ بِهِ أنَّهُ يَعْلَمُ كُتُبَ مَن قَبْلَهُ.

وما بَعْدَ هَذا في سُورَةِ [البَقَرَةِ: ١٢٩] .

إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ ﴾ أيْ: وما كانُوا قَبْلَ بِعْثَتِهِ إلّا في ﴿ ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ بَيِّنٍ، وهو الشِّرْكُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآخَرِينَ مِنهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وبَعَثَ مُحَمَّدًا في آخَرِينَ مِنهُمْ، أيْ: مِنَ الأُمِّيِّينَ.

والثّانِي: ويَعْلَمُ آخَرِينَ مِنهُمْ، ويُزَكِّيهِمْ.

وفي المُرادِ بِالآخَرِينَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ العَجَمُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وهي رِوايَةُ لَيْثٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

فَعَلى هَذا إنَّما قالَ: " مِنهم "، لِأنَّهم إذا أسْلَمُوا صارُوا مِنهُمْ، إذِ المُسْلِمُونَ يَدٌ واحِدَةٌ، ومِلَّةٌ واحِدَةٌ.

والثّانِي: أنَّهُمُ التّابِعُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: جَمِيعُ مَن دَخَلَ في الإسْلامِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وهي رِوايَةُ ابْنِ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الأطْفالُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾ أيْ: لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي: الإسْلامَ والهُدى ﴿ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ  .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الجُمْعَةَ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ وذَكَرَ النَقّاشُ قَوْلًا إنَّها مَكِّيَّةٌ، وذَلِكَ خَطَأٌ مِمَّنْ قالَهُ؛ لِأنَّ أمْرَ اليَهُودِ لَمْ يَكُنْ إلّا بِالمَدِينَةِ، وكَذَلِكَ أمْرُ الجُمْعَةِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ بِمَكَّةَ، أعْنِي إقامَتَها وصِلاتَها، وأمّا أمْرُ الِانْفِضاضِ فَلا مِرْيَةَ في كَوْنِهِ بِالمَدِينَةِ، وذَكَرَ النَقّاشُ عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ إنَّما أسْلَمَ أيّامَ خَيْبَرَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ ألْفاظِ الآيَةِ الأُولى بَأجْمَعِهِا، واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في إعْرابِ الصِفاتِ في آخِرِها، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المَلِكِ" بِالخَفْضِ نَعْتًا لِلَّهِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وقَرَأ أبُو وائِلٍ شَقِيقُ، ومُسْلِمَةُ وأبُو الدِينارِ: "المَلِكُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وفَتَحَ أبُو الدِينارِ القافَ مِنَ القُدُّوسِ".

و"الأُمِّيِّونُ" يُرادُ بِهِمُ العَرَبُ، والأُمِّيُّ في اللُغَةِ: الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، مَنسُوبٌ إلى "أُمِّ القُرى" وهى مَكَّة، وهَذا ضَعِيفلإٌ؛ لِأنَّ الوَصْفَ بِالأُمِّيِّينَ -عَلى هَذا- يَقِفُ عَلى قُرَيْشٍ.

وإنَّما المُرادُ جَمِيعُ العَرَبِ، وفِيهِمْ قالَ النَبِيُّ  : « "إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَحْسِبُ ولا نَكْتُبُ، الشَهْرُ هَكَذا وهَكَذا"،» وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ فِيما أولاهُمْ، و"الآياتُ المَتْلُوَّةُ": القُرْآنُ و"يُزَكِّيهِمْ" مَعْناهُ: يُطَهِّرُهم مِنَ الشِرْكِ، ويُمَنِّي الخَيْرَ فِيهِمْ، و"الكِتابُ": الوَحْيُ المَتْلُوُّ، و"الحِكْمَةُ": السُنَّةُ الَّتِي هي عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

ثُمَّ أظْهَرَ تَعالى تَأْكِيدَ النِعْمَةِ بِذِكْرِ حالِهِمُ الَّتِي كانَتْ في الضِدِّ مِنَ الهِدايَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ، و"آخَرِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "الأُمِّيِّينَ"، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المَعْنَيَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرِينَ" فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: أرادَ فارِسَ، وقَدْ «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ  : مَنِ الآخَرُونَ؟

فَأخَذَ بِيَدِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقالَ: "لَوْ كانَ الدِينُ في الثُرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ".» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: أرادَ الرُومَ والعَجَمَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "مِنهُمْ" -عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ- إنَّما يُرِيدُ بِهِ في البَشَرِيَّةِ والإيمانِ، كَأنَّهُ قالَ: وفي آخَرِينَ مِنَ الناسِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، وعِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ: أرادَ التابِعِينَ مِن أبْناءِ العَرَبِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "مِنهُمْ" يُرِيدُ بِهِ النَسَبَ والإيمانَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ والضَحّاكُ وابْنُ حِبّانَ: أرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرِينَ" جَمِيعُ طَوائِفِ الناسِ ويَكُونُ "مِنهُمْ" في البَشَرِيَّةِ والإيمانِ عَلى ما قُلْناهُ، وذَلِكَ أنّا نَجِدُ بَعَثَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إلى جَمِيعِ الخَلائِقِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأهْلِ اليَمَنِ: أنْتُمْ هم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمّا يَلْحَقُوا ﴾ نَفْيٌ لِما قَرُبَ مِنَ الحالِ، والمَعْنى أنَّهم مُزْمِعُونَ أنْ يُلْحِقُوا بِهِمْ، "لَمْ" زِيدَتْ عَلَيْها "ما" تَأْكِيدًا، قالَ سِيبَوَيْهِ: "لَمّا" نَفْيُ قَوْلِكَ: "قَدْ فَعَلَ"، و"لَمْ" نَفْيُ قَوْلِكَ: "فَعَلَ" دُونَ "قَدْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ ﴾ الآيَةُ...

تَبْيِينٌ لِمَوْقِعِ النِعْمَةِ وتَخْصِيصُهُ إيّاهم بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح السورة بالإِخبار عن تسبيح أهل السماوات والأرض لله تعالى براعة استهلال لأن الغرض الأول من السورة التحريض على شهود الجمعة والنهي عن الأشغال التي تشغل عن شهودها وزجر فريق من المسلمين انصرفوا عن صلاة الجمعة حِرصاً على الابتياع من عِيرٍ وردت المدينة في وقت حضورهم لصلاة الجمعة.

وللتنبيه على أن أهل السماوات والأرض يجددون تسبيح الله ولا يفترون عنه أوثر المضارع في قوله: ﴿ يسبح ﴾ .

ومعاني هذه الآية تقدمت مفرقة في أوائل سورة الحديد وسورة الحشر.

سوى أن هذه السورة جاء فيها فعل التسبيح مُضارعاً وجيء به في سواها ماضياً لمناسبةٍ فيها وهي: أن الغرض منها التنويه بصلاة الجمعة والتنديد على نفر قطعوا عن صلاتهم وخرجوا لتجارة أو لهو فمناسب أن يحكى تسبيح أهل السماوات والأرض بما فيه دلالة على استمرار تسبيحهم وتجدده تعريضاً بالذين لم يتموا صلاة الجمعة.

ومعاني صفات الله تعالى المذكورة هنا تقدمت في خواتم سورة الحشر.

ومناسبة الجمع بين هذه الصفات هنا أن العظيم لا يَنصرِف عن مجلس من كان عنده إلا عند انفضاض مجلسه أو إيذانه بانصرافهم.

و ﴿ القُدوس ﴾ : المنزَّه عن النقص وهو يُرغب في حضرته.

و ﴿ العزيز ﴾ : يَعتز الملتفون حوله.

فمفارقتهم حضرته تفريط في العزة.

وكذلك ﴿ الحكيم ﴾ إذا فارق أحد حضرته فاته في كل آن شيء من الحكمة كما فات الذين انفضوا إلى العِير مَا خطب به النبي صلى الله عليه وسلم إذْ تركوه قائماً في الخطبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الجُمُعَةِ ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي في العَرَبِ، وفي تَسْمِيَتِهِمْ أُمِّيِّينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ كِتابٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَ ولا كانَ فِيهِمْ كاتِبٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قُرَيْشٌ خاصَّةً لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَكْتُبُ حَتّى تَعْلَّمَ بَعْضُها في آخِرِ الجاهِلِيَّةِ مِن أهْلِ الحِيرَةِ.

الثّانِي: أنَّهم جَمِيعُ العَرَبِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ ولا كَتَبَ مِنهم إلّا قَلِيلٌ، قالَهُ المُفَضَّلُ.

فَلَوْ قِيلَ: فَما وجْهُ الِامْتِنانِ بِأنْ بَعَثَ نَبِيًّا أُمِّيًّا؟

فالجَوابُ عَنْهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِمُوافَقَتِهِ ما تَقَدَّمَتْ بِشارَةُ الأنْبِياءِ بِهِ.

الثّانِي: لِمُشاكَلَةِ حالِهِ لِأحْوالِهِمْ، فَيَكُونُ أقْرَبَ إلى مُوافَقَتِهِمْ.

الثّالِثُ: لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ سُوءُ الظَّنِّ في تَعَلُّمِهِ ما دَعا إلَيْهِ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي قَرَأها والحِكَمِ الَّتِي تَلاها.

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَجْعَلُهم أزْكِياءَ القُلُوبِ بِالإيمانِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يُطَهِّرُهم مِنَ الكُفْرِ والذُّنُوبِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: يَأْخُذُ زَكاةَ أعْمالِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ الخَطُّ بِالقَلَمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، لِأنَّ الخَطَّ إنَّما فَشا في العَرَبِ بِالشَّرْعِ لِما أُمِرُوا بِتَقْيِيدِهِ بِالخَطِّ.

الثّالِثُ: مَعْرِفَةُ الخَيْرِ والشَّرِّ كَما يَعْرِفُونَهُ بِالكِتابِ لِيَفْعَلُوا الخَيْرَ ويَكُفُّوا عَنِ الشَّرِّ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ.

﴿ والحِكْمَةَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الحِكْمَةَ السُّنَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ الفِقْهُ في الدِّينِ، وهو قَوْلُ مالِكِ بْنِ أنَسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الفَهْمُ والِاتِّعاظُ، قالَهُ الأعْمَشُ.

﴿ وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾ أيْ ويَعْلَمَ آخَرِينَ ويُزَكِّيهِمْ، وفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ بَعْدَ الصَّحابَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُمُ العَجَمُ بَعْدَ العَرَبِ، قالَهُ الضَّحّاكُ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (رَأيْتُ في مَنامِي غَنَمًا سُودًا تَتْبَعُها غَنَمٌ عُفْرٌ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ العَرَبُ يَتْبَعُها العَجَمُ، فَقالَ: (كَذَلِكَ عَبَّرَها لِي المَلَكُ» .

الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُلُوكُ أبْناءُ الأعاجِمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ الأطْفالُ بَعْدَ الرِّجالِ.

وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّهُمُ النِّساءُ بَعْدَ الرِّجالِ.

﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها النُّبُوَّةُ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ هي فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: الإسْلامُ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: ما رُوِيَ أنَّهُ «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، فَأمَرَ ذَوِي الفاقَةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ بَدَلًا مِنَ التَّصَدُّقِ بِالأمْوالِ، فَفَعَلَ الأغْنِياءُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهَ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ» قالَهُ أبُو صالِحٍ.

وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّهُ انْقِيادُ النّاسِ إلى تَصْدِيقِهِ  ودُخُولِهِمْ في دِينِهِ ونُصْرَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء بن السائب عن ميسرة أن هذه الآية مكتوبة في التوراة بسبعمائة آية ﴿ يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم ﴾ أول سورة الجمعة.

قوله تعالى: ﴿ هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم ﴾ الآية.

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم ﴾ الآية، قال: كان هذا الحي من العرب أمة أمية ليس فيها كتاب يقرأونه فبعث الله فيهم محمداً رحمة وهدى يهديهم به.

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» .

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم ﴾ قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ يتلوا عليهم آياته ﴾ قال: القرآن ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ قال: هو الشرك.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم ﴾ قال: العرب ﴿ وآخرين منهم لم يلحقوا بهم ﴾ قال: العجم.

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن أبي هريرة قال: «كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزلت سورة الجمعة فتلاها، فلما بلغ ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ﴾ قال، له رجل: يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟

فوضع يده على رأس سلمان الفارسي وقال: والذي نفسي بيده لو كان الإِيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن الإِيمان بالثريا لناله رجال من أهل فارس» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالاً ونساء يدخلون الجنة بغير حساب» ثم قرأ ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ﴾ قال: من ردف الإِسلام من الناس كلهم.

وأخرج عبد الزراق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ﴾ قال: هم التابعون.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ﴾ يعني من أسلم من الناس وعمل صالحاً من عربي وعجمي إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ قال: الدين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ قال أهل المعاني: إنما أعيد ذكر التسبيح في هذه السورة لاستفتاح السورة بتعظيم الله من جهة ما سبح له كما يستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم، وإذا جل المعنى في تعظيم الله حسن الاستفتاح به.

والفائدة فيه تعظيم ما ينبغي أن يستفتح به على جهة التعظيم لله والتيمن بذكره.

ومضى تفسير القدوس في آخر سورة الحشر.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ القدوس ﴾ ذكر في [الحشر: 24] ﴿ هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ يعني سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، والأميين: هم العرب، وقد ذكر معنى الأمي في [الأعراف: 157] ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ ﴾ عطفاً على الأميين، وأراد بهؤلاء فارس «وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هؤلاء الآخرون فأخذ بيد سليمان الفارسي، وقال: لو كان العلم بالثريا لناله رجال من هؤلاء» يعني فارس، وقيل: هم الروم، و ﴿ مِنْهُمْ ﴾ على هذين القولين، يريد به في البشرية وفي الدين، لا في النسب.

وقيل؛ هم أهل اليمن وقيل: التابعون، وقيل: هم سائر المسلمين، والأول أرجح لوروده في الحديث الصحيح ﴿ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ ﴾ أي لما يلحقوا بهم بالنفي وسيلحقون، وذلك أن ﴿ لَمَّا ﴾ لذكر الماضي القريب من الحال ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ الله ﴾ إشارة إلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهداية الناس به.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كمثل الحمار ﴾ و ﴿ التوراة ﴾ بالإمالة قد سبق ذكرهما.

الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ لا ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف أي وفي آخرين ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ أسفاراً ﴾ ط ﴿ بآيات الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أيديهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ البيع ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ قائماً ﴾ ط ﴿ للتجارة ﴾ ط ﴿ الرازقين ﴾ ه.

التفسير: في الأميين منسوب إلى أمة العرب أو إلى أم القرى.

وقد مر سائر الوجوه في " الأعراف " في قوله ﴿ النبيّ الأميّ  ﴾ وباقي الآية مذكورة في " البقرة " و " آل عمران ".

والمراد بآخرين التابعون وحدهم أو مع تبع التابعين إلى يوم القيامة.

ثمّ شبه اليهود الطاعنين في نبوّة محمد  مع أنهم حاملوا التوراة وحفاظها العارفون بما فيها من نعت نبيّ آخر الزمان بالحمار الحامل للأسفار أي الكتب الكبار لأنه لا يدري منها إلا ما مر بجنبيه من الكدّ والتعب.

ومعنى ﴿ حملوا ﴾ كلفوا العمل بما فيها.

ومحل ﴿ يحمل ﴾ جر صفة للحمار كما في قوله " على اللئيم يسبني " وهذا مثل كل من علم علماً يتعلق بعمل صالح ثم لم يعمل به.

ثم قبح مثلهم بقوله ﴿ بئس ﴾ مثلاً ﴿ مثل القوم الذين ﴾ وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه فقيل لهم: إن كان قولكم حقاً ﴿ فتمنوا الموت ﴾ ليكون وصولكم إلى دار الكرامة أسرع وقد مر مثله في أول " البقرة " إلا أنه قال ههنا ﴿ ولا يتمنونه ﴾ وهناك ولن يتمنوه وذلك أن كليهما للنفي إلا أن " لن" أبلغ في نفي الاستقبال وكانت دعواهم هناك قاطعة بالغة وهي كون الجنة لهم بصفة الخلوص فخص الأبلغ بتلك السورة.

ثم بين أن الموت الذي لا يجترؤن على تمنيه خيفة أن يؤاخذوا بوبال كفرهم فإنه ملاقيهم لا محالة.

قال أهل النظم: قد أبطل الله  قول اليهود في ثلاث: زعموا أنهم أولياء لله فكذبهم بقوله ﴿ فتمنوا الموت ﴾ وافتخروا بأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، وباهوا بالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع لنا الجمعة.

قال جار الله: يوم الجمعة بالسكون الفوج المجموع كضحكة للمضحوك منه، وضمَّ الميم تثقيل لها كما قيل في عسرة عسرة.

قلت: ومما يدل على أن أصلها الكسون جمعها على جمع كقدرة وقدر.

وفي الكشاف أن ﴿ من يوم الجمعة ﴾ بيان " إذا " وتفسير له.

وأقوال: إن اليوم أعم من وقت النداء والعام.

لإبهامه لا يصير بياناً ظاهراً فالأولى أن تكون " من " للتبعيض.

والنداء الأذان في أول وقت الظهر، وقد كان لرسول الله  مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر على ذلك، حتى إذا كان عثمان وكثر الناس زاد مؤذناً آخر، مؤذن على داره التي تسمى زوراء فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة.

وعن ابن عباس: إن أول جمعة في الإسلام بعد جمعة رسول الله  لجمعة أجتمعت بجواثى قرية من قرى البحرين من قرى عبد القيس وروي أن الأنصار بالمدينة اجتمعوا إلى أسعد بن زرارة.

وكنيته أبو إمامة وقالوا: هلموا نجعل لنا يوماًنجتمع فيه فنذكر الله ونصلي فإن لليهود السبت وللنصارى الأحد فاجعلوه يوم العروبة، فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة لاجتمعاهم فيه، وأنزل الله  آية الجمعة فهي أول جمعة كانت في الإسلام قبل مقدم النبي  وأول جمعة جمعها رسول الله  أنه لما قدم المدينة مهاجراً نزل قباء على بني عمرو بن عوف وأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فخطب وصلّى الجمعة.

وفضيلة صلاة الجمعة كثيرة منها ما ورد في الصحاح عن أبي هريرة " إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول" و " "مثل المبكر كمثل الذي يهدي بدنه ثم كالذي يهدي بقرة ثم كبشاً ثم دجاجة ثم بيضة فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر" وعنه  " "من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقى فتنة القبر" وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر غاصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج.

وقيل: أول بدعة أحدثت مع الإسلام ترك البكور إلى الجمعة.

ولا تقام الجمعة عند أبي حنيفة إلا في مصر جامع وهو ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام.

وقد يقال: ما يكون فيه نهر جار وسوق قائم وملك قاهر وطبيب حاذق.

وعنده تنعقد بثلاثة سوى الإمام، وعند الشافعي لا تنعقد إلاّ بأربعين متوطنين.

وأعذار الجمعة مشهورة في كتب الفقه.

ومعنى السعي القصد دون العدو ومنه قول الحسن: ليس السعي على الأقدام ولكنه على النيات والقلوب.

وعن ابن عمر أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي.

قال العلماء: وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه.

قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ أي إلى الخطبة والصلاة وهي تسمية الشيء بأشرف أجزائه.

ومذهب أبي حنيفة أنه لو اقتصر على كل ما يسمى ذكراً مثل الحمد لله أو سبحان الله جاز.

وعند صاحبيه والشافعي لا بد من كلام يسمى خطبة.

وعن جابر كان رسول الله  يقول في خطبته: نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله ثم يقول: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعنه أن النبي  كان صلاته قصداً وخطبته قصداً.

وعن أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قال: إني سمعت رسول الله  يقول " إن طول الصلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأقصر الخطبة وأطل الصلاة " وإن من البيان لسحراً.

قوله ﴿ وذروا البيع ﴾ خاص ولكنه عام في الحقيقة لكل ما يذهل عن ذكر الله.

وسبب التخصيص أن أهل القرى وقتئذ يجتمعون من كل أوب في السوق وأغلب اجتماعهم على البيع والشراء.

ولا خلاف بين العلماء في تحريم البيع وقت النداء.

وهل يصح ذلك البيع إن وقع الأكثرون؟

نعم لأن المنع غير متوجه نحو خصوص البيع.

وإنما هو متوجه نحو ترك الجمعة حتى لو تركها بسبب آخر فقد ارتكب النهي ولو باع في غير تلك الحالة لم يصادفه نهي.

قوله ﴿ فانتشروا ﴾ وابتغوا إباحة بعد حظر.

وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا امتثالاً للآية.

وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله.

وعن الحسن وسعيد بن المسيب: الطلب طلب العلم.

وقيل: صلاة التطوع.

وفي قوله ﴿ واذكروا الله كثيراً ﴾ إشارة إلى أن المرء لا ينبغي أن يغفل عن ذكر ربه في كل حال كما قال ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله  ﴾ عن جابر قال: بينا نحن نصلي مع النبي  إذا قيل: عير تحمل طعاماً فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي  إلا اثنا عشر رجلاً فنزلت ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ أي تفرقوا إليها ﴿ وتركوك قائماً ﴾ في الصلاة أو في الخطبة أو في الزاوية، وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهذا هو المراد باللهو والتقدير إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه.

يروى أنه  وآله قال: والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً.

ثم حث على تجارة الآخرة وعلى تيقن أن لا رازق بالحقيقة إلا هو  وقد مر مراراً.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

قال: ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ﴾ ، ولم يقل: يسبح الله، وقد جرت العادة في الناس التسبيح بالإله؛ كقولهم: سبحان الله، وسبحان ربي العظيم، فكان حق هذا القول على ما جرت به العادة في اللسان أن يقول: يسبح الله ما في السماوات وما في الأرض، ولكنه يجوز أن يكون هذا من نوع ما يجري فيه اللفظان جميعاً؛ كما يقال: شكره وشكر له، ونصحه ونصح له.

والتسبيح يحتمل أوجها ثلاثة: أحدها: تسبيح الخلقة: أنك إذا نظرت إلى كل شيء على الإشارة إليه والتعيين، دلك جوهره وخلقته على وحدانية الله  ، وعلى تعاليه عن الأشباه وبراءته عن جميع العيوب والآفات؛ فذلك من كل شيء تسبيحه.

والثاني: تسبيح المعرفة، ووجه ذلك: أن يجعل الله  بلطفه في كل شيء حقيقة المعرفة؛ ليعرف الله  وينزهه، وإن كان لا يبلغه عقولنا؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  ﴾ .

ولكن عندنا بواسطة إحداث نوع حياة فيه؛ إذ المعرفة بدون الحياة لا تتحقق.

والوجه الثالث: هو أن يكون التسبيح تسبيح ضرورة وتلقين، ووجهه: أن الله  يُجري التسبيح على ذلك الجوهر من غير أن يكون له حقيقة المعرفة، كما أظهر من آياته وأعلامه على عصا موسى، وكما أجرى السفينة على وجه الماء، وإن لم يكن لها حقيقة المعرفة؛ وذلك تسبيح كل شيء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلْمَلِكِ ﴾ .

يعني: الملك الذي له ملك الملوك، أو الذي له الملك في الحقيقة.

وقوله - عز وجل - : ﴿ ٱلْقُدُّوسِ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: الطاهر من كل عيب وآفة وحاجة، أو الطاهر مما يحتمله غيره.

والثاني: المبارك، يعني: به ينال كل بركة وخير.

ويجوز أن يجمع في المبارك معنى التنزيه من العيوب ومعنى البركة؛ لأنك إذا وصفته بالبركة فقد وصفته بالبراءة من كل عيب وأضفت إليه كل بركة ويمن؛ كما روي في الخبر أن قول: "سبحان الله نصف الميزان، والحمد لله تملأ الميزان" ، وكان معناهما عندنا أن قول: "سبحان الله" يختص بتبرئته من العيوب، "والحمد لله" ينتظم معنى التنزيه من العيوب، ومعنى إضافة النعم كلها إليه، فإذا كان فيه هذان المعنيان جميعاً، جاز أن يمتلئ به الميزان، ولما اختص "سبحان الله" بتطهيره من العيوب، ولم يتعده إلى غيره، أخذ نصف الميزان، والله أعلم.

وكذلك هذا الاختلاف في تأويل قوله: ﴿ ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .

العزيز: يعني: الغالب القاهر، لا يعجزه شيء.

أو يجوز أن يكون العزيز مقابل الذليل، والذليل ينتظم كل فقر وحاجة وضعف؛ فالواجب: أن يتنظم العزيز - إذا كان ضدّاً ومقابلا - كل شرف ومكرمة وغناء وقوة، والله الموفق.

والحكيم: قالوا: هو الذي يضع الأشياء مواضعها، فالله  حكيم حيث وضع الأشياء مواضعها التي جعلها الله  مواضع لها، أو الحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، وهو معنى المصيب أيضاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ .

احتج أهل الكتاب علينا أن الله  إنما بعث محمدا رسولا إلى الأميين خاصة بهذه الآية، وفهموا منها تخصيص الأميين بإرسال الرسول إليهم، فيقتضي نفيه عن غيرهم.

ولكن نقول: لا يجب أن يفهم من الآية نفي ما ذكر في ظاهرها، بل يفهم منها ظاهرها دون النفي، والتخصيص بالذكر لا يحتمل على النفي؛ لأنه إذا حمل التخصيص بالذكر على نفي غيره، أدى إلى ما لا يستقيم ولا يحل؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ  ﴾ حيث لم يفهم أنه لم يخطه بيمينه أن كان خطه بشماله، ولا من قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ  ﴾ أنه كان يتلى عليه، ولكن المعنى من ذلك كله والله أعلم: أن الله بعث رسوله أميّاً في قوم أميين لا يعلمون الحكمة وماهيتها، وجعل ذلك آية لرسالته وحجة لنبوته؛ لأنه إذا كان أميّاً لا يكتب ولا يقرأ الكتب، ثم آتاهم الكتاب مؤلفاً منظوماً يوافق كتب أهل الكتاب دل أنه إنما علم ذلك بالوحي، وأنه لم يختلقه من عند نفسه، والله أعلم.

ثم الدليل على أنه كان رسولا إليهم جميعاً قوله: ﴿ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً  ﴾ ، وما روي عنه -  - أنه قال: "بعثت إلى الأحمر والأسود" يعني: إلى الإنس والجن، ولأجل أنه لما بعث إلى طائفة ليدعوهم إلى طاعة الله  وعبادته، علم أنه رسول إلى غيرهم؛ إذا لم يكن لهم رسول آخر؛ لأن الطائفة الأخرى إذ لم يكن لهم رسول آخر، واحتاجوا إلى معرفة الأمر والنهي وإلى طاعة الرحمن حاجة الطائفة التي بعث إليهم؛ دل أنه رسول إليهم جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ .

معناه: أنه بعث  في قوم أميين لا يعرفون عبادة الله ولا يقرءون الكتاب، بل كانت عادتهم عبادة الأصنام.

وقيل في تأويل الأميين: هم الذين لم يؤمنوا بالكتب، ولكن هذا فاسد؛ لأن الله  سمى نبيه -  - أميّاً بقوله: ﴿ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ  ﴾ .

وقيل: سماهم: أميين؛ لأنهم لا يقرءون الكتاب ولا يكتبون على الأعم الأغلب، وإن كان فيهم القليل ممن يقرأ ويكتب، ومن هذا سمي النبي  : أميّاً؛ لأنه كان لا يكتب ولا يقرأ في كتاب ولم يعلم ذلك؛ قال الله  : ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ  ﴾ ، وعلى ذلك روي عن النبي -  -: "الشهر هكذا وهكذا وأشار بأصبعه، وقال: إنما نحن أمة أمية لا تحسب ولا تكتب" وقال الزجاج: الأمي هو الذي لا يحسن القراءة والكتابة ولم يتعلم، ويكون على ما سقط من أُمِّهِ فنسب إلى حال ولادته التي سقط من أمه؛ لأن ذلك إنما يكون بالتعليم دون الحال التي يجري فيها المولود.

ثم وجه الحكمة في جعل النبوة في الأمي أن يكون ذلك سبب معرفة نبوته وعلامة رسالته، بحيث يعلم أنه ما اخترع ذلك من لدن نفسه؛ إذ لم يعرف الكتابة والقراءة ولا اختلف إلى أحد؛ ليتعلم منه، ثم أحوج جميع الحكماء إلى حكمته، وجميع أهل الكتاب إلى معرفة كتابه؛ لحسن نظمه وتأليفه؛ ليعلم أنه إنما ناله بالوحي والرسالة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ﴾ .

الآيات: الأعلام، فكأنه يقول: يتلو عليهم في كتابه أعلاما تبين رسالته وتظهر نبوته.

أو يجوز أن يكون الآيات: الحلال والحرام وما أشبهه.

أو الآيات: الحجج التي يستظهر بها الحق، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: يصلحهم، يعني: يدعوهم إلى اتباع ما يصيرون أذكياء أتقياء.

ويجوز [أن يكون] معنى قوله: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ أي: يطهرهم من خبث الشرك وخبث الأخلاق وخبث الأقوال، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ ، اختلفوا فيه: قال الحسن: هذا كلام مثنى؛ الكتاب والحكمة واحد.

وقال أبو بكر: الكتاب: ما يتلى من الآيات، والحكمة: هي الفرائض.

وقال بعضهم: الحكمة: هي السنة؛ لأنه كان يتلو عليهم آياته، ويعلمهم سنته؛ إما بلطف من الله  وإلهامه إياه أو بالوحي.

ومنهم من قال: الكتاب: ما يتلى من الآيات نصّاً، والحكمة: ما أودع فيها من المعاني؛ [والله أعلم] أي: ذلك كان؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .

أي: أنهم كانوا عن الكتاب والحكمة لفي ضلال بين ظاهر؛ لأنهم كانوا مشركين عبدة الأصنام، ليس عندهم كتاب، ولا يعرفون الحكمة.

ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: في الشرك وعبادة الأصنام، فدعاهم الرسول إلى توحيده وترك ما هم فيه من عبادة الأصنام.

قال الفقيه - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ : إن الله  قد جعلهم أتقياء أذكياء علماء بعدما كانوا أميين جهالا سفهاء؛ آية ودلالة على حقية دينه -  - على سائر الأديان؛ حيث لم يكن أهلها كذلك، ويكون فيه ترغيب للآخرين؛ ليصيروا علماء حكماء.

وقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ ﴾ .

يجوز أن يكون هذا تعليماً من الله  ؛ فيجعلهم علماء بعدما كانوا سفهاء، وأذكياء بعدما كانوا أنجاساً وأقذارا عبدة الأوثان، وذلك من لطف الله  بهم؛ لأن ما أضيف من هذه الأفعال إلى الله  ، فهو على حقيقة الوجود، وما أضيف إلى الرسول فهو على الأسباب، وذلك أنه لا يجوز أن يعلم الله  أحدا فلا يصير عالما؛ لأن تعليمه خلق العلم في المحل الذي أراد، وما أراد وخلق يكون لا محالة، فأما [الرسول] فيجوز أن يعلم البشر فلا يتعلم؛ لأن تعليمه بسبب؛ لأنه ليس له قدرة الخلق والإيجاد؛ فثبت أنه على جهة السبب، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ ﴾ .

فإن كان معناه الخفض، فهو منسوق على قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ ومن آخرين لم يلحقوا بهم؛ فيكون فيه إخبار أن رسالته تبقى إلى آخر الدهر.

وإن كان معناه النصب فهو منسوق على قوله: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ ، فيكون فيه بشارة أنه يكون في الآخرين علماء أتقياء حكماء كما كان في هؤلاء.

وقال بعضهم: يحتمل أن يكون هذا في أهل النفاق؛ فيكون معناه: فهو الذي بعث في الأميين رسولا فيصيرون علماء حكماء مؤمنين على الحقيقة في الظاهر والباطن، وآخرين من هؤلاء الأميين في الظاهر لما يلحقوا بهم في الباطن؛ والتأويل الأول أصح وأقرب.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ﴾ حيث جعل في كل واحد من البشر أثر الذل به والفقر إليه.

وقوله: ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

في أمره حيث أمرهم بالحكمة.

أو الحكيم في تدبيره؛ حيث جعل في كل مخلوقاته ما يشهد بوحدانيته وتدبيره فيه.

أو هو الحكيم في تقديره؛ حيث خلق الأشياء المتضادة من نحو النور والظلمة والليل والنهار؛ لأنه وضع كل شيء موضعه، لم يخلط ظلمة بنور ولا نورا بظلمة، ولا ليلا بنهار ولا نهارا بليل.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ : يعني: ذلك الفضل: - النبوة والرسالة - يؤتيه من يشاء، يعني: يخلق من البشر من يصلح للنبوة والرسالة.

أو ذلك الفضل من تعليم الكتاب والحكمة يؤتيه من يشاء.

وفيه دلالة على كذب قول المعتزلة؛ لأن من قولهم: إن الله لا يؤتي أحدا شيئاً بفضله، بل حق عليه أن يفعل ذلك، فإذا كان هذا على الله فعله كان ذلك حقّاً يقضيه، ومن قضى حقّاً، فليس يوصف بالفضل، وقد وصف الله  نفسه بالفضل، فثبت بهذا كذب قولهم، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ .

أي: ذو الفضل العظيم في الدنيا؛ حيث تفضل عليهم بالكتاب والحكمة بعدما كانوا جهالا.

أو يجوز أن يكون هذا في الآخرة أن الله يجزيهم عن أعمالهم الجنة؛ فضلا منه عليهم.

﴿ ٱلْعَظِيمِ ﴾ هو الدائم الباقي، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يُنَزِّه الله عن كل ما لا يليق به من صفات النقص ويُقَدِّسه، جميعُ ما في السماوات، وجميع ما في الأرض من الخلائق، هو الملك المنفرد وحده بالملك، المُنَزَّه عن كل نقص، العزيز الَّذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وشرعه وقدره.

<div class="verse-tafsir" id="91.EzNL6"

مزيد من التفاسير لسورة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد