الآية ٥ من سورة الجمعة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 62 الجمعة > الآية ٥ من سورة الجمعة

مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًۢا ۚ بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة الجمعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة الجمعة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى ذاما لليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل بها ، فلم يعملوا بها ، مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا ، أي : كمثل الحمار إذا حمل كتبا لا يدري ما فيها ، فهو يحملها حملا حسيا ولا يدري ما عليه .

وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه ، حفظوه لفظا ولم يفهموه ولا عملوا بمقتضاه ، بل أولوه وحرفوه وبدلوه ، فهم أسوأ حالا من الحمير ; لأن الحمار لا فهم له ، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها ; ولهذا قال في الآية الأخرى : ( أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) [ الأعراف : 179 ] وقال ها هنا : ( بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ) وقال الإمام أحمد رحمه الله : حدثنا ابن نمير ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب ، فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا ، والذي يقول له " أنصت " ، ليس له جمعة "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: مثل الذين أوتوا التوراة من اليهود والنصارى، فحملوا العمل بها(ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ) يقول: ثم لم يعملوا بما فيها، وكذّبوا بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وقد أمروا بالإيمان به فيها واتباعه والتصديق به (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) يقول: كمثل الحمار يحمل على ظهره كتبًا من كتب العلم، لا ينتفع بها، ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين أوتوا التوراة التي فيها بيان أمر محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مثلهم إذا لم ينتفعوا بما فيها، كمثل الحمار الذي يحمل أسفارًا فيها علم، فهو لا يعقلها ولا ينتفع بها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) قال: يحمل كتبًا لا يدري ما فيها، ولا يعقلها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) قال: يحمل كتابًا لا يدري ماذا عليه، ولا ماذا فيه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) قال: كمثل الحمار الذي يحمل كتبًا، لا يدري ما على ظهره.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) كتبًا، والكتاب بالنبطية يسمى سفرًا؛ ضرب الله هذا مثلا للذين أعطوا التوراة ثم كفروا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال : ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) والأسفار: الكتب ، فجعل الله مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يتبع ما فيه، كمثل الحمار يحمل كتاب الله الثقيل، لا يدري ما فيه، ثم قال: (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ) ...

الآية.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله: (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) قال: الأسفارُ: التوراة التي يحملها الحمار على ظهره، كما تحمل المصاحف على الدواب، كمثل الرجل يسافر فيحمل مصحفه، قال: فلا ينتفع الحمارُ بها حين يحملها على ظهره، كذلك لم ينتفع هؤلاء بها حين لم يعملوا بها وقد أوتوها، كما لم ينتفع بها هذا وهي على ظهره.

حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ عن ابن عباس في قوله: (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) يقول: كتبًا.

والأسفار: جمع سفر، وهي الكتب العظام.

وقوله: (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ) يقول: بئس هذا المثل، مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، يعني بأدلته وحججه (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) يقول تعالى ذكره: والله لا يوفِّق القوم الذين ظلموا أنفسهم، فكفروا بآيات ربهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمينضرب مثلا لليهود لما تركوا العمل بالتوراة ولم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم .

حملوا التوراة أي كلفوا العمل بها ; عن ابن عباس .

وقال الجرجاني : هو من الحمالة بمعنى الكفالة ; أي ضمنوا أحكام التوراة .كمثل الحمار يحمل أسفارا هي جمع سفر ، وهو الكتاب الكبير ; لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ .

قال ميمون بن مهران : الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زنبيل ; فهكذا اليهود .

وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه ; لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء .

وقال الشاعر مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة :زوامل للأسفار لا علم عندهم بجيدها إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدري البعير إذا غدابأوساقه أو راح ما في الغرائروقال يحيى بن يمان : يكتب أحدهم الحديث ولا يتفهم ولا يتدبر ، فإذا سئل أحدهم عن مسألة جلس كأنه مكاتب .

وقال الشاعر :إن الرواة على جهل بما حملوا مثل الجمال عليها يحمل الودعلا الودع ينفعه حمل الجمال له ولا الجمال بحمل الودع تنتفعوقال منذر بن سعيد البلوطي رحمه الله فأحسن :انعق بما شئت تجد أنصارا وزم أسفارا تجد حمارا[ ص: 86 ] يحمل ما وضعت من أسفار يحمله كمثل الحماريحمل أسفارا له وما درى إن كان ما فيها صوابا وخطاإن سئلوا قالوا كذا روينا ما إن كذبنا ولا اعتديناكبيرهم يصغر عند الحفل لأنه قلد أهل الجهل" ثم لم يحملوها " ؛ أي لم يعملوا بها .

شبههم - والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها - بالحمار يحمل كتبا وليس له إلا ثقل الحمل من غير فائدة .

و " يحمل " في موضع نصب على الحال ; أي حاملا .

ويجوز أن يكون في موضع جر على الوصف ; لأن الحمار كاللئيم .

قال :ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمة قلت لا يعنينيبئس مثل القوم : المثل الذي ضربناه لهم ; فحذف المضاف .والله لا يهدي القوم الظالمين أي من سبق في علمه أنه يكون كافرا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تعالى منته على هذه الأمة، الذين ابتعث فيهم النبي الأمي، وما خصهم الله به من المزايا والمناقب، التي لا يلحقهم فيها أحد وهم الأمة الأمية الذين فاقوا الأولين والآخرين، حتى أهل الكتاب، الذين يزعمون أنهم العلماء الربانيون والأحبار المتقدمون، ذكر أن الذين حملهم الله التوراة من اليهود وكذا النصارى، وأمرهم أن يتعلموها، ويعملوا بما فيها ، وانهم لم يحملوها ولم يقوموا بما حملوا به، أنهم لا فضيلة لهم، وأن مثلهم كمثل الحمار الذي يحمل فوق ظهره أسفارًا من كتب العلم، فهل يستفيد ذلك الحمار من تلك الكتب التي فوق ظهره؟

وهل يلحق به فضيلة بسبب ذلك؟

أم حظه منها حملها فقط؟

فهذا مثل علماء اليهود الذين لم يعملوا بما في التوراة، الذي من أجله وأعظمه الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، والبشارة به، والإيمان بما جاء به من القرآن، فهل استفاد من هذا وصفه من التوراة إلا الخيبة والخسران وإقامة الحجة عليه؟

فهذا المثل مطابق لأحوالهم.

بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صدق رسولنا وصدق ما جاء به.{ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } أي: لا يرشدهم إلى مصالحهم، ما دام الظلم لهم وصفًا، والعناد لهم نعتًا ومن ظلم اليهود وعنادهم، أنهم يعلمون أنهم على باطل، ويزعمون أنهم على حق، وأنهم أولياء الله من دون الناس.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( مثل الذين حملوا التوراة ) أي كلفوا القيام بها والعمل بما فيها ( ثم لم يحملوها ) لم يعملوا بما فيها ولم يؤدوا حقها ( كمثل الحمار يحمل أسفارا ) أي كتبا من العلم ، واحدها سفر ، قال الفراء : هي الكتب العظام يعني كما أن الحمار يحملها ولا يدري ما فيها ولا ينتفع بها كذلك اليهود يقرؤن التوراة ولا ينتفعون بها لأنهم خالفوا ما فيها ( بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ) الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء عليهم السلام ، يعني من سبق في علمه أنه لا يؤمن لا يهديهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«مثل الذين حملوا التوراة» كلفوا العمل بها «ثم لم يحملوها» لم يعملوا بما فيها من نعته صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنوا به «كمثل الحمار يحمل أسفارا» أي كتبا في عدم انتفاعه بها «بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله» المصدقة للنبي صلى الله عليه وسلم والمخصوص بالذم محذوف تقديره هذا المثل «والله لا يهدي القوم الظالمين» الكافرين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

شَبَهُ اليهود الذين كُلِّفوا العمل بالتوراة ثم لم يعملوا بها، كشَبه الحمار الذي يحمل كتبًا لا يدري ما فيها، قَبُحَ مَثَلُ القوم الذين كذَّبوا بآيات الله، ولم ينتفعوا بها، والله لا يوفِّق القوم الظالمين الذين يتجاوزون حدوده، ويخرجون عن طاعته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقلت السورة الكريمة - بعد هذا البيان - لفضل الله - تعالى - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى من أرسله لهدايتهم ، إلى الحديث عن جانب من رذائل اليهود ، وأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يتحداهم وأن يرد على أكاذيبهم .

.

.

فقال - تعالى : ( مَثَلُ الذين .

.

.

) .المراد بالمثل فى قوله - تعالى - : ( مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة .

.

) الصفة والحال .

.والمراد بالذين حملوا التوراة : اليهود الذين كلفهم الله - تعالى - بالعمل بما اشتملت عليه التوراة من هدايات وأحكام وآداب .

.

.

ولكنهم نبذوها وتركوا العمل بها .والأسفار : جمع سفر ، وهو الكتاب الكبير المشتمل على ألوان من العلم النافع ، وسمى بذلك لأنه يسفر ويكشف عما فيه من المعانى المفيدة للمطلع عليها .والمعنى : حال هؤلاء اليهود الذين أنزل الله - تعالى - عليهم التوراة لهدايتهم .

.

.

ولكنهم لم ينتفعوا بها .

.

.

كحال الحمار الذى يحمل كتب العلم النافع ، ولكنه لم يستفد من ذلك شيئا ، لأنه لا يفقه شيئا مما يحمله .

.ففى هذا المثل شبه الله - تعالى - اليهود الذين لم ينتفعوا بالتوارة التى فيها الهداية والنور ، بحال الحمار الذين يحمل كتب العلوم النافعة دون أن يستفيد بها .ووجه الشبه بين الاثنين : هو عدم الانتفاع بما من شأنه أن ينتفع به انتفاعا عظيما ، لسمو قيمته ، وجلال منزلته .قال صاحب الكشاف : شبه اليهود فى أنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها ، ثم إنهم غير عاملين بها ، ولا بمنتفعين بآياتها .

.

.

بالحمار ، حمل أسفارا ، أى : كتبا كبارا من كتب العلم ، فهو يمشى بها ، ولا يدرى منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب ، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله ، وبئس المثل .

.وقال الإمام ابن كثير : يقول - تعالى - ذا ما لليهود الذين أعطوا التوراة فلم يعملوا بها ، إن مثلهم فى ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا .

.

.

فهو يحملها حملا حسيا ولا يدرى ما عليه ، وكذلك هؤلاء .

لم يعملوا بمقتضى ما فى التوراة بل أولوه وحرفوه ، فهم أسوأ من الحمار ، لأن الحمار لا فهم له ، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها ، ولهذا قال - تعالى - : فى آية أخرى : ( أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولئك هُمُ الغافلون ) وقال القرطبى : وفى هذا المثل تنبيه من الله - تعالى - لمن حمل الكتاب ، أن يتعلم معانيه ، ويعمل بما فيه ، لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء اليهود ، قال الشاعر :زوامل للأسفار لا علم عندهم ...

بجيِّدها ، إلا كعلم الأباعرلعمرك ما يدرى البعير إذا غدا ...

بأوْساقِه ، أو راح ما فى الغرائروعبر - سبحانه - عن تكليفهم العمل بالتوراة وعن تركهم لذلك بقوله : ( حُمِّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ) للإشعار بأن هذا التكليف منه - تعالى - لهم ، كان عهدا مؤكدا عليهم ، حتى لكأنهم تحملوه كما يتحمل الإنسان شيئا قد وضع فوق ظهره أو كتفيه .

ولكنهم نيذوا هذا العهد ، وألقوا بما فوق أكتافهم من أحمال ، وانقادوا لأهوائهم وشهواتهم انقياد الأعمى لقائده .

.ولفظ " ثم " فى قوله ( ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ) للتراخى النسبى ، لأن عدم وفائهم بما عهد إليهم ، أشد عجبا من تحملهم لهذه العهود .وشبههم ، بالحمار الذى هو مثل فى البلادة والغباء ، لزيادة التشنيع عليهم ، والتقبيح لحالهم ، حيث زهدوا وأعرضوا عن الانتفاع بأثمن شىء نافع ، - وهو كتاب الله - كما هو شأن الحمار الذى لا يفرق فيما يحمله على ظهره بين الشىء النافع والشىء الضار .وجملة " يحمل أسفارا " فى موضع الحال من الحمار ، أو فى موضع جر على أنها صفة للحمار ، باعتبار أن المقصود به الجنس ، فهو معرفة لفظا ، نكرة معنى .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : " يحمل " ما محلة؟

قلت : محله النصب على الحال ، أو الجر على الوصف ، لأن لفظ الحمار هنا ، كلفظ اللئيم فى قول الشاعر :ولقد أمر على اللئيم يسبنى ...

ثم أضاف - سبحانه - إلى ذم هؤلاء اليهود ذما آخر فقال : ( بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله .

.

) .و ( بِئْسَ ) فعل ذم ، وفاعله ما بعده وهو قوله : ( مَثَلُ القوم ) وقد أغنى هذا الفاعل عن ذكر المخصوص بالذم ، لحصول العلم بأن المذموم هو حال هؤلاء القوم الذين وصفهم - سبحانه - بأنهم قد كذبوا بآياته .أى : بئس المثل مثل هؤلاء القوم الذين كذبوا بآيات الله - تعالى - الدالة على وحدانيته وقدرته ، وعلى صدق أنبيائه فيما يبلغونه عنه - تعالى - .وقوله : ( والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ) تذييل قصد به بيان الأسباب التى أدت إلى عدم توفيق الله - تعالى - لهم إلى الهداية .أى : والله - تعالى - قد اقتضت حكمته ، أن لا يهدى إلى طريق الخير ، من ظلم نفسه ، بأن آثر الغى على الرشد ، والعمى على الهدى ، والشقاوة على السعادة ، لسوء استعداه ، وإنطماس بصيرته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أثبت التوحيد والنبوة، وبين في النبوة أنه عليه السلام بعث إلى الأميين واليهود لما أوردوا تلك الشبهة، وهي أنه عليه السلام بعث إلى العرب خاصة، ولم يبعث إليهم بمفهوم الآية أتبعه الله تعالى بضرب المثل للذين أعرضوا عن العمل بالتوراة، والإيمان بالنبي عليه السلام، والمقصود منه أنهم لما لم يعملوا بما في التوراة شبهوا بالحمار، لأنهم لو عملوا بمقتضاها لانتفعوا بها، ولم يوردوا تلك الشبهة، وذلك لأن فيها نعت الرسول عليه السلام، والبشارة بمقدمه، والدخول في دينه، وقوله: ﴿ حُمّلُواْ التوراة ﴾ أي حملوا العمل بما فيها، وكلفوا القيام بها، وحملوا وقرئ: بالتخفيف والتثقيل، وقال صاحب النظم: ليس هو من الحمل على الظهر، وإنما هو من الحمالة بمعنى الكفالة والضمان، ومنه قيل للكفيل: الحميل، والمعنى: ضمنوا أحكام التوراة ثم لم يضمنوها ولم يعملوا بما فيها.

قال الأصمعي: الحميل، الكفيل، وقال الكسائي: حملت له حمالة.

أي كفلت به، والأسفار جمع سفر وهو الكتاب الكبير، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ، ونظيره شبر وأشبار، شبه اليهود إذ لم ينتفعوا بما في التوراة، وهي دالة على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بالحمار الذي يحمل الكتب العلمية ولا يدري ما فيها.

وقال أهل المعاني: هذا المثل مثل من يفهم معاني القرآن ولم يعمل به، وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه، ولهذا قال ميمون بن مهران: يا أهل القرآن اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم ثم تلا هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿ لَمْ يَحْمِلُوهَا ﴾ أي لم يؤدوا حقها ولم يحملوها حق حملها على ما بيناه، فشبههم والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها بحمار يحمل كتباً، وليس له من ذلك إلا ثقل الحمل من غير انتفاع مما يحمله، كذلك اليهود ليس لهم من كتابهم إلا وبال الحجة عليهم، ثم ذم المثل، والمراد منه ذمهم فقال: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بئايات الله ﴾ أي بئس القوم مثلاً الذين كذبوا، كما قال: ﴿ سَاء مَثَلاً القوم  ﴾ وموضع الذين رفع، ويجوز أن يكون جراً، وبالجملة لما بلغ كذبهم مبلغاً وهو أنهم كذبوا على الله تعالى كان في غاية الشر والفساد، فلهذا قال: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ القوم ﴾ والمراد بالآيات هاهنا الآيات الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قول ابن عباس ومقاتل، وقيل: الآيات التوراة لأنهم كذبوا بها حين تركوا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا أشبه هنا ﴿ والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾ قال عطاء: يريد الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء وهاهنا مباحث: البحث الأول: ما الحكمة في تعيين الحمار من بين سائر الحيوانات؟

نقول: لوجوه منها: أنه تعالى خلق ﴿ الخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ والزينة في الخيل أكثر وأظهر؛ بالنسبة إلى الركوب، وحمل الشيء عليه، وفي البغال دون، وفي الحمار دون البغال، فالبغال كالمتوسط في المعاني الثلاثة، وحينئذ يلزم أن يكون الحمار في معنى الحمل أظهر وأغلب بالنسبة إلى الخيل والبغال، وغيرهما من الحيوانات، ومنها: أن هذا التمثيل لإظهار الجهل والبلادة، وذلك في الحمار أظهر، ومنها: أن في الحمار من الذل والحقارة مالا يكون في الغير، والغرض من الكلام في هذا المقام تعيير القوم بذلك وتحقيرهم، فيكون تعيين الحمار أليق وأولى، ومنها أن حمل الأسفار على الحمار أتم وأعم وأسهل وأسلم، لكونه ذلولاً، سلس القياد، لين الانقياد، يتصرف فيه الصبي الغبي من غير كلفة ومشقة.

وهذا من جملة ما يوجب حسن الذكر بالنسبة إلى غيره ومنها: أن رعاية الألفاظ والمناسبة بينها من اللوازم في الكلام، وبين لفظي الأسفار والحمار مناسبة لفظية لا توجد في الغير من الحيوانات فيكون ذكره أولى.

الثاني: ﴿ يَحْمِلُ ﴾ ما محله؟

نقول: النصب على الحال، أو الجر على الوصف كما قال في الكشاف إذا الحمار كاللئيم في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني *** (فمررت ثمة قلت لا يعنيني) الثالث: قال تعالى: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ القوم ﴾ كيف وصف المثل بهذا الوصف؟

نقول: الوصف وإن كان في الظاهر للمثل فهو راجع إلى القوم، فكأنه قال: بئس القوم قوماً مثلهم هكذا.

ثم إنه تعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب لهم وهو قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

شبه اليهود- في أنهم حملة التوراة وقرّاؤها وحفاظ ما فيها، ثم إنهم غير عاملين بها ولا منتفعين بآياتها، وذلك أنّ فيها نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به ولم يؤمنوا به- بالحمار حمل أسفاراً، أي كتباً كباراً من كتب العلم، فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب.

وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله، وبئس المثل ﴿ بِئْسَ ﴾ مثلاً ﴿ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بئايات الله ﴾ وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم.

ومعنى: ﴿ حُمّلُواْ التوراة ﴾ : كلفوا علمها والعمل بها، ﴿ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ﴾ ثم لم يعملوا بها، فكأنهم لم يحملوها.

وقرئ: ﴿ حملوا التوراة ﴾ ، أي حملوها ثم لم يحملوها في الحقيقة لفقد العمل.

وقرئ: ﴿ يحمل الأسفار ﴾ فإن قلت: (يحمل) ما محله؟

قلت: النصب على الحال، أو الجر على الوصف؛ لأنّ الحمار كاللئيم في قوله: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي <div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ﴾ عَلِمُوها وكُلِّفُوا العَمَلَ بِها.

﴿ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها ﴾ لَمْ يَعْمَلُوا بِها أوْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما فِيها.

﴿ كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا ﴾ كُتُبًا مِنَ العِلْمِ يَتْعَبُ في حَمْلِها ولا يَنْتَفِعُ بِها، ويَحْمِلُ حالٌ والعامِلُ فِيهِ مَعْنى المَثَلِ أوْ صِفَةٌ إذْ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الحِمارِ مُعَيَّنًا.

﴿ بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ ﴾ أيْ مَثَلُ الَّذِينَ كَذَّبُوا وهُمُ اليَهُودُ المُكَذِّبُونَ بِآياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ صِفَةً لِلْقَوْمِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفًا.

﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)

{مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة} أي كلفوا علمها والعمل بها فيها {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} ثم لم يعملوا بها فكانهم لم يحلموها {كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً} جمع سفر وهو الكتاب الكبير ويحمل في محل النصب على الحال أو الجر على الوصف لأن الحمار كاللئيم في قوله

ولقد امر على اللئيم يسبني شبه الهيود في أنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها ثم لم يعلموا

بها ولم ينتفعوا بآياتها وذلك أن فيها نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به فلم يؤمنوا به كالحمار حمل كتباً كباراً من كتب العلم فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبه وظهره من الكد والتعب وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله {بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كذبوا بآيات الله} أي بئس مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله أو بئس مثل القوم المكذبين مثلهم وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين} أي وقت اختيارهم الظلم أو لا يهدي من سبق في علمه أنه يكون ظالما

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ﴾ أيْ عُلِّمُوها وكُلِّفُوا العَمَلَ بِما فِيها، والتَّحْمِيلُ في هَذا شائِعٌ يُلْحَقُ بِالحَقِيقَةِ، والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ ﴿ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها ﴾ أيْ لَمْ يَعْمَلُوا بِما في تَضاعِيفِها الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ النّاطِقَةُ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

﴿ كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا ﴾ أيْ كُتُبًا كِبارًا عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ التَّنْكِيرُ، وإيثارُ لَفْظِ السِّفْرِ وما فِيهِ مِن مَعْنى الكَشْفِ مِنَ العِلْمِ يَتْعَبُ بِحَمْلِها ولا يَنْتَفِعُ بِها، ﴿ ويَحْمِلُ ﴾ إمّا حالٌ مِن -الحِمارِ - لِكَوْنِهِ مَعْرِفَةً لَفْظًا والعامِلُ فِيهِ مَعْنى المَثَلِ، أوْ صِفَةٌ لَهُ لِأنَّ تَعْرِيفَهُ ذِهْنِيٌّ فَهو مَعْنى نَكِرَةٌ فَيُوصَفُ بِما تُوصَفُ بِهِ عَلى الأصَحِّ.

ونَسَبَ أبُو حَيّانَ لِلْمُحَقِّقِينَ تَعَيُّنَ الحالِيَّةِ في مِثْلِ ذَلِكَ، ووَجْهُ ارْتِباطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها تَضَمُّنُها الإشارَةُ إلى أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ المَبْعُوثَ قَدْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بِما نَعَتَهُ بِهِ في التَّوْراةِ وعَلى ألْسِنَةِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ كَأنَّهُ قِيلَ: هو الَّذِي بَعَثَ المُبَشَّرَ بِهِ في التَّوْراةِ المَنعُوتَ فِيها بِالنَّبِيِّ الأُمِّيِّ المَبْعُوثَ إلى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ، مِثْلُ مَن جاءَهُ نَعْتُهُ فِيها وعِلْمُهُ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِن بِهِ مِثْلُ الحِمارِ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى سُوءِ حالِ العالِمِ الَّذِي لا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ، وتَخْصِيصُ الحَمّالِ بِالتَّشْبِيهِ بِهِ لِأنَّهُ كالعِلْمِ في الجَهْلِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ذَوُو أمَلٍ لِلْأسْفارِ لا عِلْمَ عِنْدَهم بِجِيدِها إلّا كَعِلْمِ الأباعِرِ لَعَمْرُكَ ما يَدْرِي البَعِيرُ إذا غَدا ∗∗∗ بِأوْساقِهِ أوْ راحَ ما في الغَرائِرِ بِناءً عَلى نُقِلَ عَنِ ابْنِ خالَوَيْهِ أنَّ البَعِيرَ اسْمٌ مِن أسْماءِ الحِمارِ كالجَمَلِ البازِلِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «حَمَلُوا» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ - حِمارٍ - بِالتَّنْكِيرِ، وقُرِئَ «يُحَمَّلُ» بِشَدِّ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ ﴾ أيْ بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ مَثَلُ الَّذِينَ كَذَّبُوا فَحُذِفَ المُضافُ وهو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”الَّذِينَ“ صِفَةَ القَوْمِ، والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْ بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ هو، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ﴾ ، وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ أنَّ المَخْصُوصَ هو ”مَثَلُ“ المَذْكُورُ، والفاعِلُ مُسْتَتِرٌ يُفَسِّرُهُ تَمْيِيزٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ بِئْسَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ إلَخْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ سِيبَوَيْهِ نَصَّ عَلى أنَّ التَّمْيِيزَ الَّذِي يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ في بابِ نِعْمَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ ولَوْ سُلِّمَ جَوازُهُ فَهو قَلِيلٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذاكَ تَقْرِيرٌ لِحاصِلِ المَعْنى وهو أقْرَبُ لِاعْتِبارِ الوَجْهِ الأوَّلِ، وكانَ قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ التَّقْدِيرَ بِئْسَ المَثَلُ القَوْمُ مِن ذَلِكَ البابِ، وإلّا فَفِيهِ حَذْفُ الفاعِلِ، وقَدْ قالُوا بِعَدَمِ جَوازِهِ إلّا في مَواضِعَ لَيْسَ هَذا مِنها ﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ أيِ الواضِعِينَ لِلتَّكْذِيبِ في مَوْضِعِ التَّصْدِيقِ، أوِ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إحدى عشرة آية مدنية قوله تعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وقد ذكرناه.

الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ يعني: الملك الذي يملك كل شيء، ولا يزال ملكه القدوس يعني: الطاهر عن الشريك والولد.

قرئ في الشاذ: الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ بالضم ومعناه هو الملك القدوس وقرأه العامة بالكسر، فيكون نعتاً لله تعالى: الْعَزِيزِ في ملكه، الْحَكِيمِ في أمره.

ثم قال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ يعني: في العرب.

والأميون الذين لا يكتبون، وهو ما خلقت عليه الأمة قبل تعلم الكتابة.

رَسُولًا مِنْهُمْ يعني: من قومهم العرب.

يَتْلُوا عَلَيْهِمْ يعني: يقرأ عليهم آياتِهِ يعني: القرآن، وَيُزَكِّيهِمْ يعني: يدعوهم إلى التوحيد، ويطهرهم به من عبادة الأوثان ويقال: يُزَكِّيهِمْ يعني: يصلحهم، ويقال: يأمرهم بالزكاة.

وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يعني: القرآن وَالْحِكْمَةَ يعني: الحلال والحرام.

وَإِنْ كانُوا يعني: وقد كانوا مِنْ قَبْلُ أن يبعث إليهم محمدا  ، لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: لفي خطأ بيِّن يعني: الشرك.

وَآخَرِينَ مِنْهُمْ يعني: التابعين من هذه الأمة ممن بقي، لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ يعني: لم يكونوا بعد فسيكونون.

وروى جويبر، عن الضحاك في قوله: آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قال: يعني: من أسلم من الناس، وعمل صالحاً إلى يوم القيامة من عربي وعجمي.

ثم قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يعني: العزيز في ملكه، الحكيم في أمره.

قوله تعالى: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ يعني: الإسلام فضل الله يؤتيه مَنْ يَشاءُ يعني: يعطيه من يشاء، ويكرم به من يشاء من كان أهلاً لذلك.

وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعني: ذو المنّ العظيم لمن اختصه بالإسلام.

ثم قال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ يعني: صفة الذين علموا التوراة، وأمروا بأن يعملوا بما فيها.

ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، أي: لم يعملوا بما أمروا فيها من الأمر والنهي وبيان صفة محمد  .

ويقال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ وأمروا بأن يحملوا تفسيرها، ثم لم يحملوها يعني: لم يعلموا تفسيرها، فمثلهم كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً يعني: يحمل كتباً ولا يدري ما فيها، كما لا يدري اليهود ما حملوا من التوراة.

ثم قال: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني: بئس مثل القوم ضربنا لهم الأمثال، ويقال: بئس صفة القوم الذين كَذَّبُواْ بآيات الله، يعني: جحدوا بالقرآن وبمحمد  .

وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: إلى طريق الجنة اليهود الذين لا يرغبون في الحق.

وقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا يعني: مالوا عن الإسلام والحق إلى اليهودية.

إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ يعني: إن ادعيتم وقلتم إنكم أَوْلِياءُ لِلَّهِ يعني: أحباباً لِلَّهِ.

مِنْ دُونِ النَّاسِ يعني: من دون المؤمنين، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ يعني: سلوا الموت، فقولوا: اللهم أمتنا.

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأنكم أولياء الله من دون المؤمنين.

وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً يعني: لا يسألون أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني: بما عملت وأسلفت أيديهم.

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ يعني: عليماً بحالهم بأنهم لا يتمنون الموت.

قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ أي: تكرهون الموت، يعني: نازل بكم لا محالة.

ثُمَّ تُرَدُّونَ يعني: ترجعون في الآخرة.

إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، وقد ذكرناه فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: يخبركم ويجازيكم بما كنتم تعملون في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تنطقُ بنبوتهِ، فكان كلُّ حَبْرٍ لم ينتَفِعْ بما حُمِّلَ كَمَثَلِ حِمَارٍ عليه أسفارٌ، وفي مصحف ابن مسعود «١» «كَمَثَلِ حِمَارٍ» بِغَيْرِ تعريفٍ، والسِّفْرُ الكتَابُ المجتمعُ الأوراقِ منضدة.

وقوله: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ التقدير: بِئْسَ المثلُ مثلُ القومِ الذين كذبوا بآياتِ اللَّه، - ص-: وَرُدَّ بأَنَّ فيه حذف الفاعلِ ولا يجوزُ، والظاهرُ أنَّ مَثَلُ الْقَوْمِ فاعل بِئْسَ، والَّذِينَ كَذَّبُوا هو المخصوصُ بالذَّمِّ على حذف مضافٍ أي: مثل الذين كذّبوا، انتهى.

وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ ...

الآية، رُوِيَ أنها نزلتْ بسبب أنَّ يهودَ المدينةِ لَمَّا ظَهَرَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، خَاطَبُوا يهودَ خيبرَ في أمره، وذكرُوا لهم نبوَّتَه، وقالوا إن رأيتم اتَّبَاعَهُ أطَعْنَاكُمْ وإنْ رأيتم خِلاَفَه خَالَفْنَاه معكم، فجاءهَم جوابُ أهْلِ خيبرَ يقولونَ: نحن أبناءُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن وأبناءُ عزيرِ بنُ اللَّهِ ومنا الأنبياءُ، ومتى كَانَتْ النبوةُ في العرب؟، نحن أحقُّ بالنبوةِ من محمدِ، ولا سبيلَ إلى اتباعهِ، فنزلتِ الآيةَ بمعنى:

أنكم إذا كنتم منَ اللَّهِ بهذه المنزلةِ فَقُرْبُهُ وفراقُ هذه الحياةِ الخسيسةِ أحبُّ إليكم، فَتَمَنَّوْا الموتَ إن كنتم تَعْتَقِدُون في أنفسِكم هذه المنزلة، ثم أخبر تعالى أنهم لا يتمنونه أبداً لعلمِهم بسوءِ حالِهم، ورَوَى كثيرٌ من المفسرينَ أن اللَّه- جَلَّتْ قُدْرَتُه- جَعَلَ هذه الآيةَ معجزةً لمحمدٍ نبيِّه صلّى الله عليه وسلّم فِيهم، فَهِيَ آيةٌ باهرةٌ وأعلَمَه أنه إن تمنى أحدٌ منهمُ الموتَ في أيام معدوداتٍ مات وفارق الدنيا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تَمَنّوُا الموتَ، على جهةِ التعجيزِ وإظهار الآيةِ، فما تَمَنَّاهُ أحد منهم خَوْفاً/ من الموتِ وثقة بصدق نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ الآية، النداء: الأذانُ، وكان على الجِدَارِ في مسجدِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي «مصنف أبي داودَ» : كَانَ بَيْنَ يَدَي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم

وهو عَلى المنبر أذَانُ، ثم زادَ عثمانُ النداءَ عَلَى الزوراء ليسمعَ الناسُ.

ت: وفي البخاريّ والترمذيِّ وصححه عن السائبِ بن يزيد قَالَ: كَانَ النداءُ يومَ الجمعةِ أوَّلُه إذا جَلَسَ الإمام على المنبر على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكرٍ وعمرَ، فلما تَوَلَّى عثمانُ وكثرَ الناسُ، زَادَ الأذَانَ الثالثَ فأَذَّنَ به على الزَّورَاءِ «١» ، فَثَبَتَ الأَمْرُ على ذلك «٢» ، قِيل: فقوله «الثالثَ» يَقْتَضِي أنَّهمُ كَانُوا ثلاثةً، وفي طريقٍ آخرَ «الثاني» بدَلَ «الثالث» وهو يَقْتَضِي أَنَّهُمَا اثنانِ، انتهى، وخرَّجَ مسلم عن أبي هريرةَ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من اغتسل، ثمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فصلى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثم أَنْصَتَ لِلإمَامِ حتى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأخرى، وَفَضَلُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ» «٣» انتهى، وخرَّجَهُ البخاريُّ من طريقِ سُلَيْمَان.

وقوله: مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قال ابن هشام: «من» مرادفةِ «في» ، انتهى.

وقوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ...

الآية، السعِيُ في الآيةِ لاَ يُرَادُ به الإسْرَاعُ في المشي، وإنما هو بمعنى قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى [النجم: ٣٩] فالسَّعْيُ هو بالنِّيةِ والإرَادَةِ والعَمَلِ مِنْ وُضُوءٍ، وغُسْلٍ، وَمَشْيٍ، ولُبْسِ ثوبٍ كُلُّ ذلكَ سَعْيٌ، وَقَدْ قَالَ مالكٌ وغيره: إنما تُؤْتَى الصلاةُ بالسَّكِينَةِ، ت: وهو نصُّ الحديثِ الصحيحِ، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة: / «فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا [و] عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ» ، ت:

والظاهرُ أنَّ المرادَ بالسعيِ هُنا المُضِيُّ إلى الجمعةِ، كما فسَّره الثعلبيُّ، ويدلُّ على ذلكَ إطلاقُ العلماءِ لفظَ الوجوبِ عَلَيْهِ، فيقولونَ السَّعْيُ إلَى الجمعةِ واجبٌ، ويدلُّ عَلَى ذلك قراءةُ عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابن عمر وابنِ عباس وابن الزبير وجماعة من التابعين «٤» :

«فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ» وقال ابن مسعود: لَوْ قَرَأْتُ: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ لأَسْرَعْتُ حَتَّى يَقَع رِدَائي، وقال العِرَاقِيُّ: فَاسْعَوْا معناه بَادِروا، انتهى، وقوله: إِلى ذِكْرِ اللَّهِ هو وعظُ الخطبةِ قاله ابن المسيب، ويؤيدُه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «إذَا كَانَ يومُ الجمعةِ، كَانَ على كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ ملائكة يكتبون الأوّل فالأوّل، فإذا جلس [الإما] م طَوُوُا الصُّحُفَ، وجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» الحديثُ خَرَّجَهُ البخاريُّ ومسلم، واللفظُ لمسلمٍ، والخُطْبَةُ عِنْدَ الجمهورِ شَرْطٌ في انعقادِ الجمعةِ» «١» ، وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إنَّ اللَّهَ- عزَّ وجلَّ- يَبْعَثُ الأيَّامَ يومَ القيامةِ على هَيْئَتِهَا، وَيْبَعَثُ الجُمُعَةَ زَهْرَاءَ مُنِيرَةً، أَهْلُهَا مُحِفُّونَ بِهَا كالْعَرُوسِ تهدى إلَى كرِيمَها، تُضِيءُ لهم يَمْشُونَ في ضَوْئِهَا أَلْوَانُهُمْ كالثَّلْجِ بَيَاضاً، وَرِيحُهُمْ يَسْطَعُ كَالْمِسْكِ، يَخُوضُونَ في جِبَالِ الكَافُورِ، يَنْظُرُ إلَيْهِمُ الثَّقَلاَنِ، مَا يَطْرِفُونَ تَعَجُّباً، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لاَ يُخَالِطُهُمْ إلاَّ المُؤَذِّنُونَ المُحْتَسِبُونَ» خَرَّجَهُ القاضِي الشريفُ أبو الحسنِ علي بن عبد اللَّهِ بن إبراهيمَ الهاشميّ، قال صاحبُ «التذكرة» «٢» : وإسنادهُ صحيح، انتهى.

وقوله سبحانه: ذلِكُمْ إشارةٌ إلى السعي وتَرْكِ/ البَيْعِ.

وقوله: فَانْتَشِرُوا أجمعَ الناسُ على أنَّ مُقْتَضَى هذا الأمْرِ الإباحةُ، وكذلك قوله:

«وابتَغُوا من فضل اللَّه» أنَّه الإبَاحَة في طلب المعاش، مثلَ قوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: ٢] إلا ما روي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ذلكَ الفضْلُ المُبْتَغى هو عيادةُ مريضٍ، أو صِلَةُ صديقٍ، أو اتِّباعُ جنازةٍ» ، قال ع «٣» : وفي هذا ينبغي أنْ يكونَ المرءُ بقيةَ يومِ الجمعةِ، ونحوه عن جعفر بن محمد، وقال مكحول: الفضلُ المبْتَغَى: العلمُ فينبغي أن يطلب إثر الجمعة.

وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً ...

الآية، قال معاذ بن جبل: مَا شَيْءٌ أنجى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ «١» : رواه الترمذيُّ واللفظُ له، وابنُ ماجه، والحاكمُ في «المستدرك» وقال صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح» .

وقوله سبحانه: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً ...

الآية، نزلت بسبب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانَ قائِماً على المنبرِ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فأقبلت عِيرٌ مِنَ الشَامِ تحملُ مِيرةً، وصاحبُ أمْرِهَا دِحْيَةُ بن خليفةَ الكلبي، قال مجاهد: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أن تَدْخُلَ عِيرُ المدينةِ بالطَّبْلِ والمعازفِ، والصياحِ سروراً بها، فدخلتْ العيرُ بمثلِ ذلكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المسجدِ إلى رؤيةِ ذلك وسماعه وتركوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائماً عَلَى المنبرِ، ولم يَبْقَ معه غَيْر اثنَيْ عَشَرَ رَجُلاً «٢» ، قال جابر بن عبد اللَّه: أنا أحَدُهُم، قال ع «٣» : ولم تَمُرَّ بِي تَسْمِيتُهم في ديوانٍ فيما أذْكُرُ الآنَ، إلا أنِّي سمعتُ أبي- رحمه اللَّه- يقولُ: همُ العشرةُ المشهودُ لهم بالجنةِ، واخْتُلِفَ في الحادِيَ عَشَرَ، فقيل: عمارُ بن ياسر، وقيل: ابن مسعودٍ، ت: وفي تقييد أبي الحسنِ الصغير: والاثْنَا عَشَر الباقون «٤» همُ الصحابةُ العَشَرَةُ، والحادِيَ عَشَرَ: بلالٌ، واخْتُلِفَ في الثاني عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل:

ابن مسعود، انتهى، قال السهيلي: وجَاءَتْ تسميةُ الاثْنَي عَشَرَ في حديثِ مُرْسَلٍ رواه أسد بن عمرو والدُ موسى بن أسد، وفيه: أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لَمْ يَبْقَ معه إلا أبو بكرٍ وعُمَرُ وعثمانُ حتى العشرةِ، وقَال: وبلالٌ وابن مسعود، وفي روايةٍ: عمارُ بَدلَ ابنِ مسعودٍ، وفي «مَرَاسِيلِ أبي داودَ» ذكر السببَ الذي من أجله تَرَخَّصُوا، فقال: إن الخطبةَ يوم الجمعةِ كَانَتْ بعدَ الصلاةِ فَتَأَوَّلُوا- رضي اللَّه عنهم- أنهم قَدْ قَضَوْا مَا عَلَيْهِمْ، فَحوِّلَتْ الخطبةُ بعد

ذلك قبلَ الصلاةِ، فهذا الحديثُ وإن كانَ مرسلا فالظن الجميل بأصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم يُوجِبُ أنْ يكونَ صحيحاً، واللَّه أعلم انتهى، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَال: «لَوْلاَ هؤلاءِ لَقَدْ كَانَتِ الحِجَارَةُ سُوِّمَتْ على المُنَفضِّينَ من السماءِ» ، وفي حديثٍ آخر: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ تَتَابَعْتُمْ حتى لاَ يبقى أَحَدٌ لسَالَ بِكُمُ الوَادِي نَاراً «١» ، قَالَ البخاريُّ: انْفَضُّوا معناه تَفَرَّقُوا، انتهى، وقرأ ابن مسعود «٢» : «وَمِنَ التِّجَارَةِ لِلَّذِينَ اتقوا وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» وإنما أعاد الضميرَ في قوله: إِلَيْها على التجارةِ وَحْدَهَا لأنَّهَا أهَمُّ، وهي كَانَتْ سَبَبَ اللَّهوِ، - ص-: وقرىء «٣» «إلَيْهِمَا» بالتثنيةِ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ ضَرَبَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ تَرَكُوا العَمَلَ بِالتَّوْراةِ مَثَلًا، فَقالَ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ﴾ أيْ: كُلِّفُوا العَمَلَ بِما فِيها ﴿ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها ﴾ أيْ: لَمْ يَعْمَلُوا بِمُوجِبِها، ولَمْ يُؤَدُّوا حَقَّها ﴿ كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا ﴾ وهي جَمْعُ سِفْرٍ.

والسِّفْرُ: الكِتابُ، فَشَبَّهَهم بِالحِمارِ لا يَعْقِلُ ما يَحْمِلُ، إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما في التَّوْراةِ، وهي دالَّةٌ عَلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ [وَهَذا المَثَلُ يَلْحَقُ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِالقُرْآنِ ولَمْ يَفْهَمْ مَعانِيَهُ ﴿ بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ ﴾ ذَمَّ مَثَلَهُمْ، والمُرادُ ذَمُّهُمْ، واليَهُودُ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ وبِالتَّوْراةِ حِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ] ﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ أنْفُسَهم بِتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ ﴾ وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ، قالُوا: نَحْنُ ولَدُ إسْرائِيلِ اللَّهِ بْنِ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ خَلِيلِ اللَّهِ، ونَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن سائِرِ النّاسِ، وإنَّما تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِينا.

فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ "قُلْ" لَهم إنْ كُنْتُمْ أوْلِياء لِلَّهِ فَتَمَنَّوْا المَوْت لِأنَّ المَوْتَ خَيْرٌ لِأوْلِياءِ اللَّهِ مِنَ الدُّنْيا.

وقَدْ بَيَّنّا هَذا وما بَعْدَهُ في [البَقَرَةِ: ٩٤] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ ﴾ وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ عَلِمُوا أنَّهم أفْسَدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أمْرَ الآخِرَةِ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا، وكانُوا يَكْرَهُونَ المَوْتَ، فَقِيلَ لَهُمْ: لا بُدَّ مِن نُزُولِهِ [بِكُمْ] بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُدْخِلُ الفاءَ في كُلِّ خَبَرٍ كانَ اسْمُهُ مِمّا يُوصَلُ، مِثْلُ: "مَن" و"الَّذِي" فَمَن أدْخَلَ الفاءَ ها هُنا ذَهَبَ "بِالَّذِي" إلى تَأْوِيلِ الجَزاءِ.

وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ مُلاقِيكم وهَذا عَلى القِياسِ، لِأنَّكَ تَقُولُ: إنَّ أخاكَ قائِمٌ، ولا تَقُولُ: فَقائِمٌ، ولَوْ قُلْتَ: إنَّ ضارِبَكَ فَظالِمٌ، لَجازَ، لِأنَّ تَأْوِيلَهُ: إنَّ مَن يَضْرِبُكَ فَظالِمٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما جازَ دُخُولُ الفاءِ، لِأنَّ في الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَفِرُّونَ مِنهُ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرَرْتُمْ مِن أيِّ مَوْتٍ كانَ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ وتَكُونُ "فَإنَّهُ" اسْتِئْنافًا بَعْدَ الخَبَرِ الأوَّلِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أولِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ هم بَنُو إسْرائِيلَ والأحْبارُ المُعاصِرُونَ لِرَسُولِ اللهِ  ، و"حُمِّلُوا" مَعْناهُ: كُلِّفُوا القِيامَ بِأوامِرِها ونَواهِيها، فَهَذا كَمالُ حَمْلِ الإنْسانِ الأمانَةَ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَهْرِ وإنْ كانَ مُشْتَقًّا مِنهُ، وذَكَرَ تَعالى أنَّهم لَمْ يَحْمِلُوها، أيْ: لَمْ يُطِيعُوا أمْرَها ويَقِفُوا عِنْدَ حَدِّها حِينَ كَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ  والتَوْراةُ تَنْطِقُ بِنُبُوَّتِهِ، فَكانَ كُلُّ خَيْرٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مِن حَمْلِهِ، كَمَثَلِ حِمارٍ عَلَيْهِ أسْفارٌ، فَهي عِنْدَهُ والزُبُلُ وغَيْرُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "حَمَلُوا" بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ المَأْمُونُ العَبّاسِيُّ: "يُحَمِّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ المِيمِ المَفْتُوحَةِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "كَمَثَلِ حِمارٍ" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، و"السِفْرُ": الكِتابُ المُجْتَمِعُ الأوراقِ مُنَضَّدَةً، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حالَ مِثْلِهِمْ وفَسادَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ ﴾ والتَقْدِيرُ: بِئْسَ المَثَلُ مَثَلُ القَوْمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ ﴾ الآيَةُ.

رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللهِ  خاطَبُوا يَهُودَ خَيْبَرَ في أمْرِهِ، فَذَكَرُوا لِنُبُوَّتِهِ، هم نُبُوَّتُهُ، وقالُوا لَهُمْ: إنْ رَأيْتُمُ أتْباعَهُ أطَعْناكُمْ، وإنْ رَأيْتُمْ خِلافَهُ خالَفْناهُ مَعَكُمْ، فَجاءَهم جَوابُ أهْلِ خَيْبَرَ يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، وأبْناءُ عُزَيْرٍ ابْنِ اللهِ، ومِنّا الأنْبِياءُ، ومَتّى كانَتِ النُبُوَّةُ في العَرَبِ؟

نَحْنُ أحَقُّ بِالنُبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، ولا سَبِيلَ إلى اتِّباعِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِمَعْنى: أنَّكم إذا كُنْتُمْ مِنَ اللهِ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ فَقَرِّبْهُ وفِراقُ هَذِهِ الحَياةِ الخَسِيَّةِ أحَبُّ إلَيْكم فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِكم هَذِهِ المَنزِلَةَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ ولا يُلْقُونَهُ إلّا كُرْهًا لِعِلْمِهِمْ بِسُوءِ حالِهِمْ عِنْدَ اللهِ وبُعْدِهِمْ عنهُ، هَذا هو اللازِمُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ، ورَوى كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ مُعْجِزَةً لِمُحَمَّدٍ  ، وآيَةٌ باهِرَةٌ، وأعْلَمَهُ أنَّهُ إنْ تَمَنّى أحَدٌ مِنهُمُ المَوْتَ في أيّامٍ مَعْدُودَةٍ ماتَ وفارَقَ الدُنْيا، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ  : « "تَمَنَّوُا المَوْتَ"» في جِهَةِ التَعْجِيزِ وإظْهارِ الآيَةِ، فَما تَمَنّاهُ أحَدٌ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ وثِقَةً بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ  .

ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِالمَوْتِ الَّذِي لا مَحِيدَ لَهم عنهُ، ثُمَّ بِما بَعْدَهُ مِنَ الرَدِّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "تَفِرُّونَ مِنهُ مُلاقِيكُمْ" بِإسْقاطِ "فَإنَّهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيُنَبِّئُكُمْ" أيْ" إنْباءُ مُعاقِبٍ مُجازٍ عَلَيْهِ بِالتَعْذِيبِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "فَتُمَنُّوُا المَوْتَ" بِكَسْرِ الواوِ، وكَذَلِكَ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بعد أن تبين أنه تعالى آتى فضله قوماً أميين أعقبه بأنه قد آتى فضله أهل الكتاب فلم ينتفع به هؤلاء الذين قد اقتنعوا من العلم بأن يحملوا التوراة دون فهم وهم يحسبون أن ادخار أسفار التوراة وانتقالها من بيت إلى بيت كاففٍ في التبجح بها وتحقير من لم تكن التوراة بأيديهم، فالمراد اليهود الذين قاوموا دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وظاهروا المشركين.

وقد ضرب الله لهؤلاء مثلاً بحال حمار يحمل أسفاراً لا حظّ له منها إلا الحَمل دون علم ولا فهم.

ذلك أن علم اليهود بما في التوراة أدخلوا فيه ما صيره مخلوطَاً بأخطاء وضلالات ومتبعاً فيه هوى نفوسهم وما لا يعدو نفعهم الدنيوي ولم يتخلقوا بما تحتوي عليه من الهدى والدعاء إلى تزكية النفس وقد كتموا ما في كتبهم من العهد باتباع النبي الذي يأتي لتخليصهم من ربقة الضلال فهذا وجه ارتباط هذه الآية بالآيات التي قبلها، وبذلك كانت هي كالتتمة لما قبلها.

وقال في «الكشاف» عن بعضهم: افتخر اليهود بأنهم أهل كتاب.

والعرب لا كتاب لهم.

فأبطل الله ذلك بشَبَههم بالحمار يحمل أسفاراً.

ومعنى ﴿ حملوا ﴾ : عُهد بها إليهم وكلفوا بما فيها فلم يفوا بما كلفوا، يقال: حَمَّلت فلاناً أمر كذا فاحتمله، قال تعالى: ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ﴾ سورة [الأحزاب: 72].

وإطلاق الحمل وما تصرف منه على هذا المعنى استعارة، بتشبيه إيكال الأمر بحمل الحِمل على ظهر الدابة، وبذلك كان تمثيل حالهم بحال الحمار يحمل أسفاراً تمثيلاً للمعنى المجازي بالمعنى الحقيقي.

وهو من لطائف القرآن.

وثم } للتراخي الرتبي فإن عدم وفائهم بما عُهد إليهم أعجب من تحملهم إياه.

وجملة ﴿ يحمل أسفاراً ﴾ في موضع الحال من الحمار أو في موضع الصفة لأن تعريف الحمار هنا تعريف جنس فهو معرفة لفظاً نكرة معنى، فصحّ في الجملة اعتبار الحاليَّة والوصف.

وهذا التمثيل مقصود منه تشنيع حالهم وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس المتعارف، ولذلك ذيل بذم حالهم ﴿ بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله ﴾ .

و ﴿ بئس ﴾ فعل ذم، أي ساء حال الذين كذبوا بكتاب الله فهم قد ضموا إلى جهلهم بمعاني التوراة تكذيباً بآيات الله وهي القرآن.

و ﴿ مثل القوم ﴾ ، فاعل ﴿ بئس ﴾ .

وأغنى هذا الفاعل عن ذكر المخصوصصِ بالذم لحصول العلم بأن المذموم هو حَال القوم المكذبين فلم يسلك في هذا التركيب طريق الإِبهام على شرط التفسير لأنه قد سبقه ما بينه بالمثَل المذكور قبله في قوله: ﴿ كمثل الحمار يحمل أسفاراً ﴾ .

فصار إعادة لفظ المثل ثقيلاً في الكلام أكثر من ثلاث مرات.

وهذا من تفننات القرآن.

و ﴿ الذين كذبوا ﴾ صفة ﴿ القوم ﴾ .

وجملة ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ تذييل إخباراً عنهم بأن سوء حالهم لا يرجى لهم منه انفكاك لأن الله حرمهم اللطف والعناية بإنقاذهم لظلمهم بالاعتداء على الرسول صلى الله عليه وسلم بالتكذيب دون نظر، وعلى آيات الله بالجحد دون تدبر.

قال في «الكشاف»: «وعن بعضهم قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث»، أي آيات من هذه السورة: افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه فكذبهم في قوله: ﴿ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ﴾ [الجمعة: 6].

وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم، فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، وبالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع الله لهم الجمعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ تَفِرُّونَ مِنَ الدّاءِ بِالدَّواءِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِانْقِضاءِ الأجَلِ.

الثّانِي: تَفِرُّونَ مِنَ الجِهادِ بِالقُعُودِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِالوَعِيدِ.

الثّالِثُ: تَفِرُّونَ مِنهُ بِالطِّيرَةِ مِن ذِكْرِهِ حَذَرًا مِن حُلُولِهِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِالكُرْهِ والرِّضا.

الرّابِعُ: إنَّهُ المَوْتُ الَّذِي تَفِرُّونَ أنْ تَتَمَنَّوْهُ حِينَ قالَ تَعالى: ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ﴾ قال: اليهود.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ﴾ قال: أمرهم أن يأخذوا بما فيها فلم يعملوا به.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً ﴾ قال: كتباً لا يدري ما فيها ولا يدري ما هي يضرب الله لهذه الأمة أي وأنتم إن لم تعملوا بهذا الكتاب كان مثلكم كمثلهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ يحمل أسفاراً ﴾ قال: كتباً لا يعلم ما فيها ولا يعقلها.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ كمثل الحمار يحمل أسفاراً ﴾ قال: يحمل كتباً على ظهره لا يدري ماذا عليه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أسفاراً ﴾ قال: كتباً.

وأخرج الخطيب عن عطاء بن أبي رباح مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ أسفاراً ﴾ قال: كتباً والكتاب بالنبطية يسمى سفراً.

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تكلم يوم الجمعة والإِمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له أنصت ليست له جمعة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

فقال قوله: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ﴾ قال المفسرون: حملوا العمل بما فيها وكلفوا القيام بها (١) وقال صاحب النظم: ليس هو من العمل على الظهور، وإنما من الحمالة بمعنى الكفالة والضمان، ومنه قيل للكفيل الحميل.

والمعنى: ضمنوا أحكام التوراة ثم لم يضمنوها ولم يعملوا بما فيها (٢) (٣) قوله: ﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾ جمع سفر، وهو الكتاب الكبير، لأنه سفر عن المعنى إذا قرئ، ومثله شبر وأشبار (٤)  - بالحمار يحمل كتب العلم ولا يدري ما فيها.

قال ميمون بن مهران: الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبل.

وقال أهل المعاني: وهذا المثل يلحق من لم يفهم معاني القرآن ولم يعمل به وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه، ولهذا قال ميمون بن مهران: يا أهل القرآن: اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم.

ثم تلا هذه الآية (٥) ﴿ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ﴾ لم يؤدوا حقها ولم يحملوها حق حملها على ما فسرنا فشبههم والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون (٦) ﴿ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾ أي: بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا كما قال: ﴿ سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا  ﴾ أي: مثل القوم الذين، فيكون المضاف محذوفًا، ويكون موضع ﴿ الَّذِينَ ﴾ رفعًا، ويجوز أن يكون موضع ﴿ الَّذِينَ ﴾ جرًا والمقصود بالذم محذوف (٧) ﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ  ﴾ ولم يذكر أيوب لتقدم ذكره، وذكر الوجهين أبو علي في كتاب "الإيضاح" (٨) والمراد بآيات الله هاهنا قال ابن عباس، ومقاتل: بمحمد وما أتى به من القرآن (٩)  - (١٠) (١١) قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ قال عطاء: يريد الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء (١٢) قال أبو إسحاق: معناه لا يهدي من سبق في علمه أنه يكون ظالمًا (١٣) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 154 ب، و"جامع البيان" 28/ 63، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 364.

(٢) انظر: "التفسير الكبير" 3/ 5.

(٣) انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 92، و"اللسان" 1/ 724 (حمل).

(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (سفر)، و"اللسان" (سفر).

(٥) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 5.

(٦) في (ك): (يعلمون).

(٧) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 428، و"الكشاف" 4/ 96، و"البحر المحيط" 8/ 267.

(٨) انظر: "إيضاح الشعر".

(٩) انظر: "تفسير ابن عباس" 6/ 96، و"تفسير مقاتل" 154 ب، ولفظه: (يعني القرآن).

(١٠) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 5.

(١١) (ك): (هاهنا).

(١٢) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 5.

(١٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 171.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ﴾ يعني اليهود ومعنى حملوا التوراة كلفوا العمل بها والقيام بأوامرها ونواهيها ﴿ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ﴾ لم يطيعوا أمرها ولم يعملوا بها، شبههم الله بالحمار الذي يحمل الأسفار على ظهره، ولم يدر ما فيها ﴿ بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله ﴾ يعني اليهود الذين كذبوا سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم وهم الذين حملوا التوراة ولم يحملوها؛ لأن التوراة تنطق بنبوته صلى الله عليه وسلم، فكل من قرأها ولم يؤمن به فقد خالف التوراة ﴿ فَتَمَنَّوُاْ الموت ﴾ ذكر في [البقرة: 94].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كمثل الحمار ﴾ و ﴿ التوراة ﴾ بالإمالة قد سبق ذكرهما.

الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ لا ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف أي وفي آخرين ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ أسفاراً ﴾ ط ﴿ بآيات الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أيديهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ البيع ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ قائماً ﴾ ط ﴿ للتجارة ﴾ ط ﴿ الرازقين ﴾ ه.

التفسير: في الأميين منسوب إلى أمة العرب أو إلى أم القرى.

وقد مر سائر الوجوه في " الأعراف " في قوله ﴿ النبيّ الأميّ  ﴾ وباقي الآية مذكورة في " البقرة " و " آل عمران ".

والمراد بآخرين التابعون وحدهم أو مع تبع التابعين إلى يوم القيامة.

ثمّ شبه اليهود الطاعنين في نبوّة محمد  مع أنهم حاملوا التوراة وحفاظها العارفون بما فيها من نعت نبيّ آخر الزمان بالحمار الحامل للأسفار أي الكتب الكبار لأنه لا يدري منها إلا ما مر بجنبيه من الكدّ والتعب.

ومعنى ﴿ حملوا ﴾ كلفوا العمل بما فيها.

ومحل ﴿ يحمل ﴾ جر صفة للحمار كما في قوله " على اللئيم يسبني " وهذا مثل كل من علم علماً يتعلق بعمل صالح ثم لم يعمل به.

ثم قبح مثلهم بقوله ﴿ بئس ﴾ مثلاً ﴿ مثل القوم الذين ﴾ وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه فقيل لهم: إن كان قولكم حقاً ﴿ فتمنوا الموت ﴾ ليكون وصولكم إلى دار الكرامة أسرع وقد مر مثله في أول " البقرة " إلا أنه قال ههنا ﴿ ولا يتمنونه ﴾ وهناك ولن يتمنوه وذلك أن كليهما للنفي إلا أن " لن" أبلغ في نفي الاستقبال وكانت دعواهم هناك قاطعة بالغة وهي كون الجنة لهم بصفة الخلوص فخص الأبلغ بتلك السورة.

ثم بين أن الموت الذي لا يجترؤن على تمنيه خيفة أن يؤاخذوا بوبال كفرهم فإنه ملاقيهم لا محالة.

قال أهل النظم: قد أبطل الله  قول اليهود في ثلاث: زعموا أنهم أولياء لله فكذبهم بقوله ﴿ فتمنوا الموت ﴾ وافتخروا بأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، وباهوا بالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع لنا الجمعة.

قال جار الله: يوم الجمعة بالسكون الفوج المجموع كضحكة للمضحوك منه، وضمَّ الميم تثقيل لها كما قيل في عسرة عسرة.

قلت: ومما يدل على أن أصلها الكسون جمعها على جمع كقدرة وقدر.

وفي الكشاف أن ﴿ من يوم الجمعة ﴾ بيان " إذا " وتفسير له.

وأقوال: إن اليوم أعم من وقت النداء والعام.

لإبهامه لا يصير بياناً ظاهراً فالأولى أن تكون " من " للتبعيض.

والنداء الأذان في أول وقت الظهر، وقد كان لرسول الله  مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر على ذلك، حتى إذا كان عثمان وكثر الناس زاد مؤذناً آخر، مؤذن على داره التي تسمى زوراء فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة.

وعن ابن عباس: إن أول جمعة في الإسلام بعد جمعة رسول الله  لجمعة أجتمعت بجواثى قرية من قرى البحرين من قرى عبد القيس وروي أن الأنصار بالمدينة اجتمعوا إلى أسعد بن زرارة.

وكنيته أبو إمامة وقالوا: هلموا نجعل لنا يوماًنجتمع فيه فنذكر الله ونصلي فإن لليهود السبت وللنصارى الأحد فاجعلوه يوم العروبة، فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة لاجتمعاهم فيه، وأنزل الله  آية الجمعة فهي أول جمعة كانت في الإسلام قبل مقدم النبي  وأول جمعة جمعها رسول الله  أنه لما قدم المدينة مهاجراً نزل قباء على بني عمرو بن عوف وأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فخطب وصلّى الجمعة.

وفضيلة صلاة الجمعة كثيرة منها ما ورد في الصحاح عن أبي هريرة " إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول" و " "مثل المبكر كمثل الذي يهدي بدنه ثم كالذي يهدي بقرة ثم كبشاً ثم دجاجة ثم بيضة فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر" وعنه  " "من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقى فتنة القبر" وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر غاصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج.

وقيل: أول بدعة أحدثت مع الإسلام ترك البكور إلى الجمعة.

ولا تقام الجمعة عند أبي حنيفة إلا في مصر جامع وهو ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام.

وقد يقال: ما يكون فيه نهر جار وسوق قائم وملك قاهر وطبيب حاذق.

وعنده تنعقد بثلاثة سوى الإمام، وعند الشافعي لا تنعقد إلاّ بأربعين متوطنين.

وأعذار الجمعة مشهورة في كتب الفقه.

ومعنى السعي القصد دون العدو ومنه قول الحسن: ليس السعي على الأقدام ولكنه على النيات والقلوب.

وعن ابن عمر أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي.

قال العلماء: وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه.

قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ أي إلى الخطبة والصلاة وهي تسمية الشيء بأشرف أجزائه.

ومذهب أبي حنيفة أنه لو اقتصر على كل ما يسمى ذكراً مثل الحمد لله أو سبحان الله جاز.

وعند صاحبيه والشافعي لا بد من كلام يسمى خطبة.

وعن جابر كان رسول الله  يقول في خطبته: نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله ثم يقول: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعنه أن النبي  كان صلاته قصداً وخطبته قصداً.

وعن أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قال: إني سمعت رسول الله  يقول " إن طول الصلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأقصر الخطبة وأطل الصلاة " وإن من البيان لسحراً.

قوله ﴿ وذروا البيع ﴾ خاص ولكنه عام في الحقيقة لكل ما يذهل عن ذكر الله.

وسبب التخصيص أن أهل القرى وقتئذ يجتمعون من كل أوب في السوق وأغلب اجتماعهم على البيع والشراء.

ولا خلاف بين العلماء في تحريم البيع وقت النداء.

وهل يصح ذلك البيع إن وقع الأكثرون؟

نعم لأن المنع غير متوجه نحو خصوص البيع.

وإنما هو متوجه نحو ترك الجمعة حتى لو تركها بسبب آخر فقد ارتكب النهي ولو باع في غير تلك الحالة لم يصادفه نهي.

قوله ﴿ فانتشروا ﴾ وابتغوا إباحة بعد حظر.

وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا امتثالاً للآية.

وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله.

وعن الحسن وسعيد بن المسيب: الطلب طلب العلم.

وقيل: صلاة التطوع.

وفي قوله ﴿ واذكروا الله كثيراً ﴾ إشارة إلى أن المرء لا ينبغي أن يغفل عن ذكر ربه في كل حال كما قال ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله  ﴾ عن جابر قال: بينا نحن نصلي مع النبي  إذا قيل: عير تحمل طعاماً فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي  إلا اثنا عشر رجلاً فنزلت ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ أي تفرقوا إليها ﴿ وتركوك قائماً ﴾ في الصلاة أو في الخطبة أو في الزاوية، وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهذا هو المراد باللهو والتقدير إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه.

يروى أنه  وآله قال: والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً.

ثم حث على تجارة الآخرة وعلى تيقن أن لا رازق بالحقيقة إلا هو  وقد مر مراراً.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: - عز وجل -: ﴿ مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ﴾ .

له أوجه من التأويل: أحدها: يحتمل أن يكون هذا كناية عن العمل، يعني: حملوا ما في التوراة فلم يعملوا بها.

والثاني: أن يقول: ﴿ لَمْ يَحْمِلُوهَا ﴾ ، يعني: لم يحملوها إلى من أمروا بحملها إليهم على ما أمروا؛ لأنهم حرفوا وبدلوا.

أو يجوز أن يكون تأويله - والله أعلم - أنهم كذبوا التوراة وتلقوها بالعناد والتكذيب فلم ينتفعوا بها، فمثلهم كمثل الحمار [يحمل] كتبا لا يعلم قدرها وخطرها كما قال: ﴿ كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾ ؛ لأنهم وإن عرفوا التوراة فحين لم يعظموها حق تعظيمها، وكذبوا بما فيها، كانوا كأنهم لا يعرفون قدرها وخطرها، فصار مثلهم كمثل الحمار يحمل الكتب، لا يعلم ما قدرها وخطرها؟

وهذا التأويل أقرب؛ لأنه قال في سياق هذه الآية: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ ، فثبت أن المعنى من الأول التكذيب، والله أعلم.

قال: ثم معلوم أن هذا التكذيب والتحريف إنما كان من عمل كبرائهم ورؤسائهم، فأخبر أنهم كذبوا ولم يعرفوا قدرها حين كذبوا؛ ليزجر متبعيهم عن اتباعهم، ويبين أن رؤساءهم ليسوا ممن يستحقون الاتباع.

وفيه - أيضاً - زجر للمسلمين أن يستخفوا كتاب الله والعمل بما فيه، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقول: بئس النعت والصفة صفة الذين بلغ كذبهم مبلغا كذبوا على الله؛ لأن الكاذب في العباد موصوف بالشر، فإذا بلغ كذبه مبلغا يكذب على الله  ، علم أنه في النهاية في الشر، فكأنه يقول: صفة الذين كذبوا على الله في الغاية من الشر والقبح.

أو يقول: بئس مثل الذين كذبوا بآيات الله؛ لأن الله  ضرب أمثال المشركين بكل ما يستخبث ويستقبح، وضرب أمثال المؤمنين بكل حسن وطيب، فقال: المثل يعني الشبه الذي شبه الله  به المكذبين بآياته شبه قبيح.

ثم في هذه الآية دلالة أن الله  يخلق القبيح والحسن والخبيث والطيب جميعاً؛ لأن قوله: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ﴾ ، وذلك المثل الذي شبههم به ما خلقه وقد سماه: بئسا، فثبت أن الله  قد خلق الخبيث والطيب والقبيح والحسن، وعند المعتزلة لم يخلق إلا الحسن، فتكون الآية حجة عليهم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: أنه لا يهدي القوم الظالمين لوقت اختيارهم الظلم والفسق، أو لا يهديهم بظلمهم الآيات ومكابرتهم وعنادهم إياها؛ فهو لا يهدي هؤلاء، وأما من ظلم عن جهل أو فسق ثم استرشد، فإنه يهديه ويرشده، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ؛ وقال في موضع آخر: ﴿ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ ؛ فكان في هذا بيان أن من كان من أوليائه فله الدار الآخرة عند الله خالصة، ومن كانت له الدار الآخرة فهو من أوليائه.

ويجوز أن يكون مآلهما جميعاً، والله أعلم.

ثم المباهلة في المتعارف إنما هي المحاجة في بلوغ العناد والتمرد غايته، فكأنه لما قررت عندهم جميع الحجج فلم يقبلوها أمره بالمباهلة؛ فلم يباهله اليهود والنصارى؛ لأنه يجوز أن قد كان في كتابهم هذا أن المباهلة من غاية المحاجة وأن من باهل، نزل عليه العذاب واللعنة إن لم يكن محقّاً؛ فذلك امتنعوا من المباهلة، وأما العرب من المشركين فلم يكن لهم كتاب يعرفون به حكم المباهلة فباهلوا، وذلك أنه روي أن أبا جهل كان يقول: "اللهم انصر أحبنا إليك وأقرانا للضيف وأوصلنا للرحم" فنصر الله  نبيه  ، فأبو جهل باهله؛ لأنه لم يكن له كتاب، ولم يباهله اليهود والنصارى؛ لما كانت لهم كتب عرفوا فيها حكم المباهلة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ ﴾ .

هذه الآية تدل على رسالة رسولنا  لأنه لو كان يقوله من نفسه، لكانوا يبادرون فيتمنون الموت للحال؛ ليظهر كذبه فيه، فلما أخبر أنه لا يتمنونه أبداً، ولم يتمنوا، تبين أنه قال من الوحي، وأنهم علموا ذلك حتى امتنعوا عن التمني؛ خوفا للهلاك على أنفسهم؛ لعلمهم أنهم لو تمنوا لماتوا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ ﴾ .

أي: من تحريف التوراة والإنجيل؛ لأن قول النصارى: ﴿ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ  ﴾ لم يكن في الإنجيل، وقول اليهود: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً  ﴾ لم يكن في التوراة، ولكنهم غيروا وبدلوا؛ فلا يتمنون الموت بما قدمت أيديهم من تحريف هذه الآيات وتبديلها وتغيير نعت محمد، عليه الصلاة والسلام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

يعني: بظلمهم الآيات، وعنادهم لها، ومكابرتهم إياها.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ﴾ .

أي: الموت الذي تفرون منه بما قدمت أيديكم من تحريف التوراة والإنجيل يلقاكم لا محالة وإن فررتم منه؛ فيكون فيه تذكيرهم إن رجعوا عما يهربون منه، يعني: الموت.

وقوله: ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .

يعني: إلى عالم ما أشهدتم الخلق من التوراة والإنجيل، وعالم ما غيبتم عن الخلق من نعت محمد  وغير ذلك.

أو عالم ما غيبتم في أنفسكم وأسررتم من تكذيبكم بمحمد  وما أشهدتم عليه ضعفتكم وأتباعكم من نهيكم إياهم عن اتباعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

إما عيانا تقرءونه في كتابكم يوم القيامة، أو ينبئكم بما كنتم تعملون بالجزاء إن خيرا فخير وإن شرّاً فشر، والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

مثل اليهود الذين كُلِّفوا القيام بما في التوراة فتركوا ما كُلِّفوا به، كمثل الحمار يحمل الكتب الكبيرة، لا يدري ما حُمِل عليه: أهو كتبٌ أم غيرها؟

قبح مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، والله لا يوفق القوم الظالمين لإصابة الحق.

<div class="verse-tafsir" id="91.OepZR"

مزيد من التفاسير لسورة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله