الإسلام > القرآن > سور > سورة 62 الجمعة > الآية ٧ من سورة الجمعة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 47 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧ من سورة الجمعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال الله تعالى : ( ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم ) أي : بما يعملون لهم من الكفر والظلم والفجور ، ( والله عليم بالظالمين ) وقد قدمنا في سورة " البقرة " الكلام على هذه المباهلة لليهود حيث قال تعالى : ( قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون ) [ البقرة : 94 - 96 ] وقد أسلفنا الكلام هناك وبينا أن المراد أن يدعوا على الضال من أنفسهم أو خصومهم ، كما تقدمت مباهلة النصارى في آل عمران : ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) [ آل عمران : 61 ] ومباهلة المشركين في سورة مريم : ( قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ) [ مريم : 75 ] وقد قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد ، حدثنا فرات ، عن عبد الكريم بن مالك الجزري ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال أبو جهل لعنه الله : إن رأيت محمدا عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه .
قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار .
ولو خرج الذين يباهلون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا .
رواه البخاري ، والترمذي ، والنسائي من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن عبد الكريم به قال البخاري : " وتبعه عمرو بن خالد ، عن عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم " .
ورواه النسائي أيضا عن عبد الرحمن بن عبد الله الحلبي ، عن عبيد الله بن عمرو الرقي به أتم
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: (وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا ) يقول: ولا يتمنى اليهود الموت أبدًا(بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) يعني: بما اكتسبوا في هذه الدنيا من الآثام، واجترحوا من السيئات (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) يقول: والله ذو علم بمن ظلم من خلقه نفسه، فأوبقها بكفره بالله.
ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم أي أسلفوه من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم ; فلو تمنوه لماتوا ; فكان في ذلك بطلان قولهم وما ادعوه من الولاية .
وفي حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية : " والذي نفس محمد بيده لو تمنوا الموت ما بقي على ظهرها يهودي إلا مات " .
وفي هذا إخبار عن الغيب ، ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم .
وقد مضى معنى هذه الآية في " البقرة " في قوله تعالى - : قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين .
{ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } أي من الذنوب والمعاصي، التي يستوحشون من الموت من أجلها، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } فلا يمكن أن يخفى عليه من ظلمهم شيء
"ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين".
«ولا يتمنوْنه أبدا بما قدمت أيديهم» من كفرهم بالنبي المستلزم لكذبهم «والله عليم بالظالمين» الكافرين.
ولا يتمنى هؤلاء اليهود الموت أبدًا إيثارًا للحياة الدنيا على الآخرة، وخوفًا من عقاب الله لهم؛ بسبب ما قدَّموه من الكفر وسوء الفعال.
والله عليم بالظالمين، لا يخفى عليه من ظلمهم شيء.
ثم أخبر - سبحانه - عن واقعهم وعن حالتهم المستقبلة فقال : ( وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ والله عَلِيمٌ بالظالمين ) .أى : أن هؤلاء اليهود لا يتمنى أحدهم الموت أبدا .
بسبب ما قدمته أيديهم من آثام ، والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من سيئاتهم واعتداءاتهم وظلمهم بل هو - سبحانه - يسجل ذلك عليهم ، ويجازيهم بما يستحقونه من عقاب .فالآية الكريمة خبر من الله - تعالى - عن اليهود بأنهم يكرهون الموت ، ولا يتمنونه ، ولا يستطيعون قبول ما تحداهم به - صلى الله عليه وسلم - من طلبهم تمنى الموت ، لعلمهم بأنهم لو أجابوه إلى طلبه ، لحل بهم الموت الذى يكرهونه .وقد صح من عدة طرق عن ابن عباس أنه قال : لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه .
.
.وقال ابن جرير : وبلغنا أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ، ولرأوا مقاعدهم من النار .
.
" .وقال ابن كثير : وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال : " قال أبو جهل - لعنه الله - : إن رأيتُ محمدا عند الكعبة ، لآتينه حتى أطأ عنقه .
قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار .
ولو خرج الذين يباهلون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا " " .وقال صاحب الكشاف ما ملخصه : وقوله : ( وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً ) أى : بسبب ما قدموا من الكفر ، وقد قال لهم - صلى الله عليه وسلم - : " والذى نفسى بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه " فلولا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتمنوا ، ولكنهم علموا أنهم لم تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد فما تمالك أحد منهم أن يتمنى ، وهى إحدى المعجزات - لأنها إخبار بالغيب وكانت كما أخبر - .فإن قلت : ما أدراك أنهم لم يتمنوا الموت؟
قلت : لو تمنوا لنقل ذلك عنهم ، كما نقلت سائر الحوادث ، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن فى الإسلام ، أكثر من الذر ، وليس أحد منهم نقل عنه ذلك .هذا ، ويكفى فى تحقيق هذه المعجزة ، ألا يصدر تمنى الموت عن اليهود الذين تحداهم النبى - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، وهم الذين كانوا يضعون العراقيل فى طريق دعوته .
.
ولا يقدح فى هذه المعجزة ، أن ينطق يهودى بعد العهد النبوى بتمنى الموت ، وهو حريص على الحياة ، لأن المعنيين بالتحدى هم اليهود المعاصرون للعهد النبوى .والمقصود بقوله - تعالى - : ( والله عَلِيمٌ بالظالمين ) التهديد والوعيد .أى : والله - تعالى - عليم علما تاما بأحوال هؤلاء الظالمين ، وسيعاقبهم العقاب الذىيتناسب مع ظلمهم وبغيهم .
فالمراد من العلم لازمه ، وهو الجزاء والحساب .
.
.وعبر - سبحانه - هنا بقوله : ( وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ .
.
) وفى سورة البقرة بقوله : ( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ .
.
.
) للإشعار بأنهم يكرهون الموت فى الحال وفى المستقبل كراهة شديدة .
هذه الآية من جملة ما مر بيانه، وقرئ: ﴿ فَتَمَنَّوُاْ الموت ﴾ بكسر الواو، و ﴿ هَادُواْ ﴾ أي تهودوا، وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه، فلو كان قولكم حقاً وأنتم على ثقة فتمنوا على الله أن يميتكم وينقلكم سريعاً إلى دار كرامته التي أعدها لأوليائه، قال الشاعر: ليس من مات فاستراح بميت *** إنما الميت ميت الأحياء فهم يطلبون الموت لا محالة إذا كانت الحالة هذه، وقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ ﴾ أي بسبب ما قدموا من الكفر وتحريف الآيات، وذكر مرة بلفظ التأكيد ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾ ومرة بدون لفظ التأكيد ﴿ وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ ﴾ وقوله: ﴿ أَبَدًا...
والله عَلِيمٌ بالظالمين ﴾ أي بظلمهم من تحريف الآيات وعنادهم لها، ومكابرتهم إياها.
<div class="verse-tafsir"
هاد يهود: إذا تهود ﴿ أَوْلِيَاء لِلَّهِ ﴾ كانوا يقولون.
نحن أبناء الله وأحباؤه، أي: إن كان قولكم حقاً وكنتم على ثقة ﴿ فَتَمَنَّوُاْ ﴾ على الله أن يميتكم وينقلكم سريعاً إلى دار كرامته التي أعدّها لأوليائه، ثم قال: ﴿ وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً ﴾ بسبب ما قدّموا من الكفر، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه» فلولا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لتمنوا، ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد، فما تمالك أحد منهم أن يتمنى؛ وهي إحدى المعجزات.
وقرئ: ﴿ فتمنوا الموت ﴾ بكسر الواو، تشبيهاً بلو استطعنا.
ولا فرق بين (لا) و (لن) في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل، إلا أن في (لن) تأكيداً وتشديداً ليس في (لا) فأتى مرّة بلفظ التأكيد ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ ﴾ [البقرة: 95] ومرّة بغير لفظه ﴿ وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ ﴾ [الجمعة: 7] ثم قيل لهم ﴿ إِنَّ الموت الذى تَفِرُّونَ مِنْهُ ﴾ ولا تجسرون أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم؛ لا تفوتونه وهو ملاقيكم لا محالة ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ ﴾ إلى الله فيجازيكم بما أنتم أهله من العقاب.
وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه: إنه ملاقيكم.
وفي قراءة ابن مسعود: تفرون منه ملاقيكم، وهي ظاهرة.
وأما التي بالفاء، فلتضمن الذي معنى الشرط، وقد جعل ﴿ إِنَّ الموت الذى تَفِرُّونَ مِنْهُ ﴾ كلاماً برأسه في قراءة زيد، أي: إن الموت هو الشيء الذي تفرّون منه، ثم استؤنف: إنه ملاقيكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا ﴾ تَهَوَّدُوا.
﴿ إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ ﴾ إذْ كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ.
﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ ﴾ فَتَمَنَّوْا مِنَ اللَّهِ أنْ يُمِيتَكم ويَنْقُلَكم مِن دارِ البَلِيَّةِ إلى مَحَلِّ الكَرامَةِ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في زَعْمِكم.
﴿ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ بِسَبَبِ ما قَدَّمُوا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ.
﴿ قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ ﴾ وتَخافُونَ أنْ تَتَمَنَّوْهُ بِلِسانِكم مَخافَةَ أنْ يُصِيبَكم فَتُؤْخَذُوا بِأعْمالِكم.
﴿ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ لاحِقٌ بِكم لا تُفَوَّتُونَهُ، والفاءُ لِتُضَمِّنِ الِاسْمَ مَعْنى الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ الوَصْفِ، وكَأنَّ فِرارَهم يُسْرِعُ لِحَوْقَهُ بِهِمْ.
وقَدْ قُرِئَ بِغَيْرِ فاءٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ خَبَرًا والفاءُ عاطِفَةً.
ثُمَّ ﴿ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ بِأنْ يُجازِيَكم عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ} أي بسبب ما قدموا من الكفر ولا فرق بين
لا ولن في كل واحدة منهما نفي للمستقبل إلا أن في لن تأكيد وتشديدا ليس في لا بأني مرة بلفظ التأكيد ولن يتمنوه ومرة بغير لظفه ولا يَتَمَنَّونَهُ {والله عَلِيمٌ بالظالمين} وعيد لهم
﴿ ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا ﴾ إخْبارٌ بِحالِهِمُ المُسْتَقْبَلَةِ وهو عَدَمُ تَمَنِّيهِمُ المَوْتَ، وذَلِكَ خاصٌّ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ بِأُولَئِكَ المُخاطَبِينَ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهم: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَقُولُها أحَدٌ مِنكم إلّا غَصَّ بِرِيقِهِ»» فَلَمْ يَتَمَنَّهُ أحَدٌ مِنهم وما ذَلِكَ إلّا لِأنَّهم كانُوا مُوقِنِينَ بِصِدْقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَعَلِمُوا أنَّهم لَوْ تَمَنَّوْا لَماتُوا مِن ساعَتِهِمْ ولَحِقَهُمُ الوَعِيدُ، وهَذِهِ إحْدى المُعْجِزاتِ، وجاءَ نَفْيُ هَذا التَّمَنِّي في آيَةٍ أُخْرى - بِلَنْ - وهو مِن بابِ التَّفَنُّنِ عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ في أنَّ كُلًّا مِن - لا- ولَنْ - لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ، ومَن قالَ: بِإفادَةِ - لَنْ -التَّأْكِيدَ فَوَجْهُ اخْتِصاصِ التَّوْكِيدِ عِنْدَهُ بِذَلِكَ المَوْضِعِ أنَّهُمُ ادَّعَوُا الِاخْتِصاصَ دُونَ النّاسِ في المَوْضِعَيْنِ، وزادُوا هُنالِكَ أنَّهُ أمْرٌ مَكْشُوفٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ مُحَقَّقَةٌ عِنْدَ اللَّهِ فَناسَبَ أنْ يُؤَكِّدَ ما يَنْفِيهِ، والباءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّفْيُ أيْ يَأْبَوْنَ التَّمَنِّيَ بِسَبَبِ ما قَدَّمَتْ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِالِانْتِفاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: انْتَفى تَمَنِّيهِمْ بِسَبَبِ ما قَدَّمَتْ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ والمُرادُ بِما قَدَّمَتْهُ أيْدِيهِمُ الكُفْرُ والمَعاصِي المُوجِبَةُ لِدُخُولِ النّارِ، ولَمّا كانَتِ اليَدُ مِن بَيْنِ جَوارِحِ الإنْسانِ مَناطَ عامَّةِ أفْعالِهِ عُبِّرَ بِها تارَةً عَنِ النَّفْسِ وأُخْرى عَنِ القُدْرَةِ ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ ﴾ أيْ بِهِمْ وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ لِذَمِّهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ظالِمُونَ في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ادِّعاءُ ما هم عَنْهُ بِمَعْزِلٍ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها مُقَرِّرَةٌ لِما أشارَ إلَيْهِ مِن سُوءِ أفْعالِهِمْ واقْتِضائِها العَذابَ أيْ واللَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِما صَدَرَ مِنهم مِن فُنُونِ الظُّلْمِ والمَعاصِي وبِما سَيَكُونُ مِنهم فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
إحدى عشرة آية مدنية قوله تعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وقد ذكرناه.
الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ يعني: الملك الذي يملك كل شيء، ولا يزال ملكه القدوس يعني: الطاهر عن الشريك والولد.
قرئ في الشاذ: الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ بالضم ومعناه هو الملك القدوس وقرأه العامة بالكسر، فيكون نعتاً لله تعالى: الْعَزِيزِ في ملكه، الْحَكِيمِ في أمره.
ثم قال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ يعني: في العرب.
والأميون الذين لا يكتبون، وهو ما خلقت عليه الأمة قبل تعلم الكتابة.
رَسُولًا مِنْهُمْ يعني: من قومهم العرب.
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ يعني: يقرأ عليهم آياتِهِ يعني: القرآن، وَيُزَكِّيهِمْ يعني: يدعوهم إلى التوحيد، ويطهرهم به من عبادة الأوثان ويقال: يُزَكِّيهِمْ يعني: يصلحهم، ويقال: يأمرهم بالزكاة.
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يعني: القرآن وَالْحِكْمَةَ يعني: الحلال والحرام.
وَإِنْ كانُوا يعني: وقد كانوا مِنْ قَبْلُ أن يبعث إليهم محمدا ، لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: لفي خطأ بيِّن يعني: الشرك.
وَآخَرِينَ مِنْهُمْ يعني: التابعين من هذه الأمة ممن بقي، لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ يعني: لم يكونوا بعد فسيكونون.
وروى جويبر، عن الضحاك في قوله: آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قال: يعني: من أسلم من الناس، وعمل صالحاً إلى يوم القيامة من عربي وعجمي.
ثم قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يعني: العزيز في ملكه، الحكيم في أمره.
قوله تعالى: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ يعني: الإسلام فضل الله يؤتيه مَنْ يَشاءُ يعني: يعطيه من يشاء، ويكرم به من يشاء من كان أهلاً لذلك.
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعني: ذو المنّ العظيم لمن اختصه بالإسلام.
ثم قال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ يعني: صفة الذين علموا التوراة، وأمروا بأن يعملوا بما فيها.
ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، أي: لم يعملوا بما أمروا فيها من الأمر والنهي وبيان صفة محمد .
ويقال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ وأمروا بأن يحملوا تفسيرها، ثم لم يحملوها يعني: لم يعلموا تفسيرها، فمثلهم كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً يعني: يحمل كتباً ولا يدري ما فيها، كما لا يدري اليهود ما حملوا من التوراة.
ثم قال: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني: بئس مثل القوم ضربنا لهم الأمثال، ويقال: بئس صفة القوم الذين كَذَّبُواْ بآيات الله، يعني: جحدوا بالقرآن وبمحمد .
وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: إلى طريق الجنة اليهود الذين لا يرغبون في الحق.
وقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا يعني: مالوا عن الإسلام والحق إلى اليهودية.
إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ يعني: إن ادعيتم وقلتم إنكم أَوْلِياءُ لِلَّهِ يعني: أحباباً لِلَّهِ.
مِنْ دُونِ النَّاسِ يعني: من دون المؤمنين، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ يعني: سلوا الموت، فقولوا: اللهم أمتنا.
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأنكم أولياء الله من دون المؤمنين.
وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً يعني: لا يسألون أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني: بما عملت وأسلفت أيديهم.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ يعني: عليماً بحالهم بأنهم لا يتمنون الموت.
قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ أي: تكرهون الموت، يعني: نازل بكم لا محالة.
ثُمَّ تُرَدُّونَ يعني: ترجعون في الآخرة.
إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، وقد ذكرناه فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: يخبركم ويجازيكم بما كنتم تعملون في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
تنطقُ بنبوتهِ، فكان كلُّ حَبْرٍ لم ينتَفِعْ بما حُمِّلَ كَمَثَلِ حِمَارٍ عليه أسفارٌ، وفي مصحف ابن مسعود «١» «كَمَثَلِ حِمَارٍ» بِغَيْرِ تعريفٍ، والسِّفْرُ الكتَابُ المجتمعُ الأوراقِ منضدة.
وقوله: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ التقدير: بِئْسَ المثلُ مثلُ القومِ الذين كذبوا بآياتِ اللَّه، - ص-: وَرُدَّ بأَنَّ فيه حذف الفاعلِ ولا يجوزُ، والظاهرُ أنَّ مَثَلُ الْقَوْمِ فاعل بِئْسَ، والَّذِينَ كَذَّبُوا هو المخصوصُ بالذَّمِّ على حذف مضافٍ أي: مثل الذين كذّبوا، انتهى.
وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ ...
الآية، رُوِيَ أنها نزلتْ بسبب أنَّ يهودَ المدينةِ لَمَّا ظَهَرَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، خَاطَبُوا يهودَ خيبرَ في أمره، وذكرُوا لهم نبوَّتَه، وقالوا إن رأيتم اتَّبَاعَهُ أطَعْنَاكُمْ وإنْ رأيتم خِلاَفَه خَالَفْنَاه معكم، فجاءهَم جوابُ أهْلِ خيبرَ يقولونَ: نحن أبناءُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن وأبناءُ عزيرِ بنُ اللَّهِ ومنا الأنبياءُ، ومتى كَانَتْ النبوةُ في العرب؟، نحن أحقُّ بالنبوةِ من محمدِ، ولا سبيلَ إلى اتباعهِ، فنزلتِ الآيةَ بمعنى:
أنكم إذا كنتم منَ اللَّهِ بهذه المنزلةِ فَقُرْبُهُ وفراقُ هذه الحياةِ الخسيسةِ أحبُّ إليكم، فَتَمَنَّوْا الموتَ إن كنتم تَعْتَقِدُون في أنفسِكم هذه المنزلة، ثم أخبر تعالى أنهم لا يتمنونه أبداً لعلمِهم بسوءِ حالِهم، ورَوَى كثيرٌ من المفسرينَ أن اللَّه- جَلَّتْ قُدْرَتُه- جَعَلَ هذه الآيةَ معجزةً لمحمدٍ نبيِّه صلّى الله عليه وسلّم فِيهم، فَهِيَ آيةٌ باهرةٌ وأعلَمَه أنه إن تمنى أحدٌ منهمُ الموتَ في أيام معدوداتٍ مات وفارق الدنيا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تَمَنّوُا الموتَ، على جهةِ التعجيزِ وإظهار الآيةِ، فما تَمَنَّاهُ أحد منهم خَوْفاً/ من الموتِ وثقة بصدق نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ الآية، النداء: الأذانُ، وكان على الجِدَارِ في مسجدِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفي «مصنف أبي داودَ» : كَانَ بَيْنَ يَدَي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم
وهو عَلى المنبر أذَانُ، ثم زادَ عثمانُ النداءَ عَلَى الزوراء ليسمعَ الناسُ.
ت: وفي البخاريّ والترمذيِّ وصححه عن السائبِ بن يزيد قَالَ: كَانَ النداءُ يومَ الجمعةِ أوَّلُه إذا جَلَسَ الإمام على المنبر على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكرٍ وعمرَ، فلما تَوَلَّى عثمانُ وكثرَ الناسُ، زَادَ الأذَانَ الثالثَ فأَذَّنَ به على الزَّورَاءِ «١» ، فَثَبَتَ الأَمْرُ على ذلك «٢» ، قِيل: فقوله «الثالثَ» يَقْتَضِي أنَّهمُ كَانُوا ثلاثةً، وفي طريقٍ آخرَ «الثاني» بدَلَ «الثالث» وهو يَقْتَضِي أَنَّهُمَا اثنانِ، انتهى، وخرَّجَ مسلم عن أبي هريرةَ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من اغتسل، ثمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فصلى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثم أَنْصَتَ لِلإمَامِ حتى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأخرى، وَفَضَلُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ» «٣» انتهى، وخرَّجَهُ البخاريُّ من طريقِ سُلَيْمَان.
وقوله: مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قال ابن هشام: «من» مرادفةِ «في» ، انتهى.
وقوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ...
الآية، السعِيُ في الآيةِ لاَ يُرَادُ به الإسْرَاعُ في المشي، وإنما هو بمعنى قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى [النجم: ٣٩] فالسَّعْيُ هو بالنِّيةِ والإرَادَةِ والعَمَلِ مِنْ وُضُوءٍ، وغُسْلٍ، وَمَشْيٍ، ولُبْسِ ثوبٍ كُلُّ ذلكَ سَعْيٌ، وَقَدْ قَالَ مالكٌ وغيره: إنما تُؤْتَى الصلاةُ بالسَّكِينَةِ، ت: وهو نصُّ الحديثِ الصحيحِ، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة: / «فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا [و] عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ» ، ت:
والظاهرُ أنَّ المرادَ بالسعيِ هُنا المُضِيُّ إلى الجمعةِ، كما فسَّره الثعلبيُّ، ويدلُّ على ذلكَ إطلاقُ العلماءِ لفظَ الوجوبِ عَلَيْهِ، فيقولونَ السَّعْيُ إلَى الجمعةِ واجبٌ، ويدلُّ عَلَى ذلك قراءةُ عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابن عمر وابنِ عباس وابن الزبير وجماعة من التابعين «٤» :
«فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ» وقال ابن مسعود: لَوْ قَرَأْتُ: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ لأَسْرَعْتُ حَتَّى يَقَع رِدَائي، وقال العِرَاقِيُّ: فَاسْعَوْا معناه بَادِروا، انتهى، وقوله: إِلى ذِكْرِ اللَّهِ هو وعظُ الخطبةِ قاله ابن المسيب، ويؤيدُه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «إذَا كَانَ يومُ الجمعةِ، كَانَ على كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ ملائكة يكتبون الأوّل فالأوّل، فإذا جلس [الإما] م طَوُوُا الصُّحُفَ، وجَاؤُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» الحديثُ خَرَّجَهُ البخاريُّ ومسلم، واللفظُ لمسلمٍ، والخُطْبَةُ عِنْدَ الجمهورِ شَرْطٌ في انعقادِ الجمعةِ» «١» ، وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إنَّ اللَّهَ- عزَّ وجلَّ- يَبْعَثُ الأيَّامَ يومَ القيامةِ على هَيْئَتِهَا، وَيْبَعَثُ الجُمُعَةَ زَهْرَاءَ مُنِيرَةً، أَهْلُهَا مُحِفُّونَ بِهَا كالْعَرُوسِ تهدى إلَى كرِيمَها، تُضِيءُ لهم يَمْشُونَ في ضَوْئِهَا أَلْوَانُهُمْ كالثَّلْجِ بَيَاضاً، وَرِيحُهُمْ يَسْطَعُ كَالْمِسْكِ، يَخُوضُونَ في جِبَالِ الكَافُورِ، يَنْظُرُ إلَيْهِمُ الثَّقَلاَنِ، مَا يَطْرِفُونَ تَعَجُّباً، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لاَ يُخَالِطُهُمْ إلاَّ المُؤَذِّنُونَ المُحْتَسِبُونَ» خَرَّجَهُ القاضِي الشريفُ أبو الحسنِ علي بن عبد اللَّهِ بن إبراهيمَ الهاشميّ، قال صاحبُ «التذكرة» «٢» : وإسنادهُ صحيح، انتهى.
وقوله سبحانه: ذلِكُمْ إشارةٌ إلى السعي وتَرْكِ/ البَيْعِ.
وقوله: فَانْتَشِرُوا أجمعَ الناسُ على أنَّ مُقْتَضَى هذا الأمْرِ الإباحةُ، وكذلك قوله:
«وابتَغُوا من فضل اللَّه» أنَّه الإبَاحَة في طلب المعاش، مثلَ قوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: ٢] إلا ما روي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ذلكَ الفضْلُ المُبْتَغى هو عيادةُ مريضٍ، أو صِلَةُ صديقٍ، أو اتِّباعُ جنازةٍ» ، قال ع «٣» : وفي هذا ينبغي أنْ يكونَ المرءُ بقيةَ يومِ الجمعةِ، ونحوه عن جعفر بن محمد، وقال مكحول: الفضلُ المبْتَغَى: العلمُ فينبغي أن يطلب إثر الجمعة.
وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً ...
الآية، قال معاذ بن جبل: مَا شَيْءٌ أنجى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ «١» : رواه الترمذيُّ واللفظُ له، وابنُ ماجه، والحاكمُ في «المستدرك» وقال صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح» .
وقوله سبحانه: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً ...
الآية، نزلت بسبب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانَ قائِماً على المنبرِ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فأقبلت عِيرٌ مِنَ الشَامِ تحملُ مِيرةً، وصاحبُ أمْرِهَا دِحْيَةُ بن خليفةَ الكلبي، قال مجاهد: وكانَ مِن عُرْفِهِمْ أن تَدْخُلَ عِيرُ المدينةِ بالطَّبْلِ والمعازفِ، والصياحِ سروراً بها، فدخلتْ العيرُ بمثلِ ذلكَ، فانْفَضَّ أهْلُ المسجدِ إلى رؤيةِ ذلك وسماعه وتركوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائماً عَلَى المنبرِ، ولم يَبْقَ معه غَيْر اثنَيْ عَشَرَ رَجُلاً «٢» ، قال جابر بن عبد اللَّه: أنا أحَدُهُم، قال ع «٣» : ولم تَمُرَّ بِي تَسْمِيتُهم في ديوانٍ فيما أذْكُرُ الآنَ، إلا أنِّي سمعتُ أبي- رحمه اللَّه- يقولُ: همُ العشرةُ المشهودُ لهم بالجنةِ، واخْتُلِفَ في الحادِيَ عَشَرَ، فقيل: عمارُ بن ياسر، وقيل: ابن مسعودٍ، ت: وفي تقييد أبي الحسنِ الصغير: والاثْنَا عَشَر الباقون «٤» همُ الصحابةُ العَشَرَةُ، والحادِيَ عَشَرَ: بلالٌ، واخْتُلِفَ في الثاني عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل:
ابن مسعود، انتهى، قال السهيلي: وجَاءَتْ تسميةُ الاثْنَي عَشَرَ في حديثِ مُرْسَلٍ رواه أسد بن عمرو والدُ موسى بن أسد، وفيه: أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لَمْ يَبْقَ معه إلا أبو بكرٍ وعُمَرُ وعثمانُ حتى العشرةِ، وقَال: وبلالٌ وابن مسعود، وفي روايةٍ: عمارُ بَدلَ ابنِ مسعودٍ، وفي «مَرَاسِيلِ أبي داودَ» ذكر السببَ الذي من أجله تَرَخَّصُوا، فقال: إن الخطبةَ يوم الجمعةِ كَانَتْ بعدَ الصلاةِ فَتَأَوَّلُوا- رضي اللَّه عنهم- أنهم قَدْ قَضَوْا مَا عَلَيْهِمْ، فَحوِّلَتْ الخطبةُ بعد
ذلك قبلَ الصلاةِ، فهذا الحديثُ وإن كانَ مرسلا فالظن الجميل بأصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم يُوجِبُ أنْ يكونَ صحيحاً، واللَّه أعلم انتهى، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَال: «لَوْلاَ هؤلاءِ لَقَدْ كَانَتِ الحِجَارَةُ سُوِّمَتْ على المُنَفضِّينَ من السماءِ» ، وفي حديثٍ آخر: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ تَتَابَعْتُمْ حتى لاَ يبقى أَحَدٌ لسَالَ بِكُمُ الوَادِي نَاراً «١» ، قَالَ البخاريُّ: انْفَضُّوا معناه تَفَرَّقُوا، انتهى، وقرأ ابن مسعود «٢» : «وَمِنَ التِّجَارَةِ لِلَّذِينَ اتقوا وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» وإنما أعاد الضميرَ في قوله: إِلَيْها على التجارةِ وَحْدَهَا لأنَّهَا أهَمُّ، وهي كَانَتْ سَبَبَ اللَّهوِ، - ص-: وقرىء «٣» «إلَيْهِمَا» بالتثنيةِ.
ثُمَّ ضَرَبَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ تَرَكُوا العَمَلَ بِالتَّوْراةِ مَثَلًا، فَقالَ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ﴾ أيْ: كُلِّفُوا العَمَلَ بِما فِيها ﴿ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها ﴾ أيْ: لَمْ يَعْمَلُوا بِمُوجِبِها، ولَمْ يُؤَدُّوا حَقَّها ﴿ كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا ﴾ وهي جَمْعُ سِفْرٍ.
والسِّفْرُ: الكِتابُ، فَشَبَّهَهم بِالحِمارِ لا يَعْقِلُ ما يَحْمِلُ، إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما في التَّوْراةِ، وهي دالَّةٌ عَلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ [وَهَذا المَثَلُ يَلْحَقُ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِالقُرْآنِ ولَمْ يَفْهَمْ مَعانِيَهُ ﴿ بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ ﴾ ذَمَّ مَثَلَهُمْ، والمُرادُ ذَمُّهُمْ، واليَهُودُ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ وبِالتَّوْراةِ حِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ] ﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ أنْفُسَهم بِتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ ﴾ وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ، قالُوا: نَحْنُ ولَدُ إسْرائِيلِ اللَّهِ بْنِ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ خَلِيلِ اللَّهِ، ونَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن سائِرِ النّاسِ، وإنَّما تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِينا.
فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ "قُلْ" لَهم إنْ كُنْتُمْ أوْلِياء لِلَّهِ فَتَمَنَّوْا المَوْت لِأنَّ المَوْتَ خَيْرٌ لِأوْلِياءِ اللَّهِ مِنَ الدُّنْيا.
وقَدْ بَيَّنّا هَذا وما بَعْدَهُ في [البَقَرَةِ: ٩٤] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ ﴾ وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ عَلِمُوا أنَّهم أفْسَدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أمْرَ الآخِرَةِ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا، وكانُوا يَكْرَهُونَ المَوْتَ، فَقِيلَ لَهُمْ: لا بُدَّ مِن نُزُولِهِ [بِكُمْ] بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُدْخِلُ الفاءَ في كُلِّ خَبَرٍ كانَ اسْمُهُ مِمّا يُوصَلُ، مِثْلُ: "مَن" و"الَّذِي" فَمَن أدْخَلَ الفاءَ ها هُنا ذَهَبَ "بِالَّذِي" إلى تَأْوِيلِ الجَزاءِ.
وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ مُلاقِيكم وهَذا عَلى القِياسِ، لِأنَّكَ تَقُولُ: إنَّ أخاكَ قائِمٌ، ولا تَقُولُ: فَقائِمٌ، ولَوْ قُلْتَ: إنَّ ضارِبَكَ فَظالِمٌ، لَجازَ، لِأنَّ تَأْوِيلَهُ: إنَّ مَن يَضْرِبُكَ فَظالِمٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما جازَ دُخُولُ الفاءِ، لِأنَّ في الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَفِرُّونَ مِنهُ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرَرْتُمْ مِن أيِّ مَوْتٍ كانَ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ وتَكُونُ "فَإنَّهُ" اسْتِئْنافًا بَعْدَ الخَبَرِ الأوَّلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أولِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ هم بَنُو إسْرائِيلَ والأحْبارُ المُعاصِرُونَ لِرَسُولِ اللهِ ، و"حُمِّلُوا" مَعْناهُ: كُلِّفُوا القِيامَ بِأوامِرِها ونَواهِيها، فَهَذا كَمالُ حَمْلِ الإنْسانِ الأمانَةَ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَهْرِ وإنْ كانَ مُشْتَقًّا مِنهُ، وذَكَرَ تَعالى أنَّهم لَمْ يَحْمِلُوها، أيْ: لَمْ يُطِيعُوا أمْرَها ويَقِفُوا عِنْدَ حَدِّها حِينَ كَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ والتَوْراةُ تَنْطِقُ بِنُبُوَّتِهِ، فَكانَ كُلُّ خَيْرٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مِن حَمْلِهِ، كَمَثَلِ حِمارٍ عَلَيْهِ أسْفارٌ، فَهي عِنْدَهُ والزُبُلُ وغَيْرُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "حَمَلُوا" بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ المَأْمُونُ العَبّاسِيُّ: "يُحَمِّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وشَدِّ المِيمِ المَفْتُوحَةِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "كَمَثَلِ حِمارٍ" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، و"السِفْرُ": الكِتابُ المُجْتَمِعُ الأوراقِ مُنَضَّدَةً، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى حالَ مِثْلِهِمْ وفَسادَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ ﴾ والتَقْدِيرُ: بِئْسَ المَثَلُ مَثَلُ القَوْمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ ﴾ الآيَةُ.
رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللهِ خاطَبُوا يَهُودَ خَيْبَرَ في أمْرِهِ، فَذَكَرُوا لِنُبُوَّتِهِ، هم نُبُوَّتُهُ، وقالُوا لَهُمْ: إنْ رَأيْتُمُ أتْباعَهُ أطَعْناكُمْ، وإنْ رَأيْتُمْ خِلافَهُ خالَفْناهُ مَعَكُمْ، فَجاءَهم جَوابُ أهْلِ خَيْبَرَ يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، وأبْناءُ عُزَيْرٍ ابْنِ اللهِ، ومِنّا الأنْبِياءُ، ومَتّى كانَتِ النُبُوَّةُ في العَرَبِ؟
نَحْنُ أحَقُّ بِالنُبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، ولا سَبِيلَ إلى اتِّباعِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِمَعْنى: أنَّكم إذا كُنْتُمْ مِنَ اللهِ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ فَقَرِّبْهُ وفِراقُ هَذِهِ الحَياةِ الخَسِيَّةِ أحَبُّ إلَيْكم فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِكم هَذِهِ المَنزِلَةَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ ولا يُلْقُونَهُ إلّا كُرْهًا لِعِلْمِهِمْ بِسُوءِ حالِهِمْ عِنْدَ اللهِ وبُعْدِهِمْ عنهُ، هَذا هو اللازِمُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ، ورَوى كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ مُعْجِزَةً لِمُحَمَّدٍ ، وآيَةٌ باهِرَةٌ، وأعْلَمَهُ أنَّهُ إنْ تَمَنّى أحَدٌ مِنهُمُ المَوْتَ في أيّامٍ مَعْدُودَةٍ ماتَ وفارَقَ الدُنْيا، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ : « "تَمَنَّوُا المَوْتَ"» في جِهَةِ التَعْجِيزِ وإظْهارِ الآيَةِ، فَما تَمَنّاهُ أحَدٌ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ وثِقَةً بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ .
ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِالمَوْتِ الَّذِي لا مَحِيدَ لَهم عنهُ، ثُمَّ بِما بَعْدَهُ مِنَ الرَدِّ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "تَفِرُّونَ مِنهُ مُلاقِيكُمْ" بِإسْقاطِ "فَإنَّهُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيُنَبِّئُكُمْ" أيْ" إنْباءُ مُعاقِبٍ مُجازٍ عَلَيْهِ بِالتَعْذِيبِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "فَتُمَنُّوُا المَوْتَ" بِكَسْرِ الواوِ، وكَذَلِكَ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ.
<div class="verse-tafsir"
اعتراض بين جملتي القولين قصد به تحديهم لإِقامة الحجة عليهم أنهم ليسوا أولياء لله.
وليس المقصود من هذا معذرة لهم من عدم تمنيهم الموت وإنما المقصود زيادة الكشف عن بطلان قولهم: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ [المائدة: 18] وإثبات أنهم في شك من ذلك كما دل عليه استدلال القرآن عليهم بتحققهم أن الله يعذبهم بذنوبهم في قوله تعالى: (والباء في بما قدمت أيديهم } سببية متعلقة بفعل ﴿ يتمنونه ﴾ المنفي فما قدمت أيديهم هو سَبب انتفاء تمنيهم الموت ألقى في نفوسهم الخوف مما قدمت أيديهم فكان سبب صرفهم عن تمنّي الموت لتقدم الحجة عليهم.
و (ما) موصولة وعائدة الصلة محذوف وحذفه أغلبي في أمثاله.
والأيدي مجاز في اكتساب الأعمال لأن اليد يلزمها الاكتساب غالباً.
وَمَصْدَقُ «ما قدمت أيديهم» سيئاتهم ومعاصيهم بقرينة المقام.
وتقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة وما ذكرتُه هنا أتم مما هنالك فاجمع بينهما.
والتقديم: أصله جعل الشيء مقدَّماً، أي سابقاً غيرَه في مكان يقعوه فيه غيره.
واستعير هنا لما سلف من العمل تشبيهاً له بشيء يسبِّقه المرء إلى مكان قبل وصوله إليه.
وجملة ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ ، أي عليم بأحوالهم وبأحوال أمثالهم من الظالمين فشمل لفظ الظالمين اليهود فإنهم من الظالمين.
وقد تقدم معنى ظلمهم في الآية قبلها.
وقد وصف اليهود بالظالمين في آيات كثيرة، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ﴾ [البقرة: 140] والمقصود أن إحجامهم عن تمنّي الموت لما في نفوسهم من خوف العقاب على ما فعلوه في الدنيا، فكني بعلم الله بأحوالهم عن عدم انفلاتهم من الجزاء عليها ففي هذا وعيد لهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ تَفِرُّونَ مِنَ الدّاءِ بِالدَّواءِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِانْقِضاءِ الأجَلِ.
الثّانِي: تَفِرُّونَ مِنَ الجِهادِ بِالقُعُودِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِالوَعِيدِ.
الثّالِثُ: تَفِرُّونَ مِنهُ بِالطِّيرَةِ مِن ذِكْرِهِ حَذَرًا مِن حُلُولِهِ فَإنَّهُ مُلاقِيكم بِالكُرْهِ والرِّضا.
الرّابِعُ: إنَّهُ المَوْتُ الَّذِي تَفِرُّونَ أنْ تَتَمَنَّوْهُ حِينَ قالَ تَعالى: ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ﴾ قال: اليهود.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ﴾ قال: أمرهم أن يأخذوا بما فيها فلم يعملوا به.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً ﴾ قال: كتباً لا يدري ما فيها ولا يدري ما هي يضرب الله لهذه الأمة أي وأنتم إن لم تعملوا بهذا الكتاب كان مثلكم كمثلهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ يحمل أسفاراً ﴾ قال: كتباً لا يعلم ما فيها ولا يعقلها.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ كمثل الحمار يحمل أسفاراً ﴾ قال: يحمل كتباً على ظهره لا يدري ماذا عليه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أسفاراً ﴾ قال: كتباً.
وأخرج الخطيب عن عطاء بن أبي رباح مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ أسفاراً ﴾ قال: كتباً والكتاب بالنبطية يسمى سفراً.
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تكلم يوم الجمعة والإِمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له أنصت ليست له جمعة» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ﴾ يعني اليهود ومعنى حملوا التوراة كلفوا العمل بها والقيام بأوامرها ونواهيها ﴿ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ﴾ لم يطيعوا أمرها ولم يعملوا بها، شبههم الله بالحمار الذي يحمل الأسفار على ظهره، ولم يدر ما فيها ﴿ بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله ﴾ يعني اليهود الذين كذبوا سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم وهم الذين حملوا التوراة ولم يحملوها؛ لأن التوراة تنطق بنبوته صلى الله عليه وسلم، فكل من قرأها ولم يؤمن به فقد خالف التوراة ﴿ فَتَمَنَّوُاْ الموت ﴾ ذكر في [البقرة: 94].
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كمثل الحمار ﴾ و ﴿ التوراة ﴾ بالإمالة قد سبق ذكرهما.
الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ لا ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف أي وفي آخرين ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ أسفاراً ﴾ ط ﴿ بآيات الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أيديهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ البيع ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ قائماً ﴾ ط ﴿ للتجارة ﴾ ط ﴿ الرازقين ﴾ ه.
التفسير: في الأميين منسوب إلى أمة العرب أو إلى أم القرى.
وقد مر سائر الوجوه في " الأعراف " في قوله ﴿ النبيّ الأميّ ﴾ وباقي الآية مذكورة في " البقرة " و " آل عمران ".
والمراد بآخرين التابعون وحدهم أو مع تبع التابعين إلى يوم القيامة.
ثمّ شبه اليهود الطاعنين في نبوّة محمد مع أنهم حاملوا التوراة وحفاظها العارفون بما فيها من نعت نبيّ آخر الزمان بالحمار الحامل للأسفار أي الكتب الكبار لأنه لا يدري منها إلا ما مر بجنبيه من الكدّ والتعب.
ومعنى ﴿ حملوا ﴾ كلفوا العمل بما فيها.
ومحل ﴿ يحمل ﴾ جر صفة للحمار كما في قوله " على اللئيم يسبني " وهذا مثل كل من علم علماً يتعلق بعمل صالح ثم لم يعمل به.
ثم قبح مثلهم بقوله ﴿ بئس ﴾ مثلاً ﴿ مثل القوم الذين ﴾ وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه فقيل لهم: إن كان قولكم حقاً ﴿ فتمنوا الموت ﴾ ليكون وصولكم إلى دار الكرامة أسرع وقد مر مثله في أول " البقرة " إلا أنه قال ههنا ﴿ ولا يتمنونه ﴾ وهناك ولن يتمنوه وذلك أن كليهما للنفي إلا أن " لن" أبلغ في نفي الاستقبال وكانت دعواهم هناك قاطعة بالغة وهي كون الجنة لهم بصفة الخلوص فخص الأبلغ بتلك السورة.
ثم بين أن الموت الذي لا يجترؤن على تمنيه خيفة أن يؤاخذوا بوبال كفرهم فإنه ملاقيهم لا محالة.
قال أهل النظم: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث: زعموا أنهم أولياء لله فكذبهم بقوله ﴿ فتمنوا الموت ﴾ وافتخروا بأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل أسفاراً، وباهوا بالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع لنا الجمعة.
قال جار الله: يوم الجمعة بالسكون الفوج المجموع كضحكة للمضحوك منه، وضمَّ الميم تثقيل لها كما قيل في عسرة عسرة.
قلت: ومما يدل على أن أصلها الكسون جمعها على جمع كقدرة وقدر.
وفي الكشاف أن ﴿ من يوم الجمعة ﴾ بيان " إذا " وتفسير له.
وأقوال: إن اليوم أعم من وقت النداء والعام.
لإبهامه لا يصير بياناً ظاهراً فالأولى أن تكون " من " للتبعيض.
والنداء الأذان في أول وقت الظهر، وقد كان لرسول الله مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر على ذلك، حتى إذا كان عثمان وكثر الناس زاد مؤذناً آخر، مؤذن على داره التي تسمى زوراء فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة.
وعن ابن عباس: إن أول جمعة في الإسلام بعد جمعة رسول الله لجمعة أجتمعت بجواثى قرية من قرى البحرين من قرى عبد القيس وروي أن الأنصار بالمدينة اجتمعوا إلى أسعد بن زرارة.
وكنيته أبو إمامة وقالوا: هلموا نجعل لنا يوماًنجتمع فيه فنذكر الله ونصلي فإن لليهود السبت وللنصارى الأحد فاجعلوه يوم العروبة، فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة لاجتمعاهم فيه، وأنزل الله آية الجمعة فهي أول جمعة كانت في الإسلام قبل مقدم النبي وأول جمعة جمعها رسول الله أنه لما قدم المدينة مهاجراً نزل قباء على بني عمرو بن عوف وأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فخطب وصلّى الجمعة.
وفضيلة صلاة الجمعة كثيرة منها ما ورد في الصحاح عن أبي هريرة " إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول" و " "مثل المبكر كمثل الذي يهدي بدنه ثم كالذي يهدي بقرة ثم كبشاً ثم دجاجة ثم بيضة فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر" وعنه " "من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقى فتنة القبر" وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر غاصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج.
وقيل: أول بدعة أحدثت مع الإسلام ترك البكور إلى الجمعة.
ولا تقام الجمعة عند أبي حنيفة إلا في مصر جامع وهو ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام.
وقد يقال: ما يكون فيه نهر جار وسوق قائم وملك قاهر وطبيب حاذق.
وعنده تنعقد بثلاثة سوى الإمام، وعند الشافعي لا تنعقد إلاّ بأربعين متوطنين.
وأعذار الجمعة مشهورة في كتب الفقه.
ومعنى السعي القصد دون العدو ومنه قول الحسن: ليس السعي على الأقدام ولكنه على النيات والقلوب.
وعن ابن عمر أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي.
قال العلماء: وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه.
قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ أي إلى الخطبة والصلاة وهي تسمية الشيء بأشرف أجزائه.
ومذهب أبي حنيفة أنه لو اقتصر على كل ما يسمى ذكراً مثل الحمد لله أو سبحان الله جاز.
وعند صاحبيه والشافعي لا بد من كلام يسمى خطبة.
وعن جابر كان رسول الله يقول في خطبته: نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله ثم يقول: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعنه أن النبي كان صلاته قصداً وخطبته قصداً.
وعن أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قال: إني سمعت رسول الله يقول " إن طول الصلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأقصر الخطبة وأطل الصلاة " وإن من البيان لسحراً.
قوله ﴿ وذروا البيع ﴾ خاص ولكنه عام في الحقيقة لكل ما يذهل عن ذكر الله.
وسبب التخصيص أن أهل القرى وقتئذ يجتمعون من كل أوب في السوق وأغلب اجتماعهم على البيع والشراء.
ولا خلاف بين العلماء في تحريم البيع وقت النداء.
وهل يصح ذلك البيع إن وقع الأكثرون؟
نعم لأن المنع غير متوجه نحو خصوص البيع.
وإنما هو متوجه نحو ترك الجمعة حتى لو تركها بسبب آخر فقد ارتكب النهي ولو باع في غير تلك الحالة لم يصادفه نهي.
قوله ﴿ فانتشروا ﴾ وابتغوا إباحة بعد حظر.
وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا امتثالاً للآية.
وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله.
وعن الحسن وسعيد بن المسيب: الطلب طلب العلم.
وقيل: صلاة التطوع.
وفي قوله ﴿ واذكروا الله كثيراً ﴾ إشارة إلى أن المرء لا ينبغي أن يغفل عن ذكر ربه في كل حال كما قال ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ عن جابر قال: بينا نحن نصلي مع النبي إذا قيل: عير تحمل طعاماً فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي إلا اثنا عشر رجلاً فنزلت ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ أي تفرقوا إليها ﴿ وتركوك قائماً ﴾ في الصلاة أو في الخطبة أو في الزاوية، وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهذا هو المراد باللهو والتقدير إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه.
يروى أنه وآله قال: والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً.
ثم حث على تجارة الآخرة وعلى تيقن أن لا رازق بالحقيقة إلا هو وقد مر مراراً.
قوله: - عز وجل -: ﴿ مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ﴾ .
له أوجه من التأويل: أحدها: يحتمل أن يكون هذا كناية عن العمل، يعني: حملوا ما في التوراة فلم يعملوا بها.
والثاني: أن يقول: ﴿ لَمْ يَحْمِلُوهَا ﴾ ، يعني: لم يحملوها إلى من أمروا بحملها إليهم على ما أمروا؛ لأنهم حرفوا وبدلوا.
أو يجوز أن يكون تأويله - والله أعلم - أنهم كذبوا التوراة وتلقوها بالعناد والتكذيب فلم ينتفعوا بها، فمثلهم كمثل الحمار [يحمل] كتبا لا يعلم قدرها وخطرها كما قال: ﴿ كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾ ؛ لأنهم وإن عرفوا التوراة فحين لم يعظموها حق تعظيمها، وكذبوا بما فيها، كانوا كأنهم لا يعرفون قدرها وخطرها، فصار مثلهم كمثل الحمار يحمل الكتب، لا يعلم ما قدرها وخطرها؟
وهذا التأويل أقرب؛ لأنه قال في سياق هذه الآية: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ ، فثبت أن المعنى من الأول التكذيب، والله أعلم.
قال: ثم معلوم أن هذا التكذيب والتحريف إنما كان من عمل كبرائهم ورؤسائهم، فأخبر أنهم كذبوا ولم يعرفوا قدرها حين كذبوا؛ ليزجر متبعيهم عن اتباعهم، ويبين أن رؤساءهم ليسوا ممن يستحقون الاتباع.
وفيه - أيضاً - زجر للمسلمين أن يستخفوا كتاب الله والعمل بما فيه، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقول: بئس النعت والصفة صفة الذين بلغ كذبهم مبلغا كذبوا على الله؛ لأن الكاذب في العباد موصوف بالشر، فإذا بلغ كذبه مبلغا يكذب على الله ، علم أنه في النهاية في الشر، فكأنه يقول: صفة الذين كذبوا على الله في الغاية من الشر والقبح.
أو يقول: بئس مثل الذين كذبوا بآيات الله؛ لأن الله ضرب أمثال المشركين بكل ما يستخبث ويستقبح، وضرب أمثال المؤمنين بكل حسن وطيب، فقال: المثل يعني الشبه الذي شبه الله به المكذبين بآياته شبه قبيح.
ثم في هذه الآية دلالة أن الله يخلق القبيح والحسن والخبيث والطيب جميعاً؛ لأن قوله: ﴿ بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ﴾ ، وذلك المثل الذي شبههم به ما خلقه وقد سماه: بئسا، فثبت أن الله قد خلق الخبيث والطيب والقبيح والحسن، وعند المعتزلة لم يخلق إلا الحسن، فتكون الآية حجة عليهم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: أنه لا يهدي القوم الظالمين لوقت اختيارهم الظلم والفسق، أو لا يهديهم بظلمهم الآيات ومكابرتهم وعنادهم إياها؛ فهو لا يهدي هؤلاء، وأما من ظلم عن جهل أو فسق ثم استرشد، فإنه يهديه ويرشده، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ؛ وقال في موضع آخر: ﴿ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ؛ فكان في هذا بيان أن من كان من أوليائه فله الدار الآخرة عند الله خالصة، ومن كانت له الدار الآخرة فهو من أوليائه.
ويجوز أن يكون مآلهما جميعاً، والله أعلم.
ثم المباهلة في المتعارف إنما هي المحاجة في بلوغ العناد والتمرد غايته، فكأنه لما قررت عندهم جميع الحجج فلم يقبلوها أمره بالمباهلة؛ فلم يباهله اليهود والنصارى؛ لأنه يجوز أن قد كان في كتابهم هذا أن المباهلة من غاية المحاجة وأن من باهل، نزل عليه العذاب واللعنة إن لم يكن محقّاً؛ فذلك امتنعوا من المباهلة، وأما العرب من المشركين فلم يكن لهم كتاب يعرفون به حكم المباهلة فباهلوا، وذلك أنه روي أن أبا جهل كان يقول: "اللهم انصر أحبنا إليك وأقرانا للضيف وأوصلنا للرحم" فنصر الله نبيه ، فأبو جهل باهله؛ لأنه لم يكن له كتاب، ولم يباهله اليهود والنصارى؛ لما كانت لهم كتب عرفوا فيها حكم المباهلة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ ﴾ .
هذه الآية تدل على رسالة رسولنا لأنه لو كان يقوله من نفسه، لكانوا يبادرون فيتمنون الموت للحال؛ ليظهر كذبه فيه، فلما أخبر أنه لا يتمنونه أبداً، ولم يتمنوا، تبين أنه قال من الوحي، وأنهم علموا ذلك حتى امتنعوا عن التمني؛ خوفا للهلاك على أنفسهم؛ لعلمهم أنهم لو تمنوا لماتوا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ ﴾ .
أي: من تحريف التوراة والإنجيل؛ لأن قول النصارى: ﴿ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ ﴾ لم يكن في الإنجيل، وقول اليهود: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً ﴾ لم يكن في التوراة، ولكنهم غيروا وبدلوا؛ فلا يتمنون الموت بما قدمت أيديهم من تحريف هذه الآيات وتبديلها وتغيير نعت محمد، عليه الصلاة والسلام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
يعني: بظلمهم الآيات، وعنادهم لها، ومكابرتهم إياها.
وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ﴾ .
أي: الموت الذي تفرون منه بما قدمت أيديكم من تحريف التوراة والإنجيل يلقاكم لا محالة وإن فررتم منه؛ فيكون فيه تذكيرهم إن رجعوا عما يهربون منه، يعني: الموت.
وقوله: ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .
يعني: إلى عالم ما أشهدتم الخلق من التوراة والإنجيل، وعالم ما غيبتم عن الخلق من نعت محمد وغير ذلك.
أو عالم ما غيبتم في أنفسكم وأسررتم من تكذيبكم بمحمد وما أشهدتم عليه ضعفتكم وأتباعكم من نهيكم إياهم عن اتباعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
إما عيانا تقرءونه في كتابكم يوم القيامة، أو ينبئكم بما كنتم تعملون بالجزاء إن خيرا فخير وإن شرّاً فشر، والله المستعان.
<div class="verse-tafsir"
ولا يتمنون الموت أبدًا، بل يتمنون الخلود في الدنيا بسبب ما عملوه من الكفر والمعاصي والظلم، وتحريف التوراة وتبديلها، والله عليم بالظالمين، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء، وسيجازيهم عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.Na4O9"