الإسلام > القرآن > سور > سورة 64 التغابن > الآية ١٥ من سورة التغابن
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 66 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥ من سورة التغابن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم ) يقول تعالى : إنما الأموال والأولاد فتنة ، أي : اختبار وابتلاء من الله لخلقه .
ليعلم من يطيعه ممن يعصيه .
وقوله : ( والله عنده ) أي : يوم القيامة ( أجر عظيم ) كما قال : ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ) والتي بعدها [ آل عمران : 14 ، 15 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا زيد بن الحباب ، حدثني حسين بن واقد ، حدثني عبد الله بن بريدة ، سمعت أبي بريدة يقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما ، عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران ، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ، ثم قال : " صدق الله ورسوله ، إنما أموالكم وأولادكم فتنة ، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما " .
ورواه أهل السنن من حديث حسين بن واقد ، به ، وقال الترمذي : حسن غريب ، إنما نعرفه من حديثه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سريج بن النعمان ، حدثنا هشيم ، أخبرنا مجالد ، عن الشعبي ، حدثنا الأشعث بن قيس قال : قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وفد كندة فقال لي : " هل لك من ولد ؟
" قلت : غلام ولد لي في مخرجي إليك من ابنة جمد ، ولوددت أن بمكانه شبع القوم .
قال : " لا تقولن ذلك ، فإن فيهم قرة عين ، وأجرا إذا قبضوا " ، ثم قال : " ولئن قلت ذاك : إنهم لمجبنة محزنة " تفرد به أحمد رحمه الله تعالى .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمود بن بكر ، حدثنا أبي ، عن عيسى بن أبي وائل ، عن ابن أبي ليلى ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الولد ثمرة القلوب ، وإنهم مجبنة مبخلة محزنة " ثم قال : لا يعرف إلا بهذا الإسناد وقال الطبراني : حدثنا هاشم بن مرثد ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش ، حدثني أبي ، حدثني ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، عن أبي مالك الأشعري ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ليس عدوك الذي إن قتلته كان فوزا لك ، وإن قتلك دخلت الجنة ، ولكن الذي لعله عدو لك ولدك الذي خرج من صلبك ، ثم أعدى عدو لك مالك الذي ملكت يمينك "
يقول تعالى ذكره: ما أموالكم أيها الناس وأولادكم إلا فتنة، يعني بلاء عليكم في الدنيا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) يقول: بلاء.
وقوله: ( وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) يقول: والله عنده ثواب لكم عظيم، إذا أنتم خالفتم أولادكم وأزواجكم في طاعة الله ربكم، وأطعتم الله عزّ وجلّ، وأدّيتم حقّ الله في أموالكم، والأجر العظيم الذي عند الله الجنة.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) وهي الجنة.
إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌأي بلاء واختبار يحملكم على كسب المحرم ومنع حق الله تعالى فلا تطيعوهم في معصية الله .وفي الحديث : ( يؤتى برجل يوم القيامة فيقال أكل عياله حسناته ) .وعن بعض السلف : العيال سوس الطاعات .وقال القتبي : " فتنة " أي إغرام ; يقال : فتن الرجل بالمرأة أي شغف بها .وقيل : " فتنة " محنة .ومنه قول الشاعر : لقد فتن الناس في دينهم وخلى ابن عفان شرا طويلا وقال ابن مسعود : لا يقولن أحدكم اللهم اعصمني من الفتنة ; فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال وأهل وولد إلا وهو مشتمل على فتنة ; ولكن ليقل : اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن .وقال الحسن في قوله تعالى : " إن من أزواجكم " : أدخل " من " للتبعيض ; لأن كلهم ليسوا بأعداء .ولم يذكر " من " في قوله تعالى : " إنما أموالكم وأولادكم فتنة " لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما .روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ; فجاء الحسن والحسين - عليهما السلام - وعليهما قميصان أحمران , يمشيان ويعثران ; فنزل صلى الله عليه وسلم فحملهما بين يديه , ثم قال : ( صدق الله عز وجل إنما أموالكم وأولادكم فتنة .نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما ) ثم أخذ في خطبته .وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌيعني الجنة , فهي الغاية , ولا أجر أعظم منها في قول المفسرين .وفي الصحيحين واللفظ للبخاري - عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا يا رب وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا ) .وقد تقدم ولا شك في أن الرضا غاية الآمال .وأنشد الصوفية في تحقيق ذلك : امتحن الله به خلقه فالنار والجنة في قبضته فهجره أعظم من ناره ووصله أطيب من جنته
( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) بلاء واختبار وشغل عن الآخرة يقع بسببها الإنسان في العظائم ومنع الحق وتناول الحرام ( والله عنده أجر عظيم ) قال بعضهم : لما ذكر الله العداوة أدخل فيه " من " للتبعيض ، فقال : " إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم " لأن كلهم ليسوا [ بأعداء ] ولم يذكر " من " في قوله : " إنما أموالكم وأولادكم فتنة " لأنها لا تخلو عن الفتنة واشتغال القلب .
وكان عبد الله بن مسعود يقول : لا يقولن أحدكم : اللهم إني أعوذ بك من الفتنة ، فإنه ليس منكم أحد يرجع إلى مال وأهل وولد إلا وهو مشتمل على فتنة ، ولكن ليقل : اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك المظفري ، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن الفضل الفقيه ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إسحاق الفقيه ، حدثنا أحمد بن بكر بن يوسف حدثنا علي بن الحسن ، أخبرنا الحسين بن واقد ، عن عبد الله بن بريدة قال سمعت أبي بريدة يقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطبنا ، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران ، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المنبر ، فحملهما فوضعهما بين يديه ، ثم قال : " صدق الله : إنما أموالكم وأولادكم فتنة ، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران ، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما " .
«إنما أموالكم وأولادكم فتنة» لكم شاغلة عن أمور الآخرة «والله عنده أجر عظيم» فلا تفوتوه باشتغالكم بالأموال والأولاد.
ما أموالكم ولا أولادكم إلا بلاء واختبار لكم.
والله عنده ثواب عظيم لمن آثر طاعته على طاعة غيره، وأدَّى حق الله في ماله.
وقوله - تعالى - : ( إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ) تعميم بعد تخصيص ، وتأكيد التحذير الذى اشتملت عليه الآية السابقة .والمراد بالفتنة هنا : ما يفتن الإنسان ويشغله ويلهيه عن المداومة على طاعة الله - تعالى - .أى : إن أموالكم وأولادكم - أيها المؤمنون - على رأس الأمور التى تؤدى المبالغة والمغالاة فى الاشتغال بها ، إلى التقصير فى طاعة الله - تعالى - ، وإلى مخالفة أمره .
والإخبار عنهم بأنهم ( فِتْنَةٌ ) للمبالغة ، والمراد أنهم سبب للفتنة أى : لما يشغل عن رضاء الله وطاعته ، إذا ما جاوز الإنسان الحد المشروع فى الاشتغال بهما .قال الآلوسى : قوله - تعالى - ( إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ) أى : بلاء ومحنة ، لأنهم يترتب عليهم الوقوع فى الإثم والشدائد الدنيوية وغير ذلك .
وفى الحديث .
يؤتى بالرجل يوم القيامة ، فيقال : أكل عياله حسناته .وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذى .
.
.
عن بريدة قال .
كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل صلى الله عليه وسلم من فوق المنبر ، فحملهما .
.
.
ثم صعد المنبر فقال : صدق الله إذ يقول : ( إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ) ، إنى لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران ، لم أصبر أن قطعت كلامى ، ونظرت إليهما .وقال الجمل : قال الحسن فى قوله - تعالى - : ( إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ ) أدخل - سبحانه - ( مِنْ ) للتبعيض ، لأنهم كلهم ليسوا بأعداء ، ولم يذكر ( مِنْ ) فى قوله ( إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ) ، لأنهما لا يخلوان من الفتنة ، واستغال القلب بهما ، وقدم الأموال على الأولاد ، لأن الفتنة بالمال أكثر .
وترك ذكر الأزواج فى الفتنة ، لأن منهن من يكن صلاحا وعونا على الآخرة .وقوله - سبحانه - : ( والله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) معطوف على جملة ( إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ) .أى : والله - تعالى - عنده أجر عظيم ، لمن آثر محبة الله - تعالى - وطاعته ، على محبة الأزواج والأولاد والأموال .
قال الكلبي: كان الرجل إذا أراد الهجرة تعلق به بنوه وزوجته فقالوا: أنت تذهب وتذرنا ضائعين فمنهم من يطيع أهله ويقيم فحذرهم الله طاعة نسائهم وأولادهم، ومنهم من لا يطيع ويقول: أما والله لو لم نهاجر ويجمع الله بيننا وبينكم في دار الهجرة لا ننفعكم شيئاً أبداً، فلما جمع الله بينهم أمرهم أن ينفقوا ويحسنوا ويتفضلوا، وقال مسلم الخراساني: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان أهله وولده يثبطونه عن الهجرة والجهاد، وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية، فقال: هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا المدينة فلم يدعهم أزواجهم وأولادهم فهو قوله: عدواً لكم فاحذروهم أن تطيعوا وتدعوا الهجرة، وقوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ ﴾ قال هو أن الرجل من هؤلاء إذا هاجر ورأى الناس قد سبقوا بالهجرة وفقهوا في الدين هم أن يعاقب زوجته وولده الذين منعوه الهجرة وإن لحقوا به في دار الهجرة لم ينفق عليهم، ولم يصبهم بخير فنزل: ﴿ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ ﴾ الآية، يعني أن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم، ينهون عن الإسلام ويثبطون عنه وهم من الكفار فاحذروهم، فظهر أن هذه العداوة إنما هي للكفر والنهي عن الإيمان، ولا تكون بين المؤمنين فأزواجهم وأولادهم المؤمنون لا يكونون عدواً لهم، وفي هؤلاء الأزواج والأولاد الذين منعوا عن الهجرة نزل: ﴿ إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تطيعوهم في معصية الله تعالى وفتنة أي بلاء وشغل عن الآخرة، وقيل: أعلم الله تعالى أن الأموال والأولاد من جميع ما يقع بهم في الفتنة وهذا عام يعم جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه وباشر الفعل الحرام لأجله، كغصب مال الغير وغيره: ﴿ والله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ أي جزيل، وهو الجنة أخبر أن عنده أجراً عظيماً ليتحملوا المؤونة العظيمة، والمعنى لا تباشروا المعاصي بسبب الأولاد ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم.
وقوله تعالى: ﴿ فاتقوا الله مَا استطعتم ﴾ قال مقاتل: أي ما أطقتم يجتهد المؤمن في تقوى الله ما استطاع، قال قتادة: نسخت هذه الآية قوله تعالى: ﴿ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ ومنهم من طعن فيه وقال: لا يصح لأن قوله تعالى: ﴿ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ لا يراد به الاتقاء فيما لا يستطيعون لأنه فوق الطاقة والاستطاعة، وقوله: ﴿ اسمعوا ﴾ أي لله ولرسوله ولكتابه وقيل: لما أمركم الله ورسوله به ﴿ وَأَطِيعُواْ ﴾ الله فيما يأمركم ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ من أموالكم في حق الله خيراً لأنفسكم، والنصب بقوله: ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ كأنه قيل: وقدموا خيراً لأنفسكم، وهو كقوله: ﴿ فآمنوا خيراً لكم ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ الشح هو البخل، وإنه يعم المال وغيره، يقال: فلان شحيح بالمال وشحيح بالجاه وشحيح بالمعروف، وقيل: يوق ظلم نفسه فالشح هو الظلم، ومن كان بمعزل عن الشح فذلك من أهل الفلاح فإن قيل: ﴿ إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ ﴾ ، يدل على أن الأموال والأولاد كلها من الأعداء و ﴿ إِنَّ مِنْ أزواجكم وأولادكم عَدُوّاً لَّكُمْ ﴾ يدل على أن بعضهم من الأعداء دون البعض، فنقول: هذا في حيز المنع فإنه لا يلزم أن يكون البعض من المجموع الذي مر ذكره من الأولاد يعني من الأولاد من يمنع ومنهم من لا يمنع، فيكون البعض منهم عدواً دون البعض.
<div class="verse-tafsir"
إنّ من الأزواج أزواجاً يعادين بعولتهنّ ويخاصمنهم ويجلبن عليهم، ومن الأولاد أولاداً يعادون آبائهم ويعقونهم ويجرعونهم الغصص والأذى ﴿ فاحذروهم ﴾ الضمير للعدوّ أو للأزواج والأولاد جميعاً، أي: لما علمتم أنّ هؤلاء لا يخلون من عدوّ، فكونوا منهم على حذر ولا تأمنوا غوائلهم وشرهم ﴿ وَإِن تَعْفُواْ ﴾ عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة ولم تقابلوهم بمثلها، فإن الله يغفر لكم ذنوبكم ويكفر عنكم.
وقيل: إنّ ناساً أرادوا الهجرة عن مكة، فثبطهم أزواجهم وأولادهم وقالوا: تنطلقون وتضيعوننا فرقوا لهم ووقفوا، فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين: أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم، فزين لهم العفو.
وقيل: قالوا لهم: أين تذهبون وتدعون بلدكم وعشيرتكم وأموالكم، فغضبوا عليهم وقالوا: لئن جمعنا الله في دار الهجرة لم نصبكم بخير، فلما هاجروا منعوهم الخير، فحثوا أن يعفوا عنهم ويردّوا إليهم البر والصلة.
وقيل: كان عوف بن مالك الأشجعي ذا أهل وولد، فإذا أراد أن يغزو أو تعلقوا به وبكوا إليه ورققوه، فكأنه همّ بأذاهم، فنزلت.
﴿ فِتْنَةٌ ﴾ بلاء ومحنة، لأنهم يوقعون في الإثم والعقوبة، ولا بلاء أعظم منهما؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ والله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ وفي الحديث: «يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: أكل عياله حسناته» وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان يخطب، فجاء الحسن، والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل إليهما فأخذهما ووضعهما في حجره على المنبر فقال: صدق الله ﴿ إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ ﴾ رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما.
ثم أخذ في خطبته» .
وقيل: إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتنكم الميل إلى الأموال والأولاد عنهما.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ ﴾ يَشْغَلُكم عَنْ طاعَةِ اللَّهِ أوْ يُخاصِمُكم في أمْرِ الدِّينِ أوِ الدُّنْيا.
﴿ فاحْذَرُوهُمْ ﴾ ولا تَأْمَنُوا غَوائِلَهم.
﴿ وَإنْ تَعْفُوا ﴾ عَنْ ذُنُوبِهِمْ بِتَرْكِ المُعاقَبَةِ.
﴿ وَتَصْفَحُوا ﴾ بِالإعْراضِ وتَرْكِ التَّثْرِيبِ عَلَيْها.
﴿ وَتَغْفِرُوا ﴾ بِإخْفائِها وتَمْهِيدِ مَعْذِرَتِهِمْ فِيها.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يُعامِلُكم بِمِثْلِ ما عَمِلْتُمْ ويَتَفَضَّلُ عَلَيْكم.
﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ اخْتِبارٌ لَكم.
﴿ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ لِمَن آثَرَ مَحَبَّةَ اللَّهِ وطاعَتَهُ عَلى مَحَبَّةِ الأمْوالِ والأوْلادِ والسَّعْيِ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ} بلاء ومحنة لأنهم يوقعون في الإثم والعقوبة ولا بلاء أعظم منهما {والله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي في الآخرة وذلك أعظم من مفعتكم بأموالكم وأولادكم ولم يدخل فيه من كما في العداوة لأن الكل لا يخلو ع نالفتنة وشغل القلب وقد يخلوا بعضهم عن العداوة
﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ أيْ بَلاءٌ ومِحْنَةٌ لِأنَّهم يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمُ الوُقُوعُ في الإثْمِ والشَّدائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي الحَدِيثِ ««يُؤْتى بِرَجُلٍ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ: أكَلَ عِيالُهُ حَسَناتِهِ»»، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ العِيالُ سُوسُ الطّاعاتِ.
وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: ««كانَ النَّبِيُّ يَخْطُبُ فَأقْبَلَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ عَلَيْهِما قَمِيصانِ أحْمَرانِ يَمْشِيانِ ويَعْثُرانِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ المِنبَرِ فَحَمَلَهُما واحِدًا مِن ذا الشِّقِّ وواحِدًا مَن ذا الشِّقِّ، ثُمَّ صَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: صَدَقَ اللَّهُ ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ إنِّي لَمّا نَظَرْتُ إلى هَذَيْنِ الغُلامَيْنِ يَمْشِيانِ ويَعْثُرانِ لَمْ أصْبِرْ أنْ قَطَعْتُ كَلامِيَ ونَزَلْتُ إلَيْهِما»» .
وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَما هو يَخْطُبُ النّاسَ عَلى المِنبَرِ خَرَجَ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَوَطِئَ في ثَوْبٍ كانَ عَلَيْهِ فَسَقَطَ فَبَكى فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ المِنبَرِ فَلَمّا رَآهُ النّاسُ سَعَوْا إلى حُسَيْنٍ يَتَعاطَوْنَهُ يُعْطِيهِ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى وقَعَ في يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: قاتَلَ اللَّهُ الشَّيْطانَ إنَّ الوَلَدَ لَفِتْنَةٌ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما دَرَيْتُ أنِّي نَزَلْتُ عَنْ مِنبَرِي»» .
وقِيلَ: إذا أمْكَنَكُمُ الجِهادُ والهِجْرَةُ فَلا يَفْتِنُكُمُ المَيْلُ إلى الأمْوالِ والأوْلادِ عَنْهُما قالَ في الكَشْفِ: الفِتْنَةُ عَلى هَذا المَيْلُ إلى الأمْوالِ والأوْلادِ دُونَ العُقُوبَةِ والإثْمِ، وقُدِّمَتِ الأمْوالُ قِيلَ: لِأنَّها أعْظَمُ فِتْنَةً ﴿ كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى ﴾ ﴿ أنْ رَآهُ اسْتَغْنى ﴾ ، وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ كَعْبِ بْنِ عِياضٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وإنَّ فِتْنَةَ أُمَّتِي المالُ»» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أوْفى مَرْفُوعًا وكَأنَّهُ لِغَلَبَةِ الفِتْنَةِ في الأمْوالِ والأوْلادِ لَمْ يَذْكُرْ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةَ كَما ذُكِرَتْ فِيما تَقَدَّمَ ﴿ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ لِمَن آثَرَ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى وطاعَتَهُ عَلى مَحَبَّةِ الأمْوالِ والأوْلادِ والسَّعْيِ في مَصالِحِهِمْ عَلى وجْهٍ يُخِلُّ بِذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
ثم وصف حال الكافرين فقال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا يعني: بالكتاب والرسول.
أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: بئس المرجع الذي صاروا إليه المغبونين.
ثم قال عز وجل: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ يعني: ما أصاب بني آدم من شدة ومرض وموت الأهلين، إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني: إلا بإرادة الله تعالى وبعلمه.
وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يعني: يصدق بالله على المصيبة، ويعلم أنها من الله تعالى، يَهْدِ قَلْبَهُ يعني: إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر.
وروي، عن علقة بن قيس: أن رجلاً قرأ عنده هذه الآية، فقال: أتدرون ما تفسيرها؟
وهو أن الرجل المسلم، يصاب بالمصيبة في نفسه وماله، يعلم أنها من عند الله تعالى، فيسلم ويرضى.
ويقال: مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ للاسترجاع يعني: يوفقه الله تعالى لذلك.
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي: عالم بثواب من صبر على المصيبة.
ثم قال عز وجل: وَأَطِيعُوا اللَّهَ يعني: أطيعوا الله في الفرائض، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ في السنن.
ويقال: أطيعوا الله في الرضا بما يقضي عليكم من المصيبة، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الصبر وترك الجزع.
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ يعني: أبيتم وأعرضتم عن طاعة الله وطاعة رسوله.
فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي: ليس عليه أكثر من التبليغ ثم وحّد نفسه، فقال عز وجل: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا ضار، ولا نافع، ولا كاشف إلاَّ هو.
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يعني: على المؤمنين أن يتوكلوا على الله، ويفوضوا أمرهم إليه.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ، حين يمنعونكم الهجرة، فَاحْذَرُوهُمْ أن تطيعوهم في ترك الهجرة.
روى سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن قوماً أسلموا بمكة، فأرادوا أن يخرجوا إلى المدينة، فمنعهم أزواجهم وأولادهم.
فلما قدموا على النبيّ ، رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فأرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم، فنزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ.
وَإِنْ تَعْفُوا يعني: تتركوا عقابهم، وَتَصْفَحُوا يعني: وتتجاوزوا، وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لذنوب المؤمنين رَحِيمٌ بهم.
ثم قال: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ يعني: الذين بمكة بلية لا يقدر الرجل على الهجرة.
روي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله يخطبنا، فأقبل الحسن والحسين يمشيان ويعثران.
فلما رآهما رسول الله ، نزل إليهما وأخذهما واحداً من هذا الجانب، وواحداً من هذا الجانب.
ثم صعد المنبر، فقال: «صَدَقَ الله نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ .
لَمَّا رأيت هذين الغُلامَيْنِ، لَمْ أَصْبِرْ أَنْ قَطَعْتُ كَلامِي، وَنَزَلْتُ إِلَيْهِمَا» .
ثم أتم الخطبة.
ثم قال: اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ أي: ثواب عظيم، لمن آمن ولمن لم يعص الله تعالى لأجل الأموال والأولاد وأحسن إليهم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ قال فيه المفسرون: المعنَى ومَنْ آمنَ وعَرَفَ أنَّ كلَّ شَيْءٍ بِقَضَاءِ اللَّه وقَدَرَه وَعِلْمِهِ، هانتْ عَلَيْهِ مصيبتُه وسلَّم لأمْرِ اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ إلى آخر الآية، وعيد وتبرئة للنبي صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ إلى آخر السورةِ قرآنٌ مدنيٌّ واخْتُلِفَ في سَبَبهِ، فقال عطاء بن أبي ربَاح: إنَّه نَزَلَ في عَوْفِ بن مَالكٍ الأشّجَعِيِّ وذلك أَنَّهُ أراد غَزْواً مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فاجْتَمَعَ أَهْلُهُ وأولاده، وتَشَكَّوْا إلَيْه فِرَاقَهُ، فَرَقَّ لهُمْ فَثَبَّطُوهُ ولم/ يَغْزُ، ثم إنّه نَدِمَ وهَمَّ بمعاقبتِهم، فنزلتِ الآية «١» بسببه محذِّرةً مِن الأَزْوَاجِ والأولاد وفتنتِهم.
ثم صَرَفَ تَعالَى عَنْ معاقبتهِم بقوله: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وقال بعضُ المفسرينَ: سببُ الآيةِ أنَّ قوماً آمنُوا وثَبَّطَهُمْ أزْوَاجُهم وأولادُهم عَنْ الهِجرةِ فَلَمْ يُهَاجِروا إلا بَعْدَ مدةٍ، فَوَجَدُوا غيرَهم قد تَفَقَّه في الدين، فَنَدِمُوا وهَمُّوا بمعاقبةِ أزواجِهِم وأولادِهم، ثم أَخْبَرَ تعالى أن الأمْوَالَ والأولادَ فتنةٌ تَشْغَلُ المرءَ عَنْ مَرَاشِدِهِ، وتَحْمِلُه مِنَ الرَّغْبَةِ في الدنيا عَلَى مَا لاَ يَحْمَدُه في آخرتِه، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مُجْبَنَةٌ» «٢» ، وخَرَّجَ أبو داود حديثاً في مصنفه «أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجمعةِ عَلى المِنْبَرِ حَتَّى جَاءَ الحَسَنُ والحسينُ عليهما قميصان أحمرانَ يجرانِهما، يعثران ويقومان، فنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَنِ المنبرِ حَتَّى أخَذَهُمَا، وصَعِدَ بِهِمَا، ثم قرأ: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ...
الآية، وقال: إني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ كانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: ( زَعَمُوا ) كِنايَةُ الكَذِبِ.
وكانَ مُجاهِدٌ يَكْرَهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: زَعَمَ فُلانٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يَعْنِي: البَعْثَ، "والنُّورُ" هو القُرْآنُ، وفِيهِ بَيانُ أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ ﴾ هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُ فِيهِ الجِنَّ والإنْسَ، وأهْلَ السَّمَواتِ، وأهْلَ الأرْضِ ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ﴾ تَفاعُلٌ مِنَ الغَبْنِ، وهو فَوْتُ الحَظِّ.
والمُرادُ في تَسْمِيَتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بِيَوْمِ التَّغابُنِ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَيْسَ مِن كافِرٍ، إلّا ولَهُ مَنزِلٌ وأهْلٌ في الجَنَّةِ فَيَرِثُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ، فَيُغْبَنُ حِينَئِذٍ الكافِرُ، ذَكَرَ هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: غَبْنُ أهْلِ الجَنَّةِ أهْلَ النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والقُرَظِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ يَوْمُ غَبْنِ المَظْلُومِ الظّالِمَ، لِأنَّ المَظْلُومَ كانَ في الدُّنْيا مَغْبُونًا، فَصارَ في الآخِرَةِ غابِنًا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يَوْمٌ يَظْهَرُ فِيهِ غَبْنُ الكافِرِ بِتَرْكِهِ لِلْإيمانِ، وغَبْنُ المُؤْمِنِ بِتَقْصِيرِهِ في الإحْسانِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما ذُكِرَ ذَلِكَ مَثَلًا لِلْبَيْعِ والشِّراءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ ﴾ وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "نُكَفِّرْ" "وَنُدْخِلْهُ" بِالنُّونِ فِيهِما.
والباقُونَ: بِالياءِ ﴿ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِعِلْمِهِ وقَضائِهِ ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلْيَقِينِ، فَيَعْلَمُ أنَّ ما أصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وما أخْطَأهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ عَلْقَمَةُ: هو الرَّجُلُ تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ، فَيَعْلَمُ أنَّها مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، فَيُسَلِّمُ، ويَرْضى.
والثّانِي: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلِاسْتِرْجاعِ، وهو أنْ يَقُولَ: إنّا لِلَّهِ، وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ إذا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وإذا أُنْعِمَ عَلَيْهِ شَكَرَ، وإذا ظُلِمَ غَفَرَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والرّابِعُ: يَهْدِ قَلْبَهُ، أيْ: يَجْعَلُهُ مُهْتَدِيًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: [يَهْدِ ولِيَّهُ بِالصَّبْرِ والرِّضى، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.
والسّادِسُ: ] يَهْدِ قَلْبَهُ لِاتِّباعِ السُّنَّةِ إذا صَحَّ إيمانُهُ، قالَهُ أبُو عُثْمانَ الحَيْرِيُّ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو نُهَيْكٍ: "يَهْدَ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.
وَنَصْبِ الدّالِ "قَلْبُهُ" بِالرَّفْعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مِن هَدَأ يَهْدَأُ: إذا سَكَنَ.
فالمَعْنى: إذا سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ سَكَنَ قَلْبُهُ.
وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والضَّحّاكُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأزْرَقُ عَنْ حَمْزَةَ: "نَهْدِ" بِالنُّونِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: "يُهْدَ" بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ الدّالِ "قَلْبُهُ" بِالرَّفْعِ.
وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُسْلِمُ.
فَإذا أرادَ الهِجْرَةَ مَنَعَهُ أهْلُهُ، ووَلَدُهُ، وقالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ أنْ تَذْهَبَ وتَدَعَ أهْلَكَ وعَشِيرَتَكَ وتَصِيرَ إلى المَدِينَةِ بِلا أهْلٍ ولا مالٍ.
فَمِنهم مَن يَرِقُّ لَهُمْ، ويُقِيمُ فَلا يُهاجِرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
فَلَمّا هاجَرَ أُولَئِكَ، ورَأوُا النّاسَ قَدْ فَقُهُوا في الدِّينِ هَمُّوا أنْ يُعاقِبُوا أهْلَهُمُ الَّذِينَ مَنَعُوهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لَمّا أرادُوا الهِجْرَةَ قالَ لَهم أزْواجُهُمْ، وأوْلادُهُمْ: قَدْ صَبَرْنا لَكم عَلى مُفارَقَةِ الدِّينِ ولا نَصْبِرُ لَكم عَلى مُفارَقَتِكُمْ، ومُفارَقَةِ الأمْوالِ، والمَساكِنِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، فَهو عَدُوٌّ، وإنْ كانَ ولَدًا، أوْ كانَتْ زَوْجَةً.
وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ حُبُّ الرَّجُلِ ولَدَهُ وزَوْجَتَهُ يَحْمِلُهُ عَلى قَطِيعَةِ رَحِمِهِ ومَعْصِيَةِ رَبِّهِ.
وقالَ قَتادَةُ: كانَ مِن أزْواجِهِمْ، وأوْلادِهِمْ مَن يَنْهاهم عَنِ الإسْلامِ، ويُثَبِّطُهم عَنْهُ، فَخَرَجَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَدُوًّا لَكُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: بِمَنعِهِ مِنَ الهِجْرَةِ، وهَذا عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: بِكَوْنِهِمْ سَبَبًا لِلْمَعاصِي، وعَلى هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: بِنَهْيِهِمْ عَنِ الإسْلامِ، وهَذا عَلى قَوْلِ قَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاحْذَرُوهُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تُطِيعُوهم في التَّخَلُّفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ أيْ: بَلاءٌ وشُغْلٌ عَنِ الآخِرَةِ.
فالمالُ والأوْلادُ يُوقِعانِ في العَظائِمِ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: إغْرامٌ.
يُقالُ: فُتِنَ فُلانٌ بِالمَرْأةِ، وشُغِفَ بِها، أيْ: أُغْرِمَ بِها.
وقالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّما دَخَلَ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ مِن أزْواجِكُمْ ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الأزْواجِ، والأوْلادِ أعْداءً.
ولَمْ يَذْكُرْ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ لِأنَّها لا تَخْلُو مِنَ الفِتْنَةِ، واشْتِغالِ القَلْبِ بِها.
وقَدْ رَوى بُرَيْدَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ «أنَّهُ كانَ يَخْطُبُ، فَجاءَ الحَسَنُ، والحُسَيْنُ عَلَيْهِما قَمِيصانِ أحْمَرانِ يَمْشِيانِ، ويَعْثُرانِ، فَنَزَلَ مِنَ المِنبَرِ، فَحَمَلَهُما، فَوَضَعَهُما بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قالَ: "صَدَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ نَظَرْتُ إلى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيانِ، ويَعْثُرانِ، فَلَمْ أصْبِرْ حَتّى قَطَعْتُ حَدِيثِي، ورَفَعْتُهُما.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ أيْ: ثَوابٌ جَزِيلٌ وهو الجَنَّةُ.
والمَعْنى: لا تَعْصُوهُ بِسَبَبِ الأوْلادِ، ولا تُؤْثِرُوهم عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ أيْ: ما أطَقْتُمْ "واسْمَعُوا" ما تُؤْمَرُونَ بِهِ "وَأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكُمْ" وفي هَذِهِ النَّفَقَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الصَّدَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: نَفَقَةُ المُؤْمِنِ عَلى نَفْسِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: النَّفَقَةُ في الجِهادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ حَتّى يُعْطِيَ حَقَّ اللَّهِ في مالِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في [الحَشْرِ: ٩] وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ [البَقَرَةِ: ٢٥٤، والحَدِيدِ: ١٨،١١، والحَشْرِ: ٢٤،٢٣] .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ واللهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَأطِيعُوا" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ "فَآمِنُوا"، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ" إلى آخِرِ الآيَةِ وعِيدٌ وتَبْرِئَةٌ لِمُحَمَّدٍ إذا بَلَغَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مُكافَحَةِ الكُفّارِ والصَبْرِ عَلى دِينِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، قُرْآنٌ مَدَنِيٌّ، اخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِهِ، فَقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّهُ نَزَلَ في عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ غَزْوًا مَعَ النَبِيِّ ، فاجْتَمَعَ أهْلُهُ وأولادُهُ فَثَبَّطُوهُ وشَكَوْا إلَيْهِ فِراقَهُ، فَلَمْ يَغْزُ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ وهَمَّ بِمُعاقَبَتِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ مُحَذِّرَةً مِنَ الأزْواجِ والأولادِ وفِتْنَتِهِمْ، ثُمَّ صَرَفَهُ تَعالى عن مُعاقَبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا ﴾ .
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ سَبَبُ الآيَةِ أنَّ قَوْمًا آمَنُوا بِاللهِ تَعالى وثَبَّطَهم أزْواجُهم وأولادُهم عَنِ الهِجْرَةِ فَلَمْ يُهاجِرُوا إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَوَجَدُوا غَيْرَهم قَدْ تَفَقَّهَ في الدَيْنِ، فَنَدِمُوا وأسِفُوا وهَمُّوا بِمُعاقَبَةِ أزْواجِهِمْ وأولادِهِمْ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الأمْوالَ والأولادَ فِتْنَةٌ تَشْغَلُ المَرْءَ عن مَراشِدِهِ، وتَحْمِلُهُ مِنَ الرَغْبَةِ في الدُنْيا عَلى ما لا يَحْمَدُهُ في آخِرَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ : « "الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ"،» وخَرَّجَ أبُو داوُدَ حَدِيثًا في مُصَنَّفِهِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ حَتّى جاءَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما، وعَلَيْهِما قَمِيصانِ أحْمَرانِ يَجُرّانِهِما، يَعْثِرانِ ويَقُومانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ عَنِ المِنبَرِ حَتّى أخَذَهُما وصَعِدَ بِهِما، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: إنِّي رَأيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أصْبِرْ، ثُمَّ أخَذَ في خُطْبَتِهِ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ ونَحْوُها هي فِتْنَةُ الفُضَلاءِ، فَأمّا فِتْنَةُ الجُهّالِ الفَسَقَةِ فَمُؤَدِّيَةٌ إلى كُلِّ مَهْلَكَةٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا يَقُولُ أحَدُكُمْ: اللهُمَّ اعْصِمْنِي عَنِ الفِتْنَةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ يَرْجِعُ أحَدٌ إلى أهْلٍ ومالٍ إلّا وهو مُشْتَمِلٌ عَلى الفِتْنَةِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن مُضِلّاتِ الفِتَنِ"، وقالَ عُمَرُ: لِحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كَيْفَ أصْبَحْتَ؟
قالَ: أصْبَحْتُ أُحِبُّ الفِتْنَةَ وأكْرَهُ الحَقَّ، فَقالَ عُمَرُ: ما هَذا؟
قالَ: أُحِبُّ ولَدِي وأكْرَهُ المَوْتَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ تَزْهِيدٌ في الدُنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
تذييل لأن فيه تعميمَ أحوال الأولاد بعد أن ذُكر حال خاص ببعْضهم.
وأدمج فيه الأموال لأنها لم يشملها طلب الحذر ولا وصف العداوة.
وقدم ذكر الأموال على الأولاد لأن الأموال لم يتقدم ذكرها بخلاف الأولاد.
ووجه إدماج الأموال هنا أن المسلمين كانوا قد أصيبوا في أموالهم من المشركين فغلبوهم على أموالهم ولم تُذكر الأموال في الآية السابقة لأن الغرض هو التحذير من أشد الأشياء اتصالاً بهم وهي أزواجهم وأولادهم.
ولأن فتنة هؤلاء مضاعفة لأن الداعي إليها يكون من أنفسهم ومن مساعي الآخرين وتسويلهم.
وجُرد عن ذكر الأزواج هنا اكتفاء لدلالة فتنة الأولاد عليهن بدلالة فحوى الخطاب، فإن فتنتهن أشد من فتنة الأولاد لأن جُرْأتهن على التسويل لأزواجهن ما يحاولنه منهم أشد من جرأة الأولاد.
والقصر المستفاد من ﴿ إنما ﴾ قصر موصوف على صفة، أي ليست أموالكم وأولادكم إلا فتنةً.
وهو قصر ادعائي للمبالغة في كثرة ملازمة هذه الصفة للموصوف إذ يندُر أن تخلو أفرادُ هذين النوعين، وهما أموال المسلمين وأولادهم عن الاتصاف بالفتنة لمن يتلبس بهما.
والإِخبار ب ﴿ فتنة ﴾ للمبالغة.
والمراد: أنهم سبب فتنة سواء سعوا في فعل الفَتْن أم لم يسعوا.
فإن الشغل بالمال والعناية بالأولاد فيه فتنة.
ففي هذه الآية من خصوصيات علم المعاني التذييلُ والإِدماج، وكلاهما من الإِطناب، والاكتفاءُ وهو من الإِيجاز، وفيها الإِخبار بالمصدر وهو ﴿ فتنة ﴾ ، والإِخبار به من المبالغة فهذه أربعة من المحسنات البديعية، وفيها القصر، وفيها التعليل، وهو من خصوصيات الفصل، وقد يعد من محسنات البديع أيضاً فتلك ست خصوصيات.
وفصلت هذه الجملة عن التي قبلها لأنها اشتملت على التذييل والتعليل وكلاهما من مقتضيات الفصل.
والفتنة: اضطراب النفس وحيرتها من جراء أحوال لا تلائم مَن عرضت له، وتقدم عند قوله تعالى ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ في سورة [البقرة: 191].
أخرج أبو داود عن بريدة قال: إن رسول الله كان يخطب يوم الجمعة حتى جاء الحسن والحسين يعثران ويقومان فنزل رسول الله عن المنبر فأخذهما وجذبهما ثم قرأ إنما أموالكم وأولادكم فتنة}.
وقال: رأيت هذين فلم أصبر، ثُم أخذ في خطبته».
وذكر ابن عطية: أن عمر قال لحذيفة: كيف أصبحتَ فقال: أصبحتُ أحب الفتنة وأكره الحق.
فقال عمر: ما هذا؟
فقال: أحب ولدي وأكره الموت.
وقوله: ﴿ والله عنده أجر عظيم ﴾ عطف على جملة ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ لأن قوله: ﴿ عنده أجر عظيم ﴾ كناية عن الجزاء عن تلك الفتنة لمن يصابر نفسه على مراجعة ما تسوله من الانحراف عن مرضاة الله إن كان في ذلك تسويل.
والأجر العظيم على إعطاء حق المال والرأفة بالأولاد، أي والله يؤجركم عليها.
لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من ابتُلي من هذه البنات بشيء وكنّ له ستراً من النار " وفي حديث آخر " إن الصبر على سوء خلق الزوجة عبادة ".
والأحاديث كثيرة في هذا المعنى منها ما رواه حذيفة: فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصدقة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ قَوْمًا أسْلَمُوا بِمَكَّةَ فَأرادُوا الهِجْرَةَ فَمَنَعَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم مِنها وثَبَّطُوهم عَنْها، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ; قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم مَن لا يَأْمُرُ بِطاعَةِ اللَّهِ ولا يَنْهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ مِنهم مَن يَأْمُرُ بِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ومَعْصِيَةِ الرَّبِّ، ولا يَسْتَطِيعُ مَعَ حُبِّهِ ألّا يُطِيعَهُ، وهَذا مِنَ العَداوَةِ; قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: نُبِّئْتُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: مَنِ اتَّخَذَ أهْلًا ومالًا ووَلَدًا كانَ لِلدُّنْيا عَبْدًا.
الرّابِعُ: أنَّ مِنهم مَن هو مُخالِفٌ لِلدِّينِ، فَصارَ بِمُخالَفَةِ الدِّينِ عَدُوًّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: أنَّ مَن حَمَلَكَ مِنهم عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والِاسْتِكْثارِ مِنها كانَ عَدُوًّا لَكَ، قالَهُ سَهْلٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ فاحْذَرُوهُمْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاحْذَرُوهم عَلى دِينِكُمْ; قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: عَلى أنْفُسِكم، وهو مُحْتَمَلٌ.
﴿ وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا ﴾ الآيَةَ.
يُرِيدُ بِالعَفْوِ عَنِ الظّالِمِ، وبِالصَّفْحِ عَنِ الجاهِلِ، وبِالغُفْرانِ لِلْمُسِيءِ.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لِلذَّنَبِ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِالعِبادِ، وذَلِكَ أنَّ مَن أسْلَمَ بِمَكَّةَ ومَنَعَهُ أهْلُهُ مِنَ الهِجْرَةِ فَهاجَرَ ولَمْ يَمْتَنِعْ قالَ: لَئِنْ رَجَعْتُ لَأفْعَلَنَّ بِأهْلِي ولَأفْعَلَنَّ، ومِنهم مَن قالَ: لا يَنالُونَ مِنِّي خَيْرًا أبَدًا، فَلَمّا كانَ عامَ الفَتْحِ أُمِرُوا بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَنْ أهالِيهِمْ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.
﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَلاءٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِحْنَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ لَقَدْ فُتِنَ النّاسُ في دِينِهِمْ وخَلّى ابْنُ عَفّانَ شَرًّا طَوِيلًا وَفِي سَبَبِ افْتِتانِهِ بِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ يَلْهُو بِهِما عَنْ آخِرَتِهِ ويَتَوَفَّرُ لِأجْلِهِما عَلى دُنْياهُ.
الثّانِي: لِأنَّهُ يَشِحُّ لِأجْلِ أوْلادِهِ فَيَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِن مالِهِ، لِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ : « (اَلْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ مَجْبَنَةٌ)» .
﴿ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هي الجَنَّةُ.
وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ أجْرُهم في الآخِرَةِ أعْظَمَ مِن مَنفَعَتِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ في الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ كانَ أجْرُهُ عَظِيمًا.
﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي جُهْدَكم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: إنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِيما يَرْجُونَهُ بِهِ مِن نافِلَةٍ أوْ صَدَقَةٍ، فَإنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ اشْتَدَّ عَلى القَوْمِ فَقامُوا حَتّى ورِمَتْ عَراقِيبُهم وتَقَرَّحَتْ جِباهُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ تَخْفِيفًا ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ فَنَسَخَتِ الأُولى، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَيُحْتَمَلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ هَذا النَّقْلُ أنَّ المُكْرَهَ عَلى المَعْصِيَةِ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِها لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ اتِّقاءَها.
﴿ واسْمَعُوا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: كِتابُ اللَّهِ إذا نَزَلَ عَلَيْكم.
﴿ وَأطِيعُوا ﴾ الرَّسُولَ فِيما أمَرَكم أوْ نَهاكم، قالَ قَتادَةُ: عَلَيْها بُويِعَ النَّبِيُّ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ.
﴿ وَأنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: هي نَفَقَةُ المُؤْمِنِ لِنَفْسِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: في الجِهادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: الصَّدَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: هَوى نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ.
الثّانِي: الظُّلْمُ، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
الثّالِثُ: هو مَنعُ الزَّكاةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أعْطى زَكاةَ مالِهِ فَقَدْ وقاهُ اللَّهُ شُحَّ نَفْسِهِ.
﴿ إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النَّفَقَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّانِي: النَّفَقَةُ عَلى الأهْلِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واَللَّهُ أكْبَرُ، رَواهُ ابْنُ حِبّانَ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ حَسَنًا ﴾ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَطِيبَ بِها النَّفْسُ.
الثّانِي: أنْ لا يَكُونَ بِها مُمْتَنًّا.
﴿ يُضاعِفْهُ لَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالحَسَنَةِ عَشْرُ أمْثالِها، كَما قالَ تَعالى في التَّنْزِيلِ.
الثّانِي: إلى ما لا يَحِدُّ مِن تَفَضُّلِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي ذُنُوبَكم.
﴿ واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَشْكُرَ لَنا القَلِيلَ مِن أعْمالِنا وحَلِيمٌ لَنا في عَدَمِ تَعْجِيلِ المُؤاخَذَةِ بِذُنُوبِنا.
الثّانِي: شَكُورٌ عَلى الصَّدَقَةِ حِينَ يُضاعِفُها، حَلِيمٌ في أنْ لا يُعَجِّلَ بِالعُقُوبَةِ مِن [تَحْرِيفِ] الزَّكاةِ عَنْ مَوْضِعِها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: السِّرُّ والعَلانِيَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا والآخِرَةُ.
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ قال: بلاء ﴿ والله عنده أجر عظيم ﴾ قال: الجنة.
وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لا يقولن أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس أحد منكم إلا وهو مشتمل على فتنة، فإن الله يقول: ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلاتها.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الضحى قال: قال رجل، وهو عند عمر: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة أو الفتن، فقال عمر: أتحب أن لا يرزقك الله مالاً ولا ولداً، أيكم استعاذ من الفتن فليستعذ من مضلاتها.
وأخرج ابن مردويه عن كعب بن عياض رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المال» .
وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال» .
وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال» .
وأخرج وكيع في الغرر عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال: قال ابن عمر لرجل: إنك تحب الفتنة.
قال: أنا؟
قال: نعم فلما رأى ابن عمر ما داخل الرجل من ذاك، قال: تحب المال والولد.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما عليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما واحداً من ذا الشق، وواحداً من ذا الشق، ثم صعد المنبر فقال: صدق الله، قال: ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ إني لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر أن قطعت كلامي ونزلت إليهما» .
وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب الناس على المنبر خرج الحسين بن علي رضي الله عنه فوطئ في ثوب كان عليه فسقط، فبكى، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر، فلما رأى الناس أسرعوا إلى الحسين رضي الله عنه يتعاطونه، يعطيه بعضهم بعضاً حتى وقع في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قاتل الله الشيطان، إن الولد لفتنة، والذي نفسي بيده ما دريت أني نزلت عن منبري» .
وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه قال: «سمع النبي صلى الله عليه وسلم بكاء حسن أو حسين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الولد فتنة، لقد قمت إليه وما أعقل» والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ .
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ [ آل عمران: 102] اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تحفيفاً على المسلمين ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ فنسخت الآية الأولى.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ قال: جهدكم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ قال: هي رخصة من الله، كان الله قد أنزل في سورة آل عمران ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ [ آل عمران: 102] وحق تقاته أن يطاع فلا يعصى، ثم خفف عن عباده، فأنزل الرخصة ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا ﴾ قال: السمع والطاعة فيما استطعت يا ابن آدم عليها، بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على السمع والطاعة فيما استطاعوا.
وأخرج ابن سعد وأحمد وأبو داود عن الحكم بن حزن الكلفي قال: وفدنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلبثنا أياماً شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام متوكئاً على قوس، فحمد الله، وأثنى عليه كلمات طيبات خفيفات مباركات، ثم قال: «أيها الناس إنكم لن تطيقوا كل ما أمرتم به فسددوا وابشروا» .
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء رضي الله عنه ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ قال: في النفقة.
وأخرج عبد بن حميد عن حبيب بن شهاب العنبري أنه سمع أخاه يقول: لقيت ابن عمر يوم عرفة، فأردت أن أقتدي من سيرته، وأسمع من قوله، فسمعته أكثر ما يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشح الفاحش، حتى أفاض، ثم بات بجمع، فسمعته أيضاً يقول ذلك، فلما أردت أن أفارقه قلت يا عبدالله: إني أردت أن أقتدي بسيرتك فسمعتك أكثر ما تقول أن تعوذ من الشح الفاحش قال: وما أبغي أفضل من أن أكون من المفلحين؟
قال الله: ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ إن تقرضوا الله ﴾ الآية.
أخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله استقرضت عبدي فأبى أن يقرضني، وشتمني عبدي، وهو لا يدري، يقول وادهراه وادهراه، وأنا الدهر» ثم تلا أبو هريرة ﴿ إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي حيان عن أبيه عن شيخ لهم أنه كان يقول إذا سمع السائل يقول: من يقرض الله قرضاً حسناً، قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هذا القرض الحسن.
وفي هؤلاء الأولاد والأزواج الذين ثبطوا عن الهجرة نزل قوله: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ قال ابن عباس: أي لا تطيعوهم في معصية الله (١) قال مقاتل: ﴿ فِتنَة ﴾ أي بلاء وشغل عن الآخرة (٢) وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الأموال والأولاد مما يفتنون به.
(٣) - كان يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران فنزل النبي - إليهما، فأخذهما فوضعهما في حجره على المنبر وقال: "صدق الله ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما".
ثم أخذ في خطبته.
(٤) وروى المسعودي عن القاسم قال: لا يقولن أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن (٥) قوله: ﴿ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: ثواب جزيل وهو الجنة (٦) (١) "التفسير الكبير" 30/ 27.
(٢) "تفسير مقاتل" 158 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 354.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج، 5/ 282.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 5/ 354، وقال ابن حجر: أخرجه أصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم، وأحمد، وإسحاق، وابن أبي شيبة، وأبو يعلي، والبزار، من رواية حسين بن واقد، عن ابن بريدة، عن أبيه.
قال البزار: لا نعلم له طريقًا إلا هذا.
"تخريجات الكشاف" ص 173، والحسين بن واقد ثقة، له أوهام.
"التقريب" 1/ 180.
(٥) ذكره الثعلبي، والبغوي من كلام عبد الله بن مسعود.
"الكشف والبيان" 13/ 137 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 354.
(٦) "زاد المسير" 8/ 285.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ﴾ يحتمل أن يريد بالمصيبة الرزايا، وخصها بالذكر لأنها أهم على الناس.
أو يريد جميع الحوادث من خير أو شر، وبإذن الله عبارة عن قضائه وإرادته تعالى: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ قيل: معناه من يؤمن بأن كل شيء بإذن الله يهد الله قلبه للتسليم والرضا بقضاء الله، وهذا أحسن إلا أن العموم أحسن منه.
القراءات: ﴿ يوم نجمعكم ﴾ بالنون: رويس.
الباقون: على الغيبة ﴿ نكفر ﴾ و ﴿ ندخله ﴾ بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.
الآخرون: على الغيبة.
الوقوف: ﴿ وما في الأرض ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ وله الحمد ﴾ ط النوع اختلاف وهو تقديم الخبر على المبتدأ في الأوّل ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ مؤمن ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ صوركم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ تعلنون ﴾ ه ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الاخبار مع صدق الاتصال بالفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ يهدوننا ﴾ ه لاعتراض الاستفهام بين المتفقين ﴿ الله ﴾ ط ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ يبعثوا ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أنزلنا ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ التغابن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ قلبه ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ج ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ فاحذروهم ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لأنفسكم ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه لا ﴿ الحكيم ﴾ ه.
التفسير: قال في الكشاف: قدم الظرفين في قوله ﴿ له الملك وله الحمد ﴾ لمكان الاختصاص وأن لا ملك بالحقيقة إلا له ولا استحقاق حمد في التحقيق إلا له.
قلت: لو عكس الترتيب أفاد الخصوصية بوجه آخر وهو أن هذا الجنس وهذه الطبيعة له كما سبق في " الفاتحة " ﴿ هو الذي خلقكم ﴾ ذا فطرة سليمة.
وقوله ﴿ فمنكم كافر ومنكم مؤمن ﴾ بحسب الأسباب الخارجية كقوله "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه " والكل على وفق المشيئة.
قالت المعتزلة: أراد هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق فكان يجب عليكم أن تقابلوه بالتوحيد والتكبير مجتمعين مطيعين لا أن يغلب الكفر والجحود عليكم، ولمكان هذه الغلبة قدم الكافر.
والعجب من صاحب الكشاف أنه سلم أن في خلق الكافر قد يكون وجه حسن ولكنه يخفى علينا ولا يسلم أن في خلق داعية الكفر في الكافر قد يكون وجه حسن يخفى عليه.
وقيل: هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية، ومنكم مؤمن.
وقوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ كقوله في ﴿ أحسن ﴾ وسيجيء في " التين " إن شاء الله العزيز.
وكل قبيح من الإنسان فهو في نوعه كامل إلا أن الله خلق أكمل منه من نوعه وأحسن فلهذا يحكم بدمامته وقبحه، ولهذا قالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان.
وحين وصف نفسه بالقدرة الكاملة والعلم الشامل أعم أولاً ثم أخص ثم أخفى، هدد كفار مكة بحال الأمم الماضية فقال ﴿ ألم يأتكم ﴾ الآية ﴿ ذلك ﴾ الوبال الدنيوي والعذاب الأخروي ﴿ بأنه ﴾ أي بأن الشان ﴿ كانت ﴾ أي كانت القضية وقد مر نظيره في " حم المؤمن ".
﴿ أبشر ﴾ فاعل فعل محذوف تفسيره ﴿ يهدوننا ﴾ وجمع الضمير لأن البشر اسم جمع ﴿ إنّما أنا بشر ﴾ ﴿ إن نحن إلا بشر ﴾ قال أهل المعاني: لم يذكر المستغنى عنه في قوله ﴿ واستغنى الله ﴾ ليتناول كل شيء ومن جملته إيمانهم وطاعتهم.
قال في الكشاف: معناه وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان مع قدرته على ذلك، وإنما ذهب إلى هذا التأويل لئلا يوهم أن يوجد التولي والاستغناء معاً ويلزم منه أن لا يكون الله في الأزل غنياً.
قلت: لو جعل الواو للحال أي وقد كان الله مستغنياً قديماً أو والحال وجود استغناء الله في وجودكم لم يحتج إلى التأويل.
قوله ﴿ زعم ﴾ من أفعال القلوب وفيه تقريع لكفار مكة لأن الزعم ادعاء العلم مع ظهور أمارات خلافه ويؤيده ما روي عن النبي أنه قال "زعموا مطية الكذاب" و ﴿ أن لن يبعثوا ﴾ في تقدير مفرد قائم مقام المفعولين.
قال جار الله: ﴿ يوم يجمعكم ﴾ منصوب بقوله ﴿ لتنبؤن ﴾ أو بـ ﴿ خبير ﴾ لأنه في معنى الوعد كأنه قيل: واله يعاقبكم يوم كذا أو بإضمار " اذكر " قلت: يجوز أن يكون ﴿ يوم ﴾ مبنياً على الفتح ومحله ابتداء والخبر جملة قوله ﴿ ذلك يوم التغابن ﴾ .
سؤال: ما الفائدة في زيادة قوله ﴿ ليوم الجمع ﴾ الجواب إن كان الخطاب في ﴿ يجمعكم ﴾ لكفار مكة فظاهر أي اذكروا وقت جمعكم الواقع في وقت يجمع فيه الأوّلون والآخرون، وإن كان لعموم الناس فلعل اللام في الجمع للمعهود الذي سلف في نحو قوله ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ ﴿ وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً ﴾ ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ﴾ هذا ما سمح به الفكر الفاتر والله أعلم بمراده.
قال جار الله: التغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة وهو أن يغبن بعضهم بعضاً لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي ينزلونها لو كانوا أشقياء.
قلت: في تسمية القسم الأخير تغابناً نظر إلا أن يفرض بنزول الشقي في ذلك المنزل يزيد عذاب الشقي، وزيادة العذاب سبب تضيق المكان عليه.
واعتذر عنه جار الله بأنه تهكم بالأشقياء لأن خسران أحد الفريقين مبني على ربح الآخر ولا ربح في التحقيق فيلزم التهكم مثل ﴿ فبشرهم ﴾ وروي عن رسول الله "ما من عبد يدخل الجنة إلا يرى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً وما من عبد يدخل النار إلا يرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة" ويجوز أن يفسر التغابن بأخذ المظلوم حسنات الظالم وحمل الظالم خطايا المظلوم وإن صح مجيء التغابن بمعنى الغبن فذلك واضح في حق كل مقصر صرف شيئاً من استعداده الفطري في غير ما أعطى لأجله.
قوله ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ كقوله ﴿ وزدناهم هدى ﴾ والأول باللسان والثاني بالجنان أي هدينا قلبه إلى حقيقة الإيمان.
وقال جار الله: يلطف به ويشرحه للازدياد من الطاعة والخير، والتحقيق فيه أن نور الإيمان ينبسط كل يوم بسبب الرسوخ والثبات وتكامل المغيبات وتزايد المعارف والطاعات إلى أن يتنور جميع أجزاء القلب وينعكس منه إلى كل الأعضاء والجوارح.
وعن الضحاك: يهد قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وعن مجاهد: إن ابتلى صبر وإن أعطى شكر وإن ظلم غفر ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ يعلم درجات القلوب من الإيمان.
ولما كان أكثر ميل الناس عن الطاعات والكمالات الحقيقيات لأجل صرف الزمان في تهيئة أمور الأزواج والأسباب المفضية إيلهن أو المعينة عليهن، ثم الأولاد الذين هم ثمرات الأفئدة وحياة القلوب وقرة العيون، بيّن الله أن العاقل لا ينبغي أن يصرف كده في ذلك ويكون على حذر منهم ومن تكثيرهم، وبيع الدين بالدنيا لأجلهم فمن الأزواج أزواج يعادين بعولتهن وأعدى عدوّك هي التي تضاجعك، وهل يستلذ الوسنان إذا كان في مضجعه ثعبان.
ومن الأولاد أولاد كيد زائدة قطعها مؤذ وفي إبقائها عيب ﴿ وإن تعفوا ﴾ عنهم إذا أطلعتم منهم على معاداة فإن الله يجازيكم.
وروى أن ناساً أرادوا الهجرة عن مكة فثبطهم أزواجهم وأولادهم فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم فنزلت.
عن النبي أنه كان يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان فنزل إليهما فأخذهما ووضعهما في حجرة على المنبر فقال: صدق الله ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما.
وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات.
وقال بعض أهل التفسير: أراد إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتننكم الميل إلى الأموال والأولاد عنهما.
وحين بين أن الأزواج والأولاد لا ينبغي أن يمنعوا المكلف عن طاعة الله أنتج من ذلك الأمر بتقوى الله بمقدار الوسع والطاقة.
" وما " للمدة أو للمصدر وقوله ﴿ خيراً لأنفسكم ﴾ نصب بمحذوف هو افعلوا أو ائتوا وقد مر نظيره في آخر " النساء " في قوله ﴿ انتهوا خيراً لكم ﴾ وفيه إشارة إلى أن أمثال هذه الأوامر خير من التهالك في أمور الأزواج والأولاد وإغضاب الرب وإتعاب النفس لتكثير المال المخلف ومن أشقى ممن لا يقدّم لأجل نفسه شيئاً يستقرضه منه رازقه مع شدة احتياجه إلى ذلك بعد مماته ويؤخر لأجل وارثه أموالاً عظيمة مع عدم وثوقه بأنه هل يكون له انتفاع بها أم لا اللهم اشغلنا بما يغنينا وبالله.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ ﴾ .
يحتمل أن يكون على تحقيق العداوة، ويحتمل أن يكون على فعل العداوة؛ فإن كان على تحقيق العداوة فهو يحتمل وجهين: أحدهما: عداوة ظاهرة، وهي عداوة الكفر والشرك؛ وذلك أنه كان في ذلك الزمان يسلم الرجل ويبقى ولده وزوجته على الكفر، فعلمهم الله صحبة الأولاد والزوجات: أنه إذا دعوكم إلى الكفر والشرك، فاحذروهم أن تطيعوهم وأن تعفوا عن عقوبتهم على ما دعوكم إليه، وتغفروا؛ فإن الله غفور رحيم.
ثم ذكر الله - عز وجل - في صحبة الأولاد والزوجات إذا كانوا كفارا -العفو والصفح، ولم يذكر ذلك في الوالدين المشركين، ولكنه أمره أن يصاحبهما في الدنيا معروفا لقوله: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ﴾ ، فوجه ذلك - عندنا والله أعلم -: أن يجري سلطانه وغلبته وقهره على زوجته وولده، فأمره هاهنا بالعفو والصفح، وأما في الوالدين فليس يجري [له عليهما] السلطان والقهر والغلبة؛ فلا معنى [للعفو والصفح] عنهما، لكنه أمر [أن يصاحبهما] في الدنيا معروفا وألا يطيعهما فيما أمراه من المنكر، والله أعلم.
ويحتمل أن تكون هذه العداوة عداوة مستورة، وهي عداوة النفاق، فكأنه قال: إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم وأنتم لا تشعرون، وإن تعفوا عن جنايتهم ولم تؤذوهم عليها وتصفحوا وتغفروا؛ فإن الله غفور رحيم؛ ألا ترى إلى ما حذر الله المؤمنين من أهل النفاق مع أنهم من الضعف والفشل [؛ كما أخبر الله] - عز وجل - عنهم بقوله: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ ﴾ فكذلك الأزواج والأولاد وإن كانوا تحت قهره [وغلبته، أمره] بالحذر عنهم، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون على فعل العداوة، ليس أنهم أعداء في الحقيقة، وذلك أنهم في المتعارف والمعتاد يدعون الآباء إلى البخل والمنع عن الإنفاق على غيرهم، ويشتد عليهم صنع أبيهم من الإحسان والبر في حق الناس، ويكرهون ذلك، وهذا في الظاهر فعل العدو؛ فيجوز أن يكون الله علم صحبة هؤلاء أن من أزواجهم وأولادكم من يظهر فعل العداوة فاحذروهم أن تمتنعوا عن وجوه الإحسان إليهم والتبرع بقولهم، وإن تعفوا عن صنيعهم بكم وتغفروا ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
وقوله -عز وجل-: ﴿ إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ .
المفتون: [هو] المولع بالشيء العاشق له، فكأنه قال: إنما أموالكم وأولادكم معشوقكم؛ فلا يحملكم حبهم على أن تتركوا ابتغاء الأجر العظيم عند الله .
ويحتمل أن يكون معناه: أن الله لم يخلق الأزواج والأولاد لكم مجانا، وإنما خلقهم ليبتليكم، ويمتحنكم: أن كيف تعاملون الله فيما أمركم به ونهاكم عن حبهم، ثم أخبر أن الله عنده أجر عظيم؛ ليتحملوا المؤنة العظيمة في أوامره ونواهيه عن حبهم الأولاد والأموال، وهذا معنى ما قال بعضهم: إن الأزواج والأولاد كانوا يتعلقون بهم، ويقولون: ننشدك بالله أن [لا] تذرنا وتضيعنا، إذا أراد الرجل أن يهاجر إلى المدينة.
والأشبه ألا يكون هذا؛ لأن هذه الآية نزلت بالمدينة وأفعالهم هذه إنما كانت بمكة، إلا أن يكونوا كتبوا إليهم بها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ .
قال بعضهم: نسخت هذه الآية قوله : ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ حيث أمر هاهنا بالاتقاء على قدر الاستطاعة، وثم بخلافه، ولكن هذا لا يستقيم؛ لأن قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ لا يراد به الاتقاء فيما لا يستطيعون لا فوق الطاقة والاستطاعة، ولكنه إن كان [فوجهه: أن] ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ وإن هلكت فيه طاقتكم؛ لأنهم أمروا بتقوى تهلك به طاقتهم على ما قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ ﴾ ، ولو كتب عليهم أن يقتلوا أنفسهم جاز ولكنه تهلك طاقتهم فيه، فكذلك الأول، ثم قال: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ تخفيفا عليهم وتيسيرا والله أعلم.
ولكن الكلام في أن كيف قال: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ ولم نكن نتقي لولا هذه الآية إلا ما استطعنا، ولكن معناه -والله أعلم-: على جهة البشارة: أنكم إذا قصدتم قصد التقوى، آتاكم الله -تعالى- الاستطاعة في تقواه، وهو كقوله : ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ ﴾ .
وهذه الآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الاستطاعة تتقدم الفعل، وهي تزول عن الفاعل وتقدم عند الفعل، ولو كان كذلك كان يجعل قوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ استطاعة زالت عنهم، وكذلك قوله: ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ﴾ ، زالت عنهم هذا مستحيل، والذي يؤيد قولنا قول الله جل ثناؤه: ﴿ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ﴾ ، والحاجة إلى هذه الاستطاعة تقع عند أداء البدل عن الأصل، فأما قبل ذلك إن كان مستطيعا أو غير مستطيع فهو سواء.
قوله : ﴿ وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ ﴾ .
أي: اسمعوا إلى ما أمركم الله به ورسوله.
أو يكون قوله: ﴿ وَٱسْمَعُواْ ﴾ بمعنى: أجيبوا لما أمركم الله به، وإلى ما دعاكم الله ورسوله؛ كقوله: "سمع الله لمن حمده"، أي أجابه.
وقوله -تعالى-: ﴿ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ ﴾ .
أي: وأنفقوا مما زرقناكم خيرا لكم من أن تدعوا الإجابة لما أمركم والإنفاق مما رزقكم.
وقوله -عز وجل-: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ .
قال سفيان بين عيينة: أي: ومن يوق ظلم نفسه، والشح: الظلم.
[وقال بعضهم: الشح: البخل، الذي فيه الحرص.
قال: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ ] أضاف الوقاية إلى نفسه؛ ليعلم أن من اتقاه فإنما اتقاه بما وقاه الله بلطفه وكرمه، ألا ترى إلى قوله: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ كيف علمهم ذلك التقوى بقوله: ﴿ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ [أن قولوا: وقنا عذاب النار؛ ليعلم أن] جميع أفعال العباد إنما تقوم وتصح بتدبير الله -تعالى- وتوفيقه وتسديده وتقديره، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ فيه أوجه من الدلالة: أحدها: أن قوله: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ لم يبين فاعله، ففيه بيان أن في سلطان الله وملكه ما يقي به شح عبده، وأنه إذا وقاه شح نفسه أفلح، وكذلك في قوله: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ إخبار أن من ينصره الله فلا يغلب، وقد يرى في الشاهد من لا يوق شح نفسه ألبتة، ومن قد يوق شح نفسه ولا يفلح، وقد نرى من يجاهد أعداءه فيغلب، مع ما وعده وأخبر أنه هو الغالب وأنه لا يغلب، فلا بد في ذلك من أحد وجهين: إما أن لم يكن لله النصرة في ملكه وسلطانه كما ادعى، فهو كاذب فيما ادعى، وإما أن آتاه من القوة ما يقي به شح نفسه فلم يفلح؛ فصار كاذبا في خبره.
[فأما المعتزلة فإنهم زعموا] أن الله قد آتى عبده جميع ما يقي به شح نفسه حتى لم يبق في خزانته شيء يؤتيه ليقي به شح نفسه -كذبة، وإذا لم يكن بد من نسبة الكذب إلى الله أو إلى المعتزلة، كانت المعتزلة أولى أن ينسبوا إلى الكذب من رب العالمين فيما أخبروا هم، وأن الله [فيما أخبر صادق] وأن في ملكه وسلطانه ما لم يؤت عبده ليقي به شح نفسه، والله المستعان.
وفيه دلالة على إبطال قول من قال: إن على الكفرة أداء هذه العبادات، والحقوق واجبة، وذلك أن الله وعد في هذه الآية أن من وقي شح نفسه، وأدى ما وجب عليه من هذه الحقوق فقد أفلح، وقد ترى الكافر في الشاهد [يوقي شح نفسه] ويؤدي [حقوق أمواله] ويسخو بماله على الناس، ولا يفلح ولو كان عليه هذه الحقوق واجبة، لكان يحصل له الفلاح، ثبت أنه ليس عليه أداءها وإنما عليه قبولها، والله أعلم.
وفيه أن صاحب الكبيرة قد يرجى له الفلاح وإن لم يتب عن الكبيرة حتى مات؛ لأنا قد نرى صاحب الكبيرة قد يوقي شح نفسه، وقد وعد الله -عز وجل- أن من وقي شح نفسه، فهو من المفلحين، فإذا كان صاحب الكبيرة قد يوقي شح نفسه؛ فقد ثبت أنه يرجى له الفلاح، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ ، تولد من هذه الآيات ظنون فاسدة: أحدها: ظن اليهود، حيث قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء؛ وذلك أنهم لما سمعوا أن الله يقول: ﴿ إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ والاستقراض في الشاهد يدل على الحاجة إلى ما يستقرض، وكذلك قوله - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ ، والشراء يدل على حاجة في المشتري، وحيث استعمل عبيده في الأعمال، ثم قال: ﴿ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ، ورأوا أن من يستعمل آخر فإنما يستعمله في عمل ترجع منفعته عليه ويحتاج إلى عمله، ظنوا بذلك أن الله فقير وأنه محتاج.
وظنت المعتزلة أن أنفس العبيد وأملاكهم ملك لهم حقيقة ليس لله -تعالى- في شيء من ذلك ملك ولا تدبير، قالوا: وذلك أن الله استقرض من عبيده، والمرء في الشاهد لا يستقرض ملك نفسه، فلما استقرض واستباع دل أن هذه الأشياء كانت ملكا لهم حقيقة.
والذي يدل على أن قول المعتزلة على ما وصفنا: أن من قولهم: إن ليس لله أن يمرض أحداً ولا يؤلم ذاته إلا بعوض، ومن لم يملك فعل شيء إلا بعوض أو بدل تبين أنه لا يملكه؛ فثبت على أن عندهم أنه لا يملك حقيقة، وأن حقيقة الملك فيه للعبيد.
ويشبه أن يكون ظن [اليهود والمعتزلة] جميعاً إنما تولد من قولهم: إن ليس لله أن يفعل بعبيده إلا ما هو أصلح لهم في دينهم، فذهبت اليهود إلى أن هذا لما كان حقّاً على الله أن يفعله لا محالة حتى إذا لم يفعله يكون جائرا، ومن كان مأخوذا بحق أو بشيء يفعله، ففيه بيان أن حقيقة ذلك الفعل لغيره حتى أخذ به لا محالة؛ لذلك قلنا: إن ظنونهم تولدت عن القول بالأصلح، والله المستعان.
وأما الحكماء وأهل العقل ومن انتفع بعقله، حمل هذه الآيات من الله على نهاية الكرم وغاية الغناء؛ لأن الله أعطى عبده، ثم استقرض منه ذلك الذي أعطاه؛ ليصير ذلك العطاء دائما ببدله الدائم، وهو النعيم في الآخرة، ومعلوم أن من أراد دوام عطاء من أعطاه فهو في غاية الكرم، وكذلك اشترى منه حياة فانية؛ [ليعطي له] حياة دائمة، وهذا من غاية الجود، ومن استعمل عبده في عمل يوصف بأنه جواد سخي ويشرف به، ويكرم ثم وعد له على ما فيه شرفه أجراً دائماً، دل على غناه، فثبت أنه أراد بهذه الآيات أن يعلمنا غاية كرمه وغاية جوده ونهاية غناه، وأن جوده وكرمه مما لا تدركه عقولنا، والله المستعان.
والذي يدل على غاية كرمه وغاية جوده: أن جعل ما نتصدق به على فقرائنا وما نصل به أرحامنا قرضا حسنا على نفسه، ووعد الأجر بعمل يعمله العبد لنفسه، وعلى عمل [على] العبد فعله لا محالة، ولا شك أن ذلك من غاية [الجود والكرم] والله المستعان.
ثم قوله: ﴿ إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ .
قال بعضهم: القرض: هو القطع، كأنه قال: اقطعوا شيئاً من أموالكم لله قطعا حسنا.
وقال بعضهم: اقرضوا، أي: اجعلوا ما تتصدقون به مما فضل عن حاجاتكم على فقرائكم قرضا حسنا على الله يؤتكم أجره عند حاجتكم إليه.
وقوله: ﴿ يُضَاعِفْهُ لَكُمْ ﴾ .
يعني: يضاعف ما يعطيكم في الآخرة من الثواب الذي تكرمون به، بما شرفتم به، وتزينتم في الدنيا بالتصدق.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ .
يعني: شكور؛ حيث شكر لكم على ما أعطيتموه شيئاً هو أعطاكم إياه.
وقوله: ﴿ حَلِيمٌ ﴾ .
وصف نفسه بالحلم، وعلى قول المعتزلة لا يتحقق هذا الوصف؛ لأنهم يقولون: إنه إذا وجبت العقوبة، فليس لله أن يؤخرها كرماً منه، وأنه فيما أخرها كان ذلك حقّاً عليه؛ حيث رأى الأصلح في تأخيرها، ومعلوم أن من أدى حقّاً عليه لم يوصف بالحلم، ولكنه يقال: إنه ينفي الجور، والحليم من يحلم عن عقوبة لزمت فيؤخرها ويتركها ويعفو صاحبها عنها؛ فيوصف بالحلم عند ذلك، وأما أن يكون عليه تأخيرها، فلا يوصف بالحلم في هذا الموضع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .
يعني: عالم ما غاب من أفعال الخلق عن الملائكة، وعالم بما شهدوا من أفعالهم، وعالم بما غاب عن العباد، وبما شهده العباد.
وقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .
[العزيز]: الذي لا يعجزه شيء، والحكيم: الذي لا يلحقه الخطأ في تدبيره، ثم المعتاد في القرآن أنه يذكر العزيز الحكيم بعد ذكره خلق الكفرة؛ ليعلم أن فسادهم لا يوجب وهْناً في حكمته وتدبيره، ولا يبطل عزه وسلطانه؛ لأن من صنع إلى آخر شيئاً يعلم أنه يفسد؛ دل ذلك على جهله بالتدبير وإذا استعمل عبده بما يهلكه؛ دل على ذله فأخبر بعد خلق الكفرة: أنه عزيز ليعلم أن كفرهم لا يوجب نقصا في عزه، ولا يدخل ذلا عليه، وأن فسادهم لا يخرجه عن الحكمة والتدبير، [والله أعلم بالصواب].
إنما أموالكم وأولادكم ابتلاء واختبار لكم، فقد يحملونكم على كسب الحرام، وترك طاعة الله، والله عنده ثواب عظيم لمن آثر طاعته على طاعة الأولاد، وعلى الانشغال بالمال، وهذا الجزاء العظيم هو الجنّة.
<div class="verse-tafsir" id="91.aDLMJ"