الآية ٧ من سورة التغابن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 64 التغابن > الآية ٧ من سورة التغابن

زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَن لَّن يُبْعَثُوا۟ ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ ٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 51 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧ من سورة التغابن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧ من سورة التغابن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن المشركين والكفار والملحدين أنهم يزعمون أنهم لا يبعثون : ( قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ) أي : لتخبرن بجميع أعمالكم ، جليلها وحقيرها ، صغيرها وكبيرها ، ( وذلك على الله يسير ) أي : بعثكم ومجازاتكم .

وهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقسم بربه ، عز وجل ، على وقوع المعاد ووجوده فالأولى في سورة يونس : ( ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين ) [ يونس : 53 ] والثانية في سورة سبإ : ( وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم ) الآية [ سبإ : 3 ] والثالثة هي هذه [ ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير ) ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: زعم الذين كفروا بالله أن لن يبعثهم الله إليه من قبورهم بعد مماتهم.

وكان ابن عمر يقول: زعم: كنية الكذب.

حدثني بذلك محمد بن نافع البصريّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن بعض أصحابه عن ابن عمر.

وقوله: (قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ) يقول لنبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : قل لهم يا محمد: بلى وربي لتبعثن من قبوركم (ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ) يقول: ثم لتخبرنّ بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا، (وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) يقول: وبعثكم من قبوركم بعد مماتكم على الله سهل هين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُواأي ظنوا .والزعم هو القول بالظن .وقال شريح : لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا .قيل : نزلت في العاص بن وائل السهمي مع خباب حسب ما تقدم بيانه في آخر سورة " مريم " , ثم عمت كل كافر .قُلْيا محمدبَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّأي لتخرجن من قبوركم أحياء .ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّلتخبرن .بِمَا عَمِلْتُمْأي بأعمالكم .وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌإذ الإعادة أسهل من الابتداء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن عناد الكافرين، وزعمهم الباطل، وتكذيبهم بالبعث بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فأمر أشرف خلقه، أن يقسم بربه على بعثهم، وجزائهم بأعمالهم الخبيثة، وتكذيبهم بالحق، { وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } فإنه وإن كان عسيرًا بل متعذرًا بالنسبة إلى الخلق، فإن قواهم كلهم، لو اجتمعت على إحياء ميت [واحد]، ما قدروا على ذلك.وأما الله تعالى، فإنه إذا أراد أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، قال تعالى: { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ } .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم أخبر عن إنكارهم البعث فقال - جل ذكره - : ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل ) يا محمد ( بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير)

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«زعم الذين كفروا أن» مخففة واسمها محذوف، أي أنهم «لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ادَّعى الذين كفروا بالله باطلا أنهم لن يُخْرَجوا من قبورهم بعد الموت، قل لهم -أيها الرسول-: بلى وربي لتُخْرَجُنَّ من قبوركم أحياء، ثم لتُخْبَرُنَّ بالذي عملتم في الدنيا، وذلك على الله يسير هيِّن.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - مزاعم الجاحدين للبعث والحساب ، ورد عليهم بما يبطلها ، ودعاهم إلى الإيمان بالحق ، وحضهم على العمل الصالح الذى ينفعهم يوم القيامة ، وبشر المؤمنين بما يشرح صدورهم ، وبين أن كل شىء فى هذا الكون يسير بإذنه - تعالى - وإرادته ، فقال - سبحانه - : ( زَعَمَ الذين .

.

.

) .قال صاحب الكشاف : قوله : ( زَعَمَ الذين كفروا أَن لَّن يُبْعَثُواْ ) .

الزعم : ادعاء العلم ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " زعموا مطية الكذب " وعن شريح : لكل شىء كنية وكنية الكذب زعموا ، ويتعدى المفعولين تعدى العلم ، كما قال الشاعر :وإن الذى قد عاش يا أم مالك ...

يموت ، ولم أزعمك عن ذاك معزلاو " أنْ " مع ما فى حيزها قائم مقامهما .و ( بلى ) حرف يذكر فى الجواب لإثبات النفى فى كلام سابق ، والمراد هنا : إثبات ما نفوه وهو البعث .أى : زعم الذين كفروا من أهل مكة وأشباههم من المشركين ، أنهم لن يبعثوا يوم القيامة ، لأن البعث وما يترتب عليه من حساب ، فى زعمهم محال .قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل الجزم واليقين ، كذبتم فيما تزعمونه من أنه لا بعث ولا حساب .

.

.

.

والله لتبعثن يوم القيامة ، ثم لتنبؤن بما عملتموه فى الدنيا من أعمال سيئة ، ولتحاسبن عليها حسابا عسيرا ، يترتب عليه الإلقاء بكم فى النار .وجىء فى نفى زعمهم بالجملة القسمية ، لتأكيد أمر البعث الذى نفوه بحرف ( لَّن ) ولبيان أن البعث وما يترتب عليه من ثواب وعقاب ، أمر ثابت ثبوتا قطعيا .

وجملة ( ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ) ارتقاء فى الإيطال .

و ( ثُمَّ ) للتراخى النسبى .أى : قل لهم إنكم لا تبعثون فحسب ، بل ستبعثون ، ثم تجدون بعد ذلك ما هو أشد من البعث ، ألا وهو إخباركم بأعمالكم السيئة ، ثم الإلقاء بكم فى النار بعد ذلك .فالمراد بالإنباء لازمه ، وهو ما يترتب عليه من حساب وعقاب .واسم الإشارة فى قوله : ( وَذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ ) يعود إلى البعث وما يترتب عليه من حساب .أى : وذلك البعث والحساب ، يسير وهين على الله - تعالى - لأنه - سبحانه - لا يعجزه شىء ، ولا يحول دون تنفيذ قدرته حائل .فهذا التذييل المقصود به إزالة ما توهموه وعموه من أن البعث أمر محال ، كما قالوا : ( أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُاْ الذين كَفَرُواْ ﴾ خطاب لكفار مكة وذلك إشارة إلى الويل الذي ذاقوه في الدنيا وإلى ما أعد لهم من العذاب في الآخرة.

فقوله: ﴿ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ ﴾ أي شدة أمرهم مثل قوله: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم ﴾ وقوله: ﴿ ذلك بِأَنَّهُ ﴾ أي بأن الشأن والحديث أنكروا أن يكون الرسول بشراً.

ولم ينكروا أن يكون معبودهم حجراً فكفروا وتولوا، وكفروا بالرسل وأعرضوا واستغنى الله عن طاعتهم وعبادتهم من الأزل، وقوله تعالى: ﴿ والله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ من جملة ما سبق، والحميد بمعنى المحمود أي المستحق للحمد بذاته ويكون بمعنى الحامد، وقوله تعالى: ﴿ زَعَمَ الذين كَفَرُواْ ﴾ قال في الكشاف: الزعيم ادعاء العلم، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «زعموا مطية الكذب» وعن شريح لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا، ويتعدى إلى مفعولين، تعدى، العلم، قال الشاعر: ولم أزعمك عن ذلك معزولا *** والذين كفروا هم أهل مكة ﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد أن وهو البعث وقيل: قوله تعالى: ﴿ قُلْ بلى وَرَبِّي ﴾ يحتمل أن يكون تعليماً للرسول صلى الله عليه وسلم، أي يعلمه القسم تأكيداً لما كان يخبر عن البعث وكذلك جميع القسم في القرآن وقوله تعالى: ﴿ وَذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ ﴾ أي لا يصرفه صارف، وقيل: إن أمر البعث على الله يسير، لأنهم أنكروا البعث بعد أن صاروا تراباً، فأخبر أن إعادتهم أهون في العقول من إنشائهم، وفي الآية مباحث: الأول: قوله: ﴿ فَكَفَرُواْ ﴾ يتضمن قوله: ﴿ وَتَوَلَّواْ ﴾ فما الحاجة إلى ذكره؟

نقول: إنهم كفروا وقالوا: ﴿ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ﴾ وهذا في معنى الإنكار والإعراض بالكلية، وذلك هو التولي، فكأنهم كفروا وقالوا قولاً يدل على التولي، ولهذا قال: ﴿ فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ ﴾ .

الثاني: قوله: ﴿ وَتَوَلَّواْ واستغنى الله ﴾ يوهم وجود التولي والاستغناء معاً، والله تعالى لم يزل غنياً، قال في الكشاف: معناه أنه ظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان، ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك.

الثالث: كيف يفيد القسم في إخباره عن البعث وهم قد أنكروا رسالته.

نقول: إنهم وإن أنكروا الرسالة لكنهم يعتقدون أنه يعتقد ربه اعتقاداً لا مزيد عليه فيعلمون أنه لا يقدم على القسم بربه إلا وأن يكون صدق هذا الإخبار أظهر من الشمس عنده وفي اعتقاده، والفائدة في الإخبار مع القسم ليس إلا هذا، ثم إنه أكد الخبر باللام والنون فكأنه قسم بعد قسم.

ولما بالغ في الإخبار عن البعث والاعتراف بالبعث من لوازم الإيمان قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الزعم: ادعاء العلم: ومنه قوله عليهالصلاة والسلام: «زعموا مطية الكذب» وعن شريح: لكل شيء كنية وكنية الكذب ﴿ زعموا ﴾ ويتعدّى إلى المفعولين تعدّي العلم.

قال: ...

وَلَمْ أَزْعُمكِ عَنْ ذَاكَ مَعْزِلاَ و(أن) مع ما في حيزه قائم مقامهما.

والذين كفروا.

أهل مكة.

و ﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد لن، وهو البعث ﴿ وَذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ ﴾ أي لا يصرفه عنه صارف.

وعنى برسوله والنور: محمداً صلى الله عليه وسلم والقرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا ﴾ الزَّعْمُ ادِّعاءُ العِلْمِ ولِذَلِكَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ وقَدْ قامَ مَقامَهُما أنْ بِما في حَيِّزِهِ.

﴿ قُلْ بَلى ﴾ أيْ بَلى تُبْعَثُونَ.

﴿ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ﴾ قَسَمٌ أكَّدَ بِهِ الجَوابَ.

﴿ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ ﴾ بِالمُحاسَبَةِ والمُجازاةِ.

﴿ وَذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ لِقَبُولِ المادَّةِ وحُصُولِ القُدْرَةِ التّامَّةِ.

﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فَإنَّهُ بِإعْجازِهِ ظاهِرٌ بِنَفْسِهِ مُظْهِرٌ لِغَيْرِهِ مِمّا فِيهِ شَرْحُهُ وبَيانُهُ.

﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ فَمُجازٍ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{زَعَمَ الذين كَفَرُواْ} أي أهل مكة والزعم ادعاء العلم ويتعدى تعدي العلم {أَن لَّن يُبْعَثُواْ} أن مع ما في حيزه قائم مقام المفعولين وتقديره أنهم لن يبعثوا {قُلْ بلى} هو إثبات لما بعد لن وهو البعث {وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ} أكد الإخبار باليمين فإن قلت ما معنى اليمين على شيء أنكروه قلت هو جائز لأن التهدد به أعظ وقعا في اقلب فكانه قيل

لهم ما تنكرونه كائن لا محالة {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ} البعث {عَلَى الله يسير} هين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا ﴾ الزَّعْمُ ادِّعاءُ العِلْمِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ لِلِادِّعاءِ الباطِلَ.

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ شُرَيْحٍ إنَّهُ كُنْيَةُ الكَذِبِ، واشْتُهِرَ أنَّهُ مَطِيَّةُ الكَذِبِ، ولِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وقَدْ قامَ مَقامَهُما هُنا ”أنْ“ المُخَفَّفَةُ وما في حَيِّزِها، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ عَلى ما في الكَشّافِ أهْلُ مَكَّةَ فَهو عَلى ما سَمِعْتَ في الخِطابِ مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ﴾ قالَ في الكَشْفِ: ويُحْتَمَلُ التَّعْمِيمُ فَيَتَناوَلَهم وأضْرابَهم لِتَقَدُّمِ كُفّارِ مَكَّةَ في الذِّكْرِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ حُمِلُوا عَلى الِاعْتِبارِ بِحالِهِمْ، وهَذا أبْلَغُ أيْ زَعَمُوا أنَّ الشَّأْنَ لَنْ يُبْعَثُوا بَعْدَ مَوْتِهِمْ ﴿ قُلْ ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ وإظْهارًا لِبُطْلانِ زَعْمِهِمْ بِإثْباتِ ما نَفَوْهُ بَلى تُبْعَثُونَ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ فَهي داخِلَةٌ فِي حَيِّزِ الأمْرِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ ﴾ أيْ لَتُحاسَبُنَّ وتُجْزَوْنَ بِأعْمالِكم، وزِيدَ ذَلِكَ لِبَيانِ تَحَقُّقِ أمْرٍ آخَرَ مُتَفَرِّعٍ عَلى البَعْثِ مَنُوطٍ بِهِ فَفِيهِ أيْضًا تَأْكِيدٌ لَهُ ﴿ وذَلِكَ ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ لِتَحَقُّقِ القُدْرَةِ التّامَّةِ وقَبُولِ المادَّةِ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا يعني: مشركي العرب، زعموا أن لن يبعثوا بعد الموت.

قُلْ يا محمد بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ.

فهذا قسم أقسم أنهم يبعثون بعد الموت.

ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ يعني: تخبرون بما عملتم في دار الدنيا، ويجزون على ذلك.

ثم قال: وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يعني: البعث والجزاء على الله هين.

قوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: صدقوا بوحدانية الله تعالى، وصدقوا برسالة محمد  .

وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا يعني: صدقوا بالقرآن الذي نزل به جبريل على محمد  ، فسمى القرآن نوراً، لأنه يهتدى به في ظلمة الجهالة والضلالة، ويعرف به الحلال والحرام.

ثم قال: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يعني: عالم بأعمالكم فيجازيكم بها.

ثم قال: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ يعني: تبعثون في يوم يجمعكم لِيَوْمِ الْجَمْعِ يعني: يوم تجمع فيه أهل السماء وأهل الأرض، ويجمع فيه الأولون والآخرون.

قرأ يعقوب الحضرمي يَوْمٍ نجمعكم بالنون، وقراءة العامة بالياء ومعناهما واحد.

ثم قال: ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ يعني: يغبن فيه الكافر نفسه.

وأصله ومنازله في الجنة، يعني: يكون له النار مكان الجنة، وذلك هو الغبن والخسران.

ثم قال: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يعني: يوحد الله تعالى ويؤدِّي الفرائض.

يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ يعني: ذنوبه، وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يعني: النجاة الوافرة.

قرأ نافع، وابن عامر نَّكْفُرَ وندخله كلاهما بالنون، والباقون كلاهما بالياء، ومعناهما واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ جَزْمٌ أصْلُه «يأتيكم» والخطابُ في هذهِ الآيةِ لقريشٍ، ذُكِّرُوا بِمَا حَلَّ بِعَادٍ وثمودَ، وغيرهم ممن سَمِعَتْ قريشٌ بِأخبارِهم، وَوَبَالُ الأمْرِ: مكروهُه وما يسوء منه.

وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُ إشارة إلى ذَوْقِ الوَبَالِ، وباقي الآية بَيِّنٌ.

وقوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا يريدُ قُريشاً، ثم هِي بَعْدُ تَعُمّ كلَّ كافرٍ بالبعثِ، ولا تُوجَدُ (زَعَمَ) مستعملةً في فصيحِ الكلامِ إلا عبَارَةً عَنِ الكَذِبِ، أو قولِ انْفَرَدَ به قائله.

وقوله سبحانه: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا هذه الآيةُ دعاء من اللَّهِ، وتبليغٌ وتحذيرٌ مِنْ يَوْمِ القِيَامَةِ، والنُّورُ القرآنُ ومعانيه، ويومُ الجَمْعِ هو يومَ القيامَةِ، وهُو يومُ التغابُنِ يَغْبِنُ فِيهِ المؤمِنُونَ الكافرينَ، نَحا هذا المَنْحَى مُجَاهِد وغيره «١» .

ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)

وقوله تعالى: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ يحتملُ أَنْ يريدَ المصائِبَ التي هي رَزَايا، ويحتملُ أنْ يريدَ جميعَ الحوادثِ من خيرِ وشر، والكلُّ بإذْنِ اللَّهِ، والإذنُ هنا عبارةٌ عَنِ العلم والإرادة وتمكين الوقوع.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ كانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: ( زَعَمُوا ) كِنايَةُ الكَذِبِ.

وكانَ مُجاهِدٌ يَكْرَهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: زَعَمَ فُلانٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يَعْنِي: البَعْثَ، "والنُّورُ" هو القُرْآنُ، وفِيهِ بَيانُ أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ ﴾ هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ.

وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُ فِيهِ الجِنَّ والإنْسَ، وأهْلَ السَّمَواتِ، وأهْلَ الأرْضِ ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ﴾ تَفاعُلٌ مِنَ الغَبْنِ، وهو فَوْتُ الحَظِّ.

والمُرادُ في تَسْمِيَتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بِيَوْمِ التَّغابُنِ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَيْسَ مِن كافِرٍ، إلّا ولَهُ مَنزِلٌ وأهْلٌ في الجَنَّةِ فَيَرِثُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ، فَيُغْبَنُ حِينَئِذٍ الكافِرُ، ذَكَرَ هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: غَبْنُ أهْلِ الجَنَّةِ أهْلَ النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والقُرَظِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَوْمُ غَبْنِ المَظْلُومِ الظّالِمَ، لِأنَّ المَظْلُومَ كانَ في الدُّنْيا مَغْبُونًا، فَصارَ في الآخِرَةِ غابِنًا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ يَوْمٌ يَظْهَرُ فِيهِ غَبْنُ الكافِرِ بِتَرْكِهِ لِلْإيمانِ، وغَبْنُ المُؤْمِنِ بِتَقْصِيرِهِ في الإحْسانِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما ذُكِرَ ذَلِكَ مَثَلًا لِلْبَيْعِ والشِّراءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ  ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ  ﴾ وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "نُكَفِّرْ" "وَنُدْخِلْهُ" بِالنُّونِ فِيهِما.

والباقُونَ: بِالياءِ ﴿ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِعِلْمِهِ وقَضائِهِ ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلْيَقِينِ، فَيَعْلَمُ أنَّ ما أصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وما أخْطَأهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ عَلْقَمَةُ: هو الرَّجُلُ تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ، فَيَعْلَمُ أنَّها مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، فَيُسَلِّمُ، ويَرْضى.

والثّانِي: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلِاسْتِرْجاعِ، وهو أنْ يَقُولَ: إنّا لِلَّهِ، وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إذا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وإذا أُنْعِمَ عَلَيْهِ شَكَرَ، وإذا ظُلِمَ غَفَرَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والرّابِعُ: يَهْدِ قَلْبَهُ، أيْ: يَجْعَلُهُ مُهْتَدِيًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والخامِسُ: [يَهْدِ ولِيَّهُ بِالصَّبْرِ والرِّضى، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.

والسّادِسُ: ] يَهْدِ قَلْبَهُ لِاتِّباعِ السُّنَّةِ إذا صَحَّ إيمانُهُ، قالَهُ أبُو عُثْمانَ الحَيْرِيُّ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو نُهَيْكٍ: "يَهْدَ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.

وَنَصْبِ الدّالِ "قَلْبُهُ" بِالرَّفْعِ.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مِن هَدَأ يَهْدَأُ: إذا سَكَنَ.

فالمَعْنى: إذا سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ سَكَنَ قَلْبُهُ.

وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والضَّحّاكُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأزْرَقُ عَنْ حَمْزَةَ: "نَهْدِ" بِالنُّونِ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: "يُهْدَ" بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ الدّالِ "قَلْبُهُ" بِالرَّفْعِ.

وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُسْلِمُ.

فَإذا أرادَ الهِجْرَةَ مَنَعَهُ أهْلُهُ، ووَلَدُهُ، وقالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ أنْ تَذْهَبَ وتَدَعَ أهْلَكَ وعَشِيرَتَكَ وتَصِيرَ إلى المَدِينَةِ بِلا أهْلٍ ولا مالٍ.

فَمِنهم مَن يَرِقُّ لَهُمْ، ويُقِيمُ فَلا يُهاجِرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

فَلَمّا هاجَرَ أُولَئِكَ، ورَأوُا النّاسَ قَدْ فَقُهُوا في الدِّينِ هَمُّوا أنْ يُعاقِبُوا أهْلَهُمُ الَّذِينَ مَنَعُوهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: لَمّا أرادُوا الهِجْرَةَ قالَ لَهم أزْواجُهُمْ، وأوْلادُهُمْ: قَدْ صَبَرْنا لَكم عَلى مُفارَقَةِ الدِّينِ ولا نَصْبِرُ لَكم عَلى مُفارَقَتِكُمْ، ومُفارَقَةِ الأمْوالِ، والمَساكِنِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، فَهو عَدُوٌّ، وإنْ كانَ ولَدًا، أوْ كانَتْ زَوْجَةً.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ حُبُّ الرَّجُلِ ولَدَهُ وزَوْجَتَهُ يَحْمِلُهُ عَلى قَطِيعَةِ رَحِمِهِ ومَعْصِيَةِ رَبِّهِ.

وقالَ قَتادَةُ: كانَ مِن أزْواجِهِمْ، وأوْلادِهِمْ مَن يَنْهاهم عَنِ الإسْلامِ، ويُثَبِّطُهم عَنْهُ، فَخَرَجَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَدُوًّا لَكُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِمَنعِهِ مِنَ الهِجْرَةِ، وهَذا عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بِكَوْنِهِمْ سَبَبًا لِلْمَعاصِي، وعَلى هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: بِنَهْيِهِمْ عَنِ الإسْلامِ، وهَذا عَلى قَوْلِ قَتادَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاحْذَرُوهُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تُطِيعُوهم في التَّخَلُّفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ أيْ: بَلاءٌ وشُغْلٌ عَنِ الآخِرَةِ.

فالمالُ والأوْلادُ يُوقِعانِ في العَظائِمِ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: إغْرامٌ.

يُقالُ: فُتِنَ فُلانٌ بِالمَرْأةِ، وشُغِفَ بِها، أيْ: أُغْرِمَ بِها.

وقالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّما دَخَلَ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ مِن أزْواجِكُمْ ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الأزْواجِ، والأوْلادِ أعْداءً.

ولَمْ يَذْكُرْ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ لِأنَّها لا تَخْلُو مِنَ الفِتْنَةِ، واشْتِغالِ القَلْبِ بِها.

وقَدْ رَوى بُرَيْدَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  «أنَّهُ كانَ يَخْطُبُ، فَجاءَ الحَسَنُ، والحُسَيْنُ عَلَيْهِما قَمِيصانِ أحْمَرانِ يَمْشِيانِ، ويَعْثُرانِ، فَنَزَلَ مِنَ المِنبَرِ، فَحَمَلَهُما، فَوَضَعَهُما بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قالَ: "صَدَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ نَظَرْتُ إلى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيانِ، ويَعْثُرانِ، فَلَمْ أصْبِرْ حَتّى قَطَعْتُ حَدِيثِي، ورَفَعْتُهُما.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ أيْ: ثَوابٌ جَزِيلٌ وهو الجَنَّةُ.

والمَعْنى: لا تَعْصُوهُ بِسَبَبِ الأوْلادِ، ولا تُؤْثِرُوهم عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ أيْ: ما أطَقْتُمْ "واسْمَعُوا" ما تُؤْمَرُونَ بِهِ "وَأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكُمْ" وفي هَذِهِ النَّفَقَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الصَّدَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نَفَقَةُ المُؤْمِنِ عَلى نَفْسِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: النَّفَقَةُ في الجِهادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ حَتّى يُعْطِيَ حَقَّ اللَّهِ في مالِهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في [الحَشْرِ: ٩] وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ [البَقَرَةِ: ٢٥٤، والحَدِيدِ: ١٨،١١، والحَشْرِ: ٢٤،٢٣] .

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللهُ واللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ﴾ "ألَمْ يَأْتِكُمْ" جَزْمٌ، أصْلُهُ: يَأْتِيكُمْ، قالَ سِيبَوَيْهِ: "واعْلَمْ أنَّ الآخَرَ إذا كانَ يَسْكُنُ في الرَفْعِ حُذِفَ في الجَزْمِ"، والخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِقُرَيْشٍ، ذَكَرُوا ما حَلَّ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ أخْبارَهُمْ، و"وَبالُ الأمْرِ": مَكْرُوهُهُ وما يَسُوءُ مِنهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ بِأنَّهُ" إشارَةٌ إلى ذَوْقِ الوَبالِ وكَوْنِ عَذابِ الآخِرَةِ لَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن مَقالاتِ أُولَئِكَ الماضِينَ ما هو مُشْبِهٌ لِقَوْلِ الكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ مِنَ اسْتِبْعادِ بَعْثِ اللهِ لِلْبَشَرِ، ونُبُوَّةِ أحَدٍ مِن بَنِي آدَمَ، وحَسَدِ الشَخْصِ المَبْعُوثِ.

وقَوْلُهُ: "أبَشَرٌ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وجَمْعُ الضَمِيرِ "يَهْدُونَنا" مِن حَيْثُ كانَ "البَشَرُ" اسْمَ هَذا النَوْعِ الآدَمِيِّ، كَأنَّهم قالُوا: أناسٌ هُداتُنا؟

وقَوْلُهُ تَعالى: "واسْتَغْنى اللهُ" عِبارَةٌ عَمّا ظَهَرَ مِن هَلاكِهِمْ وأنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا فَبانَ أنَّهُ كانَ غَنِيًّا أوَّلًا، وبِسَبَبِ ظُهُورِ هَلاكِهِمْ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ ظاهِرًا ساغَ اسْتِعْمالُ هَذا الغِناءِ مُسْتَنَدًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى؛ لِأنَّ بِناءَ "اسْتَفْعَلَ" إنَّما هو لِطَلَبِ الشَيْءِ وتَحْصِيلِهِ بِالطَلَبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَخُصُّ قُرَيْشًا ثُمَّ هي بَعْدُ تَعُمُّ كُلَّ كافِرٍ بِالبَعْثِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الزَعْمُ كُنْيَةُ الكَذِبِ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَجُلِ زَعَمُوا"،» ولا تُوجَدُ "زَعَمَ" مُسْتَعْمَلَةً في فَصِيحٍ مِنَ الكَلامِ إلّا عِبارَةٌ عَنِ الكَذِبِ أو قَوْلٍ انْفَرَدَ بِهِ قائِلُهُ فَيُرِيدُ ناقِلُهُ أنْ يُلْقِيَ عُهْدَتَهُ عَلى الزاعِمِ، فَفي ذَلِكَ ما يَنْحُو إلى تَضْعِيفِ الزَعْمِ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: "زَعَمَ الخَلِيلُ" إنَّما يَجِيءُ فِيما يَنْفَرِدُ بِهِ الخَلِيلُ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُجِيبَ نَفْيَهم بِما يَقْتَضِي الرَدَّ عَلَيْهِمْ وإيجابَ البَعْثِ وأنْ يُؤَكِّدَ ذَلِكَ بِالقَسَمِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّهم يُخْبِرُونَ بِأعْمالِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ المُؤَدِّي إلى العِقابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا ضرب ثالث من ضروب كفر المشركين المخاطبين بقوله: ﴿ ألم يأتكم ﴾ [التغابن: 5] الخ، وهو كفرهم بإنكارهم البعث والجزاءَ.

والجملة ابتدائية.

وهذا الكلام موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقرينة قوله: ﴿ قل بلى ﴾ .

وليس هذا من الإِظهار في مقام الإِضمار ولا من الالتفات بل هو ابتداء غرض مخاطببٍ به غيرُ من كان الخطاب جارياً معهم.

وتتضمن الجملة تصريحاً بإثبات البعث ذلك الذي أوتي إليه فيما مضى يفيد بالحق في قوله: ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ [التغابن: 3] وبقوله: ﴿ يعلم ما في السموات والأرض ﴾ [التغابن: 4] كما علمته آنفاً.

والزعم: القول الموسوم بمخالفة الواقع خَطَأ فمنه الكذب الذي لم يتعمد قائله أن يخالف الواقع في ظن سامعه.

ويطلق على الخبر المستغرب المشكوك في وقوع ما أُخبر به، وعن شُريح: لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا (أراد بالكنية الكناية).

فَبَيْن الزعم والكذب عموم وخصوص وجهي.

وفي الحديث «بئس مطية الرجل إلى الكذب زعموا»، أي قول الرجل زعموا كذا.

وروى أهل الأدب أن الأعشى لما أنشد قيس بن معد يكرب الكِندي قوله في مدحه: ونبئتُ قيساً ولم أَبلُه *** كما زَعموا خيرَ أهل اليمن غضب قيس وقال له: «وما هو إلا الزعم».

ولأجل ما يصاحب الزعم من توهم قائله صدق ما قاله أُلحق فعلُ زعم بأفعال الظن فنصب مفعولين.

وليس كثيراً في كلامهم، ومنه قول أبي ذؤيب: فإن تزعميني كنتُ أجهلُ فيكم *** فإني شَرَيْتُ الحِلم بَعدَككِ بالجهل ومن شواهد النحو قول أبي أمية أوس الحنفي: زعمتْني شيخاً ولستُ بشيخ *** إنما الشيخ من يَدبّ دبيباً والأكثر أن يقع بعد فعل الزعم (أَنَّ) المفتوحة المشددة أو المخففة مثل التي في هذه الآية فيسد المصدرُ المنسبك مسدّ المفعولين.

والتقدير: زعم الذين كفروا انتفاء بعثهم.

وتقدم الكلام على فعل الزعم في قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ﴾ الآية في سورة [النساء: 60]، وقوله: ﴿ ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ﴾ في سورة [الأنعام: 22] وما ذكرته هنا أوفى.

والمراد ب الذين كفروا} هنا المشركون من أهل مكة ومن على دينهم.

واجتلاب حرف ﴿ لن ﴾ لتأكيد النفي فكانوا موقنين بانتفاء البعث.

ولذلك جيء إبطال زعمهم مؤكَّداً بالقَسَم لينْقض نفيهم بأشد منه، فأُمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبلغهم عن الله أن البعث واقع وخاطبهم بذلك تسجيلاً عليهم أن لا يقولوا ما بلغناه ذلك.

وجملة ﴿ قل بلى ﴾ معترضة بين جملة ﴿ زعم الذين كفروا ﴾ وجملةِ ﴿ فآمنوا بالله ورسوله ﴾ [التغابن: 8].

وحرف ﴿ بلَى ﴾ حرف جواب للإِبطال خاصصٍ بجواب الكلام المنفي لإِبطاله.

وجملة ﴿ ثم لتنبؤن بما عملتم ﴾ ارتقاء في الإِبطال.

و ﴿ ثم ﴾ للتراخي الرتبي فإن إنباءهم بما عملوا أهم من إثبات البعث إذ هو العلة للبعث.

والإِنباء: الإِخبار، وإنباؤهم بما عملوا كناية عن محاسبتهم عليه وجزائهم عما عملوه، فإن الجزاء يستلزم علم المجازَى بعمله الذي جوزي عليه فكانَ حصول الجزاء بمنزلة إخباره بما عمله كقوله تعالى: ﴿ إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا ﴾ [لقمان: 23].

وهذا وعيد وتهديد بجزاء سَيّئ لأن المقام دليل على أن عملهم سَيئ وهو تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإنكار ما دعاهم إليه.

وجملة ﴿ وذلك على الله يسير ﴾ تذييل، والواو اعتراضية.

واسم الإِشارة: إما عائد إلى البعث المفهوم من ﴿ لتبعثن ﴾ مثل قوله: ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ [المائدة: 8] أي العدل أقرب للتقوى، وإما عائد إلى معنى المذكور من مجموع ﴿ لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ﴾ .

وأخبر عنه ب ﴿ يسير ﴾ دون أن يقال: وَاقِع كما قال: ﴿ وإن الدين لواقع ﴾ [الذاريات: 6]، لأن الكلام لردّ إحالتهم البعث بعلة أن أجزاء الجسد تفرقت فيتعذر جمعها فذكِّروا بأن العسير في متعارف الناس لا يعسر على الله وقد قال في الآية الأخرى ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ﴾ [الروم: 27].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قالَ شُرَيْحٌ زَعَمُوا كُنْيَةَ الكَذِبِ.

﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، ومِن تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ كُلِّ نَبِيٍّ وأُمَّتِهِ.

الثّانِي: لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لِأنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ ثَوابِ أهْلِ الطّاعَةِ وعِقابِ أهْلِ المَعاصِي.

﴿ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وما أرْتَجِي بِالعَيْشِ مِن دارِ فُرْقَةٍ ألا إنَّما الرّاحاتُ يَوْمُ التَّغابُنِ الثّانِي: لِأنَّهُ غَبَنَ فِيهِ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ النّارِ، قالَ الشّاعِرُ لِعَمْرُكَ ما شَيْءٌ يَفُوتُكَ نَيْلُهُ ∗∗∗ بِغُبْنٍ ولَكِنْ في العُقُولِ التَّغابُنُ الثّالِثُ: لِأنَّهُ يَوْمٌ غَبَنَ فِيهِ المَظْلُومُ الظّالِمَ، لِأنَّ المَظْلُومَ كانَ في الدُّنْيا مَغْبُونًا فَصارَ في الآخِرَةِ غابِنًا.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي أخْفاهُ اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، والغُبْنُ الإخْفاءُ ومِنهُ الغُبْنُ في البَيْعِ لِاسْتِخْفائِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ مَغابِنُ الجَسَدِ لِما خَفِيَ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قيل له: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في (زعموا) قال: سمعته يقول: «بئس مطية الرجل» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عبد الله بن مسعود أنه كره: زعموا.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد أنه كره زعموا لقول الله: ﴿ زعم الذين كفروا ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن هانئ بن عروة أنه قال لابنه: هب لي اثنتين: زعموا وسوف لا يكونان في حديثك.

وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: زعم كنية الكذب.

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن شريح قال: زعم كنية الكذب.

وأخرج ابن أبي شيبة قال: زعموا زاملة الكذب.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ يوم يجمعكم ليوم الجمع ﴾ قال: هو يوم القيامة وذلك ﴿ يوم التغابن ﴾ غبن أهل الجنة أهل النار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ يوم التغابن ﴾ من أسماء يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذلك يوم التغابن ﴾ قال: غبن أهل الجنة أهل النار.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ذلك يوم التغابن ﴾ قال: غابن أهل الجنة أهل النار، والله أعلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن علقمة في قوله: ﴿ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ قال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيسلم الأمر لله ويرضى بذلك.

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود رضي الله عنه في الآية قال: هي المصيبات تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ يعني يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

وأخرج ابن المنذر عن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ قال: من أصاب من الإِيمان ما يعرف به الله فهو مهتدي القلب.

قوله تعالى: ﴿ الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ .

أخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شعار المؤمنون يوم يبعثون من قبورهم لا إله إلا الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون» .

أخرج الفريابي وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم ﴾ في قوم من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم، وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: كان الرجل يريد الهجرة فتحبسه امرأته وولده، فيقول: إنا والله لئن جمع الله بيني وبينكم في دار الهجرة لأفعلن ولأفعلن، فجمع الله بينهم في دار الهجرة، فأنزل الله: ﴿ وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا ﴾ .

وأخرج عبد حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم ﴾ قال: منهم من لا يأمر بطاعة ولا ينهى عن معصية، وكفى بذلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه لا يأمر بطاعة، ولا ينهى عن معصية، وكانوا يثبطون عن الجهاد والهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ ﴾ خطاب لقريش وسائر الكفار ﴿ فقالوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ﴾ معناه أنهم استبعدوا أن يرسل الله بشراً أو تكبروا عن اتباع بشر، والبشر يقع على الواحد والجماعة ﴿ زَعَمَ الذين كفروا أَن لَّن يُبْعَثُواْ ﴾ قال عبد الله بن عمر: زعم كناية عن كذب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يوم نجمعكم ﴾ بالنون: رويس.

الباقون: على الغيبة ﴿ نكفر ﴾ و ﴿ ندخله ﴾ بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.

الآخرون: على الغيبة.

الوقوف: ﴿ وما في الأرض ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ وله الحمد ﴾ ط النوع اختلاف وهو تقديم الخبر على المبتدأ في الأوّل ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ مؤمن ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ صوركم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ تعلنون ﴾ ه ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الاخبار مع صدق الاتصال بالفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ يهدوننا ﴾ ه لاعتراض الاستفهام بين المتفقين ﴿ الله ﴾ ط ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ يبعثوا ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أنزلنا ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ التغابن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ قلبه ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ج ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ فاحذروهم ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لأنفسكم ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه لا ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: قال في الكشاف: قدم الظرفين في قوله ﴿ له الملك وله الحمد ﴾ لمكان الاختصاص وأن لا ملك بالحقيقة إلا له ولا استحقاق حمد في التحقيق إلا له.

قلت: لو عكس الترتيب أفاد الخصوصية بوجه آخر وهو أن هذا الجنس وهذه الطبيعة له كما سبق في " الفاتحة " ﴿ هو الذي خلقكم ﴾ ذا فطرة سليمة.

وقوله ﴿ فمنكم كافر ومنكم مؤمن ﴾ بحسب الأسباب الخارجية كقوله  "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه " والكل على وفق المشيئة.

قالت المعتزلة: أراد هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق فكان يجب عليكم أن تقابلوه بالتوحيد والتكبير مجتمعين مطيعين لا أن يغلب الكفر والجحود عليكم، ولمكان هذه الغلبة قدم الكافر.

والعجب من صاحب الكشاف أنه سلم أن في خلق الكافر قد يكون وجه حسن ولكنه يخفى علينا ولا يسلم أن في خلق داعية الكفر في الكافر قد يكون وجه حسن يخفى عليه.

وقيل: هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية، ومنكم مؤمن.

وقوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ كقوله في ﴿ أحسن  ﴾ وسيجيء في " التين " إن شاء الله العزيز.

وكل قبيح من الإنسان فهو في نوعه كامل إلا أن الله  خلق أكمل منه من نوعه وأحسن فلهذا يحكم بدمامته وقبحه، ولهذا قالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان.

وحين وصف نفسه بالقدرة الكاملة والعلم الشامل أعم أولاً ثم أخص ثم أخفى، هدد كفار مكة بحال الأمم الماضية فقال ﴿ ألم يأتكم ﴾ الآية ﴿ ذلك ﴾ الوبال الدنيوي والعذاب الأخروي ﴿ بأنه ﴾ أي بأن الشان ﴿ كانت ﴾ أي كانت القضية وقد مر نظيره في " حم المؤمن ".

﴿ أبشر ﴾ فاعل فعل محذوف تفسيره ﴿ يهدوننا ﴾ وجمع الضمير لأن البشر اسم جمع ﴿ إنّما أنا بشر  ﴾ ﴿ إن نحن إلا بشر  ﴾ قال أهل المعاني: لم يذكر المستغنى عنه في قوله ﴿ واستغنى الله ﴾ ليتناول كل شيء ومن جملته إيمانهم وطاعتهم.

قال في الكشاف: معناه وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان مع قدرته على ذلك، وإنما ذهب إلى هذا التأويل لئلا يوهم أن يوجد التولي والاستغناء معاً ويلزم منه أن لا يكون الله في الأزل غنياً.

قلت: لو جعل الواو للحال أي وقد كان الله مستغنياً قديماً أو والحال وجود استغناء الله في وجودكم لم يحتج إلى التأويل.

قوله ﴿ زعم ﴾ من أفعال القلوب وفيه تقريع لكفار مكة لأن الزعم ادعاء العلم مع ظهور أمارات خلافه ويؤيده ما روي عن النبي  أنه قال "زعموا مطية الكذاب" و ﴿ أن لن يبعثوا ﴾ في تقدير مفرد قائم مقام المفعولين.

قال جار الله: ﴿ يوم يجمعكم ﴾ منصوب بقوله ﴿ لتنبؤن ﴾ أو بـ ﴿ خبير ﴾ لأنه في معنى الوعد كأنه قيل: واله يعاقبكم يوم كذا أو بإضمار " اذكر " قلت: يجوز أن يكون ﴿ يوم ﴾ مبنياً على الفتح ومحله ابتداء والخبر جملة قوله ﴿ ذلك يوم التغابن ﴾ .

سؤال: ما الفائدة في زيادة قوله ﴿ ليوم الجمع ﴾ الجواب إن كان الخطاب في ﴿ يجمعكم ﴾ لكفار مكة فظاهر أي اذكروا وقت جمعكم الواقع في وقت يجمع فيه الأوّلون والآخرون، وإن كان لعموم الناس فلعل اللام في الجمع للمعهود الذي سلف في نحو قوله ﴿ يوم يجمع الله الرسل  ﴾ ﴿ وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً  ﴾ ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم  ﴾ هذا ما سمح به الفكر الفاتر والله  أعلم بمراده.

قال جار الله: التغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة وهو أن يغبن بعضهم بعضاً لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي ينزلونها لو كانوا أشقياء.

قلت: في تسمية القسم الأخير تغابناً نظر إلا أن يفرض بنزول الشقي في ذلك المنزل يزيد عذاب الشقي، وزيادة العذاب سبب تضيق المكان عليه.

واعتذر عنه جار الله بأنه تهكم بالأشقياء لأن خسران أحد الفريقين مبني على ربح الآخر ولا ربح في التحقيق فيلزم التهكم مثل ﴿ فبشرهم  ﴾ وروي عن رسول الله  "ما من عبد يدخل الجنة إلا يرى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً وما من عبد يدخل النار إلا يرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة" ويجوز أن يفسر التغابن بأخذ المظلوم حسنات الظالم وحمل الظالم خطايا المظلوم وإن صح مجيء التغابن بمعنى الغبن فذلك واضح في حق كل مقصر صرف شيئاً من استعداده الفطري في غير ما أعطى لأجله.

قوله ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ كقوله ﴿ وزدناهم هدى  ﴾ والأول باللسان والثاني بالجنان أي هدينا قلبه إلى حقيقة الإيمان.

وقال جار الله: يلطف به ويشرحه للازدياد من الطاعة والخير، والتحقيق فيه أن نور الإيمان ينبسط كل يوم بسبب الرسوخ والثبات وتكامل المغيبات وتزايد المعارف والطاعات إلى أن يتنور جميع أجزاء القلب وينعكس منه إلى كل الأعضاء والجوارح.

وعن الضحاك: يهد قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

وعن مجاهد: إن ابتلى صبر وإن أعطى شكر وإن ظلم غفر ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ يعلم درجات القلوب من الإيمان.

ولما كان أكثر ميل الناس عن الطاعات والكمالات الحقيقيات لأجل صرف الزمان في تهيئة أمور الأزواج والأسباب المفضية إيلهن أو المعينة عليهن، ثم الأولاد الذين هم ثمرات الأفئدة وحياة القلوب وقرة العيون، بيّن الله  أن العاقل لا ينبغي أن يصرف كده في ذلك ويكون على حذر منهم ومن تكثيرهم، وبيع الدين بالدنيا لأجلهم فمن الأزواج أزواج يعادين بعولتهن وأعدى عدوّك هي التي تضاجعك، وهل يستلذ الوسنان إذا كان في مضجعه ثعبان.

ومن الأولاد أولاد كيد زائدة قطعها مؤذ وفي إبقائها عيب ﴿ وإن تعفوا ﴾ عنهم إذا أطلعتم منهم على معاداة فإن الله يجازيكم.

وروى أن ناساً أرادوا الهجرة عن مكة فثبطهم أزواجهم وأولادهم فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم فنزلت.

عن النبي  أنه كان يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان فنزل إليهما فأخذهما ووضعهما في حجرة على المنبر فقال: صدق الله ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما.

وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات.

وقال بعض أهل التفسير: أراد إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتننكم الميل إلى الأموال والأولاد عنهما.

وحين بين أن الأزواج والأولاد لا ينبغي أن يمنعوا المكلف عن طاعة الله أنتج من ذلك الأمر بتقوى الله بمقدار الوسع والطاقة.

" وما " للمدة أو للمصدر وقوله ﴿ خيراً لأنفسكم ﴾ نصب بمحذوف هو افعلوا أو ائتوا وقد مر نظيره في آخر " النساء " في قوله ﴿ انتهوا خيراً لكم  ﴾ وفيه إشارة إلى أن أمثال هذه الأوامر خير من التهالك في أمور الأزواج والأولاد وإغضاب الرب وإتعاب النفس لتكثير المال المخلف ومن أشقى ممن لا يقدّم لأجل نفسه شيئاً يستقرضه منه رازقه مع شدة احتياجه إلى ذلك بعد مماته ويؤخر لأجل وارثه أموالاً عظيمة مع عدم وثوقه بأنه هل يكون له انتفاع بها أم لا اللهم اشغلنا بما يغنينا وبالله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ .

فتأويله عندنا - والله أعلم - أي: قد أتاكم نبأ الذين كفروا من قبل، وماذا نزل بهم حين كفروا وعاندوا، ومعنى ذلك أن الله  [قد] حذرهم بما يكون في الآخرة من ألوان العذاب، فلم يتعظوا، لما لم يكونوا يؤمنون بالبعث، فلما لم ينجع فيهم ذلك، حذرهم بعقوبات تنزل بهم لو لم ينتهوا عما هم فيه من الطغيان.

وقوله -عز وجل-: ﴿ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ ﴾ ، أي: شدة أمرهم، ويحتمل أن يكون عاقبة أمرهم.

وقوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فيه إخبار أن ما نزل بهم من العذاب في الدنيا، لم يكفر عنهم الذنب، أعني: ذنب الكفر، وأن عذاب الدنيا إنما كان جزاء شرهم في الكفر، وأنه يعذبهم في الآخرة عذاب [الكفر والشرك]، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ﴾ .

فكأنه يريد بقوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ أي: تلك العقوبات التي نزلت بالأمم الماضية، إنما كان سببها: أن رسلهم كانت تأتيهم بالبينات، ﴿ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ﴾ ، وكان قولهم: ﴿ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ﴾ تلقين إبليس؛ حيث لقنهم مخالفة الرسول وتكذيبه، وأنكم لو احتجتم إلى طاعته ففيكم من هو أعظم منه درجة وأكثر منزلة، فإذا لم تطيعوه فكيف تطيعون بشراً مثلكم؟!

وهذا كله عناد وخطأ، وذلك أنهم قد كانوا يعبدون الأصنام؛ تقليدا منهم لبشر؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ ، ومعلوم أن جعل الأصنام معبودا يعبدونه بقول البشر؛ تقليدا له - أكثر وأعظم من تصديق البشر: أنه رسول من عند الله -  - عند قيام الدليل المعجز، فإذا استجازوا تقليد البشر في ذلك، فكيف لا استجازوا تصديق الرسول فيما يدعوهم إلى توحيد الله وطاعته فيما يرجع إليهم من المنافع والمضار، ولكنهم كانوا قوما سفهاء، فاتبعوا سفههم وعنادهم، والله أعلم.

وكذلك قولهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  ﴾ ، وكيف يكون سحراً، وقد أتاهم بآيات أعجزتهم وأعجزت السحرة أن يأتوا بمثلها؟!

ولكنهم عاندوا، ولم يجدوا حيلة سوى أن قالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: كفروا بالرسل ﴿ وَتَوَلَّواْ ﴾ : أعرضوا عن طاعته، وطاعة رسوله.

وقوله: ﴿ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ ﴾ لم يسمع من أحد من المتكلمين يقول: ﴿ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ ﴾ على الابتداء إلا ما ذكر في ظاهر هذه الآية، والقول [في الاستغناء فيما يريد به الإخبار جائز؛ نحو قولك: الله مستغن، فأما أن تبتدئ، فتقول: الله مستغن، فيما فيه شك وريب، فإنه لا يجوز البداية به].

وقد غلط بعض المفسرين حيث قالوا: استغنى الله: بطاعة من أطاعه عن معصية من عصاه؛ لأن الله  لم يمتحن عباده بالطاعة والمعصية لمنافع يأملها أو مضرة يخشاها ويخافها، بل هو مستغنٍ بذاته عن ذلك في الأزل، والله أعلم.

ويجوز أن يكون في هذا إضمار، يعني: واستغنى الرسول عن طاعتهم بالله  ، أو يصرف الاستغناء إلى الإخبار عن ذاته: أنه مستغنٍ بذاته في الأزل، لا تمسه حاجة، وأنه لا يضره كفر من كفر، ولا ينفعه إيمان من آمن، بل إنما يحصل ذلك كله للممتحن بهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ .

قد وصفنا معنى الغني، وأما الحميد يحتمل وجهين: أحدهما: يعني: المحمود، أي: المستحق للحمد بذاته؛ إذ يستحق من كل أحد الحمد على ما يحسن إليه، أو يحمل معنى الحميد على معنى الحامد، ووجه ذلك أن الله  يحمد محاسن الخلق وآثار أفعالهم، وأن حقيقة تلك الأفعال من جهة التوفيق والتسديد إنما كانت به، وذلك غاية الكرم.

وقوله -عز وجل-: ﴿ زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ﴾ .

قوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يجوز أن يكون هذا تعليما [لرسول الله]  أن يعلمه القسم تأكيدا؛ لما كان يخبر عن البعث، وكذلك جميع ما ذكر من القسم في القرآن يجوز أن يكون على هذا المعنى؛ لأن القسم إنما هو لنفي تهمة تمكنت، والله  لا يتهم في خبره، والرسول هو الذي كانوا يتهمونه فيما يخبر؛ لما لم يثبت عندهم رسالته لعدم تأملهم في دلائله، فعلمه القسم؛ تأكيدا لما يخبر ونفيا للتهمة عما يقوله، والله أعلم.

ويجوز أن يكون هذا قسماً مقابلا لما أقسم به الكفرة في أمر البعث؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً  ﴾ .

وقوله -عز وجل-: ﴿ وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن أمر البعث على الله يسير هين لأنهم أنكروا البعث بعدما صاروا ترابا؛ فأخبر أن بعثهم وإعادتهم [أهون في عقولهم من إنشائهم، ولم يكونوا شيئاً؛ فكيف أنكروا قدرته على إعادتهم] بعد أن صاروا ترابا، فأخبر - جل وعلا - أن ذلك على الله يسير.

والوجه الثاني من التأويل: أن يذكر ما عملوا من خير أو شر أحصاه عليهم [كل] سر وعلانية وكل صغير وكبير؛ ليعاينوا ذلك في كتبهم، ويعلموا تحقيقاً: أنها على الله يسير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .

يجوز أن يكون هذا صلة ما تقدم، وذلك أن الله  ذكر ما نزل من العقوبة بالأمم الماضية، وأن ذلك إنما نزل بهم؛ لكفرهم بالله  ، وتكذيبهم الرسل، فآمنوا [أنتم بالله ورسوله] لئلا ينزل بكم ما نزل بهم من البأس والعقوبة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا ﴾ النور: هو القرآن، ويجوز أن يكون سماه: نوراً؛ لأنه يبصر به حقيقة المذاهب في الطاعة والمعصية والإحسان والإساءة والإيمان والكفر كما يبصر بنور النهار حقيقة الأشياء من جيدها ورديئها، كذلك يبصر بهذا منافع الطاعة ومضار المعصية، فسمي: نوراً من هذا الوجه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ .

أي: أن الله خبير بما تسرون وما تعلنون، فراقبوه وحافظوه في الحالين جميعاً، وفي هذا بيان أن الله  عالم بما يعمله العباد في الأزل، وبما يكون منهم، وأنه ليس كما وصفه بعض الجهال، والله المستعان.

وقوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ ﴾ .

ذلك اليوم في الحقيقة يوم جمع وتفريق، وهو أيضاً في الحقيقة يوم تغابن وترابح، وإن ذكر أحدهما؛ دليل ذلك ما ذكر في غيرها من الآيات؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ، وإلى ما ذكر في عقيب قوله: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ ﴾ \[من قوله\]: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ، وهذا هو معنى الترابح، ولكنه -جل ثناؤه- يجوز أن يكون اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر.

ثم الغبن يذكر في التجارات، والأصل في ذلك [عندنا] أن كل سليم طبعه لا يخلو من عمل، وعمله لا يخلو من إحدى ثلاثة أوجه: إما أن يكون في مباح أو أمر أو نهي، ومعلوم أن من استعمل المباح فهو يستعين به في إقامة الأمر، إذ لا بد من البقاء لإقامة الأمر؛ وذلك باستعمال المباح والاشتغال بأسبابه، فكأنه في إقامة ذلك الأمر؛ فحقيقته ترجع إلى أن الأعمال في الحقيقة تنصرف إلى نوعين: إلى أمر ونهي، ومعلوم أن من كان في أمر، فهو تارك لما نُهِي عنه، ومن كان في نهي فهو تارك لما أمر به، والتجارة في الحقيقة هو أن يأخذ شيئاً [و] يترك شيئاً آخر، وإذا تحقق معنى التجارة في أعمال بني آدم، أطلق لها لفظ: التجارة.

قال: والدنيا لها ثلاثة أسماء: المتجر، والمزرع، والمسلك، وقد وصفنا معنى التجارة، وأما معنى المزرع؛ فلأجل أن كل من يعمل في الدنيا فإنما يعمل لعاقبة، ولا بد أن تكون عاقبته خيرا أو شرّاً، فكل من كانت عاقبته الخير فهو زارع للخير، ومن كانت عاقبته الشر، فهو زارع للشر، والله أعلم.

وأما معنى المسلك [والطريق، فلأجل أن الخلق لم يخلقوا في هذه الدنيا ليقروا فيها، وإنما خلقوا] لأحد أمرين: [إما للثواب أو العقاب] فكل من عمل عملا يفضي به إلى الثواب والجنة فكأنه يسلك طريق الجنة، وكل من عمل عملا يفضي به إلى النار؛ فكأنه يسلك طريق النار؛ فلذلك سمي: مسلكا وطريقا، والله أعلم.

ثم التغابن عندنا يجوز أن يكون معناه: أن أهل الكفر يغبنون في أهلهم وأموالهم في [الدار] الآخرة؛ لأنهم كانوا يتعاونون بهم في الدنيا، فحسبوا أنهم يكونون كذلك في الآخرة، فإذا لم يجدوا وصاروا يلعن بعضهم بعضا، غبنوا ما كانوا يأملونه منهم.

وقال بعضهم: إن لكل كافر في الجنة قصرا وبيتا وأهلا، فإذا صاروا إلى النار، ورث المؤمن أهله وقصره الذي كان له في الجنة؛ [فهذا هو التغابن، ولكن هذا] غير صحيح عندنا؛ لأنه لا يحتمل أن يبني الله  للكافر في الجنة بيتا مع علمه أن لا يأتيه؛ لأن هذا فعل من لا يعلم العواقب ومن هو عابث في فعله، جل الله  عن مثل هذا الوصف، إلا أن يحمل على الوعد إن ثبت الخبر، أي: إن أسلم الكافر كان له ذلك المنزل في الجنة، وإن ارتد المسلم عن الإسلام، كان له ذلك المنزل في النار، وهو عالم أن عاقبة أمره ماذا: الكفر أو الإسلام؟

وأن مأواه النار أو الجنة وحكمه على ما علم وأراد، ولكن الله  عالم بما كان وما يكون وبما لا يكون أن لو كان كيف يكون، فأخبر على ذلك، وإلا لم يصح، لما ذكرنا من المعنى، والله الموفق.

ويحتمل: أنه إنما سماه: يوم التغابن؛ لأن الدنيا جعلت أسواقا، والأحوال التي تكون لهم رءوس الأموال، والأعمال التي يعملون فيها ويكتسبون تجارة؛ قال الله  : ﴿ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الصف: 11]، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 111] وقال ﴿ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ  ﴾ ، وقال: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ  ﴾ ، فإذا كانت الدنيا متجراً فالآخرة هي التي يقسم فيها الأرباح، وفي ذلك يقع الربح والخسران، ويظهر الغبن والفضل أو النقصان والزيادة، والله أعلم.

أو سماه: يوم التغابن؛ لما يظهر لهم في ذلك أنهم خسروا أو ربحوا، ولا يظهر لهم ذلك في الدنيا، ثم بين العمل الذي يربح عليه، والعمل الذي يخسر به، والتجارة التي يوصل بها إلى الأرباح، والتي يلحق بها الخسران، وهو ما قال: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...

﴾ الآية ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ...

﴾ الآية.

ثم قوله -عز وجل-: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحا ﴾ .

يعني: ومن يؤمن بالله على ما جاءت به الرسل جملة، وأن له الخلق والأمر، ويؤمن بالرسل والبعث - فذلك هو الإيمان بالله  .

وقوله: ﴿ وَيَعْمَلْ صَالِحا ﴾ .

[يعني: ومن يؤمن بالله ويعمل] في إيمانه صالحا إلى أن يموت.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ ﴾ .

يعني: كفروا بوحدانية الله  وبقدرته، وكذبوا بآياته، أي: بحججه، أو كذبوا بالبعث ﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

زعم الذين كفروا بالله أن الله لن يبعثهم أحياءً بعد موتهم، قل -أيها الرسول- لهؤلاء المنكرين للبعث: بلى وربي لتُبْعَثُنّ يوم القيامة، ثم لتُخْبَرُنّ بما عملتم في الدنيا، وذلك البعث على الله سهل؛ فقد خلفكم أول مرّة، فهو قادر على بعثكم بعد موتكم أحياء للحساب والجزاء.

<div class="verse-tafsir" id="91.jL6e1"

مزيد من التفاسير لسورة التغابن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد