الآية ١٨ من سورة المعارج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 70 المعارج > الآية ١٨ من سورة المعارج

وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰٓ ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 85 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة المعارج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة المعارج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

(وجمع فأوعى ) أي : جمع المال بعضه على بعض فأوعاه ، أي : أوكاه ومنع حق الله منه من الواجب عليه في النفقات ومن إخراج الزكاة .

وقد ورد في الحديث : " ولا توعي فيوعي الله عليك " وكان عبد الله بن عكيم لا يربط له كيسا ويقول : سمعت الله يقول : ( وجمع فأوعى ) وقال الحسن البصري : يا ابن آدم سمعت وعيد الله ثم أوعيت الدنيا .

وقال قتادة في قوله : ( وجمع فأوعى ) قال : كان جموعا قموما للخبيث .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (وَجَمَعَ فَأَوْعَى ) يقول: وجمع مالا فجعله في وعاء، ومنع حق الله منه، فلم يزك ولم ينفق فيما أوجب الله عليه إنفاقه فيه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (وَجَمَعَ فَأَوْعَى ) قال: جمع المال.

حدثنا محمد بن منصور الطوسي، قال: ثنا أبو قطن، قال: ثنا المسعودي، عن الحكم، قال: كان عبد الله بن عكيم، لا يربط كيسه، يقول: سمعت الله يقول: (وَجَمَعَ فَأَوْعَى ).

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَجَمَعَ فَأَوْعَى ) كان جموعا قموما للخبيث.

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) يقول تعالى ذكره: (إِنَّ الإنْسَانَ ) الكافر (خُلِقَ هَلُوعًا ) والهلع: شدّة الجَزَع مع شدّة الحرص والضجر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وجمع فأوعى أي جمع المال فجعله في وعائه ومنع منه حق الله تعالى ; فكان جموعا منوعا .

قال الحكم : كان عبد الله بن عكيم لا يربط كيسه ويقول سمعت الله يقول : وجمع فأوعى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ تَدْعُوا } إليها { مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وجمع فأوعى } أي: أدبر عن اتباع الحق وأعرض عنه، فليس له فيه غرض، وجمع الأموال بعضها فوق بعض وأوعاها، فلم ينفق منها، فإن النار تدعوهم إلى نفسها، وتستعد للالتهاب بهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"وجمع"، أي: جمع المال، "فأوعى"، أمسكه في الوعاء ولم يؤد حق الله منه.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وجمع» المال «فأوعي» أمسكه في وعائه ولم يؤد حق الله منه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ليس الأمر كما تتمناه- أيها الكافر- من الافتداء، إنها جهنم تتلظى نارها وتلتهب، تنزع بشدة حرها جلدة الرأس وسائر أطراف البدن، تنادي مَن أعرض عن الحق في الدنيا، وترك طاعة الله ورسوله، وجمع المال، فوضعه في خزائنه، ولم يؤدِّ حق الله فيه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَجَمَعَ فأوعى ) أى جمع المال بعضه على بعض فأوعاه ، أى : فأمسكه فى وعائه وكنزه ومنع حق الله - تعالى - فيه ، وبخل به على مستحقيه .

فقوله ( فأوعى ) أى : فجعله فى وعاء .

وفى الحديث الشريف ، يقول صلى الله عليه وسلم : " لا توعى - أى لا تجمع مالك فى الوعاء على سبيل الكنز - فيوعى الله عليك - أى : فيمنع الله - تعالى - فضله عنك ، كما منعت وقترت .وفى قوله - سبحانه - ( وَجَمَعَ ) إشارة إلى الحرص والطمع ، وفى قوله ( فأوعى ) إشارة إلى بخله وطول أمله .قال قتادة ( وَجَمَعَ فأوعى ) : كان جموعا للخبيث من المال .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في أن لظى كيف تدعو الكافر، فذكروا وجوهاً أحدها: أنها تدعوهم بلسان الحال كما قيل: سل الأرض من أشق أنهارك، وغرس أشجارك؟

فإن لم تجبك جؤاراً، أجابتك اعتباراً فهاهنا لما كان مرجع كل واحد من الكفار إلى زاوية من زوايا جهنم، كأن تلك المواضع تدعوهم وتحضرهم.

وثانيها: أن الله تعالى يخلق الكلام في جرم النار حتى تقول صريحاً: إلي يا كافر، إلي يا منافق، ثم تلتقطهم التقاط الحب.

وثالثها: المراد أن زبانية النار يدعون فأضيف ذلك الدعاء إلى النار بحذف المضاف.

ورابعها: تدعو تهلك من قول العرب دعاك الله أي أهلكك، وقوله: ﴿ مَنْ أَدْبَرَ وتولى ﴾ يعني من أدبر عن الطاعة وتولى عن الإيمان ﴿ وَجُمِعَ ﴾ المال ﴿ فَأَوْعَى ﴾ أي جعله في وعاء وكنزه، ولم يؤد الزكاة والحقوق الواجبة فيها فقوله: ﴿ أَدْبَرَ وتولى ﴾ إشارة إلى الإعراض عن معرفة الله وطاعته، وقوله: ﴿ وَجَمَعَ فَأَوْعَى ﴾ إشارة إلى حب الدنيا، فجمع إشارة إلى الحرص، وأوعى إشارة إلى الأمل، ولا شك أن مجامع آفات الدين ليست إلا هذه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ضمن ﴿ سَأَلَ ﴾ معنى دعا، فعدّي تعديته، كأنه قيل: دعا داع ﴿ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ من قولك: دعا بكذا.

إذا استدعى وطلبه.

ومنه قوله تعالى: ﴿ يدعون فيها بكل فاكهة ﴾ [الدخان: 55] وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: هو النضر بن الحرث قال: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم.

وقيل: هو رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، استعجل بعذاب للكافرين.

وقرئ: ﴿ سال سائل ﴾ وهو على وجهين: إما أن يكون من السؤال وهي لغة قريش، يقولون: سلت تسأل، وهما يتسايلان؛ وأن يكون من السيلان.

ويؤيده قراءة ابن عباس ﴿ سال سيل ﴾ ، والسيل: مصدر في معنى السائل، كالغور بمعنى الغائر.

والمعنى: اندفع عليهم وادي عذاب فذهب بهم وأهلكهم.

وعن قتادة: سأل سائل عن عذاب الله على من ينزل وبمن يقع؟

فنزلت، وسأل على هذا الوجه مضمن معنى: عنى واهتم فإن قلت: بم يتصل قوله: ﴿ للكافرين ﴾ قلت: هو على القول الأوّل متصل بعذاب صفة له، أي: بعذاب واقع كائن للكافرين، أو بالفعل، أي: دعا للكافرين بعذاب واقع، أو بواقع؛ أي: بعذاب نازل لأجلهم، وعلى الثاني: هو كلام مبتدأ جواب للسائل، أي: هو للكافرين.

فإن قلت: فقوله ﴿ مِّنَ الله ﴾ بم يتصل؟

قلت: يتصل بواقع، أي واقع من عنده، أو بدافع؛ بمعنى: ليس له دافع من جهته إذا جاء وقته وأوجبت الحكمة وقوعه ﴿ ذِي المعارج ﴾ ذي المصاعد جمع معرج، ثم وصف المصاعد وبعد مداها في العلو والارتفاع فقال: ﴿ تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ ﴾ إلى عرشه وحيث تهبط منه أوامره ﴿ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ ﴾ كمقدار مدة ﴿ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ مما يعد الناس.

والروح.

جبريل عليه السلام، أفرده لتميزه بفضله.

وقيل: الروح خلق هم حفظة على الملائكة، كما أنّ الملائكة حفظة على الناس.

فإن قلت: بم يتعلق قوله ﴿ فاصبر ﴾ ؟

قلت: بسأل سائل؛ لأنّ استعجال النصر بالعذاب إنما كان على وجه الاستهزاء برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والتكذيب بالوحي، وكان ذلك مما يضجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بالصبر عليه، وكذلك من سأل عن العذاب لمن هو، فإنما سأل على طريق التعنت، وكان من كفار مكة.

ومن قرأ: ﴿ سال سائل ﴾ أو سيل، فمعناه: جاء العذاب لقرب وقوعه، فاصبر فقد شارفت الانتقام، وقد جعل ﴿ فِى يَوْمٍ ﴾ من صلة ﴿ وَاقِعٍ ﴾ أي: يقع في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم، وهو يوم القيامة: إما أن يكون استطالة له لشدّته على الكفار، وإما لأنه على الحقيقة كذلك.

قيل: فيه خمسون موطناً كل موطن ألف سنة، وما قدر ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر.

الضمير في ﴿ يَرَوْنَهُ ﴾ للعذاب الواقع، أو ليوم القيامة فيمن علق (في يوم) بواقع؛ أي: يستبعدونه على جهة الإحالة نحن ﴿ نَرَاهُ قَرِيبًا (7) ﴾ هيناً في قدر في قدرتنا غير بعيد علينا ولا متعذر، فالمراد بالبعيد: البعيد من الإمكان، وبالقريب: القريب منه نصب ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ﴾ بقريباً، أي: يمكن ولا يتعذر في ذلك اليوم.

أو بإضمار يقع، لدلالة (واقع) عليه أو يوم تكون السماء كالمهل.

كان كيت وكيت.

أو هو بدل عن (في يوم) فيمن علقه بواقع ﴿ كالمهل ﴾ كدردي الزيت.

وعن ابن مسعود: كالفضة المذابة في تلوّنها ﴿ كالعهن ﴾ كالصوف المصبوغ ألواناً لأن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، فإذا بست وطيرت في الجو: أشبهت العهن المنقوش إذا طيرته الريح ﴿ وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (10) ﴾ أي لا يسأله بكيف حالك ولا يكلمه، لأن بكل أحد ما يشغله عن المساءلة ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ أي يبصر الأحماء الأحماء، فلا يخفون عليهم، فما يمنعهم من المساءلة أنّ بعضهم لا يبصر بعضاً، وإنما يمنعهم التشاغل: وقرئ: ﴿ يبصرونهم ﴾ وقرئ: ﴿ ولا يسئل ﴾ على البناء للمفعول، أي: لا يقال لحميم أين حميمك ولا يطلب منه؛ لأنهم يبصرونهم فلا يحتاجون إلى السؤال والطلب.

فإن قلت: ما موقع يبصرونهم؟

قلت: هو كلام مستأنف، كأنه لما قال ﴿ وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (10) ﴾ قيل: لعله لا يبصره، فقيل: يبصرونهم ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم.

فإن قلت: لم جمع الضميران في ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ وهما للحميمين؟

قلت: المعنى على العموم لكل حميمين لا لحميمين اثنين.

ويجوز أن يكون ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ صفة، أي: حميماً مبصرين معرّفين إياهم.

قرئ: ﴿ يومئذ ﴾ بالجرّ والفتح على البناء للإضافة إلى غير متمكن، ومن عذاب يومئذ، بتنوين (عذاب) ونصب ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ وانتصابه بعذاب.

لأنه في معنى تعذيب ﴿ وَفَصِيلَتِهِ ﴾ عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم ﴿ تُئْوِيهِ ﴾ تضمه انتماء إليها، أو لياذاً بها في النوائب.

﴿ يُنجِيهِ ﴾ عطف على يفتدي، أي: يودّ لو يفتدى، ثم لو ينجيه الافتداء.

أو من في الأرض.

وثم: لاستبعاد الإنجاء، يعني: تمنى لو كان هؤلاء جميعاً تحت يده وبذلهم في فداء نفسه، ثم ينجيه ذلك وهيهات أن ينجيه ﴿ كَلاَّ ﴾ ردّع للمجرم عن الودادة، وتنبيه على أنه لا ينفعه الافتداء ولا ينجيه من العذاب، ثم قال: ﴿ إِنَّهَا ﴾ والضمير للنار، ولم يجر لها ذكر؛ لأنّ ذكر العذاب دل عليها.

ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً ترجم عنه الخبر، أو ضمير القصة.

و ﴿ لظى ﴾ علم للنار، منقول من اللظى: بمعنى اللهب.

ويجوز أن يراد اللهب.

و ﴿ نَزَّاعَةً ﴾ خبر بعد خبر؛ لأنّ أو خبر للظى إن كانت الهاء ضمير القصة، أو صفة له إن أردت اللهب، والتأنيث لأنه في معنى النار.

أو رفع على التهويل، أي: هي نزاعة.

وقرئ: ﴿ نزاعة ﴾ بالنصب على الحال المؤكدة، أو على أنها متلظية نزاعة؛ أو على الاختصاص للتهويل.

والشوى: الأطراف أو جمع شواة: وهي جلدة الرأس تتزعها نزعاً فتبتكها؟

ثم تعاد ﴿ تَدْعُواْ ﴾ مجاز عن إحضارهم، كأنها تدعوهم فتحضرهم.

ونحوه قول ذي الرمّة: ......

تَدْعُو أَنْفَهُ الرِّببُ وقوله: لَيَالِى اللَّهْوِ يُطْبِينِي فَأَتْبَعُهُ وقول أبي النجم: تَقُولُ للِرَّائِدِ أَعْشَبْت َانْزِلِ وقيل: تقول لهم: إليّ إليّ يا كافر يا منافق.

وقيل: تدعو المنافقين والكافرين بلسان فصيح ثم تلتقطهم التقاط الحب، فيجوز أن يخلق الله فيها كلاماً كما يخلقه في جلودهم وأيديهم وأرجلهم، وكما خلقه في الشجرة ويجوز أن يكون دعاء الزبانية.

وقيل: تدعو تهلك، من قول العرب: دعاك الله، أي: أهلكك.

قال: دَعَاكَ اللَّهُ مِنْ رَجُلٍ بِأفْعَى ﴿ مَنْ أَدْبَرَ ﴾ عن الحق ﴿ وتولى ﴾ عنه ﴿ وجمع ﴾ المال فجعله في وعاء وكنزه ولم يؤدّ الزكاة والحقوق الواجبة فيه، وتشاغل به عن الدين؛ وزهى بإقتنائه وتكبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنِ الوِدادَةِ ودَلالَةٌ عَلى أنَّ الِافْتِداءَ لا يُنْجِيهِ ﴿ إنَّها ﴾ الضَّمِيرُ لِلنّارِ أوْ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ﴿ لَظى ﴾ وهو خَبَرٌ أوْ بَدَلٌ أوْ لِلْقِصَّةِ ولَظى مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ.

﴿ نَزّاعَةً لِلشَّوى ﴾ وهو اللَّهَبُ الخالِصُ وقِيلَ: عَلَمٌ لِلنّارِ مَنقُولٌ مِنَ اللَّظى بِمَعْنى اللَّهَبِ وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ نَزّاعَةً بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ أوِ الحالِ المُؤَكِّدَةِ أوِ المُتَنَقِّلَةِ عَلى أنَّ لَظى بِمَعْنى مُتَلَظِّيَةً والشَّوى الأطْرافُ أوْ جَمْعُ شَواةٍ وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ.

﴿ تَدْعُو ﴾ تَجْذِبُ وتُحْضِرُ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: تَدْعُو أنْفُهُ الرَّيْبَ.

مَجازٌ عَنْ جَذْبِها وإحْضارِها لِمَن فَرَّ عَنْها وقِيلَ: تَدْعُو زَبانِيَتَها وقِيلَ: تَدْعُو تُهْلِكُ مِن قَوْلِهِمْ: دَعاهُ اللَّهُ إذا أهْلَكَهُ ﴿ مَن أدْبَرَ ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿ وَتَوَلّى ﴾ عَنِ الطّاعَةِ.

﴿ وَجَمَعَ فَأوْعى ﴾ وجَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ حِرْصًا وتَأْمِيلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَجَمَعَ} المال {فَأَوْعَى} فجعله في وعاء ولم يؤد حق الله منه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ تَدْعُوَ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أوْ حالٌ مُتَداخِلَةٌ أوْ مُتَرادِفَةٌ أوْ مُفْرَدَةٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَلا تَغْفُلْ والدُّعاءُ عَلى حَقِيقَتِهِ وذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى فِيها القُدْرَةَ عَلى الكَلامِ كَما يَخْلُقُهُ في جُلُودِهِمْ وأيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ فَتُنادِيهِمْ بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ ورُوِيَ أنَّها تَقُولُ لَهم ( إلَيَّ إلَيَّ ) يا كافِرُ يا مُنافِقُ.

وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِ الجَذْبُ والإحْضارُ كَما في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ يَصِفُ الثَّوْرَ الوَحْشِيَّ: أمْسى بِوَهْبَيْنِ مُجْتازًا لِمَرْتَعِهِ مِن ذِي الفَوارِسِ تَدْعُو أنْفَهُ الرَّبَبَ ونَحْوُهُ قَوْلُهُ أيْضًا: لَيالِي اللَّهْوِ يُطْبِينِي فَأتْبَعُهُ ∗∗∗ كَأنَّنِي ضارِبٌ في غَمْرَةِ لَعِبِ ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ شَبَّهَ لِياقَتَها لَهم أوِ اسْتِحْقاقَهم لَها عَلى ما قِيلَ بِدُعائِها لَهم فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالدُّعاءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ.

وقالَ ثَعْلَبٌ تَدْعُو تَهْلِكُ مِن قَوْلِ العَرَبِ دَعاكَ اللَّهُ تَعالى أيْ أهْلَكَكَ وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنْهم.

وفِي الأساسِ دَعاهُ اللَّهُ تَعالى بِما يَكْرَهُ أنْزَلَهُ بِهِ وأصابَتْهم دَواعِي الدَّهْرِ صُرُوفُهُ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: دَعاكَ اللَّهُ مِن رَجُلٍ بِأفْعى ∗∗∗ إذا نامَ العُيُونُ سَرَتْ عَلَيْكا واسْتَظْهَرَ أنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِلدُّعاءِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ وفِيهِ تَرَدُّدٌ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ لِزَبانِيَتِها وأُسْنِدَ إلَيْها مَجازًا أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تَدْعُو زَبانِيَتَها ﴿ مَن أدْبَرَ ﴾ في الدُّنْيا عَنِ الحَقِّ ﴿ وتَوَلّى ﴾ أعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ ﴿ وجَمَعَ فَأوْعى ﴾ أيْ جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءِ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حُقُوقَهُ وتَشاغَلَ بِهِ عَنِ الدِّينِ زَهًّا بِاقْتِنائِهِ حِرْصًا وتَأْمِيلًا وهَذا إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ وما أخْوَفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ عَنِ الحَكَمِ أنَّهُ قالَ كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ﴿ وجَمَعَ فَأوْعى ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال الله تعالى: كَلَّا أي حقاً لا ينجيه، وإن فادى جميع الخلق، ولا يفادي نفسه وقال أهل اللغة: كَلَّا ردع وتنبيه يعني: لا يكون كما تمنى.

ثم استأنف الكلام، فقال: كَلَّا إِنَّها لَظى يعني: النار والعقوبة لَظى اسم من أسماء النار.

نَزَّاعَةً لِلشَّوى يعني: قلاعة للأعضاء ويقال: حراقة للأعضاء والجسد.

وقال القتبي الشوى: جلود الرأس وأحدها شواة، ويعني: أن النار تنزع جلود الرأس.

وعن أبي صالح قال: نَزَّاعَةً لِلشَّوى أطراف اليدين والرجلين وقال مقاتل: يعني: تنزع النار الهامة والأطراف.

قرأ عاصم في رواية حفص: نَزَّاعَةً نصباً على الحال، والباقون بالضم يعني: إنها نزاعة للشوى.

تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى يعني: لظى تدعو إلى نفسه، تنادي من أعرض عن التوحيد وأعرض عن الإيمان ويقال: إن لظى تنادي وتقول: أيها الكافر تعال إلي، فإن مستقرك فيّ.

وتقول: أيها المنافق تعال إلي، فإن مستقرك فيّ.

فذلك قوله: تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ثم قال: وَجَمَعَ فَأَوْعى يعني: جمع المال ومنع حق الله تعالى.

قال مقاتل: فَأَوْعى يعني: فأمسكه، فلم يؤد حق الله تعالى.

ثم قال: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً يعني: حريصاً ضجوراً بخيلاً ممسكاً فخوراً، وقال القتبي: هَلُوعاً يعني: شديد الجزع.

يقال: ناقة هلوع، إذا كانت شديدة النفس.

إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ يعني: الفقر.

جَزُوعاً يعني: لا يصبر على الشدة.

وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً يعني: إذا أصابه الغنى يمنع حق الله تعالى.

إِلَّا الْمُصَلِّينَ، فإنهم ليسوا هكذا، وهم يؤدون حق الله تعالى.

الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ يعني: يحافظون على الصلوات.

وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ يعني: معروفاً لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ يعني: للسائل الذي يسأل الناس، والمحروم الذي لا يشهد الغنيمة ولا يسهم له.

وروى وكيع، عن سفيان، عن قيس، عن محمد بن الحسن قال: بعث النبيّ  سرية، ففتحت، فجاء آخرون بعد ذلك، فنزل وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ.

وقال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم.

ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ يعني: بيوم الحساب.

وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ يعني: خائفين.

إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ يعني: لم يأت لأحد الأمان من عذاب الله تعالى ويقال: لا ينبغي لأحد أن يأمن من عذاب الله تعالى.

ثم قال: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ وقد ذكرناه.

وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ يعني: الأمانات التي فيما بينهم وبين الله تعالى، والعهد الذي بينهم وبين الله تعالى.

والأمانات والعهد التي بينهم وبين الناس حافظون.

وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ يعني: يؤدون الشهادة عند الحاكم، ولا يكتمونها إذا دعوا إليها، فيؤدون الشهادة على الوجه الذي علموها وحملوها.

قرأ عاصم في رواية حفص، وأبو عمرو في إحدى الروايتين بِشَهاداتِهِمْ وهو جمع الشهادة، والباقون بشهادتهم وهي شهادة واحدة وإنما تقع على الجنس.

ثم قال: وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ يعني: يداومون عليها ويحافظون عليها في مواقيتها.

أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ يعني: أهل هذه الصفة، في جنات مكرمون بثواب من الله تعالى بالتحف والهدايا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

زُرَارَةَ بْنِ أوفى عن أبي هريرةَ قال: يَقْصُرُ يومئذٍ على المؤْمِنِ حتى يكونَ كوقتِ الصَّلاَةِ «١» ، انتهى، قال ع «٢» : وَقَدْ ورد في يوم القيامةِ أنه كألْفِ سنةٍ، وهذا يشبه أن يكونَ في طوائفَ دونَ طوائفَ، ت: قال عبد الحق في «العاقبة» له: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أن يومَ القيامةِ لَيْسَ طولُه كما عَهِدْتَ من طول الأيامْ، بَلْ هو آلافٌ من الأعوامْ، يَتَصَرَّفُ فيه هذا الأنامْ، على الوُجُوهِ والأَقْدَامْ، حَتَّى يَنْفُذَ فيهم مَا كُتِبَ لَهُمْ وعليهم من الأَحْكَامِ، وليس يكونُ خَلاَصُه دفعةً وَاحِدَةً، ولا فراغُهم في مرةٍ واحدةٍ بل يَتَخَلَّصُونَ ويَفْرُغُونَ شَيْئاً بعد شيءٍ، لَكِنَّ طولَ ذلك اليومِ خمسون ألفَ سنة، فَيَفْرَغُونَ بِفَرَاغِ اليومِ، ويفرغُ اليومُ بِفَرَاغِهِم، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يطولُ مقامُه وحبْسُه إلى آخر اليومِ، ومنهم من يكونُ انفصَالُه في ذلك اليوم في مقدار يَوْمٍ من أيام الدنيا، أو في ساعةٍ من ساعاتِه، أو في أقَلَّ من ذلك، ويكون رائحاً في ظلِّ كَسْبهِ وعَرْشِ ربه، ومنهم من يُؤْمَرُ به إلى الجنةِ بغير حسابٍ ولا عذاب، كما أنَّ منهم مَنْ يُؤمَرُ به إلى النارِ في أول الأمْر من غير وقوفٍ ولا انتظار، / أو بعدَ يسير من ذلك، انتهى.

فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩)

وقوله سبحانه: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا أمرٌ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالصبرِ على أذَى قومِه، والصبرُ الجميلُ الذي لا يَلْحَقُه عَيْبٌ ولا شَكٌّ ولا قِلَّةُ رِضًى، ولا غيرُ ذلك، والأمْرُ بالصبرِ الجميلِ مُحْكَمٌ في كل حالة، أعني: لاَ نَسْخَ فيه، وقيل: إن الآيةَ نزلتْ قبل الأمْرِ بالقِتَالِ فهي منسوخة، ت: ولو قيلَ: هذا خطابٌ لجنسِ الإنْسَانِ في شَأْنِ هَوْلِ ذلكَ اليومِ مَا بَعُدَ.

وقوله تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً يعني يوم القيامة، والمهْلُ: عَكَرُ الزَّيْتِ قاله ابن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المَعارِجِ سُورَةُ سَألَ سائِلٌ، ويُقالُ لَها: سُورَةُ المَعارِجِ، ويُقالُ لَها: سُورَةُ الواقِعِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَألَ سائِلٌ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ  ﴾ ، وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو أبُو جَهْلٍ.

قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "سالَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ.

والباقُونَ: بِالهَمْزِ.

فَمَن قَرَأ: "سَألَ" بِالهَمْزِ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: دَعا داعٍ عَلى نَفْسِهِ بِعَذابٍ واقِعٍ.

والثّانِي: سَألَ سائِلٌ عَنْ عَذابٍ واقِعٍ لِمَن هُوَ؟

وعَلى مَن يَنْزِلُ؟

ومَتى يَكُونُ؟

وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ، الِاسْتِهْزاءِ فَتَكُونُ الباءُ بِمَعْنى "عَنْ" وأنْشَدُوا: فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ والثّالِثُ: سَألَ سائِلٌ عَذابًا واقِعًا، والباءُ زائِدَةٌ.

وَمَن قَرَأ بِلا هَمْزٍ فَفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ السُّؤالِ أيْضًا، وإنَّما لَيَّنَ الهَمْزَةَ، يُقالُ: سَألَ، وسالَ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: تَعالَوْا فَسالُوا يَعْلَمِ النّاسُ أيُّنا ∗∗∗ لِصاحِبِهِ في أوَّلِ الدَّهْرِ تابِعُ والثّانِي: المَعْنى: سالَ وادٍ في جَهَنَّمَ بِالعَذابِ لِلْكافِرِينَ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ في آخَرِينَ يَقْرَؤُونَ "سالَ سَيْلٌ" بِفَتْحِ السِّينِ، وسُكُونِ الياءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ولا هَمْزٍ.

وَإذا قُلْنا: إنَّهُ مِنَ السُّؤالِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْكافِرِينَ ﴾ جَوابٌ لِلسُّؤالِ، كَأنَّهُ لَمّا سَألَ: لِمَن هَذا العَذابُ؟

قِيلَ: لِلْكافِرِينَ.

والواقِعُ: الكائِنُ.

والمَعْنى: أنَّ العَذابَ لِلَّذِي سَألَهُ هَذا الكافِرُ كائِنٌ لا مَحالَةَ في الآخِرَةِ "لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ" قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ذَلِكَ العَذابُ واقِعٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذِي المَعارِجِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها السَّمَواتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هي مَعارِجُ المَلائِكَةِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ "المَعارِجِ" الدَّرَجُ وهي مِن عَرَجَ: إذا صَعِدَ.

قالَ الفَرّاءُ: لَمّا كانَتِ المَلائِكَةُ تَعْرُجُ إلَيْهِ، وصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ.

قالَ الخَطّابِيُّ: المَعارِجُ: الدَّرَجُ، واحِداها: مَعْرَجٌ، وهو المِصْعَدُ، فَهو الَّذِي يُصْعَدُ إلَيْهِ بِأعْمالِ العِبادِ، وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ.

فالمَعارِجُ: الطَّرائِقُ الَّتِي يُصْعَدُ فِيها.

والثّانِي: أنَّ المَعارِجَ: الفَواضِلُ والنِّعَمُ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ: "يَعْرُجُ" بِالياءِ.

"والرُّوحُ" في "الرُّوحِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: جِبْرِيلُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، قالَهُ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إلَيْهِ ﴾ أيْ: إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ "فِي يَوْمٍ ﴿ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ" ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وهَذا هو مِقْدارُ يَوْمِ القِيامَةِ مِن وقْتِ البَعْثِ إلى أنْ يُفْصَلَ بَيْنَ الخَلْقِ.

وُفي الحَدِيثِ: « "إنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ" وقِيلَ: بَلْ لَوْ ولِيَ حِسابَ الخَلْقِ سِوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَفْرُغْ مِنهُ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، والحَقُّ يَفْرَغُ مِنهُ في ساعَةٍ مِن نَهارٍ.» وقالَ عَطاءٌ: يَفْرَغُ اللَّهُ مِن حِسابِ الخَلْقِ في مِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ المَعْنى سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

والثّانِي: أنَّ مِقْدارَ صُعُودِ المَلائِكَةِ مِن أسْفَلِ الأرْضِ إلى العَرْشِ لَوْ صَعِدَهُ غَيْرُهم قَطَعَهُ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ ﴾ أيِ: اصْبِرْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاكَ "صَبْرًا جَمِيلًا" لا جَزَعَ فِيهِ، وهَذا قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ بِقِتالِهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ "إنَّهم يَرَوْنَهُ" يَعْنِي: العَذابَ "بَعِيدًا" غَيْرَ كائِنٍ "وَنَراهُ قَرِيبًا" كائِنًا، لِأنَّ كُلَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.

ثُمَّ أخْبَرَ مَتى يَكُونُ فَقالَ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [الكَهْفِ: ٢٩] ﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ ﴾ أيْ: كالصُّوفِ، فَشَبَّهَها في ضَعْفِها ولِينِها بِالصُّوفِ.

وقِيلَ: شَبَّهَها بِهِ في خِفَّتِها وسَيْرِها، لِأنَّهُ قَدْ نُقِلَ أنَّها تَسِيرُ عَلى صُوَرِها، وهي كالهَباءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: "العِهْنُ" الصُّوفُ واحِدَتُهُ: عِهْنَةٌ، ويُقالُ: عِهْنَةٌ، وعِهْنٌ، مِثْلُ: صُوفَةٍ، وصُوفٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "العِهْنُ" الصُّوفُ المَصْبُوغُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: "يَسْألُ" بِفَتْحِ الياءِ.

والمَعْنى: لا يَسْألُ قَرِيبٌ عَنْ قَرابَتِهِ، لِاشْتِغالِهِ بِنَفْسِهِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: لا يَسْألُ الرَّجُلُ قَرابَتَهُ، ولا يُكَلِّمُهُ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ.

وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وأبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الياءِ.

والمَعْنى: لا يُقالُ لِلْحَمِيمِ: أيْنَ حَمِيمُكَ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ أيْ: يُعَرَّفُ الحَمِيمُ حَمِيمَهُ حَتّى يَعْرِفَهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يَسْألُ عَنْ شَأْنِهِ، ولا يُكَلِّمُهُ اشْتِغالًا بِنَفْسِهِ.

يُقالُ: بَصَّرْتُ زَيْدًا كَذا: إذا عَرَّفْتَهُ إيّاهُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآيَةِ: لا يَسْألُ ذُو قُرابَةِ عَنْ قَرابَتِهِ، ولَكِنَّهم يُبَصَّرُونَهُمْ، أيْ: يُعَرَّفُونَهم.

وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ، "يُبْصِرُونَهُمْ" بِإسْكانِ الباءِ، وتَخْفِيفِ الصّادِ، وكَسْرِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوَدُّ المُجْرِمُ ﴾ يَعْنِي: يَتَمَنّى المُشْرِكُ لَوْ قُبِلَ مِنهُ الفِداءُ ﴿ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾ ﴿ وَصاحِبَتِهِ ﴾ وهي الزَّوْجَةُ ﴿ وَفَصِيلَتِهِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عَشِيرَتُهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هي أدْنى قَبِيلَتِهِ مِنهُ.

ومَعْنى "تُؤْوِيهِ" تَضُمُّهُ، فَيَوَدُّ أنْ يَفْتَدِيَ بِهَذِهِ المَذْكُوراتِ ﴿ ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾ ذَلِكَ الفِداءُ ﴿ كَلا ﴾ لا يُنْجِيهِ ذَلِكَ ﴿ إنَّها لَظى ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْرَ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناها في اللُّغَةِ: اللَّهَبُ الخالِصُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَتْ لَظى لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها وتَلَهُّبِها، يُقالُ: هو يَتَلَظّى، أيْ: يَتَلَهَّبُ ويَتَوَقَّدُ.

وكَذَلِكَ النّارُ تَتَلَظّى يُرادُ بِها هَذا المَعْنى.

وأنْشَدُوا: جَحِيمًا تَلَظّى لا تُفَتَّرُ ساعَةً ∗∗∗ ولا الحَرُّ مِنها غابِرَ الدَّهْرِ يَبْرُدُ ﴿ نَزّاعَةً لِلشَّوى ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ "نَزّاعَةٌ لِلشَّوى" بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى: هي نَزّاعَةٌ.

وَقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "نَزّاعَةً" بِالنَّصْبِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا عَلى أنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا  ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى مَعْنى "إنَّها تَتَلَظّى نَزّاعَةً" .

وَفِي المُرادِ بِـ "الشَّوى" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: جِلْدَةُ الرَّأْسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: مَحاسِنُ الوَجْهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: العَصَبُ، والعَقِبُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: الأطْرافُ: اليَدانِ، والرِّجْلانِ، والرَّأْسُ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَدْعُو مَن أدْبَرَ ﴾ عَنِ الإيمانِ "وَتَوَلّى" عَنِ الحَقِّ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: تَقُولُ: إلَيَّ يا مُشْرِكُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ "وَجَمَعَ فَأوْعى" قالَ الفَرّاءُ: أيْ جَمَعَ المالَ في وِعاءٍ فَلَمْ يُؤَدِّ مِنهُ زَكاةً، ولَمْ يَصِلْ مِنهُ رَحِمًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُبَصَّرُونَهم يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾ ﴿ وَصاحِبَتِهِ وأخِيهِ ﴾ ﴿ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ﴾ ﴿ وَمَن في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾ ﴿ كَلا إنَّها لَظى ﴾ ﴿ نَزّاعَةً لِلشَّوى ﴾ ﴿ تَدْعُو مَن أدْبَرَ وتَوَلّى ﴾ ﴿ وَجَمَعَ فَأوعى ﴾ ﴿ إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾ ﴿ إذا مَسَّهُ الشَرُّ جَزُوعًا ﴾ ﴿ وَإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ ﴿ إلا المُصَلِّينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ﴾ المُجْرِمُ -فِي هَذِهِ الآيَةِ-: الكافِرُ بِدَلِيلِ شِدَّةِ الوَعْدِ وذَكَرَ "لَظى"، وقَدْ يَدْخَلُ مُجْرِمٌ المَعاصِي فِيما ذَكَرَ مِنَ الِابْتِداءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَوْمَئِذٍ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الأعْرَجُ بِفَتْحِها، ومِن حَيْثُ أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ جازَ فِيهِ الوَجْهانِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "مِن عَذابٍ" مَنَّوْنا "يَوْمَئِذٍ" مَفْتُوحُ المِيمِ، و"الصاحِبَةِ": هُنا-: الزَوْجَةُ.

و"الفَصِيلَةُ"- في هَذِهِ الآيَةِ-: قُرابَةَ الرَجُلِ الأدْنَوْنَ، مِثالُ ذَلِكَ بَنُو هاشِمٍ مَعَ النَبِيِّ  ، والفَصِيلَةُ في كَلامِ العَرَبِ أيْضًا: الزَوْجَةُ، ولَكِنَّ ذِكْرَ "الصاحِبَةِ" في هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يُبْقِ في مَعْنى الفَصِيلَةِ إلّا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يُنْجِيهِ" الفاعِلُ هو الفِداءُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "لَوْ يَفْتَدِي"، فَهو المُتَقَدِّمُ الذِكْرِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "تُؤْوِيهِ" و"تُنْجِيهِ" بِرَفْعِ الهاءَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا إنَّها لَظى ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ وما ودُّوهُ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ عن "لَظى" وهي طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ، وفي هَذا اللَفْظِ تَعْظِيمٌ لِأمْرِها وهَوْلِها.

وقَرَأ السَبْعَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ، والناسُ: "نَزّاعَةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "نَزّاعَةً" بِالنَصْبِ، فالرَفْعُ عَلى أنْ يَكُونَ "لَظى" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ المَنصُوبِ "وَنَزّاعَةٌ" خَبَرِ "إنَّ"، أو عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأِ، أيْ: هي نَزّاعَةٌ، أو عَلى أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "إنَّها" لِلْقِصَّةِ و"لَظى" ابْتِداءٌ، و"نَزّاعَةٌ" خَبَرٍ، أو عَلى أنْ يَكُونَ "لَظى" خَبَرُ "إنَّ" و"نَزّاعَةً" بَدَلًا مِن لَظى، أو عَلى أنْ يَكُونَ "لَظى" خَبَرًا و"نَزّاعَةٌ" خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وقالَ الزَجّاجُ: "نَزّاعَةٌ"، رَفَعَ بِمَعْنى المَدْحِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو القَوْلُ بِأنَّها خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هي نَزّاعَةٌ؛ لِأنَّهُ إذا تَضَمَّنَ الكَلامُ مَعْنى المَدْحِ أوِ الذَمِّ جازَ لَكَ القَطْعُ رَفْعًا بِإضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أو نَصْبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ.

ومَن قَرَأ بِالنَصْبِ فَذَلِكَ إمّا عَلى مَدْحِ "لَظى" كَما قُلْنا، وإمّا عَلى الحالِ مِن "لَظى" لِما فِيها مِن مَعْنى التَلَظِّي، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: كَلّا، إنَّها النارُ تَتَلَظّى نَزّاعَةً، قالَ الزَجّاجُ: فَهي حالٌ مُؤَكَّدَةٌ.

و"الشَوى" جِلْدُ الإنْسانِ، وقِيلَ: جِلْدُ الرَأْسِ والهامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ ورَواهُ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ "سَراتُهُ" فَلا شاهِدَ في البَيْتِ عَلى هَذِهِ الرِوايَةِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ: "اقْشَعَرَّتْ شَواتِي".

والشَوى أيْضًا قَوائِمُ الحَيَوانِ، ومِنهُ "عَبْلُ الشَوى"، الشَوى أيْضًا كُلُّ عُضْوٍ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ، ومِنهُ "رَمى فَأشْوى" إذا لَمْ يُصِبِ المَقْتَلَ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الشَوى العَصَبُ والعَقِبُ، فَنارُ "لَظى" تَذْهَبُ هَذا مِنَ ابْنِ آدَمَ وتَنْزِعُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَدْعُو مَن أدْبَرَ وتَوَلّى ﴾ يُرِيدُ الكُفّارَ، واخْتَلَفَ الناسُ في دُعائِها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هو حَقِيقَةٌ، تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ، وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: هي عِبارَةٌ عن حِرْصِها عَلَيْهِمْ واسْتِدْنائِها لَهم وما تَوَقَّعَهُ مِن عَذابِها، وقالَ ثَعْلَبٌ: "تَدْعُوا" مَعْناهُ: تَهْلَكُ، تَقُولُ العَرَبُ: "دَعاكَ اللهُ" أيْ أهْلَكَكَ، وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنِ العَرَبِ.

و"أوَعْى" مَعْناهُ: جَعَلَهُ في الأوعِيَةِ، تَقُولُ: وعَيْتُ العِلْمَ وأُوعَيْتُ المالَ والمَتاعَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: الخَيْرُ يَبْقى وإنْ طالَ الزَمانُ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ والشَرُّ أخْبَثُ ما أوعَيْتَ مِن زادِ وهَذِهِ إشارَةُ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ جَعَلُوا جَمْعَ المالِ وكَدَّ أمْرِهِمْ ومَعْنى حَياتِهِمْ، فَجَمَعُوهُ مِن غَيْرِ حَلٍّ، ومَنَعُوهُ مِن حُقُوقِ اللهِ تَعالى، وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حَكِيمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ: سَمِعْتُ اللهَ تَعالى يَقُولُ: "وَجَمَعَ فَأوعى".

وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّ الإنْسانَ" عُمُومُ لِاسْمِ الجِنْسِ، لَكِنَّ الإشارَةَ هُنا إلى الكُفّارِ لِأنَّ الأمْرَ فِيهِمْ وكِيدٌ كَثِيرٌ، و"الهَلَعُ" فَزَعٌ واضْطِرابٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ عِنْدَ المَخاوِفِ وعِنْدَ المَطامِعِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "شَرُّ ما في الإنْسانِ شُحٌّ هالِعٌ وجُبْنٌ خالِعٌ"،» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا المُصَلِّينَ" ﴾ مَعْناهُ: إلّا المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أمْرُ الآخِرَةِ أوكَدُ عَلَيْهِمْ مِن أمْرِ الدُنْيا، والمَعْنى: إنَّ هَذا المَعْنى فِيهِمْ يَقِلُّ لِأنَّهم يُجاهِدُونَ بِالتَقْوى.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى صَلاتِهِمْ" بِالإفْرادِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "عَلى صَلَواتِهِمْ" بِالجَمْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "دائِمُونَ"، قالَ الجُمْهُورُ: المَعْنى: مُرابِطُونَ قائِمُونَ لا يَخْلُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوقاتِ بِها فَيَتْرُكُونَها، وهَذا في المَكْتُوبَةِ، وأمّا النافِلَةُ فالدَوامُ عَلَيْها الإكْثارُ مِنها بِحَسَبِ الطاقَةِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أحَبُّ العَمَل إلى اللهِ ما داوَمَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الدَوامُ: صَلاتُها لِوَقْتِها، وتَرْكُها كُفْرٌ، وقالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: "دائِمُونَ": يَقْرَءُونَ في صَلاتِهِمْ ولا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنهُ الماءُ الدائِمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يتعلق ﴿ يوم تكون السماء ﴾ بفعل ﴿ تعرج ﴾ [المعارج: 4]، أو أن يتعلق ب ﴿ يَوَدُّ المجرم ﴾ قدم عليه للاهتمام بذكر اليوم فيكون قوله: ﴿ يوم تكون السماء كالمهل ﴾ ابتداء كلام، والجملة المجعولة مبدأ كلام تجعل بدل اشتمال من جملة ﴿ ولا يسأل حميم حميماً ﴾ لأن عدم المساءلة مسبب عن شدة الهَول، ومما يشتمل عليه ذلك أن يود المَوَل لو يفتدي من ذلك العذاب.

و ﴿ المُهل ﴾ : دُردِيّ الزيتتِ.

والمعنى: تشبيه السماء في انحلال أجزائها بالزيت، وهذا كقوله في سورة الرحمان (37) ﴿ فكانت وردة كالدِهان ﴾ والعِهن: الصوف المصبوغ، قيل المصبوغ مطلقاً، وقيل المصبوغ ألواناً مختلفة وهو الذي درج عليه الراغب والزمخشري، قال زهير: كان فُتات العِهن في كل منزِلٍ *** نَزلْنَ به حَبُّ الفَنا لم يُحَطَّم والفنا بالقصر: حب في البادية، يقال له: عنب الثعلب، وله ألوان بعضه أخضر وبعضه أصفر وبعضه أحمر.

والعهنة: شجر بالبادية لها ورد أحمر.

ووجه الشبه بالعهن تفرق الأجزاء كما جاءت في آية القارعة (5) ﴿ وتكون الجبال كالعهن المنفوشِ ﴾ فإيثار العهن بالذكر لإِكمال المشابهة لأن الجبال ذات ألوان قال تعالى: ﴿ ومن الجبال جُدد بيضٌ وحُمْرٌ مختلف ألوانها ﴾ [فاطر: 27].

وإنما تكون السماء والجبال بهاته الحالة حين ينحلّ تماسك أجزائهما عند انقراض هذا العالم والمصيرِ إلى عالم الآخرة.

ومعنى ﴿ ولا يسأل حميم حميماً ﴾ لشدة ما يعتري الناس من الهول فمن شدة ذلك أن يرى الحميم حميمه في كرب وعناء فلا يتفرغ لسؤاله عن حاله لأنه في شاغل عنه، فحذف متعلق ﴿ يسأل ﴾ لظهوره من المقام ومن قوله: ﴿ يبصرونهم ﴾ أي يبصر الأخلاء أحوال أخلائهم من الكرب فلا يسأل حميم حميماً، قال كعب بن زهير: وقال كل خليل كنتُ ءآمُله *** لا أُلْهِيَنَّك إِني عنك مشغول والحميم: الخليل الصديق.

وقرأ الجمهور بفتح ياء ﴿ يسأل ﴾ على البناء للفاعل.

وقرأه أبو جعفر والبزي عن ابن كثير بضم الياء على البناء للمجهول.

فالمعنى: لا يسأل حميم عن حميم بحذف حرف الجر.

وموقع ﴿ يبصّرونهم ﴾ الاستئناف البياني لدفع احتمال أن يقع في نفس السامع أن الأحِمَّاء لا يرى بعضهم بعضاً يومئذٍ لأن كل أحد في شاغل، فأجيب بأنهم يكشف لهم عنهم ليروا ما هم فيه من العذاب فيزدادوا عذاباً فوق العذاب.

ويجوز أن تكون جملة ﴿ يبصرونهم ﴾ في موضع الحال، أي لا يسأل حميم حميماً في حال أن كل حميم يبصر حميمه يقال له: انظر مَاذا يقاسي فلان.

و ﴿ يبصرونهم ﴾ مضارع بَصَّره بالأمر إذا جعله مبصراً له، أي ناظراً فأصله: يبصَّرون بهم فوقع فيه حذف الجار وتعدية الفعل.

والضميران راجعان إلى ﴿ حميم ﴾ المرفوع وإلى ﴿ حميماً ﴾ المنصوب، أي يبصر كل حميم حميمه فجمع الضميران نظراً إلى عموم ﴿ حمِيمٌ ﴾ و ﴿ حميماً ﴾ في سياق النفي.

و ﴿ يودّ ﴾ : يحب، أي يتمنى، وذلك إما بخاطر يخطر في نفسه عند رؤية العذاب.

وإما بكلام يصدر منه نظير قوله: ﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ﴾ [النبأ: 40]، وهذا هو الظاهر، أي يصرخ الكافر يومئذٍ فيقول: أفتدي من العذاب ببني وصاحبتي وفصيلتي فيكون ذلك فضيحة له يومئذٍ بين أهله.

و ﴿ المجرم ﴾ : الذي أتى الجُرم، وهو الذنب العظيم، أي الكفر لأن الناس في صدر البعثة صنفان كافر ومؤمن مطيع.

و ﴿ يومئذٍ ﴾ هو ﴿ يوم تكون السماء كالمهل ﴾ فإن كان قوله: ﴿ يوم تكون السماء ﴾ متعلقاً ب ﴿ يودّ ﴾ فقوله: ﴿ يومئذٍ ﴾ تأكيد ل ﴿ يوم تكون السماء كالمهل، ﴾ وإن كان متعلقاً بقوله: ﴿ تعرج الملائكة ﴾ [المعارج: 4] فقوله: ﴿ يومئذٍ ﴾ إفادة لكون ذلك اليوم هو يوم يود المجرم لو يفتدي من العذاب بمن ذكر بعده.

و ﴿ لو ﴾ مصدرية فما بعدها في حكم المفعول ل ﴿ يود ﴾ ، أي يود الافتداء من العذاب ببنيه إلى آخره.

وقرأ الجمهور ﴿ يومئذٍ ﴾ بكسر ميم (يوم) مجروراً بإضافة (عذاب الله).

وقرأه نافع والكسائي بفتح الميم على بنائه لإِضافة (يوم) إلى (إذ)، وهي اسم غير متمكن والوجهان جائزان.

والافتداء: إعطاء الفِداء، وهو ما يعطى عوضاً لإِنقاذٍ من تبعةٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿ وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ﴾ في البقرة (85) وقوله: ولو افتدى به في آل عمران (91)، والمعنى: لو يفتدي نفسه، والباء بعد مادة الفداء تدخل على العوض المبذول فمعنى الباء التعويض.

ومعنى مِن } الابتداء المجازي لتضمين فعل يفتدي معنى يَتخلص و ﴿ صاحبِته ﴾ : زوجِهِ.

والفصيلة: الأقرباء الأدْنَوْن من القبيلة، وهم الأقرباء المفصول مِنهم، أي المستخرج منهم، فشملت الآباء والأمهاتتِ قال ابن العربي: قال أشهب: سألتُ مالكاً عن قول الله تعالى: ﴿ وفصيلته التي تؤويه ﴾ فقال هي أمه اه، أي ويفهم منها الأب بطريق لحن الخطاب فيكون قد استوفى ذكر أقرب القرابة بالصراحة والمفهوم، وأمّا على التفسير المشهور فالفصيلة دلت على الآباء باللفظ وتستفاد الأمهات بدلالة لحن الخطاب.

وقد رتبت الأقرباء على حسب شدة الميْل الطبيعي إليهم في العرف الغالب لأن الميل الطبيعي ينشأ عن الملازمة وكثرة المخالطة.

ولم يذكر الأبوان لدخولهما في الفصيلة قصداً للإِيجاز.

والايواء: الضم والانحياز.

قال تعالى: ﴿ ءاوَى إليه أخاه ﴾ [يوسف: 69] وقال: ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ [هود: 43].

و ﴿ التي تؤويه: ﴾ إن كانت القبيلةَ، فالإِيواء مجاز في الحماية والنصر، أي ومع ذلك يفتدي بها لعلمه بأنها لا تغني عنه شيئاً يومئذٍ.

وإن كانت الأمَّ فالإِيواء على حقيقته باعتبار الماضي، وصيغة المضارع لاستحضار الحالة كقوله: ﴿ الله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً ﴾ [الروم: 48] أي يودّ لو يفتدي بأمه، مع شدة تعلق نفسه بها إذ كانت تؤويه، فإيثار لفظ فصيلته وفعل تؤويه هنا من إيجاز القرآن وإعجازه ليشمل هذه المعاني.

﴿ ومن في الأرض جميعاً ﴾ عطف على ﴿ بنِيه ﴾ ، أي ويفتدي بمن في الأرض، أي ومن له في الأرض مما يعزّ عليه من أخلاء وقرابة ونفائس الأموال مما شأن الناس الشح ببذله والرغبة في استبقائه على نحو قوله تعالى: ﴿ فلن يقبل من أحدهم مِلْءُ الأرض ذهباً ولو افتدى به ﴾ [آل عمران: 91].

و ﴿ مَن ﴾ الموصولة لتغليب العاقل على غيره لأن منهم الأخلاء.

و ﴿ ثم ﴾ في قوله: ﴿ ثم ينجيه ﴾ للتراخي الرتبي، أي يودّ بذل ذلك وأن ينجيه الفداء من العذاب، فالإِنجاء من العذاب هو الأهم عند المجرم في ودادته والضمير البارز في قوله: ﴿ ينجيه ﴾ عائد إلى الافتداء المفهوم من ﴿ يفتدي ﴾ على نحو قوله تعالى: ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ [المائدة: 8].

والمعطوف ب ﴿ ثم ﴾ هو المسبب عن الودادة فلذلك كان الظاهر أن يعطف بالفاء وهو الأكثر في مثله كقوله تعالى: ﴿ ودُّوا لو تكفرون كما كفروا فتكُونون سواء ﴾ [النساء: 89] وقوله: ﴿ ودُّوا لو تدهن فيدهنون ﴾ [القلم: 9]، فعدل عن عطفه بالفاء هنا إلى عطفه ب ﴿ ثم ﴾ للدلالة على شدة اهتمام المجرم بالنجاة بأية وسيلة.

ومتعلق ﴿ ينجيه ﴾ محذوف يدل عليه قوله: وكَلاَّ } حرف ردع وإبطال لكلام سابق، ولا يخلو من أن يذكر بعده كلام، وهو هنا لإِبطال ما يخامر نفوس المجرم من الودادة، نزل منزلة الكلام لأن الله مطلع عليه أو لإِبطال ما يتفوه به من تمنّي ذلك.

قال تعالى: ﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ﴾ [النبأ: 40]، ألا ترى أنه عبر عن قوله ذلك بالودادة، في قوله تعالى: ﴿ يومئذٍ يودّ الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوّى بهم الأرض ﴾ [النساء: 42] أي يصيرون من ترابها.

فالتقدير: يقال له كلا، أي لا افتداء ولا إنجاء.

وجملة ﴿ إنها لظَى ﴾ استئناف بياني ناشئ عما أفاده حرف ﴿ كلا ﴾ من الإِبطال.

وضمير ﴿ إنها ﴾ عائد إلى ما يشاهده المجرم قبالته من مرأى جهنم فأخبر بأن ذلك لظى.

ولما كان ﴿ لظى ﴾ مقترناً بألف التأنيث أنّث الضمير باعتبار تأنيث الخبر واتبع اسمها بأوصاف.

والمقصود التعريض بأنها أعدت له، أي أنها تحرقك وتنزع شَواك، وقد صرح بما وقع التعريض به في قوله: ﴿ تدعو من أدبر وتولى وجَمع فأوعى، ﴾ أي تدعوك يا من أدبر عن دعوة التوحيد وتولى عنها ولم يعبأ إلاّ بجمع المال.

فحرف (إنَّ) للتوكيد للمعنى التعريضي من الخبر، لا إلى الإِخبار بأن ما يشاهده لظى إذ ليس ذلك بمحل التردد.

و ﴿ لظى ﴾ خبر (إن).

ويجوز أن يكون ضمير ﴿ إنها ﴾ ضمير القصة وهو ضمير الشأن، أي إن قصتك وشأنك لَظى، فتكون ﴿ لظى ﴾ مبتدأ.

وقرأ الجمهور ﴿ نزّاعةٌ ﴾ بالرفع فهو خبر ثان عن (إنَّ) إن جعل الضمير ضميراً عائداً إلى النار المشاهدة، أو هو خبر عن ﴿ لظى ﴾ إن جعل الضمير ضمير القصة وجُعل ﴿ لظى ﴾ مبتدأ.

وقرأه حفص بالنصب على الحال فيتعين على قراءة حفص أن الضمير ليس ضمير قصة.

والتعريض هو هو، وحرف (إنّ) إما للتوكيد متوجهاً إلى المعنى التعريضي كما تقدم، وإما لمجرد الاهتمام بالجملة التي بعده لأن الجمل المفتتحة بضمير الشأن من الأَخبار المهتم بها.

و ﴿ لَظى ﴾ : علَم منقول من اسم اللهب، جعل علَماً ل «جهنم»، وألفه ألف تأنيث، وأصله: لظى بوزن فتًى منوناً اسم جنس للهب النار.

فنقل اسم الجنس إلى جعله عَلَماً على واحد من جنسه، فقرن بألف تأنيث تنبيهاً بذلك التغيير على نقله إلى العلمية.

والعرب قد يدخلون تغييراً على الاسم غير العلم إذا نقلوه إلى العلمية كما سموا شُمْس بضم الشين منقولاً من شَمْس بفتح الشين.

كما قال ابن جني في شرح قول تأبط شراً: إني لمهد من ثنائي فقاصدٌ *** به لابننِ عمِّ الصِدِق شُمْسسِ بننِ مالك وليس من العلَم بالغلبة إذ ليس معرفاً ولا مضافاً، ولاجتماع العلمية والتأنيث فيه كان ممنوعاً من الصرف فلا تقول: لظًى بالتنوين إلاّ إذا أردت جنس اللهب، ولا تقول: اللَّظَى إلاّ إذا أردت لهباً معيناً، فأما إذا أردت اسم جهنم فتقول لظى بألف التأنيث دون تنوين ودون تعريف.

والنّزاعة: مبالغة في النزع وهو الفصل والقطع.

والشوى: اسم جمع شواة بفتح الشين وتخفيف الواو، وهي العضو غيرُ الرأس مثل اليد والرجل فالجمع باعتبار ما لكل أحد من شوى، وقيل الشواة: جلْدة الرأس فالجمع باعتبار كثرة الناس.

وجملة ﴿ تدعو ﴾ إما خبر ثان حسب قراءة ﴿ نزّاعة ﴾ بالرفع وإمّا حال على القراءتين.

والدعاء في قوله: ﴿ تدعو ﴾ يجوز أن يكون غير حقيقة بأن يعتبر استعارة مكنية، شبهت لظّى في انهيال الناس إليها بضائف لمأدُبة، ورُمز إلى ذلك ب ﴿ تدعو ﴾ وذلك على طريقة التهكم.

ويكون ﴿ من أدبر وتولى وجمع فأوعى ﴾ قرينةً، أو تجريداً، أي من أدبر وتولى عن الإِيمان بالله.

وفيه الطباق لأن الإِدبار والتولي يضادَّاننِ الدعوة في الجملة إذ الشأن أن المدعو يقبل ولا يدبر، ويكون (يدعوا) مشتقاً من الدُعوة المضمومة الدال، أو أن يشبه إحضار الكفار عندها بدعوتها إياهم للحضور على طريقة التبعية، لأن التشبيه بدعوة المنادي، كقول ذي الرمة يصف الثور الوحشي: أمسى بوَهْبَيْننِ مُخْتَاراً لِمَرْتَعه *** من ذي الفوارس تدعُو أنفَه الرِّبَبُ الرِّبَب بكسر الراء وبموحدتين: جمع رِبَّة بكسر الراء وتشديد الموحدة: نبات ينبت في الصيف أخضرُ.

ويجوز أن يكون ﴿ تدعو ﴾ مستعملاً حقيقة، و«الذين يَدْعون»: هم الملائكة الموكلون بجهنم، وإسنادُ الدعاء إلى جهنم إسناداً مجازياً لأنها مكان الداعين أو لأنها سبب الدعاء، أو جهنم تدعو حقيقة بأن يخلُق الله فيها أصواتاً تنادي الذين تولوا أن يَرِدوا عليها فتلتهمهم.

و ﴿ من أدبر وتولى وجمع فأوعى ﴾ جنس الموصوفين بأنهم أدبروا وتولوا وجمعوا وهم المجرمون الذين يودون أن يفتَدوا من عذاب يومئذٍ.

وهذه الصفات خصائص المشركين، وهي من آثار دين الشرك التي هي أقوى باعث لهم على إعراضهم عن دعوة الإِسلام.

وهي ثلاثة: الإِدبار والإِعراض، وجمع المال، أي الخشية على أموالهم.

والإِدبار: ترك شيء في جهة الوراء لأن الدّبر هو الظهر، فأدبر: جعل شيئاً وراءه بأن لا يعرج عليه أصلاً أو بأن يقبل عليه ثم يفارقَه.

والتولّي: الإِدبار عن شيء والبعد عنه، وأصله مشتق من الوَلاية وهي الملازمة قال تعالى: ﴿ فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ [البقرة: 144]، ثم قالوا: ولَّى عنه، أرادوا اتخذ غيره ولياً، أي ترك وَلايته إلى ولاية غيره مثل ما قالوا: رَغب فيه ورغب عنه، فصار «ولي» بمعنى: أدبر وأعرض، قال تعالى: ﴿ فأعْرض عمن تولَّى عن ذِكرنا ﴾ [النجم: 29] أي عامِلْه بالإِعراض عنه.

ففي التولي معنى إيثار غير المتولَّى عنه، ولذلك يكون بين التولّي والإِدبار فرق، وباعتبار ذلك الفرق عُطف و ﴿ تولَّى ﴾ على ﴿ أدبر ﴾ أي تدعو من ترك الحق وتولى عنه إلى الباطل.

وهذه دقيقة من إعجاز القرآن بأن يكون الإِدبار مراداً به إدبارَ غير تَول، أي إدباراً من أول وهلة، ويكون التولي مراداً به الإِعراض بعد ملابسة، ولذلك يكون الإِدبار مستعاراً لعدم قبول القرآن ونفي استماع دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو حال الذين قال الله فيهم: ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ [فصلت: 26]، والتولي مستعار للإِعراض عن القرآن بعد سماعه وللنفور عن دعوة الرسول كما قال تعالى: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلاّ أساطير الأولين ﴾ [الأنفال: 31] وكلا الحالين حال كفر ومحقة للعقاب وهما مجتمعتان في جميع المشركين.

والمقصود من ذكرهما معاً تفظيع أصحابهما، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون متعلِّق ﴿ أدبر وتولى ﴾ متّحداً يتنازعه كلا الفعلين، ويقدر بنحو: عن الحق، وفي «الكشاف»: أدبر عن الحق وتولى عنه، إذ العبرة باختلاف معنيي الفعلين وإن كان متعلقهما متحداً.

ويجوز أن يقدر لكل فعل متعلِّقٌ هو أشد مناسبة لمعناه، فقدر البيضاوي: أدبر عن الحق وتولى عن الطاعة، أي لم يقبل الحق وهو الإِيمان من أصله، وأعرض عن طاعة الرسول بعد سماع دعوته.

وعن قتادة عكسه: أدبر عن طاعة الله وتولى عن كتاب الله وتبعه الفخر والنيسابوري.

والجمع والإِيعاء في قوله: ﴿ وجمع فأوعى ﴾ مرتب ثانيهما على أولهما، فيدل ترتب الثاني على الأول أن مفعول ﴿ جمع ﴾ المحذوف هو شيء مما يوعى، أي يُجعل في وعاء.

والوعاء: الظرف، أي جمع المال فكنزه ولم ينفع به المحَاويج، ومنه جاء فعل ﴿ أوعى ﴾ إذا شحّ.

وفي الحديث: " ولا تُوعي فيُوعَى عليك " وفي قوله: ﴿ جمَع ﴾ إشارة إلى الحرص، وفي قوله: ﴿ فأوعى ﴾ إشارة إلى طول الأمل.

وعن قتادة ﴿ جمع فأوعى ﴾ كان جَمُوعاً للخبيث، وهذا تفسير حسن، أي بأن يُقدَّر ل ﴿ جمع ﴾ مفعول يدل عليه السياق، أي وزاد على إدباره وتوليه أنه جمع الخبائث.

وعليه يكون ﴿ فأوعى ﴾ مستعاراً لملازمته مَا فيه من خصال الخبائث واستمراره عليها فكأنها مختزنَة لا يفرط فيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: كَمُذابِ الرَّصاصِ والنُّحاسِ والفِضَّةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّالِثُ: كَقَيْحٍ مِن دَمٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ ﴾ يَعْنِي كالصُّوفِ المَصْبُوغِ، والمَعْنى أنَّها تَلِينُ بَعْدَ الشِّدَّةِ، وتَتَفَرَّقُ بَعْدَ الِاجْتِماعِ.

﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُبْصِرُ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَتَعارَفُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ المُؤْمِنِينَ يُبْصِرُونَ الكافِرِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ الكافِرِينَ يُبْصِرُونَ الَّذِينَ أضَلُّوهم في النّارِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ يُبْصِرُ المَظْلُومُ ظالِمَهُ، والمَقْتُولُ قاتِلَهُ.

﴿ يَوَدُّ المُجْرِمُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُحِبُّ.

الثّانِي: يَتَمَنّى، والمُجْرِمُ هو الكافِرُ.

﴿ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ ﴾ يَعْنِي يَفْتَدِي مِن عَذابِ جَهَنَّمَ بِأعَزِّ مَن كانَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِن أقارِبِهِ، فَلا يَقْدِرُ.

ثُمَّ ذَكَرَهم فَقالَ: ﴿ بِبَنِيهِ ﴾ ﴿ وَصاحِبَتِهِ ﴾ يَعْنِي زَوْجَتَهُ: ﴿ وَأخِيهِ ﴾ ﴿ وَفَصِيلَتِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَشِيرَتُهُ الَّتِي تَنْصُرُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّها أُمُّهُ الَّتِي تُرَبِّيهِ، قالَهُ مالِكَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَصِيلَةُ دُونَ القَبِيلَةِ.

﴿ الَّتِي تُؤْوِيهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الَّتِي يَأْوِي إلَيْها في نَسَبِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: يَأْوِي إلَيْها في خَوْفِهِ.

﴿ كَلا إنَّها لَظى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها الَّتِي تَتَلَظّى، وهو اشْتِدادُ حَرِّها.

الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ الدَّرْكِ الثّامِنِ في جَهَنَّمَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ نَزّاعَةً لِلشَّوى ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها أطْرافُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، قالَ الشّاعِرُ إذا نَظَرْتَ عَرَفْتَ الفَخْرَ مِنها وعَيْنَيْها ولَمْ تَعْرِفْ شَواها.

الثّانِي: قالَ الضَّحّاكُ: هي جَهَنَّمُ تَفْرِي اللَّحْمَ والجِلْدَ عَنِ العَظْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: جِلْدَةُ الرَّأْسِ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ العَصَبُ والعَقِبُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ مَكارِمُ وجْهِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: أنَّهُ اللَّحْمُ والجِلْدُ الَّذِي عَلى العَظْمِ، لِأنَّ النّارَ تَشْوِيهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ تَدْعُو مَن أدْبَرَ وتَوَلّى ﴾ وفي دُعائِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها تَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ فَتَقُولُ لِلْكافِرِ: يا كافِرُ إلَيَّ، ولِلْمُنافِقِ: يا مُنافِقُ إلَيَّ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: أنَّ مَصِيرَ مَن أدْبَرَ وتَوَلّى إلَيْها، فَكَأنَّها الدّاعِيَةُ لَهم، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ولِقَدْ هَبَطْنا الوادِيَيْنِ فَوادِيًا ∗∗∗ يَدْعُو الأنِيسَ بِهِ العَضِيضُ الأبْكَمُ.

العَضِيضُ الأبْكَمُ: الذُّبابُ، وهو لا يَدْعُو وإنَّما طَنِينُهُ يُنَبِّهُ عَلَيْهِ، فَدَعا إلَيْهِ.

الثّالِثُ: الدّاعِي خَزَنَةُ جَهَنَّمَ أُضِيفَ دُعاؤُهم إلَيْها، لِأنَّهم يَدْعُونَ إلَيْها.

وَفي ما ﴿ أدْبَرَ وتَوَلّى ﴾ عَنْهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أدْبَرَ عَنِ الطّاعَةِ وتَوَلّى عَنِ الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أدْبَرَ عَنِ الإيمانِ وتَوَلّى إلى الكُفْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: أدْبَرَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ وتَوَلّى عَنْ كِتابِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أدْبَرَ عَنِ القَبُولِ وتَوَلّى عَنِ العَمَلِ.

﴿ وَجَمَعَ فَأوْعى ﴾ يَعْنِي الَّذِي أدْبَرَ وتَوَلّى جَمْعَ المالِ فَأوْعى، بِأنْ جَعَلَهُ في وِعاءٍ حِفْظًا لَهُ ومَنعًا لِحَقِّ اللَّهِ مِنهُ، قالَ قَتادَةُ: فَكانَ جَمُوعًا مَنُوعًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن الأعمش رضي الله عنه ﴿ إنهم يرونه بعيداً ﴾ قال: الساعة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنهم يرونه بعيداً ﴾ قال: بتكذيبهم ﴿ ونراه قريباً ﴾ قال: صدقاً كائناً.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن المنذر والخطيب في المتفق والمفترق والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم تكون السماء كالمهل ﴾ قال: إنها الآن خضراء، وإنها تحول يوم القيامة لوناً آخر إلى الحمرة.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ يوم تكون السماء كالمهل ﴾ قال: كدرديّ الزيت وسواد العرق من خوف يوم القيامة، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: تنادى به القسم السموم كأنها ** تبطنت الأقراب من عرق مهلاً وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم تكون السماء كالمهل ﴾ قال: عكر الزيت ﴿ وتكون الجبال كالعهن ﴾ قال: كالصوف، وفي قوله: ﴿ يبصرونهم ﴾ قال: المؤمنون يبصرون الكافرين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً ﴾ قال: شغل كل إنسان بنفسه عن الناس ﴿ يبصرونهم ﴾ قال: تعلمن والله ليعرفن يوم القيامة قوم قوماً، والناس أناس ﴿ يود المجرم لو يفتدي ﴾ الآية قال: يتمنى يوم القيامة لو يفتدي بالأحب فالأحب والأقرب فالأقرب من أهله وعشيرته لتشديد ذلك اليوم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يبصرونهم ﴾ قال: يعرف بعضهم بعضاً، وتعارفون، ثم يفر بعضهم من بعض.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ وفصيلته ﴾ قال: عشيرته.

وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب رضي الله عنه ﴿ وفصيلته التي تؤويه ﴾ قال: قبيلته التي ينتسب إليها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفصيلته ﴾ قال: قبيلته، وفي قوله: ﴿ نزاعة للشوى ﴾ قال: لجلود الرأس ﴿ تدعوا من أدبر وتولى ﴾ قال: عن الحق ﴿ وجمع فأوعى ﴾ قال: جمع المال.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ نزاعة للشوى ﴾ قال: تنزع أم الرأس.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ نزاعة للشوى ﴾ قال: لهامته ومكارم وجهه ﴿ تدعوا من أدبر ﴾ قال: عن طاعة الله تعالى ﴿ وتولى ﴾ قال: عن كتاب الله وعن حقه ﴿ وجمع فأوعى ﴾ قال: كان جموعاً للخبيث.

وأخرج عبد بن حميد عن قرة بن خالد رضي الله عنه ﴿ نزاعة للشوى ﴾ قال: نزاعة للهام تحرق كل شيء منه، ويبقى فؤاده نضجاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ نزاعة للشوى ﴾ الشوى الأطراف.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ نزاعة للشوى ﴾ قال: فروة الرأس.

وأخرج ابن المنذر عن ثابت رضي الله عنه ﴿ نزاعة للشوى ﴾ قال: لمكارم وجه ابن آدم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه ﴿ نزاعة للشوى ﴾ قال: للحم الساقين.

وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه ﴿ نزاعة للشوى ﴾ قال: الأطراف.

وأخرج ابن سعد عن الحكم رضي الله عنه قال: كان عبد الله بن حكيم لا يربط كيسه قال: سمعت الله يقول: ﴿ جمع فأوعى ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ يقال: بصر الرجل بالرجل إذا رآه، وبصَّرته إياه بالتشديد إذا أريته إياه، والضميران يعودان على الحميمين لأنهما في معنى الجمع، والمعنى أن كل حميم يبصر حميمه يوم القيامة فيراه ولكنه لا يسأله ﴿ وَصَاحِبَتِهِ ﴾ يعني امرأته ﴿ وَفَصِيلَتِهِ ﴾ يعني القرابة الأقربين ﴿ تُؤْوِيهِ ﴾ أي تضمه، فيحتمل أن يريد تضمه في الانتماء إليها أو في نصرته وحفظه من المضرات ﴿ ثُمَّ يُنجِيهِ ﴾ الفاعل الافتداء الذي يقتضيه لو يفتدي، وهذا الفعل معطوف على ﴿ لَوْ يَفْتَدِي ﴾ وإنما عطفه بثم إشعاراً ببعد النجاة وامتناعها، ولذلك زجره عن ذلك بقوله: ﴿ كَلاَّ إِنَّهَا لظى ﴾ الضمير للنار لأن العذاب يدل عليها، ويحتمل أن يكون ضمير القصة وفسره بالخبر ولظي علم لجهنم مشتق من اللظى بمعنى اللهب ﴿ نَزَّاعَةً للشوى ﴾ الشوى أطراف الجسد، وقيل: جلد الرأس، فالمعنى أن النار تنزعها ثم تعود، ونزاعة بالرفع بدل من لظى، أو خبر ابتداء مضمر، أوخبر لإنها إن جعلنا لظى منصوباً على التخصيص، أو بدل من الضمير، أو خبر ثاني لإنها إن جعلنا لظى خبر لها، ونزاعةً بالنصب حال ﴿ تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى ﴾ يعني الكفار الذين تولوا عن الإسلام، ودعاؤها لهم عبارة عن أخذها لهم، وقال ابن عباس: تدعوهم حقيقة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وقيل: معناه تهلك، حكاه الخليل عن العرب ﴿ وَجَمَعَ فأوعى ﴾ يقال: أوعيت المال وغيره إذا جمعته في وعاء، فالمعنى جمع المال وجعله في وعاء، وهذه إشارة إلى قوم من إغنياء الكفار جمعوا المال من غير حله ومنعوه من حقه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سأل ﴾ بغير همز مثل باع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة على التذكير: علي ﴿ ولا يسأل ﴾ بضم الياء: البزي من طريق الهاشمي والبرجمي ﴿ يومئذ ﴾ بالفتح على البناء: أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعباس وعلي والشموني والبرجمي ﴿ توويه ﴾ بغير همز: يزيد والأعشى وحمزة في الوقف ﴿ نزاعة ﴾ بالنصب: حفص والمفضل ﴿ يخرجون ﴾ من الإخراج: الأعشى وحمزة في الوقف ﴿ إلى نصب ﴾ بضمتين: ابن عامر وسهل وحفص ﴿ نصب ﴾ بالضم فالسكون: المفضل الباقون: بالفتح والسكون.

الوقوف: ﴿ واقع ﴾ ه لا ﴿ دافع ﴾ ه لا ﴿ المعارج ﴾ ه لا ﴿ سنة ﴾ ج ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ بعيداً ﴾ ه لا ﴿ قريباً ﴾ ه ط ﴿ كالمهل ﴾ ه لا ﴿ كالعهن ﴾ ه لا ﴿ حميماً ﴾ ه ج لأن ما بعده منقطع عنه مستأنف ولكن أصلحوا الوقف على ﴿ يبصرونهم ﴾ ﴿ ببنيه ﴾ ه لا ﴿ وأخيه ﴾ ه ﴿ تؤويه ﴾ ه لا ﴿ جميعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ينجيه ﴾ ه لا ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ لظى ﴾ ه ج لأن من قرأ ﴿ نزاعة ﴾ بالرفع جاز أن يكون بدلاً أو خبر ﴿ لظى ﴾ والضمير في ﴿ أنها ﴾ للقصة أو خبر مبتدأ محذوف.

ومن نصب فعلى الحال المؤكدة أو على الإختصاص.

﴿ للشوى ﴾ ه ص لأن ﴿ يدعو ﴾ يصلح مستأنفاً وبدلاً من ﴿ نزاعة ﴾ ﴿ وتولى ﴾ ه لا ﴿ فأوعى ﴾ ه ﴿ هلوعاً ﴾ ه لا ﴿ جزوعاً ﴾ ه لا ﴿ منوعاً ﴾ ه لا ﴿ المصلين ﴾ ه لا ﴿ دائمون ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه لا ﴿ والمحروم ﴾ ه ص ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ مشفقون ﴾ ه ج ﴿ مأمون ﴾ ه ﴿ حافظون ﴾ ه لا ﴿ ملومين ﴾ ه ج ﴿ العادون ﴾ ه ج ﴿ راعون ﴾ ه لا ﴿ قائمون ﴾ ه ك ﴿ يحافظون ﴾ ه لا ﴿ مكرمون ﴾ ه ط لانقطاع المعنى ﴿ مهطعين ﴾ ه لا ﴿ عزين ﴾ ه ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ لقادرون ﴾ ه ج ﴿ منهم ﴾ ج بناء على أن الواو للحال ﴿ بمسبوقين ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه لأن ما بعد بء دل ﴿ يوقضون ﴾ ه ج لأن ما بعد حال من الضمير ﴿ ذلة ﴾ ط ﴿ يوعدون ﴾ ه.

التفسير: من قرأ ﴿ سأل ﴾ بالهمزة ففيه وجهان: الأول عن ابن عباس أن النضر بن الحرث قال ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة  ﴾ الآية فأنزل الله  ﴿ سأل سائل ﴾ أي دعا داع ولهذا عدي بالباء.

يقال: دعاه بكذا إذا استدعاه وطلبه.

وقال ابن الأنباري: الباء للتأكيد والتقدير: سأل سائل عذاباً لا دافع له البتة.

إما في الآخرة وإما في الدنيا كيوم بدر.

الثاني قال الحسن وقتادة: هو رسول الله  استعجل بعذاب الكافرين، أو سأل عن عذاب.

والباء بمعنى " عن ".

قال ابن الأنباري: أو عنى واهتم بعذاب أنه على من ينزل وبمن يقع، فبين الله  أن هذا واقع بهم فلا دافع له.

والذي يدل على صحة هذا الوجه قوله في آخر الآية ﴿ فاصبر صبراً جميلاً ﴾ ومن قرأ بغير همز فله وجهان أيضاً: الأول أنه مخفف " سأل " وهي لغة قريش والمعاني كما مرت، والآخر أن يكون من السيلان ويعضده قراءة ابن عباس " سال سيل " وهو مصدر في معنى سائل كالفوز بمعنى الفائز.

والمعنى اندفع وأدى عذاب فذهب بهم وأهلكهم أما ﴿ سائل ﴾ فلا يجوز فيه إلا الهمز وفاقاً لأنه إن كان من سأل المهموز فظاهر، وإن كان من غير المهموز انقلبت الياء همزة كما في بائع.

وقوله ﴿ للكافرين ﴾ صفة أخرى للعذاب أي بعذاب واقع، لا محالة كائن للكافرين، أو متعلق بواقع أي نازل لأجلهم، أو كلام مستأنف جواب للسائل الذي سأل: إن العذاب على من ينزل أي هو للكافرين.

والظاهر أن قوله ﴿ من الله ﴾ يتعلق ﴿ بدافع ﴾ أي لا دافع له من جهة الله لأنه قضاء مبرم.

وجوز أن يتصل بواقع أي نازل من عند ﴿ ذي المعارج ﴾ المصاعد.

روى الكلبي عن ابن عباس أنها السموات لأن الملائكة يعرجون فيها.

وقال قتادة: ذي الفواضل والنعم بحسب الأرواح ومراتب الاستحقاق والاستعداد.

وقيل: هي الجنة لأنها درجات.

وقال في التفسير الكبير.

وهي مراتب أرواح الملكية المختلفة بالشدة والضعف وبسببها يصل آثار فيض الله إلى العالم السفلي عادة، أو غير عادة فتلك الأرواحكالمصاعد لمراتب الحاجات التي ترفع إليها، كالمنازل لآثار الرحمة من ذلك العالم إلينا.

قوله ﴿ تعرج الملائكة والروح ﴾ وفي مواضع أخرى يوم يقوم الروح والملائكة.

قيل: إن الروح أعظم الملائكة قدراً وهو أول في درجة نزول الأنوار من جلال الله، ومنه تتشعب إلى أرواح سائر الملائكة والبشر في آخر درجات منازل الأرواح.

وبين الطرفين معارج مراتب أرواح الملائكة ومدارج منازل الأنوار القدسية ولا يعلم تفصيلها إلا الله.

وأما المتكلمون فالجمهور منهم قالوا: إن الروح هو جبريل  .

ولا استدلال لأهل التشبيه في لفظ ﴿ المعارج ﴾ فإنا بينا أنها المراتب.

قووله ﴿ إليه ﴾ إلى عرشه أو حكمه أو إلى حيث تهبط أوامره أو إلى مواضع العز والكرامة.

والأكثرون على أن قوله ﴿ في يوم ﴾ من صلة ﴿ تعرج ﴾ .

أي يحصل العروج في مثل هذا اليوم وهو يوم القيامة.

قال الحسن: يعني من موقفهم للحساب إلى حين يقضي بين العباد خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ثم بعد ذلك يستقر أهل الجنة في الجنة إلى آخر الآية.

والأصح أن هذا الطول إنما يكون للكافر لما "روي عن أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسوله  : ما أطول هذا اليوم؟

فقال: والذي نفسي بيه إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة في الدنيا" .

ومنهم من قال: إن ذلك الموقف وإن طال فقد يكون سبباً لمزيد السرور والراحة للمؤمن.

ومنهم من قال: إن هذه المدة على سبيل التقدير لا على سبيل التحقيق.

والمعنى أنه لو اشتغل بذلك القضاء والحكومة أعقل الناس وأدهاهم لبقي فيه خمسين ألف سنة.

ثم إنه  يتمم ذلك القضاء والحكومة في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا.

وأيضاً الملائكة يعرجون إلى مواضع لو أراد واحد من أهل الدنيا أن يصعد إليها لبقي في ذلك الصعود خمسين ألف سنة ثم إنهم يصعدون إليها في ساعة.

قاله وهب وجماعة من أهل التفسير.

وقال أبو مسلم: إن هذا اليوم الدنيا كلها من أول ما خلق العالم إلى القيامة وفيه يقع عروج الملائكة.

ثم لا يلزم من هذا أن يصير وقت القيامة معلوماً لأنا لا ندري كم مضى وكم بقى.

ومر في " ألم السجدة ".

وقال جمع من المفسرين قوله ﴿ في يوم ﴾ من صلة ﴿ واقع ﴾ أي يقع ذلك العذاب في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم وهو يوم القيامة.

وثم يحتمل أن يكون المراد منه استطالة ذلك اليوم لشدته على الكفار، ويحتمل أن العذاب الذي سأله السائل يكون مقدراً بهذه المدة ثم ينقله الله  إلى نوع آخر من العذاب.

يروى عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس سئل عن هذه الآية وعن قوله ﴿ في يوم كان مقداره ألف سنة ﴾ فقال: أيام سماها الله هو أعلم بها كيف تكون وأكره أن أقول فيها ما لا علم لي به.

وقال وهب في الجواب: من أسفل العالم إلى أعلى شرف العرش مسيرة خمسين ألف سنة، ومن أعلى السماء الدنيا إلى الأرض مسيرة ألف سنة، لأن عرض كل سماء من السموات السبع مسيرة خمسمائة سنة، وبين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة أخرى، فالمراد مقدار ألف سنة لو صعدوا إلى سماء الدنيا ومقدار خمسين ألف سنة لو صعدوا إلى العرش.

وفي قوله ﴿ فاصبر صبراً جميلاً ﴾ تسلية للنبي  كأنه قيل له: إن العذاب قرب وقوعه فاصبر فقد شارفت الانتقام قال الكلبي: هذه الآية نزلت قبل أن يؤمر الرسول بالقتال إنهم يرون العذاب أو يوم القيامة بعيد الأمد بعيداً عن الإمكان ﴿ ونراه قريب ﴾ منه ثم قال ﴿ يوم ﴾ أي اذكر يوم ﴿ تكون السماء كالمهل ﴾ كدرديّ الزيت.

عن ابن مسعود: كالفضة المذابة.

﴿ وتكون الجبال كالعهن ﴾ أي الصوف المصبوغ ألواناً لقوله ﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود  ﴾ وجوز جار الله أن ينتصب ﴿ يوم ﴾ بـ ﴿ قريباً ﴾ أو بإضمار يقع لدلالة واقع عليه، أو يراد به يوم تكون السماء كالمهل كان كيت وكيت، أو هو بدل من يوم القيامة فيمن علقه ﴿ بواقع ﴾ قوله ﴿ ولا يسأل حميم ﴾ من قرأ بفتح الياء فظاهر أي لا يسأله بكيف حالك لاشتغال كل بنفسه، ومن قرأ بالضم فالمعنى لا يسأل حميم عن حميم ليعرف شأنه من جهته كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه فيكون على حذف الجار.

وقال الفراء: لا يقال الحميم أين حميمك.

ثم كان لسائل أن يقول: لعله لا يبصره فلهذا لا يسأل فقال ﴿ يبصرونهم ﴾ ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تسائلهم ويجوز أن يكون صفة أي حميماً مبصرين معرفين إياهم وإنما جمع ضمير الحميم لأنه في معنى الجمع حيث رفع في سياق النفي.

وقيل: إن الملة تتعلق بما بعده والمعنى إن المجرمين يبصرون المؤمنين حال ما يود أحدهم أن يفدي نفسه بكل ما يمكنه فإن الإنسان إذا كان في البلاء ثم رأى عدوه في الرخاء كان ذلك أشد عليه ﴿ وفصيلته ﴾ عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم ﴿ تؤويه ﴾ تضمه إليها للانتماء في النسب أو في إعداد النوائب.

ومعنى ﴿ ثم ﴾ استبعاد الإنجاء عن الافتداء ثم أكد الإستبعاد بقوله ﴿ كلا ﴾ وهو ردع للمجرم عن كونه بحيث يود افتداءه وتنبيه على أنه لا ينفعه ذلك.

والضمير في ﴿ أنها ﴾ للقصة كما ذكرنا أو للنار وإن لم يجر لها ذكر لدلالة العذاب عليها، ويجوز أن يعود إلى العذاب والتأنيث باعتبار الخبر لأن ﴿ لظى ﴾ علم لنار جهنم.

واللظى اللهب الخالص.

والشوى الأطراف وهي اليدان والرجلان، والشوى أيضاً جلد الرأس، الواحدة شواة، قال سعيد بن جبير: العصب والعقب ولحم الساقين اليدين تنزعها نزعاً فتهلكها ثم يعيدها الله  .

وفي قوله ﴿ تدعو ﴾ وجوه منها: أنها تدعوهم بلسان الحال كما قيل: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك فإن لم تجبك جؤاراً أجابتك اعتباراً.

فههنا لما كان مرجع كل من الكفرة إلى دركة من دركات جنهم كأنها تدعوهم إلى نفسها.

ومنها أن الله  يخلق الكلام في جرم النار حتى تقول صريحاً فصيحاً: لي يا كافة الكفرة ثم تلتقطهم التقاط الحب.

ومنها أن يكون على حذف المضاف أي تدعو زبانيتها.

ومنها أن الدعاء بمعنى الإهلاك كقول العرب " دعاه الله " أي أهلكه ﴿ من أدبر ﴾ أي عن الطاعة ﴿ وتولى ﴾ عن الإيمان ﴿ وجمع ﴾ المال حرصاً عليه ﴿ فأوعى ﴾ جعله في وعاء وكنزه فلم يؤد حقوق الله فيه أصلاً وهذه مجامع آفات النفس.

ثم بين أن الإنسان بالطبع مائل إلى الأخلاق الذميمة فقال ﴿ إن الإنسان ﴾ وهو الكافر عند بعضهم والأظهر العموم بدليل الاستثناء عقيبه ﴿ خلق هلوعاً ﴾ والهلع قلة الصبر وشدة الحرص كما فسره الله تعالى بقوله ﴿ إذا مسه الشر ﴾ أي الفقر والمرض ونحوه من المضار ﴿ كان جزوعاً وإذا مسه الخير ﴾ أضداد ذلك ﴿ كان منوعاً ﴾ عن النبي  " شر ما أعطي ابن آدم شح هالع وجبن خالع" قال أهل السنة: الحالة النفسانية التي هي مصدر الأفعال الاختيارية كالجزع والمنع لا شك أنها بخلق الله  .

بل الجزع والمنع أيضاً من خلقه ولا اعتراض لأحد عليه خلق بعض الناس هلوعاً وخلق المستثنين منهم غير هلوع بل مشغولي القلب بأحوال الآخرة، وكل ذلك تصرف منه في ملكه، وقالت المعتزلة: ليس المراد أنه مخلوق على هذا الوصف لأنه  ذكره في معرض الذم والله  لا يذم فعله.

ولأنه  استثنى منهم جماعة جاهدوا أنفسهم وظلفوها عن الشهوات.

ولو كانت ضرورية لم يقدروا على تركها.

والجواب أن الذين خلقهم كلذلك لم يقدروا على الترك والذين تركوها هم الذين خلقوا على هذا الوصف وهم أصناف ثمانية: الأول الذين يداومون على الصلوات والمراد منها أداؤها في أوقاتها، وأما المحافظة عليها فترجع إلى الاهتمام بشأنها وذلك يحصل برعاية أمور سابقة على الصلاة كالوضوء وستر العورة وطلب القبلة وغيرها، حتى إذا جاء وقت الصلاة لم يكن يتعلق القلب بشرائطها وأمور مقارنة للصلاة كالخشوع والاحتراز عن الرياء والإتيان بالنوافل والمكملات، وأمور لاحقة بالصلاة كالاحتراز عن اللغو وما يضاد الطاعة لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فارتكابه المعصية بعد الصلاة دليل على أن تلك الصلاة لم تقع في حيز القبول.

الثاني ﴿ والذين في أموالهم حق ﴾ قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: هو الزكاة المفروضة.

قلت: الدليل عليه وصفه بأنه معلوم واقترانه بإدامة الصلاة، وقال مجاهد وعطاء والنخعي: هو ما سوى الزكاة وإنه على طريق الندب والاستحباب.

قلت: هذا التفسير بما في " الذاريات " أشبه لأنه لم يصف الحق هناك بأنه معلوم ولأنه مدح هناك قوماً بالتزام ما لا يلزمهم كقلة الهجوع والإستغفار بالأسحار.

الثالث ﴿ والذين يصدقون بيوم الدين ﴾ أي يؤمنون بالغيب والجزاء.

الرابع ﴿ والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ﴾ خائفون والمؤمن خائف من التقصير في الطاعة وبعض الفسقة لا يخافون من إرتكاب أنواع الظلم وأصناف المعصية.

ثم أكد ذلك الخوف بقوله ﴿ إن عذاب ربهم غير مأمون ﴾ لأن الأمور بخواتيمها والخاتمة غير مقطوع بها.

الخامس ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون ﴾ إلى قوله ﴿ العادون ﴾ وقد مر في " المؤمنين ".

والسادس ﴿ والذين هم لأماناتم وعهدهم راعون ﴾ وقد مر أيضاً.

السابع ﴿ والذين هم بشهاداتهم قائمون ﴾ من أفرد فلانها مصدر، ومن جمع فللنظر إلى اختلاف الشهادات وكثرة أنواعها.

وأكثر المفسرين قالوا: هي الشهادات عند الحكام يقومون بها بالحق ولا يكتمونها، وهذه من جملة الأمانات خصها بالذكر تنبيهاً على فضلها لأن في إقامتها إحياء للحقوق وفي تركها تضييع لها.

وروى عطاء عن ابن عباس أنها الشهادة بالله أنه واحد لا شريك له.

الثامن ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون ﴾ وقد ذكرناه.

ثم عين مكان هؤلاء بقوله  ﴿ أولئك في جنات مكرمون ﴾ قال المفسرون: كان المشركون يحتفون حول رسول الله  فرقاً يستهزؤن به وبالمؤمنين ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم فنزلت.

﴿ فما للذين كفروا قبلك ﴾ أي نحوك وفي مقابلتك ﴿ مهطعين ﴾ مسرعين مادين أعناقهم إليك ﴿ عزين ﴾ فرقاًً شتى جمع عزة محذوفة العجز وأصلها عزوة لأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى فهم مفترقون.

وجمع بالواو والنون عوضاً عن المحذوف كما مر في ﴿ عضين ﴾ قوله ﴿ كلا ﴾ ردع لهم عن الطمع الفاسد وذلك من وجهين: أحدهما أنهم ينكرون البعث فمن أين لهم هذا الطمع.

والثاني أنهم لم يعدوا لها زاداً من الإيمان والعمل الصالح.

وفي قوله ﴿ إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ رد عليهم من الوجهين فإن من علم أن أوله نطفة لم ينكر البعث، أو من علم أن أوله نطفة مذرة كسائر بني آدم لم يدع التقدم والشرف بلا توسل من الإيمان والعمل الصالح.

ثم بين كمال قدرته على الإيجاد والإعدام مؤكداً بالأقسام وأنه لا يفوته شيء من الممكنات.

ومعنى ﴿ المشارق والمغارب ﴾ قد تقدم في أول " الصافات " و " الرحمن " وإن للشمس في كل يوم من نصف السنة مغرباً ومشرقاً.

وقيل: مشرق كل كوكب ومغربه.

وقيل: المراد أنواع الهدايات والخذلانات.

واختلف فيما وصف الله نفسه بالقدرة لعيه هل خرج إلى الفعل أم لا؟

قال بعضهم: بدل الله بهم الانصار والمهاجرين.

وقال آخرون: بدل الله كفرهم بالإيمان.

وقيل: التبديل بمعنى الإهلاك الكلي لهم وإيجاد آخرين مكانهم ولكنه هددهم بذلك لكي يؤمنوا، ثم زاد في التهديد بأن يخلوا وشأنهم إلى أوان لقاء الجزاء والأجداث القبور كما في " يس ".

ثم شبه إسراعهم إلى الداعي مستبقين بإسراعهم إلى أنصابهم وهي كل ما ينصب فيبعد من دون الله وقد مر في قوله ﴿ وما ذبح على النصب  ﴾ ومعنى ﴿ يوفضون ﴾ يسرعون.

﴿ وترهقهم ذلة ﴾ تغشاهم والباقي ظاهر والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ ﴾ قرئ بتسكين الألف، ومعناه: سال واد بعذاب واقع للكافرين، أي: جرى واد بعذاب واجب.

والقراءة العامّة بالهمزة من السؤال، وتأويله على سؤال القوم العذاب بقولهم: ﴿ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا  ﴾ .

وقيل: هو النضر بن الحارث، سأل ذلك، فقتل يوم بدر بعدما أسر؛ هكذا قال بعض أهل التأويل.

ولكن عندنا [أن] هذا وإن كان في الظاهر خارجاً مخرج السؤال، لكن لم يكن سؤاله هذا لينزل به العذاب في التحقيق، وإنما هذا منه على جهة الاستبعاد بالعذاب والاستهزاء برسول الله  ، [والذي حملهم على الاستبعاد والإنكار هو أنه كان عند أهل مكة: أنه لو كان فيهم نبي، لكانوا هم أحق بالنبوة من رسول الله -  -] لأنهم هم الذي بسطت لهم الدّنيا، وهم الذين لهم نفاذ الكلام في البلاد، ورسول الله  لم تبسط له الدنيا، ولا كان لكلامه فيما بينهم نفاذ، فيظنون بهذا أنهم أقرب منزلة عند الله -  - من النبي  ؛ لأنه لا يستقيم في العقل أن يصل الولي إلى عدوه، ويحسن إليه ويدع صلة وليه ويجفوه، فهذا الظن الذي ذكرنا هو الذي حملهم على تكذيب رسول الله  فيما يخبرهم من حلول العذاب بالتكذيب، وعلى الاستهزاء به، فكان سؤال السائل على جهة الاستبعاد والإنكار للعذاب، لا أن كانوا مقرين به ثمّ استعجلوه.

وذكر أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم انصر أبرنا قسماً، وأوصلنا رحماً، وأقرانا للضيف؛ فكان يدعو بهذا لما عنده: أنه أشرف حالاً وأعلى منزلة عند الله -  - من محمد  وأتباعه، ومن كان هذا شأنه، فهو أولى أن ينصر؛ قال الله -  -: ﴿ وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ، ولو لم يكن عندهم أنهم أقرب منزلة وأحق أن يكونوا أولياء، وإلا لم يكونوا يجترئون أن يسألوا بهذا، فهذه الشبهة التي ذكرناها هي التي أورثت لهم ما ذكرناها من الظن، حتى زعموا أنهم أحق بالرسالة، وظنهم هذا يتولد من ظن إبليس، وذلك أن إبليس قال: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ ؛ فظن أن أمر الفاضل للمفضول بالسجود في الخضوع له خارج عن حد الحكمة؛ فصار إلى ما صار إليه من الخزي واللعن، فكذلك هؤلاء لما رأوا من نفاذ كلمتهم وسعتهم في الدنيا ظنوا أنهم أقرب إلى الله -  - إذ التوسع عندهم دلالة الولاية والقرب.

ثم سفههم هو الذي حملهم على التكبّر على رسول الله  وترك الخضوع، وإلا لو أعطوا النصفة من أنفسهم، لكان يجب أن يكونوا هم أطوع خلق الله -  - لأن الواجب على من كثرت عليه النعم من آخر أن يكون هو أشكر للنعم، وأطوع له فيما يدعوه إليه من الذي قلَّت نعمه عليه، فإذا كانوا مقرين أن نعم الله عليهم أكثر، وإحسانه إليهم أوفر، أوجب ما ذكروا أن يكونوا هم ألزم لطاعته، وآخذ لما يأمرهم به، وكذلك إبليس اللعين إذا رأى لنفسه فضلا، وإنما استوجب ذلك بما أنعم الله - عز وجل - عليه، كان الحق عليه أن يتسارع إلى طاعته وينقاد لما أمر به؛ لا أن يظهر الخلاف من نفسه وترك الائتمار بأمره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ أي: هو واقع بهم لا محالة في علم الله  .

أو ﴿ وَاقِعٍ ﴾ بمعنى: سيقع، كما يقال: قابل: أي: سيقبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴾ فإن كان قوله: ﴿ لِّلْكَافِرِينَ ﴾ صلة قوله: ﴿ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ ، فحقه أن يقول: على الكافرين، ولكن اللام من حروف الإضافة والخفض، وحروف الإضافة مما [يستبدل بعضها ببعض]؛ فجعل اللام بدلا عن "على".

وإن كان قوله: ﴿ لِّلْكَافِرِينَ ﴾ صلة قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴾ فمعناه: أن ليس على الكافرين دافع لعذاب الله - عز وجل - بل واقع بهم لا محالة، فأبدلت اللام مكان "عن"؛ لأنهما جميعاً من حروف الخفض.

وقد يدفع العذاب عن المسلمين من وجوه: إما برحمة الله -  - أو بشفاعة الرسل والأخيار، وإما بحسنات سبقت منهم، توجب تكفير سيئاتهم.

فأما الكفار فلا تنالهم رحمته، ولا شفاعة أحد من الخلائق، وليست لهم حسنات تكفر سيئاتهم، فليس لهم ما يدفع عنهم العذاب.

وجائز أن يكون معناه: أن الذين ظنوا أنه ينصرهم عند النوائب وحلول الشدائد، لا يقوم بنصرهم، ولا يشفع لهم؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، ويعبدون الملائكة على رجاء أن يشفعوا لهم، ويقربوهم إلى الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلْمَعَارِجِ ﴾ أي: ذلك العذاب لهم من الله -  - ذي المعارج؛ أي: [من] له المعارج؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ  ﴾ أي: الذي له العرش.

واختلفوا في المعارج: قال بعضهم: هي المصاعد، وهي السماوات، وسمّاهن مصاعد؛ لأن بعضها أصعد من بعض وأرفع، ولو قال: ذي المسافل، كان مستقيماً، واقتضى ما يقتضي قوله: ذي المعارج؛ لأن بعضها إذا كان أصعد [من بعض؛ فالذي] تحتها أهبط وأسفل، ولكن ذكر المصاعد؛ لأن هذا أعلى في الوصف.

ثم في ذكر هذا عظيم نعمه وإحسانه إلى خلقه؛ حيث خلق السماوات والأرض مسكناً لأهلها، وبسط الأرض مسكناً لأهلها، حتى إذا عرفوا هذا عرفوا أن له أن يفضل بعضاً على بعض، وله أن يصطفي من يشاء من الناس للرسالة ويختص بها.

وذكرهم - أيضاً - حكمته وعلمه وقدرته وسلطانه حيث وضع سماء على سماء، وخلقهن طباقاً من غير عمد تحتها تمسكها، أو علائق من فوقها تربطها، فتبين أنه يمسكها بحكمته وقدرته وسلطانه؛ فيكون في ذكر كل وجه مما ذكرنا إزالة الشبهة التي اعترضت لهم في أمر البعث والرسالة وإيضاح بأن من قدر على ما ذكرنا لقادر على الإعادة بعد الإفناء.

وقيل: المعارج: المعالي، أي: الذي له العلو والرفعة، كما قلنا في قوله: الحمد لله، أي: لا أحد يستحق الحمد في الحقيقة، وما حمد أحد إلا وذلك في الحقيقة لله -  - لأنه به استفاده، فعلى ذلك قولنا: له العلو والرفعة، أي: ليس أحد يستفيد العلو والكرامة إلا وحقيقة ذلك لله -  - لأنه استفاده به.

والثاني: أي: هو الموصوف بالعلو والجلال عما يقع عليه أوهام الخلق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾ يحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿ تَعْرُجُ ﴾ ليس عن هبوط يصعد ويعرج، لكن أنشأهم كذلك معروجين؛ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ  ﴾ ، أي: أنشأهم كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا  ﴾ ليس أنها كانت في موضع منحط فرفعها، لكنه كذلك خلقها مرفوعة؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ ﴾ ، أي: أنشأهم كذلك ليستعملهم ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ .

ووجه آخر - وهو الأشبه بالآية -: وهو ما قالوا: إن الملائكة تعرج إليه؛ أي: إلى الموضع الذي منه أرسلهم إلى أنواع الأمور في يوم لو قدر ذلك العروج بعروج البشر وسيرهم، لكان مقدار خمسين ألف سنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ  ﴾ ، فيحتمل أن يكون هذا الوقت وقت تقدير عروج الملائكة وصعودهم، وهو أن البعض ينزل منهم، ثم يعرج في يوم واحد، مقدار ذلك المسير ألف عام، والبعض منهم ينزل ويعرج في يوم واحد مسيرة خمسين ألف سنة؛ فيكون في هذا إبانة أن ليس أهل سماء أحق أن يدور عليهم تدبير أهل الأرض من أهل سماء؛ بل ينزل أهل سماء إلى [أهل] الأرض مرة؛ لما يراد من تدبير، وينزل أهل سماء أخرى بتدبير آخر، ثم [من] أي سماء يرسل، فهو يصعد إلى تلك السماء [في] يوم واحد، إن أرسل من السماء السابعة أو السادسة أو الأولى، فهو يصعد إليها في ذلك اليوم، فيكون في هذا تبيين قوة بعض الملائكة على بعض: أن فيهم من يسير مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد، وفيهم من يسير مسيرة ألف سنة، ومن قدر على أن يخلق في خلق من خلائقه من القوة ما يقطع هذه المسافة في يوم واحد، لا يحتمل أن يعجزه شيء؛ فيكون في ذكر هذا تحقيق كون ما به هول أمر القيامة والبعث.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ راجعا إلى يوم القيامة، فذكر في موضع أن مقداره ألف سنة، وذكر هاهنا أن مقداره خمسين ألف سنة، والأصل أن ذلك اليوم ليس بذي حد ولا له غاية ينتهي إليها، فما يخبر من الحد فيه، فهو يخرج مخرج تعظيم ذلك اليوم؛ ليقع به التهويل والتقريع، فبأي شيء يعظم ذكره في القلوب [يذكره]؛ فمرة ذكره بالخلود، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ  ﴾ ، ومرة قال: ﴿ لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً  ﴾ ، ومرة قال: ﴿ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ، ومرة قال: ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ  ﴾ ، إذ هذه الأشياء مما يعظم [ذكرها] في القلوب، وكذلك الألف هي عظيمة في القلوب، فإذا كانت هذه الأشياء يعظم ذكرها في القلوب فذكر الشيء الواحد من الجملة أو ذكر الأشياء يقتضي معنى واحدا.

ومنهم من يصرف الألف إلى تقدير عروج الخلائق إلى السماء في ذلك اليوم، ويصرف قوله: ﴿ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ إلى تقدير المقام للحساب قبل أن يدخلوا النار.

وجائز أن يكون تأويله على ما ذكره بعض أهل التفسير، وهو أن الله  لو جعل حساب الخلق يومئذ إلى الخلق، فتكلفوا أن يفرغوا من حسابهم، لمن يفرغوا [منه] إلا في مقدار خمسين ألف سنة، لكن الله  بلطفه يحاسبهم حسابا يفرغون منه في أدنى وقت حتى يصير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار في النار؛ على ما جاء في الأخبار، وذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ  ﴾ .

فإن قيل في قوله - عز وجل -: ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ  ﴾ ، أن كيف قدر ذلك بصعودنا، ونحن لم يمكن [لنا] من الصعود، ولم ننشأ على ما في طبعنا إنشاء الصعود حتى ننظر: أنه ألف سنة أو أقل أو أكثر.

وجوابه أن يقال: إن تأويله - والله أعلم -: أنه لو بسط ما بين السماء والأرض، وصار بحيث يمكن السير عليه، لم يقطع ذلك المسير إذا احتجنا إلى قطعه إلا بألف سنة مما تعدون.

وجائز أن يكون تأويله: أن لو جُعل لنا إلى السماء بابٌ، وفتح، وظللنا نعرج إليها لم نتوصل إليها إلا في ألف عام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ﴾ ، قيل: الصبر الجميل هو صبر لا جزع فيه، والصبر الذي لا جزع فيه هو أن يصبر صبرا لا يرى عليه أثر الصبر، بألا يظهر في وجهه كراهة، ولا عبوسة، وهو أن ينظر إلى من آذاه بعين الرضا والشفقة، ليس بعين السخط والكراهة.

أو الصبر الجميل ألا يكافئهم، ولا يدع شفقته ورحمته [عليهم] بما يؤذونه، [وقد كان -  - كذلك مشفقاً] بهم رحيما، حتى بلغت شفقته ورحمته وحزنه على كفار قومه مبلغا كادت نفسه تهلك فيها، كما قال [الله]  : ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ  ﴾ ، فالرسل - عليهم السلام - كانوا إذا أوذوا لم يكونوا يحزنون لمكان أنفسهم بما أوذوا، بل كانوا يحزنون لمكان من يؤذيهم خوفا من أن يحل بهم الهلاك والبوار بإيذائهم رسل الله  ، وإشفاقهم على قومهم هو الذي كان يحزنهم؛ [ليس سوء] صنيعهم ومعاملتهم معهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ﴾ ، أي: بعيدا أن يكون، فيكون على النفي والإنكار، وقد يستعمل هذا الحرف في موضع النفي؛ يقول الرجل في المناظرة لصاحبه: أبعدت في القول؛ إذا أجاب شيء لا ثبات له ولا صحة، فيريد بقوله: "أبعدت": النفي؛ أي: ليس كما تقول، وقال الله  : ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ  ﴾ ، ومعناه على [نفي النداء]؛ أي: لا ينادون.

أو أن يكون قوله: ﴿ بَعِيداً ﴾ أي: مستبعدا كونه، فبعد عن أوهامهم حتى أنكروه.

﴿ وَنَرَاهُ قَرِيباً ﴾ ، أي: قريبا كونه، إن كان معنى قوله: ﴿ بَعِيداً ﴾ أي: بعيدا كونه.

أو ﴿ وَنَرَاهُ قَرِيباً ﴾ ، أي: كائنا، وقد قرب وقت وقوع ذلك بهم، وكل ما هو كائن فهو قريب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ ﴾ ، فكأنهم سألوا رسول الله  عن الوقت الذي وعدوا أن يقع بهم العذاب متى وقته؟

فنزلت [هذه] الآية: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ ﴾ .

وقيل: المهل: عكر الزيت، وهو درديّه؛ فجائز أن يكون هذا على التحقيق، وهو أنها تتغير في ذلك اليوم من لون إلى لون، فتحمر مرة، وتصفر أخرى؛ لشدة هول ذلك اليوم، فتكون كدردي الزيت لينا ولونا متغيرا من حال إلى حال.

وجائز ألا يحل بها التغير، ولكن شدة ما ينزل بالمرء من الهول والفزع يضعف بصره حتى يرى السماء على خلاف اللون الذي هي عليه، وهو كما يرى المرء إذا حل به الضعف والمرض في الشاهد، ووجد طعم الأشياء على خلاف ما هي عليها؛ فيكون في ذكر هذا تهويل وتفزيع أن هول ذلك اليوم شديد لا تقوم لهوله السماوات والأرضون مع صلابتها وغلظها في نفسها، فكيف يقوم لهولها الآدمي الموصوف بالضعف واللين.

وجائز [أن تكون] على ما ذكرنا أنها تصير شبيهة بالمهل؛ للينها [ورخاوتها، وهو] أنها تلين وترخو من هول ذلك اليوم حتى تصير السماء كالمهل، والجبال كالعهن؛ فيكون في هذا - أيضا - تهويل؛ ليرجعوا عما هم عليه ويقبلوا على عبادة الله  ، ويتسارعوا إلى طاعته.

وتأويل العهن، ووجه تشبيه الجبال بها يذكر بعد هذا في قوله - عز وجل -: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ﴾ قرئ برفع الياء ونصبها، فمن رفع الياء فتأويله: أي: لا يطلب حميم من حميم، ولا يؤخذ بمكانه كما يفعل مثله في الدنيا؛ لأن ذلك اليوم هو يوم العدل، وليس من العدل أن يؤخذ الغير بذنب الغير.

ومن قرأه بالنصب فتأويله: ألا يسأل حميم حميما من شدة ذلك اليوم وهوله النصرة والشفاعة.

أو لا يسأل عن حاله بما حل [به] من الشغل في نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ ﴾ يحتمل أن يُعَرَّف بعضهم عن بعض أن هذا أبوك وابنك وحميمك؛ إذ لا يعرفه إلا بالتعريف؛ لما حل به من شدة الهول والفزع، ثم إذا عرفوا لا يسألونهم؛ بل يفر بعضهم من بعض، كما قال  : ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴾ الآية [عبس: 34].

أو يكون معناه: أن يبصروا ما سبق منهم من الذنوب والأجرام، فيعرفونها، وتصير لهم حاضرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ ففي هذا أنه يستقبلهم في ذلك هول وفزع لم يكن لهم بمثله عهد في الدنيا، ولا كان خطر ببالهم ذلك؛ لأن المرء لا يبلغ به الهول في الدنيا مبلغا يود أن يفتدي به ببنيه وصاحبته، وأخيه، وأقربائه، وجميع من في الأرض؛ فيكون فيه إخبار عن شدة هول ذلك اليوم؛ ليحمل الناس على الإنابة [إلى الله]  والانتهاء عما نهاهم عنه.

ثم بدأ بذكر البنين والأقربين وأنهاه بالأبعدين، وحق هذا أن يبدأ بالأبعدين، ثم يختم بذكر الأقربين؛ لأن المرء قد تسخو نفسه بفداء الأبعدين، ويضن ببذل الأقربين فداء، فإذا سخت أنفسهم في ذلك اليوم بفداء البنين والأقربين فلأن تسخو بفداء الأبعدين أحق، وإذا كان كذلك فغاية التهويل والتفزيع أن يبدأ بذكر الأباعد، ويختم بذكر الأقارب، فكيف ابتدأ بذكر الأقربين؟

فجوابه من وجهين: أحدهما: أنه إنما يتوصل إلى فداء أهل الأرض إذا كان له عليهم ملك وكانوا بأجمعهم له، وإذا كانوا جميعا له ملكا، كانت شفقته على ملكه وأولاده واحدة أو أكثر، فكما يضن ببذل أولاده، وأن يكونوا عنه [فداء]، فكذلك يضن بالأباعد إذا كانوا جميعا ملكا له؛ فلذلك استقام أن يبدأ بذكر الأقربين قبل الأبعدين، إذ كل ذلك يستوي في التهويل والتفزيع، والله أعلم.

وجائز أن يكون ذكر الأقربين وذكر أهل الأرض ليس على جهة الأولى، ولكنه ذكر الآحاد أولا، ثم ذكر الجماعة ثم ذكر جماعة الجماعة؛ ليعلموا ألا ينفعهم الفداء في ذلك اليوم، وأن الذين ودوا الفداء؛ ليتخلصوا من عذاب الله  لا يشتد عليهم ما فدوا، وإن كان ذلك ملء الأرض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يُنجِيهِ ﴾ رد وتنبيه ألا ينجيه ذلك اليوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ ﴾ الآية، فاللظى: اسم من أسماء النار، والشوى: قيل: [هي] مكارم خلقه.

وقيل: هي القوائم والأطراف.

وقيل: هي الجلود.

والأصل أن نار جهنم تعمل على أصحابها كل قبيح وكل مستشنع مستفظع، فإن شئت صرفت ذلك إلى الأرجل، وإن شئت إلى الجلود، وإن شئت إلى مكارم خلقه الأخلاق؛ لأن التقبيح في كل ذلك موجود، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ  ﴾ فقيل في تأويل المطهرة وجوه.

إحداها: أنهن مطهرات من العيوب والآفات، [وجملته]: أنه ما من شيء يستحسن ويستقبح من خلق أو نفس أو معاملة إلا وهن مطهرات من ذلك، وما من شيء يستشنع ويستفظع إلا وذلك في أهل النار موجود.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ فجائز أن يكون الدعاء منها على التحقيق، وهو أن يجعل الله  [لها] باللطف لسانا تدعو به، أو يخلق فيها الكلام من غير لسان، فتقول: إليّ، إليّ.

وجائز أن يكون [هذا] على التمثيل، وهو أنها لا تدع أحدا يفر عنها، ويتخلص من عذابها، فكأنها دعته إلى نفسها.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ مَنْ أَدْبَرَ ﴾ ، أي: من كان أدبر في الدنيا [عن] طاعة الله  ، وتولى عن الإجابة لرسله؛ كقوله  : ﴿ تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا  ﴾ أي: أعرض.

أو أدبر عن توحيده، وتولى عن النظر في حجته، وفيما جاء من عنده.

ويحتمل قوله: ﴿ أَدْبَرَ ﴾ ، أي: أدبر عن طاعة الله - عز وجل -، ﴿ وَتَوَلَّىٰ ﴾ أي: تولى الشيطان، من الولاية.

وجائز أن يكون أدبر في جهنم، فيدبر رجاء أن يفر عنها، ويتولى؛ فلا تدعه النار ليفر؛ بل تغشاه عن الإعراض، كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ  ﴾ ، ولكن هذا قريب من الأول؛ لأن من تولى عن ذكر الله فقد تولى الشيطان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ ﴾ يخبر بقوله: ﴿ وَجَمَعَ ﴾ عمَّا جبل عليه من شدة الحرص على الدنيا؛ فيكون الجمع كناية عن الحرص، فبلغ به هذا الحرص مبلغا أنساه ذكر الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْعَىٰ ﴾ فيه بيان صفته فيما عليه من النهاية في البخل، فيكون الإيعاء كناية عن البخل حتى لم يؤد حق الله  في ماله، أو لم يقم بشكر ما لله  من النعم، أو بلغ به البخل مبلغا منعه ذلك عن قبول حق الله  في ماله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وجَمَع المال، وضنّ بالإنفاق منه في سبيل الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.leZOz"

مزيد من التفاسير لسورة المعارج

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله