الإسلام > القرآن > سور > سورة 70 المعارج > الآية ٤١ من سورة المعارج
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 68 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤١ من سورة المعارج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
(على أن نبدل خيرا منهم ) أي : يوم القيامة نعيدهم بأبدان خير من هذه ، فإن قدرته صالحة لذلك ، ( وما نحن بمسبوقين ) أي : بعاجزين .
كما قال تعالى : ( أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) [ القيامة : 3 ، 4 ] .
وقال تعالى : ( نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ) [ الواقعة : 6 ، 61 ] .
واختار ابن جرير ( على أن نبدل خيرا منهم ) أي : أمة تطيعنا ولا تعصينا وجعلها ، كقوله : ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) [ محمد : 38 ] .
والمعنى الأول أظهر لدلالة الآيات الأخر عليه ، والله أعلم .
( إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ ) يقول : إنا لقادرون على أن نهلكهم، ونأتي بخير منهم من الخلق يطيعونني ولا يعصونني، (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) يقول تعالى ذكره: وما يفوتنا منهم أحد بأمر نريده منه، فيعجزنا هربا .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، قال، قال ابن عباس: إن الشمس تطلع كلّ سنة في ثلاث مئة وستين كوّة، تطلع كلّ يوم في كوّة، لا ترجع إلى تلك الكوّة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، تقول: ربّ لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك، يعملون بمعاصيك أراهم، قال أولم تسمعوا إلى قول أمية بن أبي الصلت: حتى تُجَرَّ وتُجْلَدَ (1) قلت: يا مولاه وتجلد الشمس ؟
فقال: عضضت بهن أبيك، إنما اضطره الروّي إلى الجلد.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثني ابن عمارة، عن عكرِمة، عن ابن عباس في &; 23-623 &; قول الله: (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ ) قال: إن الشمس تطلع من ثلاث مئة وستين مطلعا، تطلع كُلّ يوم من مطلع لا تعود فيه إلى قابل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، قال عكرمة: فقلت له: قد قال الشاعر: حتى تُجَرَّ وتُجْلَدَ قال: فقال ابن عباس: عضضت بهن أبيك، إنما اضطره الرويّ.
حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر، قال: أخبرنا شعبة، قال: أخبرنا عمارة، عن عكرِمة، عن ابن عباس: إن الشمس تطلع في ثلاث مئة وستين كوّة، فإذا طلعت في كوّة لم تطلع منها حتى العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ ) قال: هو مطلع الشمس ومغربها، ومطلع القمر ومغربه.
إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم يقول : نقدر على إهلاكهم والذهاب بهم والمجيء بخير منهم في الفضل والطوع والمال .وما نحن بمسبوقين أي لا يفوتنا شيء ولا يعجزنا أمر نريده .
وقدرته على تبديل أمثالهم، وهم بأعيانهم، كما قال تعالى: { وَنُنْشِئَكُمْ فِيمَا لَا تَعْلَمُونَ } .{ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } أي: ما أحد يسبقنا ويفوتنا ويعجزنا إذا أردنا أن نعيده.
فإذا تقرر البعث والجزاء، واستمروا على تكذيبهم، وعدم انقيادهم لآيات الله.
"على أن نبدل خيراً منهم"، على أن نخلق أمثل منهم وأطوع لله ورسوله، "وما نحن بمسبوقين".
«على أن نبدل» نأتي بدلهم «خيرا منهم وما نحن بمسبوقين» بعاجزين عن ذلك.
فلا أقسم برب مشارق الشمس والكواكب ومغاربها، إنا لقادرون على أن نستبدل بهم قومًا أفضل منهم وأطوع لله، وما أحد يسبقنا ويفوتنا ويعجزنا إذا أردنا أن نعيده.
( على أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ )أى : على أن نخلق خلقا آخر خيرا منهم ونهلك هؤلاء المجرمين إهلاكا تاما .
.
أو على أن نبدل ذواتهم ، فنخلقهم خلقا جديدا يكون خيرا من خلقهم الذى هو عليه .
.
فإن قدرتنا لا يعجزها شئ .وقوله ( وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) معطوف على جواب القسم ومؤكد له .
أى : إنا لقادرون على ذلك ، وما نحن بمغلوبين أو عاجزين عن أن نأتى بقوم آخرين خير منهم .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( ياأيها الناس أَنتُمُ الفقرآء إِلَى الله والله هُوَ الغني الحميد .
إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ .
وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ ) وقوله - سبحانه - ( .
.
.
وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم ) ، والمقصود بهذه الآيات الكريمة تهديد المشركين وبيان أن قدرته - تعالى - لا يعجزها شئ .
يعني مشرق كل يوم من السنة ومغربه أو مشرق كل كوكب ومغربه، أو المراد بالمشرق ظهور دعوة كل نبي وبالمغرب موته أو المراد أنواع الهدايات والخذلانات ﴿ إِنَّا لقادرون على أَن نُّبَدّلَ خَيْراً مّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ وهو مفسر في قوله: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ وقوله: ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ ﴾ مفسر في آخر سورة والطور، واختلفوا في أن ما وصف الله بالقدرة عليه من ذلك هل خرج إلى الفعل أم لا؟
فقال بعضهم: بدل الله بهم الأنصار والمهاجرين فإن حالتهم في نصرة الرسول مشهورة، وقال آخرون بل بدل الله كفر بعضهم بالإيمان، وقال بعضهم: لم يقع هذا التبديل، فإنهم أو أكثرهم بقوا على جملة كفرهم إلى أن ماتوا، وإنما كان يصح وقوع التبديل بهم لو أهلكوا، لأن مراده تعالى بقوله: ﴿ إِنَّا لقادرون على أَن نُّبَدّلَ خَيْراً مّنْهُمْ ﴾ بطريق الإهلاك، فإذا لم يحصل ذلك فكيف يحكم بأن ذلك قد وقع، وإنما هدد تعالى القوم بذلك لكي يؤمنوا.
<div class="verse-tafsir"
كان المشركون يحتفون حول النبي صلى الله عليه وسلم حلقاً حلقاً وفرقاً فرقاً، يستمعون ويستهزؤون بكلامه.
ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم، فنزلت ﴿ مُهْطِعِينَ ﴾ مسرعين نحوك، مادّي أعناقهم إليك، مقبلين بأبصارهم عليك ﴿ عِزِينَ ﴾ فرقا شتى جمع عزة، وأصلها عزوة، كأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى: فهم مفترقون.
قال الكميت.
وَنَحْنُ وَجَنْدَلٌ بَاغٍ تَرَكْنَا ** كَتَائِبَ جَنْدَكٍ شَتَّى عِزِيناً وقيل: كان المستهزؤون خمسة أرهط ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع لهم عن طمعهم في دخول الجنة، ثم علل ذلك بقوله: ﴿ إِنَّا خلقناهم مّمَّا يَعْلَمُونَ ﴾ إلى آخر السورة، وهو كلام دال على إنكارهم البعث، فكانه قال: كلا إنهم منكرون للبعث والجزاء؛ فمن أين يطعمون في دخول الجنة؟
فإن قلت: من أي وجه دل هذا الكلام على إنكار البعث؟
قلت: من حيث أنه احتجاج عليهم بالنشأة الأولى، كالاحتجاج بها عليهم في مواضع من التنزيل، وذلك قوله: ﴿ خلقناهم مّمَّا يَعْلَمُونَ ﴾ أي من النطف، وبالقدرة على أن يهلكهم ويبدل ناساً خيراً منهم، وأنه ليس بمسبوق على ما يريد تكوينه لا يعجزه شيء، والغرض أن من قدر على ذلك لم تعجزه الإعادة.
ويجوز أن يراد: إنا خلقناهم مما يعلمون، أي: من النطفة المذرة، وهي منصبهم الذي لا منصب أوضع منه.
ولذلك أبهم وأخفى: إشعاراً بأنه منصب يستحيا من ذكره، فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم ويقولون: لندخلن الجنة قبلهم.
وقيل: معناه إنا خلقناهم من نطفة كما خلقنا بني آدم كلهم، ومن حكمنا أن لا يدخل أحد منهم الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، فلم يطمع أن يدخلها من ليس له إيمان وعمل.
وقرئ: ﴿ برب المشرق والمغرب ﴾ ويخرجون، ويخرجون ومن الأجداث سراعاً، بالإظهار والإدغام.
ونصب، ونصب: وهو كل ما نصب فعبد من دون الله ﴿ يُوفِضُونَ ﴾ يسرعون إلى الداعي مستبقين كما كانوا يستبقون إلى أنصابهم.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة سأل سائل أعطاه الله ثواب الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون» .
﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ هَذا الطَّمَعِ ﴿ إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ والمَعْنى أنَّهم مُخْلَقُونَ مِن نُطْفَةٍ مَذِرَةٍ لا تُناسِبُ عالَمَ القُدْسِ فَمَن لَمْ يَسْتَكْمِلْ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ولَمْ يَتَخَلَّقْ بِالأخْلاقِ المَلَكِيَّةِ لَمْ يَسْتَعِدَّ لِدُخُولِها أوْ إنَّكم مَخْلُوقُونَ مِن أجْلِ ما تَعْلَمُونَ وهو تَكْمِيلُ النَّفْسِ بِالعِلْمِ والعَمَلِ فَمَن لَمْ يَسْتَكْمِلْها لَمْ يَتَبَوَّأْ في مَنازِلِ الكامِلِينَ أوِ الِاسْتِدْلالُ بِالنَّشْأةِ الأُولى عَلى إمْكانِ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ الَّتِي بَنَوُا الطَّمَعَ عَلى فَرْضِها فَرْضًا مُسْتَحِيلًا عِنْدَهم بَعْدَ رَدْعِهِمْ عَنْهُ.
﴿ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ ﴾ ﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ ﴾ أيْ نُهْلِكَهم ونَأْتِيَ بِخَلْقٍ أمْثَلَ مِنهم أوْ نُعْطِيَ مُحَمَّدًا بَدَلَكم مَن هو خَيْرٌ مِنكم وهُمُ الأنْصارُ.
﴿ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ بِمَغْلُوبِينَ إنْ أرَدْنا ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
{على أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مّنْهُمْ} على أن نهلكم ونأتي بخلق أمثل منهم وأطوع لله {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} بعاجزين
﴿ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ ﴾ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْنا مِن أنَّ خَلْقَهم مِمّا يَعْلَمُونَ وهو النُّطْفَةُ القَذِرَةُ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ ﴿ إنّا لَقادِرُونَ ﴾ ﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ ﴾ أيْ نُهْلِكُهم بِالمَرَّةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ جِناياتُهم ونَأْتِي بَدَلَهم بِخَلْقٍ آخَرِينَ.
لَيْسُوا عَلى صِفَتِهِمْ ﴿ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ أيْ بِمَغْلُوبِينَ إنْ أرَدْنا ذَلِكَ لَكِنَّ مَشِيئَتَنا المَبْنِيَّةَ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ اقْتَضَتْ تَأْخِيرَ عُقُوباتِهِمْ وفِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ ولَعَلَّ الأقْرَبَ كَوْنُهُ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لَكِنْ عَلى وجْهٍ قَرَّرَ بِهِ صاحِبُ الكَشْفِ كَلامَ الكَشّافِ فَقالَ أرادَ أنَّهُ رَدْعٌ عَنِ الطَّمَعِ مُعَلِّلٌ بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ مِن حَيْثُ إنَّ ذِكْرَ دَلِيلِهِ إنَّما يَكُونُ مَعَ المُنْكِرِ فَأُقِيمَ عِلَّةُ العِلَّةِ مَقامَ العِلَّةِ مُبالَغَةً لَمّا حُكِيَ عَنْهم طَمَعُ دُخُولِ الجَنَّةِ.
ومِنَ البَدِيهِيِّ أنَّهُ يُنافِي حالَ مَن لا يُثْبِتُها فَكَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ يُنْكِرُ البَعْثَ ( فَأنّى ) يَتَّجِهُ طَمَعُهُ واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِخَلْقِهِمْ أوَّلًا وبِقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى خَلْقِ مِثْلِهِمْ ثانِيًا وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَنْبِيهٌ عَلى مَكانِ مُناقَضَتِهِمْ فَإنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِالسّاعَةِ والطَّمَعَ في دُخُولِ الجَنَّةِ مِمّا يَتَنافَيانِ ووَجْهُ أقْرَبِيَّتِهِ قُوَّةُ الِارْتِباطِ بِما سَبَقَ عَلَيْهِ وهو في الحَقِيقَةِ أبْعَدُ مَغْزًى ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ما قِيلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ إنّا لَقادِرُونَ ﴾ ﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ ﴾ إلَخِ أنَّ مَعْناهُ ﴿ إنّا لَقادِرُونَ ﴾ عَلى أنْ نُعْطِيَ مُحَمَّدًا مَن هو خَيْرٌ مِنهم وهُمُ الأنْصارُ لَيْسَ بِذاكَ وفي التَّعْبِيرِ عَنْ مادَّةِ خَلْقِهِمْ بِما يَعْلَمُونَ مِمّا يَكْسِرُ سَوْرَةَ المُتَكَبِّرِينَ ما لا يَخْفى والمُرادُ بِالمَشارِقِ والمَغارِبِ مَشارِقُ الشَّمْسِ المِائَةُ والثَّمانُونَ ومَغارِبُها كَذَلِكَ أوْ مَشارِقُ ومَغارِبُ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أوْ مَشارِقُ الكَواكِبِ ومَغارِبُها مُطْلَقًا كَما قِيلَ وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ رَبُّ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها والكَلامُ فِي ﴿ فَلا أُقْسِمُ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ وقَرَأ قَوْمٌ «فَلا قَسَمَ» بَلاءٍ دُونَ ألْفٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ «المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» مُفْرَدَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ يعني: حولك ويقال: عندك ناظرين.
والمهطع: المقبل ببصره على الشيء.
كانوا ينظرون إليه نظرة عداوة يعني: كفار مكة.
وإنما قولهم مُهْطِعِينَ نصباً على الحال.
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ يعني: حلقاً حلقاً جلوساً لا يدنون منه، فينتفعون بمجلسه.
ويقال: عِزِينَ يعني: متفرقين.
وروى تميم، عن طرفة، عن جابر بن سمرة قال: دخل علينا رسول الله ونحن جلوس متفرقين، فقال: «مَا لِي أرَاكُمْ عِزِينَ؟» يعني: متفرقين أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ يعني: يتمنى كل واحد منهم أن يدخل الجنة، كما يدخل المسلمون.
قال الله تعالى: كَلَّا يعني: لا يدخلون ما داموا على كفرهم.
ثم قال: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ يعني: من النطفة وقال الزجاج: معناه أنهم خلقوا مِّن تُرَابٍ، ثُمَّ مِن نطفة.
فأي شيء لهم يدخلون به الجنة؟
ويقال: إنا خلقناهم مما يعلمون، فبماذا يتكبرون ويتجبرون؟
ثم قال عز وجل: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ يعني: أقسم برب المشارق وقال في آية: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
وإنما أراد به الناحية التي تطلع الشمس، والناحية التي تغرب الشمس منها.
وقال في آية أخرى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ يعني: مشرق الشتاء ومشرق الصيف، ورب المغربين لذلك وقال في هذا الموضع: بِرَبِّ الْمَشارِقِ يعني: مشرق كل يوم وهي ثمانون ومائة مشرق في الشتاء ومشرق مثلها في الصيف.
وَالْمَغارِبِ يعني: مغرب كل يوم.
إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ يعني: على أن نهلكهم ونخلق خلقاً خيراً منهم وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ يعني: عاجزين.
فَذَرْهُمْ يعني: اتركهم وأعرض عنهم.
يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا يعني: حتى يخوضوا ويلعبوا في الباطل ويستهزءوا.
حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ يعني: يعاينوا يومهم الَّذِي يُوعَدُونَ.
قوله تعالى: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً يعني: في اليوم الذي يوعدون وفي اليوم الذي يخرجون من القبور سراعاً يعني: يسرعون إلى الصوت كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ يعني: كأنهم إلى علم منصوب يمضون.
قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص إِلى نُصُبٍ بضم النون والصاد يعني: أصناماً لهم، كقوله: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة: 3] ، والباقون إِلى نُصُبٍ يعني: إلى علم يستبقون.
وقال أهل اللغة: الإيفاض: الإسراع.
خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ يعني: ذليلة أبصارهم.
تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ يعني: تغشاهم مذلة.
ثم قال: ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ يعني: يوعدون فيه العذاب، وهم له منكرون وصلى الله على سيدنا محمد.
في الحقُوقِ التي في المَالِ سِوَى الزكاةِ «١» ، وهي ما نَدَبَتْ إليه الشريعةُ من المواساة، وهذا هو الأصَحُّ في هذه الآية لأن السورَة مكيةٌ وفَرْضُ الزكاةِ وبيانُها إنما كَان بالمدينة، وباقي الآية تقدّم تفسير نظيره.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ جَمَع الأمَانَةَ مِنْ حَيْثُ إنَّها متنوعةٌ في الأمْوَال والأسْرَارِ، وفيما بينَ العَبْدِ وربِّه، فيما أمره به ونهاه عنه، والعَهْدُ كلُّ ما تَقَلَّدَه الإنْسَانُ من قَوْلٍ أو فعل، أو مَوَدَّةٍ، إذا كانَتْ هذه الأَشْيَاء على منهاج الشريعةِ فَهُو عَهْدٌ ينبغي رعيُه وحفظُه.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ معناه في قول جماعة من المفسرين: أنهم يَحْفَظُون ما يَشْهَدُونَ فيه، ويُتْقِنُونَه، ويقومُونَ بمعانيه حتَى لاَ يكونَ لهم فيه تقصيرٌ وهَذَا هو وصفُ من يمتثل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «عَلَى مِثْلِ الشَّمْسِ فاشهد» ، وقال آخرونَ: معناه: الذينَ إذا كَانَتْ عندَهم شهادةٌ وَرَأوْا حَقاً يُدْرَسُ أو حُرْمَةً للَّهِ تُنْتَهَكُ قامُوا للَّهِ بشهادتهم.
فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧)
وقوله تعالى: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ الآية نزلت بسبب/ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كَانَ يصلي عندَ الكعبةِ أحياناً ويقرأ القرآن، فكان كثيرٌ من الكفَّارِ يَقُومُونَ من مجَالِسِهم مسرعينَ إليه يستمعون قراءَتَه، ويقول بعضهم لبعض: شاعر وكاهن، ومفتر وغير ذلك، وقِبَلَكَ معناه فيما يليكَ، والمُهْطِعُ الذي يمشي مُسْرِعاً إلى شيء قد أقبل ببصره عليه، وعِزِينَ جَمْعُ عِزَةٍ، والعِزَةُ: الجَمْعُ اليسيرُ كأَنَّهم كَانُوا ثلاثةً ثَلاَثَةً وأَرْبَعَةً أرْبَعَةً، وفي حديثِ أَبِي هريرة قال: «خرج النبي صلّى الله عليه وسلّم على أصحابه وهم حَلَقٌ متفرقونَ، فقالَ: مالي أراكم عزين» «٢» .
أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)
وقوله تعالى: أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ نزلتْ لأَنَّ بعضَ الكفارِ قال: إنْ كَانَتْ ثَمَّ آخرةٌ وجنةٌ فنحنُ أهْلها لأَنَّ اللَّهَ تعالى لم يُنْعِمْ علينا في الدنيا بالمال والبنِين، وغيرِ ذلك إلا لرضَاه عنا.
وقوله تعالى: كَلَّا رَدُّ لقولِهم وَطَمَعِهم، أي: ليس الأمْرُ كذلك، ثم أخبرَ تَعَالَى عَنْ خَلْقِهِم من نطفةٍ قدرة، وأحالَ في العبارةِ عَلى عِلْمِ الناسِ، أي: فمن خُلِقَ من ذلكَ فَلَيْسَ بنفسِ خَلْقِهِ يُعْطَى الجنةَ، بلْ بالإيمَانِ والأَعْمَالِ الصالحةِ، ورَوَى ابن المباركِ في «رقائقه» قال: أخبرنا مالك بن مغول قال: سمعت أبا ربيعة يحدِّثُ عن الحسن قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كُلُّكُم يُحِبُّ أنْ يُدْخَلَ الجَنَّةُ؟
قَالُوا: نَعَمْ، جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ:
فَأَقْصِرُوا مِنَ الأَمَلِ، وثَبِّتُوا آجَالَكُمْ بَيْنَ أَبْصَارِكُمْ، واسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ، قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّنَا نَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ، قَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ الحَيَاءُ، ولكن الحَيَاءَ مِنَ اللَّهِ أَلاَّ تَنْسَوُا المَقَابِرَ والبلى، وَلاَ تَنْسَوُا الجَوْفَ وَمَا وعى، وَلاَ تَنْسَوُا الرَّأْسَ وَمَا حوى/، وَمَنْ يَشْتَهِي كَرَامَةَ الآخِرَةِ يَدَعُ زِينَةَ الدُّنْيَا، هُنَالِكَ استحيا الْعَبْدُ مِنَ اللَّهِ، هُنَالِكَ أصَابَ وِلاَيَةَ اللَّهِ» «١» ، انتهى، وقد روِّينَا أكْثَرَ هَذا الحدِيثِ، من طريقِ أبي عيسى الترمذي، وباقي الآيةِ تَقَدَّم تفسيرُ نظيرِه، والأَجْدَاثُ القبُورَ، والنُّصُبُ: ما نُصِبَ للإنْسَانِ فهو يَقْصِدُه مسرعاً إليه من عَلَمٍ أو بناءٍ، وقال أبو العالية: إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ: معناه: إلى غايات يستبقون، ويُوفِضُونَ: معناه: يسرعون، وخاشِعَةً: أي: ذليلة منكسرة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِهِ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ الجُمَحِيَّ.
وفي الهَلُوعِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ المَوْصُوفُ بِما يَلِي هَذِهِ الآيَةَ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُ الحَرِيصُ عَلى ما لا يَحِلُّ لَهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: البَخِيلُ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: الشَّحِيحُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والخامِسُ: الشَّرِهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والسّادِسُ: الضَّجُورُ، قالَهُ عِكْرَمَةُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.
والسّابِعُ: الشَّدِيدُ الجَزِعُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا مَسَّهُ الشَّرُّ ﴾ أيْ: أصابَهُ الفَقْرُ "جَزُوعًا" لا يَصْبِرُ، ولا يَحْتَسِبُ "وَإذا مَسَّهُ الخَيْرُ" أصابَهُ المالُ "مَنُوعًا" بِمَنعِهِ مِن حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ "إلّا المُصَلِّينَ" وهم أهْلُ الإيمانِ بِاللَّهِ.
وإنَّما اسْتَثْنى الجَمْعَ مِنَ الإنْسانِ، لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسِ "الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ" وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ يُحافِظُونَ عَلى المَكْتُوباتِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: أنَّهم لا يَلْتَفِتُونَ عَنْ أيْمانِهِمْ وشَمائِلِهِمْ في الصَّلاةِ، قالَهُ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ: ويَكُونُ اشْتِقاقُهُ مِنَ الدّائِمِ، وهو السّاكِنُ، كَما جاءَ فِي الحَدِيثِ «أنَّهُ نَهى عَنِ البَوْلِ في الماءِ الدّائِمِ.» والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ فِعْلَ التَّطَوُّعِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾ قَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها في [الذّارِياتِ: ١٩] وبَيَّنّا مَعْنى "يَوْمَ الدِّينِ" في "الفاتِحَةِ" .
وما بَعْدَ هَذا قَدْ شَرَحْناهُ في [المُؤْمِنِينَ: ٧ ٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لأماناتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "لِأمانَتِهِمْ"، ﴿ والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "بِشَهادَتِهِمْ" عَلى التَّوْحِيدِ.
وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "بِشَهاداتِهِمْ" جَمْعًا ﴿ قائِمُونَ ﴾ أيْ: يَقُومُونَ فِيها بِالحَقِّ ولا يَكْتُمُونَها ﴿ فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ﴾ نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ الكُفّارِ جَلَسُوا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ يَسْتَهْزِؤُونَ بِالقُرْآنِ، ويُكَذِّبُونَ بِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمُهْطِعُ: المُقْبِلُ بِبَصَرِهِ عَلى الشَّيْءِ لا يُزايِلُهُ، وكانُوا يَنْظُرُونَ إلى النَّبِيِّ نَظَرَ عَداوَةٍ.
وقَدْ سَبَقَ الخِلافُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُهْطِعِينَ ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: العِزُونَ: الحِلَقُ، الجَماعاتُ، واحِدَتُها: عِزَةٌ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ النَّبِيِّ فَيَقُولُونَ: إنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ، كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلَنَدْخُلَنَّها قَبْلَهُمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "أنْ يَدْخُلَ" بِفَتْحِ الياءِ، وضَمِّ الخاءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عِزِينَ جَمْعُ عِزَةٍ، مِثْلُ ثُبَةٍ، وثُبِينَ، فَهي جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا يَكُونُ ذَلِكَ ﴿ إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ، فالمَعْنى: لا يَسْتَوْجِبُ الجَنَّةَ أحَدٌ بِما يَدَّعِيهِ مِنَ الشَّرَفِ عَلى غَيْرِهِ، إذِ الأصْلُ واحِدٌ، وإنَّما يَسْتَوْجِبُها بِالطّاعَةِ.
والثّانِي: إنّا خَلَقْناهم مِن أقْذارٍ.
فَبِماذا يَسْتَحِقُّونَ الجَنَّةَ ولَمْ يُؤْمِنُوا؟!
وقَدْ رَوى بِشْرُ بْنُ جِحاشٍ عَنِ النَّبِيِّ «أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ ﴾ ثُمَّ بَزَقَ، قالَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنّى تُعْجِزُنِي، وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن مِثْلِ هَذِهِ؟!
حَتّى إذا سَوَّيْتُكَ، وعَدَّلْتُكَ، مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ، ولِلْأرْضِ مِنكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ، ومَنَعْتَ، حَتّى إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ قُلْتَ: أتَصَدَّقُ، وأنّى أوانُ الصَّدَقَةِ؟!
.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ ﴾ قَدْ تَكَلَّمْنا عَلَيْهِ في [الحاقَّةِ: ٣٨] والمُرادُ بِالمَشارِقِ، والمَغارِبِ: شَرْقُ كُلِّ يَوْمٍ ومَغْرِبُهُ "إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ" أيْ: نَخْلُقُ أمْثَلَ مِنهُمْ، وأطْوَعَ لِلَّهِ حِينَ عَصَوْا ﴿ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ مُفَسَّرٌ في [الواقِعَةِ: ٦٠] ﴿ فَذَرْهم يَخُوضُوا ﴾ في باطِلِهِمْ ﴿ وَيَلْعَبُوا ﴾ أيْ: يَلْهُوا في دُنْياهم ﴿ حَتّى يُلاقُوا ﴾ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "يَلْقَوْا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ" وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
وهَذا لَفْظُ أمْرٍ، مَعْناهُ الوَعِيدِ.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
وإذا قُلْنا: إنَّهُ وعِيدٌ بِلِقاءِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا وجْهَ لِلنَّسْخِ ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا ﴾ أيْ: يَخْرُجُونَ بِسُرْعَةٍ كَأنَّهم يَسْتَبِقُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهم إلى نُصُبٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ النُّونِ والصّادِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهو واحِدُ الأنْصابِ، وهي آلِهَتُهُمُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها.
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: كَأنَّهم إلى آلِهَتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها يُسْرِعُونَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ، وهي في مَعْنى القِراءَةِ الأُولى، إلّا أنَّهُ مَصْدَرٌ.
كَقَوْلِ القائِلِ: نَصَبْتُ الشَّيْءَ أنْصِبُهُ نَصْبًا.
قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: كَأنَّهم إلى شَيْءٍ مَنصُوبٍ يُسْرِعُونَ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَأْوِيلُهُ: كَأنَّهم إلى صَنَمٍ مَنصُوبٍ يُسْرِعُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وَأبُو مِجْلَزٍ، والنَّخَعِيُّ "نُصْبٍ" بِرَفْعِ النُّونِ، وإسْكانِ الصّادِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "إلى نَصَبٍ" بِفَتْحِ النُّونِ والصّادِ جَمِيعًا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النُّصُبُ: حَجَرٌ يُنْصَبُ أوْ صَنَمٌ، يُقالُ: نَصْبٌ، ونُصْبٌ، ونُصُبٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: النَّصْبُ والنُّصْبُ واحِدٌ، وهو مَصْدَرٌ، والجَمْعُ: الأنْصابُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: النَّصْبُ، والنُّصُبُ: العَلَمُ المَنصُوبُ.
قالَ الفَرّاءُ: والإيفاضُ: الإسْراعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ﴾ قَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعَمْرُو ابْنُ دِينارٍ "ذِلَّةُ ذَلِكَ اليَوْمِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وبِخَفْضِ المِيمِ.
وباقِي السُّورَةِ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [المَعارِجِ: ٤٢] .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ ﴾ ﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ ﴿ فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ ﴿ خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلا أُقْسِمُ" وذَلِكَ عَلى أنْ تَكُونَ "لا" زائِدَةً، أو تَكُونُ رَدًّا لِفِعْلِ الكَفّارِ وقَوْلِهِمْ، ثُمَّ يَقَعُ الِابْتِداءُ بِالقَسَمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "فَلَأُقْسِمُ" دُونَ ألِفٍ مُفْرَدَةٍ.
و"المَشارِقُ والمَغارِبُ" هي مَطالِعُ الشَمْسِ والقَمَرِ وسائِرِ الكَواكِبِ وحَيْثُ تَغْرُبُ لِأنَّها مُخْتَلِفَةٌ عِنْدَ التَفْضِيلِ، فَلِذَلِكَ جَمَعَ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "بِرَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" عَلى الإفْرادِ، ومَتى ورَدَ "المَشْرِقُ والمَغْرِبُ عَلى الإفْرادِ فَهي عِبارَةٌ عن مَوْضِعِ الشُرُوقِ ومَوْضِعِ الغُرُوبِ بِجُمْلَتِهِ وإنْ كانَ يَتَفَصَّلُ، ومَتى ورَدَ المَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ فَهي عِبارَةٌ عن طَرَفَيْ مَوْضِعِ الشُرُوقِ وطَرَفَيْ مَوْضِعِ الغُرُوبِ.
وأقْسَمَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِمَخْلُوقاتِهِ عَلى إيجابِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تُبْدَلَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ العالَمِ، وأنَّهُ لا يَسْبِقُهُ شَيْءٌ إلى إرادَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهم يَخُوضُوا ﴾ الآيَةُ وعِيدٌ، وما فِيهِ مِن مَعْنى المُهادَنَةِ فَمَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "يُلْقُوا" بِغَيْرِ ألِفٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ.
و"يَوْمَ يُخْرَجُونَ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَهُمُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَخْرُجُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، ورَوى أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: ضَمَّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ.
و"الأجْداثِ": القُبُورُ.
و"النَصْبُ": ما نُصِبَ لِلْإنْسانِ فَهو يَقْصِدُ مُسْرِعًا إلَيْهِ مِن عِلْمٍ أو بِناءٍ أو صَنَمٍ لِأهْلِ الأصْنامِ، وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُ هَذا الِاسْمِ في الأصْنامِ حَتّى قِيلَ لَها: الأنْصابُ، ويُقالُ لِشَبَكَةِ الصائِدِ: نُصُبٌ، وقالَ أبُو العالِيَةِ "إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ" مَعْناهُ: إلى غاياتٍ يَسْتَبِقُونَ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "نَصَبَ" بِفَتْحِ النُونِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْرَجِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ -بِخِلافٍ عنهُما-: "نُصُبٍ" بِضَمِّ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "نُصُبٍ" بِضَمِّ النُونِ والصادِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ عن أبِي العالِيَةِ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وأبِي رَجاءٍ.
وقَرَأ مُجاهِدٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ "نَصَبٍ" بِفَتْحِ النُونِ والصادِ.
و"يُوفِضُونَ" مَعْناهُ: يُسْرِعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: لَأنْعِتَنَّ نَعامَةً مِيفاضًا ∗∗∗ خَرْجاءَ ظَلَّتْ تَطْلُبُ الإضاضا و"خاشِعَةً" نُصِبَ عَلى الحالِ ومَعْناهُ: ذَلِيلَةً مُنْكَسِرَةً، و"تَرْهَقُهُمْ" مَعْناهُ: تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ وتَلِحُّ وتَضِيقُ نُفُوسُهُمْ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ "المُرْهَقُ"، مِنَ السادَةِ بِحَوائِجِ الناسِ، و"المُرْهَقُ"، بِالدِينِ، "وَخُلِقَ فِيها رَهَقٌ"، أيْ: إسْراعٌ إلى الناسِ، و"سَيْفُ فُلانٍ فِيهِ رَهَقٌ"، ومِنهُ "مُراهِقَةُ الأحْلامِ"، و"إرْهاقُ الصَلاةِ" أيْ: مُزاحَمَةُ وقْتِها.
تَمَّ تَفْسِيرُ [سُورَةِ المَعارِجِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
كلام مستأنف استئنافاً ابتدائياً للانتقال من إثبات الجزاء إلى الاحتجاج على إمكان البعث إبطالاً لشبهتهم الباعثة على إنكاره، وهو الإِنكار الذي ذكر إجمالاً بقوله المتقدم آنفاً ﴿ إنهم يَرونه بعيداً ونَراه قريباً ﴾ [المعارج: 6، 7] فاحتج عليهم بالنشأة الأولى، كما قال تعالى: ﴿ ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ﴾ [الواقعة: 62] فالخبر بقوله: ﴿ إنّا خلقناهم مما يعلمون ﴾ مستعمل في لازم معناه وهو إثبات إعادة خلْقهم بعد فنائهم.
فهذا من تمام الخطاب الموجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمقصود منه أن يبلغ إلى أسماع المشركين كما تقدم آنفاً.
والمعنى: أنا خلقنا الإنسان من نطفة حتى صارت إنساناً عاقلاً مناظراً فكذلك نعيد خلقه بكيفية لا يعلمونها.
فما صْدَقُ (ما يعلمون) هو ما يعلمه كل أحد من أنه كون في بطن أمه من نطفة وعلقة، ولكنهم علموا هذه النشاة الأولى فألهاهم التعوّد بها عن التدبر في دلالتها على إمكان إعادة المكوَّن منها بتكوين آخر.
وعُدِل عن أن يقال: إنا خلقناهم من نطفة، كما قال في آيات أخرى ﴿ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ﴾ [الإنسان: 2] وقال: ﴿ أو لم يرَ الإِنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ﴾ [يس: 77، 78] وغيرها من آيات كثيرة، عدل عن ذلك إلى الموصول في قوله: ﴿ مما يعلمون ﴾ توجيهاً للتهكم بهم إذ جادلوا وعاندوا، وعِلْمُ ما جادلوا فيه قائم بأنفسهم وهم لا يشعرون، ومنه قوله تعالى: ﴿ ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذَّكَّرون ﴾ [الواقعة: 62].
وكان في قوله تعالى: ﴿ مما يعلمون ﴾ إيماء إلى أنهم يُخْلَقون الخلقَ الثاني ﴿ مما لا يعلمون كما قال في الآية الأخرى سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ﴾ [يس: 36] وقال: ﴿ وننشئكم فيما لا تعلمون ﴾ [الواقعة: 61] فكان في الخَلْق الأول سِرٌّ لا يعلمونه.
ومجيء ﴿ إنا خلقناهم ﴾ موكداً بحرف التأكيد لتنزيلهم فيما صدر منهم من الشبهة الباطلة منزلة من لا يعلمون أنهم خُلقوا من نطفة وكانوا معدومين، فكيف أحالوا إعادة خلقهم بعد أن عدم بعض أجزائهم وبقي بعضها ثم أتبع هذه الكناية عن إمكان إعادة الخلق بالتصريح بذلك بقوله: ﴿ فلا أقسم بربّ المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدِّل خيراً منهم ﴾ مفرعاً على قوله: ﴿ إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ والتقدير: فإنا لقادرون الآية.
وجملة (لا أقسم برب المشارق) الخ معترضة بين الفاء وما عطفته.
والقَسَم بالله بعنوان ربوبيته المشارقَ والمغارب معناه: ربوبيته العالم كله لأن العالم منحصر في جهات شروق الشمس وغروبها.
وجمع ﴿ المشارق والمغارب ﴾ باعتبار تعدد مطالع الشمس ومغاربها في فصول السنة فإن ذلك مظهر عجيب من مظاهر القدرة الإلهية والحكمةِ الربانية لدلالته على عظيم صنع الله من حيث إنه دال على الحركات الحافة بالشمس التي هي من عظيم المخلوقات، ولذلك لم يذكر في القرآن قسَم بجهة غير المشرق والمغرب دون الشمال والجنوب مع أن الشمال والجنوب جهتان مشهورتان عند العرب، أقسم الله به على سُنة أقسام القرآن.
وفي إيثار ﴿ المشارق والمغارب ﴾ بالقسم بربها رَعي لمناسبة طلوع الشمس بعد غروبها لتمثيل الإِحياءِ بعد الموت.
وتقدم القول في دخول حرف النفي مع (لا أقسم) عند قوله: ﴿ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ﴾ في سورة الحاقة (38، 39)، وقوله: ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ في سورة الواقعة (75).
وقوله: على أن نبدل خيراً منهم } يحتمل معنيين: أولهما وهو المناسب للسياق أن يكون المعنى على أن نبدلهم خيراً منهم، أي نبدل ذواتهم خلقاً خيراً من خلْقهم الذي هم عليه اليوم.
والخيرية في الإِتقان والسرعة ونحوهما وإنما كان خلقاً أتقن من النشأة الأولى لأنه خلق مناسب لعالم الخلود، وكان الخلْق الأول مناسباً لعالم التغير والفناء، وعلى هذا الوجه يكون ﴿ نُبدِّلَ ﴾ مضمناً معنى: نعوّض، ويكون المفعول الأول ل ﴿ نبدل ﴾ ضميراً مثل ضمير ﴿ منهم ﴾ أي نبدلهم والمفعولُ الثاني ﴿ خيراً منهم ﴾ .
و (مِن) تفضيلية، أي خيراً في الخلقة، والتفضيلُ باعتبار اختلاف زمانَي الخلْق الأول والخلق الثاني، أو اختلاففِ عالميهما.
والمعنى الثاني: أنْ نبدل هؤلاء بخير منهم، أي بأمَّة خير منهم، والخيرية في الإيمان، فيكون ﴿ نبدل ﴾ على أصل معناه، ويكون مفعوله محذوفاً مثل ما في المعنى الأول، ويكون ﴿ خيراً ﴾ منصوباً على نزع الخافض وهو باء البدلية كقوله تعالى: ﴿ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴾ [البقرة: 61]، ويكون هذا تهديداً لهم بأنْ سيستأصلهم ويأتيَ بقوم آخرين كما قال تعالى: ﴿ إن يشا يذهبكم ويأتتِ بخلق جديد ﴾ [فاطر: 16] وقوله: ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ [محمد: 38].
وفي هذا تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم وتذكير بأن الله عالم بحالهم.
وذيل بقوله: ﴿ وما نحن بمسبوقين، ﴾ والمسبوق مستعار للمغلوب عن أمره، شبه بالمسبوق في الحلبة، أو بالمسبوق في السير، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ﴾ [العنكبوت: 4]، ومنه قول مرة بن عَدَّاء الفقعسي: كأنكَ لم تُسبَق من الدهر مرة *** إذا أنت أدركتَ الذي كنتَ تطلُب يريد: كأنك لم تُغلب إذا تداركت أمرك وأدركت طلبتك.
و ﴿ على أن نبدل خيراً منهم ﴾ مُتعلق ب ﴿ مسبوقين، ﴾ أي ما نحن بعاجزين على ذلك التبديل بأمثالكم كما قال في سورة الواقعة (61) إنا لقادرون ﴿ على أن نبدل أمثالكم.
﴾ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُسْرِعِينَ، قالَهُ الأخْفَشُ، قالَ الشّاعِرُ بِمَكَّةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم بِمَكَّةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ الثّانِي: مُعْرَضِينَ، قالَهُ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ.
الثّالِثُ: ناظِرِينَ إلَيْكَ تَعَجُّبًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُتَفَرِّقِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ الرّاعِي أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنَّ عَشِيرَتِي ∗∗∗ أمْسى سَراتُهُمُ إلَيْكَ عِزِينا.
الثّانِي: مُحْتَبِينَ، قالَ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ الرُّفَقاءُ والخُلَطاءُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ الجَماعَةُ القَلِيلَةُ، قالَهُ ابْنُ أسْلَمَ.
الخامِسُ: أنْ يَكُونُوا حِلَقًا وفِرَقًا.
رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ عَلى أصْحابِهِ وهم حِلَقٌ فَقالَ: (ما لِي أراكم عِزِينَ)» قالَ الشّاعِرُ: تَرانا عِنْدَهُ واللَّيْلُ داجٍ ∗∗∗ عَلى أبْوابِهِ حِلَقًا عِزِينا.
﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا ﴾ يَعْنِي مِنَ القُبُورِ.
﴿ كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ في (نُصُبٍ) قِراءَتانِ: إحْداهُما بِتَسْكِينِ الصّادِ، والأُخْرى بِضَمِّها.
وَفي اخْتِلافِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُما واحِدٌ، قالَهُ المُفَضَّلُ وطائِفَةٌ، فَعَلى هَذا في تَأْوِيلِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ إلى عِلْمٍ يَسْتَبِقُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: إلى غاياتٍ يَسْتَبِقُونَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّالِثُ: إلى أصْنامِهِمْ يُسْرِعُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ إنَّها حِجارَةٌ طِوالٌ كانُوا يَعْبُدُونَها.
الرّابِعُ: إلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يُسْرِعُونَ.
والوَجْهُ الثّانِي مِنَ الأصْلِ أنَّ مَعْنى القِراءَتَيْنِ مُخْتَلِفٌ، فَعَلى هَذا في اخْتِلافِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النُّصُبَ بِالتَّسْكِينِ الغايَةُ الَّتِي تَنْصُبُ إلَيْها بَصَرَكَ، والنُّصُبُ بِالضَّمِّ واحِدُ الأنْصابِ، وهي الأصْنامُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ ومَعْنى ( ﴿ يُوفِضُونَ ﴾ ) يُسْرِعُونَ، والإيفاضُ الإسْراعُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ ؎ يَمْشِينَ بِنا الجِدَّ عَلى الإيفاضِ ∗∗∗ بِقَطْعِ أجْوازِ الفَلا انْفِضاضُ.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الهلوع فقال: هو كما قال الله: ﴿ إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً ﴾ فهو الهلوع.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ إن الإِنسان خلق هلوعاً ﴾ قال: ضجوراً جزوعاً نزلت في أبي جهل بن هشام، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت بشر بن أبي حازم وهو يقول: لا مانعاً لليتيم بخلقه ** ولا مكباً بخلقه هلعاً وأخرج ابن المنذر عن الحسن أنه سئل عن قوله: ﴿ إن الإِنسان خلق هلوعاً ﴾ قال: اقرأ ما بعدها، فقرأ ﴿ إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً ﴾ قال: هكذا خلق.
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ هلوعاً ﴾ قال: شحيحاً جزوعاً.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ هلوعاً ﴾ قال: الضجر.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ هلوعاً ﴾ قال: جزوعاً.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ هلوعاً ﴾ قال: الشره.
وأخرج ابن المنذر عن حصين بن عبد الرحمن ﴿ هلوعاً ﴾ قال: الحريص.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ هلوعاً ﴾ قال: الذي لا يشبع من جمع المال.
وأخرج الديلمي عن عليّ مرفوعاً يكتب أنين المريض، فإن كان صابراً كان أنينه حسنات، وإن كان جزوعاً كتب هلوعاً لا أجر له.
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ قال: ذكر لنا أن دانيال نعت أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال: يصلون صلاة لو صلاها قوم نوح ما أغرقوا، أو عاد ما أرسلت عليهم الريح العقيم، أو ثمود ما أخذتهم الصيحة.
قال قتادة: فعليكم بالصلاة فإنها خلق من خلق المؤمنين حسن.
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ قال: الصلاة المكتوبة.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ قال: على مواقيتها.
وأخرج عبد بن حميد عن مسروق رضي الله عنه مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمران بن حصين رضي الله عنه ﴿ الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ قال: الذي لا يلتفت في صلاته.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ قال: هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا.
وأخرج ابن المنذر عن أبي الخير أن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال لهم: من الذين هم على صلاتهم دائمون؟
قلنا الذين لا يزالون يصلون، فقال: لا، ولكن الذين إذا صلوا لم يلتفتوا عن يمين ولا شمال.
وأخرج ابن حبان عن أبي سلمة رضي الله عنه قال: حدثتني عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا» قالت: وكان أحب الأعمال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دووم عليه وإن قل، وكان إذا صلى صلاة دام عليها.
قال أبو سلمة رضي الله عنه: قال الله: ﴿ والذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين في أموالهم حق معلوم ﴾ قال: كانوا إذا خرجت الأعطية أعطوا منها.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ﴾ قال: ينظرون ﴿ عن اليمين وعن الشمال عزين ﴾ قال: الغضب من الناس عن يمين وشمال معرضين يستهزئون به.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ﴾ قال: عامدين ﴿ عن اليمين وعن الشمال عزين ﴾ قال: فرقاً حول نبي الله لا يرغبون في كتاب الله ولا ذكره.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ﴾ قال: منطلقين ﴿ عن اليمين وعن الشمال عزين ﴾ قال: متفرقين يأخذون يميناً وشمالاً يقولون: ما يقول هذا الرجل؟
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ عن اليمين وعن الشمال عزين ﴾ قال: الحلق الرفاق.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت عبيد بن الأحوص وهو يقول: فجاؤوا مهرعين إليه حتى ** يكونوا حول منبره عزين وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال ﴾ قال: عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن شماله ﴿ عزين ﴾ قال: مجالس محتبين نفر قليل قليل.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ عزين ﴾ قال: الحلق المجالس.
وأخرج عبد بن حميد عن عبادة بن أنس قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فقال: ما لي أراكم ﴿ عزين ﴾ حلقاً حلق الجاهلية، قعد رجل خلف أخيه» .
وأخرج عبد بن حميد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن جابر بن سمرة قال: «دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ونحن حلق متفرقون فقال: ما لي أراكم ﴿ عزين ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه جلوس حلقاً حلقاً فقال: ما لي أراكم ﴿ عزين ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة ﴾ برفع الياء.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي معمر أنه قرأ ﴿ أن يدخل ﴾ بنصب الياء ورفع الخاء.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم ﴾ قال: كلا لست فاعلاً، ثم ذكر خلقهم فقال: ﴿ إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ يعني النطفة التي خلق منها البشر.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ كلا إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ قال: إنما خلقت من قذر يا ابن آدم فاتق الله.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن بشير قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ﴾ إلى قوله: ﴿ كلا إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ ثم بزق رسول الله صلى الله عليه وسلم على كفه، ووضع عليها إصبعه، وقال: «يقول الله ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذا، حتى إذا سوّيتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا أقسم برب المشارق والمغارب ﴾ قال: للشمس كل يوم مطلع.
تطلع فيه ومغرب تغرب فيه غير مطلعها بالأمس، وغير مغربها بالأمس.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ برب المشارق والمغارب ﴾ قال: المنازل التي تجري فيها الشمس والقمر.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأنهم إلى نصب يوفضون ﴾ قال: إلى علم يسعون.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ إلى نصب ﴾ قال: غاية ﴿ يوفضون ﴾ قال: يستبقون.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ كأنهم إلى نصب يوفضون ﴾ قال: يبتدرون نصيبهم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ يوم يخرجون من الأجداث ﴾ قال: القبور ﴿ كأنهم إلى نصب يوفضون ﴾ قال: إلى علم يسعون ﴿ ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ﴾ قال: ذلك يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه قرأ ﴿ إلى نصب يوفضون ﴾ على معنى الواحد.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ إلى نصب ﴾ خفيفة منصوبة النون على معنى واحدة.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الأشهب عن الحسن أنه كان يقرأها ﴿ خاشعاً أبصارهم ﴾ قال: وكان أبو رجاء يقرأها ﴿ خاشعة أبصارهم ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلاَ أُقْسِمُ ﴾ معناه أقسم، ولا زائدة ﴿ بِرَبِّ المشارق والمغارب ﴾ ذكر في [الصافات: 5] ﴿ إِنَّا لَقَادِرُونَ * على أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ ﴾ تهديد الكفار بإهلاكهم، وإبدال خير منهم ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ أي مغلوبين، والمعنى: إنا لا نعجز عن التبديل المذكور أو عن البعث ﴿ فَذَرْهُمْ ﴾ وعيد لهم، وفيه مهادنة منسوخة بالسيف ﴿ يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ ﴾ يعني يوم القيامة، بدليل أنه أبدل منه ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث ﴾ وهي القبور ﴿ كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ النَصْب الأصنام، وأصله كل ما نصب إلى الإنسان، فهو يقصد إليه مسرعاً من عَلَم أو بناء أو غير ذلك، وفي لغات فتح النون وإسكان الصاد، وضم النون وإسكان الصاد وضمها، ويوفضون معناه: يسرعون، والمعنى أنهم يسرعون الخروج من القبور إلى المحشر، كما يسرعون المشي إلى أصنامهم في الدنيا.
القراءات: ﴿ سأل ﴾ بغير همز مثل باع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة على التذكير: علي ﴿ ولا يسأل ﴾ بضم الياء: البزي من طريق الهاشمي والبرجمي ﴿ يومئذ ﴾ بالفتح على البناء: أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعباس وعلي والشموني والبرجمي ﴿ توويه ﴾ بغير همز: يزيد والأعشى وحمزة في الوقف ﴿ نزاعة ﴾ بالنصب: حفص والمفضل ﴿ يخرجون ﴾ من الإخراج: الأعشى وحمزة في الوقف ﴿ إلى نصب ﴾ بضمتين: ابن عامر وسهل وحفص ﴿ نصب ﴾ بالضم فالسكون: المفضل الباقون: بالفتح والسكون.
الوقوف: ﴿ واقع ﴾ ه لا ﴿ دافع ﴾ ه لا ﴿ المعارج ﴾ ه لا ﴿ سنة ﴾ ج ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ بعيداً ﴾ ه لا ﴿ قريباً ﴾ ه ط ﴿ كالمهل ﴾ ه لا ﴿ كالعهن ﴾ ه لا ﴿ حميماً ﴾ ه ج لأن ما بعده منقطع عنه مستأنف ولكن أصلحوا الوقف على ﴿ يبصرونهم ﴾ ﴿ ببنيه ﴾ ه لا ﴿ وأخيه ﴾ ه ﴿ تؤويه ﴾ ه لا ﴿ جميعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ينجيه ﴾ ه لا ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ لظى ﴾ ه ج لأن من قرأ ﴿ نزاعة ﴾ بالرفع جاز أن يكون بدلاً أو خبر ﴿ لظى ﴾ والضمير في ﴿ أنها ﴾ للقصة أو خبر مبتدأ محذوف.
ومن نصب فعلى الحال المؤكدة أو على الإختصاص.
﴿ للشوى ﴾ ه ص لأن ﴿ يدعو ﴾ يصلح مستأنفاً وبدلاً من ﴿ نزاعة ﴾ ﴿ وتولى ﴾ ه لا ﴿ فأوعى ﴾ ه ﴿ هلوعاً ﴾ ه لا ﴿ جزوعاً ﴾ ه لا ﴿ منوعاً ﴾ ه لا ﴿ المصلين ﴾ ه لا ﴿ دائمون ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه لا ﴿ والمحروم ﴾ ه ص ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ مشفقون ﴾ ه ج ﴿ مأمون ﴾ ه ﴿ حافظون ﴾ ه لا ﴿ ملومين ﴾ ه ج ﴿ العادون ﴾ ه ج ﴿ راعون ﴾ ه لا ﴿ قائمون ﴾ ه ك ﴿ يحافظون ﴾ ه لا ﴿ مكرمون ﴾ ه ط لانقطاع المعنى ﴿ مهطعين ﴾ ه لا ﴿ عزين ﴾ ه ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ لقادرون ﴾ ه ج ﴿ منهم ﴾ ج بناء على أن الواو للحال ﴿ بمسبوقين ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه لأن ما بعد بء دل ﴿ يوقضون ﴾ ه ج لأن ما بعد حال من الضمير ﴿ ذلة ﴾ ط ﴿ يوعدون ﴾ ه.
التفسير: من قرأ ﴿ سأل ﴾ بالهمزة ففيه وجهان: الأول عن ابن عباس أن النضر بن الحرث قال ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ﴾ الآية فأنزل الله ﴿ سأل سائل ﴾ أي دعا داع ولهذا عدي بالباء.
يقال: دعاه بكذا إذا استدعاه وطلبه.
وقال ابن الأنباري: الباء للتأكيد والتقدير: سأل سائل عذاباً لا دافع له البتة.
إما في الآخرة وإما في الدنيا كيوم بدر.
الثاني قال الحسن وقتادة: هو رسول الله استعجل بعذاب الكافرين، أو سأل عن عذاب.
والباء بمعنى " عن ".
قال ابن الأنباري: أو عنى واهتم بعذاب أنه على من ينزل وبمن يقع، فبين الله أن هذا واقع بهم فلا دافع له.
والذي يدل على صحة هذا الوجه قوله في آخر الآية ﴿ فاصبر صبراً جميلاً ﴾ ومن قرأ بغير همز فله وجهان أيضاً: الأول أنه مخفف " سأل " وهي لغة قريش والمعاني كما مرت، والآخر أن يكون من السيلان ويعضده قراءة ابن عباس " سال سيل " وهو مصدر في معنى سائل كالفوز بمعنى الفائز.
والمعنى اندفع وأدى عذاب فذهب بهم وأهلكهم أما ﴿ سائل ﴾ فلا يجوز فيه إلا الهمز وفاقاً لأنه إن كان من سأل المهموز فظاهر، وإن كان من غير المهموز انقلبت الياء همزة كما في بائع.
وقوله ﴿ للكافرين ﴾ صفة أخرى للعذاب أي بعذاب واقع، لا محالة كائن للكافرين، أو متعلق بواقع أي نازل لأجلهم، أو كلام مستأنف جواب للسائل الذي سأل: إن العذاب على من ينزل أي هو للكافرين.
والظاهر أن قوله ﴿ من الله ﴾ يتعلق ﴿ بدافع ﴾ أي لا دافع له من جهة الله لأنه قضاء مبرم.
وجوز أن يتصل بواقع أي نازل من عند ﴿ ذي المعارج ﴾ المصاعد.
روى الكلبي عن ابن عباس أنها السموات لأن الملائكة يعرجون فيها.
وقال قتادة: ذي الفواضل والنعم بحسب الأرواح ومراتب الاستحقاق والاستعداد.
وقيل: هي الجنة لأنها درجات.
وقال في التفسير الكبير.
وهي مراتب أرواح الملكية المختلفة بالشدة والضعف وبسببها يصل آثار فيض الله إلى العالم السفلي عادة، أو غير عادة فتلك الأرواحكالمصاعد لمراتب الحاجات التي ترفع إليها، كالمنازل لآثار الرحمة من ذلك العالم إلينا.
قوله ﴿ تعرج الملائكة والروح ﴾ وفي مواضع أخرى يوم يقوم الروح والملائكة.
قيل: إن الروح أعظم الملائكة قدراً وهو أول في درجة نزول الأنوار من جلال الله، ومنه تتشعب إلى أرواح سائر الملائكة والبشر في آخر درجات منازل الأرواح.
وبين الطرفين معارج مراتب أرواح الملائكة ومدارج منازل الأنوار القدسية ولا يعلم تفصيلها إلا الله.
وأما المتكلمون فالجمهور منهم قالوا: إن الروح هو جبريل .
ولا استدلال لأهل التشبيه في لفظ ﴿ المعارج ﴾ فإنا بينا أنها المراتب.
قووله ﴿ إليه ﴾ إلى عرشه أو حكمه أو إلى حيث تهبط أوامره أو إلى مواضع العز والكرامة.
والأكثرون على أن قوله ﴿ في يوم ﴾ من صلة ﴿ تعرج ﴾ .
أي يحصل العروج في مثل هذا اليوم وهو يوم القيامة.
قال الحسن: يعني من موقفهم للحساب إلى حين يقضي بين العباد خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ثم بعد ذلك يستقر أهل الجنة في الجنة إلى آخر الآية.
والأصح أن هذا الطول إنما يكون للكافر لما "روي عن أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسوله : ما أطول هذا اليوم؟
فقال: والذي نفسي بيه إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة في الدنيا" .
ومنهم من قال: إن ذلك الموقف وإن طال فقد يكون سبباً لمزيد السرور والراحة للمؤمن.
ومنهم من قال: إن هذه المدة على سبيل التقدير لا على سبيل التحقيق.
والمعنى أنه لو اشتغل بذلك القضاء والحكومة أعقل الناس وأدهاهم لبقي فيه خمسين ألف سنة.
ثم إنه يتمم ذلك القضاء والحكومة في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا.
وأيضاً الملائكة يعرجون إلى مواضع لو أراد واحد من أهل الدنيا أن يصعد إليها لبقي في ذلك الصعود خمسين ألف سنة ثم إنهم يصعدون إليها في ساعة.
قاله وهب وجماعة من أهل التفسير.
وقال أبو مسلم: إن هذا اليوم الدنيا كلها من أول ما خلق العالم إلى القيامة وفيه يقع عروج الملائكة.
ثم لا يلزم من هذا أن يصير وقت القيامة معلوماً لأنا لا ندري كم مضى وكم بقى.
ومر في " ألم السجدة ".
وقال جمع من المفسرين قوله ﴿ في يوم ﴾ من صلة ﴿ واقع ﴾ أي يقع ذلك العذاب في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم وهو يوم القيامة.
وثم يحتمل أن يكون المراد منه استطالة ذلك اليوم لشدته على الكفار، ويحتمل أن العذاب الذي سأله السائل يكون مقدراً بهذه المدة ثم ينقله الله إلى نوع آخر من العذاب.
يروى عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس سئل عن هذه الآية وعن قوله ﴿ في يوم كان مقداره ألف سنة ﴾ فقال: أيام سماها الله هو أعلم بها كيف تكون وأكره أن أقول فيها ما لا علم لي به.
وقال وهب في الجواب: من أسفل العالم إلى أعلى شرف العرش مسيرة خمسين ألف سنة، ومن أعلى السماء الدنيا إلى الأرض مسيرة ألف سنة، لأن عرض كل سماء من السموات السبع مسيرة خمسمائة سنة، وبين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة أخرى، فالمراد مقدار ألف سنة لو صعدوا إلى سماء الدنيا ومقدار خمسين ألف سنة لو صعدوا إلى العرش.
وفي قوله ﴿ فاصبر صبراً جميلاً ﴾ تسلية للنبي كأنه قيل له: إن العذاب قرب وقوعه فاصبر فقد شارفت الانتقام قال الكلبي: هذه الآية نزلت قبل أن يؤمر الرسول بالقتال إنهم يرون العذاب أو يوم القيامة بعيد الأمد بعيداً عن الإمكان ﴿ ونراه قريب ﴾ منه ثم قال ﴿ يوم ﴾ أي اذكر يوم ﴿ تكون السماء كالمهل ﴾ كدرديّ الزيت.
عن ابن مسعود: كالفضة المذابة.
﴿ وتكون الجبال كالعهن ﴾ أي الصوف المصبوغ ألواناً لقوله ﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ﴾ وجوز جار الله أن ينتصب ﴿ يوم ﴾ بـ ﴿ قريباً ﴾ أو بإضمار يقع لدلالة واقع عليه، أو يراد به يوم تكون السماء كالمهل كان كيت وكيت، أو هو بدل من يوم القيامة فيمن علقه ﴿ بواقع ﴾ قوله ﴿ ولا يسأل حميم ﴾ من قرأ بفتح الياء فظاهر أي لا يسأله بكيف حالك لاشتغال كل بنفسه، ومن قرأ بالضم فالمعنى لا يسأل حميم عن حميم ليعرف شأنه من جهته كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه فيكون على حذف الجار.
وقال الفراء: لا يقال الحميم أين حميمك.
ثم كان لسائل أن يقول: لعله لا يبصره فلهذا لا يسأل فقال ﴿ يبصرونهم ﴾ ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تسائلهم ويجوز أن يكون صفة أي حميماً مبصرين معرفين إياهم وإنما جمع ضمير الحميم لأنه في معنى الجمع حيث رفع في سياق النفي.
وقيل: إن الملة تتعلق بما بعده والمعنى إن المجرمين يبصرون المؤمنين حال ما يود أحدهم أن يفدي نفسه بكل ما يمكنه فإن الإنسان إذا كان في البلاء ثم رأى عدوه في الرخاء كان ذلك أشد عليه ﴿ وفصيلته ﴾ عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم ﴿ تؤويه ﴾ تضمه إليها للانتماء في النسب أو في إعداد النوائب.
ومعنى ﴿ ثم ﴾ استبعاد الإنجاء عن الافتداء ثم أكد الإستبعاد بقوله ﴿ كلا ﴾ وهو ردع للمجرم عن كونه بحيث يود افتداءه وتنبيه على أنه لا ينفعه ذلك.
والضمير في ﴿ أنها ﴾ للقصة كما ذكرنا أو للنار وإن لم يجر لها ذكر لدلالة العذاب عليها، ويجوز أن يعود إلى العذاب والتأنيث باعتبار الخبر لأن ﴿ لظى ﴾ علم لنار جهنم.
واللظى اللهب الخالص.
والشوى الأطراف وهي اليدان والرجلان، والشوى أيضاً جلد الرأس، الواحدة شواة، قال سعيد بن جبير: العصب والعقب ولحم الساقين اليدين تنزعها نزعاً فتهلكها ثم يعيدها الله .
وفي قوله ﴿ تدعو ﴾ وجوه منها: أنها تدعوهم بلسان الحال كما قيل: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك فإن لم تجبك جؤاراً أجابتك اعتباراً.
فههنا لما كان مرجع كل من الكفرة إلى دركة من دركات جنهم كأنها تدعوهم إلى نفسها.
ومنها أن الله يخلق الكلام في جرم النار حتى تقول صريحاً فصيحاً: لي يا كافة الكفرة ثم تلتقطهم التقاط الحب.
ومنها أن يكون على حذف المضاف أي تدعو زبانيتها.
ومنها أن الدعاء بمعنى الإهلاك كقول العرب " دعاه الله " أي أهلكه ﴿ من أدبر ﴾ أي عن الطاعة ﴿ وتولى ﴾ عن الإيمان ﴿ وجمع ﴾ المال حرصاً عليه ﴿ فأوعى ﴾ جعله في وعاء وكنزه فلم يؤد حقوق الله فيه أصلاً وهذه مجامع آفات النفس.
ثم بين أن الإنسان بالطبع مائل إلى الأخلاق الذميمة فقال ﴿ إن الإنسان ﴾ وهو الكافر عند بعضهم والأظهر العموم بدليل الاستثناء عقيبه ﴿ خلق هلوعاً ﴾ والهلع قلة الصبر وشدة الحرص كما فسره الله تعالى بقوله ﴿ إذا مسه الشر ﴾ أي الفقر والمرض ونحوه من المضار ﴿ كان جزوعاً وإذا مسه الخير ﴾ أضداد ذلك ﴿ كان منوعاً ﴾ عن النبي " شر ما أعطي ابن آدم شح هالع وجبن خالع" قال أهل السنة: الحالة النفسانية التي هي مصدر الأفعال الاختيارية كالجزع والمنع لا شك أنها بخلق الله .
بل الجزع والمنع أيضاً من خلقه ولا اعتراض لأحد عليه خلق بعض الناس هلوعاً وخلق المستثنين منهم غير هلوع بل مشغولي القلب بأحوال الآخرة، وكل ذلك تصرف منه في ملكه، وقالت المعتزلة: ليس المراد أنه مخلوق على هذا الوصف لأنه ذكره في معرض الذم والله لا يذم فعله.
ولأنه استثنى منهم جماعة جاهدوا أنفسهم وظلفوها عن الشهوات.
ولو كانت ضرورية لم يقدروا على تركها.
والجواب أن الذين خلقهم كلذلك لم يقدروا على الترك والذين تركوها هم الذين خلقوا على هذا الوصف وهم أصناف ثمانية: الأول الذين يداومون على الصلوات والمراد منها أداؤها في أوقاتها، وأما المحافظة عليها فترجع إلى الاهتمام بشأنها وذلك يحصل برعاية أمور سابقة على الصلاة كالوضوء وستر العورة وطلب القبلة وغيرها، حتى إذا جاء وقت الصلاة لم يكن يتعلق القلب بشرائطها وأمور مقارنة للصلاة كالخشوع والاحتراز عن الرياء والإتيان بالنوافل والمكملات، وأمور لاحقة بالصلاة كالاحتراز عن اللغو وما يضاد الطاعة لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فارتكابه المعصية بعد الصلاة دليل على أن تلك الصلاة لم تقع في حيز القبول.
الثاني ﴿ والذين في أموالهم حق ﴾ قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: هو الزكاة المفروضة.
قلت: الدليل عليه وصفه بأنه معلوم واقترانه بإدامة الصلاة، وقال مجاهد وعطاء والنخعي: هو ما سوى الزكاة وإنه على طريق الندب والاستحباب.
قلت: هذا التفسير بما في " الذاريات " أشبه لأنه لم يصف الحق هناك بأنه معلوم ولأنه مدح هناك قوماً بالتزام ما لا يلزمهم كقلة الهجوع والإستغفار بالأسحار.
الثالث ﴿ والذين يصدقون بيوم الدين ﴾ أي يؤمنون بالغيب والجزاء.
الرابع ﴿ والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ﴾ خائفون والمؤمن خائف من التقصير في الطاعة وبعض الفسقة لا يخافون من إرتكاب أنواع الظلم وأصناف المعصية.
ثم أكد ذلك الخوف بقوله ﴿ إن عذاب ربهم غير مأمون ﴾ لأن الأمور بخواتيمها والخاتمة غير مقطوع بها.
الخامس ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون ﴾ إلى قوله ﴿ العادون ﴾ وقد مر في " المؤمنين ".
والسادس ﴿ والذين هم لأماناتم وعهدهم راعون ﴾ وقد مر أيضاً.
السابع ﴿ والذين هم بشهاداتهم قائمون ﴾ من أفرد فلانها مصدر، ومن جمع فللنظر إلى اختلاف الشهادات وكثرة أنواعها.
وأكثر المفسرين قالوا: هي الشهادات عند الحكام يقومون بها بالحق ولا يكتمونها، وهذه من جملة الأمانات خصها بالذكر تنبيهاً على فضلها لأن في إقامتها إحياء للحقوق وفي تركها تضييع لها.
وروى عطاء عن ابن عباس أنها الشهادة بالله أنه واحد لا شريك له.
الثامن ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون ﴾ وقد ذكرناه.
ثم عين مكان هؤلاء بقوله ﴿ أولئك في جنات مكرمون ﴾ قال المفسرون: كان المشركون يحتفون حول رسول الله فرقاً يستهزؤن به وبالمؤمنين ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم فنزلت.
﴿ فما للذين كفروا قبلك ﴾ أي نحوك وفي مقابلتك ﴿ مهطعين ﴾ مسرعين مادين أعناقهم إليك ﴿ عزين ﴾ فرقاًً شتى جمع عزة محذوفة العجز وأصلها عزوة لأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى فهم مفترقون.
وجمع بالواو والنون عوضاً عن المحذوف كما مر في ﴿ عضين ﴾ قوله ﴿ كلا ﴾ ردع لهم عن الطمع الفاسد وذلك من وجهين: أحدهما أنهم ينكرون البعث فمن أين لهم هذا الطمع.
والثاني أنهم لم يعدوا لها زاداً من الإيمان والعمل الصالح.
وفي قوله ﴿ إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ رد عليهم من الوجهين فإن من علم أن أوله نطفة لم ينكر البعث، أو من علم أن أوله نطفة مذرة كسائر بني آدم لم يدع التقدم والشرف بلا توسل من الإيمان والعمل الصالح.
ثم بين كمال قدرته على الإيجاد والإعدام مؤكداً بالأقسام وأنه لا يفوته شيء من الممكنات.
ومعنى ﴿ المشارق والمغارب ﴾ قد تقدم في أول " الصافات " و " الرحمن " وإن للشمس في كل يوم من نصف السنة مغرباً ومشرقاً.
وقيل: مشرق كل كوكب ومغربه.
وقيل: المراد أنواع الهدايات والخذلانات.
واختلف فيما وصف الله نفسه بالقدرة لعيه هل خرج إلى الفعل أم لا؟
قال بعضهم: بدل الله بهم الانصار والمهاجرين.
وقال آخرون: بدل الله كفرهم بالإيمان.
وقيل: التبديل بمعنى الإهلاك الكلي لهم وإيجاد آخرين مكانهم ولكنه هددهم بذلك لكي يؤمنوا، ثم زاد في التهديد بأن يخلوا وشأنهم إلى أوان لقاء الجزاء والأجداث القبور كما في " يس ".
ثم شبه إسراعهم إلى الداعي مستبقين بإسراعهم إلى أنصابهم وهي كل ما ينصب فيبعد من دون الله وقد مر في قوله ﴿ وما ذبح على النصب ﴾ ومعنى ﴿ يوفضون ﴾ يسرعون.
﴿ وترهقهم ذلة ﴾ تغشاهم والباقي ظاهر والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ ﴾ اختلف في تأويل الإهطاع: فمنهم من يقول: هو الإسلاع في المشي.
ومنهم من يقول: هو إدامة النظر.
فمن حمله على الإسراع، فمعناه: أن أئمة الكفر كانوا يأتون رسول الله ، فيستمعون القرآن منه، ثم يسرعون إلى أتباعهم، ويجلسون حلقا حلقا، ويحرفون ما يستمعون من رسول الله ، ويلبسون على ضعفائهم وأتباعهم؛ ليصدهم ذلك عن الإيمان بالله - عز وجل - ورسوله.
فإن كان الأمر على هذا فتأويله: ما لم يسرعون إليك ليسمعوا كلامك ثم يتفرقوا عن اليمين وعن الشمال ويكذبونك، نحو أن يقول بعضهم: (ما هذا إلا سحر مبين)، و: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ ﴾ \[المؤمنون: 38\]، ونحو ذلك.
وما المنفعة لهم في طعنهم عليك [سوى استحقاقهم] المقت والهلاك بذلك من الله ، وما يرجون بإعراضهم عن تصديقك بعدما رأوا الآيات.
ومن حمله على النظر، فمعناه: أنهم كانوا يجلسون من بعيد، فينظرون إلى رسول الله وأصحابه ويطعنون عليه بالسحر والافتراء، وأنه من [أساطير الأولين، فيمكرون] بمن يقتدي برسول الله ومن يعاديه من الكفرة.
فإن كان على هذا فتأويله كأنه يقول له: يجلسون من البعد ناظرين إليك، ولا يدنون منك؛ ليستمعوا ما أنزل إليك فينتفعوا به، لكنهم متفرقون عن اليمين وعن الشمال، يصدون الناس عن مجلسك، وقد علموا أن لهم إلى من يعلمهم الكتاب والحكمة حاجة؛ إذ ليس عندهم كتاب ولا علم بالأنباء المتقدمة؛ ليعلموا أنك جئت بالعلم والحكمة دون السحر والكهانة.
فإن كان على هذا الوجه؛ فالعتاب لمكان التحريف والتبديل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ﴾ : قوله: ﴿ أَيَطْمَعُ ﴾ حرف استفهام، وقد ذكرنا أن حرف الاستفهام ممن لا يَستِفْهم إيجابٌ.
ثم اختلف في وجه الإيجاب: فمنهم من يقول: معنى قوله: ﴿ أَيَطْمَعُ ﴾ ، أي: لا يطمع كل امرئ منه بعبادتهم الأصنام والأوثان أن يدخلوا جنة نعيم؛ إذ هم منكرون للبعث والجنة والنار، ثم مع هذا ينصرون الأصنام ويعبدونها، ويخضعون لها، وإن كان لا طمع لهم في نصرها إلى شيء في العاقبة، ولا يرجون منها العواقب؛ فيكون [في] هذا ترغيب للمؤمنين على القيام بنصر رسول الله ؛ لأنهم يطمعون في نيل الجنة والكرامة من الله والنجاة من النار بنصرهم رسول الله وبعبادتهم لله ، كأنه يقول: إنهم [لا] يطمعون نيل شيء، ولا يخافون [من شيء] في العاقبة، ثم يقومون بنصر الأصنام، فأنتم أحق بنصر رسول الله ؛ إذ تطمعون نيل الجنة والدخول فيها بنصركم إياه، والله أعلم.
ومنهم من حمله على إيجاب الطمع، وهو أنهم كانوا يطمعون دخول الجنة ونيل نعيمها إذا رجعوا إلى ربهم؛ ظنّاً منهم أنهم إذا ساووا المسلمين في نعيم الدنيا وسعتها، فكذلك يساوونهم في نعيم الآخرة، كما قال الله خبرا عنهم: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ﴾ ، وقال: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ...
﴾ الآية [الجاثية: 21]، هكذا ظن الكفرة أنهم إن رجعوا إلى ربهم فسيجدون عنده خير منقلب، فقال : ﴿ كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ ﴾ ، فقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ على هذا التأويل رد لاعتقادهم وقطع لأطماعهم، فقال: ﴿ كَلاَّ ﴾ أي: لا يدخلونها قط، ثم استأنف الكلام فقال - عز وجل -: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ ﴾ .
وعلى التأويل الأول: ﴿ كَلاَّ ﴾ بمعنى: حقّاً أنهم لا يطمعون، ثم استأنف بقوله: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ ﴾ ، أي: من تلك النطف؛ فيذكرهم بهذا عظيم نعمه وإحسانه إليهم بما أخرجهم منها ونقلهم من حال إلى حال حتى صاروا بشرا سويّاً؛ ليعلموا أنه لا يتركهم سدى؛ بل ليمتحنهم ويستأدي منهم شكر ما أنعم عليهم؛ فيجوب ذلك تصديق الرسل.
وفي تذكير قدرته وسلطانه، وبيان ضعف ابتدائهم؛ ليعلموا أن من قدر على إنشائهم لقادر على أن يحييهم بعدما أفناهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ...
﴾ \[الآية\].
ذكر المشارق والمغارب: ذكر السماوات والأرض، وفي ذكرهما ذكر أهل السماوات [وأهل الأرض]، فيكون معناه: فلا أقسم برب الخلائق أجمع، ويكون حرف "لا" زائداً في الكلام تأكيدا للقسم على ما يذكر، فيكون معناه: فلا أقسم.
ثم حق هذا القسم أن يقول مكان قوله: ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ ﴾ : "فلا أقسم بي" إذا كان القسم من الله ، هذا هو [ظاهر الكلام] في متعارف اللسان، ولكن يحتمل هذا وجوها: أحدها: أن يكون هذا القسم من النبي كأنه علمه أن يقسم به ويقول له: قل يا محمد: ﴿ فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ ﴾ .
وإن كان هذا قسما من الله فهو مستقيم - أيضا - من وجهين: أحدهما: على الإضمار؛ كأنه قال: فلا أقسم بي؛ فأنا رب المشارق والمغارب.
والثاني: وإن كان هذا القسم من الله يستقيم بلفظ الغائب كما يستقيم بلفظ الحاضر؛ لأن الخلق كله لله شهود، وليس هو شاهداً للخلق، فيخرج الكلام بينهم على ما يخاطب الغائب، ومرة على الوجه الذي يخاطب به الشاهد، ومثل هذا مستعمل في متعارف اللسان، والله أعلم.
وفي الآية دلالة على أن ملك السماوات والأرضين ومدبرهما واحد؛ إذ لو لم يكن كذلك لكان لملك السماء أن يمنع الشمس والقمر والكواكب من إيصال النفع إلى أهل الأرض، ويكون لملك الأرض أن يمنع ملك السماء عن الإغراب في الأرض.
ثم الذي يشرق ويغرب منذ خلق يجري على ما جرى عليه التدبير جريا واحدا لم يقع فيه تغيير ولا تبديل، ولو كان لله فيه شريك لكان لا بد من وقوع التغيير فيها؛ فثبت أن تدبير السماوات والأرضين وتدبير سلطانهما راجع إلى الواحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ هذا موضع القسم، فجائز أن يكون أريد به: أن يبدل الخير منهم، فيجعل مكان ما كانوا من الشر خيرا؛ كقوله : ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ﴾ وقد فعل ذلك؛ لأنهم أسلموا.
ويحتمل أن يكون أراد به أن يبدل قوما خيرا منهم.
ثم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على تحقيق القدرة.
والثاني: أن يكون معنى القدرة [إرادة الفعل].
أما الأول فعلى وجهين: أحدهما: على معنى تخويف أهل مكة أنهم إن لم ينتهوا عن ذلك، أنزل الله مكانهم من هو خير لرسول الله ، والبدل لا يكون إلا بعد المبدل عنه، وقد فعل الله ذلك بهم، أهلك المعاندين منهم، وأبدل لرسول الله أولادهم والمهاجرين منهم والأنصار الذين آووا رسول الله ونصروه.
والثاني: أي: كنا قادرين على أن نجعل المرسل إليهم خيرا منهم؛ إذ قد علموا من قدرة الله عز وجل أنه هو الذي خلقهم وأنشأهم، لكن إنما أرسل إليهم وأمرهم؛ لحاجات أنفسهم، لا لنفع يرجع إليه، ليس على ما عليه ملوك الدنيا، لكنه إنما امتحنهم بالأمر ليسعوا في نجاة أنفسهم، ونهاهم؛ ليفكوا رقابهم من النار؛ فيكون فيه تسكين قلب النبي عند وجده عليهم حيث لم يؤمنوا.
وأما الوجه الثاني: أن يكون معنى القدرة إرادة الفعل خاصة؛ إذ قد يكنى بالقدرة عن الفعل إذ هي سبب الفعل؛ كالأمر المعتاد بين الخلق يأمر رجل آخر بفعل فيقول: لا أستطيع ولا أقدر، أي: لا أفعل، وعلى هذا تأويل قوله - عز وجل - ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ أي هل يفعل ذلك فعلى هذا تأويل هذا تأويل قوله - -: ﴿ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ ﴾ ، أي: لفاعلون ما هو خير لرسول الله بدلا عن هؤلاء.
فإن كان على هذا فيكون فيه بشارة لرسول الله أنه يجعل له أصحابا يرضاهم، ويكون فيه إخبار الله - [عز وجل] - لرسول الله بالنصر والغلبة على المكذبين منهم، ويكون فيه إنباء لرسول الله أنه لا ينفذ فيه مكرهم وإن اجتهدوا، ويكون فيه إعلام أنه ينتقم منهم له ويعذبهم، وقد فعل ذلك [كله] بحمد الله - عز وجل - والله المستعان؛ حيث بدل من أهل مكة أهل المدينة، وكانوا خيرا منهم؛ لأن أهل مكة كانوا عليه، وأهل المدينة كانوا له، فكانوا هم خيرا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ .
والمسبوق: المغلوب، فكأنه قال: لا يسبقنا أحد ولا يعجزنا أحد عن ذلك، ولا يفوتنا أحد فيما نريده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ ﴾ .
قال أبو بكر: الخائض: المتحير، واللاعب: الخاطئ، فقوله: ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ ﴾ اي: دعهم فيما هم [فيه] من خطاياهم وتحيرهم في دينهم، فكل من اشتغل بما لا يحتاج له فهو خائض لاعب، وأصله أن كل أمر لا عاقبة له [تحمد فهو فيه لاعب لاه]؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ ، أي: من يعمل في الحياة الدنيا للدنيا لا للآخرة فهو لاعب لاه، وكأن هذه الآية صلة قوله : ﴿ فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ﴾ الآية، أمره بألا يشتغل بأولئك ويقبل على من يرجو منهم الإيمان.
أو أمره بألا يشتغل بمكافأتهم بسوء صنيعهم؛ فإن الله سينصره عليهم ويكافئه عنهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ قد لاقوا ذلك اليوم وهو يوم بدر، وسيلاقون اليوم الثاني وهو يوم الآخرة.
وقوله : ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً ﴾ يخبر أنهم يخرجون من الأجداث، وهي القبور سراعاً إلى الداعي، والذي يحملهم على الإسراع هو أن أنفسهم أبت إجابة الداعي في الدنيا؛ فنزل بهم الهلاك بتركهم الإجابة، فيسارعون في ذلك اليوم إلى إجابة الداعي؛ رجاء أن يتخصلوا من العذاب الذي حق عليهم بترك الإجابة، وذلك لا ينفعهم وإن وجدت منهم التوبة والرجوع عن تلك الإجابة؛ لأن ذلك اليوم ليس بيوم ينفع فيه الندامة والتوبة، وإنما هو يوم تجزى فيه كل نفس بما كسبت؛ وهذا كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴾ فأخبر أنهم يفزعون إلى الإيمان بالله لما أيقنوا أنهم إنما حل بهم البأس بإعراضهم عن الإيمان، ففزعوا عند إيقانهم بالعذاب إلى الإيمان؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب، فلم ينفعهم ذلك ولم يغنهم من عذاب الله شيء؛ إذ ذلك الوقت ليس بوقت قبول التوبة، فيكون هذا تحريضا بالإسراع إلى إجابة الداعي والإيمان بما يدعو إليه قبل أن يؤمنوا إيمانا لا ينفعهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ .
قرئ بنصب النون، وجزم الصاد، وهو اسم العلامة كالغرض وأشباهه.
وقرئ بضم النون والصاد، وهو اسم الصنم.
فإن كان على العلامة، فمعناه: أنهم يسارعون في ذلك الوقت إلى إجابة الداعي مسارعة من يسارع في هذه الدنيا إلى الغرض والعلامة المنصوبة؛ كذا قاله بعض أهل التأويل.
وذكر عن الكلبي ﴿ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ : إلى علم يسعون.
وقال قتادة: إلى علم يستبقون.
وعن مجاهد: إلى علم ينطلقون.
فإن كان على الثاني، فمعناه: أنهم يسرعون إلى إجابة الداعي في ذلك؛ كسرعتهم إلى عبادة النصب عند خوفهم فوت عبادتها وعند اجتماع عبادها عندها لو يبتدرون نصبهم حتى يستلموها.
ومنهم من ذكر أن النصب برفع النون والصاد هي الأغراض التي يسبقون إليها، ومن تأول هذا فهو يجعل النُّصُب هاهنا جمع النَّصْب.
وقوله: ﴿ يُوفِضُونَ ﴾ أي: يسرعون.
وقال الحسن: أي: يرملون، وهما واحد؛ لأن الإسراع في الرمل موجود.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ ﴾ : يحتمل أن يكون هذا على بصر الوجوه وصفة خشوعها [على] ما قال في آية أخرى: ﴿ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ فيخشع خشوعا لا يملك صرف طرفه عن الداعي، ففيه أن الذِّلة قد أحاطت بهم حتى أثرت في الأعين والوجوه، وفي كل عضو.
وجائز أن يكون هذا على بصر القلوب، وهو أن قلوبهم تشتغل بإجابة الداعي عن أن تبصر لنفسها حيلة تتخلص [بها] من أهوال ذلك اليوم وشدائده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾ : أي: تعلوهم، والذلة: الحالة في النفس تبدو وتظهر من الأبصار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾ .
حقه أن يقول: هذا اليوم الذي كانوا يوعدون؛ لأنه أضاف إلى اليوم الذي كانوا يوعدون في الدنيا.
ولكن معناه: كانوا يوعدون ذلك اليوم في الدنيا، وذلك اليوم في الوقت الذي كانوا يوعدون غير موجود، فيعبر عنه بما يعبر به عن الغائب، والله أعلم، [وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين].
على تبديلهم بغيرهم ممن يطيع الله، ونهلكهم، لا نعجز عن ذلك، ولسنا بمغلوبين متى أردنا إهلاكهم وتبديلهم بغيرهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.VqLbj"