الإسلام > القرآن > سور > سورة 70 المعارج > الآية ٤٤ من سورة المعارج
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 69 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٤ من سورة المعارج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( خاشعة أبصارهم ) أي : خاضعة ) ترهقهم ذلة ) أي : في مقابلة ما استكبروا في الدنيا عن الطاعة ، ( ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ) آخر تفسير سورة " سأل سائل " ولله الحمد والمنة .
وقوله: ( خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ ) يقول: خاضعة أبصارهم للذي هم فيه من الخزي والهوان، ( تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) يقول: تغشاهم ذلة، ( ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ) يقول عزّ وجلّ: هذا اليوم الذي وصفت صفته، وهو يوم القيامة، الذي كان مشركو قريش يوعدونَ في الدنيا أنهم لا قوه في الآخرة، كانوا يُكَذّبون به.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( ذَلِكَ الْيَوْمُ ): يوم القيامة ( الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ).
قوله تعالى : خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدونقوله تعالى : خاشعة أبصارهم أي ذليلة خاضعة ، لا يرفعونها لما يتوقعونه من عذاب الله .ترهقهم ذلة أي يغشاهم الهوان .
قال قتادة : هو سواد الوجوه .
والرهق : الغشيان ; ومنه غلام مراهق إذا غشي الاحتلام .
رهقه ( بالكسر ) يرهقه رهقا أي غشيه ; ومنه قوله تعالى : ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة .ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون أي يوعدونه في الدنيا أن لهم فيه العذاب .
وأخرج الخبر بلفظ الماضي لأن ما وعد الله به يكون لا محالة
{ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } وذلك أن الذلة والقلق قد ملك قلوبهم، واستولى على أفئدتهم، فخشعت منهم الأبصار، وسكنت منهم الحركات، وانقطعت الأصوات.فهذه الحال والمآل، هو يومهم { الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ } ولا بد من الوفاء بوعد الله [تمت والحمد لله].
( خاشعة ) ذليلة خاضعة ( أبصارهم ترهقهم ذلة ) يغشاهم هوان ( ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ) يعني يوم القيامة .
«خاشعة» ذليلة «أبصارهم ترهقهم» تغشاهم «ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون» ذلك مبتدأ وما بعده الخبر ومعناه يوم القيامة.
فاتركهم يخوضوا في باطلهم، ويلعبوا في دنياهم حتى يلاقوا يوم القيامة الذي يوعدون فيه بالعذاب، يوم يخرجون من القبور مسرعين، كما كانوا في الدنيا يذهبون إلى آلهتهم التي اختلقوها للعبادة مِن دون الله، يهرولون ويسرعون، ذليلة أبصارهم منكسرة إلى الأرض، تغشاهم الحقارة والمهانة، ذلك هو اليوم الذي وعدوا به في الدنيا، وكانوا به يهزؤون ويُكَذِّبون.
( خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ ) أى : يخرجون من قبورهم ، حالة كونهم ذليلة خاضعة أبصارهم ، لا يرفعونها لما هم فيه من الخزى والهوان .( تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) أى : تغشاهم ذلة شديدة ، وهوان عظيم .
يقال : رَهِقهَ الأمر يرهَقهُ رَهَقاً ، إذا غشيه بقهر وغلبة لا يمكن لا دفعها .( ذَلِكَ اليوم الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ ) أى : ذلك الذى ذكرناه من الأهوال ، هو اليوم الذى كانوا يوعدونه فى الدنيا على ألسنة الرسل ، والذى كانوا ينكرون وقوعه ، وها هو ذا فى حكم الواقع ، لأن كل ما أخبر الله - تعالى - عنه ، فهو متحقق الوقوع .
كما قال - سبحانه - فى أول السورة ( سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ .
لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ) وهكذا افتتحت السورة بإثبات أن يوم القيامة حق ، واختتتمت كذلك بإثبات أن يوم القيامة حق .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
ثم ذكر تعالى ذلك اليوم الذي تقدم ذكره فقال: ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداثِ سِرَاعاً ﴾ وهو كقوله: ﴿ فَإِذَا هُم مّنَ الأجداث إلى رَبّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خاشعة أبصارهم تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ اليوم الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾ .
اعلم أن في ﴿ نَصَبٌ ﴾ ثلاث قراءات أحدها: وهي قراءة الجمهور ﴿ نَصَبٌ ﴾ بفتح النون والنصب كل شيء نصب والمعنى كأنهم إلى علم لهم يستبقون والقراءة الثانية: ﴿ نَصَبٌ ﴾ بضم النون وسكون الصاد وفيه وجهان: أحدهما: النصب والنصب لغتان مثل الضعف والضعف وثانيهما: أن يكون جمع نصب كشقف جمع شقف والقراءة الثالثة: ﴿ نَصَبٌ ﴾ بضم النون والصاد، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون النصب والنصب كلاهما يكونان جمع نصب كأسد وأسد جمع أسد وثانيهما: أن يكون المراد من النصب الأنصاب وهي الأشياء التي تنصب فتعبد من دون الله كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب ﴾ وقوله: ﴿ يُوفِضُونَ ﴾ يسرعون، ومعنى الآية على هذا الوجه أنهم يوم يخرجون من الأجداث يسرعون إلى الداعي مستبقين كما كانوا يستبقون إلى أنصارهم، وبقية السورة معلومة، والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كان المشركون يحتفون حول النبي صلى الله عليه وسلم حلقاً حلقاً وفرقاً فرقاً، يستمعون ويستهزؤون بكلامه.
ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم، فنزلت ﴿ مُهْطِعِينَ ﴾ مسرعين نحوك، مادّي أعناقهم إليك، مقبلين بأبصارهم عليك ﴿ عِزِينَ ﴾ فرقا شتى جمع عزة، وأصلها عزوة، كأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى: فهم مفترقون.
قال الكميت.
وَنَحْنُ وَجَنْدَلٌ بَاغٍ تَرَكْنَا ** كَتَائِبَ جَنْدَكٍ شَتَّى عِزِيناً وقيل: كان المستهزؤون خمسة أرهط ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع لهم عن طمعهم في دخول الجنة، ثم علل ذلك بقوله: ﴿ إِنَّا خلقناهم مّمَّا يَعْلَمُونَ ﴾ إلى آخر السورة، وهو كلام دال على إنكارهم البعث، فكانه قال: كلا إنهم منكرون للبعث والجزاء؛ فمن أين يطعمون في دخول الجنة؟
فإن قلت: من أي وجه دل هذا الكلام على إنكار البعث؟
قلت: من حيث أنه احتجاج عليهم بالنشأة الأولى، كالاحتجاج بها عليهم في مواضع من التنزيل، وذلك قوله: ﴿ خلقناهم مّمَّا يَعْلَمُونَ ﴾ أي من النطف، وبالقدرة على أن يهلكهم ويبدل ناساً خيراً منهم، وأنه ليس بمسبوق على ما يريد تكوينه لا يعجزه شيء، والغرض أن من قدر على ذلك لم تعجزه الإعادة.
ويجوز أن يراد: إنا خلقناهم مما يعلمون، أي: من النطفة المذرة، وهي منصبهم الذي لا منصب أوضع منه.
ولذلك أبهم وأخفى: إشعاراً بأنه منصب يستحيا من ذكره، فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم ويقولون: لندخلن الجنة قبلهم.
وقيل: معناه إنا خلقناهم من نطفة كما خلقنا بني آدم كلهم، ومن حكمنا أن لا يدخل أحد منهم الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، فلم يطمع أن يدخلها من ليس له إيمان وعمل.
وقرئ: ﴿ برب المشرق والمغرب ﴾ ويخرجون، ويخرجون ومن الأجداث سراعاً، بالإظهار والإدغام.
ونصب، ونصب: وهو كل ما نصب فعبد من دون الله ﴿ يُوفِضُونَ ﴾ يسرعون إلى الداعي مستبقين كما كانوا يستبقون إلى أنصابهم.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة سأل سائل أعطاه الله ثواب الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون» .
﴿ فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ مَرَّ في آخِرِ سُورَةِ «الطُّورِ».
﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا ﴾ مُسْرِعِينَ جَمْعُ سَرِيعٍ ﴿ كَأنَّهم إلى نُصُبٍ ﴾ مَنصُوبٍ لِلْعِبادَةِ أوْ عَلَمٍ ﴿ يُوفِضُونَ ﴾ يُسْرِعُونَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ إلى نُصُبٍ بِضَمِّ النُّونِ والصّادِ والباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ نَصْبٍ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ وقُرِئَ بِالضَّمِّ عَلى أنَّهُ تَخْفِيفُ نُصُبٍ أوْ جَمْعٌ.
﴿ خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُهُ ﴿ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ في الدُّنْيا.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ سَألَ سائِلٌ أعْطاهُ اللَّهُ ثَوابَ الَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ».»
{خاشعة} حال من ضمير يُخْرِجُونَ أي ذليلة {أبصارهم} يعني لا يرفعونها لذلتهم {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} يغشاهم هوان {ذَلِكَ اليوم الذى كَانُواْ يُوعَدُونَ} في الدنيا وهم يكذبون به
سورة نوح عليه السلام مكية وهي ثمان وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ خاشِعَةً أبْصارُهُمْ ﴾ لِعَظَمِ ما تَحَقَّقُوهُ ووُصِفَتْ أبْصارُهم بِالخُشُوعِ مَعَ أنَّهُ وصْفُ الكُلِّ لِغايَةِ ظُهُورِ آثارِهِ فِيها ﴿ تَرْهَقُهُمْ ﴾ تَغْشاهم ﴿ ذِلَّةٌ ﴾ شَدِيدَةٌ ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي ذَكَرَ ما سَيَقَعُ فِيهِ مِنَ الأحْوالِ الهائِلَةِ ﴿ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ أيْ في الدُّنْيا.
.
واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ ( واليَوْمُ ) خَبَرٌ والمَوْصُولُ صِفَتُهُ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يُوعَدُونَهُ وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خِلاذٍ عَنْ داوُدَ بْنِ سالِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ والحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ التَّمّارِ «( ذِلَّةِ)» بِغَيْرِ تَنْوِينٍ مُضافًا إلى ( ذَلِكَ اليَوْمِ ) بِالجَرِّ هَذا واعْلَمْ أنَّ بَعْضَ المُتَصَوِّفَةِ في هَذا الزَّمانِ ذَكَرَ في شَأْنِ هَذا اليَوْمِ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مِقْدارَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ أنَّ المَراتِبَ أرْبَعٌ: المُلْكُ والمَلَكُوتُ والجَبَرُوتُ واللّاهُوتُ وكُلُّ مَرْتَبَةٍ عُلْيا مُحِيطَةٌ بِالسُّفْلى وأعْلى مِنها بِعَشْرِ دَرَجاتٍ لِأنَّها تَمامُ المَرْتَبَةِ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأشْياءَ مِن عَشْرِ قَبَضاتٍ يَعْنِي مِن سِرِّ عَشْرِ مَراتِبِ الأفْلاكِ التِّسْعَةِ والعَناصِرِ في كُلِّ عالَمٍ بِحَسْبِهِ ولِذا تَرَتَّبَتْ مَراتِبُ الأعْدادِ عَلى الأرْبَعِ والألْفُ مُنْتَهى المَراتِبِ وأقْصى الغاياتِ.
ولَمّا كانَتِ النِّسْبَةُ إلى الرَّبِّ أيْ إلى وُجْهَةِ الحَقِّ هي الغايَةُ القُصْوى بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَداها ( أنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى ) [النَّجْمِ: 42] كانَ اليَوْمُ الواحِدُ المَنسُوبُ إلَيْهِ ألْفًا ولِذا كانَ اليَوْمُ الرُّبُوبِيُّ ألْفَ سَنَةٍ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ فَإذا تَرَقّى الكَوْنُ واقْتَضَتِ الحِكْمَةُ ظُهُورَ النَّشْأةِ الأُخْرى وبُرُوزَ آثارِ الِاسْمِ الأعْظَمِ في مَقامِ الأُلُوهِيَّةِ في رُتْبَةِ الجامِعِ ظَهَرَ الكَوْنُ والأكْوانُ والمُكَوِّناتُ في مَحْشَرٍ واحِدٍ عَلى مَراتِبِها في الأعْيانِ فَظَهَرَ سِرُّ النُّونِ مِن كَلِمَةِ ﴿ كُنْ ﴾ لِظُهُورِ فَيَكُونُ فَظَهَرَ الخَمْسُونَ في العَوْدِ كَما نَزَلَ في البَدْءِ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ ﴾ فَكانَ اليَوْمُ الواحِدُ عِنْدَ ظُهُورِ الِاسْمِ الأعْظَمِ في الجِهَةِ الجامِعَةِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، فالألْفُ لِتَرَقِّي الواحِدِ ولَمّا كانَتِ المَراتِبُ خَمْسِينَ كانَ خَمْسِينَ ألْفًا والخَمْسُونَ تَفاصِيلُ ظُهُورِ اسْمِ الرَّبِّ عِنْدَ ظُهُورِ اسْمِ اللَّهِ في عالَمِ الأمْرِ الَّذِي هو أوَّلُ مَراتِبِ التَّفْصِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى ( كُنْ ) وكانَ أوَّلُ ظُهُورِ التَّفْصِيلِ خَمْسِينَ لِأنَّ التَّوْحِيدَ الظّاهِرَ في النُّقْطَةِ والألِفِ والحُرُوفِ والكَلِمَةِ التّامَّةِ والدَّلالَةِ الَّتِي هي تَمامُ الخَمْسَةِ إنَّما كانَتْ فِي عَشَرَةِ عَوالِمِ المَراتِبِ التَّعَيُّناتِ أوْ لِأنَّ الطَّبائِعَ الأرْبَعَ مَعَ حُصُولِ المِزاجِ بِظُهُورِ طَبِيعَةٍ خامِسَةٍ وبِها تَمامُ الخَمْسَةِ إنَّما كانَتْ في عَشَرَةِ عَوالِمَ يَحْسَبُها فَكانَ المَجْمُوعُ خَمْسِينَ والعَوالِمُ العَشْرَةُ هي عالَمُ الإمْكانِ وعالَمُ الفُؤادِ وعالَمُ القَلْبِ وعالَمُ العَقْلِ وعالَمُ الرُّوحِ وعالَمُ النَّفْسِ وعالَمُ الطَّبِيعَةِ وعالَمُ المادَّةِ وعالَمُ المِثالِ وعالَمُ الأجْسامِ.
والخَمْسُونَ في وجْهِ الرَّبِّ ووُجْهَةِ الحَقِّ في العالَمِ الأوَّلِ الَّذِي هو الآخِرُ تَكُونُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ انْتَهى فَإنْ فَهِمْتَ مِنهُ مَعْنًى صَحِيحًا تَقَبَّلَهُ ذَوُو العُقُولِ ولا يَأْباهُ المَنقُولُ فَذاكَ وإلّا فاحْمَدِ اللَّهَ تَعالى عَلى العافِيَةِ واسْألْهُ عَزَّ وجَلَّ التَّوْفِيقَ لِلْوُصُولِ إلى مَعالِمِ التَّحْقِيقِ ولِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ أيْضًا كَلامٌ في هَذا المَقامِ فَمَن أرادَهُ فَلْيَتَتَبَّعْ كُتُبَهُ ولِيَسْألِ اللَّهَ تَعالى الفُتُوحاتِ وهو سُبْحانُهُ ولِيُّ الهِباتِ.
ثم قال تعالى: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ يعني: حولك ويقال: عندك ناظرين.
والمهطع: المقبل ببصره على الشيء.
كانوا ينظرون إليه نظرة عداوة يعني: كفار مكة.
وإنما قولهم مُهْطِعِينَ نصباً على الحال.
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ يعني: حلقاً حلقاً جلوساً لا يدنون منه، فينتفعون بمجلسه.
ويقال: عِزِينَ يعني: متفرقين.
وروى تميم، عن طرفة، عن جابر بن سمرة قال: دخل علينا رسول الله ونحن جلوس متفرقين، فقال: «مَا لِي أرَاكُمْ عِزِينَ؟» يعني: متفرقين أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ يعني: يتمنى كل واحد منهم أن يدخل الجنة، كما يدخل المسلمون.
قال الله تعالى: كَلَّا يعني: لا يدخلون ما داموا على كفرهم.
ثم قال: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ يعني: من النطفة وقال الزجاج: معناه أنهم خلقوا مِّن تُرَابٍ، ثُمَّ مِن نطفة.
فأي شيء لهم يدخلون به الجنة؟
ويقال: إنا خلقناهم مما يعلمون، فبماذا يتكبرون ويتجبرون؟
ثم قال عز وجل: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ يعني: أقسم برب المشارق وقال في آية: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
وإنما أراد به الناحية التي تطلع الشمس، والناحية التي تغرب الشمس منها.
وقال في آية أخرى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ يعني: مشرق الشتاء ومشرق الصيف، ورب المغربين لذلك وقال في هذا الموضع: بِرَبِّ الْمَشارِقِ يعني: مشرق كل يوم وهي ثمانون ومائة مشرق في الشتاء ومشرق مثلها في الصيف.
وَالْمَغارِبِ يعني: مغرب كل يوم.
إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ يعني: على أن نهلكهم ونخلق خلقاً خيراً منهم وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ يعني: عاجزين.
فَذَرْهُمْ يعني: اتركهم وأعرض عنهم.
يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا يعني: حتى يخوضوا ويلعبوا في الباطل ويستهزءوا.
حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ يعني: يعاينوا يومهم الَّذِي يُوعَدُونَ.
قوله تعالى: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً يعني: في اليوم الذي يوعدون وفي اليوم الذي يخرجون من القبور سراعاً يعني: يسرعون إلى الصوت كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ يعني: كأنهم إلى علم منصوب يمضون.
قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص إِلى نُصُبٍ بضم النون والصاد يعني: أصناماً لهم، كقوله: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة: 3] ، والباقون إِلى نُصُبٍ يعني: إلى علم يستبقون.
وقال أهل اللغة: الإيفاض: الإسراع.
خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ يعني: ذليلة أبصارهم.
تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ يعني: تغشاهم مذلة.
ثم قال: ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ يعني: يوعدون فيه العذاب، وهم له منكرون وصلى الله على سيدنا محمد.
في الحقُوقِ التي في المَالِ سِوَى الزكاةِ «١» ، وهي ما نَدَبَتْ إليه الشريعةُ من المواساة، وهذا هو الأصَحُّ في هذه الآية لأن السورَة مكيةٌ وفَرْضُ الزكاةِ وبيانُها إنما كَان بالمدينة، وباقي الآية تقدّم تفسير نظيره.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ جَمَع الأمَانَةَ مِنْ حَيْثُ إنَّها متنوعةٌ في الأمْوَال والأسْرَارِ، وفيما بينَ العَبْدِ وربِّه، فيما أمره به ونهاه عنه، والعَهْدُ كلُّ ما تَقَلَّدَه الإنْسَانُ من قَوْلٍ أو فعل، أو مَوَدَّةٍ، إذا كانَتْ هذه الأَشْيَاء على منهاج الشريعةِ فَهُو عَهْدٌ ينبغي رعيُه وحفظُه.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ معناه في قول جماعة من المفسرين: أنهم يَحْفَظُون ما يَشْهَدُونَ فيه، ويُتْقِنُونَه، ويقومُونَ بمعانيه حتَى لاَ يكونَ لهم فيه تقصيرٌ وهَذَا هو وصفُ من يمتثل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «عَلَى مِثْلِ الشَّمْسِ فاشهد» ، وقال آخرونَ: معناه: الذينَ إذا كَانَتْ عندَهم شهادةٌ وَرَأوْا حَقاً يُدْرَسُ أو حُرْمَةً للَّهِ تُنْتَهَكُ قامُوا للَّهِ بشهادتهم.
فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧)
وقوله تعالى: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ الآية نزلت بسبب/ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كَانَ يصلي عندَ الكعبةِ أحياناً ويقرأ القرآن، فكان كثيرٌ من الكفَّارِ يَقُومُونَ من مجَالِسِهم مسرعينَ إليه يستمعون قراءَتَه، ويقول بعضهم لبعض: شاعر وكاهن، ومفتر وغير ذلك، وقِبَلَكَ معناه فيما يليكَ، والمُهْطِعُ الذي يمشي مُسْرِعاً إلى شيء قد أقبل ببصره عليه، وعِزِينَ جَمْعُ عِزَةٍ، والعِزَةُ: الجَمْعُ اليسيرُ كأَنَّهم كَانُوا ثلاثةً ثَلاَثَةً وأَرْبَعَةً أرْبَعَةً، وفي حديثِ أَبِي هريرة قال: «خرج النبي صلّى الله عليه وسلّم على أصحابه وهم حَلَقٌ متفرقونَ، فقالَ: مالي أراكم عزين» «٢» .
أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)
وقوله تعالى: أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ نزلتْ لأَنَّ بعضَ الكفارِ قال: إنْ كَانَتْ ثَمَّ آخرةٌ وجنةٌ فنحنُ أهْلها لأَنَّ اللَّهَ تعالى لم يُنْعِمْ علينا في الدنيا بالمال والبنِين، وغيرِ ذلك إلا لرضَاه عنا.
وقوله تعالى: كَلَّا رَدُّ لقولِهم وَطَمَعِهم، أي: ليس الأمْرُ كذلك، ثم أخبرَ تَعَالَى عَنْ خَلْقِهِم من نطفةٍ قدرة، وأحالَ في العبارةِ عَلى عِلْمِ الناسِ، أي: فمن خُلِقَ من ذلكَ فَلَيْسَ بنفسِ خَلْقِهِ يُعْطَى الجنةَ، بلْ بالإيمَانِ والأَعْمَالِ الصالحةِ، ورَوَى ابن المباركِ في «رقائقه» قال: أخبرنا مالك بن مغول قال: سمعت أبا ربيعة يحدِّثُ عن الحسن قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كُلُّكُم يُحِبُّ أنْ يُدْخَلَ الجَنَّةُ؟
قَالُوا: نَعَمْ، جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ:
فَأَقْصِرُوا مِنَ الأَمَلِ، وثَبِّتُوا آجَالَكُمْ بَيْنَ أَبْصَارِكُمْ، واسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ، قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّنَا نَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ، قَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ الحَيَاءُ، ولكن الحَيَاءَ مِنَ اللَّهِ أَلاَّ تَنْسَوُا المَقَابِرَ والبلى، وَلاَ تَنْسَوُا الجَوْفَ وَمَا وعى، وَلاَ تَنْسَوُا الرَّأْسَ وَمَا حوى/، وَمَنْ يَشْتَهِي كَرَامَةَ الآخِرَةِ يَدَعُ زِينَةَ الدُّنْيَا، هُنَالِكَ استحيا الْعَبْدُ مِنَ اللَّهِ، هُنَالِكَ أصَابَ وِلاَيَةَ اللَّهِ» «١» ، انتهى، وقد روِّينَا أكْثَرَ هَذا الحدِيثِ، من طريقِ أبي عيسى الترمذي، وباقي الآيةِ تَقَدَّم تفسيرُ نظيرِه، والأَجْدَاثُ القبُورَ، والنُّصُبُ: ما نُصِبَ للإنْسَانِ فهو يَقْصِدُه مسرعاً إليه من عَلَمٍ أو بناءٍ، وقال أبو العالية: إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ: معناه: إلى غايات يستبقون، ويُوفِضُونَ: معناه: يسرعون، وخاشِعَةً: أي: ذليلة منكسرة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَنى بِهِ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ الجُمَحِيَّ.
وفي الهَلُوعِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ المَوْصُوفُ بِما يَلِي هَذِهِ الآيَةَ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُ الحَرِيصُ عَلى ما لا يَحِلُّ لَهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: البَخِيلُ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: الشَّحِيحُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والخامِسُ: الشَّرِهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والسّادِسُ: الضَّجُورُ، قالَهُ عِكْرَمَةُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.
والسّابِعُ: الشَّدِيدُ الجَزِعُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا مَسَّهُ الشَّرُّ ﴾ أيْ: أصابَهُ الفَقْرُ "جَزُوعًا" لا يَصْبِرُ، ولا يَحْتَسِبُ "وَإذا مَسَّهُ الخَيْرُ" أصابَهُ المالُ "مَنُوعًا" بِمَنعِهِ مِن حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ "إلّا المُصَلِّينَ" وهم أهْلُ الإيمانِ بِاللَّهِ.
وإنَّما اسْتَثْنى الجَمْعَ مِنَ الإنْسانِ، لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسِ "الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ" وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ يُحافِظُونَ عَلى المَكْتُوباتِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: أنَّهم لا يَلْتَفِتُونَ عَنْ أيْمانِهِمْ وشَمائِلِهِمْ في الصَّلاةِ، قالَهُ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ: ويَكُونُ اشْتِقاقُهُ مِنَ الدّائِمِ، وهو السّاكِنُ، كَما جاءَ فِي الحَدِيثِ «أنَّهُ نَهى عَنِ البَوْلِ في الماءِ الدّائِمِ.» والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ فِعْلَ التَّطَوُّعِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾ قَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها في [الذّارِياتِ: ١٩] وبَيَّنّا مَعْنى "يَوْمَ الدِّينِ" في "الفاتِحَةِ" .
وما بَعْدَ هَذا قَدْ شَرَحْناهُ في [المُؤْمِنِينَ: ٧ ٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لأماناتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "لِأمانَتِهِمْ"، ﴿ والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "بِشَهادَتِهِمْ" عَلى التَّوْحِيدِ.
وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "بِشَهاداتِهِمْ" جَمْعًا ﴿ قائِمُونَ ﴾ أيْ: يَقُومُونَ فِيها بِالحَقِّ ولا يَكْتُمُونَها ﴿ فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ﴾ نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ الكُفّارِ جَلَسُوا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ يَسْتَهْزِؤُونَ بِالقُرْآنِ، ويُكَذِّبُونَ بِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمُهْطِعُ: المُقْبِلُ بِبَصَرِهِ عَلى الشَّيْءِ لا يُزايِلُهُ، وكانُوا يَنْظُرُونَ إلى النَّبِيِّ نَظَرَ عَداوَةٍ.
وقَدْ سَبَقَ الخِلافُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُهْطِعِينَ ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: العِزُونَ: الحِلَقُ، الجَماعاتُ، واحِدَتُها: عِزَةٌ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ النَّبِيِّ فَيَقُولُونَ: إنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ، كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلَنَدْخُلَنَّها قَبْلَهُمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "أنْ يَدْخُلَ" بِفَتْحِ الياءِ، وضَمِّ الخاءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عِزِينَ جَمْعُ عِزَةٍ، مِثْلُ ثُبَةٍ، وثُبِينَ، فَهي جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا يَكُونُ ذَلِكَ ﴿ إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ، فالمَعْنى: لا يَسْتَوْجِبُ الجَنَّةَ أحَدٌ بِما يَدَّعِيهِ مِنَ الشَّرَفِ عَلى غَيْرِهِ، إذِ الأصْلُ واحِدٌ، وإنَّما يَسْتَوْجِبُها بِالطّاعَةِ.
والثّانِي: إنّا خَلَقْناهم مِن أقْذارٍ.
فَبِماذا يَسْتَحِقُّونَ الجَنَّةَ ولَمْ يُؤْمِنُوا؟!
وقَدْ رَوى بِشْرُ بْنُ جِحاشٍ عَنِ النَّبِيِّ «أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ ﴾ ثُمَّ بَزَقَ، قالَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنّى تُعْجِزُنِي، وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن مِثْلِ هَذِهِ؟!
حَتّى إذا سَوَّيْتُكَ، وعَدَّلْتُكَ، مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ، ولِلْأرْضِ مِنكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ، ومَنَعْتَ، حَتّى إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ قُلْتَ: أتَصَدَّقُ، وأنّى أوانُ الصَّدَقَةِ؟!
.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ ﴾ قَدْ تَكَلَّمْنا عَلَيْهِ في [الحاقَّةِ: ٣٨] والمُرادُ بِالمَشارِقِ، والمَغارِبِ: شَرْقُ كُلِّ يَوْمٍ ومَغْرِبُهُ "إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ" أيْ: نَخْلُقُ أمْثَلَ مِنهُمْ، وأطْوَعَ لِلَّهِ حِينَ عَصَوْا ﴿ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ مُفَسَّرٌ في [الواقِعَةِ: ٦٠] ﴿ فَذَرْهم يَخُوضُوا ﴾ في باطِلِهِمْ ﴿ وَيَلْعَبُوا ﴾ أيْ: يَلْهُوا في دُنْياهم ﴿ حَتّى يُلاقُوا ﴾ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "يَلْقَوْا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ" وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
وهَذا لَفْظُ أمْرٍ، مَعْناهُ الوَعِيدِ.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
وإذا قُلْنا: إنَّهُ وعِيدٌ بِلِقاءِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا وجْهَ لِلنَّسْخِ ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا ﴾ أيْ: يَخْرُجُونَ بِسُرْعَةٍ كَأنَّهم يَسْتَبِقُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهم إلى نُصُبٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ النُّونِ والصّادِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهو واحِدُ الأنْصابِ، وهي آلِهَتُهُمُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها.
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: كَأنَّهم إلى آلِهَتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها يُسْرِعُونَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ، وهي في مَعْنى القِراءَةِ الأُولى، إلّا أنَّهُ مَصْدَرٌ.
كَقَوْلِ القائِلِ: نَصَبْتُ الشَّيْءَ أنْصِبُهُ نَصْبًا.
قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: كَأنَّهم إلى شَيْءٍ مَنصُوبٍ يُسْرِعُونَ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَأْوِيلُهُ: كَأنَّهم إلى صَنَمٍ مَنصُوبٍ يُسْرِعُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وَأبُو مِجْلَزٍ، والنَّخَعِيُّ "نُصْبٍ" بِرَفْعِ النُّونِ، وإسْكانِ الصّادِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "إلى نَصَبٍ" بِفَتْحِ النُّونِ والصّادِ جَمِيعًا.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النُّصُبُ: حَجَرٌ يُنْصَبُ أوْ صَنَمٌ، يُقالُ: نَصْبٌ، ونُصْبٌ، ونُصُبٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: النَّصْبُ والنُّصْبُ واحِدٌ، وهو مَصْدَرٌ، والجَمْعُ: الأنْصابُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: النَّصْبُ، والنُّصُبُ: العَلَمُ المَنصُوبُ.
قالَ الفَرّاءُ: والإيفاضُ: الإسْراعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ﴾ قَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعَمْرُو ابْنُ دِينارٍ "ذِلَّةُ ذَلِكَ اليَوْمِ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وبِخَفْضِ المِيمِ.
وباقِي السُّورَةِ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [المَعارِجِ: ٤٢] .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ ﴾ ﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ ﴿ فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ ﴿ خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلا أُقْسِمُ" وذَلِكَ عَلى أنْ تَكُونَ "لا" زائِدَةً، أو تَكُونُ رَدًّا لِفِعْلِ الكَفّارِ وقَوْلِهِمْ، ثُمَّ يَقَعُ الِابْتِداءُ بِالقَسَمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "فَلَأُقْسِمُ" دُونَ ألِفٍ مُفْرَدَةٍ.
و"المَشارِقُ والمَغارِبُ" هي مَطالِعُ الشَمْسِ والقَمَرِ وسائِرِ الكَواكِبِ وحَيْثُ تَغْرُبُ لِأنَّها مُخْتَلِفَةٌ عِنْدَ التَفْضِيلِ، فَلِذَلِكَ جَمَعَ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "بِرَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" عَلى الإفْرادِ، ومَتى ورَدَ "المَشْرِقُ والمَغْرِبُ عَلى الإفْرادِ فَهي عِبارَةٌ عن مَوْضِعِ الشُرُوقِ ومَوْضِعِ الغُرُوبِ بِجُمْلَتِهِ وإنْ كانَ يَتَفَصَّلُ، ومَتى ورَدَ المَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ فَهي عِبارَةٌ عن طَرَفَيْ مَوْضِعِ الشُرُوقِ وطَرَفَيْ مَوْضِعِ الغُرُوبِ.
وأقْسَمَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِمَخْلُوقاتِهِ عَلى إيجابِ قُدْرَتِهِ عَلى أنَّ تُبْدَلَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ العالَمِ، وأنَّهُ لا يَسْبِقُهُ شَيْءٌ إلى إرادَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهم يَخُوضُوا ﴾ الآيَةُ وعِيدٌ، وما فِيهِ مِن مَعْنى المُهادَنَةِ فَمَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "يُلْقُوا" بِغَيْرِ ألِفٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ.
و"يَوْمَ يُخْرَجُونَ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَهُمُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَخْرُجُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، ورَوى أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: ضَمَّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ.
و"الأجْداثِ": القُبُورُ.
و"النَصْبُ": ما نُصِبَ لِلْإنْسانِ فَهو يَقْصِدُ مُسْرِعًا إلَيْهِ مِن عِلْمٍ أو بِناءٍ أو صَنَمٍ لِأهْلِ الأصْنامِ، وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُ هَذا الِاسْمِ في الأصْنامِ حَتّى قِيلَ لَها: الأنْصابُ، ويُقالُ لِشَبَكَةِ الصائِدِ: نُصُبٌ، وقالَ أبُو العالِيَةِ "إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ" مَعْناهُ: إلى غاياتٍ يَسْتَبِقُونَ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "نَصَبَ" بِفَتْحِ النُونِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْرَجِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ -بِخِلافٍ عنهُما-: "نُصُبٍ" بِضَمِّ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "نُصُبٍ" بِضَمِّ النُونِ والصادِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ عن أبِي العالِيَةِ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وأبِي رَجاءٍ.
وقَرَأ مُجاهِدٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ "نَصَبٍ" بِفَتْحِ النُونِ والصادِ.
و"يُوفِضُونَ" مَعْناهُ: يُسْرِعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: لَأنْعِتَنَّ نَعامَةً مِيفاضًا ∗∗∗ خَرْجاءَ ظَلَّتْ تَطْلُبُ الإضاضا و"خاشِعَةً" نُصِبَ عَلى الحالِ ومَعْناهُ: ذَلِيلَةً مُنْكَسِرَةً، و"تَرْهَقُهُمْ" مَعْناهُ: تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ وتَلِحُّ وتَضِيقُ نُفُوسُهُمْ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ "المُرْهَقُ"، مِنَ السادَةِ بِحَوائِجِ الناسِ، و"المُرْهَقُ"، بِالدِينِ، "وَخُلِقَ فِيها رَهَقٌ"، أيْ: إسْراعٌ إلى الناسِ، و"سَيْفُ فُلانٍ فِيهِ رَهَقٌ"، ومِنهُ "مُراهِقَةُ الأحْلامِ"، و"إرْهاقُ الصَلاةِ" أيْ: مُزاحَمَةُ وقْتِها.
تَمَّ تَفْسِيرُ [سُورَةِ المَعارِجِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
تفريع على ما تضمنه قوله: ﴿ فما للذين كفروا قبلك مهطعين ﴾ [المعارج: 36] من إرادتهم بفعلهم ذلك وقولهم: إننا ندخل الجنة، الاستهزاءَ بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم وبعدَ إبطاله إجمالاً وتفصيلاً فرع عن ذلك أمر الله رسوله بتركهم للعِلم بأنهم لم يُجْدِ فيهم الهَديُ والاستدلال وأنهم مصرون على العناد والمناواة.
ومعنى الأمر بالترك في قوله: ﴿ فذرهم ﴾ أنه أمر بترك ما أهمّ النبي صلى الله عليه وسلم من عنادهم وإصرارهم على الكفر مع وضوح الحجج على إثبات البعث ولما كان أكبر أسباب إعراضهم وإصرارهم على كفرهم هو خوضهم ولعبهم كني به عن الإِعراض بقوله: فجملة يخوضوا } وجملة ﴿ ويلعبوا ﴾ حالان من الضمير الظاهر في قوله: ﴿ فذرهم ﴾ .
وتلك الحال قيد للأمر في قوله: ﴿ فذرهم ﴾ .
والتقدير: فذر خوضهم ولعبهم ولا تحزن لعنادهم وإصرارهم.
وتعدية فعل (ذَرْ) إلى ضميرهم من قبيل توجه الفعل إلى الذات.
والمراد توجهه إلى بعض أحوالها التي لها اختصاص بذلك الفعل، مثل قوله تعالى: ﴿ حُرّمت عليكم الميتة ﴾ [المائدة: 3] أي حرم عليكم أكلُها، وقوله: ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ [النساء: 23] أي أن تجمعُوهما معاً في عصمة نكاححِ والاعتماد في هذا على قرينة السياق كما في الآيتين المذكورتين وقوله تعالى: ﴿ فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون ﴾ في سورة الطور (45)، أو على ذكر ما يدل على حالة خاصة مثل قوله: يخوضوا ويلعبوا } في هذه الآية، فقد يكون المقدر مختلفاً كما في قوله تعالى: ﴿ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ﴾ [المائدة: 90] إذ التقدير: فاجتنبوا شرب الخمر والتقامر بالميسر وعبادة الأَنصاب والاستقسام بالأزلام.
} وهذا الاستعمال هو المعنون في أصول الفقه بإضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان، أو إسناد التحريم والتحليل إلى الأعيان، ولوضوح دلالة ذلك على المراد لم يَعُدّه جمهور علماء الأصول من قبيل المجمل خلافاً للكرخي وبعض الشافعية.
وقد يتوسل من الأمر بالترك إلى الكناية عن التحقير وقلة الاكتراث كقول كَبْشَةَ أختتِ عَمرو بن معديكرب تُلْهَب أخاها عمراً للأخذ بثأر أخيه عبد الله وكان قد قتل: ودَعْ عنك عَمْراً اِنَّ عَمْراً مُسالم *** وهل بَطْنُ عَمرو غَيْرُ شِبْرٍ لمَطْعَم وما في هذه الآية من ذلك الأسلوب أي لا تكترث بهم فإنهم دون أن تصرف همتك في شأنهم مثل قوله تعالى: ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ﴾ [فاطر: 8].
وبهذا تعلم أن قوله تعالى: ﴿ فذرهم ﴾ لا علاقة له بحكم القتال، ولا هو من الموادعة ولا هو منسوخ بآيات السيف كما توهمه بعض المفسرين.
والخوض: الكلام الكثير، والمراد خوضهم في القرآن وشأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين.
واللعب: الهزل والهُزْء وهو لعبهم في تلقي الدعوة الإِسلامية وخروجهم عن حدود التعقل والجِدّ في الأَمر لاستطارة رشدهم حسداً وغيظاً وحنقاً.
وجزم ﴿ يخوضوا ويلعبوا ﴾ في جواب الأمر للمبالغة في ارتباط خوضهم ولعبهم بقلة الاكتراث بهم إذ مقتضى جزمه في الجواب أن يقدر: أن تذرهم يَخوضوا ويلعبوا، أي يستمروا في خوضهم ولعبهم وذلك لا يضيرك، ومثل هذا الجزم كثير نحو ﴿ قُل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليَجْزِيَ قوماً بما كانوا يكسبون ﴾ [الجاثية: 14] ونحو ﴿ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ﴾ [الإسراء: 53].
وبعض المفسرين والنحويين يجعل أمثاله مجزوماً بلام الأمر مقدرة على أن ذلك مقول القول وهو يفيت نكتة المبالغة.
و ﴿ حتى ﴾ متعلقة ب (ذرهم) لما فيه من معنى، أمهلهم وانتظرهم، فإن اليوم الذي وعدوه هو يوم النشور حين يجازَوْن على استهزائهم وكفرهم، فلا يكون غاية ل ﴿ يخوضوا ويلعبوا ﴾ والغاية هنا كناية عن دوام تركهم.
وإضافة (يوم) إلى ضميرهم لأدنى ملابسة.
وقرأ الجمهور ﴿ يلاقوا ﴾ بألف بعد اللام من الملاقاة.
وقرأه أبو جعفر بدون ألف من اللقاء.
واللقاء: مجاز على كل تقدير: فعلى قراءة الجمهور هو مجاز من جهتين لأن اليوم لا يَلقى ولا يُلقى.
وعلى قراءة أبي جعفر هو مجاز من جهة واحدة لأن اللقاء إنما يقع بين الذَّوات.
و ﴿ يوم يخرجون من الأجداث ﴾ بدل من ﴿ يومَهم ﴾ ليس ظرفاً.
والخروج: بروز أجسادهم من الأرض.
وقرأ الجمهور ﴿ يخرجون ﴾ بفتح التحتية على البناء للفاعل.
وقرأه أبو بكر عن عاصم بضمها على البناء للمفعول.
و ﴿ الأجداث ﴾ : جمع جدث بفتحتين وهو القبر، والقبر: حفير يجعل لمواراة الميت.
وضمير ﴿ يخرجون ﴾ عائد إلى المشركين المخبر عنه بالأخبار السابقة.
وجميعهم قد دفنوا في قبور أو وضعوا في قليب بدر.
والنَّصْب بفتح فسكون: الصنم، ويقال: نُصُب بضمتين، ووجه تسميته نصباً أنه ينصب للعبادة، قال الأعشى: وذا النُصُبَ المنصوبَ لا تنسكنه *** ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا و ﴿ يوفِضون ﴾ مضارع أوفض، إذا أسرع وعدا في سيره، أي كأنهم ذاهبون إلى صنم، شُبه إسراعهم يوم القيامة إلى الحشر بإسراعهم في الدنيا إلى الأصنام لزيارتها لأن لهذا الإِسراع اختصاصاً بهم، وفي هذا التشبيه إدماج لتفظيع حالهم في عبادة الأصنام وإيماء إلى أن إسراعهم يوم القيامة إسراع دعَ، ودفع جزاء على إسراعهم للأصنام.
وقرأ الجمهور ﴿ نَصْب ﴾ بفتح النون وسكون الصاد.
وقرأه ابن عامر وحفص عن عاصم بضم النون والصاد.
وخشوع الأبصار استعارة للنظر إلى أسفل من الذل، كما قال تعالى: ﴿ ينظرون من طرف خفي ﴾ [الشورى: 45] وقال: ﴿ خُشَّعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ﴾ [القمر: 7].
وأصل الخشوع: ظهور الطاعة أو المخافة على الإِنسان.
والرهق: الغشيان، أي التغطية بساتر، وهو استعارة هنا لأن الذلة لا تغشى.
وجملة ﴿ ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ﴾ فذلكة لما تضمنته السورة في أول أغراضها من قوله: ﴿ في يوم كان مقداره ﴾ الآيات [المعارج: 1 4]، وهي مفيدة مع ذلك تأكيد جملة ﴿ حتى يلاَقوا يومهم الذي يوعدون.
﴾ وفيها مُحسِّن رد العجز على الصدر.
﴿ فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُسْرِعِينَ، قالَهُ الأخْفَشُ، قالَ الشّاعِرُ بِمَكَّةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم بِمَكَّةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ الثّانِي: مُعْرَضِينَ، قالَهُ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ.
الثّالِثُ: ناظِرِينَ إلَيْكَ تَعَجُّبًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُتَفَرِّقِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ الرّاعِي أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنَّ عَشِيرَتِي ∗∗∗ أمْسى سَراتُهُمُ إلَيْكَ عِزِينا.
الثّانِي: مُحْتَبِينَ، قالَ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ الرُّفَقاءُ والخُلَطاءُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ الجَماعَةُ القَلِيلَةُ، قالَهُ ابْنُ أسْلَمَ.
الخامِسُ: أنْ يَكُونُوا حِلَقًا وفِرَقًا.
رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ عَلى أصْحابِهِ وهم حِلَقٌ فَقالَ: (ما لِي أراكم عِزِينَ)» قالَ الشّاعِرُ: تَرانا عِنْدَهُ واللَّيْلُ داجٍ ∗∗∗ عَلى أبْوابِهِ حِلَقًا عِزِينا.
﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا ﴾ يَعْنِي مِنَ القُبُورِ.
﴿ كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ في (نُصُبٍ) قِراءَتانِ: إحْداهُما بِتَسْكِينِ الصّادِ، والأُخْرى بِضَمِّها.
وَفي اخْتِلافِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُما واحِدٌ، قالَهُ المُفَضَّلُ وطائِفَةٌ، فَعَلى هَذا في تَأْوِيلِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ إلى عِلْمٍ يَسْتَبِقُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: إلى غاياتٍ يَسْتَبِقُونَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّالِثُ: إلى أصْنامِهِمْ يُسْرِعُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ إنَّها حِجارَةٌ طِوالٌ كانُوا يَعْبُدُونَها.
الرّابِعُ: إلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يُسْرِعُونَ.
والوَجْهُ الثّانِي مِنَ الأصْلِ أنَّ مَعْنى القِراءَتَيْنِ مُخْتَلِفٌ، فَعَلى هَذا في اخْتِلافِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النُّصُبَ بِالتَّسْكِينِ الغايَةُ الَّتِي تَنْصُبُ إلَيْها بَصَرَكَ، والنُّصُبُ بِالضَّمِّ واحِدُ الأنْصابِ، وهي الأصْنامُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ ومَعْنى ( ﴿ يُوفِضُونَ ﴾ ) يُسْرِعُونَ، والإيفاضُ الإسْراعُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ ؎ يَمْشِينَ بِنا الجِدَّ عَلى الإيفاضِ ∗∗∗ بِقَطْعِ أجْوازِ الفَلا انْفِضاضُ.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الهلوع فقال: هو كما قال الله: ﴿ إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً ﴾ فهو الهلوع.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ إن الإِنسان خلق هلوعاً ﴾ قال: ضجوراً جزوعاً نزلت في أبي جهل بن هشام، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت بشر بن أبي حازم وهو يقول: لا مانعاً لليتيم بخلقه ** ولا مكباً بخلقه هلعاً وأخرج ابن المنذر عن الحسن أنه سئل عن قوله: ﴿ إن الإِنسان خلق هلوعاً ﴾ قال: اقرأ ما بعدها، فقرأ ﴿ إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً ﴾ قال: هكذا خلق.
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ هلوعاً ﴾ قال: شحيحاً جزوعاً.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ هلوعاً ﴾ قال: الضجر.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ هلوعاً ﴾ قال: جزوعاً.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ هلوعاً ﴾ قال: الشره.
وأخرج ابن المنذر عن حصين بن عبد الرحمن ﴿ هلوعاً ﴾ قال: الحريص.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ هلوعاً ﴾ قال: الذي لا يشبع من جمع المال.
وأخرج الديلمي عن عليّ مرفوعاً يكتب أنين المريض، فإن كان صابراً كان أنينه حسنات، وإن كان جزوعاً كتب هلوعاً لا أجر له.
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ قال: ذكر لنا أن دانيال نعت أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال: يصلون صلاة لو صلاها قوم نوح ما أغرقوا، أو عاد ما أرسلت عليهم الريح العقيم، أو ثمود ما أخذتهم الصيحة.
قال قتادة: فعليكم بالصلاة فإنها خلق من خلق المؤمنين حسن.
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ قال: الصلاة المكتوبة.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ قال: على مواقيتها.
وأخرج عبد بن حميد عن مسروق رضي الله عنه مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمران بن حصين رضي الله عنه ﴿ الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ قال: الذي لا يلتفت في صلاته.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ قال: هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا.
وأخرج ابن المنذر عن أبي الخير أن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال لهم: من الذين هم على صلاتهم دائمون؟
قلنا الذين لا يزالون يصلون، فقال: لا، ولكن الذين إذا صلوا لم يلتفتوا عن يمين ولا شمال.
وأخرج ابن حبان عن أبي سلمة رضي الله عنه قال: حدثتني عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا» قالت: وكان أحب الأعمال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دووم عليه وإن قل، وكان إذا صلى صلاة دام عليها.
قال أبو سلمة رضي الله عنه: قال الله: ﴿ والذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين في أموالهم حق معلوم ﴾ قال: كانوا إذا خرجت الأعطية أعطوا منها.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ﴾ قال: ينظرون ﴿ عن اليمين وعن الشمال عزين ﴾ قال: الغضب من الناس عن يمين وشمال معرضين يستهزئون به.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ﴾ قال: عامدين ﴿ عن اليمين وعن الشمال عزين ﴾ قال: فرقاً حول نبي الله لا يرغبون في كتاب الله ولا ذكره.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ﴾ قال: منطلقين ﴿ عن اليمين وعن الشمال عزين ﴾ قال: متفرقين يأخذون يميناً وشمالاً يقولون: ما يقول هذا الرجل؟
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ عن اليمين وعن الشمال عزين ﴾ قال: الحلق الرفاق.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت عبيد بن الأحوص وهو يقول: فجاؤوا مهرعين إليه حتى ** يكونوا حول منبره عزين وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال ﴾ قال: عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن شماله ﴿ عزين ﴾ قال: مجالس محتبين نفر قليل قليل.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ عزين ﴾ قال: الحلق المجالس.
وأخرج عبد بن حميد عن عبادة بن أنس قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فقال: ما لي أراكم ﴿ عزين ﴾ حلقاً حلق الجاهلية، قعد رجل خلف أخيه» .
وأخرج عبد بن حميد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن جابر بن سمرة قال: «دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ونحن حلق متفرقون فقال: ما لي أراكم ﴿ عزين ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه جلوس حلقاً حلقاً فقال: ما لي أراكم ﴿ عزين ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة ﴾ برفع الياء.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي معمر أنه قرأ ﴿ أن يدخل ﴾ بنصب الياء ورفع الخاء.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم ﴾ قال: كلا لست فاعلاً، ثم ذكر خلقهم فقال: ﴿ إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ يعني النطفة التي خلق منها البشر.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ كلا إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ قال: إنما خلقت من قذر يا ابن آدم فاتق الله.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن بشير قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ﴾ إلى قوله: ﴿ كلا إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ ثم بزق رسول الله صلى الله عليه وسلم على كفه، ووضع عليها إصبعه، وقال: «يقول الله ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذا، حتى إذا سوّيتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا أقسم برب المشارق والمغارب ﴾ قال: للشمس كل يوم مطلع.
تطلع فيه ومغرب تغرب فيه غير مطلعها بالأمس، وغير مغربها بالأمس.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ برب المشارق والمغارب ﴾ قال: المنازل التي تجري فيها الشمس والقمر.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأنهم إلى نصب يوفضون ﴾ قال: إلى علم يسعون.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ إلى نصب ﴾ قال: غاية ﴿ يوفضون ﴾ قال: يستبقون.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ كأنهم إلى نصب يوفضون ﴾ قال: يبتدرون نصيبهم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ يوم يخرجون من الأجداث ﴾ قال: القبور ﴿ كأنهم إلى نصب يوفضون ﴾ قال: إلى علم يسعون ﴿ ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ﴾ قال: ذلك يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه قرأ ﴿ إلى نصب يوفضون ﴾ على معنى الواحد.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ إلى نصب ﴾ خفيفة منصوبة النون على معنى واحدة.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الأشهب عن الحسن أنه كان يقرأها ﴿ خاشعاً أبصارهم ﴾ قال: وكان أبو رجاء يقرأها ﴿ خاشعة أبصارهم ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلاَ أُقْسِمُ ﴾ معناه أقسم، ولا زائدة ﴿ بِرَبِّ المشارق والمغارب ﴾ ذكر في [الصافات: 5] ﴿ إِنَّا لَقَادِرُونَ * على أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ ﴾ تهديد الكفار بإهلاكهم، وإبدال خير منهم ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ أي مغلوبين، والمعنى: إنا لا نعجز عن التبديل المذكور أو عن البعث ﴿ فَذَرْهُمْ ﴾ وعيد لهم، وفيه مهادنة منسوخة بالسيف ﴿ يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ ﴾ يعني يوم القيامة، بدليل أنه أبدل منه ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث ﴾ وهي القبور ﴿ كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ النَصْب الأصنام، وأصله كل ما نصب إلى الإنسان، فهو يقصد إليه مسرعاً من عَلَم أو بناء أو غير ذلك، وفي لغات فتح النون وإسكان الصاد، وضم النون وإسكان الصاد وضمها، ويوفضون معناه: يسرعون، والمعنى أنهم يسرعون الخروج من القبور إلى المحشر، كما يسرعون المشي إلى أصنامهم في الدنيا.
القراءات: ﴿ سأل ﴾ بغير همز مثل باع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة على التذكير: علي ﴿ ولا يسأل ﴾ بضم الياء: البزي من طريق الهاشمي والبرجمي ﴿ يومئذ ﴾ بالفتح على البناء: أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعباس وعلي والشموني والبرجمي ﴿ توويه ﴾ بغير همز: يزيد والأعشى وحمزة في الوقف ﴿ نزاعة ﴾ بالنصب: حفص والمفضل ﴿ يخرجون ﴾ من الإخراج: الأعشى وحمزة في الوقف ﴿ إلى نصب ﴾ بضمتين: ابن عامر وسهل وحفص ﴿ نصب ﴾ بالضم فالسكون: المفضل الباقون: بالفتح والسكون.
الوقوف: ﴿ واقع ﴾ ه لا ﴿ دافع ﴾ ه لا ﴿ المعارج ﴾ ه لا ﴿ سنة ﴾ ج ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ بعيداً ﴾ ه لا ﴿ قريباً ﴾ ه ط ﴿ كالمهل ﴾ ه لا ﴿ كالعهن ﴾ ه لا ﴿ حميماً ﴾ ه ج لأن ما بعده منقطع عنه مستأنف ولكن أصلحوا الوقف على ﴿ يبصرونهم ﴾ ﴿ ببنيه ﴾ ه لا ﴿ وأخيه ﴾ ه ﴿ تؤويه ﴾ ه لا ﴿ جميعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ينجيه ﴾ ه لا ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ لظى ﴾ ه ج لأن من قرأ ﴿ نزاعة ﴾ بالرفع جاز أن يكون بدلاً أو خبر ﴿ لظى ﴾ والضمير في ﴿ أنها ﴾ للقصة أو خبر مبتدأ محذوف.
ومن نصب فعلى الحال المؤكدة أو على الإختصاص.
﴿ للشوى ﴾ ه ص لأن ﴿ يدعو ﴾ يصلح مستأنفاً وبدلاً من ﴿ نزاعة ﴾ ﴿ وتولى ﴾ ه لا ﴿ فأوعى ﴾ ه ﴿ هلوعاً ﴾ ه لا ﴿ جزوعاً ﴾ ه لا ﴿ منوعاً ﴾ ه لا ﴿ المصلين ﴾ ه لا ﴿ دائمون ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه لا ﴿ والمحروم ﴾ ه ص ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ مشفقون ﴾ ه ج ﴿ مأمون ﴾ ه ﴿ حافظون ﴾ ه لا ﴿ ملومين ﴾ ه ج ﴿ العادون ﴾ ه ج ﴿ راعون ﴾ ه لا ﴿ قائمون ﴾ ه ك ﴿ يحافظون ﴾ ه لا ﴿ مكرمون ﴾ ه ط لانقطاع المعنى ﴿ مهطعين ﴾ ه لا ﴿ عزين ﴾ ه ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ لقادرون ﴾ ه ج ﴿ منهم ﴾ ج بناء على أن الواو للحال ﴿ بمسبوقين ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه لأن ما بعد بء دل ﴿ يوقضون ﴾ ه ج لأن ما بعد حال من الضمير ﴿ ذلة ﴾ ط ﴿ يوعدون ﴾ ه.
التفسير: من قرأ ﴿ سأل ﴾ بالهمزة ففيه وجهان: الأول عن ابن عباس أن النضر بن الحرث قال ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ﴾ الآية فأنزل الله ﴿ سأل سائل ﴾ أي دعا داع ولهذا عدي بالباء.
يقال: دعاه بكذا إذا استدعاه وطلبه.
وقال ابن الأنباري: الباء للتأكيد والتقدير: سأل سائل عذاباً لا دافع له البتة.
إما في الآخرة وإما في الدنيا كيوم بدر.
الثاني قال الحسن وقتادة: هو رسول الله استعجل بعذاب الكافرين، أو سأل عن عذاب.
والباء بمعنى " عن ".
قال ابن الأنباري: أو عنى واهتم بعذاب أنه على من ينزل وبمن يقع، فبين الله أن هذا واقع بهم فلا دافع له.
والذي يدل على صحة هذا الوجه قوله في آخر الآية ﴿ فاصبر صبراً جميلاً ﴾ ومن قرأ بغير همز فله وجهان أيضاً: الأول أنه مخفف " سأل " وهي لغة قريش والمعاني كما مرت، والآخر أن يكون من السيلان ويعضده قراءة ابن عباس " سال سيل " وهو مصدر في معنى سائل كالفوز بمعنى الفائز.
والمعنى اندفع وأدى عذاب فذهب بهم وأهلكهم أما ﴿ سائل ﴾ فلا يجوز فيه إلا الهمز وفاقاً لأنه إن كان من سأل المهموز فظاهر، وإن كان من غير المهموز انقلبت الياء همزة كما في بائع.
وقوله ﴿ للكافرين ﴾ صفة أخرى للعذاب أي بعذاب واقع، لا محالة كائن للكافرين، أو متعلق بواقع أي نازل لأجلهم، أو كلام مستأنف جواب للسائل الذي سأل: إن العذاب على من ينزل أي هو للكافرين.
والظاهر أن قوله ﴿ من الله ﴾ يتعلق ﴿ بدافع ﴾ أي لا دافع له من جهة الله لأنه قضاء مبرم.
وجوز أن يتصل بواقع أي نازل من عند ﴿ ذي المعارج ﴾ المصاعد.
روى الكلبي عن ابن عباس أنها السموات لأن الملائكة يعرجون فيها.
وقال قتادة: ذي الفواضل والنعم بحسب الأرواح ومراتب الاستحقاق والاستعداد.
وقيل: هي الجنة لأنها درجات.
وقال في التفسير الكبير.
وهي مراتب أرواح الملكية المختلفة بالشدة والضعف وبسببها يصل آثار فيض الله إلى العالم السفلي عادة، أو غير عادة فتلك الأرواحكالمصاعد لمراتب الحاجات التي ترفع إليها، كالمنازل لآثار الرحمة من ذلك العالم إلينا.
قوله ﴿ تعرج الملائكة والروح ﴾ وفي مواضع أخرى يوم يقوم الروح والملائكة.
قيل: إن الروح أعظم الملائكة قدراً وهو أول في درجة نزول الأنوار من جلال الله، ومنه تتشعب إلى أرواح سائر الملائكة والبشر في آخر درجات منازل الأرواح.
وبين الطرفين معارج مراتب أرواح الملائكة ومدارج منازل الأنوار القدسية ولا يعلم تفصيلها إلا الله.
وأما المتكلمون فالجمهور منهم قالوا: إن الروح هو جبريل .
ولا استدلال لأهل التشبيه في لفظ ﴿ المعارج ﴾ فإنا بينا أنها المراتب.
قووله ﴿ إليه ﴾ إلى عرشه أو حكمه أو إلى حيث تهبط أوامره أو إلى مواضع العز والكرامة.
والأكثرون على أن قوله ﴿ في يوم ﴾ من صلة ﴿ تعرج ﴾ .
أي يحصل العروج في مثل هذا اليوم وهو يوم القيامة.
قال الحسن: يعني من موقفهم للحساب إلى حين يقضي بين العباد خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ثم بعد ذلك يستقر أهل الجنة في الجنة إلى آخر الآية.
والأصح أن هذا الطول إنما يكون للكافر لما "روي عن أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسوله : ما أطول هذا اليوم؟
فقال: والذي نفسي بيه إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة في الدنيا" .
ومنهم من قال: إن ذلك الموقف وإن طال فقد يكون سبباً لمزيد السرور والراحة للمؤمن.
ومنهم من قال: إن هذه المدة على سبيل التقدير لا على سبيل التحقيق.
والمعنى أنه لو اشتغل بذلك القضاء والحكومة أعقل الناس وأدهاهم لبقي فيه خمسين ألف سنة.
ثم إنه يتمم ذلك القضاء والحكومة في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا.
وأيضاً الملائكة يعرجون إلى مواضع لو أراد واحد من أهل الدنيا أن يصعد إليها لبقي في ذلك الصعود خمسين ألف سنة ثم إنهم يصعدون إليها في ساعة.
قاله وهب وجماعة من أهل التفسير.
وقال أبو مسلم: إن هذا اليوم الدنيا كلها من أول ما خلق العالم إلى القيامة وفيه يقع عروج الملائكة.
ثم لا يلزم من هذا أن يصير وقت القيامة معلوماً لأنا لا ندري كم مضى وكم بقى.
ومر في " ألم السجدة ".
وقال جمع من المفسرين قوله ﴿ في يوم ﴾ من صلة ﴿ واقع ﴾ أي يقع ذلك العذاب في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم وهو يوم القيامة.
وثم يحتمل أن يكون المراد منه استطالة ذلك اليوم لشدته على الكفار، ويحتمل أن العذاب الذي سأله السائل يكون مقدراً بهذه المدة ثم ينقله الله إلى نوع آخر من العذاب.
يروى عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس سئل عن هذه الآية وعن قوله ﴿ في يوم كان مقداره ألف سنة ﴾ فقال: أيام سماها الله هو أعلم بها كيف تكون وأكره أن أقول فيها ما لا علم لي به.
وقال وهب في الجواب: من أسفل العالم إلى أعلى شرف العرش مسيرة خمسين ألف سنة، ومن أعلى السماء الدنيا إلى الأرض مسيرة ألف سنة، لأن عرض كل سماء من السموات السبع مسيرة خمسمائة سنة، وبين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة أخرى، فالمراد مقدار ألف سنة لو صعدوا إلى سماء الدنيا ومقدار خمسين ألف سنة لو صعدوا إلى العرش.
وفي قوله ﴿ فاصبر صبراً جميلاً ﴾ تسلية للنبي كأنه قيل له: إن العذاب قرب وقوعه فاصبر فقد شارفت الانتقام قال الكلبي: هذه الآية نزلت قبل أن يؤمر الرسول بالقتال إنهم يرون العذاب أو يوم القيامة بعيد الأمد بعيداً عن الإمكان ﴿ ونراه قريب ﴾ منه ثم قال ﴿ يوم ﴾ أي اذكر يوم ﴿ تكون السماء كالمهل ﴾ كدرديّ الزيت.
عن ابن مسعود: كالفضة المذابة.
﴿ وتكون الجبال كالعهن ﴾ أي الصوف المصبوغ ألواناً لقوله ﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ﴾ وجوز جار الله أن ينتصب ﴿ يوم ﴾ بـ ﴿ قريباً ﴾ أو بإضمار يقع لدلالة واقع عليه، أو يراد به يوم تكون السماء كالمهل كان كيت وكيت، أو هو بدل من يوم القيامة فيمن علقه ﴿ بواقع ﴾ قوله ﴿ ولا يسأل حميم ﴾ من قرأ بفتح الياء فظاهر أي لا يسأله بكيف حالك لاشتغال كل بنفسه، ومن قرأ بالضم فالمعنى لا يسأل حميم عن حميم ليعرف شأنه من جهته كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه فيكون على حذف الجار.
وقال الفراء: لا يقال الحميم أين حميمك.
ثم كان لسائل أن يقول: لعله لا يبصره فلهذا لا يسأل فقال ﴿ يبصرونهم ﴾ ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تسائلهم ويجوز أن يكون صفة أي حميماً مبصرين معرفين إياهم وإنما جمع ضمير الحميم لأنه في معنى الجمع حيث رفع في سياق النفي.
وقيل: إن الملة تتعلق بما بعده والمعنى إن المجرمين يبصرون المؤمنين حال ما يود أحدهم أن يفدي نفسه بكل ما يمكنه فإن الإنسان إذا كان في البلاء ثم رأى عدوه في الرخاء كان ذلك أشد عليه ﴿ وفصيلته ﴾ عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم ﴿ تؤويه ﴾ تضمه إليها للانتماء في النسب أو في إعداد النوائب.
ومعنى ﴿ ثم ﴾ استبعاد الإنجاء عن الافتداء ثم أكد الإستبعاد بقوله ﴿ كلا ﴾ وهو ردع للمجرم عن كونه بحيث يود افتداءه وتنبيه على أنه لا ينفعه ذلك.
والضمير في ﴿ أنها ﴾ للقصة كما ذكرنا أو للنار وإن لم يجر لها ذكر لدلالة العذاب عليها، ويجوز أن يعود إلى العذاب والتأنيث باعتبار الخبر لأن ﴿ لظى ﴾ علم لنار جهنم.
واللظى اللهب الخالص.
والشوى الأطراف وهي اليدان والرجلان، والشوى أيضاً جلد الرأس، الواحدة شواة، قال سعيد بن جبير: العصب والعقب ولحم الساقين اليدين تنزعها نزعاً فتهلكها ثم يعيدها الله .
وفي قوله ﴿ تدعو ﴾ وجوه منها: أنها تدعوهم بلسان الحال كما قيل: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك فإن لم تجبك جؤاراً أجابتك اعتباراً.
فههنا لما كان مرجع كل من الكفرة إلى دركة من دركات جنهم كأنها تدعوهم إلى نفسها.
ومنها أن الله يخلق الكلام في جرم النار حتى تقول صريحاً فصيحاً: لي يا كافة الكفرة ثم تلتقطهم التقاط الحب.
ومنها أن يكون على حذف المضاف أي تدعو زبانيتها.
ومنها أن الدعاء بمعنى الإهلاك كقول العرب " دعاه الله " أي أهلكه ﴿ من أدبر ﴾ أي عن الطاعة ﴿ وتولى ﴾ عن الإيمان ﴿ وجمع ﴾ المال حرصاً عليه ﴿ فأوعى ﴾ جعله في وعاء وكنزه فلم يؤد حقوق الله فيه أصلاً وهذه مجامع آفات النفس.
ثم بين أن الإنسان بالطبع مائل إلى الأخلاق الذميمة فقال ﴿ إن الإنسان ﴾ وهو الكافر عند بعضهم والأظهر العموم بدليل الاستثناء عقيبه ﴿ خلق هلوعاً ﴾ والهلع قلة الصبر وشدة الحرص كما فسره الله تعالى بقوله ﴿ إذا مسه الشر ﴾ أي الفقر والمرض ونحوه من المضار ﴿ كان جزوعاً وإذا مسه الخير ﴾ أضداد ذلك ﴿ كان منوعاً ﴾ عن النبي " شر ما أعطي ابن آدم شح هالع وجبن خالع" قال أهل السنة: الحالة النفسانية التي هي مصدر الأفعال الاختيارية كالجزع والمنع لا شك أنها بخلق الله .
بل الجزع والمنع أيضاً من خلقه ولا اعتراض لأحد عليه خلق بعض الناس هلوعاً وخلق المستثنين منهم غير هلوع بل مشغولي القلب بأحوال الآخرة، وكل ذلك تصرف منه في ملكه، وقالت المعتزلة: ليس المراد أنه مخلوق على هذا الوصف لأنه ذكره في معرض الذم والله لا يذم فعله.
ولأنه استثنى منهم جماعة جاهدوا أنفسهم وظلفوها عن الشهوات.
ولو كانت ضرورية لم يقدروا على تركها.
والجواب أن الذين خلقهم كلذلك لم يقدروا على الترك والذين تركوها هم الذين خلقوا على هذا الوصف وهم أصناف ثمانية: الأول الذين يداومون على الصلوات والمراد منها أداؤها في أوقاتها، وأما المحافظة عليها فترجع إلى الاهتمام بشأنها وذلك يحصل برعاية أمور سابقة على الصلاة كالوضوء وستر العورة وطلب القبلة وغيرها، حتى إذا جاء وقت الصلاة لم يكن يتعلق القلب بشرائطها وأمور مقارنة للصلاة كالخشوع والاحتراز عن الرياء والإتيان بالنوافل والمكملات، وأمور لاحقة بالصلاة كالاحتراز عن اللغو وما يضاد الطاعة لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فارتكابه المعصية بعد الصلاة دليل على أن تلك الصلاة لم تقع في حيز القبول.
الثاني ﴿ والذين في أموالهم حق ﴾ قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: هو الزكاة المفروضة.
قلت: الدليل عليه وصفه بأنه معلوم واقترانه بإدامة الصلاة، وقال مجاهد وعطاء والنخعي: هو ما سوى الزكاة وإنه على طريق الندب والاستحباب.
قلت: هذا التفسير بما في " الذاريات " أشبه لأنه لم يصف الحق هناك بأنه معلوم ولأنه مدح هناك قوماً بالتزام ما لا يلزمهم كقلة الهجوع والإستغفار بالأسحار.
الثالث ﴿ والذين يصدقون بيوم الدين ﴾ أي يؤمنون بالغيب والجزاء.
الرابع ﴿ والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ﴾ خائفون والمؤمن خائف من التقصير في الطاعة وبعض الفسقة لا يخافون من إرتكاب أنواع الظلم وأصناف المعصية.
ثم أكد ذلك الخوف بقوله ﴿ إن عذاب ربهم غير مأمون ﴾ لأن الأمور بخواتيمها والخاتمة غير مقطوع بها.
الخامس ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون ﴾ إلى قوله ﴿ العادون ﴾ وقد مر في " المؤمنين ".
والسادس ﴿ والذين هم لأماناتم وعهدهم راعون ﴾ وقد مر أيضاً.
السابع ﴿ والذين هم بشهاداتهم قائمون ﴾ من أفرد فلانها مصدر، ومن جمع فللنظر إلى اختلاف الشهادات وكثرة أنواعها.
وأكثر المفسرين قالوا: هي الشهادات عند الحكام يقومون بها بالحق ولا يكتمونها، وهذه من جملة الأمانات خصها بالذكر تنبيهاً على فضلها لأن في إقامتها إحياء للحقوق وفي تركها تضييع لها.
وروى عطاء عن ابن عباس أنها الشهادة بالله أنه واحد لا شريك له.
الثامن ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون ﴾ وقد ذكرناه.
ثم عين مكان هؤلاء بقوله ﴿ أولئك في جنات مكرمون ﴾ قال المفسرون: كان المشركون يحتفون حول رسول الله فرقاً يستهزؤن به وبالمؤمنين ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم فنزلت.
﴿ فما للذين كفروا قبلك ﴾ أي نحوك وفي مقابلتك ﴿ مهطعين ﴾ مسرعين مادين أعناقهم إليك ﴿ عزين ﴾ فرقاًً شتى جمع عزة محذوفة العجز وأصلها عزوة لأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى فهم مفترقون.
وجمع بالواو والنون عوضاً عن المحذوف كما مر في ﴿ عضين ﴾ قوله ﴿ كلا ﴾ ردع لهم عن الطمع الفاسد وذلك من وجهين: أحدهما أنهم ينكرون البعث فمن أين لهم هذا الطمع.
والثاني أنهم لم يعدوا لها زاداً من الإيمان والعمل الصالح.
وفي قوله ﴿ إنا خلقناهم مما يعلمون ﴾ رد عليهم من الوجهين فإن من علم أن أوله نطفة لم ينكر البعث، أو من علم أن أوله نطفة مذرة كسائر بني آدم لم يدع التقدم والشرف بلا توسل من الإيمان والعمل الصالح.
ثم بين كمال قدرته على الإيجاد والإعدام مؤكداً بالأقسام وأنه لا يفوته شيء من الممكنات.
ومعنى ﴿ المشارق والمغارب ﴾ قد تقدم في أول " الصافات " و " الرحمن " وإن للشمس في كل يوم من نصف السنة مغرباً ومشرقاً.
وقيل: مشرق كل كوكب ومغربه.
وقيل: المراد أنواع الهدايات والخذلانات.
واختلف فيما وصف الله نفسه بالقدرة لعيه هل خرج إلى الفعل أم لا؟
قال بعضهم: بدل الله بهم الانصار والمهاجرين.
وقال آخرون: بدل الله كفرهم بالإيمان.
وقيل: التبديل بمعنى الإهلاك الكلي لهم وإيجاد آخرين مكانهم ولكنه هددهم بذلك لكي يؤمنوا، ثم زاد في التهديد بأن يخلوا وشأنهم إلى أوان لقاء الجزاء والأجداث القبور كما في " يس ".
ثم شبه إسراعهم إلى الداعي مستبقين بإسراعهم إلى أنصابهم وهي كل ما ينصب فيبعد من دون الله وقد مر في قوله ﴿ وما ذبح على النصب ﴾ ومعنى ﴿ يوفضون ﴾ يسرعون.
﴿ وترهقهم ذلة ﴾ تغشاهم والباقي ظاهر والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ ﴾ اختلف في تأويل الإهطاع: فمنهم من يقول: هو الإسلاع في المشي.
ومنهم من يقول: هو إدامة النظر.
فمن حمله على الإسراع، فمعناه: أن أئمة الكفر كانوا يأتون رسول الله ، فيستمعون القرآن منه، ثم يسرعون إلى أتباعهم، ويجلسون حلقا حلقا، ويحرفون ما يستمعون من رسول الله ، ويلبسون على ضعفائهم وأتباعهم؛ ليصدهم ذلك عن الإيمان بالله - عز وجل - ورسوله.
فإن كان الأمر على هذا فتأويله: ما لم يسرعون إليك ليسمعوا كلامك ثم يتفرقوا عن اليمين وعن الشمال ويكذبونك، نحو أن يقول بعضهم: (ما هذا إلا سحر مبين)، و: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ ﴾ \[المؤمنون: 38\]، ونحو ذلك.
وما المنفعة لهم في طعنهم عليك [سوى استحقاقهم] المقت والهلاك بذلك من الله ، وما يرجون بإعراضهم عن تصديقك بعدما رأوا الآيات.
ومن حمله على النظر، فمعناه: أنهم كانوا يجلسون من بعيد، فينظرون إلى رسول الله وأصحابه ويطعنون عليه بالسحر والافتراء، وأنه من [أساطير الأولين، فيمكرون] بمن يقتدي برسول الله ومن يعاديه من الكفرة.
فإن كان على هذا فتأويله كأنه يقول له: يجلسون من البعد ناظرين إليك، ولا يدنون منك؛ ليستمعوا ما أنزل إليك فينتفعوا به، لكنهم متفرقون عن اليمين وعن الشمال، يصدون الناس عن مجلسك، وقد علموا أن لهم إلى من يعلمهم الكتاب والحكمة حاجة؛ إذ ليس عندهم كتاب ولا علم بالأنباء المتقدمة؛ ليعلموا أنك جئت بالعلم والحكمة دون السحر والكهانة.
فإن كان على هذا الوجه؛ فالعتاب لمكان التحريف والتبديل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ﴾ : قوله: ﴿ أَيَطْمَعُ ﴾ حرف استفهام، وقد ذكرنا أن حرف الاستفهام ممن لا يَستِفْهم إيجابٌ.
ثم اختلف في وجه الإيجاب: فمنهم من يقول: معنى قوله: ﴿ أَيَطْمَعُ ﴾ ، أي: لا يطمع كل امرئ منه بعبادتهم الأصنام والأوثان أن يدخلوا جنة نعيم؛ إذ هم منكرون للبعث والجنة والنار، ثم مع هذا ينصرون الأصنام ويعبدونها، ويخضعون لها، وإن كان لا طمع لهم في نصرها إلى شيء في العاقبة، ولا يرجون منها العواقب؛ فيكون [في] هذا ترغيب للمؤمنين على القيام بنصر رسول الله ؛ لأنهم يطمعون في نيل الجنة والكرامة من الله والنجاة من النار بنصرهم رسول الله وبعبادتهم لله ، كأنه يقول: إنهم [لا] يطمعون نيل شيء، ولا يخافون [من شيء] في العاقبة، ثم يقومون بنصر الأصنام، فأنتم أحق بنصر رسول الله ؛ إذ تطمعون نيل الجنة والدخول فيها بنصركم إياه، والله أعلم.
ومنهم من حمله على إيجاب الطمع، وهو أنهم كانوا يطمعون دخول الجنة ونيل نعيمها إذا رجعوا إلى ربهم؛ ظنّاً منهم أنهم إذا ساووا المسلمين في نعيم الدنيا وسعتها، فكذلك يساوونهم في نعيم الآخرة، كما قال الله خبرا عنهم: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ﴾ ، وقال: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ...
﴾ الآية [الجاثية: 21]، هكذا ظن الكفرة أنهم إن رجعوا إلى ربهم فسيجدون عنده خير منقلب، فقال : ﴿ كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ ﴾ ، فقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ على هذا التأويل رد لاعتقادهم وقطع لأطماعهم، فقال: ﴿ كَلاَّ ﴾ أي: لا يدخلونها قط، ثم استأنف الكلام فقال - عز وجل -: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ ﴾ .
وعلى التأويل الأول: ﴿ كَلاَّ ﴾ بمعنى: حقّاً أنهم لا يطمعون، ثم استأنف بقوله: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ ﴾ ، أي: من تلك النطف؛ فيذكرهم بهذا عظيم نعمه وإحسانه إليهم بما أخرجهم منها ونقلهم من حال إلى حال حتى صاروا بشرا سويّاً؛ ليعلموا أنه لا يتركهم سدى؛ بل ليمتحنهم ويستأدي منهم شكر ما أنعم عليهم؛ فيجوب ذلك تصديق الرسل.
وفي تذكير قدرته وسلطانه، وبيان ضعف ابتدائهم؛ ليعلموا أن من قدر على إنشائهم لقادر على أن يحييهم بعدما أفناهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ...
﴾ \[الآية\].
ذكر المشارق والمغارب: ذكر السماوات والأرض، وفي ذكرهما ذكر أهل السماوات [وأهل الأرض]، فيكون معناه: فلا أقسم برب الخلائق أجمع، ويكون حرف "لا" زائداً في الكلام تأكيدا للقسم على ما يذكر، فيكون معناه: فلا أقسم.
ثم حق هذا القسم أن يقول مكان قوله: ﴿ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ ﴾ : "فلا أقسم بي" إذا كان القسم من الله ، هذا هو [ظاهر الكلام] في متعارف اللسان، ولكن يحتمل هذا وجوها: أحدها: أن يكون هذا القسم من النبي كأنه علمه أن يقسم به ويقول له: قل يا محمد: ﴿ فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ ﴾ .
وإن كان هذا قسما من الله فهو مستقيم - أيضا - من وجهين: أحدهما: على الإضمار؛ كأنه قال: فلا أقسم بي؛ فأنا رب المشارق والمغارب.
والثاني: وإن كان هذا القسم من الله يستقيم بلفظ الغائب كما يستقيم بلفظ الحاضر؛ لأن الخلق كله لله شهود، وليس هو شاهداً للخلق، فيخرج الكلام بينهم على ما يخاطب الغائب، ومرة على الوجه الذي يخاطب به الشاهد، ومثل هذا مستعمل في متعارف اللسان، والله أعلم.
وفي الآية دلالة على أن ملك السماوات والأرضين ومدبرهما واحد؛ إذ لو لم يكن كذلك لكان لملك السماء أن يمنع الشمس والقمر والكواكب من إيصال النفع إلى أهل الأرض، ويكون لملك الأرض أن يمنع ملك السماء عن الإغراب في الأرض.
ثم الذي يشرق ويغرب منذ خلق يجري على ما جرى عليه التدبير جريا واحدا لم يقع فيه تغيير ولا تبديل، ولو كان لله فيه شريك لكان لا بد من وقوع التغيير فيها؛ فثبت أن تدبير السماوات والأرضين وتدبير سلطانهما راجع إلى الواحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ هذا موضع القسم، فجائز أن يكون أريد به: أن يبدل الخير منهم، فيجعل مكان ما كانوا من الشر خيرا؛ كقوله : ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ﴾ وقد فعل ذلك؛ لأنهم أسلموا.
ويحتمل أن يكون أراد به أن يبدل قوما خيرا منهم.
ثم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على تحقيق القدرة.
والثاني: أن يكون معنى القدرة [إرادة الفعل].
أما الأول فعلى وجهين: أحدهما: على معنى تخويف أهل مكة أنهم إن لم ينتهوا عن ذلك، أنزل الله مكانهم من هو خير لرسول الله ، والبدل لا يكون إلا بعد المبدل عنه، وقد فعل الله ذلك بهم، أهلك المعاندين منهم، وأبدل لرسول الله أولادهم والمهاجرين منهم والأنصار الذين آووا رسول الله ونصروه.
والثاني: أي: كنا قادرين على أن نجعل المرسل إليهم خيرا منهم؛ إذ قد علموا من قدرة الله عز وجل أنه هو الذي خلقهم وأنشأهم، لكن إنما أرسل إليهم وأمرهم؛ لحاجات أنفسهم، لا لنفع يرجع إليه، ليس على ما عليه ملوك الدنيا، لكنه إنما امتحنهم بالأمر ليسعوا في نجاة أنفسهم، ونهاهم؛ ليفكوا رقابهم من النار؛ فيكون فيه تسكين قلب النبي عند وجده عليهم حيث لم يؤمنوا.
وأما الوجه الثاني: أن يكون معنى القدرة إرادة الفعل خاصة؛ إذ قد يكنى بالقدرة عن الفعل إذ هي سبب الفعل؛ كالأمر المعتاد بين الخلق يأمر رجل آخر بفعل فيقول: لا أستطيع ولا أقدر، أي: لا أفعل، وعلى هذا تأويل قوله - عز وجل - ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ أي هل يفعل ذلك فعلى هذا تأويل هذا تأويل قوله - -: ﴿ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ ﴾ ، أي: لفاعلون ما هو خير لرسول الله بدلا عن هؤلاء.
فإن كان على هذا فيكون فيه بشارة لرسول الله أنه يجعل له أصحابا يرضاهم، ويكون فيه إخبار الله - [عز وجل] - لرسول الله بالنصر والغلبة على المكذبين منهم، ويكون فيه إنباء لرسول الله أنه لا ينفذ فيه مكرهم وإن اجتهدوا، ويكون فيه إعلام أنه ينتقم منهم له ويعذبهم، وقد فعل ذلك [كله] بحمد الله - عز وجل - والله المستعان؛ حيث بدل من أهل مكة أهل المدينة، وكانوا خيرا منهم؛ لأن أهل مكة كانوا عليه، وأهل المدينة كانوا له، فكانوا هم خيرا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ .
والمسبوق: المغلوب، فكأنه قال: لا يسبقنا أحد ولا يعجزنا أحد عن ذلك، ولا يفوتنا أحد فيما نريده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ ﴾ .
قال أبو بكر: الخائض: المتحير، واللاعب: الخاطئ، فقوله: ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ ﴾ اي: دعهم فيما هم [فيه] من خطاياهم وتحيرهم في دينهم، فكل من اشتغل بما لا يحتاج له فهو خائض لاعب، وأصله أن كل أمر لا عاقبة له [تحمد فهو فيه لاعب لاه]؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ ، أي: من يعمل في الحياة الدنيا للدنيا لا للآخرة فهو لاعب لاه، وكأن هذه الآية صلة قوله : ﴿ فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ﴾ الآية، أمره بألا يشتغل بأولئك ويقبل على من يرجو منهم الإيمان.
أو أمره بألا يشتغل بمكافأتهم بسوء صنيعهم؛ فإن الله سينصره عليهم ويكافئه عنهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ قد لاقوا ذلك اليوم وهو يوم بدر، وسيلاقون اليوم الثاني وهو يوم الآخرة.
وقوله : ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً ﴾ يخبر أنهم يخرجون من الأجداث، وهي القبور سراعاً إلى الداعي، والذي يحملهم على الإسراع هو أن أنفسهم أبت إجابة الداعي في الدنيا؛ فنزل بهم الهلاك بتركهم الإجابة، فيسارعون في ذلك اليوم إلى إجابة الداعي؛ رجاء أن يتخصلوا من العذاب الذي حق عليهم بترك الإجابة، وذلك لا ينفعهم وإن وجدت منهم التوبة والرجوع عن تلك الإجابة؛ لأن ذلك اليوم ليس بيوم ينفع فيه الندامة والتوبة، وإنما هو يوم تجزى فيه كل نفس بما كسبت؛ وهذا كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴾ فأخبر أنهم يفزعون إلى الإيمان بالله لما أيقنوا أنهم إنما حل بهم البأس بإعراضهم عن الإيمان، ففزعوا عند إيقانهم بالعذاب إلى الإيمان؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب، فلم ينفعهم ذلك ولم يغنهم من عذاب الله شيء؛ إذ ذلك الوقت ليس بوقت قبول التوبة، فيكون هذا تحريضا بالإسراع إلى إجابة الداعي والإيمان بما يدعو إليه قبل أن يؤمنوا إيمانا لا ينفعهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ .
قرئ بنصب النون، وجزم الصاد، وهو اسم العلامة كالغرض وأشباهه.
وقرئ بضم النون والصاد، وهو اسم الصنم.
فإن كان على العلامة، فمعناه: أنهم يسارعون في ذلك الوقت إلى إجابة الداعي مسارعة من يسارع في هذه الدنيا إلى الغرض والعلامة المنصوبة؛ كذا قاله بعض أهل التأويل.
وذكر عن الكلبي ﴿ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ : إلى علم يسعون.
وقال قتادة: إلى علم يستبقون.
وعن مجاهد: إلى علم ينطلقون.
فإن كان على الثاني، فمعناه: أنهم يسرعون إلى إجابة الداعي في ذلك؛ كسرعتهم إلى عبادة النصب عند خوفهم فوت عبادتها وعند اجتماع عبادها عندها لو يبتدرون نصبهم حتى يستلموها.
ومنهم من ذكر أن النصب برفع النون والصاد هي الأغراض التي يسبقون إليها، ومن تأول هذا فهو يجعل النُّصُب هاهنا جمع النَّصْب.
وقوله: ﴿ يُوفِضُونَ ﴾ أي: يسرعون.
وقال الحسن: أي: يرملون، وهما واحد؛ لأن الإسراع في الرمل موجود.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ ﴾ : يحتمل أن يكون هذا على بصر الوجوه وصفة خشوعها [على] ما قال في آية أخرى: ﴿ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ فيخشع خشوعا لا يملك صرف طرفه عن الداعي، ففيه أن الذِّلة قد أحاطت بهم حتى أثرت في الأعين والوجوه، وفي كل عضو.
وجائز أن يكون هذا على بصر القلوب، وهو أن قلوبهم تشتغل بإجابة الداعي عن أن تبصر لنفسها حيلة تتخلص [بها] من أهوال ذلك اليوم وشدائده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾ : أي: تعلوهم، والذلة: الحالة في النفس تبدو وتظهر من الأبصار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾ .
حقه أن يقول: هذا اليوم الذي كانوا يوعدون؛ لأنه أضاف إلى اليوم الذي كانوا يوعدون في الدنيا.
ولكن معناه: كانوا يوعدون ذلك اليوم في الدنيا، وذلك اليوم في الوقت الذي كانوا يوعدون غير موجود، فيعبر عنه بما يعبر به عن الغائب، والله أعلم، [وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين].
ذليلة أبصارهم، تغشاهم ذلة، ذلك هو اليوم الَّذي كانوا يوعدون به في الدنيا، وكانوا لا يبالون به.