الآية ٣٠ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٣٠ من سورة الأنفال

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ ٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 117 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٠ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٠ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة : ( ليثبتوك ) [ أي ] : ليقيدوك .

وقال عطاء ، وابن زيد : ليحبسوك .

وقال السدي : الإثبات هو الحبس والوثاق .

وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء ، وهو مجمع الأقوال وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء .

وقال سنيد ، عن حجاج ، عن ابن جريج ، قال عطاء : سمعت عبيد بن عمير يقول : لما ائتمروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه ، قال له عمه أبو طالب : هل تدري ما ائتمروا بك ؟

قال : يريدون أن يسحروني أو يقتلوني أو يخرجوني ، فقال : من أخبرك بهذا ؟

قال : ربي ، قال : نعم الرب ربك ، استوص به خيرا فقال : أنا أستوصي به !

بل هو يستوصي بي وقال أبو جعفر بن جرير : حدثني محمد بن إسماعيل البصري المعروف بالوساوسي ، أخبرنا عبد الحميد بن أبي رواد عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن المطلب بن أبي وداعة ، أن أبا طالب قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما يأتمر بك قومك ؟

قال : يريدون أن يسحروني أو يقتلوني أو يخرجوني .

فقال : من أخبرك بهذا ؟

قال : ربي ، قال : نعم الرب ربك ، فاستوص به خيرا ، قال : أنا أستوصي به !

بل هو يستوصي بي .

قال : فنزلت : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ) الآية .

وذكر أبي طالب في هذا ، غريب جدا ، بل منكر ؛ لأن هذه الآية مدنية ، ثم إن هذه القصة واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل ، إنما كان ليلة الهجرة سواء ، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين لما تمكنوا منه واجترءوا عليه بعد موت عمه أبي طالب ، الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه .

والدليل على صحة ما قلنا : ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب " المغازي " عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : وحدثني الكلبي ، عن باذان مولى أم هانئ ، عن ابن عباس ؛ أن نفرا من قريش من أشراف كل قبيلة ، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة ، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل ، فلما رأوه قالوا : من أنت ؟

قال : شيخ من نجد ، سمعت أنكم اجتمعتم ، فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم رأيي ونصحي .

قالوا : أجل ، ادخل فدخل معهم فقال : انظروا في شأن هذا الرجل ، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره .

قال : فقال قائل منهم : احبسوه في وثاق ، ثم تربصوا به ريب المنون ، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء : زهير والنابغة ، إنما هو كأحدهم ، قال : فصرخ عدو الله الشيخ النجدي فقال : والله ما هذا لكم برأي ، والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه ، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم ، فيمنعوه منكم ، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم .

قال : فانظروا في غير هذا .

قال : فقال قائل منهم : أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه ، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع ، إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم ، وكان أمره في غيركم ، فقال الشيخ النجدي : والله ما هذا لكم برأي ، ألم تروا حلاوة [ قوله ] وطلاوة لسانه ، وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه ؟

والله لئن فعلتم ، ثم استعرض العرب ، ليجتمعن عليكم ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم .

قالوا : صدق والله ، فانظروا بابا غير هذا .

قال : فقال أبو جهل ، لعنه الله : والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم تصرمونه بعد ، ما أرى غيره .

قالوا : وما هو ؟

قال : نأخذ من كل قبيلة غلاما شابا وسيطا نهدا ، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما ، ثم يضربونه ضربة رجل واحد ، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل [ كلها ] فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها .

فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل ، واسترحنا وقطعنا عنا أذاه .

قال : فقال الشيخ النجدي : هذا والله الرأي .

القول ما قال الفتى لا رأي غيره ، قال : فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له .

فأتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمره ألا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه ، وأخبره بمكر القوم .

فلم يبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته تلك الليلة ، وأذن الله له عند ذلك بالخروج ، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة " الأنفال " يذكر نعمه عليه وبلاءه عنده : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) وأنزل [ الله ] في قولهم : " تربصوا به ريب المنون ، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء " ، ( أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ) [ الطور : 30 ] وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة للذي اجتمعوا عليه من الرأي .

وعن السدي نحو هذا السياق ، وأنزل الله في إرادتهم إخراجه قوله تعالى : ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا ) [ الإسراء : 76 ] .

وكذا روى العوفي ، عن ابن عباس .

وروي عن مجاهد ، وعروة بن الزبير ، وموسى بن عقبة ، وقتادة ، ومقسم ، وغير واحد ، نحو ذلك .

وقال يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق : فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتظر أمر الله ، حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت به ، وأرادوا به ما أرادوا ، أتاه جبريل عليه السلام فأمره ألا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب ، فأمره أن يبيت على فراشه وأن يتسجى ببرد له أخضر ، ففعل .

ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على القوم وهم على بابه ، وخرج معه بحفنة من تراب ، فجعل يذرها على رءوسهم ، وأخذ الله بأبصارهم عن نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ : ( يس والقرآن الحكيم ) إلى قوله : ( فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) [ يس : 1 - 9 ] .

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : روي عن عكرمة ما يؤكد هذا .

وقد روى [ أبو حاتم ] ابن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه ، من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : دخلت فاطمة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي تبكي ، فقال : ما يبكيك يا بنية ؟

قالت : يا أبت ، [ و ] ما لي لا أبكي ، وهؤلاء الملأ من قريش في الحجر يتعاقدون باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك ، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك .

فقال : يا بنية ، ائتني بوضوء .

فتوضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم خرج إلى المسجد .

فلما رأوه قالوا : إنما هو ذا فطأطئوا رءوسهم ، وسقطت أذقانهم بين أيديهم ، فلم يرفعوا أبصارهم .

فتناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبضة من تراب فحصبهم بها ، وقال : شاهت الوجوه .

فما أصاب رجلا منهم حصاة من حصياته إلا قتل يوم بدر كافرا .

ثم قال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ، ولا أعرف له علة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، أخبرني عثمان الجزري ، عن مقسم مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك ) قال : تشاورت قريش ليلة بمكة ، فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال بعضهم : بل اقتلوه .

وقال بعضهم : بل أخرجوه .

فأطلع الله نبيه على ذلك ، فبات علي - رضي الله عنه - على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لحق بالغار ، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فلما رأوا عليا رد الله تعالى مكرهم ، فقالوا : أين صاحبك هذا ؟

قال : لا أدري .

فاقتصا أثره ، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم ، فصعدوا في الجبل فمروا بالغار ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا : لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاث ليال .

وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير في قوله : ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) أي : فمكرت بهم بكيدي المتين ، حتى خلصتك منهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مذكِّرَه نعمه عليه: واذكر، يا محمد, إذ يمكر بك الذين كفروا من مشركي قومك كي يثبتوك.

(35) * * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " ليثبتوك ".

فقال بعضهم: معناه ليقيِّدوك.

* ذكر من قال ذلك: 15956- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك "، يعني: ليوثقوك.

15957 -............

قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ليثبتوك "، ليوثِقوك.

15958 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك " ، الآية, يقول: ليشدُّوك وَثاقًا.

وأرادوا بذلك نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ بمكة.

15959 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة ومقسم قالا قالوا: " أوثقوه بالوثاق ".

15960 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ليثبتوك "، قال: الإثبات، هو الحبس والوَثَاق.

* * * وقال آخرون: بل معناه الحبس.

* ذكر من قال ذلك.

15961 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، سألت عطاء عن قوله: " ليثبتوك "، قال: يسجنوك= وقالها عبد الله بن كثير.

15962 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قالوا: " اسجنوه ".

* * * وقال آخرون: بل معناه: ليسحروك.

* ذكر من قال ذلك.

15963 - حدثني محمد بن إسماعيل البصري المعروف بالوساوسي قال، حدثنا عبد المجيد بن أبي روّاد, عن ابن جريج, عن عطاء, عن عبيد بن عمير، عن المطلب بن أبي وَداعة: أن أبا طالب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يأتمر به قومك؟

قال: يريدون أن يسحروني ويقتلوني ويخرجوني!

فقال: من أخبرك بهذا؟

قال: ربي!

قال: نعم الرب ربك, فاستوص به خيرًا!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أستوصي به!

بل هو يستوصي بي خيرًا "!

فنـزلت: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك " ، الآية.

(36) 15964 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قال عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه، قال له أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟

قال: نعم!

قال: فأخبره، قال: من أخبرك؟

قال: ربي!

قال: نعم الرب ربك, استوص به خيرًا!

قال: " أنا أستوصي به, أو هو يستوصي بي؟

(37) وكأنّ معنى مكر قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم به ليثبتوه، كما:- 15965 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثني أبي قال، حدثنا محمد بن إسحاق, عن عبد الله بن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن عباس= قال وحدثني الكلبي, عن زاذان مولى أم هانئ, عن ابن عباس: أن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة, اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة, فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، (38) فلما رأوه قالوا: من أنت؟

قال شيخ من نجد, سمعت أنكم اجتمعتم, فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأيٌ ونصحٌ.

(39) قالوا: أجل، ادخل!

فدخل معهم, فقال: انظروا إلى شأن هذا الرجل, (40) والله ليوشكن أن يُواثبكم في أموركم بأمره.

(41) قال: فقال قائل: احبسوه في وَثاق, ثم تربصوا به ريبَ المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء, زهير والنابغة, إنما هو كأحدهم!

قال: فصرخ عدوُّ الله الشيخ النجدي فقال: والله، ما هذا لكم برأي !

(42) والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم, فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم!

قالوا: فانظروا في غير هذا.

قال: فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه, فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع، إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم، وكان أمره في غيركم.

فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي, ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذَ القلوب ما تسمع من حديثه؟

والله لئن فعلتم، ثم استعرَض العرب, لتجتمعن عليكم, ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم!

قالوا: صدق والله!

فانظروا رأيًا غير هذا !

قال: فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، ما أرى غيره!

قالوا: وما هو؟

قال: نأخذ من كل قبيلة غلامًا وَسيطا شابًّا نَهْدًا, (43) ثم يعطى كل غلام منهم سيفًا صارمًا, ثم يضربوه ضربة رجل واحد, فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها, فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها, فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل، (44) واسترحنا وقطعنا عنا أذاه.

فقال الشيخ النجدي: هذا والله الرأي، القولُ ما قال الفتى, لا أرى غيره!

قال: فتفرقوا على ذلك وهم مُجْمعون له، قال: فأتى جبريل النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة, وأذِن الله له عند ذلك بالخروج, وأنـزل عليه بعد قدومه المدينة " الأنفال "، يذكره نعمه عليه، وبلاءه عنده: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " ، وأنـزل في قولهم: " تربصوا به ريبَ المنون " حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء : أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ، [ سورة الطور: 30].

وكان يسمى ذلك اليوم: " يوم الزحمة " للذي اجتمعوا عليه من الرأي.

(45) 15966 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى (46) قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة ومقسم, في قوله: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك " قالا تشاوروا فيه ليلة وهم بمكة, فقال بعضهم: إذا أصبح فأوثقوه بالوثاق.

وقال بعضهم: بل اقتلوه.

وقال بعضهم: بل أخرجوه .

فلما أصبحوا رأوا عليًّا رحمة الله عليه , فردَّ الله مكرهم.

15967 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عيد الرزاق قال، أخبرني أبي, عن عكرمة قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار, أمر عليَّ بن أبي طالب, فنام في مضجعه, فبات المشركون يحرسونه، فإذا رأوه نائمًا حسبوا أنه النبي صلى الله عليه وسلم فتركوه.

فلما أصبحوا ثاروا إليه وهم يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هم بعليّ, فقالوا: أين صاحبك؟

قال: لا أدري!

قال: فركبوا الصعب والذَّلول في طلبه.

(47) 15968 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر قال، أخبرني عثمان الجزريّ: أن مقسمًا مولى ابن عباس أخبره، عن ابن عباس في قوله: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك "، قال: تشاورت قريش ليلة بمكة, فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق= يريدون النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال بعضهم: بل اقتلوه.

وقال بعضهم: بل أخرجوه.

فأطلع الله نبيه على ذلك, فبات على رحمه الله على فراش النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة, (48) وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار, وبات المشركون يحرسون عليًّا يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم .

فلما أصبحوا ثاروا إليه, فلما رأوا عليًّا رحمة الله عليه , ردّ الله مكرهم, فقالوا: أين صاحبك؟

قال: لا أدري!

فاقتصُّوا أثره، فلما بلغوا الجبل ومرُّوا بالغار, رأوا على بابه نسج العنكبوت، قالوا: لو دخل ههنا لم يكن نَسْجٌ على بابه!

فمكث فيه ثلاثا.

(49) 15969 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين "، قال: اجتمعت مشيخة قريش يتشاورون في النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ما أسلمت الأنصار، وفَرِقوا أن يتعالى أمره إذا وجد ملجأ لجأ إليه.

(50) فجاء إبليس في صورة رجل من أهل نجد, فدخل معهم في دار الندوة، فلما أنكروه قالوا: من أنت؟

فوالله ما كل قومنا أعلمناهم مجلسنا هذا!

قال: أنا رجل من أهل نجد، أسمع من حديثكم وأشير عليكم!

فاستحيَوْا، فخلَّوا عنه.

فقال بعضهم: خذوا محمدًا إذا اضطجع على فراشه, (51) فاجعلوه في بيت نتربص به ريبَ المنون = و " الريب "، هو الموت, و " المنون "، هو الدهر = قال إبليس: بئسما قلت!

تجعلونه في بيت، فيأتي أصحابه فيخرجونه، فيكون بينكم قتال!

قالوا: صدق الشيخ!

قال: أخرجوه من قريتكم!

قال إبليس: بئسما قلت!

تخرجونه من قريتكم، وقد أفسد سفهاءكم، فيأتي قرية أخرى فيفسد سفهاءهم، فيأتيكم بالخيل والرجال!

قالوا: صدق الشيخ!

قال أبو جهل= وكان أولاهم بطاعة إبليس=: بل نعمد إلى كل بطن من بطون قريش, فنخرج منهم رجلا فنعطيهم السلاح, فيشدُّون على محمد جميعًا فيضربونه ضربة رجل واحد, فلا يستطيع بنو عبد المطلب أن يقتلوا قريشًا, فليس لهم إلا الدية!

قال إبليس: صدق, وهذا الفتى هو أجودكم رأيًا!

فقاموا على ذلك.

وأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فنام على الفراش, وجعلوا عليه العيون.

فلما كان في بعض الليل, انطلق هو وأبو بكر إلى الغار, ونام علي بن أبي طالب على الفراش, فذلك حين يقول الله: " ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك "= و " الإثبات "،: هو الحبس والوثاق= وهو قوله: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا [ سورة الإسراء: 76]، يقول: يهلكهم.

فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، لقيه عمر فقال له: ما فعل القوم؟

وهو يرى أنهم قد أهلكوا حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم, وكذلك كان يُصنع بالأمم, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أخِّروا بالقتال ".

15970 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ليثبتوك أو يقتلوك "، قال: كفار قريش، أرادوا ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج من مكة.

15971 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد نحوه.

15972- حدثني ابن وكيع قال: حدثنا هانئ بن سعيد, عن حجاج, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد نحوه; إلا أنه قال: فعلوا ذلك بمحمد.

15973 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك " ، الآية, هو النبي صلى الله عليه وسلم، مكروا به وهو بمكة.

15974 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك "، إلى آخر الآية، قال: اجتمعوا فتشاوروا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: اقتلوا هذا الرجل.

فقال بعضهم: لا يقتله رجل إلا قُتل به!

قالوا: خذوه فاسجنوه، واجعلوا عليه حديدًا.

قالوا: فلا يدعكم أهل بيته!

قالوا: أخرجوه.

قالوا: إذًا يستغوي الناس عليكم.

(52) قال: وإبليس معهم في صورة رجل من أهل نجد، واجتمع رأيهم أنه إذا جاء يطوف البيت ويستلم، أن يجتمعوا عليه فيغمُّوه ويقتلوه, (53) فإنه لا يدري أهله من قتله, فيرضون بالعقل، فنقتله ونستريح ونعقِله!

فلما أن جاء يطوف بالبيت، اجتمعوا عليه فغمُّوه، فأتى أبو بكر فقيل له ذاك, فأتى فلم يجد مدخلا.

فلما أن لم يجد مدخلا قال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ، [سورة غافر: 28].

قال: ثم فرَّجها الله عنه.

فلما أن حطّ الليل، (54) أتاه جبريل عليه السلام فقال، من أصحابك؟

فقال: فلان وفلان وفلان.

فقال: لا نحن أعلم بهم منك، (55) يا محمد, هو ناموس ليل!

(56) قال: وأخِذ أولئك من مضاجعهم وهم نيام، فأتى بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقدِّم أحدهم إلى جبريل, فكحَله ثم أرسله, فقال: ما صورته يا جبريل؟

قال: كُفِيتَه يا نبي الله!

ثم قدِّم آخر، فنقر فوق رأسه.

بعصًا نقرة ثم أرسله، فقال: ما صورته يا جبريل؟

فقال: كُفِيته يا نبي الله!

ثم أتي بآخر فنقر في ركبته, فقال: ما صورته يا جبريل؟

قال: كفيته!

ثم أتي بآخر فسقاه مَذْقة, (57) فقال: ما صورته يا جبريل؟

قال: كفيته يا نبي الله!

وأتي بالخامس، (58) فلما غدا من بيته، مرّ بنبّال فتعلق مِشْقَص بردائه، (59) فالتوى, فقطع الأكحل من رجله.

(60) وأما الذي كحلت عيناه، فأصبح وقد عمي.

وأما الذي سقي مَذْقةً، فأصبح وقد استسقى بطنه.

وأما الذي نقر فوق رأسه، فأخذته النقبة = و " النقبة "، قرحة عظيمة (61) = أخذته في رأسه.

وأما الذي طعن في ركبته, فأصبح وقد أقعد.

فذلك قول الله: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " .

15975 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قوله: " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين "، أي: فمكرت لهم بكيدي المتين، حتى خلّصك منهم.

(62) 15976 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة, قوله: " وإذ يمكر بك الذين كفروا "، قال: هذه مكية= قال: ابن جريج، قال مجاهد: هذه مكية.

(63) قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: واذكر، يا محمد، نعمتي عندك، بمكري بمن حاول المكرَ بك من مشركي قومك, بإثباتك أو قتلك أو إخراجك من وطنك, حتى استنقذتك منهم وأهلكتهم, فامض لأمري في حرب من حاربك من المشركين, وتولى عن إجابة ما أرسلتك به من الدين القيم, ولا يَرْعَبَنَّك كثرة عددهم, فإن ربّك خيرُ الماكرين بمن كفر به، وعبد غيره، وخالف أمره ونهيه.

* * * وقد بينا معنى " المكر " فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(64) ------------------------ الهوامش : (35) انظر تفسير " المكر " فيما سلف 12 : 95 ، 97 ، 579 13 : 33 (36) الأثر : 15963 - " محمد بن إسماعيل البصري " ، المعروف ب " الوساوسي " شيخ الطبري ، لم أجد النص على أنه "الوساوسي " ، والذي يروى عنه أبو جعفر في تاريخه ، في مواضع " محمد بن إسماعيل الضراري " ، وهو " محمد بن إسماعيل بن أبي ضرار الرازي " ، صدوق .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 2 190 ، وذكر في التهذيب أن أبا جعفر محمد بن جرير الطبري ، روى عنه ، ولم يذكر أنه يعرف بالوساوسي .

وترجم ابن أبي حاتم لأخيه : " أحمد بن إسماعيل بن أبي ضرار الرازي " ، 1 1 41 ، فوجدت في لباب الأنساب 2 : 273 : " الوساوسي ، عرف بها " أحمد بن إسماعيل الوساوسي البصري " ، فدل هذا على ترجيح أن يكون " محمد بن إسماعيل بن أبي ضرار " يقال له " الوساوسي " أيضًا .

و " عبد المجيد بن أبي رواد " ، هو " عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد الأزدي " ، روى عن ابن جريح وغيره .

وثقه أحمد وابن معين .

وغيرهما .

وضعفه أبو حاتم وابن سعد .

ومنهم من قال هو ثبت في حديثه عن ابن جريج ، ومنهم من قال : روى عن ابن جريج أحاديث لا يتابع عليها .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 1 64 .

" وعبيد بن عمير بن قتادة الليثي " ثقة ، مضى برقم : 9180 ، 9181 ، 9189 ، 15621 .

وكان في المخطوطة والمطبوعة : " عبيد بن عمير بن المطلب بن أبي وداعة " ، وهو خطأ لا شك فيه .

و " المطلب بن أبي وداعة السهمي القرشي " ، له صحبة - مترجم في التهذيب ، والكبير 4 2 7 ، وابن أبي حاتم 4 1 385 ، ولم يذكر لعبيد بن عمير رواية عنه .

وهذا الخبر رواه ابن كثير في تفسيره 4 : 46 ، 47 ، وقال : " وذكر أبي طالب في هذا ، غريب جدًا ، بل منكر لأن هذه الآية مدنية .

ثم إن هذه القصة ، واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل ، إنما كانت ليلة الهجرة سواء .

وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين ، لما تمكنوا منه واجترأوا عليه بسبب موت عمه أبي طالب ، الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه " .

فلو صح ما قاله ابن كثير ، كان هذا الخبر من الأخبار التي دعتهم إلى أن يقولوا في " عبد المجيد ابن أبي رواد " أنه روى عن ابن جريج أحاديث لا يتابع عليها .

ومع ذلك فإن حجاجًا قد روى عنه مثل رواية عبد المجيد .

انظر التعليق على الأثر التالي ، فإني اذهب مذهبًا غير مذهب ابن كثير في الخبر .

وانظر أيضًا رقم : 15976 ، فإن ابن جريج سيقول: إن هذه الآية مكية ، لا مدنية .

(37) الأثر : 15964 - انظر التعليق على الأثر السالف .

سلف ما قاله ابن كثير في نقد هذا الخبر .

والذي دفعه أن يقول ما قال ، من انه كان ليلة الهجرة ، ما رواه ابن جرير في الأثر الذي يليه ، والذي ترجم له بقوله : " وكأن معنى مكر قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم به ليثبتوه ، كما حدثني ...

" وساق خبر ائتمارهم به ليلة الهجرة .

ولكن جائز أن يكون الخبران الأولان ، في شأن آخر ، وليلة أخرى ، بل أكاد أقطع أن الخبر الذي رواه ابن جريج ، لا علاقة له بأمر الهجرة ، وأن ابن كثير تابع للطبري فيما ظنه ظنًا وذلك أن ابن إسحاق وغيره ، رووا أن أشراف قريش اجتمعوا يوما في الحجر ، فذكروا رسول الله ، وزعموا أنهم صبروا منه على أمر عظيم .

فبينا هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن ، ثم مر بهم طائفًا بالبيت ، فغمزوه ببعض القول .

فعرف الغضب في وجهه صلى الله عليه وسلم .

فلما مر بهم الثانية ، غمزوه بمثلها ، ثم مر الثالثة ، ففعلوا فعلتهم ، فوقف ثم قال : " أتسمعون يا معشر قريش ، أما والذي نفسي بيده ، لقد جئتكم بالذبح " .

فاستكانوا ورفأوه بأحسن القول رهبة ورغبة .

فلما كان الغد ، اجتمعوا في الحجر فقال بعضهم لبعض : " ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه ، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه " .

فبينا هم كذلك ، طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوثبوا إليه رجل واحد ، وأحاطوا به يقولون : " أنت الذي تقول كذا وكذا ؟

" ، لما كان من عيب آلهتهم ، فيقول : " نعم، أنا الذي أقول ذلك " ، فأخذ بعضهم بمجمع ردائه ، فقام أبو بكر دونه وهو يبكي ويقول : " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله " !

( سيرة ابن هشام 1 : 309 ، 310 ) ، وانظر الخبر التالي رقم : 15974 ، والتعليق عليه .

وكان هذا قبل الهجرة بزمان طويل ، في حياة أبي طالب .

فكأن هذا الخبر ، هو الذي قال عبيد بن عمير في روايته عن المطلب بن أبي وداعة أنه ائتمار قومه به .

فإذا صح ذلك ، لم يكن لما قال ابن كثير وجه ، ولصح هذا الخبر لصحة إسناده .

(38) في المخطوطة : " في صورة جليل " ، وفوق " جليل " حرف ( ط ) دليلا على الخطأ ، والصواب ما في المطبوعة ، مطابقًا لما في سيرة ابن هشام .

(39) " لن يعدمكم " ، أي : لا يعدوكم ويخطئكم مني رأي ونصح .

(40) في المطبوعة : " في شأن " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(41) في المطبوعة : " أن يواتيكم في أموركم " ، وهو لا معنى له ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهي غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت .

(42) في المطبوعة : " رأي " بغير باء ، والصواب من المخطوطة .

(43) " الوسيط " : حسيبًا في قومه ، من أكرمهم حسبًا ونسبًا ومجدًا .

وكان في المطبوعة " وسطا ً " ، والصواب ما في المخطوطة .

و " غلام نهد " : كريم ، ينهض إلى معالي الأمور.

واصل " النهد " : المرتفع .

(44) " العقل " ، الدية .

(45) الأثر : 15965 - سيرة ابن هشام 2 : 124 - 128 ، وإسناد هناك " قال ابن إسحاق ، فحدثني من لا أتهم من أصحابنا ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد بن جبير أبي الحجاج ، وغيره ممن لا أتهم ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما " ، ثم ساق الخبر بغير هذا اللفظ .

ومما اعترض به على هذا الخبر أن آية " سورة الطور " ، آية مكية ، نزلت قبل الهجرة بزمان ، وسياق ابن إسحاق للآية بعد الخبر ، يوهم أنها نزلت ليلة الهجرة ، أو بعد الهجرة ، وهذا لا يكاد يصح .

(46) سقط من المطبوعة : " محمد " وكتب " بن عبد الأعلى " ، وهي ثابتة في المخطوطة .

(47) " الصعب " من الإبل ، هو الذي لم يركب قط ، لأنه لا ينقاد لراكبه ، ونقيضه " الذلول " ، وهو السهل المنقاد .

مثل لركوب كل مركب في طلب ما يريده المرء ، سهل المركب أو صعب .

(48) في المخطوطة ، سقط من الناسخ " الليلة " ، وزادتها المطبوعة .

(49) الأثر : 15968 - " عثمان الجزري " ، يقال له : " عثمان المشاهد " .

روى عن مقسم ، روى عنه معمر ، والنعمان بن راشد .

قال أبو حاتم : " لا أعلم روى عنه غير معمر ، والنعمان " .

وسئل عنه أحمد فقال : " روى أحاديث مناكير ، زعموا أنه ذهب كتابه " .

مترجم في ابن أبي حاتم 3 1 174 .

وكان في المطبوعة : " عثمان الجريري " ، والمخطوطة ، كما أثبتها ، غير أنه غير منقوط .

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده برقم : 3251 ، وقال أخي : " في إسناده نظر ، من أجل عثمان الجزري ، كالإسناد 2562 " ، وقد استظهر هناك أن " عثمان الجزري " هو " عثمان بن ساج " ، ولكن ما قاله ابن أبي حاتم ، يرجح أن " عثمان الجزري " ، غير " عثمان بن ساج " .

وقد وجدت بعد في مجمع الزوائد 7 : 27 ، هذا الخبر ، بنحوه ثم قال : " رواه أحمد والطبراني ، وفيه " عثمان بن عمرو الجزري " ، وثقه ابن حبان ، وضعفه غيره ، وبقية رجاله رجال الصحيح " .

ولا أزال أشك في أن " عثمان الجزري " ، غير " عثمان بن عمرو بن ساج " (50) " فرقوا " ، خافوا وفزعوا .

(51) في المطبوعة : " إذا اصطبح على فراشه " ، لا أدري من أين جاء بها !

.

(52) " يستغوي الناس " ، أي : يدعوهم إلى التجمع .

يقال : " تغاووا عليه حتى قتلوه " ، إذا تجمعوا وتعاونوا في الشر .

والأجود عندي : " يستعوى " ( بالعين المهملة ) .

يقال : " استعوى فلان جماعة " ، إذا نعق بهم على الفتنة .

ويقال : " تعاوى بنو فلان على فلان " و " تغاووا " ( بالغين المعجمة ) ، إذا تجمعوا عليه .

و " استعوى القوم " ، استغاث بهم .

وأصله من " العواء " ، عواء الكلب ، فتجاوبه كلاب الحي .

(53) في المطبوعة والمخطوطة : " فيعموه " بالعين المهملة ، ولها وجه ضعيف عندي ، وصوابها بالغين المعجمة .

يقال : " غم الشيء يغمه " ، إذا علاه وغطاه وستره حتى لا فرجة فيه ، ومنه قول النمر بن تولب ، يصف اجتماع المقاتلة العرب في الحرب : زَبَنَتْــكَ أَرْكَـانُ العَــدُوِّ فـأَصْبَحتْ أَجَـأ وَحَيَّــة مِـنْ قَـرَارِ ديارهـا وَكأَنَّهَــا دَقَــرَى , تَخَـايَلَ نَبْتُهـا أُنُـفٌ يَغُـمُّ الضَّـالَ نَبْـتُ بِحَارِهَـا ومنه قيل للغمة " غمة " ، وقيل : " سحاب أغم " ، لا فرجة فيه .

وانظر بعد ذلك صفة اجتماعهم عليه صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي ، وأن أبا بكر لم يجد مدخلا ، وقوله أيضًا : " ثم فرجها الله عنه " .

فكل هذا يدل على صواب قراءتها كما أثبتها .

وهذه الصفحة من المخطوطة ، يكاد أكثرها يكون غير منقوط .

(54) في المطبوعة : " فلما أن كان الليل " ، غير ما في المخطوطة، وكان فيها " فلما أن حبط " وصواب قراءتها إن شاء الله ما أثبت.

و " حط الليل " ، نزل وأطبق.

(55) في المخطوطة : " فقال : فلان وفلان وفلان ، فقال لا .

فقال جبريل عليه السلام : نحن أعلم بهم منك ...

" ، أخشى أن يكون سقط من الكلام شيء ، والذي في المطبوعة اجتهاد من الناشر ، تركه على حاله .

(56) في المطبوعة والمخطوطة : " هو ناموس ليل " ، والسياق يقتضي ما أثبت .

و " الناموس " دويبة أغبر ، كهنة الذرة ، تلكع الناس وتلسعهم .

وقولهم : " هم ناموس ليل " ، يعني حقارتهم وقلة شأنهم .

(57) " المذقة " ، الطائفة من اللبن الممزوج بالماء .

(58) لم يذكر ما فعل جبريل عليه السلام بالخامس ، وإن كان ذكر ما آل إليه أمره ، فأخشى أن يكون سقط من الكلام شيء .

(59) في المطبوعة " مر " حذف الفاء ، وهو صواب ، فأثبتها من المخطوطة .

و " المشقص " ، نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض .

(60) " الأكحل " ، عرق الحياة ، ويقال له : " نهر البدن " ، وهو عرق في اليد ووسط الذراع ، وفي كل عضو منه شعبة ، لها اسم على حدة ، إذا قطع لم يرقأ الدم .

(61) في المطبوعة : " النقدة " ، في الموضعين .

وأما المخطوطة ، فالأولى ، يوشك أن يكتبها " النقبة " إلا أنه يزيد في رأس الباء ، ثم كتب بعد " النقدة " ولم أجد في القروح ما يقال له : " نقدة " .

و " النقبة " ( بضم فسكون ) أول بدء الجرب ، ترى الرقعة مثل الكف بجنب البعير أو وركه أو بمشفرة ، ثم تتمشى فيه تشريه كله ، أي تملؤه كله .

فلعل هذه هي المرادة هنا .

(62) الأثر : 15975 - سيرة ابن هشام 1 : 325 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 15955 .

وكان في المطبوعة والمخطوطة : " فمكرت لهم " ، وأثبت ما في سيرة ابن هشام ، وهي أجود .

(63) الأثر : 15976 - انظر التعليق على الأثر السالف رقم : 15964 .

كأنه يعني أن هذه الآية ، معنى بها أمر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة .

والقطع بأن هذه الآية أو اللواتي تليها آيات نزلت بمكة ، أمر صعب ، لا يكاد المرء يطمئن إلى صوابه ، والاعتراض على ذلك له وجوه كثيرة لا محل لذكرها هنا .

(64) انظر تفسير " المكر " فيما سلف 12 : 95 ، 97 ، 579 13 : 33 ، 491 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين هذا إخبار بما اجتمع عليه المشركون من المكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة ; فاجتمع رأيهم على قتله فبيتوه ، ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج ; فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه ، ودعا الله عز وجل أن يعمي عليهم أثره ، فطمس الله على أبصارهم ، فخرج وقد غشيهم النوم ، فوضع على رءوسهم ترابا ونهض .

فلما أصبحوا خرج عليهم علي فأخبرهم أن ليس في الدار أحد ، فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا .

الخبر مشهور في السيرة وغيرها .

ومعنى ليثبتوك ليحبسوك ; يقال : أثبته إذا حبسته .

وقال قتادة : ليثبتوك وثاقا .

وعنه أيضا وعبد الله بن كثير : ليسجنوك .

وقال أبان بن تغلب وأبو حاتم : ليثخنوك بالجراحات والضرب الشديد .

قال الشاعر :فقلت ويحكما ما في صحيفتكم قالوا الخليفة أمسى مثبتا وجعاأو يقتلوك أو يخرجوك عطف .ويمكرون مستأنف .

والمكر : التدبير في الأمر في خفية .والله خير الماكرين ابتداء وخبر .

والمكر من الله هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم من حيث لا يشعرون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي‏:‏ ‏[‏و‏]‏ أذكر أيها الرسول، ما منَّ اللّه به عليك‏.‏ ‏{‏إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ حين تشاور المشركون في دار الندوة فيما يصنعون بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، إما أن يثبتوه عندهم بالحبس ويوثقوه‏.‏ وإما أن يقتلوه فيستريحوا ـ بزعمهم ـ من شره‏.‏ وإما أن يخرجوه ويجلوه من ديارهم‏.‏ فكلُّ أبدى من هذه الآراء رأيا رآه، فاتفق رأيهم على رأي‏:‏ رآه شريرهم أبو جهل لعنه اللّه،وهو أن يأخذوا من كل قبيلة من قبائل قريش فتى ويعطوه سيفا صارما، ويقتله الجميع قتلة رجل واحد، ليتفرق دمه في القبائل‏.‏ فيرضى بنو هاشم ‏[‏ثَمَّ‏]‏ بديته، فلا يقدرون على مقاومة سائر قريش، فترصدوا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الليل ليوقعوا به إذا قام من فراشه‏.‏ فجاءه الوحي من السماء، وخرج عليهم، فذرَّ على رءوسهم التراب وخرج، وأعمى اللّه أبصارهم عنه، حتى إذا استبطؤوه جاءهم آت وقال‏:‏ خيبكم اللّه، قد خرج محمد وذَرَّ على رءوسكم التراب‏.‏ فنفض كل منهم التراب عن رأسه، ومنع اللّه رسوله منهم، وأذن له في الهجرة إلى المدينة،فهاجر إليها، وأيده اللّه بأصحابه المهاجرين والأنصار،ولم يزل أمره يعلو حتى دخل مكة عنوة، وقهر أهلها،فأذعنوا له وصاروا تحت حكمه، بعد أن خرج مستخفيا منهم، خائفا على نفسه‏.‏ فسبحان اللطيف بعبده الذي لا يغالبه مغالب‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ) هذه الآية معطوفة على قوله ( واذكروا إذ أنتم قليل ) واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا ، وإذ قالوا اللهم ، لأن هذه السورة مدنية وهذا المكر والقول إنما كانا بمكة ، ولكن الله ذكرهم بالمدينة كقوله تعالى " إلا تنصروه فقد نصره الله " ( التوبة آية 40 ) وكان هذا المكر على ما ذكره ابن عباس وغيره من أهل التفسير : أن قريشا فرقوا لما أسلمت الأنصار أن يتفاقم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاجتمع نفر من كبارهم في دار الندوة ، ليتشاوروا في أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت رءوسهم : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، وأبو سفيان ، وطعيمة بن عدي ، وشيبة بن ربيعة ، والنضر بن الحارث ، وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود ، وحكيم بن حزام ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وأمية بن خلف ، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ ، فلما رأوه قالوا : من أنت؟

قال : شيخ من نجد ، سمعت باجتماعكم ، فأردت أن أحضركم ، ولن تعدموا مني رأيا ونصحا ، قالوا : ادخل فدخل ، فقال أبو البختري : أما أنا فأرى أن تأخذوا محمدا وتحبسوه في بيت ، وتشدوا وثاقه ، وتسدوا باب البيت غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه ، وتتربصوا به ريب المنون حتى يهلك فيه ، كما هلك من كان قبله من الشعراء .

قال : فصرخ عدو الله الشيخ النجدي وقال : بئس الرأي رأيتم والله لئن حبستموه في بيت فخرج أمره من وراء الباب الذي غلقتم دونه إلى أصحابه فيوشك أن يثبوا عليكم ويقاتلوكم ويأخذوه من أيديكم ، قالوا : صدق الشيخ ، فقال هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي : أما أنا فأرى أن تحملوه على بعير تخرجوه من أظهركم فلا يضركم ما صنع ولا أين وقع إذا غاب عنكم واسترحتم منه ، فقال إبليس : ما هذا لكم برأي تعتمدون عليه ، تعمدون إلى رجل قد أفسد أحلامكم فتخرجونه إلى غيركم فيفسدهم ألم تروا إلى حلاوة منطقه وحلاوة لسانه وأخذ القلوب بما تسمع من حديثه؟

والله لئن فعلتم ذلك ليذهبن وليستميل قلوب قوم ثم يسير بهم إليكم فيخرجكم من بلادكم ، قالوا : صدق الشيخ : فقال أبو جهل والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره إني أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابا نسيبا وسيطا فتيا ثم يعطى كل فتى منهم سيفا صارما ، ثم يضربوه ضربة رجل واحد ، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها ولا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها ، وأنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل فتؤدي قريش ديته ، فقال إبليس : صدق هذا الفتى ، وهو أجودكم رأيا ، القول ما قال لا أرى رأيا غيره فتفرقوا على قول أبي جهل وهم مجمعون له .

فأتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه ، وأذن الله له عند ذلك بالخروج إلى المدينة ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب أن ينام في مضجعه وقال له : تسيح ببردتي هذه فإنه لن يخلص إليك منهم أمر تكرهه ، ثم خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ قبضة من تراب فأخذ الله أبصارهم عنه فجعل ينثر التراب على رءوسهم وهو يقرأ : " إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا " إلى قوله " فهم لا يبصرون ( سورة يس 8 - 9 ) ومضى إلى الغار من ثور هو وأبو بكر ، وخلف عليا بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي قبلها وكانت الودائع تودع عنده - صلى الله عليه وسلم - لصدقه وأمانته ، وبات المشركون يحرسون عليا في فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحسبون أنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما أصبحوا ثاروا إليه فرأوا عليا رضي الله عنه ، فقالوا : أين صاحبك؟

قال : لا أدري ، فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه فلما بلغوا الغار رأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا : لو دخله لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاثا ، ثم قدم المدينة ، ذلك قوله تعالى : " وإذ يمكر بك الذين كفروا " .

( ليثبتوك ) ليحبسوك ويسجنوك ويوثقوك ، ( أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ) قال الضحاك : يصنعون ويصنع الله ، والمكر التدبير وهو من الله التدبير بالحق .

وقيل : يجازيهم جزاء المكر ( والله خير الماكرين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اذكر يا محمد «إذ يمكر بك الذين كفروا» وقد اجتمعوا للمشاورة في شأنك بدار الندوة «ليثبتوك» يوثقوك ويحبسوك «أو يقتلوك» كلهم قَتلَة رجل واحد «أو يخرجوك» من مكة «ويمكرون» بك «ويمكرُ الله» بهم بتدبير أمرك بأن أوحى إليك ما دبروه وأمرك بالخروج «والله خير الماكرين» أعلمهم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها الرسول- حين يكيد لك مشركو قومك بـ"مكَّة"؛ ليحبسوك أو يقتلوك أو ينفوك من بلدك.

ويكيدون لك، وردَّ الله مكرهم عليهم جزاء لهم، ويمكر الله، والله خير الماكرين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

استمع - أخى القارئ - بتدبر إلى الآيات التى حكى كل ذلك بأسلوبها البليغ المثر فتقول : ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ .

.

.

وَنِعْمَ النصير ) .قال ابن كثير : " عن ابن عباس فى قوله : ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ ) أنه قال : تشاورت قريش ليلة بمكة - فى شأن النبى - صلى الله عليه وسلم ، وذلك بعد أن رأوا أمره قد اشتهر ، وأن غيرهم قد آمن به - فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق .

وقال بعضهم بل اقتلوه ، وأمره أن لا يبيت فى مضجعه ، فأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - عليا أن يبيت مكانه ففعل وخرج النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى لحق بالغار ، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبى - صلى الله عليه وسلم - فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فلما رأوا عليا قالوا له أين صاحبك؟

قال : لا أدرى .

فاقتصوا أثره ، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم ، فصعدوا فى الجبل فرموا بالغار ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاثة ليال " .وقد ذكر ابن كثير وغيره روايات أخرى تتعلق بهذه الآية ، إلا أننا نكتفى بهذه الرواية ، لإفادتها بالمطلوب فى موضوعنا ، ولأن غيرنا قد اشتمل على أخبار أنكرها بعض المحققين ، كما أنكرها ابن كثير نفسه .وقوله : ( وَإِذْ يَمْكُرُ .

.

) تذكير من الله - تعالى - لنبيه وللمؤمنين ببعض نعمه عليهم ، حيث نجى نبيه - صلى الله عليه وسلم - من مكر المشركين حين تأمروا على قتله وهو بينهم بمكة .قال ابن جرير : أنزل الله على النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد قدومه المدينة سورة الأنفال ، يذكره نعمه عليه - ومن ذلك قوله - تعالى - ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ .

.

) الآية .وقوله ( يَمْكُرُ ) من المكر ، وهو - كما يقول الراغب - صرف الغير عما يقصده بحيلة وذلك ضربان : مكر محمود وذلك أن يتحرى بمكره فعلا جميلا ومنه قوله - تعالى - ( والله خَيْرُ الماكرين ) .

ومكر مذموم ، وهو أن يتحرى بمكره فعلا قبيحا ، ومنه قوله - تعالى - ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ .

.

) وقال - سبحانه - وتعالى - فى الأمرين : ( وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) وقوله : " ليثبتوك " أى ليحبسوك .

يقال أثبته إذا حبسته .والمعنى : واذكر - يا محمد - وقت ان نجيتك من مكر أعدائك ، حين تآمروا عليك وأنت بين اظهرهم فى مكة ، لكى ( لِيُثْبِتُوكَ ) أى : يحسبوك فى دارك ، فلا تتمكن من لقاء الناس ومن طعوتهم إلى الدين الحق ( أَوْ يَقْتُلُوكَ ) بواسطة مجموعة من الرجال الذين اختلفت قبائلهم فى النسب ، حتى يتفرق دمك فيهم فلا تقدر عشيرتك على الأخذ بثأرك من هذه القبائل المتعددة .

.

( أَوْ يُخْرِجُوكَ ) أى : من مكة منفيا مطاردا حتى يحولوا بينك وبين لقاء قومك .وقوله : ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين ) بيان لموضع النعمة والمنة ، أى : والحال أن هؤلاء المشركين يمكرون بك وبأتباعك المكر السئ ، والله - تعالى - يرد مكرهم فى نحورهم ، ويحبط كيدهم ، ويخيب سعيهم ، ويعاقب عليهم عقابا شديداً ، ويدبر أمرك وأمر أتباعك ، ويحفظكم من شرورهم ، فهو - سبحانه - أقوى الماكرين ، وأعظم تأثيرا ، وأعلمهم بما يضر منه وما ينفع .قال الآلوسى : قوله ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله ) أى : برد مكرهم ويجعل وخامته عليهم ، أو يجازيهم عليه أو يعاملهم معاملة الماكرين ، وذلك بأن أخرجهم إلى بدر ، وقلل المسلمين فى أعينهم حتى حملوا فلقوا منهم ما يشب منه الوليد .( والله خَيْرُ الماكرين ) إذ لا يعتد بمكرهم عند مكره - سبحانه - وإطلاق هذا المركب الإِضافى عليه - تعالى - إن كان باعتبار أن مكره - سبحانه - أنفذ وأبلغ تأثيرا فالإِضافة للتفضيل ، لأن لمكر الغير - أيضا نفوذا أو تأثيراً فى الجملة .

.

وإن كان باعتبار أنه - سبحانه - لا ينزل إلا الحق ولا يصيب إلا ما يستوجب الممكور به ، فلا شكرة لمكر الغير فيه ، وتكون الإِضافة حينئذ للاختصاص ، لانتفاء المشاركة .

.هذا والصورة التى يرسمها قوله - تعالى - : ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله ) صورة عميقة التأثير ، ذلك حين تتراءى للخيال ندوة قريش ، وهم يتأمرون ويتذاكرون ويدبرون ويمكرون ، والله من ورائهم محيط ، ويمكر بهم ويبطل كيدهم وهم لا يشعرون .إنها صورة ساخرة ، وهى فى الوقت ذاته صورة مفزعة .

.

فأين هؤلاء البشر الضعاف المهازيل ، من تلك القدرة .

.

.

.

قدرة الله الجبار ، القاهر فوق عباده ، الغالب على أمره ، وهو بكل شئ محيط؟والتعبير القرآنى يرسم الصورة على طريقة القرآن الفريدة فى التصوير ، فيهز بها القلوب ، ويحرك بها أعماق الشعور .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر المؤمنين نعمه عليهم بقوله: ﴿ واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ  ﴾ فكذلك ذكر رسوله نعمه عليه وهو دفع كيد المشركين ومكر الماكرين عنه، وهذه السورة مدنية.

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين: إن مشركي قريش تآمروا في دار الندوة ودخل عليهم إبليس في صورة شيخ، وذكر أنه من أهل نجد.

فقال بعضهم: قيدوه نتربص به ريب المنون، فقال إبليس: لا مصلحة فيه، لأنه يغضب له قومه فتسفك له الدماء.

وقال بعضهم أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه لكم، فقال إبليس: لا مصلحة فيه لأنه يجمع طائفة على نفسه ويقاتلكم بهم.

وقال أبو جهل: الرأي أن نجمع من كل قبيلة رجلاً فيضربوه بأسيافهم ضربة واحدة فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على محاربة قريش كلها، فيرضون بأخذ الدية، فقال إبليس: هذا هو الرأي الصواب، فأوحى الله تعالى إلى نبيه بذلك وأذن له في الخروج إلى المدينة وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن الله له في الهجرة، وأمر علياً أن يبيت في مضجعه، وقال له: تسج ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه وباتوا مترصدين، فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا علياً فبهتوا وخيب الله سعيهم.

وقوله: ﴿ لِيُثْبِتُوكَ ﴾ قال ابن عباس: ليوثقوك ويشدوك وكل من شد فقد أثبت، لأنه لا يقدر على الحركة ولهذا يقال لمن اشتدت به علة أو جراحه تمنعه من الحركة.

فقد أثبت فلان فهو مثبت، وقيل ليسجنوك، وقيل ليحبسوك، وقيل ليثبتوك في بيت فحذف المحل لوضوح معناه، وقرأ بعضهم ﴿ لِيُثْبِتُوكَ ﴾ بالتشديد وقرأ النخعى ﴿ لِيُثْبِتُوكَ ﴾ من البيات وقوله: ﴿ أَوْ يَقْتُلُوكَ ﴾ وهو الذي حكيناه عن أبي جهل لعنه الله ﴿ أَوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ أي من مكة، ولما ذكر تعالى هذه الأقسام الثلاثة قال: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين ﴾ وقد ذكرنا في سورة آل عمران في تفسير قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين  ﴾ تفسير المكر في حق الله تعالى، والحاصل أنهم احتالوا على إبطال أمر محمد والله تعالى نصره وقواه، فضاع فعلهم وظهر صنع الله تعالى.

قال القاضي: القصة التي ذكرها ابن عباس موافقة للقرآن إلا ما فيها من حديث إبليس، فإنه زعم أنه كانت صورته موافقة لصورة الإنس وذلك باطل، لأن ذلك التصوير إما أن يكون من فعل الله أو من فعل إبليس، والأول باطل لأنه لا يجوز من الله تعالى أن يفعل ذلك ليفتن الكفار في المكر، والثاني أيضاً باطل، لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يقدر إبليس على تغيير صورة نفسه.

واعلم أن هذا النزاع عجيب، فإنه لما لم يبعد من الله تعالى أن يقدر إبليس على أنواع الوساوس فكيف يبعد منه أن يقدره على تغيير صورة نفسه؟

فإن قيل: كيف قال: ﴿ والله خَيْرُ الماكرين ﴾ ولا خير في مكرهم.

قلنا: فيه وجوه: أحدها: أن يكون المراد أقوى الماكرين فوضع ﴿ خَيْرٌ ﴾ موضع أقوى وأشد، لينبه بذلك على أن كل مكر فهو يبطل في مقابلة فعل الله تعالى.

وثانيها: أن يكون المراد خير الماكرين لو قدر في مكرهم ما يكون خيراً وحسناً.

وثالثها: أن يكون المراد من قوله: ﴿ خَيْرُ الماكرين ﴾ ليس هو التفضيل، بل المراد أنه في نفسه خير كما يقال: الثريد خير من الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فُرْقَانًا ﴾ نصراً؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل وبين الكفر بإذلال حزبه، والإسلام بإعزاز أهله.

ومنه قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ الفرقان ﴾ [الأنفال: 41] أو بياناً وظهوراً يشهر أمركم ويبث صيتكم وآثاركم في أقطار الأرض، من قولهم: (بتّ أفعل كذا) حتى سطع الفرقان: أي طلع الفجر.

أو مخرجاً من الشبهات وتوفيقاً وشرحاً للصدور.

أو تفرقة بينكم وبين غيركم من أهل الأديان، وفضلاً ومزية في الدنيا والآخرة.

﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين ﴾ لما فتح الله عليه، ذكره مكر قريش به حين كان بمكة، ليشكر نعمة الله عز وجل في نجاته من مكرهم واستيلائه عليهم وما أتاح الله له من حسن العاقبة، والمعنى: واذكرإذ يمكرون بك وذلك أن قريشاً- لما أسلمت الأنصار وبايعوه- فرِقوا أن يتفاقم أمره، فاجتمعوا في دار الندوى متشاورين في أمره، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال: أنا شيخ من نجد، ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم، فأردت أن أحضركم ولن تعدموا غير كوّة تلقون إليه طعامه وشرابه منها؛ وتتربصوا به ريب المنون.

فقال إبليس: بئس الرأي؛ يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم.

فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم؛ فلا يضركم ما صنع واسترحتم.

فقال إبليس: بئس الرأي يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم.

فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما وتعطوه سيفا صارما، فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناهم واسترحنا.

فقال الشيخ- لعنه الله-: صدق هذا الفتى، هو أجودكم رأيا.

فتفرقوا على رأي أبي جهل مجتمعين على قتله.

فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن الله له في الهجرة، فأمر علياً رضي الله عنه فنام في مضجعه، وقال له: اتّشح ببردتي، فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه، وباتوا مترصدين، فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه، فأبصروا علياً فبهتوا وخيب الله عز وجل سعيهم، واقتصوا أثره فأبطل الله مكرهم ﴿ ليثبتوك ﴾ ليسجنوك أو يوثقوك أو يثخنوك بالضرب والجرح، من قولهم: ضربوه حتى أثبتوه لا حراك به ولا براح، وفلان مثبت وجعاً.

وقرئ: (ليثبتوك)، بالتشديد.

وقرأ النخعي: (ليثبتوك)، ومن البيات.

وعن ابن عباس: (ليقيدوك)، وهو دليل لمن فسره بالإيثاق ﴿ وَيَمْكُرُونَ ﴾ ويخفون المكايد له ﴿ وَيَمْكُرُ الله ﴾ ويخفي الله ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة ﴿ والله خَيْرُ الماكرين ﴾ أي مكره أنفذ من مكر غيره وأبلغ تأثيراً، أو لأنه لا ينزل إلا ما هو حق وعدل ولا يصيب إلا بما هو مستوجب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ تِذْكارٌ لَمّا مَكَرَ قُرَيْشٌ بِهِ حِينَ كانَ بِمَكَّةَ لِيَشْكُرَ نِعْمَةَ اللَّهِ في خَلاصِهِ.

مِن مَكْرِهِمْ واسْتِيلائِهِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى واذْكُرْ إذْ يَمْكُرُونَ بِكَ.

﴿ لِيُثْبِتُوكَ ﴾ بِالوَثاقِ أوِ الحَبْسِ، أوِ الإثْخانِ بِالجُرْحِ مِن قَوْلِهِمْ ضَرَبَهُ حَتّى أثْبَتَهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، وقُرِئَ (لِيُثَبِّتُوكَ) بِالتَّشْدِيدِ و « لِيُبَيِّتُوكَ» مِنَ البَياتِ و « لِيُقَيِّدُوكَ» .

﴿ أوْ يَقْتُلُوكَ ﴾ بِسُيُوفِهِمْ.

﴿ أوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ مِن مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا بِإسْلامِ الأنْصارِ ومُبايَعَتِهِمْ فَرَقُوا واجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ مُتَشاوِرِينَ في أمْرِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ وقالَ: أنا مِن نَجْدٍ سَمِعْتُ اجْتِماعَكم فَأرَدْتُ أنْ أحْضُرَكم ولَنْ تَعْدَمُوا مِنِّي رَأْيًا ونُصْحًا فَقالَ أبُو البُحْتُرِيِّ: رَأْيِي أنْ تَحْبِسُوهُ في بَيْتٍ وتَسُدُّوا مَنافِذَهُ غَيْرَ كُوَّةٍ تُلْقُونَ إلَيْهِ طَعامَهُ وشَرابَهُ مِنها حَتّى يَمُوتَ، فَقالَ الشَّيْخُ بِئْسَ الرَّأْيُ يَأْتِيكم مَن يُقاتِلُكم مِن قَوْمِهِ ويُخَلِّصُهُ مِن أيْدِيكم، فَقالَ هِشامُ بْنُ عَمْرٍو رَأْيِي أنْ تَحْمِلُوهُ عَلى جَمَلٍ فَتُخْرِجُوهُ مِن أرْضِكم فَلا يَضُرُّكم ما صَنَعَ، فَقالَ بِئْسَ الرَّأْيُ يُفْسِدُ قَوْمًا غَيْرَكم ويُقاتِلُكم بِهِمْ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ أنا أرى أنْ تَأْخُذُوا مِن كُلِّ بَطْنٍ غُلامًا وتُعْطُوهُ سَيْفًا صارِمًا فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةً واحِدَةً فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا يَقْوى بَنُو هاشِمٍ عَلى حَرْبِ قُرَيْشٍ كُلِّهِمْ، فَإذا طَلَبُوا العَقْلَ عَقَلْناهُ.

فَقالَ صَدَقَ هَذا الفَتى فَتَفَرَّقُوا عَلى رَأْيِهِ، فَأتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ عَلَيْهِما السَّلامُ وأخْبَرَهُ الخَبَرَ وأمَرَهُ بِالهِجْرَةِ، فَبَيَّتَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في مَضْجَعِهِ وخَرَجَ مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى الغارِ.

﴿ وَيَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ ﴾ بِرَدِّ مَكْرِهِمْ عَلَيْهِمْ، أوْ بِمُجازاتِهِمْ عَلَيْهِ، أوْ بِمُعامَلَةِ الماكِرِينَ مَعَهم بِأنْ أخْرَجَهم إلى بَدْرٍ وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِهِمْ حَتّى حَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا.

﴿ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ إذْ لا يُؤْبَهُ بِمَكْرِهِمْ دُونَ مَكْرِهِ، وإسْنادُ أمْثالِ هَذا مِمّا يَحْسُنُ لِلْمُزاوَجَةِ ولا يَجُوزُ إطْلاقُها ابْتِداءً لِما فِيهِ مِن إيهامِ الذَّمِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ} لما فتح الله عليه ذكّره مكر قريش به حين كان بمكة ليشرك نعمة الله فى نجاته من مرهم واستيلائه عليهم والمعنى واذكر إذ يمكرون بك وذلك أن قريشاً لما أسلمت الأنصار فرقوا أن يتفاقم أمره فاجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال أنا شءخ من نجد دخلت مكة فسمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا من رأيا ونصحا فقال أبو التخترى رأيي أن تحبسوه في بيت وتشدوا وثاقه وتسدوا بابه غير كوة تلقون إليه كعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون فقال إبليس بئس الرأى يأتيكم من يقاتلم من قومه ويخ ٩ لصه ن أيديكم فقال هشام بن عمرو رأى أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضرم ما صنع وسارحتم فقال البيس بئس الرأى يفسد قوما غيركم ويقالتكم بهم فقا ل أبو جهل لعنة اللله أنا أرى أن تاخذوامن كل بطن غلاماً وتعطوه سيفاً فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقى بنوا هاشم على حرب قريش كلهم فإذا طلبوا العقل عقلناه واستحرنا فقال اللعين صدق هذا الفتى هو ٨ أجودكم رأيا فتفرقوا

الأنفال ٢٩ ٣٢ على رأى أبى تجهل مجتمعين على قتله فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن له الله فى الهجرة فأمر علينا فنام في مضجعه وقال له اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه وباتوا مترصدين فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه

فابصروا علينا فبهتوا وخيب الله سعيهم وافتقوا أثره فأبطل الله مكرهم {ليثبتوك} ليجبسوك ويوثفوك {أو يقتلوك} بسيوفهم {أو يخرجوك} من كة {وَيَمْكُرُونَ} ويخفون المكايد له {وَيَمْكُرُ الله} ويخفي الله ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة {والله خير الماكرين} أى مركه انفذ مكر غيره وأبلغ تأثيراً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما تَقَدَّمَ أوْ مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ المُضْمَرِ المَعْطُوفِ عَلى ذَلِكَ، أيْ: واذْكُرْ نِعْمَتَهُ تَعالى عَلَيْكَ إذْ.

أوِ اذْكُرْ وقْتَ مَكْرِهِمْ بِكَ ﴿ لِيُثْبِتُوكَ ﴾ بِالوَثاقِ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: (لِيُقَيِّدُوكَ) وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ، أوْ بِالإثْخانِ بِالجُرْحِ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَهُ حَتّى أثْبَتَهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ أبانَ وأبِي حاتِمٍ والجُبّائِيِّ، وأنْشَدَ: فَقُلْتُ ويْحَكُمُ ما في صَحِيفَتِكم قالُوا: الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعا أوْ بِالحَبْسِ في بَيْتٍ كَما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ والسُّدِّيِّ، وكُلُّ الأقْوالِ تَرْجِعُ إلى أصْلٍ واحِدٍ هو جَعْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثابِتًا في مَكانِهِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالرَّبْطِ أوِ الحَبْسِ أوِ الإثْخانِ بِالجِراحِ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى الحَرَكَةِ، ولا يَرِدُ أنَّ الإثْخانَ إنْ كانَ بِدُونِ قَتْلٍ ذُكِرَ لَهُ فِيما اشْتُهِرَ مِنَ القِصَّةِ، وإنْ كانَ بِالقَتْلِ يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ يَقْتُلُوكَ ﴾ لِأنّا نَخْتارُ الأوَّلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ يُذْكَرَ في القِصَّةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ رَأيَ مَن لا يُعْتَدُّ بِرَأْيِهِ فَلَمْ يَذْكُرُوا المُرادَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أوْ يَقْتُلُوكَ بِسُيُوفِهِمْ ﴿ أوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ، وذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا رَأتْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ كانَتْ لَهُ شِيعَةٌ وأصْحابٌ مَن غَيْرِهِمْ مِن غَيْرِ بَلَدِهِمْ ورَأوْا خُرُوجَ أصْحابِهِ مِنَ المُهاجِرِينَ إلَيْهِمْ عَرَفُوا أنَّهم قَدْ نَزَلُوا دارًا وأصابُوا مِنهم مَنَعَةً فَحَذَّرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْهِمْ وعَرَفُوا أنَّهُ قَدْ أجْمَعَ لِحَرْبِهِمْ فاجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ، وهي دارُ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ الَّتِي كانَتْ قُرَيْشٌ لا تَقْضِي أمْرًا إلّا فِيها يَتَشاوَرُونَ فِيها ما يَصْنَعُونَ في أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِذَلِكَ واتَّعَدُوا أنْ يَدْخُلُوا الدّارَ لِيَتَشاوَرُوا فِيها غَدَوْا في اليَوْمِ الَّذِي اتَّعَدُوا فِيهِ وكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ يُسَمّى يَوْمَ الزَّحْمَةِ، فاعْتَرَضَهم إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ في هَيْئَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ عَلَيْهِ بَدْلَةٌ فَوَقَفَ عَلى بابِ الدّارِ، فَلَمّا رَأوْهُ واقِفًا عَلى بابِها قالُوا: مَنِ الشَّيْخُ؟

قالَ: شَيْخٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ سَمِعَ بِالَّذِي اتَّعَدْتُمْ لَهُ فَحَضَرَ مَعَكم لِيَسْمَعَ ما تَقُولُونَ، وعَسى أنْ لا يَعْدَمَكم مِنهُ رَأْيًا ونُصْحًا، قالُوا: أجَلْ فادْخُلْ، فَدَخَلَ مَعَهم وقَدِ اجْتَمَعَ أشْرافُ قُرَيْشٍ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ كانَ مِن أمْرِهِ ما رَأيْتُمْ وإنّا واللَّهِ ما نَأْمَنُهُ قالَ: فَتَشاوَرُوا ثُمَّ قالَ قائِلٌ مِنهُمُ: احْبِسُوهُ في الحَدِيدِ وأغْلِقُوا عَلَيْهِ بابًا ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ ما أصابَ أشْباهَهُ مِنَ الشُّعَراءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ زُهَيْرًا والنّابِغَةَ ومَن مَضى مِنهم مِن هَذا المَوْتِ حَتّى يُصِيبَهُ ما أصابَهم.

فَقالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لا واللَّهِ، ما هَذا بِرَأْيٍ واللَّهِ لَئِنْ حَبَسْتُمُوهُ كَما تَقُولُونَ لَيَخْرُجَنَّ أمْرُهُ مِن وراءِ البابِ الَّذِي أغْلَقْتُمُوهُ دُونَهُ إلى أصْحابِهِ، فَلَأوْشَكُوا أنْ يَثِبُوا عَلَيْكم فَيَنْزِعُوهُ مِن أيْدِيكم ثُمَّ يُكاثِرُوكم بِهِ حَتّى يَغْلِبُوكم عَلى أمْرِكم.

ما هَذا لَكم بِرَأْيٍ، فانْظُرُوا في غَيْرِهِ، فَتَشاوَرُوا ثُمَّ قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: نُخْرِجُهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِنا فَنَنْفِيهِ مِن بِلادِنا فَإذا خَرَجَ عَنّا فَواللَّهِ ما نُبالِي أيْنَ ذَهَبَ ولا حَيْثُ وقَعَ إذا غابَ عَنّا وفَرَغْنا مِنهُ فَأصْلَحْنا أمْرَنا وأُلْفَتَنا كَما كانَتْ.

قالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لا واللَّهِ، ما هَذا بِرَأْيٍ، ألَمْ تَرَوْا حُسْنَ حَدِيثِهِ وحَلاوَةَ مَنطِقِهِ وغَلَبَتَهُ عَلى قُلُوبِ الرِّجالِ بِما يَأْتِي بِهِ؟

واللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ما أمِنتُ أنْ يَحِلَّ عَلى حَيٍّ مِنَ العَرَبِ فَيَغْلِبَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِن قَوْلِهِ وحَدِيثِهِ حَتّى يُبايِعُوهُ ثُمَّ يَسِيرَ بِهِمْ إلَيْكم فَيَطَؤُكم بِهِمْ في بِلادِكم فَيَأْخُذُ أمْرَكم مِن أيْدِيكم ثُمَّ يَفْعَلُ بِكم ما أرادَ، دَبِّرُوا فِيهِ رَأْيًا غَيْرَهُ.

فَقالَأبُو جَهْلٍ: واللَّهِ إنَّ فِيهِ لَرَأْيًا ما أراكم وقَعْتُمْ عَلَيْهِ بَعْدُ.

قالُوا: وما هو يا أبا الحَكَمِ؟

قالَ: أرى أنْ نَأْخُذَ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شابًّا جَلِيدًا نَسِيبًا فِينا، ثُمَّ نُعْطِي كُلَّ فَتًى مِنهم سَيْفًا صارِمًا ثُمَّ يَعْمِدُونَ إلَيْهِ فَيَضْرِبُونَهُ بِها ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ فَيَقْتُلُونَهُ فَنَسْتَرِيحُ مِنهُ، فَإنَّهم إذا فَعَلُوا ذَلِكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ في القَبائِلِ جَمِيعًا، فَرَضُوا مِنّا بِالعَقْلِ فَعَقَلْناهُ لَهُمْ، قالَ: فَقالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: القَوْلُ ما قالَ الرَّجُلُ؛ هو هَذا الرَّأْيُ لا أرى غَيْرَهُ، فَتَفَرَّقُوا عَلى ذَلِكَ، فَأتى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: لا تَبِتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلى فِراشِكَ الَّذِي كُنْتَ تَبِيتُ عَلَيْهِ، فَلَمّا كانَتْ عَتَمَةٌ مِنَ اللَّيْلِ اجْتَمَعُوا عَلى بابِهِ يَرْصُدُونَهُ مَتى يَنامُ فَيَثِبُونَ عَلَيْهِ، فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكانَهم قالَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ««نَمْ عَلى فِراشِي وتَسَبَّحْ بُرْدِي هَذا الحَضْرَمِيَّ الأخْضَرَ، فَنَمْ؛ فَإنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ مِنهُمْ»».

وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَنامُ في بُرْدِهِ ذَلِكَ إذا نامَ، وأُذِنَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الهِجْرَةِ فَخَرَجَ مَعَ صاحِبِهِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى الغارِ، وأنْشَدَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مُشِيرًا لِما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ: وقَيْتُ بِنَفْسِي خَيْرَ مَن وطِئَ الحَصى ∗∗∗ ومَن طافَ بِالبَيْتِ العَتِيقِ وبِالحَجَرْ رَسُولَ إلَهٍ خافَ أنْ يَمْكُرُوا بِهِ ∗∗∗ فَنَجّاهُ ذُو الطَّوْلِ الإلَهُ مِنَ المَكَرْ وباتَ رَسُولُ اللَّهِ في الغارِ آمِنًا ∗∗∗ وقَدْ صارَ في حِفْظِ الإلَهِ وفي سَتَرْ وبِتُّ أُراعِيهِمْ وما يَتَّهِمُونَنِي ∗∗∗ وقَدْ وطَّنْتُ نَفْسِي عَلى القَتْلِ والأسَرْ ﴿ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ ﴾ أيْ: يَرُدُّ مَكْرَهم ويَجْعَلُ وخامَتَهُ عَلَيْهِمْ أوْ يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ أوْ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الماكِرِينَ؛ وذَلِكَ بِأنْ أخْرَجَهم إلى بَدْرٍ وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِهِمْ حَتّى حَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَلَقُوا مِنهم ما يَشِيبُ مِنهُ الوَلِيدُ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وقَدْ يُكْتَفى بِالمُشاكَلَةِ الصِّرْفَةِ ﴿ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ إذْ لا يُعْتَدُّ بِمَكْرِهِمْ عِنْدَ مَكْرِهِ سُبْحانَهُ.

قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إطْلاقُ هَذا المُرَكَّبِ الإضافِيِّ عَلَيْهِ تَعالى إنْ كانَ بِاعْتِبارِ أنَّ مَكْرَهُ جَلَّ شَأْنُهُ أنْفَذُ وأبْلَغُ تَأْثِيرًا فالإضافَةُ لِلتَّفْضِيلِ؛ لِأنَّ لِمَكْرِ الغَيْرِ أيْضًا نُفُوذًا وتَأْثِيرًا في الجُمْلَةِ، وهَذا مَعْنى أصْلِ فِعْلِ الخَيْرِ فَتَحْصُلُ المُشارَكَةُ فِيهِ، وإذا كانَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُنْزِلُ إلّا الحَقَّ ولا يُصِيبُ إلّا بِما يَسْتَوْجِبُهُ المَمْكُورُ بِهِ فَلا شَرِكَةَ لِمَكْرِ الغَيْرِ فِيهِ فالإضافَةُ حِينَئِذٍ لِلِاخْتِصاصِ كَما في - أعَدَلا بَنِي مَرْوانَ - لِانْتِفاءِ المُشارَكَةِ.

وقِيلَ: هو مِن قَبِيلِ: الصَّيْفُ أحَرُّ مِنَ الشِّتاءِ.

بِمَعْنى أنَّ مَكْرَهُ تَعالى في خَيْرِيَّتِهِ أبْلَغُ مَن مَكْرِ الغَيْرِ في شَرِّيَّتِهِ.

وادَّعى غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المَكْرَ لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ دُونَ مُشاكَلَةٍ لِأنَّهُ حِيلَةٌ يُجْلَبُ بِها مَضَرَّةٌ إلى الغَيْرِ وذَلِكَ مِمّا لا يَجُوزُ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ.

واعْتُرِضَ بِوُرُودِهِ مِن دُونِ مُشاكَلَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ ﴾ .

وأُجِيبَ بِأنَّ المُشاكَلَةَ فِيما ذُكِرَ تَقْدِيرِيَّةٌ وهي كافِيَةٌ في الغَرَضِ، وفِيهِ نَظَرٌ.

فَقَدْ جاءَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «مَن وُسِّعَ عَلَيْهِ في دُنْياهُ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ مَكْرٌ بِهِ فَهو مَخْدُوعٌ في عَقْلِهِ».

والمُشاكَلَةُ التَّقْدِيرِيَّةُ فِيهِ بَعِيدَةٌ جِدًّا بَلْ لا يَكادُ يَدَّعِيها مُنْصِفٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذلك أن نفراً من قريش اجتمعوا في دار الندوة.

وكانت قريش إذا اجتمعوا للمشورة والتدبير كانوا يجتمعون في تلك الدار، فاجتمعوا فيها وأغلقوا الباب لكيلا يدخل رجل من بني هاشم، ليمكروا بالنبي  ويحتالوا في أمره.

فدخل إبليس لعنه الله في صورة شيخ وعليه ثياب أطمار، وجلس معهم فقالوا: من أدخلك أيها الشيخ في خلوتنا بغير إذننا؟

فقال: أنا رجل من أهل نجد، ورأيت حسن وجوهكم وطيب ريحكم، فأردت أن أسمع حديثكم، وأقتبس منكم خيراً، وقد عرفت مرادكم، فإن كرهتم مجلسي خرجت عنكم.

فقالوا: هذا رجل من أهل نجد، وليس من أرض تهامة، لا بأس عليكم منه.

فتكلموا فيما بينهم، فقال عمرو بن هشام: أرى أن تأخذوه وتجعلوه في بيت وتسدوا بابه، وتجعلوا له كوة لطعامه وشرابه حتى يموت.

فقال إبليس: بئس الرأي الذي رأيت، تعمدون إلى رجل له فيكم أهل بيت، وقد سمع به من حولكم فتحبسونه وتطعمونه، يوشك أهل بيته الذين له فيكم أن يقاتلوكم ويفسدوا جماعتكم.

فقالوا: صدق والله الشيخ.

ثم تكلم أبو البختري بن هشام قال: أرى أن تحملوه على بعير ثم تخرجوه من أرضكم، حتى يموت أو يذهب به حيث شاء، فقال إبليس: بئس الرأي الذي رأيت، تعمدون إلى رجل أفسد جماعتكم ومعه منكم طائفة، فتخرجوه إلى غيركم، فيأتيهم سوء فيفسد منهم أيضاً جماعة، ويقبل إليكم ويكون فيه هلاككم.

فقالوا: صدق والله الشيخ.

فقال أبو جهل: أرى أن يجتمع من كل بطن منكم رجل، ثم تعطونهم السيوف فيضربونه جميعاً، فلا يدري قومه من يأخذون، وتؤدي قريش ديته.

فقال إبليس: صدق والله هذا الشاب.

فتفرقوا على ذلك، فأمره الله تعالى بالهجرة وأخبره بمكر المشركين فنزلت هذه الآية وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ، يعني: ليحبسوك في البيت أَوْ يَقْتُلُوكَ بالسيف، أَوْ يُخْرِجُوكَ من مكة.

فأمر النبيّ  علي بن أبي طالب بأن يبيت في مكانه، ثم خرج ومعه أبو بكر ونام عليّ مكانه، وأهل مكة يحرسونه ويظنون أنه في البيت، ثم دخلوا البيت، فإذا هو عليّ  فقالوا: يا عليّ أين محمد؟

فقال: لا أدري.

فطلبوه فلم يجدوه.

وَيَمْكُرُونَ، يعني: ويمكرون بالنبي  ويريدون به الشر وَيَمْكُرُ اللَّهُ، يعني: ويريد بهم الهلاك حين أخرجهم إلى بدر فقتلوا.

وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ، يعني: أصدق الماكرين فعلاً، وأفضل الصانعين صنعاً، وأعدل العادلين عدلاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

التقوى والطاعة لله سبحانه، ويَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً: معناه: فرْقاً بين حقِّكم، وباطل مَنْ ينازعكم بالنصْر والتأييد، وعبَّر قتادة، وبعضُ المفسّرين عن «الفرقان» هاهنا بالنجاةِ «١» ، وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ: معناه: مَخْرَجاً «٢» ، ونحو هذا مما يعمه ما ذكَرْناه، وقد يوجَدُ للعرب استعمال «الفرقان» ، كما ذكر المفسِّرون وعلى ذلك شواهد منها قول الشاعر:

[الطويل]

وَكَيْفَ أُرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طَالِبِي ...

وَمَاليَ مِنْ كَأْسِ المَنيِّةِ فُرْقَانُ «٣»

ت: قال ابن رُشْد: وأَحْسَنُ ما قيلَ في هذا المعنى قوله تعالى: يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً أي: فصلا بين الحق والباطل حتى يعرفوا ذلك بقلوبهم، ويهتدوا إليه.

انتهى من «البيان» .

وقوله سبحانه: وَإِذْ يَمْكُرُ/ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ...

الآية: تذكيرٌ بحال مكَّة وضيقها مع الكفرة، وجميل صُنْع اللَّه تعالى في جميع ذلك، والمَكْرُ: المخاتلة والتداهي تقول:

فلانٌ يَمْكُرُ بفلان إِذا كان يستدرجه، وهذا المكر الذي ذكر اللَّه تعالى في هذه الآية هو بإِجماع من المفسِّرين: إِشارةٌ إِلى اجتماع قُرَيْش في «دار النَّدْوَةِ» بمحْضَر إِبْليسَ في صورة شيخٍ نَجْدِيٍّ على ما نصَّ ابن إِسحاق في «سِيَرِهِ» الحديثَ بطوله، وهو الذي كان خُرُوجُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسببه، ولا خلاف أن ذلك كان بَعْدَ مَوْت أبي طالب، ففي القصَّة: أن أبا جهْلٍ قال: الرأْيُ أنْ نأخذ من كل بطنٍ في قريشٍ فَتًى قويًّا جَلْدياً، فيجتمعون ثم يأخُذ كُلُّ واحد منهم سيفاً، ويأتون محمداً في مَضْجَعه، فيضربونه ضَرْبةَ رجُلٍ واحدٍ، فلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ على قِتالِ قُرَيْشَ بأسرها، فيأخذون العَقْلَ، ونستريحُ منه، فقال النَّجْدِيُّ: صدق الفَتَى هذا الرأيُ: لاَ رَأْيَ غيره، فافترقوا عَلَى ذلك، فأخبر اللَّه تعالَى بذلك نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، وأذن له في الخُرُوجِ إِلى المدينة، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من ليلته، وقال لعليّ بن أبي

طالب: «التف في بُرْدِيَ الحَضْرَمِيِّ، واضطجع فِي مَضْجَعِي فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّكَ شَيْء، فَفَعَل» ، فجاءَ فتْيَانُ قُرَيْشٍ، فجعلوا يرصُدُون الشخْصَ، وينتظرون قيامه، فيثورون به، فلما قام رَأَوْا عَلِيًّا، فقالوا له: أيْنَ صَاحِبُكَ؟

فقال: لا أدْرِي، وفي «السّير» أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خَرَجَ عَلَيْهِم، وهُمْ في طريقه، فطَمَسَ اللَّه أعينهم عَنْه، وجعل عَلَى رأس كلِّ واحد منهم تراباً، ومضَى لوجهه، فجاءهم رجُلٌ، فقال: مَا تَنْتَظِرُونَ؟

قَالُوا: محمَّداً، قال: إِنِّي رأَيْتُهُ الآن جائياً من ناحيتكم، وهو لا مَحَالَة، وضَعَ الترابَ علَى رؤوسكم، فَمَدّ كلُّ واحدٍ يده إِلى رَأْسِهِ، فإِذا عليه الترابُ، وجاؤوا إلى مضجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَوَجدوا عَلِيًّا، فركبوا وراءه حينئذٍ كُلَّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، وهو بالغارِ، ومعنى: لِيُثْبِتُوكَ: لِيَسْجُنُوكَ قاله عطاء وغيره «١» وقال ابنُ عَبَّاس وغيره: ليُوثِقُوكَ «٢» .

وقوله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا، يعني: القرآن، قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا، وقولهم: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، أي: قَصَصُهُمُ المَكْتُوبةُ المسْطُورة، وأساطيرُ: جمع «أسطورة» ، ويحتمل جمع: «أَسْطَار» ، وتواترتِ الرواياتُ عن ابنِ جُرَيْج وغيره: أن قائل هذه المقالة هو النضر بن الحارِثِ وذلك أنه كان كَثِيرَ السَّفَرِ إِلى فَارسَ والحِيرَة، فكان قد سَمِعَ من قصص الرهبان وأخبار رُسْتُم وإسْفِنْديَار، فلما «٣» سمع القرآن، ورأى فيه أخبار الأنبياء والأمم، قال: لو شئت لقلْتُ مثْلَ هذا، وكان النضْرُ من مردة قريش النائلين من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ونزلَتْ فيه آيات كثيرة من كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ، وأمْكَنَ اللَّه منْهُ يَوْمَ بدر، وقتله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صَبْراً بالصَّفْرَاء مُنْصَرَفَهُ من بَدْرٍ في موضعٍ يقال له «الأَثيل» ، وكان أَسَرَهُ المِقْدادُ، فلما أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بضرب عُنْقِهِ، قال المقداد:

أَسِيرِي، يا رَسُولَ الله!

فقال/ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ في كِتَابِ اللَّهِ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ» ، ثُمَّ أَعَادَ الأَمْرَ بِقَتْلِهِ، فَأَعَادَ المقداد مقالته، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللَّهُمَّ، أَغْنِ المِقْدَادَ مِنْ فَضْلِكَ» ، فَقَالَ المِقْدَادُ: هذا الّذي أردت، فضربت عنق النّضر «٤» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ هَذِهِ الآَيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ  ﴾ فالمَعْنى: أذْكِرِ المُؤْمِنِينَ ما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، واذْكُرْ إذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا.

الإشارَةُ إلى كَيْفِيَّةِ مَكْرِهِمْ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: «لَمّا بُويِعَ رَسُولُ اللَّهِ  لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وأمَرَ أصْحابَهُ أنْ يَلْحَقُوا بِالمَدِينَةِ، أشْفَقَتْ قُرَيْشٌ أنْ يَعْلُوَ أمْرُهُ، وقالُوا: واللَّهِ لَكَأنَّكم بِهِ قَدْ كَرَّ عَلَيْكم بِالرِّجالِ، فاجْتَمَعَ جَماعَةٌ مِن أشْرافِهِمْ لَيَدْخُلُوا دارَ النَّدْوَةِ فَيَتَشاوَرُوا في أمْرِهِ، فاعْتَرَضَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ كَبِيرٍ، فَقالُوا: مَن أنْتَ؟

قالَ أنا شَيْخٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ، سَمِعْتُ ما اجْتَمَعْتُمْ لَهُ، فَأرَدْتُ أنْ أحْضُرَكم، ولَنْ تُعْدَمُوا مِن رَأْيِي نُصْحًا، فَقالُوا: ادْخُلْ، فَدَخَلَ مَعَهم، فَقالُوا: انْظُرُوا في أمْرِ هَذا الرَّجُلِ، فَقالَ بَعْضُهُمُ: احْبِسُوهُ في وِثاقٍ، وتَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ.

فَقالَ إبْلِيسُ: ما هَذا بِرَأْيٍ، يُوشِكُ أنْ يَثِبَ أصْحابُهُ فَيَأْخُذُوهُ مِن أيْدِيكم.

فَقالَ قائِلٌ: أخْرِجُوهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم.

فَقالَ: ما هَذا بِرَأْيٍ، يُوشِكُ أنْ يَجْمَعَ عَلَيْكم ثُمَّ يَسِيرُ إلَيْكم.

فَقالَ أبُو جَهْلٍ: نَأْخُذُ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ غُلامًا، ثُمَّ نُعْطِي كُلَّ غُلامٍ سَيْفًا فَيَضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ، فَيُفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَما ظَنُّ هَذا الحَيِّ مِن قُرَيْشٍ يَقْوى عَلى ضَرْبِ قُرَيْشٍ كُلِّها، فَيَقْبَلُونَ العَقْلَ ونَسْتَرِيحُ.

فَقالَ إبْلِيسُ: هَذا واللَّهِ الرَّأْيُ.

فَتَفَرَّقُوا عَنْ ذَلِكَ.

وأتى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ  فَأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ، وأخْبَرَهُ بِمَكْرِ القَوْمِ، فَلَمْ يَبِتْ في مَضْجَعِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وأمَرَ عَلِيًّا فَباتَ في مَكانِهِ، وباتَ المُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَهُ، فَلَمّا أصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ  ، أذِنَ لَهُ اللَّهُ في الخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، وجاءَ المُشْرِكُونَ لَمّا أصْبَحُوا، فَرَأوْا عَلِيًّا، فَقالُوا: أيْنَ صاحِبُكَ؟

قالَ: لا أدْرِي، فاقْتَصُّوا أثَرَهُ حَتّى بَلَغُوا الجَبَلَ، فَمَرُّوا بِالغارِ، فَرَأوْا نَسْجَ العَنْكَبُوتِ، فَقالُوا: لَوْ دَخَلَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَسْجُ العَنْكَبُوتِ.» فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ لِيُثْبِتُوكَ ﴾ فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْناهُ: لِيَحْبِسُوكَ.

يُقالُ: فُلانٌ مُثْبِتٌ وجَعًا: إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الحَرَكَةِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِيُثْبِتُوكَ في الوَثاقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: لِيُثْبِتُوكَ في الحَبْسِ، قالَهُ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ.

وكانَ القَوْمُ أرادُوا أنْ يَحْبِسُوهُ في بَيْتٍ ويَشُدُّوا عَلَيْهِ بابَهُ ويُلْقُوا إلَيْهِ الطَّعامَ والشَّرابَ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ المَكْرِ في [آَلِ عِمْرانَ:٥٤] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عنكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أو يَقْتُلُوكَ أو يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو يَجْمَعُ أنْواعَ الخِياناتِ كُلِّها قَلِيلِها وكَثِيرِها، قالَ الزَهْراوِيُّ: والمَعْنى: لا تَخُونُوا بِغُلُولِ الغَنائِمِ، وقالَ الزَهْراوِيُّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي قَتادَةَ: سَبَبُ نُزُولِها أمْرُ أبِي لُبابَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ أشارَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ -حِينَ سَفَرَ إلَيْهِمْ- إلى حَلْقِهِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ إعْلامَهم أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  إلّا الذَبْحُ، أيْ: فَلا تَنْزِلُوا، ثُمَّ نَدِمَ ورَبَطَ نَفْسَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تابَ اللهُ عَلَيْهِ، الحَدِيثُ المَشْهُورُ.

وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ أقامَ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يَذُوقُ شَيْئًا حَتّى تِيبَ عَلَيْهِ، وحُكِيَ أنَّهُ كانَ لِأبِي لُبابَةَ عِنْدَهم مالٌ وأولادٌ فَلِذَلِكَ نَزَلَتْ ﴿ واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ ﴾ .

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: سَبَبُها أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ كَتَبَ إلى أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ بِخَبَرٍ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ  فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ مَعْناهُ: أظْهِرُوا الإيمانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ حَقًّا ألّا يَفْعَلُوا فِعْلَ ذَلِكَ المُنافِقِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُشْبِهُ أنْ يُمَثِّلَ بِالآيَةِ في قَتْلِ عُثْمانَ رَحِمَهُ اللهُ، فَقَدْ كانَتْ خِيانَةً لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ والأماناتِ.

والخِيانَةُ: التَنَقُّصُ لِلشَّيْءِ بِاخْتِفاءٍ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في أنْ يَفْعَلَ الإنْسانُ خِلافَ ما يَنْبَغِي مِن حِفْظِ أمْرٍ ما، مالًا كانَ أو سِرًّا أو غَيْرَ ذَلِكَ، والخِيانَةُ لِلَّهِ تَعالى هي في تَنَقُّصِ أوامِرِهِ في سِرٍّ.

وخِيانَةُ الرَسُولِ تَنَقُّصُ ما اسْتُحْفِظَ، وخِياناتُ الأماناتِ هي تَنَقُّصُها وإسْقاطُها، والأمانَةُ حالٌ لِلْإنْسانِ يُؤْمَنُ بِها عَلى ما اسْتُحْفِظَ، فَقَدِ اؤْتُمِنَ عَلى دِينِهِ وعِبادَتِهِ وحُقُوقِ الغَيْرِ.

وقِيلَ: المَعْنى: وتَخُونُوا ذَوِي أماناتِكُمْ، وأظُنُّ الفارِسِيَّ أبا عَلِيٍّ حَكاهُ.

﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ مِنهُ إلّا ما كانَ عن تَعَمُّدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِتْنَةٌ ﴾ يُرِيدُ مِحْنَةً واخْتِبارًا وابْتِلاءً لِيَرى كَيْفَ العَمَلُ في جَمِيعِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ يُرِيدُ فَوْزَ الآخِرَةِ فَلا تَدْعُوا حَظَّكم مِنهُ لِلْحَيْطَةِ عَلى أمْوالِكم وأبْنائِكم فَإنَّ المَدْخُورَ لِلْآخِرَةِ أعْظَمُ قَدْرًا مِن مَكاسِبِ الدُنْيا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَخُونُوا ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ داخِلًا في النَهْيِ كَأنَّهُ قالَ: "لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ ولا تَخُونُوا أماناتِكُمْ" فَمَكانُهُ عَلى هَذا جَزْمٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "لا تَخُونُوا اللهَ والرَسُولَ فَذَلِكَ خِيانَةٌ لِأماناتِكُمْ"، فَمَوْضِعُهُ عَلى هَذا نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ: وأنْ تَخُونُوا أماناتِكُمْ، قالَ الشاعِرُ: لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ ∗∗∗ عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ -فِيما رُوِيَ عنهُ أيْضًا- "وَتَخُونُوا أمانَتَكُمْ" عَلى إفْرادِ الأمانَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللهَ ﴾ الآيَةُ، وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِشَرْطِ الِاتِّقاءِ والطاعَةِ لَهُ، و ﴿ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ﴾ مَعْناهُ: فَرْقًا بَيْنَ حَقِّكم وباطِلِ مَن يُنازِعُكُمْ، أيْ: بِالنُصْرَةِ والتَأْيِيدِ عَلَيْهِمْ، والفُرْقانُ مَصْدَرٌ مِن فَرَقَ بَيْنَ الشَيْئَيْنِ إذا حالَ بَيْنَهُما أو خالَفَ حُكْمَهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ الفُرْقانِ  ﴾ .

وعَبَّرَ قَتادَةُ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنِ الفُرْقانِ هاهُنا بِالنَجاةِ، وقالَ السُدِّيُّ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: مَخْرَجًا ونَحْوَ هَذا مِمّا يَعُمُّهُ ما ذَكَرْناهُ، وقَدْ يُوجَدُ لِلْعَرَبِ اسْتِعْمالُ الفُرْقانِ كَما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ مَزْرَدِ بْنِ ضِرارٍ: بادَرَ الأُفْقُ أنْ يَغِيبَ فَلَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ أظْلَمَ اللَيْلُ لَمْ يَجِدْ فُرْقانا وَقالَ الآخَرُ: ما لَكَ مِن طُولِ الأسى فُرْقانُ ∗∗∗ ∗∗∗ بَعْدَ قَطِينٍ رَحَلُوا وبانُوا وقالَ الآخَرُ: وكَيْفَ أُرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طالِبِي ∗∗∗ ∗∗∗ ومالِي مِن كَأْسِ المَنِيَّةِ فُرْقانُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "وَإذْ" مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: "إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ"، وهَذا تَذْكِيرٌ بِحالِ مَكَّةَ وضِيقِها مَعَ الكَفَرَةِ وجَمِيلِ صُنْعِ اللهِ تَعالى في جَمْعِها.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ كَسائِرِ السُورَةِ، وهَذا هو الصَوابُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ كِفايَةِ اللهِ رَسُولَهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِما أحَلَّهُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، الحَدِيثُ المَشْهُورُ.

ويُحْتَمَلُ عِنْدِي قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ: هَذِهِ مَكِّيَّةٌ أنْ أشارا إلى القِصَّةِ لا إلى الآيَةِ.

والمَكْرُ: المُخاتَلَةُ والتَداهِي، تَقُولُ: "فُلانٌ يَمْكُرُ بِفُلانٍ" إذا كانَ يَسْتَدْرِجُهُ ويَسُوقُهُ إلى هُوَّةٍ وهو يُظْهِرُ جَمِيلًا وتَسْتُرًا بِما يُرِيدُ، ويُقالُ: أصْلُ المَكْرِ الفَتْلُ، قالَهُ ابْنُ فَوْرَكٍ، فَكَأنَّ الماكِرَ بِالإنْسانِ يُفاتِلَهُ حَتّى يُوقِعَهُ، ومِنَ المَكْرِ الَّذِي هو الفَتْلُ قَوْلُهم لِلْجارِيَةِ المُعْتَدِلَةِ اللَحْمِ: مَمْكُورَةٌ، فَمَكْرُ قُرَيْشٍ بِالنَبِيِّ  كانَ تَدْبِيرُهم ما يَسُوؤُهْ، وسَعْيُهم في فَسادِ حالِهِ وإطْفاءِ نُورِهِ، وتَدْبِيرِ قُرَيْشٍ عَلى رَسُولِ اللهِ  هَذِهِ الخِصالَ الثَلاثَ لَمْ يَزَلْ قَدِيمًا مِن لَدُنْ ظُهُورِهِ، لَكِنَّ إعْلانَهم لا يُسَمّى مَكْرًا، وما اسَتَسَرُّوا بِهِ هو المَكْرُ، وقَدْ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ أبا طالِبٍ قالَ لِلنَّبِيِّ  : يا مُحَمَّدُ، ماذا يُدَبِّرُ فِيكَ قَوْمُكَ؟

قالَ: يُرِيدُونَ أنْ أُقْتَلَ أو أُسْجَنَ أو أُخْرَجَ، قالَ أبُو طالِبٍ: مَن أعْلَمَكَ هَذا؟

قالَ: رَبِّي، قالَ: إنَّ رَبَّكَ لَرَبُّ صِدْقٍ فاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا، فَقالَ النَبِيُّ  : بَلْ هو يا عَمِّ يَسْتَوْصِي بِي خَيْرًا.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا المَكْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى اجْتِماعِ قُرَيْشٍ في دارِ النَدْوَةِ بِمَحْضَرِ إبْلِيسَ في صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ عَلى ما نَصَّ ابْنُ إسْحاقَ في سَيْرِهِ، الحَدِيثُ بِطُولِهِ، وهو الَّذِي كانَ خُرُوجُ رَسُولِ اللهِ  مِن مَكَّةَ بِسَبَبِهِ، ولا خِلافَ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ مَوْتِ أبِي طالِبٍ، فَفي القِصَّةِ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: الرَأْيُ أنْ نَأْخُذَ مِن كُلِّ بَطْنٍ في قُرَيْشٍ فَتًى قَوِيًّا جَلْدًا فَيَجْتَمِعُونَ، ثُمَّ يَأْخُذُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم سَيْفًا ويَأْتُونَ مُحَمَّدًا في مَضْجَعِهِ، فَيَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ، فَلا يَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ بِأسْرِها، فَيَأْخُذُونَ العَقْلَ ونَسْتَرِيحُ مِنهُ، فَقالَ النَجْدِيُّ: صَدَقَ الفَتى، هَذا الرَأْيُ لا أرى غَيْرَهُ، فافْتَرَقُوا عَلى ذَلِكَ، فَأخْبَرَ اللهُ بِذَلِكَ نَبِيَّهُ  ، وأذِنَ لَهُ في الخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ  مِن لَيْلَتِهِ، وقالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: التَفَّ في بُرْدِي الحَضْرَمِيِّ واضْطَجِعْ في مَضْجَعِي فَإنَّهُ لا يَضُرُّكَ شَيْءٌ، فَفَعَلَ عَلِيٌّ، وجاءَ فِتْيانُ قُرَيْشٍ فَجَعَلُوا يَرْصُدُونَ الشَخْصَ ويَنْتَظِرُونَ قِيامَهُ فَيَثُورُونَ بِهِ، فَلَمّا قامَ رَأوا عَلِيًّا فَقالُوا لَهُ: أيْنَ صاحِبُكَ؟

قالَ: لا أدْرِي.

وفي السِيَرِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  خَرَجَ عَلَيْهِمْ وهم في طَرِيقِهِ فَطَمَسَ اللهُ عُيُونَهم عنهُ، وجَعَلَ عَلى رَأْسِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم تُرابًا ومَضى لِوَجْهِهِ، فَجاءَهم رَجُلٌ فَقالَ: ما تَنْتَظِرُونَ؟

قالُوا: مُحَمَّدًا، قالَ: إنِّي رَأيْتُهُ الآنَ جائِيًا مِن ناحِيَتِكم وهو لا مَحالَةَ وضَعَ التُرابَ عَلى رُؤُوسِكُمْ، فَمَدَّ كُلُّ واحِدٍ يَدَهُ إلى رَأْسِهِ، وجاؤُوا إلى مَضْجَعِ النَبِيِّ  فَوَجَدُوا عَلِيًّا، فَرَكِبُوا وراءَهُ حِينَئِذٍ كُلَّ صَعْبٍ وذَلُولٍ وهو بِالغارِ.

وَمَعْنى ﴿ لِيُثْبِتُوكَ ﴾ لِيَسْجُنُوكَ فَتَثْبُتَ، قالَهُ السُدِّيُّ، وعَطاءٌ، وابْنُ أبِي كَثِيرٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: لِيُوثِقُوكَ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: لِيَسْحَرُوكَ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ فِيما ذَكَرَ أبُو عَمْرِو الدانِي: "لِيُثَبِّتُوكَ"، وهَذِهِ أيْضًا تَعْدِيَةٌ بِالتَضْعِيفِ، وحَكى النَقّاشُ عن يَحْيى بْنِ وثّابٍ أنَّهُ قَرَأ "لِيُبَيِّتُوكَ" مِنَ البَياتِ، وهَذا أخْذٌ مَعَ القَتْلِ فَيَضْعُفُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: مَعْنى: ﴿ لِيُثْبِتُوكَ ﴾ أيْ: بِالجِراحَةِ، كَما يُقالُ: "أثْبَتَتْهُ الجِراحَةُ"، وحَكاهُ النَقّاشُ عن أهْلِ اللُغَةِ ولَمْ يُسَمِّ أحَدًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمْكُرُ اللهُ ﴾ مَعْناهُ: يَفْعَلُ أفْعالًا مِنها تَعْذِيبٌ لَهُمْ، ومِنها ما هو إبْطالٌ لِمَكْرِهِمْ ورَدٌّ لَهُ ودَفْعٌ في صَدْرِهِ حَتّى لا يُنْجِعَ، فَسَمّى ذَلِكَ كُلَّهُ بِاسْمِ الذَنْبِ الَّذِي جاءَ ذَلِكَ مِن أجْلِهِ، ولا يَحْسُنُ في هَذا المَعْنى إلّا هَذا، وأمّا أنْ يَنْضافَ المَكْرُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى ما يُفْهَمُ في اللُغَةِ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُقالَ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ فَوْرَكٍ في هَذا ما يَقْرُبُ مِن هَذا الَّذِي ضَعَّفْناهُ، وإنَّما قَوْلُنا: "وَيَمْكُرُ اللهُ" كَما تَقُولُ في رَجُلٍ شَتَمَ الأمِيرَ فَقَتَلَهُ الأمِيرُ: هَذا هو الشَتْمُ، فَتُسَمِّي العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنْبِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ أيْ: أقْدَرُهم وأعَزُّهم جانِبًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذِهِ الجِهَةِ -أعْنِي القُدْرَةَ والعِزَّةَ- يَقَعُ التَفْضِيلُ، لِأنَّ مَكَرَةَ الكُفّارِ لَهم قُدْرَةٌ ما، فَوَقَعَ التَفْضِيلُ لِمُشارَكَتِهِمْ بِها، وأمّا مِن جِهَةِ الصَلاحِ الَّذِي فِيما يَعْلَمُهُ اللهُ تَعالى فَلا مُشارَكَةَ لِلْكُفّارِ بِصَلاحٍ، فَيَتَعَذَّرُ التَفْضِيلُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ والبَصْرِيِّينَ إلّا عَلى ما قَدْ بَيَّناهُ في ألْفاظِ العُمُومِ مِثْلُ: خَيْرٍ وأحَبَّ ونَحْوِ هَذا، إذْ لا يَخْلُو مَنِ اشْتَراكٍ ولَوْ عَلى مُعْتَقَدٍ مِن فِرْقَةٍ أو مِن أحَدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون عطف قصة على قصة من قصص تأييد الله رسوله عليه الصلاة والسلام والمؤمنين فيكون ﴿ إذْ ﴾ متعلقاً بفعل محذوف تقديره واذْكر إذ يمكر بك الذين كفروا، على طريقة نظائِره الكثيرة في القرآن.

ويجوز أن يكون عطفاً على قوله: ﴿ إذْ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ﴾ [الأنفال: 26] فهو متعلق بفعل (اذكروا) من قوله ﴿ واذكروا إذ أنتم قليل ﴾ [الأنفال: 26]، فإن المكر بالرسول عليه الصلاة والسلام مكر بالمسلمين ويكون ما بينهما اعتراضاً.

فهذا تعداد لنعم النصر، التي أنعم الله بها على رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، في أحوال ما كان يظن الناس أن سيجدوا منها مخلصاً، وهذه نعمة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم والإنعام بحياته وسلامته نعمة تشمل المسلمين كلهم، وهذا تذكير بأيام مُقامهم بمكة، وما لاقاه المسلمون عموماً وما لاقاه النبي صلى الله عليه وسلم خصوصاً وأن سلامة النبي صلى الله عليه وسلم سلامة لأمته.

والمكر إيقاع الضر خُفية، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ﴾ في [آل عمران: 54]، وعند قوله تعالى: ﴿ أفأمنوا مكرَ الله ﴾ في سورة [الأعراف: 99].

والإتيان بالمضارع في موضع الماضي الذي هو الغالب مع ﴿ إذ ﴾ استحضار للحالة التي دبروا فيها المكر، كما في قوله تعالى: ﴿ والله الذي أرسل الرياح فتُثير سحاباً ﴾ [فاطر: 9].

ومعنى: ﴿ ليُثبتوك ﴾ ليحبسوك يقال أثبته إذا حبَسه ومنعه من الحركة وأوثقه، والتعبير بالمضارع في ﴿ يثبتوك ﴾ ، و ﴿ يقتلوك ﴾ ، و ﴿ يخرجوك ﴾ ، لأن تلك الأفعال مستقبلة بالنسبة لفعل المكر إذ غاية مكرهم تحصيل واحد من هذه الأفعال.

وأشارت الآية إلى تردد قريش في أمر النبي صلى الله عليه وسلم حين اجتمعوا للتشاور في ذلك بدار الندوة في الأيام الأخيرة قُبيل هجرته، فقال أبو البختري: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق وسُدوا عليه باب بيت غير كَوة تُلْقون إليه منها الطعام، وقال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كل بَطن في قريش فتىً جَلْداً فيجتمعون ثم يأخذ كل واحد منهم سيفاً ويأتون محمداً في بيته فيضربونه ضربة رجل واحد فلا تقدر بنو هاشم على قتال قريش بأسرها فيأخذون العقل ونستريح منه، وقال هشام بن عَمرو: الرأي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظْهُرِكُم فلا يضركم ما صنع.

وموقع الواو في قوله ﴿ ويمكرون ﴾ لم أر أحداً من المفسرين عرج على بيانه وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون واو الحال، والجملة حال من ﴿ الذين كفروا ﴾ وهي حال مؤسسة غيرُ مؤكدة، باعتبار ما اتصل بها من الجملة المعطوفة عليها، وهي جملة: ﴿ ويمكرُ الله ﴾ فقوله: ﴿ ويمكر الله ﴾ هو مناط الفائِدة من الحال ومَا قبله تمهيد له وتنصيص على أن مكرهم يقارنه مكر الله بهم، والمضارع في ﴿ يمكرون ﴾ و ﴿ يمكر ﴾ الله لاستحضار حالة المكر.

وثانيهما: أن تكون وَاو الاعتراض أي العطف الصوري، ويكون المراد بالفعل المعطوف الدوامَ أي هم مكروا بك لثبِتوك أو يقتلوك أو يخرجوك وهم لا يزالون يمكرون كقول كعب بن الأشرف لمحمد بن مَسلمة «وأيضاً لتَمَلّنَه» يعني النبي، فتكون جملة ﴿ ويمكرون ﴾ معترضة ويكون جملة: ﴿ ويمكر الله ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ والمضارع في جملة: ﴿ ويمكرون ﴾ للاستقبال والمضارع في ﴿ ويَمكر الله ﴾ لاستحضار حالة مكر الله في وقت مكرهم مثل المضارع المعطوف هو عليه.

وبيان معنى إسناد المكر إلى الله تقدم: في آية سورة آل عمران [54] وآية سورة الأعراف [99] وكذلك قوله: ﴿ والله خير الماكرين ﴾ .

والذين تولوا المكر هم سادة المشركين وكبراؤهم وأعوان أولئك الذين كان دأبهم الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفي نزول القرآن عليه، وإنما أسند إلى جميع الكافرين لأن البقية كانوا أتباعاً للزعماء يأتمرون بأمرهم، ومن هؤلاء أبو جهل، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأمية بن خلف، وأضرابهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ وذَلِكَ أنْ قُرَيْشًا تَآمَرُوا في دارِ النَّدْوَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ عَمْرُو بْنُ هِشامٍ: قَيِّدُوهُ واحْبِسُوهُ في بَيْتٍ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ.

وَقالَ أبُو البَخْتَرِيِّ: أخْرِجُوهُ عَنْكم عَلى بَعِيرٍ مَطْرُودٍ تَسْتَرِيحُوا مِنهُ ومِن أذاهُ لَكم.

قالَ أبُو جَهْلٍ: ما هَذا بِرَأْيٍ ولَكِنِ اقْتُلُوهُ ولْيَجْتَمِعْ عَلَيْهِ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ فَيَضْرِبُوهُ بِأسْيافِهِمْ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ فَتَرْضى حِينَئِذٍ بَنُو هاشِمٍ بِالدِّيَةِ.

فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ إلى نَبِيِّهِ  فَخَرَجَ إلى الغارِ مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ هاجَرَ مِنهُ إلى المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

فَهَذا بَيانُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِيُثْبِتُوكَ في الوِثاقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

والثّانِي: لِيُثْبِتُوكَ في الحَبْسِ، قالَهُ عَطاءٌ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: مَعْنى يُثْبِتُوكَ أيْ يُخْرِجُوكَ، كَما يُقالُ قَدْ أُثْبِتُهُ في الحَرْبِ إذا أخْرَجْتَهُ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

﴿ أوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أوْ يُخْرِجُوكَ مِن مَكَّةَ إلى طَرَفٍ مِن أطْرافِ الأرْضِ كالنَّفْيِ.

والثّانِي: أوْ يُخْرِجُوكَ عَلى بَعِيرٍ مَطْرُودٍ حَتّى تَهْلَكَ، أوْ يَأْخُذَكَ بَعْضُ العَرَبِ فَتَقْتُلُكَ فَتُرِيحُهم مِنكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والخطيب عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك ﴾ قال: تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق- يريدون النبي صلى الله عليه وسلم- وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه.

فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فبات علي رضي الله عنه على فراش النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً رضي الله عنه يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوه علياً رضي الله عنه رد الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا؟

قال: لا أدري...

!

فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل، فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أن نفراً من قريش ومن أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، واعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟

قال: شيخ من أهل نجد، سمعت بما اجتمعتم له فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح.

قالوا: أجل فادخل فدخل معهم فقال: انظروا في شأن هذا الرجل- فوالله- ليوشكن أن يواتيكم في أمركم بأمره.

فقال قائل: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: زهير ونابغة، فإنما هو كأحدهم فقال عدوّ الله الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، والله ليخرجن رائد من محبسه لأصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم ثم يمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم فانظروا في غير هذا الرأي.

فقال قائل: فأخرجوه من بين أظهركم فاستريحوا منه، فإنه إذا خرج لم يضركم ما صنع وأين وقع، وإذا غاب عنكم أذاه استرحتم منه فإنه إذا خرج لم يضركم ما صنع وكان أمره في غيركم.

فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذه القلوب بما تستمع من حديث؟

والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب لتجتمعن إليه، ثم ليسيرن إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم.

قالوا: صدق- والله- فانظروا رأياً غير هذا.

فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره.

قالوا: وما هذا؟

قال: تأخذوا من كل قبيلة غلاماً وسطاً شاباً مهداً، ثم يعطى كل غلام منهم سيفاً صارماً، ثم يضربوه به- يعني ضربة رجل واحد- فإذا قتلتموه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلهم، وإنهم إذا أرادوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه.

فقال الشيخ النجدي: هذا- والله- هو الرأي، القول ما قال الفتى لا أرى غيره، فتفرقوا على ذلك وهم مجتمعون له.

فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، فلم يبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك في الخروج وأمرهم بالهجرة وافترض عليهم القتال، فأنزل الله: ﴿ أُذن للذين يقاتلون ﴾ [ الحج: 39] فكانت هاتان الآيتان أول ما نزل في الحرب، وأنزل بعد قدومه المدينة يذكره نعمته عليه ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ الآية.

وأخرج سنيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟

قال: «يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني.

قال: من حدثك بهذا؟» قال: ربي.

قال: نعم الرب ربك استوص به خيراً...

!

قال: «أنا استوصي به بل هو يستوصي بي» .

وأخرج ابن جرير من طريق عبيد بن عمير رضي الله عنه عن المطلب بن أبي وداعة «أنا أبا طالب قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما يأتمر بك قومك؟

قال: يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني.

قال: من حدثك بهذا؟

قال: ربي.

قال: نعم الرب ربك فاستوص به خيراً...

!

قال: أنا أستوصي به بل هو يستوصي بي: فنزلت ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ قال: هي مكية.

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأيام، سئل عن يوم السبت فقال» هو يوم مكر وخديعة «.

قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟

قال: فيه مكرت قريش في دار الندوة إذ قال الله: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ليثبتوك ﴾ يعني ليوثقوك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: دخلوا دار الندوة يأتمرون بالنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: لا يدخل عليكم أحد ليس منكم، فدخل معهم الشيطان في صورة شيخ من أهل نجد، فتشاوروا فقال أحدهم: نخرجه: فقال الشيطان: بئسما رأى هذا هو قد كاد أن يفسد فيما بينكم وهو بين أظهركم فكيف إذا أخرجتموه فأفسد الناس ثم حملهم عليكم يقاتلونكم.

قالوا: نعم ما رأى هذا...

!

فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فخرج هو وأبو بكر رضي الله عنه إلى غار في جبل يقال له ثور، وقام علي بن أبي طالب على فراش النبي صلى الله عليه وسلم وباتوا يحرسونه يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحوا ثاروا إليه فإذا هم بعلي رضي الله عنه.

فقالوا: أين صاحبك؟

فقال: لا أدري...

!

فاقتصوا أثره حتى بلغوا الغار ثم رجعوا، ومكث فيه هو وأبو بكر رضي الله عنه ثلاث ليال.

وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة رضي الله عنه.

أن قريشاً اجتمعت في بيت وقالوا: لا يدخل معكم اليوم إلا من هو منكم، فجاء إبليس فقال له: من أنت؟

قال: شيخ من أهل نجد وأنا ابن أختكم.

فقالوا: ابن أخت القوم منهم.

فقال بعضهم: أوثقوه.

فقال: أيرضى بنو هاشم بذلك؟

فقال بعضهم: أخرجوه.

فقال: يؤويه غيركم.

فقال أبو جهل: ليجتمع من كل بني أب رجل فيقتلوه.

فقال إبليس: هذا الأمر الذي قال الفتى.

فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك ﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ﴾ قال: كفار قريش أرادوا ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج من مكة.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: شرى علي رضي الله عنه نفسه ولبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ثم نام مكانه، وكان المشركون يحسبون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت من قريش تريد أن تقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يرمقون علياً ويرونه النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل علي رضي الله عنه يتصور فإذا هو علي رضي الله عنه، فقالوا: إنك للئيم، إنك لتتصوّر وكان صاحبك لا يتصوّرك ولقد استنكرناه منك.

وأخرج الحاكم وصححه عن علي بن الحسين رضي الله عنه وقال في ذلك: وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى ** ومن طاف بالبيت العتيق والحجر رسول الإِله خاف أن يمكروا به ** فنجاه ذو الطول الإِله من المكر وبات رسول الله في الغار آمنا ** وفي حفظ من الله وفي ستر وبت اراعيه وما يتهمونني ** وقد وطنت نفسي على القتل والاسر <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ هذه الآية راجعة إلى قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ [مُسْتَضْعَفُونَ﴾] (١) (٢) (٣) ﴿ لِيُثْبِتُوكَ ﴾ (٤) قال ابن عباس ومجاهد ومقسم (٥) (٦) وقال عطاء وعبد الله بن كثير (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ يَقْتُلُوكَ ﴾ أي: بأجمعهم قتلة رجل واحد كما قال اللعين أبو جهل، ﴿ أَوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ أي: من مكة إلى طرف من أطراف الأرض.

وقوله تعالى: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ﴾ ، قال أبو إسحاق: ومكر الله عز وجل إنما هو (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس: إنه مكر أفضل مما مكروا (١٥) (١٦) وتلخيص معنى قوله: ﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ أي أفضل المجازين بالسيئة العقوبة (١٧) ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ في سورة آل عمران [54].

(١) في (ح) و (س): (فكثركم) موضع (مستضعفون)، ولا يوجد آية بهذا اللفظ، وفي (م): ﴿ اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ  ﴾ وهي خطاب لقوم شعيب، وكلام المؤلف يدل على أنه أراد ما أثبته، وقد اضطررت لتغيير نص المؤلف لكون الخطأ في آية من كتاب الله.

(٢) هكذا في جميع النسخ، وهي لغة في تآمروا، قال مسجد الدين الجزري: آمروا النساء في أنفسهن: أي شاوروهن في تزويجهن، ويقال فيه: (وامرته، وليس بفصيح).

"النهاية في غريب الحديث" (أمر) 1/ 66.

(٣) هكذا في جميع النسخ، والصواب: فيضربوه؛ لأنه معطوف على منصوب.

(٤) هذا معنى أثر رواه عن ابن عباس، الإمام ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" 2/ 93 ، وأحمد 1/ 348، وابن جرير 9/ 226، والثعلبي 6/ 55 أ، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 100.

فيه عثمان بن عمرو والجزري، وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ.

وقد روى قضية حصار بيت النبي  ومحاولة قتله ودخوله الغار الإمام أحمد == 1/ 331، والحاكم 3/ 133، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

وانظر: قول قتادة ومجاهد وغيرهما في "تفسير ابن جرير" 9/ 226 - 230، وابن أبي حاتم 3/ 239، 240، و" الدر المنثور" 4/ 50 - 53.

(٥) تقدمت ترجمته.

(٦) رواه عنهم ابن جرير 9/ 226، والثعلبي 6/ 56 أ، وقد جمع الواحدي بين قولين، فقتادة يقول: ليشدوك، وغيره يقول: ليوثقوك.

والقولان بمعنى واحد.

(٧) هو: عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله الداري المكي الإمام العلم، مقرئ مكة، وأحد القراء السبعة، كان ثقة فصيحًا واعظًا كبير الشأن، مات سنة 120 هـ.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 5/ 318، و"معرفة القراء الكبار" 1/ 86، و"غاية النهاية في طبقات القراء" 1/ 443.

(٨) رواه عنهم ابن جرير 9/ 226، ورواه عن عطاء وابن كثير الإمام ابن أبي حاتم 5/ 1688، والثعلبي 6/ 56 أ.

(٩) "معاني القرآن" 1/ 409، ولفظه: ليحبسوك في البيت.

(١٠) لم يتطرق الزجاج لتفسير الكلمة في كتابه "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 410، ولم أجد من ذكره عنه.

(١١) "تفسير غريب القرآن" ص 189.

(١٢) ساقط من (م).

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 410.

(١٤) رواه البغوي 3/ 350.

(١٥) رواه بمعناه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص180، من رواية الكلبي.

(١٦) "السيرة النبوية" 2/ 669.

(١٧) قال الراغب الأصفهاني: المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة وذلك ضربان: مكر محمود، وذلك أن يتحرى بذلك فعل جميل، وعلى ذلك قال: ﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ ومذموم، وهو أن يتحرى به فعل قبيح، قال: ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ  ﴾ ، و"المفردات" (مكر) ص 471.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ﴾ أي تفرقه بين الحق والباطل، وذلك دليل على أن التقوى تنوِّر القلب، وتشرح الصدر، وتزيد في العلم والمعرفة ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ ﴾ عطف على إذ أنتم قليل، أو استئناف، وهي إشارة إلى اجتماع قريش بدار الندوة بمحضر إبليس في صورة شيخ نجدي الحديث بطوله ﴿ لِيُثْبِتُوكَ ﴾ أي ليسجنونك ﴿ قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا ﴾ قيل: نزلت في النضر بن الحارث؛ كان قد تعلم من أخبار فارس والروم، فإذا سمع القرآن وفيه أخبار الأنبياء قال لو شئت لقلت مثل هذا، وقيل: هي في سائر قريش ﴿ أساطير الأولين ﴾ أي أخبارهم المسطورة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تولوا ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح.

الوقوف: ﴿ تسمعون ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ لأسمعهم ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ لما يحييكم ﴾ ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الظرف ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ خاصة ﴾ ج لما مر ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ فتنة ﴾ لا للعطف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ أو يخرجوك ﴾ ط ﴿ ويمكر الله ﴾ ط ﴿ الماكرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد ذكر نحو من قصة بدر والغنائم.

أدَّب المؤمنين أحسن تأديب فأمرهم بطاعته وطاعة رسوله في قسمة الغنائم وغيرها ثم قال ﴿ ولا تولوا عنه ﴾ فوحد الضمير لأن التولي إنما يصح في حق الرسول بأن يعرضوا عنه وعن قبول قوله وعن معونته في الجهاد، أو لأن طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد فكان رجوع الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما كقوله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه  ﴾ وكقولك الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان وجوّز أن يرجع إلى الأمر بالطاعة أي لا تولوا عن هذا الأمر وامتثاله ﴿ وأنتم تسمعون ﴾ لم يبين أنهم ماذا يمسعون إلا أنه يعلم من مساق الكلام في السورة أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه إلى الجهاد أو المراد وأنتم تسمعون الأمر المذكور، أو وأنتم تصدقون بدليل قوله ﴿ ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ﴾ لأنهم ليسوا بمصدقين فلا يصح دعوى السماع منهم.

وتحقيق ذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يقبل التكليف ويلتزمه إلا بعد أن يسمعه، فجعل السماع كناية عن القبول، ثم أكد التكاليف المذكورة بقوله ﴿ إن شر الدواب ﴾ أي إن شر من يدب على الأرض، أو إن شر البهائم.

والفرق بين التفسيرين أن الأوّل حقيقة إلا أنه ذكر في معرض الذم كقولك لمن لا يفهم الكلام هو شبح وجسد.

والثاني مذكور في معرض التشبيه بالبهائم بل جعلهم شرّها لجهلهم وعدولهم عن الانتفاع بالحواس كقوله ﴿ بل هم أضل  ﴾ ومعنى ﴿ عند الله ﴾ أي في حكمه وقضائه.

ثم قال ﴿ ولو علم الله فيهم ﴾ أي في هؤلاء الصم البكم ﴿ خيراً لأسمعهم ﴾ عن ابن جريج: هم المنافقون.

وعن الحسن: أهل الكتاب، وقيل: بنو عبد الدار بن قصي لم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويد بن حرملة كانوا يقولون: نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد لا نسمعه ولا نجيبه فقتلوا جميعاً بأحد وكانوا أصحاب اللواء.

وروي أنهم سألوا النبي أن يحيي لهم قصي ابن كلاب وعيره من أمواتهم ليخبروهم بصحة نبوّته، فبيّن  أنه لو علم فيهم خيراً وهو انتفاعهم بقول هؤلاء الأموات لأحياهم حتى يسمعوا كلامهم ولكنه  علم منهم أنهم لا يقولون هذا الكلام إلا على سبيل العناد والتعنت.

وأنهم لو أسمعهم الله كلامهم لتولوا عن قبول الحق ولأعرضوا عنه على عادتهم المستمرة.

واعلم أن معلومات الله  على أربعة أقسام: جملة الموجودات، وجملة المعدومات، وإن كل واحد من الموجودات لو كان معدوماً فكيف يكون حاله، وإن كل واحد من المعدومات لو كان موجوداً فكيف يكون حاله، والأولان علم بالواقع، والآخران الباقيان علم بالمقدر ومن هذا القبيل.

قوله  ﴿ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ﴾ وتقدير الكلام لو حصل فيهم خيراً لأسمعهم الله الحجج والمواعظ فعبر عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده، وأورد على الآية أنها على صورة قياس شرطي فإذا حذفنا الحد الأوسط بقيت النتيجة: لو علم الله فيهم خيراً لتولوا ولكن كلمة "لو" وضعت للدلالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيكون التولي منتفياً لأجل انتفاء علم الله الخير فيهم بل لأجل انتفاء الخير فيهم.

لكن انتفاء التولي خير من الخيرات فأوّل الكلام يقتضي نفي الخير عنهم وأخره يقتضي.

حصول الخير فيهم وهذا تناقض والجواب المنع من أن الحد الأوسط مكرر لأن المراد بالإسماع الأوّل إسماع التفهم وإلزام القبول، والمراد بالإسماع الثاني صورة الإسماع فحسب، وأيضاً كلمة "لو" في المقدمة الثانية هي التي تجيء للمبالغة بمعنى "أن" كقوله  : "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" فإذاً لا تعلق لإحدى الجملتين بالأخرى فلا قياس.

واستدلت الأشاعرة بالآية على أن صدور الإيمان عن الكافر محال لأن الصادق قد أخبر أنهم على تقدير الإسماع معرضون وخلاف علمه وخبره محال.

وقال في الكشاف: لو علم الله فيهم خيراً أي انتفاعاً باللطف للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين ولو لطف بهم لما نفع فيهم اللطف فلذلك منعهم ألطافه، أو ولو لطف بهم فصدقوا لارتدوا بعد ذلك وكذبوا ولم يستقيموا وتزييف هذا التفسير سهل.

ثم علم المؤمنين أدباً آخر فقال ﴿ استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ﴾ فوحد الضمير كما مر.

والمراد بالاستجابة الطاعة والامتثال، وبالدعوة البعث والتحريض.عن أبي هريرة أن النبي  مرّ على باب أبيّ بن كعب فناداه وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال: ما منعك عن إجابتي؟

قال: كنت أصلي.

قال: ألم تخبر فيما أوحي إليّ ﴿ استجيبوا لله وللرسول ﴾ ؟

قال: لا جرم لا تدعوني إلا أجبتك، وقد يتمسك الفقهاء بهذا الخبر على أن ظاهر الأمر للوجوب وإلا فلم يتوجه اللوم.

ثم قيل: إن هذا مما اختص به رسول الله  وقيل: إندعاءه كان لأمر لم يحتمل التأخير وإذا وقع مثله للمصلي فله أن يقطع صلاته.

ثم الإحياء لا يمكن أن يحمل على نفس الحياة لأن إحياء الحي محال فذكروا فيه وجوهاً: قال السدي: هو الإسلام والإيمان لأن الإيمان حياة القلب والكفر موته بدليل قوله ﴿ يخرج الحي من الميت  ﴾ أي المؤمن من الكافر.

وقال قتادة: يعني القرآن لأن فيه العلم الذي به الحياة الحقيقية.

والأكثرون على أنه الجهاد لأن وهن أحد العدوّين سبب حياة الآخر، ولأن الجهاد سبب حصول الشهادة التي توجب الحياة الدائمة لقوله ﴿ بل أحياء عند ربهم  ﴾ ، وقيل: إنه عام في كل حق وصواب فيدخل فيه القرآن والإيمان والجهاد وكل أعمال البر والطاعة.

والمراد لما يحييكم الحياة الطيبة كما قال ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ، ﴿ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ﴾ اختلف الناس فيه بحسب اختلافهم في مسألة الجبر والقدر فنقل الواحدي عن ابن عباس والضحاك: يحول بين الكافر وطاعته ويحول بين المطيع ومعصيته.

فالسعيد من أسعده الله والشقي من أضله الله، والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ويخلق فيها القصود والدواعي والعقائد حسبما يريد، وتقرير ذلك من حيث العقل وجوب انتهاء جميع الأسباب إليه، ثم ختم الآية بقوله ﴿ وإنه إليه يحشرون ﴾ ليعلم أنهم مع كونهم مجبورين خلقوا مثابين ومعاقبين إما للجنة وإما للنار لا يتركون مهملين معطلين.

وقالت المعتزلة: إن من حال الله بينه وبين الإيمان فهو عاجز وأمر العاجز سفه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإنه  أمر بالاستجابة لله وللرسول فلو لم تكن الإجابة ممكنة فكيف يأمر بها، ولو كان الأمر بغير المقدور جائزاً لكان القرآن حجة للكفار على الرسول لا له عليهم.

فإذا لا يمكن حمل الآية على ما قاله أهل الجبر.

فتأويلها أن الله يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بسبب الموت يدل عليه قوله ﴿ وإنه ﴾ أي وأن الشأن أو الله إليه تحشرون والمقصود الحث على الطاعة قبل نزول سلطان الموت، أو أنه  يحول بين المرء وبين ما يتمناه بقلبه تسمية للشيء باسم محله فكأنه قيل: بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على طول البقاء فإن الأجل يحول دون الأمل أو المراد سارعوا إلى الطاعة ولا تمتنعوا عنها بسبب ما تجدون في قلوبكم من الضعف والجبن فإن الله مقلب القلوب من حالة العجز والجبن إلى القوة والشجاعة وقد يبدل بالأمن خوفاً وبالخوف أمناً، وبالذكر نسياناً وبالنسيان ذكراً، وما أشبه ذلك مما هو جائز على الله  ، فأما ما يثاب عليه العبد ويعاقب من أفعال القلوب فلا.

وقال مجاهد: المراد بالقلب العقل والمعنى بادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون.

ولا تأمنوا زوال العقول التي عند ارتفاعها يبطل التكليف فلا يقدر على الكفر والإيمان.

وعن الحسن: إن الغرض التنبيه على أنه  مطلع على بواطن العبد وضمائره، وإن قربه من عبده أشد من قرب قلبه منه كقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد  ﴾ ثم حذرهم الفتن والاختلاف فقال ﴿ واتقوا فتنة ﴾ قيل: هو العذاب.

وقيل: افتراق الكلمة.

وقيل: إقرار المنكر بين أظهرهم.

وقوله ﴿ لا تصيبن ﴾ إما أن يكون جواباً للأمر وجاز دخول النون المؤكدة فيه مع خلوه من الطلب لأن فيه معنى النهي كقولك: انزل عن الدابة لا تطرحك وإن شئت قلت لا تطرحنك.

وعلى هذا "من" في ﴿ منكم ﴾ للتبعيض.

وقيل: الجواب محذوف والمعنى إن أصابتكم لا تصيب بعضكم وهم الظالمون حال كونهم ﴿ خاصة ﴾ ولكنها تعم الظالمين وغيرهم لأنه يحسن من الله  ذلك بحكم المالكية أو لاشتمال ذلك على نوع من الصلاح، وإما أن يكون نهياً بعد أمر و"من" للبيان كأنه قيل: احذروا ذنباً أو عقاباً.

ثم قيل لا تصيبنكم تلك العقوبة خاصة على ظلمكم كأن الفتنة نهيت عن ذلك الاختصاص على طريق الاستعارة.

وهكذا إن جعلت الجملة الناهية صفة للفتنة على إرادة القول أي اتقوا فتنة مقولاً فيها لا تصيبن كقوله.

جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط *** عن الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير وهو يوم الجمل خاصة على ما قال الزبير: نزلت فينا وقرأناها زماناً وما رأينا أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها.

وعن السدي: نزلت في أهل بدر فاقتتلوا يوم الجمل.

وروي أن الزبير كان يسامر النبي  يوماً إذ أقبل علي فضحك إليه الزبير فقال رسول الله  : كيف حبك لعلي؟

فقال: يا رسول الله يأبى أنت وأمي إني أحبه كحبي لولدي أو أشد حباً.

قال: فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله؟

ثم ختم الآية بقوله ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ والمراد منه الحث على لزوم الاستقامة.

ثم ذكرهم نعمه عليهم فقال ﴿ واذكروا إذ أنتم ﴾ وانتصابه على أنه مفعول به أي وقت أنكم ﴿ قليل ﴾ يستوي فيه الواحد والجمع ﴿ مستضعفون في الأرض ﴾ أرض مكة قبل الهجرة ﴿ تخافون أن يتخطفكم الناس ﴾ يستلبونكم لكونهم أعداء لكم ﴿ فآواكم ﴾ إلى المدينة ﴿ وأيدكم بنصره ﴾ بمظاهرة الأنصار وبإمدادكم بالملائكة يوم بدر ﴿ ورزقكم من الطيبات ﴾ من الغنائم ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ أي ينقلكم من الشدة إلى الرخاء، ومن البلاء إلى النعماء والآلاء حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة فكيف يليق بكم أن تشتغلوا بالمنازعة في الأنفال؟، ثم منعهم من الخيانة في الأمانة.

يروى أن رسول الله  حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام، فأبى رسول الله  إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة بن مروان بن المنذر وكان مناصحاً لهم لأن عياله وماله في أيديهم.

فبعثه إليهم فقالوا له: ما ترى هل ننزل على حكم سعد؟

فأشار إلى حلقه إنه أي إن حكم سعد بن معاذ هو الذبح.

قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله فنزلت الآية.

فشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ.

فمكث سبعة أيام حتى خرّ مغشياً عليه ثم تاب الله عليه فقيل له: قد تيب عليك في نفسك.

فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله  هو الذي يحلني.

فجاءه فحله بيده فقال: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي.

فقال  : يجزيك الثلث أن تتصدق به.

وقال السدي: كانوا يسمعون من النبي  شيئاً فيفشونه ويلقونه إلى المشركين فنهاهم الله عن ذلك.

وقال ابن زيد نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون يظهرون الإيمان ويسرون الكفر.

وعن جابر بن عبد الله أن أبا سفيان خرج من مكة فعلم النبي  خروجه وعزم على الذهاب إليه فكتب إليه رجل من المنافقين إن محمداً يريدكم فخذوا حذركم فنزلت.

وقال الزهري والكلبي: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة بخروج النبي  إليها حكاه الأصم.

قال القاضي: والأقرب أنها في الغنائم.

فالخيانة فيها خيانة الله لأنها عطيته، وخيانة لرسوله لأنه القيم بقسمتها، وخيانة للمؤمنين الغانمين فلكل منهم فيها حق.

قال: ويحتمل أن يراد بالأمانة كل ما تعبد به كأن معنى الآية إيجاب أداء التكاليف بأسرها في الغنيمة وغيرها على سبيل التمام والكمال من غير نقص ولا إخلال، ومعنى الخون النقص كما أن معنى الوفاء التمام فإذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت النقصان فيه، وقد استعير فقيل: خان الدلو الكرب، وخان الشتار السبب.

والكرب حبل قصير يوصل بالرشاء ويكون على العراقيّ سمي كرباً لأنه يكرب من الدلو أي يقرب منه.

واشتار العسل إذا اجتناه وجمعه.

وتخونوا يحتمل أن يكون جزماً داخلاً في حكم النهي وأن يكون نصباً بإضمار أن كقوله ﴿ وتكتموا الحق  ﴾ ومعنى الآية على الوجه العام لا تخونوا الله بأن تعطلوا فرائضه ورسوله بأن لا تستنوا به وأماناتكم فيما بينكم بأن لا تحفظوها وأنتم تعلمون تبعة ذلك ووباله، أو تعلمون أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عمداً لا سهواً.

وقيل: وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن.

ثم لما كان الداعي إلى الخيانة وهو محبة الأموال والأولاد ولعل ما فرط من أبي لبابة كان بسبب ذلك نبه الله  على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب فقال ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ أي أنها سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو العذاب أو هي محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون على حدوده في ذلك الباب ﴿ وإن الله عنده أجر عظيم ﴾ فعليكم أن تزهدوا في الدنيا وما يتعلق بها وتنوطوا هممكم بما يفضي إلى السعادات الروحانية الباقية.

ويمكن أن يتمسك بالآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل لكونه مفضياً إلى الأجر العظيم عند الله هو أفضل من الاشتغال بالنكاح لأدائه إلى الفتنة.

ثم رغب في التقوى التي توحب الإعراض عن محبة الأموال والأولاد وعن التهالك في شأنهم فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا أن تتقوا الله ﴾ في ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر ﴿ ويجعل لكم فرقاناً ﴾ فارقاً بينكم وبين الكفار في الأحوال الباطنة بالاختصاص بالمعرفة والهداية وانشراح الصدر وإزالة الغل والحسد والمكر وسائر الأخلاق الذميمة والأوصاف السبعية والبهيمية، وفي الأحوال الظاهرة بإعلاء الكلمة والإظهار على أهل الأديان كلهم، وفي أحوال الآخرة بالثواب الجزيل والمنافع الدائمة والتعظيم من الله والملائكة.

﴿ ويكفر عنكم سيئاتكم ﴾ يستر عليكم في الدنيا صغائركم إن فرطت منكم ﴿ ويغفر لكم ﴾ في دار الجزاء ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ فإذا وعد بشيء وفى به أحسن الإيفاء.

ومن عظيم فضله أنه يتفضل بذاته من غير واسطة وبدون التماس عوض وكل متفضل سواه فإنه لا يتفضل إلا بعد أن يخلق الله فيه داعية التفضل وبعد أن يمكن المتفضل عليه من الانتفاع بذلك.

وبعد أن يكون قد تصوّر فيه ثواباً أو ثناء، أو حمله على ذلك رقة طبع أو عصبية وإلا فلا فضل في الحقيقة إلا لله  فلهذا وصفه بالعظم.

ثم لما ذكر المؤمنين نعمه عليهم بقولهم ﴿ واذكروا إذ أنتم قليل ﴾ ذكر رسوله نعمته عليه وذلك دفع كيد المشركين عنه حين كان بمكة ليشكر نعمة الله في نجاته من مكرهم وفيما أتاح له من حسن العاقبة.

والمعنى واذكر وقت مكرهم.

فإن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين: ذكروا أن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمر رسول الله  فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال: أنا شيخ من نجد ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً.

فقالوا: هذا من نجد لا بأس عليكم به.

فقال أبو البختري من بني عبد الدار: رأيي أن تحبسوه في بيت وتشدوا وثاقه وتسدوا بابه غير كوّة وتلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون، فقال إبليس: بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم.

فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع واسترحتم.

فقال: بئس الرأي يفسد قوماً غيركم ويقاتلكم بهم.

فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاماً وتعطوه سيفاً صارماً فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا.

فقال الشيخ: صدق هذا الفتى هو أجودكم رأياً.

فتفرقوا على رأي أبي جهل مجمعين على قتله، فأخبر جبريل رسول الله  وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن الله له في الهجرة فأمر علياً  فنام في مضجعه وقال له: اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه.

وباتوا مترصدين فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا علياً فبهتوا وخيب الله سعيهم واقتصوا أثره فأبطل مكرهم.

ومعنى ﴿ ليثبتوك ﴾ قال ابن عباس: ليوثقوك ويسجنوك لأنه لا يقدر على الحركة وهو إشارة إلى رأي أبي البختري.

وقوله ﴿ أو يقتلوك ﴾ إشارة إلى رأي أبي جهل.

وقوله ﴿ أو يخرجوك ﴾ أي من مكة إشارة إلى رأي هشام.

وأنكر القاضي حديث إبليس في القصة وتصويره نفسه بصورة الإنس.

قال: لأن ذلك التغيير إن كان بفعل الله فهو إعانة للكفار على المكر، وإن كان من فعل إبليس فلذلك لا يليق بحكمة الله  لأن إقدار إبليس على تغيير صورة نفسه إعانة له على الإغواء والتلبيس.

هذا ما حكى عن القاضي وذهب عليه أن هذا الاعتراض وارد على خلق إبليس نفسه وعلى خلق سائر أسباب الشرور والآثام وقد أجبنا عن أمثال ذلك مراراً، وقد عرفت تفسير المكر في سورة آل عمران.

والحاصل أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد والله نصره وقواه فضاع فعلهم وظهر صنع الله.

فإن قيل: لا خير في مكرهم فكيف قال والله أنه خير الماكرين؟

وأجيب بأن المراد أقوى الماكرين، أو المراد أنه لو قدر في مكرهم خير لكان الخير في مكره أكثر، أو المراد أنه في نفسه خير.

التأويل: إن شر من دب في الوجود هم ﴿ الصم ﴾ عن استماع كلام الحق.

يسمع القلب والقبول ﴿ إليكم ﴾ عن كلام الحق والكلام مع الحق.

والأصم لا بد أن يكون أبكم فلذلك خصا بالذكر ﴿ الذين لا يعقلون ﴾ أنهم لماذا خلقوا فلا جرم يؤل حالهم من أن يكونوا خير البرية إلى أن يكونوا شرّ الدواب ﴿ استجيبوا لله ﴾ إنه  يطلب بالمحجة من العبدالإجابة كما يطلب العبد للحاجة منه الإجابة، فالاستجابة لله إجابة الأرواح للشهود وإجابة القلوب للشواهد، وإجابة الأسرار للمشاهدة، وإجابة الخفي للفناء في الله، والاستجابة للرسول بالمتابعة لما يحييكم يفنيكم عنكم ويبقكيم به ﴿ واعلموا أن الله يحول ﴾ بسطوات أنوار جماله وجلاله بين مرآة قلبه وظلمة أوصاف قالبه ﴿ وإنه إليه تحشرون ﴾ بالفناء عنكم والبقاء به ﴿ واتقوا ﴾ أيها الواصلون فتنة ابتلاء النفوس بحظوظها الدنيوية والأخروية.

لا تصيب النفوس الظالمة فقط بل تصيب ظلمتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية فتجتذبها من حظائر القدس ورياض الأنس إلى حضائض صفات الإنس ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عن الالتفات إلى ما سواه ﴿ واذكروا إذ أنتم ﴾ أيها الأرواح والقلوب ﴿ قليل ﴾ لم ينشأ بعد لكما الصفات الأخلاق الروحانية ﴿ مستضعفون ﴾ من غلبات صفات النفس لإعواز التربية بألبان آداب الطريقة ولانعدام جريان أحكام الشريعة عليكم إلى أوان البلوغ.

﴿ يخافون ﴾ أن تسلبكم النفوس وصفاتها والشيطان وأعوانه ﴿ فآواكم ﴾ إلى حظائر القدس ﴿ وأيدكم ﴾ بالواردات الربانية ﴿ ورزقكم ﴾ المواهب الطاهرة من لوث الحدوث.

﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ يعني الأرواح والقلوب المنوّرة بنور الإيمان المستسعدة بسعادات العرفان ﴿ لا تخونوا الله ﴾ فيما آتاكم من المواهب فتجعلوها شبكة لاصطياد الدنيا ولا تخونوا الرسول بترك السنة والقيام بالبدعة ﴿ وتخونوا أماناتكم ﴾ التي هي محبة الله، وخيانتها تبديلها بمحبة المخلوقات ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ إنكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالأولى ﴿ فتنة ﴾ يختبركم الله بها بالتمييز الموافق من المنافق، والصديق من الزنديق.

﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بهذه المقامات والكرامات ﴿ أن تتقوا الله ﴾ من غير الله ﴿ يجعل لكم فرقاناً ﴾ يفض عليكم من سجال جماله وجلاله القديم ما تفرقون به بين الحدوث والقدم ﴿ ويكفر عنكم ﴾ سيئات وجودكم الفاني ﴿ ويغفر لكم ﴾ يستركم بأنوار جماله وجلاله ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ وهو البقاء بالله بعد الفناء فيه ﴿ ليثبتوك ﴾ أيها الروح في أسفل سافلين الطبيعة أو يعدموك بانعدام آثارك ﴿ أو يخرجوك ﴾ من عالم الأرواح ﴿ والله خير الماكرين ﴾ يصلح حال أهل الصلاح ألبته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ ، من الناس من يقول بأن هذه الآية صلة قوله -  -: ﴿ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ  ﴾ كانوا ضعفاء أذلاء فيما بين الكفرة، خائفين فيما بينهم، فهموا أن يمكروا برسول الله  ، والمكر به ما ذكر من القتل والإثبات؛ وهو الحبس والإخراج؛ كأنهم تشاوروا فيما بينهم، واستأمروا ما يفعل به، فذكر في القصة أن بعضهم أشاروا إلى القتل، وبعضهم إلى الحبس، وبعضهم بالإخراج؛ فكأن مشاورتهم وأمرهم رجعت إلى أحد هذه الوجوه: إما القتل، وإما الحبس، [وإما الأخراج] ثم أخرج الله رسوله من بين أظهرهم على الوجه الذي يكون مطيعاً لله، متعبداً له فيما كان خروجه بأمره، فيكون خروجه على غير الجهة التي أرادوا هم به، وسمى خروجه هجرة، وليعلموا أنه إنما علم بكيدهم ومكرهم به بالله؛ لتكون آية من آيات نبوته ورسالته بعد خروجه من بين أظهرهم، ومفارقته إياهم كما كان له من الآيات وقت مقامه بين أظهرهم، وهو كما كان لعيسى آيات وقت مقامه بين أظهرهم، وآية كانت له بالرفع بعد مفارقة قومهم؛ فعلى ذلك الأول.

ولو كانوا [لم] يتوافقوا بما ذكرنا من القتل أو الحبس دون الإخراج، لم يكن ليخرج رسوله من بين أظهرهم، وهم قد هموا بإخراجه، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، تذكير ما أنعم على رسوله وأصحابه؛ لأنه آواهم إلى الأمن بعد ما كانوا خائفين فيهم، وأنزلهم المدينة بعد ما كانوا في الغيران في الجبال هاربين منهم، ورزقهم من الطيبات طعام البشر بعد ما كانوا يتناولون من طعام البهائم والسباع؛ يذكر نعمه عليهم باستنقاذه إياهم من بين ظهرانيهم، والحيلولة بينه وبين ما قصدوا وهموا بالمكر به والهلاك بقوله: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ ﴾ .

فيه من الوجوه أحتجاجاً عليهم وجهان: أحدهما: ما ذكرنا أنهم تشاوروا فيما بينهم بالمكر به لم يطلعوا أحداً، ثم علم ذلك هو فخرج؛ ليعلموا أن الله هو الذي أطلعه على ذلك.

والثاني: كان يخوفهم الهلاك بمكرهم برسوله، فخرج من بينهم من غير أن أصابه ما هموا به، وقد أصابهم من الهلاك الذي كان يخوفهم، وحل بهم ما كانوا هموا به وقصدوه، وذلك ما ذكر من مكر الله بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ ﴾ .

قال بعضهم: أرادوا هم بمكرهم به شرّاً، وهو أن يطفئوا هذا النور؛ ليذهب هذا الدين وتدرس آثاره، وأراد أن يسلم منهم نفر ليكونوا أعواناً ونصراً له، ليأخذوا حظهم بذلك؛ فهر خير الماكرين.

وقيل: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: أرادوا قتله، ﴿ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ﴾ : أراد قتلهم [فقتلهم] ببدر، ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ ﴾ أي: أفضل مكراً منهم، غلب مكره مكرهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: يجزيهم جزاء مكرهم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ آيَاتُنَا ﴾ : أيات القرآن التي كان يتلو رسول الله  .

ويحتمل آياته: حججه وبراهينه التي توجب التوحيد وتصديق الرسل؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا ﴾ .

قالوا ذلك متعنتين؛ إذ كان يقرع أسماعهم قوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ...

﴾ الآية [البقرة: 23]، ثم لم يكن يطمع أحد منهم أن يأتي بمثله، وتكلفوا في ذلك؛ دل أن قولهم: ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا ﴾ تعنت وعناد.

﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ كذلك كان يقول العرب: إنه أساطير الأولين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -أيها الرسول- حين تَمَالأ عليك المشركون ليكيدوا لك بحبسك أو بقتلك أو نفيك من بلدك إلى بلد غيره، ويكيدونك ويرد الله كيدهم عليهم، ويمكر الله، والله خير الماكرين.

<div class="verse-tafsir" id="91.PkKRW"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده