الآية ٦٠ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ٦٠ من سورة الأنفال

وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ٦٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 172 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٠ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٠ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فقال : ( وأعدوا لهم ما استطعتم ) أي : مهما أمكنكم ، ( من قوة ومن رباط الخيل ) قال الإمام أحمد : حدثنا هارون بن معروف ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن أبي علي ثمامة بن شفي ، أنه سمع عقبة بن عامر يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو على المنبر : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي رواه مسلم ، عن هارون بن معروف ، وأبو داود عن سعيد بن منصور ، وابن ماجه عن يونس بن عبد الأعلى ، ثلاثتهم عن عبد الله بن وهب ، به .

ولهذا الحديث طرق أخر ، عن عقبة بن عامر ، منها ما رواه الترمذي ، من حديث صالح بن كيسان ، عن رجل ، عنه .

وروى الإمام أحمد وأهل السنن ، عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ارموا واركبوا ، وأن ترموا خير من أن تركبوا وقال الإمام مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الخيل لثلاثة : لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر ؛ فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله ، فأطال لها في مرج - أو : روضة - فما أصابت في طيلها ذلك من المرج - أو : الروضة - كانت له حسنات ، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ، ولم يرد أن يسقي به ، كان ذلك حسنات له ؛ فهي لذلك الرجل أجر .

ورجل ربطها تغنيا وتعففا ، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها ، فهي له ستر ، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء فهي على ذلك وزر .

وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحمر فقال : ما أنزل الله علي فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) [ الزلزلة : 7 ، 8 ] .

رواه البخاري - وهذا لفظه - ومسلم ، كلاهما من حديث مالك .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، أخبرنا شريك ، عن الركين بن الربيع عن القاسم بن حسان ؛ عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الخيل ثلاثة : ففرس للرحمن ، وفرس للشيطان ، وفرس للإنسان ، فأما فرس الرحمن فالذي يربط في سبيل الله ، فعلفه وروثه وبوله ، وذكر ما شاء الله .

وأما فرس الشيطان فالذي يقامر أو يراهن عليه ، وأما فرس الإنسان فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها ، فهي ستر من فقر .

وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل ، وذهب الإمام مالك إلى أن الركوب أفضل من الرمي ، وقول الجمهور أقوى للحديث ، والله أعلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج وهشام قالا حدثنا ليث ، حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن ابن شماسة : أن معاوية بن حديج مر على أبي ذر ، وهو قائم عند فرس له ، فسأله ما تعالج من فرسك هذا ؟

فقال : إني أظن أن هذا الفرس قد استجيب له دعوته !

قال : وما دعاء بهيمة من البهائم ؟

قال : والذي نفسي بيده ما من فرس إلا وهو يدعو كل سحر فيقول : اللهم أنت خولتني عبدا من عبادك ، وجعلت رزقي بيده ، فاجعلني أحب إليه من أهله وماله وولده قال : وحدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبد الحميد بن جعفر ؛ حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن سويد بن قيس ؛ عن معاوية بن حديج ؛ عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنه ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر ، يدعو بدعوتين ، يقول : اللهم إنك خولتني من خولتني من بني آدم ، فاجعلني من أحب أهله وماله إليه - أو - أحب أهله وماله إليه .

رواه النسائي ، عن عمرو بن علي الفلاس ، عن يحيى القطان ، به .

وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا يحيى بن حمزة ، حدثنا المطعم بن المقدام الصنعاني ، عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال لابن الحنظلية - يعني : سهلا - : حدثنا حديثا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ، وأهلها معانون عليها ، ومن ربط فرسا في سبيل الله كانت النفقة عليه ، كالماد يده بالصدقة لا يقبضها .

والأحاديث الواردة في فضل ارتباط الخيل كثيرة ، وفي صحيح البخاري ، عن عروة بن أبي الجعد البارقي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة : الأجر والمغنم .

وقوله : ترهبون أي : تخوفون ( به عدو الله وعدوكم ) أي من الكفار ( وآخرين من دونهم ) قال مجاهد : يعني قريظة ، وقال السدي : فارس ، وقال سفيان الثوري : قال ابن يمان : هم الشياطين التي في الدور .

وقد ورد حديث بمثل ذلك ، قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج الحمصي ، حدثنا أبو حيوة - يعني شريح بن يزيد المقرئ - حدثنا سعيد بن سنان ، عن ابن عريب - يعني يزيد بن عبد الله بن عريب - عن أبيه ، عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في قوله : ( وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ) قال : هم الجن .

ورواه الطبراني ، عن إبراهيم بن دحيم ؛ عن أبيه ، عن محمد بن شعيب ؛ عن سعيد بن سنان عن يزيد بن عبد الله بن عريب ، به ، وزاد : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يخبل بيت فيه عتيق من الخيل .

وهذا الحديث منكر ، لا يصح إسناده ولا متنه .

وقال مقاتل بن حيان ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هم المنافقون .

وهذا أشبه الأقوال ، ويشهد له قوله : ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ) [ التوبة : 101 ] .

وقوله : ( وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) أي : مهما أنفقتم في الجهاد ، فإنه يوفى إليكم على التمام والكمال ، ولهذا جاء في حديث رواه أبو داود : أن الدرهم يضاعف ثوابه في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف كما تقدم في قوله تعالى : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ) [ البقرة : 261 ] .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي ، حدثنا أبي ، عن أبيه ، حدثنا الأشعث بن إسحاق ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأمر ألا يتصدق إلا على أهل الإسلام ، حتى نزلت : ( وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ) فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين .

وهذا أيضا غريب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ (60) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (وأعدوا)، لهؤلاء الذين كفروا بربهم، الذين بينكم وبينهم عهد, إذا خفتم خيانتهم وغدرهم، أيها المؤمنون بالله ورسوله =(ما استطعتم من قوة)، يقول: ما أطقتم أن تعدّوه لهم من الآلات التي تكون قوة لكم عليهم، (35) من السلاح والخيل=(ترهبون به عدو الله وعدوكم)، يقول: تخيفون بإعدادكم ذلك عدوَّ الله وعدوكم من المشركين.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16224- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن إدريس قال: سمعت أسامة بن زيد, عن صالح بن كيسان, عن رجل من جهينة، يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، ألا إنَّ الرمي هو القوة, ألا إنّ الرمي هو القوة.

(36) 16225- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا سعيد بن شرحبيل قال: حدثنا ابن لهيعة, عن يزيد بن أبي حبيب, وعبد الكريم بن الحارث, عن أبي علي الهمداني: أنه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول: قال الله: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل)، ألا وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: قال الله: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ثلاثا.

(37) 16226- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا محبوب، وجعفر بن عون، ووكيع، وأبو أسامة، وأبو نعيم=, عن أسامة بن زيد, عن صالح بن كيسان, عن رجل, عن عقبة بن عامر الجهني قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل)، فقال: " ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة، الرمي" ثلاث مرات.

(38) 16227- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن أسامة بن زيد, عن صالح بن كيسان, عن رجل, عن عقبة بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر, فذكر نحوه.

(39) 16228- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا أسامة بن زيد, عن صالح بن كيسان, عن عقبة بن عامر, عن النبي صلى الله عليه وسلم , نحوه.

(40) 16229- حدثنا أحمد بن حميد قال: حدثنا يحيى بن واضح قال: حدثنا موسى بن عبيدة, عن أخيه، محمد بن عبيدة, عن أخيه عبد الله بن عبيدة, عن عقبة بن عامر, عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، " ألا إن القوة الرمي".

(41) 16230- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن شعبة بن دينار, عن عكرمة في قوله: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، قال: الحصون =(ومن رباط الخيل)، قال: الإناث.

(42) 16231- حدثنا علي بن سهل قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة, عن رجاء بن أبي سلمة قال: لقي رجل مجاهدًا بمكة, ومع مجاهد جُوَالَق،, (43) قال: فقال مجاهد: هذا من القوة!

=ومجاهد يتجهز للغزو.

16232- حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، من سلاح.

* * * وأما قوله: (ترهبون به عدو الله وعدوكم)= = فقال ابن وكيع: 16233- حدثنا أبي، عن إسرائيل, عن عثمان بن المغيرة الثقفي, عن مجاهد, عن ابن عباس: (ترهبون به عدو الله وعدوكم)، قال: تخزون به عدو الله وعدوكم.

16234- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل, عن عثمان, عن مجاهد، عن ابن عباس, مثله.

16235- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن خصيف, عن عكرمة وسعيد بن جبير, عن ابن عباس: (ترهبون به عدو الله وعدوكم)، قال: تخزون به عدو الله وعدوكم.

وكذا كان يقرؤها: (تُخْزُونَ).

(44) 16237- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن عثمان بن المغيرة، وخصيف, عن مجاهد, عن ابن عباس: (ترهبون به)، تخزون به.

(45) 16238- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل, عن خصيف, عن عكرمة, عن ابن عباس, مثله.

* * * يقال منه: " أرهبت العدو، ورهَّبته, فأنا أرهبه وأرهِّبه، إرهابًا وترهيبًا, وهو الرَّهَب والرُّهْب ", ومنه قول طفيل الغنوي: وَيْـلُ أُمِّ حَـيٍّ دَفَعْتُـمْ فِـي نُحُـورِهِمُ بَنِـي كِـلابٍ غَـدَاة الـرُّعْبِ والرَّهَبِ (46) * * * القول في تأويل قوله : وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في هؤلاء " الآخرين "، من هم، وما هم؟

فقال بعضهم: هم بنو قريظة.

*ذكر من قال ذلك: 16239- حدثت عن عمار بن الحسن قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرين من دونهم)، يعني: من بني قريظة.

16240- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرين من دونهم)، قال: قريظة.

* * * وقال آخرون: من فارس.

* ذكر من قال ذلك: 16241- حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم)، هؤلاء أهل فارس.

* * * وقال آخرون: هم كل عدو للمسلمين، غير الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرِّد بهم من خلفهم.

قالوا: وهم المنافقون.

* ذكر من قال ذلك: 16242- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ ، قال: أخفهم بهم، لما تصنع بهؤلاء.

وقرأ: (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم).

(47) 16243- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم)، قال: هؤلاء المنافقون، لا تعلمونهم لأنهم معكم، يقولون: لا إله إلا الله، ويغزون معكم.

* * * وقال آخرون: هم قوم من الجنّ.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر المؤمنين بإعداد الجهاد وآلة الحرب وما يتقوّون به على جهاد عدوه وعدوهم من المشركين، من السلاح والرمي وغير ذلك، ورباط الخيل =ولا وجه لأن يقال: عني بـ " القوة "، معنى دون معنى من معاني " القوة ", وقد عمَّ الله الأمر بها.

فإن قال قائل: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بيَّن أن ذلك مرادٌ به الخصوص بقوله: " ألا إن القوة الرمي"؟

(48) قيل له: إن الخبر، وإن كان قد جاء بذلك، فليس في الخبر ما يدلّ على أنه مرادٌ بها الرمي خاصة، دون سائر معاني القوة عليهم, فإن الرمي أحد معاني القوة, لأنه إنما قيل في الخبر: " ألا إن القوة الرمي"، ولم يقل: " دون غيرها "، ومن " القوة " أيضًا السيف والرمح والحربة, وكل ما كان معونة على قتال المشركين, كمعونة الرمي أو أبلغ من الرمي فيهم وفي النكاية منهم.

هذا مع وهاء سند الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(49) * * * وأما قوله: (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم)، فإن قول من قال: عنى به الجن, أقربُ وأشبهُ بالصواب، لأنه جل ثناؤه قد أدخل بقوله: وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ، الأمرَ بارتباط الخيل لإرهاب كل عدوٍّ لله وللمؤمنين يعلمونهم, ولا شك أن المؤمنين كانوا عالمين بعداوة قريظة وفارس لهم, لعلمهم بأنهم مشركون، وأنهم لهم حرب.

ولا معنى لأن يقال: وهم يعلمونهم لهم أعداءً: (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم)، ولكن معنى ذلك إن شاء الله: ترهبون بارتباطكم، أيها المؤمنون، الخيلَ عدوَّ الله وأعداءكم من بني آدم الذين قد علمتم عداوتهم لكم، لكفرهم بالله ورسوله, وترهبون بذلك جنسًا آخر من غير بني آدم، لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم، الله يعلمهم دونكم, لأن بني آدم لا يرونهم.

وقيل: إن صهيل الخيل يرهب الجن, وأن الجن لا تقرب دارًا فيها فرس.

(50) * * * فإن قال قائل: فإن المؤمنين كانوا لا يعلمون ما عليه المنافقون, فما تنكر أن يكون عُنِي بذلك المنافقون؟

قيل: فإن المنافقين لم يكن تروعهم خيل المسلمين ولا سلاحهم, وإنما كان يَرُوعهم أن يظهر المسلمون على سرائرهم التي كانوا يستسرُّون من الكفر, وإنما أمر المؤمنون بإعداد القوة لإرهاب العدو, فأما من لم يرهبه ذلك، فغير داخل في معنى من أمر بإعداد ذلك له المؤمنون.

وقيل: " لا تعلمونهم ", فاكتفي لـ " العلم "، بمنصوب واحد في هذا الموضع, لأنه أريد: لا تعرفونهم, كما قال الشاعر: (51) فَـــإِنَّ اللــهَ يَعْلَمُنِــي وَوَهْبًــا وَأَنَّـــا سَــوْفَ يَلْقَــاهُ كِلانــا (52) * * * القول في تأويل قوله : وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما أنفقتم، أيها المؤمنون، من نفقة في شراء آلة حرب من سلاح أو حراب أو كُرَاع أو غير ذلك من النفقات، (53) في جهاد أعداء الله من المشركين يخلفه الله عليكم في الدنيا, ويدَّخر لكم أجوركم على ذلك عنده, حتى يوفِّيكموها يوم القيامة (54) (وأنتم لا تظلمون)، يقول: يفعل ذلك بكم ربكم، فلا يضيع أجوركم عليه.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16244- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق، (وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون)، أي لا يضيع لكم عند الله أجرُه في الآخرة، وعاجل خَلَفه في الدنيا.

(55) ----------------- الهوامش : (35) انظر تفسير " الاستطاعة " ، فيما سلف 4 : 315 9 : 284 .

(36) الأثر : 16224 - " ابن إدريس " ، وهو " عبد الله بن إدريس الأودي " الإمام ، مضى مرارًا .

وكان في المطبوعة والمخطوطة : " أبو إدريس " وهو خطأ صرف .

و " أسامة بن زيد الليثي " ، ثقة ، مضى برقم : 2867 ، 3354 .

و " صالح بن كيسان المدني " ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 1020 ، 5321 .

وسيأتي هذا الخبر من طرق أخرى رقم : 16226 - 16228 ، وسأذكرها عند كل واحد منها ، وانظر تخريج الخبر التالي .

(37) الأثر : 16225 - " سعيد بن شرحبيل الكندي " ، روى عنه البخاري ، وروى له النسائي وابن ماجه بالواسطة .

ثقة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 1 442 ، وابن أبي حاتم 2 1 33 .

و " ابن لهيعة " ، مضى مرارًا ، ومضى الكلام في أمر توثيقه .

و " يزيد بن أبي حبيب الأزدي المصري " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها : 11871 .

و " عبد الكريم بن الحارث بن يزيد الحضرمي المصري " ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 1 60 .

و " أبو علي الهمداني " ، هو " ثمامة بن شفي الهمداني " المصري ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 2 177 ، وابن أبي حاتم 1 1 466 .

وهذا إسناد فيه ضعف لمن ضعف ابن لهيعة ، والطبري نفسه سيقول في ص : 37 ، تعليق : 2 ، أنه سند فيه وهاء " .

بيد أن هذا الخبر روي من طرق صحيحة جدا : رواه مسلم في صحيحه 13 : 64 ، من طريق هارون بن معروف ، عن ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن أبي علي ثمامة بن شفي ، بمثله .

ورواه أبو داود في سننه 3 : 20 ، رقم : 2514 ، من طريق سعيد بن منصور ، عن ابن وهب ، بمثله .

ورواه ابن ماجه في سننه : 940 رقم : 2813 ، من طريق يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب بمثله .

ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 328 ، من طريق سعيد بن ابي أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة ، وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين .

ولك يخرجه البخاري ، لأن صالح بن كيسان أوقفه " ووافقه الذهبي .

(38) الأثر : 16226 - " محبوب " ، هو " محبوب بن محرز القواريري " ، وثقه ابن حبان ، وضعفه الدارقطني .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4 1 388 .

و " جعفر بن عون المخزومي " ، ثقة ، أخرج له الجماعة ، مضى برقم : 9506 .

وهذا الخبر رواه الترمذي من طريق وكيع عن أسامة بن زيد ، ثم قال : " وقد روى بعضهم هذا الحديث عن أسامة بن زيد ، عن صالح بن كيسان ، عن عقبة بن عامر ، وحديث وكيع أصح ، وصالح بن كيسان لم يدرك عقبة بن عامر ، وأدرك ابن عمر " .

وانظر الخبر رقم : 16228 .

(39) الأثر: 16227 - هو مكرر الأثر السالف ، وانظر تخريجه ، رواه من هذه الطريق ، الترمذي في سننه ، كما سلف.

(40) الأثر : 16228 - هذا هو الحديث الذي أشار إليه الترمذي ، وقال فيه : " صالح بن كيسان ، لم يدرك عقبة بن عامر " .

انظر ما سلف : 16226 .

(41) الأثر : 16229 - " موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي " ، ضعيف بمرة ، لا تحل الرواية عنه .

سلف مرارًا ، آخرها رقم : 11811 ، 14045 ، روى عن أخويه " عبد الله " و " محمد " وأخوه " محمد بن عبيدة بن نشيط الربذي " ، لم أجد له ترجمة ، وهو مذكور في ترجمة أخيه " موسى " ، وترجمة أخيه " عبد الله " ، وأنه روى عنه .

وكان أكبر من أخيه موسى بثمانين سنة .

وأخوه " عبد الله بن عبيدة بن نشيط الربذي " ، روى عن جماعة من الصحابة ، وثقه بعضهم ، وضعفه آخرون ، وقال أحمد : " موسى بن عبيدة وأخوه ، لا يشتغل بهما " .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 2 101 .

(42) الأثر : 16230 - " شعبة بن دينار الكوفي " ، روى عن مكرمة ، وأبي بردة بن أبي موسى الأشعري ، ثقة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 2 245 ، وابن أبي حاتم 2 1 368 .

(43) " الجوالق " ( بضم الجيم ، وفتح اللام أو كسرها ) ، وعاء من الأوعية ، هو الذي نسميه اليوم في مصر محرفا " الشوال " .

(44) في المطبوعة والمخطوطة : " وكذا كان يقرؤها : ترهبون " ، والصواب الذي لا شك فيه هنا ، هو " تخزون " ، كما أثبتها ، وقد ذكر قراءة ابن عباس هذه ، ابن خالويه في القراءات الشاذة : 50 ( وفي المطبوعة خطأ ، كتب : يجرون به عدو الله ، والصواب ما أثبت ) ، وقال أبو حيان في تفسيره 4 : 512 : " وقرأ ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد : " تخزون به " ، مكان : ترهبون به = وذكرها الطبري على وجه التفسير لا على وجه القراءة ، وهو الذي ينبغي ، لأنه مخالف لسواد المصحف " .

قلت : وقد رأيت بعد أن الطبري ذكرها أيضًا على جهة القراءة ، ولا يستقيم نصه إلا بما أثبت .

(45) سقط من الترقيم : 16236 ، سهوًا .

(46) ديوانه : 56 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 249 يمدح بها بني جعفر بن كلاب ، من أبيات ثلاثة ، مفردة .

(47) الأثر : 16242 - هذا مكرر الأثر السالف رقم 16220 ، ولا أدري فيم جاء به هنا مفردًا ، وأما الأثر الذي عناه ، فهو الذي يليه ، والظاهر أنه خطأ من الطبري نفسه في النقل .

ولفظ هذا الخبر ، يخالف لفظ الخبر السالف قليلا .

(48) انظر الآثار السالفة رقم : 16224 - 16229 .

(49) هذه مرة أخرى تختلف فيها كتابة المخطوطة ، فههنا : " وهاء " ، كما أثبتها ، وكان في المطبوعة : " وهي " ، وانظر ما كتبته ما سلف 9 : 531 ، تعليق : 2 .

ثم انظر ما قلته في تخريج الخبر السالف رقم : 16225 ، وما ذكرته من الطريق الصحيحة في رواية هذا الخبر .

(50) ذكر ابن كثير في تفسيره خبرين ، أحدهما رواه ابن أبي حاتم ، عن زيد بن عبد الله بن عريب ، عن أبيه عن جده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هم الجن، في هذه الآية ثم قال رواه الطبراني ، وزاد : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يخبل بيت فيه عتيق الخيل " ، ( انظر الإصابة : ترجمة عريب ) ، ثم قال ابن كثير : " هذا الحديث منكر ، لا يصح إسناده ولا متنه " .

وانظر القرطبي 8 : 38 .

وهذا الذي قاله الطبري ، رده العلماء من قوله ، وحق لهم .

وقد رجح ابن كثير وأبو حبان ( 4 : 513 ) ، أن المعنى بذلك هم المنافقون ، وهو القول الذي رده أبو جعفر فيما يلي ، ورد أبي جعفر رد محكم .

فإن كان لنا أن نختار ، فإني أختار أن يكون عني بذلك ، من خفي على المؤمنين أمره من أهل الشرك ، كنصارى الشأم وغيرهم ، ممن لم ينظر المؤمنون عدواتهم بعد ، وهي آتية سوف يرونها عيانًا بعد قليل .

وفي الكلام فضل بحث ليس هذا مكانه ، والآية عامة لا أدري كيف يخصصها أبو جعفر ، بخبر لا حجة فيه .

(51) هو النمر بن تولب العكلي .

(52) الاقتضاب : 303 ، المفصل الزمخشري : 88 .

وكان النمر بن تولب ، نازع رجلا يقال له " وهب " ، من قومه ، في بئر تدعى " الدحول " ( بالحاء المهملة ) ، في أرض عكل ، نميرة الماء ، يقول فيها من هذه الأبيات : ولكـــنَّ الدَّحُـــولَ إذَا أتَاهَـــا عِجَــافُ المَــالِ تتْرُكُــهُ سِـمَانَا وكان النمر سقاه منها ، فلم يشكر له ، وخان الأمانة ونازعه فيها فقال : يُريــدُ خِيَــانَتِي وَهْـبٌ , وأَرْجُـو مِــنَ اللــهِ الــبراءَةَ وَالأمَانَــا فَـــإِنَّ اللــهَ يَعْلَمُنِـي وَوَهْبًــا وَيَعْلَـــمُ أَنْ سَـــيَلقَاهُ كِلانَـــا وَإنَّ بَنِــي رَبِيعَــةَ بَعْــدَ وَهْـبٍ كَــرَاعِي البَيْــتِ يَحْفَظُـهُ فخانَـا وكان البيت في المطبوعة والمخطوطة : فــــإن اللــــهَ يعلمنــــي وأَنـــا ســوف يلقــاهُ كلانــا (53) انظر تفسير " النفقة " فيما سلف من فهارس اللغة ( نفق ) .

(54) انظر تفسير " وفي " فيما سلف 12 : 224 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(55) الأثر : 16244 - سيرة ابن هشام 2 : 329 ، 330 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16218 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون فيه ست مسائل :الأولى قوله تعالى وأعدوا لهم أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد تقدمة التقوى .

فإن الله سبحانه لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم وبحفنة من تراب ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ .

وكل ما تعده لصديقك من خير أو لعدوك من شر فهو داخل في عدتك .

قال ابن عباس : القوة هاهنا السلاح والقسي .

وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا [ ص: 393 ] إن القوة الرمي .

وهذا نص رواه عن عقبة أبو علي ثمامة بن شفي الهمداني ، وليس له في الصحيح غيره .

وحديث آخر في الرمي عن عقبة أيضا قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه .

وقال صلى الله عليه وسلم : كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنه من الحق .

ومعنى هذا والله أعلم : أن كل ما يتلهى به الرجل مما لا يفيده في العاجل ولا في الآجل فائدة فهو باطل ، والإعراض عنه أولى .

وهذه الأمور الثلاثة فإنه وإن كان يفعلها على أنه يتلهى بها وينشط ، فإنها حق لاتصالها بما قد يفيد ، فإن الرمي بالقوس وتأديب الفرس جميعا من معاون القتال .

وملاعبة الأهل قد تؤدي إلى ما يكون عنه ولد يوحد الله ويعبده ، فلهذا كانت هذه الثلاثة من الحق .

وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله يدخل ثلاثة نفر الجنة بسهم واحد : صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي ومنبله .

وفضل الرمي عظيم ومنفعته عظيمة للمسلمين ، ونكايته شديدة على الكافرين .

قال صلى الله عليه وسلم : يا بني إسماعيل ارموا فإن أباكم كان راميا .

وتعلم الفروسية واستعمال الأسلحة فرض كفاية .

وقد يتعين .

الثانية : قوله تعالى ومن رباط الخيل وقرأ الحسن وعمرو بن دينار وأبو حيوة [ ص: 394 ] ( ومن ربط الخيل ) بضم الراء والباء ، جمع رباط ، ككتاب وكتب قال أبو حاتم عن ابن زيد : الرباط من الخيل الخمس فما فوقها ، وجماعته ربط .

وهي التي ترتبط ، يقال منه : ربط يربط ربطا .

وارتبط يرتبط ارتباطا .

ومربط الخيل ومرابطها وهي ارتباطها بإزاء العدو .

قال الشاعر :أمر الإله بربطها لعدوه في الحرب إن الله خير موفقوقال مكحول بن عبد الله :تلوم على ربط الجياد وحبسها وأوصى بها الله النبي محمداورباط الخيل فضل عظيم ومنزلة شريفة .

وكان لعروة البارقي سبعون فرسا معدة للجهاد .

والمستحب منها الإناث ، قال عكرمة وجماعة .

وهو صحيح ، فإن الأنثى بطنها كنز وظهرها عز .

وفرس جبريل كان أنثى .

وروى الأئمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الخيل ثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر الحديث .

ولم يخص ذكرا من أنثى .

وأجودها أعظمها أجرا وأكثرها نفعا .

وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الرقاب أفضل ؟

فقال : أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها .

وروى النسائي عن أبي وهب الجشمي - وكانت له صحبة - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن وارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأكفالها وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار وعليكم بكل كميت أغر محجل أو أشقر أغر محجل أو أدهم أغر محجل .

وروى الترمذي عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم ثم الأقرح المحجل طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشية .

ورواه الدارمي عن أبي قتادة أيضا ، أن [ ص: 395 ] رجلا قال : يا رسول الله ، إني أريد أن أشتري فرسا ، فأيها أشتري ؟

قال : اشتر أدهم أرثم محجلا طلق اليد اليمنى أو من الكميت على هذه الشية تغنم وتسلم .

وكان صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الخيل .

والشكال : أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى ، أو في يده اليمنى ورجله اليسرى .

خرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه .

ويذكر أن الفرس الذي قتل عليه الحسين بن علي رضي الله عنهما كان أشكل .الثالثة : فإن قيل : إن قوله وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة كان يكفي ، فلم خص الرمي والخيل بالذكر ؟

قيل له : إن الخيل لما كانت أصل الحروب وأوزارها التي عقد الخير في نواصيها ، وهي أقوى القوة وأشد العدة وحصون الفرسان ، وبها يجال في الميدان ، خصها بالذكر تشريفا ، وأقسم بغبارها تكريما .

فقال : والعاديات ضبحا الآية .

ولما كانت السهام من أنجع ما يتعاطى في الحروب والنكاية في العدو وأقربها تناولا للأرواح ، خصها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر لها والتنبيه عليها .

ونظير هذا في التنزيل ، وجبريل وميكال ومثله كثير .الرابعة : وقد استدل بعض علمائنا بهذه الآية على جواز وقف الخيل والسلاح ، واتخاذ الخزائن والخزان لها عدة للأعداء .

وقد اختلف العلماء في جواز وقف الحيوان كالخيل والإبل على قولين : المنع ، وبه قال أبو حنيفة .

والصحة ، وبه قال الشافعي رضي الله عنه .

وهو أصح ، لهذه الآية ، ولحديث ابن عمر في الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله وقوله عليه السلام في حق خالد : وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا فإنه قد احتبس أدراعه وأعتاده في [ ص: 396 ] سبيل الله الحديث .

وما روي أن امرأة جعلت بعيرا في سبيل الله ، فأراد زوجها الحج ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ادفعيه إليه ليحج عليه فإن الحج من سبيل الله .

ولأنه مال ينتفع به في وجه قربة ، فجاز أن يوقف كالرباع .

وقد ذكر السهيلي في هذه الآية تسمية خيل النبي صلى الله عليه وسلم ، وآلة حربه .

من أرادها وجدها في كتاب الأعلام .الخامسة قوله تعالى ترهبون به عدو الله وعدوكم يعني تخيفون به عدو الله وعدوكم من اليهود وقريش وكفار العرب .وآخرين من دونهم يعني فارس والروم ، قاله السدي .

وقيل : الجن .

وهو اختيار الطبري .

وقيل : المراد بذلك كل من لا تعرف عداوته .

قال السهيلي : قيل هم قريظة .

وقيل : هم من الجن .

وقيل غير ذلك .

ولا ينبغي أن يقال فيهم شيء ، لأن الله سبحانه قال : وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ، فكيف يدعي أحد علما بهم ، إلا أن يصح حديث جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو قوله في هذه الآية : " هم الجن " .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان لا يخبل أحدا في دار فيها فرس عتيق وإنما سمي عتيقا لأنه قد تخلص من الهجانة .

وهذا الحديث أسنده الحارث بن أبي أسامة عن ابن المليكي عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وروي : أن الجن لا تقرب دارا فيها فرس ، وأنها تنفر من صهيل الخيل .السادسة : قوله تعالى وما تنفقوا من شيء أي تتصدقوا .

وقيل : تنفقوه على أنفسكم أو خيلكم .في سبيل الله يوف إليكم في الآخرة ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، إلى أضعاف كثيرة .

وأنتم لا تظلمون

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي ‏{‏وَأَعِدُّوا‏}‏ لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم‏.‏ ‏{‏مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ‏}‏ أي‏:‏ كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأْي‏:‏ والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتَعَلُّم الرَّمْيِ، والشجاعة والتدبير‏.‏ ولهذا قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ (‏ألا إن القوة الرَّمْيُ‏)‏ ومن ذلك‏:‏ الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال،ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ‏}‏ وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته‏.‏ فإذا كان شيء موجود أكثر إرهابا منها، كالسيارات البرية والهوائية، المعدة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد، كانت مأمورا بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها،حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلُّم الصناعة، وجب ذلك، لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب وقوله‏:‏ ‏{‏تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْْ‏}‏ ممن تعلمون أنهم أعداؤكم‏.‏ ْ‏{‏وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ‏}‏ ممن سيقاتلونكم بعد هذا الوقت الذي يخاطبهم الله به ْ‏{‏اللَّهُ يَعْلَمُهُم‏}‏ْ فلذلك أمرهم بالاستعداد لهم،ومن أعظم ما يعين على قتالهم بذلك النفقات المالية في جهاد الكفار‏.‏ ولهذا قال تعالى مرغبًا في ذلك‏:‏ ‏{‏وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّه‏}‏ِ قليلا كان أو كثيرًا ‏{‏يُوَفَّ إِلَيْكُمْ‏}‏ أجره يوم القيامة مضاعفًا أضعافًا كثيرة، حتى إن النفقة في سبيل اللّه، تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة‏.‏‏{‏وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا تنقصون من أجرها وثوابها شيئًا‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) الإعداد : اتخاذ الشيء لوقت الحاجة .

( من قوة ) أي : من الآلات التي تكون لكم قوة عليهم من الخيل والسلاح .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد ، أنا محمد بن عيسى الجلودي ، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، عن مسلم بن الحجاج ثنا هارون بن معروف ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث ، عن أبي علي ، ثمامة بن شفى أنه سمع عقبة بن عامر يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ، وهو على المنبر : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي " .

وبهذا الإسناد قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول " ستفتح عليكم الروم ويكفيكم الله - عز وجل - فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا أبو نعيم ، ثنا عبد الرحمن بن الغسيل ، عن حمزة بن أبي أسيد عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر حين صففنا لقريش وصفوا لنا : " إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، ثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، ثنا حميد بن زنجويه ، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، ثنا هشام الدستوائي عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي نجيح السلمي قال : حاصرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الطائف فسمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من بلغ بسهم في سبيل الله فهو له درجة في الجنة " ، قال : فبلغت يومئذ ستة عشر سهما .

وسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر " .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران ، أنا إسماعيل بن محمد الصفار ، ثنا أحمد بن منصور الرمادي ، ثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن يحيى بن كثير ، عن زيد بن سلام ، عن عبد الله بن زيد بن الأزرق عن عقبة بن عامر الجهني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة : صانعه ، والممد به ، والرامي به في سبيل الله " .

وروي عن خالد بن زيد عن عقبة بن عامر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة : صانعه يحتسب في صنعته الخير ، والرامي به ومنبله ، وارموا واركبوا ، وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ، كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق .

ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنه نعمة تركها أو قال كفرها " .

قوله : ( ومن رباط الخيل ) يعني : ربطها واقتناؤها للغزو .

وقال عكرمة : القوة الحصون ومن رباط الخيل الإناث .

وروي عن خالد بن الوليد أنه كان لا يركب في القتال إلا الإناث لقلة صهيلها .

وعن أبي محيريز قال : كان الصحابة رضي الله عنهم يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف وإناث الخيل عند البيات والغارات .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا أبو نعيم ، ثنا زكريا عن عامر ، ثنا عروة البارقي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ، الأجر والمغنم " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا علي بن حفص ، ثنا ابن المبارك ، ثنا طلحة بن أبي سعيد قال : سمعت سعيدا المقبري يحدث أنه سمع أبا هريرة يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا وتصديقا بوعده ، فإن شبعه ، وريه ، وروثه ، وبوله في ميزانه يوم القيامة " .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنبأنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " الخيل ثلاثة : لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وهي لرجل وزر ، فأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله ، فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها من ذلك المرج أو الروضة كان له حسنات ، ولو أنها قطعت طيلها ذلك فاستنت شرفا أو شرفين ، كانت آثارها وأرواثها حسنات له ، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ، ولم يرد أن يسقيها كان ذلك له حسنات ، فهي لذلك الرجل أجر ، وأما التي هي له ستر : فرجل ربطها تغنيا وتعففا ، ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها ، فهي له ستر ، وأما التي هي له وزر : فرجل ربطها فخرا ورياء ، ونواء لأهل الإسلام ، فهي على ذلك وزر " وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحمر فقال : " ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة : " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " ( ترهبون به ) تخوفون ( عدو الله وعدوكم وآخرين ) أي : وترهبون آخرين ، ( من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) قال مجاهد ومقاتل وقتادة : هم بنو قريظة .

وقال السدي : هم أهل فارس .

وقال الحسن وابن زيد : هم المنافقون ، لا تعلمونهم ، لأنهم معكم يقولون : لا إله إلا الله .

وقيل : هم كفار الجن .

( وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ) يوفى لكم أجره ، ( وأنتم لا تظلمون ) لا تنقص أجوركم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(وأعدوا لهم) لقتالهم (ما استطعتم من قوة) قال صلى الله عليه وسلم "" هي الرمي "" رواه مسلم (ومن رباط الخيل) مصدر بمعنى حبسها في سبيل الله (ترهبون) تخوفون (به عدو الله وعدوكم) أي كفار مكة (وآخرين من دونهم) أي غيرهم وهم المنافقون أو اليهود (لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم) جزاؤه (وأنتم لا تظلمون) تنقصون منه شيئا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأعدُّوا - يا معشر المسلمين - لمواجهة أعدائكم كل ما تقدرون عليه مِن عدد وعدة، لتُدْخلوا بذلك الرهبة في قلوب أعداء الله وأعدائكم المتربصين بكم، وتخيفوا آخرين لا تظهر لكم عداوتهم الآن، لكن الله يعلمهم ويعلم ما يضمرونه.

وما تبذلوا من مال وغيره في سبيل الله قليلا أو كثيرًا يخلفه الله عليكم في الدنيا، ويدخر لكم ثوابه إلى يوم القيامة، وأنتم لا تُنْقصون من أجر ذلك شيئًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر - سبحانه - المؤمنين باعداد وسائل القوة التى بها يصلون إلى النصر ، وغلى بعث الرعب فى قلوبهم أعدائهم .

.

فقال - عز وجل - : ( وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ .

.

.

) .وقوله : ( وَأَعِدُّواْ ) معطوف على ما قبله ، وهو من الإِعداد بمعنى تهيئة الشئ للمستقبل ، والخطاب لكافة المؤمنين .والرباط فى الأصل مصدر ربط ، أى شد ، ويطلق ، بمعنى المربوط مطلقا ، وكثر استعماله فى الخيل التى تربط فى سبيل الله ، فالإِضافة إما باعتبار عموم المفهوم الأصلى ، أو بملاحظة كون الربط مشتركا بين معان آخر كملازمة الثغور ، والمواظبة على الأمر ، فإضافته لأحد معانيه للبيان .قال صاحب الكشاف : والرباط : اسم للخيل التى تربط فى سبيل الله ، ويجوز أن يسمى بالرباط الذى هو بمعنى المرابطة ، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال - يقال نعم الربيط هذا ، لما يرتبط من الخيل .والمعنى : عليكم - أيها المؤمنون - أن تعدوا لقتال أعدائكم ما تستطيعون إعداه من وسائل القولة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها .وجاء - سبحانه - بلفظ ( قُوَّةٍ ) منكراً ، ليشمل كل ما يتقوى به فى الحرب كائنا ما كان .قال الجمل : وقوله ( مِّن قُوَّةٍ ) فى محل نصب على الحال ، وفى صاحبها وجهان : أحدهما أنه الموصول .

والثانى : أنه العائد عليه ، إذ التقدير ما استطعتموه حال كونه بعض القوة ، ويجوز أن تكون ( مِن ) لبيان الجنس .وقوله : ( وَمِن رِّبَاطِ الخيل ) معطوف على ما قبله من عطف الخاص على العام .أى : أعدوا لقتال أعدائكم ، ما أمكنكم من كل ما يتقوى به عليهم فى الحرب ، من نحو : حصون وقلاع وسلاح .

ومن رباط الخيل للغزو والجهاد فى سبيل الله .وخص رباط الخيل بالذكر من بين ما يتقوى به ، لمزيد فضلها وغنائها فى الحرب ، ولأن الخيل كانت الأداة الرئيسية فى القتال فى العهد النبوى ، وقوله : ( تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ ) بيان للمقصود من الأمر بإعداد ما يمكنهم إعداده من قوة .وقوله : ( تُرْهِبُونَ ) من الرهبة وهى مخافة مع ترحز واضطراب .والضمير المجرور - وهو قوله ( بِهِ ) - يعود إلى الإِعداد المأخوذ من قوله ( وَأَعِدُّواْ ) .أى : أعدوا ما استطعتم من قوة ، حال كونكم مرهبين بهذا الإِعداد عدو الله وعدوكم ، من كل كافر ومشرك ومنحرف عن طريق الحق ، وعلى رأس هؤلاء جميعا ، كفار مكة الذين أخرجوكم من دياركم بغير حق ، ويهود المدينة الذين لم يتركوا وسيلة للإِضرار بكم إلا فعلوها .وقوله ( وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ ) معطوف على ما قبله .أى : ترهبون بهذا الإِ عداد أعداء معروفين لكم - كمشركى مكة ويهود المدينة ، وترهبون به أيضاً أعداء آخرين غيرهم أنتم لا تعرفونهم لأنهم يخفون عداوتهم لكم ، ولكن الله - تعالى - الذى لا يخفى عليه شئ يعلمهم ، وسيحبط أعمالهم .وقد اختلف المفسرون فى المراد بهؤلاء الأعداء الذين عبر الله عنهم بقوله لا تعلمونهم الله يعلمهم ، فمنهم من قال : المراد بهم بنو قريظة ومنهم من قال : المراد بهم أهل فارس والروم .ورجح ابن جرير أن المراد بهم : كفار الجن .

.

لأن المؤمنين كانوا عالمين بمداراة بنى قريضة وفارس والروم لهم .

.

والمعنى ترهبون بذلك الإِعداد عدو الله وعدوكم من بنى آدم الذين علمتم عداوتهم ، وترهبون به جنسا آخر من غير بنى آدم لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم : الله يعلمهم دونكم ، لأن بنى آدم لا يرونهم .ورجح الفخر الرازى أن المراد بهم المنافقون ، قال : لأن المنافقين من عادته أن يتربص ظهور الآفات ، ويحتال فى إلقاء الإِفساد والتفريق بين المسلمين - بطرق قد لا تعرف ، فإذا شاهد كون المسلمين فى غاية القوة خافهم وترك الأفعال المذمومة .ولعل ما رجحه الفخر الرازى هو الأقرب إلى الصواب ، لأن عداوة المنافقين للمؤمنين كثيراً ما تكون خافية ، ويشهد لهذا قوله - تعالى - فى آية أخرى : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المدينة مَرَدُواْ عَلَى النفاق لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) ثم ختم - سبحانه الآية الكريمة بالدعوة إلى الإِنفاق فى سبيله ، وبشر المنفقين بسحن الجزاء فقال : ( وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ) .أى : ( وَمَا تُنفِقُواْ ) - أيها المؤمنون - ( مِن شَيْءٍ ) قل أو أكثر هذا المنفق ( فِي سَبِيلِ الله ) أى فى وجوه الخيرات التى من أجَلِّها الجهاد لإِعلاء كلمة الدين ( يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ) أى : يصل إليكم عوضه فى الدنيا وأجره فى الآخرة ( وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ) أى : لا تنقصون شيئاً من العوض أو الأجر .قال : والتعبير بالظلم - مع أن الأعمال غير موجبة للثواب حتى يكون ترك ترتيبه عليها ظلما - لبيان كمال نزاهته - سبحانه - عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه - تعالى - من القبائح ، وإبراز الإِثابة فى معرض الأمور الواجبة عليه - تعالى - .هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :1- وجوب إعداد القوة الحربية للدفاع عن الدين وعن الوطن وعن كل ما يجب الدفاع عنه ، لأن أعداء الإِسلام إذا ما علموا أن أتباعه أقواياء هابوهم ، وخافوا بأسهم ، ولم يجرؤوا على مهاجمتهم .قال القرطبى : وقوله - تعالى - ( وَأَعِدُّواْ لَهُمْ ) .

أمر الله المؤمنين بإعداد القوة للأعداء ، بعد أن أكد تقدمه التقوى .

فإن الله - تعالى - لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل فى وجوههم ، وبحفنة من تراب ، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن أراد أن يبتلى بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ .

.وقال بعض العلماء : دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة الحربية ، أتقاء بأس العدو وهجومه ، ولما عمل الأمراء بمقتضى هذه الآية أيام حضاره الإِسلام ، كان الإِسلام عزيزاً ، عظيماً ، أبى الضيم ، قوى القنا ، جليل الجاه ، وفير السنا ، إذ نشر لواء سلطته على منبسط الأرض ، فقبض على ناصية الأقطار والأمصار .أما اليوم فقد ترك المسلمون العمل بهذه الآية الكريمة ، ومالوا إلى النعيم والترف ، فأهملوا فرضاً من فروض الكفاية ، فأصحبت جميع الأمة آثمة بترك هذا الفرض ، ولذا تعانى اليوم من غصته ما تعانى .وكيف لا يطمع العدو فى بلاد الإِسلام ، وهو لا يرى فيها معامل للأسلحة ، وذخائر الحرب ، بل كلها مما يشترى من بلاط العدو؟أما آن لها أن تتنبه من غفلتها ، فتعد العدة التى أمر الله بها لأعدائه ، وتتلافى ما فرطت قبل أن يداهم العدو ما بقى منها بخيله ورجله .

.

؟إن القوة التى طلب الله من المؤمنين إعدادها لإرهاب الأعداء ، تتناول كل ما من شأنه أن يجعل المؤمنين أقوياء .

كإعداد الجيوش المدربة ، والأسلحة المتنوعة التى تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة .وما روى من تفسيره القوة - التى وردت فى الآية - بالرمى ، فإنما هو على سبيل المثال ، ولأن الرمى كان فى ذلك الوت أقوى ما يتقوى به .قال الفخر الرازى عند تفسيره للآية ، والمراد بالقوة هنا ما يكون سبباً لحصول القوة ، وذكروا فيه وجوها :الأول : المراد من القوة أنواح الأسلحة .الثانى : روى أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية على المنبر وقال : " ألا إن القوة الرمى " قالها ثلاثاً .الثالث : قال بعضهم : القوة هى الحصون .الرابع : قال أصحاب المعانى : الأولى أن يقال : هذا عام فى كل ما يتقوى به على حرب العدو ، ولك ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " القوة هى الرمى " لا ينفى كون غير الرمى معتبراً .

كما أن قوله - صلى الله عليه وسلم - " الحج عرفه " " والندم توبة " لا ينفى اعتبار غيره .

بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا هنا .وهذه الآية تدر على أن الاستعداد للجهاد بالنبل ، والسلاح ، وتعليم الفروسية ، والرمى فريضة إلا أنه من فرض الكفايات .إن رباط الخيل للجهاد فى سبيل الله فضله عظيم ، وثوابه كبير فقد كانت الخيل هى خير ما عرف العرب من وسائل الانتقال فى الحرب وأسرعها ، وما زالت الخيل لها قيمتها فى بعض أنواع الحروب .قال القرطبى ، فإن قيل : إن قوله ( وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ ) كان يكفى ، فلماذا خص الخيل بالذكر؟قيل له : إن الخيل لما كانت أصل الحرب وأوزارها الى عقد الخير فى نواصيها ، وهى أقوى القوة ، وأشد العدة ، وحصون الفرسان ، وبها يجال فى الميدان ، لما كانت كذلك خصها بالذكر تشريفاً ، وأقسم بغبارها تكريماً ، فقال : ( والعاديات ضَبْحاً ) وقال الإِمام ابن العربى : وأما رباط الخيل هو فضل عظيم ومنزلة شريفة .روى الأئمة عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :" الخيل ثلاثة ، لرجل ستر ، ولرجل أجر ، وعلى رجل وزر .

فأما الذى هى عليه وزر رجل ربطها رياء وفخراً ونواء لأهل الإِسلام - أى : مناوأة ومعاداة - فهى عليه وزر " .وأما الذى هى له أجر فرجل ربطها فى سبيل الله ، فأطال لها فى مرج أو روضة ، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شئ إلا كتب الله له عدد ما أكلت حسنات .

.وروى البخارى ومسلم عن جابر بن عبد الله قال : " رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلوى ناصية فرس بأصبعيه وهو يقول : " الخير معقود فى نواصى الخيل إلى يوم القيامة " " .4- أن المقصود من إعداد العدة فى الإِسلام إنما هو إرهاب الأعداء حتى لا يفكروا فى الاعتداء على المسلمين ، وحتى يعيش أتباع هذا الدين آمنين مطمئنين فى ديارهم ، وحتى يستطيعوا أن يبلغوا رسالة الله إلى خلقه من الناس دون أن يخشوا أحداً سواه - عز وجل .

.وليس المقصود بأعداد العدة إرهاب المسالمين ، أو العدوان على الآمنين ، أو القهر والإِذلال للناس واستغلالهم فيما يغضب الله - تعالى - .ولذلك وجدنا الآية صريحة فى بيان المقصود من هذا الإِعداد ، وهو - كما عبرت عنه ( تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ ) .وهناك آيات أخرى صريحة فى بيان سبب مشروعيته القتال فى الإِسلام ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تعتدوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين ) وقوله - تعالى - : ( وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدين للَّهِ فَإِنِ انتهوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين ) والخلاصة : أن من تتبع آيات القرآن الواردة فى القتال يجدها جميعها تقرر أن سبب القتال فى الإِسم ينحصر فى رد العدوان ، وحماية الدعوة الإِسلامية من التطاول عليها وتثبيت حرية العقدية ، وتطهير الأرض من الظلم والطغيان .5- وجوب الإِنفاق فى سبيل الله ، ومن أشرف وجوه الإِنفاق فى سبيل الله أن يبذل المسلم ما يستطيع بذله فى الجهاد الذى هو ذروة سنام الإِسلام ، والذى ما تركه قوم إلا ذلوا .

.

وألقوا بأنفسهم فى التهلكة .

.ولقد بشرت الآية الكريمة المنفقين فى سبيل الله ، بأنه - سبحانه - سيجازيهم على إنفاقهم جزاء وافيا لا نقص معه ولا ظلم .قال - تعالى - ( وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ) وفى الحديث الشريف الذى رواه الترمذى عن أبى يحيى قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من أنفق نفقة فى سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أوجب على رسوله أن يشرد من صدر منه نقض العهد، وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه النقض، أمره في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء الكفار.

قيل: إنه لما اتفق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة ولا عدة أمرهم الله أن لا يعودوا لمثله وأن يعدوا للكفار ما يمكنهم من آلة وعدة وقوة، والمراد بالقوة هاهنا: ما يكون سبباً لحصول القوة وذكروا فيه وجوهاً: الأول: المراد من القوة أنواع الأسلحة.

الثاني: روي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر وقال: ألا إن القوة الرمي قالها ثلاثاً.

الثالث: قال بعضهم: القوة هي الحصون.

الرابع: قال أصحاب المعاني الأولى أن يقال: هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو، وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة.

وقوله عليه الصلاة والسلام: «القوة هي الرمي» لا ينفي كون غير الرمي معتبراً، كما أن قوله عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة» و«الندم توبة» لا ينفي اعتبار غيره، بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا هاهنا، وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل والسلاح وتعليم الفروسية والرمي فريضة، إلا أنه من فروض الكفايات.

وقوله: ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ الرباط المرابطة أو جمع ربيط، كفصال وفصيل، ولا شك أن ربط الخيل من أقوى آلات الجهاد.

روي أن رجلاً قال لابن سيرين: إن فلاناً أوصى بثلث ماله للحصون.

فقال ابن سيرين: يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزى عليها، فقال الرجل إنما أوصى للحصون، فقال هي الخيل ألم تسمع قول الشاعر: ولقد علمت على تجنبي الردى *** إن الحصون الخيل لا مدر القرى قال عكرمة: ومن رباط الخيل الأناث وهو قول الفراء، ووجه هذا القول أن العرب تسمي الخيل إذا ربطت في الأفنية وعلفت ربطاً واحدها ربيط، ويجمع ربط على رباط وهو جمع الجمع، فمعنى الرباط هاهنا، الخيل المربوط في سبيل الله، وفسر بالإناث لأنها أولى ما يربط لتناسلها ونمائها بأولادها، فارتباطها أولى من ارتباط الفحول، هذا ما ذكره الواحدي.

ولقائل أن يقول: بل حمل هذا اللفظ على الفحول أولى، لأن المقصود من رباط الخيل المحاربة عليها، ولا شك أن الفحول أقوى على الكر والفر والعدو، فكانت المحاربة عليها أسهل، فوجب تخصيص هذا اللفظ بها، ولما وقع التعارض بين هذين الوجهين وجب حمل اللفظ على مفهومه الأصلي، وهو كونه خيلاً مربوطاً، سواء كان من الفحول أو من الإناث، ثم إنه تعالى ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء.

فقال: ﴿ ترهبون به عدو الله وعدوكم ﴾ وذلك أن الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد ومستعدين له مستكملين لجميع الأسلحة والآلات خافوهم، وذلك الخوف يفيد أموراً كثيرة: أولها: أنهم لا يقصدون دخول دار الإسلام.

وثانيها: أنه إذا اشتد خوفهم فربما التزموا من عند أنفسهم جزية.

وثالثها: أنه ربما صار ذلك داعياً لهم إلى الإيمان.

ورابعها: أنهم لا يعينون سائر الكفار.

وخامسها: أن يصير ذلك سبباً لمزيد الزينة في دار الإسلام.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ وَمِن ﴾ والمراد أن تكثير آلات الجهاد وأدواتها كما يرهب الأعداء الذين نعلم كونهم أعداء، كذلك يرهب الأعداء الذين لا نعلم أنهم أعداء، ثم فيه وجوه: الأول: وهو الأصح أنهم هم المنافقون، والمعنى: أن تكثير أسباب الغزو كما يوجب رهبة الكفار فكذلك يوجب رهبة المنافقين.

فإن قيل: المنافقون لا يخافون القتال فكيف يوجب ما ذكرتموه الإرهاب؟

قلنا: هذا الإرهاب من وجهين: الأول: أنهم إذا شاهدوا قوة المسلمين وكثرة آلاتهم وأدواتهم انقطع عنهم طمعهم من أن يصيروا مغلوبين، وذلك يحملهم على أن يتركوا الكفر في قلوبهم وبواطنهم ويصيروا مخلصين في الإيمان، والثاني: أن المنافق من عادته أن يتربص ظهور الآفات ويحتال في إلقاء الإفساد والتفريق فيما بين المسلمين، فإذا شاهد كون المسلمين في غاية القوة خافهم وترك هذه الأفعال المذمومة.

والقول الثاني: في هذا الباب ما رواه ابن جريج عن سليمان بن موسى قال: المراد كفار الجن.

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ وَمِن ﴾ فقال إنهم الجن.

ثم قال: إن الشيطان لا يخبل أحداً في دار فيها فرس عتيق وقال الحسن: صهيل الفرس يرهب الجن، وهذا القول مشكل، لأن تكثير آلات الجهاد لا يعقل تأثيره في إرهاب الجن.

والقول الثالث: أن المسلم كما يعاديه الكافر، فكذلك قد يعاديه المسلم أيضاً، فإذا كان قوي الحال كثير السلاح، فكما يخافه أعداؤه من الكفار، فكذلك يخافه كل من يعاديه مسلماً كان أو كافراً.

ثم إنه تعالى قال: ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيء فِي سَبِيلِ الله ﴾ وهو عام في الجهاد وفي سائر وجوه الخيرات ﴿ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ قال ابن عباس: يوف لكم أجره، أي لا يضيع في الآخرة أجره، ويعجل الله عوضه في الدنيا ﴿ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ أي لا تنقصون من الثواب، ولما ذكر ابن عباس هذا التفسير تلا قوله تعالى: ﴿ اتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مِن قُوَّةٍ ﴾ من كل ما يتقوى به في الحرب من عددها.

وعن عقبة بن عامر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: «ألا إن القوة الرمي» قالها ثلاثاً.

ومات عقبة عن سبعين قوساً في سبيل الله.

وعن عكرمة: هي الحصون، والرباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله.

ويجوز أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال وقرأ الحسن ﴿ ومن ربط الخيل ﴾ بضم الباء وسكونها جمع رباط.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَمِن رّبَاطِ الخيل ﴾ تخصيصاً للخيل من بين ما يتقوى به، كقوله: ﴿ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ [البقرة: 98] وعن ابن سيرين رحمه الله: أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله في الحصون؟

فقال: يشتري به الخيل، فترابط في سبيل الله ويغزي عليها، فقيل له: إنما أوصى في الحصون، فقال: ألم تسمع قول الشاعر: أَنَّ الْحُصُونَ الْخَيْلُ لاَ مَدَرُ الْقُرَى ﴿ تُرْهِبُونَ ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد وقرأ ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما ﴿ تخزون ﴾ والضمير في ﴿ بِهِ ﴾ راجع إلى ما استطعتم ﴿ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ ﴾ هم أهل مكة ﴿ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ هم اليهود، وقيل: المنافقون وعن السدي: هم أهل فارس، وقيل: كفرة الجن، وجاء في الحديث: «إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا داراً فيها فرس عتيق» وروي: أنّ صهيل الخيل يرهب الجن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأعِدُّوا ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿ لَهُمْ ﴾ لِناقِضِي العَهْدِ أوِ الكُفّارِ.

﴿ ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ﴾ مِن كُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ.

وَعَنْ عَقَبَةَ بْنِ عامِرٍ سَمِعْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ «ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ قالَها ثَلاثًا» ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أقْواهُ.

﴿ وَمِن رِباطِ الخَيْلِ ﴾ اسْمٌ لِلْخَيْلِ الَّتِي تُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أوْ مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ يُقالُ رَبَطَ رَبْطًا ورِباطًا ورابَطَ مُرابَطَةً ورِباطًا، أوْ جَمْعُ رَبِيطٍ كَفَصِيلٍ وفِصالٍ.

وقُرِئَ « رُبُطِ الخَيْلِ» بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِها جَمْعُ رِباطٍ وعَطْفُها عَلى القُوَّةِ كَعَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلى المَلائِكَةِ.

﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ ﴾ تُخَوِّفُونَ بِهِ، وعَنْ يَعْقُوبَ ﴿ تُرْهِبُونَ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ والضَّمِيرُ لِـ ﴿ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ أوْ لِلْإعْدادِ.

﴿ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ.

﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ.

قِيلَ هُمُ اليَهُودُ وقِيلَ المُنافِقُونَ وقِيلَ الفُرْسُ.

﴿ لا تَعْلَمُونَهُمُ ﴾ لا تَعْرِفُونَهم بِأعْيانِهِمْ.

﴿ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ يَعْرِفُهم.

﴿ وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ ﴾ جَزاؤُهُ.

﴿ وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ﴾ بِتَضْيِيعِ العَمَلِ أوْ نَقْصِ الثَّوابِ.

﴿ وَإنْ جَنَحُوا ﴾ مالُوا ومِنهُ الجَناحُ.

وقَدْ يُعَدّى بِاللّامِ وإلى.

﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ لِلصُّلْحِ أوِ الِاسْتِسْلامِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالكَسْرِ.

﴿ فاجْنَحْ لَها ﴾ وعاهِدْ مَعَهم وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ لِحَمْلِ السَّلْمِ عَلى نَقِيضِها فِيهِ.

قالَ: السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيَتْ بِهِ.

.

.

والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جَرَعُ وَقُرِئَ « فاجْنُحْ» بِالضَّمِّ.

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ﴾ ولا تَخْفَ مِن إبْطانِهِمْ خِداعًا فِيهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ مِن مَكْرِهِمْ ويُحِيقُهُ بِهِمْ.

﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ ﴾ لِأقْوالِهِمْ.

﴿ العَلِيمُ ﴾ بِنِيّاتِهِمْ.

والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأهْلِ الكِتابِ لِاتِّصالِها بِقِصَّتِهِمْ وقِيلَ عامَّةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وأعدوا} أيها المؤمنون {لهم} لنا قضى العهد أو لجميع الكفار

{مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ} من كل ما يتقوى به في الحرب من عددها وفي الحديث ألا إن القوة الرمي قالها ثلاثاً على المنبر وقيل هي الحصون {وَمِن رِّبَاطِ الخيل} هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله أو هو جمع ربيط كفصيل وفصال وخص الخيل من بين ما يتقوى به كقوله وَجِبْرِيلَ وميكال {تُرْهِبُونَ بِهِ} بما استطعتم {عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ} أى أهل مكة {وآخرين مِن دُونِهِمْ} غيرهم وهم اليهود أو المنافقون أو أهل فارس أو كفرة الجن وفى الحديث إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا دارا فيها فرس عتيق وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ} لا تعرفونهم بأعيانهم {الله يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شيء في سبيل الله يوف إليكم} يؤفي إليكم جزاؤه {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} في الجزاء بل تعطون على التمام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأعِدُّوا لَهُمْ ﴾ خِطابٌ لِكافَّةِ المُؤْمِنِينَ لَمّا أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِن وظائِفِ الكُلِّ أيْ أعِدُّوا لِقِتالِ الَّذِينَ نَبَذَ إلَيْهِمُ العَهْدُ وهَيِّئُوا لِحِرابِهِمْ كَما يَقْتَضِيهِ السِّباقُ أوْ لِقِتالِ الكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ وهو الأوْلى كَما يَقْتَضِيهِ ما بَعْدَهُ ﴿ ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ﴾ أيْ: مِن كُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ كائِنًا ما كانَ، وأطْلَقَ عَلَيْهِ القُوَّةَ مُبالَغَةً، وإنَّما ذُكِرَ هَذا لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ في بَدْرٍ اسْتِعْدادٌ تامٌّ فَنُبِّهُوا عَلى أنَّ النَّصْرَ مِن غَيْرِ اسْتِعْدادٍ لا يَتَأتّى في كُلِّ زَمانٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: تَفْسِيرُ القُوَّةِ بِأنْواعِ الأسْلِحَةِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الحُصُونُ والمَعاقِلُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّها ذُكُورُ الخَيْلِ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ وهُوَ عَلى المِنبَرِ: ”وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ قالَها ثَلاثًا“» والظّاهِرُ العُمُومُ إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَصَّ الرَّمْيَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أقْوى ما يُتَقَوّى بِها فَهو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ”«الحَجُّ عَرَفَةُ» .

وقَدْ مَدَحَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرَّمْيَ وأمَرَ بِتَعَلُّمِهِ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ، وجاءَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «كُلُّ شَيْءٍ مِن لَهْوِ الدُّنْيا باطِلٌ إلّا ثَلاثَةً؛ انْتِضالَكَ بِقَوْسِكَ وتَأْدِيبَكَ فَرَسَكَ ومُلاعَبَتَكَ أهْلَكَ فَإنَّها مِنَ الحَقِّ» وجاءَ في رِوايَةٍ أخْرَجَها النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ «كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فَهو لَغْوٌ وسَهْوٌ إلّا أرْبَعَ خِصالٍ؛ مَشْيَ الرَّجُلِ بَيْنَ الغَرَضَيْنِ، وتَأْدِيبَ فَرَسِهِ ومُلاعَبَتَهُ أهْلَهُ وتَعْلِيمَ السِّباحَةِ» وجاءَ أيْضًا «انْتَضِلُوا وارْكَبُوا وأنْ تَنْتَضِلُوا أحَبُّ إلَيَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيُدْخِلَ بِالسَّهْمِ الواحِدِ ثَلاثَةً الجَنَّةَ؛ صانِعَهُ مُحْتَسِبًا والمُعِينَ بِهِ والرّامِيَ بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى» .

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الرَّمْيَ بِالنِّبالِ اليَوْمَ لا يُصِيبُ هَدَفَ القَصْدِ مِنَ العَدُوِّ لِأنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا الرَّمْيَ بِالبُنْدُقِ والمَدافِعِ ولا يَكادُ يَنْفَعُ مَعَهُما نَبْلٌ وإذا لَمْ يُقابَلُوا بِالمِثْلِ عَمَّ الدّاءُ العُضالُ واشْتَدَّ الوَبالُ والنَّكالُ ومَلَكَ البَسِيطَةَ أهْلُ الكُفْرِ والضَّلالِ، فالَّذِي أرادَهُ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى تَعَيُّنُ تِلْكَ المُقابَلَةِ عَلى أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وحُماةِ الدِّينِ، ولَعَلَّ فَضْلَ ذَلِكَ الرَّمْيِ يَثْبُتُ لِهَذا الرَّمْيِ لِقِيامِهِ مَقامَهُ في الذَّبِّ عَنْ بَيْضَةِ الإسْلامِ، ولا أرى ما فِيهِ مِنَ النّارِ لِلضَّرُورَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ إلّا سَبَبًا لِلْفَوْزِ بِالجَنَّةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولا يَبْعُدُ دُخُولُ مِثْلِ هَذا الرَّمْيِ في عُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ﴾ ) .

﴿ ومِن رِباطِ الخَيْلِ ﴾ الرِّباطُ قِيلَ: اسْمٌ لِلْخَيْلِ الَّتِي تُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ فِعالَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أوْ مَصْدَرٌ سُمِّيَتْ بِهِ يُقالُ: رَبَطَ رَبْطًا ورِباطًا ورابَطَ مُرابَطَةً ورِباطًا.

واعْتَرَضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ إضافَةُ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ.

ورُدَّ بِأنَّ المُرادَ أنَّ الرِّباطَ بِمَعْنى المَرْبُوطِ مُطْلَقًا إلّا أنَّهُ اسْتُعْمِلَ في الخَيْلِ وخُصَّ بِها فالإضافَةُ بِاعْتِبارِ المَفْهُومِ الأصْلِيِّ، وأجابَ القُطْبُ بِأنَّ الرِّباطَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعانِي الخَيْلِ وانْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ والإقامَةِ عَلى جِهادِ العَدُوِّ بِالحَرْبِ، ومَصْدَرُ رابَطْتُ أيْ لازَمْتُ فَأُضِيفَ إلى أحَدِ مَعانِيهِ لِلْبَيانِ كَما يُقالُ: عَيْنُ الشَّمْسِ وعَيْنُ المِيزانِ، قِيلَ: ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ يَجُوزُ إضافَّةُ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ إذا كانَ مُشْتَرَكًا، وإذا كانَتِ الإضافَةُ مِن إضافَةِ المُطْلَقِ إلى المُقَيَّدِ فَهي عَلى مَعْنى مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ، وجُوُّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ رَبِيطٍ كَفَصِيلٍ وفِصالٍ أوْ جَمْعَ رَبْطٍ كَكَعْبٍ وكِعابٍ وكَلْبٍ وكِلابٍ، وعَنْ عِكْرِمَةَ تَفْسِيرُهُ بِإناثِ الخَيْلِ وهو كَتَفْسِيرِهِ القُوَّةَ بِما سَبَقَ قَرِيبًا بَعِيدٌ، وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ المُطابِقَ لِلرَّمْيِ أنْ يَكُونَ الرِّباطُ عَلى بابِهِ مَصْدَرًا، وعَلى تَفْسِيرِ القُوَّةِ بِالحُصُونِ يَتِمُّ التَّناسُبُ بَيْنَهُ وبَيْنَ رِباطِ الخَيْلِ لِأنَّ العَرَبَ سَمَّتِ الخَيْلَ حُصُونًا وهي الحُصُونُ الَّتِي لا تُحاصَرُ كَما في قَوْلِهِ: ولَقَدْ عَلِمْتُ عَلى تَجَنُّبِيَ الرَّدا أنَّ الحُصُونَ الخَيْلُ لا مَدَرُ القُرى وقالَ: وحِصْنِي مِنَ الأحْداثِ ظَهْرُ حِصانِي وقَدْ جاءَ مَدْحُها فِيما لا يُحْصى مِنَ الأخْبارِ وصَحَّ «الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .

وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ، والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ «لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ النِّساءِ مِنَ الخَيْلِ»، ومَيَّزَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْضَ أصْنافِها عَلى بَعْضٍ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ في حَدِيثٍ رَفَعَهُ «التَمِسُوا الحَوائِجَ عَلى الفَرَسِ الكُمَيْتِ الأرْثَمِ المُحَجَّلِ الثَّلاثِ المُطْلَقِ اليَدِ اليُمْنى» .

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يُمْنُ الخَيْلِ في شُقْرِها» .

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَكْرَهُ الشِّكالَ مِنَ الخَيْلِ» واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِهِ؛ فَفي النِّهايَةِ: الشِّكالُ في الخَيْلِ أنْ تَكُونَ ثَلاثُ قَوائِمَ مُحَجَّلَةً وواحِدَةٌ مُطْلَقَةً تَشْبِيهًا بِالشِّكالِ الَّذِي يُشْكَلُ بِهِ الخَيْلُ لِأنَّهُ يَكُونُ في ثَلاثِ قَوائِمَ غالِبًا وقِيلَ: هو أنْ تَكُونَ الواحِدَةُ مُحَجَّلَةً والثَّلاثُ مُطْلَقَةً، وقِيلَ: هو أنْ تَكُونَ إحْدى يَدَيْهِ وإحْدى رِجْلَيْهِ مِن خِلافٍ مُحَجَّلَتَيْنِ، وإنَّما كَرِهَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَفاؤُلًا لِأنَّهُ كالمَشْكُولِ صُورَةً، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُرِّبَ ذَلِكَ الجِنْسُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نَجابَةٌ، وقِيلَ: إذا كانَ مَعَ ذَلِكَ أغْرَبَ زالَتِ الكَراهَةُ لِزَوالِ شَبَهِ الشِّكالِ انْتَهى.

ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ حَدِيثَ الشَّعْبِيِّ يُشْكِلُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُخَصَّصُ عُمُومُهُ وأنَّ حَدِيثَ التَّفاؤُلِ غَيْرُ ظاهِرٍ، والظّاهِرُ التَّشاؤُمُ وقَدْ جاءَ: «إنَّما الشُّؤْمُ في ثَلاثٍ؛ في الفَرَسِ والمَرْأةِ والدّارِ» وحَمَلَهُ الطِّيبِيُّ عَلى الكَراهَةِ الَّتِي سَبَبُها ما في هَذِهِ الأشْياءِ مِن مُخالَفَةِ الشَّرْعِ أوِ الطَّبْعِ كَما قِيلَ: شُؤْمُ الدّارِ ضِيقُها وسُوءُ جِيرانِها وشُؤْمُ المَرْأةِ عُقْمُها وسَلاطَةُ لِسانِها، وشُؤْمُ الفَرَسِ أنْ لا يُغْزى عَلَيْها، لَكِنْ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في فَتْحِ المَطْلَبِ المَبْرُورِ: إنَّ حَدِيثَ التَّشاؤُمِ بِالمَرْأةِ والدّارِ والفَرَسِ قَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ: هَلْ هو عَلى ظاهِرِهِ أوْ مُؤَوَّلٌ؟

والمُخْتارُ أنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ وهو ظاهِرُ قَوْلِ مالِكٍ انْتَهى.

ولا يُعارِضُهُ ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «ذُكِرَ الشُّؤْمُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ إنْ كانَ الشُّؤْمُ في شَيْءٍ فَفي الدّارِ والمَرْأةِ والفَرَسِ» ”فَإنَّهُ لَيْسَ نَصًّا في اسْتِثْناءٍ نَقِيضِ المُقَدَّمِ وإنْ حَمَلَهُ عِياضٌ عَلى ذَلِكَ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «قَدْ كانَ فِيمَن قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ مُحَدِّثُونَ فَإنْ يَكُنْ في أُمَّتِي مِنهم أحَدٌ فَإنَّهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ» وقَدْ ذَكَرُوا هُناكَ أنَّ التَّعْلِيقَ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّأْكِيدِ والِاخْتِصاصِ ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ إنْ كانَ لِي صَدِيقٌ فَهو زَيْدٌ فَإنَّ قائِلَهُ لا يُرِيدُ بِهِ الشَّكَّ في صَداقَةِ زَيْدٍ بَلِ المُبالَغَةَ في أنَّ الصَّداقَةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِ لا تَتَخَطّاهُ إلى غَيْرِهِ ولا مَخْطُورَ في اعْتِقادِ ذَلِكَ بَعْدَ اعْتِقادِ أنَّ المَذْكُوراتِ أماراتٌ وأنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: وقَرَأ الحَسَنُ ( ومِن رُبُطِ الخَيْلِ ) بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِها جَمْعُ رِباطٍ، وعُطِفَ ما ذُكِرَ عَلى القُوَّةِ بِناءً عَلى المَعْنى الأوَّلِ لَها لِلْإيذانِ بِفَضْلِها عَلى سائِرِ أفْرادِها كَعَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكالَ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ( ﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ ﴾ ) أيْ تُخَوِّفُونَ بِهِ، وعَنِ الرّاغِبِ أنَّ الرَّهْبَةَ والرَّهْبَ مَخافَةٌ مَعَ تَحَرُّزٍ واضْطِرابٍ وعَنْ يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ ( تُرَهِّبُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ ( تُخْزُونَ ) والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِما اسْتَطَعْتُمْ أوْ لِلْإعْدادِ وهو الأنْسَبُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ أعِدُّوا أيْ أعِدُّوا مُرْهِبِينَ بِهِ، أوْ مِنَ المَوْصُولِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، أوْ مِن عائِدَةِ المَحْذُوفِ أيْ أعِدُّوا ما اسْتَطَعْتُمُوهُ مُرْهِبًا بِهِ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى عَدَمِ تُعَيُّنِ القِتالِ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِضَرْبِ الجِزْيَةِ ونَحْوِهِ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى إرْهابِ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ ( ﴿ عَدُوَّ اللَّهِ ﴾ ) المُخالِفِينَ لِأمْرِهِ سُبْحانَهُ ( ﴿ وعَدُوَّكُمْ ﴾ ) المُتَرَبِّصِينَ بِكُمُ الدَّوائِرَ، والمُرادُ بِهِمْ عَلى ما ذَكَرَهُ جَمْعُ أهْلِ مَكَّةَ وهم في الغايَةِ القُصْوى مِنَ العَداوَةِ، وقِيلَ: المُرادُ هم وسائِرُ كُفّارِ العَرَبِ ( ﴿ وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ ) أيْ: مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هم بَنُو قُرَيْظَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: وابْنُ زَيْدٍ: هُمُ المُنافِقُونَ، وقالَ السُّدِّيُّ: هم أهْلُ فارِسَ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، وجَماعَةٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَرِيبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «هُمُ الجِنُّ ولا يَخْبِلُ الشَّيْطانُ إنْسانًا في دارِهِ فَرَسٌ عَتِيقٌ» ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ وإذا صَحَّ الحَدِيثُ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا تَعْلَمُونَهُمُ ﴾ أيْ لا تَعْرِفُونَهم بِأعْيانِهِمْ ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ لا غَيْرَ في غايَةِ الظُّهُورِ ولَهُ وجْهٌ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وإطْلاقُ العِلْمِ عَلى المَعْرِفَةِ شائِعٌ وهو المُرادُ هُنا كَما عَرِفْتَ، ولِذا تَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإطْلاقُ العِلْمِ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى لا يَضُرُّ.

نَعَمْ مَنَعَ الأكْثَرُ إطْلاقَ المَعْرِفَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وجَوَّزَهُ البَعْضُ بِناءً عَلى إطْلاقِ العارِفِ عَلَيْهِ تَعالى في“ نَهْجِ البَلاغَةِ " وفِيهِ بَحْثٌ، وبِالجُمْلَةِ لا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ الإطْلاقَ هُنا لِلْمُشاكَلَةِ لِما قَبْلَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العِلْمُ عَلى أصْلِهِ ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ لا تَعْلَمُونَهم مُعادِينَ أوْ مُحارِبِينَ لَكم بَلِ اللَّهُ تَعالى يَعْلَمُهم كَذَلِكَ وهو تَكَلُّفٌ، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ المَعْنى لا تَعْلَمُونَهم كَما هم عَلَيْهِ مِنَ العَداوَةِ وقالَ: إنَّهُ الأنْسَبُ بِما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مِنَ الحَصْرِ نَظَرًا إلى تَعْلِيقِ المَعْرِفَةِ بِالأعْيانِ لِأنَّ أعْيانَهم مَعْلُومَةٌ لِغَيْرِهِ تَعالى أيْضًا وهو مُسَلَّمٌ نَظَرًا إلى تَفْسِيرِهِ، وأمّا الِاحْتِياجُ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ النَّبِيِّ  فَفِيهِ تَرَدُّدٌ.

﴿ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ ﴾ جَلَّ أوْ قَلَّ ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وهي وُجُوهُ الخَيْرِ والطّاعَةِ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ النَّفَقَةُ في الإعْدادِ السّابِقِ والجِهادِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وبَعْضُهم خَصَّصَ اعْتِبارًا لِلْمَقامِ ( ﴿ يُوَفَّ إلَيْكُمْ ﴾ ) أيْ يُؤَدّى بِتَمامِهِ والمُرادُ يُؤَدّى إلَيْكم جَزاؤُهُ فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ أوِ التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ ( ﴿ وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ﴾ ) بِتَرْكِ الإثابَةِ أوْ بِنَقْصِ الثَّوابِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ بِالظُّلْمِ مَعَ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَما مَرَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، يعني: السلاح.

وروى عقبة بن عامر أن النبي  قرأ على المنبر: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ قال: «أَلاَ إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ» ثلاثاً.

وفي خبر آخر زيادة: «لَهْوَ المُؤْمِنِ فِي الخَلاءِ وَقُوَّتُهُ عِنْدَ القِتَالِ» .

وروي عن عكرمة قال أي ثلاثا: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ قال: الحصون.

وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ، قال: الإناث من الخيل.

ثم قال: تُرْهِبُونَ بِهِ، يعني: تخوفون بالسلاح عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ، يعني: كفار العرب، وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ، يعني: بني قريظة.

لاَ تَعْلَمُونَهُمُ، يعني: لا تعرفونهم.

اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ، يعني: يعرفهم ويعرفكم، فأعدوا لهم أيضا.

وقال مقاتل: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ أي: من دون كفار العرب، يعني: اليهود.

وقال السدي: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ أهل فارس.

ثم قال: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: السلاح والخيل.

يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ثوابه.

وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ، أي: لا تنقصون من ثواب أعمالكم.

ويقال: إن الجن لا يدخل في بيت فيه قوس وسهام.

قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ، يقول: إن أرادوا الصلح ومالوا إليه، فَاجْنَحْ لَها يعني: مل إليها وأرده يعني: صالحهم.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ بالكسر، وقرأ الباقون بالنصب.

وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، يعني: ثق بالله وإن نقضوا العهد والصلح، فإني أنصرك ولا أخذلك.

إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، يعني السَّمِيعُ بمقالتهم، الْعَلِيمُ بنقض العهد.

قال الفقيه: إنما يجوز الصلح إذا لم يكن للمسلمين قوة القتال، فأما إذا كان للمسلمين قوة فلا ينبغي أن يصالحوهم، وينبغي أن يقاتلوهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية إن لم يكونوا من العرب.

وإنّما لم توضع الجزية على العرب وتوضع على غير العرب، حتى لا تبقى بقية الكفر في أنساب النبيّ  ، لأن العرب كلهم من نسبه، ولا توضع حتى يسلموا أو يقتلوا.

وإنما أمر الله تعالى نبيه بالصلح، حين كانت الغلبة للمشركين، وكانت بالمسلمين قلة.

ثم قال الله تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ بالصلح، يعني: يهود بني قريظة أرادوا أن يصالحوك لتكف عنهم، حتى إذا جاء مشركو العرب أعانوهم عليك.

قال الله تعالى: فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، يعني: إن أرادوا إن يخدعوك، حسبك الله بالنصرة لك.

هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ، وأعانك وقواك بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، يعني: الأنصار وهم قبيلتان: الأوس والخزرج.

قوله تعالى: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، يعني: ليّن قلوبهم من العداوة التي كانت بين الأوس والخزرج في الجاهلية.

لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، يعني: ما قدرت أن تؤلف بينهم، وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ بالإسلام.

إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ حكم بالألفة بين الأنصار بعد العداوة، وحكم بالنصر على أعدائه.

وروى أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: «نزلت هذه الآية في المتحابين في الله» لَوْ أَنْفَقْتَ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ وقال عبد الله: «المؤمن متألف يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

طَرِّدْ، وأبْعِدْ، وخَوِّف.

والشريدُ: المبعد عن وطَنٍ ونحوه، ومعنى الآية: فإِن أَسَرْتَ هؤلاءِ الناقضين في حربك لهم، فافعل بهم من النقمة ما يكُونُ تشريداً لمن يأتي خلْفَهم في مثْلِ طريقتهم، وعبارةُ البخاريِّ: «فَشَرَّدْ» فَرَّقَ.

انتهى.

والضمير في لَعَلَّهُمْ عائدٌ على الفرقة المشرَّدة، وقال ابن عباس: المعنى: نكِّل بهم مَنْ خلفهم «١» .

وقالَتْ فرقة: معناه: سَمِّعْ بهم، والمعنَى متقارب، ومعنى: خَلْفَهُمْ أي: بعدهم، ويَذَّكَّرُونَ، أيْ: يتعظون.

وقوله سبحانه: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً ...

الآية: قال أكثر المفسِّرين: إِن الآية في بني قُرَيْظة، والذي يظهر من ألفاظ الآية أنَّ أَمْرَ بني قريظة قد انقضى عند قوله: فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ، ثم ابتدأ تبارَكَ وتعالَى في هذه الآية بما يَصْنَعُهُ في المستقبل، مع مَنْ يخافُ منه خيانةً إِلى آخر الدهر، وبَنُو قريظة لم يَكُونوا في حَدِّ مَنْ تُخَافُ خيانته، وقوله: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ، أي: أَلْقِ إِليهم عَهْدهم، وقوله: عَلى سَواءٍ، قيل: معناه: حتى يكونَ الأمْرُ في بيانِهِ والْعِلْمِ به، على سواءٍ منْكَ ومنهم فتكُونُونَ في استشعار الحَرْب سواءً، وذَكَرَ الفَرَّاء أن المعنَى: فانبذ إليهم على اعتدال وسواءٍ من الأمر، أي: بَيِّنْ لهم على قَدْر ما ظهر منهم، لا تُفَرِّطْ، ولا تَفْجَأْ بحربٍ، بل افعل بهم مِثْلَ ما فعلوا بك، يعني: موازنةً ومقايسةً، وقرأ نافع وغيره: «وَلاَ تَحْسَبَنَّ» - بالتاء- مخاطبةً للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وسَبَقُوا: معناه: فَاتُوا بأنفسهم وأنْجَوْهَا، إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ أي: لا يُفْلِتُونَ، ولا يُعْجِزُونَ طالبهم، ورُوِيَ أن الآية نزلَتْ فيمن أَفْلَتَ من الكفَّار في بَدْرٍ وغيره فالمعنى: لا تظنَّهم نَاجِينَ، بل هم مُدْرَكُون، وقرأ حمزة وغيره: «ولا يحسبنّ» - بالياء من تحت، وبفتح السين «٢» .

وقوله سبحانه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا/ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ...

الآية: المخاطبةُ في هذه الآية لجميع المؤمنين، وفي «صحيحِ مُسْلِمْ» : «أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» «١» ولما كانت الخيلُ هي أصْل الحرب، وأَوزَارَهَا، والتي عُقِدَ الخيرُ في نواصيها «٢» ، خَصَّها اللَّه تعالى بالذكْرِ، تشريفاً لها، ولما كانت السهامُ من أنجع ما يتعاطى

في الحرب وأَنْكَاه في العدو وأَقْربه تناولاً للأرواح، خصّها صلّى الله عليه وسلّم بالذكر والتنبيه عليها.

ت: وفي «صحيح مسلم» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ، وَتَرَكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، أَو قَدْ عَصَى» «١» ، وفي «سنن أبي داودَ، والترمذيِّ، والنسائيِّ» ، عن عُقْبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخلُ بالسَّهْم الوَاحِدِ ثَلاَثَةَ أَنُفُسٍ الجَنَّة صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ، فارموا واركبوا، وأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَن تَرْكَبُوا، كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ، بَاطِلٌ إِلاَّ رَمْيَهَ بَقْوسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلاَعَبَتَهُ امرأته» «٢» .

انتهى.

ورباطُ الخيل: مصدَرٌ مِنْ رَبَط، ولا يكثُرُ رَبْطُها إِلاَّ وهي كثيرة، ويجوز أن يكون

مصدراً من رَابَطَ، وإِذا رَبَطَ كلُّ واحد من المؤمنين فرساً لأجل صاحبه، فقد حَصَلَ بينهم رباطٌ، وذلك الذي حضَّ عليه في الآية، وقد قال عليه السلام: «مَنْ ارتبط فَرَساً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ كَالبَاسِطِ يَدَهُ بِالصَّدَقَةِ لاَ يَقْبِضُهَا» «١» ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ.

ت: وقد ذكرنا بعْضَ ما وردَ في فَضْلِ الرباط في آخر «آل عمران» قال صاحبُ «التذكرة» «٢» : وعن عثمانَ بْنِ عَفَّانَ، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «مَنْ رَابَطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَتْ لَهُ كَأَلْفِ لَيْلَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهِا» «٣» ، وعن أبي بن كعب، قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان- أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صيامها وَقِيَامِهَا، وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ المُسْلِمينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَان- أَفْضَلُ عند الله وأعظم أجرا- أراه قال: من عِبَادَةِ أَلْفِيْ سَنَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا- فَإِنْ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِهِ سالِماً، لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ أَلْفَ سَنَةٍ، ويُكْتَبُ لَهُ مِنَ الحَسَنَاتِ، وَيَجْرِي لَهُ أَجْرُ الرِّبَاطِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» «٤» ، قال القرطبيُّ»

في «تذكرته» : فدلَّ هذا الحديثُ على أن رباط يومٍ في رمضانَ يحصِّل له هذا الثوابَ الدائمَ، وإِنْ لم يَمُتْ مرابطاً.

خرَّج هذا الحديث، والذي قبله ابنُ ماجه.

انتهى من «التذكرة» .

وتُرْهِبُونَ: معناه: تخوّفون وتفزّعون، والرهبة: الخوف: وقوله:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ﴾ في المُرادِ بِالقُوَّةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الرَّمْيُ، رَواهُ عَقَبَةُ بْنُ عامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقالَ الحَكَمُ بْنُ أبانَ: هي النُّبْلُ.

والثّانِي: ذُكُورُ الخَيْلِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: السِّلاحُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ كُلُّ ما يُتَقَوّى بِهِ عَلى حَرْبِ العَدُوِّ مِن آَلَةِ الجِهادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن رِباطِ الخَيْلِ ﴾ يَعْنِي رَبْطَها واقْتِناءَها لَلْغَزْوِ؛ وهو عامٌّ في الذُّكُورِ والإناثِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.

وكانَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "وَمِن رِباطِ الخَيْلِ" إناثُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ ﴾ رَوى رُوَيْسٌ، وعَبْدُ الوارِثِ "تُرْهِبُونَ" بِفَتْحِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الهاءِ، أيْ: تُخِيفُونَ وتُرْعِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم، وهم مُشْرِكُو مَكَّةَ وكُفّارُ العَرَبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ أيْ مِن دُونِ كُفّارِ العَرَبِ.

واخْتَلَفُوا فِيهِمْ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الجِنُّ.

رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: "هُمُ الجِنُّ، وإنَّ الشَّيْطانَ لا يَخْبِلُ أحَدًا في دارِهِ فَرَسٌ عَتِيقٌ" .» والثّانِي: أنَّهم بَنُو قُرَيْظَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أهْلُ فارِسٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: اليَهُودُ، قالَهُ مُقاتِلٌ: <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وعَدُوَّكم وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهِ يَعْلَمُهم وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلى اللهِ إنَّهُ هو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ المُخاطَبَةُ في هَذِهِ الآيَةِ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يُنْبَذُ إلَيْهِمُ العَهْدُ، أو عَلى الَّذِينَ لا يُعْجِزُونَ عَلى تَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَ ذَلِكَ في الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعِيدَهُ عَلى جَمِيعِ الكُفّارِ المَأْمُورِ بِحَرْبِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ الآيَةُ في الأُمَّةِ عامَّةً، إذِ الأمْرُ قَدْ تَوَجَّهَ بِحَرْبِ جَمِيعِ الكُفّارِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: القُوَّةُ: ذُكُورُ الخَيْلِ، والرِباطُ: الإناثُ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: القُوَّةُ: الرَمْيُ، واحْتَجَّتْ بِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "ألا إنَّ القُوَّةَ الرَمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَمْيُ"»، وقالَ السُدِّيُّ: القُوَّةُ: السِلاحُ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى عُمُومِ اللَفْظَةِ، وذَكَرَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ رُئِيَ يَتَجَهَّزُ وعِنْدَهُ جَوالِقُ فَقالَ: هَذا مِنَ القُوَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الصَوابُ، والخَيْلُ والمَرْكُوبُ في الجُمْلَةِ والمَحْمُولُ عَلَيْهِ مِنَ الحَيَوانِ والسِلاحِ كُلِّهِ والمَلابِسُ الباهِيَةُ والآلاتُ والنَفَقاتُ كُلُّها داخِلَةٌ في القُوَّةِ، وأُمِرَ المُسْلِمُونَ بِإعْدادِ ما اسْتَطاعُوا مِن ذَلِكَ، ولَمّا كانَتِ الخَيْلُ هي أصْلَ الحُرُوبِ وأوزارَها والَّتِي عُقِدَ الخَيْرُ في نَواصِيها، وهي أقْوى القُوى وحُصُونُ الفُرْسانِ خَصَّها اللهُ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ  ﴾ ، وعَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ  : "جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، هَذا في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، وقالَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: « "جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وتُرابُها طَهُورًا"»، فَذَكَرَ التُرابَ عَلى جِهَةِ التَحَفِّي بِهِ، إذْ هو أعْظَمُ أجْزاءِ الأرْضِ مَعَ دُخُولِهِ في عُمُومِ الحَدِيثِ الآخَرِ، ولَمّا كانَتِ السِهامُ مِن أنْجَعِ ما يُتَعاطى في الحَرْبِ وأنْكاهُ في العَدُوِّ وأقْرَبِهِ تَناوُلًا لِلْأرْواحِ خَصَّها رَسُولُ اللهِ  بِالذِكْرِ والتَنْبِيهِ عَلَيْها، وقَدْ رُوِيَ عنهُ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يُدْخِلُ بِالسَهْمِ الواحِدِ الثَلاثَةَ مِنَ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ، صانِعَهُ والَّذِي يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ والَّذِي يَرْمِي بِهِ"»، وقالَ عَمْرُو بْنُ عنبَسَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ  يَقُولُ: « "مَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللهِ أصابَ العَدُوَّ أو أخْطَأ فَهو كَعِتْقِ رَقَبَةٍ"»، وقالَ رَسُولُ اللهِ  : « "ارْمُوا وارْكَبُوا، وأنْ تَرْمُوا أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ تَرْكَبُوا"».

ورِباطُ الخَيْلِ جَمْعُ رَبْطٍ كَكَلْبٍ وكِلابٍ، ولا يَكْثُرُ رَبْطُها إلّا وهي كَثِيرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرِباطُ مَصْدَرًا مِن رَبَطَ، كَصاحَ صِياحًا ونَحْوِهِ، لِأنَّ مَصادِرَ الثُلاثِيِّ غَيْرِ المَزِيدِ لا تَنْقاسُ، وإنْ جَعَلْناهُ مُصْدَرًا مِن رابَطَ فَكَأنَّ ارْتِباطَ الخَيْلِ واتِّخاذَها يَفْعَلُهُ كُلُّ واحِدٍ لِفِعْلِ آخَرَ لَهُ فَتَرابَطَ المُؤْمِنُونَ بَعْضُهم بَعْضًا.

فَإذا رَبَطَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَرَسًا لِأجْلِ صاحِبِهِ فَقَدْ حَصَلَ بَيْنَهم رِباطٌ، وذَلِكَ الَّذِي حَضَّ في الآيَةِ عَلَيْهِ، وقَدْ قالَ  : « "مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا في سَبِيلِ اللهِ فَهو كالباسِطِ يَدَهُ بِالصَدَقَةِ لا يَقْبِضُها"»، والأحادِيثُ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وأبُو حَيَوَةَ: "وَمِن رُبُطِ" بِضَمِّ الراءِ والباءِ، وهو جَمْعُ رِباطٍ كَكِتِابٍ وكُتُبٍ، كَذا نَصَّهُ المُفَسِّرُونَ، وفي جَمْعِهِ وهو مَصْدَرٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ نَظَرٌ.

و ﴿ تُرْهِبُونَ ﴾ مَعْناهُ: تُفْزِعُونَ وتُخَوِّفُونَ، والرَهْبَةُ: الخَوْفُ، قالَ طُفَيْلٌ الغَنَوِيُّ: ويْلُ أمِّ حَيٍّ دَفَعْتُمْ في نُحُورِهِمْ ∗∗∗ بَنِي كِلابٍ غَداةَ الرُعْبِ والرَهْبِ ومِنهُ راهِبُ النَصارى، يُقالُ: رَهِبَ إذا خافَ، فَـ "تُرْهِبُونَ" مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: "تُرَهِّبُونَ" بِفَتْحِ الراءِ وشَدِّ الهاءِ مَعْدًّى بِالتَضْعِيفِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وزَعَمَ عَمْرٌو أنَّ الحَسَنَ قَرَأ: "يُرْهِبُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ وخَفَّفَها، فَهو عَلى هَذا تَعَدّى بِالتَضْعِيفِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: "تُخْزُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ذَكَرَها الطَبَرِيُّ تَفْسِيرًا لا قِراءَةً، وأثْبَتَها أبُو عَمْرٍو الدانِي قِراءَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَدُوَّ اللهِ وعَدُوَّكُمْ ﴾ ذَكَرَ الصِفَتَيْنِ وإنْ كانَتْ مُتَقارِبَةً إذْ هي مُتَغايِرَةُ المَعْنى، وبِذِكْرِهِما يَتَقَوّى الذَمُّ وتَتَّضِحُ وُجُوهِ بُغْضِنا لَهُمْ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "عَدُوًّا لِلَّهِ" بِتَنْوِينِ "عَدُوٍّ" وبِلامٍ في المَكْتُوبَةِ، والمُرادُ بِهاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ مَن قَرُبَ وصاقَبَ مِنَ الكُفّارِ وكانَتْ عَداوَتُهُ مُتَحَرِّكَةً بَعْدُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها جَمِيعُ الكُفّارِ، ويُبَيَّنَ هَذا مِنِ اخْتِلافِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ الآيَةُ، قالَ مُجاهِدٌ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَآخَرِينَ ﴾ إلى قُرَيْظَةَ، وقالَ السُدِّيُّ: إلى أهْلِ فارِسَ، وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ إلى المُنافِقِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى الجِنِّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم كُلُّ عَدُوٍّ لِلْمُسْلِمِينَ غَيْرَ الفِرْقَةِ الَّتِي أمَرَ النَبِيُّ  أنْ يُشَرِّدَ بِهِمْ مَن خَلْفَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الخِلافُ إنَّما يَنْبَغِي أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى ما يَتَوَجَّهُ مِنَ المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ لا تَعْلَمُونَهُمُ ﴾ ، فَإذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿ لا تَعْلَمُونَهُمُ ﴾ عَلى عُمُومِهِ، ونَفَيْنا عِلْمَ المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الفِرْقَةِ المُشارِ إلَيْها جُمْلَةً واحِدَةً، وكانَ العِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ لَمْ يَثْبُتْ مِنَ الخِلافِ في قَوْلِهِ: "وَآخَرِينَ" إلّا قَوْلُ مَن قالَ: "الإشارَةُ إلى المُنافِقِينَ"، وقَوْلُ مَن قالَ: "الإشارَةُ إلى الجِنِّ"، وإذا جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿ لا تَعْلَمُونَهُمُ ﴾ مَجازًا بَيِّنًا أو نَحْوَ هَذا مِمّا تُفِيدُ بِهِ نَفْيَ العِلْمِ عنهم حَسُنَتِ الأقْوالُ، وكانَ العِلْمُ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا الوَجْهُ أشْبَهُ عِنْدِي، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ أنَّ الإشارَةَ إلى الجِنِّ، وأسْنَدَ في ذَلِكَ ما رُوِيَ مِن أنَّ صَهِيلَ الخَيْلِ يُنَفِّرُ الجِنَّ، وأنَّ الشَيْطانَ لا يَدْخُلُ دارًا فِيها فَرَسٌ لِلْجِهادِ، ونَحْوُ هَذا، وفِيهِ -عَلى احْتِمالِهِ- نَظَرٌ، وكانَ الأهَمَّ في هَذِهِ الآياتِ أنْ يَبْرُزَ مَعْناها في كُلِّ ما يُقَوِّي المُسْلِمِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ مِنَ الإنْسِ وهُمُ المُحارِبُونَ والَّذِينَ يُدافِعُونَ عَلى الكُفْرِ، ورَهْبَتُهم مِنَ المُسْلِمِينَ هي النافِعَةُ لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ، ورَهْبَةُ الجِنِّ فَزَعُهم لا غِناءَ لَهُ في ظُهُورِ الإسْلامِ، وهو أجْنَبِيٌّ جِدًّا، والأولى أنْ يُتَأوَّلَ أنَّ المُسْلِمِينَ إذا ظَهَرُوا وعَزُّوا هابَهم مَن جاوَرَهم مِنَ العَدُوِّ المُحارِبِ لَهُمْ، فَإذا اتَّصَلَتْ حالُهم تِلْكَ بِمَن بَعُدَ مِنَ الكُفّارِ داخَلَتْهُ الهَيْبَةُ وإنْ لَمْ يَقْصِدِ المُسْلِمُونَ إرْهابَهُمْ، فَأُولَئِكَ هُمُ الآخَرُونَ.

ويَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ قَوْلُهُ: ﴿ لا تَعْلَمُونَهُمُ ﴾ بِمَعْنى: "لا تَعْلَمُونَهم فازِعِينَ راهِبَيْنِ ولا تَظُنُّونَ ذَلِكَ بِهِمْ، واللهُ تَعالى يَعْلَمُهم بِتِلْكَ الحالَةِ"، ويَحْسُنُ أيْضًا أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى المُنافِقِينَ عَلى جِهَةِ الطَعْنِ عَلَيْهِمْ، والتَنْبِيهِ عَلى سُوءِ حالِهِمْ، ولِيَسْتَرِيبَ بِنَفْسِهِ كُلُّ مَن يَعْلَمُ مِنها نِفاقًا إذا سَمِعَ الآيَةَ، ولِفَزَعِهِمْ ورَهْبَتِهِمْ غِناءٌ كَثِيرٌ في ظُهُورِ الإسْلامِ وعُلُوِّهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن دُونِهِمْ ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: دُونَ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ، فَـ "دُونَ" في كَلامِ العَرَبِ و"مِن دُونِ" يَقْتَضِي عَدَمَ المَذْكُورِ بَعْدَها مِنَ النازِلَةِ الَّتِي هي فِيها القَوْلُ، ومِنهُ المَثَلُ: "وَأُمِرَّ دُونَ عُبَيْدَةَ الوَذَمُ".

تَفَضَّلَ تَبارَكَ تَعالى بِعِدَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى إنْفاقِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ بِأنَّ النَفَقَةَ لا بُدَّ أنْ تُوَفّى، أيْ أنْ تُجازى ويُثابَ عَلَيْها، ولُزُومُ هَذا هو في الآخِرَةِ، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُجازِيَ اللهُ تَعالى بَعْضَ المُؤْمِنِينَ في الدُنْيا مُجازاةً مُضاعَفَةً إلى مُجازاةِ الآخِرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "جَنَحُوا" هو لِلَّذِينِ نُبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، وجَنَحَ الرَجُلُ إلى الأمْرِ إذا مالَ إلَيْهِ وأعْطى يَدَهُ فِيهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأضْلاعِ: جَوانِحُ لِأنَّها مالَتْ عَلى الحَشْوَةِ، ولِلْخِباءِ: جَناحٌ، وجَنَحَتِ الإبِلُ: إذا مالَتْ أعْناقُها في السَيْرِ، وقالَ ذُو الرُمَّةِ: إذا ماتَ فَوْقَ الرَحْلِ أحْيَيْتُ رُوحَهُ ∗∗∗ بِذِكْراكِ والعِيسُ المَراسِيلُ جُنَّحُ وجَنَحَ اللَيْلُ إذا أقْبَلَ وأمالَ أطْنابَهُ عَلى الأرْضِ.

ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:.

جَوانِحُ قَدْ أيْقَنَّ أنَّ قَبِيلَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا ما التَقى الجَمْعانِ أوَّلُ غالِبِ أيْ مَوائِلُ.

وقالَ لَبِيدٌ: جُنُوحُ الهالِكِيِّ عَلى يَدَيْهِ ∗∗∗ ∗∗∗ مُكِبًّا يَجْتَلِي نُقَبَ النِصالِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِلسَّلْمِ" بِفَتْحِ السِينِ وشَدِّها، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ بَكْرٍ: "لِلسِّلْمِ" بِكَسْرِها وشَدِّها، وهُما لُغَتانِ في المُسالَمَةِ.

ويُقالُ أيْضًا: "السَلَمُ" بِفَتْحِ السِينِ واللامِ، ولا أحْفَظُها قِراءَةً.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فاجْنَحْ" بِفَتْحِ النُونِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ: "فاجْنُحْ" بِضَمِّ النُونِ، وهي لُغَةُ قَيْسٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذِهِ القِراءَةُ هي القِياسُ، لِأنَّ فَعَلَ إذا كانَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ فَمُسْتَقْبَلُهُ.

يَفْعُلُ بِضَمِّ العَيْنِ أقِيسُ، قَعَدَ يَقْعُدُ أقِيسُ مَن جَلَسَ يَجْلِسُ، وعادَ الضَمِيرُ في "لَها" مُؤَنَّثًا إذِ السَلْمُ بِمَعْنى المُسالَمَةِ والهُدْنَةُ، وقِيلَ: السَلْمُ مُؤَنَّثَةٌ كالحَرْبِ، ذَكَرَهُ النَحّاسُ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: يُذَكَّرُ السَلْمُ.

وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ في "بَراءَةٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ يُحْتَمَلُ ألّا يَتَرَتَّبَ نَسْخُها بِها بِأنْ يُعْنى بِهَذِهِ مَن تَجُوزُ مُصالَحَتُهُ، وتَبْقى تِلْكَ في "بَراءَةٍ" في عَبَدَةِ الأوثانِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَبَرِيُّ، وقَوْلُ الجَماعَةِ صَحِيحٌ أيْضًا إذا كانَ الجُنُوحُ إلى سِلْمِ العَرَبِ مُسْتَقِرًّا في صَدْرِ الإسْلامِ فَنَسَخَتْ ذَلِكَ آيَةُ "بَراءَةٍ" وَنُبِذَتْ إلَيْهِمْ عُهُودُهُمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ  ﴾ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مِن أنْ يَقُولَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، لِأنَّ الآيَتَيْنِ مَدَنِيَّتانِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ ﴾ أمْرٌ في ضِمْنِهِ وعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف جملة: ﴿ وأعدوا ﴾ على جملة: ﴿ فإما تثقفنهم في الحرب ﴾ [الأنفال: 57] أو على جملة: ﴿ ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا ﴾ [الأنفال: 59]، فتفيد مفاد الاحتراس عن مُفادها، لأنّ قوله: ﴿ ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا ﴾ يُفيد توهيناً لشأن المشركين، فتعقيبه بالأمر بالاستعداد لهم: لئلا يحسب المسلمون أنّ المشركين قد صاروا في مكنتهم، ويلزم من ذلك الاحتِراسسِ أنّ الاستعداد لهم هو سبب جعْل اللَّهِ إيّاهم لا يُعجزون اللَّهَ ورسوله، لأنّ الله هيّأ أسباب استئصالهم ظاهرها وباطنها.

والإعداد التهيئة والإحضار، ودخل في ﴿ ما استطعتم ﴾ كلّ ما يدخل تحت قدرة الناس اتّخاذه من العُدّة.

والخطاب لجماعة المسلمين ووُلاَة الأمر منهم، لأنّ ما يراد من الجماعة إنّما يقوم بتنفيذه وُلاَة الأمور الذين هم وكلاء الأمّة على مصالحها.

والقوة كمال صلاحية الأعضاء لعملها وقد تقدّمت آنفاً عند قوله: ﴿ إن الله قوي شديد العقاب ﴾ [الأنفال: 52] وعند قوله تعالى: ﴿ فخذها بقوة ﴾ وتطلق القوة مجازاً على شدّة تأثير شيء ذي أثر، وتطلق أيضاً على سبب شدّة التأثير، فقوة الجيش شدة وقعه على العدوّ، وقوته أيضاً سلاحه وعتاده، وهو المراد هنا، فهو مجاز مرسل بواسطتين، فاتّخاذ السيوف والرماح والأقواس والنبال من القوة في جيوش العصور الماضية، واتّخاذ الدبابات والمدافع والطيارات والصواريخ من القوّة في جيوش عصرنا.

وبهذا الاعتبار يُفسر ما روى مسلم والترمذي عن عقبة بن عامر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال «ألاَ إنّ القوة الرمي» قالها ثلاثاً، أي أكمل أفراد القوة آلةُ الرمي، أي في ذلك العصر.

وليس المراد حصر القوة في آلة الرمي.

وعطف ﴿ رباط الخيل ﴾ على ﴿ القوة ﴾ من عطف الخاصّ على العام، للاهتمام بذلك الخاصّ.

و ﴿ الرباط ﴾ صيغة مفاعلة أُتِيَ بها هنا للمبالغة لتدلّ على قصد الكثرة من ربط الخيل للغزو، أي احتباسها وربطها انتظاراً للغزو عليها، كقول النبي صلى الله عليه وسلم «من ارتبط فرساً في سبيل الله كان روثُها وبولها حسنات له» الحديث.

يقال: ربط الفرس إذا شدّه في مكان حفظه، وقد سَمَّوا المكان الذي ترتبط فيه الخيل رباطاً، لأنّهم كانوا يحرسون الثغور المخوفة راكبين على أفراسهم، كما وصف ذلك لبيد في قوله: ولقد حمَيت الحَي تحملُ شِكَّتي *** فُرُطٌ وِشَاحِي إنْ ركبتُ زمامُها إلى أن قال: حتّى إذا ألْقَتْ يداً في كافر *** وأجَنَّ عوراتتِ الثغور ظَلامها أسْهلتُ وانتصبت كجِذْع مُنيفة *** جرداءَ يَحْصَر دونها جُرَّامها ثم أُطلق الرباط على مَحرس الثغر البحري، وبه سَمَّوا رِباط (دمياط) بمصر، ورباط (المُنستير) بتونس، ورباط (سَلا) بالمغرب الأقصى.

وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ﴾ في سورة [آل عمران: 200].

وجملة: ترهبون به عدو الله وعدوكم } إمّا مستأنفة استئنافاً بيانياً، ناشئاً عن تخصيص الرباط بالذكر بعد ذكر ما يعمّه، وهو القوة، وإمّا في موضع الحال من ضمير ﴿ وأعدّوا ﴾ .

وعدو الله وعدوهم: هم المشركون فكان تعريفهم بالإضافة، لأنّها أخصر طريق لِتعريفهم، ولما تتضمنه من وجه قتالهم وإرهابهم، ومن ذمّهم، أن كانوا أعداء ربّهم، ومن تحريض المسلمين على قتالهم إذ عُدُّوا أعداءً لهم، فهم أعداء الله؛ لأنّهم أعداء توحيده وهم أعداء رسوله صلى الله عليه وسلم لأنّهم صارحوه بالعداوة، وهم أعداء المسلمين، لأن المسلمين أولياء دين الله والقائمون به وأنصاره، فعطف ﴿ وعَدوَّكم ﴾ على ﴿ عدوَّ الله ﴾ من عطف صفة موصوف واحد مثل قول الشاعر، وهو من شواهد أهل العربية: إلى الملك القرم وابن الهما *** م ولَيْثثِ الكتيبة في المزدحم والإرهاب جعل الغير راهباً، أي خائفاً، فإنّ العدوّ إذَا علم استعداد عدوّه لقتاله خافه، ولم يجرأ عليه، فكان ذلك هناء للمسلمين وأمناً من أن يغزوهم أعداؤهم، فيكون الغزو بأيديهم: يَغزون الأعداء متى أرادوا، وكانَ الحال أوفق لهم، وأيضاً ذا رهبوهم تجنّبوا إعانة الأعداء عليهم.

والمراد ب ﴿ الآخرين من دونهم ﴾ أعداء لا يعرفهم المسلمون بالتعيين ولا بالإجمال، وهم من كان يضمر للمسلمين عداوة وكيداً، ويتربّص بهم الدوائر، مثل بعض القبائل.

فقوله: ﴿ لا تعلمونهم ﴾ أي لم تكونوا تعلمونهم قبل هذا الإعلام، وقد علمتموهم الآن إجمالاً، أو أريد: لا تعلمونهم بالتفصيل، ولكنّكم تعلمُون وجودهم إجمالاً مثل المنافقين، فالعلم بمعنى المعرفة، ولهذا نصب مفعولاً واحداً.

وقوله: ﴿ من دونهم ﴾ مؤذن بأنّهم قبائل من العرب كانوا ينتظرون ما تنكشف عنه عاقبة المشركين من أهل مكة من حربهم مع المسلمين، فقد كان ذلك دأب كثير من القبائل كما ورد في السيرة، ولذلك ذكر ﴿ من دونهم ﴾ بمعنى: من جهات أخرى، لأنّ أصل (دون) أنّها للمكان المخالف، وهذا أولى من حمله على مطلق المغايرة التي هي من إطلاقات كلمة (دون) لأنّ ذلك المعنى قد أغنى عنه وصفهم ب ﴿ آخرين ﴾ .

وجملة ﴿ اللَّه يعلمهم ﴾ تعريض بالتهديد لهؤلاء الآخرَين، فالخبر مستعمل في معناه الكنائي، وهو تعقُّبهم والإغراءُ بهم، وتعريض بالامتنان على المسلمين بأنّهم بمحل عناية الله فهو يُحصي أعداءهم وينبّههم إليهم.

وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي: للتقوّي، أي تحقيق الخبر وتأكيده، والمقصود تأكيد لازم معناه، أمّا أصل المعنى فلا يحتاج إلى التأكيد إذ لا ينكره أحد، وأمّا حمل التقديم هنا على إرادة الاختصاص فلا يحسن للاستغناء عن طريق القصر بجملة النفي في قوله: ﴿ لا تعلمونهم ﴾ فلو قيل: ويعلّمهم الله لحصل معنى القصر من مجموع الجملتين.

وإذ قد كان إعداد القوَّةِ يستدعي إنفاقاً، وكانت النفوس شحيحة بالمال، تكفّل الله للمنفقين في سبيله بإخلاف ما أنفقوه والإثابة عليه، فقال: ﴿ وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ﴾ فسبيل الله هو الجهاد لإعلاء كلمته.

والتوفية: أداء الحقّ كاملاً، جعل الله ذلك الإنفاق كالقرض لله، وجعل على الإنفاق جزاء، فسمّى جزاءَه توفية على طريقة الاستعارة المكنية، وتدلّ التوفية على أنّه يشمل الأجرَ في الدنيا مع أجر الآخرة، ونقل ذلك عن ابن عباس.

وتعدية التوفية إلى الإنفاق بطريق بناء للفعل للنائب، وإنّما الذي يوفّى هو الجزاء على الإنفاق في سبيل الله، للإشارة إلى أنّ الموفَّى هو الثواب.

والتوفية تكون على قدر الإنفاق وأنّها مثله، كما يقال: وفَّاه دينه، وإنّما وفّاه مماثلاً لديْنه.

وقريب منه قولهم: قَضى صلاة الظهر، وإنّما قضى صلاة بمقدارها فالإسناد: إمّا مجاز عقلي، أو هو مجاز بالحذف.

والظلم: هنا مستعمل في النقص من الحقّ، لأنّ نقص الحقّ ظلم، وتسمية النقص من الحقّ ظلماً حقيقة.

وليس هو كالذي في قوله تعالى: ﴿ كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً ﴾ [لكهف: 33].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ القُوَّةَ ذُكُورُ الخَيْلِ، ورِباطُ الخَيْلِ إناثُها، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّانِي: القُوَّةُ السِّلاحُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّالِثُ: القُوَّةُ التَّصافِي واتِّفاقُ الكَلِمَةِ.

والرّابِعُ: القُوَّةُ الثِّقَةُ بِاللَّهِ تَعالى والرَّغْبَةُ إلَيْهِ.

والخامِسُ: القُوَّةُ الرَّمْيُ.

رَوى يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الهَمَذانِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ عَلى المِنبَرِ: « ﴿ وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ﴾ ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ قالَها ثَلاثًا.

» ﴿ وَمِن رِباطِ الخَيْلِ ﴾ عَلى قَوْلِ عِكْرِمَةَ إناثُها خاصَّةً، وعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ عَلى العُمُومِ الذُّكُورُ والإناثُ.

وَقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «ارْتَبِطُوا الخَيْلَ فَإنَّ ظُهُورَها لَكم عِزٌّ، وأجْوافَها لَكم كَنْزٌ» .

﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَدُوُّ اللَّهِ بِالكُفْرِ وعَدُوُّكم بِالمُبايَنَةِ.

والثّانِي: عَدُوُّ اللَّهِ هو عَدُوُّكم لِأنَّ عَدُوَّ اللَّهِ عَدُوٌّ لِأوْلِيائِهِ.

والإرْهابُ: التَّخْوِيفُ.

﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هم بَنُو قُرَيْظَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أهْلُ فارِسَ والرُّومِ قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: المُنافِقُونَ; قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ.

والخامِسُ: كُلُّ مَن لا تَعْرِفُونَ عَداوَتَهُ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأب يعقوب اسحق بن إبراهيم القراب في كتاب فضل الرمي.

والبيهقي في شعب الإِيمان عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة، ألا أن القوة الرمي ألا أن القوّة الرمي قالها ثلاثاً» .

وأخرج ابن المنذر عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ﴾ ألا إن القوّة الرمي ثلاثاً، إن الأرض ستفتح لكم وتكفون المؤنة، فلا يعجزنَّ أحدكم أن يلهو باسهمه» .

وأخرج البيهقي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.

أنه تلا هذه الآية ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ﴾ قال: ألا أن القوّة الرمي.

وأخرج ابن المنذر عن مكحول رضي الله عنه قال: ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة، فتعلموا الرمي فإني سمعت الله تعالى يقول ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ﴾ قال: فالرمي من القوّة.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ﴾ قال: الرمي والسيوف والسلاح.

وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ﴾ قال: أمرهم بإعداد الخيل.

وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ﴾ قال: القوّة ذكور الخيل، والرباط الإِناث.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ﴾ قال: القوّة ذكور الخيل، ورباط الخيل الإِناث.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه في الآية قال: القوّة الفرس إلى السهم فما دونه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم ﴾ قال: تخزون به عدو الله وعدوكم.

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم وهم يرمون، فقال: رميا بني إسماعيل لقد كان أبوكم رامياً» .

وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة.

صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير، والذي يجهز به في سبيل الله، والذي يرمي به في سبيل الله.

وقال: ارموا واركبوا وان ترموا خير من أن تركبوا، وقال: كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثة، رمية عن قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله فإنهن من الحق، ومن علم الرمي ثم تركه فهي نعمة كفرها» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في شعب الإِيمان عن حرام بن معاوية قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يجاورنكم خنزير، ولا يرفع فيكم صليب، ولا تأكلوا على مائدة يشرب عليها الخمر، وأدبوا الخيل، وامشوا بين الفرقتين.

وأخرج البزار والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقوم من أسلم يرمون فقال: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع ابن الأدرع.

فأمسك القوم فسألهم؟

فقالوا: يا رسول الله من كنت معه غلب.

قال: ارموا وأنا معكم كلكم» .

وأخرج أحمد والبخاري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم من أسلم يتناضلون في السوق فقال: «ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان- لاحد الفريقين- فأمسكوا بأيديهم فقال: ارموا...

!

قالوا: يا رسول الله كيف نرمي وأنت مع بني فلان؟

قال: ارموا وأنا معكم كلكم» .

وأخرج الحاكم وصححه عن محمد بن إياس بن سلمة عن أبيه عن جده «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على ناس ينتضلون فقال: حسن اللهم مرتين أو ثلاثاً، ارموا وأنا مع ابن الأدرع.

فأمسك القوم قال:ارموا وأنا معكم جميعاً، فلقد رموا عامة يومهم ذلك ثم تفرقوا على السواء ما نضل بعضهم بعضاً» .

وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم والقراب في فضل الرمي عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل شيء من لهو الدنيا باطل إلا ثلاثة.

انتضالك بقوسك، وتأديبك فرسك، وملاعبتك أهلك فإنها من الحق، وقال عليه السلام: انتضلوا واركبوا وان تنتضلوا أحب إليَّ، إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة.

صانعه محتسباً، والمعين به، والرامي به في سبيل الله تعالى» .

وأخرج الحاكم وصححه والقراب عن أبي نجيح السلمي رضي الله عنه قال: حاصرنا قصر الطائف، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رمى بسهم في سبيل الله فله عدل محرر» قال: فبلغت يومئذ ستة عشر سهماً.

وأخرج ابن ماجة والحاكم والقراب عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رمى العدوّ بسهم فبلغ سهمه أو أخطأ أو أصاب فعدل رقبة» .

وأخرج الحاكم عن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم بدر قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أكثبوكم فارموا بالنبل واستبقوا نبلكم» .

وأخرج الحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد: أنبلوا سعد، أرم يا سعد رمى الله لك، فداك أبي وأمي» .

وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة بنت سعد رضي الله عنها عن أبيها أنه قال: ألا هل أتى رسول الله أني ** حميت صحابتي بصدور نبلي وأخرج الثقفي في فوائده عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تحضر الملائكة من اللهو شيئاً إلا ثلاثة.

لهو الرجل مع امرأته، وإجراء الخيل، والنضال» .

وأخرج ابن عدي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الملائكة تشهد ثلاثاً.

الرمي، والرهان، وملاعبة الرجل أهله» .

وأخرج أبو عبيدة في كتاب الخيل عن أبي الشعثاء جابر بن يزيد رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ارموا واركبوا الخيل، وان ترموا أحب إليَّ، كل لهو لهاية المؤمن باطل إلا ثلاث خلال.

رميك عن قوسك، وتأديبك فرسك، وملاعبتك أهلك فإنهن من الحق» .

وأخرج النسائي والبزار والبغوي والبارودي والطبراني والقراب وأبو نعيم والبيهقي والضياء عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبدالله وجابر بن عمير الأنصاري يرتميان، فمل أحدهما فجلس فقال الآخر: كسلت...؟

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو وسهو إلا أربع خصال.

مشي الرجل بين الغرضين، وتأديب فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة» .

وأخرج القراب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة.

الرامي، والممد به، والمحتسب له» .

وأخرج القراب عن حذيفة رضي الله عنه قال: كتب عمر رضي الله عنه إلى الشام: أيها الناس ارموا واركبوا والرمي أحب إلي من الركوب، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة من عمله في سبيله، ومن قوّي به في سبيل الله عز وجل» .

وأخرج القراب عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعم لهو المؤمن الرمي، ومن ترك الرمي بعدما علمه فهو نعمة تركها» .

وأخرج القراب عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: لا أترك الرمي أبداً ولو كانت يدي مقطوعة بعد شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني» .

وأخرج القراب عن مكحول يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال «كل لهو باطل إلا ركوب الخيل، والرمي، ولهو الرجل مع امرأته، فعليكم بركوب الخيل والرمي، والرمي أحبهما إليَّ» .

وأخرج القراب من طريق مكحول عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «اللهو في ثلاث: تأديبك فرسك، ورميك بقوسك، وملاعبتك أهلك» .

وأخرج القراب من طريق مكحول.

أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أهل الشام: أن علموا أولادكم السباحة والفروسية.

وأخرج القراب عن سليمان التيمي قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يكون الرجل سابحاً رامياً» .

وأخرج القراب عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من رمى بسهم في سبيل الله فأصاب أو أخطأ أو قصر فكأنما أعتق رقبة كانت فكاكاً له من النار» .

وأخرج القراب عن أبي نجيح السلمي رضي الله عنه قال: حضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر الطائف، فسمعته يقول «من رمى بسهم في سبيل الله قصر أو بلغ كانت له درجة في الجنة» .

وأخرج القراب عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قاتلوا أهل الصقع، فمن بلغ منهم فله درجة في الجنة.

قالوا: يا رسول الله ما الدرجة؟

قال: ما بين الدرجتين خمسمائة عام» .

وأخرج الطبراني والقراب عن أبي عمرة الأنصاري رضي الله عنه «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رمى بسهم في سبيل الله فبلغ أو قصر كان السهم نوراً يوم القيامة» .

وأخرج ابن عدي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أحب اللهو إلى الله إجراء الخيل، والرمي بالنبل، ولعبكم مع أزواجكم» .

وأخرج البزار والطبراني في الأوسط عن سعد رضي الله عنه قال: عليكم بالرمي فإنه خير، أو من خير لهوكم.

وأخرج أبو عوانة عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: تعلموا الرمي فإنه خير لعبكم.

وأخرج البزار عن جابر رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قوم وهم يرمون فقال: ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً» .

وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تعلم الرمي ثم نسيه فهي نعمة جحدها» .

وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تحضر الملائكة من لهوكم إلا الرهان والنضال» .

وأخرج البزار بسند حسن عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رمى رمية في سبيل الله قصر أو بلغ كان له مثل أجر أربعة أناس من ولد إسماعيل اليوم» .

وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رمى بسهم في سبيل الله كان له نور يوم القيامة» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل لهو يكره إلا ملاعبة الرجل امرأته، ومشيه بين الهدفين، وتعليمه فرسه» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الرمي والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعلموا الرمي فإن ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة» .

وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مشى بين العرضين كان له بكل خطوة حسنة» .

وأخرج الطبراني في الصغير عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما على أحدكم إذا ألح به همه أن يتقلد قوسه فينفي بها همه» .

وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علموا أبناءكم السباحة والرمي، والمرأة المغزل» .

وأخرج ابن منده في المعرفة عن بكر بن عبدالله بن الربيع الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علموا أبناءكم السباحة والرمي، والمرأة المغزل» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من شاب شيبة في الإِسلام كانت له نوراً يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله كان له عدل رقبة» .

وأخرج عبد الرزاق عن أبي أمامة رضي الله عنه.

أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من شاب شيبة في الإِسلام كان له نوراً يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله أخطأ أو أصاب كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل» .

وأخرج أحمد عن مرة بن كعب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من بلغ العدو بسهم رفعه الله به درجة بين الدرجتين مائة عام، ومن رمى بسهم في سبيل الله كان كمن أعتق رقبة» .

وأخرج الخطيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة: صانعه محسباً صنعته، والرامي به، والمقوي به» .

وأخرج الواقدي عن مسلم بن جندب رضي الله عنه قال: أول من ركب الخيل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وإنما كانت وحشاً لا تطاق حتى سخرت له.

وأخرج الزبير بن بكار في الأنساب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الخيل وحشاً لا تطاق حتى سخرت له.

وأخرج الزبير بن بكار في الأنساب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الخيل وحشاً لا تركب، فأول من ركبها إسماعيل عليه السلام، فبذلك سميت العراب.

وأخرج أحمد بن سليمان والنجاد في جزئه المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الخيل وحشاً كسائر الوحوش، فلما أذن الله تعالى لإِبراهيم واسمعيل برفع القواعد من البيت قال الله عز وجل: إني معطيكما كنزاً ادخرته لكما، ثم أوحى الله إلى إسماعيل عليه السلام: إن أخرج فادع بذلك الكنز، فخرج إسماعيل عليه السلام إلى أجناد وكان موطناً منه وما يدري ما الدعاء ولا الكنز، فألهمه الله الدعاء فلم يبق على وجه الأرض فرس إلا أجابته فأمكنته من نواصيها وذللها له، فاركبوها واعدوها فإنها ميامين، وإنها ميراث أبيكم إسماعيل عليه السلام.

وأخرج الثعلبي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أراد الله أن يخلق الخيل قال للريح الجنوب: إني خالق منك خلقاً فاجعله عزاً لأوليائي، ومذلة على أعدائي، وجمالاً لأهل طاعتي فقالت الريح: اخلق فقبض منها قبضة فخلق فرساً فقال له: خلقتك عربياً، وجعلت الخير معقوداً بناصيتك، والغنائم مجموعة على ظهرك، عطفت عليك صاحبك وجعلتك تطير بلا جناح، فأنت للطلب وأنت للهرب، وسأجعل على ظهرك رجالاً يسبحوني ويحمدوني ويهللوني، تسبحن إذا سبحوا وتهللن إذا هللوا وتكبرن إذا كبروا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من تسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة يكبرها صاحبها فتسمعه الا تجيبه بمثلها، ثم قال: سمعت الملائكة صنعة الفرس وعاينوا خلقها، قالت: رب نحن ملائكتك نسبحك ونحمدك فماذا لنا؟

فخلق الله لها خيلاً بلقاً أعناقها كأعناق البخت، فلما أرسل الله الفرس إلى الأرض واستوت قدماه على الأرض، صهل فقيل: بوركت من دابة أذل بصهيلك المشركين، أذل به أعناقهم، وأملأ به آذانهم، وارعب به قلوبهم، فلما عرض الله على آدم من كل شيء قال له: اختر من خلقي ما شئت؟

فاختار الفرس قال له: اخترت لعزكَ وعز، ولدك، خالداً ما خلدوا وباقياً ما بقوا، بركتي عليك وعليهم ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك ومنهم» .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما.

مثله سواء.

وأخرج مالك والبخاري ومسلم والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخيل لثلاثة لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر.

فأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كان له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفاً أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له فهي لذلك أجر، ورجل ربطها تغنياً ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر، ورجل ربطها فخراً ورياء ونواء لأهل الإِسلام فهي على ذلك وزر» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والخيل ثلاثة: خيل أجر، وخيل وزر، وخيل ستر.

فأما خيل ستر فمن اتخذها تعففاً وتكرماً وتجملاً ولم ينس حق بطونها وظهورها في عسره ويسره، وأما خيل الأجر فمن ارتبطها في سبيل الله فإنها لا تغيب في بطونها شيئاً إلا كان له أجر حتى ذكر أرواثها وأبوالها، ولا تعدو في واد شوطاً أو شوطين إلا كان في ميزانه، وأما خيل الوزر فمن ارتبطها تبذخاً على الناس فإنها لا تغيب في بطونها شيئاً إلا كان وزر عليه حتى ذكر أرواثها وأبوالها، ولا تعدو في واد شوطاً أو شوطين إلا كان عليه وزر» .

وأخرج مالك وأحمد بن حنبل والطيالسي وابن شيبة البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن حبان عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عروة البارقي رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة.

قيل: يا رسول الله وما ذاك؟

قال: الأجر والغنيمة» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يلوي ناصية فرسه باصبعه ويقول: الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة» .

وأخرج النسائي وأبو مسلم الكشي في سننه عن سلمة بن نفيل رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، قيل: يا رسول الله وما ذاك؟

قال: الأجر والغنيمة» .

وأخرج الطبراني والآجري في كتاب النصيحة عن أبي كبشة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة» .

وأخرج الطبراني عن سوادة بن الربيع الجرمي رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني بذود، وقال: «عليك بالخيل فإن الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخيل في نواصيها الخير والمغنم إلى يوم القيامة، ونواصيها أذناها وأذنابها مذابها» .

وأخرج ابن سعد في الطبقات وابن منده في الصحابة عن يزيد بن عبدالله بن غريب المليكي عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير والنيل إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، والمنفق عليها كباسط كفيه في الصدقة لا يقبضها، وأبوالها وأرواثها عند الله يوم القيامة كذكي المسك» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخيل معقود في نواصيها الخير أبداً إلى يوم القيامة، فمن ربطها عدة في سبيل الله وأنفق عليها احتساباً في سبيل الله فإن شبعها وجوعها وريَّها وظمأها وأبوالها وأرواثها فلاح في موازينه يوم القيامة، ومن ربطها رياء وسمعة وفخراً ومرحاً فإن شبعها وجوعها وريها وظمأها وأرواثها وأبوالها خسران في موازينه يوم القيامة» .

وأخرج أبو بكر بن عاصم في الجهاد والقاضي عمر بن الحسن الاشناني في بعض تاريخه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها، فخذوا بنواصيها وادعوا بالبركة وقلدوها ولا تقلدوها إلا وتار» .

وأخرج أبو عبيدة في كتاب الخيل عن زياد بن مسلم الغفاري رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: الخيل ثلاثة، فمن ارتبطها في سبيل الله وجهاد عدوه كان شبعها وجوعها وريها وعطشها وجريها وعرقها وأرواثها وأبوالها أجراً في ميزانه يوم القيامة، ومن ارتبطها للجمال فليس له إلا ذاك ومن ارتبطها فخراً ورياء كان مثل ما نص في الأول وزراً في ميزانه يوم القيامة» .

وأخرج الطبراني والآجري في الشريعة والنصيحة عن خباب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخيل ثلاثة: ففرس للرحمن، وفرس للإِنسان، وفرس للشيطان.

فأما فرس الرحمن، فما أعد في سبيل الله وقوتل عليه أعداء الله، وأما فرس الإِنسان، فما استبطن ويحمل عليه، وأما فرس الشيطان، فما قومر عليه» .

وأخرجه ابن أبي شيبة عن خباب موقوفاً.

وأخرج أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، وفرس للإِنسان، وفرس للشيطان.

فأما فرس الرحمن، فالذي يرتبط في سبيل الله فعلفه وروثه وبوله وذكر ما شاء الله، وأما فرس الشيطان، فالذي يقامر أي يراهن عليه، وأما فرس الإِنسان، فالفرس يرتبطها الإِنسان يلتمس بطنها فهي ستر من فقر» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد من طريق أبي عمرو الشيباني رضي الله عنه عن رجل من الأنصار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل ثلاثة: فرس يربطه الرجل في سبيل الله فثمنه أجر ورعايته أجر وعلفه أجر، وفرس يعالق فيه الرجل ويراهن فثمنه وزر وعلفه وزر، وفرس للبطنة، فعسى أن يكون سدداً من الفقر إن شاء الله تعالى» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البركة في نواصي الخيل» .

وأخرج النسائي عن أنس رضي الله عنه قال: «لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل» .

وأخرج ابن سعد وأحمد في الزهد عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: «ما كان شي أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخيل.

ثم قال: اللهم غفرا إلا النساء» .

وأخرج الدمياطي في كتاب الخيل عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حبس فرساً في سبيل الله، كان سترة من النار» .

وأخرج ابن أبي عاصم في الجهاد عن يزيد بن عبدالله بن غريب المليكي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في الخيل وأبوالها وأرواثها كف من مسك الجنة» .

وأخرج ابن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها، وأبوالها وأرواثها عند الله يوم القيامة كذكي المسك» .

وأخرج ابن ماجة وابن أبي عاصم عن تميم الداري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ارتبط فرساً في سبيل الله ثم عالج علفه بيده، كان له بكل حبة حسنة» .

وأخرج أحمد وابن أبي عاصم عن تميم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من امرئ مسلم ينقي لفرسه شعيراً ثم يعلفه عليه الا كتب الله تعالى له بكل حبة حسنة» .

وأخرج ابن ماجة وابن أبي عاصم عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة سيء الملكة.

قالوا: يا رسول الله، أليس أخبرتنا أن هذه الأمة أكثر الأمم مملوكين وأيامى؟

قال: بلى، فاكرموهم بكرامة أولادكم، واطعموهم مما تأكلون.

قالوا: فما ينفعنا في الدنيا؟

قال: فرس تربطه تقاتل عليه في سبيل الله، ومملوك يكفيك فإذا كفاك فهو أخوك» .

وأخرج أبو عبدالله الحسين بن إسماعيل المحاملي عن سلمان رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل مسلم إلا حق عليه أن يرتبط فرساً إذا أطاق ذلك» .

وأخرج ابن أبي عاصم عن سوادة بن الربيع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارتبطوا الخيل، فإن الخيل في نواصيها الخير» .

وأخرج ابن أبي عاصم عن ابن الحنظلية رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ارتبط فرساً في سبيل الله، كانت النفقة عليه كالمادِّ يده بصدقة لا يقطعها» .

وأخرج أبو طاهر المخلص عن ابن الحنظلية رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وصاحبها يعان عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها» .

وأخرج أحمد وأبو داود وابن أبي عاصم والحاكم عن ابن الحنظلية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المنفق على الخيل في سبيل الله، كباسط يده بالصدقة لا يقبضها» .

وأخرج البخاري والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديق موعود الله كان شبعه وريه وبوله حسنات في ميزانه يوم القيامة» .

وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من فرس عربي إلا يؤذن له عند كل سحر بدعوتين، يقول: اللهم كما خوّلتني من خوّلتني من بني آدم فاجعلني من أحب ماله وأهله إليه» .

وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمي الأنثى من الخيل فرساً» .

وأخرج الطبراني عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أطرق مسلماً فرساً فأعقب له الفرس، كتب الله له أجر سبعين فرساً يحمل عليها في سبيل الله، وإن لم تعقب له كان له كأجر سبعين فرساً يحمل عليه في سبيل الله» .

وأخرج الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما تعاطى الناس بينهم شيئاً قط أفضل من الطرق، يطرق الرجل فرسه فيجري له أجره، ويطرق الرجل فحله فيجري له أجره، ويطرق الرجل كبشه فيجري له أجره.

وأخرج أبو عبيدة في كتاب الخيل عن معاوية بن خديج رضي الله عنه.

أنه لما افتتحت مصر كان لكل قوم مراغة يمرغون فيها خيولهم، فمر معاوية بأبي ذر رضي الله عنه وهو يمرغ فرساً له، فسلم عليه ووقف ثم قال: يا أبا ذر، ما هذا الفرس؟

قال: فرس لي لا أراه إلا مستجاباً.

قال: وهل تدعو الخيل وتجاب؟

قال: نعم، ليس من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه فيقول: رب إنك سخرتني لابن آدم وجعلت رزقي في يده: اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده، فمنها المستجاب ومنها غير المستجاب، ولا أرى فرسي هذا إلا مستجاباً.

وأخرج أبو عبيدة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال «أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم فرساً من جدس حي من اليمن، فأعطاه رجلاً من الأنصار وقال: إذا نزلت فأنزل قريباً مني فإني أسار إلى صهيله، ففقده ليلة فسأل عنه فقال: يا رسول الله، إنا خصيناه.

فقال: مثلت به يقولها ثلاثاً، الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، أعرافها ادفاؤها وأذنابها مذابها، التمسوا نسلها وباهوا بصهيلها المشركين» .

وأخرج أبو عبيدة عن مكحول رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جز أذناب الخيل وأعرافها ونواصيها وقال: «أما أذنابها فمذابها، وأما أعرافها فادفاؤها، وأما نواصيها ففيها الخير» .

وأخرج أبو نعيم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا تلهبوا أذناب الخيل، ولا تجزوا أعرافها ونواصيها، فإن البركة في نواصيها، ودفاؤها في أعرافها، وأذنابها مذابها» .

وأخرج أبو داود عن عتبة بن عبد الله السلمي رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقصوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا أذنابها، فأما أذنابها مذابها، ومعارفها ادفاؤها، ونواصيها معقود فيها الخير» .

وأخرج ابن سعد عن أبي واقد أنه بلغه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى فرسه فمسح وجهه بكم قميصه فقالوا: يا رسول الله أبقميصك؟

قال: إن جبريل عاتبني في الخيل» .

وأخرج أبو عبيدة من طريق يحيى بن سعيد عن شيخ من الأنصار «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح بطرف ردائه وجه فرسه وقال: إني عتبت الليلة في اذلة الخيل» .

وأخرج أبو عبيدة عن عبدالله بن دينار رضي الله عنه قال: «مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه فرسه بثوبه، وقال: إن جبريل بات الليلة يعاتبني في اذلة الخيل» .

وأخرج أبو داود في المراسيل عن الوضين بن عطاء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقودوا الخيل بنواصيها فتذلوها» .

وأخرج أبو داود في المراسيل عن مكحول رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكرموا الخيل وجللوها» .

وأخرج الحسن بن عرفة عن مجاهد رضي الله عنه قال: أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إنساناً ضرب وجه فرسه ولعنه فقال «هذه مع تلك، إلا أن تقاتل عليه في سبيل الله، فجعل الرجل يقاتل عليه ويحمل إلى أن كبر وضعف وجعل يقول: اشهدوا اشهدوا» .

وأخرج أبو نصر يوسف بن عمر القاضي في سننه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في عين الفرس ربع ثمنه» .

وأخرج محمد بن يعقوب الخلي في كتاب الفروسية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما من ليلة إلا ينزل ملك من السماء يحبس عن دواب الغزاة الكلال، إلا دابة في عنقها جرس.

وأخرج ابن سعد وأبو داود والنسائي عن أبي وهب الجشمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأكنافها وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار، وعليكم بكل كميت أغر محجل، أو أشقر أغر محجل، أو أدهم أغر محجل» .

وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يمن الخيل في شقرها» .

وأخرج الواقدي عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الخيل الشقر، وإلا فالأدهم أغر محجل ثلاث طليق اليمنى» .

وأخرج أبو عبيدة عن الشعبي رضي الله عنه في حديث رفعه أنه قال: «التمسوا الحوائج على الفرس الكميت الأرثم المحجل الثلاث المطلق اليد اليمنى» .

وأخرج الحسن بن عرفة عن موسى بن علي بن رباح اللخمي عن أبيه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أريد أن أبتاع فرساً.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليك به كميتاً وأدهم أقراح ارثم محجل ثلاث طليق اليمنى» .

وأخرج أبو عبيدة وابن أبي شيبة عن عطاء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن خير الخيل الحو» .

وأخرج ابن عرفة عن نافع بن جبير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليمن في الخيل في كل احوى احم» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الخيل» .

وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة والحاكم وصححه عن أبي قتادة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خير الخيل الأدهم الأقرح المحجل الأرثم طلق اليد اليمنى، فإن لم يكن ادهم فكميت على هذه النسبة» .

وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أردت أن تغتزي فاشتر فرساً أدهم أغر محجلاً مطلق اليمنى، فإنك تغنم وتسلم» .

وأخرج سعد والحرث بن أبي أسامة وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن قانع في معجمه والطبراني وأبو الشيخ وابن منده والروياني في مسنده وابن مردويه وابن عساكر عن يزيد بن عبدالله بن عريب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في قوله: ﴿ وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ﴾ قال: «هم الجن، ولا يخبل الشيطان إنساناً في داره فرس عتيق» .

وأخرج أبو الشيخ عن أبي الهدى عن أبيه عمن حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ﴾ قال: «هم الجن، فمن ارتبط حصاناً من الخيل لم يتخلل منزله شيطان» .

وأخرج ابن المنذر عن سليمان بن موسى رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ﴾ ولن يخبل الشيطان إنساناً في داره فرس عتيق.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وآخرين من دونهم ﴾ يعني الشيطان لا يستطيع ناصية فرس لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير فلا يستطيعه شيطان أبداً» .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآخرين من دونهم ﴾ قال: قريظة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله: ﴿ وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ﴾ قال: يعني المنافقين ﴿ الله يعلمهم ﴾ يقول: الله يعلم ما في قلوب المنافقين من النفاق الذي يسرون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ﴾ قال: هؤلاء المنافقون لا تعلمونهم، لأنهم معكم يقولون: لا إله إلا الله ويغزون معكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآخرين من دونهم ﴾ قال: أهل فارس.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سفيان رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآخرين من دونهم ﴾ قال: قال ابن اليمان رضي الله عنه: هم الشياطين التي في الدور.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ \[الآية، قال الليث:\] (١) ﴿ شَدِيدُ الْقُوَى  ﴾ (٢) وقد يسمى ما يتقوى به على أمر قوة، كالذي في هذه الآية، قال ابن عباس: يريد السلاح والقسي (٣) (٤) (٥) (٦)  قرأ على المنبر: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ فقال: "ألا إن القوة الرمي" ثلاثًا (٧) (٨) (٩) ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ ، كما روي ليث، عن مجاهد أنه رؤي مع (١٠) (١١) (١٢) وتفسير النبي  القوة بالرمي لا يدل على أن المراد بالقوة الرمي دون غيره من السيف والرمح، بل الرمي أحد معاني القوة، ولم يقل: هو الرمي دون غيره.

وتمام (١٣) (١٤) (١٥) وهذه الآية دليل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل والسلاح وتعلم الفروسية والرمي فريضة، غير أنها من فروض الكفايات.

وقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾ ذكرنا في آخر سورة آل عمران أن أصل الرباط من مرابطة الخيل وهو ارتباطها بإزاء العدو (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) ولقد علمت على تجنبى (٢٠) (٢١) (٢٢) وقال عكرمة: ﴿ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾ الإناث (٢٣) (٢٤) ووجه هذا القول: أن العرب تسمي الخيل إذا ربطت بالأفنية وعُلّفت: رُبُطًا، واحدها: ربيط (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ \[قال مجاهد\] (٢٩) (٣٠) والكناية تعود إلى (ما) في قوله: ﴿ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ ويجوز أن تعود إلى الإعداد؛ لأن قوله: ﴿ وَأَعِدُّوا ﴾ يدل عليه.

وقوله تعالى: ﴿ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ ، قال مجاهد ومقاتل: يعني: مشركي مكة وكفار العرب (٣١) وقوله تعالى: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ ، قال مجاهد ومقاتل: يعني: قريظة (٣٢) وقال السدي: هم أهل فارس (٣٣) (٣٤)  ، قال: ونظير هذه الآية قوله: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ (٣٥) (٣٦) (٣٧) وروى ابن جريج عن سليمان بن موسى (٣٨) (٣٩)  قال: "إنهم الجن" (٤٠) (٤١) ﴿ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ ﴾ ثم قال: "إن الشيطان لا يخبل أحدًا في دارٍ فيها فرس عتيق" (٤٢) قال بعض المفسرين (٤٣) ﴿ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ ولا شك أن المؤمنين كانوا عالمين بعداوة قريظة وفارس، وأما المنافقون فلم تكن تروعهم (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) وقال قوم من أهل التأويل: هم كل عدو للمسلمين لا يعرفون عداوته (٤٨) وقال المبرد (٤٩) ﴿ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ﴾ اكتفى للعلم بمفعول واحد لأنه أراد: لا تعرفونهم (٥٠) (٥١) فإن الله يعلمني ووهبًا ...

وأنا سوف يلقاه كلانا وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ، قال ابن إسحاق وغيره: من آلةٍ وسلاح وصفراء وبيضاء في طاعة الله: ﴿ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ (٥٢) (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: لا تنقصون من الثواب، وتلا قوله: ﴿ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا  ﴾ (٥٤) (١) ما بين المعقوفين ساقط من (م).

(٢) "تهذيب اللغة" (قوى) 3/ 3070، وقد اختصر الواحدي القول وغيّر ترتيب بعض الجمل، والقول أيضًا في كتاب "العين" (قوي) 5/ 236 مختصرًا.

(٣) القسي: جمع قوس والقوس معروفة، من آلات الرمي، انظر: "لسان العرب" (قوس) 6/ 3773.

(٤) "تنوير المقباس" ص 184، ولم يذكر القسي.

(٥) النشاب: النبل والسهام.

انظر: "لسان العرب" (نشب) 7/ 4420.

(٦) "تفسير مقاتل" 123 ب، ولفظه: السلاح: وهي الرمي.

(٧) رواه مسلم (1917) كتاب: الإمارة، باب: فضل الرمي، وأبو داود (2513) كتاب: الجهاد، باب: في الرمي، والترمذي (3083) كتاب تفسير القرآن، سورة الأنفال، وأحمد 4/ 157 وغيرهم.

انظر: "الدر المنثور" 3/ 349.

(٨) انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 32، و"البرهان" للحوفي 11/ 96 أ.

(٩) الأولى أن يعطى تفسير رسول الله  مزية وخصوصية فيقال: إن الحديث دليل على فضل الرمي وأنه أعظم القوة، وأنكأ للعدو، وأجل ما يحقق النصر، فينبغي أن يخص بمزيد اهتمام، فهذا الحديث الآخر: "الحج عرفة" فهو يدل على أن هذا المذكور أفضل المقصود وأجله، ولا ينفي اعتبار غيره، وذهب الإمام النووي إلى الوقوف على ظاهر الحديث حيث قال: هذا تصريح بتفسيرها -يعني القوة- ورد لما يحكيه المفسرون من الأقوال سوى هذا.

"صحيح مسلم بشرح النووي" 13/ 64، ومثله الشوكاني في "تفسيره" 2/ 466 حيث قال: والمصير إلى التفسير الثابت عن رسول الله  متعين.

وأقول: إن من يتأمل حال الحرب في عصرنا الحديث يشهد أن تفسير الرسول  القوة بالرمي من آياته التي تشهد أنه لا ينطق عن الهوى، فالقوة في هذا العصر تكاد تنحصر في الرمي.

(١٠) هكذا في جميع النسخ، والصواب: معه، وفي "تفسير ابن جرير": لقي رجل مجاهدًا بمكة ومع مجاهد جوالق، وفي "تفسير ابن أبي حاتم" ومعه جوالق.

(١١) الجوالق: بكسر الجيم واللام وبضم الجيم وفتح اللام وكسرها: وعاء.

انظر == انظر: "القاموس المحيط" باب: القاف، فصل: الجيم ص 872.

(١٢) رواه بنحوه ابن جرير 10/ 30، من رواية رجاء بن أبي سلمة، أما رواية ليث فهي عند ابن أبي حاتم 5/ 1722 لكن بلفظ: القوة: ذكور الخيل.

(١٣) في (ح): (وتمام الله الخير)، وهو خطأ.

(١٤) أي مؤونة القتال وتعب الجهاد.

انظر: "تحفة الأحوذي" 8/ 474، وتطلق المؤونة أيضاً على النفقة كما في "لسان العرب" (مون) 7/ 4302، لكن السياق يدل على أن الأول هو المراد.

(١٥) رواه الترمذي (3083) كتاب تفسير القرآن، باب: سورة الأنفال، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 348.

ورواه بنحوه مسلم (1918) في "صحيحه" كتاب الإمارة، باب: فضل الرمي.

(١٦) انظر: "البسيط" آل عمران: 200.

(١٧) يعني في وقتهم.

(١٨) في (ج) و (س): (وقال).

(١٩) البيت لأشعر الجعفي، انظر: "لسان العرب" (حصن) 3/ 903، و"شرح شواهد الكشاف" 4/ 404.

(٢٠) في "لسان العرب" (حصن) 3/ 903: توقي.

(٢١) في (ح): (مدن)، وهو خطأ.

(٢٢) ذكر الأثر الزمخشري في "الكشاف" 2/ 166 بلفظ مقارب، ولم يخرجه الزيلعي في كتابه "تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف".

(٢٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" كتاب الجهاد، باب: الخيل 12/ 483، وابن جرير 10/ 30، وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان كما في "الدر المنثور" 3/ 349.

(٢٤) "معاني القرآن" 1/ 416.

(٢٥) في (ج): (ربيطة).

(٢٦) في (م): (والجمع).

(٢٧) في (ج): (ربطًا).

(٢٨) انظر: "تهذيب اللغة" (ربط) 2/ 1346.

(٢٩) ساقط من (م) و (س).

(٣٠) لفظ الرواية عن ابن عباس: (تخزون به).

إذ بهذا اللفظ رواه الثوري في "تفسيره" ص 120، والطبري 10/ 30، عن مجاهد، عن ابن عباس، وكذلك رواه الثعلبي 6/ 69/ ب، والفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "فتح القدير" للشوكاني 2/ 468، بل أشار ابن خالويه في كتابه "مختصر في شواذ القرآن" ص 50، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 166 إلى أن ابن عباس ومجاهد كانا يقرآن: (تخزون به)، وقد ذكر الحوفي في "البرهان" 11/ 95 ب رواية ابن عباس بلفظ مقارب لما ذكره المؤلف ونصه: (تخوفون به).

(٣١) انظر قول مقاتل في: "تفسيره" 123 ب، ولفظه: كفار العرب، ورواه ابن أبي حاتم 5/ 1723 بلفظ: (من المشركين).

ولم أجد فيما بين يدي من مراجع إشارة إلى قول مجاهد، ومن الجدير بالتنبيه أن تحديد الأعداء هنا وفي الموضع بعده إنما هو باعتبار ملابسات النزول وأسبابه، والعبرة بعموم اللفظ وصلاحيته لكل زمان ومكان.

(٣٢) رواه عن مجاهد الإمام ابن جرير 10/ 31، وابن أبي حاتم 5/ 1723، والثعلبي == 6/ 69 ب، والبغوي 3/ 373، وهو في "تفسير مجاهد" ص 357، ورواه عن مقاتل بهذا اللفظ البغوي 3/ 373، وفي "تفسير مقاتل" 123 ب، والسمرقندي 2/ 24، وابن الجوزي 3/ 375: اليهود.

(٣٣) رواه ابن جرير 10/ 31، والثعلبي 6/ 69 ب، والبغوي 3/ 373.

(٣٤) رواه عنهما البغوي 3/ 373، ورواه عن ابن زيد الإمام ابن جرير 10/ 32 - 33، والثعلبي 6/ 69 ب، وذكره الهواري 2/ 103، عن الحسن مختصرًا.

(٣٥) التوبة: 101، ولم أقف على قول الحسن هذا.

(٣٦) لم أقف على مصدره، وسبق أن رواية عطاء مكذوبة على ابن عباس.

(٣٧) في (ح): (المنافقون).

(٣٨) هو: سليمان بن موسى الأشدق الدمشقي الأموي مولاهم، الإمام الكبير، ومفتي دمشق، وفقيه أهل الشام في زمانه، توفي سنة 119 هـ.

انظر: "التاريخ الكبير" 2/ 2/ 38، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 433، و"تهذيب التهذيب" 2/ 111.

(٣٩) رواه بمعناه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 359 انظر: "تفسير الرازي" 15/ 186، وذكره الثعلبي 6/ 69 ب بلا نسبة.

(٤٠) رواه ابن أبي حاتم 4/ 15 أ، قال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 335: وهذا الحديث منكر لا يصح إسناده ولا متنه.

(٤١) ساقط من (ح) و (س).

(٤٢) رواه الطبراني في "الكبير" 17/ 189 (506)، والحارث بن أبي أسامة وأبو يعلى وابن المنذر وابن قانع في "معجمه" وأبو الشيخ وابن منده والروياني في "مسنده"، وابن مردويه وابن عساكر كما في "الدر المنثور" 3/ 359، قال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 356: وهذا الحديث منكر لا يصح إسناده ولا متنه.

(٤٣) هو الإمام ابن جرير، انظر "تفسيره" 10/ 32 - 33، وقد ذكر الواحدي قوله بمعناه.

(٤٤) في (ح): (تردعهم)، وما أثبته موافق لتفسير ابن جرير.

(٤٥) إلى هنا انتهى قول ابن جرير، وفي قوله: أما المنافقون فلم تكن تروعهم خيل المؤمنين.

نظر؛ لأن سبب النفاق قوة المؤمنين وضعف الكافرين الذين بين ظهرانيهم فيسترون كفرهم، ومتى ما شعروا بقوتهم وضعف المؤمنين انقضوا عليهم وأظهروا كفرهم.

(٤٦) ذكره الزمخشري 2/ 166، والرازي 15/ 186، لكن الزمخشري لم ينسبه للحسن.

(٤٧) في (ح): (يرتبون)، وهو خطأ.

(٤٨) ذكر هذا القول الماوردي في "تفسيره" 2/ 330، ونسبه لبعض المتأخرين، ورجحه القرطبي في "تفسيره" 8/ 38 فقال: لا ينبغي أن يقال فيهم شيء؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ ؛ فكيف يدعي أحد علمًا بهم، إلا أن يصح حديث جاء في ذلك عن رسول الله  وهو قوله في هذه الآية: "هم الجن"، قلت: والحديث لم يصح كما سبق بيانه، وهذا القول أعم الأقوال إذ يدخل فيه كل من لا يعلم المؤمنون عداوته كالمنافقين، والمتربصين بالمؤمنين الدوائر، والدول التي ظاهرها المسالمة، وباطنها العداء والمحاربة.

(٤٩) في (ح): (المبرك).

(٥٠) انظر قول المبرد دون إنشاد البيت في: "المقتضب" 3/ 189.

(٥١) البيت للنمر بن تولب العكلي كما في "ديوانه" ص 395، و"شرح المفصل" ص 213، وكان وهب المذكور نازع النمر بن تولب الشاعر في بئر، فقال في ذلك قصيدة منها البيت المذكور وقبله: يريد خيانتي وهب وأرجو ...

من الله البراءة والأمانا (٥٢) لم أجد هذا القول لابن إسحاق، ونص قوله في "السيرة النبوية" 2/ 320، و"تفسير ابن جرير" 10/ 33: أي لا يضيع لكم عند الله أجره في الآخرة، وعاجل خلفه في الدنيا، وقال ابن جرير 10/ 33: في شراء آلة حرب من سلاح أو حراب أو كراع ...

يخلفه الله عليكم.

وانظر أيضًا "تفسير السمرقندي" 2/ 24.

(٥٣) ذكره بمعناه الرازي في "تفسيره" 15/ 187، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 184.

(٥٤) ذكره الرازي في "تفسيره" 15/ 187.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سبقوا ﴾ أي لا تظن أنهم فاتوا ونجوا بأنفسهم ﴿ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾ أي لا يفوتون في الدنيا ولا في الآخرة ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ ﴾ الضمير للذين ينبذ لهم العهد أو للذين لا يعجزون، وحكمه عام في جميع الكفار ﴿ مِّن قُوَّةٍ ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن القوة الرمي» ﴿ وَمِن رِّبَاطِ الخيل ﴾ قال الزمخشري: الرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله.

وقال ابن عطية: رباط الخيل جمع ربط أو مصدر ﴿ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ ﴾ يعني الكفار ﴿ وَآخَرِينَ ﴾ يعني المنافقين: وقيل: بني قريظة، وقيل: الجن لأنها تنفر من صهيل الخيل، وقيل: فارس، والأول أرجح لقوله مردوا على النفاق ﴿ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ ﴾ قال السهيلي: لا ينبغي أن يقال فيهم شيء، لأن الله تعالى قال: لا تعلمونهم، فكيف يعلمهم أحد، وهذا لا يلزم، لأن معنى قوله لا تعلمونهم: لا تعرفونهم: أي لا تعرفون آحادهم وأعيانهم وقد يعرف صنفهم من الناس، ألا ترى أنه قال مثل ذلك في المنافقين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تتوفى ﴾ بتاء التأنيث: شامي.

الباقون: بالتذكير ﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل.

الآخرون: بتاء الخطاب.

﴿ أنهم ﴾ بالفتح: ابن عامر ﴿ السلم ﴾ بكسر السين: أبو بكر وحماد ﴿ ترهبون ﴾ بالتشديد: رويس.

الباقون: بالتخفيف من الإرهاب ﴿ وإن يكن منكم ﴾ بالياء التحتانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ وعلم ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ ضعفاء ﴾ بالمد جمعاً: يزيد وقرأ حمزة وعاصم غير المفضل وخلف لنفسه ﴿ ضعفاً ﴾ بفتح الضاد.

الآخرون بالضم.

﴿ فإن لم يكن منكم مائة ﴾ بالتحتانية: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ كفروا ﴾ لا لأن فاعل ﴿ يتوفى ﴾ الملائكة.

وما قيل إن المتوفي هنا الله غير صحيح لاختلال النظم وفساد المعنى لأن الكفار لا يستحقون أن يتوفاهم الله بلا واسطة.

﴿ وأدبارهم ﴾ ج لحق الإضمار أي يقولون ذوقوا ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ فرعون ﴾ لا للعطف.

﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بذنوبهم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ بأنفسهم ﴾ لا لعطف "أنّ" على "أنَّ" ﴿ عليم ﴾ ه لا للكاف ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بآيات ربهم ﴾ ج لاختلاف الجملتين من الفاء ﴿ آل فرعون ﴾ ج لأن الواو تصلح للاستئناف والحال ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج لاحتمال الوصف واحتمال النصب والرفع على الذم ﴿ لا يتقون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ على سواء ﴾ ط ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ سبقوا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ لا يعجزون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لاحتمال الجملة الجملة بعده الوصف والاستئناف ﴿ لا تعلمونهم ﴾ ج لذلك ﴿ يعلمهم ﴾ ط ﴿ لا تظلمون ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حسبك الله ﴾ ط ﴿ بين قلوبهم ﴾ الأول ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ على القتال ﴾ ط ﴿ مائتين ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ ضعفاً ﴾ ج ﴿ مائتين ﴾ ج ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في حياتهم شرح أحوالهم حين وفاتهم.

وجواب "لو" محذوف، وترى في معنى الماضي الخاصية "لو"، وكذا ﴿ يتوفى ﴾ لخاصية "إذ" وإذ نصب على الظرف قاله في الكشاف.

ويمكن أن يكون مفعولاً به والمعنى لو رأيت أو عاينت أو شاهدت وقت قبض الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمراً فظيعاً.

﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ قال مجاهد: يريد بالأدبار الأستاه ولكن الله كريم يكني.

وفي تخصيص العضوين بالضرب نوع من الخزي والنكال.

وعن ابن عباس: المراد ما أقبل منهم وما أدبر.

وذلك أن المشركين كانوا إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف.

وإذا ولّوا ضربوا أدبارهم فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت خروج أرواحهم.

ومعنى ﴿ عذاب الحريق ﴾ مقدمة عذاب النار أو عذاب النار نفسها في الآخرة تبشيراً لهم بذلك.

وعن ابن عباس أن معهم مقامع من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار.

قوله ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم ﴾ الآية قد مر تفسيرها في آخر آل عمران، ويحتمل أن يكون هنا حكاية كلام الملائكة.

ولما بين  ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلاً أم آجلاً ذكر أن هذه سنة في فرق الكفرة كلهم فقال ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ يريد أن عادتهم وعملهم الذي داموا عليه كعادة آل فرعون فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإهلاك والإغراق.

ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم فقال ﴿ ذلك بأن الله لم يك ﴾ حذف النون لكثرة الاستعمال.

ومعنى الآية أن ذلك العذاب أو الانتقام بسبب أن الله لم يستقم في حكمته وتدبيره أن يغير ﴿ نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ﴾ بهم من الأحوال والأخلاق.

والغرض أن آل فرعون ومشركي مكة قد فتح الله عليهم أبواب الخيرات وأزال الموانع وسهل السبل ومنّ عليهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل، ثم إنهم قابلوا هذه النعم بالكفر والفسوق والعصيان فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن ﴿ وأن الله سميع ﴾ للأقوال ﴿ عليم ﴾ بالأحوال فيجزي كل فريق بما يستأهله.

ثم ذكر مرة أخرى قوله ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ وفي التكرير بعد التأكيد فوائد استنبطها العلماء منها أن الثاني كالتفصيل للأول لأن الإغراق كالبيان للأخذ بالذنوب.

ومنها أن الأول لعله في حال الموت والثاني لما بعد الموت.

قلت: ويشبه أن يكون بالعكس لأن الإهلاك والإغراق بحال الموت أنسب.

ومنها أن الأول إخبار عن عذاب لم يمكن الله أحداً من فعله وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم.

والثاني إخبار عن عذاب مكن الناس من فعل مثله وهو الإهلاك والإغراق.

ومنها أن المراد في الأول ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فعلوا وفي الثاني ﴿ كدأب آل فرعون ﴾ فيما فُعل بهم فهم فاعلون في الأول ومفعولون في الثاني.

ومنها أن المراد بالأول كفرهم بالله، وبالثاني تكذيبهم الأنبياء لأن التقدير: كذبوا الرسل برد آيات ربهم.

ومنها أن يجعل الضمير في ﴿ كفروا ﴾ و ﴿ كذبوا ﴾ لكفار قريش أي كفروا بآيات الله كدأب آل فرعون، وكذبوا بآيات ربهم كدأب آل فرعون.

ومنها أن الأول إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل الإليهة فكان لازمه الأخذ، والثاني إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل التربية والإحسان فكان لازمه الإهلاك والإغراق.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وكل كانوا ظالمين ﴾ أي وكل واحد من غرقى القبط وقتلى قريش وممن قبلهم من الكفرة كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعاصي، وظالمي غيرهم بالإيذاء والإيحاش، فلا جرم دمرهم الله بسبب ظلمهم.

ثم خص من الظلمة سرهم فقال ﴿ إن شر الدواب ﴾ الآية.

جعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار وشر الكفار المصرون منهم وأشار إلى هذا بقوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وشر المصرين الناكثون للعهود وأشار إليهم بقوله ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ و "من" للتبعيض ومفعول ﴿ عاهدت ﴾ محذوف أي الذين عاهدتهم وهم بعض أولئك الكفرة يعني الأشراف الذين معهم تليق المعاهدة ﴿ ثم ينقضون ﴾ عطف المستقبل على الماضي لفائدة الاستمرار وأن من شأنهم نقض العهد ﴿ في كل مرة ﴾ من مرات المعاهدة.

ومعنى "ثم" تبعيد النقض عن المعاهدة.

قال ابن عباس: هم بنو قريظة نقضوا عهد رسول الله  وأعانوا عليه المشركين بالسلاح يوم بدر وقالوا: قد نسينا وأخطأنا ثم عاهدهم فنكثوا وأعانوا عليه يوم الخندق ﴿ وهم لا يتقون ﴾ عاقبة الغدر وما فيه من العار والنار.

ثم أمر رسوله بالمخاشنة معهم والغلظة عليهم جزاء على قبح فعلهم وسوء عقيدتهم فقال ﴿ فأما تثقفنهم ﴾ تصادفنهم وتظفرن بهم في الحرب ﴿ فشرد بهم من خلفهم ﴾ والتشريد التفريق مع الاضطراب أي ففرق عن محاربتك من وراءهم.

وقال عطاء: معناه أكثر فيهم القتل حتى يخافك غيرهم.

والضمير في ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ لمن خلفهم لأنه إذا نكل بالناكثين وقتلهم شر قتلة لن يجسر عليه أحد بعدهم اتعاظاً بحالهم ﴿ وإما تخافنّ من قوم ﴾ معاهدين ﴿ خيانة ﴾ ونكثاً بأمارات تلوح لك ﴿ فانبذ إليهم ﴾ فاطرح إليهم العهد ﴿ على سواء ﴾ على طريق مستوٍ قصد أي أخبرهم أخباراً مكشوفاً بيناً أنك قطعت ما بينك وبينهم ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك.

وقيل: على استواء في العلم بنقض العهد.

وقيل: على استواء في العداوة.

قال في الكشاف: الجار والمجرور في موضع الحال كأنه قيل: فانبذ إليهم ثابتاً على طريق قصد سوي، أو حاصلين على استواء في العلم، أو العداوة على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معاً.

قلت: ويحتمل أن يكون حالاً من المنبوذ أي حال كون المنبوذ وهو العهد واقعاً على طريق واضح فيكون كناية عن تحقير شأن العهد إذ ذاك، أو عن انكشاف حاله في النبذ.

قال أهل العلم: إن آثار نقض العهد إذا ظهرت فإما أن تظهر ظهوراً محتملاً أو ظهوراً مقطوعاً به.

فإن كان الأول وجب الإعلام به كما هو مذكور في الآية.

وذلك أن قريظة عاهدوا النبي  ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب، أما إذا ظهر نقض العهد ظهوراً قطعياً فلا حاجة إلى نبذ العهد إليهم كما فعل رسول الله  بأهل مكة لما نقضوا العهد.

ثم بيّن حال من فاته يوم بدر ولم يتمكن من التشفي منه والانتقام كيلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذيته مبلغاً عظيماً فقال ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فمفعوله الأول ﴿ الذين كفروا ﴾ وثانيه ﴿ سبقوا ﴾ أي فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم ﴿ إنهم لا يعجزون ﴾ كل من المكسورة والمفتوحة تعليل له إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف كأن سائلاً سأل ما لهم لا يحسبون سابقين؟

فأجيب بما أجيب.

والمفتوحة تعليل صريح والجار محذوف أي لأنهم يعجزون الله من الانتقام منهم ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم.

أو عجزت فلاناً وعجزته جعلته أو وجدته عاجزاً.

والمراد لا تحسبنهم أنهم لما تخلصوا من الأسر والقتل يوم بدر فقد تخلصوا من العقاب عاجلاً أم آجلاً.

ومن قرأ بالياء التحتانية تذكر فيه وجوهاً منها "أن" فاعله ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه ﴿ سبقوا ﴾ على أن الأصل أن سبقوا فحذفت "أن" كقوله ﴿ ومن آياته يريكم البرق ﴾ ويؤيده قراءة ابن مسعود أنهم سبقوا.

ومنها أن الفعل وقع على أنهم لا يعجزون على أن لا صلة وسبقوا في موضع الحال.

ومنها أن المفعول الأول محذوف للعلم به والتقدير لا يحسبنهم أو لا يحسبن أنفسهم الذين كفروا وسبقوا.

ومنها أن فاعله محذوف أي لا يحسبن قبيل المؤمنين الذين كفروا سبقوا.

ثم إنه لما أنفق لأصحاب النبي  في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة وعدة، أمرهم أن لا يعودوا لمثله ويتأهبوا لقتال الأعداء فقال ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ عن عكرمة: هي الحصون.

وعن عقبة بن عامر أن رسول الله  قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال: إلا إن القوة الرمي قالها ثلاثاً ومات عقبة عن سبعين قوساً في سبيل الله والأصح أنها عامة في كل ما يتقوى به في الحرب من آلة وعدّة.

وقوله  : "القوة الرمي" كقوله: "الحج عرفة" وفيه تنبيه على أن المذكور جزء شريف في جملة المقصود ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله الخمس فما فوقها.

ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصال وفصيل، والظاهر أنه بمعنى المرابط.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ ومن رباط الخيل ﴾ تخصيصاً للخيل من بين ما يتقوّى به كقوله ﴿ وجبريل وميكائيل ﴾ فلا ريب أن ربط الخيل من أقوى آلات الجهاد.

روي عن ابن سيرين أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله في الحصون فقال: يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزي عليها.

فقيل له: إنما أوصى في الحصون.

فقال: ألم تسمع قول الشاعر: ولقد علمت على توقّي الردى *** أن الحصون الخيل لا مدر القرى وعن عكرمة أن الخيل ههنا الإناث لأنها أولى بالربط لتفيد النسل.

وقيل: هي الفحول لأنها أقوى على الكر والفر.

والظاهر العموم.

ثم ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء فقال ﴿ ترهبون به ﴾ أي بما استطعتم ﴿ عدو الله وعدوكم ﴾ لأن الكفار إذا علموا تأهب المسلمين للقتال لم يجسروا عليهم وخافوهم وربما يدعوهم ذلك إلى الانقياد والطاعة ﴿ وآخرين من دونهم ﴾ يريد بالأوّلين أهل مكة وبالآخرين اليهود على قول ولكنه لا يجاريه قوله ﴿ لا تعلمونهم الله يعلمهم ﴾ والمنافقين على قول.

واعترض عليه بأنهم لا يرهبون لانخراطهم في سلك المسلمين ظاهراً.

وأجيب بأن الخائن خائف فلكما اشتدت شوكة المسلمين ازداد المنافقون في أنفسهم خوفاً ورعباً فربما يدعوهم ذلك إلى الإخلاص.

وعن السدي: هم أهل فارس.

وروي ابن جريج عن سليمان بن موسى أنهم كفرة الجن وجاء في الحديث إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا داراً فيها فرس عتيق وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن.

وقيل: المراد بالآخرين أعداء المرء من دينه فإن المسلم قد يعاديه مسلم آخر.

ثم رغبهم في الإنفاق في باب الجهاد فقال ﴿ وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ﴾ أي ثوابه ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.

ثم رخص في المصالحة إن مال الأعداء إليها فقال ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ الآية جنح له وإليه جنوحاً إذا مال.

وإنما قيل ﴿ فاجنح لها ﴾ لأن السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، أو بتأويل الخصلة أو الفعلة.

عن ابن عباس ومجاهد أن الآية منسوخة بقوله ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله  ﴾ وبقوله { ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم  ﴾ والأوْلى أن يقال: إنها ثابتة فليس بحتم أن يقاتل المشركون أبداً، أو يجابوا إلى الهدنة أبداً، وإنما الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وذويه، فإذا رأى الصلاح في الصلح فذاك.

والمصلحة قد تظهر عند ضعف المسلمين إما لقلة العدد أو لقلة المال وبعد العدوّ وقد تكون مع القوة للطمع في إسلامهم أو قبولهم الجزية إذا خالطوا المسلمين أو بأن يعينوه على قتال غيرهم.

وأما مدة المهادنة فإذا لم يكن بالمسلمين ضعف ورأى الإمام الصلاح في المهادنة فقد قال الشافعي يهادن أربعة أشهر فما دونها لقوله  ﴿ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر  ﴾ وذلك كان في أقوى ما كان رسول الله  منصرفه من تبوك.

وإن كان بالمسلمين ضعف جازت الزيادة بحسب الحاجة إلى عشر سنين اقتداء برسول الله  حين صالح أهل مكة بالحديبية على وضع القتال عشر سنين: إلا أنهمنقضوا العهد قبل كمال المدة وإن نقضت المدة والحاجة باقية استأنف العقد.

ثم قال ﴿ وتوكل على الله ﴾ أي فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عوناً لك على السلامة وينصرك عليهم.

إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء كما كان من شأن قريظة والنضير.

وعن مجاهد نزلت فيهم ﴿ إنه هو السميع ﴾ للأقوال ﴿ العليم ﴾ بالأحوال.

وفيه زجر عن نقض الصلح ما أمكن.

ثم ذكر حكماً من أحكام المهادنة فقال ﴿ وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك ﴾ محسبك وكافيك ﴿ الله ﴾ والمعنى أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة وجب قبول ذلك الصلح لأن الحكم فيه يبنى على الظاهر كما أن أصل الإيمان مبني على الظاهر.

ولا تنافي بين هذه الاية وبين ما تقدم من قوله ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم  ﴾ لأن هذه المخادعة محمولة على أمور خيفة تدل على الغل والنفاق، وذلك الخوف محمول على أمارة قوية يدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة.

ثم أكد كون الله  كافياً له بقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره ﴾ أي من غير واسطة أسباب معتادة.

﴿ وبالمؤمنين ﴾ أي بوساطة الأنصار.

ثم بين أنه كيف أيده بالمؤمنين فقال ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ قال جمع من المفسرين: هم الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك أشرافهم ودق جماجمهم، فرفع الله  ذلك بلطيف صنعه، والأولى حمله على العموم والتأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله  من الآيات الباهرة لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية والانطواء على الضغائن في الأمور المستحقرة لم تكد تأتلف أهواؤهم وينتظم شملهم، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله حتى بذلوا دونه المهج والأرواح والأموال فليس ذلك الأمن مقلب القلوب والأحوال.

والتحقيق في الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير من المحبوب.

ثم إن كان سبب انعقاد المحبة أمراً سريع التغير كالمال أو الجاه أو اللذة الجسمانية كانت تلك المحبة بصدد الزوال والاضمحلال، فالمعشوق يريد العاشق لماله، والعاشق يحب المعشوق لاستيفاء لذة بهيمية، فمهما حصل مرادهما كانا متحابين ومتى لم يحصل عادا متباغضين وإن كان سبب انعقاد المودة كمالاً حقيقياً روحانياً دائماً لم يتصور لها تغير وزوال.

ثم إن العرب كانوا قبل مقدم النبي  مقبلين على المفاخرة والتسابق في المار والجاه والتعصب والتفرق، فلا جرم كانوا متحابين تارة ومتباغضين أخرى، فلما جاءهم النبي  إلى عبادة الله  والإعراض عن الدنيا والإقبال على تحصيل السعادة الأبدية الروحانية توحد مطلبهم وصاروا إخواناً متراحمين متحابين في الله ولله.

﴿ إنه عزيز حكيم ﴾ أي قادر قاهر على تقليب القلوب والدواعي فاعل لكل ما يفعل على وجه الإحكام والإتقان أو على حسب المصالح على اختلاف القولين في مسألة الجبر والقدر.

قال القاضي: لولا ألطاف الله  ساعة فساعة لما حصلت هذه الأحوال.

ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب وتربيته، وأجيب بأنه عدول عن الظاهر والآية صريحة في أن العقائد والإرادات والكراهات كلها بخلق الله  وإيجاده، اللهم يا مصرف القلوب ومقلبها ثبت قلبي على دينك ووفقني لمتابعة نبيك إنك قادر على ما تشاء ولا يكون إلا ما تشاء.

ثم إنه  لما وعد نبيه النصر والكفاية عند مخادعة الأعداء وعده النصر والكفاية على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ﴾ ومحل ﴿ ومن اتبعك ﴾ منصوب بمنزلة "زيداً" في قولك "حسبك وزيداً درهم" قال الفراء: وليس بكثير في كلامهم أن يقولوا حسبك وأخيك بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار.

فلو كان قوله ﴿ ومن اتبعك ﴾ مجروراً لقيل حسبك وحسب من اتبعك.

ومعنى الآية كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصراً.

وجوّز أن يكون محل الرفع أي كفاك الله وكفاك المؤمنون فيكون كقوله ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ ويؤكده ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أسلم مع النبي  ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فصاروا أربعين فأنزل الله  الآية.

ثم بيّن  أن كفايته مشروطة بالجد والاجتهاد في الجهاد فقال ﴿ يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ﴾ والتحريض.

في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء.

وذكروا في اشتقاقه أنه من الحرض وهو الإشراف على الهلاك من شدّة الضنى كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور، أو كأنه يأمره أن يبالغ فيه وفي تحصيله حتى يدنو من التلف.

وفي قوله ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون ﴾ عدّة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم بعون الله وتأييده.

واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين، ويمكن أن يجاب بعد تسليم وقوع مثل ذلك أن الخلل لعله يكون من فقدان الشرط وهو الصبر.

قال بعض العلماء: هذا خبر في معنى الأمر كقوله { ﴿ والوالدات يرضعن  ﴾ ﴿ والمطلقات يتربصن  ﴾ بدليل قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ والنسخ أبدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهمالمتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو من جهة تعريف الخبر وإقحام الفصل.

قال الفراء: قد جمع بين "إما" و "أن" في هذه الآية بخلاف قوله ﴿ وما يعذبهم ﴾ ﴿ وإما يتوب عليهم ﴾ لأن الفعل ههنا في موضع أمر بالاختيار أعني في موضع نصب كقول القائل: اختر ذا أو ذا.

كأنهم قالوا: اختر أن تلقى بخلاف تلك الآية فإن الأمر لا يصلح هناك.

قال موسى للسحرة ألقوا ما ترغبون فيه ازدراء بشأنهم وقلة مبالاة وثقة بأن الأمر الإلهي يغلب ولن بالكفر كفر.

فالجواب من وجوه: أحدها: أنه إنما أمرهم بشرط أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقاً فإذا لم يكن كذلك فلا أمر ألبتة كقول القائل: اسقني الماء من الجرة.

فهذا إنما يكون أمراً بشرط حصول الماء من الجرة.

والثاني: أن موسى علم أنهم جاءوا لذلك فلا بد أن يفعلوه ودفع النزاع في التقديم والتأخير.

الثالث: أنه أذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليتمكن من الإقدام على إبطاله كمن يريد سماع شبهة ملحد ليبحث عنها ويكشف عن ضعفها يقول له: هات وقل ومراده أن يجيب عنها ويبين لكل أحد ضعفها وسقوطها ﴿ فلما ألقوا سحروا أعين الناس  ﴾ قال القاضي: لو كان السحر حقاً لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم فثبت أنهم خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه.

وقال الواحدي: بل المراد أنهم قلبوا الأعين عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات.

وروي أنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق دواخل العصي فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض فخيل إلى الناس أنها تسعى { ﴿ واسترهبوهم  ﴾ أي أرهبوهم والسين زائدة كأنهم استدعوا رهبتهم.

وقال الزجاج: اشتدت رهبة الناس فبعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب ﴿ وجاؤا بسحر عظيم  ﴾ كما زعموا أن ذلك سحر لا يطيقه سحرة أهل الأرض.

عن ابن عباس أنه خيل إلى موسى  أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن الق عصاك.

وفي رواية الواحدي عنه أن المراد بالوحي ههنا الإلهام وههنا إضمار والتقدير: فألقاها فإذا هي تلقف.

قال الجوهري: لقفت الشيء بالكسر ألقفه وتلقفته أيضاً تناولته بسرعة و "ما" في ما يأفكون موصولة أو مصدرية بمعنى ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه، أو أفكهم نحوه ودنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي: من الرجل؟

قلت له: من العرب سمعت بك وبجمعك ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى رسول الله  وذكرت أني قتلته فأعطاني عصاه وقال: أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة.

وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين فلما كثروا خفف الله عنهم ولهذا قال ابن عباس: أيما رجل فر من ثلاثة فمل يفر، فإن فر من اثنين فقد فر.

والحاصل أن الجمهور ادّعوا أن قوله ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ ناسخ لحكم الآية المتقدمة وأنكر ذلك أبو مسلم الأصفهاني قال: لأن لفظ الآية ورد على الخبر.

سلمنا أنه بمعنى الأمر لكن لم قلتم إن التقدير ليكن العشرون يغلب فإن قيل: إن إلقاءهم الحبال والعصي معارضة المعجز بالسحر وذلك كفر والأمر صابرين في مقابلة المائتين، ولم لا يجوز أن يكون المراد إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم وإذا كان الشرط غير حاصل في حق هؤلاء لقوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم فلا يتصور النسخ.

ولفظ التخفيف لا يقتضي ورود التثقيل قبله لأن مثل هذا الكلام قد تقوله العرب ابتداء.

ومما يدل على عدم النسخ تقارن الآيتين، والناسخ يجب أن يكون بعد المنسوخ بزمان.

وهذا حاصل قول أبي مسلم وهو إنما يستحق الجواب لو لم يحصل قبله إطباق على حصول هذا النسخ والله تعالى أعلم.

ومعنى قوله ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ ظهر معلومه فلا يبقى لهشام حجة في مذهبه أنه  لا يعلم الجزئيات إلا بعد وقوعها.

والمراد بالضعف قبل الضعف في البدن وقيل في البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك.

والظاهر أن المراد الضعف الإنساني المذكور في قوله ﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً  ﴾ .

التأويل: ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ لأن الكافر ذاهب عن الدنيا مع تعلقه بها فيحصل له ألم من جهة الخلف ويقبل على الآخرة ولا نور له يبصر به ما أمامه فيحصل له تألم من قدام و ﴿ لم يك مغيراً نعمة ﴾ مبدلاً حسن تقديم واستعداد أعطاهم الله بضده ﴿ حتى يغيروا ﴾ بالكفر والتكذيب ﴿ ما بأنفسهم ﴾ من نعم الاستعداد الفطري ﴿ الذين عاهدت منهم ﴾ يا روح في الأزل لأن نورك وصفتك غلب على ظلمة النفس وصفاتها ﴿ فشرد ﴾ يا روح ﴿ بهم من خلفهم ﴾ أي بالغ في تبديل صفات النفس وفي تزكيتها بحيث يؤثر نور تبدلها في الصفات التي وراءها ﴿ فانبذ إليهم على سواء ﴾ أي أظهر عداوتك معهم ﴿ وجاهدهم ﴾ أنهم لا يعجزون أي النفوس الكافرة تحت تصرفي فلا تقنطوا من رحمتي في إصلاح حالهم من قوة الروح وغلبات صفاتها وإعداده بمداومة الذكر وقطع التعلق ومن رباط الخيل} ومن ربط القلب بطريق المراقبة لئلا يلتفت إلى الدنيا وزينتها ﴿ ترهبون ﴾ من نفوس شياطين الإنس ﴿ لا تعلمونهم ﴾ أنهم عدّوكم من الأحباب والأصدقاء والأقرباء ﴿ الله يعلمهم ﴾ أنهم عدوّ لكم كقوله ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم  ﴾ ﴿ وما تنفقوا من شيء ﴾ من شهوات النفس ولذاتها وزينتها بطريق الذكر والمراقبة ﴿ يوف إليكم ﴾ فوائد من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ بين الروح والقلب والسر وبين النفس وصفاتها.

﴿ لو أنفقت ما في أرض ﴾ وجودك من السعي والجد والاجتهاد لما بين الروح النوراني والنفس الظلماني من التضاد ﴿ ولكن الله ألف ﴾ بين الروح والنفس وبين القلب والقالب ليكون الشخص الإنساني طلسماً على كنز وجوده لم يكسر الطلسم للوصول إلى الكنز والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ \[ذكر هاهنا شر الدواب عند الله الذين لا يؤمنون وذكر\] في آية أخرى: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ ، هم شر الدواب؛ حيث سمعوا الآيات والحق وعقلوها فلم يؤمنوا بها، أي: لم ينتفعوا بما عقلوا مما وقع في مسامعهم، ومما درسوا كمن لا سمع له ولا لسان، نفى عنهم ذلك؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا.

ويحتمل أن يكون في الآخرة، أي: يبعثون يوم القيامة صمّاً بكماً عمياً؛ لما لم ينتفعوا في الدنيا بهذه الحواس؛ كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً...

﴾ الآية [الإسراء: 97].

وقوله: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ هو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ  ﴾ ، أخبر أن الذين كفروا وكذبوا بآياته أضل من الأنعام، وقد ذكرنا فائدة قوله: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ  ﴾ في موضعه.

ويحتمل قوله: ﴿ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ ﴾ أي: شر من يدب على وجه الأرض من الممتحنين ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، ثم ليكونوا بهذا الوصف إذا ختموا بالكفر وترك الإيمان.

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: نزل في بني قريظة؛ حيث عاهدوا رسول الله، ثم أعانوا مشركي مكة على رسول الله بالسلاح وغيره، فأقالهم رسول الله، وكانوا يقولون: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم ثانية، فنقضوا العهد، فذلك قوله: ﴿ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ ﴾ : نقض العهد، أو لا يتقون الشرك.

وقال بعضهم: نزل قوله: ﴿ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ...

﴾ إلى آخر الآية، في المردة والفراعنة من الكفار، كانوا عقلوا ما سمعوا ودرسوا، ولكن غيروه فلم يؤمنوا به؛ على هذا حمل أهل التأويل تأويل الآية إلى ما ذكرنا، وإلا صرف الآية إلى أهل النفاق أولى؛ لأنهم هم المعروفون بنقض العهد مرة بعد مرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ ﴾ .

قيل: تأمرنهم في الحرب.

وقيل: تلقينهم في الحرب.

وقيل: تجدنهم في الحرب.

﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ .

قيل: نكل بهم من بعدهم، أي: اصنع بهم ما ينكلون من خلفهم، أي: يمتنعون.

وقيل: فعظ بهم من خلفهم، أي: من سواهم.

الآية نزلت في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، وكانت عادتهم نقض العهد، فأمر - عز وجل - رسوله أن ينكل هؤلاء؛ ليكون ذلك عبرة وزجراً لمن بعدهم إن لم يكن ذلك لهم زجراً، فيكون في تنكيل هؤلاء منفعة لغيرهم، إذا رأي غيرهم أنه فعل بهؤلاء ما ذكر يكون ذلك زجراً لهم عن مثل صنيعهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ  ﴾ ، من رأى أنه يقتل به امتنع عن قتل آخر، فيكون في ذلك حياة الخلق.

وكذلك جعل الله في القتال مع العدو ونصب الحرب فيما بينهم رحمة؛ لأن في الطباع النفار عن القتل، فإذا رأى أنه يقتل بتركه الإسلام أجاب إلى ذلك؛ إشفاقاً على نفسه، وخوفاً على تلف مهجته، فيكون في القتال رحمة، وكذلك جميع ما جعل الله فيما بين الخلق من العقوبات في النفس وما دون النفس جعل زواجر وموانع عن المعاودة إلى مثله؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ : عظة وزجراً لمن بعدهم.

﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ .

لكي يذكروا النكال فلا ينقضوا العهد، وكذلك كل مرغوب في الدنيا ومرهوب جعل دواعي وزواجر لموعود في الآخرة، وجعل كل لذيذ وشهي في الدنيا لما وعد في الآخرة [في الجنة]، وكل كريه وقبيح زاجراً له عن الموعود في الآخرة في النار؛ على هذا بناء أمر الدنيا.

والتشريد: قال أبو عبيدة: معناه من التفرقة، أي: فرق بهم.

وقال القتبي: قوله: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ أي: افعل بهم فعلا من العقوبة والتنكيل يتفرق به من وراءهم من الأعداء.

قال: ويقال: شرد بهم: سمع بهم، بلغة قريش.

وقيل: نكلهم، أي: اجعلهم عظة لمن وراءهم وعبرة، وهو ما ذكرنا.

وقال أبو عوسجة: التنكيل: التخويف والرد عما يكره، والنكال: العذاب.

وقال غيره: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ ، أي: اخلفهم بهم بما صنع هؤلاء.

وقال أبو عبيدة: التشريد في الكلام: التبديد والتفريق؛ وبعضه قريب من بعض.

قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ فَشَرِّدْ بِهِم ﴾ ، أي: نكل بهم حتى يخافك من خلفهم، والشريد: الطريد، والشريد - أيضاً -: القليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ \[قال بعضهم: قوله تخافن: تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء\].

أي: لا تفعل بهم مثل ما فعلوا من الخيانة فتكون أنت وهم في الخيانة سواء؛ لأن عندهم أنكم معاهدون على عهد بعد عهد، ولكن انبذ إليهم، ثم ناصب فيما بينهم الحرب.

وقال بعضهم: هو على حقيقة الخوف، يقول: إذا خفت منهم النقض أو الخيانة ﴿ فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ ﴾ ، أي: ألق إليهم نقضك؛ لتكون أنت وهم في العلم بالنقض سواء.

قال أبو عبيدة: قوله: ﴿ فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ ، أي: أظهر لهم أنك عدو، وأنك مناصب لهم؛ حتى يعلموا ذلك فيصيروا على ذلك سواء.

وقال بعضهم: ﴿ سَوَآءٍ ﴾ ، أي: على أمرين.

قال أبو عبيد: قال غير واحد من أهل العلم: ﴿ فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ : أعلمهم أنك تريد أن تحاربهم؛ حتى يصيروا مثلك في العلم؛ فذلك السواء.

قال الكيساني: السواء: العدل.

وقال: ﴿ فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ﴾ ، أي: سر إليهم، وقد علموا بك وعلمت بهم.

وبعضه قريب من بعض.

وحاصل التأويل: هو التأويلان اللذان ذكرتهما، والله  أعلم.

وأصل العهد ما ذكر عز وجل في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ  ﴾ .

أمر - عز وجل - بإتمام العهد إلى المدة، إذا لم ينقضونا شيئاً ولم يخونوا، ولم يظاهروا علينا أحداً منهم، فإذا فعلوا شيئاً من ذلك قلنا أن ننقض العهد الذي كان بيننا وبينهم.

وكذلك ابتداء العهد [فيما] بيننا وبينهم إذا سألونا ليس للإمام أن يعطي لهم العهد إذا لم يكن في العهد منفعة للمسلمين - منفعة ظاهرة - وخير لهم؛ فعلى ذلك ما دام يرجو في العهد منفعة للمسلمين وخيراً لهم فعليه مراعاة ذلك العهد وحفظه، فإذا خاف منهم أو اطلع على خيانة منهم، فله نقضه، والله أعلم.

ثم إذا كانت تلك الخيانة من جملتهم أو ممن له منعة، فله أن يناصبهم الحرب، وإن لم ينبذ إليهم.

وإذا كان ذلك من بعض على سبيل التلصص والسرقة، فليس له أن يحاربهم إلا بعد النبذ إليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾ .

قال بعضهم: لا تحسبن الذين نجوا وتخلصوا منك - يا محمد - من المشركين [يوم بدر] أني لا أظفرك بهم في غيره من الحروب والمغازي، وأنهم يفوتون ويعجزون الله عن ذلك.

وقال بعضهم: ولا تحسبن الذين كفروا أنهم يعجزون ويفوتون عن نقمة الله وعذابه.

وقرأ بعضهم بنصب الألف: ﴿ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾ ، فمن قرأ بالنصب طرح "لا" وجعلها صلة، وقال: لا تحسبن أنهم يعجزون.

وأما قراءة العامة: فهي بالخفض: ﴿ إِنَّهُمْ ﴾ فهو على الابتداء، فقال: إنهم لا يعجزون [على الابتداء].

[وقيل: العجز: السبق].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ﴾ .

قال بعضهم: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ولا تخرجوا إلى الحرب في المغازي، كما خرجتم إلى بدر بلا سلاح ولا قوة؛ لأنه أراد أن يجعل حرب بدر آية؛ ليميز بين المحق والمبطل، وبين الحق والباطل؛ لذلك أمركم بالخروج إليها بلا سلاح ولا عدة، وأما غيرها من الحروب والمغازي فلا تخرجوا إليها إلا مستعدين لها.

وبعد: فإنهم إنما تركوا الاستعداد طاعة لربهم، وفي الاشتغال بالاستعداد ترك للطاعة له، وأمر - عز وجل - بالاعتداد لهم ما استطاعوا من الأسباب؛ لما أن ذلك أرهب للعدو من ترك الاستعداد، وإن كان - عز وجل - قادراً أن ينصرهم على عدوهم بلا سبب يجعله لأنفسهم، وهو كقوله: ﴿ لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ  ﴾ .

فأمر الله بالأسباب في الحروب، وإن كان قادراً على نصر أوليائه على عدوه بلا سبب، لكنه أمر بالأسباب؛ لما أن جميع أمور الدنيا جعلها بالأسباب، من نحو الموت والحياة وجميع الأشياء، وإن كان يقدر على إبقاء الإنسان والخلائق جميعاً بلا غذاء يجعل لهم، والموت بلا مرض ولا سبب؛ ولكن فصل بما ذكرنا.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مِّن قُوَّةٍ ﴾ ؛ قال بعضهم: القوة: الرمي، وعلى ذلك رووا عن رسول الله  قال: " ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ﴾ فقال: ألا إن القوة الرمي، قال ذلك ثلاثاً" .

ويحتمل قوله: ﴿ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ﴾ : ما تقوون به [في] الحروب.

قال بعضهم: القوة: السلاح.

وقال غيرهم: الخيل.

وأمكن أن تكون جميع أسباب الحرب.

وفيه دلالة أن القوة التي هي أسباب الفعل يجوز أن تتقدم، ويكون قوله: ﴿ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ  ﴾ أراد استطاعة الأسباب لا استطاعة الفعل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ ، أمر برباط الخيل والإعداد للحرب؛ رهبة للعدو.

﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ اختلف [أهل التأويل فيه]: قال بعضهم: ترهبون برباط الخيل المشركين.

وقال: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ .

اليهود والنصارى، وهؤلاء الذين كانوا فيما بينهم يرهب هؤلاء أيضاً.

وقال بعضهم: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ : [المنافقين] الذين كانوا فيما بينهم لا يعرفونهم كانوا طلائع للمشركين وعيوناً لهم يخبرونهم عن حال المؤمنين ما يرهب هؤلاء أيضاً.

وقال آخرون: قوله: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ : هم الشياطين، ورووا على ذلك [خبراً] عن رسول الله  [أنه] قال: "هم الشياطين" ، وقال: "لن يخبل الشياطين إنساناً في داره فرس عتيق" ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ \[هم\] الأعداء الذين يكونون من بعد إلى يوم القيامة ﴿ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ ، فإن كان ذلك، ففيه دلالة بقاء الجهاد إلى يوم القيامة.

وقال بعضهم: ﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ﴾ : الشياطين، ﴿ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ وهو كقوله: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ  ﴾ .

فإن قيل: [أي] رهبة تقع للشياطين فيما ذكر من رباط الخيل والسلاح الذي ذكر؛ قيل: يكون لهم رهبة في قمع أوليائهم، أو يكون لأوليائهم رهبة نسب ذلك إليهم، وذلك كثير في القرآن.

وقوله: ﴿ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ .

سمى عدواً لله وعدواً للمؤمنين؛ ليعلم أن من اعتقد عداوة الله صار عدوّاً للمؤمنين، ومن اعتقد ولاية الله صار وليّاً للمؤمنين، ومن كان وليّاً للمؤمنين يكون وليّاً لله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ .

أخبر أن ما أنفقوا في سبيل الله يوفى إليهم ذلك، إما الخلف في الدنيا؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ  ﴾ ، وإما في الآخرة الثواب.

﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ [يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ ]: فيما يأمركم بالجهاد في سبيل الله، واتخاذ العدة والإنفاق فيها؛ إذ أنفسكم وأموالكم لله له أن يأخذها منكم.

والثاني: ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ في الثواب في الآخرة، أي: يعطيكم الثواب في الآخرة أو الخلف في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا ﴾ .

قرئ بالنصب: ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ ، وقرئ بالخفض: ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ .

وقال أهل اللغة: من قرأ بالنصب: ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ ، حمله على المصالحة والموادعة، ومن قرأ بالخفض: ﴿ لِلسَّلْمِ ﴾ ، جعل ذلك في الإسلام.

وتأويله - والله أعلم -: أي: إذا خضعوا للصلح وطلبوه منك فاجنح لهم، أي: مل إليهم، ولا يمنعك عن الصلح معهم ما كان منهم من نقض العهد؛ على ما ذكر في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ﴾ ، يقول: لا يمنعك عن الصلح إذا طلبوا ذلك ما كان منهم من النقض ونكث العهود.

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .

ولا تخف خيانتهم ونقضهم العهد، فإن الله يطلعك ويكفيك على ذلك.

ومنهم من قال: قوله: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ ﴾ ، أي: إذا خضعوا وتواضعوا للإسلام، فاقبل منهم واخضع لهم؛ كقوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أمره بخفض الجناح لهم.

ذكر - هاهنا - أنهم إذا طلبوا الصلح منا يلزمنا أن نعطيهم، وإذا لم يطلبوا منا ذلك لا يحل لنا أن نطلب منهم الصلح، إلا أن نضطر إلى ذلك، وهو ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ  ﴾ ، نهانا أن ندعوهم إلى الصلح ولنا قوة وعدة للقتال معهم، وأما إذا كانوا طلبوا منا ذلك أولا فيجابون إلى ذلك.

ويحتمل ما ذكرنا، أي: لا يمنعك ما كان منهم من نقض العهد.

وقوله: ﴿ فَٱجْنَحْ لَهَا ﴾ يحتمل ذكره بالتأنيث، أي: للمسالمة والمصالحة.

وقال بعضهم: السلم هو مؤنث؛ كقول القائل: السلم تأخذ منا ما رضيت به *** والحرب يكفيك من أنفاسها جرع فإن قيل: ما المعنى في قول من قال بالإسلام بقوله: ﴿ فَٱجْنَحْ لَهَا ﴾ وهو كان يدعو إلى الإسلام، وهو لا شك أنه كان يقبل منهم الإسلام؟

قيل: يحتمل أن يكون الأمر بالقبول أمراً بترك المؤاخذة بما كان منهم في حال نقض العهد؛ لأن من قولنا: أن ما أصابوا في حال العهد من الجراحات والأخذ يتبعون بها ويؤاخذون إذا أسلموا، وإذا نقضوا العهد ثم أصابوا شيئاً من ذلك ثم أسلموا، لم يؤاخذوا بذلك، فيحتمل أن يقول له: فاجنح لها، ولا تؤاخذهم بما كان منهم في حال نقض العهد.

وقال الحسن: هذا منسوخ، نسخة قوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 29].

وقال بعضهم نسخة قوله: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ...

﴾ الآية [التوبة: 5].

وقال بعضهم: نسخة قوله: ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ  ﴾ .

والوجه فيه ما ذكرنا: أن الإمام إذا رأى الصلح والموادعة نظراً للمسلمين، أجابهم إلى ذلك وصالحهم، فإذا طلبوا منه الصلح وبالمسلمين قوة القتال والحرب معهم، لم يجبهم إلى ذلك، وما ذكر هؤلاء من نسخة فذلك لا نعرفه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأعدُّوا -أيها المؤمنون- ما قدرتم على إعداده من العدد والعدة؛ كالرمي، وأعدوا لهم ما حبستم من الخيل في سبيل الله، تُخوِّفون أعداء الله وأعداءكم من الكافرين الذين يتربصون بكم الدوائر، وتُخوِّفون به قومًا آخرين، لا تعلمونهم، ولا تعلمون ما يضمرون لكم من عداوة، بل الله وحده هو الذي يعلمهم، ويعلم ما يضمرون في أنفسهم، وما تنفقوا من مال قل أو كثر يخلفه الله عليكم في الدنيا، ويعطكم ثوابه كاملًا غير منقوص في الآخرة، فبادروا إلى الإنفاق في سبيله.

<div class="verse-tafsir" id="91.M4jNd"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده