الإسلام > القرآن > سور > سورة 87 الأعلى > الآية ١٣ من سورة الأعلى
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 91 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣ من سورة الأعلى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
أي لا يموت فيستريح ولا يحيي حياة تنفعه بل هي مضرة عليه لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب وأنواع النكال.
قال الإمام أحمد : حدثنا ابن أبي عدي ، عن سليمان - يعني التيمي - عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيون ، وأما أناس يريد الله بهم الرحمة فيميتهم في النار فيدخل عليهم الشفعاء فيأخذ الرجل أنصاره فينبتهم - أو قال : ينبتون - في نهر الحياء - أو قال : الحياة - أو قال : الحيوان - أو قال : نهر الجنة فينبتون - نبات الحبة في حميل السيل " .
قال : وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أما ترون الشجرة تكون خضراء ، ثم تكون صفراء أو قال : تكون صفراء ثم تكون خضراء ؟
" .
قال : فقال بعضهم : كأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بالبادية .
وقال أحمد أيضا : حدثنا إسماعيل ، حدثنا سعيد بن يزيد ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما أهل النار الذين هم أهلها ، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ، ولكن أناس - أو كما قال - تصيبهم النار بذنوبهم - أو قال : بخطاياهم - فيميتهم إماتة ، حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة ، فجيء بهم ضبائر ضبائر ، فنبتوا على أنهار الجنة ، فيقال : يا أهل الجنة ، اقبضوا عليهم .
فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل " .
قال : فقال رجل من القوم حينئذ : كأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بالبادية .
ورواه مسلم في حديث بشر بن المفضل وشعبة ، كلاهما عن أبي مسلمة سعيد بن زيد ، به مثله ورواه أحمد أيضا عن يزيد ، عن سعيد بن إياس الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم لا يموتون فيها ولا يحيون ، وإن أهل النار الذين يريد الله إخراجهم يميتهم فيها إماتة ، حتى يصيروا فحما ، ثم يخرجون ضبائر فيلقون على أنهار الجنة ، أو : يرش عليهم من أنهار الجنة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل " .
وقد قال الله إخبارا عن أهل النار : ( ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون ) [ الزخرف : 77 ] وقال تعالى : ( لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ) [ فاطر : 36 ] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى .
وقوله: ( ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ) يقول: ثم لا يموت في النار الكبرى ولا يحيا، وذلك أن نفس أحدهم تصير فيها في حلقه، فلا تخرج فتفارقه فيموت، ولا ترجع إلى موضعها من الجسم فيحيا.
وقيل: لا يموت فيها فيستريح، ولا يحيا حياة تنفعه.
وقال آخرون: قيل ذلك؛ لأن العرب كانت إذا وصفت الرجل بوقوع في شدة شديدة، قالوا: لا هو حيّ، ولا هو ميت، فخاطبهم الله بالذي جرى به ذلك من كلامهم.
ثم لا يموت فيها ولا يحيا أي لا يموت فيستريح من العذاب ، ولا يحيا حياة تنفعه كما قال الشاعر :ألا ما لنفس لا تموت فينقضي عناها ولا تحيا حياة لها طعم وقد مضى في ( النساء ) وغيرها حديث أبي سعيد الخدري ، وأن الموحدين من المؤمنين إذا دخلوا جهنم - وهي النار الصغرى على قول الفراء - احترقوا فيها وماتوا إلى أن يشفع فيهم .
خرجه مسلم .
وقيل : أهل الشقاء متفاوتون في شقائهم ، هذا الوعيد للأشقى ، وإن كان ثم شقي لا يبلغ هذه المرتبة .
{ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا } أي: يعذب عذابًا أليمًا، من غير راحة ولا استراحة، حتى إنهم يتمنون الموت فلا يحصل لهم، كما قال تعالى: { لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا } .
"ثم لا يموت فيها"، فيستريح، " ولا يحيا "، حياة تنفعه.
«ثم لا يموت فيها» فيستريح «ولا يحيى» حياة هنيئة.
سيتعظ الذي يخاف ربه، ويبتعد عن الذكرى الأشقى الذي لا يخشى ربه، الذي سيدخل نار جهنم العظمى يقاسي حرَّها، ثم لا يموت فيها فيستريح، ولا يحيا حياة تنفعه.
فوصف النار بالكبرى ، من قبيل التهويل والإنذار للمصرين على كفرهم ( ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا ) أى : ثم إن هذا الشقى بعد أن يلقى به فى النار الكبرى ، ( ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا ) فيستريح من العذاب ( وَلاَ يَحْيَا ) حياة طيبة فيها شئ من الراحة ، بل يبقى هكذا ( وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ) وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ) وبعد هذا البيان الذى يهز القلوب .
.
عن سوء عاقبة الأشقياء ز
ففيه مسألتان: المسألة الأولى: للمفسرين فيه وجهان: أحدهما: لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة تنفعه، كما قال: ﴿ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا ﴾ وهذا على مذهب العرب تقول للمبتلى بالبلاء الشديد لا هو حي ولا هو ميت وثانيهما: معناه أن نفس أحدهم في النار تصير في حلقه فلا تخرج فيموت، ولا ترجع إلى موضعها من الجسم فيحيا.
المسألة الثانية: إنما قيل: ﴿ ثُمَّ ﴾ لأن هذه الحالة أفظع وأعظم من الصلى فهو متراخ عنه في مراتب الشدة.
أما قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ وَنُيَسِّرُكَ لليسرى (8) ﴾ معطوف على ﴿ سَنُقْرِئُكَ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر وَمَا يخفى ﴾ اعتراض ومعناه: ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، يعني: حفظ الوحي.
وقيل للشريعة السمحة التي هي أيسر الشرائع وأسهلها مأخذاً.
وقيل: نوفقك لعمل الجنة.
فإن قلت: كان الرسول صلى الله عليه وسلم مأموراً بالذكرى نفعت أو لم تنفع، فما معنى اشتراط النفع؟
قلت: هو على وجهين، أحدهما: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم، وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوّاً وطغياناً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتلظى حسرة وتلهفاً ويزداد جداً في تذكيرهم وحرصاً عليه، فقيل له: ﴿ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكّرْ بالقرءان مَن يَخَافُ وَعِيدِ ﴾ [ق: 45] ، ﴿ فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سلام ﴾ [الزخرف: 89] ، ﴿ فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ الذكرى (9) ﴾ وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير.
والثاني: أن يكون ظاهره شرطاً، ومعناه ذمّا للمذكرين، وإخباراً عن حالهم، واستبعاداً لتأثير الذكرى فيهم، وتسجيلاً عليهم بالطبع على قلوبهم، كما تقول للواعظ: عظ المكاسين إن سمعوا منك.
قاصداً بهذا الشرط استبعاد ذلك، وأنه لن يكون ﴿ سَيَذَّكَّرُ ﴾ فيقبل التذكرة وينتفع بها ﴿ مَن يخشى ﴾ الله وسوء العاقبة، فينظر ويفكر حتى يقوده النظر إلى اتباع الحق: فأمّا هؤلاء فغير خاشين ولا ناظرين، فلا تأمل أن يقبلوا منك ﴿ وَيَتَجَنَّبُهَا ﴾ ويتجنب الذكرى ويتحاماها ﴿ الأشقى ﴾ الكافر؛ لأنه أشقى من الفاسق.
أو الذي هو أشقى الكفرة لتوغله في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة ﴿ النار الكبرى ﴾ السفلى من أطباق النار وقيل ﴿ الكبرى ﴾ نار جهنم.
والصغرى نار الدنيا وقيل ﴿ ثُمَّ ﴾ لأنّ الترجح بين الحياة والموت أفظع من الصلي، فهو متراخ عنه في مراتب الشدّة والمعنى: لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَتَجَنَّبُها ﴾ وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى.
﴿ الأشْقى ﴾ الكافِرُ فَإنَّهُ أشْقى مِنَ الفاسِقِ، أوِ الأشْقى مِنَ الكَفَرَةِ لِتَوَغُّلِهِ في الكَفْرِ.
﴿ الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى ﴾ نارَ جَهَنَّمَ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «نارُكم هَذِهِ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ» ، أوْ ما في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنها.
﴿ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ﴾ فَيَسْتَرِيحُ.
﴿ وَلا يَحْيا ﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ.
<div class="verse-tafsir"
{ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا} فيستريح من العذاب {وَلاَ يحيى} حياة يتلذذ بها وقيل ثم لأن الترجح بين الحياة والموت أفظع من الصلي فهو متراخٍ عنه في مراتب الشدة
﴿ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿ ولا يَحْيا ﴾ أيْ حَياةً تَنْفَعُهُ، وقِيلَ: إنَّ رُوحَ أحَدِهِمْ تَصِيرُ في حَلْقِهِ فَلا تَخْرُجُ فَيَمُوتُ ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجَسَدِ فَيَحْيا، وهو غَيْرُ غَنِيٍّ عَنِ التَّقْيِيدِ بِنَحْوِ حَياةٍ كامِلَةٍ عَلى أنَّهُ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ؛ فَإنَّ هَذِهِ الحالَةَ أفْظَعُ وأعْظَمُ مِن نَفْسِ المُصْلى.
وقالَ عِصامُ الدِّينِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ النَّجاةِ لِأنَّ النَّجاةَ عَنِ العَذابِ إنَّما يَكُونُ بِالعَمَلِ في دارٍ يَمُوتُ فِيها العامِلُ ويَحْيا، والنَّظْمُ أقْرَبُ إلى هَذا المَعْنى كَيْفَ واللّائِقُ بِالمَعْنى السّابِقِ ثُمَّ لا يَكُونُ مَيِّتًا فِيها ولا حَيًّا فَتَأمَّلِ انْتَهى.
وفِي كَوْنِ اللّائِقِ بِالمَعْنى السّابِقِ ما ذَكَرَهُ دُونَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ مَنعٌ ظاهِرٌ والظّاهِرُ أنَّهُ لائِقٌ بِهِ مَعَ تَضَمُّنِهِ رِعايَةَ الفَواصِلِ وكَذا في تَوْجِيهِ كَوْنِ ما ذُكِرَ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ النَّجاةِ خَفاءٌ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ أمَرَ بِالتَّأمُّلِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الكَلامِ يُقالُ لِمَن وقَعَ في شِدَّةٍ واسْتَمَرَّ فِيها فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إشارَةٌ إلى خُلُودِهِمْ في العَذابِ وأمْرُ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ عَلَيْهِ ظاهِرٌ أيْضًا لِظُهُورِ أنَّ الخُلُودَ في النّارِ الكُبْرى أفْظَعُ مِن دُخُولِها وصَلْيِها.
واعْلَمْ أنَّ عَدَمَ المَوْتِ في النّارِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مَخْصُوصٍ بِالكَفَرَةِ وأمّا عُصاةُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَها فَيَمُوتُونَ فِيها، واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أمّا أهْلُ النّارِ الَّذِينَ هم أهْلُها فَإنَّهم لا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ، ولَكِنْ ناسٌ أصابَتْهُمُ النّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أوْ قالَ - بِخَطاياهم فَأماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى إماتَةً حَتّى إذا كانُوا فَحْمًا أذِنَ في الشَّفاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبائِرَ ضَبائِرَ فَبُثُّوا عَلى أنْهارِ الجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ أفِيضُوا عَلَيْهِمْ مِنَ الماءِ فَيُنْبِتُونَ نَباتَ الحَبَّةِ في حَمِيلِ السَّيْلِ»».
قالَ الحافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ يَمُوتُونَ حَقِيقَةً وتُفارِقُ أرْواحُهم أجْسادَهُمْ، وأُيِّدَ بِتَأْكِيدِ الفِعْلِ بِالمَصْدَرِ في «قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «فَأماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى إماتَةً»».
وأظْهَرُ مِنهُ ما أخْرَجَهُ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ حَظًّا أوْ نَصِيبًا قَوْمٌ يُخْرِجُهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النّارِ فَيَرْتاحُ لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى وذَلِكَ أنَّهم كانُوا لا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ تَعالى شَيْئًا فَيُنْبَذُونَ بِالعَراءِ فَيَنْبُتُونَ كَما يَنْبُتُ البَقْلُ، حَتّى إذا دَخَلَتِ الأرْواحُ أجْسادَهم فَيَقُولُونَ: رَبَّنا كَما أخْرَجْتَنا مِنَ النّارِ وأرْجَعْتَ الأرْواحَ إلى أجْسادِنا فاصْرِفْ وُجُوهَنا عَنِ النّارِ، فَيَصْرِفُ وُجُوهَهم عَنِ النّارِ»».
وهَذِهِ الإماتَةُ عَلى ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ بَعْدَ أنْ يَذُوقُوا ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن عَذابِها بِحَسْبِ ذُنُوبِهِمْ كَما يُشْعِرُ بِهِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ وإبْقاؤُهم فِيها مَيِّتِينَ إلى أنْ يُؤْذَنَ بِالشَّفاعَةِ لِإيجابِهِ تَأْخِيرَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ تِلْكَ المُدَّةَ كانَ تَتِمَّةً لِعُقُوبَتِهِمْ بِنَوْعٍ آخَرَ فَتَكُونُ ذُنُوبُهم قَدِ اقْتَضَتْ أنْ يُعَذَّبُوا بِالنّارِ مُدَّةً ثُمَّ يُحْبَسُوا فِيها مِن غَيْرِ عَذابٍ مُدَّةً، فَهم كَمَن أذْنَبَ في الدُّنْيا فَضُرِبَ وحُبِسَ بَعْدَ الضَّرْبِ جَزاءً لِذَنْبِهِ ولَمْ يَبْقَوْا أحْياءً فِيها مِن غَيْرِ عَذابٍ كَخَزَنَتِها إمّا لِيَكُونَ أبْعَدَ عَنْ أنْ يَهُولَهم رُؤْيَتُها، أوْ لِتَكُونَ الإماتَةُ وإخْراجُ الرُّوحِ مِن تَتِمَّةِ العُقُوبَةِ أيْضًا.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إماتَتُهم عِنْدَ إدْخالِهِمْ فِيها ويَكُونُ إدْخالُهم وصَرْفُ نَعِيمِ الجَنَّةِ عَنْهم مُدَّةَ كَوْنِهِمْ فِيها عُقُوبَةً لَهم كالحَبْسِ في السِّجْنِ بِلا غُلٍّ ولا قَيْدٍ مَثَلًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا مُتَألِّمِينَ حالَةَ مَوْتِهِمْ نَحْوَ تَألُّمِ الكافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ وقَبْلَ قِيامِ السّاعَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ أخَفَّ مِن تَألُّمِهِمْ لَوْ بَقُوا أحْياءً كَما أنَّ تَألُّمَ الكافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ في قَبْرِهِ أخَفُّ مِن تَألُّمِهِ إذا أُدْخِلَ النّارَ بَعْدَ البَعْثِ وهو كَما تَرى.
وفي مَطامِحِ الأفْهامِ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإماتَةِ المَذْكُورَةِ وفي الحَدِيثِ الإنامَةُ وقَدْ سَمّى اللَّهَ تَعالى النُّوَّمَ وفاةً؛ لِأنَّ فِيهِ نَوْعًا مِن عَدَمِ الحِسِّ.
وفِي الحَدِيثِ المَرْفُوعِ: ««إذا أدْخَلَ اللَّهُ تَعالى المُوَحِّدِينَ النّارَ أماتَهم فِيها فَإذا أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يَخْرُجُوا أمَسَّهُمُ العَذابَ تِلْكَ السّاعَةَ»».
انْتَهى.
والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا.
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى يعني: سنعلمك القرآن وينزل عليك فلا تنسى إلا ما شاء الله، يعني: قد شاء الله أن لا تنسى القرآن فلم ينس القرآن بعد نزول هذه الآية.
وكان النبيّ يأخذ في قراءته قبل أن يفرغ جبريل- - مخافة أن ينساه ويقال: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى يعني: سنحفظ عليك حتى لا تنسى شيئاً، ويقال أن جبريل- - كان ينزل عليه في كل زمان ويقرأ عليه رسول الله ويبين له ما نسخ فذلك قوله: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ يعني: إلا ما شاء الله أن يرفعه وينسخه ويذهب من قلبك ثم قال تعالى: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى يعني: يعلم العلانية والسر، ويقال: ما يجهر به الإمام في الفجر والمغرب والعشاء والجمعة وما يخفى يعني: في الظهر والعصر والسنن، ويقال: يَعْلَمُ ما يظهر من أفعال العباد وأقوالهم وَما يَخْفى من أقوالهم وأفعالهم، ويقال: يَعْلَمُ ما عمل العباد وَما يَخْفى يعني: ما لم يعملوه وهم عاملوه ثم قال عز وجل: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى يعني: سنهوّن عليك حفظ القرآن وتبليغ الرسالة، ويقال: يعني: نعينك على الطاعة، قوله تعالى: فَذَكِّرْ يعني: فعظ بالقرآن الناس إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى يعني: إن نفعتهم العظة ومعناه ما نفعت العظة بالقرآن إلا لمن يخشى ويقال إن نفعت الذكرى يعني إن قولك ودعوتك تنفع لكل قلب عاقل ويقال: نُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى يعني: نهون عليك عمل أهل الجنة ثم قال: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى يعني: يتعظ بالقرآن من يخشى الله تعالى ويسلم ويقال: معناه سيتعظ ويؤمن ويعمل صالحاً من يخشى قلبه من عذاب الله تعالى يَتَجَنَّبُهَا يعني: يتباعد عنها يعني: عن عظتكْ َشْقَى يعني: الشقي الذي وجب في علم الله تعالى أنه يدخل النار مثل الوليد وأبي جهل ومن كان مثل حالهما الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى يعني: يدخل يوم القيامة النار الكبرى يعني: النار العظمى لأن نار الدنيا هي النار الصغرى ونار الآخرة هي النار الكبرى، وروى يونس عن الحسن عن النبيّ قال: «إِنَّ نَارَكُم هذه جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَقَدْ غُمِسْتُ فِي النَّار مَرَتَين لِيُدْنَى مِنْهَا وَيُنْتَفَعَ بِهَا وَلُولاَ ذَلِكَ مَا دَنَوتُم مِنْها» ويقال: إنها تستجير أن ترد إلى جهنم يعني: تتعوذ منها وقال بعض الحكماء: علامة الشقاوة تسع أشياء كثرة الأكل، والشرب، والنوم، والإصرار على الذنب، والغيبة، وقساوة القلب، وكثرة الذنوب، ونسيان الموت، والوقوف بين يدي الملك عز وجل، وهذا هو الشقي الذي يدخل النار الكبرى ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى يعني: لا يموت في النار حتى يستريح من عذابها ولا يحيا حياة تنفعه، وقال القتبي معناه: هو العذاب بحال من يموت ولا يموت.
<div class="verse-tafsir"
فصار أحوى، فهذا صفة «١» .
وقولُهُ تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى قال الحسنُ وقتادة ومالك بن أنس: هذه الآيةُ في معنى قوله تعالى: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ ...
[القيامة: ١٦] الآية، وَعَدَهُ اللَّه أنْ يُقْرِئَه وأخبرَه أنه لاَ يَنْسى نِسْياناً لا يكونُ بعدَه ذِكر «٢» ، وقيل: بلِ المعنى: أنه أمره تعالى بأنْ لا يَنْسَى على معنى التَّثْبِيتِ والتأكيدِ، وقال الجنيد: معنى فَلا تَنْسى لاَ تَتْرُكِ العمَلَ/ بما تَضَمَّنَ مِنْ أمْرٍ ونهي.
وقوله تعالى: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ قال الحسنُ وغيرهُ: معناه: مما قَضَى اللَّهُ بِنَسْخِه ورَفْعِ تلاوتِه وحُكْمه «٣» ، وقال ابن عباس: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ: أنْ يُنْسِيَكَهُ لِيُسَنَّ بهِ «٤» على نَحْوِ قولِه- عليه الصَّلاةُ والسلام-: «إنِّي لأنسى أوْ أنسى لأَسُنَّ» .
قَالَ ع «٥» :
ونسيان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ممتنعٌ فيما أُمِرَ بتبليغهِ إذ هُو معصومٌ فإذا بَلغَهُ وَوَعَى عنه فالنسيانُ جائِزٌ على أن يَتَذَكَّرَ بعدَ ذلك، أو على أنْ يسنّ، أو على النسخ.
وقوله تعالى: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى معناه: نَذْهَبُ بك نحوَ الأمورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دنياكَ وَأُخْرَاكَ من النَّصْرِ والظَفَرِ، ورِفعةِ الرسالةِ وعلو المنزلةِ يومَ القيامةِ، والرفعةِ في الجنة، ثم أمرَه تعالى بالتَّذكيرِ، قال بعضُ الحذَّاقِ: قوله تعالى: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى اعْتِرَاضٌ بَينَ الكلامينِ على جِهَةِ التوبِيخِ لقريشٍ، ثم أخبرَ تعالى أنّه سَيَذَّكَرُ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ والدارَ الآخِرَةِ وهمُ العلماءُ والمؤمنونَ، كُلٌّ بقدْرِ ما وُفِّقَ له، ويَتَجَنَّبُ الذكرى ونفعها من سبقت له الشقاوة.
سُورَةُ الأعْلى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ وَفِي مَعْنى ﴿ سَبِّحِ ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُلْ: سُبْحانَ رُبِّيَ الأعْلى، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: عَظِّمْ.
والثّالِثُ: صَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنَ السُّوءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ وذِكْرَكَ إيّاهُ أنْ تَذْكُرَهُ وأنْتَ مُعْظِّمٌ لَهُ، خاشِعٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اسْمَ رَبِّكَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الِاسْمِ صِلَةٌ، كَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ والثّانِي: أنَّهُ أصْلِيٌّ.
وقالَ الفَرّاءُ: [سَبِّحْ رَبَّكَ، و]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَواءٌ في كَلامِ العَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى ﴾ أيْ: فَعَدَلَ الخَلْقَ.
وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الِانْفِطارِ: ٧] ﴿ والَّذِي قَدَّرَ ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ " قَدَرَ " بِالتَّخْفِيفِ ﴿ فَهَدى ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَدى لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: جَعَلَ لِكُلِّ دابَّةٍ ما يُصْلِحُها وهَداها إلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: قَدَّرَ مُدَّةَ الجَنِينِ في الرَّحِمِ ثُمَّ هَداهُ لِلْخُرُوجِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ لِإتْيانِ الأُنْثى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: قَدَّرَ فَهَدى وأضَلَّ، فَحَذَفَ " وأضَلَّ "، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: قَدَّرَ الأرْزاقَ، وهَدى إلى طَلَبِها.
والسّابِعُ: قَدَّرَ الذُّنُوبَ، وهَدى إلى التَّوْبَةِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى ﴾ أيْ: أنْبَتَ العُشْبَ، وما تَرْعاهُ البَهائِمُ ﴿ فَجَعَلَهُ ﴾ بَعْدَ الخُضْرَةِ ﴿ غُثاءً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَفَّفَهُ حَتّى جَعَلَهُ هَشِيمًا جافًّا كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ.
وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُؤْمِنِينَ: ٤١] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحْوى ﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: الأحْوى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ عَنِ القِدَمِ، والعِتْقِ، ويَكُونُ أيْضًا: أخْرَجَ المَرْعى أحَوى: أسْوَدَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً كَما قالَ تَعالى: ﴿ مُدْهامَّتانِ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَنُعَلِّمُكَ القُرْآنَ، ونَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ فَلا تَنْساهُ أبَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْسى شَيْئًا، فَإنَّما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ ، فَلا يَشاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ ﴾ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ﴿ وَما يَخْفى ﴾ مِنهُما ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى ﴾ أيْ: نُسَهِّلُ عَلَيْكَ عَمَلَ الخَيْرِ ﴿ فَذَكِّرْ ﴾ أيْ: عِظْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ﴾ وفي " إنْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الشَّرْطِيَّةُ، وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
والثّانِي: إنْ نَفَعَتْ وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ "، فَتَقْدِيرُهُ: قَدْ نَفَعَتِ الذِّكْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى " ما " فَتَقْدِيرُهُ: فَذَكِّرْ ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَذَّكَّرُ ﴾ سَيَتَّعِظُ بِالقُرْآنِ ﴿ مَن يَخْشى ﴾ ﴿ وَيَتَجَنَّبُها ﴾ وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرى ﴿ الأشْقى ﴾ ﴿ الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى ﴾ أيِ: العَظِيمَةُ الفَظِيعَةُ لِأنَّها أشَدُّ مِن نارِ الدُّنْيا ﴿ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ﴾ فَيَسْتَرِيحُ ﴿ وَلا يَحْيا ﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَصِيرُ نَفْسُ أحَدِهِمْ في حَلْقِهِ، فَلا تَخْرُجُ فَتَفارِقُهُ فَيَمُوتُ، ولا تَرْجِعُ إلى مَوْضِعِها مِنَ الجِسْمِ فَيَحْيا.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأعْلى وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةُ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، وإنَّما دَعا إلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ ذَكَرَ صَلاةَ العِيدِ فِيها.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى ﴾ ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى ﴾ ﴿ والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ﴾ ﴿ والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى ﴾ ﴿ فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى ﴾ ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ﴾ ﴿ إلا ما شاءَ اللهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى ﴾ ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى ﴾ ﴿ فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى ﴾ ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى ﴾ ﴿ وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى ﴾ ﴿ الَّذِي يَصْلى النارَ الكُبْرى ﴾ ﴿ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا ﴾ "سَبِّحِ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: نَزَّهَ وقَدَّسَ وقُلْ: سُبْحانَهُ عَنِ النَقائِصِ والغَيْرِ جَمِيعًا وما يَقُولُ المُشْرِكُونَ، "والِاسْمِ" الَّذِي هُوَ: "ألف، سين، ميم" يَأْتِي في مَواضِعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ويَأْتِي في مَواضِعَ يُرادُ بِهِ التَسْمِيَةَ، نَحْوُ قَوْلِهِ « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"» وغَيْرَ ذَلِكَ، ومَتى أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى فَإنَّما هو صِلَةٌ كالزائِدِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبِّحْ رَبَّكَ، أيْ نَزِّهْهُ، وإذا كانَ الِاسْمُ واحِدًا مِنَ الأسْماءِ كَزَيْدٍ وعَمْرٍو فَيَجِيءُ في الكَلامِ عَلى ما قُلْتُ، تَقُولُ: "زَيْدٌ قائِمٌ" تُرِيدُ المُسَمّى، وَتَقُولُ: "زَيْدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ" تُرِيدُ بِهِ التَسْمِيَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا الوَجْهَ الأوَّلَ، وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالِاسْمِ التَسْمِيَةُ نَفْسُها عَلى مَعْنى: نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عن أنْ يُسَمّى بِهِ صَنَمٌ أو وثَنٌ فَيُقالُ لَهُ: إلَهٌ ورَبٌّ ونَحْوُ ذَلِكَ.
و"الأعْلى" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلِاسْمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ تَعالى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُما قَرَآ هَذِهِ السُورَةَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى" قالَ: وهي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ الزُبَيْرِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ النَبِيَّ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى"،» وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ قالَ النَبِيُّ : "اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ"،» وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ﴾ : نَزِّهِ اسْمَ اللهِ تَعالى عن أنْ تَذْكُرَهُ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: صِلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ الأعْلى، كَما تَقُولُ: ابْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ.
و"سِوى" مَعْناهُ: عَدَلَ وأتْقَنَ حَتّى صارَتِ الأُمُورُ مُسْتَوِيَةً دالَّةً عَلى قُدْرَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قَدَّرَ" بِشَدِّ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ بَيْنَ الأشْياءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "قَدَرَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ والمُوازَنَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهَدى" عامٌّ لِجَمِيعِ الهِداياتِ في الإنْسانِ والحَيَوانِ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أشْياءً مِنَ الهِداياتِ، فَقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: هَدى وأضَلَّ، واكْتَفى بِالواحِدَةِ لِدَلالَتِها عَلى الأُخْرى، وقالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هَدى الحَيَوانَ إلى وطْءِ الذُكُورِ الإناثِ، وقِيلَ: هَدى المَوْلُودَ عِنْدَ وضْعِهِ إلى مَصِّ الثَدْيِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَدى الناسَ إلى الخَيْرِ والشَرِّ والبَهائِمِ لِلْمَراتِعِ..
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الأقْوالُ مِثالاتٌ، والعُمُومُ في الآيَةِ أصْوَبُ في كُلِّ تَقْدِيرٍ وفي كُلِّ هِدايَةٍ.
و"المَرْعى": النَباتُ، وهو أصْلٌ في قِوامِ العَيْشِ، إذْ هو غِذاءُ الأنْعامِ، ومِنهُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ في ذَواتِهِمْ، و"الغُثاءُ": ما يَبِسَ وجَفَّ وتَحَطَّمَ مِنَ النَباتِ، وهو الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، وبِهِ شَبَّهَ الناسَ الَّذِينَ لا قَدْرَ لَهُمْ، و"الأحْوى" قِيلَ: هو الأخْضَرُ الَّذِي عَلَيْهِ سَوادٌ مِن شِدَّةِ الخُضْرَةِ والغَضارَةِ، وقِيلَ: هو الأسْوَدُ سَوادًا يَضْرِبُ إلى الخُضْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لِعَسٍّ وفي اللِثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ وتَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: أخْرَجَ المَرْعى أحْوى، أيْ أسْوَدَ مِن خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ، فَجَعَلَهُ غُثاءً عند يُبْسِهِ، فَـ "أحْوى" حالٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى، أيْ أُسُودُ؛ لِأنَّ الغُثاءَ إذا قُدِّمَ وأصابَتْهُ الأمْطارُ اسْوَدَّ وتَقْبَّضَ فَصارَ أحْوى، فَهَذِهِ صِفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ﴾ ، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ ﴾ الآيَةُ وعَدَهُ اللهُ تَعالى أنْ يُقْرِئَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ لا يَنْسى نِسْيانًا لا يَكُونُ بَعْدَهُ تَذَكُّرٌ فَتَذْهَبُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مُبادَرَةً خَوْفًا مِنهُ أنْ يَنْسى، وفي هَذا التَأْوِيلِ آيَةٌ لِلنَّبِيِّ في أنَّهُ أُمِّيٌّ، وحَفِظَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الوَحْيَ وأمِنَهُ مِن نِسْيانِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى تِلْكَ، وإنَّما هَذِهِ وعْدٌ بِإقْراءِ الشَرْعِ والسُوَرِ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَنْسى، عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والتَأْكِيدِ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ تَرْكَ النِسْيانِ لَيْسَ في قُدْرَتِهِ، فَهو نَهْيٌ عن إغْفالِ التَعاهُدِ، وأثْبَتَ الياءَ في "تَنْسى" لِتَعْدِيلِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الجُنَيْدُ: مَعْنى "لا تَنْسى": لا تَتْرُكِ العَمَلَ بِما تَضْمَنُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما شاءَ اللهُ ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: مِمّا قَضى اللهُ سُبْحانَهُ بِنَسْخِهِ وأنْ تَرْفَعَ تِلاوَتَهُ وحُكْمَهُ، وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي: هو اسْتِثْناءُ صِلَةٍ في الكَلامِ، عَلى سُنَّةِ اللهِ تَعالى في الِاسْتِثْناءِ، ولَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ أُبِيحَ نِسْيانُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ « "إنِّي لَأنْسى، أو أنَسى لِأسُنَّ".» وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَغْلِبَكَ النِسْيانُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُذَكِّرُكَ بِهِ بَعْدُ، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام حِينَ سَمِعَ قِراءَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ: "رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا في سُورَةِ كَذا"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونِسْيانُ النَبِيِّ مُمْتَنِعٌ فِيما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ، إذْ هو مَعْصُومٌ، فَإذا بَلَّغَهُ ووَعى عنهُ فالنِسْيانُ جائِزٌ عَلى أنْ يَتَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى أنْ يَسُنَّ، أو عَلى النَسْخِ.
ثُمَّ أخْبَرَهُ تَعالى إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ الأشْياءِ وما يَخْفى مِنها، وذَلِكَ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وبِهَذا يَصِحُّ الخَبَرُ بِأنَّهُ لا يَنْسى شَيْئًا إلّا ذَكَّرَهُ اللهُ تَعالى بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى" مَعْناهُ: نَذْهَبُ بِكَ نَحْوَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في دُنْياكَ وأُخْراكَ، مِنَ النَصْرِ والظَفَرِ وعُلُوِّ الرِسالَةِ والمَنزِلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ والرِفْعَةِ في الجَنَّةِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَذْكِيرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى ﴾ فَقالَ الفَرّاءُ، والزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: وإنْ لَمْ تَنْفَعْ فاقْتَصِرْ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثانِي، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: إنَّما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: إنْ نَفَعَتِ الذِكْرى في هَؤُلاءِ الطُغاةِ العُتاةِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: لَقَدْ أسْمَعْتَ -لَوْ نادَيْتَ حَيًّا- ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي وهَذا كُلُّهُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِفُلانٍ وأعِدْ لَهُ إنَّ سَمْعَكَ، إنَّما هو تَوْبِيخٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى اللهَ والدارَ الآخِرَةَ، وهُمُ العُلَماءُ والمُؤْمِنُونَ كَلٌّ بِقَدْرِ ما وُفِّقَ، ويَتَجَنَّبُ الذِكْرى ونَفَعَها مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ فَكَفَرَ، ووَجَبَ لَهُ صَلْيُ النارِ، وقالَ الحَسَنُ: "النارَ الكُبْرى" نارُ الآخِرَةِ، والصُغْرى نارُ الدُنْيا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ نارَ جَمِيعِ الآخِرَةِ وإنْ كانَتْ شَدِيدَةً فَهي تَتَفاضَلُ، فَفِيها شَيْءٌ أكْبَرُ مِن شَيْءٍ، وقالَ الفَرّاءُ: الكُبْرى هي السُفْلى مِن أطْباقِ النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا ﴾ مَعْناهُ: لا يَمُوتُ فِيها مَوْتًا مُرِيحًا ولا يَحْيا حَياةً هَنِيَّةً، فَهو لا مَحالَةَ حَيٌّ، وقَدْ ورَدَ في خَبَرِ إنَّ العُصاةَ في النارِ مَوْتى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأرادَهُ عَلى التَشْبِيهِ لِأنَّهُ كالسُباتِ والرُكُودِ والهُمُودِ، فَجَعَلَهُ مَوْتًا.
<div class="verse-tafsir"
بعد أن ثبَّت الله رسوله صلى الله عليه وسلم تكفل له ما أزال فَرَقه من أعباء الرسالة وما اطمأنت به نفسه من دفع ما خافه من ضُعف عن أدائه الرسالةَ على وجهها وتكفل له دفع نسيان ما يوحى إليه إلا ما كان إنساؤه مراداً لله تعالى.
ووعده بأنه وفقه وهيأه لذلك ويسره عليه، إذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في مبدأ عهده بالرسالة (إذ كانت هذه السورة ثامنة السور) لا يعلم ما سيتعهد الله به فيخشى أن يقصر عن مراد الله فيلحقه غضب منه أو ملام.
أعقب ذلك بأنْ أمَرَه بالتذكير، أي التبليغ، أي بالاستمرار عليه، إرهافاً لعزمه، وشحذاً لنشاطه ليكون إقباله على التذكير بشراشره فإن امتثال الأمر إذا عاضده إقبال النفس على فعل المأمور به كان فيه مسرة للمأمور، فجَمع بين أداء الواجب وإرضاء الخاطر.
فالفاء للتفريع على ما تقدم تفريعَ النتيجة على المقدمات.
والأمر: مستعمل في طلب الدوام.
والتذكير: تبليغ الذكر وهو القرآن.
والذكرى: اسم مصدر التذكير وقد تقدم في سورة عبس.
ومفعول ﴿ فذكر ﴾ محذوف لقصد التعميم، أي فذكر الناس ودلّ عليه قوله: ﴿ سيذكر من يخشى ﴾ الآيتين.
وجملة: ﴿ إن نفعت الذكرى ﴾ معترضة بين الجملتين المعلَّلة وعِلتها، وهذا الاعتراض منظور فيه إلى العموم الذي اقتضاه حذف مفعول ﴿ فذكر ﴾ ، أي فدم على تذكير الناس كلهم إن نفعت الذكرى جميعهم، أي وهي لا تنفع إلا البعض وهو الذي يؤخذ من قوله: ﴿ سيذكر من يخشى ﴾ الآية.
فالشرط في قوله: ﴿ إن نفعت الذكرى ﴾ جملة معترضة وليس متعلقاً بالجملة ولا تقييداً لمضمونها إذ ليس المعنى: فذكر إذا كان للذكرى نفع حتى يفهم منه بطريق مفهوم المخالفة أن لا تُذَكِّر إذا لم تنفع الذكرى، إذ لا وجه لتقييد التذكير بما إذا كانت الذكرى نافعة إذ لا سبيل إلى تعرف مواقع نفع الذكرى، ولذلك كان قوله تعالى: ﴿ فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ﴾ [ق: 45] مؤولاً بأن المعنى فذكر بالقرآن فيتذكر من يخاف وعيد، بل المراد فذكّر الناس كافة إنْ كانت الذكرى تنفع جميعَهم، فالشرط مستعمل في التشكيك لأن أصل الشرط ب (إنْ) أن يكون غير مقطوع بوقوعه، فالدعوة عامة وما يعلمه الله من أحوال الناس في قبول الهدى وعدمه أمر استأثر اللَّهُ بعلمه، فأبو جهل مدعو للإِيمان والله يعلم أنه لا يؤمن لكن الله لم يخصّ بالدعوة من يرجى منهم الإِيمان دون غيرهم، والواقعُ يكشف المقدور.
وهذا تعريض بأن في القوم من لا تنفعه الذكرى وذلك يفهم من اجْتلاب حرف (إنْ) المقتضي عدم احتمال وقوع الشرط أو ندرة وقوعه، ولذلك جاء بعده بقوله: ﴿ سيذكر من يخشى ﴾ فهو استئناف بياني ناشئ عن قوله: ﴿ فذكر ﴾ وما لحقه من الاعتراض بقوله: ﴿ إن نفعت الذكرى ﴾ المشعر بأن التذكير لا ينتفع به جميع المذكَّرين.
وهذا معنى قول ابن عباس: تنفع أوليائي ولا تنفع أعدائي، وفي هذا ما يريك معنى الآية واضحاً لا غُبار عليه ويدفع حيرة كثير من المفسرين في تأويل معنى (إن)، ولا حاجة إلى تقدير الفراء والنحاس: إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع وأنه اقتصر على القسم الواحد لدلالته على الثاني.
ويذّكَّر: مُطاوع ذَكَّره.
وأصله: يتذكر، فقلبت التاء ذالاً لقرب مخرجيهما ليتأتى إدغامها في الذال الأخرى.
و ﴿ من يخشى ﴾ : جنس لا فرد معين أي سيتذكر الذين يَخْشون.
والضمير المستتر في ﴿ يخشى ﴾ مراعى فيه لفظ (من) فإنه لفظ مُفرد.
وقد نُزِّل فعل ﴿ يخشى ﴾ منزلة اللازم فلم يقدّر له مفعول، أي يتذكر من الخَشْيَة فكرته وجبلته، أي من يتَوقع حصول الضر والنفع فينظر في مظان كللٍ ويتدبر في الدلائل لأنه يخشى أن يحق عليه ما أنذر به.
والخشية: الخوف، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ لعله يتذكر أو يخشى ﴾ في سورة طه (44).
والخشية ذات مراتب وفي درجاتها يتفاضل المؤمنون.
والتجنب: التباعد، وأصله تفعل لتكلف الكيْنونة بجانببٍ من شيء.
والجانب: المكان الذي هو طَرَف لغيره، وتكلفُ الكينونة به كناية عن طلب البعد أي بمكان بعيد منه، أي يتباعد عن الذكرى الأشقَى.
والتعريف في ﴿ الأشقى ﴾ تعريف الجنس، أي الأشقَونْ.
و ﴿ الأشقى ﴾ : هو الشديد الشقوة، والشقوة والشقاء في لسان الشرع الحالة الناشئة في الآخرة عن الكفر من حالة الإهانة والتعذيب، وعندنا أن من علِمَ إلى موته مؤمناً فليس بشقي.
فالأشقى: هو الكافر لأنه أشدّ الناس شقاء في الآخرة لخلوده في النار.
وتعريف ﴿ الأشقى ﴾ تعريف الجنس، فيشمل جميع المشركين.
ومن المفسرين من حمله على العهد فقال: أريد به الوليد بن المغيرة، أو عتبة بن ربيعة.
ووصْفُ ﴿ الأشقى ﴾ ب ﴿ الذي يصلى النار الكبرى ﴾ لأن إطلاق ﴿ الأشقى ﴾ في هذه الآية في صدر مدة البعثة المحمدية فكان فيه من الإِبهام ما يحتاج إلى البيان فأتبع بوصف يبيّنه في الجملة ما نزل من القرآن من قبل هذه الآية.
ومقابلة ﴿ من يخشى ﴾ ب ﴿ الأشقى ﴾ تؤذن بأن ﴿ الأشقى ﴾ من شأنه أن لا يخشى فهو سادر في غروره منغمس في لهوه فلا يتطلب لنفسه تخلصاً من شقائه.
ووصفُ النار ب ﴿ الكبرى ﴾ للتهويل والإِنذار والمراد بها جهنم.
وجملة ﴿ ثم لا يموت فيها ولا يحيى ﴾ عطف على جملة ﴿ يصلى النار الكبرى ﴾ فهي صِلة ثانية.
و (ثم) للتراخي الرتبي تدل على أن معطوفها متراخي الرتبة في الغرض المسوق له الكلام وهو شدة العذاب فإن تردد حالِه بين الحياة والموت وهو في عذاب الاحتراق عذاب أشدّ ممّا أفاده أنه في عذاب الاحتراق، ضرورة أن الاحتراق واقع وقد زيد فيه درجة أنه لا راحة منه بموت ولا مخلص منه بحياة.
فمعنى ﴿ لا يموت ﴾ : لا يزول عنه الإِحساس، فإن الموت فقدان الإِحساس مع ما في هذه الحالة من الأعجوبة وهي مما يؤكد اعتبار تراخي الرتبة في هذا التنكيل.
وتعقيبه بقوله: ﴿ ولا يحيى ﴾ احتراس لدفع توهم أن يراد بنفي الموت عنهم أنهم استراحوا من العذاب لما هو متعارف من أن الاحتراق يُهلك المحرَق، فإذا قيل: ﴿ لا يموت ﴾ توهَّم المنذَرون أن ذلك الاحتراق لا يبلغ مبلغ الإِهلاك فيبقى المحرق حياً فيظن أنه إحراق هيّن فيكون مسلاة للمهددين فلدفع ذلك عطف عليه ﴿ ولا يحيى ﴾ ، أي حياة خالصة من الآلام والقرينة على الوصف المذكور مقابلة ولا يحيى بقوله: ﴿ يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ﴾ .
وليس هذا من قبيل نفي وصفين لإثبات حالةٍ وسَطٍ بينَ حالتيهما مثل: ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ [النور: 35] وقول إحدى نساء أم زرع: «لا حَرّ ولا قُرّ» لأن ذلك لا طائل تحته.
ويجوز أن نجعل نفي الحياة كناية عن نفي الخلاص بناء على أن لازم الإِحراق الهلاك ولازم الحياة عدم الهلاك.
وفي الآية مُحسِّن الطباق لأجل التضاد الظاهر بين ﴿ لا يموت ﴾ و ﴿ لا يحيى ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الأعْلى قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عَظِّمْ رَبَّكَ الأعْلى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ، والِاسْمُ صِلَةٌ قُصِدَ بِها تَعْظِيمُ المُسَمّى، كَما قالَ لَبِيدٌ إلى الحَوْلِ ثَمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ الثّانِي: نَزِّهَ اسْمَ رَبِّكَ عَنْ أنْ يُسَمّى بِهِ أحَدٌ سِواهُ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ ارْفَعْ صَوْتَكَ بِذِكْرِ رَبِّكَ، قالَ جَرِيرٌ قَبَّحَ الإلَهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحَ الحَجِيجُ وكَبَّرُوا تَكْبِيرًا الرّابِعُ: صَلِّ لِرَبِّكَ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ (اِسْمَ رَبِّكَ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِأمْرِ رَبِّكَ.
الثّانِي: بِذِكْرِ رَبِّكَ أنْ تُفْتَتَحَ بِهِ الصَّلاةُ.
الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ ذاكِرًا لِرَبِّكَ بِقَلْبِكَ في نِيَّتِكَ لِلصَّلاةِ.
وَرُوِيَ أنَّ عَلِيًّا وابْنَ عَبّاسٍ وابْنَ عُمَرَ كانُوا إذا افْتَتَحُوا قِراءَةَ هَذِهِ السُّورَةِ قالُوا: (سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى) امْتِثالًا لِأمْرِهِ تَعالى في ابْتِدائِها، فَصارَ الِاقْتِداءُ بِهِمْ في قِراءَتِها، وقِيلَ إنَّها في قِراءَةِ أُبَيٍّ: (سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى) وكانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ.
﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أنْشَأ خَلْقَهم ثُمَّ سَوّاهم فَأكْمَلَهم.
الثّانِي: خَلَقَهم خَلْقًا كامِلًا وسَوّى لِكُلِّ جارِحَةٍ مَثَلًا.
الثّالِثُ: خَلَقَهم بِإنْعامِهِ وسَوّى بَيْنَهم في أحْكامِهِ، قالَ الضَّحّاكُ: خَلَقَ آدَمَ فَسَوّى خَلْقَهُ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: خَلَقَ في أصْلابِ الرِّجالِ، وسَوّى في أرْحامِ الأُمَّهاتِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: خَلَقَ الأجْسادَ فَسَوّى الأفْهامَ.
﴿ والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: قَدَّرَ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، وهَداهُ لِلرُّشْدِ والضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: قَدَّرَ أرْزاقَهم وأقْواتَهم، وهَداهم لِمَعاشِهِمْ إنْ كانُوا إنْسًا، ولِمَراعِيهِمْ إنْ كانُوا وحْشًا.
الثّالِثُ: قَدَّرَهم ذُكُورًا وإناثًا، وهَدى الذَّكَرَ كَيْفَ يَأْتِي الأُنْثى، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: قَدَّرَ خَلْقَهم في الأرْحامِ، وهُداهُمُ الخُرُوجَ لِلتَّمامِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: خَلَقَهم لِلْجَزاءِ، وهُداهم لِلْعَمَلِ.
﴿ والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى ﴾ يَعْنِي النَّباتَ، لِأنَّ البَهائِمَ تَرْعاهُ، قالَ الشّاعِرُ وقَدْ يَنْبُتُ المَرْعى عَلى دِمَنِ الثَّرى ∗∗∗ وتَبْقى حَزّازاتُ النُّفُوسِ كَما هِيا ﴿ فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الغُثاءَ ما يَبِسَ مِنَ النَّباتِ حَتّى صارَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ.
والأحْوى: الأسْوَدُ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ لَمْياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ ∗∗∗ وفي اللِّثاتِ وفي أنْيابِها شَنَبُ وَهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: أنَّ الغُثاءَ ما احْتَمَلَ السَّيْلُ مِنَ النَّباتِ، والأحْوى: المُتَغَيِّرُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.
الثّالِثُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، ومَعْناهُ أحَوى فَصارَ غُثاءً، والأحْوى: ألْوانُ النَّباتِ الحَيِّ مِن أخْضَرَ وأحْمَرَ وأصْفَرَ وأبْيَضَ، ويُعَبِّرُ عَنْ جَمِيعِهِ بِالسَّوادِ كَما سُمِّيَ بِهِ سَوادُ العِراقِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ وغَيْثٍ دائِمِ التَّهْتا ∗∗∗ نِ حاوِي النَّبْتِ أدْهَمَ والغُثاءُ: المَيِّتُ اليابِسُ، قالَ قَتادَةُ: وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْكُفّارِ لِذَهابِ الدُّنْيا بَعْدَ نَضارَتِها.
﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: فَلا تَنْسى، أيْ فَلا تَتْرُكِ العَمَلَ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنَّ يَتَرَخَّصَ لَكَ فِيهِ، فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ هَذا نَهْيًا عَنِ الشِّرْكِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ لا يَنْسى ما يُقْرِئُهُ مِنَ القُرْآنِ، حَكى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ كانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ يَقْرَؤُهُ خِيفَةَ أنْ يَنْساهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ» .
﴿ إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسَخَهُ فَتَنْساهُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الثّانِي: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُؤَخِّرَ إنْزالَهُ عَلَيْكَ فَلا تَقْرَأْهُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الجَهْرَ ما حَفِظْتَهُ مِنَ القُرْآنِ في صَدْرِكَ، وما يَخْفى هو ما نُسِخَ مِن حِفْظِكَ.
الثّانِي: أنَّ الجَهْرَ ما عَلِمَهُ، وما يَخْفى ما سَيَتَعَلَّمُهُ مِن بَعْدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الجَهْرَ ما قَدْ أظْهَرُهُ، وما يَخْفى ما تَرَكَهُ مِنَ الطّاعاتِ.
﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: نُيَسِّرُكَ لِأنْ تَعْمَلَ خَيْرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لِلْجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّالِثُ: لِلدِّينِ واليُسْرِ ولَيْسَ بِالعُسْرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ﴾ وفِيما يُذَكِّرُ بِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالقُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: بِاَللَّهِ رَغْبَةً ورَهْبَةً، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي إنْ قُبِلَتِ الذِّكْرى وهو مَعْنى قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلامٍ.
الثّانِي: يَعْنِي ما نَفَعَتِ الذِّكْرى، فَتَكُونُ (إنْ) بِمَعْنى ما الشَّرْطُ، لِأنَّ الذِّكْرى نافِعَةٌ بِكُلِّ حالٍ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
﴿ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى ﴾ يَعْنِي يَخْشى اللَّهَ، وقَدْ يَتَذَكَّرُ مَن يَرْجُوهُ، إلّا أنَّ تَذْكِرَةَ الخاشِي أبْلَغُ مِن تَذْكِرَةِ الرّاجِي فَلِذَلِكَ عَلَّقَها بِالخَشْيَةِ دُونَ الرَّجاءِ، وإنْ تَعَلَّقَتْ بِالخَشْيَةِ والرَّجاءِ.
﴿ وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى ﴾ يَعْنِي يَتَجَنَّبُ التَّذْكِرَةَ الكافِرُ الَّذِي قَدْ صارَ بِكُفْرِهِ شَقِيًّا.
﴿ الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هي نارُ جَهَنَّمَ، والصُّغْرى نارُ الدُّنْيا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: الكُبْرى نارُ الكُفّارِ في الطَّبَقَةِ السُّفْلى مِن جَهَنَّمَ، والصُّغْرى نارُ المُذْنِبِينَ في الطَّبَقَةِ العُلْيا مِن جَهَنَّمَ، وهو مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.
﴿ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَمُوتُ ولا يَجِدُ رُوحَ الحَياةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّهُ يُعَذَّبُ لا يَسْتَرِيحُ ولا يَنْتَفِعُ بِالحَياةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ ؎ ألا ما لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي ∗∗∗ عَناها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ سبح ﴾ بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: أنزلت سورة ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت سورة ﴿ سبح اسم ربك ﴾ بمكة.
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء فما جاء حتى قرأت ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ في سور مثلها.
وأخرج أحمد والبزار وابن مردويه عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب هذه السورة ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ .
وأخرج أبو عبيد عن تميم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني نسيت أفضل المسبحات فقال أبيّ بن كعب فلعلها ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: نعم» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ [ الغاشية: 1] وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعاً.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن أبي عتبة الخولاني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الجمعة ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ .
وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيد ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ .
وأخرج أحمد وابن ماجة والطبراني عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ .
وأخرج البزار عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والبيهقي في سننه عن عمران بن حصين «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر فلما سلم قال: هل قرأ أحد منكم ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فقال رجل: أنا.
قال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها» .
وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبيّ بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون: 1] .
وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن عاشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر في الركعة الأولى ب ﴿ سبح ﴾ وفي الثانية ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ وفي الثالثة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الاخلاص: 1] والمعوذتين.
وأخرج البزار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .
وأخرج محمد بن نصر عن أنس مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن عبدالله قال: أمَّ معاذ قوماً في صلاة المغرب فمر به غلام من الأنصار، وهو يعمل على بعير له، فأطال بهم معاذ، فلما رأى ذلك الغلام ترك الصلاة وانطلق في طلب بعيره، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أفتان أنت يا معاذ، ألا يقرأ أحدكم في المغرب ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ ﴿ والشمس وضحاها ﴾ » .
وأخرج ابن ماجة عن جابر أن معاذ بن جبل صلى بأصحابه العشاء فطول عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ ﴿ بالشمس وضحاها ﴾ و ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ [ الليل: 1] و ﴿ اقرأ باسم ربك الأعلى ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «قلنا يا رسول الله كيف نقول في سجودنا؟
فأنزل الله: ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول في سجودنا سبحان ربي الأعلى» .
وأخرج ابن سعد عن الكلبي قال: وفد حضرمي بن عامر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أتقرأ شيئاً من القرآن؟
فقرأ ﴿ سبح اسم ربك لأعلى، الذي خلق فسوّى، والذي قدر فهدى، والذي أمتن على الحبلى، فأخرج منها نسمة تسعى بين شغاف وحشا ﴾ .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزيدنّ فيها فإنها شافية كافية» .
أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما أنزلت ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ [ الواقعة: 74] «قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: اجعلوها في سجودكم» .
وأخرج أحمد وأبو داود وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: سبحان ربي الأعلى» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: سبحان ربي الأعلى.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: إذا قرأت ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فقل: سبحان ربي الأعلى.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن علي بن أبي طالب أنه قرأ ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى، وهو في الصلاة فقيل له: أتزيد في القرآن قال: لا إنما أمرنا بشيء فقلته.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي موسى الأشعري أنه قرأ في الجمعة ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عمر يقرأ ﴿ سبحان اسم ربك الأعلى ﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى.
قال: كذلك هي قراءة أبيّ بن كعب.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عبدالله بن الزبير أنه قرأ ﴿ سبح ربك الأعلى ﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى، وهو في الصلاة.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك أنه كان يقرؤها كذلك ويقول: من قرأها فليقل سبحان ربي الأعلى.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: سبحان ربي الأعلى.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر أنه كان إذا قرأ ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: سبحان ربي الأعلى.
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ والذي قدر فهدى ﴾ قال: هدى الإِنسان للشقوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن إبراهيم ﴿ والذي أخرج المرعى ﴾ قال: النبات.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فجعله غثاء ﴾ قال: هشيماً ﴿ أحوى ﴾ قال: متغيراً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فجعله غثاء أحوى ﴾ قال: الغثاء الشيء البالي ﴿ وأحوى ﴾ قال: أصفر وأخضر وأبيض ثم ييبس حتى يكون يابساً بعد خضرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فجعله غثاء أحوى ﴾ قال: غثاء السيل، و ﴿ أحوى ﴾ قال: أسود.
قوله: تعالى: ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ الآيات.
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ قال: كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى.
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من الوحي حتى يزمل من ثقل الوحي حتى يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بأوله مخافة أن يغشى قلبه فينسى، فقال له جبريل: لم تفعل ذلك؟
قال مخافة أن أنسى.
فأنزل الله: ﴿ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ﴾ فإن النبي صلى الله عليه وسلم نسي آيات من القرآن ليس بحلال ولا حرام، ثم قال له جبريل: إنه لم ينزل على نبي قبلك إلا نسي وإلا رفع بعضه، وذلك أن موسى أهبط الله عليه ثلاثة عشر سفراً، فلما ألقى الألواح انكسرت وكانت من زمرد فذهب أربعة أسفار وبقي تسعة» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستذكر القرآن مخافة أن ينساه فقيل له: كفيناك ذلك ونزلت ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ .
وأخرج الحاكم عن سعد بن أبي وقاص نحوه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ﴾ يقول إلا ما شئت أنا فأنسيك.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ﴾ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسى شيئاً إلا ما شاء الله ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾ قال: الوسوسة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾ قال: ما أخفيت في نفسك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونيسرك لليسرى ﴾ قال: للخير.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى ﴾ قال: والله ما خشي الله عبد قط إلا ذكره، ولا يتنكب عبد هذا الذكر زهداً فيه وبغضاً له ولأهله إلا شقي بين الأشقياء.
قوله: تعالى: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ الآية.
أخرج البزار وابن مردويه عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم: «في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من شهد أن لا إله إلا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول الله ﴿ وذكر اسم ربه فصلى ﴾ قال: هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بمواقيتها» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من الشرك ﴿ وذكر اسم ربه ﴾ قال: وحد الله ﴿ فصلى ﴾ قال: الصلوات الخمس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من قال لا إله إلا الله.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من قال لا إله إلا الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من آمن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من أكثر الاستغفار.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: بعمل صالح.
وأخرج البزار وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه والبيهقي في سننه بسند ضعيف عن كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلي صلاة العيد ويتلو هذه الآية ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ وفي لفظ قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زكاة الفطر قال: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ فقال: هي زكاة الفطر» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ ثم يقسم الفطرة قبل أن يغدو إلى المصلى يوم الفطر» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: أعطى صدقة الفطر قبل أن يخرج إلى العيد ﴿ وذكر اسم ربه فصلى ﴾ قال: خرج إلى العيد فصلى.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: زكاة الفطر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه أن عبدالله بن عمر كان يقدم صدقة الفطر حين يغدو ثم يغدو وهو يتلو ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: إنما أنزلت هذه الآية في إخراج صدقة الفطر قبل صلاة العيد ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ .
وأخرج الطبراني عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ الآية قال: إلقاء القمح قبل الصلاة يوم الفطر في المصلى.
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ قال: نزلت في صدقة الفطر، تزكي ثم تصلي.
وأخرج ابن جرير عن أبي خلدة رضي الله عنه قال: دخلت على أبي العالية فقال لي إذا غدوت غداً إلى العيد فمر بي.
قال: فمررت به، فقال: هل طعمت شيئاً.
قلت: نعم.
قال: فأخبرني ما فعلت زكاتك؟
قلت: قد وجهتها.
قال: إنما أردتك لهذا.
ثم قرأ ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ وقال: إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ومن سقاية الماء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: أدى زكاة الفطر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: أدى صدقة الفطر ثم خرج فصلى بعدما أدى.
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه قال: قدم الزكاة ما استطعت يوم الفطر ثم قرأ ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما: أرأيت قوله: ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ للفطر!
قال: لم أسمع بذلك، ولكن الزكاة كلها، ثم عاودته فيها فقال لي: والصدقات كلها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ يعني من ماله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من أرضى خالقه من ماله.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: تزكى رجل من ماله، وتزكى رجل من خلقه.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن أبي الأحوص رضي الله عنه قال: رحم الله امرأ تصدق ثم صلى ثم قرأ ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ الآية ولفظ ابن أبي شيبة من استطاع أن يقدم بين يدي صلاته صدقة فليفعل.
فإن الله يقول، وذكر الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي الأحوص رضي الله عنه قال: لو أن الذي تصدق بالصدقة صلى ركعتين ثم قرأ ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ الآية.
وأخرج زيد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا خرج أحدكم يريد الصلاة فلا عليه أن يتصدق بشيء لأن الله يقول: ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص رضي الله عنه ﴿ قد أفلح من تزكى ﴾ قال: من رضخ.
أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ بل تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن عرفجة الثقفي قال: استقرأت ابن مسعود ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فلما بلغ ﴿ بل تؤثرون الحياة الدنيا ﴾ ترك القراءة وأقبل على أصحابه، فقال: آثرنا الدنيا على الآخرة فسكت القوم.
فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل وقال: ﴿ بل يؤثرون ﴾ بالياء.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ بل تؤثرون الحياة الدنيا ﴾ قال: اختار الناس العاجلة إلا من عصم الله ﴿ والآخرة خير ﴾ في الخير ﴿ وأبقى ﴾ في البقاء.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ بل تؤثرون الحياة الدنيا ﴾ قال: يعني هذه الأمة، وإنكم ستؤثرون الحياة الدنيا.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم، فإذا آثروا صفقة دنياهم، ثم قالوا: لا إله إلا الله ردت عليها وقال الله كذبتم» .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يلقى الله أحد بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلا دخل الجنة ما لم يخلط معها غيرها، رددها ثلاثاً قال قائل من قاصية الناس: بأبي أنت وأمي يا رسول الله: وما يخلط معها غيرها؟
قال: حب الدنيا وأثرة لها وجمعا لها ورضا بها وعمل الجبارين» .
وأخرج أحمد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى» .
وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، لها يجمع من لا عقل له» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن موسى بن يسار رضي الله عنه أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله جل ثناؤه لم يخلق خلقاً أبغض إليه من الدنيا، وإنه منذ خلقها لم ينظر إليها» .
وأخرج البيهقي عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» .
أخرج البزار وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي كلها في صحف إبراهيم وموسى» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ قال: نسخت هذه السورة من صحف إبراهيم وموسى، ولفظ سعيد: هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى، ولفظ ابن مردويه: وهذه السورة وقوله: ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ [ النجم: 37] إلى آخر السورة من صحف إبراهيم وموسى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى مثل ما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ يقول: قصة هذه السورة في الصحف الأولى.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ قال: تتابعت كتب الله كما تسمعون إن الآخرة خير وأبقى.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ الآية قال: في الصحف الأولى إن الآخرة خير من الدنيا.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ قال: هو الآيات.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ قال: في كتب الله كلها.
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟
قال مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى ادريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان.
قلت يا رسول الله: فما كانت صحف إبراهيم؟
قال: أمثال كلها أيها الملك المتسلط المبتلي المغرور لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافر، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ثلاث ساعات ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه ويتفكر فيما صنع، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال، فإن في هذه الساعة عوناً لتلك الساعات واستجماعاً للقلوب وتفريغاً لها، وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه مقبلاً على شأنه حافظاً للسانه، فإن من حسب كلامه من عمله أقل الكلام إلا فيما يعنيه، وعلى العاقل أن يكون طالباً لثلاث مرمة لمعاش، أو تزوّد لمعاد، أو تلذذ في غير محرم.
قلت يا رسول الله: فما كانت صحف موسى؟
قال: كانت عبراً كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، ولمن أيقن بالموت ثم يضحك، ولمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها، ولمن أيقن بالقدر ثم ينصب، ولمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل.
قلت يا رسول الله: هل أنزل عليك شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟
قال: يا أبا ذر نعم ﴿ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ » .
وأخرج البغوي في معجمه «عن عبد الرحمن بن أبي شبرة رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيه فسأله عن أشياء فقال: يا رسول الله كم توتر؟
قال: بثلاث ركعات تقرأ فيها ب ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون: 1] و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الاخلاص: 1] » .
وأخرج الطبراني عن عبدالله بن الحارث بن عبد المطلب قال: صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا المغرب فقرأ في الركعة الأولى ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ وفي الثانية: ب ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذكرى ﴾ المراد بهذا الشرط توبيخ الكفار الذين لا تنفعهم الذكرى، واستبعاد تأثير الذكرى في قلوبهم كقولك: قد أوصيتك لو سمعت، وقيل: المعنى: ذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع.
واقتصر على أحد القسمين لدلالة الآخر عليه، وهذا بعيد وليس عليه الرونق الذي على الأول.
﴿ سَيَذَّكَّرُ مَن يخشى ﴾ أي من يخاف الله ﴿ وَيَتَجَنَّبُهَا الأشقى ﴾ يعني الكافر وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة، والضمير للذكرى ﴿ النار الكبرى ﴾ هي نار جهنم وسماها كبرى بالنظر إلى نار الدنيا، وقيل: سماها كبرى بالنظر إلى غيرها من نار جهنم، فإنها تتفاضل، وبعضها أكبر من بعض وكلا القولين صحيح.
إلا أن الأول أظهر.
ويؤيده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ناركم هذه التي توقدون جزءاً من سبعين جزءاً من نار جهنم» ﴿ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا ﴾ أي لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة هنيئة، وعطف هذه الجملة بثم لأن هذه الحالة أشد من صلي النار فكأنها بعده في الشدة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فسوّى ﴾ وجميع آياتها مثل " طه " وكذلك في سورة و " الشمس " و " الليل" و " الضحى " و " اقرأ باسم ربك " من قوله ﴿ أرأيت الذي ينهى ﴾ إلى آخر السورة.
﴿ قدر ﴾ بالتخفيف: علي ﴿ بل يؤثرون ﴾ على الغيبة: قتيبة وأبو عمرو ويعقوب.
الوقوف: ﴿ الأعلى ﴾ ه لا ﴿ فسوّى ﴾ ه ص ﴿ فهدى ﴾ ه ك ﴿ المرعى ﴾ ه ك ﴿ أحوى ﴾ ه ط ﴿ فلا تنسى ﴾ ه لا ﴿ الله ﴾ ط ﴿ يخفى ﴾ ج ه للعدول.
وقيل: قوله ﴿ ونيسرك ﴾ معطوف على ﴿ سنقرئك ﴾ وقوله ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾ اعتراض فلا وقف ﴿ لليسرى ﴾ ه ك والوصل أليق ﴿ الذكرى ﴾ ه ج ﴿ يخشى ﴾ ه لا ﴿ الأشقى ﴾ ه لا ﴿ الكبرى ﴾ ج ه لأن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿ ولا يحيا ﴾ ه ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ تزكى ﴾ ه لا ﴿ فصلى ﴾ ه ط لأن " بل " للإضراب ﴿ الدنيا ﴾ ه بناء على أن الواو للاستئناف أو الحال أوجه ﴿ وأبقى ﴾ ه ط ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ وموسى ﴾ ه.
التفسير: روي أن النبي كان يحب هذه السورة.
وأكثر السلف كانوا يواظبون على قراءتها في التهجد ويتعرفون بركتها.
وعن عقبة بن عامر أنه قال: "لما نزل قوله ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ قال لنا رسول الله : اجعلوها في ركوعكم.
ولما نزل قوله ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال: اجعلوها في سجودكم" .
ومن الناس من تمسك بالآية في أن الاسم نفس المسمى لأن التسبيح أي التنزيه إنما يكون للمسمى لا للاسم.
وأجاب المحققون عنه بأن الاسم صلة كقوله: " ثم اسم السلام عليكما ".
سلمنا أنه غير صلة ولكن تسبيح اسمه تنزيهه عما لا يليق معناه بذاته أو صفاته أو بأفعاله أو بأحكامه، فإن العقائد الباطلة والمذاهب الفاسدة لم تنشأ إلا من هذه، ومن جملة ذلك أن يصان اسمه عن الابتذال والذكر لا على وجه الخشوع والتعظيم, وأن لا يسمى غيره بأسمائه الحسنى، وأن لا يطلق عليه من الأسامي إلا ما ورد به الإذن الشرعي.
قال بعض العلماء: لعل الذين نقل عنهم أن الاسم نفس المسمى أرادوا به أن الاسم الذي حدّوه بأنه ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بزمان هو نفس مدلول هذا الحد.
قال الفراء لا فرق بين ﴿ سبح اسم ربك ﴾ وبين " سبح باسم ربك".
واعترض عليه بأن الفرق هو أن الأول معناه نزه الاسم من السوء، والثاني معناه سبح الله أي نزهه بسبب ذكر أسمائه العظام، أو متلبساً بذكره إلا أن تجعل الباء صلة في الثاني نحو ﴿ ولا تلقوا بأيديكم ﴾ أو مضمرة في الأول مثل ﴿ واختار موسى قومه ﴾ أي من قومه.
نعم لو زعم الفراء أن المعنيين متلازمان جاز.
ومن الملاحدة من طعن في القرآن بأن يقتضي أن يكون للعالم ربان أحدهما عظيم وهو في قوله ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ والآخر أعلى منه وهو ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ والجواب أنه عظيم في نفسه وأعلى وأجل من جميع الممكنات، والصفة كاشفة لا مميزة ونظيره وصفه بالكبير تارة وبالأكبر أخرى.
والمراد بالعظم والعلو عظم الشرف وعلو القدر فلا استدلال فيه للمشبهة.
ثم شرع في بعض أوصافه الكمالية فقال ﴿ الذي خلق فسوّى ﴾ وقد مر نظيره في " الانفطار" أي خلق الإنسان فجعله منتصب القامة في أحسن تقويم، أو خلق كل حيوان بل كل ممكن فجعله مستعدّاً للكمال اللائق بحاله.
﴿ والذي قدر ﴾ لكل مخلوق ما يصلح له فهداه إليه وعرّفه وجه الانتفاع به كما يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت وقد ألهمها الله أن تمسح العين بورق الرازيانج الرطب فتطلبه إلى أن تجده فيعود بصرها، وإلهامات البهائم والطيور مشروحة مكتوبة في كتب العجائب.
وقال الحكيم: كل مزاج فإنه مستعدّ لقوة خاصة، وكل قوة فإنها لا تصلح إلا لفعل معين فالتقدير عبارةعن التصرف في الأجزاء الجسمية، وتركيبها على وجه خاص لأجله يستعدّ لقبول تلك القوى، والهداية عبارة عن خلق تلك القوى في تلك الأعضاء بحيث تكون كل قوّة مصدراً لفعل معين، ويحصل من مجموعها إتمام المصلحة.
وقد خصه بعض المفسرين فقال مقاتل: هدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.
وقال غيره: هداه لمعيشته ومرعاه.
وقيل: هداه لسبيل الخير والشر.
وقال السدّي: قدر مدة مكث الجنين في الرحم ثم هداه للخروج.
وقال الفراء: قدّر فهدى وأضل فاكتفى بذكر أحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ وقيل: الهداية بمعنى الدعاء إلى الإيمان أي قدّر دعاء الكل إلى الإيمان فدعاهم إليه كقوله ﴿ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ﴾ وقيل: دلهم بأفعاله على توحيده وكبريائه " ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد" ومن جملة ذلك إخراج المرعى وهو الكلأ الأخضر، ثم جعله غثاء وهو مات يبس من النبات فحملته الأهوية وطيرته الرياح.
والظاهر أن أحوى صفة للغثاء.
والحوّة السواد، فالعشب إذا يبس واستولى البرد عليه جعل يضرب إلى السواد، وقد يحتمله السيل فيلصق به أجزاء كدرة.
وقال الفراء وأبو عيبدة: الأحوى هو الأسود لشدّة خضرته وعلى هذا يكون حالاً من ضمير ﴿ المرعى ﴾ أي صيره في حال حوّته غثاء.
وقال جار الله: هو حال من ﴿ المرعى ﴾ أي أخرجه أسود من الخضرة والري فجعله غثاء وحين أمره بالتسبيح بشره وشرفه بإيتاء آية باهرة وهي أن يقرأ عليه جبرائيل ما يقرأ من الوحي الذي هو أشرف أنواع الذكر فيحفظه لا ينساه إلا ما شاء الله أن ينساه وهو أحد طريقي النسخ.
فقال مجاهد ومقاتل والكلبي: كان النبي إذا نزل عليه القرآن كثر تحريك لسانه مخافة أن ينسى فقيل له: لا تعجل بالقراءة فإن جبرائيل مأمور بأن يكرر عليك إلى أن تحفظه نظيره ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه ﴾ وعلى هذا يجوز أن يراد بالتعليم والإقراء شرح الصدر وتقوية الحفظ بحيث يبقى القرآن محفوظاً له من غير دراسة، ومع أنه أمي فيكون إعجازاً.
وعن بعضهم أن قوله ﴿ فلا تنسى ﴾ نهي لا خبر، والألف مزيدة للفاصلة نحو ﴿ الظنونا ﴾ و ﴿ السبيلا ﴾ وضعف بأن الزيادة خلاف الأصل فلا يصار إليها إلا لدليل ظاهر.
وأما إذا جعلناه خبراً كان معنى الآية البشارة بأنا جعلناك بحيث لا تنسى، وإن جعلناه نهياً كان أمراً بالمواظبة على الأسباب المانعة من النسيان وهي الدراسة والقراءة والبحث فلا يكون من البشارة في شيء.
وأيضاً النسيان لا يتعلق بقدرة العبد فيلزم أن يحمل النهي عنه على الأمر بالأسباب المانعة منه وهو خلاف الظاهر، أما الاستثناء ففيه قولان: الأول أنه ليس على حقيقته، فقد روي عن الكلبي أنه لم ينس بعد نزول هذه الآية شيئاً.
وعلى هذا فالمقصود من الاستثناء إما نفي النسيان رأساً كما تستعمل القلة في معنى العدم، وإما التبرك بذكر هذه الكلمة وتعليم العباد أن لايتركوها في كل ما يخبرون عنه، وفيه أنه قادر على إنسائه إلا أنه لا ينسيه بفضله وإحسانه، وفيه لطف للنبي أن يكون متيقظاً مبالغاً دراسة ما ينزل عليه من الوحي قليلاً كان أو كثيراً، فإن كل جزء من أجزائه يحتمل أن يكون هو المستثنى.
الثاني أنه حقيقة.
ثم حمله مقاتل على النسخ كما مر.
وقال الزجاج: أراد إلا أن يشاء الله فتنساه ثم تذكره بعد النسيان كما روي أنه أسقط في قراءته آية في الصلاة فحسب أبيّ أنها نسخت فسأله فقال: نسيتها.
وقيل: أريد القلة والندرة لا في الواجبات فإنه يورث الخلل في الشرع ولكن في غيرها.
ثم علل حسن النسخ بقوله ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾ وإذا كان كذلك كان وضع الحكم ورفعه واقعاً بحسب مصالح المكلفين.
وقيل: أراد أنك تجهر بقراءتك مع قراءة جبرائيل مخافة النسيان والله يعلم ما في نفسك من الحرص على تحفظ الوحي، فلا تفعل فأنا أكفيك ما تخافه.
ثم بشره ببشارة أخرى وهو تيسيره أي توفيقه للطريقة التي هي أيسر وهي حفظ القرآن والشريعة السهلة السمحة.
وعن ابن مسعود: هي الجنة يعني العمل المؤدي إليها.
والعبارة المشهورة أن يقال: جعل الفعل الفلاني ميسراً لفلان وإنما عكس الترتيب في الآية لدقيقة هي أن الفاعل ما لم يوجد فيه قابلية لصدور الفعل عنه امتنع حصوله منه وهذا معنى قوله " "كل ميسر لما خلق له" وفي الآية دلالة على أنه فتح عليه من أبواب قبول الفيض ما لم يفتحه على غيره حتى صار يتيم أبي طالب قدوة للعالمين وهادياً للخلائق أجمعين كما قال ﴿ فذكر إن نفعت الذكرى ﴾ وإن لم تنفع فحذفت إحدى القرينتين للعلم بها كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ وهو بناء على الإغلب فإن التذكير إنما يكون غالباً إذا كان رجاء التذكر حاصلاً كقوله ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً ﴾ وفيه حث على الانتفاع بالذكرى كما يقول المرء لغيره إذا بين له الحق: قد أوضحت لك إن كنت تسمع وتقبل، ويكون مراده البعث على السماع والقبول.
أو تنبيه للنبي على أن الذكرى لا تنفعهم كما يقال للرجل: أدع فلاناً إن أجابك.
والمعنى ما أراه يجيبك.
ووجه آخر وهو أن تذكير العالم واجب في أوّل الأمر.
وأما التكرير فالضابط فيه هو العرف فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا أردفه بالشرط.
قيل: التعليق بالشرط إنما يحسن في حق من يكون جاهلاً بعواقب الأمور.
والجواب أن أمر الدعوة والبعثة مبنيّ على الظواهر لا على الخفيات.
وروي في الكتب أنه كان يقول لموسى ﴿ فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ﴾ وأنا أشهد أنه لا يتذكر أو يخشى.
وإنما سمى الوعظ بالتذكير لأن حسن هذا الدين مركوز في العقول ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ فكأن هذا العلم كان حاصلاً في نفسه بالقوّة ثم زال عنها بالعوائق والغواشي، وعند بعض العقلاء أن النفوس قبل تعلقها بالأبدان عالمة بما لها أن تعلم إلا أنها نسيتها لاشتغالها بتدبير البدن، ومن هنا قال أفلاطون: لست أعلمكم ما كنتم تجهلون ولكن أذكركم ما كنتم تعلمون.
ثم إنه بين أن المنتفع بالتذكير من هو فقال ﴿ سيذكر من يخشى ﴾ قال في التفسير الكبير: إن الناس في أمر المعاد ثلاثة أقسام: القاطع بصحته، والمتردد فيه، والجاحد له.
والفريقان الأوّلان ينتفعان بالتذكير والتخويف، وكثير من المعاندين إنما يجحدون باللسان فقط، فتبين أن أكثر الخلق ينتفعون بالوعظ والمعرض نادر وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فلهذا وجب تعميم التذكير.
قلت: هذا خلاف القرآن حيث قال ﴿ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ﴾ وقال ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ وخلاف الحديث حيث قال في بعث النار " من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" وخلاف المعقول فإنه لو سلم أن قسمين من الأقسام الثلاثة ينتفعان بالتذكير وينضم إليه من القسم الثالث بعض آخر فقد لا يلزم أن يكون الثاني أقل من المجموع المفروض لجواز اختلاف الأقسام، بل السبب في تعميم التذكير انتفاع المنتفعين به وهم أهل الخشية أعني العلماء بالله وإلزام الحجة لغيرهم.
والسين في ﴿ سيذكر ﴾ إما لمجرّد الإطماع فإن " سوف " من الله واجب، وإما لأن التذكير متراخ عن التذكير غالباً لتخلل زمان النظر والتأمل بينهما غالباً.
قيل: نزلت الآية في عثمان بن عفان.
وقيل: في أبن أم مكتوم.
ونزل في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة قوله ﴿ ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ﴾ أي السفلى من أطباق النار.
وعن الحسن: النار الكبرى نار جهنم والصغرى نار الدنيا.
فالأشقى هو الكافر على الإطلاق، وذلك أن الكافر أشقى من الفاسق.
ولا يلزم من تخصيص ذكر الكافر بدخول النار أن لا يدخلها الفاسق، وسبب تخصيص الكافر بالذكر أن الفاسق لم يتجنب التذكير بالكلية فيكون القرآن مسكوتاً عن الشقي الذي هو أهل الفسق، ويحتمل أن يكون الأشقى بمعنى الشقي كقوله ﴿ وهو أهون عليه ﴾ أي هين فيدخل فيه الفاسق لأنه يجتنب بوجه من الوجوه.
وقوله ﴿ ثم لا يموت فيها ولا يحيى ﴾ قد مر تفسيره في " طه ".
ومعنى " ثم " تراخى الرتبة لأن هذا النوع من الحياة أفظع من نفس الدخول في النار.
ثم ذكر وعد السعداء بعد وعيد الأشقياء.
ومعنى ﴿ تزكى ﴾ تطهر من أدناس الشرك والمعاصي والعقائد الفاسدة ﴿ وذكر اسم ربه ﴾ بالتوحيد والإخلاص ﴿ فصلى ﴾ أي اشتغل بالخدمة والطاعة حتى يكون كاملاً بحسب قوّته النظرية والعملية بعد تخليته لوح الضمير عن النقوش الفاسدة.
وقال الزجاج: تزكى أي تكثر من التقوى وأصله من الزكاء النماء فيكون تفصيله قوله ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] إلى آخر الآيات.
وفي أوّل البقرة إلى قوله ﴿ هم المفلحون ﴾ وقال مقاتل: تزكى من الزكاة كتصدّق من الصدقة والمعنى: قد أفلح من تصدّق من ماله وذكر ربه بالتوحيد والصلاة فصلى له.
وخصه قوم بصلاة العيد وصدقة الفطرة أي أفلح من تصدّق قبل خروجه إلى المصلى، وذكر اسم ربه في طريق المصلى أو عند تكبيرة الافتتاح فصلى العيد وهذا قول عكرمة وأبي العالية وابن سيرين وابن عمرو وعلي.
وقد روي مرفوعاً إلى النبي وضعف بأنه خلاف ما ورد في مواضع أخر من القرآن من تقديم الصلاة على الزكاة.
والجواب إنما ورد هكذا لأن زكاة الفطر مقدّمة على صلاته.
واعترض الثعلبي بأن السورة مكية بالإجماع ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر.
وأجاب الواحدي بأنه لا يمتنع أن يقال لما كان في معلوم الله أن يكون ذلك أثنى على من فعل ذلك.
استدل على بعض الفقهاء بالآية على وجوب تكبيرة الافتتاح، واحتج بعض أصحاب أبي حنيفة بها على أن التكبيرة الأولى ليست من صلب الصلاة العطف الصلاة عليها، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه.
وأجيب بما روي عن ابن عباس أن المراد ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له وبأنه قد يقال " أكرمتني فزرتني " وبالعكس من غير فرق.
وقد يزيف هذا الجواب الثاني بأنه خلاف الظاهر وبأن خصوصية المادة ملغاة فلا يلزم من عدم الفرق في المثال المضروب عدم الفرق فيما يتعلق به حكم شرعي.
ثم وبخهم بقوله ﴿ بل تؤثرون ﴾ إلى آخره.
ثم بين أن ما في السورة من التوحيد والنبوّة والوعيد والوعد كانت ثابتة في صحف الأنبياء الأقدمين لأنها قواعد كلية لا تتغير بتغير الأزمان فهو كقوله ﴿ وإنه لفي زبر الأوّلين ﴾ وقيل: المشار إليه بهذا هو قوله ﴿ بل تؤثرون ﴾ الآية لأنه أقرب المذكورات، ولأن حاصل جميع الكتب السماوية الزجر عن الدنيا والإقبال على الآخرة.
قال في الكشاف: روي عن أبي ذر أنه سأل رسول الله : كم أنزل الله من كتاب؟
قال " مائة وأربعة كتب منها على آدم عشر صحف، وعلى شيث خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ وهو إدريس ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان" " فتقدير الآية إن هذا لفي الصحف الأولى التي منها صحف إبراهيم وموسى.
قالوا: في صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون حافظاً للسانه عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه الله حسبي.
قوله - عز جل -: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ ﴾ ، أي: سنحفظ عليك ما أوحينا إليك من القرآن فلا تنسى، وفي حفظه - - ما يوحى إليه دلالة رسالته؛ لأنه لم يكن يعرف الكتابة، ولا كان يتلو الكتب، ثم كان يقرأ جميع ما يلقى إليه بمرة واحدة، مع ما كان مأمورا ألا يحرك لسانه بشيء مما يوحى إ ليه إلى أن يقضى إليه الوحي، ومن كانت حالته ما ذكرنا، تعذر عليه حفظ ما يلقى إليه بمرات وإن كان ذلك لسانه، فكيف يضبطه بمرة واحدة؛ فكان حفظه بالمرة الواحدة نوعا من آيات نبوته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ قال بعضهم: تأويله: إلا ما شاء الله من ذلك؛ فإنه ينسيك ما أراد أن ينسيكه.
ولكن ما رأى هذا التأويل صحيحا، وذلك أن الذي أوحي إليه آية نبوته؛ فرسول الله إذا قرأ، ثم أنسي، فلمن طعن في رسالته أن يستقرئه تلك الآية، ولا يتهيأ له أن يقرأها إذا كان قد أنسي؛ فيجد في ذلك موضع الطعن عليه.
وقد روي في بعض الأخبار أنه أنسي، ولكنه من أخبار الآحاد؛ فلا يجحوز قطع الحكم بها؛ لأن خبر الآحاد يوجب علم العمل، ولا يوجب علم الشهادة، وهي في موضع الشهادة هاهنا، ولكن تأويله عندنا - والله أعلم - يخرج على أوجه ثلاثة: أحدهما: أن الأنبياء - عليهم السلام - لم يكونوا آمنين على أنفسهم بالعصمة عن الزلات التي لديها يخاف زوال ما أنعموا به وإن ظهرت عصمتهم اليوم عندنا؛ ألا ترى إلى قصة إبراهيم - - عند محاجة قومه قال: ﴿ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ ﴾ ، فخاف زوال ما أكرم به، وخشي أن يبتلى بما أبتلي به أهل المعاصي حتى فزع إلى الدعاء، وقال في قصة شعيب - -: ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا ﴾ ، وقال في قصة يوسف - -: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ؛ فثبت أنه لم يتبين لهم حقيقة العصمة عن الوقوع في الزلات التي تزيل النعم، فكذلك رسول الله لم يؤمن عما يعقب الإنساء؛ بل قيل له: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ * إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ ؛ فثبت أنهم كانوا على خوف ووجل عن ارتكاب ما يسلب به الوحي وينسي.
او يكون الاستثناء راجعا إلى إنساء حكمه، وهو أن ينسخ حكمه حتى يترك فيصير كالمنسي؛ كقوله: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ ، أي جعلهم كالشيء المنسي بما آيسهم من رحمته، لا أن يكون هناك حقيقة نسيان، فكذلك ما نسخ حكمه وترك، صار كالمنسي، وإن لم يكن فيه حقيقة نسيان؛ فيكون النسيان منصرفا إلى حكم التلاوة، لا إلى عينها.
أو يكون - - يذهب خاطره عن [بعض ما يوحى إليه؛ إذا اشتغل فكره في أشياء أخر؛ فيصير الذي ذهب عن] وهمه كأنه نسيه وإن كان يعود ذلك إليه عند إحضاره ذهنه، كما ترى المرء في الشاهد يذهب عن وهمه جميع ما في قاتحة الكتاب من الحروف إذا أعمل رؤيته في أشياء أخر؛ حتى يصير كالناسي لها وإن كان يعود إلى تذكرها إذا رام أن يقرأها.
فعلى هذه التأويلات يستقيم أن يوجه إليه الاستثناء، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ﴾ ، أي: ما يجهر بعض لبعض من الخلائق، أو ما يسر بعض عن بعض.
أو يعلم ما تطلع عليه الملائكة من أعمالهم، ويعلم ما يعزب عنهم، فعلمه فيما أسر العبد كعلمه فيما اظهر وجهر به؛ فذكرهم هذا؛ ليكونوا متيقظين؛ فلا يخافون، ولا يجهرون إلا بالذي يحق عليهم؛ إذا الله - - حفيظ عليهم.
وقوله - أعمال الخير: يسرى؛ لأنها تعقب ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ قالوا: ونسيرك للخير ولعمل أهل الجنة، فسميت أعمال الخير: يسرى؛ لأنها تعقب ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ ﴾ : ظاهر هذا يقتضي ألا يذكر إلا من نفعته الذكرى، ولكن تخصيص الحكم في حال بوصف لا يوجب قطع ذلك الحكم فيما كان الحال بخلاف ذلك الوصف؛ بل يلزمه أن يذكر من نفعه ومن لا ينفعه؛ قال الله - -: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ ﴾ ، أمر بالتذكير على الإطلاق.
ثم قوله - -: ﴿ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن ذكر فقد نفعت الذكرى، وهو كقوله : ﴿ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً ﴾ ، ومعناه: قد كان وعد ربنا مفعولا.
وقد نفعت الذكرى؛ لأنه بتذكيره أسلم من أسلم منهم، وبه فازوا، وبه نالوا الدرجات العلا، وقال : ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
أو يكون قوله - عز وجل -: ﴿ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ ﴾ فسيأتي على أقوام [حالة] لا تنفعهم الذكرى لديها، وتلك حالة المعاينة لبأس الله وعذابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ ﴾ ، أي: يتعظ بها من يخشى الله أو المعاد، قال الله - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ، أي: بالقرآن، وذلك أن الذي يحملهم على الإيمان بالآخرة إيمانهم بهذا الكتاب؛ لأن في القرآن تذكيراً للآخرة، وأمرا بالاستعداد لها؛ فلذلك خشيته تحمله على الاتعاظ بالذكرى والانتفاع بها، والخشية هي الخوف اللازم في القلوب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى * ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ : أضاف التجنب هاهنا إلى الأشقى، وهو الشقي، وفيما ذكر الأتقى أضاف التجنب إلى نفسه بقوله: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ ﴾ ؛ فيكون في هذا دلالة الإذن بإضافة الخيرات إلى الله - - وفي الأول دلالة منع إضافة الشرور إليها؛ وهذا لأن إضافة الخيرات إلى الله تخرج مجرج الشكر له، وهو حقيق بأن تشكر نعمه، وليس في إضافة الشرور إلى آخر شكر له؛ فلم يصح أن تضاف إليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا ﴾ ، أي: لا تنقضي عنه أفعال الموت، وهي آلامها وأوجاعها، [بل] يبقى في آلامها أبداً؛ قال الله - -: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ﴾ ، أي: لا يقضى عليه حتى يتخلص من أوجاعها.
﴿ وَلاَ يَحْيَا ﴾ ، فالحياة التي ينتفع بها في الدنيا هي التي ترتفع عنها آلام الموت، وأوجاعه، فقوله: ﴿ وَلاَ يَحْيَا ﴾ ، أي: لا يرتفع عنه ألم الموت.
أو يكون قوله: ﴿ لاَ يَمُوتُ ﴾ فيستريح ﴿ وَلاَ يَحْيَا ﴾ حياة يتلذذ بها.
<div class="verse-tafsir"
ثم يخلد في النار بحيث لا يموت فيها فيستريح مما يقاسيه من العذاب، ولا يحيا حياة طيبة كريمة.
<div class="verse-tafsir" id="91.jkb8W"
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾ .
اسم الله في مثل هذه الآية هو ما يعرف به، والله إنما يعرف لنا بصفاته، فلا تعرفه أذهاننا إلا بأنه العالم القادر الحكيم إلى آخر ما دلنا عليه النظر في خلقه، وهدانا إليه الوجدان السليم في وصفه.
وهذا هو الاسم الذي يوصف بأنه ذو الجلال والإكرام في قراءة من قرأ في سورة الرحمن: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذُو الجَلَاِل وَالإِكْرَامِ ﴾ .
والاسم بهذا المعنى -(ما يعرف به المسمى)- هو الوجه في قوله تعالى: ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ﴾ .
فإن الوجه يعرف به صاحبه، بل لا يكاد يعرف صاحب الوجه إلا بوجهه، والاسم بهذا المعنى هو المذكور في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلِّهَا ﴾ أي رسوم الأشياء وما تعرف الأشياء به.
فاسم الله هو ما يمكن لأذهاننا أن تتوجه إليه به.
والله يأمرنا بتسبيح هذا الاسم، أي تنزيهه عن أن يكون فيه ما لا يليق به من شبه المخلوقات، أو ظهوره في واحد منها بعينه.
أو اتخاذه شريكًا أو ولدًا أو ما ينحو هذا النحو، فلا توجه عقولنا إليه إلا بأنه خالق كل شيء، المحيط علمه بدقائق الموجودات.
كما قال ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾ فعلينا أن نعرفه بأنه خلق الكائنات وأوجدها وسواها، أي وضع خلقها على نظام كامل لا تفاوت فيه ولا اضطراب، كما تراه فيما يظهر لك من خلق السموات والأرض.
وأنه ﴿ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾ ، أي قدر لكل حي ما يصلحه مدة بقائه وهداه إليه، وعرفه وجه الانتفاع بما فيه منفعة له ووجه الهرب مما يخشى غائلته.
وأنه ﴿ الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴾ ، أي أنبت النبات جميعه، وما من نبت ينبت إلا وهو يصلح أن يكون مرعى لحيوان ما من الأجناس الحية.
ثم بعد أن أنبت النبات ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴾ والغثاء هو الهشيم، أو الهالك البالي، والأحوى الذي يميل لونه إلى السواد.
ذكر بعد الخلق التسوية، وبعد تقرير المصالح وتحديدها الهداية، والتسوية والهداية كمالان للخلق والتقدير، وأتبع إخراج المرعى بجعله غثاء أحوى، وجعله غثاء إنما هو إفناؤه وإماتته وإزالة الحياة عنه.
وكان يلوح للذهن أن يعقب إخراج النبات بذكر كمال من كمالات وجوده: كالنضرة والخضرة والترعرع وما أشبه ذلك..
جاء الأسلوب على هذا الوجه لأن الخلق الأول عام في الأجسام الفانية وفي العوالم الباقية: كعوالم ما وراء هذه الخليقة الدنيا، فكله من خلقه، وكله قد سواه ووضعه على أكمل نظام في الدنيا وفيما وراءها.
والتقدير لمصالح الأحياء عام شامل لما للإنسان -بل ولما لغيره- من عالم الملك ونحوه.
فتلك العوالم الروحية حياة، ولحياتها شؤون مقدرة قدرها مبدعها.
وهداية الإنسان إنما هي لروحه الباقية التي لا تفنى، وكذلك هداية الأرواح العالية من سكان تلك العوالم التي لا نعرف منها إلا ما هدانا إليه الوحي، وقليلًا ما أرشدنا إليه العقل، هداية باق إلى شئون باقية إلى أن يشاء الله، فحق أن يتبع الخلق بالتسوية التي لا تفارقه ولا نهاية لها، وتقدير المصالح لكل حي بالهداية التي منها ما لا نهاية له كهداية الإنسان وما يشبهه.
أما النبات فإنما يعقب نموه وبلوغه الغاية منه اليبس والجفاف وصيرورته هشيمًا باليًا.
وهو في هذه الحالة لا يخلو من المنفعة فإنه قد يكون طعامًا لكثير من أنواع الحيوان، وهو هشيم متغير اللون، فكأنه قال الذي أحكم كل شيء صنعه: ما يبقى وما يفنى.
فنحن مأمورون أن نعرف الله جل شأنه بأنه القادر العالم الحكيم الذي شهدت بصفاته هذه آثاره في خلقه التي ذكرها في وصف نفسه في قوله ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾ إلخ، وأن لا ندخل في هذه الصفات معنى مما لا يليق به كما أدخل الملحدون الذين اتخذوا من دونه شركاء له أو عرفوه بما يشبه به خلقه.
وإنما توجه إلينا الأمر بتسبيح الاسم دون تسبيح الذات ليرشدنا إلى أن مبلغ جهدنا ومنتهى ما تصل إليه عقولنا أن نعرف الصفات بما يدل عليها، أما الذات فهي أعلى وأرفع من أن تتوجه عقولنا إليها إلا بما نلحظ من هذه الصفات التي تقوم عليها الدلائل، وترشد إليها الآيات، لهذا أمرنا بتسبيح اسمه تكليفًا لنا بما يسعه طوقنا.
والله أعلم.
بعد أن أمر الله نبيه بتسبيح اسمه، وعلم أمته المأمورة بأمر الله له كيف يمكنها أن تعرف الاسم الذي تسبحه -على نحو ما ذكرنا- وعد نبيه بأنه سيقرئه من كتابه ما فيه تنزيه الله وتبيين ما أوجب أن يعرف من صفاته وما فيه تشريع لأحكامه، ووعده بأن ما يقرئه إياه لا ينساه فقال ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى ﴾ أي سننزل عليك كتابًا تقرأه ولا تنسى منه شيئًا بعد نزوله عليك.
ولما كان الوعد على وجه التأبيد، واللزوم ربما يوهم أن قدرة الله لا تسع تغييره، وأن ذلك خارج عن إرادته جل شأنه، جاء بالاستثناء في قوله: ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ .
فإنه إذا أراد أن ينسيك شيئًا لم يعجزه ذلك، فالقصد هو إلى نفي النسيان رأسًا.
وقالوا إن ذلك -كما يقول الرجل لصاحبه "أنت سهيمي فيما أملك إلا ما شاء الله"- لا يقصد استثناء شيء.
وهو من استعمال القلة في معنى النفي.
وعلى ذلك جاء الاستثناء في قوله تعالى في سورة هود: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ .
أي غير مقطوع.
فالاستثناء في مثل هذا للتنبيه على أن ذلك التأبيد والتخليد بكرم من الله وسعة جود لا بتحتيم عليه وإيجاب، وأنه لو أراد أن يسلب ما وهب لم يمنعه من ذلك مانع.
وما ورد من أنه نسي شيئًا كان يذكره، فذلك -إن صح- فهو في غير ما أنزل الله عليه من الكتاب والأحكام التي أمر بتبليغها.
وكل ما يقال غير ذلك فهو من مدخلات الملحدين التي جازت على عقول المغفلين فلوثوا بها ما طهره الله، فلا يليق بمن يعرف قدر صاحب الشريعة ، ويؤمن بكتاب الله، أن يتعلق بشيء من ذلك.
ويقول ﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾ تأكيد للوعد مع الاستثناء، أي أن الذي وعدك بأن سيقرئك وأنه سيحفظك ما تقرأ فلا تنساه، عالم بالجهر والسر فلا يفوته شيء مما يكون في نفسك، وهو مالك قلبك وعقلك وخافي سرك، وفي قدرته أن يحفظ عليك ما وهبك وإن كان ذلك من خفيات روحك، ولو شاء لسلبه ولن تستطيع دفعه لأنك لا تستطيع أن تخفي عنه شيئًا.
ولما كان في الوعد بالإقراء الوعد بتشريع الأحكام كما ذكرنا -وقد يكون في الأحكام ما يصعب على المخاطبين احتماله- أردف ذلك الوعد بما يزيده حلاوة في ذوق النفس فقال: ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴾ : أي نوفقك للشريعة السمحة التي يسهل على النفوس قبولها ولا يصعب على العقول فهمها.
بعدما وعده بذلك الفضل العظيم، أخذ يأمره بتذكير عباده وتنبيههم من غفلاتهم، وتوجيههم إلى ما هو خير لهم من تنزيه اسم الله تعالى والاستعداد لامتثال أوامره والتزام أحكامه، فقال ﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾ وأشار بقوله ﴿ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾ إلى ما عليه حال أهل الباطل القائمين على ما ورثوا عن آبائهم، وإلى جمودهم وصلابة جهلهم، وأن الذكرى ربما لا تنجح فيهم.
قالوا "وذلك كما تقول للواعظ عظ المكارين إن سمعوا منك".
وليس الشرط قيدًا في الأمر، فقد أجمع أهل الدين -سلفهم وخلفهم- على أن الأمر بالتذكير عام، نفعت الذكرى أم لم تنفع.
وعمله شاهد على ذلك.
ولذلك أردف هذا الأمر بقوله ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ﴾ فالذكرى نافعة حتمًا في فريق من الناس، وهو الذي يخشى الله ويخشى عاقبة الجحود والعناد مع ظهور الدليل ووضوح وجه الحق، وإنما يتجنب الذكرى ولا ينتفع بها الأشقى الذي غلبه شقاؤه، وحق عليه الخذلان بإعراضه عن النور الساطع والبرهان القاطع، وهذا الفريق -الذي لا يخلو منه زمن- سيلقى من الله جزاءه، كما قال ﴿ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ﴾ وصف النار بالكبرى لأنها نار تلك الدار الآخرة، وهي أشد إيلامًا لمن يعذبون بها من هذه النار التي نعرفها، فتلك أكبر من هذه.
ثم إن من شقي ولقي عذابه بتلك النار يخلد فيها، لا ينقطع عذابه عند غاية، ولا يجد لآلامه نهاية، فهو لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة طيبة فيسعد، فنفي الحياة لا يناقض نفي الموت، لأن الحياة المنفية هي الحياة التي يرغب فيها ويتمنى صاحبها أن تدوم.
وحياة المعذب بتلك النار الكبرى ممقوتة ند صاحبها يتمنى لو فقدها في لحظة تمر عليه، فكأنها ليست بحياة.
إياك أن تنخدع بما يقوله أولئك الذين يلبسون لباس العلماء، ويزعمون مزاعم السفهاء من أنه لا يجب عليهم التذكير ولا النصح العام لعامة المسلمين، لأن التذكير لا ينفع، والنصح لا ينجع، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿ فَذَكِّرْ إَنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى ﴾ فقيد الأمر بالنفع، فإن ذلك منهم ضلال وتضليل، لأن الشرط إنما ذكر لما بيناه.
ولو صدق قولهم لما وجب التذكير في وقت من الأوقات، لأنه لا يخلو زمان من معاندين، ولا يسلم قائل من جاحدين.
وقد يعرف بعضهم أنه إنما ينطق عن هوى، ولكنه يدافع عن جهله، ويحتج لكسله وجبنه، ويحب أن يزين نفسه في أعين الناس، وإن أوقعها في سخط الله.
بعد أن وصل وعيد الأشقياء بذكرهم عاد إلى وعد أهل الخشية بالفلاح، فقال ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾ .
وتزكى: تطهر من دنس الرذائل، ورأسها جحود الحق، وقسوة القلب.
والفلاح الفوز والسعادة في الدارين.
وإنما يناله من طهرت نفسه، وزكا سره، وصفا قلبه ﴿ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾ ، أي لاحظ بسره ما يعرف من ربه بأن يحضر في قلبه صفاته العلية فخشع، فصلى ههنا بمعنى خشع ولجا إلى الله، فهو كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ وقد يكون مع الخشوع صلاة من الصلوات المكتوبة أو جميعها، وإنما عبر عن الخشوع بالصلاة لأنه لبها والمقصود منها، وهي بدونه شبح بلا روح.
يقول السامعون لهذا الوعد الكريم - ممن قست قوبهم، ولم يأخذوا من العبادات إلا بصورها، وظنوا أن ذلك غاية ما يطالب الله به عباده -نحن المتطهرون، ونحن الذاكرون، ونحن المصلون، فنحن المفلحون...
فيرد الله قولهم وينفي زعمهم بإثبات أنهم كاذبون وفي زعمهم واهمون، ويحتج عليهم بقوله: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ .
ولو صح قولكم لآثرتم الآخرة وهي خير وأبقى.
وإيثار الحياة الدنيا تقديم ملاذها والاشتغال بها والإنفاق فيها مع الانصراف عما يعد السعادة في الدار الآخرة.
أراد الله أن يؤيد الحق الذي يوحيه إلى نبيه بإثبات أنه هو بعينه الحق الذي ذكر في صحف إبراهيم وموسى: فدين الله واحد، وأمره واحد، ووعده ووعيده واحد، وإنما تختلف صوره، وتتعدد مظاهره.
فإذا كان المخاطبون قد آمنوا بإبراهيم أو بموسى فعليهم أن يؤمنوا بمحمد لأنه لم يأت إلا بما جاء في صحفهم، وإنما هو مذكر أو محي لما مات من شرعهم.
والإشارة في هذا إلى ما تضمنه قوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾ .