الإسلام > القرآن > سور > سورة 89 الفجر > الآية ١٠ من سورة الفجر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 144 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠ من سورة الفجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
وقوله : ( وفرعون ذي الأوتاد ) قال العوفي ، عن ابن عباس : الأوتاد : الجنود الذين يشدون له أمره .
ويقال : كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حديد يعلقهم بها .
وكذا قال مجاهد : كان يوتد الناس بالأوتاد .
وهكذا قال سعيد بن جبير ، والحسن ، والسدي .
قال السدي : كان يربط الرجل ، كل قائمة من قوائمه في وتد ثم يرسل عليه صخرة عظيمة فتشدخه .
وقال قتادة : بلغنا أنه كانت له مطال وملاعب ، يلعب له تحتها ، من أوتاد وحبال .
وقال ثابت البناني ، عن أبي رافع : قيل لفرعون ( ذي الأوتاد ) ; لأنه ضرب لامرأته أربعة أوتاد ، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت .
وقوله: ( وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ ) يقول جلّ ثناؤه: ألم تر كيف فعل ربك أيضا بفرعون صاحب الأوتاد.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( ذِي الأوْتَادِ ) ولم قيل له ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ذي الجنود الذي يقوّون له أمره، وقالوا: الأوتاد في هذا الموضع: الجنود.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ ) قال: الأوتاد: الجنود الذين يشدّون له أمره، ويقال: كان فرعون يُوتِد في أيديهم وأرجلهم أوتادًا من حديد، يعلقهم بها.
وقال آخرون: بل قيل له ذلك لأنه كان يُوتِد الناس بالأوتاد.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( ذِي الأوْتَادِ ) قال: كان يوتد الناس بالأوتاد.
وقال آخرون: كانت مظالّ وملاعب يلعب له تحتها.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ ) ذُكر لنا أنها كانت مظال وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد وحبال.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( ذِي الأوْتَادِ ) قال: ذي البناء كانت مظال يلعب له تحتها، وأوتادا تضرب له.
قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ثابت البناني، عن أبي رافع، قال: أوتد فرعون لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحا عظيمة حتى ماتت.
وقال آخرون: بل ذلك لأنه كان يعذّب الناس بالأوتاد.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن محمود، عن سعيد بن جُبير ( وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ ) قال: كان يجعل رجلا هاهنا ورجلا هاهنا، ويدا هاهنا ويدا هاهنا بالأوتاد.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( ذِي الأوْتَادِ ) قال: كان يوتد الناس بالأوتاد.
وقال آخرون: إنما قيل ذلك لأنه كان له بنيان يعذّب الناس عليه.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن رجل، عن سعيد بن جُبير ( وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ ) قال: كان له منَارات يعذّبهم عليها.
وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: عُنِيَ بذلك: الأوتاد التي تُوتَد، من خشب كانت أو حديد، لأن ذلك هو المعروف من معاني الأوتاد، ووصف بذلك لأنه إما أن يكون كان يعذّب الناس بها، كما قال أبو رافع وسعيد بن جُبير، وإما أن يكون كان يُلعب له بها.
قوله تعالى : وفرعون ذي الأوتادأي الجنود والعساكر والجموع والجيوش التي تشد ملكه قاله ابن عباس .
وقيل : كان يعذب الناس بالأوتاد ، ويشدهم بها إلى أن يموتوا تجبرا منه وعتوا .
وهكذا فعل بامرأته آسية وماشطة ابنته حسب ما تقدم في آخر سورة ( التحريم ) .
وقال عبد الرحمن بن زيد : كانت له صخرة ترفع بالبكرات ، ثم يؤخذ الإنسان فتوتد له أوتاد الحديد ، ثم يرسل تلك الصخرة عليه فتشدخه .
وقد مضى في سورة ( ص ) من ذكر أوتاده ما فيه كفاية .
والحمد لله .
{ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَاد } أي: [ذي] الجنود الذين ثبتوا ملكه، كما تثبت الأوتاد ما يراد إمساكه بها.
( وفرعون ذي الأوتاد ) سمي بذلك لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد ، وقد ذكرناه في سورة ( ص ) .
أخبرنا أبوسعيد الشريحي ، أخبرنا أبوإسحاق الثعلبي ، أخبرنا ابن فنجويه ، حدثنا مخلد بن جعفر ، حدثنا الحسين بن علويه ، حدثنا إسماعيل بن عيسى ، حدثنا إسحاق بن بشر عن ابن سمعان عن عطاء عن ابن عباس : أن فرعون إنما سمي " ذي الأوتاد " لأنه كانت امرأة ، وهي امرأة خازن فرعون حزبيل وكان مؤمنا كتم إيمانه مائة سنة ، وكانت امرأته ماشطة بنت فرعون ، فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها ، فقالت : تعس من كفر بالله ، فقالت بنت فرعون : وهل لك من إله غير أبي ؟
فقالت : إلهي وإله أبيك وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له ، فقامت فدخلت على أبيها وهي تبكي ، فقال : ما يبكيك ؟
قالت : الماشطة امرأة خازنك تزعم أن إلهك وإلهها وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له .
فأرسل إليها فسألها عن ذلك ، فقالت : صدقت ، فقال لها : ويحك اكفري بإلهك وأقري بأني إلهك ، قالت : لا أفعل فمدها بين أربعة أوتاد ، ثم أرسل عليها الحيات والعقارب ، وقال لها : اكفري بإلهك وإلا عذبتك بهذا العذاب شهرين ، فقالت له : ولو عذبتني سبعين شهرا ما كفرت بالله .
وكان لها ابنتان فجاء بابنتها الكبرى فذبحها على قرب منها .
وقال لها : اكفري بالله وإلا ذبحت الصغرى على قلبك ، وكانت رضيعا ، فقالت : لو ذبحت من على وجه الأرض على في ما كفرت بالله - عز وجل - ، فأتى بابنتها الصغرى فلما أضجعت على صدرها وأرادوا ذبحها جزعت المرأة ، فأطلق الله لسان ابنتها فتكلمت ، وهي من الأربعة الذين تكلموا أطفالا وقالت : يا أماه لا تجزعي فإن الله قد بنى لك بيتا في الجنة .
اصبري فإنك تفضين إلى رحمة الله وكرامته ، فذبحت فلم تلبث أن ماتت فأسكنها الله الجنة ، قال : وبعث في طلب زوجها حزبيل فلم يقدروا عليه ، فقيل لفرعون : إنه قد رئي في موضع كذا وكذا في جبل كذا ، فبعث رجلين في طلبه فانتهيا إليه وهو يصلي ويليه صفوف من الوحوش خلفه يصلون ، فلما رأيا ذلك انصرفا ، فقال حزبيل : اللهم إنك تعلم أني كتمت إيماني مائة سنة ، ولم يظهر علي أحد ، فأيما هذين الرجلين كتم علي فاهده إلى دينك وأعطه من الدنيا سؤله ، وأيما هذين الرجلين أظهر علي فعجل عقوبته في الدنيا واجعل مصيره في الآخرة إلى النار ، فانصرف الرجلان إلى فرعون فأما أحدهما فاعتبر وآمن ، وأما الآخر فأخبر فرعون بالقصة على رءوس الملأ فقال له فرعون : وهل كان معك غيرك ؟
قال : نعم فلان ، فدعا به فقال : أحق ما يقول هذا ؟
قال : لا ما رأيت مما قال شيئا فأعطاه فرعون وأجزل ، وأما الآخر فقتله ، ثم صلبه .
قال : وكان فرعون قد تزوج امرأة من نساء بني إسرائيل يقال لها " آسية بنت مزاحم " فرأت ما صنع فرعون بالماشطة ، فقالت : وكيف يسعني أن أصبر على ما يأتي به فرعون ، وأنا مسلمة وهو كافر ؟
فبينما هي كذلك تؤامر نفسها إذ دخل عليها فرعون فجلس قريبا منها ، فقالت : يا فرعون أنت شر الخلق وأخبثهم عمدت إلى الماشطة فقتلتها ، قال : فلعل بك الجنون الذي كان بها قالت : ما بي من جنون ، وإن إلهي وإلهها وإلهك وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له ، فمزق عليها ثيابها وضربها وأرسل إلى أبويها فدعاهما ، فقال لهما : ألا تريان أن الجنون الذي كان بالماشطة أصابها ؟
قالت : أعوذ بالله من ذلك ، إني أشهد أن ربي وربك ورب السماوات والأرض واحد لا شريك له ، فقال لها أبوها : يا آسية ألست من خير نساء [ العماليق ] وزوجك إله العماليق ؟
قالت أعوذ بالله من ذلك ، إن كان ما يقول حقا فقولا له أن يتوجني تاجا تكون الشمس أمامه والقمر خلفه والكواكب حوله ، فقال لهما فرعون : اخرجا عني ، فمدها بين أربعة أوتاد يعذبها ، ففتح الله لها بابا إلى الجنة ليهون عليها ما يصنع بها فرعون ، فعند ذلك قالت : " رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين " ( التحريم - 11 ) فقبض الله روحها وأسكنها الجنة .
«وفرعون ذي الأوتاد» كان يتد أربعة أوتاد يشد إليها يدي ورجلي من يعذبه.
وكيف فعل بفرعون مَلِك "مصر"، صاحب الجنود الذين ثبَّتوا مُلْكه، وقوَّوا له أمره؟
وقوله - تعالى - : ( وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد .
وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد ) معطوف على ما قبله .
والمراد بثمود : القبيلة المسماة بهذا الاسم ، نسبة إلى جدها ثمود ، وقد أرسل الله - تعالى - إليهم نبيهم صالحا - عليه السلام - فكذبوه ، فأهلكهم الله - تعالى - .وكانت مساكنهم بين الشام والحجاز ، ومازالت معروفة حتى الآن باسم قرى صالح .وقوله : ( جَابُواْ ) بمعنى قطعوا .
من الجوب بمعنى القطع والخرق ، والصخرة الحجارة العظيمة .والواد : اسم للأرض المنخفضة بين مكانين مرتفعين ، وكان هؤلاء القوم يقطعون الصخور من الجبال ، ليتخذوا منها بيوتهم بواديهم ، أى : بالمكان الذى كانوا يسكنونه .فقوله : ( بالواد ) علم بالغلبة للمكان الذى كانوا يسكنون فيه ، ويسمى بوادى القرى ، وقد قال - تعالى - فى شأنهم : ( وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً فَارِهِينَ ) والمراد بفرعون هنا : هو وقومه .
والمراد بالأوتاد : الجنود والعساكر الذين يشدون ملكه ويقوونه ، كما تشد الخيام وتقوى بالأوتاد .قال الآلوسى : وصف فرعون بذلك لكثرة جنوده وخيامهم ، التى يضربون أوتادها فى منازلهم ، أو لأنه كان يدق لمن يريد تعذيبه أربعة أوتاد ، ويشده بها .
.وقال بعض العلماء : ووصف فرعون بذى الأوتاد ، لأن مملكته كانت تحتوى على الأهرامات ، التى بناها أسلافه ، لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوتد المدقوق ، ويجوز أن يكون المراد بالأوتاد : التمكن والثبات على سبيل الاستعارة ، أى : ذى القوة .
.وقال صاحب الظلال : ( وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد ) وهى على الأرجح الأهرامات ، التى تشبه الأوتاد الثابتة فى الأرض المتينة البنيان ، وفرعون المشار إليه هنا ، فرعون الطاغية الجبار ، الذى أرسل الله - تعالى - إليه موسى - عليه السلام - .
.والمعنى : لقد علمت - أيها الرسول الكريم - وعلم معك كل من هو أهل للخطاب ، ما فعله ربك بقبيلة عاد ، التى جدها إرم بن سام بن نوح ، والتى كانت صاحبة أعمدة عظيمة ترفع عليها بيوتها ، والتى لم يخلق فى بلادها مثلها فى القوة والغنى .وعلمت - أيضا - ما فعله ربك بقوم ثمود ، الذين قطعوا صخر الجبال ، واتخذوا منها والعساكر الذين يشدون ملكه .
واعلم أن في جواب القسم وجهين: الأول: أن جواب القسم هو قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد ﴾ وما بين الموضعين معترض بينهما الثاني: قال صاحب الكشاف: المقسم عليه محذوف وهو لنعذبن الكافرين، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ وهذا أولى من الوجه الأول لأنه لما لم يتعين المقسم عليه ذهب الوهم إلى كل مذهب، فكان أدخل في التخويف، فلما جاء بعده بيان عذاب الكافرين دل على أن المقسم عليه أولاً هو ذلك.
أما قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: ألم تر، ألم تعلم لأن ذلك مما لا يصح أن يراه الرسول وإنما أطلق لفظ الرؤية هاهنا على العلم، وذلك لأن أخبار عاد وثمود وفرعون كانت منقولة بالتواتر!
أما عاد وثمود فقد كانا في بلاد العرب وأما فرعون فقد كانوا يسمعونه من أهل الكتاب، وبلاد فرعون أيضاً متصلة بأرض العرب وخبر التواتر يفيد العلم الضروري، والعلم الضروري جار مجرى الرؤية في القوة والجلاء والبعد عن الشبهة، فلذلك قال: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ بمعنى ألم تعلم.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ وإن كان في الظاهر خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم لكنه عام لكل من علم ذلك.
والمقصود من ذكر الله تعالى حكايتهم أن يكون زجراً للكفار عن الإقامة على مثل ما أدى إلى هلاك عاد وثمود وفرعون وقومه، وليكون بعثاً للمؤمنين على الثبات على الإيمان.
أما قوله تعالى: ﴿ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العماد ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى ذكر هاهنا قصة ثلاث فرق من الكفار المتقدمين وهي عاد وثمود وقوم فرعون على سبيل الإجمال حيث قال: ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ ولم يبين كيفية ذلك العذاب، وذكر في سورة الحاقة بيان ما أبهم في هذه السورة فقال: ﴿ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِٱلطَّاغِيَةِ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ والمؤتفكات بِالْخَاطِئَةِ ﴾ الآية.
المسألة الثانية: عاد هو عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، ثم إنهم جعلوا لفظة عاد اسماً للقبيلة كما يقال لبني هاشم هاشم ولبني تميم تميم، ثم قالوا للمتقدمين من هذه القبيلة عاد الأولى قال تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأولى ﴾ وللمتأخرين عاد الأخيرة، وأما إرم فهو اسم لجد عاد، وفي المراد منه في هذه الآية أقوال: أحدها: أن المتقدمين من قبيلة عاد كانوا يسمون بعاد الأولى فلذلك يسمون بإرم تسمية لهم باسم جدهم والثاني: أن إرم اسم لبلدتهم التي كانوا فيها ثم قبل تلك المدينة هي الإسكندرية وقيل دمشق والثالث: أن إرم أعلام قوم عاد كانوا يبنونها على هيئة المنارة وعلى هيئة القبور، قال أبو الدقيش: الأروم قبور عاد، وأنشد: بها أروم كهوادي البخث *** ومن الناس من طعن في قول من قال: إن إرم هي الإسكندرية أو دمشق، قال: لأن منازل عاد كانت بين عمان إلى حضرموت وهي بلاد الرمال والأحقاف، كما قال: ﴿ واذكر أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بالأحقاف ﴾ وأما الإسكندرية ودمشق فليستا من بلاد الرمال.
المسألة الثالثة: إرم لا تنصرف قبيلة كانت أو أرضاً للتعريف والتأنيث.
المسألة الرابعة: في قوله: ﴿ إِرَمَ ﴾ وجهان وذلك لأنا إن جعلناه اسم القبيلة كان قوله: ﴿ إِرَمَ ﴾ عطف بيان لعاد وإيذاناً بأنهم عاد الأولى القديمة وإن جعلناه اسم البلدة أو الأعلام كان التقدير بعاد أهل إرم ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كما في قوله: ﴿ واسئل القرية ﴾ ويدل عليه قراءة ابن الزبير بعاد إرم على الإضافة.
المسألة الخامسة: قرأ الحسن: ﴿ بِعَادٍ * إِرَمَ ﴾ مفتوحين وقرئ: ﴿ بِعَادٍ * إِرَمَ ﴾ بسكون الراء على التخفيف كما قرئ: ﴿ بِوَرِقِكُمْ ﴾ وقرئ: ﴿ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العماد ﴾ بإضافة ﴿ إِرَمَ ﴾ إلى ﴿ ذَاتِ العماد ﴾ وقرئ: ﴿ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العماد ﴾ بدلاً من ﴿ فعل ربك ﴾ ، والتقدير: ألم تر كيف فعل ربك بعاد جعل ذات العماد رميماً، أما قوله: ﴿ ذَاتِ العماد ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في إعرابه وجهان وذلك لأنا إن جعلنا: ﴿ إِرَمَ ﴾ اسم القبيلة فالمعنى أنهم كانوا بدويين يسكنون الأخبية والخيام والخبار لابد فيها من العماد، والعماد بمعنى العمود.
وقد يكون جمع العمد أو يكون المراد بذات العماد أنهم طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة وقيل: ذات البناء الرفيع، وإن جعلناه اسم البلد فالمعنى أنها ذات أساطين أي ذات أبنية مرفوعة على العمد وكانوا يعالجون الأعمدة فينصبونها ويبنون فوقها القصور، قال تعالى في وصفهم: ﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ ءايَةً تَعْبَثُونَ ﴾ أي علامة وبناء رفيعاً.
المسألة الثانية: روي أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها.
فسمع بذكر الجنة فقال: ابني مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار، فلما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا، وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوصل إلى جنة شداد فحمل ما قدر عليه مما كان هناك وبلغ خبره معاوية فاستحضره وقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن (أبي) قلابة فقال: هذا والله هو ذلك الرجل.
أما قوله: ﴿ التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد ﴾ فالضمير في (مثلها) إلى ماذا يعود؟
فيه وجوه: الأول: ﴿ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا ﴾ أي مثل عاد في البلاد في عظم الجثة وشدة القوة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع وكان يحمل الصخرة العظيمة فيلقيها على الجمع فيهلكوا الثاني: لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا، وقرأ ابن الزبير ﴿ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا ﴾ أي لم يخلق الله مثلها الثالث: أن الكناية عائدة إلى العماد أي لم يخلق مثل تلك الأساطين في البلاد، وعلى هذا فالعماد جمع عمد، والمقصود من هذه الحكاية زجر الكفار فإنه تعالى بين أنه أهلكهم بما كفروا وكذبوا الرسل، مع الذي اختصوا به من هذه الوجوه، فلأن تكونوا خائفين من مثل ذلك أيها الكفار إذا أقمتم على كفركم مع ضعفكم كان أولى.
أما قوله تعالى: ﴿ وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد ﴾ فقال الليث: الجواب قطعك الشيء كما يجاب الجيب يقال جاب يجوب جوباً.
وزاد الفراء يجيب جيباً ويقال: جبت البلاد جوباً أي جلت فيها وقطعتها، قال ابن عباس: كانوا يجوبون البلاد فيجعلون منها بيوتاً وأحواضاً وما أرادوا من الأبنية، كما قال: ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً ﴾ قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام ثمود، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، وقوله: ﴿ بالواد ﴾ قال مقاتل: بوادي القرى.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوتاد ﴾ فالاستقصاء فيه مذكور في سورة ص، ونقول: الآن فيه وجوه: أحدها: أنه سمي ذا الأوتاد لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا.
وثانيها: أنه كان يعذب الناس ويشدهم بها إلى أن يموتوا، روى عن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد وجعل على صدرها رحا واستقبل بها عين الشمس فرفعت رأسها إلى السماء وقالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة، ففرج الله عن بيتها في الجنة فرأته.
وثالثها: ذي الأوتاد، أي ذي الملك والرجال، كما قال الشاعر: في ظل ملك راسخ الأوتاد *** ورابعها: روى قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن تلك الأوتاد كانت ملاعب يلعبون تحتها لأجله، واعلم أن الكلام محتمل لكل ذلك، فبين الله تعالى لرسوله أن كل ذلك مما تعظم به الشدة والقول والكثرة لم يمنع من ورود هلاك عظيم بهم، ولذلك قال تعالى: ﴿ الذين طَغَوْاْ فِي البلاد ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: يحتمل أنه يرجع الضمير إلى فرعون خاصة لأنه يليه، ويحتمل أن يرجع إلى جميع من تقدم ذكرهم، وهذا هو الأقرب.
المسألة الثانية: أحسن الوجوه في إعرابه أن يكون في محل النصب على الذم، ويجوز أن يكون مرفوعاً على (الإخبار، أي) هم الذين طغوا أو مجروراً على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون.
المسألة الثالثة: ﴿ طَغَوْاْ فِي البلاد ﴾ أي عملوا المعاصي وتجبروا على أنبياء الله والمؤمنين ثم فسر طغيانهم بقوله تعالى: ﴿ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد ﴾ ضد الصلاح فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر، فالفساد يتناول جميع أقسام الإثم، فمن عمل بغير أمر الله وحكم في عباده بالظلم فهو مفسد ثم قال تعالى: ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ واعلم أنه يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به.
قال القاضي: وشبهه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: إن عند الله أسواطاً كثيرة فأخذهم بسوط منها، فإن قيل: أليس أن قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بما كسبوا مَّا تَرَكَ عَلى ظهرها من دَابَّةٍ ﴾ يقتضي تأخير العذاب إلى الآخرة فكيف الجمع بين هاتين الآيتين؟
قلنا: هذه الآية تقتضي تأخير تمام الجزاء إلى الآخرة والواقع في الدنيا شيء من ذلك ومقدمة من مقدماته.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد ﴾ تقدم عند قوله: ﴿ كَانَتْ مِرْصَاداً ﴾ ونقول: المرصاد المكان الذي يترقب فيه الراصد مفعال من رصده كالميقات من وقته، وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه، وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟
فقال: بالمرصاد، وللمفسرين فيه وجوه: أحدها: قال الحسن: يرصد أعمال بني آدم.
وثانيها: قال الفراء: إليه المصير، وهذان الوجهان عامان للمؤمنين والكافرين، ومن المفسرين من يخص هذه الآية إما بوعيد الكفار، أو بوعيد العصاة، أما الأول فقال الزجاج: يرصد من كفر به وعدل عن طاعته بالعذاب، وأما الثاني فقال الضحاك: يرصد لأهل الظلم والمعصية، وهذه الوجوه متقاربة.
<div class="verse-tafsir"
قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح: عاد، كما يقال لبني هاشم: هاشم.
ثم قيل للأوّلين منهم عاد الأولى وإرم، تسمية لهم باسم جدّهم، ولمن بعدهم: عاد الأخيرة.
قال ابن الرقيات: مَجْداً تَلِيداً بَنَاهُ أَوَّلُهُ ** أَدْرَكَ عَاداً وَقَبْلَهَا إرَمَا فإرم في قوله ﴿ بعاد إرَمَ ﴾ عطف بيان لعاد، وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة.
وقيل: ﴿ إِرَمَ ﴾ بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها ويدل عليه قراءة ابن الزبير ﴿ بعاد إرم ﴾ على الإضافة وتقديره: بعاد أهل إرم، كقوله: ﴿ واسئل القرية ﴾ [يوسف: 82] ، ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضاً للتعريف والتأنيث.
وقرأ الحسن: ﴿ بعاد أرم ﴾ ، مفتوحتين.
وقرئ ﴿ بعاد إرم ﴾ بسكون الراء على التخفيف، كما قرئ: ﴿ بورقكم ﴾ وقرئ ﴿ بعاد إرم ذات العماد ﴾ بإضافة إرم إلى ذات العماد.
والإرم: العلم، يعني: بعاد أهل أعلام ذات العماد.
و ﴿ ذَاتِ العماد ﴾ اسم المدينة وقرئ ﴿ بعاد إرمّ ذات العماد ﴾ أي جعل الله ذات العماد رميماً بدلاً من فعل ربك؛ وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة ومنه قولهم: رجل معمد وعمدان: إذا كان طويلاً.
وقيل: ذات البناء الرفيع، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: أنها ذات أساطين.
وروي أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد؛ فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال أبني مثلها، فبني إرم في بعض صحاري عدن في ثلثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة: وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت.
وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة؛ ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته؛ فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا.
وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له؛ ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل ﴿ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا ﴾ مثل عاد ﴿ فِى البلاد ﴾ عظم أجرام وقوّة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتي الصخرة العظيمة فيحملها فيلقيها على الحي فيهلكهم، أو لم يخلق مثل مدينة شدّاد في جميع بلاد الدنيا.
وقرأ ابن الزبير ﴿ لم يخلق ملثها ﴾ ، أي: لم يخلق الله مثلها ﴿ جَابُواْ الصخر ﴾ قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتاً، كقوله: ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً ﴾ [الشعراء: 149] قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة.
قيل له: ذو الأوتاد، لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد، كما فعل بماشطة بنته وبآسية ﴿ الذين طَغَوْاْ ﴾ أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم.
ويجوز أن يكون مرفوعاً على: هم الذين طغوا أو مجروراً على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط: إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعدّلهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به.
وعن عمرو بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطاً كثيرة، فأخذهم بسوط منها.
المرصاد: المكان الذي يترتب فيه الرصد (مفعال) من رصده.
كالميقات من وقته.
وهذامثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه.
وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟
فقال: بالمرصاد.
وعن عمرو بن عبيد رحمه الله أنه قرأ هذه السورة عند بعض الظلمة حتى بلغ هذه الآية فقال: إنّ ربك لبالمرصاد يا فلان، عرّض له في هذا النداء بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة، فالله درّه أيُّ أسد فرّاس كان بين ثوبيه، يدق الظلمة بإنكاره، ويقصع أهل الأهواء والبدع باحتجاجه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ ﴾ قَطَّعُوهُ واتَّخَذُوهُ مَنازِلَ لِقَوْلِهِ: وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا.
﴿ بِالوادِ ﴾ وادِي القُرى.
﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ ﴾ لِكَثْرَةِ جُنُودِهِ ومَضارِبِهِمُ الَّتِي كانُوا يَضْرِبُونَها إذا نَزَلُوا، أوْ لِتَعْذِيبِهِ بِالأوْتادِ.
﴿ الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ ﴾ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ «عادٍ» وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ، أوْ ذَمٌّ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ.
﴿ فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ ﴾ بِالكُفْرِ والظُّلْمِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد} أي ذي الجنود الكثيرة وكانت لهم مضارب كثيرة يضربونها إذا نزلوا وقيل كان له أوتاد يعذب الناس بها كما فعل بآسية
﴿ وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ ﴾ وُصِفَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ جُنُودِهِ وخِيامِهِمُ الَّتِي يَضْرِبُونَ أوْتادَها في مَنازِلِهِمْ، أوْ لِأنَّهُ كانَ يَدُقُّ لِلْمُعَذَّبِ أرْبَعَةَ أوْتادٍ ويَشُدُّهُ بِها مَبْطُوحًا عَلى الأرْضِ فَيُعَذِّبُهُ بِما يُرِيدُ مِن ضَرْبٍ أوْ إحْراقٍ أوْ غَيْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قال عز وجل: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ قال الكلبي: يعني: ليلة المزدلفة، يسير الخلق إلى المزدلفة.
وقال القتبي: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ يعني: يسرى فيه، كقوله: ليل نائم، أي: يُنام فيه.
وقال الزجاج: أصله تسري يسري، إلا أن الياء قد حذفت منه، وهي القراءة المشهورة بغير ياء، يقرأ بالياء.
قرأ حمزة، والكسائي، والشفع والوتر بكسر الواو.
والباقون بالنصب، وهما لغتان.
يقال: للفرد وَتْرٌ ووِتْر.
وقرأ ابن كثير يسر بالياء، في حالة الوصل والقطع.
وقرأ نافع بالياء، إذا وصل، وقرأ الباقون بغير ياء في الوصل والقطع، لأن الكسرة تدل عليه.
ثم قال عز وجل: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ يعني: أن هذا الذي ذكرناه، قسماً لذي لب من الناس.
ويقال: إن في ذلك قسم صدق، لذي عقل ولب ورشد، والحجر اللب.
ثم قال عز وجل: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ يعني: ألم تعلم، ويقال: ألم تخبر، واللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التقدير، يعني: فذلك خبر عاد إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ يعني: عاقبة قوم عاد، وقال بعضهم: هما عادان، أحدهما عاد وإرم، والآخر هم قوم هود.
وقال بعضهم: كلاهما واحد، ويقال: إرم اسم للجنة التي بناها، فمات قبل أن يدخلها، وذكر فيها حكاية طويلة عن وهب بن منبه.
ثم قال: ذاتِ الْعِمادِ يعني: الفساطيط، والعمود عمود الفسطاط.
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ يعني: في القوة والطول، ويقال: ذاتِ الْعِمادِ يعني: ذات القوة، ويقال: ذاتِ الْعِمادِ يعني: دائم الملك، طويل العمر.
ويقال: ذاتِ الْعِمادِ أي: ذات البناء الرفيع.
وروى أسباط، عن السدي قال: عاد بن إرم، فنسبهم إلى أبيهم الأكبر.
كقولك: بكر بن وائل.
ويقال: لا ينصرف إرم، لأنه اسم قبيلة.
وقال مقاتل: ذاتِ الْعِمادِ يعني: طولها اثنا عشر ذراعاً الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ في الطول والقوة، وإرم اسم أب قبيلة ينسب إليهم، وهو إرم بن سمك، بن نسمك، بن سام، بن نوح .
وقال الكلبي: ذاتِ الْعِمادِ يعني: كانوا أهل ذات عمود وماشية، فإذا هاج العمود، يعني: يبس العشب، رجعوا إلى منازلهم.
ويقال: عاد وإرم شيء واحد.
ثم قال عز وجل: وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وهم قوم صالح، نقبوا الجبل، وقلعوا أحجاراً لا يطيق مائتا رجل بالوادي.
وقال الكلبي: هو واد القرى.
ثم قال عز وجل: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ يعني: قواد الكفرة الفجرة، الذين خلقهم الله تعالى أوتاداً في مملكته، ليكفوا عنه عدوه.
ويقال: إن له بيتاً أوتد فيه أوتاداً، فإذا عذب أحد، طرحه فيها.
ويقال: سمي بذي الأوتاد، لأنه كان إذا غضب على أحد، وثقه بأربعة أوتاد.
ويقال: الأوتاد وهي الصلب، إذا غضب على أحد، صلبه كقوله لأصلبنكم ويقال ذو الأوتاد يعني ذا الملك الثابت الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ يعني: عاداً وثمود وفرعون عصوا في البلاد فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ يعني: أكثروا في الأرض المعاصي فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ يعني: أرسل عليهم ربك سَوْطَ عَذابٍ يعني: شديد العذاب حتى أهلكهم إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ يعني: مرّ الخلق عليه.
ويقال: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ يعني: ملائكة ربك على الصراط، يعني: يرصدون العباد على جسر جهنم في سبع مواضع.
وقال ابن عباس- ما: يحاسب العبد في أولها بالإيمان، فإن سلم إيمانه من النفاق والرياء، نجا وإلا تردى في النار، وفي الثاني: يحاسب على الصلاة، فإن أتم ركوعها وسجودها في مواقيتها نجا، وإلا تردى في النار، والثالث: يحاسب على الزكاة، فإن النار.
وفي الخامس في الحج والعمرة، وفي السادس بالوضوء والغسل من الجنابة، وفي السابع بر الوالدين، وصلة الأرحام، ومظالم العباد فإن أداها نجا وإلا تردى في النار.
<div class="verse-tafsir"
يُفِيضُ أَثَرُ الحُرْقَةِ من القلبِ على البَدَنِ فَتَنْقَمِعُ الشهواتُ، وتحترقُ بالخوفِ، ويحصُلُ في القلب الذبولُ والخشوعُ والذِّلَةُ والاستكانةُ، ويصيرُ العبدُ مستوعبَ الهَمِّ بخوفِه والنظرِ في خطرِ/ عاقبتِه فلا يتفرغُ لغيرهِ، ولا يكونُ له شُغْل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والضّنّة بالأنفاس واللحظاتِ، ومؤاخَذَةِ النفسِ في الخَطَراتِ والخُطُواتِ والكلماتِ، ثم قال: واعْلَمْ أنه لاَ تَنْقَمِعُ الشهواتُ بشيء كما تنقمع بنار الخوف، انتهى.
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩)
وقوله سبحانه: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ ...
الآية، ذَكَرَ تَعالى في هذهِ الآيةِ ما كانتْ قريشٌ تقولُهُ وتستدلُّ به على إكرامِ اللَّه وإهانَتِهِ لعبدهِ، وجَاءَ هذا التوبيخُ في الآيةِ لجنس الإنسان، إذ قد يقعُ بعضُ المؤمنينَ في شيء من هذا المَنْزَع، وابْتَلاهُ معناه:
اختبره، ونَعَّمَهُ أي جعله ذا نعمة.
و «قدر» بتخفيفِ الدال بمعنى: ضَيَّقَ، ثم قال تعالى: كَلَّا ردّاً على قولهِم ومعتقدهم، أي: ليس إكرامُ اللَّهِ تعالى وإهانتُه كذلِكَ، وإنما ذلك ابتلاءٌ فَحَقُّ من ابتلي بالغنى أن يشكرَ ويطيعَ، ومَنْ ابْتُلِيَ بالفَقْرِ أن يشكرَ ويصبرَ، وأما إكرامُ اللَّه فهو بالتقوى وإهانَتُهُ فبالمعصيةِ، وطَعامِ في هذهِ الآيةِ بمعْنَى: إطعام، ثم عدَّدَ عليهم جِدَّهم في أكل التراثِ، لأنهم كانوا لا يُورِّثُونَ النِّسَاءَ ولاَ صغارَ الأولادِ، وإنما كان يأخُذُ المالَ مَنْ يقاتِلُ ويَحْمِي الحَوْزَةَ، و «اللَّمُّ» الجَمْعُ واللَّفُّ، قال الحسن: هو أَن يأْخُذَ في الميراثِ حظَّه وحظَّ غيرِه «١» ، والجَمُّ الكثيرُ الشديدُ ومنه قول الشاعر: [الرجز]
إن تغفر اللهم تغفر جما ...
وأي عبد لَكَ لاَ أَلَمَّا «٢»
ومنه الجَمُّ من الناس، ودكّ الأرض تسويتها.
سُورَةُ الفَجْرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والفَجْرِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الفَجْرُ: انْفِجارُ الظُّلْمَةِ عَنِ الصُّبْحِ، وانْفَجَرَ الماءُ: انْبَجَسَ.
قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: الفَجْرُ: ضَوْءُ النَّهارِ إذا انْشَقَّ عَنْهُ اللَّيْلُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ اِلانْفِجارِ، يُقالُ: انْفَجَرَ النَّهْرُ يَنْفَجِرُ انْفِجارًا: إذا انْشَقَّ فِيهِ مَوْضِعٌ لِخُرُوجِ الماءِ، ومِن هَذا سُمِّيَ الفاجِرُ فاجِرًا، لِأنَّهُ خَرَجَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذا الفَجْرِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الفَجْرُ المَعْرُوفُ الَّذِي هو بَدْءُ النَّهارِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو انْفِجارُ الصُّبْحِ كُلَّ يَوْمٍ، وبِهَذا قالَ عِكْرِمَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والقُرَظِيُّ.
والثّانِي: صَلاةُ الفَجْرِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: النَّهارُ كُلُّهُ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالفَجْرِ، لِأنَّهُ أوَّلُهُ، ورَوى هَذا المَعْنى أبُو نَصْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ خاصَّةً قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: أنَّهُ فَجْرُ أوَّلِ يَوْمٍ مِن ذِي الحِجَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ أوَّلُ يَوْمٍ مِنَ المُحَرَّمِ تَنْفَجِرُ مِنهُ السَّنَةُ قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عَشَرُ ذِي الحِجَّةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّها العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، رَواهُ أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: العَشْرُ الأُوَلُ مِن رَمَضانَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: العَشْرُ الأُوَلُ مِنَ المُحَرَّمِ، قالَهُ يَمانُ بْنُ رِئابٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشَّفْعِ والوَتْرِ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: " والوِتْرِ " بِكَسْرِ الواوِ، وفَتَحَها الباقُونَ، وهُما لُغَتانِ.
قالَ الفَرّاءُ: الكَسْرُ لِقُرَيْشٍ وتَمِيمٍ وأسَدٍ، والفَتْحُ لِأهْلِ الحِجازِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في " الشَّفْعِ والوَتْرِ " عِشْرُونَ قَوْلًا.
أحَدُها: أنَّ الشَّفْعَ: يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الأضْحى، والوَتْرَ: لَيْلَةُ النَّحْرِ، رَواهُ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
والثّانِي: يَوْمُ النَّحْرِ، والوَتْرُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، [رَواهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ] .
والثّالِثُ: أنَّ الشَّفْعَ والوَتْرَ: الصَّلاةُ، مِنها الشَّفْعُ، ومِنها الوَتْرُ، رَواهُ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: [أنَّ الشَّفْعَ: الخَلْقُ كُلُّهُ، والوَتْرُ: اللَّهُ تَعالى]، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ في رِوايَةِ مَسْرُوقٍ، وأبُو صالِحٍ.
والخامِسُ: أنَّ الوَتْرَ: آدَمُ شُفِعَ بِزَوْجَتِهِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والسّادِسُ: أنَّ الشَّفْعَ يَوْمانِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، وهو النَّفْرُ الأوَّلُ، والوَتْرَ: اليَوْمُ الثّالِثُ، وهو النَّفْرُ الأخِيرُ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ .
والسّابِعُ: أنَّ الشَّفْعَ: صَلاةُ الغَداةِ، والوَتْرُ: صَلاةُ المَغْرِبِ، حَكاهُ عَطِيَّةُ.
والثّامِنُ: أنَّ الشَّفْعَ: الرَّكْعَتانِ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ، والوَتْرَ: الرَّكْعَةُ الثّالِثَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والتّاسِعُ: أنَّ الشَّفْعَ والوَتْرَ: الخَلْقُ كُلُّهُ، مِنهُ شَفْعٌ، ومِنهُ وتْرٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ.
والعاشِرُ: أنَّهُ العَدَدُ، مِنهُ شَفْعٌ، ومِنهُ وتْرٌ، وهَذا والَّذِي قَبْلَهُ مَرْوِيّانِ عَنِ الحَسَنِ.
والحادِي عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: عَشَرُ ذِي الحِجَّةِ، والوَتْرَ: أيّامُ [مِنًى] الثَّلاثَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: هو اللَّهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ ﴾ والوَتْرَ: هو اللَّهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
والثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: هو آدَمُ وحَوّاءُ.
والوَتْرَ: اللَّهُ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.
والرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: الأيّامُ واللَّيالِي، والوَتْرَ: اليَوْمُ الَّذِي لا لَيْلَةَ [بَعْدَهُ]، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
والخامِسَ عَشَرَ: الشَّفْعُ: دَرَجاتُ الجِنانِ، لِأنَّها ثَمانٍ، والوَتْرُ: دَرَكاتُ النّارِ لِأنَّها سَبْعٌ، فَكَأنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالجَنَّةِ والنّارِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.
والسّادِسَ عَشَرَ: الشَّفْعُ: تَضادُّ أوْصافِ المَخْلُوقِينَ بَيْنَ عِزٍّ وذُلٍّ، وقُدْرَةٍ وعَجْزٍ، وقُوَّةٍ وضَعْفٍ، وعِلْمٍ وجَهْلٍ، ومَوْتٍ وحَياةٍ.
والوَتْرُ: انْفِرادُ صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: عَزٌّ بِلا ذُلٍّ، وقُدْرَةٌ بِلا عَجْزٍ، وقُوَّةٌ بِلا ضَعْفٍ، وعِلْمٌ بِلا جَهْلٍ، وحَياةٌ بِلا مَوْتٍ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.
والسّابِعَ عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: الصَّفا والمَرْوَةُ، والوَتْرَ: البَيْتُ.
والثّامِنَ عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: مَسْجِدُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، والوَتْرَ: بَيْتُ المَقْدِسِ.
والتّاسِعَ عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ: القِرانُ بَيْنَ الحَجِّ والتَّمَتُّعِ، والوَتْرَ: الإفْرادُ.
والعِشْرُونَ: الشَّفْعُ: العِباداتُ المُتَكَرِّرَةُ، كالصَّلاةِ، والصَّوْمِ، والزَّكاةِ، والوَتْرُ: العِبادَةُ الَّتِي لا تَتَكَرَّرُ، وهو الحَجُّ، حَكى هَذِهِ الأقْوالَ الأرْبَعَةَ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ: " يَسْرِي " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وافَقَهُما في الوَصْلِ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ يَسْرِ ﴾ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.
قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: الِاخْتِيارُ حَذْفُها لِمُشاكَلَتِها لِرُؤُوسِ الآياتِ، ولِاتِّباعِ المُصْحَفِ.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الفِعْلَ لَهُ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إذا يَسْرِي ذاهِبًا، قالَهُ الجُمْهُورُ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: إذا يَسْرِي مُقْبِلًا، قالَهُ قَتادَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الفِعْلَ لِغَيْرِهِ، والمَعْنى: إذا يَسْرِي فِيهِ، كَما يُقالُ: لَيْلٌ نائِمٌ، أيْ: يُنامُ فِيهِ، قالَهُ الأخْفَشُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا اللَّيْلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ لَيْلَةٍ، وهَذا الظّاهِرُ.
والثّانِي: أنَّهُ لَيْلَةُ المُزْدَلِفَةِ، وهي لَيْلَةُ جْمَعٍ: قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: لَيْلَةُ القَدْرِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ في ذَلِكَ ﴾ أيْ: [هَلْ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أقْسَمْنا بِها] ﴿ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ أيْ: لِذِي عَقْلٍ، وسُمِّيَ العَقْلُ حِجْرًا، لِأنَّهُ يَحْجُرُ صاحِبَهُ عَنِ القَبِيحِ، وسُمِّيَ عَقْلًا، لِأنَّهُ يَعْقِلُ عَمّا لا يَحْسُنُ، وسُمِّيَ العَقْلُ النُّهى، لِأنَّهُ يَنْهى عَمًّا لا يَحِلُّ.
ومَعْنى الكَلامِ: أنَّ مَن كانَ ذا لُبٍّ عَلِمَ أنَّ ما أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ، فِيهِ دَلائِلُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقَدْرَتِهُ، فَهو حَقِيقٌ أنْ يُقْسِمَ بِهِ لِدَلالَتِهِ.
وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ فاعْتُرِضَ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ﴾ فَخَوَّفَ أهْلَ مَكَّةَ بِإهْلاكِ مَن كانَ أشَدَّ مِنهم.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمَرَ: " بِعادِ إرَمَ " بِكَسْرِ الدّالِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى الإضافَةِ.
وَفِي " إرَمَ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ بَلْدَةٍ، قالَ الفَرّاءُ.
ولَمْ يُجْرَ " إرَمُ " لِأنَّها اسْمُ بَلْدَةٍ ثُمَّ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحُدُها: أنَّها دِمَشْقُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعِكْرِمَةُ، وَخالِدٌ الرَّبْعِيُّ.
والثّانِي: الإسْكَنْدَرِيَّةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
والثّالِثُ: أنَّها مَدِينَةٌ صَنَعَها شَدّادُ بْنُ عادٍ، وهَذا قَوْلُ كَعْبٍ.
وسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ، ومَعْناهُ: القَدِيمَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَبِيلَةٌ مِن قَوْمِ عادٍ، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: وَإنَّما لَمْ تَنْصَرِفْ " إرَمُ " لِأنَّها جُعِلَتِ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ فَفُتِحَتْ، وهي في مَوْضِعِ خَفْضٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ اسْمٌ لِجَدِّ عادٍ، لِأنَّهُ عادُ بْنُ عَوْصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
قالَ الفَرّاءُ: فَإنْ كانَ اسْمًا لِرَجُلٍ عَلى هَذا القَوْلِ، فَإنَّما تُرِكَ إجْراؤُهُ، لِأنَّهُ كالعَجَمِيِّ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هُما عادانِ، فالأُولى: هي إرَمُ، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى ﴾ .
وَهَلْ قَوْمُ هُودٍ عادٌ الأُولى، أمْ لا؟
فِيهِ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في ﴿ النَّجْمُ ﴾ .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عُمُدٍ وخِيامٍ يَطْلُبُونَ الكَلَأ حَيْثُ كانَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مَنازِلِهِمْ، فَلا يُقِيمُونَ في مَوْضِعٍ، رَوى هَذا المَعْنى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى ذاتِ العِمادِ: ذاتُ الطُّولِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَجُلٌ مُعْمَدٌ: إذا كانَ طَوِيلًا.
والثّالِثُ: ذاتُ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، مَأْخُوذٌ مِن قُوَّةِ الأعْمِدَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: ذاتُ البَنّاءِ المُحْكَمِ بِالعِمادِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ ذاتَ العِمادِ لِبِناءٍ بَناهُ بَعْضُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: " لَمْ تَخْلُقْ " بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ اللّامِ " مِثْلَها " بِنَصْبِ اللّامِ.
وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: " لَمْ نَخْلُقْ " بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ، ورَفْعِ اللّامِ.
" مِثْلَها " بِنَصْبِ اللّامِ.
وَفِي المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ تِلْكَ القَبِيلَةِ في الطُّولِ والقُوَّةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
والثّانِي: المَدِينَةُ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ مَدِينَتِهِمْ ذاتِ العِمادِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ صِفاتُ تِلْكَ المَدِينَةِ.
وهَذِهِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ.
رَوى وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُلابَةَ أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ شَرَدَتْ، فَبَيْنَما هو في صَحارى عَدَنٍ وقَعَ عَلى مَدِينَةٍ في تِلْكَ الفَلَواتِ عَلَيْها حِصْنٌ، وحَوْلَ الحِصْنِ قُصُورٌ كَثِيرَةٌ.
فَلَمّا دَنا مِنها ظَنَّ أنَّ فِيها أحَدًا يَسْألُهُ عَنْ إبِلِهِ، فَلَمْ يَرَ خارِجًا ولا داخِلًا، فَنَزَلَ عَنْ دابَّتِهِ، وعَقَلَها، وسَلَّ سَيْفَهُ، ودَخَلَ مِن بابِ الحِصْنِ، فَلَمّا دَخَلَ الحِصْنَ إذا هو بِبابَيْنِ عَظِيمَيْنِ [لَمْ يَرَ أعْظَمَ مِنهُما] والبابانِ مُرَصَّعانِ بِالياقُوتِ [الأبْيَضِ و]الأحْمَرِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ دُهِشَ، فَفَتَحَ أحَدَ البابَيْنِ، فَإذا هو بِمَدِينَةٍ لَمْ يَرَ أحَدٌ مِثْلَها، وإذا قُصُورٌ، كُلُّ قَصْرٍ فَوْقَهُ غُرَفٌ وفَوْقَ الغُرَفِ غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ واللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ.
ومَصارِيعُ تِلْكَ الغُرَفِ مِثْلُ مَصارِيعِ المَدِينَةِ، يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، مَفْرُوشَةٌ كُلُّها بِاللُّؤْلُؤِ، وبَنادِقُ مِن مِسْكٍ وزَعْفَرانٍ.
فَلَمّا عايَنَ ذَلِكَ، ولَمْ يَرَ أحَدًا، هالَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ نَظَرَ إلى الأزِقَّةِ فَإذا هو في كُلِّ زِقاقٍ مِنها شَجَرٌ قَدْ أثْمَرَ، وتَحْتَ الشَّجَرِ أنْهارٌ مُطَّرِدَةٌ يَجْرِي ماؤُها مِن قَنَواتٍ مِن فِضَّةٍ.
فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّ هَذِهِ هي الجَنَّةُ، فَحَمَلَ مَعَهُ مِن لُؤْلُؤِها، ومِن بَنادِقِ المِسْكِ والزَّعْفَرانِ ورَجَعَ إلى اليَمَنِ، فَأظْهَرَ ما كانَ مَعَهُ.
وبَلَغَ الأمْرُ إلى مُعاوِيَةَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَقَصَّ عَلَيْهِ ما رَأى، فَأرْسَلَ مُعاوِيَةُ إلى كَعْبِ الأحْبارِ، فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ: يا أبا إسْحاقَ: هَلْ في الدُّنْيا مَدِينَةٌ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ؟
قالَ: نَعَمْ، أُخْبِرُكَ بِها وبِمَن بَناها؟
إنَّما بَناها شَدّادُ بْنُ عادٍ، والمَدِينَةُ: ﴿ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ﴾ ، قالَ: فَحَدَّثَنِي حَدِيثَها، فَقالَ: إنَّ عادًا المَنسُوبَ إلَيْهِمْ عادٌ الأُولى، كانَ لَهُ ولَدانِ: شَدِيدٌ، وشَدّادٌ.
فَلَمّا ماتَ [عادٌ]، ثُمَّ ماتَ شَدِيدٌ وبَقِيَ شَدّادٌ، مَلَكَ الأرْضَ، ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ، وكانَ مُولَعًا بِقِراءَةِ الكُتُبِ، فَكانَ إذا مَرَّ بِذِكْرِ الجَنَّةِ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلى بِناءِ مِثْلِها عُتُوًّا عَلى اللَّهِ تَعالى.
فَأمَرَ بِصُنْعِ ﴿ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ﴾ ، فَأمَّرَ عَلى عَمَلِها مِائَةَ قُهْرُمانٍ مَعَ كُلِّ قُهْرُمانٍ ألْفٌ مِنَ الأعْوانِ، وكَتَبَ إلى مُلُوكِ الأرْضِ أنْ يُمِدُّوهُ بِما في بِلادِهِمْ مِنَ الجَواهِرِ، فَخَرَجَ القَهارِمَةُ يَسِيرُونَ في الأرْضِ لِيَجِدُوا أرْضًا مُوافِقَةً، فَوَقَفُوا عَلى صَحْراءَ عَظِيمَةٍ نَقِيَّةٍ مِنَ التِّلالِ، وإذا فِيها عُيُونُ ماءٍ ومُرُوجٌ فَقالُوا: هَذِهِ صِفَةُ الأرْضِ الَّتِي أمَرَ المَلِكُ أنْ يُبْنى بِها، فَوَضَعُوا أساسَها مِنَ الجِزْعِ اليَمانِيِّ، وأقامُوا في بِنائِها ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَ عُمْرُ شَدّادٍ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ، فَلَمّا أتَوْهُ وقَدْ فَرَغُوا مِنها قالَ: انْطَلِقُوا، واجْعَلُوا عَلَيْها حِصْنًا، واجْعَلُوا حَوْلَ الحِصْنِ ألْفَ قَصْرٍ، عِنْدَ كُلِّ قَصْرٍ ألْفُ عَلَمٍ لِيَكُونَ في كُلِّ قَصْرٍ مِن تِلْكَ القُصُورِ وزِيرٌ مِن وُزَرائِي، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأمَرَ المَلِكُ الوُزَراءَ -وَهم ألْفُ وزِيرٍ- أنْ يَتَهَيَّئُوا لِلنُّقْلَةِ إلى ﴿ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ﴾ ، وكانَ المَلِكُ وأهْلُهُ في جَهازِهِمْ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ سارُوا إلَيْها، فَلَمّا كانُوا مِنها عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وعَلى مَن كانَ مَعَهُ صَيْحَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَتْهم جَمِيعًا، ولَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ.
وَرَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ دَغْفَلٍ الشَّيْبانِيِّ عَنْ عُلَماءِ حِمْيَرٍ قالُوا: لَمّا هَلَكَ شَدّادُ بْنُ عادٍ ومَن مَعَهُ مِنَ الصَّيْحَةِ، مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مَرْثَدُ بْنُ شَدّادٍ، وقَدْ كانَ أبُوهُ خَلَّفَهُ بِحَضْرَمَوْتَ عَلى مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ، فَأمَرَ بِحَمْلِ أبِيهِ مِن تِلْكَ المَفازَةِ إلى حَضْرَمَوْتَ وأمَرَ [بِدَفْنِهِ] فَحُفِرَتْ لَهُ حَفِيرَةٌ في مَفازَةٍ، فاسْتَوْدَعَهُ فِيها عَلى سَرِيرٍ مِن ذَهَبٍ، وألْقى عَلَيْهِ سَبْعِينَ حُلَّةً مَنسُوجَةً بِقُضْبانِ الذَّهَبِ، ووَضَعَ عِنْدَ رَأْسِهِ لَوْحًا عَظِيمًا مِن ذَهَبٍ وكَتَبَ عَلَيْهِ: اعْتَبِرْ يا أيُّها المَغْـ ـرُورُ بِالعُمْرِ المَدِيدِ أنا شَدّادُ بْنُ عادٍ ∗∗∗ صاحِبُ الحِصْنِ المَشِيدِ وأخُو القُوَّةِ والبَأْ ∗∗∗ ساءِ والمُلْكِ الحَشِيدِ دانَ أهْلُ الأرْضِ طُرًّا ∗∗∗ لِيَ مِن خَوْفِ وعِيدِي ومَلَكْتُ الشَّرْقَ والغَرْ ∗∗∗ بَ بِسُلْطانٍ شَدِيدِ وبِفَضْلِ المُلْكِ والعُدَّ ∗∗∗ ةِ فِيهِ والعَدِيدِ فَأتى هُودٌ وكُنّا ∗∗∗ في ضَلالٍ قَبْلَ هُودِ فَدَعانا لَوْ قَبِلْنا ∗∗∗ هُ إلى الأمْرِ الرَّشِيدِ فَعَصَيْناهُ ونادى ∗∗∗ ما لَكم هَلْ مِن مَحِيدِ؟
فَأتَتْنا صَيْحَةٌ تَهْـ ∗∗∗ ـوِي مِنَ الأُفْقِ البَعِيدِ فَتَوافَيْنا كَزَرْعٍ ∗∗∗ وسْطَ بَيْداءَ حَصِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ ﴾ قَطَعُوهُ ونَقَّبُوهُ.
قالَ إسْحاقُ: والوادِي: وادِي القُرى.
وقَرَأ الحَسَنُ: " بِالوادِي " بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ ﴾ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [ص: ١٢] ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ ﴾ يَعْنِي: عادًا، وثَمُودَ، وفِرْعَوْنَ، عَمِلُوا بِالمَعاصِي، وتَجَبَّرُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ ﴿ فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ ﴾ القَتْلَ والمَعاصِيَ ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما قالَ: سَوْطَ عَذابٍ، لِأنَّ التَّعْذِيبَ قَدْ يَكُونُ بِالسَّوْطِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: [أيْ جَعَلَ سَوْطَهُمُ الَّذِي ضَرَبَهم بِهِ العَذابَ] ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ أيْ: يَرْصُدُ مَن كَفَرَ بِهِ بِالعَذابِ، والمَرْصَدُ: الطَّرِيقُ، وقَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَتْ مِرْصادًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الفَجْرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ في كِتابِهِ المُؤَلَّفِ في تَنْزِيلِ القُرْآنِ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ، والأوَّلُ أشْهَرُ وأصَحُّ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والفَجْرِ ﴾ ﴿ وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ ﴿ والشَفْعِ والوَتْرِ ﴾ ﴿ واللَيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ ﴿ هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ﴾ ﴿ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ﴾ ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ ﴾ ﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَخْرَ بِالوادِ ﴾ ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوتادِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ ﴾ ﴿ فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ ﴾ ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: "الفَجْرِ" هُنا هو المَشْهُورُ الطالِعُ كُلَّ يَوْمٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الفَجْرُ: النَهارُ كُلُّهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الفَجْرُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ بِهِ: صَلاةُ الصُبْحِ، وقَرَأ: " إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ" وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما أرادَ فَجْرَ يَوْمِ النَحْرِ، وقالَ الضَحّاكُ: المُرادُ فَجْرُ ذِي الحِجَّةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ فَجْرُ لَيْلَةِ جَمْعٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المُرادُ فَجْرُ أوَّلِ يَوْمِ المُحَرَّمِ لِأنَّهُ فَجْرُ السَنَةِ، وقِيلَ: المُرادُ فَجْرُ العُيُونِ مِنَ الصُخُورِ وغَيْرِها.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المُرادُ فَجْرُ يَوْمِ الجُمْعَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "اللَيالِي العَشْرِ" -فَقالَ بَعْضُ الرُواةِ: هي العَشْرُ الأُوَلُ مِن رَمَضانَ، وابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ: هي العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، وقالَ يَمانُ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هي العَشْرُ الأُوَلُ مِنَ المُحَرَّمِ، وفِيهِ يَوْمُ عاشُوراءَ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، والسُدِّيُّ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: هي عَشَرُ ذِي الحِجَّةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي عَشْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الَّتِي أتَمَّها اللهُ تَعالى لَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلَيالٍ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: [وَلَيالِي عَشْرٌ] بِالإضافَةِ، وكَأنَّ هَذا عَلى أنَّ "العَشْرَ" مُشارٌ إلَيْهِ مُعَيَّنٌ بِالعِلْمِ بِهِ، ثُمَّ وقَعَ القَسَمُ بِلَيالِيهِ، فَكَأنَّ "العَشْرَ" اسْمٌ لَزِمَهُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِمْ: "فَعَلْتُ كَذا في العَشْرِ الأوسَطِ"، فَإنَّما هَذا عَلى أنَّ "العَشْرَ" اسْمٌ لَزِمَ حَتّى عُومِلَ مُعامَلَةَ الفَرْدِ ثُمَّ وُصِفَ بِهِ، ومَن راعى فِيهِ اللَيالِي قالَ "العَشْرُ الوَسَطُ".
واخْتَلَفَ الناسُ في "الشَفْعِ والوِتْرِ" -فَقالَ جابِرٌ عَنِ النَبِيِّ : « "الشَفْعُ يَوْمُ النَحْرِ، والوِتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ"» ورَوى أبُو أيُّوبَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "الشَفْعُ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الأضْحى، والوِتْرُ لَيْلَةَ النَحْرِ"»، ورَوى عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "هِيَ الصَلَواتُ مِنها الشَفْعُ ومِنها الوَتْرُ"»، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: الشَفْعُ اليَوْمانِ مِن أيّامِ التَشْرِيقِ، والوَتْرُ اليَوْمُ الثالِثُ، وقالَ آخَرُونَ: الشَفْعُ العالِمُ، والوِتْرُ اللهُ سُبْحانُهُ؛ إذْ هو تَعالى الواحِدُ مَحْضًا وسِواهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: الشَفْعُ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَلامُ، والوِتْرُ اللهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ، ومَسْرُوقٌ، وأبُو صالِحٍ: الشَفْعُ والوِتْرُ شائِعانِ في الخَلْقِ كُلِّهِ، الإيمانُ والكُفْرُ، والإنْسُ والجِنُّ وما اطَّرَدَ نَحْوُ هَذا فَهي أضْدادٌ أو كالأضْدادِ، ووَتَرَها اللهُ تَعالى فَرْدٌ واحِدٌ، وقِيلَ: الشَفْعُ الصَفا والمَرْوَةُ، والوِتْرُ البَيْتُ، وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: الشَفْعُ أبْوابُ الجَنَّةِ لِأنَّها ثَمانِيَةٌ، والوِتْرُ أبْوابُ النارِ لِأنَّها سَبْعَةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: الشَفْعُ الأيّامُ واللَيالِي، والوِتْرُ يَوْمُ القِيامَةِ لِأنَّهُ لا لَيْلَ بَعْدَهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: الشَفْعُ تَضادُّ أوصافِ المَخْلُوقِينَ كالعِزِّ والذُلِّ ونَحْوِهِ، والوِتْرُ اتِّحادُ صِفاتِ اللهِ تَعالى، عِزٌّ مَحْضٌ وكَرَمٌ مَحْضٌ، ونَحْوُهُ، وقِيلَ: الشَفْعُ، قُرْآنُ الحَجِّ والعُمْرَةِ، والوِتْرُ الإفْرادُ بِالحَجِّ، وقالَ الحَسَنُ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالعَدَدِ لِأنَّهُ إمّا شَفَعَ وإمّا وتَرَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الشَفْعُ حَوّاءٌ والوِتْرُ آدَمُ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: الوِتْرُ صَلاةُ المَغْرِبِ والشَفْعُ صَلاةُ الصُبْحِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الشَفْعُ الرَكْعَتانِ مِنَ المَغْرِبِ والوِتْرُ الرَكْعَةُ الأخِيرَةُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الشَفْعُ تَنَفُّلُ اللَيْلِ مَثْنى مَثْنى، والوِتْرُ الرَكْعَةُ الأخِيرَةُ المَعْرُوفَةُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ: "والوَتَرُ" بِفَتْحِ الواوِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ وأهْلِ الحِجازِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والحَسَنُ -بِخِلافٍ- وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وقَتادَةُ: "والوِتْرُ" بِكَسْرِ الواوِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرٍ، وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ الأغَرَّ رَواها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهُما لُغَتانِ في الفَرْدِ، وأمّا الذَحْلُ فَإنَّما هو "وِتْرٌ" بِالكَسْرِ لا غَيْرُ، وقَدْ ذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ الأصْمَعِيَّ حَكى فِيهِ اللُغَتَيْنِ، الفَتْحَ والكَسْرَ.
و"سَرى اللَيْلُ" ذَهابُهُ وانْقِراضُهُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والأخْفَشُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى إذا يَسْرِي فِيهِ، فَيَخْرُجُ هَذا الكَلامُ مَخْرَجَ "لَيْلٌ نائِمٌ ونَهارٌ صائِمٌ"، وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ: أرادَ بِهَذا لَيْلَةَ جُمَعٍ لِأنَّهُ يُسْرى فِيها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَسْرِ" دُونَ ياءٍ في وصْلٍ ووَقْفٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يَسْرِي" بِالياءِ في وصْلٍ ووَقْفٍ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ- عنهُ "يَسْرِي" بِياءٍ في الوَصْلِ ودُونَهُ في الوَقْفِ، وحَذْفُها تَخْفِيفٌ لِاعْتِدالِ رُؤُوسِ الآيِ إذْ هي فَواصَلُ كالقَوافِي، قالَ اليَزِيدِيُّ: الوَصْلُ في هَذا وما أشْبَهَهُ بِالياءِ، والوَقْفُ بِغَيْرِ ياءٍ عَلى خَطِّ المُصْحَفِ، ووَقَفَ تَعالى عَلى هَذِهِ الأقْسامِ العِظامِ هَلْ فِيها مُقْنِعٌ وحَسَبٌ لِذِي عَقْلٍ.
و"الحِجْرُ" العَقْلُ والنُهْيَةُ، والمَعْنى: فَيَزْدَجِرُ ذُو الحِجْرِ ويَنْظُرُ في آياتِ اللهِ تَعالى.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مُصارِعِ الأُمَمِ الخالِيَةِ الكافِرَةِ وما فَعَلَ رَبُّكَ مِنَ التَعْذِيبِ والإهْلاكِ، والمُرادُ بِذَلِكَ تَوَعُّدُ قُرَيْشٍ ونُصْبُ المَثَلِ لَها.
و"عادٌ" قَبِيلَةٌ لا خِلافَ في ذَلِكَ، واخْتَلَفَ الناسُ في "إرَمَ" - فَقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هي القَبِيلَةُ بِعَيْنِها، وعَلى هَذا قالَ ابْنُ قَيْسِ الرُقَيّاتِ: مَجْدًا تَلِيدًا بَناهُ أوَّلُهُ أدْرَكَ عادًا وقَبْلَها إرْما وَقالَ زُهَيْرٌ: وآخَرِينَ تَرى الماذِيَّ عُدَّتُهم ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ أو ما أورَثَتْ إرَمُ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إرَمٌ هو أبُو عادٍ كُلِّها، وهو عادُ بْنُ عَوْصَ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ غَيْرُ ابْنِ إسْحاقَ: هو أحَدُ أجْدادِها، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إرَمُ مَدِينَةٌ لَهم عَظِيمَةٌ كانَتْ عَلى وجْهِ الدَهْرِ بِاليَمَنِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هي "الإسْكَنْدَرِيَّةُ"، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ والمُقْبِرِيُّ: هي دِمَشْقُ، وهَذانَ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، وقالَ مُجاهِدٌ "إرَمُ" مَعْناهُ: قَدِيمَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بِعادٍ إرَمَ"، فَصَرَفُوا "عادًا" عَلى إرادَةِ الحَيِّ، ونَعَتُوا بـ "إرَمَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها القَبِيلَةُ بِعَيْنِها، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ اليَهُودِ لِلْعَرَبِ: سَيَخْرُجُ فِينا نَبِيٌّ نَتْبَعُهُ، نَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّها قَبِيلَةٌ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ "إرَمُ" أبًا لِعادٍ أو جَدًّا غَلَبَ اسْمُهُ عَلى القَبِيلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "بِعادِ إرَمَ" عَلى تَرْكِ الصَرْفِ في "عادٍ" وإضافَتِها إلى "إرَمَ"، وهَذا يَتَّجِهُ عَلى أنْ يَكُونَ "إرَمَ" أبًا أو جَدًّا، وعَلى أنْ تَكُونَ مَدِينَةً.
وقَرَأ الضَحّاكُ: "بِعادَ أرَمَ" بِفَتْحِ الدالِ والهَمْزَةِ مِن "أرَمَ" وفَتْحِ الراءِ والمِيمِ، عَلى تَرْكِ الصَرْفِ في "عادٍ" والإضافَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ "بِعادِ إرَمَّ" بِشَدّ المِيمِ عَلى الفِعْلِ الماضِي بِمَعْنى: بَلِيَ وصارَ رَمِيمًا، يُقالُ أرِمَ العَظْمُ ورُمَّ وأرَمَّهُ اللهُ، تَعِدّى "رَمَّ" بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "أرْمِ ذاتَ" بِالنَصْبِ في التاءِ، عَلى إيقاعِ الإرْمامِ عَلَيْها، أيْ: أبْلاها رَبُّكَ وجَعَلَها رَمِيمًا، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "أرْمِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وَكَسْرِ الراءِ، وهي لُغَةٌ في المَدِينَةِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ "أرْمِ" بِسُكُونِ الراءِ وفَتْح الهَمْزَةِ وهي تَخْفِيفٌ في "أرُمَ" كَفَخْذَةٍ وفَخْذٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذاتِ العِمادِ ﴾ فَمَن قالَ "إرَمُ مَدِينَةٌ" قالَ: العِمادُ هي أعْمِدَةُ الحِجارَةِ الَّتِي بُنِيَتْ بِها، وقِيلَ القُصُورُ العالِيَةُ والأبْراجُ يُقالُ لَها: عِمادٌ، ومَن قالَ "إرَمَ" قَبِيلَةٌ قالَ: العِمادُ إمّا أعْمِدَةُ أبْنِيَتِهِمْ وإمّا أعْمِدَةُ بُيُوتِهِمُ الَّتِي يَرْحَلُونَ بِها؛ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عَمُودٍ يَنْتَجِعُونَ البِلادَ، قالَهُ مُقاتِلٌ وجَماعَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي كِنايَةٌ عن طُولِ أبْدانِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: " لَمْ يُخْلَقْ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللامِ "مِثُلَها" رَفْعًا، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ "لَمْ يَخْلُقْ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ اللامِ "وَمِثْلَها" نَصْبًا، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "لَمْ نَخْلُقْ" بِالنُونِ وضَمِّ اللامِ "مِثْلَها" نَصْبًا، وذَكَرَ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ عن عِكْرِمَةَ، والضَمِيرُ في مِثْلِها يَعُودُ إمّا عَلى المَدِينَةِ وإمّا عَلى القَبِيلَةِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ "وَثَمُودًا" بِتَنْوِينِ الدالِ، و"جابُوا الصَخْرَ" مَعْناهُ: خَرَقُوهُ ونَحَتُوهُ، وكانُوا في وادِيهِمْ قَدْ نَحَتُوا بُيُوتَهم في حِجارَةٍ، و"الوادِي" ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ماءٌ، هَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى "جابُوا الصَخْرَ بِالوادِ"، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: يُرِيدُ: بِوادِي القُرى، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: جابُوا وادِيَهم وجَلَبُوا ماءَهم في صَخْرٍ شَقُّوهُ، وهَذا فِعْلُ ذَوِي القُوَّةِ والآمالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "بِالوادِي" بِالياءِ، وقَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ: "بِالوادِ" بِدُونِ ياءٍ، واخْتَلَفَ في ذَلِكَ نافِعٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا.
و"فِرْعَوْنَ" هو فِرْعَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، واخْتَلَفَ الناسُ في أوتادِهِ فَقِيلَ أبْنِيَتُهُ العالِيَةُ العَظِيمَةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وقِيلَ: جُنُودُهُ الَّذِينَ بِهِمْ يَثْبُتُ مُلْكُهُ، وقِيلَ المُرادُ أوتادُ أخْبِيَةٍ عَساكِرُهُ وذُكِرَتْ لِكَثْرَتِها ودَلالَتِها عَلى غَزَواتِهِ وطَوافِهِ في البِلادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومِنهُ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ: ..............
∗∗∗ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوتادِ وَقالَ قَتادَةُ: كانَ لَهُ أوتادٌ يَلْعَبُ عَلَيْها الرِجالُ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو مُشْرِفٌ عَلَيْهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ يُوتِدُ الناسَ بِأوتادِ الحَدِيدِ، يَقْتُلُهم بِذَلِكَ، يَضْرِبُها في أبْدانِهِمْ حَتّى تَنْفُذَ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إنَّما فُعِلَ ذَلِكَ بِزَوْجَتِهِ آسِيَةَ، وقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ بِماشِطَةِ بِنْتِهِ لِأنَّها كانَتْ آمَنَتْ بِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ، و"الصَبُّ" يُسْتَعْمَلُ في السَوْطِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي سُرْعَةً في النُزُولِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في المَحْدُودِينَ في الإفْكِ: فَصُبَّتْ عَلَيْهِمْ مُحْصَداتٌ كَأنَّها ∗∗∗ شَآبِيبُ لَيْسَتْ مِن سَحابٍ ولا قَطْرِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ المُتَأخِّرِ في صِفَةِ الخَيْلِ: صَبَبْنا عَلَيْها ظالِمِينَ سِياطَنا ∗∗∗ فَطارَتْ بِها أيْدٍ سِراعٍ وأرْجُلِ وإنَّما خُصَّ "السَوْطُ" بِأنْ يُسْتَعارَ لِلْعَذابِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي مِنَ التَكْرارِ والتَرْدادِ ما لا يَقْتَضِيهِ السَيْفُ ولا غَيْرُهُ، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: السَوْطُ هُنا مَصْدَرٌ مَن ساطَ يَسُوطُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: خِلْطُ عَذابٍ.
و"المِرْصادُ" و"المَرْصَدُ": مَوْضِعُ الرَصْدِ، قالَهُ اللُغَوِيُّونَ، أيْ أنَّهُ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ، ومَرْصَدٌ لِكُلِّ فاعِلٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ في المِرْصادِ جَوابُ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ لِعُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ قالَ لَهُ: أيْنَ رَبُّكَ يا أعْرابِيُّ؟
قالَ بِالمِرْصادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "المِرْصادُ" في الآيَةِ اسْمُ فاعِلٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَبِالراصِدِ، فَعَبَّرَ بِبِناءِ مُبالِغَةٍ، ورُوِيَ في بَعْضِ الحَدِيثِ « "إنَّ عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ ثَلاثُ قَناطِرَ، عَلى إحْداهُما الأمانَةُ، وعَلى الأُخْرى الدَمُ، وعَلى الأخِيرَةِ الرَبُّ تَعالى، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ ».
<div class="verse-tafsir"
لا يصلح هذا أن يكون جواباً للقسم ولكنه: إمَّا دليلُ الجواب إذ يدل على أن المقسَم عليه من جنس ما فُعِل بهذه الأمم الثلاث وهو الاستئصال الدال عليه قوله: ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴾ ، فتقدير الجواب ليصبن ربك على مكذبيك سوط عذاب كما صب على عاد وثمود وفرعون.
وإمّا تمهيد للجواب ومقدمة له إن جعلت الجواب قوله: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ وما بينه وبين الآيات السابقة اعتراض جعل كمقدمة لجواب القسم.
والمعنى: إن ربك لبالمرصاد للمكذبين لا يخفى عليه أمرهم، فيكون تثبيتاً للنبيء صلى الله عليه وسلم كقوله: ﴿ ولا تحسبن اللَّه غافلاً عما يعمل الظالمون ﴾ [إبراهيم: 42].
فالاستفهام في قوله: ﴿ ألم تر ﴾ تقريري، والمخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم تثبيتاً له ووعداً بالنصر، وتعريضاً للمعاندين بالإِنذار بمثله فإن ما فُعل بهذه الأمم الثلاث موعظة وإنذار للقوم الذين فَعَلوا مثل فعلهم من تكذيب رسل الله قُصد منه تقريب وقوع ذلك وتوقع حلوله.
لأن التذكير بالنظائر واستحضَار الأمثال يقرِّب إلى الأذهاننِ الأمر الغريب الوقوع، لأن بُعد العهد بحدوث أمثاله ينسيه الناسَ، وإذا نُسي استبعَد الناسُ وقوعه، فالتذكير يزيل الاستبعاد.
فهذه العِبَر جزئيات من مضمون جواب القسم، فإن كان محذوفاً فذِكْرُها دليلُه، وإن كان الجواب قوله: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ كان تقديمها على الجواب زيادة في التشويق إلى تلقيه، وإيذاناً بجنس الجواب من قَبْل ذكره ليحصل بعد ذكره مزيد تقرُّره في الأذهان.
والرؤيَةُ في ﴿ ألم تر ﴾ يجوز أن تكون رؤية عِلْمية تشبيهاً للعلم اليقيني بالرؤية في الوضوح والانكشاف لأن أخبار هذه الأمم شائعة مضروبة بها المُثُل فكأنها مشاهدة.
فتكون ﴿ كيف ﴾ استفهاماً معلِّقاً فعل الرؤية عن العمل في مفعولين.
ويجوز أن تكون الرؤية بصرية والمعنى: ألم تر آثار ما فعل ربك بعاد، وتكون ﴿ كيف ﴾ إسْماً مجرّداً عن الاستفهام في محل نصب على المفعولية لفعل الرؤية البصرية.
وعُدل عن اسم الجلالة إلى التعريف بإضافة رب إلى ضمير المخاطب في قوله: ﴿ فعل ربك ﴾ لِما في وصف رب من الإِشعار بالولاية والتأييد ولما تؤذن به إضافته إلى ضمير المخاطب من إعزازه وتشريفه.
وقد ابتُدئت الموعظة بذكر عاد وثمود لشهرتهما بين المخاطبين وذُكِرَ بعدهما قوم فرعون لشهرة رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون بين أهل الكتاب ببلاد العرب وهم يحدِّثون العرب عنها.
وأريد ب«عاد» الأمة لا محالة قال تعالى: ﴿ وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم ﴾ [هود: 59] فوَجْه صرفه أنه اسم ثلاثي ساكن الوسط مثللِ هِند ونُوح وإرَم بكسر الهمزة وفتح الراء اسم إرَم بن سَامٍ بن نُوح وهو جد عاد لأن عاداً هو ابن عُوص بن إرَم، وهو ممنوع من الصرف للعجمة لأن العرب البائدة يُعتبرون خارجين عن أسماء اللغة العربية المستعملة، فهو عطف بيان ل«عاد» للإِشارة إلى أن المراد ب«عاد» القبيلة التي جدها الأدنى هو عاد بن عوص بن إرم، وهم عاد الموصوفة ب ﴿ الأولى ﴾ في قوله تعالى: ﴿ وأنه أهلك عاداً الأولى ﴾ [النجم: 50] لئلا يتوهم أن المتحدَّثَ عنهم قبيلة أخرى تسمى عاداً أيضاً.
كانت تنزل مكة مع العَمَاليق يقال: إنهم بقية من عاد الأولى فعاد وإرم اسمان لقبيلة عاد الأولى.
ووُصِفَتْ عادٌ ب ﴿ ذات العماد ﴾ ، و ﴿ ذاتُ ﴾ وصْف مؤنث لأن المراد بعاد القبيلة.
والعمادُ: عُود غليظ طويلٌ يُقام عليه البيت يركز في الأرض تقام عليه أثواب الخيمة أو القبة ويسمى دَعامةً، وهو هنا مستعار للقوة تشبيهاً للقبيلة القوية بالبيت ذات العماد.
وإطلاق العِماد على القوة جاء في قول عمرو بن كلثوم: ونَحن إذا عِمَادُ الحَيِّ خَرَّت *** على الأحْفاض نَمنع من يَلِينا ويجوز أن يكون المراد ب ﴿ العماد ﴾ الأعلام التي بنوْها في طرُقهم ليهتدي بها المسافرون المذكورةَ في قوله تعالى: ﴿ أتبنون بكل ريع آية تعبثون ﴾ [الشعراء: 128].
ووُصفت عاد ب ﴿ ذات العماد ﴾ لقوتها وشدتها، أي قد أهلك الله قوماً هم أشد من القوم الذين كذبوك قال تعالى: ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ﴾ [محمد: 13] وقال: ﴿ أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة ﴾ [غافر: 21].
و ﴿ التي ﴾ : صادق على «عاد» بتأويل القبيلة كما وصفت ب ﴿ ذات العماد ﴾ والعرب يقولون: تَغلِبُ ابنةُ وائل، بتأويل تغلب بالقبيلة.
و ﴿ البلاد ﴾ : جمعَ بَلَد وبلْدة وهي مساحة واسعة من الأرض معيَّنة بحدود أو سكان.
والتعريف في ﴿ البلاد ﴾ للجنس والمعنى: التي لم يخلق مثل تلك الأمة في الأرض.
وأريد بالخلق خلق أجسادهم فقد رُوي أنهم كانوا طِوالاً شداداً أقوياء، وكانوا أهل عقل وتدبير، والعرب تضرب المثل بأحلام عاد، ثم فسدت طباعهم بالترف فبطروا النعمة.
والظاهر أن لام التعريف هنا للاستغراق العُرفي، أي في بلدان العرب وقبائلهم.
وقد وضع القصاصون حول قوله تعالى: ﴿ إرم ذات العماد ﴾ قصةً مكذوبة فزعموا أن ﴿ إرم ذات العماد ﴾ مركب جعل اسماً لمدينة باليَمن أو بالشام أو بمصر، ووصفوا قصورها وبساتينها بأوصاف غير معتادة، وتقوَّلوا أن أعرابياً يقال له: عبدُ الله بن قلابة كان في زمن الخليفة معاوية بن أبي سفيان تاهَ في ابتغاء إبِللٍ له فاطَّلع على هذه المدينة وأنه لما رجع أخبر الناس فذهبوا إلى المكان الذي زعم أنه وجَد فيه المدينة فلم يجدوا شيئاً.
وهذه أكاذيب مخلوطة بجهالة إذ كيف يصح أن يكون اسمَها أرم ويتبع بذاتتِ العماد بفتح ﴿ إرَمَ ﴾ وكسر ﴿ ذاتِ ﴾ فلو كان الاسم مركباً مَزْجياً لكان بناء جزأيْه على الفتح، وإن كان الاسم مفرداً و ﴿ ذات ﴾ صفة له فلا وجه لكسر ﴿ ذات ﴾ ، على أن موقع هذا الاسم عقب قوله تعالى: ﴿ بعاد ﴾ يناكد ذلك كله.
ومُنع ﴿ ثمود ﴾ من الصرف لأن المراد به الأمة المعروفة، ووصف باسم الموصول لجمع المذكّر في قوله: ﴿ الذين جابوا ﴾ دون أن يقول التي جابت الصخر بتأويل القوم فلما وُصف عدل عن تأنيثه تفنناً في الأسلوب.
ومعنى ﴿ جابوا ﴾ : قطعوا، أي نَحتوا الصخر واتخذوا فيه بيوتاً كما قال تعالى: ﴿ وتنحتون من الجبال بيوتاً ﴾ [الشعراء: 149] وقد قيل: إن ثمود أول أمم البشر نحتوا الصخر والرخام.
و ﴿ الصخر ﴾ : الحجارة العظيمة.
والواد: اسم لأرض كائنةٍ بين جبلين منخفضة، ومنه سمي مجرى الماء الكثير واداً وفيه لغتان: أن يكون آخره دَالاً، وأن يكون آخره ياء ساكنةً بعد الدال.
وقرأ الجمهور بدون ياء.
وقرأه ابن كثير ويعقوب بياء في آخره وصلا ووقفاً، وقرأه ورش عن نافع بياء في الوصل وبدونها في الوقف وهي قراءة مبنية على مراعاة الفواصل مثل ما تقدم في قوله تعالى: ﴿ والليل إذا يسر ﴾ [الفجر: 4] وهو مرسوم في المصحف بدون ياء والقراءات تعتمد الرواية بالسمع لا رسم المصحف إذ المقصود من كتابة المصاحف أن يتذكر بها الحفاظ ما عسى أن ينسَوْه.
والواد: علَم بالغلبة على منازل ثمود، ويقال له: وادي القُرى، بإضافته إلى «القرى» التي بنتها ثمود فيه ويسمى أيضاً «الحِجر» بكسر الحاء وسكون الجيم، ويقال لها: «حِجر ثمود» وهو واد بين خيبر وتَيْماء في طريق الماشي من المدينة إلى الشام، ونزله اليهود بعد ثمود لما نزلوا بلادَ العرب، ونزله من قبائل العرب قُضاعة وجهينة، وعُذرة وبَليٌّ.
وكان غزاه النبي صلى الله عليه وسلم وفتحه سنة سبع فأسلم من فيه من العرب وصُولحت اليهود على جِزْيَةٍ.
والباء في قوله: ﴿ بالواد ﴾ للظرفية.
والمراد ب ﴿ فرعون ﴾ هو وقومه.
ووصف ﴿ ذي الأوتاد ﴾ لأن مملكته كانت تحتوي على الأهرام التي بناها أسلافه لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوتد المدقوق، ويجوز أن يكون الأوتاد مستعاراً للتمكن والثبات، أي ذي القوة على نحو قوله: ﴿ ذات العماد ﴾ ، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذُو الأوتاد ﴾ في ص (12).
وقوله: الذين طغوا في البلاد} يجوز أن يكون شاملاً لجميع المذكورين عاد وثمود وفرعون.
ويجوز أن يكون نعتاً لفرعون لأن المراد هو وقومه.
والطغيان شدّة العصيان والظلم ومعنى طغيانهم في البلاد أن كل أمة من هؤلاء طَغوا في بلدهم؛ ولما كان بلدهم من جملة البلاد أي أرضي الأقوام كان طغيانهم في بلدهم قد أوقع الطغيان في البلاد لأن فساد البعض آئل إلى فساد الجميع بسَنِّ سنن السوء، ولذلك تسبب عليه ما فرع عنه من قوله: ﴿ فأكثروا فيها الفساد ﴾ لأن الطغيان يجرِّئ صاحبه على دحض حقوق الناس فهو من جهة يكون قدوة سُوءٍ لأمثاله ومَلئهِ، فكل واحد منهم يطغى على من هو دونه، وذلك فساد عظيم، لأن به اختلال الشرائع الإلاهيّة والقوانين الوضعية الصالحة وهو من جهة أخرى يثير الحفائظ والضغائن في المطْغيّ عليه من الرعية فيُضمرون السوء للطاغين وتنطوي نفوسهم على كراهية ولاة الأمور وتربص الدوائر بها فيكونُون لها أعداء غير مخلصي الضمائر ويكون رجال الدولة متوجّسين منهم خيفة فيظنون بهم السوء في كل حال ويحْذَرُونهم فتتوزع قوة الأمة على أفرادها عوض أن تتّحد على أعدائها فتصبح للأمة أعداء في الخارج وأعداء في الداخل وذلك يفضي إلى فساد عظيم، فلا جرم كان الطغيان سبباً لكثرة الفساد.
ويجوز أن يكون التعريف في ﴿ البلاد ﴾ تعريف العهد، أي في بلادهم والجمع على اعتبار التوزيع، أي طغت كل أمة في بلادها.
و ﴿ الفساد ﴾ : سوء حال الشيء ولحاق الضر به قال تعالى: ﴿ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ﴾ [البقرة: 205].
وضد الفساد الصلاح قال تعالى: ﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ﴾ [الأعراف: 56] وكان ما أكثروه من الفساد سبباً في غضب الله عليهم، والله لا يحب الفساد فصب عليهم العذاب.
والصب حقيقته: إفراغ ما في الظرف، وهو هنا مستعار لحلول العذاب دَفعة وإحاطته بهم كما يصب الماء على المغتَسِل أو يصب المطر على الأرض، فوجه الشبه مركب من السرعة والكثرة ونظيره استعارةُ الإِفراغ في قوله تعالى: ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ [البقرة: 250] ونظير الصب قولهم: شن عليهم الغارةَ.
وكان العذاب الذي أصاب هؤلاء عذاباً مفاجئاً قاضياً.
فأما عاد فرأوا عارض الريح فحسبوه عارض مطر فما لبثوا حتى أطارتهم الريح كل مطير.
وأما ثمود فقد أخذتهم الصيحة.
وأما فرعون فحسبوا البحر منحسراً فما راعهم إلا وقد أحاط بهم.
والسوط: آلة ضرب تتخذ من جلود مضفورة تضرب بها الخيل للتأديب ولتحمِلَها على المزيد في الجري.
وعن الفراء أن كلمة ﴿ سوط عذاب ﴾ يقولها العرب لكل عذاب يدخل فيه السوط (أي يقع بالسوط)، يُريد أن حقيقتها كذلك ولا يريد أنها في هذه الآية كذلك.
وإضافة ﴿ سوط ﴾ إلى ﴿ عذاب ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي صب عليهم عذاباً سوطاً، أي كالسوط في سرعة الإِصابة فهو تشبيه بليغ.
وجملة: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ تذييل وتعليل لإِصابتهم بسوط عذاب إذا قُدِّر جواب القسم محذوفاً.
ويجوز أن تكون جواب القَسَم كما تقدم آنفاً.
فعلى كون الجملة تذييلاً تكون تعليلاً لجملة ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴾ تثبيتاً للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله ينصر رسله وتصريحاً للمعاندين بما عَرَّض لهم به من توقع معاملته إياهم بمثل ما عامل به المكذبين الأولين.
أي أن الله بالمرصاد لكل طاغ مفسد.
وعلى كونها جواب القسم تكون كناية عن تسليط العذاب على المشركين إذ لا يراد من الرصد إلا دفع المعتدي من عدوّ ونحوه، وهو المقسم عليه وما قبله اعتراضاً تفنناً في نظم الكلام إذْ قُدم على المقصود بالقسم ما هو استدلال عليه وتنظير بما سبق من عقاب أمثالهم من الأمم من قوله: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بعاد ﴾ الخ، وهو أسلوب من أساليب الخطابة إذّ يُجعل البيان والتنظير بمنزلة المقدمة ويجعل الغرض المقصود بمنزلة النتيجة والعلةِ إذا كان الكلام صالحاً للاعتبارين مع قصد الاهتمام بالمقدَّم والمبادرة به.
والعدول عن ضمير المتكلم أو اسم الجلالة إلى ﴿ ربك ﴾ في قوله: ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴾ وقوله: ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ إيماء إلى أن فاعل ذلك رَبه الذي شأنه أن ينتصر له، فهو مُؤمّل بأن يعذب الذين كذبوه انتصاراً له انتصارَ المولى لوليّه.
والمرصاد: المكان الذي يَترقب فيه الرَّصد، أي الجماعة المراقبون شيئاً، وصيغةُ مفعال تأتي للمكان وللزمان كما تأتي للآلة، فمعنى الآلة هنا غير محتمل، فهو هنا إما للزمان أو المكان إذ الرصد الترقب.
وتعريف «المرصاد» تعريف الجنس وهو يفيد عموم المتعلِّق، أي بالمرصاد لكل فاعل، فهو تمثيل لعموممِ علم الله تعالى بما يكون من أعمال العباد وحركاتهم، بحال اطلاع الرصَد على تحركات العدُوّ والمغيرين، وهذا المثلُ كناية عن مجازاة كل عامل بما عمِله وما يعمله إذ لا يقصد الرصد إلا للجزاءِ على العدوان، وفي ما يفيده من التعليل إيماء إلى أن الله لم يظلمهم فيما أصابهم به.
والباء في قوله ﴿ بالمرصاد ﴾ للظرفية.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الفَجْرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والفَجْرِ ﴾ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وهو انْفِجارُ الصُّبْحِ مِن أفُقِ المَشْرِقِ، وهُما فَجْرانِ: فالأوَّلُ مِنهُما مُسْتَطِيلٌ كَذَنْبِ السِّرْحانِ يَبْدُو كَعَمُودِ نُورٍ لا عَرْضَ لَهُ، ثُمَّ يَغِيبُ لِظَلامٍ يَتَخَلَّلُهُ، ويُسَمّى هَذا الفَجْرُ المُبَشِّرَ لِلصُّبْحِ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ الكاذِبَ لِأنَّهُ كُذِّبَ بِالصُّبْحِ.
وَهو مِن جُمْلَةِ اللَّيْلِ لا تَأْثِيرَ لَهُ في صَلاةٍ ولا صَوْمٍ.
وَأمّا الثّانِي فَهو مُسْتَطِيلُ النُّورِ مُنْتَشِرٌ في الأُفُقِ ويُسَمّى الفَجْرَ الصّادِقَ لِأنَّهُ صَدَقَكَ عَنِ الصُّبْحِ، قالَ الشّاعِرُ: شَعَبَ الكِلابَ الضّارِياتِ فَزادَهُ نارًا بِذِي الصُّبْحِ المُصَدِّقِ يَخْفُقُ وَبِهِ يَتَعَلَّقُ حُكْمُ الصَّلاةِ والصَّوْمِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ مِن قَبْلُ.
وَفي قَسَمِ اللَّهِ بِالفَجْرِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى بِهِ النَّهارَ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالفَجْرِ لِأنَّهُ أوَّلَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ الفَجْرَ الصُّبْحُ الَّذِي يَبْدَأُ بِهِ النَّهارُ مِن كُلِّ يَوْمٍ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَنى بِهِ صَلاةَ الصُّبْحِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ بِهِ فَجْرَ يَوْمِ النَّحْرِ خاصَّةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَفي ﴿ وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ - وهي قَسَمٌ ثانٍ - أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ رَوى أبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: « (والفَجْرِ ولَيالٍ عَشْرٍ، قالَ: عَشْرُ الأضْحى)» .
الثّانِي: هي عَشْرٌ مِن أوَّلِ المُحَرَّمِ، حَكاهُ الطَّبَرِيُّ.
الثّالِثُ: هي العَشْرُ الأواخِرُ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: هي عَشْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي أتَمَّها اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ والشَّفْعِ والوَتْرِ ﴾ وهَذا قَسَمٌ ثالِثٌ، وفِيهِما تِسْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الصَّلاةُ، فِيها شَفْعٌ وفِيها وتْرٌ، رَواهُ عُمْرانُ بْنُ حَصِينٍ عَنِ النَّبِيِّ .
الثّانِي: هي صَلاةُ المَغْرِبِ، الشَّفْعُ مِنها رَكْعَتانِ، والوَتْرُ الثّالِثَةُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وأبُو العالِيَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ الشَّفْعَ يَوْمُ النَّحْرِ، والوَتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ، رَواهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ .
الرّابِعُ: أنَّ الشَّفْعَ يَوْما مِنى الحادِي عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ، والوَتْرَ الثّالِثِ بِعَدِّهِما، قالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ.
الخامِسُ: أنَّ الشَّفْعَ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، والوَتْرَ أيّامُ مِنًى الثَّلاثَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
السّادِسُ: أنَّ الشَّفْعَ الخَلْقُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، والوَتْرَ هو آدَمُ وحَوّاءُ، لِأنَّ آدَمَ كانَ فَرْدًا فَشُفِعَ بِزَوْجَتِهِ حَوّاءَ فَصارَ شَفْعًا بَعْدَ وتْرٍ، رَواهُ ابْنُ نَجِيحٍ.
التّاسِعُ: أنَّهُ العَدَدُ لِأنَّ جَمِيعَهُ شَفْعٌ ووَتْرٌ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ حادِي عَشَرَ: أنَّ الشَّفْعَ ما يَنْمى، والوَتْرَ ما لا يَنْمى.
﴿ واللَّيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ وهَذا قَسَمٌ رابِعٌ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هي لَيْلَةُ القَدْرِ لِسَرايَةِ الرَّحْمَةِ فِيها واخْتِصاصِها بِزِيادَةِ الثَّوابِ فِيها.
الثّانِي: هي لَيْلَةُ المُزْدَلَفَةُ خاصَّةً لِاخْتِصاصِها بِاجْتِماعِ النّاسِ فِيها لِطاعَةِ اللَّهِ، وسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ واللَّيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ فَقالَ أسْرِ يا سارِي، ولا تَبِيتَنَّ إلّا بِجَمْعٍ، يَعْنِي بِمُزْدَلِفَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ عُمُومَ اللَّيْلِ كُلِّهِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ إذا يَسْرِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إذا أظْلَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: إذا سارَ، لِأنَّ اللَّيْلَ يَسِيرُ بِمَسِيرِ الشَّمْسِ والفَلَكِ فَيَنْتَقِلُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ، ومِنهُ قَوْلُهم جاءَ اللَّيْلُ وذَهَبَ النَّهارُ.
الثّالِثُ: إذا سارَ فِيهِ أهْلُهُ، لِأنَّ السَّرى سَيْرُ اللَّيْلِ.
﴿ هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ وفي ذِي الحِجْرِ لِأهْلِ التَّأْوِيلِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِذِي عَقْلٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لِذِي حِلْمٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: لِذِي دِينٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الرّابِعُ: لِذِي سِتْرٍ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
الخامِسُ: لِذِي عِلْمٍ، قالَهُ أبُو رَجاءٍ.
والحِجْرُ: المَنعُ، ومِنهُ اشْتُقَّ اسْمُ الحَجَرِ لِامْتِناعِهِ بِصَلابَتِهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الحُجْرَةُ لِامْتِناعِ ما فِيها بِها، ومِنهُ سُمِّي حَجْرُ المَوْلى عَلَيْهِ لِما فِيهِ مِن مَنعِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ، فَجازَ أنَّ يُحْمَلَ مَعْناهُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ لِما يَضْمَنُهُ مِنَ المَنعِ.
وَقالَ مُقاتِلٌ (هَلْ) ها هُنا في مَوْضِعِ إنَّ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: إنَّ في ذَلِكَ قَسَمًا لِذِي حِجْرٍ.
﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ﴾ ﴿ إرَمَ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ إرَمَ هي الأرْضُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: دِمَشْقُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: الإسْكَنْدَرِيَّةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الرّابِعُ: أنَّ إرَمَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ الشّاعِرُ كَما سَخِرَتْ بِهِ إرَمُ فَأضْحَوْا ∗∗∗ مِثْلَ أحْلامِ النِّيامِ.
الخامِسُ: أنَّهُ اسْمُ قَبِيلَةٍ مِن عادٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
السّادِسُ: أنَّ إرَمَ اسْمُ جَدِّ عادٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، وحَكى عَنْهُ أنَّهُ أبُوهُ، وأنَّهُ عادُ بْنُ إرَمَ بْنِ عَوَضِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ.
السّابِعُ: أنَّ مَعْنى إرَمَ القَدِيمَةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
الثّامِنُ: أنَّهُ الهَلاكُ، يُقالُ: أرِمَ بَنُو فُلانٍ، أيْ هَلَكُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
التّاسِعُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى رَمَّهم رَمًّا فَجَعَلَهم رَمِيمًا، فَلِذَلِكَ سَمّاهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ ذاتِ العِمادِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ذاتُ الطُّولِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ مُعَمَّدٌ، إذا كانَ طَوِيلًا، وزَعَمَ قَتادَةُ أنَّهُ كانَ طُولُ الرَّجُلِ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
الثّانِي: ذاتُ العِمادِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ خِيامٍ وأعْمِدَةٍ، يَنْتَجِعُونَ الغُيُوثَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: ذاتُ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، مَأْخُوذٌ مِن قُوَّةِ الأعْمِدَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وحَكى ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ أنَّهُ قالَ: أنا شَدّادُ بْنُ عادٍ، وأنا الَّذِي رَفَعْتُ العِمادَ، وأنا الَّذِي شَدَّدْتُ بِذِراعِي بَطْنَ السَّوادِ، وأنا الَّذِي كَنَزْتُ كَنْزًا عَلى سَبْعَةِ أذْرُعٍ لا تُخْرِجُهُ إلّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ.
الرّابِعُ: ذاتُ العِمادِ المُحْكَمُ بِالعِمادِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ مَدِينَتِهِمْ ذاتِ العِمادِ في البِلادِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ قَوْمِ عادٍ في البِلادِ، لِطُولِهِمْ وشِدَّتِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي قَطَّعُوا الصَّخْرَ ونَقَبُوهُ ونَحَتُوهُ حَتّى جَعَلُوهُ بُيُوتًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ ﴾ قالَ الشّاعِرُ ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ ∗∗∗ وكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالَةَ زائِلُ وَقالَ آخَرُ وهم ضَرَبُوا في كُلِّ صَمّاءَ صَعَدَةً ∗∗∗ بِأيْدٍ شَدِيدٍ مِن شِدادِ السَّواعِدِ.
الثّانِي: مَعْناهُ طافُوا لِأخْذِ الصَّخْرِ بِالوادِي، كَما قالَ الشّاعِرُ ولا رَأيْتُ قُلُوصًا قَبْلَها حَمَلَتْ ∗∗∗ سِتِّينَ وسْقًا ولا جابَتْ بِهِ بَلَدًا وَأمّا (اَلْوادِ) فَقَدْ زَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّهُ وادِي القِرى، ورَوى أبُو الأشْهَبِ عَنْ أبِي نَضْرَةَ قالَ: «أتى رَسُولُ اللَّهِ في غَزاةِ تَبُوكَ عَلى وادِي ثَمُودَ، وهو عَلى فَرَسٍ أشْقَرَ، فَقالَ: أسْرِعُوا السَّيْرَ فَإنَّكم في وادٍ مَلْعُونٍ» .
﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الأوْتادَ الجُنُودُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ بِذِي الأوْتادِ لِكَثْرَةِ جُنُودِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لِأنَّهُ كانَ يُعَذِّبُ النّاسَ بِالأوْتادِ يَشُدُّها في أيْدِيهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، قالَ الكَلْبِيُّ: بِمِثْلِ ذَلِكَ عَذَّبَ فِرْعَوْنُ زَوْجَتَهُ آسِيَةَ بِنْتِ مُزاحِمٍ عِنْدَما آمَنَتْ حَتّى ماتَتْ.
الثّالِثُ: أنَّ الأوْتادَ البُنْيانُ فَسُمِّيَ بِذِي الأوْتادِ لِكَثْرَةِ بِنائِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ فَطالَ ومُلاعِبُ عَلى أوْتادٍ وحِبالٍ يُلْعَبُ لَهُ تَحْتَها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ ذُو الأوْتادِ لِكَثْرَةِ نَخْلَةٍ وشَجَرَةٍ، لِأنَّها كالأوْتادِ في الأرْضِ.
﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قِسْطَ عَذابٍ كالعَذابِ بِالسَّوْطِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: خِلْطَ عَذابٍ، لِأنَّهُ أنْواعٌ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أحارِثُ إنّا لَوْ تُساطُ دِماؤُنا ∗∗∗ تَزَيَّلْنَ حَتّى لا يَمَسَّ دَمٌ دَمًا الثّالِثُ: أنَّهُ وجَعٌ مِنَ العَذابِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ عَذَّبَ اللَّهُ بِهِ فَهو سَوْطُ عَذابٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقالَ قَتادَةُ: كانَ سَوْطُ عَذابٍ هو الغَرَقُ.
﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالطَّرِيقِ.
الثّانِي: بِالِانْتِظارِ، كَما قالَ طَرَفَةُ ؎ أعاذِلُ إنَّ الجَهْلَ مِن لَذَّةِ الفَتى ∗∗∗ وإنَّ المَنايا لِلرِّجالِ بِمَرْصَدِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن الضريس والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي من طرق عن ابن عباس قال: نزلت ﴿ والفجر ﴾ بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن الزبير قال: أنزلت ﴿ والفجر ﴾ بمكة.
وأخرج ابن مردوية عن عائشة قالت: أنزلت ﴿ والفجر ﴾ بمكة.
وأخرج النسائي عن جابر قال: أفتان يا معاذ أين أنت من ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ [ الأعلى: 1] ﴿ والشمس وضحاها ﴾ [ الشمس: 1] ﴿ والفجر ﴾ ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ [ الليل: 1] .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبدالله بن الزبير في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: قسم أقسم الله به.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران قال: إن الله تعالى يقسم بما يشاء من خلقه وليس لأحد أن يقسم إلا بالله.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: فجر النهار.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: هو الصبح.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: طلوع الفجر غداة جمع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: فجر يوم النحر، وليس كل فجر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي مثله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ والفجر ﴾ قال: يعني صلاة الفجر.
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: هو المحرم أوّل فجر السنة.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن النعمان قال: «أتى عليّاً رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني بشهر أصومه بعد رمضان.
قال: لقد سألت عن شيء ما سمعت أحداً يسأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إن كنت صائماً شهراً بعد رمضان فصم المحرم، فإنه شهر الله وفيه يوم تاب فيه قوم وتاب فيه على آخرين» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والبيهقي عن ابن عباس قال: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟
قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى، وأغرق فيه آل فرعون، فصامه موسى شكراً لله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق بموسى منكم، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه» .
وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي عن الربيع بنت معوّذ بن عفراء قالت: «أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً فليصم بقية يومه» قالت فكنا بعد ذلك نصومه ونصوّم صبياننا الصغار، ونذهب بهم إلى المسجد، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياها حتى يكون عند الافطار.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والبيهقي عن ابن عباس قال: ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صيام يوم يبتغي فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، أو شهر رمضان.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس ليوم على يوم فضل في الصيام إلا شهر رمضان ويوم عاشوراء» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الأسود بن يزيد قال: ما رأيت أحداً ممن كان بالكوفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بصوم يوم عاشوراء من عليّ وأبي موسى.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والبيهقي عن ابن عباس قال: «حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه تعظمه اليهود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا يوم التاسع فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج ابن عدي والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود.
صوموا قبله يوماً وبعده يوماً» .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لئن بقيت لآمرن بصيام يوم قبله أو بعده يوم عاشوراء» .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر.
وأخرج البيهقي عن أبي جبلة قال: كنت مع ابن شهاب في سفر فصام يوم عاشوراء، فقيل له: تصوم يوم عاشوراء في السفر وأنت تفطر في رمضان؟
قال: إن رمضان له عدة من أيام أخر، وإن عاشوراء يفوت.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: يوم عاشوراء يوم تعظمه اليهود وتتخذه عيدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموه أنتم» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوم عاشوراء يوم كانت تصومه الأنبياء فصوموه أنتم» .
وأخرج البيهقي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه طول سنته» .
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه في سائر سنته» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته» .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وسع على عياله وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته» قال البيهقي: أسانيدها، وإن كانت ضعيفة، فهي إذا ضم بعضها إلى بعض أحدثت قوّة.
وأخرج البيهقي عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال: كان يقال: من وسع على عياله يوم عاشوراء لم يزالوا في سعة من رزقهم سائر سنتهم.
وأخرج البيهقي وضعفه عن عروة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اكتحل بالإِثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً» .
أخرج أحمد والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ والفجر وليال عشر والشفع والوتر ﴾ قال: إن العشر عشر الأضحى والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر» .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وليال عشر ﴾ قال: عشرة الأضحى، وفي لفظ قال: هي ليال العشر الأول من ذي الحجة.
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبدالله بن الزبير في قوله: ﴿ وليال عشر ﴾ قال: أول ذي الحجة إلى يوم النحر.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن مسروق في قوله: ﴿ وليال عشر ﴾ قال: هي عشر الأضحى، هي أفضل أيام السنة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد ﴿ وليال عشر ﴾ قال: عشر ذي الحجة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة مثله.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿ وليال عشر ﴾ قال: عشر الأضحى أقسم بهن لفضلهن على سائر الأيام.
وأخرج عبد بن حميد عن مسروق ﴿ وليال عشر ﴾ قال: عشر الأضحى وهي التي وعد الله موسى قوله: ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ [ الأعراف: 142] .
وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن عبيدالله أنه دخل على ابن عمر هو وأبو سلمة بن عبد الرحمن، فدعاهم ابن عمر إلى الغداء يوم عرفة، فقال أبو سلمة: أليس هذه الليالي العشر التي ذكر الله في القرآن؟
فقال ابن عمر: وما يدريك؟
قال: ما أشك.
قال: بلى فاشكك.
وأخرج ابن مردويه عن عطية في قوله: ﴿ والفجر ﴾ قال: هذا الذي تعرفون ﴿ وليال عشر ﴾ قال: عشر الأضحى ﴿ والشفع ﴾ قال: يقول الله: ﴿ وخلقناكم أزواجاً ﴾ [ النبأ: 8] ﴿ والوتر ﴾ قال الله قيل هل تروي هذا عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج البخاري والبيهقي في الشعب عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام فيهن العمل أحب إلى الله عز وجل أفضل من أيام العشر، قيل يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟
قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل جاهد في سبيل الله بماله ونفسه فلم يرجع من ذلك بشيء» .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام أفضل عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» .
وأخرج البيهقي عن الأوزاعي قال: بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله يصام نهارها ويحرس ليلها إلا أن يختص امرؤ بشهادة.
قال: الأوزاعي: حدثني بهذا الحديث رجل من بني مخزوم عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج البيهقي من طريق هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، أول اثنين من الشهر وخميسين.
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام من أيام الدنيا العمل فيها أحب إلى الله من أن يتعبد له فيها من أيام العشر، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة بقيام ليلة القدر» .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام أفضل عند الله ولا العمل فيهن أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير، فإنها أيام التهليل والتكبير وذكر الله، وإن صيام يوم منها يعدل بصيام سنة، والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة ضعف» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وليال عشر ﴾ قال: هي العشر الأواخر من رمضان.
وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أبي عثمان قال: كانوا يعظمون ثلاث عشرات العشر الأول من المحرم والعشر الأول من ذي الحجة والعشر الأخير من رمضان.
أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عمران بن حصين «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الشفع والوتر فقال: هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن عمران بن حصين ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: الصلاة المكتوبة منها شفع ومنها وتر.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: إن من الصلاة شفعاً وإن منها وتراً.
قال: قال الحسن: هو العدد منه شفع ومنه وتر.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: ذلك صلاة المغرب الشفع الركعتان والوتر الركعة الثالثة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: أقسم ربنا بالعدد كله الشفع منه والوتر.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: كل شيء شفع فهو اثنان والوتر واحد.
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: الخلق كله شفع ووتر فأقسم بالخلق.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: الله الوتر وأنتم الشفع.
وأخرج الفريابي وسعيد بن جبير وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: كل خلق الله شفع السماء والأرض والبر والبحر والإِنس والجن والشمس والقمر ونحو هذا شفع، والوتر الله وحده.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: الله الوتر وخلقه الشفع الذكر والأنثى.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الشفع آدم وحواء والوتر الله.
وأخرج عبد بن حميد من طريق اسماعيل عن أبي صالح ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: خلق الله من كل زوجين اثنين، والله وتر واحد صمد.
قال اسماعيل: فذكرت ذلك للشعبي، فقال: كان مسروق يقول ذلك.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: من قال في دبر كل صلاة وإذا أخذ مضجعه الله أكبر الله أكبر عدد الشفع والوتر وعدد كلمات الله التامات الطيبات المباركات ثلاثاً ولا إله إلا الله مثل ذلك كن له في قبره نوراً وعلى الجسر نوراً وعلى الصراط نوراً حتى يدخل الجنة.
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الشفع والوتر فقال: «يومان وليلة يوم عرفة ويوم النحر، والوتر ليلة النحر ليلة جمع» .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: هي أيام نسك عرفة والأضحى هما للشفع، وليلة الأضحى هي الوتر.
وأخرج ابن جرير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الشفع اليومان والوتر اليوم الثالث» .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير أنه سئل عن الشفع والوتر فقال: الشفع قول الله: ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ [ البقرة: 203] والوتر اليوم الثالث:، وفي لفظ الشفع أوسط أيام التشريق والوتر آخر أيام التشريق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق عن ابن عباس ﴿ والشفع والوتر ﴾ قال: الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: عرفة وتر ويوم النحر شفع عرفة يوم التاسع والنحر يوم العاشر.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه قال: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة.
أقسم الله بهما لفضلهما على العشر.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ والليل إذا يسر ﴾ قال: إذا ذهب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير ﴿ والليل إذا يسر ﴾ قال: إذا سار.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والليل إذا يسر ﴾ قال: إذا سار.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ والليل إذا يسر ﴾ قال: ليلة جمع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قيل له: ما ﴿ والليل إذا يسر ﴾ قال: هذه الإِفاضة اسر يا ساري ولا تبيتن إلا بجمع.
أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ والفجر ﴾ إلى قوله: ﴿ إذا يسر ﴾ قال: هذا قسم على أن ربك لبالمرصاد.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ قسم لذي حجر ﴾ قال: لذي حجا وعقل ونهى.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عكرمة والضحاك مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ لذي حجر ﴾ قال: لذي حلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك ﴿ لذي حجر ﴾ قال: ستر من النار.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن السدي في قوله: ﴿ لذي حجر ﴾ قال: لذي لب.
قال الحارث بن ثعلبة: وكيف رجائي أن أتوب وإنما ** يرجى من الفتيان من كان ذا حجر أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ﴾ قال: يعني بالإِرم الهالك ألا ترى أنك تقول: إرم بنو فلان ﴿ ذات العماد ﴾ يعني طولهم مثل العماد.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ بعاد إرم ﴾ قال: القديمة ﴿ ذات العماد ﴾ قال: أهل عمود لا يقيمون.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ إرم ﴾ قال: أمة ﴿ ذات العماد ﴾ قال: كان لها جسم في السماء.
وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ بعاد إرم ﴾ قال: عاد بن إرم نسبهم إلى أبيهم الأكبر.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد كان يقال لهم ذات العماد، كانوا أهل عمود ﴿ التي لم يخلق مثلها في البلاد ﴾ قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً طولاً في السماء.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن المقدام بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ﴿ إرم ذات العماد ﴾ فقال: «كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة فيحملها على كاهله فيلقيها على أي حي أراد فيهلكهم» .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ارم هي دمشق.
وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد وابن عساكر عن سعيد المقبري مثله.
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن خالد الربعي مثله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال: إرم هي الاسكندرية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: الإِرم هي الهلاك، إلا ترى أنه يقال: أرمَّ بنو فلان أي هلكوا.
قال ابن حجر: هذا التفسير على قراءة شاذة أرمَّ بفتحتين وتشديد الراء على أنه فعل ماض و ﴿ ذات ﴾ بفتح التاء مفعوله أي أهلك الله ذات العماد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب ﴿ إرم ﴾ قال رمهم رماً فجعلهم رمماً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ ذات العماد ﴾ ذات الشدة والقوّة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ جابوا الصخر بالواد ﴾ قال: كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً ﴿ وفرعون ذي الأوتاد ﴾ قال: الأوتاد الجنود الذين يشيدون له أمره.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ جابوا الصخر ﴾ قال نقبوا الحجارة في الجبال فاتخذوها بيوتاً.
قال: وهل تعرف ذلك العرب؟
قال: نعم أما سمعت قول أمية: وشق أبصارنا كيما نعيش بها ** وجاب للسمع أصماخاً وآذاناً وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ جابوا الصخر ﴾ قال: حرقوا الجبال فجعلوها بيوتاً ﴿ وفرعون ذي الأوتاد ﴾ قال: كان يتد الناس بالأوتاد ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴾ قال: ما عذبوا به.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ذي الأوتاد ﴾ قال: وتد فرعون لأمرأته أربعة أوتاد ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ وفرعون ذي الأوتاد ﴾ قال: كان يجعل رجلاً هنا ورجلاً هنا ويداً هنا ويداً هنا بالأوتاد.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إنما سمي فرعون ذا الأوتاد لأنه كان يبني له المنابر يذبح عليها الناس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان يعذب بالأوتاد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان فرعون إذا أراد أن يقتل أحداً ربطه بأربعة أوتاد على صخرة ثم أرسل عليه صخرة من فوقه فشدخه وهو ينظر إليها قد ربط بكل يد منها قائمة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وفرعون ذي الأوتاد ﴾ قال: ذي البناء قال: وحدثنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كانت له مظال يلعب تحتها وأوتاد كانت تضرب له.
وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ فأكثروا فيها الفساد ﴾ قال: بالمعاصي ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴾ قال: رجع عذاب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كل شيء به فهو سوط عذاب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ﴾ ذكرنا تفسير أوتاد في سورة: ص (١) ﴿ الَّذِينَ ﴾ يعني: عَاد (٢) (٣) ﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴾ عملوا فيها بالمعَاصي، وتجبروا على أنبياء الله والمؤمنين.
وقد فسر طغيانهم بقوله: ﴿ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾ قال الكلبي: يعني: القتل، والمعصية لله (٤) قال أبو إسحاق: (المعنى: ألم تر كيف أهلك ربك هذه الأمم التي كذبت رسلها، و (كيف) (٥) ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ (٦) (٧) وقال (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) قال الفراء: هذه كلمة تقولها العرب لكل نوع من العذاب تُدخل فيه السوط جرى به الكلام والمثل، ونرى السوط من عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب إذ كان فيه عندهم غاية العذاب (١٣) وأجاد أبو إسحاق في قوله: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب (١٤) إذا سيط أحضرا) (١٥) (١٦) (١) سورة ص: 3، وقد جاء في تفسيرها: الأوتاد جمع وقد، ويقال: تِدِ الوَتِد، واتد، الوَاتِدُ، موتود، ويقال: وقد، واتدًا أي رأس منتصب، وكل شيء ثبت في الأرض كالجبل، والسارية وهو وقد، واختلفوا في معنى ﴿ ذِي الْأَوْتَادِ ﴾ فالأكثرون على أن فرعون وصف بهذه الآية، كانت له أوتاد يعذب الناس عليها وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، ومقاتل، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وابن حيان.
وقال مقاتل: سمي: ذي الأوتاد، لأنها كانت له مظال وملاعب، أوجبال وأوتاد تضرب، فيلعب له تحتها وعليها بين يديه.
وقال القرظي: ذا البناء المحكم.
وقال عطية: ذو الجنود، والجموع الكثيرة.
(٢) في: ع: عاداً.
(٣) قال بذلك الطبري 30/ 180، والسمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 476.
(٤) "الوسيط" 4/ 482.
(٥) ساقط من (أ).
(٦) ما بين القوسين من قول أبي إسحاق في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 322.
(٧) "تفسير الإمام مجاهد" 727، "جامع البيان" 30/ 180، "الدر المنثور" 8/ 506 وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٨) في (أ): (قالوا).
(٩) لم أعثر على مصدر لقوله.
(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.
(١١) في (ع): (وقال).
(١٢) "الكشف والبيان" 13/ 90 أ، "معالم التنزيل" 4/ 484.
(١٣) "معاني القرآن" 3/ 261 بنحوه، وانظر "تهذيب اللغة" 13/ 24 (سوط)، ولعل الإمام الواحدي نقله عن الأزهري.
(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 322.
(١٥) البيت كاملاً: فصَوَّبْتُه كأنه صَوْبُ غَيْبَهِ ...
على الأمْعَر الضّاحى إذا سيط أحْضَرَا وقد ورد البيت في: "تهذيب اللغة" 13/ 23 (سوط)، "لسان العرب" 7/ 1326 (سوط)، ولم أجده في ديوانه.
(١٦) ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة" 23/ 13 (سوط).
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِرَمَ ﴾ هي قبيلة عاد سميت باسم أحد أجدادها، كما يقال: هاشم لبني هاشم، وإعرابه بدل من عاد أو عطف بيان وفائدته أن المراد عادا الأولى، فإن عاداً الثانية لا يسمون بهذا الاسم.
وقيل: إرم اسم مدينتهم فهو على حذف مضاف تقديره: بعاد عاد إرم، ويدل على هذا قراءة ابن الزبير بعاد إرم على الإضافة من تنوين عاد وامتنع إرم من الصرف على القولين للتعريف والتأنيث ﴿ ذَاتِ العماد ﴾ من قال إرم قبيلة قال: العماد أعمدة بنيانهم أو أعمدة بيوتهم من الشعر لأنهم كانوا أهل عموج، وقال ابن عباس: ذلك كناية عن طول أبدانهم.
ومن قال إرم مدينة فالعماد الحجارة التي بنيت بها، وقيل القصور والأبراج ﴿ التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد ﴾ صفة للقبيلة لأنهم كانوا أعظم الناس أجساماً يقال: كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع.
أو صفة للمدينة وهذا أظهر لقوله في البلاد ولأنها كانت أحسن مدائن الدنيا، وروي أنها بناها شداد بن عاد في ثلاثمائة عام، وكان عمره تسعمائة عام وجعل قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أنواع الشجر والأنهار الجارية، وروي أنه سمع ذكر الجنة فأراد أن يعمل مثلها فلما أتمها وسار إليها بأهل مملكته أهلكهم الله بصيحة، وكانت هذه المدينة باليمن.
وروي أن بعض المسلمين مر بها في خلافة معاوية، وقيل: هي دمشق وقيل: الاسكندرية، وهذا ضعيف ﴿ جَابُواْ الصخر بالواد ﴾ أي نقبوه ونحتوا فيه بيوتاً والوادي ما بين الجبلين، ون لم يكن فيها ماء، وقيل: أراد وادي القرى ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد ﴾ ذكر في سورة داود (ص): ﴿ الذين طَغَوْاْ فِي البلاد ﴾ صفة لعاد وثمود وفرعون ويجوز أن يكون منصوباً على الذم أو خبر ابتداء مضمر ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ استعارة السوط للعذاب؛ لأنه يقتضي من التكرار ما لا يقتضيه السيف وغيره.
قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: ذكر السوط إشارة إلى عذاب الدنيا، إذ هو أهوب من عذاب الآخرة، كما أن السوط أهون من القتل ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد ﴾ عبارة عن أنه تعالى حاضر بعلمه في كل مكان، وكل زمان ورقيب على كل إنسان، وأنه لا يفوته أحد من الجبابرة والكفار، وفي ذلك تهديد لكفار قريش وغيرهم، والمرصاد المكان الذي يترقب فيه الرصد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: روى ابن مهران وابن الاسكندراني عن أبي عمرو أنه كان يقف على ﴿ والفجر ﴾ وأشباهها من ذوات الراء بنقل حركة اراء إلى ما قبله و ﴿ الوتر ﴾ بكسر الواو: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون: بالفتح ﴿ يسري ﴾ و ﴿ بالوادي ﴾ ﴿ أكرمني ﴾ و ﴿ أهانني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والهاشمي عن البزي والقواس وأبو ربيعة عن أصحابه.
وقرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ﴿ أكرمني ﴾ و ﴿ أهانني ﴾ بالياء في الوصل وبغير ياء في الوقف ﴿ بالوادي ﴾ بالياء في الوصل: ورش وسهل وعباس.
الباقون: كلها بغير ياء ﴿ فقدّر ﴾ بالتشديد: ابن عباس ويزيد ﴿ ربي ﴾ بالفتح: أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ يكرمون ﴾ ﴿ ولا يحضون ﴾ ﴿ ويأكلون ﴾ ﴿ ويحبون ﴾ كلها على الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الآخرون: بتاء الخطاب ﴿ تحاضون ﴾ بفتح التاء الفوقانية والألف من التفاعل: عاصم وحمزة وعلي ويزيد ﴿ لا يعذب ﴾ ﴿ ولا يوثق ﴾ بتح الذال والثاء: عليّ والمفضل وسهل ويعقوب.
الآخرون: بكسرهما.
الوقوف: ﴿ والفجر ﴾ ه لا ﴿ عشر ﴾ ه ك ﴿ والوتر ﴾ ه ك ﴿ يسر ﴾ ه ك لجواز أن يكون جواب القسم المحذوف وهو ليبعثن أوليعذبن مقدراً قبل " هل " أو بعده ﴿ حجر ﴾ ه ط ثم الوقف المطلق على ﴿ لبالمرصاد ﴾ وما قبله وقف ضرورة ﴿ بعاد ﴾ ه لا ﴿ العماد ﴾ ه لا ﴿ البلاد ﴾ ه ص ﴿ بالواد ﴾ ك ﴿ الأوتاد ﴾ ه ك ﴿ البلاد ﴾ ه ك ﴿ الفساد ﴾ ه ك ﴿ عذاب ﴾ ه ج لاحتمال التعليل ولما قيل: إن جواب القسم قوله ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ وما بينهما اعتراض.
﴿ لبالمرصاد ﴾ ه ج ﴿ أكرمن ﴾ ه ج لابتداء شرط ﴿ أهانن ﴾ ه ج لأن " كلا " يحتمل معنى " إلا " وحقاً ومعنى الردع.
﴿ اليتيم ﴾ ه لا ﴿ المسكين ﴾ ه ط ﴿ لما ﴾ ه ط ﴿ جماً ﴾ ه ك ﴿ دكاً ﴾ ه لا ﴿ دكاً ﴾ ه ك ﴿ صفاً ﴾ ه لا ﴿ صفاً ﴾ ه ك ﴿ بجهنم ﴾ ه ﴿ الذكرى ﴾ ه ج لأن ما بعده مستأنف كأنه قيل: كيف يتذكر ﴿ لحياتي ﴾ ه ج ﴿ أحد ﴾ ه لا ﴿ أحد ﴾ ه ط ﴿ المطمئنة ﴾ ه ط ﴿ مرضية ﴾ ه ﴿ عبادي ﴾ ه ﴿ جنتي ﴾ ه.
التفسير: إقسام الله بهذه الأمور ينبىء عن شرفها وأن فيها فوائد دينية ودنيوية.
أما الفجر فعن بعضهم أنه الغيران التي تتفجر منها المياه، والأظهر ما روي عن ابن عباس أنه الصبح الصادق ويوافقه قوله في المدّثر ﴿ والصبح إذا أسفر ﴾ وفي " كورت " ﴿ والصبح إذا تنفس ﴾ وذلك أن فيه عبرة للمتأمل لما يحصل من انفجار الضوء فيما بين الظلام، وانتشار الحيوان من أوكارها لطلب المعاش كما في نشور الموتى من قبورهم.
وقيل: المضاف محذوف أي ورب الفجر أو أقسم بصلاة الفجر.
وخصه بعضهم بفجر النحر لأنه يوم الضحايا والقرابين، وبعضهم بفجر المحرّم لأنه أوّل يوم السنة، وبعضهم بفجر ذي الحجة لقوله ﴿ وليال عشر ﴾ والتنكير لأنها ليال معدودة من ليالي السنة أو لأنها مخصوصة بفضائل كما جاء في الخبر " "ما من أيام العمل الصالح فيهن أفضل من عشر ذي الحجة" " قال أهل المعاني: ولو عرّفت بناء على أنها ليال معلومة جاز إلا أن التعظيم المستفاد من التنكير يفوت التناسب بين اللامات إذ ذاك فعدم اللام خير من وجوده مخالفاً للباقية.
وقيل: إنها عشر المحرم.
وقيل: العشر الأخيرة من رمضان ولهذا سن فيها الاعتكاف وفيها ليلة القدر، وكان إذا دخل العشر الأخير شدّ المئزر وأيقظ أهله أي كف عن الجماع وأمر أهله بالتهجد.
وأما الشفع والوتر فمعناهما الزوج والفرد.
والوتر بالفتح لغة أهل العالية، وبالكسر لغة تميم.
واختلف المفسرون فيهما اختلافاً عظيماً فمنهم من حملهما على الأشياء كلها لأن الموجودات لا تخلو من هذين القسمين فتكون كقوله ﴿ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ﴾ وقيل: الشفع صفات الخلق كالعلم والقدرة والحياة، ونقائضها الجهل والعجز والموت.
والوتر صفات الحق وجود بلا عدم وقدرة بلا عجز وعلم بلا جهل وحياة بلا موت.
وقيل الشفع والوتر: نفس العدد وكأنه تعالى أقسم بالحساب الذي لا بد للخلق منه فهو في معرض الامتنان بمنزلة العلم والبيان في قوله ﴿ علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ﴾ الرابع الشفع الممكنات ﴿ ومن كل شيء خلقنا زوجين ﴾ والوتر الواجب وتقدّس.
الخامس الشفع الصلوات الثنائية والرباعية والوتر الثلاثية، عن عمران بن حصين عن النبي " "إن الصلاة منها شفع ومنها وتر " السادس الشفع درجات الجنة وأبوابها وهي ثمانية، والوتر دركات النار وأبوابها وهي سبعة.
السابع الشفع البروج الاثنا عشر، والوتر الكواكب السبعة.
الثامن الشفع الشهر الذي يكون ثلاثين والوتر تسعة وعشرون.
التاسع الشفع السجدتان والوتر الركوع.
العاشر الشفع العيون الاثنا عشر لموسى ﴿ فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ والوتر معجزاته ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ﴾ وأظهر الأقوال ما روي عن النبي أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة لأنه تاسع أيام الليالي المذكورة.
وحين أقسم بالليالي المخصوصة أقسم على العموم بالليل إذا يسري أي إذا يمضي كقوله ﴿ والليل إذا أدبر ﴾ وعن مقاتل: هو ليلة المزدلفة.
وعلى هذا جوّز أن يراد بالسري الإسناد المجازي لأن الساري فيه هو الحاج.
يروى أنه كان يقدّم ضعفة أهله في هذه الليلة.
والحجر بالكسر العقل سمي بذلك لأنه يمنع من الوقوع فيما لا ينبغي كما سمي عقلاً، ونهي لأنه يعقل وينهى، وحصاة لأنه يحصى أي يضبط.
قال الفراء: يقال إنه لذو حجر إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها.
والمراد بالاستفهام تقرير أن هذه المذكورات لشرفها وعظم شأنها يحق أن يؤكد بمثلها المقسم عليه كمن ذكر حجة باهرة ثم قال: هل فيما ذكرته حجة يريد أنه لا حجة فوق هذا ومن هنا قال بعضهم: فيه دليل على أنه أراد رب هذه الأشياء ليكون غاية في القسم.
ولقائل أن يقول: المقنع والكفاية غير الغاية والنهاية.
ثم إنه تعالى ذكر للعبرة ولتسلية نبيه قصة ثلاث فرق على سبيل الإجمال لأنهم أعلام في القوة والشدّة والتجبر.
والمعنى ألم ينته علمك إليهم علماً يقرب المشاهدة لتعاضده بالوحي أو التواتر، والخطاب للنبي أو لكل راءٍ.
والمراد بعاد هو عاد الأولى القديمة ولهذا ابنه لزم لأنهم أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوع فسموا باسم جدهم.
وقيل: إرم بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها.
ولم ينصرف قبيلة أو أرضاً للعلمية والتأنيث.
وقيل: الإرم العلم لأنهم كانوا يبنون أعلاماً كهيئة المنارة كقوله ﴿ أتبنون بكل ريع آية ﴾ وعلى هذين الوجهين يكون المضاف محذوفاً أي أهل البلدة أو الأعلام، وعلى الوجه الأخير لا يكون لمنع الصرف وجه ظاهر لكونه اسم جنس.
والعماد بمعنى العمود لأنه ما يعمد أو جمع عمد.
ثم إن كانت صفة للقبيلة فالمعنى أنهم كانوا بدويين أهل عمد أو كانوا طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، أو كانت ذات البناء الرفيع.
وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى أنها ذات أساطين.
ثم قيل: هذه المدينة اسكندرية.
وقيل: دمشق.
واعترض بأن بلاد عاد كانت فيما بين عمان إلى حضرموت وهي بلاد الرمال المسماة بلأحقاف.
وروي أنه كان لعاد ابنان: شدّاد وشديد، فملكا وقهرا البلاد وأخذا عنوة وملكاً، ثم مات شديد وخلص الأمر لشدّاد فملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال: أبني مثلها فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدنية عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار.
ولم تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا.
ويروى أنه وضع إحدى قدميه فيها فأمر ملك الموت بقبض روحه.
ويروى أن النبي رأى ملك الموت حين عرج به إلى السماء فسأله: هل رققت لأحد من الخلائق الذين قبضت أرواحهم؟
فقال: نعم اثنان أحدهما طلف ولد بالمفازة ثم أمرت بقبض روح أمه ولم يكن هناك إنسان يتعهد الطفل، والثاني ملك اجتهد في بناء مدينة لم يخلق مثلها ثم لم يرزق رؤيتها بعد أن وضع رجله فيها يعني شداداً، فدعا الله نبينا محمد أن يخبره بذلك فأوحى إليه أن ذلك الملك هو ذلك الطفل الذي ربيناه وآتيناه مملكة الدنيا.
وحين قابل النعمة والملك بالكفران وبنى الجنان التي هي من مقدورات الله الرحمن جزيناه بالخيبة والحرمان.
هكذا وجدت الحكاية في بعض التفاسير.
وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع على تلك المدينة فحمل ما قدر عليه مما هناك، فبلغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب الأحبار فسأله فقال: هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج في طلب إبل له.
ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل.
والضمير في ﴿ مثلها ﴾ لإرم لأنهم أطول الناس قدوداً وأشدّهم بناء، أو للمدينة أو للأعلام على اختلاف الأقوال.
وجاب الصخرة أي الحجر العظيم قطعه كقوله ﴿ وتنحتون من الجبال بيوتاً ﴾ والوادي وادي القرى قاله مقاتل.
وقد قيل: لفرعون ذي الأوتاد لكثرة جنوده أو لتعذيبه للناس بالأوتاد الأربعة وقد مرّ في " ص ".
وصب السوط كناية عن التعذيب المتواتر، وفيه إشارة إلى أن عذاب الدنيا بالنسبة إلى عذاب الآخرة كالسوط بالنسبة إلى القتل مثلاً وقد أشار إلى عذاب الآخرة أو إليه مع عذاب الدنيا بقوله ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ أي يمهل ولكنه لا يهمل.
والمرصاد المكان الذي يرقب فيه الرصد، والباء بمعنى " في" وهو مثل لعدم الإهمال.
وقيل لبعض العرب: أين ربك؟
فقال: بالمرصاد.
وعن عمرو بن عبيد أنه قرأ السورة عند المنصور حتى بلغ الآية فقال ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ يا أبا جعفر عرض له في هذا بأنه من الجبابرة الذين وعدوا بها.
وقال الفراء: معناه إليه المصير فيكون وعداً ووعيداً للمؤمن والكافر.
قال أهل النظم: لما ذكر أنه بمرصد من أعمال بني آدم عقبه بتوبيخ الإنسان على قلة اهتمامه بأمر الآخرة وفرط تماديه في إصلاحالمعاش كأنه قيل: نحن مترقبون لمجازاة الإنسان على ما سعى، فأما هو فإنه لا يهمه إلا الدنيا وطيباتها فإن وجد راحة فرح بها وإن مسه ضرّ كند.
والظاهر أن الإنسان للجنس.
وعن ابن عباس أنه عتبة بن ربيعة.
وعن الكلبي هو أمية بن خلف.
ومعنى الابتلاء في البسط والضيق وهو أنه يعامل المكلف معاملة المختبر ليظهر أنه هل يتلقى النعمة بالشكر والضيق بالصبر أم لا كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ وتقدير الكلام فأما الإنسان فيقول ربي أكرمن إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ﴿ وأما ﴾ هو فيقول ربي أهانن ﴿ إذا ما ابتلاه فقدر ﴾ أي ضيق ﴿ عليه رزقه ﴾ فقوله ﴿ فيقول ﴾ خبر المبتدأ في الموضعين ﴿ وإذا ما ابتلاه ﴾ ظرف لـ ﴿ يقول ﴾ وإنما قال في جانب البسط ﴿ فأكرمه ونعمه ﴾ أي جعله ذا نعمة وثروة ولم يقل في طرف القبض " فأهانه وقدر عليه" لأن رحمته سبقت غضبه فلم يرد أن يصرح بإهانة عبده، ولئلا يكون الكلام نصاً في أن القبض دليل الإهانة من الله، فقد يكون سبباً لصلاح معاش العبد ومعاده.
وأما البسط فهو إكرام في الظاهر الغلب، والبسط لأجل الاستدراج قليل وعلى قلته فهو خير من خسران الدنيا والآخرة جميعاً.
وعلام توجه الإنكار والذّم؟
فيه وجهان: أحدهما على قوله ﴿ ربي أهانن ﴾ فقط لأنه سمي ترك التفضل إهانة وقد لا يكون كذلك.والثاني على مجموع الأمرين لا من حيث مجموعهما بل على كل منهما.
أما على دعوى الإهانة فكما قلنا، وأما على دعوى الإكرام فلأنه اعتقد حصول الاستحقاق في ذلك الإكرام كقوله ﴿ إنما أوتيته على علم عندي ﴾ وكان عليه أن يرى ذلك محض الفضل والعناية منه ، أو لأنه قال في ذلك كبراً وافتخاراً وتكاثراً، أو لأن هذا القول يشبه قول من لا يرى السعادة إلا في اللذات العاجلة، أو قول من غفل عن الاستدراج والمكر.
ويحتمل أن يتوجه الذم على مجموع الأمرين من حيث المجموع حتى لو قال في البسط " أكرمني " تحدثاً بنعمة الله، وفي القبض لم يقل " أهانني" بل قال " الحمد لله على كل حال" لم يكن مذموماً.
ثم ردع الإنسان عن تلك المقالة بقوله ﴿ كلا ﴾ أي لم أبتله بالغنى لكرامته عليّ ولا بالفقر لهوانه لديّ ولكنهما من محض المشيئة، أو على حسب المصالح.
ثم نبه الإضراب في قوله ﴿ بل لا تكرمون اليتيم ﴾ على أن هناك شراً من ذلك وهو أنه يكرمهم بكثرة المال ثم لا يؤدّون حق الله فيه.
وعن مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيماً في حجر أمية بن خلف وكان يدفعه عن حقه فنزلت.
والتراث أصله الوراث نحو تجاه ووجاه.
واللم الجمع لشديد ومنه كتيبة ملمومة مصدر جعل نعتاً أي أكلاً جامعاً بجميع أجزائه كقوله ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ وقال الحسن: أي يجمعون نصيب اليتامى إلى نصيبهم كقوله ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ وقيل: جامعاً بين حلال ما جمعه الميت وبين حرامه.
وقيل: جامعاً بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة اللذيذة والملابس الفاخرة كما يفعل أهل البطالة من الورّاث.
والجم الكثير جم الماء وغيره يجم جموماً إذا كثر جامّ، وجمّ نهي عن التهالك.
والشره على جمع المال.
وفي وصف الحب بالجم دلالة على أن حب المال وتعلق القلب بتحصيل ما يسدّ الخلة منه غير مكروه بل مندوب إليه لبقاء نظام العالم على أن كل السلامة وجل الفراغ في الترك كما هو دأب المتوكلين.
إن السلامة من ليلى وجارتها *** أن لا تمر على حال بواديها ولا ينبئك مثل خبير.
ثم ردعهم عن الفعل المذكور وذكر تحسر المقصر في طاعة الله يوم القيامة.
وجواب " إذا " محذوف بعد ﴿ صفاً ﴾ أبو بعد قوله ﴿ بجهنم ﴾ ليذهب الوهم كل مذهب أي كان ما كان من الأهوال.
ثم استؤنف ﴿ وجيء يومئذ ﴾ أو عطف على ما قبله ويوقف على هذا التقدير على قوله ﴿ بجهنم ﴾ ويكون ﴿ يومئذ ﴾ الثانية متعلقاً بما بعده، ويجوز أن يكون " إذا " منصوباً بـ ﴿ يتذكر ﴾ و ﴿ يومئذ ﴾ الثانية بدل منه.
ومعنى ﴿ دكاً دكاً ﴾ دكاً بعد دك كما قيل في " لبيك " أي كرر عليها الدك حتى صارت هباء منبثاً.
وقال المبرد: استوت في الانفراش فذهب دورها وقصورها وجبالها وقلاعها حتى تصير قاعاً صفصفاً، ولعل هذا الذي بعد الزلزلة.
قوله ﴿ وجاء ربك ﴾ أي أمره بالجزاء والحساب أو قهره أو دلائل قدرته.
ويجوز أن يكون تمثيلاً لهول ذلك اليوم كما إذا حضر الملك بنفسه وجنوده كان أهيب وتنزل ملائكة كل سماء ﴿ صفاصفاً ﴾ أي مصطفين صفوفاً مرتبة.
يروى أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله حتى اشتد على أصحابه فجاء علي فاحتضنه وقبل عاتقة ثم قال: يا نبي الله بأبي أنت وأمي ما الذي حدث اليوم حتى غيرك؟
فتلا عليه الآية.
فقال له عليّ: كيف يجاء بجهنم؟
قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد شرارة لو تركت لأحرقت أهل الجمع.
قال الأصوليون: معنى جيء بجهنم برزت وأظهرت فإن جهنم لا تنتقل من مكان إلى مكان.
قوله ﴿ وأنى له ﴾ أي ومن أين له منفعة ﴿ الذكرى ﴾ ثم فسر التذكر وإنما قدرنا المضاف احترازاً من التنافي وإلا فلا وجه للاستفهام الإنكاري بعد إثبات التذكر بأنه يقول ﴿ يا ليتني قدمت ﴾ خيراً أو عملاً صالحاً ﴿ لحياتي ﴾ هذه وهي الحياة الأخيرة، أو اللام بمعنى الوقت أي وقت حياتي في الدنيا.
وقد يرجع هذا الوجه لأن أهل النار لا حياة لهم في الحقيقة كما قال ﴿ لا يموت فيها ولا يحيا ﴾ ويمكن أن يجاب بأن الحياة المضاهية للموت أو التي هي أشدّ من الموت حياة أيضاً، وبأن حياة الآخرة يراد بها البقاء المستمر الدائم وهذا المعنى شامل لأهل النارولأهل الجنة جميعاً.
قالت المعتزلة: في هذا التمني دليل واضح على أن الاختيار كان زمامه بيده، ويحتمل أن يجاب بأن استحالة متمناه قد تكون من جهة أن الأمر في الدنيا لم يكن إليه فيتحسر على ذلك.
وقال في التفسير الكبير: فيه دليل على أن قبول التوبة لا يجب عقلاً.
ويرد عليه أنه لا يلزم من عدم قبولها في الآخرة عدم قبولها في دار التكليف كإيمان اليأس.
من قرأ ﴿ لا يعذب ﴾ ﴿ ولا يوثق ﴾ على البناء للفاعل فمعناه على ما قال مقاتل: لا يعذب عذاب الله أي عذابه أحد من الخلق.
ضعف بأن يوم القيامة لا يعذب أحد سوى الله فلا يتصور لهذا النفي فائدة.
وأجيب بأن المراد لا يتولى يوم القيامة عذاب الله أحد لأن الأمر يومئذ لله وحده، أو لا يعذب أحد في الدنيا ولا يوثق مثل عذاب الله الكافر ومثل إيثاقه إياه في الشدّة والإيلام.
وقال أبو علي الفارسي: تقديره لا يعذب أحد من الزبانية أحداً مثل عذاب هذا الإنسان وهو أمية بن خلف، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه لتناهيه في كفره وفساده.
ومن قرأ بناء الفعل للمفعول فيهما فظاهر.
والضمير في ﴿ عذابه ﴾ و ﴿ وثاقه ﴾ للإنسان.
ويمكن أن يراد لا يحمل عذاب الإنسان أحد كقوله ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ قال الواحدي: وهذا أولى الأقوال.
ثم ذكر بشارة الأبرار وهو أن يقول للمؤمن بذاته أو على لسان ملك ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ أي بذكر الله أو بتحصيل الأخلاق الفاضلة والعقائد الصحيحة التي تسكن النفس السليمة إليها ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ إلى حيث لا مالك سواه أو إلى ثوابه ﴿ راضية ﴾ بما حكم عليك وقدر لك ﴿ مرضية ﴾ عند الله نظيره { م ورضوا عنه } [البينة: 8] وهذه صفة أرباب النفوس الكاملة وإن كانوا بعد في دار التكليف ولهذا رتب على هذه الصفة قوله ﴿ فادخلي في عبادي ﴾ أي في جملة الصالحين ﴿ وادخلي جنتي ﴾ وهي في الدنيا مقام الرضا والتسليم.
وإذا كانت النفس متحلية بالكمالات الحقيقية والمعارف اليقينية في حياته العاجلة كانت أهلاً لهذه البشارة عند الموت وعند البعث وفي كل المواطن إلى دخول الجنة.
وقيل: إنما يقال له هذا عند البعث والمعنى فادخلي في أجساد عبادي يؤيده قراءة ابن مسعود " في جسد عبدي " قالوا: أنزلت في حمزة بن عبد المطلب أو في خبيب بن عدي الذي صلبه أهله مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحوّل وجهي نحو قبلتك، فحوّل الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يغيرها.
والظاهر العموم ولو سلم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ ﴾ كان العرب من عادتهم أنهم إذا استحسنوا شيئا عظموه، وإذا عظموه أقسموا به.
ثم - إن الله - - جعل في الحج وأوقاته لطائف من الحكمة وعجائب من التدبير، فمن لطيف حكمته وعجائب تدبيره أنه جعل المكان الذي يحج فيه مأمنا للخلق من وجه لا يعرف الخلائق المعنى الذي به وقع الأمن والإلف بين الخلق؛ حتى رغبوا جميعا في الاجتماع هنالك مع تباغضهم وتعاديهم فيما بينهم من وجه لا يدرك معناه، وجعل أهلها يتقلبون في البلاد آمنين؛ حتى قال - عز وجل - لنبيه - -: ﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ [و]سخر أهل الآفاق في حمل ما يقع لأهل مكة إليه حاجة من الميرة وغيرها، وجعلهم بحيث يرغبون في الإتيان إليها مع عظم ما يلزمهم من المؤن في الإيتان إلى مكة للحج؛ فثبت أن فيها معاني ولطائف هي خارجة عن قواهم وتدبيرهم؛ فكان في ذكرها ما يوجب القول بالقدرة على البعث، ويزيل عنهم الشبهة في أمرهم؛ فأقسم لما عظم من شأنها لمكان أنها أوقات الحج، فعامة أركان الحج تؤدى فيها، وعادة العرب أنهم يقسمون بآبائهم وأجدادهم وأصنامههم؛ لما هي معظمة عندهم، وهذه الأشياء معظمة عندهم؛ فجربى القسم بها؛ جريا على عادتهم، ويدخل في أوقاتها الشفع والوتر والفجر، فقالوا: الشفع: يوم النحر؛ لأنه اليوم العاشر من الشهر، والوتر يوم عرفة؛ لأنه اليوم التاسع.
وجائز أن يكون أريد بالشفع والوتر والليل إذا يسر: العبادات جملة إذ ما من عبادة إلا وفيها شفع ووتر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ ﴾ ، أي: يُسرى بها، وفي ذلك كناية عن الجهاد والإغارة بالليل، كما يذكر في قوله: ﴿ وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً ﴾ ؛ فيكون هذا كله إشارة إلى جملة العبادات.
ووجه القسم بالعبادات: أن الله - - عظم أمر العبادات في قلوب الخلائق؛ حتى تراهم جميعا يستحسنونها ويعظمون أمرها، وإنما يقع الاختلاف بينهم في ماهيتها - إلا أن يقع التمانع بينهم في أنفسها - فأقسم بها.
وجائز أن يكون أريد بالوتر هو الله ، وأريد بالشفع الخلائق؛ إذ خلقهم أزواجا، والله هو الواحد بذاته؛ فيكون القسم بذاته وبجميع الخلق.
ويحتمل أنه أريد بالشفع والوتر [الخلائق جملة؛ إذ فيهم المعنيان جميعا: الشفع، والوتر؛ فيكون قسما بجميع الخلائق].
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ ﴾ يحتمل أن يكون تأويله: أن وجه القسم بهذه الأشياء يعرفه ذوو الحجر، وهم ذوو الألباب والحجا، لا أن يعرفه الجهلة.
قالوا: وموضع القسم على قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ﴾ .
وجائز أن يكون وقع التنازع فيما بينهم، وكانوا يزعمون أن أوقات الحج، وهي الليالي العشر، والشفع والوتر، ليس يقسم بها؛ فقال: ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ ﴾ ، أي: للعاقل إذا تدبر فيها عرف أن هذه الأوقات بالتي تحتمل أن يقسم بها أو هذه الأوقات بالتي تدلهم على القول بالبعث.
وقيل: إنما أقسم بهذه الأيام؛ لعظم قدر هذه الأيام وخطرها عندهم؛ لما فيها من صلاح معايشهم، ويكن لهم فيها سعة العيش: أما الفقراء بالهدايا والبدن، وأما غيرهم بأنواع المكاسب والتجارات؛ فإنهم كانوا يستعدون الأشياء، ويهيئون من السنة إلى السنة للتجارة في هذه الأيام؛ فأقسم الله - - بهذه الأيام لكونها معظمة عندهم.
وقيل: إن موضع القسم غير مذكور في هذه السورة؛ لأنه كان على أثر حادثة عندهم معروفة، استغنى عن ذكرها؛ لشهرتها عندهم؛ فأقسم أنها لحق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ في [ذكر نبأ] عاد وثمود وفرعون فوائد ثلاث: إحداها: في موضع التخويف لأهل مكة الذين كذبوا رسوله - - و[هو] أن أولئك القوم كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا، وأكثر من القوة من هؤلاء الذين كذبوا محمد [عليه أفضل الصلوات]، فلم يغنهم ذلك لكه من الله شيئا؛ بل الله انتقم منهم لرسله - عليهم السلام - بما كذبوهم، فما بال هؤلاء الذين كذبوا محمدا لا يخافون مقته وحلول النقمة بهم بتكذيبهم رسوله، وليسوا بأكثر من أولئك في العدد والمال والقوة؟!
وفائدة أخرى: أن أولئك كانوا يزعمون أنهم بالله - - أولى من محمد عليه الصلاة والسلام وأتباعه؛ لما بسط لهم من النعيم، وضيق على الرسول وأتباعه؛ فبين أن الذين تقدمهم من مكذبي الرسل كانوا أرفع منهم في القوى والأموال والأولاد والأعداد، وكانت رسلهم في ضيق من العيش، ثم كانوا هم أولى بالله من المكذبين المفتخرين بكثرة الأعداد والقوى؛ فبين لهم هذا ليلعموا أن ليس الأمر على ما ظنوا وحسبوا.
والثالثة: أنهم كانوا يمتنعون عن الإيمان بالله وبرسوله، وكانوا يقولون: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ ؛ فيكن في ذكر هذا نفي التقليد لأولئك؛ لأنه كان في آبائهم من أهلك بتكذيبهم الرسل، وهم الفراعنة وأتباعهم، وفيهم من نجا، وهم الرسل وأتباعهم المصدقون لهم، فما بالهم قلدوا المهلكين منهم دون الذين نجوا؟!.
ثم الآية لم تسق؛ لتعرف نسب عاد وثمود وفرعون حتى نشتغل بتعرفة، وإنما سيقت للأوجه التي ذكرنا؛ فالاشتغال بتعرف أنسابهم وأحوالهم نوع من التكلف.
وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ﴾ فقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: قد رأيت؛ أي: علمت؛ كما يقال في الشاهد: ألم تر إلى ما فعل فلان؛ أي: قد رأيت وعلمت، فتخبره بصنيعه على جهة التشكي منه.
ويحتمل أن يكون هذا ابتداء إعلام منه، فيقول له: اعلم أن ربك فعل بعاد كذا.
واختلفوا في قوله: ﴿ إِرَمَ ﴾ : فقال بعضههم: هو أبو عاد.
وقال بعضهم: أبو القبيلة؛ فنسبت إليه عاد؛ كما يقال: هو من بكر بن وائل، وإن لم يكن ابنه.
وقال بعضهم: الإرم مساكن عاد.
وقيل: هو اسم الذي بنى تلك الأماكن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ﴾ : قال بعضهم: ذات الأجساد الطوال، أي: عاد ذات الأجساد الطوال، كما ذكر في القصة.
وقال بعضهم: ذات البناء المشيد المرفوع في السماء كالعمد الطوال؛ فيرجع إلى الإرم على تأويل من جعله عبارة عن المساكن.
وقال بعضهم: ذات العماد هي الخيام لها أطناب وعمد، وكانوا أصحاب خيام وقباب، وكانت مساكنهم مرفوعة بالعماد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ ﴾ : قال بعضهم: هذا وصف القوم بالشدة والقوة وعظم الخلقة، وفضل البصر في الأمور؛ كقوله - -: ﴿ وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً ﴾ ، وقال حكاية عنهم: ﴿ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ وقال - -: ﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ فوصفهم بفضل البصر.
وجائز أن يكون أريد بها المساكن التي بنوها أن ليس مثلها في البلاد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ ﴾ : قال بعضهم: اتخذوا من الصخور جوابي - أي: قصاعا - كما قال : ﴿ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ ﴾ .
وقال بعضهم: قطعوا في الصخور بيوتا؛ كقوله: ﴿ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ﴾ ؛ فيكون في هذا إخبار عن قواهم وشدتهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ ﴾ : قال بعضهم: سماه: ذات الأوتاد، والوتد: الحبل.
وقال بعضهم: سمي: ذات الأوتاد؛ لأنه كانت له أوتاد نصبها لتعذيب من غضب عليه.
وقال بعضهم: إنه كان نصب على الطرق أناسا، على كل طريق إنسانا راصدا وحافظا.
وقيل: أي: ذو قصور وبنيان مشيدة مرفوعة تشبه الجبال؛ إذ هي أوتاد الأرض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ ﴾ : طغيانهم في البلاد: تمردهم وعتوهم فيها.
وقوله: ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ : قال بعضهم: عذبهم بسوطهم الذي كانوا به يعذبون الخلق، ويضربونهم.
وقال أبو بكر الأصم: إن السوط لون من العذاب؛ فعذب عاداً بلون منه، وعذب ثمود بلون منه، وفرعون وأتباعه بلون منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ﴾ : قال أبو بكر الأصم: يرصد عذابه بأعدائه ينتظر به آجالهم، ثم يوقع بهم العذاب إذا أتى الأجل.
وعندنا: أنه يرصد عليهم [ما عملوا]، فلا يشتد عليه، ولا يعزب عنه شيء من علمهم؛ بل يحفظ عليهم ما استتر منه وما ظهر.
وقيل: أي: لا يجاوزه ظلم ظالم، ولا يفوته هارب.
ثم لم ينصرف وهم أحد في قوله - -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ﴾ إلى إتيان مكان، فما بال بعض الناس انصرف وهمهم في قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ على جعل العرش مكانا له.
<div class="verse-tafsir"
أَوَلم تر كيف فعل ربك بفرعون الَّذي كانت له أوتاد يعذب بها الناس؟
<div class="verse-tafsir" id="91.0kpWo"
كثر خلاف المفسرين والرواة في معنى كل من (الفجر وليال عشر) إلى آخر ما أقسم به.
وقد يفسر الواحد منهم الفجر بمعنى، ثم يأتي في الليالي العشر بما لا يلائمه.
وغالب ذلك يجري على خلاف ما عودنا الله في نسق كتابه الكريم، وقد جرت سنة الكتاب بأنه إذا أُريد تعيين يوم أو وقت ذكره بعينه: كيوم القيامة في لا ﴿ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ ﴾ ، وكاليوم الموعود في سورة ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوُجِ ﴾ وكليلة القدر في سورتها.
فإذا أطلق الزمن ولم يقيد، كان المراد ما يعمه معنى الاسم، كما سبق في قوله: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴾ .
فالفجر ههنا -على هذا- هو جنس ذلك الوقت المعروف الذي يظهر فيه بياض النهار في جلد الليل الأسود، وينبعث الضياء لمطاردة الظلام، وهو وقت تنفس الصبح، وهو معهود في كل يوم فصح أن يُعَرَّف بالألف واللام.
والمراد -والله أعلم- من ﴿ لَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ ليال يتشابه حالها مع حال الفجر، وهي ما يكون ضوء القمر فيها مطاردًا لظلام الليل إلى أن تغلبه الظلمة.
فكأنه وضع التناسب على شيء من التقابل، فضوء الصبح يهزم ظلمة الليل، ثم يسطع النهار ولا يزال الضوء إلى الليل.
وضوء الأهلة في عشر ليال من أول كل شهر يشق الظلام ثم لا يزال الظلام يغالبه إلى أن يغلبه فيسدل على الكون حجبه.
ولما كانت هذه الليالي العشر غير متعينة في كل شهر ذكرها منكرة، وذلك أن ضوء الهلال قد يظهر حتى يغلب أول الظلمة في أول ليلة من الشهر، وقد يكون ضئيلًا يغيب ضوؤه في الشفق فلا يعد شيئًا.
فالليالي العشر تبتدئ تارة من أول ليلة وأُخرى من الليلة الثانية، لذلك نكرها على أنها ليال عشر من كل شهر.
﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر ﴾ : أي الزوج والفرد من هذه الليالي أيضًا.
فهو يقسم بها على الجملة، ثم يقسم بما حوته من زوج وفرد.
ثم بعد أن أقسم بضروب من أوقات الضياء، أقسم بالليل، مرادًا منه الظلمة، وكثيرًا ما يطلق اسم الليل وتراد ظلمته.
وسريان الظلمة ودخولها على المبصرات حتى تسترها أمر معروف عند المخاطبين.
ولما كان ظلام الليل واختلاط قطعة عظيمة منه بضوء القمر في الليلة الواحدة مقصودًا إلى تفخيم أمره بالقسم، خص الليالي التي يظهر فيها ضوء القمر مع تغلب الظلام فيها بعشر فقط، وإلا فقد يكون ظلام في أكثر من عشر من الشهر لكن زمنه قليل لا يليق ذكره بمقام التفخيم.
وفي الفجر وتفريجه كربة الليل من جهة وتنبيه العامل إلى استقبال عمله بالنهار من جهة أُخرى.
وفي ليالي القمر واستمالتها الأنفس للسمر، وتيسير السير في السفر -خصوصًا أيام الحر، وهي أغلب أيام الحياة في بلاد العرب- ثم في قصر مدة بقاء القمر، وانتظار هجوم الظلمة، وابتغاء الغنيمة مع الاستعداد للسكون عندما يرخي الظلام ستاره، في كل ذلك رغبات للأنفس ورهبات، وللهواجس غدوات وروحات وللأماني فيها دبيب ووثبات، فهو جدير أن يقسم به.
كما قال ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ .
الحجر، بكسر الحاء، العقل، والاستفهام للتقرير وتفخيم أمر المقسم به.
وليس في هذه السورة قسم بالضوء الخالص كبياض النهار، وما يكون في ليالي القمر عند امتلائه، بل ذلك سيجيء قوله ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾ فلينتبه إلى هذه الدقائق حتى لا يفوت العقل ما فيها من الحقائق.
وقد وقع هذا القسم في هذه السورة.
بعد قوله في آخر السورة السابقة ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ وقبل قوله في السورة ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾ إلخ.
فكان جوابه مفهومًا لا يحتاج إلى ذكر، وفي تركه إرسال لنفس القارئ في تأمل ما مضى وما يتبع ليجد الجواب بينهما فيتمكن المعنى منه فضل تمكن، والجواب أن ناصية المكذبين لبيدي، ولئن أمهلتهم فلن أهملهم ولآخذنهم أخذي الأمم قبلهم.
(عاد) جيل من العرب العاربة أو البائدة، يقول النسابون إنه من ولد عوص بن إرم بن سام بن نوح ، وسواء صح النسب أم لم يصح، فقد كان ذلك الجيل معروفًا باسم عاد ويلقب أيضًا بإرم، وبقي مشهورًا عند العرب بذلك و(ذات العماد) وصف لإرم التي هي قبيلة عاد نفسها.
ومعنى ذات العماد: سكان الخيام حلًّا وارتحالًا، أو ذات العماد الرفيعة والقوة المنيعة.
عبر بالعماد عن العلو والشرف والقوة.
وكانت منازلهم بالرمال والأحقاف إلى حضر موت.
وقد بلغت عاد من الشدة والقوة مبلغًا لم يصل إليه سواها في عهدها ولذلك قال: ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ﴾ .
والاستفهام في ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾ للتذكير والتقرير.
وقد بيّن الله كيف فعل بهم في سور أُخرى من القرآن، فقد جاء في سورة الحاقة ﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا ﴾ والصرصر: الباردة.
والعاتية: الشديدة الهبوب، لا بركة فيها.
والحسوم المتتابعات المشائيم.
وقد يروي المفسرون هنا حكايات في تصوير إرم ذات العماد كان يجب أن ينزه عنها كتاب الله، فإذا وقع إليك شيء من كتبهم، ونظرت في هذا الموضع منها، فتخط ببصرك ما تجده في وصف إرم، وإياك أن تنظر فيه.
وثمود قبيلة من العرب البائدة كذلك، من ولد "كاثر" وهو المسمى في التوراة "جاثر" بن إرم بن سام.
وإرم هو المعروف في التوراة "بآرام"، هكذا يذكر النسابون، وسواء صح النسب أم لم يصح، فثمود معروفة عند العرب باسمها، ومنزلها بالحجر بين الشام والحجاز.
﴿ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ﴾ أي قطعوا الصخر ونحتوه، كما قال تعالى: ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ﴾ فقد انعم الله عليهم بالقوة والعقل حتى صنعوا لأنفسهم بيوتًا من الصخر بذلك الوادي الذي كانوا يقيمون فيه.
وقد يصح ما قال بعضهم إن معنى (جابوا الصخر بالواد)، أنهم قطعوا الصخر، واتخذوا منه واديًا يخزنون فيه الماء لمنافعهم.
ولا يفعل ذلك إلا أهل القوة والفهم من الأمم.
(وفرعون): هم حاكم مصر الذي كان في عهد موسي .
وللمفسرين في الأوتاد اختلاف كبير، وأظهر أقوالهم ملائمة للحقيقة أن الأوتاد المباني العظيمة الثابتة، وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد!
فإنها هي الأهرام، ومنظرها في عين الرائي منظر الوتد الضخم المغروز في الأرض، بل إن شكل هياكلهم العظيمة في أقسامها شكل الأوتاد المقلوبة، يبتدئ القسم عريضًا، وينتهي بأدق مما ابتدأ وهذه هي الأوتاد يصح نسبتها إلى فرعون على إنها معهودة للمخاطبين.
﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴾ : صفة للمذكرين جميعًا من عاد وما بعدها، ومعنى طغيانهم في البلاد إن كل قوم من هذه الأقوام طغوا في بلدهم، والطغيان تجاوز القدر المعروف في العمل أو غيره، وهو هنا سوء استعمال السلطان والقوة، والخروج بهما عن حد القصد والمعدلة، والإسراف في هضم الحقوق اغترارًا بعظم القدرة.
من أوتي القوة فسخرها لسلطان الشهوة فتناول ما ليس له، ومنه الحق أهله، فقد عمل على تبديد نظام الجماعة، وتقطيع روابط الألفة بينهم، وحمل كل نفس على اتخاذ الأثرة قاعدة عملها، ومصدر سيرها في سعيها، فيكثر الفساد، إذ لا معنى للفساد في شيء إلا اختلال نظامه وهلاك قوامه، ومتى تحكمت الأثرة في أنفس قوم، وغفل كل واحد منهم على ارتباط وجوه بوجود الآخر، عمل بعضهم لإهلاك بعض، وانتهي الأمر بهم الانمحاء من سجل الأمم القائمة..
لهذا قال: ﴿ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾ بعد إن قال: ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴾ .
ثم جاء بعد ذكر كثرة الفساد بعاقبتها التي لا مفر للأمم منها فقال: ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ .
والسوط لفظ شاع استعماله في الجلد المضفور الذي يضرب به، وان كان في الأصل اسمًا للخلط والمزج.
وقد شبه الله ما يصبه عليهم من ضروب العذاب التي ذكرها في كتابه في مواضع أخر بالسوط لأن السوط يضرب به في العقوبات، والله تعالى إنما ينزل العذاب بالأمم عقوبة لها على ما يفرط منها، وصب السوط: إنزاله بشدة مع توالي ضرباته بلا انقطاع.
(المرصاد): المكان الذي يقوم به الرصد، وهو القوم الذين يرصدون، أي يرقبون بالخير أو الشر.
والكلام على التمثيل: أي إن ربك القائم بتدبير أمرك رقيب على عباده لا يفوته من شؤونهم شيء، ثم هو مجاز كل عامل بعمله فلا يفلته احد، فلا يظنن أهل الطغيان الذين يكثرون في الأرض الفساد إن يتلفتوا من الله وعقابه.
والجملة تأكيد لجواب القسم المفهوم من سابق الكلام ولاحقه -على ما سبق تقديره- أو هي تعليل لتعذيب الله من ذكر من الأمم بسبب طغيانهم وإفسادهم في أُمورهم.
هذا شان ربك لا يفوته في شؤون عباده نقير ولا قطمير، ولا يهمل أُمة تعدت في أعمالها حدود شرائعه القوية، بل يأخذها بذنوبها أخذ العزيز المقتدر، كما أن الراصد القائم على الطريق ليأخذ من يمر به بما يريده من خير أو شر، لا يفرط بما رصد له.
فإذا أردت أن تعرف شان الإنسان وغفلته وسوء ظنه بربه، فهو ما يتلي عليك، وبهذا البيان تعرف موقع الفاء في قوله ﴿ فَأَمَّا الإنسان ﴾ إلخ، كأنه قال هذا شأن ربك، وسيتلى عليك شأن الإنسان عقب ما تلوث من شأن ربك.
(الابتلاء): الاختبار.
ويقال بلاه يبلوه وابتلاه يبتليه بالخير والشر ليظهر ما لديه من شكر وكفر، وقوله ﴿ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ﴾ بيان لأثر الابتلاء، كما إن قوله فيما بعد ﴿ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ﴾ : أي ضيقه عليه، بيان لأثر الابتلاء في الآية الآتية وبقية الألفاظ مفهومة المعنى.
وحاصل ما ذكر الله من شان الإنسان في هاتين الآيتين: أنه إذا أنعم الله عليه وأوسع له في الرزق، ظن أن الله قد اصطفاه لذلك ورفعه على من سواه وجنبه منازل العقوبة، فيذهب مع هواه فيفعل ما يشتهي، ولا يبالي أكان ما يصنع خيرًا أم شرًا فيطغني ويفسد في الأرض.
وقد عبر عن هذا الظن الفاسد والغرور المهلك بقوله ﴿ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾ .
أي إن الله أكرمني بنعمته، ومن يكرمه الله لا يؤاخذه على عمل يعمله وإذا امتحنه الله بالفقر فضيق عليه الرزق، وربما كان ذلك من الله لا عن إهانة له ولا إرادة لإذلاله، بل ليمحص قلبه بالإخلاص له، وليظهر قوة صبره، بل لتزهر تلك القوي الجليلة التي قد تكون كامنة فيه، كما تظهر آيات ذلك في كثير من أرباب العزائم وذوي الأعمال العظائم، فإن الفقر لا يزيدهم إلا شكرًا، ولا تزداد قواهم به إلا شحذًا، فإذا امتحن الله الأغلب من البشر بالفقر، لم يستعمل صحيح الفكر، ولم يعتصم بالصبر، بل ذهب يقول إن ربي قد أهانن، ومن أهانه الله وصغرت قيمته عنده، لم تكن لله عناية بعمله، فكيف يؤاخذه بما يصدر منه من شر، أو يكافئه على ما يصنع من خير؟
فلا شكره يكافأ بإحسان، ولا كفره يجازي بعقوبة، فينطلق لذلك يكسب عيشه بأية وسيلة عَنَّت له، لا يقف عند حد، ولا تحجزه شريعة فيلتقي مع الجبارين في سبيل واحدة: سبيل الفجور وبخس الحقوق وإفساد نام العامة.
وأنت ترى أن أحوال الناس إلى اليوم لا تزال كما ذكر الله في هذه الآية الكريمة.
فان أرباب السلطة والقوة يظنون أنهم في امن من عقاب الله، ولا يعرفون شيئًا من شرعه يمنعهم عملًا مما تسوق إليه شهواتهم، وإنما يذكرون الله بألسنتهم، ولا يعرفون له سلطانًا على قلوبهم، والفقراء الأذلاء قد صغرت نفوسهم عند أنفسهم، فهم لا يبالون بما يفعلون، وإذا ذكروا الله فإنما هي حروف وأصوات لا تمتاز في منفعتها عن أصوات بقية العجماوات.
تلك حالة الإنسان الذي لم يمتعه الله بعقل سليم ودين صحيح، أما الذين أنعم الله عليهم بنعمة العقل والدين، فأولئك الذين ترتقي إلى مثل حالهم مرتبة الإنسان، فيفارقون تلك الغرائز الحيوانية الأولي، ويعلون إلى المقام الذي لا تذهلهم فيه القوة، ولا يشغلهم فيه الفقر عن مراعاة الحدود المعروفة فيما هو حق لهم أو عليهم.
ومعنى هذه الآية يميل إلى قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ .
تعلم إن المخاطبين بهذه الآية كانوا يزعمون أنهم على شيء من دين إبراهيم، أو أنهم كانوا يدعون إن لهم دينًا يأمرهم وينهاهم ويقربهم إلى الله زلفى، فإذا سمعوا هذا التهديد وذلك الوعيد، ورأوا في الخطاب ما ينعي عليهم فساد غرائزهم، همت نفوسهم بمدافعة ما يفجعهم من ذلك، وأخذت توسوس لهم بان هذا الكلام إنما ينطبق على أناس ممن سواهم، أما هم فهم لم يزالوا من الشاكرين الذاكرين غير الغافلين، فالله يرد عليهم زعمهم ويقيم لهم دليلًا واضحًا على كذب ما تحدثهم به أنفسهم.
ويقول ﴿ كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾ إلخ، أي لو كان غنيكم لم يعمه الطغيان، وفقيركم لم يطمس بصيرته الهوان، وكنتم لا تزالون على الحال التي يرتقي إليها الإنسان لشعرت نفوسكم بما عسي يقع فيه اليتيم، فعنيتم بإكرامه، فان الذي يفقد أباه معرض لفساد طبيعته إذا أُهملت تربيته، ولم يعامل بما فيه إكرامه وما فيه رفع نفسه عن دنايا الأمور وسفاسفها، ولو كنتم على ما تحدثكم به أنفسكم من الصلاح لوجدتم الشفقة تحرك قلوبكم إلى التعاون على طعام المسكين الذي لا يجد ما يقتات به مع العجز عن تحصيله.
(والتحاض): تفاعل من الحض، وهو الحث والترغيب، وربما بسطنا القول في حكمه الله جل شأنه في العناية بشان اليتيم والإكثار في كتابه الكريم من ذكره، والحث على إصلاح أمره في محل أخر إن شاء الله.
وإذا لم تكرموا اليتيم، ولو يوصِ بعضكم بعضًا بطعام المسكين، فقد كذبت مزاعمكم في أنكم من قوم صالحين، وإنما ذكر التحاض على الطعام، ولم يكتف بالإطعام، فيقول ولم تطعموا المسكين، ليصرح لك بالبيان الجلي إن أفراد الأمة متكافلون، وأنه يجب أن يكون لبعضهم على بعض عطف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع التزام كل لما يأمر به وابتعاده عما ينهي عنه.
ثم إن إهمالكم أمر اليتيم، وخلو قلوبكم من الرحمة للمسكين، لم يكن عن زهد في لذائد الحياة الدنيا، كما هو شأن بعض من يسام الحياة ولا يكون له هم إلا التخلص من متاعبها، فيكفف على شأن نفسه، وينخزل من العالم، ولا يهتم بشؤونهم، بل إنكم مع ذلك ﴿ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا ﴾ .
والتراث: الميراث.
واللم: الشديد كما ذهب إليه جمهور اللغويين.
ولا حاجة إلى تفسيره بمعني الجمع، ثم ارتكاب التأويل، أي أنكم تأكلون المال الذي يتركه من يتوفي منكم، وتشتدون في أكله حتى تحرموا صاحب الحق من حقه.
﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ ﴾ مطلقًا ميراثًا أو غيره ﴿ حُبًّا جَمًّا ﴾ أي كثيرًا، ولو كنتم ممن لم يبال بالدنيا وأهلها لتركتم ما يترك الأموات لأيتامهم وفقراء أهلهم، ولما شاركتموهم في شيء لا كسب لكم فيه ولا دخل لأعمالكم في تحصيله، ولما ازداد حبكم في المال إلى الحد الذي أنتم عليه.
فشرهكم إلى المال، وقرمكم إلى اللذات، وانصراف أنفسكم إلى التمتع بها، وشعوركم بمقدار الحاجة إلى المال في تقويم شؤونكم، ثم قسوة قلوبكم، وشلل وجدانكم إلى حد لا يألم الحال المسكين، ولا ينظر إلى ما تجر إليه الاستهانة بشؤون اليتامى من فساد أخلاقهم وتعطيل قواهم، وانتشار العدوى منهم إلى معاشريهم وما يصيب الأمة من ذلك.
كل هذا منكم دليل على أن ما تزعمونه من اعتقادكم بإله يأمركم وينهاكم، وأن لكم دينًا يعظكم، زعم باطل.
وإذا غششتم أنفسكم بدعوى أنكم تتذكرون الزواجر وتراعون الأوامر مع بقائكم على ما وصف من حالكم، فإنما ذلك منكم مقال لا تصدقه فعال.
(الدك): الهدم، وكسر الحائط والجبل.
و(دكًا دكًا): أي دكًا متتابعًا و صفًا صفًا أي صفوفًا متعددة ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾ هو كقوله تعالى ﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ﴾ أي كشفت جهنم للناظرين بعد أن كانت غائبة عنهم، فكأنها كانت بعيدة وجاءت إليهم، أما إسناد المجيء إلى الله في قوله: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ ﴾ ، ففيه رأي السلف ، وهو أن ذلك مجيء نؤمن به ولا نطلب معناه، ولكنه يمثل لنا الهيبة والعظمة وظهور السلطان الإلهي في ذلك اليوم، وهو الأفضل.
وفيه مذهب الخلف، وهو أنه على تقدير، وجاء أمر ربك، أو أنه من قبيل التمثيل لتجلي السطوة الإلهية على القلوب كما تتجلي أبهة الملك للأعين إذا جاء في جيوشه ومواكبه -ولله المثل الأعلى- (والتذكر): استحضار ما كان منسيًا.
والذكرى تطلق ويراد منها العظة والعبرة، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ ولا يلزم من حضور ما كان منسيًا أن تحصل العبرة، فإن العبرة إنما تكون حيث ينفع الاعتبار، فلذلك قال: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان ﴾ أي عند ذلك تذهب الغفلة ويذكر الإنسان الغافل ما كان منه أيام غفلته، ولكن لا تكون له ذكرى أي عظة فينتفع بها.
و ﴿ قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ أي قدمت عملًا ينفعني في حياتي الحقيقية وهي الحياة الآخرة.
قرئ (يعذب ويوثق) مبنيًا للمجهول، أي يومئذ لا يصاب أحد بعذاب مثل العذاب الذي يصيب ذلك الإنسان الذي أبطره الغني وأفسده الفقر، ولا يحبس أحد حبسه، فإن الوثاق معناه الشد والربط كما يكون بالسلاسل والأغلال، وقرئ الفعلان بالبناء للفاعل، أي لا يقع من المعذبين وصانعي العذاب مثل العذاب الذي يقع على ذلك الإنسان، فالمعني واحد في الوجهين.
ومعنى الآيات الكريمة أن ما يزعمه الأغنياء الجبارون والفقراء الخاسرون من أنهم لربهم ذاكرون - مع فراغ قلوبهم من الرأفة بالضعفاء، وامتلائها بحب المال، وفيضانها بالميل إلى الشهوات زعم لا حقيقة له، وإنما يتذكرون ربهم على الحقيقة في ذلك اليوم العظيم عندما يشهدون الهول، ويعوزهم الحول، ويظهر له مكانهم من العذاب والنكال.
ولكن ليس في هذا التذكر موعظة تحمل على العمل النافع.
فان تلك الدار دار جزاء لا دار أعمال وإنما يبقي لأولئك الخاسرين الحسرة والندامة، ويقول قائلهم: ﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ .
وتكرر ذكر اليوم في قوله أولًا ﴿ إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان ﴾ ، وقوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ ﴾ إلخ.
ليقوي عندك استحضار دك الأرض، وظهور الجلال الإلهي، ثم إن التنوين في يومئذ الأولى نائب عن دكت الأرض ومجيء ربك والملك، وفي يومئذ يتذكر نائب عن ذلك وعن مجيء جهنم، وفي يومئذ الثالثة ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ ﴾ إلخ، ينوب التنوين عما تقدم وعما تضمنه قوله: ﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ .
فكأنه قال: وجيء يوم تدك الأرض ويجيء ربك والملك صفًا صفًا بجهنم يوم تدك الأرض ويأتي ربك ويجاء بجهنم يتذكر الإنسان إلخ.
فيوم تهدم الأرض، ويأتي ربك، ويجاء بجهنم، ويتذكر الإنسان ويقول (يا ليتني قدمت لحياتي - لا يعذب عذابه أحد، إلخ).
ولا يخفي ما في ذلك من تقوية الذكرى لمن له قلب يذكر ووجدان يشعر.
بعد أن ذكر حال الإنسان وقد خلي وطبعه وحرصه وجشعه، واستولت عليه رغبات جسمه، وخرجت به عن سلطان العقل وحكمه، ثم ذكر عاقبته وما يصير إليه في الحياة الأخرى، انتقل بنا إلى ذكر الإنسان إذا ارتقي عن ذلك الطبع، وترفع عن مراتع الحيوانية، واستعلى برغائبه إلى المطامح الروحانية، فكان في الغني شاكرًا، لا يتناول إلا الحق، ولا يمنع صاحب الحق حقًا، ويعنى بحال اليتيم، ويطعم المسكين، ويحمل غيره على الاقتداء به فيما هو خير له ولمن حوله، وكان في الفقر صابرًا لا يمد يده إلى مال ليس من حقه، ولا يأتي الدنية، ولا يطلب لغيره الرزية، ولا يغفل -مع فقره- شان اليتيم، ولا يغفل عما يألم له المسكين..
فإذا لم تمكنه المعونة بالمال أمكنته المساعدة بالمقال، وبهذا يستحق وصف المطمئن، فإن راكن إلى ربه في جميع أمره، واقف عند شرعه، ثابت القدم بمعرفة الحق والسلوك في سبيله، لا تزعزعه الشهوات، ولا تضطرب به الرغبات، ويستحق أن يخاطب باسم النفس التي هي روح تنزع إلى ما يليق بالروح، ولا ينادي باسم الإنسان الذي يشير إلى ما في تكوينه من النزعة الحيوانية، لأنه لم يسلطها عليه، بل استخدمها لتكميل نفسه وإرجاعها إلى معهدها المقدس، فكانت جديرة بجوار ربها، وهي راضية بعملها في الدنيا وبمرجعها في الآخرة، لأنها لم تكن قط ساخطة، لا هي تسخط في غناها، ولا تسخط حالها في فقرها، ولا تسخط صنيع ربها بها، وهي مرضية لان من كانوا معها في الدنيا راضون عنها لحسن صنعها، والله راض عنها لصلاح عملها.
فقال سبحانه: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ .
ومفاجأة السامع بهذا النداء ضرب من ضروب إيجاز القران التي لا تخطر لبشر على بال، فان التقي الخائف الذي يخاف مقام ربه -إذا سمع ذلك الوعيد المتقدم- أخذت الرهبة نفسه، وأفعمت الخشية قلبه، فبينا هو كذلك إذ ينقذه هذا النداء، ويصعد به إلى أكرم فناء، ويصفه بالمطمئن ليذهب عنه الخوف، وبالراضي المرضي ليبعد عنه خشية الغضب، أما الشقي فقد يلهو بأنه ليس وحده في الشقاء، بل الناس في كل ما يوعد به سواء، فيفجعه نداء الأبرار بأوصاف الخيار إلى قرب الجوار فتبغته الدهشة وتفزعه الوحشة.
الرجوع إلى الله تمثيل للكرامة عنده، وإلا فالله معنا حيث كنا.
والدخول في عباده أن تكون منهم.
والعباد الذين يستحقون نسبة الاختصاص به، هم العباد المكرمون.
والجنة معروفة.