الآية ١٠٢ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٠٢ من سورة التوبة

وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ١٠٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 126 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٢ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٢ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما بين تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيبا وشكا ، شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلا وميلا إلى الراحة ، مع إيمانهم وتصديقهم بالحق ، فقال : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) أي : أقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم ، ولهم أعمال أخر صالحة ، خلطوا هذه بتلك ، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه .

وهذه الآية - وإن كانت نزلت في أناس معينين - إلا أنها عامة في كل المذنبين الخاطئين المخلطين المتلوثين .

وقد قال مجاهد : إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة : إنه الذبح ، وأشار بيده إلى حلقه .

وقال ابن عباس : ( وآخرون ) نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه ، تخلفوا عن غزوة تبوك ، فقال بعضهم : أبو لبابة وخمسة معه ، وقيل : وسبعة معه ، وقيل : وتسعة معه ، فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجد ، وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أنزل الله هذه الآية : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) أطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وعفا عنهم .

وقال البخاري : حدثنا مؤمل بن هشام ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا عوف ، حدثنا أبو رجاء ، حدثنا سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا : " أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة ، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء ، وشطر كأقبح ما أنت راء ، قالا لهم : اذهبوا فقعوا في ذلك النهر .

فوقعوا فيه ، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم ، فصاروا في أحسن صورة ، قالا لي : هذه جنة عدن ، وهذا منزلك .

قالا أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح ، فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، فتجاوز الله عنهم " .

هكذا رواه مختصرا ، في تفسير هذه الآية .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق, ومنهم "آخرون اعترفوا بذنوبهم ", يقول: أقرُّوا بذنوبهم =(خلطوا عملا صالحًا)، يعني جل ثناؤه بالعمل الصالح الذي خلطوه بالعمل السيئ: اعترافهم بذنوبهم، وتوبتهم منها, والآخر السيئ: هو تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين خرج غازيًا, وتركهم الجهادَ مع المسلمين.

* * * فإن قال قائل: وكيف قيل: (خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا), وإنما الكلام: خلطوا عملا صالحًا بآخر سيئ؟

قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك.

فكان بعض نحويي البصرة يقول: قيل ذلك كذلك, وجائز في العربية أن يكون " بآخر "، (25) كما تقول " استوى الماء والخشبة "، أي: بالخشبة, " وخلطت الماء واللبن ".

وأنكر [آخر] أن يكون نظير قولهم (26) " استوى الماء والخشبة ".

واعتلَّ في ذلك بأن الفعل في " الخلط" عامل في الأول والثاني, وجائز تقديم كل واحد منهما على صاحبه, وأن تقديم " الخشبة " على " الماء " غير جائز في قولهم: " استوى الماء والخشبة ", وكان ذلك عندهم دليلا على مخالفة ذلك " الخلطَ".

(27) قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي: أنه بمعنى قولهم: " خلطت الماء واللبن ", بمعنى: خلطته باللبن.

* * * =" عسى الله أن يتوب عليهم "، يقول:لعل الله أن يتوب عليهم= " وعسى " من الله واجب، (28) وإنما معناه:سيتوب الله عليهم، ولكنه في كلام العرب على ما وصفت= " إن الله غفور رحيم "، يقول: إن الله ذو صفح وعفو لمن تاب عن ذنوبه، وساترٌ له عليها = " رحيم "، به أن يعذبه بها.

(29) * * * وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذه الآية، والسبب الذي من أجله أنـزلت فيه.

فقال بعضهم: نـزلت في عشرة أنفس كانوا تخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, منهم أبو لبابة, فربط سبعةٌ منهم أنفسهم إلى السّواري عند مَقْدم النبي صلى الله عليه وسلم، توبةً منهم من ذنبهم.

* ذكر من قال ذلك: 17136- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، قال: كانوا عشرة رَهْطٍ تخلّفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, فلما حضرَ رُجوع النبي صلى الله عليه وسلم، أوثق سبعةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد, فكان ممرّ النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم.

(30) فلما رآهم قال: من هؤلاء الموثِقُون أنفسهم بالسواري؟

قالوا: هذا أبو لبابة وأصحابٌ له تخلفوا عنك، يا رسول الله، [وحلفوا لا يطلقهم أحد]، حتى تطلقهم، وتعذرهم.

(31) فقال النبي عليه السلام: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين!

فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله الذي يطلقنا !

(32) فأنـزل الله تبارك وتعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم) = و " عسى " من الله واجب.

فلما نـزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعَذَرَهُم .

* * * وقال آخرون: بل كانوا ستة, أحدهم أبو لبابة.

* ذكر من قال ذلك: 17137- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله)، إلى قوله: (إن الله غفور رحيم)، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة تبوك, فتخلف أبو لبابة وخمسة معه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم إن أبا لبابة ورجلين معه تفكّروا وندموا، وأيقنوا بالهلكة, وقالوا: " نكون في الكِنِّ والطمأنينة مع النساء, ورسول الله والمؤمنون معه في الجهاد!

والله لنوثقنّ أنفسنا بالسّواري، فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يطلقنا ويعذرُنا "، فانطلق أبو لبابة وأوثق نفسه ورجلان معه بسواري المسجد, وبقي ثلاثةُ نفرٍ لم يوثقوا أنفسهم.

فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته, وكان طريقه في المسجد, فمرَّ عليهم فقال: من هؤلاء الموثقو أنفسهِم بالسواري؟

فقالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم, وقد اعترفوا بذنوبهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم, ولا أعذرهم حتى يكون الله هو يعذرهم, وقد تخلفوا عني ورغبوا بأنفسهم عن غزو المسلمين وجهادهم !

فأنـزل الله برحمته: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم) = و " عسى " من الله واجب = فلما نـزلت الآية أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعذرَهم, وتجاوز عنهم.

* * * وقال آخرون: الذين ربطوا أنفسهم بالسواري كانوا ثمانية.

* ذكر من قال ذلك: 17138- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن زيد بن أسلم: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم)، قال: هم الثمانية الذين ربطوا أنفسهم بالسواري, منهم كرْدَم، ومرداس، وأبو لبابة.

17139- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد قال: الذين ربطوا أنفسهم بالسواري: هلال, وأبو لبابة, وكردم, ومرداس, وأبو قيس.

(33) * * * وقال آخرون: كانوا سبعة.

* ذكر من قال ذلك: 17140- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم)، ذكر لنا أنهم كانوا سبعة رَهْطٍ تخلفوا عن غزوة تبوك, فأما أربعة فخلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا: جدُّ بن قيس, وأبو لبابة, وحرام, وأوس, وكلهم من الأنصار, وهم الذين قيل فيهم: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ، الآية.

17141- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، قال: هم نفر ممن تخلف عن تبوك، منهم أبو لبابة, ومنهم جد بن قيس، تِيبَ عليهم = قال قتادة: وليسوا بثلاثة.

17142- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، قال: هم سبعة, منهم أبو لبابة، كانوا تخلفوا عن غزوة تبوك, وليسوا بالثلاثة.

17143- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، نـزلت في أبي لبابة وأصحابه، تخلفوا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما قَفَل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته, وكان قريبًا من المدينة, ندموا على تخلفهم عن رسول الله وقالوا: " نكون في الظلال والأطعمة والنساء, ونبي الله في الجهاد واللأواء!

والله لنوثقن أنفسنا بالسواري، ثم لا نطلقها حتى يكون نبي الله صلى الله عليه وسلم يطلقنا ويعذرنا !" وأوثقوا أنفسهم, وبقي ثلاثة، لم يوثقوا أنفسهم بالسواري.

(34) فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته, فمرّ في المسجد، وكان طريقه, فأبصرهم, فسأل عنهم, فقيل له: أبو لبابة وأصحابه، تخلفوا عنك، يا نبي الله, فصنعوا بأنفسهم ما ترى, وعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم!

فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم, ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله, قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين !

فأنـزل الله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، إلى: (عسى الله أن يتوب عليهم) = و " عسى " من الله واجب = فأطلقهم نبيُّ الله وعذرهم.

* * * وقال آخرون: بل عني بهذه الآية أبو لبابة خاصة، وذنبه الذي اعترف به فتيب عليه فيه، (35) ما كان من أمره في بني قريظة.

* ذكر من قال ذلك: 17144- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، قال: نـزلت في أبي لبابة، قال لبني قريظة ما قال.

17145- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، قال: أبو لبابة، إذ قال لقريظة ما قال, أشار إلى حلقه: إن محمدًا ذابحكم إن نـزلتم على حُكْم الله.

17146- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، فذكر نحوه = إلا أنه قال: إن نـزلتم على حكمه.

17147- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد: ربط أبو لبابة نفسه إلى سارية, فقال: لا أحلُّ نفسي حتى يحلني الله ورسوله !

قال: فحلَّه النبي صلى الله عليه وسلم: وفيه أنـزلت هذه الآية: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا)، الآية.

17148- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن ليث, عن مجاهد: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، قال: نـزلت في أبي لبابة.

* * * وقال آخرون: بل نـزلت في أبي لبابة، بسبب تخلفه عن تبوك.

* ذكر من قال ذلك: 17149- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, قال: قال الزهري: كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, فربط نفسه بسارية, فقال: والله لا أحلّ نفسي منها، ولا أذوق طعامًا ولا شرابًا، حتى أموت أو يتوب الله عليّ !

فمكث سبعة أيام لا يذوق طعامًا ولا شرابًا، حتى خرّ مغشيا عليه، قال: ثم تاب الله عليه, ثم قيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة!

فقال: والله لا أحلّ نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يحلني !

قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحله بيده.

ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله، إنّ من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب, وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله!

قال: يجزيك يا أبا لبابة الثلث.

* * * وقال بعضهم: عني بهذه الآية الأعراب.

* ذكر من قال ذلك: 17150- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا)، قال: فقال إنهم من الأعراب.

17151- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون, عن حجاج بن أبي زينب قال: سمعت أبا عثمان يقول: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، إلى: (إن الله غفور رحيم).

(36) * * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قولُ من قال: نـزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتركهم الجهادَ معه، والخروجَ لغزو الروم، حين شخص إلى تبوك = وأن الذين نـزل ذلك فيهم جماعة، أحدهم أبو لبابة.

وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب في ذلك, لأن الله جل ثناؤه قال: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم, ولم يكن المعترفُ بذنبه، الموثقُ نفسه بالسارية في حصار قريظة، غير أبي لبابة وحده.

فإذ كان ذلك [كذلك], (37) وكان الله تبارك وتعالى قد وصف في قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، بالاعتراف بذنوبهم جماعةً, عُلِم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك ليست الواحد، (38) فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذا لم تكن إلا لجماعة, وكان لا جماعةَ فعلت ذلك، فيما نقله أهل السير والأخبار وأجمع عليه أهل التأويل، إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك، صحَّ ما قلنا في ذلك.

وقلنا: " كان منهم أبو لبابة "، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.

--------------------- الهوامش : (25) لا شك أن الناسخ أسقط شيئًا من كلام أبي جعفر ، وهو ظاهر لمن تأمل .

وانظر التعليق التالي .

(26) الذي بين القوسين في المطبوعة وحدها ، ولكنه كان فيها " آخرون " .

أما المخطوطة ففيها : " وأنكر أن يكون نظير قولهم .

.

.

" ، وهذا أيضا دال على إسقاط الناسخ بعض الكلام .

وانظر التعليق التالي .

(27) في المطبوعة : " دليلا عندهم " ، وأثبت ما في المخطوطة ، ولكن الناشر الأول غيره ، لما وضع " آخرون " من عند نفسه .

انظر التعليق السالف .

هذا ، وقد تركت الكلام على حاله ، لأني لا شك أن الناسخ تخطأ بعض كلام أبي جعفر .

(28) انظر تفسير "عسى" فيما سلف: ص 167 تعليق 5، والمراجع هناك.

(29) انظر تفسير "غفور" و "رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) ، (رحم) .

(30) في المطبوعة : "وكان" وأثبت ما في المخطوطة بالفاء .

(31) في المخطوطة والمطبوعة : " تخلفوا عنك يا رسول الله حتى تطلقهم وتعذرهم " ، سقط بعض الكلام وتمامه في الدر المنثور : " وحلفوا أنهم لا يطلقهم أحد حتى تطلقهم وتعذرهم " ، وآثرت ما وضعته بين القوسين .

(32) في المطبوعة والمخطوطة : " ونحن بالله " ، وآثرت ما كتبت .

(33) هؤلاء خمسة، لم يذكر تمام الثمانية، كما تدل عليه ترجمة الكلام.

(34) " بالسواري " زيادة من المخطوطة ، ليست في المطبوعة .

(35) في المطبوعة : " فتيب عليه منه " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهي صواب محض .

(36) الأثر : 17151 - " حجاج بن أبي زينب السلمي " ، " أبو يوسف الواسطي " ، " الصيقل " ، ضعيف ، ليس بقوي ولا حافظ .

مترجم في التهذيب ، والكبير 1 2 373 ، وابن أبي حاتم 1 2 161 ، وميزان الاعتدال 1 : 215 .

وكان في المطبوعة : " بن أبي ذئب " ، وهو خطأ ، والمخطوطة برسم المطبوعة غير منقوطة .

و " أبو عثمان " ، هو النهدي ، " عبد الرحمن بن مل " ، ثقة ، أسلم على عهد رسول الله ولم يلقه .

مضى مرارًا ، منها رقم : 13097 - 13100 .

وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 273 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وابن أبي الدنيا في التوبة ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ ، والبيهقي في شعب الإيمان .

(37) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق .

(38) في المطبوعة : " أن الجماعة الذين وصفهم بذلك السبب غير الواحد " ، أساء قراءة المخطوطة ، فحرف وزاد من عنده ، ما أفسد الكلام وأهلكه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم أي ومن أهل المدينة وممن حولكم قوم أقروا بذنوبهم ، وآخرون مرجون لأمر الله يحكم فيهم بما يريد .

فالصنف الأول يحتمل أنهم كانوا منافقين وما مردوا على النفاق ، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين .

وقال ابن عباس : نزلت في عشرة تخلفوا عن غزوة تبوك فأوثق سبعة منهم أنفسهم في سواري المسجد .

وقال بنحوه قتادة وقال : وفيهم نزل خذ من أموالهم صدقة ; ذكره المهدوي .

وقال زيد بن أسلم : كانوا ثمانية .

وقيل : كانوا ستة .

وقيل : خمسة .

وقال [ ص: 164 ] مجاهد : نزلت الآية في أبي لبابة الأنصاري خاصة في شأنه مع بني قريظة ; وذلك أنهم كلموه في النزول على حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فأشار لهم إلى حلقه .

يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم يذبحهم إن نزلوا ، فلما افتضح تاب وندم وربط نفسه في سارية من سواري المسجد ، وأقسم ألا يطعم ولا يشرب حتى يعفو الله عنه أو يموت ; فمكث كذلك حتى عفا الله عنه ، ونزلت هذه الآية ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحله ; ذكره الطبري عن مجاهد ، وذكره ابن إسحاق في السيرة أوعب من هذا .

وقال أشهب عن مالك : نزلت " وآخرون " في شأن أبي لبابة وأصحابه ، وقال حين أصاب الذنب : يا رسول الله ، أجاورك وأنخلع من مالي ؟

فقال : يجزيك من ذلك الثلث وقد قال تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ورواه ابن القاسم وابن وهب عن مالك .

والجمهور أن الآية نزلت في شأن المتخلفين عن غزوة تبوك ، وكانوا ربطوا أنفسهم كما فعل أبو لبابة ، وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقهم ويرضى عنهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين فأنزل الله هذه الآية ; فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم .

فلما أطلقوا قالوا : يا رسول الله ، هذه أموالنا التي خلفتنا عنك ، فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا .

فقال : ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا فأنزل الله تعالى : خذ من أموالهم صدقة الآية .

قال ابن عباس : كانوا عشرة أنفس منهم أبو لبابة ; فأخذ ثلث أموالهم وكانت كفارة الذنوب التي أصابوها .

فكان عملهم السيئ التخلف بإجماع من أهل هذه المقالة .

واختلفوا في الصالح ; فقال الطبري وغيره : الاعتراف والتوبة والندم .

وقيل : عملهم الصالح الذي عملوه أنهم لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وربطوا أنفسهم بسواري المسجد وقالوا : لا نقرب أهلا ولا ولدا حتى ينزل الله عذرنا .

وقالت فرقة : بل العمل الصالح غزوهم فيما سلف من غزو النبي صلى الله عليه وسلم .

وهذه الآية وإن كانت نزلت في أعراب فهي عامة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة ; فهي ترجى .

ذكر الطبري عن حجاج بن أبي زينب قال : سمعت أبا عثمان يقول : ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله تعالى : وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا .

وفي البخاري عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا : أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة [ ص: 165 ] فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء قالا لهم : اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قالا لي هذه جنة عدن وهذاك منزلك قالا : أما القوم الذي كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم .

وذكر البيهقي من حديث الربيع بن أنس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث الإسراء وفيه قال : ثم صعد بي إلى السماء .

.

.

ثم ذكر الحديث إلى أن ذكر صعوده إلى السماء السابعة فقالوا : حياه الله من أخ وخليفة ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء فإذا برجل أشمط جالس على كرسي عند باب الجنة وعنده قوم بيض الوجوه وقوم سود الوجوه وفي ألوانهم شيء فأتوا نهرا فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خلص من ألوانهم شيء ثم إنهم أتوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خلص من ألوانهم شيء ثم دخلوا النهر الثالث فخرجوا منه وقد خلصت ألوانهم مثل ألوان أصحابهم فجلسوا إلى أصحابهم فقال يا جبريل من هؤلاء بيض الوجوه وهؤلاء الذين في ألوانهم شيء فدخلوا النهر وقد خلصت ألوانهم فقال هذا أبوك إبراهيم هو أول رجل شمط على وجه الأرض وهؤلاء بيض الوجوه قوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم - قال - وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتابوا فتاب الله عليهم .

فأما النهر الأول فرحمة الله وأما النهر الثاني فنعمة الله .

وأما النهر الثالث فسقاهم ربهم شرابا طهورا وذكر الحديث .والواو في قوله : ( وآخر سيئا ) قيل : هي بمعنى الباء ، وقيل : بمعنى مع ; كقولك استوى الماء والخشبة .

وأنكر ذلك الكوفيون وقالوا : لأن الخشبة لا يجوز تقديمها على الماء ، و ( آخر ) في الآية يجوز تقديمه على الأول ; فهو بمنزلة خلطت الماء باللبن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وَآخَرُونَ‏}‏ ممن بالمدينة ومن حولها، بل ومن سائر البلاد الإسلامية، ‏{‏اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ أقروا بها، وندموا عليها، وسعوا في التوبة منها، والتطهر من أدرانها‏.‏ ‏{‏خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا‏}‏ ولا يكون العمل صالحا إلا إذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان، المخرج عن الكفر والشرك، الذي هو شرط لكل عمل صالح، فهؤلاء خلطوا الأعمال الصالحة، بالأعمال السيئة، من التجرؤ على بعض المحرمات، والتقصير في بعض الواجبات، مع الاعتراف بذلك والرجاء، بأن يغفر اللّه لهم، فهؤلاء ‏{‏عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ‏}‏ وتوبته على عبده نوعان‏:‏ الأول‏:‏ التوفيق للتوبة‏.‏ والثاني‏:‏ قبولها بعد وقوعها منهم‏.‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ وصفه المغفرة والرحمة اللتان لا يخلو مخلوق منهما، بل لا بقاء للعالم العلوي والسفلي إلا بهما، فلو يؤاخذ اللّه الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة‏.‏ ‏{‏إن اللّه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا‏}‏ ‏.‏ ومن مغفرته أن المسرفين على أنفسهم الذين قطعوا أعمارهم بالأعمال السيئة، إذا تابوا إليه وأنابوا ولو قبيل موتهم بأقل القليل، فإنه يعفو عنهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، فهذه الآية، دلت على أن المخلط المعترف النادم، الذي لم يتب توبة نصوحا، أنه تحت الخوف والرجاء، وهو إلى السلامة أقرب‏.‏ وأما المخلط الذي لم يعترف ويندم على ما مضى منه، بل لا يزال مصرًا على الذنوب، فإنه يخاف عليه أشد الخوف‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وآخرون ) أي : ومن أهل المدينة ، أو : من الأعراب آخرون ، ولا يرجع هذا إلى المنافقين ، ( اعترفوا ) أقروا ، ( بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ) وهو إقرارهم بذنوبهم وتوبتهم ( وآخر سيئا ) أي : بعمل آخر سيئ ، وضع الواو موضع الباء ، كما يقال : خلطت الماء واللبن ، أي : باللبن .

والعمل السيئ : هو تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والعمل الصالح : هو ندامتهم وربطهم أنفسهم بالسواري وقيل : غزواتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم .

( عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ) نزلت هذه الآية في قوم تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، ثم ندموا على ذلك ، وقالوا : نكون في الظلال مع النساء ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد واللأواء!

فلما قرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة قالوا والله لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقها ، ويعذرنا ، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بهم فرآهم فقال : من هؤلاء؟

فقالوا : هؤلاء الذين تخلفوا عنك فعاهدوا الله عز وجل أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت تطلقهم وترضى عنهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم ، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين!

فأنزل الله هذه الآية فأرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم ، فلما أطلقوا قالوا : يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا واستغفر لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا " ، فأنزل الله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة ) الآية .

واختلفوا في أعداد هؤلاء التائبين ، فروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : كانوا عشرة منهم أبو لبابة .

وروى عطية عنه : أنهم كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة .

وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم : كانوا ثمانية .

وقال الضحاك وقتادة : كانوا سبعة .

وقالوا جميعا : أحدهم أبو لبابة .

وقال قوم : نزلت في أبي لبابة خاصة .

واختلفوا في ذنبه ، قال مجاهد : نزلت في أبي لبابة حين قال لقريظة : إن نزلتم على حكمه فهو الذبح وأشار إلى حلقه .

وقال الزهري : نزلت في تخلفه عن غزوة تبوك فربط نفسه بسارية ، وقال : والله لا أحل نفسي ولا أذوق طعاما ولا شرابا ، حتى أموت أو يتوب الله علي!

فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فقيل له : قد تيب عليك!

، فقال : والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحله بيده ، ثم قال أبو لبابة : يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب ، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله ، قال : يجزيك يا أبا لبابة الثلث .

قالوا جميعا : فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث أموالهم ، وترك الثلثين ، لأن الله تعالى قال : ( خذ من أموالهم ) ولم يقل : خذ أموالهم .

قال الحسن وقتادة : هؤلاء سوى الثلاثة الذين خلفوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» قوم «آخرون» مبتدأ «اعترفوا بذنوبهم» من التخلف نعته والخبر «خلطوا عملا صالحا» وهو جهادهم قبل ذلك أو اعترافهم بذنوبهم أو غير ذلك «وآخر سيئا» وهو تخلفهم «عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم» نزلت في أبي لبابة وجماعة أوثقوا أنفسهم في سواري المسجد لما بلغهم ما نزل في المتخلفين وحلفوا لا يحلهم إلا النبي صلى الله عليه وسلم فحلُّهم لما نزلت.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وآخرون من أهل (المدينة) وممن حولها، اعترفوا بذنوبهم وندموا عليها وتابوا منها، خلطوا العمل الصالح -وهو التوبة والندم والاعتراف بالذنب وغير ذلك من الأعمال الصالحة- بآخر سيِّئ- وهو التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الأعمال السيئة -عسى الله أن يوفقهم للتوبة ويقبلها منهم.

إن الله غفور لعباده، رحيم بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حال طائفة أخرى من المسلمين فقال : ( وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ) .

.قال الآلوسى : قوله : وآخرون اعترفوا بذنبوبهم .

.

بيان لحال طائفة من المسلمين ضعيفة الهمم فى أمر الدين ، ولم يكونوا منافقين على الصحيح .

وقيل هم طائفة من المنافقين إلا أنهم وفقوا للتوبة فتاب الله عليهم .والمعنى : ويوجد معكم أيها المؤمنون قوم آخرون من صفاتهم أنهم اعترفوا بذنوبهم أى أقروا بها ولم ينكروها .وقوله : ( خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ) أى خلطوا عملهم الصالح وهو جهادهم فى سبيل الله قبل غزوة تبوك ، بعمل سئ وهو تخلفهم عن الخروج إلى هذه الغزوة .وقوله : ( عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) أى عسى الله تعالى : أن يقبل توبتهم ، ويغسل ، حوبتهم ، ويتجاوز عن خطاياهم .وعبر - سبحانه - بعسى للإِشعار بأن ما يفعله تعالى ليس إلا على سبيل التفضل منه ، حتى لا يتكل الشخص ، بل يكون على خوف وحذر .وقد قالوا إن كلمة عسى متى صدرت عن الله تعالى - فهى متحققة الوقوع ، لأنها صادرة من كريم ، والله تعالى أكرم من أن يطمع أحداً فى شئ لا يعطيه إياه .

وقوله : إن الله غفور رحيم ، تعليل لرجاء قبول توبتهم ، إذ معناه ، إن الله تعالى كثير المغفرة للتائبين ، واسع الرحمة للمحسنين .هذا ، وقد ذكر المفسرون هنا روايات متعددة فى سبب نزول هذه الآية ولعل أرجح هذه الروايات ما رواه ابن جرير من " أن هذه الآية نزلت فى أبى لبابة وأصحابه ، وكانوا تخلفوا عن النبى - صلى الله عليه وسلم - فى غزوة تبوك ، لما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته ، وكان قريبا من المدينة ندموا على تخلفهم عن رسول الله وقالوا : نكون فى الضلال والأطعمة والنساء ونبى الله فى الجهاد واللأواء .

والله لنوثقن أنفسنا بالسوارى ، ثم لا نطلقها حتى يكون نبى الله هو الذى يطلقنا .وأوثقوا أنفسهم .

وبقى ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم بالسوارى فقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته فمر بالمسجد فأبصرهم فسأل عنهم ، فقيل : له : إنه أبو لبابة وأصحابه تخلفوا عنك يا نبى الله ، فصنعوا بأنفسهم ما ترى ، وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذى تطلقهم .فقال - صلى الله عليه وسلم - : " لا أطلقهم حتى أؤمن بإطلاقهم ، ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله ، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين " ، فأنزل الله تعالى : ( وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً .

.

) " الآية ، فأطلقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعذرهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَءاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ فيه قولان: الأول: أنهم قوم من المنافقين.

تابوا عن النفاق.

والثاني: أنهم قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك، لا للكفر والنفاق، لكن للكسل، ثم ندموا على ما فعلوا ثم تابوا، واحتج القائلون بالقول الأول بأن قوله: ﴿ وَءاخَرُونَ ﴾ عطف على قوله: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ الأعراب منافقون ﴾ والعطف يوهم التشريك إلا أنه تعالى وفقهم حتى تابوا، فلما ذكر الفريق الأول بالمرود على النفاق والمبالغة فيه.

وصف هذه الفرقة بالتوبة والإقلاع عن النفاق.

المسألة الثانية: روي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن حزام، وقيل: كانوا عشرة.

فسبعة منهم أوثقوا أنفسهم لما بلغهم ما نزل من المتخلفين فأيقنوا بالهلاك، وأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد فصلى ركعتين وكانت هذه عادته، فلما قدم من سفره ورآهم موثقين، سأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله هو الذي يحلهم، فقال: وأنا أقسم أني لا أحلهم حتى أومر فيهم، فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم، فقالوا يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها، فتصدق بها وطهرنا، فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزل قوله: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ الآية.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ قال أهل اللغة: الاعتراف عبارة عن الإقرار بالشيء عن معرفة، ومعناه أنهم أقروا بذنبهم، وفيه دقيقة، كأنه قيل لم يعتذروا عن تخلفهم بالأعذار الباطلة كغيرهم، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئسما فعلوا وأظهروا الندامة وذموا أنفسهم على ذلك التخلف.

فإن قيل: الاعتراف بالذنب هل يكون توبة أم لا؟

قلنا: مجرد الاعتراف بالذنب لا يكون توبة، فأما إذا اقترن به الندم على الماضي، والعزم على تركه في المستقبل، وكان هذا الندم والتوبة لأجل كونه منهياً عنه من قبل الله تعالى، كان هذا المجموع توبة، إلا أنه دل الدليل على أن هؤلاء قد تابوا بدليل قوله تعالى: ﴿ عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ والمفسرون قالوا: إن عسى من الله يدل على الوجوب.

ثم قال تعالى: ﴿ خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ سَيّئاً ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: في هذا العمل الصالح وجوه: الأول: العمل الصالح هو الاعتراف بالذنب والندامة عليه والتوبة منه، والسيء هو التخلف عن الغزو.

والثاني: العمل الصالح خروجهم مع الرسول إلى سائر الغزوات والسيء هو تخلفهم عن غزوة تبوك.

والثالث: أن هذه الآية نزلت في حق المسلمين كان العمل الصالح إقدامهم على أعمال البر التي صدرت عنهم.

البحث الثاني: لقائل أن يقول: قد جعل كل واحد من العمل الصالح والسيء مخلوطاً.

فما المخلوط به.

وجوابه أن الخلط عبارة عن الجمع المطلق، وأما قولك خلطته، فإنما يحسن في الموضع الذي يمتزج كل واحد منهما بالآخر، ويتغير كل واحد منهما بسبب تلك المخالطة عن صفته الأصلية كقولك خلطت الماء باللبن.

واللائق بهذا الموضع هو الجمع المطلق، لأن العمل الصالح والعمل السيء إذا حصلا بقي كل واحد منهما كما كان على مذهبنا، فإن عندنا القول بالإحباط باطل، والطاعة تبقى موجبة للمدح والثواب، والمعصية تبقى موجبة للذم والعقاب، فقوله تعالى: ﴿ خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ سَيّئاً ﴾ فيه تنبيه على نفي القول بالمحابطة، وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر، ومما يعين هذه الآية على نفي القول بالمحابطة أنه تعالى وصف العمل الصالح والعمل السيء بالمخالطة.

والمختلطان لابد وأن يكونا باقيين حال اختلاطهما، لأن الاختلاط صفة للمختلطين، وحصول الصفة حال عدم الموصوف محال، فدل على بقاء العملين حال الاختلاط.

ثم قال تعالى: ﴿ عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: هاهنا سؤال، وهو أن كلمة ﴿ عَسَى ﴾ شك وهو في حق الله تعالى محال، وجوابه من وجوه: الوجه الأول: قال المفسرون: كلمة عسى من الله واجب، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ فَعَسَى الله أَن يَأْتِىَ بالفتح  ﴾ وفعل ذلك، وتحقيق القول فيه أن القرآن نزل على عرف الناس في الكلام، والسلطان العظيم إذا التمس المحتاج منه شيئاً فإنه لا يجيب إليه إلا على سبيل الترجي مع كلمة عسى، أو لعل، تنبيهاً على أنه ليس لأحد أن يلزمني شيئاً وأن يكلفني بشيء بل كل ما أفعله فإنما أفعله على سبيل التفضل والتطول، فذكر كلمة ﴿ عَسَى ﴾ الفائدة فيه هذا المعنى، مع أنه يفيد القطع بالإجابة.

الوجه الثاني: في الجواب، المقصود منه بيان أنه يجب أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق لأنه أبعد من الإنكار والإهمال.

البحث الثاني: قال أصحابنا قوله: ﴿ عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ صريح في أن التوبة لا تحصل إلا من خلق الله تعالى، والعقل أيضاً دليل عليه، لأن الأصل في التوبة الندم، والندم لا يحصل باختيار العبد لأن إرادة الفعل والترك إن كانت فعلاً للعبد افتقر في فعلها إلى إرادة أخرى، وأيضاً فإن الإنسان قد يكون عظيم الرغبة في فعل معين، ثم يصير عظيم الندامة عليه، وحال كونه راغباً فيه لا يمكنه دفع تلك الرغبة عن القلب، وحال صيرورته نادماً عليه لا يمكنه دفع تلك الندامة عن القلب، فدل هذا على أنه لا قدرة للعبد على تحصل الندامة، وعلى تحصيل الرغبة، قالت المعتزلة: المراد من قوله: يتوب الله أنه يقبل توبته.

والجواب: أن الصرف عن الظاهر إنما يحسن، إذا ثبت بالدليل أنه لا يمكن إجراء اللفظ على ظاهره، أما هاهنا، فالدليل العقلي أنه لا يمكن إجراء اللفظ إلا على ظاهره، فكيف يحسن التأويل.

البحث الثالث: قوله: ﴿ عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ يقتضي أن هذه التوبة إنما تحصل في المستقبل.

وقوله: ﴿ وَءاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ دل على أن ذلك الاعتراف حصل في الماضي، وذلك يدل على أن ذلك الاعتراف ما كان نفس التوبة، بل كان مقدمة للتوبة، وأن التوبة إنما تحصل بعدها.

ثم قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف الناس في المراد.

فقال بعهضم: هذا راجع إلى هؤلاء الذين تابوا، وذلك لأنهم بذلوا أموالهم للصدقة، فأوجب الله تعالى أخذها، وصار ذلك معتبراً في كمال توبتهم لتكون جارية في حقهم مجرى الكفارة، وهذا قول الحسن، وكان يقول ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة، وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر منهم.

والقول الثاني: أن الزكوات كانت واجبة عليهم، فلما تابوا من تخلفهم عن الغزو وحسن إسلامهم، وبذلوا الزكاة أمر الله رسوله أن يأخذها منهم.

والقول الثالث: أن هذه الآية كلام مبتدأ، والمقصود منها إيجاب أخذ الزكاة من الأغنياء وعليه أكثر الفقهاء إذ استدلوا بهذه الآية في إيجاب الزكوات.

وقالوا في الزكاة إنها طهرة، أما القائلون بالقول الأول: فقد احتجوا على صحة قولهم بأن الآيات لابد وأن تكون منتظمة متناسقة، أما لو حملناها على الزكوات الواجبة ابتداء، لم يبق لهذه الآية تعلق بما قبلها، ولا بما بعدها، وصارت كلمة أجنبية، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى، وأما القائلون بأن المراد منه أخذ الزكوات الواجبة، قالوا: المناسبة حاصلة أيضاً على هذا التقدير، وذلك لأنهم لما أظهروا التوبة والندامة، عن تخلفهم عن غزوة تبوك، وهم أقروا بأن السبب الموجب لذلك التخلف حبهم للأموال وشدة حرصهم على صونها عن الإنفاق، فكأنه قيل لهم إنما يظهر صحة قولكم في ادعاء هذه التوبة والندامة لو أخرجتم الزكاة الواجبة، ولم تضايقوا فيها، لأن الدعوى لا تتقرر إلا بالمعنى، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، فإن أدوا تلك الزكوات عن طيبة النفس ظهر كونهم صادقين في تلك التوبة والإنابة، وإلا فهم كاذبون مزورون بهذا الطريق.

لكن حمل هذه الآية على التكليف بإخراج الزكوات الواجبة مع أنه يبق نظم هذه الآيات سليماً أولى، ومما يدل على أن المراد الصدقات الواجبة.

قوله: ﴿ تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا ﴾ والمعنى تطهرهم عن الذنب بسبب أخذ تلك الصدقات، وهذا إنما يصح لو قلنا إنه لو لم يأخذ تلك الصدقة لحصل الذنب، وذلك إنما يصح حصوله في الصدقات الواجبة.

وأما القائلون بالقول الأول: فقالوا: إنه عليه الصلاة والسلام لما عذر أولئك التائبين وأطلقهم قالوا يا رسول الله هذه أموالنا التي بسببها تخلفنا عنك فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً»، فأنزل الله تعالى هذه الآيات فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث أموالهم، وترك الثلثين لأنه تعالى قال: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ ولم يقل خذ أموالهم، وكلمة ﴿ مِنْ ﴾ تفيد التبعيض.

واعلم أن هذه الرواية لا تمنع القول الذي اخترناه كأنه قيل لهم إنكم لما رضيتم بإخراج الصدقة التي هي غير واجبة فلأن تصيروا راضين بإخراج الواجبات أولى.

المسألة الثانية: هذه الآية تدل على كثير من أحكام الزكاة.

الحكم الأول: أن قوله: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم ﴾ يدل على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال لا كلها إذ مقدار ذلك البعض غير مذكور هاهنا بصريح اللفظ، بل المذكور هاهنا قوله: ﴿ صَدَقَةٍ ﴾ ومعلوم أنه ليس المراد منه التنكير حتى يكفي أخد أي جزء كان، وإن كان في غاية القلة، مثل الحبة الواحدة من الحنطة أو الجزء الحقير من الذهب، فوجب أن يكون المراد منه صدقة معلومة الصفة والكيفية والكمية عندهم، حتى يكون قوله: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ أمراً بأخذ تلك الصدقة المعلومة، فحينئذ يزول الإجمال.

ومعلوم أن تلك الصدقة ليست إلا الصدقات التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كيفيتها، والصدقة التي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أنه أمر بأن يؤخذ في خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ستة وثلاثين بنت لبون، إلى غير ذلك من المراتب، فكان قوله: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ أمراً بأن يأخذ تلك الأشياء المخصوصة والأعيان المخصوصة، وظاهر الآية للوجوب، فدل هذا النص على أن أخذها واجب، وذلك يدل على أن القيمة لا تكون مجزئة على ما هو قول الشافعي رحمه الله.

الحكم الثاني: أن قوله: ﴿ مِنْ أموالهم صَدَقَةً ﴾ يقتضي أن يكون المال مالاً لهم، ومتى كان الأمر كذلك لم يكن الفقير شريكاً للمالك في النصاب، وحينئذ يلزم أن تكون الزكاة متعلقة بالذمة.

وأن لا يكون لها تعلق ألبتة بالنصاب.

وإذا ثبت هذا فنقول: إنه إذا فرط في الزكاة حتى هلك النصاب، فالذي هلك ما كان محلاً للحق، بل محل الحق باق كما كان، فوجب أن يبقى ذلك الوجوب بعد هلاك النصاب كما كان، وهذا قول الشافعي رحمه الله.

الحكم الثالث: ظاهر هذا العموم يوجب الزكاة في مال المديون، وفي مال الضمان، وهو ظاهر.

الحكم الرابع: ظاهر الآية يدل على أن الزكاة إنما وجبت طهرة عن الآثام، فلا تجب إلا حيث تصير طهرة عن الآثام، وكونها طهرة عن الآثام لا يتقرر إلا حيث يمكن حصول الآثام، وذلك لا يعقل إلا في حق البالغ، فوجب أن لا يثبت وجوب الزكاة إلا في حق البالغ كما هو قول أبي حنيفة رحمه الله، إلا أن الشافعي رحمه الله يجيب ويقول إن الآية تدل على أخذ الصدقة من أموالهم، وأخذ الصدقة من أموالهم يستلزم كونها طهرة، فلم قلتم إن أخذ الزكاة من أموال الصبي، والمجنون طهرة لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً؟

المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ تُطَهّرُهُمْ ﴾ أقوال: القول الأول: أن يكون التقدير: خذ يا محمد من أموالهم صدقة فإنك تطهرهم.

القول الثاني: أن يكون تطهرهم معلقاً بالصدقة، والتقدير: خذ من أموالهم صدقة مطهرة، وإنما حسن جعل الصدقة مطهرة لما جاء أن الصدقة أوساخ الناس، فإذا أخذت الصدقة فقد اندفعت تلك الأوساخ فكان اندفاعها جارياً مجرى التطهير، والله أعلم.

إن على هذا القول وجب أن نقول: إن قوله: ﴿ وَتُزَكّيهِمْ ﴾ يكون منقطعاً عن الأول، ويكون التقدير ﴿ خُذْ ﴾ يا محمد ﴿ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ ﴾ تلك الصدقة، وتزكيهم أنت بها.

القول الثالث: أن يجعل التاء في ﴿ تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ ﴾ ضمير المخاطب، ويكون المعنى: تطهرهم أنت أيها الآخذ بأخذها منهم وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة.

المسألة الرابعة: قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ تُطَهّرُهُمْ ﴾ من أطهره بمعنى طهره ﴿ وتطهرهم ﴾ بالجزم جواباً للأمر، ولم يقرأ ﴿ وَتُزَكّيهِمْ ﴾ إلا بإثبات الياء.

ثم قال تعالى: ﴿ وَتُزَكّيهِمْ ﴾ واعلم أن التزكية لما كانت معطوفة على التطهير وجب حصول المغايرة، فقيل: التزكية مبالغة في التطهير، وقيل: التزكية بمعنى الإنماء، والمعنى: أنه تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة سبباً للإنماء، وقيل: الصدقة تطهرهم عن نجاسة الذنب والمعصية، والرسول عليه السلام يزكيهم ويعظم شأنهم ويثني عليهم عند إخراجها إلى الفقراء.

ثم قال تعالى: ﴿ وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ إن صلاتك ﴾ بغير واو وفتح التاء على التوحيد، والمراد منه الجنس، وكذلك في سورة هود ﴿ أَصَلاتكَ تَأْمُرُكَ ﴾ بغير واو وعلى التوحيد، والباقون ﴿ صلواتك ﴾ وكذلك في هود على الجمع، قال أبو عبيدة: والقراءة الأولى أولى لأن الصلاة أكثر.

ألا ترى أنه قال: ﴿ أَقِيمُواْ الصلاة ﴾ والصلوات جمع قلة، تقول ثلاث صلوات وخمس صلوات، قال أبو حاتم: هذا غلط لأن بناء الصلوات ليس للقلة لأنه تعالى قال: ﴿ مَّا نَفِدَتْ كلمات الله  ﴾ ولم يرد القليل وقال: ﴿ وَهُمْ فِي الغرفات ءامِنُونَ  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ المسلمين والمسلمات  ﴾ .

المسألة الثانية: احتج مانعو الزكاة في زمان أبي بكر بهذه الآية، وقالوا إنه تعالى أمر رسوله بأخذ الصدقات، ثم أمره بأن يصلي عليهم وذكر أن صلاته سكن لهم، فكان وجوب الزكاة مشروطاً بحصول ذلك السكن، ومعلوم أن غير الرسول لا يقوم مقامه في حصول ذلك السكن.

فوجب أن لا يجب دفع الزكاة إلى أحد غير الرسول عليه الصلاة والسلام، واعلم أنه ضعيف لأن سائر الآيات دلت على أن الزكاة إنما وجبت دفعاً لحاجة الفقير كما في قوله: ﴿ إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء  ﴾ وكما في قوله: ﴿ وَفِى أموالهم حَقٌّ لَّلسَّائِلِ والمحروم  ﴾ .

المسألة الثالثة: لا شك أن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء، فإذا قلنا صلى فلان على فلان، أفاد الدعاء بحسب اللغة الأصلية.

إلا أنه صار بحسب العرف يفيد أنه قال له اللهم صل عليه، فلهذا السبب اختلف المفسرون، فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: معناه ادع لهم، قال الشافعي رحمه الله: والسنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، وقال آخرون: معناه أن يقول اللهم صل على فلان، ونقلوا عن النبي عليه الصلاة والسلام، أن آل أبي أوفى لما أتوه بالصدقة قال: «اللهم صل على آل أبي أوفى» ونقل القاضي في تفسيره عن الكعبي في تفسيره أنه قال علي لعمر وهو مسجى عليك الصلاة والسلام، ومن الناس من أنكر ذلك، ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لا تنبغي الصلاة من أحد على أحد إلا في حق النبي عليه الصلاة والسلام.

المسألة الرابعة: أن أصحابنا يمنعون من ذكر صلوات الله عليه وعليه الصلاة والسلام إلا في حق الرسول، والشيعة يذكرونه في علي وأولاده، واحتجوا عليه بأن نص القرآن دل على أن هذا الذكر جائز في حق من يؤدي الزكاة، فكيف يمنع ذكره في حق علي والحسن والحسين رضي الله عنهم؟

ورأيت بعضهم قال: أليس أن الرجل إذا قال سلام عليكم يقال له وعليكم السلام؟

فدل هذا على أن ذكر هذا اللفظ جائز في حق جمهور المسلمين، فكيف يمتنع ذكره في حق آل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام؟

قال القاضي: إنه جائز في حق الرسول عليه الصلاة والسلام، والدليل عليه أنهم قالوا: يا رسول الله قد عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟

فقال على وجه التعليم قولوا: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» ومعلوم أنه ليس في آل محمد نبي، فيتناول علياً ذلك كما يجوز مثله في آل إبراهيم، والله أعلم.

المسألة الخامسة: كنت قد ذكرت لطائف في قول بعضهم لبعض سلام عليكم وهي غير لائقة بهذا الموضع إلا أني رأيت أن أكتبها هاهنا لئلا تضيع، فقلت: إذا قال الرجل لغيره سلام عليكم.

فقوله: سلام عليكم مبتدأ وهو نكرة، وزعموا أن جعل النكرة مبتدأ لا يجوز، قالوا لأن الأخبار إنما يفيد إذا أخبر على المعلوم بأمر غير معلوم، إلا أنهم قالوا: النكرة إذا كانت موصوفة حسن جعلها مبتدأ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ  ﴾ .

إذا عرفت هذا فهاهنا وجهان: الأول: أن التنكير يدل على الكمال، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة  ﴾ والمعنى: ولتجدنهم أحرص الناس على حياة دائمة كاملة غير منقطعة.

إذا ثبت هذا فقوله: سلام لفظة منكرة، فكان المراد منه سلام كامل تام، وعلى هذا التقدير: فقد صارت هذه النكرة موصوفة، فصح جعلها مبتدأ، وإذا كان كذلك فحينئذ يحصل الخبر وهو قوله: عليكم والتقدير: سلام كامل تام عليكم.

والثاني: أن يجعل قوله: عليكم صفة لقوله: سلام فيكون مجموع قوله: سلام عليكم مبتدأ ويضمر له خبر، والتقدير: سلام عليكم واقع كائن حاصل، وربما كان حذف الخبر أدل على التهويل والتفخيم.

إذا عرفت هذا فنقول: إنه عند الجواب يقلب هذا الترتيب فيقال وعليكم السلام، والسبب فيه ما قاله سيبويه أنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى، فلما قال وعليكم السلام دل على أن اهتمام هذا المجيب بشأن ذلك القائل شديد كامل، وأيضاً فقوله: وعليكم السلام يفيد الحصر، فكأنه يقول إن كنت قد أوصلت السلام إلي فأنا أزيد عليه وأجعل السلام مختصاً بك ومحصوراً فيك امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا  ﴾ ومن لطائف قوله: سلام عليكم أنها أكمل من قوله: السلام عليك وذلك لأن قوله: سلام عليك معناه: سلام كامل تام شريف رفيع عليك.

وأما قوله: السلام عليك، فالسلام لفظ مفرد محلى بالألف واللام، وأنه لا يفيد إلا أصل الماهية، واللفظ الدال على أصل الماهية لا إشعار فيه بالأحوال العارضة للماهية وبكمالات الماهية، فكان قوله: سلام عليك أكمل من قوله: السلام عليك ومما يؤكد هذا المعنى أنه أينما جاء لفظ السلام من الله تعالى ورد على سبيل التنكير، كقوله: ﴿ وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ قُلِ الحمد لِلَّهِ وسلام على عِبَادِهِ الذين اصطفى  ﴾ وفي القرآن من هذا الجنس كثير.

أما لفظ السلام بالألف واللام، فإنما جاء من الأنبياء عليهم السلام، كقول موسى عليه السلام: ﴿ قَدْ جئناك بِئَايَةٍ مّن رَّبّكَ والسلام على مَنِ اتبع الهدى  ﴾ وأما في سورة مريم فلما ذكر الله يحيى عليه السلام قال: ﴿ وسلام عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ  ﴾ وهذا السلام من الله تعالى، وفي قصة عيسى عليه السلام قال: ﴿ والسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ  ﴾ وهذا كلام عيسى عليه السلام.

فثبت بهذه الوجوه أن قوله: سلام عليك أكمل من قوله: السلام عليك فلهذا السبب اختار الشافعي رحمه الله في قراءة التشهد قوله: سلام عليك أيها النبي على سبيل التنكير، ومن لطائف السلام أنه لا شك أن هذا العالم معدن الشرور والآفات والمحن والمخالفات، واختلف العلماء الباحثون عن أسرار الأخلاق، أن الأصل في جبلة الحيوان الخير أو الشر؟

فمنهم من قال: الأصل فيها الشر، وهذا كالإجماع المنعقد بين جميع أفراد الإنسان، بل نزيد ونقول: إنه كالإجماع المنعقد بين جميع الحيوان، والدليل عليه أن كل إنسان يرى إنساناً يعدو إليه مع أنه لا يعرفه، فإن طبعه يحمله على الاحتراز عنه والتأهب لدفعه، ولولا أن طبعه يشهد بأن الأصل في الإنسان الشر، وإلا لما أوجبت فطرة العقل التأهب لدفع شر ذلك الساعي إليه، بل قالوا: هذا المعنى حاصل في كل الحيوانات، فإن كل حيوان عدا إليه حيوان آخر فر ذلك الحيوان الأول واحترز منه، فلو تقرر في طبعه أن الأصل في هذا الواصل هو الخير لوجب أن يقف، لأن أصل الطبيعة يحمل على الرغبة في وجدان الخير، ولو كان الأصل في طبع الحيوان أن يكون خيره وشره على التعادل والتساوي، وجب أن يكون الفرار والوقوف متعادلين، فلما لم يكن الأمر كذلك بل كل حيوان نوجه إليه حيوان مجهول الصفة عند الأول، فإن ذلك الأول يحترز عنه بمجرد فطرته الأصلية، علمنا أن الأصل في الحيوان هو الشر.

إذا ثبت هذا فنقول: دفع الشر أهم من جلب الخير، ويدل عليه وجوه: الأول: أن دفع الشر يقتضي إبقاء الأصل أهم من تحصيل الزائد.

والثاني: أن إيصال الخير إلى كل أحد ليس في الوسع، أما كف الشر عن كل أحد داخل في الوسع، لأن الأول فعل والثاني ترك، وفعل ما لا نهاية له غير ممكن، أما ترك ما لا نهاية له ممكن، والثالث: أنه إذا لم يحصل دفع الشر فقد حصل الشر، وذلك يوجب حصول الألم والحزن، وهو في غاية المشقة، وأما إذا لم يحصل أيضاً إيصال الخير بقي الإنسان لا في الخير ولا في الشر، بل على السلامة الأصلية، وتحمل هذه الحالة سهل.

فثبت أن دفع الشر أهم من إيصال الخير، وثبت أن الدنيا دار الشرور والآفات والمحن والبليات، وثبت أن الحيوان في أصل الخلقة وموجب الفطرة منشأ للشرور، وإذا وصل إنسان إلى إنسان كان أهم المهمات أن يعرفه أنه منه في السلامة والأمن والأمان، فلهذا السبب وقع الاصطلاح على أن يقع ابتداء الكلام بذكر السلام، وهو أن يقول سلام عليكم ومن لطائف قولنا سلام عليكم أن ظاهره يقتضي إيقاع السلام على جماعة، والأمر كذلك بحسب العقل، وبحسب الشرع.

أما بحسب الشرع فلأن القرآن دل على أن الإنسان لا يخلو عن جمع من الملائكة يحفظونه ويراقبون أمره، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَٰفِظِينَ  كِرَامًا كَٰتِبِينَ  ﴾ والعقل أيضاً يدل عليه، وذلك لأن الأرواح البشرية أنواع مختلفة، فبعضها أرواح خيرة عاقلة، وبعضها كدرة خبيثة، وبعضها شهوانية، وبعضها غضبية، ولكل طائفة من طوائف الأرواح البشرية السفلية روح علوي قوي يكون كالأب لتلك الأرواح البشرية، وتكون هذه الأرواح بالنسبة إلى ذلك الروح العلوي كالأبناء بالنسبة إلى الأب، وذلك الروح العلوي هو الذي يخصها بالإلهامات، تارة في اليقظة، وتارة في النوم.

وأيضاً الأرواح المفارقة عن أبدانها المشاكلة لهذه الأرواح في الصفات والطبيعة والخاصية.

يحصل لها نوع تعلق بهذا البدن بسبب المشاكلة والمجانسة، وتصير كالمعاونة لهذه الروح على أعمالها إن خيراً فخير وأن شراً فشر.

وإذا عرفت هذا السر فالإنسان لابد وأن يكون مصحوباً بتلك الأرواح المجانسة له، فقوله: سلام عليكم إشارة إلى تسليم هذا الشخص المخصوص على جميع الأرواح الملازمة المصاحبة إياه بسبب المصاحبة الروحانية.

ومن لطائف هذا الباب أن الأرواح الإنسانية إذا اتصفت بالمعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة، وقويت وتجردت، ثم قوي تعلق بعضها ببعض انعكس أنوارها بعضها على بعض على مثال المرآة المشرقة المتقابلة.

فلهذا السبب فإن من أراد أن يقرأ وظيفة على أستاذه فالأدب أن يبدأ بحمد الله والثناء على الملائكة الأنبياء، ثم يدعو لأستاذه ثم يشرع في القراءة، والمقصود منها أن يقوي التعلق بين روحه وبين هذه الأرواح المقدسة الطاهرة، حتى أن بسبب قوة ذلك التعلق ربما ظهر شيء من أنوارها وآثارها في روح هذا الطالب، فيستقر في عقله من الأنوار الفائضة منها، ويقوي روحه بمدد ذلك الفيض على إدراك المعارف والعلوم.

إذا عرفت هذا فإذا قال لغيره: سلام عليكم حدث بينهما تعلق شديد، وحصل بسبب ذلك التعلق تطابق الأرواح وتعاكس الأنوار، ولنكتف بهذا القدر في هذا الباب، فإنا قد ذكرنا أن هذا الفصل أجنبي عن هذا الكلام، والله أعلم.

المسألة السادسة: قوله: ﴿ إنَّ صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ قال الواحدي: السكن في اللغة ما سكنت إليه، والمعنى: أن صلاتك عليهم توجب سكون نفوسهم إليك، وللمفسرين عبارات: قال ابن عباس رضي الله عنهما: دعاؤك رحمة لهم.

وقال قتادة: وقار لهم.

وقال الكلبي: طمأنينة لهم، وقال الفراء: إذا استغفرت لهم سكنت نفوسهم إلى أن الله تعالى قبل توبتهم.

وأقول: إن روح محمد عليه السلام كانت روحاً قوية مشرقة صافية باهرة، فإذا دعا محمد لهم وذكرهم بالخير فاضت آثار من قوته الروحانية على أرواحهم، فأشرقت بهذا السبب أرواحهم وصفت أسرارهم، وانتقلوا من الظلمة إلى النور، ومن الجسمانية إلى الروحانية، وتقريره ما تقدم في المسألة الخامسة.

ثم قال: ﴿ والله سَمِيعٌ ﴾ لقولهم: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بنياتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ أي لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا متذممين نادمين، وكانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن حزام.

وقيل: كانوا عشرة، فسبعة منهم أوثقوا أنفسهم: بلغهم ما نزل في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك، فأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل المسجد فصلى ركعتين- وكانت عادته صلى الله عليه وسلم كلما قدم من سفر- فرآهم موثقين، فسأل عنهم، فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلهم، فقال: وأنا أقسم أن لا أحلّهم حتى أومر فيهم، فنزلت، فأطلقهم وعذرهم، فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا، فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً، فنزلت: خذ من أموالهم ﴿ عَمَلاً صالحا ﴾ خروجاً إلى الجهاد ﴿ وَءَاخَرَ سَيِّئاً ﴾ تخلفاً عنه.

عن الحسن وعن الكلبي: التوبة والإثم.

فإن قلت: قد جعل كل واحد منهما مخلوطاً فما المخلوط به؟

قلت: كل واحد منهما مخلوط ومخلوط به؛ لأنّ المعنى خلط كل واحد منهما الآخر، كقولك: خلطت الماء واللبن، تريد: خلطت كل واحد منهما بصاحبه.

وفيه ما ليس في قولك: خلطت الماء باللبن؛ لأنّك جعلت الماء مخلوطاً واللبن مخلوطاً به، وإذا قلته بالواو وجعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطاً بهما، كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء، ويجوز أن يكون من قولهم: بعت الشاة شاة ودرهماً، بمعنى شاة بدرهم.

فإن قلت: كيف قيل: ﴿ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ وما ذكرت توبتهم؟

قلت: إذا ذكر اعترافهم بذنوبهم، وهو دليل على التوبة، فقد ذكرت توبتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ ولَمْ يَعْتَذِرُوا عَنْ تَخَلُّفِهِمْ بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ، وهم طائِفَةٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ أوْثَقُوا أنْفُسَهم عَلى سَوارِي المَسْجِدِ لَمّا بَلَغَهم ما نَزَلَ في المُتَخَلِّفِينَ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ  فَدَخَلَ المَسْجِدَ عَلى عادَتِهِ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ فَرَآهم فَسَألَ عَنْهم فَذُكِرَ لَهُ أنَّهم أقْسَمُوا أنْ لا يَحُلُّوا أنْفُسَهم حَتّى تَحُلَّهم فَقالَ: وأنا أُقْسِمُ أنْ لا أحُلَّهم حَتّى أُومَرَ فِيهِمْ فَنَزَلَتْ فَأطْلَقُهم.

﴿ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ﴾ خَلَطُوا العَمَلَ الصّالِحَ الَّذِي هو إظْهارُ النَّدَمِ والِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ بِآخَرَ سَيِّئٍ هو التَّخَلُّفُ ومُوافَقَةُ أهْلِ النِّفاقِ، والواوُ إمّا بِمَعْنى الباءِ كَما في قَوْلِهِمْ: بِعْتُ الشّاءَ شاةً ودِرْهَمًا.

أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مَخْلُوطٌ بِالآخَرِ.

﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهم وهي مَدْلُولٌ عَلَيْها بِقَوْلِهِ ﴿ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ .

﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يَتَجاوَزُ عَنِ التّائِبِ ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وآخرون} أي قوم آخرون سوى المذكورين {اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ} أي لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا نادمين وكانوا عشرة فسبعة منهم لما بلغهم ما نزل في المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد فصلى ركعتين وكانت عادته كلما قدم من سفر فرآهم موثقين فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلهم فقال وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم فنزلت فأطلقهم فقالوا يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا فقال ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزل {خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً} {خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا} خروجا إلى الجهاد {وآخر سَيِّئاً} تخلفاً عنه أو التوبة والإثم وهو من قولهم بعت الشاء شاة ودرهما فالواو بمعنى الباء لأن الواو للجمع والباء للإلصاق فيتناسبان أو المعنى خلط كل واحد منهما بالآخر فكل واحد منهما مخلوط ومخلوط به كقولك خلطت الماء واللبن تريد خلطت كل واحد منهما بصاحبه بخلاف قولك خلطت الماء باللبن لأنك جعلت الماء مخلوطاً واللبن مخلوطاً به وإذا قلته بالواو فقد جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطاً بهما كأنك قلت خلطت الماء باللبن واللبن بالماء {عَسَى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم}

التوبة (١٠٣ _ ١٠٦)

ولم يذكر توبتهم لأنه ذكر اعترافهم بذنوبهم وهو دليل على التوبة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وآخَرُونَ ﴾ بَيانٌ لِحالِ طائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ضَعِيفَةِ الهِمَمِ في أمْرِ الدِّينِ ولَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ عَلى الصَّحِيحِ.

وقِيلَ: هم طائِفَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ إلّا أنَّهم وُفِّقُوا لِلتَّوْبَةِ فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قِيلَ: وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿ خَلَطُوا ﴾ وهي حالٌ بِتَقْدِيرِ - قَدْ - والخَبَرُ جُمْلَةُ ﴿ عَسى اللَّهُ ﴾ إلخ، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ مُنافِقُونَ ﴾ أيْ ومِنهم يَعْنِي مِمَّنْ حَوْلَكم أوْ مِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴿ اعْتَرَفُوا ﴾ أيْ أقَرُّوا عَنْ مَعْرِفَةٍ ﴿ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ الَّتِي هي تُخَلِّفُهم عَنِ الغَزْوِ وإيثارِ الدَّعَةِ عَلَيْهِ والرِّضا بِسُوءِ جِوارِ المُنافِقِينَ ولَمْ يَعْتَذِرُوا بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ المُؤَكَّدَةِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ وكانُوا عَلى ما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وغَيْرِهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَشَرَةٌ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَمّا حَضَرَ رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنهم أنْفُسُهِمْ بِسَوارِي المَسْجِدِ وكانَ مَمَرُّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا رَجَعَ في المَسْجِدِ عَلَيْهِمْ فَلَمّا رَآهم قالَ: مَن هَؤُلاءِ المُوثِقُونَ أنْفُسَهُمْ؟

قالُوا: هَذا أبُو لُبابَةَ وأصْحابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وقَدْ أقْسَمُوا أنْ لا يُطْلِقُوا أنْفُسَهم حَتّى تَكُونَ أنْتَ الَّذِي تُطْلِقُهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: وأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ تَعالى لا أُطْلِقُهم ولا أعْذُرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُطْلِقُهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ فَأرْسَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِمْ فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم» وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدٍ أنَّهم كانُوا ثَمانِيَةً ورُوِيَ أنَّهم كانُوا خَمْسَةً والرِّواياتُ مُتَّفِقَةٌ عَلى أنَّ أبا لُبابَةَ بْنَ عَبْدِ المُنْذِرِ مِنهم ﴿ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا ﴾ خُرُوجًا إلى الجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ وآخَرَ سَيِّئًا ﴾ تَخَلَّفا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الأوَّلَ التَّوْبَةُ والثّانِيَ الإثْمُ، وقِيلَ: العَمَلُ الصّالِحُ يَعُمُّ جَمِيعَ البِرِّ والطّاعَةِ والسَّيِّئُ ما كانَ ضِدَّهُ والخَلْطُ المَزْجُ وهو يَسْتَدْعِي مَخْلُوطًا ومَخْلُوطًا بِهِ والأوَّلُ هُنا هو الأوَّلُ والثّانِي هو الثّانِي عِنْدَ بَعْضٍ والواوُ بِمَعْنى الباءِ كَما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: بِعْتُ الشّاءَ شاةً ودِرْهَمًا وهو مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّ الباءَ لِلْإلْصاقِ والواوَ لِلْجَمْعِ وهُما مِن وادٍ واحِدٍ ونَقَلَ شارِحُ اللُّبابِ عَنِ ابْنِ الحاجِبِ أنَّ أصْلَ المِثالِ بِعْتُ الشّاءَ شاةً بِدِرْهَمٍ أيْ مَعَ دِرْهَمٍ ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ فَأبْدَلُوا مِن باءِ المُصاحَبَةِ واوًا فَوَجَبَ أنْ يُعْرَبَ ما بَعْدَها بِإعْرابِ ما قَبْلَها كَما في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ.

وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ لِأنَّ المَعْنى خَلَطَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ كَقَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ تُرِيدُ خَلَطْتُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِصاحِبِهِ، وفِيهِ ما لَيْسَ في قَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ لِأنَّكَ جَعَلْتَ الماءَ مَخْلُوطًا واللَّبَنَ مَخْلُوطًا بِهِ وإذا قُلْتَهُ بِالواوِ وجَعَلْتَ الماءَ واللَّبَنَ مَخْلُوطَيْنِ ومَخْلُوطًا بِهِما كَأنَّكَ قُلْتَ: خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ والبُنَّ بِالماءِ وحاصِلُهُ أنَّ المَخْلُوطَ بِهِ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الخَلْطِينَ هو المَخْلُوطُ في الآخَرِ لِأنَّ الخَلْطَ لَمّا اقْتَضى مَخْلُوطًا بِهِ فَهو إمّا الآخَرُ أوْ غَيْرُهُ والثّانِي مُنْتَفٍ بِالأصْلِ والقَرِينَةِ لِدَلالَةِ سِياقِ الكَلامِ إذا قِيلَ: خَلَطْتُ هَذا وذاكَ عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: خَلَطْتُ أحَدَهُما بِالآخَرِ إذْ فِيهِ خَلْطٌ واحِدٌ وفي الواوِ خَلْطانِ واعْتَرَضَ بِأنَّ خَلْطَ أحَدِهِما بِالآخَرِ يَسْتَلْزِمُ خَلْطَ الآخَرِ بِهِ فَفي كُلٍّ مِنَ الواوِ والباءِ خَلْطانِ فَلا فَرْقَ، وأُجِيبُ بِأنَّ الواوَ تُفِيدُ الخَلْطِينَ صَرِيحًا بِخِلافِ الباءِ فالفَرْقُ مُتَحَقِّقٌ وفِيهِ تَسْلِيمُ حَدِيثِ الِاسْتِلْزامِ ولا يَخْفى أنَّ فِيهِ خَلْطًا حَيْثُ لَمَّ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْنَ الخَلْطِ والِاخْتِلاطِ، والحَقُّ أنَّ اخْتِلاطَ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ بِالآخَرِ مُسْتَلْزِمٌ لِاخْتِلاطِ الآخَرِ بِهِ وأمّا خَلْطُ أحَدِهِما بِالآخَرِ فَلا يَسْتَلْزِمُ خَلْطَ الآخَرِ بِهِ لِأنَّ خَلْطَ الماءِ بِاللَّبَنِ مَعْناهُ أنْ يَقْصِدَ الماءَ أوَّلًا ويَجْعَلَ مَخْلُوطًا بِاللَّبَنِ وظاهِرُ أنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَقْصِدَ اللَّبَنَ أوَّلًا بَلْ يُنافِيهِ، فَعَلى هَذا مَعْنى خَلْطِ العَمَلِ الصّالِحِ بِالسَّيِّئِ أنَّهم أتَوْا أوَّلًا بِالصّالِحِ ثُمَّ اسْتَعْقَبُوهُ سَيِّئًا ومَعْنى خَلَطَ السَّيِّئَ بِالصّالِحِ أنَّهم أتَوْا أوَّلًا بِالسَّيِّئِ ثُمَّ أرْدَفُوهُ بِالصّالِحِ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ السَّكّاكِيِّ حَيْثُ جَعَلَ تَقْدِيرَ الآيَةَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا بِسَيِّئٍ وآخَرَ سَيِّئًا بِصالِحٍ أيْ تارَةً أطاعُوا وأحْبَطُوا الطّاعَةَ بِكَبِيرَةٍ وأُخْرى عَصَوْا وتَدارَكُوا المَعْصِيَةَ بِالتَّوْبَةِ وهو ظاهِرٌ في أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ والسَّيِّئَ في أحَدِ الخَلْطَيْنِ غَيْرُهُما في الخَلْطِ الآخَرِ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ ظاهِرٌ في اتِّحادِهِما وفِيهِ ما فِيهِ، ولِذَلِكَ رَجَّحَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ لَكِنَّ ما ذَكَرَهُ مِنَ الإحْباطِ مَيْلٌ إلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ ما في الآيَةِ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى الِاحْتِباكَ والأصْلُ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا بِآخَرَ سَيِّئٍ وخَلَطُوا شَيْئًا بِعَمَلٍ صالِحٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ واسْتَظْهَرَ ابْنُ المُنِيرِ كَوْنَ الخَلْطِ مُضَمَّنًا مَعْنى العَمَلِ والعُدُولِ عَنِ الباءِ لِذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَمِلُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا وأنا أخْتارُ أنَّ الخَلْطَ بِمَعْنى الجَمْعِ هُنا وإذا اعْتُبِرَ السِّياقُ وسَبَبُ النُّزُولِ يَكُونُ المُرادُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ الِاعْتِرافَ بِالذُّنُوبِ مِنَ التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ وما مَعَهُ مِنَ السَّيِّئِ تِلْكَ الذُّنُوبِ أنْفُسِها ويَكُونُ المَقْصُودُ بِالجَمْعِ المُتَوَجَّهِ إلَيْهِ أوَّلًا بِالضَّمِّ هو الِاعْتِرافُ والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالخَلْطِ لِلْإشارَةِ إلى وُقُوعِ ذَلِكَ الِاعْتِرافِ عَلى الوَجْهِ الكامِلِ حَتّى كَأنَّهُ تَخَلَّلَ الذُّنُوبَ وغَيَّرَ صِفَتَها وإذا لَمْ يُعْتَبَرْ سَبَبُ النُّزُولِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ الِاعْتِرافُ بِالذُّنُوبِ مُطْلَقًا ومِنَ السَّيِّئِ الذُّنُوبُ كَذَلِكَ وتَمامُ الكَلامِ بِحالِهِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ والسَّيِّئِ ما صَدَرَ مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ مُطْلَقًا ولَعَلَّ المُتَوَجَّهَ إلَيْهِ أوْلى عَلى هَذا أيْضًا لِيَجْمَعَ العَمَلَ الصّالِحَ إذْ بِضَمِّهِ يُفْتَحُ بابُ الخَيْرِ فَفي الخَبَرِ: أتْبِعِ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ تَمْحُها.

وقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمُ الحَسَنَةَ فِيهِ عَلى مُطْلَقِها، وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: لَقِيَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَوْمًا حَبِيبَ ابْنَ مَسْلَمَةَ فَقالَ: يا حَبِيبُ رُبَّ مَسِيرٍ لَكَ في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: أمّا مَسِيرِي إلى أبِيكَ فَلَيْسَ مِن ذَلِكَ قالَ: بَلى ولَكِنَّكَ أطَعْتَ مُعاوِيَةَ عَلى دُنْيا قَلِيلَةٍ زائِلَةٍ فَلَئِنْ قامَ بِكَ في دُنْياكَ فَلَقَدْ قَعَدَ بِكَ في دِينِكَ ولَوْ كُنْتَ إذْ فَعَلْتَ شَرًّا فَعَلْتَ خَيْرًا كانَ ذَلِكَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ﴾ ولَكِنَّكَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ والتَّعْبِيرُ بِالخَلْطِ حِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّغْيِيرِ أيْضًا ورُبَّما يُرادُ بِالخَلْطِ مُطْلَقُ الجَمْعِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أوَّلِيَّةٍ في البَيْنِ والتَّعْبِيرُ بِالخَلْطِ لَعَلَّهُ لِمُجَرَّدِ الإيذانِ بِالتَّخَلُّلِ فَإنَّ الجَمْعَ لا يَقْتَضِيهِ ويَشْعُرُ بِهَذا الحَمْلِ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: إنِّي لَأسْتَلْقِي مِنَ اللَّيْلِ عَلى فِراشِي وأتَدَبَّرُ القُرْآنَ فَأعْرِضُ أعْمالِي عَلى أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَإذا أعْمالُهم شَدِيدَةٌ كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا فَلا أرانِي مِنهم فَأعْرِضُ نَفْسِي عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿ ما سَلَكَكم في سَقَرَ ﴾ ﴿ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾ فَأرى القَوْمَ مُكَذِّبِينَ فَلا أرانِي فِيهِمْ فَأمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ إلَخْ وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وأنْتُمْ يا إخْوَتاهُ مِنهُمْ، وكَذا ما أخْرَجاهُ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى عِنْدِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وآخَرُونَ ﴾ إلَخْ والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يُفْهَمْ مِنها صُدُورُ التَّوْبَةِ مِن هَؤُلاءِ الآخَرِينَ بَلْ ثَبَتَ لَهُمُ الحُكْمُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ مُطْلَقًا وإلّا فَهي وكَثِيرٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي في هَذا البابِ سَواءٌ وأرْجى مِنها عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهِ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ والمَشْهُورُ أنَّ الآيَةَ يُفْهَمُ مِنها ذَلِكَ لِأنَّ التَّوْبَةَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِمَعْنى قَبُولِ التَّوْبَةِ وهو يَقْتَضِي صُدُورَها عَنْهم فَكَأنَّهُ قِيلَ: وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا فَتابُوا عَسى إلَخْ وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ الِاعْتِرافَ دالًّا عَلى التَّوْبَةِ ولَعَلَّ ذَلِكَ لِما بَيْنَهُما مِنَ اللُّزُومِ عُرْفًا، وقالَ الشِّهابُ: لِأنَّهُ تَوْبَةٌ إذا اقْتَرَنَ بِالنَّدَمِ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، وفِيهِ أنَّ هَذا قَوْلٌ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ العامَّ لا يَدُلُّ عَلى الخاصِّ بِإحْدى الدَّلالاتِ الثَّلاثِ، وكَلِمَةُ ﴿ عَسى ﴾ لِلْأطْماعِ وهو مِن أكْرَمِ الأكْرَمِينَ إيجابٌ وأيُّ إيجابٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 102﴾ تَعْلِيلٌ لِما أفادَتْهُ مِن وُجُوبِ القَبُولِ ولَيْسَ هو الوُجُوبَ الَّذِي يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ كَما لا يَخْفى أيْ أنَّهُ تَعالى كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ يَتَجاوَزُ عَنِ التّائِبِ ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ، يعني: الأعراب الذين حوالي المدينة.

وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وهو عبد الله بن أُبي وأصحابه مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ، يعني: مرنوا وثبتوا على النفاق، فلا يرجعون عنه ولا يتوبون.

لاَ تَعْلَمُهُمْ، يقول: لا تعرفهم أنت بسبب إيمانهم بالعلانية.

نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ، لأني عالم السر والعلانية، ونعلم نفاقهم، ونعرفك حالهم.

سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ قال مقاتل: أحد العذابين عند الموت: ضرب الملائكة الوجوه والأدبار، الثاني: عذاب القبر، وهو ضرب منكر ونكير.

وقال الكلبي: أوَل العذابين أنه أخرجهم من المسجد، والعذاب الثاني: عذاب القبر.

وروى أسباط بن النضر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الملك السدي: عن أبي مالك، عن ابن عباس أنه قال: قام  خطيباً يوم الجمعة، فقال: «يَا فُلانُ اخْرُجْ فَإنَّكَ مُنَافِقٌ» .

ثم قال: «يَا فُلانُ اخْرُجْ إنَّكَ مُنَافِقٌ» .

فأخرجهم بأسمائهم، وكان عمر لم يشهد الجمعة لحاجة كانت له، فلقيهم وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة، وظن أن الناس قد انصرفوا هم قد اختبئوا من عمر، وظنوا أنه قد علم بأمرهم، فدخل عمر المسجد فإذا الناس لم يصلوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشر يا عمر، قد فضح الله المنافقين، وهذا هو العذاب الأول، والعذاب الثاني: عذاب القبر (١) سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ، قال: الجوع والقتل، ويقال: القتل والسبي، وقال الحسن: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ، يعني: عذاب جهنم أعظم مما كان في الدنيا.

قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، يعني: بتخلفهم عن الغزو وهم: أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن خزام.

خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً، وهو التوبة، وَآخَرَ سَيِّئاً بتخلفهم عن غزوة تبوك.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: تخلف أبو لبابة عن غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية المسجد، ثم قال: والله لا أحل نفسي منها، ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ.

فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً، حتى كاد يخر مغشياً عليه، حتى تاب الله عليه فقيل له: قد تيب عليك، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله  هو الذي يحلني.

فجاء النبيّ  فحلّه بيده.

ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن انخلع من مالي كله صدقة لله تعالى ولرسوله.

فقال: «يُجْزِيكَ الثُّلُثُ يا أبا لُبَاَبَة» (٢) وروي عن الزهري، عن كعب بن مالك قال: أول أمر عتب على أبي لبابة أنه كان بينه وبين يتيم عذق، فاختصما إلى رسول الله  : فقضى به لأبي لبابة فبكى اليتيم، فقال له النبيّ  : «دعه» ، فأبى.

ثمّ قال: «فَأَعْطِهِ إيّاهُ وَلَكَ مثله في الجنة» .

قال: لا.

فانطلق أبو الدحداح، فقال لأبي لبابة: بعني هذا العذق بحديقتي قال: نعم.

ثم انطلق إلى رسول الله  فقال: يا رسول الله أرأيت إن أعطيت هذا اليتيم هذا العذق، ألي مثله في الجنة؟

قال: «نعم» .

فأعطاه إيّاه، قال وأشار أبو لبابة إلى بني قريظة حين نزلوا على حكم سعد بن معاذ.

وأشار إلى حلقه يعني: الذبح، وتخلف عن غزوة تبوك ثم تيب عليه، فذلك قوله: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وعسى من الله واجب أن يتجاوز عنهم.

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

(١) عزاه السيوطي: 4/ 273 إلى ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه.

(٢) عزاه السيوطي: 4/ 275 إلى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل و 4/ 276 إلى البيهقي عن سعيد بن المسيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مَرَنُوا عَلَيْه، ولَجُّوا فيه «١» ، وقيل غير هذا ممَّا هو قريبٌ منه.

وقال ابن زَيْد: قاموا عليه، لَمْ يَتُوبوا كما تاب الآخَرُون، والظاهر مِنَ اللفظة أنَّ التمرُّد في الشيء أو المُرُود عليه إِنما هو اللَّجَاج والاشتهار به، والعتوُّ على الزاجر، ورُكُوبُ الرأسِ في ذلك، وهو مستعملٌ في الشر لا في الخَيْر ومنه: شَيْطَانٌ مَرِيدٌ وَمَارِدٌ، وقال ابن العربيّ في «أحكامه» «٢» : مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ: أي: استمروا عليه، وتحقَّقوا به.

انتهى، ذكَره بعد قوله تعالى: الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً [التوبة: ١٠٧] .

ثم نفى عزَّ وجلَّ عِلْمَ نبيِّه لهم على التعْيين.

وقوله سبحانه: سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ: لفظ الآية يقتضي ثَلاَثَ مواطِنَ مِنَ العَذَابِ، ولا خلافَ بين المتأوِّلين أن العذاب العظيم الذي يُرَدُّون إِليه هو عذابُ الآخرةِ، وأكثرُ النَّاس أن العذاب المتوسِّط/ هو عذاب «٣» القبْر، واختُلِفَ في عذاب المَرَّة الأولَى: فقال ابنُ عبَّاس: عذابهم بإِقامة حدود الشَّرْع عليهم، مع كراهيتهم فيه «٤» .

وقال إسحاق: عذابُهم: هو هَمُّهم بظهورِ الإِسْلاَمِ، وَعُلُوِّ كَلِمَتِهِ «٥» .

وقال ابْنُ عباسٍ أيضاً- وهو الأشهر عنه-: عذابُهم هو فَضِيحَتُهُمْ وَوَصْمُهُمْ بالنِّفَاقِ «٦» .

وقيل غير هذا.

وقوله عزّ وجلّ:

وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ الآية.

قال ابْنُ عَبَّاسٍ، وأبو عثمان: هذه الآية في

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: «أنَّهم عَشْرَةُ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَمّا دَنا رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ  ، أوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسِوارَيِ المَسْجِدِ.

فَلَمّا رَآَهم رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَ "مِن هَؤُلاءِ"؟

قالُوا: هَذا أبُو لُبابَةَ وأصْحابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ، فَأقْسَمُوا بِاللَّهِ لا يُطْلِقُونَ أنْفُسَهم حَتّى تُطْلِقَهم أنْتَ وتُعَذِّرَهم، فَقالَ "وَأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أُطْلِقُهم ولا أُعَذِّرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُطْلِقُهم، رَغِبُوا عَنِّي وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ فَأطْلَقَهم وعَذَّرَهم،» رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى العَوْفِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا كانُوا سِتَّةً، فَأوْثَقَ أبُو لُبابَةَ نَفْسُهُ ورَجُلانِ مَعَهُ، وبَقِيَ ثَلاثَةٌ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، أطْلَقَهم رَسُولُ اللَّهِ  وعَذَّرَهم.» ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً: أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، وأوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ووَدِيعَةُ بْنُ خِذامٍ الأنْصارِيُّ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانُوا ثَمانِيَةً.

وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا أنَّهم كانُوا سَبْعَةً.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبانَةَ وحْدَهُ.

واخْتَلَفُوا في ذَنْبِهِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خانَ اللَّهَ ورَسُولَهُ بِإشارَتِهِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ شاوَرُوهُ في النُّزُولِ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ أنَّهُ الذَّبْحُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَدْ شَرَحْناهُ في (الأنْفالِ:٢٧) .

والثّانِي: أنَّهُ تَخَلُّفُهُ عَنْ تَبُوكَ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

فَأمّا الِاعْتِرافُ، فَهو الإقْرارُ بِالشَّيْءِ عَنْ مَعْرِفَةٍ.

والِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ أدْعى إلى صِدْقِ التَّوْبَةِ والقَبُولِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وضَعَ الواوَ مَكانَ الباءِ، والمَعْنى: بِآَخَرَ سَيِّئٍ، كَما تَقُولُ: خَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ.

وَفِي ذَلِكَ العَمَلِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ: ما سَبَقَ مِن جِهادِهِمْ، والسَّيِّئُ: التَّأخُّرُ عَنِ الجِهادِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ: تَوْبَتُهم والسَّيِّئُ: تُخَلُّفُهم، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

وفي قَوْلِهِ "عَسى" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ واجِبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ تَرْدِيدٌ لَهم بَيْنَ الطَّمَعِ والإشْفاقِ، وذَلِكَ يَصُدُّ عَنِ اللَّهْوِ والإهْمالِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ المَعْنى: ومِن هَذِهِ الطَوائِفِ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -فِيما رُوِيَ عنهُ- وأبُو عُثْمانَ: هي في الأعْرابِ، وهي عامَّةٌ في الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فِيمَن لَهُ أعْمالٌ صالِحَةٌ وسَيِّئَةٌ، فَهي آيَةٌ تَرَجٍّ عَلى هَذا، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ هَذا عن حَجّاجِ بْنِ أبِي زَيْنَبَ قالَ: سَمِعْتُ أبا عُثْمانَ يَقُولُ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى عِنْدِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ ، وقالَ قَتادَةُ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي لُبابَةَ الأنْصارِيِّ خاصَّةً في شَأْنِهِ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ كَلَّمَهم في النُزُولِ عَلى حُكْمِ اللهِ ورَسُولِهِ، وأشارَ هو لَهم إلى حَلْقِهِ يُرِيدُ أنَّ النَبِيَّ  يَذْبَحُهم إنْ نَزَلُوا، فَلَمّا افْتُضِحَ تابَ ونَدِمَ ورَبَطَ نَفْسَهُ في سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ، وأقْسَمَ ألّا يَطْعَمَ ولا يَشْرَبَ حَتّى يَعْفُوَ اللهُ عنهُ أو يَمُوتَ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ حَتّى عَفا اللهُ عنهُ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأمَرَ رَسُولُ اللهِ  بِحَلِّهِ، ذَكَرَ هَذا الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ، وذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ في كِتابِ السِيَرِ أوعَبَ وأتْقَنَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ عَظِيمَةٌ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَأْنِ المُتَخَلِّفِينَ عن غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكانَ "عَمَلُهُمُ السَيِّئُ" التَخَلُّفَ بِإجْماعٍ مِن أهْلٍ هَذِهِ المَقالَةِ، واخْتَلَفُوا في "الصالِحِ" فَقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: الِاعْتِرافُ والتَوْبَةُ والنَدَمُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ "الصالِحُ" غَزْوُهم فِيما سَلَفَ مِن غَزْوِ النَبِيِّ  ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ في عَدَدِ القَوْمِ الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ رَبَطَ مِنهم أنْفُسَهم سَبْعَةٌ، وبَقِيَ الثَلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا دُونَ رَبْطٍ المَذْكُورُونَ بَعْدَ هَذا، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانُوا ثَمانِيَةً مِنهم كَرَدْمُ، ومِرْداسٌ، وأبُو قَيْسٍ، وأبُو لُبابَةَ.

وقالَ قَتادَةُ: كانُوا سَبْعَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وفِرْقَةٌ: كانُوا خَمْسَةً، وكُلُّهم قالَ: كانَ فِيهِمْ أبُو لُبابَةَ، وذَكَرَ قَتادَةُ فِيهِمُ الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ، وهو -فِيما أعْلَمُ- وهْمٌ لِأنَّ الجِدَّ لَمْ يَكُنْ تُرْوَ لَهُ تَوْبَةٌ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: "وَآخَرَ" فَهو بِمَعْنى "بِآخَرَ" وهُما مُتَقارِبانِ.

و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ.

ورُوِيَ في خَبَرِ الَّذِينَ رَبَطُوا أنْفُسَهم «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا دَخَلَ المَسْجِدَ فَرَآهم قالَ: "ما بالُ هَؤُلاءِ؟" فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم تابُوا وأقْسَمُوا ألّا يَنْحَلُّوا حَتّى يَحُلَّهم رَسُولُ اللهِ  ويَعْذُرَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "وَأنا واللهِ لا أحُلُّهم ولا أعْذُرُهم إلّا أنْ يَأْمُرَنِي اللهُ بِذَلِكَ، فَإنَّهم تَخَلَّفُوا عَنِّي وتَرَكُوا جِهادَ الكُفّارِ مَعَ المُؤْمِنِينَ"»، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ «أنَّ أبا لُبابَةَ والجَماعَةَ التائِبَةَ الَّتِي رَبَطَتْ أنْفُسَها وهي المَقْصُودَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ﴾ جاءَتْ رَسُولَ اللهِ  لَمّا تِيبَ عَلَيْها فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، إنّا نُرِيدُ أنْ نَتَصَدَّقَ بِأمْوالِنا زِيادَةً في تَوْبَتِنا، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "إنِّي لا أعْرِضُ لِأمْوالِكم إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللهِ"، فَتَرَكَهم حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» فَهُمُ المُرادُ بِها، فَرُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  أخَذَ ثُلُثَ أمْوالِهِمْ مُراعاةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن أمْوالِهِمْ ﴾ ، فَهَذا هو الَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ أقْوالُ المُتَأوِّلِينَ، ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ.

وَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، فَقَوْلُهُ -عَلى هَذا-: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ ﴾ ضَمِيرُهُ لِجَمِيعِ الناسِ، وهو عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ إذْ يَخْرُجُ مِنَ الأمْوالِ الأنْواعُ الَّتِي لا زَكاةَ فِيها كالثِيابِ والرُباعِ ونَحْوِهِ، والضَمِيرُ الَّذِي في "أمْوالِهِمْ" أيْضًا كَذَلِكَ عُمُومٌ يُرادُ بِهِ خُصُوصٌ إذْ يَخْرُجُ مِنهُ العَبِيدُ وسِواهُمْ، وقَوْلُهُ: "صَدَقَةً" مُجْمَلٌ يَحْتاجُ إلى تَفْسِيرٍ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الإمامَ يَتَوَلّى أخْذَ الصَدَقاتِ ويَنْظُرُ فِيها، و"مِن" في هَذِهِ الآيَةِ لِلتَّبْعِيضِ، هَذا أقْوى وُجُوهِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها ﴾ أحْسَنُ ما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأفْعالُ مُسْنَدَةً إلى ضَمِيرِ النَبِيِّ  ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "خُذْ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في صِفَةِ الصَدَقَةِ، وهَذا مُتَرَجِّحٌ بِحَسَبِ رَفْعِ الفِعْلِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ "بِها" أيْ: بِنَفْسِها، أيْ: يَقَعُ تَطْهِيرُهم مِن ذُنُوبِهِمْ بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "تُطَهِّرُهُمْ" صِفَةً "لِلصَّدَقَةِ"، و"تُزَكِّيهِمْ" مُسْنَدًا إلى النَبِيِّ  ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الصَدَقَةِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ لِأنَّها حالُ نَكِرَةٍ، وحَكى مَكِّيٌّ أنْ يَكُونَ "تُطَهِّرُهُمْ" مِن صِفَةِ الصَدَقَةِ، وقَوْلُهُ: "وَتُزَكِّيهِمْ" حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "خُذْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَرْدُودٌ لِمَكانِ واوِ العَطْفِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَقَدَّرُ: "خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً مُطَهِّرَةً ومُزَكِّيًا بِها"، وهَذا فاسِدُ المَعْنى، ولَوْ لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ واوُ العَطْفِ جازَ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تُطْهِرْهُمْ" بِسُكُونِ الطاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ مَعْناهُ: ادْعُ لَهم فَإنَّ في دُعائِكَ لَهم سُكُونًا لِأنْفُسِهِمْ وَطُمَأْنِينَةً ووَقارًا، فَهَذِهِ عِبارَةٌ عن صَلاحِ المُعْتَقَدِ.

وحَكى مَكِّيٌّ، والنَحّاسُ، وغَيْرُهُما أنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وهْمٌ بَعِيدٌ، وذَلِكَ أنَّ تِلْكَ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ لَهم حُكْمُ الكافِرِينَ، وهَذِهِ في التائِبِينَ مِنَ التَخَلُّفِ الَّذِينَ لَهم حُكْمُ المُؤْمِنِينَ، فَلا تَناسُخَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "إنَّ صَلَواتِكَ" بِالجَمْعِ، وكَذَلِكَ في "هُودٍ" وفي "المُؤْمِنِينَ"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنَّ صَلاتَكَ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ في "هُودٍ" وفي "المُؤْمِنِينَ"، وقَرَأ عاصِمٌ في "المُؤْمِنَيْنِ" وحْدَها جَمْعًا، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في سُورَةِ "الأنْعامِ" و"سَألَ سائِلٌ"، وهو مَصْدَرٌ أفْرَدَتْهُ فِرْقَةٌ وجَمَعَتْهُ فِرْقَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: سَمِيعٌ أيْ: لِدُعائِكَ، عَلِيمٌ أيْ بِمَن يَهْدِي ويَتُوبُ عَلَيْهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَقْتَضِيهِ هاتانِ الصِفَتانِ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الدُعاءِ والِاسْتِغْفارِ لَهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ﴿ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ : رَحْمَةٌ لَهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: ﴿ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ أيْ: وقارٌ لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما مَعْناهُ أنَّ مَن يَدْعُو لَهُ النَبِيُّ  فَإنَّهُ تَطِيبُ نَفْسُهُ ويَقْوى رَجاؤُهُ، ويُرْوى أنَّهُ قَدْ صَحَّتْ وسِيلَتُهُ إلى اللهِ تَعالى وهَذا بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأظهر أن جملة: ﴿ وءاخرون اعترفوا ﴾ عطف على جملة: ﴿ وممن حولكم ﴾ [التوبة: 101]، أي وممن حولكم من الأعراب منافقون، ومن أهل المدينة آخرون أذْنبوا بالتخلف فاعترفوا ﴿ اعترفوا بذنوبهم ﴾ بذنوبهم بالتقصير.

فقوله: إيجاز لأنه يدل على أنهم أذنبوا واعترفوا بذنوبهم ولم يكونوا منافقين لأن التعبير بالذنوب بصيغة الجمع يقتضي أنها أعمال سيئة في حالة الإيمان، وكذلك التعبير عن ارتكاب الذنوب بخلط العمل الصالح بالسيّئ.

وكان من هؤلاء جماعة منهم الجِد بن قيس، وكردم، وأرس بن ثعلبة، ووديعة بن حزام، ومرداس، وأبو قيس، وأبو لُبابة في عشرة نفر اعترفوا بذنبهم في التخلف عن غزوة تبوك وتابوا إلى الله وربطوا أنفسهم في سوارى المسجد النبوي أياماً حتى نزلت هذه الآية في توبة الله عليهم.

والاعتراف: افتعال من عَرف.

وهو للمبالغة في المعرفة، ولذلك صار بمعنى الإقرار بالشيء وترك إنكاره، فالاعتراف بالذنب كناية عن التوبة منه، لأن الإقرار بالذنب الفائت إنما يكون عند الندم والعزم على عدم العود إليه، ولا يُتصور فيه الإقلاع الذي هو من أركان التوبة لأنه ذنب مضى، ولكن يشترط فيه العزم على أن لا يعود.

وخلطهم العمل الصالح والسيّئ هو خلطهم حسنات أعمالهم بسيئات التخلف عن الغزو وعدم الإنفاق على الجيش.

وقوله: ﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ جاء ذكر الشيئين المختلطين بالعطف بالواو على اعتبار استوائهما في وقوع فعل الخلط عليهما.

ويقال: خلط كذا بكذا على اعتبار أحد الشيئين المختلطين متلابسين بالخلط، والتركيبان متساويان في المعنى، ولكن العطف بالواو أوضح وأحسن فهو أفصح.

وعسى: فعل رجاء.

وهي من كلام الله تعالى المخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم فهي كناية عن وقوع المرجو، وأن الله قد تاب عليهم؛ ولكن ذكر فعل الرجاء يستتبع معنى اختيار المتكلم في وقوع الشيء وعدم وقوعه.

ومعنى: ﴿ أن يتوب عليهم ﴾ أي يقبل توبتهم، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ﴾ في سورة البقرة (37).

وجملة: إن الله غفور رحيم} تذييل مناسب للمقام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّهم سَبْعَةٌ مِنَ الأنْصارِ مِنهم أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، وأوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ووَدِيعَةُ بْنُ حِزامٍ، كانُوا مِن جُمْلَةِ العَشَرَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في غَزاةِ تَبُوكَ، فَرَبَطُوا أنْفُسَهم لَمّا نَدِمُوا عَلى تَأخُّرِهِمْ إلى سَوارِي المَسْجِدِ لِيُطْلِقَهم رَسُولُ اللَّهِ  إنْ عَفا عَنْهم، فَلَمّا عادَ رَسُولُ اللَّهِ  مَرَّ بِهِمْ وكانُوا عَلى طَرِيقَةٍ فَسَألَ عَنْهم فَأخْبَرَ بِحالِهِمْ فَقالَ: (لا أعْذُرُهم ولا أُطْلِقُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِيَ يَعْذُرُهم ويُطْلِقُهُمْ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ فَأطْلَقَهم»، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ أبُو لُبابَةَ وحْدَهُ قالَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ أرادُوا النُّزُولَ عَلى حُكْمِ النَّبِيِّ  : إنَّهُ ذابِحُكم إنْ نَزَلْتُمْ عَلى حُكْمِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أ َحَدُها: أنَّ الصّالِحَ: الجِهادُ، والسَّيِّئَ، التَّأخُّرُ عَنْهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّ السَّيِّئَ: الذَّنْبُ والصّالِحَ: التَّوْبَةُ، قالَهُ بَعْضُ التّابِعِينَ.

الثّالِثُ: ما قالَهُ الحَسَنُ: ذَنْبًا وسُوطًا لا ذاهِبًا فَرُوطًا، ولا ساقِطًا سُقُوطًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ قال: «كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما حضر رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم، فلما رآهم قال: من هؤلاء الموثقون أنفسهم؟

قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله، أوثقوا أنفسهم وحلفوا أنهم لا يطلقهم أحد حتى يطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم ويعذرهم.

قال: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا.

فأنزل الله عز وجل ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم ﴾ وعسى من الله وإنه هو التوّاب الرحيم، فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم، فجاؤوا بأموالهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا.

قال: ما أمرت أن آخذ أموالكم.

فأنزل الله عز وجل ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ﴾ يقول: استغفر لهم ﴿ إن صلواتك سكن لهم ﴾ يقول: رحمة لهم، فأخذ منهم الصدقة واستغفر لهم، وكان ثلاثة نفر منهم لم يوثقوا أنفسهم بالسواري فأرجئوا سنة لا يدرون أيعذبون أو يتاب عليهم؟

فأنزل الله عز وجل ﴿ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ﴾ [ التوبة: 117] إلى آخر الآية ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ [ التوبة: 118] إلى ﴿ ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم ﴾ [ التوبة: 118] يعني إن استقاموا» .

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه.

مثله سواء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن مجاهد في قوله: ﴿ فاعترفوا بذنوبهم ﴾ قال: هو أبو لبابة إذ قال لقريظة ما قال، وأشار إلى حلقه بأن محمداً يذبحكم إن نزلتم على حكمه.

وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب.

أن بني قريظة كانوا حلفاء لأبي لبابة فاطلعوا إليه وهو يدعوهم إلى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا لبابة أتأمرنا أن ننزل؟

فأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح، فأخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أحسبت أن الله غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك؟

فلبث حيناً حتى غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك- وهي غزوة العسرة- فتخلف عنه أبو لبابة فيمن تخلف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها جاءه أبو لبابة يسلم عليه، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففزع أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أم سلمة سبعاً من بين يوم وليلة في حر شديد لا يأكل فيهن ولا يشرب قطرة، قال: لا يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا أو يتوب الله عليَّ.

فلم يزل كذلك حتى ما يسمع الصوت من الجهد ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه بكرة وعشية، ثم تاب الله عليه فنودي أن الله قد تاب عليك، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطلق عنه رباطه، فأبى أن يطلقه أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقه عنه بيده، فقال أبو لبابة حين أفاق: يا رسول الله إني أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وانتقل إليك فأساكنك، وإني أختلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فقال: يجزي عنك الثلث.

فهجر أبو لبابة دار قومه وساكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصدق بثلث ماله ثم تاب، فلم ير منه في الإِسلام بعد ذلك إلا خيراً حتى فارق الدنيا» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة تبوك، فتخلف أبو لبابة ورجلان معه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن أبا لبابة ورجلين معه تفكروا وندموا وأيقنوا بالهلكة، وقالوا: نحن في الظل والطمأنينة مع النساء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه في الجهاد، والله لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقنا ويعذرنا، فانطلق أبو لبابة فأوثق نفسه ورجلان معه بسواري المسجد وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته وكان طريقه في المسجد، فمر عليهم فقال: من هؤلاء الموثقون أنفسهم بالسواري؟

فقال رجل: هذا أبو لبابة وصاحبان له تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاهدوا الله لا يطلقون أنفسهم حتى تكون الذي أنت تطلقهم وترضى عنهم وقد اعترفوا بذنوبهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا أطلقهم حتى أُؤْمَر بإطلاقهم، ولا أعذرهم حتى يكون الله يعذرهم وقد تخلفوا ورغبوا عن المسلمين بأنفسهم وجهادهم، فأنزل الله تعالى ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم ﴾ الآية.

وعسى من الله واجب، فلما نزلت الآية أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذرهم، فانطلق أبو لبابة وصاحباه بأموالهم، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: خذ من أموالنا فتصدق بها عنا وصل علينا.

يقولون: استغفر لنا وطهرنا.

فقال: لا آخذ منها شيئاً حتى أومر به.

فأنزل الله: ﴿ خذ من أموالهم صدقة...

﴾ الآية.

قال: وبقي الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة ولم يتوبوا ولم يذكروا بشيء ولم ينزل عذرهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وهم الذين قال الله: ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله ﴾ [ التوبة: 106] الآية.

فجعل الناس يقولون: هلكوا إذا لم ينزل لهم عذر، وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يتوب عليهم.

فصاروا مرجئين لأمر الله حتى نزلت ﴿ لقد تاب الله على النبي ﴾ [ التوبة: 117] إلى قوله: ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ [ التوبة: 118] يعني المرجئين لأمر الله، نزلت عليهم التوبة فعملوا بها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم ﴾ قال: هم الثمانية الذين ربطوا أنفسهم بالسواري، منهم كردم ومرداس وأبو لبابة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ قال: ذكر لنا أنهم كانوا سبعة رهط تخلفوا عن غزوة تبوك، منهم أربعة خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً: جد بن قيس، وأبو لبابة، وحرام، وأوس، كلهم من الأنصار تيب عليهم، وهم الذين قيل ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ قال: غزوهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وآخر سيئاً ﴾ قال تخلفهم عنه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في التوبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي عثمان النهدي قال: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله: ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ الآية.

وأخرج أبو الشيخ والبيهقي عن مطرف قال: إني لاستلقي من الليل على فراشي وأتدبر القرآن، فأعرض أعمالي على أعمال أهل الجنة فإذا أعمالهم شديدة ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ﴾ [ الذاريات: 17] .

﴿ يبيتون لربهم سجداً وقياماً ﴾ [ الفرقان: 64] .

﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً ﴾ [ الزمر: 9] فلا أراني منهم...

!

فأعرض نفسي على هذه الآية ﴿ ما سلككم في سقر ﴾ ﴿ قالوا لم نك من المصلين ﴾ [ المدثر: 42- 46] إلى قوله: ﴿ نكذب بيوم الدين ﴾ فأرى القوم مكذبين فلا أراني منهم، فأمر بهذه الآية ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ فأرجو أن أكون أنا وأنتم يا اخوتاه منهم.

وأخرج أبو الشيخ وابن منده وأبو نعيم في المعرفة وابن عساكر بسند قوي عن جابر بن عبد الله قال: «كان ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ستة: أبو لبابة، وأوس بن جذام، وثعلبة بن وديعة، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية.

فجاء أبو لبابة، وأوس بن جذام، وثعلبة، فربطوا أنفسهم بالسواري، وجاؤوا بأموالهم فقالوا: يا رسول الله، خذ هذا الذي حبسنا عنك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أحلهم حتى يكون قتال.

فنزل القران ﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً...

﴾ الآية.

وكان ممن أرجئ عن التوبة وخلف كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية.

فأرجئوا أربعين يوماً، فخرجوا وضربوا فساطيطهم، واعتزلهم نساؤهم، ولم يتولهم المسلمون ولم يقربوا منهم، فنزل فيهم ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ [ التوبة: 118] إلى قوله: ﴿ التوّاب الرحيم ﴾ [ التوبة: 118] فبعثت أم سلمة إلى كعب فبشرته» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال: قال الأحنف بن قيس: عرضت نفسي على القرآن فلم أجدني بآية أشبه مني بهذه الآية ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً...

﴾ الآية.

وأخرج أبو الشيخ عن مالك بن دينار قال: سألت الحسن عن قول الله: ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ فقال: يا مالك، تابوا، عسى الله أن يتوب عليهم، وعسى من الله واجبة.

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه عن سمرة بن جندب قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم رؤيا؟

وإنه قال لنا ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان فقالا لي: انطلق.

فانطلقت معهما، فاخرجاني إلى الأرض المقدسة فأتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر ههنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود إليه فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى.

قلت لهما: سبحان الله ما هذان...؟!

قالا لي: انطلق.

فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق لقفاه وآخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، ثم يتحوّل إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصبح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى.

قلت: سبحان الله ما هذان...؟!

قالا لي: انطلق.

فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور فإذا فيه لغط وأصوات، فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا قلت: ما هؤلاء...؟!

فقالا لي: انطلق.

فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شاطئ النهر رجل عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجراً فينطلق فيسبح، ثم يرجع إليه كلما رجع فغر له فاه فألقمه حجراً.

قلت لهما: ما هذان...؟!

قالا لي: انطلق.

فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء، وإذا هو عنده نار يحشها ويسعى حولها.

قلت لها: ما هذا...؟!

قالا لي: انطلق.

فانطلقنا، فأتينا على روضة معتمة فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط.

قالا لي: انطلق.

فانطلقنا، فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أر قط روضة أعظم منها ولا أحسن.

قالا لي: ارق فيها.

فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا، فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء.

قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر.

فإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المخض في البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا، فذهب السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة...

!

قالا لي: هذه جنة عدن وهذاك منزلك، فسما بصري صعداً فإذا قصر مثل الربابة البيضاء قالا لي: هذا منزلك.

قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله.

قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله.

قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجباً، فما هذا الذي رأيت؟!

قالا لي: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة، يفعل به إلى يوم القيامة.

وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخراه إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة.

وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل التنور فإنهم الزناة والزواني.

وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا.

وأما الرجل الكريه المرآة الذي عنده النار يحشها فإنه مالك خازن النار.

وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم عليه السلام.

وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة.

وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم، وأنا جبريل وهذا ميكائيل» .

وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي موسى «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت رجالاً تقرض جلودهم بمقاريض من نار.

قلت: ما هؤلاء؟!

قال: هؤلاء الذين يتزينون إلى ما لا يحل لهم.

ورأيت خباء خبيث الريح وفيه صباح.

قلت: ما هذا؟!

قال: هن نساء يتزين إلى ما لا يحل لهن.

ورأيت قوماً اغتسلوا من ماء الجناة.

قلت: ما هؤلاء؟!

قال: هم قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً» .

وأخرج ابن سعد عن الأسود بن قيس العبدي قال: لقي الحسن بن علي يوماً حبيب بن مسلمة فقال: يا حبيب رب ميسر لك في غير طاعة الله.

فقال: أما ميسري إلى أبيك فليس من ذلك قال: بلى ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة، فلئن قام بك في دنياك لقد قعد بك في دينك، ولو كنت إذ فعلت شراً قلت خيراً كان ذلك كما قال الله: ﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ ولكنك كما قال الله: ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ [ المطففين: 14] .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَآخَرُونَ ﴾ أي ومن أهل المدينة آخرون ﴿ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ الاعتراف: الإقرار [بالذنب أو بالذل والمهانة والرضا به، واعترف فلان] (١) (٢) (٣) وقال أهل التفسير: (نزلت في قوم من المؤمنين، كانوا تخلفوا عن رسول الله -  - عن (٤) (٥)  وأصحابه في الجهاد، والله لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله  هو يطلقنا ويعذرنا، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد، فلما رجع رسول الله  أقسم لا يطلقهم ولا يعذرهم حتى يؤمر بذلك، فأنزل الله هذه الآية، فأطلقهم وعذرهم) (٦) وقوله تعالى: ﴿ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد نية صادقة وبراءة من النفاق) (٧) ﴿ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ يعني التخلف عن الغزو، و ﴿ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا ﴾ يعني التوبة، ﴿ وَآخَرَ سَيِّئًا ﴾ تقاعدهم عن الغزو) (٨) وقال الحسن: (العمل الصالح: خروجهم إلى الجهاد مع النبي -  - قبل هذا، والسيء: تخلفهم عن تبوك) (٩) (١٠) والعرب تقول: خلطت الماء باللبن، وخلطت الماء واللبن.

[قال أهل المعاني: (من قال بالواو فلأنه أراد معنى الجمع كأنه يقول: جمعت بينهما] (١١) وقوله تعالى: ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس والمفسرون: ((عسى) من الله واجب) (١٢) ﴿ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ  ﴾ ففعل ذلك، وكذلك تاب على هؤلاء، وقال أهل المعاني: (لفظ (عسى) هاهنا بيان عن أنه ينبغي أن يكونوا على الطمع والإشفاق؛ لأنه أبعد من الاتكال والإهمال) (١٣) (١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٢) في (ى): (معروفه)، وهو خطأ.

(٣) انظر: "المفردات في غريب القرآن" ص332، و"لسان العرب" (عرف) 5/ 2899، والقول بنصه للزهري كما في "زاد المسير" 3/ 495.

(٤) في (ح): (في).

(٥) الكن: البيت ووقاء كل شىء وستره.

انظر: "القاموس المحيط"، فصل الكاف، باب: النون.

(٦) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 2/ 286، وابن جرير 11/ 12 - 13، وابن أبي حاتم 6/ 1872، و"دلائل النبوة" للبيهقي 5/ 272، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 263، و"لباب النقول" ص 123، 124.

(٧) لم أقف عليه.

(٨) ذكره الزمخشري في "الكشاف" 2/ 212 بنحوه.

(٩) المصدر السابق: نفس الموضع.

(١٠) "معاني القرآن" 1/ 450، 451.

(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(١٢) رواه عن ابن عباس الإمام ابن جرير 11/ 13، وابن أبي حاتم 6/ 1874، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب: السير، باب: ما جاء في عذر المستضعفين رقم (17753) 9/ 23 وهو قول الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي مالك، كما في "الدر المنثور" 1/ 438، 3/ 489 وقول الضحاك كما في "تفسير ابن جرير" 11/ 14.

(١٣) انظر: "زاد المسير" 3/ 495، و"تفسير الرازي" 16/ 176 ولم أجده في كتب أهل المعاني.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَرَدُواْ عَلَى النفاق ﴾ أي اجترأوا عليه وقيل: أقاموا عليه ﴿ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ العذاب العظيم هو عذاب النار وأما المرتان قبله، فالثانية منهما عذاب القبر، والأولى عذابهم بإقامة الحدود عليهم وقيل: بفضيحتهم بالنفاق ﴿ وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ الآية: قيل: إنها نزلت في أبي لبابة الأنصاري فعمله الصالح الجهاد وعمله السيء نصيحته لبني قريظة، وقيل: هو لمن تخلف عن تبوك من المؤمنين فعملهم الصالح ما سبق لهم، وعملهم السيىء تخلفهم عن تبوك، وروي أنهم ربطوا أنفسهم إلى سواري المسجد، وقالوا: لا نحل أنفسنا حتى يحلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: هي عامة في الأمة إلى يوم القيامة.

قال بعضهم: ما في القرآن آية أرجى لهذه الأمة من هذه الآية ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ قيل: نزلت في المتخلفين الذين ربطوا أنفسهم لما تاب الله عليهم قالوا: يا رسول الله؛ إنا نريد أن نتصدق بأموالنا.

فنزلت هذه الآية.

وأخذ ثلث أموالهم.

وقيل: هي الزكاة المفروضة، فالضمير على العموم لجميع المسلمين ﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، في موضع صفة لصدقة أو حال من الضمير في خذ ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ أي ادع لهم ﴿ سَكَنٌ لَّهُمْ ﴾ أي تسكن به نفوسهم، فهو عبارة عن صحة الاعتقاد، أو عن طمأنينة نفوسهم إذ علموا أن الله تاب عليهم.

﴿ أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ ﴾ الضمير في يعلموا للتائبين من التخلف.

وقيل: للذين تخلفوا ولم يتوبوا، وقيل عام.

وفائدة الضمير المؤكد تخصيص الله تعالى بقبول التوبة دون غيره ﴿ وَيَأْخُذُ الصدقات ﴾ قيل: معناه يأمر بها، وقيل: هم الذين بنوا مسجد الضرار، وقرئ مرجئون بالهمز وتركه وهما لغتان ومعناه التأخير.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من تحتها ﴾ بزيادة من: ابن كثير.

والباقون بحذفها وبالنصب على الظرف.

﴿ والأنصار ﴾ بالرفع: يعقوب: الآخرون بالجر.

﴿ إن صلاتك ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون على الجمع بكسر التاء علامة للنصب ﴿ مرجون ﴾ بواو ساكنة بعد الجيم: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى أبي بكر وحماد.

الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم.

﴿ الذين اتخذوا ﴾ بغير واو: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ أسس بنيانه ﴾ مجهولاً في الحرفين: ابن عامر ونافع ﴿ حرف ﴾ بسكون الراء: ابن عامر وحمزة وخلف ويحيى وحماد.

الباقون بالضم ﴿ هار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو وعلي غير ليث، وابن حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وابن ذكوان غير ابن مجاهد والنقاش ويحيى وحماد ﴿ إلى أن ﴾ قرأها يعقوب.

الباقون ﴿ إلا أن ﴾ ﴿ تقطع ﴾ فعلاً ماضياً أو مضارعاً بحذف التاء من التفعل: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل وسهل ورويس.

﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطع: روح.

الباقون ﴿ تقطع ﴾ مضارعاً مجهولاً من التقطيع.

الوقوف: ﴿ بإحسان ﴾ لا لأن قوله: {  م} خبر ﴿ والسابقون ﴾ ﴿ أبداً ﴾ ط ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ منافقون ﴾ ط لمن قدر ومن أهل المدينة قوم مردوا، ومن وصل وقف على ﴿ أهل المدينة ﴾ تقديره هم مردوا ﴿ على النفاق ﴾ ط ومن قدر ومن أهل المدينة قوم احتمل أن يجعل ﴿ لا تعلمهم ﴾ صفة للقوم فلم يقف ﴿ لا تعلمهم ﴾ ط ﴿ نحن نعلمهم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون التقدير ومنهم آخرون وأن يكون معطوفاً على ﴿ منافقون ﴾ أو على قوم المقدر ﴿ سيئاً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وصل عليهم ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ والمؤمنون ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ يتوب عليهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ أبدا ﴾ ط ﴿ أن تقوم فيه ﴾ ط ﴿ أن يتطهروا ﴾ ط ﴿ المطهرين ﴾ ه ﴿ في نار جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر الأعراب المخلصين بين أن فوق منازلهم منازل أعلى وأجل وهي منازل السابقين الأوّلين والتابعين لهم بإحسان؛ قال ابن عباس: السابقون الأوّلون من المهاجرين هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدراً.

وعن الشعبي: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان بالحديبية ومن الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر، وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير فعلمهم القرآن.

والظاهر أن الآية عامة ي كل من سبق في الهجرة والنصرة.

قال أهل السنة: لا شك أن أبا بكر أسبق في الهجرة أو هو من السابقين فيها وقد أخبر الله  عنهم بأنه رضي عنهم.

ولا شك أن الرضا معلل بالسبق إلى الهجرة فيدوم بدوامه، فدل ذلك على صحة إمامته وإلا استحق اللعن والمقت.

قال أكثر العلماء: كلمة "من" في قوله ﴿ من المهاجرين والأنصار ﴾ للتبعيض، وإنما استحق السابقون منهم هذا التعظيم لأنهم آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وفيهم ضعف فقوي الإسلام بسببهم وكثر عدد المسلمين واقتدى بهم غيرهم.

وقد قيل: من سن سنة حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها.

وقيل: للتبيين ليتناول المدح جميع الصحابة.

وروي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله  وما كان بينهم؟

فقال لي: إن الله  قد غفر لهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم.

قلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟

قال: سبحان الله ألا تقرأ قوله  : ﴿ والسابقون الأوّلون ﴾ إلى آخر الآية؟

أوجب لجميعهم الرضوان وشرط على التابعين شرطاً لم يشترط عليهم وهو الاتباع بالإحسان وذلك أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة لا السيئة، أو بإحسان في القول وهو أن لا يقولوا فيهم سوءاً ويحفظوا لسانهم عن الاغتياب والطعن في حقهم.

قال العلماء: معنى رضا الله عنهم قبول طاعاتهم.

ثم عاد إلى شرح أحوال المنافقين فقال: ﴿ وممن حولكم ﴾ هو خبر و ﴿ من الأعراب ﴾ بيان أو حال و ﴿ منافقون ﴾ مبتدأ ﴿ ومن أهل المدينة ﴾ عطف على الخبر أو خبر لمبتدأ آخر بناء على أن التقدير ومن أهل المدينة قوم ﴿ مردوا ﴾ التركيب يدل على الملابسة والبقاء على هيئة واحدة من ذلك "صرح ممرد" و "غلام أمرد" و "أرض مرداء" لا نبات فيها وتمرد إذا عتا فإن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه بقي كما كان على هيئته الأصلية من غير تغير.

فمعنى مردوا على النفاق تمهروا وتمرنوا وبقوا عليه حذاقاً معوّدين إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع وفور حدسك وقوة ذكائك.

ثم قال ﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ قال ابن عباس: هما العذاب في الدنيا بالفضيحة والعذاب في القبر.

روى السدي عن أبي مالك أنه  قام خطيباً يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان إنك منافق، اخرج يا فلان إنك منافق، حتى أخرج ناساً وفضحهم.

وقال مجاهد: هما القتل والسبي وعذاب القبر.

وقال قتادة: بالدبيلة وعذاب القبر.

وقال محمد بن إسحق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام والمسلمين ثم عذابهم في القبور.

وقال الحسن: بأخذ الزكاة من أموالهم وبعذاب القبر.

وقيل: أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار والآخر عند البعث يوكل بهم عنق من نار.

﴿ ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ هو الدرك الأسفل من النار.

قال الكلبي: وممن حولكم جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار، ومن أهل المدينة عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير وأبو عامر الراهب وأضرابهم.

ثم قال ﴿ وآخرون ﴾ وهو معطوف على ﴿ منافقون ﴾ أو مبتدأ.

و ﴿ اعترفوا ﴾ صفته و ﴿ خلطوا ﴾ خبره ﴿ عسى الله ﴾ جملة مستأنفة.

وقيل: ﴿ خلطوا ﴾ حال بإضمار "قد" ﴿ عسى الله ﴾ خبر.

وللمفسرين خلاف في أنهم قوم من المنافقين تابوا عن نفاقهم أو قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك لا للكفر والنفاق ولكن للكسل ثم ندموا على ما فعلوا.

عن ابن عباس في رواية الوالبي نزلت في قوم كانوا قد تخلفوا ثم ندموا وقالوا نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله  وأصحابه في الجهاد.

روي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام.

وقيل: كانوا عشرة فسبعة منهم حين بلغهم ما نزل في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد وقالوا: والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله  هو الذي يطلقنا ويعذرنا.

فقدم رسول الله فدخل المسجد وصلى ركعتين - وكانت هذه عادته كلما قدم من سفر - فرآهم موثقين فسأل عنهم فقالوا: هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم.

فقال رسول الله: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها فتصدق بها وطهرنا.

فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزل ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ الآية.

والاعتراف هو الإقرار بالشيء عن معرفة والمراد أنهم أقروا بذنوبهم وهذه كالمقدمة للتوبة لأن الاعتراف بالذنب لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال وفي الاستقبال.

﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ أي خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن.

وهذا أبلغ من قولك: خلطت الماء باللبن.

لأنك جعلت في الأول كلاً منهما مخلوطاً ومخلوطاً به كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.

ويجوز أن يكون الواو بمعنى الباء من قولك: بعت شاة ودرهماً أي شاة بدرهم.

وذلك أن الواو للجمع والباء للإلصاق فهما متقاربان.

ويجوز أن يقال: الخلط ههنا بمعنى الجمع.

قال أهل السنة: فيه دليل على نفي القول بالمحابطة لأنه لو لم يبق العملان لم يتصور اختلاطهما.

وفي قوله ﴿ عسى الله أن يتوب عليهم ﴾ دليل على وقوع التوبة التي أخبر بحصول مقدمتها وهي الاعتراف منهم، وفيه دليل على قبول توبتهم لأن ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع واجب.

وفائدته أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق فلا يتكل ولا يهمل، وفيه أن التوبة بخلق الله.

وقالت المعتزلة: معنى أن يتوب أن يقبل التوبة.

ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن الدليل العام وهو وجوب انتهار الكل إلى مشيئته وتكوينه يعضد ما قلناه.

ثم قال  ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ عن الحسن: كانوا يقولون ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر عنهم وبهذا يحصل النظم بينها وبين ما قبلها كما مر.

وقال أكثر الفقهاء: المراد بها الزكاة ووجه النظم أنهم لما أظهروا التوبة والندامة أمروا بإخراج الزكاة الواجبة تصحيحاً لدعواهم.

ومما يدل على ذلك أن الأمر ظاهره الوجوب وأيضاً التطهير والتزكية يناسب الواجب لا التطوع.

وفي قوله ﴿ من أموالهم ﴾ دلالة على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال، وتعيين ذلك البعض إنما عرف من السنة.

وفي إضافة المال إليهم دليل على أن المال مالهم ولا شركة للفقير فيه فتكون الزكاة متعلقة بذمته حتى لو تلف النصاب بعد الوجوب بقي الحق في ذمة المالك وهو قول الشافعي.

وقوله ﴿ تطهرهم وتزكيهم ﴾ التاء فيهما للخطاب أي تطهرهم أيها الآخذ وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة.

وقيل: التاء في ﴿ تطهرهم ﴾ للتأنيث والضمير للصدقة وفيه نوع انقطاع للمعطوفين.

قال العلماء: المعطوفان متغايران لا محالة فالتزكية مبالغة في التطهير أو هي بمعنى الإنماء كأنه  جعل النقصان سبباً للإنماء والزيادة والبركة، أو المراد بالتزكية تعظيم شأنهم والإثناء عليهم.

قال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الزكاة طهرة للآثام فلا تجب إلا حيث يمكن حصول الآثام وذلك لا يعلم إلا في حق البالغ العاقل دون الصبي والمجنون.

وقال الشافعي: تجب الزكاة في مالهما لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً ﴿ وصلِّ عليهم ﴾ قال ابن عباس: معناه ادع لهم.

فمن هنا قال الشافعي: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: أجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت.

وقال آخرون بظاهر اللفظ لما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة وكان النبي  إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى: وأكثر الأئمة الآن على أنه لا تحسن الصلاة لغير النبي على غيره إلا تبعاً.

وأطلق بعضهم - كالغزالي وإمام الحرمين - لفظ الكراهة وقالوا: السلام أيضاً في معنى الصلاة.

وأما الشيعة فإنهم يذكرون الصلاة والسلام في حق آل الرسول أيضاً كعلي وأولاده  وهم على العموم من القرشيين بنو هاشم والمطلب دون بني أمية وبني نوفل وغيرهم.

قالوا: لأنها كانت جائزة في حق من يؤدي الزكاة فكيف يمتنع ذكره أو لا يحسن في أهل بيت الرسول؟

ولأن الكل أجمعوا على جوازها بالتبعية فما الفرق؟

وأما السلام فلا كلام عليه لأنه جائز في حق جمهور المسلمين فكيف لا يجوز في آل الرسول؟

﴿ إن صلاتك سكن لهم ﴾ والسكن ما يسكن إليه المرء وتطمئن به نفسه، وذلك لأن دعاءه يستجاب ألبتة فيتطهرون بها، وكيف لا يفيض إشراق نفسه عليهم بتوجهه إليهم والترحم لهم؟

احتج مانعو الزكاة بها في زمان أبي بكر قالوا: الوجوب مشروط بحصول السكن والآن لا سكن.

ورُدَّ عليهم بسائر الآيات.

روي أن رسول الله  لما حكم بصحة توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت ﴿ ألم يعلموا ﴾ يعني غير التائبين.

وقيل: معناه ألم يعلم التائبون قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم ﴿ أن الله هو يقبل التوبة ﴾ الصحيحة ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية.

وفائدة توسط هو أن يعلم أن الإلهية هي الموجبة لقبول التوبة لاستغنائه عن طاعة المطيعين ومعصية المذنبين فإذا انتقل العبد من حالة المعصية إلى حال الطاعة وجب على كرمه قبول توبته.

وفيه أيضاً أن قبول التوبة ليس إلى الرسول.

وفي قوله ﴿ عن عباده ﴾ دون "من" إشارة إلى البعد الذي يحصل للعبد عن الله بسبب العصيان أو إلى تبعيده نفسه عن الله هضماً وانكساراً.

وفي إضافة أخذ الصدقات إلى الله بعد أن أمر الرسول بالأخذ تشريف عظيم لهذه الطاعة، وأنها من الله بمكان، وأنه يربيها كما يربي أحد نافلوه حتى إن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد وقد جاء هذا المعنى في الحديث.

ثم أمر نبيه بأن يقول للتائبين أو لغير التائبين ترغيباً لهم في التوبة ﴿ اعملوا ﴾ فيه نوع تهديد وتخويف ﴿ فسيرى الله عملكم ﴾ وقد مر تفسير مثله عن قريب.

والحاصل أنه كأنه قيل لهم اجتهدوا في العمل فإن له في الدنيا حكماً وهو أن يراه الله ورسوله والمؤمنون، وفي الآخرة حكماً وهو الجزاء.

وبوجه آخر كأنه قيل: إن كنت من المحققين فاعمل لله، وإن كنت من الظاهريين فاعمل لتفوز بثناء شهداء الخلق وهم الرسول والمؤمنون فإنهم شهداء الله يوم القيامة، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية.

ولا شك أن رؤية الله  شاملة لأفعال القلوب والجوارح جميعاً.

أما رؤية الرسول والمؤمنين فلا تشمل أفعال القلوب إلا بإرادة الله واطلاعه وإفشائه.

واعلم أنه  قسم المخلفين إلى ثلاثة أقسام: منهم المنافقون الذين مردوا على النفاق، والثاني التائبون المعترفون بذنوبهم، والثالث الذين بقوا موقوفاً أمرهم وذلك قوله ﴿ وآخرون ﴾ وإعرابه كإعراب قوله ﴿ وآخرون اعترفوا ﴾ ومعنى ﴿ مرجون ﴾ أي مؤخرون من أرجيته وأرجأته إذا أخرته ومنه قوله: ﴿ أرجه وأخاه  ﴾ كما مَرّ، وبه سميت المرجئة لأنهم جازمون بغفران ذنب التائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئة الله ويقولون: إنهم مرجون لأمر الله.

وقال الأوزاعي: لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان.

وقال ابن عباس: نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، أمر رسول الله أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم فقبلت توبتهم ونزل فيهم ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ كما سيجيء.

وقال الحسن: إنهم قوم من المنافقين حذرهم الله بهذه الآية إن لم يتوبوا.

وقوله: ﴿ إما يعذبهم ﴾ التشكيك فيه راجع إلى العباد أي ليكن أمرهم على الخوف والرجاء وكان يقول أناس هلكوا إن لم ينزل الله لهم عذراً، ويقول آخرون: عسى الله أن يغفر لهم.

قال الجبائي: جعل أمرهم دائراً بين التعذيب والتوبة فدل ذلك على انتفاء القسم الثالث وهو العفو من غير التوبة، وأجيب بأنه يجوز أن تكون المنفصلة مانعة الجمع فقط.

ولما ذكر أصناف المنافقين وبين طرائقهم المختلفة قال: ﴿ والذين اتخذوا ﴾ كأنه قال: ومنهم الذين اتخذوا.

في الكشاف: أن محله النصب على الاختصاص، أو الرفع على الابتداء وخبره محذوف أي وممن وصفوا هؤلاء الأقوام.

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: كانوا اثني عشر رجلاً بنوا مسجداً يضارّون به مسجد قباء.

وروي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله  أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً كذلك.

واعلم أنه  حكى أن الباعث لهم على هذا العمل كان أموراً أربعة: الأول الضرار وهو المضارة والثاني الكفر بالنبي  وبالإسلام وذلك أنهم أرادوا تقوية أهل النفاق، والثالث التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعتهم ولا سيما إذا صلى النبي في مسجدهم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة وبطلان الألفة، والرابع قوله: ﴿ وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ﴾ وقوله ﴿ من قبل ﴾ يتعلق بـ ﴿ حارب ﴾ أي من قبل بناء مسجد الضرار.

وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ ﴿ اتخذوا ﴾ والمراد من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف.

قال الزجاج: الإرصاد الانتظار.

وقال ابن قتيبة: الانتظار مع العداوة.

وقال الأكثرون: إنه الإعداد.

والمراد بمن حارب أبو عامر الراهب والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة، وسماه رسول الله الفاسق وكان قد تنصر في الجاهلية وترهب وطلب العلم فلما ظهر رسول الله  عاداه لأنه زالت رياسته وقال لرسول الله  يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر وآتٍ بجنود ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجداً وانتظروا أبا عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد.

ثم أخبر الله  عن نفاقهم بقوله: ﴿ وليحلفن إن أردنا ﴾ أي ما أردنا ببناء هذا المسجد ﴿ إلا ﴾ الخصلة ﴿ الحسنى ﴾ وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المسلمين.

قال المفسرون.

إنهم لما بنوا مسجدهم وافق ذلك غزوة تبوك فأتوا رسول الله وقالوا: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة.

فقال رسول الله  : إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه.

فلما قفل من الغزوة سألوه إتيان المسجد فنزل ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ الآية فدعا بملك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي - قاتل حمزة - فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين.

وقال الحسن: همّ رسول الله أن يذهب إلى ذلك المسجد فناداه جبرائيل لا تقم فيه.

ولا ريب أن النهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه.

ثم بيّن علة النهي فقال: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم ﴾ أي من ابتداء وجوده ﴿ أحق أن تقوم فيه ﴾ والمعنى لو كان القيام في غيره جائزاً لكان هذا أولى لاشتماله على الخيرات الكثيرة فكيف إذا كان غيره مشتملاً على المفاسد الكثيرة من الضرار وغيره؟

قالت الشيعة في هذا المقام: إن المسجد إذا كان مبنياً على التقوى من أول يوم كان أولى بالصلاة فيه؛ فالإمام أولى بأن يكون متقياً من أول عمره وما ذاك إلا عليّ  لأنه لم يكفر بالله طرفة عين.

واختلفوا في هذا المسجد فقيل: مسجد رسول الله  بالمدينة، عن أبي سعيد الخدري سألت رسول الله  عن المسجد الذي أسس على التقوى.

فأخذ الحصباء وضرب بها الأرض وقال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة.

وقيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله  وصلى فيه أيام مقامه بقباء يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة، قال في الكشاف: وهذا أولى لأن الموازنة بين مسجدي قباء أوقع.

وقال القاضي: كل مسجد بني على التقوى فإنه يدخل فيه كما لو قال قائل لرجل صالح أحق أن تجالسه لم يكن ذلك مقصوراً على واحد.

وأيضاً كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار.

ثم ذكر لمسجد التقوى وصفاً آخر وذلك قوله: ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ فقيل: إنه التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار والإخلاص كما أن أهل مسجد الضرار وصفوا بأضداد هذه الأمور من الضرار والكفر والتفريق، ولأن طهارة الباطن أشد تأثيراً من طهارة الظاهر في القرب من الله.

وقيل: إنه التطهر بالماء وذلك أنهم كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء أثر البول.

"وروي أنها لم نزلت مشى رسول الله ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: أمؤمنون أنتم؟

فسكت القوم.

ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم.

فقال  : أترضون بالقضاء؟

قالوا: نعم قال: أتصبرون على البلاء؟

قالوا: نعم.

قال: أتشكرون في الرخاء؟

قالوا: نعم.

فقال  : مؤمنون ورب الكعبة.

فجلس ثم قال: يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟

فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء.

فتلا النبي  : ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ " وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا بأجمعهم.

ومحبة التطيهر إيثاره والحرص عليه ومحبة الله الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه.

ثم بين أنه لا نسبة بين الفريقين وأن بينهما بوناً بعيداً فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ وهو مصدر كالعمران وأريد به المبني والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ورضوانه ﴿ خير أم من أسس ﴾ دينه على ضد ذلك.

والشفا هو الشفير أي الشفة، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحسر الوادي ويبقى على طرف المسيل طين واهٍ مشرف على السقوط ساعة فساعة فذلك الموضع الذي هو بصدد السقوط جرف، والهار الهائر وهو أيضاً المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط.

قال الليث: الهاء مصدرها الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد في مكانه، فإذا سقط فقد انهار.

وقال في الكشاف: إنه صفة قصرت عن فاعل كخلف من خالف وألفه ليست بألف فاعل إنما هي عينه وأصله "هور" على "فعل" ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل، فلكونه على شفا جرف هار كان مشرفاً على السقوط، ولكونه على طرف جهنم كان إذا انهار فإنما يسقط في قعر جهنم، يروى أنه حفرت بقعة من مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منه.

ثم ذكر أن بنيانهم ذلك سبب لازدياد ريبهم فقال: ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ في كونه سبباً للريبة ﴿ في قلوبهم ﴾ وجوه منها: أن هدمه صار سبباً لازدياد شكهم في نبوته، ومنها أنهم ظنوا أن تخريبه لأجل الحسد فارتفع أمانهم عنه وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم فلا تزول تلك الريبة ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ أجزاء متفرقة إما بالموت وإما بالسيف وإما بالبلاء فحينئذٍ يضمحل أثرها عنها.

والمقصود أن هذا الشك يبقى في قلوبهم أبداً ويموتون على النفاق.

قال في الكشاف: يجوز أن يكون ذكر التقطيع تصويراً لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار.

وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم.

التأويل: ﴿ والسابقون الأولون ﴾ الذين سبقت لهم العناية الأزلية، أو السابقون الأوّلون عند الخروج من العدم وهم أهل الصف الأول من الجنود المجندة، أو السابقون في جواب ﴿ ألست بربكم  ﴾ الأولون في استماع هذا الخطاب، أبو السابقون في استحقاق المحبة عند اختصاصهم بتشريف يحبهم في الأزل، الأولون بأداء حق المحبة في سر يحبونه، أو السابقون عند تخمير طينة آدم في مماسة ذراتهم يد القدرة، الأولون باستكمال تصرف القدرة في كمال الأربعين صباحاً، أو السابقون عند رجوعهم بقدم السلوك إلى مقام الوصال، الأولون بالوصول إلى سرادقات الجلال، وهذا السبق مخصوص بالنبي  وبأمته كما قال: "نحن الآخرون السابقون" .

﴿ من المهاجرين ﴾ عن الأوطان البشرية ﴿ والأنصار ﴾ لهم في طلب الحق ﴿ والذين اتبعوهم بإحسان ﴾ بذلوا جهدهم في متابعتهم بقدر الإمكان {  م} بإعطاء الاستعدادات الكاملة ﴿ ورضوا عنه ﴾ بإيفاء حقوقها.

﴿ وممن حولكم ﴾ من أعراب صفات النفس ﴿ منافقون ومن أهل ﴾ مدينة القلب فمن صفات النفس بعضها منافق كالقوة الشهوية للوقاع فإنها تتبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس بسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهراً لا حقيقة لأنها لا تتبدل بالكلية بل تميل إلى الشهوة إذا خليت وطباعها ولهذا قال  : "وإن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" ومنها كافرة كالقوة الشهوية في طلب الغذاء فإنها باقية على طلبها ما دام البدن باقياً لاحتياجه إلى بدل ما يتحلل، ومنها مسلمة كالقوة الغضبية والشيطانية من الكبر والحسد والكذب والخيانة فإنها يحتمل أن تتبدل بأضدادها من التواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإيمان والذكر.

فهذه الصفات وغيرها من صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب ففيها بعض النفاق كما قال  : "أربع من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدّث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها" ﴿ لا تعلمهم نحن نعلمهم ﴾ يعني أن هذه الأفعال لا يعرفها أرباب العلوم الظاهرة وإنما يعرفها أصحاب الكشوف الباطنة.

﴿ سنعذبهم مرتين ﴾ مرة بأحكام الشريعة ومرة بآداب الطريقة ﴿ ثم يردّون ﴾ بجذبات اللطف ﴿ إلى عذاب عظيم ﴾ هو الفطام عن الكونين والفناء في الله أو بجذبات القهر إلى إسبال حجب البعد والبقاء في عالم الطبيعة ﴿ وآخرون ﴾ يعني القلب وصفاته ﴿ اعترفوا ﴾ بذنوب ثوبت صفات النفس والتلوث بها ﴿ خلطوا عملاً صالحاً ﴾ هو صدق التوجه ﴿ وآخر سيئاً ﴾ هو مطاوعة النفس والهوى في بعض الأوقات.

﴿ عسى الله ﴾ أن يوفقهم للرجوع إلى طريق الحق بالكلية والإعراض عما سواه.

﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها ﴾ عن دنس حب الدنيا ﴿ وتزكيهم ﴾ بالأخلاق الفاضلة فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.

﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ فيه أن المعطي يجب أن لا ينظر إلا إلى الله ولا يمنّ على الفقير أصلاً ﴿ وستردون ﴾ بأقدام أعمالكم إلى الله الذي يعلم ما غاب عنكم من نتائج أعمالكم وما غبتم عنه من التقدير الأزلي وما تشاهدون بالعيون والقلوب في عالمي الملك والملكوت.

﴿ وآخرون مرجون ﴾ أخرت توبتهم ليتردّدوا بين الخوف والرجاء فيطيروا بجناحي القبض والبسط إلى أن يصلوا إلى سرادقات الهيبة والأنس.

﴿ والله عليم ﴾ بتربية عباده ﴿ حكيم ﴾ فيما يفعل من القبول والرد.

﴿ والذين اتخذوا ﴾ في عالم الطبيعة مزبلة النفس ﴿ مسجداً ضراراً ﴾ لأرباب الحقيقة ﴿ وكفراً ﴾ بأحوالهم ﴿ لمن حارب الله ﴾ هم أهل الإباحة من مدعي الفقر ﴿ لا تقم ﴾ يا رسول الروح.

﴿ أسس على التقوى ﴾ هو مسجد القلب جبل على العبودية والطاعة ﴿ من أول يوم ﴾ من الميثاق ﴿ رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ هم الأوصاف الحميدة والملكات المزكاة عن دنس الطبيعة ولوث الحدوث.

ثم ميز بين أهل السعادة والشقاوة فقال: ﴿ أفمن أسس بنيانه ﴾ أي جبل على الخير وما فيه رضا الله ﴿ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ﴾ لأنهم جبلوا على الشقاء ﴿ إلا أن تقطع قلوبهم ﴾ غيروا عن طباعهم وذلك محال أو لا يزال يسري من مزبلة النفس وسخ وظلمة إلى قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم غيروا عن طباعهم وذلك بسكين الرياضة فتزول عنها تلك الملكات.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ ﴾ .

أخبر أن من حولهم من الأعراب ومن أهل المدينة - أيضاً - منافقون مردوا على النفاق، [فقال بعضهم: المرد في الشيء: هو النهاية في الشرّ.

وقال بعضهم: ﴿ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ ﴾ ]، أي: ثبتوا عليه وداموا.

وقال بعضهم: ﴿ مَرَدُواْ ﴾ أي: عتوا عليه وبالغوا فيه.

أخبر أنهم لشدة مكرهم وخداعهم وعتوهم ﴿ لاَ تَعْلَمُهُمْ ﴾ : أنت، ﴿ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ ؛ لأن من المنافقين من كان يعرفهم الرسول في لحن القول، كقوله: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ  ﴾ ومنهم من كان يعرفهم في صلاته؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ  ﴾ ، ومنهم من كان يعرف نفاقه في تخلفه عن رسول الله  يعني: عن الغزو - فأخبر - عز وجل - أن هؤلاء لشدة عتوهم ومكرهم وفضل خداعهم لا تعرف نفاقهم، نحن نعرف نفاقهم.

ثم أخبر أنه سيعذبهم مرتين؛ قال بعضهم: القتل والسبي.

وعن الحسن قال: عذاب في الدنيا وعذاب في القبر.

وقال بعضهم: يعذبهم بالجوع والقتل.

وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ﴾ القتل والسبي قبل الموت، والعذاب الآخر يعذبون في القبر ﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ .

ويشبه أن يكون تعذيبه إياهم مرتين؛ حيث أخذوا بالإنفاق على المؤمنين [وبنيهم] وبين المؤمنين عداوة، وأمروا أيضاً بالقتال مع الكفار وهم أولياؤهم؛ هذا أحد العذابين؛ لأنهم أمروا بالإنفاق على أعدائهم، وأمروا - أيضاً - أن يقاتلوا أولياءهم، والعذاب الثاني: القتل في القتال.

فإن قيل: لم يذكر أن منافقاً قتل.

قيل: لم يذكر لعلة أنهم كانوا لا يعرفونهم؛ لقوله ﴿ لاَ تَعْلَمُهُمْ  ﴾ فإذا لم يعرفوا فيقتلون كما يقتل غيرهم من المؤمنين، والله أعلم.

وقال بعضهم: سنعذبهم مرتين: عند الموت ضرب الملائكة الوجوه والأدبار؛ كقوله: ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ  ﴾ ، وفي القبر منكر ونكير ﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ : في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: الآية نزلت في أبي لبابة وأصحابه، تخلفوا عن غزوة تبوك عن رسول الله  ، فندموا على ذلك، واعترفوا، ورجعوا عن ذلك، وتابوا، فقبل الله توبتهم، ووعدهم المغفرة بقوله: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وذكر في بعض القصّة "أنه لما رجع رسول الله  عن غزوته تلك جاء هؤلاء الذين تخلفوا عنه بأموالهم إلى رسول الله، فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، فخذها فتصدق بها عنا، فكره أن يأخذها، فقال: لم أومر بذلك" ، فنزل: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ  ﴾ وهذا الوعد لكل مسلم ارتكب ذنباً لم يخرجه من الإيمان، ثم ندم على ذلك وتاب يرجو - والله أعلم - أن يكون في وعد هذه الآية؛ لأنه ذكر المؤمنين وما هم عليه، وذكر المنافقين وما هم عليه، ثم ذكر الذين خلطوا أعمالهم الصالحة بأعمالهم السيئة ثم ندموا على ذلك وتابوا، وعد [الله] لهم قبول التوبة والمغفرة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن أهل المدينة قوم آخرون تخلفوا عن الغزو من غير عذر، فأقروا على أنفسهم بأنهم لم يكن لهم عذر، ولم يأتوا بأعذار كاذبة، مزجوا أعمالهم الصالحة السابقة من القيام بطاعة الله، والتمسك بشرائعه، والجهاد في سبيله بعمل سيئ يرجون من الله أن يتوب عليهم، ويتجاوز عنهم، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.JrWJ1"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده