الآية ١٨ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ١٨ من سورة التوبة

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) فشهد تعالى بالإيمان لعمار المساجد ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا سريج حدثنا ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ؛ أن دراجا أبا السمح حدثه ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ؛ قال الله تعالى : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) ورواه الترمذي ، وابن مردويه ، والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن وهب ، به .

وقال عبد بن حميد في مسنده : حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا صالح المري ، عن ثابت البناني ، عن ميمون بن سياه ، وجعفر بن زيد ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما عمار المساجد هم أهل الله .

ورواه الحافظ أبو بكر البزار ، عن عبد الواحد بن غياث ، عن صالح بن بشير المري ، عن ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما عمار المساجد هم أهل الله ثم قال : لا نعلم رواه عن ثابت غير صالح .

وقد روى الدارقطني في الأفراد من طريق حكامة بنت عثمان بن دينار ، عن أبيها ، عن أخيه مالك بن دينار ، عن أنس مرفوعا : إذا أراد الله بقوم عاهة ، نظر إلى أهل المساجد ، فصرف عنهم .

ثم قال : غريب .

وروى الحافظ البهاء في المستقصى ، عن أبيه بسنده إلى أبي أمية الطرسوسي : حدثنا منصور بن صقير ، حدثنا صالح المري ، عن ثابت ، عن أنس مرفوعا : يقول الله : وعزتي وجلالي ، إني لأهم بأهل الأرض عذابا ، فإذا نظرت إلى عمار بيوتي وإلى المتحابين في ، وإلى المستغفرين بالأسحار ، صرفت ذلك عنهم .

ثم قال ابن عساكر : حديث غريب .

وقال الإمام أحمد : حدثنا روح ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، حدثنا العلاء بن زياد ، عن معاذ بن جبل ؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الشيطان ذئب الإنسان ، كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية ، فإياكم والشعاب ، وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون الأودي قال : أدركت أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم يقولون : إن المساجد بيوت الله في الأرض ، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها .

وقال المسعودي ، عن حبيب بن أبي ثابت وعدي بن ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : من سمع النداء بالصلاة ثم لم يجب ويأتي المسجد ويصلي ، فلا صلاة له ، وقد عصى الله ورسوله ، قال الله تعالى : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) الآية رواه ابن مردويه .

وقد روي مرفوعا من وجه آخر ، وله شواهد من وجوه أخر ليس هذا موضع بسطها .

وقوله : ( وأقام الصلاة ) أي : التي هي أكبر عبادات البدن ، ( وآتى الزكاة ) أي : التي هي أفضل الأعمال المتعدية إلى بر الخلائق ، ( ولم يخش إلا الله ) أي : ولم يخف إلا من الله تعالى ، ولم يخش سواه ، ( فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) يقول : من وحد الله ، وآمن باليوم الآخر يقول : من آمن بما أنزل الله ، ( وأقام الصلاة ) يعني : الصلوات الخمس ، ( ولم يخش إلا الله ) يقول : لم يعبد إلا الله - ثم قال : ( فعسى أولئك [ أن يكونوا من المهتدين ] ) يقول : إن أولئك هم المفلحون ، كقوله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) [ الإسراء : 79 ] يقول : إن ربك سيبعثك مقاما محمودا وهي الشفاعة ، وكل " عسى " في القرآن فهي واجبة .

وقال محمد بن إسحاق بن يسار - رحمه الله - : و " عسى " من الله حق .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (إنما يعمر مساجد الله)، المصدِّق بوحدانية الله, المخلص له العبادة =(واليوم الآخر), يقول: الذي يصدق ببعث الله الموتى أحياءً من قبورهم يوم القيامة (20) =(وأقام الصلاة)، المكتوبة، بحدودها = وأدَّى الزكاة الواجبة عليه في ماله إلى من أوجبها الله له (21) =(ولم يخش إلا الله)، يقول: ولم يرهب عقوبة شيء على معصيته إياه، سوى الله (22) =(فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين)، يقول: فخليق بأولئك الذين هذه صفتهم، أن يكونوا عند الله ممن قد هداه الله للحق وإصابة الصواب.

(23) 16555- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر)، يقول: من وحَّد الله، وآمن باليوم الآخر.

يقول: أقرّ بما أنـزل الله =(وأقام الصلاة)، يعني الصلوات الخمس =(ولم يخش إلا الله)، يقول: ثم لم يعبد إلا الله = قال: (فعسى أولئك)، يقول: إن أولئك هم المفلحون, كقوله لنبيه: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ، [سورة الإسراء: 79]: يقول: إن ربك سيبعثك مقامًا محمودًا، وهي الشفاعة, وكل " عسى "، في القرآن فهي واجبة.

16556- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثم ذكر قول قريش: إنَّا أهلُ الحرم, وسُقاة الحاج, وعُمَّار هذا البيت, ولا أحد أفضل منا!

فقال: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر)، أي: إن عمارتكم ليست على ذلك,(إنما يعمر مساجد الله)، أي: من عمرها بحقها =(من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله) = فأولئك عمارها =(فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين)، و " عسى " من الله حق.

(24) ------------------------- الهوامش : (20) انظر تفسير " اليوم الآخر " فيما سلف من فهارس اللغة ( آخر ) .

(21) انظر تفسير " إقامة الصلاة " و " إيتاء الزكاة " فيما سلف من فهارس اللغة ( قوم ) ، ( أتى ) .

(22) انظر تفسير " الخشية " فيما سلف ص : 158 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(23) انظر تفسير " عسى " فيما سلف 13 : 45 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .

= وتفسير " الاهتداء " فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .

(24) الأثر : 16556 - سيرة ابن هشام 4 : 192 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 16539 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدينفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى إنما يعمر مساجد الله دليل على أن الشهادة لعمار المساجد بالإيمان صحيحة لأن الله سبحانه ربطه بها وأخبر عنه بملازمتها .

وقد قال بعض السلف : إذا رأيتم الرجل يعمر المسجد فحسنوا به الظن .

وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان قال الله تعالى : إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر .

وفي رواية : يتعاهد المسجد .

قال : حديث حسن غريب .

قال ابن العربي : وهذا في ظاهر الصلاح ليس في مقاطع الشهادات ، فإن الشهادات لها أحوال عند العارفين بها فإن منهم الذكي الفطن المحصل لما يعلم اعتقادا وإخبارا ، ومنهم المغفل ، وكل واحد ينزل على منزلته ويقدر على صفته .الثانية : قوله تعالى ولم يخش إلا الله إن قيل : ما من مؤمن إلا وقد خشي غير الله ، [ ص: 28 ] وما زال المؤمنون والأنبياء يخشون الأعداء من غيرهم .

قيل له : المعنى ولم يخش إلا الله مما يعبد ; فإن المشركين كانوا يعبدون الأوثان ويخشونها ويرجونها .جواب ثان : أي لم يخف في باب الدين إلا الله .الثالثة : فإن قيل : فقد أثبت الإيمان في الآية لمن عمر المساجد بالصلاة فيها ، وتنظيفها وإصلاح ما وهى منها ، وآمن بالله .

ولم يذكر الإيمان بالرسول فيها ولا إيمان لمن لم يؤمن بالرسول .

قيل له : دل على الرسول ما ذكر من إقامة الصلاة وغيرها لأنه مما جاء به ، فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إنما يصح من المؤمن بالرسول ، فلهذا لم يفرده بالذكر .و ( عسى ) من الله واجبة ، عن ابن عباس وغيره .

وقيل : ( عسى ) : بمعنى ( خليق ) : أي فخليق أن يكونوا من المهتدين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر من هم عمار مساجد اللّه فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ‏}‏ الواجبة والمستحبة، بالقيام بالظاهر منها والباطن‏.‏ ‏{‏وَآتَى الزَّكَاةَ‏}‏ لأهلها ‏{‏وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ‏}‏ أي قصر خشيته على ربه، فكف عما حرم اللّه، ولم يقصر بحقوق اللّه الواجبة‏.‏ فوصفهم بالإيمان النافع، وبالقيام بالأعمال الصالحة التي أُمُّها الصلاة والزكاة، وبخشية اللّه التي هي أصل كل خير، فهؤلاء عمار المساجد على الحقيقة وأهلها، الذين هم أهلها‏.‏ ‏{‏فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ‏}‏ و‏{‏عسى‏}‏ من اللّه واجبة‏.‏ وأما من لم يؤمن باللّه ولا باليوم الآخر، ولا عنده خشية للّه، فهذا ليس من عمار مساجد اللّه، ولا من أهلها الذين هم أهلها، وإن زعم ذلك وادعاه‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم قال تعالى : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ) ولم يخف في الدين غير الله ، ولم يترك أمر الله لخشية غيره ، ( فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) و " عسى " من الله واجب ، أي : فأولئك هم المهتدون ، والمهتدون هم المتمسكون بطاعة الله عز وجل التي تؤدي إلى الجنة .

أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن النسوي ، حدثنا محمد بن الحسين الحيري ، حدثنا محمد بن يعقوب ، حدثنا أحمد بن الفرج الحجازي ، حدثنا بقية ، حدثنا أبو الحجاج ، المهدي ، عن عمرو بن الحارث ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان " فإن الله قال : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، أنبأنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا محمد بن مطرف ، عن يزيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، حدثنا حميد بن زنجويه ، حدثنا أبو عاصم ، عن عبد الحميد بن جعفر ، حدثني أبي عن محمود بن لبيد ، أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك ، وأحبوا أن يدعه ، فقال عثمان : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من بنى لله مسجدا بنى الله له كهيئته في الجنة " .

وأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو طاهر الزيادي ، أخبرنا محمد بن الحسين القطان ، حدثنا علي بن الحسين الدارابجردي ، حدثنا أبو عاصم بهذا الإسناد ، وقال : " بنى الله له بيتا في الجنة " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنما يعمُر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش» أحدا «إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا يعتني ببيوت الله ويعمرها إلا الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ولا يخافون في الله لومة لائم، هؤلاء العُمَّار هم المهتدون إلى الحق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين .

سبحانه .

أن المؤمنين الصادقين هم الجديرون بعمارة مساجد الله ، فقال : ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وَأَقَامَ الصلاة وآتى الزكاة وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله ) .أى : ليس المشركون أهلا لعمارة مساجد الله؛ وإنما الذين هم أهل لذلك المؤمنون الصادقون الذين آمنوا بالله إيماناً حقاً ، وآمنوا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ، وآمنوا بما فرضه الله عليهم من فرائض فأدوها بالكيفية التى أرشدهم إليها نبيهم - صلى الله عليه وسلم - فهم فى صلاتهم خاشعون؛ وللزكاة معطون بسخاء وإخلاص .وهم بجانب ذلك لا يخشون أحداً إلا الله فى تبليغ ما كلفوا بتبليغه من أمور الدين؛ ولا يقصرون فى العمل بموجب أوامر الله ونواهيه .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا ذكر الإِيمان برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت : لما عُلِم وشهر أن الإيمان بالله قرينته الإِيمان بالرسول .

عليه الصلاة والسلام .

لاشتمال كلمة الشهادة والأذان والإِقامة وغيرها عليهما مقترنين كأنهما شئ واحد .

.

انطوى تحت ذكر الإِيمان بالله .

تعالى .

الإِيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن قلت : كيف قال : ( وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله ) والمؤمن يخشى المحاذير ولا يتمالك أن لا يخشاها .قلت : هي الخشية والتقوى فى أبواب الدين ، وأن لا يختار على رضا الله رضا غيره لتوقع مخوف : وإذا اعترض أمران : أحدهما حق الله والآخر حق نفسه ، آثر حق الله على حق نفسه .وقوله - تعالى - ( فعسى أولئك أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين ) تذييل قصد به حسن عاقبة المؤمنين الصادقين .أى : فسعى أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة من الإِيمان بالله واليوم الآخر .

.

أن يكونوا من المهتدين إلى الجنة وما أعد فيها من خير عميم ، ورزق كبير .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى بدأ السورة بذكر البراءة عن الكفار وبالغ في إيجاب ذلك وذكر من أنواع فضائحهم وقبائهم ما يوجب تلك البراءة، ثم إنه تعالى حكى عنهم شبهاً احتجوا بها في أن هذه البراءة غير جائزة وأنه يجب أن تكون المخالطة والمناصرة حاصلة، فأولها ما ذكره في هذه الآية، وذلك أنهم موصوفون بصفات حميدة وخصال مرضية وهي توجب مخالطتهم ومعاونتهم ومناصرتهم، ومن جملة تلك الصفات كونهم عامرين للمسجد الحرام قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أسر العباس يوم بدر، أقبل عليه المسلمون فعيروه بكفره بالله وقطيعة الرحم، وأغلظ له علي.

وقال: ألكم محاسن فقال: نعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني، فأنزل الله تعالى رداً على العباس ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله ﴾ .

المسألة الثانية: عمارة المساجد قسمان: إما بلزومها وكثرة إتيانها يقال: فلان يعمر مجلس فلان إذا كثر غشيانه إياه، وإما بالعمارة المعروفة في البناء، فإن كان المراد هو الثاني، كان المعنى أنه ليس للكافر أن يقدم على مرمة المساجد وإنما لم يجز له ذلك لأن المسجد موضع العبادة فيجب أن يكون معظماً والكافر يهينه ولا يعظمه، وأيضاً الكافر نجس في الحكم، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ  ﴾ وتطهير المساجد واجب لقوله تعالى: ﴿ أَن طَهّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ  ﴾ وأيضاً الكافر لا يحترز من النجاسات، فدخوله في المسجد تلويث للمسجد، وذلك قد يؤدي إلى فساد عبادة المسلمين.

وأيضاً إقدامه على مرمة المسجد يجري مجرى الإنعام على المسلمين، ولا يجوز أن يصير الكافر صاحب المنة على المسلمين.

المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ أَن يَعْمُرُواْ مساجد الله ﴾ على الواحد، والباقون ﴿ مساجد الله ﴾ على الجمع حجة ابن كثير وأبي عمرو وقوله: ﴿ عمارة المسجد الحرام  ﴾ وحجة من قرأ على لفظ الجمع وجوه: الأول: أن يراد المسجد الحرام.

وإنما قيل: مساجد لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامره كعامر جميع المساجد.

والثاني: أن يقال: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ معناه: ما كان للمشركين أن يعمروا شيئاً من مساجد الله، وإذا كان الأمر كذلك، فأولى أن لا يمكنوا من عمارة المسجد الحرام الذي هو أشرف المساجد وأعظمها.

الثالث: قال الفراء: العرب قد يضعون الواحد مكان الجمع والجمع مكان الواحد أما وضع الواحد مكان الجمع ففي قولهم فلان كثير الدرهم وأما وضع الجمع مكان الواحد ففي قولهم فلان يجالس الملوك مع أنه لا يجلس إلا مع ملك واحد.

الرابع: أن المسجد موضع السجود، فكل بقعة من المسجد الحرام فهي مسجد.

المسألة الرابعة: قال الواحدي: دلت على أن الكفار ممنوعون من عمارة مسجد من مساجد المسلمين، ولو أوصى بها لم تقبل وصيته ويمنع عن دخول المساجد، وإن دخل بغير إذن مسلم استحق التعزير، وإن دخل بإذن لم يعزر، والأولى تعظيم المساجد، ومنعهم منها، وقد أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد، وهم كفار وشد ثمامة بن أثال الحنفي في سارية من سواري المسجد الحرام وهو كافر.

أما قوله تعالى: ﴿ شاهدين على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ﴾ قال الزجاج: قوله: ﴿ شاهدين ﴾ حال والمعنى ما كان لهم أن يعمروا المساجد حال كونهم شاهدين على أنفسهم بالكفر، وذكروا في تفسير هذه الشهادة وجوها: الأول: وهو الأصح أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب القرآن وإنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وكل ذلك كفر، فمن يشهد على نفسه بكل هذه الأشياء فقد شهد على نفسه بما هو كفر في نفس الأمر، وليس المراد أنهم شهدوا على أنفسهم بأنهم كافرين الثاني: قال السدي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر، هو أن النصراني إذا قيل له من أنت فيقول: نصراني واليهودي يقول يهودي وعابد الوثن يقول: أنا عابد الوثن، وهذا الوجه إنما يتقرر بما ذكرناه في الوجه الأول.

الثالث: أن الغلاة منهم كانوا يقولون كفرنا بدين محمد وبالقرآن فلعل المراد ذلك.

الرابع: أنهم كانوا يطوفون عراة يقولون لا نطوف عليها بثياب عصينا الله فيها، وكلما طافوا شوطاً سجدوا للأصنام، فهذا هو شهادتهم على أنفسهم بالشرك.

الخامس: أنهم كانوا يقولون لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك.

السادس: نقل عن ابن عباس: أنه قال: المراد أنهم يشهدون على الرسول بالكفر.

قال: وإنما جاز هذا التفسير لقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ  ﴾ قال القاضي: هذا الوجه عدول عن الحقيقة، وإنما يجوز المصير إليه لو تعذر إجراء اللفظ على حقيقته.

أما لما بينا أن ذلك جائز لم يجز المصير إلى هذا المجاز.

وأقول: لو قرأ أحد من السلف ﴿ شاهدين على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ﴾ من قولك: زيد نفيس وعمرو أنفس منه، لصح هذا الوجه من عدول فيه عن الظاهر.

ثم قال: ﴿ أولئك حَبِطَتْ أعمالهم ﴾ والمراد منه: ما هو الفصل الحق في هذا الكتاب، وهو أنه إن كان قد صدر عنهم عمل من أعمال البر، مثل إكرام الوالدين، وبناء الرباطات، وإطعام الجائع، وإكرام الضيف فكل ذلك باطل، لأن عقاب كفرهم زائد على ثواب هذه الاْشياء فلا يبقى لشيء منها أثر في استحقاق الثواب والتعظيم مع الكفر.

وأما الكلام في الأحباط فقد تقدم في هذا الكتاب مراراً فلا نعيده.

ثم قال: ﴿ وَفِى النار هُمْ خالدون ﴾ وهو إشارة إلى كونهم مخلدين في النار.

واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الفاسق من أهل الصلاة لا يبقى مخلداً في النار من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ وَفِى النار هُمْ خالدون ﴾ يفيد الحصر، أي هم فيها خالدون لا غيرهم، ولما كان هذا الكلام وارد في حق الكفار، ثبت أن الخلود لا يحصل إلا للكافر.

الثاني: أنه تعالى جعل الخلود في النار جزاء للكفار على كفرهم، ولو كان هذا الحكم ثابتاً لغير الله لما صح تهديد الكافر به، ثم إنه تعالى لما بين أن الكافر ليس له أن يشتغل بعمارة المسجد، بين أن المشتغل بهذا العمل يجب أن يكون موصوفاً بصفات أربعة: الصفة الأولى: قوله: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الأخر ﴾ وإنما قلنا إنه لابد من الإيمان بالله لأن المسجد عبارة عن الموضع الذي يعبد الله فيه، فما لم يكن مؤمناً بالله، امتنع أن يبني موضعاً يعبد الله فيه، وإنما قلنا إنه لابد من أن يكون مؤمناً بالله واليوم الآخر لأن الاشتغال بعبادة الله تعالى إنما تفيد في القيامة، فمن أنكر القيامة لم يعبد الله، ومن لم يعبد الله لم يبن بناء لعبادة الله تعالى.

فإن قيل: لم لم يذكر الإيمان برسول الله؟

قلنا فيه وجوه: الأول: أن المشركين كانوا يقولون: إن محمداً إنما ادعى رسالة الله طلباً للرياسة والملك، فهاهنا ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، وترك النبوة كأنه يقول مطلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلا الإيمان بالمبدأ والمعاد، فذكر المقصود الأصلي وحذف ذكر النبوة تنبيهاً للكفار على أنه لا مطلوب له من الرسالة إلا هذا القدر.

الثاني: أنه لما ذكر الصلاة، والصلاة لا تتم إلا بالأذان والإقامة والتشهد، وهذه الأشياء مشتملة على ذكر النبوة كان ذلك كافياً.

الثالث: أنه ذكر الصلاة، والمفرد المحلى بالألف واللام ينصرف إلى المعهود السابق، ثم المعهود السابق من الصلاة من المسلمين ليس إلا الأعمال التي كان أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم، فكان ذكر الصلاة دليلاً على النبوة من هذا الوجه.

الصفة الثانية: قوله: ﴿ وأقام الصلاة ﴾ والسبب فيه أن المقصود الأعظم من بناء المساجد إقامة الصلوات، فالإنسان ما لم يكن مقراً بوجوب الصلوات امتنع أن يقدم على بناء المساجد.

الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وآتى الزكاة ﴾ .

واعلم أن اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد كأنه يدل على أن المراد من عمارة المسجد الحضور فيه، وذلك لأن الإنسان إذا كان مقيماً للصلاة فإنه يحضر في المسجد فتحصل عمارة المسجد به، وإذا كان مؤتياً للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد به.

وأما إذا حملنا العمارة على مصالح البناء فإيتاء الزكاة معتبر في هذا الباب أيضاً لأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد نافلة، والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لا يشتغل بالنافلة والظاهر أن الإنسان ما لم يكن مؤدياً للزكاة لم يشتغل ببناء المساجد.

والصفة الرابعة: قوله: ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن أبا بكر رضي الله عنه بنى في أول الإسلام على باب داره مسجداً وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن والكفار يؤذونه بسببه، فيحتمل أن يكون المراد هو تلك الحالة، يعني إنا وإن خاف الناس من بناء المسجد إلا أنه لا يلتفت إليهم ولا يخشاهم ولكنه يبني المسجد للخوف من الله تعالى.

الثاني: يحتمل أن يكون المراد منه أن يبني المسجد لا لأجل الرياء والسمعة وأن يقال إن فلاناً يبني مسجداً، ولكنه يبنيه لمجرد طلب رضوان الله تعالى ولمجرد تقوية دين الله.

فإن قيل: كيف قال: ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله ﴾ والمؤمن قد يخاف الظلمة والمفسدين؟

قلنا: المراد من هذه الخشية الخوف والتقوى في باب الدين، وأن لا يختار على رضا الله رضا غيره.

اعلم أنه تعالى قال: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ ءَامَنَ بالله ﴾ أي من كان موصوفاً بهذه الصفات الأربعة وكلما وردت ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر وفيه تنبيه على أن المسجد يجب صونه عن غير العبادة فيدخل فيه فضول الحديث وإصلاح مهمات الدنيا.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «يأتي في آخر الزمان أناس من أمتي يأتون المساجد يقعدون فيها حلقاً ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم، فليس لله بهم حاجة» وفي الحديث: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» قال عليه الصلاة والسلام: قال الله تعالى: «إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زواري فيها عمارها طوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره» وعنه عليه الصلاة والسلام: «من ألف المسجد ألفه الله تعالى» وعنه عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان» وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في المسجد ضوؤه» وهذه الأحاديث نقلها صاحب الكشاف.

ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأوصاف قال: ﴿ فعسى أولئك أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال المفسرون: ﴿ عَسَى ﴾ من الله واجب لكونه متعالياً عن الشك والتردد.

الثاني: قال أبو مسلم: ﴿ عَسَى ﴾ هاهنا راجع إلى العباد وهو يفيد الرجاء فكان المعنى إن الذين يأتون بهذه الطاعات إنما يأتون بها على رجاء الفوز بالاهتداء لقوله تعالى: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً  ﴾ والتحقيق فيه أن العبد عند الإتيان بهذه الأعمال لا يقطع على الفوز بالثواب، لأنه يجوز على نفسه أنه قد أخل بقيد من القيود المعتبرة في حصول القبول.

والثالث: وهو أحسن الوجوه ما ذكره صاحب الكشاف وهو أن المراد منه تبعيد المشركين عن مواقف الاهتداء، وحسم أطماعهم في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها وافتخروا بها، فإنه تعالى بين أن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع وضموا إليها الخشية من الله، فهؤلاء صار حصول الاهتداء لهم دائراً بين لعل وعسى فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون ويجزمون بفوزهم بالخير من عند الله تعالى وفي هذا الكلام ونحوه لطف بالمؤمنين في ترجيح الخشية على الرجاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله ﴾ وقرئ بالتوحيد: أي: إنما تستقيم عمارة هؤلاء وتكون معتداً بها، والعمارة تتناول رمّ ما استرمّ منها، وقمها وتنظيفها، وتنويرها بالمصابيح، وتعظيمها، واعتيادها للعبادة والذكر، ومن الذكر درس العلم، بل هو أجلّه وأعظمه، وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا فضلاً عن فضول الحديث، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقاً ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة» وفي الحديث: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» وقال عليه الصلاة و السلام: «قال الله تعالى: إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زوّاري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره» وعنه عليه الصلاة و السلام: «من ألف المسجد ألفه الله» وقال عليه الصلاة و السلام: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان» وعن أنس رضي الله عنه: (من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه).

فإن قلت: هلاّ ذكر الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قلت: لما علم وشهر أن الإيمان بالله تعالى قرينته الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام لاشتمال كلمة الشهادة والأذان، والإقامة وغيرها عليهما مقترنين مزدوجين كأنهما شيء واحد غير منفك أحدهما عن صاحبه، انطوى تحت ذكر الإيمان بالله تعالى الإيمان بالرسول عليه الصلاة و السلام.

وقيل: دلّ عليه بذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؟

فإن قلت: كيف قيل: ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله ﴾ والمؤمن يخشى المحاذير، ولا يتمالك أن لا يخشاها؟

قلت: هي الخشية والتقوى في أبواب الدين، وأن لا يختار على رضا الله غيره لتوقع مخوف، وإذا اعترضه أمران: أحدهما حقّ الله، والآخر حق نفسه أن يخاف الله، فيؤثر حقّ الله على حقّ نفسه.

وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها، فأريد نفي تلك الخشية عنهم ﴿ فعسى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين ﴾ تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسن لأطماعهم من الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها وافتخروا بها وأملوا عاقبتها، بأن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع مع استشعار الخشية والتقوى، اهتداؤهم دائر بين عسى ولعل، فما بال المشركين يقطعون أنهم مهتدون ونائلون عند الله الحسنى.

وفي هذا الكلام ونحوه لطف للمؤمنين في ترجيح الخشية على الرجاء ورفض الاغترار بالله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ﴾ أيْ إنَّما تَسْتَقِيمُ عَمارَتُها لِهَؤُلاءِ الجامِعِينَ لِلْكِمالاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ ومِن عِمارَتِها تَزْيِينُها بِالفَرْشِ وتَنْوِيرُها بِالسُّرُجِ وإدامَةُ العِبادَةِ والذِّكْرِ ودَرْسُ العِلْمِ فِيها وصِيانَتُها مِمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ كَحَدِيثِ الدُّنْيا، وعَنِ النَّبِيِّ  «قالَ اللَّهُ تَعالى إنَّ بُيُوتِي في أرْضِي المَساجِدُ، وإنَّ زُوّارِي فِيها عُمّارُها، فَطُوبى لِعَبْدٍ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ ثُمَّ زارَنِي في بَيْتِي فَحَقٌّ عَلى المَزُورِ أنْ يُكْرِمَ زائِرَهُ» .

وَإنَّما لَمْ يَذْكُرِ الإيمانَ بِالرَّسُولِ  لِما عُلِمَ أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ قَرِينُهُ وتَمامُهُ الإيمانُ بِهِ ولِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿ وَأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ﴾ عَلَيْهِ.

﴿ وَلَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ ﴾ أيْ في أبْوابِ الدِّينِ فَإنَّ الخَشْيَةَ عَنِ المَحاذِيرِ جِبِلِّيَّةٌ لا يَكادُ العاقِلُ يَتَمالَكُ عَنْها.

﴿ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ ﴾ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ التَّوَقُّعِ قَطْعًا لِأطْماعِ المُشْرِكِينَ في الِاهْتِداءِ والِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمْ وتَوْبِيخًا لَهم بِالقَطْعِ بِأنَّهم مُهْتَدُونَ، فَإنَّ هَؤُلاءِ مَعَ كَمالِهِمْ إذا كانَ اهْتِداؤُهم دائِرًا بَيْنَ عَسى ولَعَلَّ فَما ظَنُّكَ بِأضْدادِهِمْ، ومَنعًا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَغْتَرُّوا بِأحْوالِهِمْ ويَتَّكِلُوا عَلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)

{إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله} عمارتها رمُّ ما استرم منها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا لأنها بنيت للعبادة والذكر ومن الذكر درس العلم {من آمن بالله واليوم الأخر} ولم يذكر الإيمان بالرسول عليه السلام لما علم أن الإيمان بالله قرينته الإيمان بالرسول لاقترانهما في الأذان والإقامة وكلمة الشهادة وغيرها أو دل عليه بقوله {وأقام الصلاة وآتى الزكاة} وفي

قوله {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله} تنبيه على الإخلاص والمراد الخشية في أبواب الدين بألآ لا يختار على رضا الله رضا غيره لتوقع مخوف إذ المؤمن قد يخشى المحاذير ولا يتمالك ألا يخشاها وقيل كانوا يخشون الأصنام ويرجونها فأريد نفي تلك الخشية عنهم {فعسى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين} تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسم لأطماعهم في الانتفاع بأعمالهم لأن عَسَى كلمة إطماع والمعنى إنما تستقيم عمارة هؤلاء وتكون معتداً بها عند الله دون من سواهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ ﴾ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالمَساجِدِ هُنا كَما اخْتُلِفَ في المُرادِ بِها هُناكَ، خَلا أنَّ مَن قالَ هُناكَ بِأنَّ المُرادَ المَسْجِدُ الحَرامُ لا غَيْرَ جَوَّزَ هُنا إرادَةَ جَمِيعِ المَساجِدِ قائِلًا: إنَّها غَيْرُ مُخالِفَةٍ لِمُقْتَضى الحالِ فَإنَّ الإيجابَ لَيْسَ كالسَّلْبِ، وادَّعى أنَّ المَقْصُودَ قَصْرُ تَحَقُّقِ العِمارَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ لا قَصْرُ لِياقَتِها وجَوازِها، وأنا أرى قَصْرَ اللِّياقَةِ لائِقًا بِلا قُصُورٍ، وقُرِئَ بِالتَّوْحِيدِ أيْ إنَّما يَلِيقُ أنْ يَعْمُرَها ﴿ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الوَحْيُ ﴿ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ﴾ الَّتِي أُتِيَ بِهِما الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَنْدَرِجُ في ذَلِكَ الإيمانُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتْمًا إذْ لا يُتَلَقّى ذَلِكَ إلّا مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَطُّ طُوِيَ تَحْتَ ذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى دَلالَةً عَلى أنَّهُما كَشَيْءٍ واحِدٍ إذا ذُكِرَ أحَدُهُما فُهِمَ الآخَرُ، عَلى أنَّهُ أُشِيرَ بِذِكْرِ المَبْدَأِ والمَعادِ إلى ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ أجْمَعَ، ومِن جُمْلَتِهِ رِسالَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ المُرادَ ( بِمَن ) هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابُهُ أيِ المُسْتَحِقُّ لِعِمارَةِ المَساجِدِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ كائِنًا مَن كانَ، ولَيْسَ الكَلامُ في إثْباتِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإيمانِ بِهِ بَلْ فِيهِ نَفْسِهِ وعِمارَتِهِ المَسْجِدَ واسْتِحْقاقِهِ لَها، فالآيَةُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ ﴾ والوَجْهُ الثّانِي أوْلى، والمُرادُ بِالعِمارَةِ ما يَعُمُّ مَرَمَّةَ ما اسْتَرَمَّ مِنها وقَمَّها وتَنْظِيفَها وتَزْيِينَها بِالفَرْشِ لا عَلى وجْهٍ يُشْغِلُ قَلْبَ المُصَلِّي عَنِ الحُضُورِ، ولَعَلَّ ما هو مِن جِنْسِ ما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ كالقُطْنِ والحُصُرِ السّامانِيَّةِ أوْلى مِن نَحْوِ الصُّوفِ إذْ قِيلَ: بِكَراهَةِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ، وتَنْوِيرِها بِالسُّرُجِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَن يَسْتَضِيءُ بِها عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ جَمْعٌ، وإدامَةُ العِبادَةِ والذِّكْرِ ودِراسَةُ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ فِيها ونَحْوُ ذَلِكَ، وصِيانَتُها مِمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ في نَظَرِ الشّارِعِ كَحَدِيثِ الدُّنْيا، ومِن ذَلِكَ الغِناءُ عَلى مَآذِنِها كَما هو مُعْتادُ النّاسِ اليَوْمَ لا سِيَّما بِالأبْياتِ الَّتِي غالِبُها هُجْرٌ مِنَ القَوْلِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الحَدِيثُ في المَسْجِدِ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ البَهِيمَةُ الحَشِيشَ» وهَذا الحَدِيثُ في الحَدِيثِ المُباحِ فَما ظَنُّكَ بِالمُحَرَّمِ مُطْلَقًا أوِ المَرْفُوعِ فَوْقَ المَآذِنِ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن تَوَضَّأ في بَيْتِهِ ثُمَّ أتى المَسْجِدَ فَهو زائِرُ اللَّهِ تَعالى وحَقٌّ عَلى المَزُورِ أنْ يُكْرِمَ الزّائِرَ» .

وأخْرَجَ سُلَيْمٌ الرّازِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن أسْرَجَ في مَسْجِدٍ سِراجًا لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ وحَمَلَةُ العَرْشِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ما دامَ في ذَلِكَ المَسْجِدِ ضَوْؤُهُ» وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ، وغَيْرُهُ عَنْ أبِي قِرْصافَةَ قالَ: ”سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إخْراجُ القُمامَةِ مِنَ المَسْجِدِ مُهُورُ الحَوَرِ العِينِ»“ وسَمِعْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ «مَن بَنى لِلَّهِ تَعالى مَسْجِدًا بَنى اللَّهُ تَعالى لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وهَذِهِ المَساجِدُ الَّتِي تُبْنى في الطُّرُقِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وهَذِهِ المَساجِدُ الَّتِي تُبْنى في الطُّرُقِ» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الغُدُوُّ والرَّواحُ إلى المَسْجِدِ مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى،»“ وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وجَماعَةٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ، وتَلا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ إنَّما يَعْمُرُ ﴾ »“ الآيَةَ.

واسْتَشْكَلَ ذِكْرُ إيتاءِ الزَّكاةِ في الآيَةِ بِأنَّهُ لا تَظْهَرُ مَدْخَلِيَّتُهُ في العِمارَةِ، وتُكُلِّفَ لِذَلِكَ بِأنَّ الفُقَراءَ يَحْضُرُونَ المَساجِدَ لِلزَّكاةِ فَتَعْمُرُ بِهِمْ وأنَّ مَن لا يَبْذُلُ المالَ لِلزَّكاةِ الواجِبَةِ لا يَبْذُلُهُ لِعِمارَتِها وهو كَما تَرى، والحَقُّ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ أنَّ مَن يَعْمُرُ المَساجِدَ هو المُؤْمِنُ الظّاهِرُ إيمانُهُ وهو إنَّما يَظْهَرُ بِإقامَةِ واجِباتِهِ، فَعَطْفُ الإقامَةِ والإيتاءِ عَلى الإيمانِ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ ﴿ ولَمْ يَخْشَ ﴾ أحَدٌ ﴿ إلا اللَّهَ ﴾ فَعَمِلَ بِمُوجِبِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ غَيْرَ آخِذٍ لَهُ في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةَ لائِمٍ ولا مانِعَ لَهُ خَوْفُ ظالِمٍ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ عَدَمُ الخَشْيَةِ عِنْدَ القِتالِ المُوَبِّخِ عَلَيْها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ ﴾ وأمّا الخَوْفُ الجَبَلِيُّ مِنَ الأُمُورِ المُخَوِّفَةِ فَلَيْسَ مِن هَذا البابِ ولا هو مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، والخِطابُ والنَّهْيُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خُذْها ولا تَخَفْ ﴾ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ.

وقِيلَ: كانُوا يَخْشَوْنَ الأصْنامَ ويَرْجُونَها فَأُرِيدَ نَفْيُ تِلْكَ الخَشْيَةِ عَنْهم ﴿ فَعَسى أُولَئِكَ ﴾ المَنعُوتُونَ بِأكْمَلِ النُّعُوتِ ﴿ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ ﴾ أيْ: إلى الجَنَّةِ وما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى فِيها لِعِبادِهِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحُسْنِ، وإبْرازُ اهْتِدائِهِمْ لِذَلِكَ مَعَ ما بِهِمْ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ في مَعْرِضِ التَّوَقُّعِ لِحَسْمِ أطْماعِ الكافِرِينَ عَنِ الوُصُولِ إلى مَواقِفِ الِاهْتِداءِ لِأنَّ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ وهم هم إذا كانَ أمْرُهم دائِرًا بَيْنَ لَعَلَّ وعَسى فَما بالُ الكَفَرَةِ بَيْتُ المَخازِي والقَبائِحِ، وفِيهِ قَطْعُ اتِّكالِ المُؤْمِنِينَ عَلى أعْمالِهِمْ وما هم عَلَيْهِ وإرْشادُهم إلى تَرْجِيحِ جانِبِ الخَوْفِ عَلى جانِبِ الرَّجاءِ، وهَذا هو المُناسِبُ لِلْمَقامِ لا الأطْماعُ وسُلُوكُ سُنَنِ المُلُوكِ مَعَ كَوْنِ القَصْدِ إلى الوُجُوبِ، وكَوْنُ الكَفَرَةِ يَزْعُمُونَ أنَّهم مُحِقُّونَ وأنَّ غَيْرَهم عَلى الباطِلِ فَلا يَتَأتّى حَسْمُ أطْماعِهِمْ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وهَذا لا رَيْبَ فِيهِ.

وقِيلَ: إنَّ الأوْصافَ المَذْكُورَةَ، وإنْ أوْجَبَتِ الِاهْتِداءَ، ولَكِنَّ الثَّباتَ عَلَيْها مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وقَدْ يَطْرَأُ ما يُوجِبُ ضِدَّ ذَلِكَ والعِبْرَةُ لِلْعاقِبَةِ، فَكَلِمَةُ التَّوَقُّعِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِهَذا ولا يَخْفى ما فِيهِ فَإنَّ النَّظَرَ إلى العاقِبَةِ هُنا لا يُناسِبُ المَقامَ الَّذِي يَقْتَضِي تَفْضِيلَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ في الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ، قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي مَساجِدَ بلفظ الجماعة، وكذلك الثاني يعني: جميع المساجد.

وقرأ الباقون الأول مسجد بغير ألف، والثاني بألف.

وروي عن ابن كثير كلاهما بغير ألف، يعني: المسجد الحرام.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأول مسجد بغير ألف، والثاني بألف، يعني: المسجد الحرام.

ومن قرأ مَساجِدَ أيضاً، يجوز أن يحمل على المسجد الحرام، لأنه يذكر المساجد ويريد به مسجدا واحدا، كما قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ [المؤمنون: 51] ، يعني به: النبي  .

ثم قال تعالى: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ، يعني: ما كانت لهم عمارة المسجد في حال إقرارهم بالكفر، يعني: لا ثواب لهم بغير إيمان.

أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ، يعني: بطل ثواب أعمالهم، ويقال: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ يعني: كلامهم يشهد عليهم بالكفر.

وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ، يعني: يكونون في النار هم دائمون، ويقال: شاهدين على أنفسهم يوم القيامة، فلا ينفعهم عمارة المسجد بغير إيمان.

وروى أسباط، عن السدي في قوله: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أنه قال: يسأل النصراني ما أنت؟

فيقول: نصراني، ويسأل اليهودي ما أنت؟

فيقول: يهودي، ويسأل المشرك ما أنت؟

فيقول: مشرك، فذلك قوله تعالى شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ.

ويقال: الآية نزلت في شأن العباس حين أُسِر يوم بدر، فأقبل عليه نفر من المهاجرين وعيّروه بقتال النبيّ  وبقطيعة الرحم، فقال العباس: «ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا؟» فقال له عليّ  : «فهل لكم من المحاسن شيء؟» فقال: «نعم، إنا نعمر المسجد الحرام، ونحج الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني، ونفادي الأسير، ونؤمن الخائف، ونقري الضيف» فنزل مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ إلى قوله: أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ.

قوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، يعني: صدق بوحدانية الله تعالى.

وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يعني: آمن بالبعث بعد الموت، لأن عمارة المسجد بإقامة الجماعات، وهم كانوا لا يقيمون الصلاة، فلم يكن ذلك عمارة المسجد، فذلك قوله: وَأَقامَ الصَّلاةَ، يعني: يداوم على الصلوات الخمس، ويقيمها بركوعها وسجودها في مواقيتها، وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة، وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ يعني: ولم يعبد إلا الله ولم يوحّد غيره فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، يعني: أُولئك هم المهتدون لدينه، ولهم ثواب أعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقرأ جمهور الناس: و «يَتُوبُ» «١» - بالرفع-، على القطْع مما قبله، والمعنَى أن الآية استأنفت الخبر بأنه قد يَتُوبُ على بعض هؤلاء الكَفَرة الذين أَمَرَ بقتالهم.

وعبارةُ ص: و «يَتُوب» ، الجمهورُ بالرّفْعِ على الاستئناف، وليس بداخلٍ في جوابِ الأمر لأن توبته سبحانه على مَنْ يشاء لَيْسَتْ جزاءً على قتال الكُفَّار.

انتهى.

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦) مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)

وقوله عز وجل: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ...

الآية: خطابٌ للمؤمنين كقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ...

الآية [آل عمران:

١٤٢] ومعنى الآية: أظننتم أن تتركوا دون اختبار وامتحانٍ، والمراد بقوله: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ، أي: لم يعلم اللَّه ذلك موْجُوداً كما عَلِمَهُ أَزلاً بشرط الوجود، وليس يَحْدُثُ له علم تبارك وتعالى عن ذلك، ووَلِيجَةً: معناه: بِطَانَة ودَخِيلة، وهو مأخوذ من الوُلُوج، فالمعنى: أَمْراً باطناً مما يُنْكَر، وفي الآيةِ طَعْنٌ على المنافقين الذين اتخذوا الوَلاَئِجَ، قال الفَخْر «٢» : قال أبو عُبَيْدَة: كلّ شيءٍ أدخلْتَه في شيءٍ ليس منه، فهو وَلِيجةٌ، وأصله من الوُلُوج، قال الواحديُّ يقال: هو وَلِيجَةٌ، للواحدِ والجمع.

انتهى.

وقوله سبحانه: مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ، إِلى قوله: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ...

الآية، لفظ هذه الآية الخَبَرُ، وفي ضمنها أمر المُؤمنين بِعَمارة المساجد، وروي أبو سعيدٍ الخدريّ أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسَاجِدَ، فاشهدوا له بالإيمان» «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ( ما كانَ لَلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرَوا مَسْجِدَ اللَّهِ ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "مَسْجِدُ اللَّهِ" عَلى التَّوْحِيدِ، "إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ" عَلى الجَمْعِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ عَلى الجَمْعِ فِيهِما.

وسَبَبُ نُزُولِها «أنَّ جَماعَةً مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ فِيهِمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ، فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ نَفَرٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  فَعَيَّرُوهم بِالشِّرْكِ، وجَعَلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ يُوَبِّخُ العَبّاسَ بِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ  وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، فَقالَ العَبّاسُ: ما لَكم تَذْكُرُونَ مَساوِئَنا وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا؟

فَقالُوا وهَلْ لَكَمَ مِن مَحاسِنَ؟

قالُوا: نَعَمْ، لَنَحْنُ أفْضَلُ مِنكم أجْرًا؛ إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبَ الكَعْبَةَ، ونَسْقِيَ الحَجِيجَ، ونَفُكَّ العانِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ في جَماعَةٍ.

وَفِي المُرادِ بِالعِمارَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: دُخُولُهُ والجُلُوسُ فِيهِ.

والثّانِي: البِناءُ لَهُ وإصْلاحُهُ؛ فَكِلاهُما مَحْظُورٌ عَلى الكافِرِ.

والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ أيْ: يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ مَنعُهم مِن ذَلِكَ.

قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: شاهِدَيْنِ حالٌ.

المَعْنى: ما كانَتْ لَهم عِمارَتُهُ في حالِ إقْرارِهِمْ بِالكُفْرِ، ﴿ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ لِأنَّ كُفْرَهم أذْهَبَ ثَوابَها.

فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم عَلى الصَّوابِ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ اليَهُودِيِّ: أنا يَهُودِيٌّ: وقَوْلُ النَّصْرانِيِّ: أنا نَصْرانِيٌّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهم ثَبَتُوا عَلى أنْفُسِهِمُ الكُفْرَ بِعُدُولِهِمْ عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ  ، وهو حَقٌّ لا يَخْفى عَلى مُمَيَّزٍ، فَكانُوا بِمَنزِلَةِ مَن شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ.

والثّالِثُ: أنَّهم آَمَنُوا بِأنْبِياءٍ شَهِدُوا لَمُحَمَّدٍ  بِالتَّصْدِيقِ، وحَرَّضُوا عَلى اتِّباعِهِ، فَلَمّا آَمَنُوا بِهِمْ وكَذَّبُوهُ، دَلُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، وجَرى ذَلِكَ مَجْرى الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، لِأنَّ الشَّهادَةَ هي تَبْيِينٌ وإظْهارٌ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿ إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الرَّسُولَ، والإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِهِ؟

فالجَوابُ: أنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلى الرَّسُولِ، لَقَوْلِهِ: ﴿ وَأقامَ الصَّلاةَ ﴾ أيِ: الصَّلاةُ الَّتِي جاءَ بِها الرَّسُولُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

فَإنْ قِيلَ: (فَعَسى) تَرَجٍّ، وفاعِلُ هَذِهِ الخِصال مُهْتَدٍ بِلا شَكٍّ.

فالجَوابُ: أنْ "عَسى" مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَإنْ قِيلَ: قَدْ يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن لَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ.

فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ أنَّهُ مَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، كانَ مَن أهْلِ عِمارَتِها؛ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ مَن عَمَّرَها كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَلاةَ وآتى الزَكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلا اللهِ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مَن المُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ بِالحَقِّ لَهم والواجِبِ، ولَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ الخَبَرُ وفي ضِمْنِها أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِعِمارَةِ المَساجِدِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ السَلَفِ: إذا رَأيْتُمُ الرَجُلَ يَعْمُرُ المَساجِدَ فَحَسِّنُوا بِهِ الظَنَّ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "إذا رَأيْتُمُ الرَجُلَ يَعْتادُ المَساجِدُ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ"» وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلَ في قِراءَةِ "مَساجِدَ"، وقَوْلُهُ: ﴿ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَلاةَ وآتى الزَكاةَ ﴾ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِالرَسُولِ إذْ لا يُتَلَقّى ذَلِكَ إلّا مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إلا اللهَ ﴾ حُذِفَتِ الألِفُ مِن "يَخْشى" لِلْجَزْمِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: "واعْلَمْ أنَّ الأخِيرَ إذا كانَ يُسَكَّنُ في الرَفْعِ حُذِفَ في الجَزْمِ لِئَلّا يَكُونَ الجَزْمُ بِمَنزِلَةِ الرَفْعِ"، ويُرِيدُ خَشْيَةَ التَعْظِيمِ والعِبادَةِ والطاعَةِ، وهَذِهِ مَرْتَبَةُ العَدْلِ بَيْنَ الناسِ، ولا مَحالَةَ أنَّ الإنْسانَ يَخْشى غَيْرَهُ ويَخْشى المَحاذِيرَ الدُنْيَوِيَّةَ، ويَنْبَغِي أنْ يَخْشى في ذَلِكَ كُلِّهِ قَضاءَ اللهِ وتَصْرِيفَهُ، و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ حَيْثُما وقَعَتْ في القُرْآنِ، ولَمْ يَرْجُ اللهَ بِالِاهْتِداءِ إلّا مَن حَصَلَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ العَظِيمَةِ مِنَ العَدالَةِ، فَفي هَذا حَضٌّ بَلِيغٌ عَلى التَقْوى.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ "، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ، وأبُو حَمْزَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو جَعْفَرٍ القارِي: "أجَعَلْتُمْ سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ "، وقَرَأها كَذَلِكَ ابْنُ جُبَيْرٍ إلّا أنَّهُ نَصَبَ "المَسْجِدَ" عَلى إرادَةِ التَنْوِينِ في "عَمَرَةَ".

وقَرَأ الضَحّاكُ، وأبُو وجْزَةَ، وأبُو جَعْفَرٍ القارِي: "سُقايَةَ" بِضَمِّ السِينِ، "وَعَمَرَةَ"، فَأمّا مَن قَرَأ "سِقايَةَ" و"عِمارَةَ" فَفي الكَلامِ عِنْدَهُ مَحْذُوفٌ إمّا في أوَّلِهِ وإمّا في آخِرِهِ، فَإمّا أنْ يُقَدِّرَ: "أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ"، وإمّا أنْ يُقَدِّرَ: كَفِعْلِ مَن آمَنَ بِاللهِ.

وأمّا مَن قَرَأ: "سُقاةَ" و"عَمَرَةَ" فَنَمَطُ قِراءَتِهِ مُسْتَوٍ، وأمّا قِراءَةُ الضَحّاكِ فَجَمْعُ ساقٍ إلّا أنَّهُ ضَمَّ أوَّلَهُ، كَما قالُوا: عُرْقٌ وعُراقٌ وظِئْرٌ وظُؤارٌ، وكانَ قِياسُهُ أنْ يُقالَ: سُقاءٌ، وإنْ أنَّثَ كَما أُنِّثَ مِنَ الجُمُوعِ "حِجارَةٌ" وغَيْرُهُ.

وسِقايَةُ الحاجِّ كانَتْ في بَنِي هاشِمٍ، وكانَ العَبّاسُ يَتَوَلّاها، قالَ الحَسَنُ: «وَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ العَبّاسُ: ما أرانِي إلّا أتْرُكُ السِقايَةَ، فَقالَ النَبِيُّ  : "أقِيمُوا عَلَيْها فَإنَّها لَكم خَيْرٌ".» وَعِمارَةُ المَسْجِدِ، قِيلَ: هي حِفْظُهُ مِنَ الظُلْمِ فِيهِ أو يُقالُ هُجْرًا، وكانَ ذَلِكَ إلى العَبّاسِ، وقِيلَ: هي السَدانَةُ خِدْمَةُ البَيْتِ خاصَّةً، وكانَتْ في بَنِي عَبْدِ الدارِ، وكانَ يَتَوَلّاها عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ -واسْمُ أبِي طَلْحَةَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ العُزّى بْنِ عَبْدِ الدارِ- وشَيْبَةُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ المَذْكُورُ، هَذانَ هُما اللَذانِ دَفَعَ إلَيْهِما رَسُولُ اللهِ  مِفْتاحَ الكَعْبَةِ في ثانِي يَوْمِ الفَتْحِ بَعْدَ أنْ طَلَبَهُ العَبّاسُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُما، «وَقالَ  لِعُثْمانَ وشَيْبَةَ: "يَوْمَ وفاءٍ وبِرٍّ، خُذُوها خالِدَةً تالِدَةً لا يُنازِعُكُمُوها إلّا ظالِمٌ"».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي السَدانَةَ، واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَقِيلَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلْيَهُودِ: إنّا نَسْقِي الحَجِيجَ ونُعَمِّرُ البَيْتَ، أفَنَحْنُ أفْضَلُ أمْ مُحَمَّدٌ  ودِينُهُ؟

فَقالَتْ لَهم أحْبارُ اليَهُودِ: بَلْ أنْتُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ الكُفّارَ افْتَخَرُوا بِهَذِهِ الآيَةِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى النُعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ النَبِيِّ  في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ، فَقالَ أحَدُهُمْ: ما أتَمَنّى بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أكُونَ ساقَيَ الحُجّاجِ، وقالَ الآخَرُ: إلّا أنْ أكُونَ خادِمَ البَيْتِ وعامِرَهُ، وقالَ الثالِثُ: إلّا أنْ أكُونَ مُجاهِدًا في سَبِيلِ اللهِ، فَسَمِعَهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: اسْكُتُوا حَتّى أدْخُلَ عَلى النَبِيِّ  فَأسْتَفْتِيَهُ، فَدَخَلَ فاسْتَفْتاهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: إنَّ المُسْلِمِينَ عَيَّرُوا أسْرى بَدْرٍ بِالكُفْرِ، فَقالَ العَبّاسُ: بَلْ نَحْنُ سُقاةُ الحاجِّ وَعَمَرَةُ البَيْتِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ فَقالَ العَبّاسُ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ: أنا حاجِبٌ لِلْكَعْبَةِ فَلا نُهاجِرُ، فَنَزَلَتْ ﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأمْرِهِ  ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: وهَذا كُلُّهُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ العَبّاسَ، وعَلِيًّا وعُثْمانَ بْنَ طَلْحَةَ تَفاخَرُوا، فَقالَ العَبّاسُ: أنا ساقِي الحاجِّ، وقالَ عُثْمانُ: أنا عامِرُ البَيْتِ ولَوْ شِئْتُ بَتُّ فِيهِ، وقالَ عَلِيٌّ: أنا صاحِبُ جِهادِ الكُفّارِ مَعَ النَبِيِّ  والَّذِي آمَنتُ وهاجَرْتُ قَدِيمًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع جملة ﴿ إنما يعمر مساجد الله ﴾ الاستئناف البياني، لأنّ جملة: ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ﴾ [التوبة: 17] لمّا اقتضت إقصَاء المشركين عن العبادة في المساجد كانت بحيث تثير سؤالاً في نفوس السامعين أن يتطلّبوا من هم الأحقّاء بأن يعمروا المساجد، فكانت هذه الجملة مفيدة جواب هذا السائِل.

ومجيء صيغة القصر فيها مؤذن بأنّ المقصود إقصاء فِرق أخرى عن أن يعمروا مساجد الله، غير المشركين الذين كان إقصاؤهم بالصريح، فتعيّن أن يكون المراد من الموصول وصلته خصوص المسلمين، لأنّ مجموع الصفات المذكورة في الصلة لا يثبت لغيرهم، فاليهود والنصارى آمنوا بالله واليوم الآخر لكنّهم لم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة، لأنّ المقصود بالصلاة والزكاة العبادتان المعهودتان بهذين الاسمين والمفروضتان في الإسلام، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين ﴾ [المدثر: 43، 44] كناية عن أن لم يكونوا مسلمين.

واستغني عن ذكر الإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم بما يدلّ عليه من آثار شريعته: وهو الإيمان باليوم الآخر، وإقامُ الصلاة: وإيتاء الزكاة.

وقصر خشيتهم على التعلّق بجانب الله تعالى بصيغة القصر ليس المراد منه أنّهم لا يخافون شيئاً غير الله فإنّهم قد يخافون الأسَد ويخافون العدوّ، ولكن معناه إذا تردّد الحال بين خشيتهم الله وخشيتهم غيره قدّموا خشية الله على خشية غيره كقوله آنفاً ﴿ أتخشونهم فاللَّهُ أحق أن تخشوه ﴾ [التوبة: 13]، فالقصر إضافي باعتبار تعارض خشيتين.

وهذا من خصائص المؤمنين: فأمّا المشركون فهم يخشون شركاءهم وينتهكون حرمات الله لإرضاء شركائهم، وأمّا أهل الكتاب فيخشون الناس ويعصون الله بتحريف كَلمِه ومجاراة أهواء العامّة، وقد ذكَّرهم الله بقوله: ﴿ فلا تخشوا الناس واخشون ﴾ [المائدة: 44].

وفرّع على وصف المسلمين بتلك الصفات رجاء أن يكونوا من المهتدين، أي من الفريق الموصوف بالمهتدين وهو الفريق الذي الاهتداء خُلق لهم في هذه الأعمال وفي غيرها.

ووجه هذا الرجاء أنّهم لما أتوا بما هو اهتداء لا محالة قوي الأمل في أن يستقرّوا على ذلك ويصير خُلُقا لهم فيكونوا من أهله، ولذلك قال: ﴿ أن يكونوا من المهتدين ﴾ ولم يقل أن يكونوا مهتدين.

وفي هذا حثّ على الاستزادة من هذا الاهتداء وتحذير من الغرور والاعتماد على بعض العمل الصالح باعتقاد أنّ بعض الأعمال يغني عن بقيتها.

والتعبير عنهم باسم الإشارة للتنبيه على أنّهم استحقّوا هذا الأمل فيهم بسبب تلك الأعمال التي عُدّت لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي المَسْجِدَ الحَرامَ.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما كانَ لَهم أنْ يَعْمُرُوها بِالكُفْرِ لِأنَّ مَساجِدَ اللَّهِ تَعالى تُعَمَّرُ بِالإيمانِ.

والثّانِي: ما كانَ لَهم أنْ يُعَمِّرُوهُ بِالزِّيارَةِ لَهُ والدُّخُولِ إلَيْهِ.

﴿ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ فِيما يَقُولُونَهُ أوْ يَفْعَلُونَهُ دَلِيلًا عَلى كُفْرِهِمْ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ إقْرارُهُمْ، فَكَأنَّ ذَلِكَ مِنهم هو شَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: يَعْنِي شاهِدِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  بِالكُفْرِ لِأنَّهم كَذَّبُوهُ وأكْفَرُوهُ وهو مِن أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ النَّصْرانِيَّ إذا سُئِلَ ما أنْتَ؟

قالَ: نَصْرانِيٌّ، واليَهُودِيُّ إذا سُئِلَ قالَ: يَهُودِيٌّ، وعابِدُ الوَثَنِ يَقُولُ: مُشْرِكٌ، وكانَ هَؤُلاءِ كُفّارًا وإنْ لَمْ يُقِرُّوا بِالكُفْرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ في هَذِهِ المَساجِدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَواضِعُ السُّجُودِ مِنَ المُصَلّى، فَعَلى هَذا عِمارَتُها تَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالمُحافَظَةِ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ.

والثّانِي: بِتَرْكِ الرِّياءِ.

والثّالِثُ: بِالخُشُوعِ والإعْراضِ عَمّا يَنْهى.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها بُيُوتُ اللَّهِ تَعالى المُتَّخَذَةُ لِإقامَةِ الصَّلَواتِ، فَعَلى هَذا عِمارَتُها تَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: إنَّما يُعَمِّرُها بِالإيمانِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: إنَّما يُعَمِّرُها بِالزِّيارَةِ لَها والصَّلاةِ فِيها مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى.

والثّالِثُ: إنَّما يَرْغَبُ في عِمارَةِ بِنائِها مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى.

﴿ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهم تَحْذِيرًا مِن فِعْلِ ما يُخالِفُ هِدايَتَهم.

والثّانِي: أنَّ كُلَّ (عَسى) مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ وإنْ كانَتْ مِن غَيْرِهِ تَرَجِّيًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ﴾ وقال: ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ﴾ فنفي المشركين من المسجد يقول: من وحَّد الله وآمن بما أنزل الله: ﴿ وأقام الصلاة ﴾ يعني الصلوات الخمس ﴿ ولم يخش إلا الله ﴾ يقول: لم يعبد إلا الله ﴿ فعسى أولئك ﴾ يقول: أولئك هم المهتدون كقوله لنبيه ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ [ الاسراء: 79] يقول: إن ربك سيبعثك مقاماً محموداً وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن فهي واجبة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله ﴾ قال: إنما هو مسجد واحد.

وأخرج ابن المنذر عن حماد قال: سمعت عبد الله بن كثيِّر يقرأ هذا الحروف ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله...، إنما يعمر مسجد الله ﴾ .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإِيمان، قال الله: ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله وباليوم الآخر ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من سمع النداء بالصلاة ثم لم يجب ويأتي المسجد ويصلي فلا صلاة له وقد عصى الله ورسوله.

قال الله: ﴿ إنما يعمر مساجد الله ﴾ الآية.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله سبحانه يقول: إني لأهمُّ بأهل الأرض عذاباً، فإذا نظرت إلى عُمّار بيوتي، والمتحابين فيّ، والمستغفرين بالأسحار، صرفت عنهم» .

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن معمر عن رجل من قريش يرفع الحديث قال: يقول الله تبارك وتعالى «إن أحب عبادي إليّ الذين يتحابون فيّ، والذين يعمرون مساجدي، والذين يستغفرون بالأسحار، أولئك الذين إذا أردت بخلقي عذاباً ذكرتهم فصرفت عذابي عن خلقي» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبزار وحسنه والطبراني والبيهقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كتب إلى سلمان: يا أخي، ليكن المسجد بيتك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المسجد بيت كل تقي» ، وقد ضمن الله لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والراحة، والجواز إلى الصراط إلى رضوان الرب.

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن قتادة رضي الله عنه قال: كان يقال: ما زي المسلم إلا في ثلاث: في مسجد يعمره، أو بيت يكنه، أو ابتغاء رزق من فضل ربه.

وأخرج أبو بكر عبد الرحمن بن القاسم بن الفرج الهاشمي في جزئه المشهور بنسخة أبي مسهر عن أبي ادريس الخولاني رضي الله عنه قال: المساجد مجالس الكرام.

وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن للمساجد أوتاد، الملائكة جلساؤهم، إن غابوا يفتقدونهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم، ثم قال: جليس المسجد على ثلاث خصال: أخ مستفاد، أو كلمة محكمة، أو رحمة منتظرة» .

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بيوت الله في الأرض المساجد، وإن حقاً على الله أن يكرم الزائر» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي في شعب الايمان عن عمرو بن ميمون الأودي رضي الله عنه قال: أخبرنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن المساجد بيوت الله في الأرض، وأنه لحق على الله أن يكرم من زاره فيها.

وأخرج البزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط والبيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا عاهة من السماء أنزلت صرفت عن عُمار المساجد» .

وأخرج البيهقي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: إن للمساجد أوتاداً هم عُمارها، وإن لهم جلساء من الملائكة تفتقدهم الملائكة إذا غابوا، فإن كانوا مرضى عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم.

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن عدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ألف المسجد ألفه الله» .

وأخرج الطبراني عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أدمن الاختلاف إلى المسجد أصاب أخاً مستفاداً في الله، وعلماً مستظرفاً، وكلمة تدعوه إلى الهدى، وكلمة تصرفه عن الردى، ويترك الذنوب حياء وخشية أو نعمة أو رحمة منتظرة» .

وأخرج الطبراني بسند صحيح عن سلمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من توضأ في بيته ثم أتى المسجد فهو زائر الله، وحق على المزور أن يكرم الزائر» .

وأخرجه ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سلمان موقوفاً.

وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بشر المشائين في ظلم الليالي بالنور التام يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني والبيهقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد آتاه الله نوراً يوم القيامة» .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بشر المدلجين إلى المساجد في الظلم بمنابر من نور يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزعون» .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغدوّ والرواح إلى المسجد من الجهاد في سبيل الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن مغفل رضي الله عنه قال: كنا نتحدث أن المسجد حصن حصين من الشيطان.

وأخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: المساجد بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض.

وأخرج أحمد عن عبد الله بن عمير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً أوسع منه في الجنة» .

وأخرج أحمد والطبراني عن بشر بن حيان قال: جاء واثلة بن الأسقع رضي الله عنه ونحن نبني مسجدنا، فوقف علينا فسلم ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من بنى مسجداً يصلي فيه بنى الله له بيتاً في الجنة أفضل منه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبزار عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتاً في الجنة» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بنى مسجداً لا يريد به رياء ولا سمعة بنى الله له بيتاً في الجنة» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بنى بيتاً يعبد الله فيه من مال حلال بنى الله له بيتاً في الجنة من در وياقوت» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بنى مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من بنى مسجداً يذكر اسم الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابنوا المساجد واتخذوها حمى» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمرنا أن نبني المساجد جماً والمدائن شرفاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهينا أن نصلي في مسجد مشرف.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شقيق رضي الله عنه قال: إنما كانت المساجد جماً، وإنما شرف الناس حديثاً من الدهر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان يقال: ليأتين على الناس زمان يبنون المساجد يتباهون بها، ولا يعرفونها إلا قليلاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن الأصم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أمرت بتشييد المساجد» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لتزخرفن مساجدكم كما زخرفت اليهود والنصارى مساجدهم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رضي الله عنه قال: إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار عليكم.

وأخرج الطبراني في مسند الشاميين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من علق قنديلاً في مسجد صلى عليه سبعون ألف ملك، واستغفر له ما دام ذلك القنديل يقد» .

وأخرج سليم الرازي في الترغيب عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه» .

وأخرج أبو بكر الشافعي رضي الله عنه في رباعيته والطبراني عن أبي قرصافة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها.

وسمعته يقول: اخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين، وسمعته يقول: من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة.

فقالوا: يا رسول الله وهذه المساجد التي تبنى في الطرق؟

فقال: وهذه المساجد التي تبنى في الطرق» .

وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: «مررت مع النبي صلى الله عليه وسلم في طريق من طرق المدينة، فرأى قبة من لبن فقال: لمن هذه؟

قلت: لفلان.

فقال: إن كلَّ بناء كلَّ على صاحبه يوم القيامة إلا ما كان من مسجد، ثم مر فلم يرها قال: ما فعلت القبة؟

قلت: بلغ صاحبها ما قلت، فهدمها فقال: رحمه الله» .

وأخرج أحمد في الزهد والحكيم الترمذي عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال: يقول الله «إني لأهمّ بعذاب أهل الأرض، فإذا نظرت إلى جلساء القرآن وعمار المساجد وولدان الإِسلام سكن غضبي» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ أي: إنما يعمرها بحقها من آمن بالله، وقال رسول الله -  - "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالايمان؛ فإن الله -عز وجل- يقول ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ " (١) وقوله تعالى: ﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَآتَى الزَّكَاةَ ﴾ ، قال ابن عباس: "يعني المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان" (٢)  في هذا (٣) ﴿ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ﴾ دليل على تصديقه؛ لأن المعنى: وآتى الزكاة التي أتى بتحديدها الرسول  (٤) قال أهل المعاني: "يريد من كان بهذه الصفة كان من أهل عمارة المسجد، وليس المعنى أن من عمرها كان بهذه الصفة" (٥)  - في الخبر الذي ذكرنا.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ ، قال الزجاج: "تأويله: لم يخف في باب الدين إلا الله جل وعز" (٦) وقال أهل المعاني: "يعني: لا يترك هذه العبادات لخشية أحد ولكن يخشى الله فيقيم ذلك، والخشية من غير الله المنهي عنها أن يترك أمر الله لخشية غيره، فأما أن يخشى الناس خشية لا تؤديه إلى ترك أمر الله فليس بمنهى عنه" (٧) وقوله تعالى: ﴿ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ أي فأولئك هم المهتدون، وعسى من الله واجبة، ولكن ذكر بلفظ "عسى" ليكونوا على رجاء وطمع وحذر، وابن عباس والمفسرون يقولون: "عسى واجبة من الله" (٨) (١) رواه الترمذي في "سننه" (3093)، كتاب التفسير، باب ومن سورة التوبة، وقال: حديث حسن غريب، ورواه أيضًا الدارمي في "سننه"، كتاب الصلاة، باب المحافظة على الصلوات، رقم (1223) 1/ 302، وأحمد في "المسند" 3/ 68، 76، والحاكم في "المستدرك"، كتاب الصلاة 1/ 212 وصححه، وتعقبه الذهبي بأن في سنده دراجًا وهو كثير المناكير.

قلت: وجميع أسانيد هذا الحديث في مصادره السابقة تدور على دراج بن سمعان عن أبي الهيثم وهي ضعيفة.

قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في "التقريب" ص 201 (1824): (صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف.

وضعف الحديث أيضًا الألباني في "ضعيف الجامع الصغير وزياداته" رقم (608) 1/ 184.

(٢) لم أقف على مصدره.

(٣) في (ى): (في هذه الآية)، وما أثبته موافق لما في المصدر التالى.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 438 بتصرف.

(٥) انظر: "زاد المسير" 3/ 409، و"الوسيط" 2/ 484، ولم أجده في كتاب أهل المعاني.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 438، وليس فيه لفظ (جل وعز).

(٧) ذكر العلماء أن الخشية والخوف أربعة أقسام: == الأول: خوف السر، وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء من مرض أو فقر ونحو ذلك بقدرته ومشيئته، فهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله أصلاً، ومن خاف غيره هذا الخوف فهو مشرك شركًا أكبر.

قال تعالى: ﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ  ﴾ .

الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الطاعة من غير عذر إلا خوف الناس، فهذا محرم.

الثالث: خوف وعيد الله الذي توعد به العصاة، وهذا من أعلى مراتب الإيمان.

الرابع: الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو أو سبع ونحو ذلك، فهذا لا يذم، وهو الذي ذكره الله عن موسى-  - في قوله تعالى: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ  ﴾ .

انظر: "تيسير العزيز الحميد" ص 486، و"فتح المجيد" ص 352.

(٨) رواه عن ابن عباس، ابن جرير 10/ 94، وابن أبي حاتم 6/ 1766 من طريق علي ابن أبي طلحة الوالبي وهو في صحيفته ص260، وقد ذهب إلى هذا القول الثعلبي 6/ 85 ب، والبغوي 4/ 20، والماوردي 2/ 348، والقرطبي 8/ 91 وغيرهم، ولم أجده عن الحسن.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مساجد الله ﴾ أي ليس لهم ذلك بالحق والواجب، وإن كانوا قد عمروها تغليباً وظلماً، ومن قرأ مساجد بالجمع أراد جميع المساجد، ومن قرأ بالتوحيد أراد المسجد الحرام ﴿ شاهدين على أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ أي أن أحوالهم وأقوالهم تقتضي الإقرار بالكفر، وقيل: الإشارة إلى قولهم في التلبية: لا شريك لك إلا شريكاً هو لك ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج ﴾ الآية: سببها أن قوماً من قريش افتخروا بسقاية الحاج، وبعمارة المسجد الحرام؛ فبين الله أن الجهاد أفضل من ذلك، ونزلت الآية في علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة افتخروا فقال طلحة أنا صاحب البيت وعندي مفاتحه.

وقال العباس: أنا صاحب السقاية، وقال علي: لقد أسلمت قبل الناس، وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مسجد الله ﴾ ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: على الجمع ﴿ يبشرهم ﴾ خفيفاً: حمزة ﴿ وعشيراتكم ﴾ على الجمع: أبو بكر وحماد وجبلة ﴿ وضاقت ﴾ ونحو ممالة: حمزة ﴿ رحبت ثم ﴾ مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ بالكفر ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه لئلا يشتبه بالوصف ﴿ وأنفسهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "الذين" ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ مقيم ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ على الإيمان ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ كثيرة ﴾ لا لعطف الظرف على الظرف ﴿ حنين ﴾ لا لأن "إذ" ظرف ﴿ نصركم ﴾ .

﴿ مدبرين ﴾ ه ج للآية والعطف.

﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج ﴿ إن شاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: إنه  بدأ السورة بذكر البراءة من المشركين وبالغ في إيجاب ذلك بتعداد فضائحهم وقبائحهم، ثم أراد يحكي شبهاتهم التي كانوا يحتجون في أن هذه البراءة غير جائزة مع الجواب عنها.

قال المفسرون: لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيروه بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ علي  له القول فقال العبّاس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟

فقال علي  ألكم محاسن؟

فقال: نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني فأنزل الله تعالى رداً عليهم ﴿ ما كان للمشركين ﴾ ما صح لهم وما استقام ﴿ أن يعمروا مسٰجد الله ﴾ يعني المسجد الحرام.

ومن قرأ على الجمع فإما أن يراد جميع المساجد فيشمل المسجد الحرام أيضاً الذي هو أشرفها وهذا آكد لأن طريقه طريق الكناية كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله كنت أنفي لقراءته القرآن من تصريحك بذلك، أو يراد المسجد الحرام وجمع لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد، أو لأن بقعة منه مسجد.

قال الفراء: العرب قد تضع الواحد مكان الجمع كقولهم: فلان كثير الدرهم، وبالعكس كقولهم: فلان يجالس الملوك ولعله لم يجالس إلا ملكاً واحداً.

وعمارة المسجد إما لزومه وإما كثرة إتيانه للصلاة والاعتكاف، ولا شك أنه ليس للمشرك ذلك وإما مرمته وتعهده، وليس للمشرك هذا أيضاً لأنه يجري مجرى الإنعام على المسلمين ولا ينبغي أن يكون للكافر منه على أهل الإسلام، ولأن دخوله المسجد يؤدي إلى تلوث المسجد إما لكونه نجساً في الحكم، وإما لأنه قلما يحترز من النجاسات.

وما روي أنه صلى الله عليه وآله أنزل وفد ثقيف في المسجد وهم كفار وشدّ ثمامة بن أثال الحنفي على سارية من سواري المسجد محمول على تعظيم شأنه  كأنه أراد أن يكون ذلك بمحضر منه وهو في المسجد.

وقوله ﴿ شاهدين على أنفسهم ﴾ حال من الواو في ﴿ يعمروا ﴾ والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة معابد الله مع الكفر به.

وفي تفسير هذه الشهادة أقوال أصحها أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب النبي والقرآن ولهذا قال السدي: هي أن النصراني إذا قيل له ما أنت؟

قال: نصراني.

واليهودي يقول: يهودي، وعابد الوثن يقول: أنا عابد الوثن.

وقيل: هي قولهم في طوافهم "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك".

وعن ابن عباس أنه قال: المراد أنهم يشهدون على محمد بالكفر.

وإنما جاز هذا التفسير لقوله  ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم  ﴾ ثم بيّن  ما هو الحق في هذا الباب فقال ﴿ أولئك حبطت أعمالهم ﴾ الصادرة عنهم كإكرام الوالدين وبناء الربط وإطعام الجائع لأنه لا يفيد مع الكفر طاعة لأن الكفر يوجب عقاب الأبد ولهذا قال ﴿ وفي النار هم خالدون ﴾ ولإفادة هذا التركيب الحصر احتجت الأشاعرة به على خلاص صاحب الكبيرة.

ثم وصف من له استئهال عمارة المسجد فقال ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ لأن المرء ما لم يعرف المبدأ والمعاد لا يصح منه التوجه إليه.

وإنما طوى ذكر الرسول تنبيهاً على أنه واسطة والتوجه الحقيقي من الله وإلى الله ولهذا ورد في الحديث: "المصلي يناجي ربه" .

وقيل: إن المشركين كانوا يقولون إن محمداً ادّعى رسالة الله طلباً للرياسة والملك فلنفي هذه التهمة ترك ذكره  .

وقيل: دل عليه بقوله ﴿ وأقام الصلاة وآتى الزكاة ﴾ لأنهما معلومتان من أفعاله  ولما في الصلاة من التشهد وقبلها الأذان والإقامة.

ثم إن إقامة الصلاة لا ريب أن فيها عمارة المسجد والحضور فيه، وأما إيتاء الزكاة فإنما كان سبباً للعمارة لأنه يحضر المسجد طوائف الفقراء والمساكين لأخذ الزكاة، ولأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد وإصلاحه نفل والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لم يشتغل بالنافلة، فلو لم يكن مؤدياً للزكاة فالظاهر أنه لم يشتغل بعمارة المسجد.

ثم قال ﴿ ولم يخش إلا الله ﴾ ليعلم أنه لو أتى المسجد وبناه رياء وسمعة لم يكن عامراً له.

فعلى المؤمن أن يختار في جميع الأحوال رضوان الله على غيره فإن ذلك لو ضره في العاجل فسينفعه في الآجل وفي إدخال كلمة "إنما" في صدر الآية تنبيه على أن من لم يكن موصوفاً بالصفات المذكورة لم يكن من أهل عمارة المسجد، وأن المسجد يجب صونه عن غير العبادة.

فقد روي عن النبي  أنه قال: "يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقاً ذكرهم الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة" وعنه  : "الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش" وقال صلى الله عليه وآله: قال الله  : "إن بيوتي في أرضي المساجد وإن زوّاري فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحقّ على المزور أن يكرم زائره" ومن عمارة المساجد تعظيمها والدرس فيها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح.

فعن أنس عن النبي  : "من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه" .

وفي قوله ﴿ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ﴾ حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم فإن الموصوفين بالصفات المذكورة إذا كان اهتداؤهم المستعقب لصلاح حالهم في الدارين دائراً بين عسى ولعل فما ظنك باهتداء المشركين ومغبتهم؟

وفيه أن المؤمن يجب أن لا يغتر بالله عزّ وجلّ.

هذا وقد مر أن بعض الأئمة ذهبوا إلى أن "عسى" من الله الكريم واجب.

وقال بعضهم: إن الرجاء راجع إلى العباد.

ثم إنه قال ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ ومعناه هبوا أن عمارة المسجد وسقي الحجيج يوجب لكم نوعاً من الفضيلة إلا أن هذه الأعمال في مقابلة الإيمان بالله والجهاد شيء نزر.

قال المفسرون: إنها نزلت في مناظرة جرت بين فريقين إلا أنهم اختلفوا فقيل: "كافر" و "مؤمن" لقوله ﴿ كمن آمن ﴾ وقصة ما مر أن العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج.

وروي أن المشركين قالوا لليهود: نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟

فقالت اليهود لهم: أنتم أفضل.

وقيل: إن كلا الفريقين مؤمن لقوله ﴿ أولئك أعظم درجة ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للمفضول أيضاً درجة.

وقصته ما روى عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله  فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أسقي الحاج.

وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أعمر المسجد الحرام.

وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم: فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله  وذلك يوم الجمعة ولكني إذا صليت دخلت فاستفتيت رسول الله  فيما اختلفتم فيه ففعل فأنزل الله الآية.

ويروى عن الحسن والشعبي أن طلحة قال: أنا صاحب البيت بيدي مفاتحه ولو أشاء بت فيه.

وقال العباس: وذلك بعد إسلامه أنه صاحب السقاية والقائم عليها.

وقال عليّ  : ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فنزلت.

وعن ابن سيرين: قال عليّ  للعباس بعد إن كان أسلم: ألا تهاجر ألا تلحق بالنبي  ؟

فقال: ألست في أفضل من الهجرة، ألست أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام؟

فنزلت هذه الآية.

فقال العباس: ما أراني إلا ترك سقايتنا.

فقال النبي  : "أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراً" .

والسقاية والعمارة مصدران من سقي وعمر، ولا بد من تقدير مضاف أي أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كخصال من آمن؟

ثم كان لسائل أن يسأل ما بال أحد الفريقين لا يشبه بالآخر فلا جرم قال مستأنفاً ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ ثم صرح بالمفضول فقال ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ أي المشركين ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ وأي ظلم أشنع من وضع أخس الموجودات وهو الأصنام مقام أشرفها وهو الله  .

وإنما لم يهدهم الله لعدم قابلية وقع في استعدادهم الفطري.

وذلك لكونهم مظاهر القهر فافهم.

ثم صرح بالفريق الفاضل فقال ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.

ثم من قال إن الفريقين المتناظرين كافر ومؤمن أورد عليه أن قوله: ﴿ أعظم درجة ﴾ وجب أن يكون للمفضول أيضاً درجة ولكنه ليس للكافر درجة.

وأجيب بأن هذا وارد على حسب ما كانوا يقدرونه لأنفسهم من الدرجة والفضيلة نظيره قوله: ﴿ أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ .

أو المراد أنهم أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفاً بالهجرة ولا الجهاد وإن كان مؤمناً فضلاً عن الكافر.

أو المراد ترجيح الإيمان والهجرة والجهاد على السقاية والعمارة.

ولا شك أنهما من أعمال والخير وموجبان للثواب لولا الكفر.

وفي قوله: ﴿ عند الله ﴾ تشريف عظيم لقوله ﴿ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ﴾ وكذا في قوله ﴿ وأولئك هم الفائزون ﴾ لدلالته على انحصار الفوز فيهم.

ثم فسر الفوز بقوله ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ﴾ التنكير فيها يفيد أنها وراء وصف الواصف، قال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالتبشير بالرحمة والرضوان إشارة إلى غاية التعظيم ونهاية الإجلال والجنات إشارة إلى حصول المنافع العظيمة.

وقوله ﴿ لهم فيها نعيم ﴾ إشارة إلى خلوص تلك المنافع عن شوائب الكدورات.

ثم عبر عن دوامها بثلاثة ألفاظ مؤكدات أولها ﴿ مقيم ﴾ وثانيها ﴿ خالدين ﴾ وثالثها ﴿ أبداً ﴾ وقال أهل التحقيق: الفرح بالنعمة قد يكون من حيث إنها نعمة وقد يكون من حيث إن المنعم خصه بها كالسلطان إذا أعطى بعض الحاضرين تفاحة مثلاً، ثم النعمة قد تكون حسية وقد تكون عقلية فقوله ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ إشارة إلى أعلى المراتب وهو مقام العارفين الذين نظرهم على مجرد سماع البشارة لا على المبشر به.

وقوله ﴿ برحمة منه ورضوان ﴾ إشارة إلى المرتبة الوسطى وهم العاكفون على عتبة اللذات الروحانية العقلية.

وقوله ﴿ جنات ﴾ إلى آخره إشارة إلى المرتبة السفلى وهم الواقفون عند ساحات مواقع اللذات الحسيات.

وفي تخصيص الرب بالمقام إشارة إلى أن الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها يبشركم بخيرات دائمة وسعادات باقية لا حصر لها.

ويجوز أن تكون الرحمة إشارة إلى رضا العبد بقضائه فيسهل عليه الغموم والآفات، والرضوان إشارة إلى رضاه عن العبد فيكون كقوله ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية  ﴾ ثم أكد المعاني المذكورة بقوله ﴿ الله عنده أجر عظيم ﴾ وفي تصدير الجملة الاسمية بأن وفي لفظ "عند" وتقديمه وتنكير "أجر" ووصفه بالعظم مبالغات لا تخفى.

قال الكلبي: لما أمر رسول الله  الناس بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه ولأخيه ولقرابته إنا قد أمرنا بالهجرة فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله وولده فيقولون: ننشدك الله أن لا تدعنا إلى غير شيء فنضيع فيرق فيجلس معهم ويدع فنزل فيهم ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ الآيتين.

وذكروا في وجه النظم أن هذه الآية جواب عن شبهة أخرى قالوها وهي أنه كيف يمكن دعوى البراءة من الكفار وبينهم وبين المسلمين قرابات ومواصلات ومعاملات؟

فذكر الله  أن الانقطاع عن الآباء والأبناء والإخوان واجب بسبب الكفر.

ومعنى استحبوا اختاروا وهو في الأصل طلب المحبة.

ثم إن النهي كان يحتمل أن يكون نهي تنزيه لا تحريم فلإزالة الوهم ختم الآية بقوله ﴿ ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ﴾ قال ابن عباس: يريد أنه يكون مشركاً مثلهم لأن الرضا بالشرك شرك.

وعن النبي  : "لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله حتى يحب في الله أبعد الناس ويبغض في الله أقرب الناس" .

وعن ابن عباس: هي في المهاجرين خاصة كان قبل فتح مكة من آمن لم يتم إيمانه إلا بأن يهاجر ويصارم أقاربه الكفرة ويقطع موالاتهم..

فقالوا: يا رسول الله إن نحن اعتزلنا من يخالفنا في الدين قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وهلكت أموالنا وخربت ديارنا ضائعين فنزلت ﴿ قل إن كان آباؤكم ﴾ الآية.

فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه وأبوه وأخوه أو بعض أقاربه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه ثم رخص لهم بعد ذلك.

وقيل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة فنهى الله عزّ وجلّ عن موالاتهم.

قال الواحدي: عشيرة الرجل أهله الأدنون وهم الذين يعاشرونه.

ومن قرأ على الوحدة فلأن العشيرة اسم جمع.

ومن قرأ على الجمع فلأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة.

قال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات وإنما يجمعونها على عشائر القرآن حجة عليه.

والاقتراب الاكتساب والتركيب يدور على الدنو والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه.

والترتيب المذكور في الآية غاية الحسن لأن أعظم الأسباب الداعية إلى المخالطة القرابة القريبة ثم البعيدة، ثم إنه يتوسل بتلك المخالطة إلى إبقاء الأموال المكتسبة ثم إلى التجارات المثمرة، وفي آخر المراتب الرغبة في الأوطان التي بنيت للسكنى، فبيّن  أنه يجب تحمل هذه المضار في الدنيا ليبقى الدين سليماً، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى عندهم من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله ﴿ فتربصوا ﴾ انتظروا بما تحبون ﴿ حتى يأتي الله بأمره ﴾ عن الحسن هو عقوبة عاجلة أو آجلة.

وقيل: يعني القتال.

وعن ابن عباس: هو فتح مكة وفيه بعد لما روي أن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن طاعة الله إلى معصيته ولا يخفى ما فيه من التهديد.

ثم لما أوجب ترك مصالح الدنيا لأجل الدين أراد أن يبين أن كل من أعرض عن الدنيا لأجل مصالح دينه فإن الله  يراعي مصالح دنياه فيفوز بسعادة الدارين وضرب لنا مثلاً فقال ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ﴾ قال الواحدي: النصر المعونة على الأعداء خاصة، والمواطن جمع موطن وهو كل موضع أقام به الإنسان لأمر.

ومواطن الحرب مقاماتها ومواقعها.

وامتناعها من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع ولا هاء كمساجد.

والمواطن الكثيرة غزوات الرسول  وهي على ما في الصحاح تسع عشرة منها: غزوة بدر وقريظة والنضير وأحد وغزوة الخندق وذات الرقاع وغزوة بني المصطلق وغزوة أنمار وغزوة ذي قرد وخيبر والحديبية والفتح.

﴿ ويوم حنين ﴾ أي يوم حنين.

واستبعد صاحب الكشاف عطف الزمان على المكان فقال: معناه في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين، وجوّز أن يراد بالموطن الوقت كمقتل الحسين  قال علي: أن الواجب أن يكون يوم ﴿ حنين ﴾ منصوباً بالفعل مضمر لا بهذا الظاهر أي ونصركم يوم حنين لأن قوله ﴿ إذ أعجبتكم كثرتكم ﴾ بدل من ﴿ يوم حنين ﴾ فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع المواطن ولم يكونوا كثيراً في جميعها، وجوّز أن يكون "إذ" منصوباً بإضمار "اذكر".

قلت: ولعله لا حاجة إلى هذه التكلفات فلا استبعاد في عطف الزمان والمكان، وما جعل بدلاً عن الزمان لا يلزم أن يكون بدلاً عن المكان حتى يكون الفعل الأوّل مقيداً بهما جميعاً.

وحنين وداً بين مكة والطائف.

قال المفسرون: لما فتح رسول الله  مكة وقد بقيت أيام من شهر رمضان خرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف.

واختلفوا في عدد عسكر رسول الله  حينئذ فعن عطاء عن ابن عباس كانوا ستة عشر ألفاً.

وقال قتادة: كانوا اثني عشر ألفاً وعشرة الآف من الذين حضروا مكة وألفان من الطلقاء الأسارى الذين أعتقهم رسول الله  .

وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف.

وبالجملة كانوا عدداً كثيرين وكانت هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة.

فهذه الكلمة ساءت رسول الله  وهي المراد من قوله ﴿ إذ أعجبتكم ﴾ وقيل: قالها أبو بكر.

وقيل: رسول الله  وهو بعيد لأنه كان في جميع الأحوال متوكلاً على الله منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها.

ثم قال ﴿ فلم تغن عنكم شيئاً ﴾ والإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة أي لم تعطكم الكثرة شيئاً يدفع حاجتكم ولم تفدكم ﴿ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ﴾ "ما" مصدرية والباء بمعنى "مع" والرحب السعة والجار والمجرور في موضع الحال أي متلبسة برحبها كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، والمعنى أنكم لشدة ما لحقكم من الرعب لم تجدوا في الأرض ذات الطول والعرض موضعاً يصلح لهربكم إليه وكأنها ضاقت عليكم ﴿ ثم وليتم مدبرين ﴾ أي انهزمتم انهزاماً.

قال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله  ولم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحرث، والذي لا إله إلا الله ما ولى رسول الله  دبره قط، ولقد رأيته وأبو سفيان أخذ بالركاب والعباس آخذ بلجام الدابة وهو يقول: أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب *** وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يبالي وكانت بغلته شهباء ثم قال للعباس: ناد المهاجرين والأنصار وكان العباس رجلاً صيتاً فنادى يا أصحاب الشجرة فرجعوا ونزلت الملائكة عليهم ثياب بيض وهم على خيول بلق، وأخذ رسول الله  بيده كفاً من الحصباء فرماهم بها وقال: شاهت الوجوه، فما زال جدهم مدبراً وحدهم كليلاً ولم يبق منهم أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب فانهزموا وذلك قوله  ﴿ ثم أنزل الله سكينته ﴾ رحمته التي سكنوا بها وآمنوا ﴿ على رسوله وعلى المؤمنين ﴾ الذين كانوا انهزموا وعلى الذين ثبتوا مع رسول الله  حين وقع الهرب.

﴿ وأنزل الله جنوداً لم تروها ﴾ يعني الملائكة ستة عشر ألفاً أو ثمانية آلاف أو خمسة آلاف على اختلاف الروايات.

وعن سعيد بن المسيب قال: حدّثني رجل كان من المشركين يوم حنين: قال لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم فلما انتهينا إلى صاحب البلغة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه حسان فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا وركبوا أكتافنا.

واختلفوا في قتال الملائكة فقيل: قاتلوا.

وقيل: ما قاتلوا إلا يوم بدر وإنما نزلوا في هذا اليوم لتكثير السواد ولإلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين.

ثم قال ﴿ وعذب الذين كفروا ﴾ أي بالقتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذراري.

واحتجت الأشاعرة بإنزال السكينة وهي داعية السكون والثبات وبقوله ﴿ وعذب ﴾ على أن الدواعي والأفعال كلها بخلق الله  .

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وذلك جزاء الكافرين ﴾ واعلم أن الحنفية تمسكوا في مسألة الجلد مع التغريب بقوله  ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا  ﴾ قالوا الفاء للجزاء اسم للكافي وكون الجلد كافياً يمنع أن يكون غيره مشروعاً معه.

وأجابت الشافعية بأنه قال  في هذه الآية ﴿ ذلك ﴾ أي الأخذ والأسر ﴿ جزاء الكافرين ﴾ سمي العذاب العاجل جزاءً مع أنه غير كافٍ لأن العذاب الآجل باقٍ.

أما قوله ﴿ ثم يتوب الله من بعد ذلك ﴾ أي يسلم ناس منهم.

"روي أن ناساً منهم جاؤا تائبين فأسلموا وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرهم وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا.

قيل سبي يومئذ ستة آلاف نفس وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى.فقال: إن عندي ما ترون العساكر الفقراء وإن خير القول أصدقه، اختاروا وإما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم.

قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً.

فقام رسول الله  فقال: إن هؤلاء جاؤا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً.

فمن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يرده فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه.

قالوا: رضينا وسلمنا فقال: إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا.

فرفعت إليه  العرفاء أن قد رضوا" .

ثم إنه  أجاب عن شبهة أخرى لهم وذلك أن علياً  حين قرأ عليهم براءة فنبذ إليهم عهدهم قال أناس: يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات فقال  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ﴾ قال في الكشاف: هو مصدر كالقذر ومعناه ذوو ونجس.

وقال الليث: إنه صفة يستوي فيه الواحد وغيره: رجل نجس وقوم نجس وامرأة نجس.

قلت ويجوز أن يجعل المصدر نغتاً للمبالغة في الوصف.

واختلف في تفسير كون المشرك نجساً فعن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير.

وعن الحسن من صافح مشركاً توضأ وهو قول الهادي من أئمة الزيدية.

وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم واحتج القاضي على ذلك بما روي أنه  شرب من أوانيهم وبأنه لو كان نجس العين لما تبدلت النجاسة بسبب الإسلام، وأوّلوا الآية بأن معناها أنهم لا يغتسلون عن الجنابة ولا يتوضؤون عن الحدث، أو أنهم بمنزلة الشيء النجس في وجوب الاجتناب والاحتراز عنهم، أو أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ وهي السنة التاسعة من الهجرة التي وقع النداء فيها بالبراءة من المشركين واختلفوا في هذا النهي فعن أبي حنيفة وأصحابه أن المراد أن لا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، والدليل عليه قول علي  في النداء: ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك.

وقال الشافعي: المراد المنع من الدخول فيه وهو ظاهر النص.

وقاس مالك سائر المساجد على المسجد الحرام في المنع من الدخول فيه.

وقيل: المراد أن يمنعوا من تولي المسجد الحرام والقيام بمصالحه ويعزلوا عن ذلك.

وعن عطاء أن المراد بالمسجد الحرام والحرم وأن على المسلمين أن لا يمكنوهم من دخوله، ونهي المشركين أن يقربوهراجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه لقوله ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ أي فقراً بسبب منع المشركين وموضع التجارات ليس هو عين المسجد بل الحرم كله.

ومن قال إن المراد منعهم من الحج قال إنهم إذا لم يحضروا الموسم لم يحصل للمسلمين ما كان لهم في قدومهم عليهم من الأرفاق والمكاسب فلهذا خافوا الفقر، ثم وعدهم الله إزالة الفقر بقوله ﴿ فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ أي من تفضله بوجه آخر قال عكرمة: أنزل الله عليهم المطر فكثر خيرهم.

وعن الحسن: جعل الله لهم أخذ الجزية بدلاً عن ذلك.

وقيل:أغناهم من الفيء.

وعن مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش وحملوا الطعام إلى مكة فكان ذلك أعود عليهم.

واعلم أن هذا إخبار بالغيب وقد وقع فكان معجزاً.

ومعنى ﴿ إن شاء ﴾ تعليم وإرشاد وأن لا يغتر المسلمون بذلك فيتركوا التضرع إلى الله واللجأ إليه، وليعلم أن حصول ذلك لا يكون في كل الأوقات لأغراض ومقاصد لا يعلمها إلا ضابط الأمور ورابط الأسباب، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن الله عليم ﴾ أي بأحوالكم ﴿ حكيم ﴾ لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب.

التأويل: ما كان لمشركي النفوس الأمارة ﴿ أن يعمروا مساجد الله ﴾ وهي القلوب وهم مصرون على ما جبلوا عليه من التمرد وتعبد الهوى.

﴿ حبط أعمالهم ﴾ التي صدرت عنهم رياء وسمعة ﴿ إنما يعمر ﴾ القلوب ﴿ من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ صدق بأن المقصود والمعبود هو الله، وعمل لنيل السعادات الأخروية وأدام المناجاة مع الله بصدق الطلب، وزكى نفسه عن الأخلاق الذميمة ولم يخف فوات الخطوط الدنيوية وإنما يخاف فوات الحقوق الإلهية.

﴿ سقاية الحاج ﴾ خدمة هذه الطائفة للأغراض الفاسدة ﴿ وعمارة المسجد الحرام ﴾ الأعمال الموجبة لعمارة القلوب إذا كانت مشوبة بالرياء والهوى ﴿ لا يستوون عند الله ﴾ الطالبون والبطالون ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين يضعون الأعمال الصالحة في غير موضعها ﴿ الذين آمنوا ﴾ أي القلوب المؤمنة ﴿ وهاجروا ﴾ أي الأرواح المهاجرة إلى القوالب ﴿ وجاهدوا في سبيل الله ﴾ الجهاد الأكبر ﴿ بأموالهم وأنفسهم ﴾ ببذل الموجود والوجود جميعاً ﴿ يبشرهم ربهم ﴾ بعد الخلاص عن حبس الوجود بتجلي صفات لطفه وجنات الشواهد والكشوف ﴿ إن الله عنده أجر عظيم ﴾ أي من وصل إلى مقام العندية فالله يعظم أجره ﴿ لا تتخذوا آباءكم ﴾ الآيتان.

فيهما إشارة إلى أن آثر محبة المخلوق على محبة الخالق فقد أبطل الاستعداد الفطري لقبول الفيض الإلهي.

﴿ ويوم حنين ﴾ أي حين حنت قلوبكم شوقاً إلى لقاء ربها وحسبتم أنكم تبلغونه بكثرة الطاعات، وضاقت عليكم أرض الوجود ثم أعرضتم عن الطلب إذ احتجبتم بحجب العجب مدبرين إلى عالم الطبيعة الحيوانية ﴿ ثم أنزل الله سكينته ﴾ هي واردات ترد على الأرواح والقلوب فتسكن إلى ربها على رسول الروح وعلى القلوب المؤمنة ﴿ وأنزل جنوداً ﴾ من المواهب الربانية وعذب النفوس المتمردة باستعمالها في أحكام الشريعة وآداب الطريقة ﴿ ذلك جزاء الكافرين ﴾ أي علاج النفوس المتمردة ثم يتوب الله من بعد ذلكالعلاج بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ، ﴿ إنما المشركون ﴾ النفوس العابدة للدنيا والشيطان والهوى ﴿ فلا يقربوا ﴾ القلب ﴿ بعد عامهم هذا ﴾ وهو حالة البلوغ وجريان قلم التكليف على الإنسان، نهى القلوب حينئذ عن اتباع النفوس وأمرها بقتالها ومنعها عن طوافها لئلا تنجس كعبة القلب بنجاسة شرك النفس وأوصافها الذميمة ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ حظوظاً يستلذ بها عند اتباع النفس ﴿ فسوف يغنيكم الله ﴾ بعد انقطاع تصرفات النفس عن القلب بالواردات الربانية والكشوف الروحانية ﴿ إن الله عليم ﴾ بمستحقي فضله ﴿ حكيم ﴾ فيما دبر من قتال النفوس.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ .

وأيضاً قوله: [ ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ  ﴾ وقوله أيضاً]: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم ﴾ الآية [البقرة: 214]، وقوله: ﴿ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ...

﴾ الآية [ العنكبوت: 2] هذه الآيات كلها في المنافقين الذين أظهروا الإيمان باللسان، وأروا المؤمنين الذين حققوا الإيمان وأخلصوا الإسلام الموافقة لهم، فقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ ﴾ على ما أظهرتم من الإيمان باللسان فلا تبتلون بالقتال؛ جعل الله -  - القتال مع الكفرة - والله أعلم - وأمر به لمعنيين: أحدهما: تطهيراً للأرض من الكفر؛ كقوله -  -: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله  ﴾ .

والثاني: امتحاناً للمنافقين؛ ليبين نفاق من أظهر الإيمان باللسان مراءاة، وصدق من أظهره حقيقة؛ ليعرف المحق المخلص من المنافق المرائي؛ لأن القتال هو أرفع أعلام يظهر بها نفاق المنافق؛ لأنهم إنما كانوا يظهرون الموافقة لهم؛ طمعاً في الدنيا؛ لتسلم لهم المنافع التي كانوا ينتفعون بها، وفي الأمر بالقتال خوف الهلاك، فإذا خافوا الهلاك على أنفسهم امتنعوا عنه؛ كقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ﴾ الآية [الأحزاب: 18]؛ خوفاً وإشفاقاً على أنفسهم؛ لما ذكرنا أنهم إنما كانوا يظهرون الإيمان باللسان؛ ليسلم لهم ما طمعوا من المنافع؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ الآية [الحج: 11]، هذا وصف المنافق.

وأما المؤمن المحق للإيمان، المخلص للإسلام: فإنه يسلم نفسه لله في جميع أحواله، وإن كان فيه تلف نفسه؛ لما لم تكن عبادته لله على حرف ووجه كالمنافق، ولكن على الوجوه كلها، والأحوال جميعاً، عبادته تكون لله، لا يمنعه خوف الهلاك عن القتال؛ بل نفسه تخضع لذلك وترضى، ولا كذلك المنافق.

وقد ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يكون على الإيجاب والإلزام.

ثم قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: قد حسبتم أن تتركوا على ما أظهرتم من الموافقة والخلاف في السر، ولا تبتلون وتمتحنون بما يظهر منكم ما أضمرتم، فلا تحسبوا ذلك.

والثاني: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ أي: لا تحسبوا أن تتركوا على ذلك، ولا تمتحنوا بالجهاد والقتال.

أحد التأويلين يخرج على النهي، والثاني على الإخبار عما حسبوا، وعما عندهم.

ثم قوله: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ  ﴾ .

أي: ليعلم من قد علم أنه يجاهد مجاهداً، ويعلم ما قد علم أنه يكون كائناً، لا على حدوث علمه بذلك؛ إذ هو موصوف بالعلم بكل ما يكون في وقت ما يكون على ما يكون؛ فيكون قوله: ليعلم المجاهدين من كذا، وليعلم الصابرين من كذا؛ أي: ليعلم من قد علم أنه يجاهد مجاهداً، وليعلم ما قد علم أنه يكون كائناً؛ لأنه لا يجوز أن يوصف الله بالعلم بما ليس يكون أنه يعلمه كائناً، كما لا يجوز أن يوصف أنه يعلم من الجالس القيام في حال جلوسه، ومن المتحرك السكون في حال حركته، ومن المتكلم السكوت في حال كلامه، إنما يوصف بالعلم على الحال الذي عليه الخلق، لا يوصف بالعلم في حال غير الحال الذي هو عليه، والله الموفق.

ويحتمل هذا وجهاً آخر: أن فيما أضاف العلم إلى نفسه كان المراد منه أولياؤه؛ كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ ، أي: إن تنصروا أولياءه ينصركم، أو إن تنصروا دينه ينصركم، أو إن تنصروا رسوله ينصركم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ  ﴾ ، أي: ليعلم أولياءه المنافق المرائي، والمؤمن المحقق المخلص، وليبين لهم، كقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ  ﴾ أي: يخادعون أولياءه إذ الله لا يخادع ولا ينصر؛ إذ هو ناصر كل أحد، ولا يخفى عليه شيء، عالم بما يكون في وقت ما يكون.

أو أن يكون المراد من العلم الذي ذكر المعلوم، وذلك جائز في اللغة جار، وفي القرآن كثير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ﴾ .

أي: لم يجدوا ملجأ يلجئون إليه من دون ما ذكر، ولو وجدوا ذلك لاتخذوا ذلك، ولكن لما لم يجدوا لم يتخذوا؛ كقوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً ﴾ [الآية [التوبة: 56-57]؛ أخبر أنهم لو وجدوا ملجأ يلجئون إليه لولوا، ولا يظهرون ذلك.

وقوله: ﴿ وَلِيجَةً ﴾ قال بعض أهل الأدب : الوليجة: البطانة من غير المسلمين، وأصلها من الولوج، وهو أن يتخذ الرجل من المسلمين دخيلاً من المشركين وخليطاً ودوداً، وجمعه: الولائج.

وقال البعض: الوليجة أصلها من الدخول؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ  ﴾ يقال أيضاً: فلان وليجة فلان، أي: خاصته.

وقال بعضهم: الوليجة: الخيانة.

وقال بعضهم: الوليجة: ما يلجأ إليه.

وقال بعضهم: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة؛ وبعضه قريب من بعض.

﴿ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .

هو على الوعيد خرج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ قال بعض أهل التأويل: نزلت الآية في العباس بن عبد المطلب أنه أسر يوم بدر، فأقبل ناس من المهاجرين والأنصار، منهم علي بن أبي طالب وغيره، وعيروه بالكفر بالله، والقتال مع النبي، وقطيعة الرحم، فقال: ما لكم تذكرون مساوئنا وتذرون محاسننا؟!

فقالوا أو لكم محاسن؟

قال: أي والله، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب البيت، ونسقي [الحاج و] نفك العاني.

فأنزل الله ردّاً عليه.

لكن في آخر الآية دلالة أنه لا يحتمل أن تكون في العباس؛ على ما قالوا؛ لأنه قال: ﴿ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ والعباس قد أسلم من بعد، فلا يحتمل هذا الوعيد بعد الإسلام.

وقال غيرهم من أهل التأويل: قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ ، أي: ما كان بالمشركين عمارة مساجد الله، إنما كان بهم خراب مساجد الله، إن المساجد إنما تعمر بالذكر فيها، والصلاة وإقامة الخيرات؛ كقوله: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ ﴾ الآية [النور: 36]، وهم لم يعمروها لذكر اسم الله فيها، إنما عمروها لذكر الأصنام والأوثان، فكان بهم خراب المسجد، لا العمارة.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ على ما عندهم؛ لأن الذي منعهم عن الإيمان بالله حبهم الدنيا وميلهم إليها، فما ينبغي لهم أن يعمروها وينفقوها، ويضيعوا أموالهم فيها، ولا ينتفعوا، [أي الذي] منعهم عن التوحيد والإيمان حبهم الدنيا، وشهواتهم، وميلهم إليها؛ فعلى ما عندهم ما ينبغي لهم أن يعمروها.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ أي: ما كان على المشركين أن يعمروا مساجد الله؛ لأنهم لا ينتفعون بها في الآخرة، [و] لا يؤمنون بالآخرة، وإنما يقصد بعمارة المساجد والإنفاق عليها الثواب في الآخرة، وهم لا يؤمنون بها، فتضيع نفقتهم في ذلك؛ إذ لا مقاصد لهم ولا منفعة، إنما ذلك على المسلمين.

ويجوز "له" بمعنى عليه؛ كقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، أي: فعليها.

وقوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ يحتمل هذا: أي: ما كان بالمشرك عمارة مساجد الله، إنما تكون عمارته بمن آمن بالله واليوم الآخر، لا بمن أشرك بالله وكفر بالآخرة.

وقوله: ﴿ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: على نفس محمد ومن آمن معه؛ سماهم أنفسهم؛ لأنهم من قرابتهم وأرحامهم، وقد سمى الله المتصلين بهم بذلك؛ كقوله: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ  ﴾ ؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ما ذكرنا.

أو ﴿ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ عند الضرورات عند نزول العذاب بهم، وعند الهلاك؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾ الآية [غافر: 84]، وغير ذلك من الأحوال التي كانوا يقرون بالكفر [و] يرجعون عنه، شهدوا عليهم بالكفر.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ \[أي أنفسهم\] تشهد بالكفر عليهم؛ لأن خلقتهم تشهد على وحدانية الله، وأنفسهم تشهد على فعلهم بالكفر، وهو ما قال الله -  -: ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ  ﴾ ، قيل: بل الإنسان من نفسه بصيرة، أي: بيان من نفسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَةِ  ﴾ إلى آخر الآية.

في قوم ماتوا على الكفر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ ., الوجوه التي ذكرنا في قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ ﴾ إن لم يكن عليهم، فذلك كله على المسلمين أي: عليهم عمارة المساجد، وبهم تعمر المساجد، ولهم ينبغي أن يعمروها.

﴿ وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ ﴾ قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .

قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ  ﴾ أمر أن يخشوا الله، ولا يخشوا غيره، ثم ذكر - هاهنا - ﴿ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .

وقال بعضهم: الخشية: العبادة؛ كأنه قال: ولم يعبد إلا الله.

﴿ فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ والعسى من الله واجب، أي كانوا من المهتدين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنما يستحق عمارة المساجد ويقوم بحقها من آمن بالله وحده، ولم يشرك به أحدًا، وآمن بيوم القيامة، وأقام الصلاة وأعطى زكاة ماله، ولم يَخَفْ أحدًا إلا الله سبحانه، فهؤلاء هم الذين يُرْجى أن يكونوا مهتدين إلى الصراط المستقيم، وأما المشركون فهم أبعد ما يكونون عن ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.139y2"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد