الآية ٣٥ من سورة التوبة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 9 التوبة > الآية ٣٥ من سورة التوبة

يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 153 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٥ من سورة التوبة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة التوبة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) أي : يقال لهم هذا الكلام تبكيتا وتقريعا وتهكما ، كما في قوله : ( ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنك أنت العزيز الكريم ) [ الدخان : 48 ، 49 ] أي : هذا بذاك ، وهو الذي كنتم تكنزون لأنفسكم ؛ ولهذا يقال : من أحب شيئا وقدمه على طاعة الله ، عذب به .

وهؤلاء لما كان جمع هذه الأموال آثر عندهم من رضا الله عنهم ، عذبوا بها ، كما كان أبو لهب - لعنه الله - جاهدا في عداوة الرسول ، صلوات الله [ وسلامه ] عليه ، وامرأته تعينه في ذلك ، كانت يوم القيامة عونا على عذابه أيضا ( في جيدها ) أي : [ في ] عنقها ( حبل من مسد ) [ المسد : 5 ] أي : تجمع من الحطب في النار وتلقي عليه ، ليكون ذلك أبلغ في عذابه ممن هو أشفق عليه - كان - في الدنيا ، كما أن هذه الأموال لما كانت أعز الأشياء على أربابها ، كانت أضر الأشياء عليهم في الدار الآخرة ، فيحمى عليها في نار جهنم - وناهيك بحرها - فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم .

قال سفيان ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود : والله الذي لا إله غيره ، لا يكوى عبد بكنز فيمس دينار دينارا ، ولا درهم درهما ، ولكن يوسع جلده ، فيوضع كل دينار ودرهم على حدته .

وقد رواه ابن مردويه ، عن أبي هريرة مرفوعا ، ولا يصح رفعه ، والله أعلم .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه قال : بلغني أن الكنز يتحول يوم القيامة شجاعا يتبع صاحبه وهو يفر منه ، ويقول : أنا كنزك !

لا يدرك منه شيئا إلا أخذه .

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا بشر ، حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن معدان بن أبي طلحة ، عن ثوبان أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : من ترك بعده كنزا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان ، يتبعه ، يقول : ويلك ما أنت ؟

فيقول : أنا كنزك الذي تركته بعدك !

ولا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقصقصها ثم يتبعها سائر جسده .

ورواه ابن حبان في صحيحه ، من حديث يزيد ، عن سعيد به وأصل هذا الحديث في الصحيحين من رواية أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه .

وفي صحيح مسلم ، من حديث سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل يوم القيامة صفائح من نار يكوى بها جنبه وجبهته وظهره ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضى بين الناس ، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار وذكر تمام الحديث .

وقال البخاري في تفسير هذه الآية : حدثنا قتيبة ، حدثنا جرير ، عن حصين ، عن زيد بن وهب قال : مررت على أبي ذر بالربذة ، فقلت : ما أنزلك بهذه الأرض ؟

قال : كنا بالشام ، فقرأت : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) فقال معاوية : ما هذه فينا ، ما هذه إلا في أهل الكتاب .

قال : قلت : إنها لفينا وفيهم .

ورواه ابن جرير من حديث عبثر بن القاسم ، عن حصين ، عن زيد بن وهب ، عن أبي ذر - رضي الله عنه - فذكره ، وزاد : فارتفع في ذلك بيني وبينه القول ، فكتب إلى عثمان يشكوني ، فكتب إلي عثمان أن أقبل إليه ، قال : فأقبلت ، فلما قدمت المدينة ركبني الناس كأنهم لم يروني قبل يومئذ ، فشكوت ذلك إلى عثمان ، فقال لي : تنح قريبا .

قلت : والله لن أدع ما كنت أقول .

قلت : كان من مذهب أبي ذر - رضي الله عنه - تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال ، وكان يفتي [ الناس ] بذلك ، ويحثهم عليه ، ويأمرهم به ، ويغلظ في خلافه ، فنهاه معاوية فلم ينته ، فخشي أن يضر بالناس في هذا ، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان ، وأن يأخذه إليه ، فاستقدمه عثمان إلى المدينة ، وأنزله بالربذة وحده ، وبها مات - رضي الله عنه - في خلافة عثمان .

وقد اختبره معاوية - رضي الله عنه - وهو عنده ، هل يوافق عمله قوله ؟

فبعث إليه بألف دينار ، ففرقها من يومه ، ثم بعث إليه الذي أتاه بها فقال : إن معاوية إنما بعثني إلى غيرك فأخطأت ، فهات الذهب !

فقال : ويحك !

إنها خرجت ، ولكن إذا جاء مالي حاسبناك به .

وهكذا روى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس أنها عامة .

وقال السدي : هي في أهل القبلة .

وقال الأحنف بن قيس : قدمت المدينة ، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش ، إذ جاء رجل أخشن الثياب ، أخشن الجسد ، أخشن الوجه ، فقام عليهم فقال : بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم ، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه ، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل - قال : فوضع القوم رءوسهم ، فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا - قال : وأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية ، فقلت : ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم .

فقال : إن هؤلاء لا يعلمون شيئا .

وفي الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي ذر : ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبا يمر عليه ثالثة وعندي منه شيء إلا دينار أرصده لدين فهذا - والله أعلم - هو الذي حدا أبا ذر على القول بهذا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا همام ، حدثنا قتادة ، عن سعيد بن أبي الحسن ، عن عبد الله بن الصامت - رضي الله عنه - أنه كان مع أبي ذر ، فخرج عطاؤه ومعه جارية له ، فجعلت تقضي حوائجه ، ففضلت معها سبعة ، فأمرها أن تشتري به فلوسا .

قال : قلت : لو ادخرته للحاجة تنوبك وللضيف ينزل بك !

قال : إن خليلي عهد إلي أن أيما ذهب أو فضة أوكي عليه ، فهو جمر على صاحبه ، حتى يفرغه في سبيل الله - عز وجل - .

ورواه عن يزيد ، عن همام ، به ، وزاد : إفراغا .

وقال الحافظ ابن عساكر بسنده إلى أبي بكر الشبلي في ترجمته ، عن محمد بن مهدي : حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، عن صدقة بن عبد الله ، عن طلحة بن زيد ، عن أبي فروة الرهاوي ، عن عطاء ، عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الق الله فقيرا ولا تلقه غنيا .

قال : يا رسول الله ، كيف لي بذلك ؟

قال : ما سئلت فلا تمنع ، وما رزقت فلا تخبأ ، قال : يا رسول الله ، كيف لي بذلك ؟

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هو ذاك وإلا فالنار إسناده ضعيف .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا جعفر بن سليمان ، حدثنا عتيبة ، عن بريد بن أصرم قال : سمعت عليا - رضي الله عنه - يقول : مات رجل من أهل الصفة ، وترك دينارين - أو : درهمين - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كيتان ، صلوا على صاحبكم .

وقد روي هذا من طرق أخر .

وقال قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال : مات رجل من أهل الصفة ، فوجد في مئزره دينار ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كية .

ثم توفي رجل آخر فوجد في مئزره ديناران ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كيتان .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الفراديسي ، حدثنا معاوية بن يحيى الأطرابلسي ، حدثني أرطاة ، حدثني أبو عامر الهوزني ، سمعت ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض ، إلا جعل الله بكل قيراط صفحة من نار يكوى بها من قدمه إلى ذقنه .

وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا محمد بن خداش ، حدثنا سيف بن محمد الثوري ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يوضع الدينار على الدينار ، ولا الدرهم على الدرهم ، ولكن يوسع جلده فيكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون سيف هذا كذاب متروك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فبشر هؤلاء الذين يكنـزون الذهب والفضة, ولا يخرجون حقوق الله منها، يا محمد، بعذاب أليم =(يوم يحمى عليها في نار جهنم)، فـ " اليوم " من صلة " العذاب الأليم ", كأنه قيل: يبشرهم بعذاب أليم، يعذبهم الله به في يوم يحمى عليها.

ويعني بقوله: (يحمى عليها)، تدخل النار فيوقد عليها، أي: على الذهب والفضة التي كنـزوها =(في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم).

* * * وكل شيء أدخل النار فقد أحمي إحماءً, يقال منه: " أحمَيت الحديدة في النار أحميها إحماءً".

* * * وقوله: (فتكوى بها جباههم)، يعني بالذهب والفضة المكنوزة، يحمى عليها في نار جهنم، يكوي الله بها.

يقول: يحرق الله جباهَ كانـزيها وجنوبَهم وظهورهم =(هذا ما كنـزتم)، ومعناه: ويقال لهم: هذا ما كنـزتم في الدنيا، أيها الكافرون الذين منعوا كنوزهم من فرائض الله الواجبة فيها لأنفسكم =(فذوقوا ما كنتم تكنـزون)، يقول: فيقال لهم: فاطعَمُوا عذاب الله بما كنتم تمنعون من أموالكم حقوقَ الله وتكنـزونها مكاثرةً ومباهاةً.

(38) وحذف من قوله: (هذا ما كنـزتم) و " يقال لهم "، لدلالة الكلام عليه.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 16675- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, قال: أخبرنا أيوب, عن حميد بن هلال قال: كان أبو ذر يقول: بشّر الكنّازين بكيّ في الجباه، وكيّ في الجنوب، وكيٍّ في الظهور, حتى يلتقي الحرُّ في أجوافهم.

(39) 16676-......

قال: حدثنا ابن علية, عن الجريري, عن أبي العلاء بن الشخير, عن الأحنف بن قيس قال: قدمت المدينة, فبينا أنا في حَلْقَة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب, أخشن الجسد, أخشن الوجه, (40) فقام عليهم فقال: بشِّر الكنازين برضْفٍ يحمى عليه في نار جهنم، (41) فيوضع على حَلَمة ثدْي أحدهم حتى يخرج من نُغْضِ كتفه, ويوضع على نُغْضِ كتفه، (42) حتى يخرج من حَلَمة ثدييه، يتزلزل، (43) قال: فوضع القوم رءوسهم, فما رأيت أحدًا منهم رجع إليه شيئًا.

قال: وأدبر، فاتبعته, حتى جلس إلى ساريةٍ, فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قُلْت !

فقال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا.

(44) 16677- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم قال، حدثني عمرو بن قيس, عن عمرو بن مرة الجملي, عن أبي نصر، عن الأحنف بن قيس, قال: رأيت في مسجد المدينة رجلا غليظ الثياب، رثَّ الهيئة, يطوف في الحِلَق وهو يقول: بشر أصحاب الكنوز بكيٍّ في جنوبهم, وكي في جباههم, وكيٍّ في ظهورهم !

ثم انطلق وهو يتذمَّر يقول (45) ما عسى تصنعُ بي قريش!!

(46) 16678- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: قال أبو ذر: بشر أصحاب الكنوز بكيٍّ في الجباه, وكيٍّ في الجنوب, وكيٍّ في الظهور.

16679- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس: (يوم يحمى عليها في نار جهنم)، قال: حية تنطوي على جبينه وجبهته تقول: أنا مالُك الذي بخلت به!

(47) 16680- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن سالم بن أبي الجعد, عن معدان بن أبي طلحة, عن ثوبان: أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: من ترك بعدَه كنـزا مثَلَ له يوم القيامة شُجَاعًا أقرعَ له زبيبتان, (48) يتبعه يقول: ويلك ما أنت؟

فيقول: أنا كنـزك الذي تركته بعدك!

فلا يزال يتبعه حتى يُلْقِمه يده فيقضمها، ثم يتبعه سائر جسده.

(49) 16681- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه قال: بلغني أن الكنوز تتحوَّل يوم القيامة شجاعًا يتبع صاحبه وهو يفرُّ منه، ويقول: أنا كنـزك !

لا يدرك منه شيئًا إلا أخذه.

16682- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن الأعمش, عن عبد الله بن مرة, عن مسروق, عن عبد الله قال: والذي لا إله غيره, لا يكوى عبد بكنـز فيمسُّ دينارٌ دينارًا ولا درهم درهمًا, ولكن يوسع جلده، فيوضع كل دينار ودرهم على حِدَته.

(50) 16683-......

قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن الأعمش, عن عبد الله بن مرة, عن مسروق, عن عبد الله قال: ما من رجل يكوَى بكنـز فيوضع دينار على دينارٍ ولا درهم على درهم, ولكن يوسَّع جلده.

(51) -------------------------- الهوامش : (38) انظر تفسير " ذاق " فيما سلف ص : 15 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(39) الأثر : 16675 - " حميد بن هلال العدوي " ، ثقة ، متكلم فيه ، لأنه دخل في عمل السلطان .

وقال البزار في مسنده : لم يسمع من أبي ذر .

ومات حميد في ولاية خالد بن عبد الله القسري على العراق .

مضى برقم : 13768 .

(40) في المطبوعة " خشن " في المواضع الثلاث .

وأثبت ما في المخطوطة .

وهو المطابق لرواية مسلم .

" الخشن " و " الأخشن " ، والأنثى " خشنة " و " خشناء " .

من الخشونة .

وهو الأحرش من كل شيء .

ويقال .

" رجل أخشن ، خشن " .

(41) " الرضف " ( بفتح فسكون ) : الحجارة المحماة على النار ، والعرب يوغرون بها اللبن ، ويشوون عليها اللحم .

(42) " نغض الكتف " ( بضم فسكون ، أو فتح فسكون ) و " ناغض الكتف " ، هو عند أعلى الكتف ، عظم رقيق على طرفه ، ينغض إذا مشى الماشي ، أي يتحرك .

(43) " يتزلزل " ، أي يتحرك ويضطرب ، كأنه يزل مرة بعد أخرى ، يقول : يضطرب الرضف المحمي نازلا من نغض الكتف حتى يخرج من حلمة الثدي .

(44) الأثر 16676 - " الجريري " ، هو " سعيد بن إياس الجريري " الحافظ المشهور ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 196 ، 12274 .

و " أبو العلاء بن الشخير " ، هو " يزيد بن عبد الله بن الشخير " ثقة وروى له الجماعة .

مضى برقم 15514 ، 15515 .

وهذا الخبر رواه البخاري بنحوه مطولا في صحيحه ( الفتح 3 : 128 ) - ورواه مسلم في صحيحه 7 / 77 بلفظه من هذا الطريق مطولا أيضا .

(45) " يتذمر " ، أي : يصخب من الغضب ، كأنه يعاتب نفسه .

(46) الأثر : 16677 - " عمرو بن قيس الملائي ، ثقة ، مضى مرارا .

و " عمرو بن مرة الجملي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارا .

و " أبو نصر " ، لم أعرف من هو ؟

(47) الأثر : 16679 - " قابوس بن أبي ظبيان الجنبي " ، ضعيف ، لا يحتج به ، مضى برقم : 9745 ، 10683 .

وأبوه : " أبو ظبيان الجنبي " ، هو " حصين بن جندب " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى أيضا برقم : 9745 ، 10683 .

وانظر ما سلف في حديث ابن مسعود رقم : 8285 - 8289 .

(48) " الشجاع " ، ضرب من الحيات مارد خبيث .

" والأقرع " ، هو الذي لا شعر له على رأسه ، قد تمعط عليه رأسه لكثرة سمه ، وطول عمره .

و " الزبيبتان " : نكتتان سوداوان تكونان فوق عينيه ، وهو أوحش ما يكون من الحيات وأخبثه .

(49) الأثر : 16680 - " سالم بن أبي الجعد الأشجعي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 4244 ، 11546 ، 16661 - 16666 .

و " معدان بن أبي طلحة الكناني " ، تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 38 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 404 .

وهذا الخبر ، ذكره ابن كثير في تفسيره 4 : 157 ، وقال : " رواه ابن حبان في صحيحه من حديث يزيد بن سعيد ، به .

وأصل هذا الحديث في الصحيحين ، من رواية أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه = وفي صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه ، عن أبي هريرة " ، وذكر الخبر .

(50) الأثر : 16682 - هذا الخبر ، ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 29 ، 30 ، وقال : " رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح " .

وذكره ابن كثير في تفسيره 4 : 156 ، وقال : " وقد رواه ابن مردويه ، عن أبي هريرة مرفوعا ، ولا يصح رفعه ، والله أعلم " .

وذكره السيوطي في الدر المنثور 3 : 233 ، ونسبه إلى ابن أبي حاتم ، والطبراني ، وأبي الشيخ ، لم يذكر ابن جرير .

(51) الأثر : 16683 - هو مكرر الأثر السالف ، بإسناد آخر ، مختصرا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزونفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى يوم يحمى عليها في نار جهنم يوم ظرف ، والتقدير : يعذبون يوم يحمى .

ولا يصح أن يكون على تقدير : فبشرهم يوم يحمى عليها ؛ لأن البشارة لا تكون حينئذ .

يقال : أحميت الحديدة في النار ، أي أوقدت عليها .

ويقال : أحميته ، ولا يقال : أحميت عليه .

وهاهنا قال ( عليها ) لأنه جعل " على " من صلة معنى الإحماء ، ومعنى الإحماء الإيقاد .

أي يوقد عليها فتكوى .

الكي : إلصاق الحار من الحديد والنار بالعضو حتى يحترق الجلد .

والجباه : جمع الجبهة ، وهو مستوى ما بين الحاجب إلى الناصية .

وجبهت فلانا بكذا ، أي استقبلته به وضربت جبهته .

والجنوب : جمع الجنب .

والكي في الوجه أشهر وأشنع ، وفي [ ص: 62 ] الجنب والظهر آلم وأوجع ، فلذلك خصها بالذكر من بين سائر الأعضاء .

وقال علماء الصوفية : لما طلبوا المال والجاه شان الله وجوههم ، ولما طووا كشحا عن الفقير إذا جالسهم كويت جنوبهم ، ولما أسندوا ظهورهم إلى أموالهم ثقة بها واعتمادا عليها كويت ظهورهم .

وقال علماء الظاهر : إنما خص هذه الأعضاء لأن الغني إذا رأى الفقير زوى ما بين عينيه وقبض وجهه .

كما قال :يزيد يغض الطرف عني كأنما زوى بين عينيه علي المحاجم فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوىولا تلقني إلا وأنفك راغموإذا سأله طوى كشحه ، وإذا زاده في السؤال وأكثر عليه ولاه ظهره .

فرتب الله العقوبة على حال المعصية .الثانية : واختلفت الآثار في كيفية الكي بذلك ، ففي صحيح مسلم من حديث أبي ذر ما ذكرنا من ذكر الرضف .

وفيه من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار .

.

.

.

الحديث .

وفي البخاري : أنه يمثل له كنزه شجاعا أقرع .

وقد تقدم في غير الصحيح عن عبد الله بن مسعود أنه قال : من كان له مال فلم يؤد زكاته طوقه يوم القيامة شجاعا أقرع ينقر رأسه .

.

.قلت : ولعل هذا يكون في مواطن : موطن يمثل المال فيه ثعبانا ، وموطن يكون صفائح ، وموطن يكون رضفا .

فتتغير الصفات والجسمية واحدة ؛ فالشجاع جسم والمال جسم .

وهذا التمثيل حقيقة ، بخلاف قوله : يؤتى بالموت كأنه كبش أملح فإن تلك طريقة أخرى ، ولله سبحانه وتعالى أن يفعل ما يشاء .

وخص الشجاع بالذكر لأنه العدو الثاني للخلق .

والشجاع من الحيات هو الحية الذكر الذي يواثب الفارس والراجل ، ويقوم على ذنبه وربما بلغ الفارس ، [ ص: 63 ] ويكون في الصحاري .

وقيل : هو الثعبان .

قال اللحياني : يقال للحية شجاع ، وثلاثة أشجعة ، ثم شجعان .

والأقرع من الحيات هو الذي تمعط رأسه وابيض من السم .

في الموطإ : له زبيبتان ، أي نقطتان منتفختان في شدقيه كالرغوتين .

ويكون ذلك في شدقي الإنسان إذا غضب وأكثر من الكلام .

قالت أم غيلان بنت جرير ربما أنشدت أبي حتى يتزبب شدقاي .

ضرب مثلا للشجاع الذي كثر سمه فيمثل المال بهذا الحيوان فيلقى صاحبه غضبان .

وقال ابن دريد : نقطتان سوداوان فوق عينيه .

في رواية : مثل له شجاع يتبعه فيضطره فيعطيه يده فيقضمها كما يقضم الفحل .

وقال ابن مسعود : والله لا يعذب الله أحدا بكنز فيمس درهم درهما ولا دينار دينارا ، ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل درهم ودينار على حدته وهذا إنما يصح في الكافر - كما ورد في الحديث - لا في المؤمن .

والله أعلم .الثالثة : أسند الطبري إلى أبي أمامة الباهلي قال : مات رجل من أهل الصفة فوجد في بردته دينار .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كية " .

ثم مات آخر فوجد له ديناران .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيتان .

وهذا إما لأنهما كانا يعيشان من الصدقة وعندهما التبر ، وإما لأن هذا كان في صدر الإسلام ، ثم قرر الشرع ضبط المال وأداء حقه .

ولو كان ضبط المال ممنوعا لكان حقه أن يخرج كله ، وليس في الأمة من يلزم هذا .

وحسبك حال الصحابة وأموالهم رضوان الله عليهم .

وأما ما ذكر عن أبي ذر فهو مذهب له ، رضي الله عنه .

وقد روى موسى بن عبيدة عن عمران بن أبي أنس عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من جمع دينارا أو درهما أو تبرا أو فضة ولا يعده لغريم ولا ينفقه في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم القيامة .[ ص: 64 ] قلت : هذا الذي يليق بأبي ذر رضي الله عنه أن يقول به ، وأن ما فضل عن الحاجة فليس بكنز إذا كان معدا لسبيل الله .

وقال أبو أمامة : من خلف بيضا أو صفرا كوي بها مغفورا له أو غير مغفور له ، ألا إن حلية السيف من ذلك .

وروى ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض إلا جعل الله له بكل قيراط صفيحة يكوى بها من فرقه إلى قدمه مغفورا له بعد ذلك أو معذبا .قلت : وهذا محمول على ما لم تؤد زكاته بدليل ما ذكرنا في الآية قبل هذا .

فيكون التقدير : وعنده أحمر أو أبيض لم يؤد زكاته .

وكذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه : من ترك عشرة آلاف جعلت صفائح يعذب بها صاحبها يوم القيامة .

أي إن لم يؤد زكاتها ، لئلا تتناقض الأحاديث .

والله أعلم .الرابعة : قوله تعالى هذا ما كنزتم لأنفسكم أي يقال لهم هذا ما كنزتم ، فحذف .

فذوقوا ما كنتم تكنزون أي عذاب ما كنتم تكنزون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا‏}‏ أي‏:‏ على أموالهم، ‏{‏فِي نَارِ جَهَنَّمَ‏}‏ فيحمى كل دينار أو درهم على حدته‏.‏ ‏{‏فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ‏}‏ في يوم القيامة كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ويقال لهم توبيخا ولوما‏:‏ ‏{‏هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ‏}‏ فما ظلمكم ولكنكم ظلمتم أنفسكم وعذبتموها بهذا الكنز‏.‏ وذكر اللّه في هاتين الآيتين، انحراف الإنسان في ماله، وذلك بأحد أمرين‏:‏ إما أن ينفقه في الباطل الذي لا يجدي عليه نفعا، بل لا يناله منه إلا الضرر المحض، وذلك كإخراج الأموال في المعاصي والشهوات التي لا تعين على طاعة اللّه، وإخراجها للصد عن سبيل اللّه‏.‏ وإما أن يمسك ماله عن إخراجه في الواجبات، و ‏(‏النهي عن الشيء، أمر بضده‏)‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يوم يحمى عليها في نار جهنم ) أي : تدخل النار فيوقد عليها أي على الكنوز ، ( فتكوى بها ) فتحرق بها ، ( جباههم ) أي : جباه كانزيها ، ( وجنوبهم وظهورهم ) روي عن ابن مسعود قال : إنه لا يوضع دينار على دينار ولا درهم على درهم ، ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم في موضع على حدة .

وسئل أبو بكر الوراق : لم خص الجباه والجنوب والظهور بالكي؟

قال : لأن الغني صاحب الكنز إذا رأى الفقير قبض وجهه ، وزوى ما بين عينيه ، وولاه ظهره ، وأعرض عنه بكشحه .

قوله تعالى : ( هذا ما كنزتم ) أي : يقال لهم : هذا ما كنزتم ، ( لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) أي : تمنعون حقوق الله تعالى في أموالكم .

وقال بعض الصحابة : هذه الآية في أهل الكتاب .

وقال الأكثرون : هي عامة في أهل الكتاب والمسلمين ، وبه قال أبو ذر رضي الله عنه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى» تحرق «بها جباههم وجنوبهم وظهورهم» وتوسع جلودهم حتى توضع عليها كلها ويقال لهم «هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون» أي جزاءه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يوم القيامة توضع قطع الذهب والفضة في النار، فإذا اشتدت حرارتها أُحرقت بها جباه أصحابها وجنوبهم وظهورهم.

وقيل لهم توبيخًا: هذا مالكم الذي أمسكتموه ومنعتم منه حقوق الله، فذوقوا العذاب الموجع؛ بسبب كنزكم وإمساككم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ .

.

) تفصيل لهذا العذاب الأليم ، وبيان لميقاته ، حتى يقلع البخلاء عن بخلهم ، والأشحاء عن شحهم .

.والظرف ( يَوْمَ ) منصوب بقوله : ( عَذَابٍ أَلِيمٍ ) ؛ أو بفعل محذوف يدل عليه هذا القول .أى : يعذبون يوم يحمى عليها ، أو بفعل مقدر؛ أى : اذكر يوم يحمى عليها .وقوله : ( يحمى ) يجوز أن يكون من حميت وأحميت - ثلاثيا ورباعيا - يقال : حميت الحديدة وأحميتها ، أى : أوقدت عليها لتحمى .وقوله : ( عَلَيْهَا ) جار مجرور فى موضع رفع لقيامه مقام الفاعل .

ويجوز أن يكون القائم مقام الفاعل مضمرا ، أى : يحمى الوقود أو الجمر عليها .قال الآلوسى : وأصله تحمى بالنار من قولك : حميت الميسم وحميته فجعل الإِحماء للنار مبالغة؛ لأن النار فى ذاتها ذات حمى ، فإذا وصفت بأنها تحمى دل على شدة توقدها .

ثم حذفت النار ، وحول الإِسناد إلى الجار والمجرور تنبيها على المقصود بأتم وجه فانتقل من صيغة التأنيث إلى التذكير كما تقول : رفعت القصة إلى الأمير .

فإذا طرحت القصة وأنسد الفعل إلى الجار والمجرور وقتل : رفع إلى الأمير ، وقرأ ابن عامر ( تحمي ) بالتاء بإسناده إلى النار كأصله .

والمعنى : بشر - يا محمد - أولئك الذين يكنزون الأموال فى الدنيا ولا ينفوقنها فى سبيل الله ، بالعذاب الأليم يوم الحساب يوم تحمى النار المشتعلة على تلك الأموال التى لم يؤدوا حق الله فيها ( فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ ) أى : فتحرق بها جباههم التى كانوا يستقبلون بها الناس ، والتى طالما ارتفعت غرورا بالمال المكنوز ، وتحرق بها - ايضا - " جنوبهم " التى كثيرا ما انتفتحت من شدة الشبع وغيرها جائع ، وتحرق بها كذلك " ظهورهم " التى نبذت وراءها حقوق الله بجحود وبطر .

.قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم خصت هذه الأعضاء بالكى؟قلت : لأنهم لم يطلبوا بأموالهم - حيث لم ينفقوها فى سبيل الله - إلا الأغراض الدنيوية من وجاهة عند الناس ، وتقدم ، وأن يكون ماء وجوههم مصونا عندهم ، يتلقون بالجميل ويحيون بالإِكرام ، ويجبلون ويحتمشون ، ومن أكل طيبات يتضلعون منها وينفخون جنوبهم ، ومن لبس عامة من الثياب يطرحونها على ظهورهم ، كما ترى أغنياء زمانك ، هذا أغراضهم وطلباتهم من أموالهم ، لا يخطر ببالهم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ذهب أهل الدثور بالأجر كله " .وقيل : لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا ، وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه ، وتولوا بأركانهم ، وولوه ظهورهم .وقوله : ( هذا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ) مقول لقول محذوف .والتفسير : تقول لهم ملائكة العذاب على سبيل التبكيت والتوبيخ ، وهى تتولى حرق جباههم وجنوبهم وظهورهم : هذا العذاب الأليم النازل بكم فى الآخرة هو جزاء ما كنتم تكنزونه فى الدنيا من مال لمنفعة أنفسكم دون أن تؤدوا حق الله فيه .فذوقوا وحدكم وبال كنزكم .

وتجرعوا غصصه ، وتحملوا سوء عاقبته فأنتم الذين جنيتم على أنفسكم ، لأنكم لم تشكروا الله على هذه الأموال ، بل استعملتوها فى غير ما خلقت له .هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى .1- التحذير من الانقياد لدعاة السوء ، ومن تقليدهم فى رذائلهم وقبائحهم ووجوب السير على حسب ما جاء به الإِسلام من تعاليم وتشريعات .

.ولذا قال ابن كثير عند تفسيره للآية الأولى : والمقصود التحذير من علماء السوء ، وعباد الضلال ، كما قال سفيان بن عيينه : من فسد من علمائنا كان فيه شبه من أحبار اليهود ، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من رهبان النصارى .وفى الحديث الصحيح : " لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة " قالوا : اليهود والنصارى؟

قال : " فمن "؟

وفى رواية : فارس والروم؟

قال : " فمن الناس إلا هؤلاء " والحاصل التحذير من التشبه بهم فى أقوالهم وأحوالهم .هذا ، ونص الحديث الصحيح الذى ذكره الإِمام ابن كثير - كما رواه الشيخان - هكذا عن أبى سعيد الخدرى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا يشبر وذارعا بذراع ، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه ، قلنا : يا رسول الله ، اليهود والنصارى؟

قال : فمن " .أما الحديث الذى جاء فيه حذو القذة بالقذة ، فقد أخرجه الإِمام أحمد عن شداد بن أوس ونصه : " ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم .

أهل الكتاب ، حذو القذة بالقذة " .2- يرى جمهور العلماء أن المقصود بالكنز فى قوله ، تعالى ، ( والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا ) .

.

.

ألخ المال الذى لم تؤد زكاته ، أما إذا أديت زكاته فى يسمى كنزا ، ولا يدخل صاحبه تحت الوعيد الذى اشتملت عليه الآية .وقد وضح الإِمام القرطبى هذه المسألة فقال : واختلف العلماء فى المال الذى أديت زكاته هل يسمى كنزا أولا؟

.فقال قوم : نعم .

رواه أبو الضحا عن جعدة بين هبيرة عن على قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة ، وما كثر فهو كنز وإن أديت زكاته .

.

ولا يصح .وقال قوم : ما أديت زكاته مئة أو من غيره عنه فليس بكنز ، قال ابن عمر : ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كانت تحت سبع أرضين ، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض .

ومثله عن جابر ، وهو الصحيح .وروى البخارى عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من آتاه الله ما لا فلم يؤد زكاته ، مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ، ثم يأخذ بلهمزميته - يعنى شدقيه - ثم يقول : أنا مالك أنا كنزك .

.

" .وفيه أيضا عن أبى ذر قال : انتهيت إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : " والذى نفسى بيده ، ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم ، لا يؤدى حقها ، إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه ، تطؤه بأخفافها ، وتنطحه بقرونها ، كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس " .فدل دليل خطاب هذين الحديثين على صحة ما ذكرنا .

وقد بين ابن عمر فى صحيح البخارى هذا المعنى .

قال له أعرابى : أخبرنى عن قول الله - تعالى - ( والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة .

.

) الآية فقال ابن عمر : من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له ، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما أنزلت جعلها الله طهراً للأموال .وروى أبو داود " عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية ( والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة .

.

) كبر ذلك على المسلمين ، فقال عمر : أنا أفرج عنكم ، فانطلق فقال : يا نبى الله ، إنه كبر على أصحابك هذه الآية .

فقال - صلى الله عليه وسلم - " إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقى من أموالكم ، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم " قال : فكبر عمر .

ثم قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟

المرأة الصالحة ، إذا نظر إليها سرته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته " " .3- أخذ بعض الصحابة من هذه الآية تحريم اكتناز الأموال التى تفيض عن حاجات الإِنسان الضرورية .قال ابن كثير : كان من مذهب أبى ذر - رضى الله عنه - تحريم إدخار ما زاد على نفقة العيال ، وكن يفتى بذلك ، ويحثهم عليه ويأمرهم به ، ويغلظ فى خلافه ، فنهاه معاوية فلم ينته ، فخشى أن يضر بالناس فى هذا ، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان ، وأن يأخذه إليه ، فاستقدمه عثمان إلى المدينة وأزله بالربذة - وهى بلدة قريبة من المدينة - وبها مات - رضى الله عنه - فى خلافة عثمان .وروى البخارى فى تفسير هذه الآية عن زيد بن وهب قال : مررت بالربذة ، فإذا بأبى ذر ، فقلت له : ما أنزلك بهذه الأرض؟

قال : كنا بالشام فقرأت ( والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) .

فقال معاوية : ما هذه فينا ما هذه إلا فى أهل الكتاب .

قال : قلت : إنها لفينا وفيهم .ثم قال ابن كثير : وفى الصحيح " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأبى ذر : " ما يسرنى أن عندى مثل أحد ذهباً يمر على ثلاثة أيام وعندى منه شئ إلا دينار أرصده لدين " فهذا - والله أعلم - هو الذى حدا أباذر على القول بهذا " " .وقال الشيخ القاسمى : قال ابن عبد البر : وردت عن أبى ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش ، فهو كنز يذم فاعله ، وأن آية الوعيد نزلت فى ذلك .وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم ، وحملوا الوعيد على ما نعى الزكاة ، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره فى قصة الأعرابى حيث قال : هل على غيرها؟

قال : لا إلا أن تطوع .وحديث طلحة الذى أشار إليه ابن عبد البر ، قد جاء فى صحيح البخارى ونصه : " عن طلحة بن عبيد الله قال : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوى صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإِسلام .فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " خمس صلوات فى اليوم والليلة ، فقال : هل على غيرها؟

.قال : " لا .

.

إلا أن تطوع ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وصيام رمضان " قال : هل على غيره؟

قال : " لا إلا أن تطوع " ، قال .

وذكر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزكاة ، قال .

هل على غيرها؟

قال " لا إلا أن تطوع " .قال ، فأدبر الرجل وهو يقول .

والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص .

فقال ، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أفلح إن صدق " " .هذا؛ ومما استدل به جمهور الصحابة ومن بعدهم من العلماء ، على عدم حرمة اقتناء الأموال التى تفيض عن الحاجة - ما دام قد أدى حق الله فيها - ما يأتى :( أ ) أن قواعد الشرع لا تحرم ذلك ، وإلا لما شرع الله المواريث لأنه لو وجب إنفاق كل ما زاد عن الحاجة ، لما كان لمشروعية المواريث فائدة .( ب ) تثبت فى الحديث الصحيح " أن سعد بن أبى وقاص عندما كان مريضاً ، وزاره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : يا رسول الله : أأوصى بمالى كله؟

قال : " لا .

قال سعد : فالشطر؟

قال : لا .

قال سعد : فالثلث؟

فقال له - صلى الله عليه وسلم - فالثلث والثلثَ كثير .

إنك لإن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس .

.

" " .ولو كان جمع المال واقتناؤه محرما ، لأقر النبى - صلى الله عليه وسلم - سعدا على التصدق بجميع ماله ، ولأمر المسلمين أن يحذوا حذو سعد ، ولكنه صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك ، بل قال لسعد :" إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس .

.

" .وقد كان فى عهده - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة من يملكون الكثير من الأموال - كعثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما - ومع هذا فلم يأمرهم بإنفاق كل ما زاد عن حاجتهم الضرورية .قال القرطبى : قرر الشرع ضبط الأموال وأداء حقها ، ولو كان ضبط المال ممنوعا ، لكان حقه أن يخرج كله ، وليس فى الأمة من يلزم هذا .

وحسبك حال الصحابة وأموالهم - رضوان الله عليهم - وأما ما ذكر عن أبى ذر فهو مذهب له .( ج ) ما ورد من آثام فى ذم الكنز و الكانزين كان قبل أن تفرض الزكاة أو هو فى حق من امتنع عن أداء حق الله فى ماله .قال صاحب الكشاف .

فإن قلت فما تصنع فى قوله - صلى الله عليه وسلم - " من ترك صفراء أو بيضاء كوى بها " .قلت : كان هذا قبل أن تفرض الزكاة ، فأما بعد فرضيتها ، فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالا من حيث أذن له فيه ، ويؤدى عنه ما أوجب عليه فيه ، ثم يعاقبه .ولقد كان كثير من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبدي الله يقتنون الأموال ويتصرفون فيها ، وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية لأن الإِعراض اختيار للأفضل ، والاقتناء مباح موسع لا يذم صاحبه ، ولك شئ حد .4- أن الإِسلام وإن كان قد أباح للمسلم اقتناء المال - بعد أداء حق الله فيه - إلا أنه أمر أتباعه أن يكونوا متوسطين فى حبهم لهذا الاقتناء ، حتى يشغلهم حب المال عن طاعة الله .ورحم الله الإِمام الرازى ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآيات ما ملخصه ، اعلم أن الطريق الحق أن يقال ، الأولى أن لا يجمع الرجل الطالب للدين المال الكثير ، إلا أنه لم يمنع عنه فى ظاهر الشرع ، فالأول محمول على التقوى والثانى على ظاهر الفتوى .أما بيان أن الأولى الاحتراز عن طلب المال الكثير فلوجوه منها :أن كثرة المال سبب لكثرة الحرص فى الطلب ، والحرص متعب للروح والنفس والقلب .

.

والعاقل هو الذى يحترز عما يتعب روحه ونفسه وقلبه .

وأن كسب المال شاق شديد؛ وحفظه بعد حصوله أشد وأشق وأصعب ، فيبقى الإِنسان طول عمره تارة فى طلب التحصيل؛ وأخرى فى تعب الحفظ وأن كثرة الجاه والمال تورث الطغيان ، كما قال - تعالى - ( كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى ) هذا ، وقد ساق الإِمام ابن كثير جملة من الأحاديث فى ذم التكثر من الذهب والفضة ، ومن ذلك ما رواه الإِمام أحمد عن حسان بن عطية قال :كان شداد بن أوس - رضى الله عنه - فى سفر ، فنزل منزلا فقال لغلامه : ائتنا بالسفرة نعبث بها ، فأنكرت عليه ذلك .فقال ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت لا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتى هذه فلا تحفظوها عنى واحفظوا ما أقول لكم : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إذا كنز الناس الذهب والفضلة ، فاكنزوا هؤلاء الكلمات : اللهم إنى أسألك الثبات فى الأمر ، والعزيمة على الرشد؛ وأسألك شكر نعمتك ، وأسألك حسن عبادتك ، وأسألك قلبا سليما ، وأسألك لسانا صادقا ، واسألك من خير ما تعلم ، وأعوذ بك من شر ما تعلم ، وأستغفرك لما تعلم .

إنك أنت علام الغيوب " .وبعد : فهذه سبع آيات عن أهل الكتاب ، بدأت - بقوله تعالى ( قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر ) وانتهت بقوله تعالى : ( فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ) .وقد بينت هذه الآيات ما يجب أن يكون عليه موقف المؤمنين منهم ، وكشفت عن أقوالهم الباطلة ، وعن جحود رؤسائهم للحق ، وعن انقياد : عامتهم للضلال ، وعن استحلال كثير من أحبارهم ورهبانهم لمحارم الله .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق، وصفهم في هذه الآية بالطمع والحرص على أخذ أموال الناس، تنبيهاً على أن المقصود من إظهار تلك الربوبية والتجبر والفخر، أخذ أموال الناس بالباطل، ولعمري من تأمل أحوال أهل الناموس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وفي شرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه في الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه ويتحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قد عرفت أن الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى بحسب العرف، فالله تعالى حكى عن كثير منهم أنهم ليأكلون أموال الناس بالباطل، وفيه أبحاث: البحث الأول: أنه تعالى قيد ذلك بقوله: ﴿ كَثِيراً ﴾ ليدل بذلك على أن هذه الطريقة طريقة بعضهم لا طريقة الكل، فإن العالم لا يخلو عن الحق وإطباق الكل على الباطل كالممتنع هذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل، فكذلك سائر الأمم.

البحث الثاني: أنه تعالى عبر عن أخذ الأموال بالأكل وهو قوله: ﴿ لَيَأْكُلُونَ ﴾ والسبب في هذه الاستعارة، أن المقصود الأعظم من جمع الأموال هو الأكل، فسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصده، أو يقال من أكل شيئاً فقد ضمنه إلى نفسه ومنعه من الوصول إلى غيره، ومن جمع المال فقد ضم تلك الأموال إلى نفسه، ومنعها من الوصول إلى غيره، فلما حصلت المشابهة بين الأكل وبين الأخذ من هذا الوجه، سمى الأخذ بالأكل أو يقال: إن من أخذ أموال الناس، فإذا طولب بردها، قال أكلتها وما بقيت، فلا أقدر على ردها، فلهذا السبب سمى الأخذ بالأكل.

البحث الثالث: أنه قال: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل ﴾ وقد اختلفوا في تفسير هذا الباطل على وجوه: الأول: أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع.

والثاني: أنهم كانوا يدعون عند الحشرات والعوام منهم، أنه لا سبيل لأحد إلى الفوز بمرضاة الله تعالى إلا بخدمتهم وطاعتهم، وبذل الأموال في طلب مرضاتهم والعوام كانوا يغترون بتلك الأكاذيب.

الثالث: التوراة كانت مشتملة على آيات دالة على مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فأولئك الأحبار والرهبان، كانوا يذكرون في تأويلها وجوهاً فاسدة، ويحملونها على محامل باطلة، وكانوا يطيبون قلوب عوامهم بهذا السبب، ويأخذون الرشوة.

والرابع: أنهم كانوا يقررون عند عوامهم أن الدين الحق هو الذي هم عليه فإذا قرروا ذلك قالوا وتقوية الدين الحق واجب ثم قالوا: ولا طريق إلى تقويته إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقواماً عظماء أصحاب الأموال الكثيرة والجمع العظيم، فبهذا الطريق يحملون العوام على أن يبذلوا في خدمتهم نفوسهم وأموالهم، فهذا هو الباطل الذي كانوا به يأكلون أموال الناس، وهي بأسرها حاضرة في زماننا، وهو الطريق لأكثر الجهال والمزورين إلى أخذ أموال العوام والحمقى من الخلق.

ثم قال: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ لأنهم كانوا يقتلون على متابعتهم ويمنعون عن متابعة الأخيار من الخلق والعلماء في الزمان، وفي زمان محمد عليه الصلاة والسلام كانوا يبالغون في المنع عن متابعته بجميع وجوه المكر والخداع.

قال المصنف رضي الله عنه: غاية مطلوب الخلق في الدنيا المال والجاه، فبين تعالى في صفة الأحبار والرهبان كونهم مشغوفين بهذين الأمرين، فالمال هو المراد بقوله: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل ﴾ وأما الجاه فهو المراد بقوله: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ فإنهم لو أقروا بأن محمداً على الحق لزمهم متابعته، وحينئذ فكان يبطل حكمهم وتزول حرمتهم فلأجل الخوف من هذا المحذور كانوا يبالغون في المنع من متابعة محمد صلى الله عليه وسلم، ويبالغون في إلقاء الشبهات وفي استخراج وجوه المكر والخديعة، وفي منع الخلق من قبول دينه الحق والإتباع لمنهجه الصحيح.

ثم قال: ﴿ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ والذين ﴾ احتمالات ثلاثة: لأنه يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ الذين ﴾ أولئك الأحبار والرهبان، ويحتمل أن يكون المراد كلاماً مبتدأ على ما قال بعضهم المراد منه مانعو الزكاة من المسلمين، ويحتمل أن يكون المراد منه كل من كنز المال ولم يخرج منه الحقوق الواجبة سواء كان من الأحبار والرهبان أو كان من المسلمين، فلا شك أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذه الوجوه الثلاثة، وروي عن زيد بن وهب قال: مررت بأبي ذر فقلت يا أبا ذر ما أنزلك هذه البلاد؟

فقال: كنت بالشام فقرأت ﴿ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة ﴾ فقال معاوية: هذه الآية نزلت في أهل الكتاب فقلت: إنها فيهم وفينا، فصار ذلك سبباً للوحشة بيني وبينه، فكتب إلى عثمان أن أقبل إلي، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني، كأنهم لم يروني من قبل، فشكوت ذلك إليَّ عثمان فقال لي تنح قريباً إني والله لن أدع ما كنت أقول.

وعن الأحنف، قال: لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول: بشر الكافرين برضف يحمى عليه في نار جهنم فتوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى تخرج من نغض كتفه حتى يرفض بدنه، وتوضع على نغض كتفه حتى تخرج من حلمة ثديه، فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته وقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم: فقال ما عسى أن يصنع في قريش.

قال مولانا رضي الله عنه: إن كان المراد تخصيص هذا الوعيد بمن سبق ذكرهم وهم أهل الكتاب، كان التقدير أنه تعالى وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال الناس بقوله: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل ﴾ ووصفهم أيضاً بالبخل الشديد والامتناع عن إخراج الواجبات عن أموال أنفسهم بقوله: ﴿ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة ﴾ وإن كان المراد مانعي الزكاة من المؤمنين، كان التقدير أنه تعالى وصف قبح طريقتهم في الحرص على أخذ أموال الناس بالباطل، ثم ندب المسلمين إلى إخراج الحقوق الواجبة من أموالهم، وبين ما في تركه من الوعيد الشديد، وإن كان المراد الكل، كان التقدير أنه تعالى وصفهم بالحرص على أخذ أموال الناس بالباطل، ثم أردفه بوعيد كل من امتنع عن إخراج الحقوق الواجبة من ماله تنبيهاً على أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه بالباطل كذلك فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والتزوير والمكر.

المسألة الثانية: أصل الكنز في كلام العرب هو الجمع، وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز، يقال: هذا جسم مكتنز الأجزاء إذا كان مجتمع الأجزاء، واختلف علماء الصحابة في المراد بهذا الكنز المذموم فقال الأكثرون: هو المال الذي لم تؤد زكاته، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما أديت زكاته فليس بكنز.

وقال ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض، وقال جابر: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز.

وقال ابن عباس: في قوله: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله ﴾ يريد الذين لا يؤدون زكاة أموالهم.

قال القاضي: تخصيص هذا المعنى بمنع الزكاة لا سبيل إليه، بل الواجب أن يقال: الكنز هو المال الذي ما أخرج عنه ما وجب إخراجه عنه، ولا فرق بين الزكاة وبين ما يجب من الكفارات، وبين ما يلزم من نفقة الحج أو الجمعة، وبين ما يجب إخراجه في الدين والحقوق والإنفاق على الأهل أو العيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات فيجب في كل هذه الأقسام أن يكون داخلاً في الوعيد.

والقول الثاني: أن المال الكثير إذا جمع فهو الكنز المذموم، سواء أديت زكاته أو لم تؤد.

واحتج الذاهبون إلى القول الأول على صحة قولهم بأمور: الأول: عموم قوله تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ  ﴾ فإن ذلك يدل على أن كل ما اكتسبه الإنسان فهو حقه وكذا قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَسْئَلْكُمْ أموالكم  ﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام: «نعم المال الصالح للرجل الصالح».

وقوله عليه السلام: «كل امرئ أحق بكسبه».

وقوله عليه السلام: «ما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكى ولم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً».

الثاني: أنه كان في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام جماعة كعثمان وعبد الرحمن بن عوف، وكان عليه السلام يعدهم من أكابر المؤمنين.

الثالث: أنه عليه السلام ندب إلى إخراج الثلث أو أقل في المرض، ولو كان جمع المال محرماً لكان عليه السلام أقر المريض بالتصدق بكله، بل كان يأمر الصحيح في حال صحته بذلك.

واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بوجوه: الأول: عموم هذه الآية، ولا شك أن ظاهرها دليل على المنع من جمع المال، فالمصير إلى أن الجمع مباح بعد إخراج الزكاة ترك لظاهر هذه الآية، فلا يصار إليه إلا بدليل منفصل.

والثاني: ما روى سالم بن الجعد أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تباً للذهب تباً للفضة»، قالها ثلاثاً، فقالوا له أي مال نتخذ؟

قال: «لساناً ذاكراً، وقلباً خاشعاً، وزوجة تعين أحدكم على دينه».

وقال عليه السلام: «من برك صفراء أو بيضاء كوى بها»، وتوفى رجل فوجد في مئزره دينار فقال عليه السلام: «كية».

وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال عليه الصلاة والسلام: «كيتان» والثالث: ما روي عن الصحابة في هذا الباب فقال علي: كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد، وعن أبي هريرة كل صفراء أو بيضاء أوكى عليها صاحبها فهي كنز.

وعن أبي الدرداء أنه كان إذا رأى أن العسير تقدم بالمال صعد على موضع مرتفع ويقول جاءت القطار تحمل النار وبشر الكنازين بكى في الجباه والجنوب والظهور والبطون.

والرابع: أنه تعالى إنما خلق الأموال ليتوسل بها إلى دفع الحاجات، فإذا حصل للإنسان قدر ما يدفع به حاجته ثم جمع الأموال الزائدة عليه فهو لا ينتفع بها لكونها زائدة على قدر حاجته ومنعها من الغير الذي يمكنه أن يدفع حاجته بها، فكان هذا الإنسان بهذا المنع مانعاً من ظهور حكمته ومانعاً من وصول إحسان الله إلى عبيده.

واعلم أن الطريق الحق أن يقال الأولى أن لا يجمع الرجل الطالب للدين المال الكثير، إلا أنه لم يمنع عنه في ظاهر الشرع، فالأول محمول على التقوى والثاني على ظاهر الفتوى، أما بيان أن الأولى الاحتراز عن طلب المال الكثير فبوجوه: الوجه الأول: أن الإنسان إذا أحب شيئاً فكلما كان وصوله إليه أكثر والتذاذه بوجدانه أكثر، كان حبه له أشد وميله أقوى فالإنسان إذا كان فقيراً فكأنه لم يذق لذة الانتفاع بالمال وكأنه غافل عن تلك اللذة، فإذا ملك القليل من المال وجد بقدره اللذة، فصار ميله أشد، فكلما صارت أمواله أزيد، كان التذاذه به أكثر وكان حرصه في طلبه وميله إلى تحصيله أشد، فثبت أن تكثير المال سبب لتكثير الحرص في الطلب، فالحرص متعب للروح والنفس والقلب وضرره شديد، فوجب على العاقل أن يحترز عن الإضرار بالنفس وأيضاً قد بينا أنه كلما كان المال أكثر كان الحرص أشد، فلو قدرنا أنه كان ينتهي طلب المال إلى حد ينقطع عنده الطلب ويزول الحرص، لقد كان الإنسان يسعى في الوصول إلى ذلك الحد.

أما لما ثبت بالدليل أنه كلما كان تملك الأموال أكثر كان الضرر الناشئ من الحرص أكبر، وأنه لا نهاية لهذا الضرر ولهذا الطلب، فوجب على الإنسان أن يتركه في أول الأمر كما قال: رأى الأمر يفضي إلى آخر *** فيصير آخره أولاً والوجه الثاني: أن كسب المال شاق شديد، وحفظه بعد حصوله أشد وأشق وأصعب، فيبقى الإنسان طول عمره تارة في طلب التحصيل، وأخرى في تعب الحفظ، ثم إنه لا ينتفع بها إلا بالقليل وبالآخر يتركها مع الحسرات والزفرات، وذلك هو الخسران المبين.

والوجه الثالث: أن كثرة المال والجاه تورث الطغيان، كما قال تعالى: ﴿ كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ  أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ  ﴾ والطغيان يمنع من وصول العبد إلى مقام رضوان الرحمن، ويوقعه في الخسران والخذلان.

الوجه الرابع: أنه تعالى أوجب الزكاة وذلك سعي في تنقيص المال، ولو كان تكثيره فضيلة لما سعى الشرع في تنقيصه.

فإن قيل: لم قال عليه السلام: «اليد العليا خير من اليد السفلى».

قلنا: اليد العليا إنما أفادته صفة الخيرية، لأنه أعطى ذلك القليل، فبسبب أنه حصل في ماله ذلك النقصان القليلة حصلت له الخيرية، وبسبب أنه حصل للفقير تلك الزيادة القليل حصلت المرجوحية.

المسألة الثالثة: جاءت الأخبار الكثيرة في وعيد مانعي الزكاة، أما منع زكاة النقود فقوله في هذه الآية: ﴿ يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ وأما منع زكاة المواشي فما روي في الحديث أنه تعالى يعذب أصحاب المواشي إذا لم يؤدوا زكاتها بأن يسوق إليه تلك المواشي كأعظم ما تكون في أجسامها فتمر على أربابها فتطؤهم بأظلافها وتنطحهم بقرونها كلما نفدت أخراها عادت إليهم أولاها فلا يزال كذلك حتى يفرغ الناس من الحساب.

المسألة الرابعة: الصحيح عندنا وجوب الزكاة في الحلي، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .

فإن قيل: هذا الوعيد إنما يتناول الرجال لا النساء.

قلنا: نتكلم في الرجل الذي اتخذ الحلي لنسائه، وأيضاً ترتيب هذا الوعيد على جمع الذهب والفضة حكم مرتب على وصف يناسبه، وهو أن جمع ذلك المال يمنعه من صرفه إلى المحتاجين مع أنه لا حاجة إليه، إذ لو احتاج إلى إنفاقه لما قدر على جمعه، وإقدام غير المحتاج على منع المال من المحتاج يناسب أن يمنع منه، فثبت أن هذا الوعيد مرتب على وصف يناسبه، والحكم المذكور عقيب وصف يناسبه يجب كونه معللاً به، فثبت أن هذا الوعيد لذلك الجمع، فأينما حصل ذلك الوصف وجب أن يحصل معه ذلك الوعيد، وأيضاً أن العمومات الواردة في إيجاب الزكاة موجودة في الحلي المباح قال عليه السلام: هاتوا ربع عشر أموالكم وقال: في الرقة ربع العشر وقال: يا علي عليك زكاة، فإذا ملكت عشرين مثقالاً، فأخرج نصف مثقال وقال: ليس في المال حق سوى الزكاة وقال لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول فهذه الآية مع جميع هذه الأخبار توجب الزكاة في الحلي المباح، ثم نقول ولم يوجد لهذا الدليل معارض من الكتاب، وهو ظاهر لأنه ليس في القرآن ما يدل على أنه لا زكاة في الحلي المباح، ولم يوجد في الأخبار أيضاً معارض إلا أن أصحابنا نقلوا فيه خبراً، وهو قوله عليه السلام: «لا زكاة في الحلي المباح» إلا أن أبا عيسى الترمذي قال: لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلي خبر صحيح، وأيضاً بتقدير أن يصح هذا الخبر فنحمله على اللآلئ لأنه قال: لا زكاة في الحلي، ولفظ الحلي مفرد محلى بالألف واللام، وقد دللنا على أنه لو كان هناك معهود سابق، وجب انصرافه إليه والمعهود في القرآن في لفظ الحلي اللآلئ.

قال تعالى: ﴿ وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا  ﴾ وإذا كان كذلك انصرف لفظ الحلي إلى اللآلئ، فسقطت دلالته، وأيضاً الاحتياط في القول بوجوب الزكاة، وأيضاً لا يمكن معارضة هذا النص بالقياس، لأن النص خير من القياس فثبت أن الحق ما ذكرناه.

المسألة الخامسة: أنه تعالى ذكر شيئين وهما الذهب والفضة.

ثم قال: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن الضمير عائد إلى المعنى من وجوه: أحدها: أن كل واحد منهما جملة وآنية دنانير ودراهم، فهو كقوله تعالى: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا  ﴾ .

وثانيها: أن يكون التقدير، ولا ينفقون الكنوز.

وثالثها: قال الزجاج: التقدير: ولا ينفقون تلك الأموال.

الوجه الثاني: أن يكون الضمير عائداً إلى اللفظ وفيه وجوه: أحدها: أن يكون التقدير ولا ينفقون الفضة، وحذف الذهب لأنه داخل في الفضة من حيث إنهما معاً يشتركان في ثمنية الأشياء، وفي كونهما جوهرين شريفين، وفي كونهما مقصودين بالكنز، فلما كانا متشاركين في أكثر الصفات كان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر.

وثانيها: أن ذكر أحدهما قد يغني عن الآخر كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا  ﴾ جعل الضمير للتجارة.

وقال: ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً  ﴾ فجعل الضمير للإثم.

وثالثها: أن يكون التقدير: ولا ينفقونها والذهب كذلك كما أن معنى قوله: وإني وقيار بها لغريب *** أي وقيا كذلك.

فإن قيل: ما السبب في أن خصا بالذكر من بين سائر الأموال؟

قلنا: لأنهما الأصل المعتبر في الأموال وهما اللذان يقصدان بالكنز.

واعلم أنه تعالى لما ذكر الذين يكنزون الذهب والفضة.

قال: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي فأخبرهم على سبيل التهكم لأن الذين يكنزون الذهب والفضة إنما يكنزونهما ليتوسلوا بهما إلى تحصيل الفرج يوم الحاجة.

فقيل هذا هو الفرج كما يقال تحيتهم ليس إلا الضرب وإكرامهم ليس إلا الشتم، وأيضاً فالبشارة عن الخير الذي يؤثر في القلب، فيتغير بسببه لون بشرة الوجه، وهذا يتناول ما إذا تغيرت البشرة بسبب الفرح أو بسبب الغم.

ثم قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كنزتم لأنفسكم ﴾ ، وفي قراءة أبي ﴿ وبطونهم ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: لا يقال أحميت على الحديد، بل يقال: أحميت الحديد فما الفائدة في قوله: ﴿ يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا ﴾ .

والجواب: ليس المراد أن تلك الأموال تحمى على النار، بل المراد أن النار تحمى على تلك الأموال التي هي الذهب والفضة، أي يوقد عليها نار ذات حمى وحر شديد، وهو مأخوذ من قوله: ﴿ نَارٌ حَامِيَةٌ  ﴾ ولو قيل يوم تحمى لم يفد هذه الفائدة.

فإن قالوا: لما كان المراد يوم تحمى النار عليها، فلم ذكر الفعل؟

فلنا: لأن النار تأنيثها لفظي، والفعل غير مسند في الظاهر إليه، بل إلى قوله: ﴿ عَلَيْهَا ﴾ فلا جرم حسن التذكير والتأنيث وعن ابن عامر أنه قرأ ﴿ تحمى ﴾ بالتاء.

السؤال الثاني: ما الناصب لقوله: ﴿ يَوْمَ ﴾ .

الجواب: التقدير فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها.

السؤال الثالث: لم خصت هذه الأعضاء؟

والجواب لوجوه: أحدها: أن المقصود من كسب الأموال حصول فرح في القلب يظهر أثره في الوجوه، وحصول شبع ينتفخ بسببه الجنبان، ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم، فلما طلبوا تزين هذه الأعضاء الثلاثة، لا جرم حصل الكي على الجباه والجنوب والظهور.

وثانيها: أن هذه الأعضاء الثلاثة مجوفة، قد حصل في داخلها آلات ضعيفة يعظم تألمها بسبب وصول أدنى أثر إليها بخلاف سائر الأعضاء.

وثالثها: قال أبو بكر الوراق: خصت هذه المواضع بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير بجنبه تباعد عنه وولى ظهره.

ورابعها: أن المعنى أنهم يكوون على الجهات الأربع، إما من مقدمه فعلى الجبهة، وإما من خلفه فعلى الظهور، وإما من يمينه ويساره فعلى الجنبين.

وخامسها: أن ألطف أعضاء الإنسان جبينه والعضو المتوسط في اللطافة والصلابة جنبه، والعضو الذي هو أصلب أعضاء الإنسان ظهره، فبين تعالى أن هذه الأقسام الثلاثة من أعضائه تصير مغمورة في الكي، والغرض منه التنبيه على أن ذلك الكي يحصل في تلك الأعضاء.

وسادسها: أن كمال حال بدن الإنسان في جماله وقوته أما الجمال فمحله الوجه، وأعز الأعضاء في الوجه الجبهة، فإذا وقع الكي في الجبهة، فقد زال الجمال بالكلية، وأما القوة فمحلها الظهر والجنبان، فإذا حصل الكي عليها فقد زالت القوة عن البدن، فالحاصل: أن حصول الكي في هذه الأعضاء الثلاثة يوجب زوال الجمال وزوال القوة، والإنسان إنما طلب المال لحصول الجمال ولحصول القوة.

السؤال الرابع: الذي يجعل كياً على بدن الإنسان هو كل ذلك المال أو القدر الواجب من الزكاة.

والجواب: مقتضى الآية: الكل لأنه لما يخرج منه لم يكن الحق منه جزءاً معيناً، بل لا جزء إلا والحق متعلق به، فوجب أن يعذبه الله بكل الأجزاء.

ثم إنه تعالى قال: ﴿ هذا مَا كَنَزْتُمْ لأنفُسِكُمْ ﴾ والتقدير: فيقال لهم: هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا والغرض منه تعظيم الوعيد، لأنهم إذا عاينوا ما يعذبون به من درهم أو من دينار أو من صفيحة معمولة منهما أو من أحدهما جوزوا فيه أن يكون عن الحق الذي منعه وجوزوا خلاف ذلك، فعظم الله تبكيتهم بأن يقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم لم تؤثروا به رضا ربكم ولا قصدتم بالإنفاق منه نفع أنفسكم والخلاص به من عقاب ربكم فصرتم كأنكم ادخرتموه ليجعل عقاباً لكم على ما تشاهدونه، ثم يقول تعالى: ﴿ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ ومعناه لم تصرفوه لمنافع دينكم ودنياكم على ما أمركم الله به ﴿ فَذُوقُواْ ﴾ وبال ذلك به لا بغيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

معنى أكل الأموال على وجهين: إما أن يستعار الأكل للأخذ.

ألا ترى إلى قولهم: أخد الطعام وتناوله.

وإمّا على أن الأحوال يؤكل بها فهي سبب الأكل.

ومنه قوله: إنَّ لَنَا أَحْمِرَةً عِجَافَا ** يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكَافَا يريد: علفاً يشترى بثمن إكاف.

ومعنى أكلهم بالباطل: أنهم كانوا يأخذون الرشا في الأحكام، والتخفيف والمسامحة في الشرائع ﴿ والذين يَكْنِزُونَ ﴾ يجوز أن يكون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان، للدلالة على اجتماع خصلتين مذمومتين فيهم: أخذ البراطيل، وكنز الأموال، والضنّ بها عن الإنفاق في سبيل الخير.

ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين، ويقرن بينهم وبين المرتشين من اليهود والنصارى، تغليظاً ودلالة على أن من يأخذ منهم السحت، ومن لا يعطي منكم طيب ماله: سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم.

وقيل: نسخت الزكاة آية الكنز.

وقيل: هي ثابتة، وإنما عني بترك الإنفاق في سبيل الله منع الزكاة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أدّى زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكى فلم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً» وعن عمر رضي الله عنه أنّ رجلاً سأله عن أرض له باعها فقال: أحرز مالك الذي أخذت، احفر له تحت فراش امرأتك.

قال: أليس بكنز؟

قال: ما أدّى زكاته فليس بكنز وعن ابن عمر رضي الله عنهما: كل ما أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم يؤدّ زكاته فهو الذي ذكر الله تعالى وإن كان على ظهر الأرض فإن قلت: فما تصنع بما روى سالم بن أبي الجعد رضي الله عنهم أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تباً للذهب تباً للفضة» قالها ثلاثاً.

فقالوا له: أيّ مال نتخذ؟

قال: «لساناً ذاكراً، وقلباً خاشعاً، وزوجة تعين أحدكم على دينه» وبقوله عليه الصلاة والسلام: «من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها» .

وتوفي رجل فوجد في مئزره دينار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كية» وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال: «كيتان» قلت: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فأمّا بعد فرض الزكاة، فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالاً من حيث أذن له فيه، ويؤدّي عنه ما أوجب عليه فيه، ثم يعاقبه.

ولقد كان كثير من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وعبيد الله رضي الله عنهم يقتنون ويتصرفون فيها، وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية، لأنّ الإعراض اختيار للأفضل، وإلاّ دخل في الورع والزهد في الدنيا، والاقتناء مباح موسع لا يذمّ صاحبه، ولكل شيء حدّ.

وما روي عن علي رضي الله عنه: أربعة آلاف فما دونها نفقة، فما زاد فهو كنز.

كلام في الأفضل.

فإن قلت: لم قيل: ولا ينفقونها، وقد ذكر شيئان؟

قلت: ذهاباً بالضمير إلى المعنى دون اللفظ: لأن كل واحد منهما جملة وافية وعدة كثيرة ودنانير ودراهم، فهو كقوله: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا ﴾ وقيل: ذهب به إلى الكنوز، وقيل: إلى الأموال.

وقيل: معناه ولا ينفقونها والذهب، كما أن معنى قوله: فَإنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ وقيار كذلك.

فإن قلت: لم خصّا بالذكر من بين سائر الأموال؟

قلت: لأنهما قانون التمول وأثمان الأشياء، ولا يكنزهما إلاّ من فضلا عن حاجته، ومن كثرا عنده حتى يكنزهما لم يعدم سائر أجناس المال، فكان ذكر كنزهما دليلاً على ما سواهما، فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ يُحْمَى عَلَيْهَا ﴾ ؟

وهلا قيل: تحمى، من قولك: حمى الميسم وأحميته، ولا تقول: أحميت على الحديد؟

قلت: معناه أن النار تحمى عليها، أي توقد ذات حمى وحرّ شديد، من قوله: ﴿ نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ [القارعة: 11] ولو قيل: يوم تحمى، لم يعط هذا المعنى.

فإن قلت: فإذا كان الإحماء للنار، فلم ذكر الفعل؟

قلت: لأنه مسند إلى الجار والمجرور، أصله: يوم تحمى النار عليها، فلما حذفت النار قيل: يحمى عليها، لانتقال الإسناد عن النار إلى عليها، كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير، فإن لم تذكر القصة قلت: رفع إلى الأمير وعن ابن عامر أنه قرأ: ﴿ تحمى ﴾ بالتاء.

وقرأ أبو حيوة: ﴿ فيكوى ﴾ بالياء.

فإن قلت: لم خصّت هذه الأعضاء؟

قلت: لأنهم لم يطلبوا بأموالهم- حيث لم ينفقوها في سبيل الله- إلاّ الأغراضَ الدنيوية، ومن وجاهة عند الناس، وتقدّم، وأن يكون ماء وجوههم مصوناً عندهم، يتلقون بالجميل، ويحيون بالإكرام، ويبجلون ويحتشمون، ومن أكل طيبات يتضلعون منها وينفخون جنوبهم، ومن لبس ناعمة من الثياب يطرحونها على ظهورهم، كما ترى أغنياء زمانك هذه أغراضهم وطلباتهم من أموالهم، لا يخطرون ببالهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذهب أهل الدثور بالأجور» وقيل: لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا، وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه وتولوا بأركانهم وولوه ظهورهم.

وقيل: معناه يكون على الجهات الأربع مقاديمهم ومآخيرهم وجنوبهم ﴿ هذا مَا كَنَزْتُمْ ﴾ على إرادة القول.

وقوله: ﴿ لأَنفُسِكُمْ ﴾ أي كنزتموه لتنتفع به نفوسكم وتلتذ وتحصل لها الأغراض التي حامت حولها وما علمتم أنكم كنزتموه لتستضر به أنفسكم وتتعذب وهو توبيخ لهم ﴿ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ .

وقرئ: ﴿ تكنزون ﴾ بضم النون أي وبال المال الذي كنتم تكنزونه أو وبال كونكم كانزين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ ﴾ أيْ يَوْمَ تُوقَدُ النّارُ ذاتُ حِمًى شَدِيدٍ عَلَيْها، وأصْلُهُ تُحْمى بِالنّارِ فَجُعِلَ الإحْماءُ لِلنّارِ مُبالَغَةً ثُمَّ حُذِفَتِ النّارُ وأُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ تَنْبِيهًا عَلى المَقْصُودِ فانْتَقَلَ مِن صِيغَةِ التَّأْنِيثِ إلى صِيغَةِ التَّذْكِيرِ، وإنَّما قالَ عَلَيْها والمَذْكُورُ شَيْئانِ لِأنَّ المُرادَ بِهِما دَنانِيرُ ودَراهِمُ كَثِيرَةٌ كَما قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أرْبَعَةُ آلافٍ وما دُونِها نَفَقَةٌ وما فَوْقَها كَنْزٌ.

وَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُنْفِقُونَها ﴾ وقِيلَ الضَّمِيرُ فِيهِما لِلْكُنُوزِ أوْ لِلْأمْوالِ فَإنَّ الحُكْمَ عامٌّ وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما قانُونُ التَّمَوُّلِ، أوْ لِلْفِضَّةِ وتَخْصِيصُها لِقُرْبِها ودَلالَةُ حُكْمِها عَلى أنَّ الذَّهَبَ أوْلى بِهَذا الحُكْمِ.

﴿ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُمْ ﴾ لِأنَّ جَمْعَهم وإمْساكَهم إيّاهُ كانَ لِطَلَبِ الوَجاهَةِ بِالغِنى والتَّنَعُّمِ بِالمَطاعِمِ الشَّهِيَّةِ والمَلابِسِ البَهِيَّةِ، أوْ لِأنَّهُمُ ازْوَرُّوا عَنِ السّائِلِ وأعْرَضُوا عَنْهُ ووَلُّوهُ ظُهُورَهم، أوْ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ فَإنَّها المُشْتَمِلَةُ عَلى الأعْضاءِ الرَّئِيسِيَّةِ الَّتِي هي الدِّماغُ والقَلْبُ والكَبِدُ، أوْ لِأنَّها أُصُولُ الجِهاتِ الأرْبَعِ الَّتِي هي مَقادِيمُ البَدَنِ ومَآخِيرُهُ وجَنْباهُ.

﴿ هَذا ما كَنَزْتُمْ ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.

﴿ لأنْفُسِكُمْ ﴾ لِمَنفَعَتِها وكانَ عَيْنَ مَضَرَّتِها وسَبَبَ تَعْذِيبِها.

﴿ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ أيْ وبالَ كَنْزِكم أوْ ما تَكْنِزُونَهُ وقُرِئَ « تَكْنُزُونَ» بِضَمِّ النُّونِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ومعنى قوله {يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ} أن النار تحمي عليها أي توقد وإنما ذكر الفعل لأنه مسند إلى الجار والمجرور أصله يوم تحمى النار عليها فلما حذفت النار قيل يحمى لانتقال الإسناد عن النار إلى عليها كما تقول رفعت القصة إلى الأمير فإن لم تذكر القصة قلت رفع إلى الأمير {فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} وخصت هذه الأعضاء لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه

وتولوا بأركانهم وولوه ظهورهم أو معناه يكون على الجهات الأربع مقاديمهم ومآخيرهم وجنوبهم {هذا ما كنزتم لأنفسكم} يقال لهم هذه ما كنزتموه لتنتفع به نفوسكم وما علمتم انكم كنزتموه لتستضربه أنفسكم وهو توبيخ {فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} أي وبال المال الذي كنتم تكنزونه أو وبال كونكم كانزين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ ﴾ مَنصُوبٌ بِعَذابٍ ألِيمٍ أوْ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ أيْ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ أوْ بِـ ”اذْكُرْ“، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ عَذابُ يَوْمٍ والمُقَدَّرُ بَدَلٌ مِنَ المَذْكُورِ فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ أُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ﴿ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ ﴾ أيْ: تُوقَدُ النّارُ ذاتَ حِمًى وحَرٍّ شَدِيدٍ عَلَيْها، وأصْلُهُ تُحْمى بِالنّارِ مِن قَوْلِكَ حَمَيْتُ المِيسَمَ وأحْمَيْتُهُ فَجَعَلَ الإحْماءَ لِلنّارِ مُبالَغَةً لِأنَّ النّارَ في نَفْسِها ذاتُ حِمًى فَإذا وُصِفَتْ بِأنَّها تُحْمى دَلَّ عَلى شِدَّةِ تَوَقُّدِها ثُمَّ حُذِفَتِ النّارُ وحُوِّلَ الإسْنادُ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ تَنْبِيهًا عَلى المَقْصُودِ بِأتَمِّ وجْهٍ فانْتَقَلَ مِن صِيغَةِ التَّأْنِيثِ إلى التَّذْكِيرِ كَما تَقُولُ: رَفَعْتُ القِصَّةَ إلى الأمِيرِ فَإذا طُرِحَتِ القِصَّةُ وأُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ قُلْتَ رُفِعَ إلى الأمِيرِ، وعَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ ( تُحْمِي ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ بِإسْنادِهِ إلى النّارِ كَأصْلِهِ وإنَّما قِيلَ ( عَلَيْها ) والمَذْكُورُ شَيْئانِ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِما مِقْدارًا مُعَيَّنًا مِنهُما ولا الجِنْسُ الصّادِقُ بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ بَلِ المُرادُ الكَثِيرُ مِنَ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ لِأنَّهُ الَّذِي يَكُونُ كَنْزًا فَأتى بِضَمِيرِ الجَمْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الكَثْرَةِ ولَوْ أتى بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ احْتَمَلَ خِلافَهُ، وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا يُنْفِقُونَها ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِكُنُوزِ الأمْوالِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ فَيَكُونُ الحُكْمُ عامًّا ولِذا عَدَلَ فِيهِ عَنِ الظّاهِرِ، وتَخْصِيصُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما الأصْلُ الغالِبُ في الأمْوالِ لا لِلتَّخْصِيصِ أوْ لِلْفِضَّةِ، واكْتَفى بِها لِأنَّها أكْثَرُ والنّاسُ إلَيْها أحْوَجُ ولِأنَّ الذَّهَبَ يُعْلَمُ مِنها بِالطَّرِيقِ الأوْلى مَعَ قُرْبِها لَفْظًا ﴿ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُمْ ﴾ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّ غَرَضَ الكانِزِينَ مِنَ الكَنْزِ والجَمْعِ أنْ يَكُونُوا عِنْدَ النّاسِ ذَوِي وجاهَةٍ ورِياسَةٍ بِسَبَبِ الغِنى وأنْ يَتَنَعَّمُوا بِالمَطاعِمِ الشَّهِيَّةِ والمَلابِسِ البَهِيَّةِ فَلِوَجاهَتِهِمْ كانَ الكَيُّ بِجِباهِهِمْ ولِامْتِلاءِ جُنُوبِهِمْ بِالطَّعامِ كُوُوا عَلَيْها ولِما لَبِسُوهُ عَلى ظُهُورِهِمْ كُوِيَتْ، أوْ لِأنَّهم إذا رَأوُا الفَقِيرَ السّائِلَ زَوَوْا ما بَيْنَ أعْيُنِهِمْ وازْوَرُّوا عَنْهُ وأعْرَضُوا وطَوَوْا كَشْحًا ووَلَّوْهُ ظُهُورَهم واسْتَقْبَلُوا جِهَةً أُخْرى، أوْ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ فَإنَّها المُشْتَمِلَةُ عَلى الأعْضاءِ الرَّئِيسَةِ الَّتِي هي الدِّماغُ والقَلْبُ والكَبِدُ، وقِيلَ: لِأنَّها أُصُولُ الجِهاتِ الأرْبَعِ الَّتِي هي مَقادِيمُ البَدَنِ ومَآخِيرِهِ وجَنْبَتاهُ فَيَكُونُ ما ذُكِرَ كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ، ويَبْقى عَلَيْهِ نُكْتَةُ الِاقْتِصارِ عَلى هَذِهِ الأرْبَعِ مِن بَيْنِ الجِهاتِ السِّتِّ وتَكَلَّفَ لَها بَعْضُهم بِأنَّ الكانِزَ وقْتَ الكَنْزِ لِحَذَرِهِ مِن أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أحَدٌ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وشِمالًا وأمامًا ووَراءً ولا يَكادُ يَنْظُرُ إلى فَوْقُ أوْ يَتَخَيَّلُ أنَّ أحَدًا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِن تَحْتُ؛ فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الجِهاتُ الأرْبَعُ مَطْمَحَ نَظَرِهِ ومَظِنَّةَ حَذَرِهِ دُونَ الجِهَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ اقْتَصَرَ عَلَيْها دُونَهُما، وهو مَعَ ابْتِنائِهِ عَلى اعْتِبارِ الدَّفْنِ في الكَنْزِ في حَيِّزِ المَنعِ كَما لا يَخْفى.

وقِيلَ: إنَّما خُصَّتْ هَذِهِ المَواضِعُ لِأنَّ داخِلَها جَوْفًا بِخِلافِ اليَدِ والرِّجْلِ، وفِيهِ أنَّ البَطْنَ كَذَلِكَ، وفي جَمْعِهِ مَعَ الظّاهِرِ لَطافَةٌ أيْضًا، وقِيلَ: لِأنَّ الجَبْهَةَ مَحَلُّ الوَسْمِ لِظُهُورِها والجَنْبَ مَحَلُّ الألَمِ والظَّهْرَ مَحَلُّ الحُدُودِ لِأنَّ الدّاعِيَ لِلْكانِزِ عَلى الكَنْزِ وعَدَمِ الإنْفاقِ خَوْفُ الفَقْرِ الَّذِي هو المَوْتُ الأحْمَرُ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِلْكَدِّ وعَرَقِ الجَبِينِ والِاضْطِرابِ يَمِينًا وشِمالًا وعَدَمِ اسْتِقْرارِ الجَنْبِ لِتَحْصِيلِ المَعاشِ مَعَ خُلُوِّ المُتَّصَفِ بِهِ عَمّا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ ويُعَوَّلُ في المُهِمّاتِ عَلَيْهِ، فَلِمُلاحَظَةِ الأمْنِ مِنَ الكَدِّ وعَرَقِ الجَبِينِ تُكْوى جَبْهَتُهُ، ولِمُلاحَظَةِ الأمْنِ مِنَ الِاضْطِرابِ والطَّمَعِ في اسْتِقْرارِ الجَنْبِ يُكْوى جَنْبُهُ، ولِمُلاحَظَةِ اسْتِنادِ الظَّهْرِ والِاتِّكالِ عَلى ما يَزْعُمُ أنَّهُ الرَّكْنُ الأقْوى والوِزْرُ الأوْقى يُكْوى ظَهْرُهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وهي أقْوالٌ يُشْبِهُ بَعْضُها بَعْضًا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يُوضَعُ دِينارٌ عَلى دِينارٍ أوْ دِرْهَمٌ عَلى دِرْهَمٍ فَيُكْوى بِها ولا أنَّهُ يُكْوى بِكُلٍّ بِأنْ يُرْفَعَ واحِدٌ ويُوضَعَ بَدَلُهُ آخَرُ حَتّى يُؤْتِيَ عَلى آخِرِها بَلْ أنَّهُ يُوَسِّعُ جِلْدَ الكانِزِ فَيُوضَعُ كُلُّ دِينارٍ ودِرْهَمٍ عَلى حِدَتِهِ كَما نَطَقَتْ بِذَلِكَ الآثارُ وتَظافَرَتْ بِهِ الأخْبارُ ﴿ هَذا ما كَنَزْتُمْ ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ وبِهِ يَتَعَلَّقُ الظَّرْفُ السّابِقُ في قَوْلٍ أيْ يُقالُ لَهُ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها: هَذا ما كَنَزْتُمْ ( ﴿ لأنْفُسِكُمْ ﴾ ) أيْ لِمَنفَعَتِها فَكانَ عَيْنَ مُضِرَّتِها وسَبَبَ تَعْذِيبِها، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وأنْتُ في تَقْدِيرِ المُضافِ في النُّظُمِ بِالخِيارِ، ولَمْ تُجْعَلِ اللّامُ لِلْمِلْكِ لِعَدَمِ جَدْواهُ ( وما ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ وبالُ كَنْزِكم أوْ وبالُ كَوْنِكم كانِزِينَ ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ في كَوْنِ كانَ النّاقِصَةِ لَها مَصْدَرٌ كَلامًا وبِأنَّ المَقْصُودَ الخَبَرُ، وكانَ إنَّما ذُكِرَتْ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ وبالُ الَّذِي تَكْنِزُونَهُ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ أوْ تَبَعِيَّةٌ، وقُرِئَ ( تَكْنُزُونَ ) بِضَمِّ النُّونِ فالماضِي كَنَزَ كَضَرَبَ وقَعَدَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ، قال السدي: الأحبار اليهود، والرهبان النصارى.

وقال ابن عباس: «الأحبار العلماء، والرهبان أصحاب الصوامع» .

لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ، يعني: بالظلم بغير حق، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: يصرفون الناس عن دين الله.

ثم بيّن الله تعالى حالهم للمؤمنين لكي يحذروا منهم ولا يطيعونهم.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: يجمعون ويمنعون زكاتها.

قال بعضهم: هذا نعت للأحبار والرهبان، وقال بعضهم: هذا ابتداء في حق كل من جمع المال ومنع منه حق الله، وقال ابن عباس: «الكنز الذي لا يؤدى عنه زكاته» (١) وروى نافع، عن ابن عمر أنه قال: «أي مال كان على وجه الأرض لا تؤدى زكاته، فهو كنز يعذب صاحبه يوم القيامة وما كان في الأرض تؤدى زكاته، فليس بكنز» .

وروي عن علي بن أبي طالب  أنه قال: «أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كان أكثر منها فهو كنز» .

ثم قال: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ، يعني: أهل هذه الصفة الذين يكنزون الذهب والفضة، وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: لا يؤدون حقها في طاعة الله تعالى.

وقال: وَلا يُنْفِقُونَها ولم يقل: ينفقونه، لأنه انصرف إلى المعنى، يعني: لا ينفقون الكنوز، ويقال: لا ينفقون الأموال، ويقال: يعني الفضة.

وقال بعضهم: نزل هذا في شأن الكفار، وقال بعضهم: كان هذا في أول الإسلام ووجب عليهم أن يؤدوا الفضل، ثم نسخ بآية الزكاة.

وقال بعضهم: كل مؤمن لا يؤدي الزكاة فهو من أهل هذه الآية، وهو قوله تعالى: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ، يعني: يوقد على الكنوز، فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ، ويقال لهم: هذا ما كَنَزْتُمْ يعني: ما جمعتم لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ.

قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم أنه قال: «والذي لا إله غيره، لا يعذب رجل بكنز فيمس دينار ديناراً، ولا درهم درهماً، ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل درهم على جسده وكل دينار على خدّه» (٢)  : «كية» .

ومات رجل آخر فوجد في مؤتزره ديناران فقال النبيّ  : «كيتان» (٣) (١) عزاه السيوطي: 4/ 177 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

(٢) عزاه السيوطي: 4/ 179 إلى ابن أبي حاتم والطبراني وأبي الشيخ.

(٣) حديث ابن مسعود: أخرجه أحمد: 1/ 457 وأبو يعلى: (5037) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ، المراد بهذه الآية: بيانُ نقائصِ المذكورين، ونَهْيُ المؤمنين عن تلك النقائصِ مترتِّب ضِمْنَ ذلك، واللام في لَيَأْكُلُونَ: لامُ التوكيدِ، وصورةُ هذا الأكْلِ هي بأنهم يأخذونَ من أموال أتباعهم ضرائِبَ وفُرُوضاً باسم الكنائسِ والبِيَعِ وغَيْرِ ذلك ممَّا يوهمونهم أنَّ النفقة فيه مِنَ الشَّرْعَ والتَقرُّب إِلى اللَّهَ، وهم خلاَلَ ذلك يحتجنون تلك الأموالَ، كالذي ذكره سلمان في كتاب «السير» ، عن الراهِبِ الذي استخرج كَنْزَهُ.

وقوله سبحانه: وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أي: عن شريعة الإِسلام والإيمان بنبيِّنا محمَّد صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ ابتداءٌ، وخبره فَبَشِّرْهُمْ والذي يظهر من ألفاظ الآية:

أنه لما ذَكَر نَقْصَ الأحبار والرهبانِ الآكلين للمَالِ بالباطل، ذَكَرَ بعد ذلك بقَوْلٍ عامٍّ نَقْصَ الكانزين المانعين حقَّ المال، وقرأ طلحةُ بْنُ مُصَرِّف: «الَّذِينَ يَكْنِزُونَ» «١» بغير واو، وعلى هذه القراءة يجري قولُ معاوِيَةَ: أنَّ الآية في أهْل الكتَاب، وخالفه أبو ذَرٍّ، فقال: بل هِيَ فينا.

ويَكْنِزُونَ: معناه: يجمعون ويحفظون في الأَوعية، وليس مِنْ شرط الكَنْز:

الدفْنُ، والتوعُّد في الكنز، إِنما وقع عَلَى منع الحقوق منه، وعلى هذا كثيرٌ من العلماء، وقال عليٌّ رضي اللَّه عنه: أربعةُ آلاف دِرْهَمٍ فما دُونَهَا نفقةٌ، وما زاد علَيْهَا فهو كَنْز، وإِن أَدَّيْتُ زَكَاتَهُ.

وقال أبو ذَرٍّ وجماعةٌ معه: ما فَضَلَ مِنْ مالِ الرَّجُل على حاجةِ نَفْسِه، فهو كَنْز، وهذان القولان يقتضيان أنَّ الذمَّ في حبس المال، لا في منع زكاته فقطْ.

ت: وحدَّث أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيبِ بسنده، عن عليِّ بن أبي طالب، وابنِ عمر، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ للفُقَرَاءِ في أموال الأغنياء قدر ما يسعهم، فإن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ ﴾ أيْ: عَلى الأمْوالِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واللَّهِ ما مِن رَجُلٍ يُكْوى بِكَنْزٍ، فَيُوضَعُ دِينارٌ عَلى دِينارٍ ولا دِرْهَمٌ عَلى دِرْهَمٍ ولَكِنْ يُوَسَّعُ جِلْدَهُ، فَيُوضَعُ كُلُّ دِينارٍ ودِرْهَمٍ عَلى حِدَتِهِ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي حَيَّةٌ تَنْطَوِي عَلى جَنْبَيْهِ وجَبْهَتِهِ، فَتَقُولُ: أنا مالُكَ الَّذِي بَخِلْتَ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ما كَنَزْتُمْ ﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ويُقالُ لَهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم ﴿ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ أيْ: عَذابُ ذَلِكَ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ الجِباهَ والجُنُوبَ والظُّهُورَ مِن بَقِيَّةِ البَدَنِ؟

فالجَوابُ: أنَّ هَذِهِ المَواضِعَ مُجَوَّفَةٌ، فَيَصِلُ الحَرُّ إلى أجْوافِها، بِخِلافِ اليَدِ والرِّجْلِ.

وكانَ أبُو ذَرٍّ يَقُولُ: بَشِّرِ الكَنّازِينَ بِكَيٍّ في الجِباهِ وكَيٍّ في الجُنُوبِ وكَيٍّ في الظُّهُورِ، حَتّى يَلْتَقِيَ الحَرُّ في أجْوافِهِمْ.

وجَوابٌ آَخَرُ: وهو أنَّ الغَنِيَّ إذا رَأى الفَقِيرَ، انْقَبَضَ؛ وإذا ضَمَّهُ وإيّاهُ مَجْلِسٌ، ازْوَرَّ عَنْهُ ووَلّاهُ ظَهْرَهُ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ الناسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ بَيانُ نَقائِصِ المَذْكُورِينَ، ونَهْيُ المُؤْمِنِينَ عن تِلْكَ النَقائِصِ مُتَرَتِّبٌ ضِمْنَ ذَلِكَ، واللامُ في "لَيَأْكُلُونَ" لامُ التَأْكِيدِ، وصُورَةُ هَذا الأكْلِ هي أنَّهم يَأْخُذُونَ مِن أمْوالِ أتْباعِهِمْ ضَرائِبَ وفُرُوضًا بِاسْمِ الكَنائِسِ والبِيَعِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُونَهم أنَّ النَفَقَةَ فِيهِ مِنَ الشَرْعِ والتَزَلُّفِ إلى اللهِ، وهم خِلالَ ذَلِكَ يَحْتَجِنُونَ تِلْكَ الأمْوالَ كالَّذِي ذَكَرَهُ سَلْمانُ في كِتابِ السِيَرِ عَنِ الراهِبِ الَّذِي اسْتُخْرِجَ كَنْزُهُ، وقِيلَ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِنهم مِن غَلّاتِهِمْ وأمْوالِهِمْ ضَرائِبَ بِاسْمِ حِمايَةِ الدِينِ والقِيامِ بِالشَرْعِ، وقِيلَ: كانُوا يَرْتَشُونَ في الأحْكامِ، ونَحْوَ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالباطِلِ ﴾ يَعُمُّ كُلَّ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ( يَصُدُّونَ ) الأشْبَهُ هُنا أنْ يَكُونَ مُعَدًّى أيْ: يَصُدُّونَ غَيْرَهُمْ، وهَذا التَرْجِيحُ إنَّما هو لِنَباهَةِ مَنازِلِهِمْ في قَوْمِهِمْ، و"صَدَّ" يُسْتَعْمَلُ واقِفًا ومُتَجاوِزًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا و"سَبِيلُ اللهِ": الإسْلامُ وشَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ في أكْلِهِمُ الأمْوالَ بِالباطِلِ، والأوَّلُ أرْجَحُ.

وقَوْلُهُ: "والَّذِينَ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ "فَبَشِّرْهُمْ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" مَعْطُوفًا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "يَأْكُلُونَ" عَلى نَظَرٍ في ذَلِكَ، لِأنَّ الضَمِيرَ لَمْ يُؤَكَّدْ، وأسْنَدَ أبُو حاتِمٍ إلى عِلْباءَ بْنِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: لَمّا أمَرَ عُثْمانُ بِكَتْبِ المُصْحَفِ أرادَ أنْ يَنْقُصَ الواوَ في قَوْلِهِ: "والَّذِينَ يَكْنِزُونَ" فَأبِي ذَلِكَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وقالَ: "لَتُلْحِقَنَّها أو لَأضَعَنَّ سَيْفِي عَلى عاتِقِي" فَألْحَقُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى إرادَةِ عُثْمانَ يَجْرِي قَوْلُ مُعاوِيَةَ: إنَّ الآيَةَ في أهْلِ الكِتابِ، وخالَفَهُ أبُو ذَرٍّ فَقالَ: بَلْ هي فِينا، فَشَكاهُ إلى عُثْمانَ فاسْتَدْعاهُ مِنَ الشامِ ثُمَّ خَرَجَ إلى الرِبْذَةِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الألْفاظِ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ بَعْضَ الأحْبارِ والرُهْبانِ الآكِلِينَ المالَ بِالباطِلِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَقُولَةَ نَقْصِ الكانِزِينَ المانِعِينَ حَقَّ المالِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "الَّذِينَ يَكْنِزُونَ" بِغَيْرِ واوٍ، و"يَكْنِزُونَ" مَعْناهُ: يَجْمَعُونَ ويَحْفَظُونَ في الأوعِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ المُنَخَّلِ الهُذَلِيِّ: لا دَرَّ دَرِّي إنْ أطْعَمْتُ جائِعَهم ∗∗∗ ∗∗∗ قِرْفَ الحَتِيِّ وعِنْدِي البُرُّ مَكْنُوزُ أيْ مَحْفُوظٌ في أوعِيَتِهِ، ولَيْسَ مِن شُرُوطِ الكَنْزِ الدَفْنُ لَكِنْ كَثُرَ في حَفَظَةِ المالِ أنْ يَدْفِنُوهُ حَتّى تُعُورِفَ في المَدْفُونِ اسْمُ الكَنْزِ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُهُمْ: "رَجُلٌ مُكْتَنِزُ الخَلْقِ" أيْ مُجْتَمِعُ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: عَلى شَدِيدٍ لَحْمُهُ كِنازْ ∗∗∗ ∗∗∗ باتَ يُنَزِّينِي عَلى أوفازْ والتَوَعُّدُ في الكَنْزِ إنَّما وقَعَ عَلى مَنعِ الحُقُوقِ مِنهُ، ولِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَنْزُ هو المالُ الَّذِي لا تُؤَدّى زَكاتُهُ وإنْ كانَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وأمّا المَدْفُونُ إذا أُخْرِجَتْ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ كَما قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "كُلُّ ما أدَّيْتَ زَكاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ"»، وهَذِهِ الألْفاظُ مَشْهُورَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن عِكْرِمَةَ، والشَعْبِيِّ، والسُدِّيِّ، ومالِكٍ، وجُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ فَما دَوْنَها نَفَقَةٌ، وما زادَ عَلَيْها فَهو كَنْزٌ وإنْ أدَّيْتَ زَكاتَهُ".

وقالَ أبُو ذَرٍّ وجَماعَةٌ مَعَهُ: "ما فَضُلَ مِن مالِ الرَجُلِ عن حاجَةِ نَفْسِهِ فَهو كَنْزٌ"، وهَذانَ القَوْلانِ يَقْتَضِيانِ أنَّ الذَمَّ في حَبْسِ المالِ لا في مَنعِ زَكاتِهِ فَقَطْ، ولَكِنْ قالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً  ﴾ فَأتى فَرْضُ الزَكاةِ عَلى هَذا كُلِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كانَ مُضَمَّنُ الآيَةِ: "لا تَجْمَعُوا مالًا فَتُعَذَّبُوا" فَنَسَخَهُ التَقْرِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ  ﴾ .

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "يُنْفِقُونَها" يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الأمْوالِ والكُنُوزِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها المَعْنى، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الذَهَبِ والفِضَّةِ إذْ هُما أنْواعٌ، وقِيلَ: عادَ عَلى الفِضَّةِ واكْتُفِيَ بِضَمِيرِ الواحِدِ عن ضَمِيرِ الآخَرِ إذا أفْهَمَهُ المَعْنى، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَأْيُ مُخْتَلِفُ وَنَحْوُ قَوْلِ حَسّانَ: إنَّ شَرْخَ الشَبابِ والشَعَرِ الأسْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ودَ ما لَمْ يُعاصَ كانَ جُنُونا وسِيبَوَيْهِ يَكْرَهُ هَذا في الكَلامِ، وقَدْ شَبَّهَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأوا تِجارَةً أو لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها  ﴾ ، وهي لا تُشْبِهُها لِأنَّ "أو" قَدْ فَصَلَتِ التِجارَةَ عَنِ اللهْوِ وحَسَّنَتْ عَوْدَ الضَمِيرِ عَلى أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ.

والذَهَبُ يُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ والتَأْنِيثُ أشْهَرُ، ورُوِيَ «أنَّ أصْحابَ النَبِيِّ  قالُوا: قَدْ ذَمَّ اللهُ كَسْبَ الذَهَبِ والفِضَّةِ، فَلَوْ عَلِمْنا أيُّ المالِ خَيْرٌ حَتّى نَكْسِبَهُ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنا أسْألُ لَكم رَسُولَ اللهِ  عن ذَلِكَ فَسَألَهُ، فَقالَ: "لِسانٌ ذاكِرٌ، وقَلْبٌ شاكِرٌ، وزَوْجَةٌ تُعِينُ المُؤْمِنَ عَلى دِينِهِ"».

ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ  قالَ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ: "تَبًّا لِلذَّهَبِ تَبًّا لِلْفِضَّةِ"»، فَحِينَئِذٍ أشْفَقَ أصْحابُهُ وقالُوا ما تَقَدَّمَ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ ﴾ جَوابُ لِما في قَوْلِهِ: ( والَّذِينَ ) مِن مَعْنى الشَرْطِ، وجاءَتِ البِشارَةُ مَعَ العَذابِ لَمّا وقَعَ التَصْرِيحُ بِالعَذابِ، وذَلِكَ أنَّ البِشارَةَ تُقَيَّدُ بِالخَيْرِ والشَرِّ فَإذا أُطْلِقَتْ لَمْ تُحْمَلْ إلّا عَلى الخَيْرِ فَقَطْ، وقِيلَ: بَلْ هي أبَدًا لِلْخَيْرِ فَمَتى قُيِّدَتْ بِشَرٍّ فَإنَّما المَعْنى: أقِمْ لَهُمُ البِشارَةَ عَذابًا ألِيمًا، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: وخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ...

تَحِيَّةُ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعُ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها ﴾ الآيَةُ.

"يَوْمَ" ظَرْفٌ والعامِلُ فِيهِ "ألِيمٌ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُحْمى" بِالياءِ بِمَعْنى: تُحْمى الوَقُودُ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَحْمى" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ بِمَعْنى: تَحْمى النارُ، والضَمِيرُ في "عَلَيْها" عائِدٌ عَلى الكُنُوزِ أوِ الأمْوالِ حَسَبَما تَقَدَّمَ.

وقَرَأ قَوْمٌ "جِباهُّمْ" بِالإدْغامِ وأشَمُّوها الضَمَّ، حَكاهُ أبُو حاتِمٍ.

ووَرَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ لَكِنَّها مُفَسَّرَةٌ في مَنعِ الزَكاةِ فَقَطْ لا في كَسْبِ المالِ الحَلالِ وحِفْظِهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ حالُ الصَحابَةِ وأمْوالُهم رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، فَمِن تِلْكَ الأحادِيثِ قَوْلُهُ  : « "مَن تَرَكَ بَعْدَهُ كَنْزًا لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعًا أقْرَعَ"» الحَدِيثُ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ قالَ: «كانَ نَعْلُ سَيْفِ أبِي هُرَيْرَةَ مِن فِضَّةٍ فَنَهاهُ أبُو ذَرٍّ، وقالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ  : "مَن تَرَكَ صَفْراءَ أو بَيْضاءَ كُوِيَ بِها"،» وأسْنَدَ إلى أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: « "ماتَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الصُفَّةِ فَوُجِدَ في بُرْدَتِهِ دِينارٌ فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : كَيَّةٌ، ثُمَّ ماتَ آخَرُ فَوُجِدَ لَهُ دِينارانِ فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : كَيَّتانِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا إمّا لِأنَّهُما كانا يَعِيشانِ مِنَ الصَدَقاتِ وعِنْدَهُما التِبْرُ، وإمّا لِأنَّ هَذا كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ قَرَّرَ الشَرْعُ ضَبْطَ المالِ وأداءَ حَقِّهِ، ولَوْ كانَ ضَبْطُ المالِ مَمْنُوعًا لَكانَ حَقُّهُ أنْ يُخْرَجَ كُلُّهُ لا زَكاتُهُ فَقَطْ، ولَيْسَ في الأُمَّةِ مَن يُلْزِمُ هَذا.

وَقَوْلُهُ: ﴿ هَذا ما كَنَزْتُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى المالِ الَّذِي يُكَوَ ى بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلى الفِعْلِ النازِلِ بِهِمْ، أيْ: هَذا جَزاءُ ما كَنَزْتُمْ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واللهِ لا يَمَسُّ دِينارٌ دِينارًا، بَلْ يُمَدُّ الجِلْدُ حَتّى يُكْوى بِكُلِّ دِينارٍ وبِكُلِّ دِرْهَمٍ، وقالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ المَدِينَةِ وإذا رَجُلٌ خَشِنُ الهَيْئَةِ رَثُّها يَطُوفُ في الحِلَقِ وهو يَقُولُ: بَشِّرْ أصْحابَ الكُنُوزِ بِكَيٍّ في جِباهِهِمْ وجَنُوبِهِمْ وظُهُورِهِمْ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَذَمَّرُ وهو يَقُولُ: وما عَسى تَصْنَعُ في قُرَيْشٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتصب ﴿ يوم يحمى ﴾ على الظرفية لِ ﴿ عذاب ﴾ [التوبة: 34]، لما في لفظ عَذاب من معنى يُعذّبون.

وضمير ﴿ عليها عائد إلى الذهب والفضة ﴾ [التوبة: 34] بتأويلهما بالدنانير والدراهم، أو عائد إلى ﴿ أمْوالَ الناس ﴾ [التوبة: 34] و ﴿ الذهبَ والفضةَ ﴾ [التوبة: 34]، إن كان الضمير في قوله: ﴿ فبشرهم ﴾ [التوبة: 34] عائداً إلى ﴿ الأحبار والرهبان والذين يكنزون ﴾ [التوبة: 34].

والحَمْيُ شدّة الحرارة.

يقال: حَمِيَ الشيء إذا اشتدّ حرّه.

والضمير المجرور بعلَى عائد إلى ﴿ الذهب والفضة ﴾ [التوبة: 34] باعتبار أنّها دنانير أو دراهم، وهي متعدّدة وبني الفعل للمجهول لعدم تعلّق الغرض بالفاعل، فكأنّه قيل: يوم يحمي الحَامون عليها، وأسند الفعل المبني للمجهول إلى المجرور لعدم تعلّق الغرض بذكر المفعول المحمي لظهوره: إذ هو النار التي تُحمى، ولذلك لم يقرن بعلامة التأنيث، عُدّي بعلَى الدالّة على الاستعلاء المجازي لإفادة أنّ الحَمْي تمكّن من الأموال بحيث تكتسب حرارة المحمي كلها، ثم أكّد معنى التمكّن بمعنى الظرفية التي في قوله: ﴿ في نار جهنم ﴾ فصارت الأموال محمية عليها النارُ وموضوعة في النار.

وبإضافة النار إلى جهنّم علم أنّ المحمي هو نار جهنّم التي هي أشدّ نار في الحرارة فجاء تركيباً بديعاً من البلاغة والمبالغةِ في إيجاز.

والكَيُّ: أن يوضع على الجلد جمرٌ أو شيء مشتعل.

والجِباه: جمع جَبْهَة وهي أعلى الوجه ممّا يلي الرأس.

والجنُوب: جمع جَنْب وهو جانب الجسد من اليمين واليسار.

والظُّهور: جمع ظَهْر وهو ما بين العنفقة إلى منتهى فقار العظم.

والمعنى: تعميم جهات الأجساد بالكَي فإنّ تلك الجهات متفاوتة ومختلفة في الإحساس بألَم الكي، فيحصل مع تعميم الكي إذاقة لأصناففٍ من الآلام.

وسُلك في التعبير عن التعميم مسلكُ الإطناب بالتعداد لاستحضار حالة ذلك العقاب الأليم، تهويلاً لشأنه، فلذلك لم يقل: فتكوى بها أجسادهم.

وكيفيةُ إحضار تلك الدراهم والدنانير لتُحمى من شؤون الآخرة الخارقة للعادات المألوفة فبقدرة الله تحضر تلك الدنانير والدراهم أو أمثالها كما ورد في حديث مانع الزكاة في «الموطأ» و«الصحيحين» أنّه يمثّل له ماله شُجاعاً أقرَع يأخذ بلهزمتيه يقول: «أنا مالك أنا كنزلك» وبقدرة الله يكوى الممتنعون من إنفاقها في سبيل الله، وإن كانت قد تداول أعيانَها خلقٌ كثير في الدنيا بانتقالها من يد إلى يد، ومن بلد إلى بلد، ومن عصَر إلى عصر.

وجملة ﴿ هذا ما كنزتم لأنفسكم ﴾ مقول قول محذوف، وحَذْف القول في مثله كثير في القرآن، والإشارة إلى المحمي، وزيادة قوله: ﴿ لأنفسكم ﴾ للتنديم والتغليظ ولام التعليل مؤذنة بقصد الانتفاع لأنّ الفعل الذي علّل بها هو من فعل المخاطب، وهو لا يفعل شيئاً لأجل نفسه إلاّ لأنّه يريد به راحتها ونفعها، فلمّا آل بهم الكنز إلى العذاب الأليم كانوا قد خابوا وخسروا فيما انتفعوا به من الذهب والفضة، بما كان أضعافاً مضاعفة من ألم العذاب وجملة ﴿ فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ توبيخ وتنديم.

والفاء في ﴿ فذوقوا ﴾ لتفريع مضمون جملة التوبيخ على جملة التنديم الأولى.

والذوْق مجاز في الحسّ بعلاقة الإطلاق، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ في سورة العقود (95).

وما كنتم تكنزون} مفعول لفعل الذوق على تقدير مضاف يعلم من المقام: أي ذوقوا عذابَ ما كنتم تكنزون.

وعُبِّر بالموصولية في قوله: ﴿ ما كنتم تكنزون ﴾ للتنبيه على غلطهم فيما كنزوا لقصد التنديم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ﴾ الآيَةَ: في قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخَذَ الرِّشا في الحُكْمِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلى العُمُومِ مَن أخَذَهُ بِكُلِّ وجْهٍ مُحَرَّمٍ.

وَإنَّما عَبَّرَ عَنِ الأخْذِ بِالأكْلِ لِأنَّ ما يَأْخُذُونَهُ مِن هَذِهِ الأمْوالِ هي أثْمانُ ما يَأْكُلُونَ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى أثْمانِ المَأْكُولِ اسْمُ الأكْلِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ذَرِ الآكِلِينَ الماءَ فَما أرى يَنالُونَ خَيْرًا بَعْدَ أكْلِهِمُ الماءَ أيْ ثَمَنَ الماءِ.

﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَنَعَهم مِنَ الحَقِّ في الحُكْمِ بِقَبُولِ الرِّشا.

والثّانِي: أنَّهُ مَنَعَهم أهْلُ دِينِهِمْ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ بِإدْخالِ الشُّبْهَةِ عَلَيْهِمْ.

﴿ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ وفي هَذا الكَنْزِ المُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ هَذا الوَعِيدُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الكَنْزَ كُلُّ مالٍ وجَبَتْ فِيهِ الزَّكاةُ فَلَمْ تُؤَدَّ زَكاتُهُ، سَواءٌ كانَ مَدْفُونًا أوْ غَيْرَ مَدْفُونٍ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ والسُّدِّيُّ والشّافِعِيُّ والطَّبَرِيُّ.

والثّانِي: أنَّ الكَنْزَ ما زادَ عَلى أرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، أدَّيْتَ مِنهُ الزَّكاةَ أمْ لَمْ تُؤَدِّ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ قالَ: أرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ فَما دُونَها نَفَقَةٌ، وما فَوْقَها كَنْزٌ.

والثّالِثُ: أنَّ الكَنْزَ ما فَضَلَ مِنَ المالِ عَنِ الحاجَةِ إلَيْهِ، رَوى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ﴾ الآيَةَ.

قالَ النَّبِيُّ  : « (تَبًّا لِلذَّهَبِ والفِضَّةِ) قالَ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  وقالُوا: فَأيُّ المالِ نَتَّخِذُ؟

فَقالَ عُمْرُ بْنُ الخَطّابِ: أنا أعْلَمُ لَكم ذَلِكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أصْحابَكَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ وقالُوا: فَأيُّ المالِ نَتَّخِذُ؟

فَقالَ: (لِسانًا ذاكِرًا وقَلْبًا شاكِرًا وزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أحَدَكم عَلى دِينِهِ)» .

ورَوى قَتادَةُ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلانَ «قالَ: ماتَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارٌ، فَقالَ النَّبِيُّ  : (كَيَّةٌ) ثُمَّ ماتَ آخَرُ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارانِ فَقالَ النَّبِيُّ  : (كَيَّتانِ).» والكَنْزُ في اللُّغَةِ هو كُلُّ شَيْءٍ مَجْمُوعٍ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ سَواءٌ كانَ ظاهِرًا عَلى الأرْضِ أوْ مَدْفُونًا فِيها، ومِنهُ كَنْزُ البُرِّ، قالَ الشّاعِرُ: لا دَرَّ دَرِّي إنْ أطْعَمْتُ نازِلَهم ∗∗∗ قِرَفَ الحَتى وعِنْدِي البُرُّ مَكْنُوزٌ الحَتى: سَوِيقُ المُقِلِّ.

يَعْنِي وعِنْدِي البُرُّ مَجْمُوعٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ﴾ فَذَكَرَ جِنْسَيْنِ ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلا يُنْفِقُونَها ﴾ والهاءُ كِنايَةٌ تَرْجِعُ إلى جِنْسٍ واحِدٍ، ولَمْ يَقُلْ: ولا يُنْفِقُونَهُما لِتَرْجِعَ الكِنايَةُ إلَيْهِما.

فَعَنْ ذَلِكَ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ الكِنايَةَ راجِعَةٌ إلى الكُنُوزِ، وتَقْدِيرُهُ: ولا يُنْفِقُونَ الكُنُوزَ في سَبِيلِ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اكْتِفاءً بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلى اشْتِراكِهِما فِيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا  ﴾ ولَمْ يَقُلْ إلَيْهِما، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: إنَّ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَرِ ∗∗∗ الأسْوَدِ ما لَمْ يُعاصِ كانَ جُنُونًا وَلَمْ يَقُلْ يُعاصِيا.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى غَلَّظَ حالَ الوَعِيدِ بِما ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ وإنَّما غَلَّظَ بِهَذا الوَعِيدِ لِما في طِباعِ النُّفُوسِ مِنَ الشُّحِّ بِالأمْوالِ لِيُسَهِّلَ لَهم تَغْلِيظُ الوَعِيدِ إخْراجَها في الحُقُوقِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري ومسلم وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا جعلت له يوم القيامة صفائح، ثم أحمي عليها في نار جهنم، ثم يكوى بها جبينه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين الناس، فيرى سبيله إما إلى الجنة أو إلى النار» .

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يوضع الدينار على الدينار ولا الدرهم على الدرهم، ولكن يوسع الله جلده ﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم يحمى عليها في نار جهنم ﴾ قال: لا يعذب رجل بكنز يكنزه فيمس درهم درهماً ولا دينار ديناراً، ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم على حدته، ولا يمس درهم درهماً ولا دينار ديناراً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فتكوى بها...

﴾ الآية.

قال: يوسع بها جلده.

وأخرج أبو الشيخ رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم يحمى عليها ﴾ الآية.

قال: حية تنطوي على جنبيه وجبهته فتقول: أنا مالك الذي بخلت بي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ثوبان رضي الله قال: ما من رجل يموت وعنده أحمر وأبيض إلا جعل الله له بكل قيراط صفحة من نار تكوى بها قدمه إلى ذقنه مغفوراً له بعد أو معذباً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ثوبان رضي الله عنه مرفوعاً.

نحوه.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن أبي ذر رضي الله عنه قال: بشر أصحاب الكنوز بكي في الجباه.

وفي الجنوب وفي الظهور.

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن زيد بن وهب رضي الله عنه قال: مررت على أبي ذر رضي الله عنه بالربذة فقلت: ما أنزلك بهذه الأرض؟

قال: كتاباً لشام فقرأت ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ﴾ فقال معاوية: ما هذا فينا، هذه في أهل الكتاب...

!

قلت أنا: إنها لفينا وفيهم.

وأخرج مسلم وابن مردويه عن الأحنف بن قيس رضي الله عنه قال: جاء أبو ذر رضي الله عنه فقال: بَشِّر الكانزين بكيٍّ من قبل ظهورهم يخرج من جنوبهم، وكَي من جباهم يخرج من أقفائهم.

فقلت: ماذا...؟

قال: ما قلت إلا ما سمعت من نبيهم صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن سعد وأحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «إن خليلي عهد إليَّ أن أي مال ذهب أو فضة أوكئ عليه فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله، وكان إذا أخذ عطاءه دعا خادمه فسأله عما يكفيه لسنة فاشتراه، ثم اشترى فلوساً بما بقي» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في الابل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته، فمن رفع دينار أو درهماً أو تبراً أو فضة لا يعده لغريمه ولا ينفقه في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم القيامة» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً.

مثله.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

إنه قال: «الدينار كنز، والدرهم كنز، والقيراط كنز» .

وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وابن مردويه عن ثوبان رضي الله عنه قال: كان نصل سيف أبي هريرة رضي الله عنه من فضة فقال له أبو ذر رضي الله عنه: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل ترك صفراء ولا بيضاء إلا كوي بها» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من أحد يموت فيترك صفراء أو بيضاء إلا كوي بها يوم القيامة، مغفوراً له بعد أو معذباً» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من ذي كنز لا يؤدي حقه إلا جيء به يوم القيامة يكوى به جبينه وجبهته، وقيل له: هذا كنزك الذي بخلت به» .

وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم القدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يمنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً أو يعذبهم عذاباً أليماً» .

وأخرج الطبراني في الصغير عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مانع الزكاة يوم القيامة في النار» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: مانع الزكاة ليس بمسلم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك رضي الله عنه قال: لا صلاة إلا بزكاة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لاوي الصدقة- يعني مانعها- ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة» .

وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن بلال قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بلال الق الله فقيراً ولا تلقه غنياً.

قلت: وكيف لي بذلك؟

قال: إذا رزقت فلا تخبا، وإذا سئلت فلا تمنع.

قلت: وكيف لي بذلك؟

قال: هو ذاك وإلا فالنار» .

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي بكر بن المنكدر قال: بعث حبيب بن سلمة إلى أبي ذر وهو أمير الشام بثلاثمائة دينار، وقال: استعن بها على حاجتك.

فقال أبو ذر: ارجع بها إليه، أما وجد أحداً أغر بالله منا؟

ما لنا إلا الظل نتوارى به، وثلاثة من غنم تروح علينا، ومولاة لنا تصدق علينا بخدمتها، ثم إني لأنا أتخوف الفضل.

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: ذو الدرهمين أشد حبساً من ذي الدرهم.

وأخرج البخاري ومسلم عن الأحنف بن قيس قال: جلست إلى ملأ من قريش فجاء رجل خشن الشعر والثياب والهيئة حتى قام عليهم فسلم، ثم قال: بشر الكانزين برضف يحمي عليه في نار جهنم، ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه فيتدلدل.

ثم ولي وجلس إلى سارية وتبعته وجلست إليه وأنا لا أدري من هو...

!

فقلت: لا أرى القوم إلا قد كرهوا ما قلت.

قال: إنهم لا يعقلون شيئاً.

قال لي خليلي.

قلت: من خليلك؟

قال: النبي صلى الله عليه وسلم «اتبصر أحداً؟

قلت: نعم.

قال: ما أحب أن يكون لي مثل أحد ذهباً انفقه كله إلا ثلاثة دنانير، وإن هؤلاء لا يعقلون انما يجمعون للدنيا، والله لا أسألهم دنيا ولا استفتيهم عن دين حتى ألقى الله عز وجل» .

وأخرج أحمد والطبراني عن شداد بن أوس قال: كان أبو ذر رضي الله عنه يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر فيه الشدة، ثم يخرج إلى باديته ثم يرخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، فيحفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر الرخصة فلا يسمعها أبو ذر، فيأخذ أبو ذر بالأمر الأول الذي سمع قبل ذلك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ الآية، "يوم" ظرف للعذاب الأليم في قوله: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ يَوْمَ يُحْمَى ﴾ : قال الأصمعي: "أحميت الحديدة في النار فأنا أحميها إحماءً حتى حميت تحمى (١) (٢) ﴿ عَلَيْهَا ﴾ ليس منه (٣) (٤) إن كنت جلمود بصر (٥) (٦) (٧) ﴿ عَلَيْهَا ﴾ تعود إلى ما عادت في قوله: ﴿ وَلَا يُنْفِقُونَهَا ﴾ (٨) ﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا ﴾ أي: على الكنوز" (٩) ﴿ فَتُكْوَى بِهَا ﴾ معنى الكي في اللغة: إلصاق الحار من نار (١٠) (١١) ﴿ جِبَاهُهُمْ ﴾ جمع الجبهة وهي مستوى ما بين الحاجبين إلى الناصية، والأجبه: الرجل العريض الجبهة، وجبهت الرجل: إذا استقبلته بمكروه، كأنك ضربت به جبهته.

والجنوب: جمع الجنب، وهو الجانب المشبك بالعظام المقوسة، قال المفسرون: "من كان له مال في الدنيا لم يؤد زكاته أحمي دراهمه ودنانيره في نار جهنم وكوي بها في هذه المواضع، لا يوضع دينار مكان دينار ولا درهم مكان درهم، ولكن يوسع جلده، فيوضع بكل درهم ودينار كية على جلده" (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ﴾ أي: يقال لهم: هذا الذي تكوون به ما جمعتم لأنفسكم وبخلتم به عن حق الله، وإضمار القول كثير في القرآن.

وقوله تعالى: ﴿ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ من باب حذف المضاف، أي: ذوقوا عذاب ما كنتم تكنزون، وحديث أبي هريرة يفسّر هذه الآية، وهو ما أخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠)  : "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح، فتكوى بها جبينه وجنباه، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" (٣١) (١) ساقط من: (ى).

(٢) اهـ.

كلام الأصمعي، انظر: "تهذيب اللغة" (حمي) 1013.

(٣) ساقط من (ح).

(٤) انظر: "تهذيب إصلاح المنطق" ص83، و"تهذيب اللغة" (أبس) 1/ 107.

(٥) في (ح): (نصرًا)، وهو خطأ.

(٦) البيت لعباس بن مرداس.

انظر "ديوانه" ص 86، و"تهذيب إصلاح المنطق" ص 83، و"لسان العرب" (أبس) و (بصر).

والجلمود: الصخر الغليظ، والبصر: الحجارة الرخوة تضرب إلى البياض، == ومعنى أؤبسه: أذللَه.

انظر: "لسان العرب" (أبس، بصر، جلمد)، قال ابن السكيت: "يقول: إني أقدر عليك على كل وجه، ولو كنت حجرًا لا يذلل لأوقدت عليه حتى يتفتت".

"تهذيب إصلاح المنطق" ص 83.

(٧) ساقط من (ح).

(٨) في (ى): (زيادة نصها: "إلصاق الحار من النار"، ولا معنى لها في هذا الموضع، وسيأتي موضعها عند قوله تعالى: ﴿ فَتُكْوَى بِهَا ﴾ .

(٩) ذكره المصنف في "الوسيط" 2/ 492، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 192.

(١٠) في (ي): (بالنار).

(١١) البيطار: "معالج الدواب".

انظر: "لسان العرب" (بطر) 1/ 301.

(١٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 102 ب، والبغوي 4/ 44، و"الدر المنثور" 3/ 419 - 420.

(١٣) رواه ابن جرير 10/ 124، وابن أبي حاتم 6/ 1790، والثعلبي 6/ 102 ب، والطبراني وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 419.

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 104: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح".

(١٤) رواه مختصرًا ابن المنذر، كما في "الدر المنثور" 3/ 419.

(١٥) رواه بنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 273، وابن جرير 10/ 123.

(١٦) هو: محمد بن إسماعيل بن العباس، أبو بكر الوراق، الإمام المحدث، كان حافظًا ثقة من شيوخ الدارقطني والبرقاني، ولد سنة 293 هـ، وتوفي سنة 378 هـ.

انظر: "تاريخ بغداد" 2/ 53، و"سير أعلام النبلاء" 16/ 388، و"شذرات الذهب" 3/ 92.

(١٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(١٨) الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع من الخلف، وقيل غير ذلك، وطوى عنه كشحه: أي قاطعه وعاداه، وقيل: أعرض عنه وتباعد.

انظر: "مجمل اللغة" (كشح) 3/ 786، و"لسان العرب" (كشح) 7/ 3880.

(١٩) ذكره البغوي 4/ 44، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 493، وبمعناه الثعلبي 6/ 102 ب.

(٢٠) هو الثعلبي، شيخ المؤلف، وقد تقدمت ترجمته عند ذكر شيوخه.

(٢١) سقطت كلمة: (قال) من (ح) و (م) في جميع السند على عادة المحدثين.

(٢٢) في (م): (حدثنا) في جميع السند دون اختصار الكلمة.

(٢٣) في (ى): (أنا)، على عادة المحدثين.

(٢٤) ما بين المعقوفين ساقط من (م).

(٢٥) هو: أحمد بن محمد بن إبراهيم بن حازم أبو يحيى السمرقندي الكرابيسي، روى عن محمد بن نصر وابن خزيمة، اتهم في إكثاره من الرواية عن ابن نصر، وقد ثبت أن ابن نصر أجاز له بما صح عنده عنه.

انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 129، و"لسان الميزان" 1/ 251.

(٢٦) هو: محمد بن نصر بن الحجاج المروزي، الإمام شيخ الإسلام أبو عبد الله الحافظ، إمام عصره في الحديث بلا مدافعة، وكان من أعلم أهل زمانه بالاختلاف، وأكثرهم صيانة في العلم، مع حسن العبادة، وجودة التصنيف، توفي سنة 294 هـ.

انظر: "تذكرة الحفاظ" 2/ 650، و"البداية والنهاية" 11/ 102، و"تهذيب التهذيب" 3/ 717.

(٢٧) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب محمد بن عبد الله الأموي، أبو عبد الله البصري، إمام ثقة محدث فقيه، من رجال مسلم، توفي سنة 244 هـ.

انظر: "تاريخ بغداد" 2/ 344، و"سير أعلام النبلاء" 11/ 103، و"تهذيب التهذيب" 3/ 634.

(٢٨) هو: عبد العزيز بن المختار الأنصاري، أبو إسحاق الدباغ البصري، مولى حفصة == بنت سيرين، ثقة مكثر، من رجال البخاري ومسلم، وهو من الطبقة السابعة الذين توفوا بعد سنة 100 هـ.

انظر: "الكاشف" 2/ 658، و"تقريب التهذيب" 359/ 4120، و"تهذيب التهذيب" 2/ 593.

(٢٩) هو: سهيل بن أبي صالح ذكوان السمان، أبو يزيد المدني، محدث مكثر، وثقه الجمهور وضعفه ابن معين وغيره، وقد تغير حفظه بآخره، وهو من رجال مسلم، وروى له البخاري مقرونًا بغيره، توفي سنة 138 هـ.

انظر: "الكاشف" 2/ 471، و"تقريب التهذيب" 259/ 2675، و"تهذيب التهذيب" 2/ 128.

(٣٠) هو ذكوان، أبو صالح السمان الزيات، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني، تابعي ثقة ثبت من أجل الناس وأوثقهم، كثير الحديث، مات سنة 101هـ.

انظر: "الكاشف" 2/ 386، و"تقريب التهذيب" 203 (1842)، و"تهذيب التهذيب" 1/ 579.

(٣١) رواه مسلم في "صحيحه" (987)، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، وأبو داود في "سننه" (1658)، كتاب الزكاة، باب في حقوق المال، وأحمد في "المسند" 2/ 262، 383.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَيَأْكُلُونَ أموال الناس بالباطل ﴾ هو الرشا جمع رشوة على الأحكام وغير ذلك ﴿ يَكْنِزُونَ الذهب والفضة ﴾ ورد في الحديث أن: «كل ما أدّيت زكاته فليس بكنز، وما لم تؤد زكاته فهو كنز» وقال أبو ذرّ وجماعة من الزهاد: كلما فضل عن حاجة الإنسان فهو كنز ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا ﴾ الضمير للأموال والكنوز التي يتضمنها المعنى، وقيل: هي الفضة، واكتفى في ذلك عن الذهب إذا الحكم فيهما واحد ﴿ يَوْمَ يحمى ﴾ العامل في الظرف أليم أو محذوف ﴿ عَلَيْهَا ﴾ الضمير يعود على ما يعود عليه ضمير ينفقونها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عزير ابن ﴾ بالتنوين مكسورة للساكنين: عاصم وعلي وسهل ويعقوب.

الباقون: بغير تنوين ﴿ يضاهئون ﴾ بالهمز.

عاصم.

الآخرون ﴿ يضاهون ﴾ بحذف الهمزة.

﴿ أن يطفوا ﴾ و ﴿ ليواطوا ﴾ بحذف الهمزة فيهما.

يزيد وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة ﴿ اثنا عشر ﴾ بسكون العين: يزيد والخزاز ﴿ إنما النسي ﴾ بالتشديد: ورش من طريق النجاري وحمزة في الوقف.

الباقون: بباء بعدها همزة.

﴿ يضل ﴾ بضم الياء وفتح الضاد: علي وحمزة غير العجلي وحفص وخلف لنفسه.

﴿ يضل ﴾ بضم الياء وكسر الضاد: العجلي وأوقية ورويس.

الباقون ﴿ يضل ﴾ بفتح الياء وكسر الضاد.

الوقوف: ﴿ صاغرون ﴾ ه ﴿ المسيح ابن الله ﴾ ط ﴿ بأفواههم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ قاتلهم الله ﴾ ج ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون حالاً واستئنافاً.

﴿ واحداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح ابتداء ووصفاً ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ كله ﴾ لا لتعلق "لو" بما قبله ﴿ المشركون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ في سبيل الله ﴾ لا لتعلق الفاء ﴿ أليم ﴾ ه لا أي في يوم.

﴿ وظهورهم ﴾ ط ﴿ تكنزون ﴾ ه ﴿ حرم ﴾ ط ﴿ يقاتلونكم كافة ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر شبهات المشركين وأجاب عنها بأجوبة صحيحة أراد أن يبين أحكام أهل الكتاب والمقصود تميزهم من المشركين في الحكم لأن الواجب في المشركين القتال إلى الإسلام، والواجب في أهل الكتاب القتال إلى الإسلام أو الجزية.

واعلم أنه  ذكر صفات أربع وأمر بقتال من اتصف بها ثم بين الموصوفين بها بقوله ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ فدل ذلك على أن أهل الكتاب متصفون بتلك الصفات؛ فالصفة الأولى أنهم ﴿ لا يؤمنون بالله ﴾ فأورد عليه أن القوم يقولون نحن نؤمن بالله، وأجيب بأنإيمانهم بالله كلا أيمان لأنهم مشبهة وحلولية.

واعترض ثانياً بأن كل من نازع في صفة من صفات الله وكان منكراً لله لزم أن يكون أكثر المتكلمين كذلك فالأشعري من أهل السنة أثبت البقاء صفة، والقاضي أنكره، وعبد الله بن سعيد أثبت القدم صفة، والباقون أنكروه، والقاضي أثبت لله إدراك الطعوم وإدراك الروائح والحرارة والبرودة والأستاذ أبو إسحق أنكره، والقاضي أثبت للصفات سبعة أحوال معللة بغير الصفات وغيره أنكره، وعبد الله ابن سعيد زعم أن كلام الله في الأزل ما كان أمراً ولا نهياً ولا خبراً ثم صار كذلك عند الإنزال، والآخرون أنكروه، وقوم من قدماء الأشاعرة أثبتوا لله خمس كلمات: الأمر والنهي والاستخبار والخبر والنداء.

والمشهور أن كلام الله واحد.

واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور لله؟.

وأما اختلافات المعتزلة وسائر الفرق فأكثر من أن تحصى ههنا.

وأجيب بأن المجسم خالف في الذات لأنه يقول إن الإله جسم والبرهان دل على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني.

وأما الخلاف في المسائل المذكورة فراجع إلى الصفة فظهر الفرق.

نعم إنا نكفر الحلولية والحروفية القائلين بأن كلام الله  حل في كل لسان وفي كل جسم كتب فيه القرآن كما نكفر النصارى القائلين بأن أقنوم الكلمة حلت في عيسى.

الصفة الثانية: أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر لأن اليهود والنصارى ينكرون المعاد الجسماني.

والقرآن دل على أن أهل الجنة يأكلون ويشربون وباللذات يتمتعون، وأما السعادات الروحانية فمتفق عليها.

الصفة الثالثة: ﴿ ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله ﴾ أي لا يحرّمون ما حرم الله في القرآن، والرسول في سنته كالخمر والخنزير ونحوهما.

وقال أبو روق: أي لا يعملون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام توافق مشتهاهم.

الصفة الرابعة: ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ أي لا يعتقدون صحة دين الإسلام الذي هو الحق.

يقال: فلان يدين بكذا إذا اتخذ ذلك دينه ومعتقده.

وقيل: الحق هو الله.

ثم ذكر غاية القتال فقال ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ فعله من جزى يجزي إذا قضى ما عليه.

قال الواحدي: هي ما يعطى المعاهد على عهده.

وقال في الكشاف: سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه، أو لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء عن القتل.

ومعنى ﴿ عن يد ﴾ إن أريد بها يد المعطي أي عن يد مؤاتية غير ممتنعة يقال: أعطى بيده إذا انقاد وأصحب، أو المراد حتى يعطوها عن يد إلى نقداً غير نسيئة ولا مبعوثاً على يد أحد، وإن أريد بها يد الآخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية أي بسببها كقوله: ينهون عن أكل وعن شرب *** أي يتناهون السمن بسببهما.

أو المراد عن إنعام عليهم فإن قبول الجزية منهم بدلاً عن أرواحهم نعمة عظيمة عليهم.

قيل: إن من اليهود موحدة فما وجه إيجاب الجزية عليهم؟

والجواب أنه إذا ثبت وجوب الجزية على بعضهم لزم القول في حق الكل لعسر الامتياز ولوجود الصفات الباقية فيهم.

أما مقدار الجزية فعن أنس: قسم رسول الله  على كل محتلم ديناراً، وقسم عمر على فقرائهم في المدينة اثني عشر درهماً، وعلى الأوساط أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين.

فذهب الشافعي إلى أن أقل الجزية دينار لا يزاد على الدنيار إلا بالتراضي.

وذهب أبو حنيفة إلى قسم عمر.

والمجوس سبيلهم سبيل أهل الكتاب لقوله  : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ويروى أنه  أخذ الجزية من مجوس هجر وذلك أن لهم شبهة كتاب.

ومعنى ذلك أن كتبهم وهي الصحف التي أنزلت على إبراهيم  قد رفعت إلى السماء لأحداث أحدثوها.

وليس المقصود من أخذ الجزية تقرير الكفرة على كفرهم بدينار واحد حتى يصير موجباً للطعن، وإنما الغرض حقن دمائهم وإمهالهم مدة لعلهم يتفكرون في كتابهم فيعرفون صدق محمد وما دعاهم إليه.

وأيضاً فيه حرمة أنبيائهم وحرمة كتابهم وحرمة آبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل.

وأما قوله ﴿ وهم صاغرون ﴾ فمعناه أنه لا بد مع أخذ الجزية من إلحاق الذل والصغار بهم.

والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عزّ الإسلام وذل الكفر ويسمع الدلائل فالظاهر أن مجموع ذلك يحمله على الانتقال إلى الإسلام.

وفسروا الصغار في الآية بأخذ الجزية على سبيل الإهانة بأن يكون الذمي قائماً والمسلم الذي يأخذ الجزية قاعداً ويأمره بأن يخرج يده من جيبه ويحني ظهره ويطأطىء رأسه فيصب ما معه في كفة الميزان ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في لهزمتيه.

وهذه الهيئة مستحبة على الأصح لا واجبة.

وقيل: الصغار هو نفس أخذ الجزية.

والجزية تسقط بالإسلام عند أبي حنيفة دون الشافعي.

وإنها تؤخذ عند أبي حنيفة في أوّل السنة وعند الشافعي في آخرها.

ولا تؤخذ من فقير لا كسب له ولا من امرأة وخنثى ولا صبي ولا مجنون وعبد ولا من سيده بسببه، وتضرب على الزمن والعسيف والشيخ الفاني والراهب والأعمى على الأصح من قولي الشافعي، لأن الجزية بمنزلة الكراء يستوي فيه المعذورون وغيرهم.

قال الشافعي في أحد قوليه.

العاجز عن الكسب يعقد له الذمة بالجزية فإذا تم الحول أخذنا إن أيسر وإلا فهي في ذمته إلى أن يوسر وهكذا في كل حول.

ولا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو نائبه الذي فوضه إليه لأنه من الأمور الكلية.

وكيفية العقد أن يقول: أقررتكم وأذنت لكم في الإقامة في دار الإسلام على أن تبذلوا كذا وتنقادوا لأحكام الإسلام التي يراها الإمام.

ولا يقرأ أهل الكتاب بالجزية في أرض الحجاز لما روي أنه  قال: "أخرجوا اليهود من الحجاز" قال الشافعي: هو مكة والمدينة ومخالفيهما أي قراهما.

وما روي أنه  أوصى بأن يخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب فمحمول على أنه أراد الحجاز جمعاً بين الحديثين.

وقد بقي في الآية نكته ذكرها بعض العلماء في أن المسلم لا يقتل بالذمي قال: لأن قوله ﴿ قاتلوا ﴾ مشتمل على إباحة دمهم وعلى عدم وجوب القصاص بسبب قتلهم فلما قال ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ علمنا أن المجموع انتفى عند إعطاء الجزية، ولكن انتفاء المجموع يكفي فيه انتفاء أحد جزأيه وأحد الجزأين - وهو وجوب قتلهم - مرتفع بالاتفاق فيبقى الآخر وهو عدم وجوب القصاص بقتلهم بعد أداء الجزية كما كان.

ولقائل أن يقول: لا نزاع في الاحتمال ولكن ما الدليل على عدم وجوب القصاص وأنت بصدد إثباته؟.

ولما حكم في الآية المتقدمة أن أهل الكتاب لا يؤمنون بالله شرع في إثبات تلك الدعوى فقال ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله ﴾ الآية.

العلم مبتدأ والابن خبره ومن أسقط التنوين من عزير فلأنه اسم أعجمي زائد على ثلاثة أحرف فيمتنع من الصرف كعازر.

وقيل: منصرف لكونه عربياً وكان الوجه كسر التنوين كقراءة عاصم ولكنه أسقط التنوين للساكنين على مذهب بعضهم.

أو لأن الابن وقع وصفاً والخبر محذوف وهو معبودنا.

وطعن في هذا الوجه عبد القاهر باستلزامه احتمال توجه الذم إلى الخبر دون الوصف.

وحينئذ يحصل تسليم كونه ابناً لله ومعلوم أن ذلك كفر.

وهذا قول ناس من اليهود بالمدينة.

وما هو بقول كلهم إلا أنه جاء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد.

يقال: فلان يركب الخيول أو يجالس الملوك.

ولعله لم يركب أو لم يجالس إلا واحداً.

عن ابن عباس: جاء رسول الله  سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا ذلك.

وعنه أيضاً أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فأنساهم الله التوراة ونسخها من صدورهم، فتضرع عزير إلى الله  وابتهل إليه فعاد حفظ التوراة إلى قلبه فأنذر قومه، فلما جربوه وجدوه صادقاً فيه فقالوا: هذا ابن الله.

وقال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء.

وقيل: لعل هذا المذهب كان فاشياً فيهم ثم انقطع، ولا عبرة بإنكار اليهود قول الله أصدق.

وقال في الكشاف: الدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مع تهالكهم على التكذيب.

وأما النصارى فلا شك أنهم يقولون ذلك وقد حكى الواحدي في سبب ذلك أن أتباع عيسى كانوا على الحق بعد رفع عيسى إلى السماء حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود وكان في اليهود رجل شجاع، يقال له بولس.

قتل جمعاً من أصحاب عيسى ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار وإني أحتال فأضلهم، فعرقب فرسه وأظهر الندامة بما كان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تنتصر وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة.

ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه وأحبوه ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلاً اسمه نسطور وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت وقال: ما كان عيسى إنساناً ولا جسماً ولكنه الله.

وعلم رجلاً آخر - يقال له يعقوب - ذلك ثم دعا رجلاً - يقال له ملكاً - فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى.

ثم دعا هؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم: أنت خليفتي فادع الناس إلى نحلتك، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني وإني غداً أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه.

هذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى.

الأقرب أن لفظ الابن قد وقع في الإنجيل على سبيل التشريف حيث قال: إنك أنت الابن الوحيد كما وقع لفظ الخليل في حق إبراهيم  .

وقال المسيح  للحواريين: أحبوا أعداءكم وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا على من يؤذيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء الذي أشرق شمسه على الصالحين والفجرة.

ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بلغو فاسد في الطرف الآخر حملوا لفظ الابن على البنوة الحقيقية والله  أعلم بحقيقة الحال.

ثم قال  ﴿ ذلك قولهم بأفواههم ﴾ وفائدة هذا التخصيص - وكل قول فإنما يقال بالفم - أنه قول لا يعضده برهان بل البرهان دال على نقيضه لاستحالة إثبات الولد لمن هو مبرأ عن الحاجة والشهوة والمضاجعة واتخاذ الصاحبة، فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي لا تجاوز الحناجر ولا يؤثر معناها في القلب بل لا معنى لها حتى تؤثره، نظيره قوله ﴿ وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم  ﴾ أو نقول: إن الإنسان قد يختار مذهباً ولكن لا يصرح به ولا يذكره بلسانه، أما إذا نطق به فذلك هو الغاية في اختياره وإذا ساعده عليه دليل كان نهاية في الحسن والتأثير.

فالمارد بالقول المذهب وأنهم يصرحون به لا يخفونه ألبتة، أو أنه مذهب لا يساعده دليل فلا تأثير له في القلوب.

ويحتمل أن يراد أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت في الأفواه والألسنة ﴿ يضاهنون ﴾ من قرأ بغير همز فظاهر لأنه من ضاهى يضاهي منقوصاً أي شاكل، ومن قرأ بالهمز فلمجيء ضاهأت من قولهم امرأة ضهيأ على وزن "فعيل" وهي التي شاكلت الرجال في أنها لا تحيض ومن جعل ضهيأ على "فعلأ" بزيادة الهمزة كما في "غرقىء" لقشرة البيض السفلى لمجيء ضهياء ممدوداً بمعناه فلا ثبت في هذا الثاني عنده.

ولا بد من تقدير مضاف أي يضاهي قولهم قول الذين، حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً لفقد الجار.

والمعنى أن قول هؤلاء المعاصرين للنبي من أهل الكتاب يشبه قول قدمائهم أي إنه كفر قديم فيهم غير مستحدث، أو يضاهي قول أهل الكتاب قول المشركين القائلين الملائكة بنات الله.

وقيل: الضمير في ﴿ يضاهئون ﴾ للنصارى فقط أي يشاكل قول النصارى "المسيح ابن الله" قول اليهود "عزير ابن الله" لأن اليهود أقدم منهم.

ثم قال على عادة محاورات العرب معجباً ومستفهماً على سبيل الإنكار ﴿ قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ كيف يصرفون عن الحق أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا تعجباً من شناعة قولهم كما يقال القوم ركبوا شنعاء: قاتلهم الله ما أعجب فعلهم، ولمن ضل عن الطريق أين تذهب؟.

ثم وصفهم بضرب آخر من الإشراك فقال ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ﴾ قال أهل المعاني: الحبر العالم الذي يعبر عما يريد بأحسن بيان، والراهب الذي ظهرت أثار الرهبة من قلبه على وجهه ولباسه، ولكن في عرف الاستعمال اختص الأحبار بعلماء اليهود من ولد هارون.

والرهبان بعلماء النصارى من أصحاب الصوامع.

واختلفوا في معنى اتخاذهم إياهم أرباباً بعد الاتفاق على أنه ليس المراد أنهم جعلوهم آلهة العالم فقال أكثر المفسرين: المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم.

نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانياً فانتهى إلى النبي  وهو يقرأ سورة براءة، فلما وصل إلى هذه الآية قال عدي: إنا لسنا نعبدهم فقال: أليس تحرّمون ما أحلّ الله وتحلون ما حرم الله؟

فقلت: بلى.

فقال: فتلك عبادتهم.

قال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟

فقال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف قول الأحبار والرهبان فكانوا يأخذون بأقوالهم وما كانوا يقبلون حكم الله.

قال العلماء: إنما لم يلزم تكفير الفاسق بطاعة الشيطان خلاف ما عليه الخوارج لأن الفاسق وإن كان يقبل دعوة الشيطان إلا أنه يلعنه ويستخف به بخلاف أولئك الأتباع المعظمين لمتبوعهم.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله  : قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله في مسائل كانت تلك الآيات مخالفة لمذهبهم فيها فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها وكانوا ينظرون إليّ كالمتعجب يعني كيف الآيات مع أن الرواية عن سلفنا.

وردت بخلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا سارياً في عرف الأكثرين.

وقلت: ولعلهم توقفوا لحسن ظنهم بالسلف لأنهم ربما وقفوا من تلك الآي على ما لم يقف عليه الخلف.

وقيل في تفسير هذه الربوبية: إن الجهال والحشوية إذا بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم فقد يميل طبعهم إلى الحلول والاتحاد، وقد يساعدهم الشيخ في ذلك إذا كان مزوّراً طالباً للدنيا وقد يرضى بسجودهم له تعظيماً وإجلالاً مع أن السجود عبادة لا تليق إلا بالله.

وإذا كان هذا مشاهداً في هذه الأمة فكيف بالأمم السالفة؟!

وأما المسيح فحين جعلوه ابناً لله فقد أهلوه للعبادة والإلهية، ولعل السبب في إفراد المسيح بالذكر أن قولهم فيه أشنع من قولهم في الأحبار والرهبان، أو لأن القول بإلهية المسيح مخصوص بأحد الفريقين.

فلو قيل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أرباباً لأوهم اشتراك الفريقين في اتخاذ المسيح رباً ﴿ وما أمروا ﴾ الضمير للمتخذين.

والذي أمرهم بذلك أدلة العقل والكتب السماوية، وفي القرآن حكاية عن المسيح ﴿ أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة  ﴾ ويجوز أن يكون الضمير للأحبار والرهبان أي وما أمر هؤلاء الذين هم عندهم أرباب إلا بأن يكونوا مربوبين.

ثم نزه نفسه عن مقالة الظالمين فقال {  عما يشركون} ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال أهل الكتاب وهو سعيهم في أبطال أمر محمد وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة نبوّته فقال ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله ﴾ أي دينه الثابت بالدليل المشبه بالنور لاشتراكهما في الاهتداء بهما.

وذلك أن دين محمد مؤيد بالمعجزات الباهرة التي بمثلها ثبتت نبوّة موسى وعيسى ولا سيما بالقرآن، وحاصل شرعه تعظيم الله وتنزيهه عما لا يليق به والانقياد لطاعته وصرف النفس عن الأمور الفانية والترغيب في السعادات الباقية، ثم إنهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة أرادوا إبطال هذه الدلائل فكانوا كمن يريد إبطال نور الشمس الذي هو أشد الأنوار المحسوسة بسبب أن ينفخ فيه.

ولا ريب أن ذلك سعي باطل وكيد زاهق ولهذا قال ﴿ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ﴾ أي لم يرد الله إلا ذلك إلا أن الإباء يفيد زيادة على عدم الإرادة وهي المنع والامتناع قال: وإن أرادوا ظلمنا أبينا *** امتدح بذلك ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم لأن ذلك يستوي فيه القوي والضعيف.

وفيه وعد بمزيد النصرة والقوة وإعلاء الدرجة.

ثم أكد ذلك المعنى بقوله ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ﴾ أي بكثرة الدلائل والمعجزات ﴿ ودين الحق ﴾ لاشتماله على أمور تظهر لكل أحد كونه موصوفاً بالصواب ومطابقاً للحكمة ومؤدياً إلى صلاح الدنيا والآخرة.

ثم بيّن غاية أمره وتمام حكمه فقال ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ أي ليجعل الرسول أو دين الحق غالباً على أهل الأديان كلهم أو على كل دين.

عن أبي هريرة أنه قال هذا وعد من الله بأن يجعل الإسلام ظاهراً على جميع الأديان.

وتمام هذا إنما يظهر عند خروج المهدي ونزول عيسى وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي  لا يبقى أحد إلا دخل الإسلام وأدّى الخراج.

قلت: قد دخل في عصرنا من الملوك الكفرة ومن أشياعهم في الإسلام ما لا يعدّ ولا يحصى، وازدياد ذلك كل يوم دليل ظاهر على أن الكل سيدخلون في الإسلام.

وقد جاء في الحديث: "زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوي لي منها" وقيل: ليظهر الإسلام على غيره في جزيرة العرب.

وهذا تخصيص أوجبه ضيق العطن.

وقيل: ليظهر الرسول على جميع شرائط الدين حتى لا يخفى عليه شيء من مدارك الأحكام.

وقيل ليظهره بالحجة والبرهان لأن غلبة الكفار في بعض الأقطار ظاهرة.

ولقائل أن يقول: إن المسلمين في تلك البلاد وإن قلوا غالبون على الكفار وإن كثروا بدليل أنهم لا يمنعونهم من إظهار شعائر الإسلام والتزام أحكامه، قوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ فيه مدح منه  لنفسه من جهة أنه هو القادر على إبداء مثل هذا الأمر العظيم ومن جهة أنه هو الغالب على إيصاله إلى حيث شاء وأراد من غير معاند ولا منازع، ومن جهة أنه هو المعطي لمثل هذه النعمة التي لا يوازيها نعمة وهي نعمة الهدى والإسلام.

وقوله ﴿ ولو كره الكافرون ﴾ وفي الآية الثانية ﴿ ولو كره المشركون ﴾ إما متساويا الدلالة تنبيهاً على أن اليهود والنصارى أيضاً مشركون، وإما تخصيص بعد تعميم، ولعله رغم لأنف مشركي قريش ثم لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق أراد أن يصفهم بالطمع والحرص فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ﴾ الآية.

وفيه تنبيه على أن مقصودهم من إظهار تلك الربوبية والتجبر تحصيل حطام الدنيا.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله .

ولعمري أن من تأمل في أحوال أهل الناقوس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وشرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه من الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك ويتحمل الذل والدناءة في تحصيله.

وفي قوله ﴿ كثيراً ﴾ دلالة على أن هذه الطريقة طريقة بعضهم لا كلهم، فإن العالم لا يخلو عن المحق وإطباق الكل على الباطل وإثبات ذلك كالممتنع، وهذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل فكذلك في سائر الأمم.

وعبر عن أخذهم أموال الناس بالأكل تسمية للشيء باسمما هو أعظم مقاصده.

وأيضاً من أكل شيئاً فقد ضمه إلى نفسه ومنعه عن الوصول إلى غيره كما لو أخذه، ولهذا فإن من أخذ أموال الناس فإذا طولب بردها قال أكلتها وما بقيت فلا قدرة لي على ردّها.

وفي تفسير الباطل وجوه: منها أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع وفي إخفاء نعت محمد وتأويل الدلائل الدالة على نبوّته.

ومنها أنهم كانوا يدّعون عند عوامهم الحمقى أنه لا سبيل إلى الفوز بمرضاة الله  إلا بخدمتهم وطاعتهم وبذل الأموال في مرضاتهم، والعوام كانوا يغترون بتلكالأكاذيب.

ومنها أنهم قالوا لا طريق إلى تقوية دينهم إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقوياء عظماء أصحاب الجاه والحشمة والأموال كما يفعله المزوّرون في زماننا هذا.

أما قوله ﴿ ويصدّون عن سبيل الله ﴾ فمعناه يبالغون في المنع من متابعة محمد كيلا يبطل جاههم وحشمتهم عند العوام لو أقروا بدينه.

ثم قال  ﴿ والذين يكنزون ﴾ الكنز هو المال المدفون وقد كنزه يكنزه.

والتركيب يدل على الجمع ومنه ناقة كناز مكتنزة اللحم، واكتنز الشيء اجتمع.

قيل: المراد بقوله ﴿ والذين يكنزون ﴾ الأحبار والرهبان لما وصفهم بالحرص الشديد، أراد أن يصفهم بالامتناع من إخراج الواجبات عن أموالهم.

وقيل: المقصود مانعو الزكاة من المسلمين.

ووجه النظم أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه بالباطل كذلك فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والخديعة؟!

عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك هذه البلاد؟

قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب.

وقلت: نزلت فينا وفيهم فصار ذلك سبباً للوحشة.

فكتب إلي عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني كأنهم لم يروني من قبل، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريباً.

قلت: إني والله لا أدع ما كنت أقول.

وعن الأحنف قال: لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه.

فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته وقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم.

فقال: ما عسى يصنع بي قريش.

واختلف علماء الصحابة في هذا الكنز المذموم فقال الأكثرون: هو المال الذي لم تؤّد زكاته.

عن عمر بن الخطاب: مال أديت زكاته فليس بكنز.

وقال ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض.

وقال جابر: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز.

وعن ابن عباس: قوله ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ يريد الذين لا يؤدّون زكاة أموالهم.

قال القاضي: ويندرج فيه سائر الحقوق من الكفارات والديون ونفقة الحج والجهاد والإنفاق على الأهل والعيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات.

وقال الأقلون: كل مال كثير فهو مذموم سواء أديت زكاته أو لم تؤد.

وحجة الأولين قوله  ﴿ لها ما كسبت  ﴾ ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ {محمد: 36] وقوله  : "كل امرىء أحق بكسبه" "نعم المال الصالح للرجل الصالح ما أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكى ولم يزك فهو كنز وإن كان ظاهراً" وقد كان رسول الله  جمع من الأغنياء كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكان يعدّهم من أكابر المؤمنين، وقد ندب إلى إخراج الثلث أو الأقل في المرض ولو كان جمع المال محرماً لكان يأمر المريض أن يتصدق بالكل بل الصحيح في حال صحته.

حجة الأقلين عموم الآية "وما روى سالم بن الجعد أنها لما نزلتقال رسول الله  : تباً للذهب تباً للفضة قالها ثلاثاً فقالوا له  : أي مال نتخذ؟

قال: لساناً ذاكراً وقلباً خاشعاً وزوجة تعين أحدكم على دينه" .

وقوله: "من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها" وتوفي رجل فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله  : كية.

وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال: كيتان.

وعن عليّ  : كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد.

ومن المعقول أن الله  خلق الأموال لدفع الحاجات فإذا حصل للمرء منه ما زاد على قدر حاجته ومنع منه الغير كان مانعاً من ظهور حكمة الله ودافعاً لوجوه الإحسان إلى عبيده.

وقد رام طائفة من العلماء الجمع بين القولين فقالوا: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فأما بعد فرض الزكاة فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالاً من حيث أذن له فيه ويؤدي عنه ما أوجب عليه ثم يعاقبه.

وقال أهل التحقيق: النهي عن جمع المال محمول على التقوى لأن تزايد المال لا حد له يقف هنالك فينجز إلى تضييع العمر تارة في تحصيله وأخرى في حفظه، لأنه كلما ازداد المال ازدادت لذته بذلك فيشتد حرصه ولا ينقطع البتة، وقد يفضي إلى الطغيان والخذلان كقوله  ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى  ﴾ ولو لم يكن في الفقر سوى الانكسار وقلة التعلق وفراغ البال لكفى بها منقبة وفخراً، وكل ما يلهيك عن الله ولم يكن في سبيل الله فعدمه خير من وجوده.

وأما ظاهر الفتوى فهو أن صاحب المال الكثير لا عتب عليه إذا أدّى منه حقوقه.

هذا ومن حمل الآية على وعيد مانعي الزكاة في النقود قاس الزكاة في المواشي عليه.

وقد ورد أيضاً في الحديث: "ما من صاحب إبل أو بقر أو غنم" وهو مشهور.

ولا ريب أن الأصل المعتبر في الأموال هو النقدان، وسائر الأمتعة إنما تحصيل بهما وتدور عليهما.

ولمن أوجب الزكاة في الحلي المباح الاستدلال بالآية لأن الذهب والفضة يشمله، ومن لم يوجب الزكاة فيه خصص عموم الآية بما روي أنه  قال: "لا زكاة في الحلي المباح" ولم يصححه أبو عيسى الترمذي.

وبتقدير أن يصح حملوه على اللآلىء لقوله  ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها  ﴾ ولقائل أن يقول: لو حملنا الحلي في الحديث على اللآلىء لم تبق لقيد المباح فائدة، ثم إنه  ذكر شيئين الذهب والفضة ثم قال ﴿ ولا ينفقونها ﴾ فقيل: الضمير عائد إلى المعنى وهو الكنوز أو الأموال، أو لأن كل واحد منهما جملة واحدة وافية وعدة كثيرة ودراهم ودنانير فهو كقوله ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ وقيل: إلى اللفظ أي ولا ينفقون الفضة.

وحذف الذهب إما لأنه داخل في الفضة من حيث كونهما جوهرين ثمينين نفيسين مقصودين بالكنز فأغنى ذكر أحدهما عن الآخر كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها  ﴾ ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً  ﴾ وإما لأن التقدير والذهب كذلك كما أن معنى قوله: فإني وقيار بها لغريب *** وقيار كذلك.

ثم قال ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ تهكماً مثل قولهم: تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم.

ولو قيل: البشارة وهي الخبر الذي يؤثر في القلب فيتغير بسببه لون بشرة الوجه سواء كان من الفرح أو من الغم كان حقيقة ﴿ يوم يحمى عليها ﴾ معناه أن النار تحمى عليها أي يوقد عليها نار ذات حمى وحر شديد من قوله ﴿ نار حامية  ﴾ ولو قيل يوم تحمى أي الكنوز كقولك: أحميت الحديد لم يفد هذا المعنى وإنما ذكر الفعل مع أن الإحماء للنار لأنه مسند إلى الجار والمجرور بعد حذف النار كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير.

فإن لم تذكر القصة قلت: رفع إلى الأمير.

﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ﴾ ذكر العلماء في تخصيص هذه الأعضاء بالكي وجوهاً منها.

إن حصول الأموال يقصد به فرح القلب يظهر أثره في الوجه وشبع ينتفخ بسببه الجنبان ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم فعورضوا بنقيض المقصود.

ومنها أن هذه الأعضاء يعظم تألمها لكونها مجوّفة ولما في داخلها من الأعضاء الشريفة.

ومنها أنهم يكوون على الجهات الأربع، أما من قدام فعلى الجبهة، وأما من خلف فعلى الظهر، وأما من اليمين واليسار فعلى الجنبين.

ومنها أن المراد وقوع الكي على كل الأعضاء لأنها إما في غاية النظافة ومثاله الجبهة، وإما في غاية الصلابة ومثاله الظهر، وإما متوسطة ومثاله الجنبان.

ومنها أن الجمال في الوجه والقوة في الظهر والجنبين والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوة فعورض بإزالتهما.

ومنها قول أبي بكر الوراق: خصت بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جنبيه، وإذا قعد بجنبه تباعد وتجافى عنه وولى ظهره.

وأنا أقول: يحتمل أن يراد بالجباه قدام الشخص حيث لم يقدم لنفسه خير، أو بالظهور جهة الخلف حيث خلف ما أعقبه الحسرات وبالجنوب اليمين والشمال حيث لم يصرف المال في مرضاة الله وأنفقه في معصيته وسخطه وهذا بالتأويل أليق.

ثم الذي جعل كياً هو كل ماله أو قدر الزكاة الظاهر أنه الكل لأنه لما لم يخرج منه الحق كان ذلك الجزء شائعاً في كل ماله فناسب أن يعذب بكل الأجزاء ثم قال ﴿ هذا ما كنزتم ﴾ والتقدير فيقال لهم هذا ما كنزتم ﴿ لأنفسكم ﴾ وفيه توبيخ وإشعار بأنهم عورضوا بنقيض ما قصدوا وأكد ذلك بقوله ﴿ فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ ما مصدرية أو موصولة والمعنى اعرفوا وبال كونكم كانزين، أو ذوقوا وبال المال الذي كنتم تكنزونه.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أعمال اليهود والنصارى والمشركين فقال ﴿ إن عدّة الشهور ﴾ الآيتان وذلك أنه  لما حكم في كل وقت بحكم خاص فإذا غيروا تلك الأوقات بسبب النسيء والكبيسة كان ذلك سعياً منهم في تغيير حكم الله بحسب الهوى فكان ذلك زيادة في كفرهم.

واعلم أن المعالم الشرعية كلها منوطة بالشهور القمرية الهلالية لقوله  ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج  ﴾ والسنة القمرية.

عبارة عن اثني عشر شهراً قمرياً بدليل قوله  ﴿ إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ﴾ قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق قوله ﴿ في كتاب الله ﴾ بقوله ﴿ عدّة الشهور ﴾ للفصل بالأجنبي وهو الخبر أعني اثنا عشر.

فقوله ﴿ في كتاب الله ﴾ و ﴿ يوم خلق ﴾ الثاني بدل من الأول وهو من عند.

والتقدير إن عدّة الشهور عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض.

وفائدة الإبدالات تقدير الكلام في الأذهان لأنه يعلم منه أن ذلك العدد واجب عند الله وثابت في عمله في أول ما خلق الله العالم.

ويجوز أن يكون ﴿ في كتاب الله ﴾ صفة اثنا عشر أي اثنا عشر شهراً مثبتة في كتاب الله وعلى هذا لا يجوز أن يراد بالكتاب كتاب من الكتب لأن ﴿ يوم ﴾ متعلق به ولا تتعلق الظروف بأسماء الأعيان.

لا يقال: غلامك يوم الجمعة بل الكتاب يكون مصدراً بمعنى المفعول أي فيما أثبته في ذلك اليوم اللهم إلا إذا قدر الكلام هكذا.

إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً مكتوباً في كتاب الله يوم خلق.

قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ.

وقيل: القرآن.

﴿ منها أربعة حرم ﴾ ثلاثة سرد أي مسرودة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ يعني أن تحريم الأشهر الحرم الدين المستقيم الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل وقد توارثته العرب منهما، وكانوا يعظمونها ويحرّمون القتال فيها حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه تركه ﴿ فلا تظلموا فيهن ﴾ أي في الأشهر الأربعة ﴿ أنفسكم ﴾ بأن تجعلوا حرامها حلالاً.

عن عطاء قال: تالله ما يحل للناس أن يغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا وما نسخت.

وعن الحسن مثله لأنه فسر الدين القيم بأنه الثابت الدائم الذي لا يزول.

وعن عطاء الخراساني: أحلت القتال في الأشهر الحرم ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ وقيل: معناه لا تأثموا فيهن بياناً لعظم حرمتهن كما عظم أشهر الحج بقوله ﴿ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق  ﴾ والسبب فيه أن لبعض الأوقات أثراً في زيادة الثواب أو العقاب كالأمكنة، وكانت الحكماء يختارون لإجابة الدعاء أوقاتاً مخصوصة.

وفيه فائدة أخرى هي أن الإنسان جبل مطبوعاً على الظلم والفساد، ومنعه من ذلك على الإطلاق شاق عليه فخص بعض الأزمنة والأمكنة بطاعة ليسهل عليه الإتيان بها فيهما ولا يمتنع عن ذلك.

ثم لو اقتصر على ذلك فهو أمر مطلوب في نفسه وإن جره ذلك إلى الاستدامة والاستقامة بحسب الإلفة والاعتياد أو لاعتقاده أن الإقدام على ضد ذلك يبطل مساعيه السالفة فذلك هو المطلوب الكلي.

ولا ريب أن تخصيص ذلك من الشارع أقرب إلى اتحاد الآراء وتطابق الكلمة.

وقيل: الضمير في قوله ﴿ فيهن ﴾ عائد إلى ﴿ اثنا عشر ﴾ والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مدة عمره، أو المراد المنع من النسيء على ما يجيء.

قال الفراء: الأولى رجوع الضمير إلى الأربعة لقربها ولما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد شرف، فناسب أن تخص بالمنع من الظلم، ولأن العرب تختار فيما بين الثلاثة إلى العشرة ضميراً الجماعة، وفيما جاوز العشرة وهو جمعالكثرة تختار ضمير الوحدة.

قال حسان: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى *** وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ويقال: لثلاث خلون من شهر كذا ولإحدى عشرة ليلة خلت.

ثم قال عز من قائل ﴿ وقاتلوا المشركين ﴾ وظاهر الآية يدل على إباحة القتال في جميع الأشهر لأن الأمر الوارد عقيب الحرمة يدل على الإباحة.

ومعنى ﴿ كافة ﴾ جميعاً لأنهم إذا اجتمعوا تزاحموا فكف بعضهم بعضاً.

ونصبه على المصدر عند بعضهم لأنه مثل العاقبة والعافية.

وقال الزجاج: نصبه على الحال.

ولا يجوز أن يثنى ويجمع ويعرف باللام كقولك: قاموا معاً وقاموا جميعاً.

وفي وجه التشبيه في قوله ﴿ كما يقاتلونكم كافة ﴾ قولان: فعن ابن عباس: قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال كما أنهم يستحلون قتال جميعكم.

وقيل: قاتلوهم بأجمعكم غير متفرقين في مقاتلة الأعداء ومقابلتهم.

فعلى الأول يكون ﴿ كافة ﴾ حالاً من المفعول وعلى الثاني يكون حالاً من الفاعل وفي قوله ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ حث لهم على التقوى وعلى الجهاد بضمان النصر والمعونة.

ثم فسر الظلم المنهى عنه في الآية المتقدمة وأكد النهي عنه بقوله ﴿ إنما النسيء ﴾ وهو مصدر نسأ إذا أخر كالنذير والنكير.

وقال قطرب: أصله الزيادة من قوله: نسأت المرأة إذا حبلت لزيادة الولد فيها.

وردّ بأنه يقال لها ذلك فيؤول لتأخر حيضها.

وقيل: هو معنى منسوء كقتيل بمعنى مقتول.

واعترض بأن المؤخر هو الشهر المعنى إلى أن الشهر زيادة في الكفر وهذا الحمل غير صحيح.

ويمكن أن يجاب بأن المراد أن العمل الذي بسببه يصير الشهر الحرام مؤخراً زيادة في الكفر.

احتج الجبائي ههنا بأن الكفر يقبل الزيادة فكذا الإيمان.

وأيضاً أطلق الكفر على هذا العمل فتركه يكون إيماناً فلا يكون الإيمان مجرد الاعتقاد والإقرار.

وأجيب بأن الزيادة راجعة إلى الكمال وإنما سمي هذا العمل كفراً لأنه يؤول إلى اعتقاد تحليل ما هو حرام وبالعكس.

وفي قوله ﴿ يضل به الذين كفروا ﴾ بحث مشهور بين المعتزلة وغيرهم أن إسناد الإضلال إلى الله  بالمجاز أو بالحقيقة وقد مر مراراً.

قوله ﴿ يحلونه عاماً ﴾ الضمير فيه عائد إلى النسيء.

قال الواحدي: أي يحلون التأخير عاماً وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا فيه في الشهر الحرام.

ويحرّمون التأخير عاماً آخر وهو الذي يتركون فيه الشهر الحرام على تحريمه.

قال المفسرون: إنهم كانوا أصحاب حروب وغارات وكان يشق عليهم مكث ثلاثة أشهر متوالية من غير قتل وغارة، فإذا اتفق لهم في شهر منها أو في المحرم حرب وغارة أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر.

قال الواحدي وأكثر العلماء: على أن هذا التأخير كان من المحرم إلى صفر.

ويروى أنه حدث ذلك في كنانة لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعاً في قومه وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه.

ثم يقوم في القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرّموه.

والأكثرون على أنهم كانوا يحرمون من جملة شهور العام أربعة أشهر وذلك قوله ﴿ ليواطئوا عدّة ما حرم الله ﴾ أي ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوا ولم يعلموا أنهم خالفوا ترك القتال ووجوب التخصيص وذلك قوله تعالى ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ أي من القتال وترك الاختصاص.

قال أهل اللغة: يقال تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه كأن واحد منهم يطأ حيث يطأ صاحبه.

والإيطاء في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين لفظهما ومعناهما واحد.

قال ابن عباس: إنهم ما أحلوا شهراً من الأشهر الحرم إلا حرموا مكانه شهراً آخر من الحلال، ولم يحرموا شهراً من الحلال إلا أحلوا مكانه شهراً آخر من الحرام لأجل أن تكون عدة الحرم أربعة مطابقة لما ذكره الله  فهذا هو المراد بالمواطأة.

وللآية تفسيراً آخر وهو أن يكون المراد بالنسيء كبس بعض السنين القمرية بشهر حتى يلتحق بالسنة الشمسية، وذلك أن السنة القمرية أعني اثني عشر شهراً قمرياً هي ثلثمائة وأربعة وخمسون يوماً وخمس وسدس من يوم على ما عرف من علم النجوم وعمل الزيجات، والسنة الشمسية وهي عبارة عن عود الشمس من أية نقطة تفرض من الفلك إليها بحركتها الخاصة ثلثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم إلا كسراً قليلاً، فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بعشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة تقريباً، وبسبب هذا النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل فيكون الحج واقعاً في الشتاء مرة وفي الصيف أخرى، وكذا في الربيع والخريف، فكان يشق الأمر عليهم إذ ربما كان وقت الحج غير موافق لحضور التجار من الأطراف فكان يختل أسباب تجاراتهم ومعايشهم فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة بحيث يقع الحج دائماً عند اعتدال الهواء، وإدراك الثمار والغلات وذلك بقرب حلول الشمس نقطة الاعتدال الخريفي، فكبسوا تسع عشر سنة قمرية بسبعة أشهر قمرية حتى صارت تسع عشرة سنة شمسية فزادوا في السنة الثانية شهراً ثم في الخامسة ثم في السابعة ثم في العاشرة ثم في الثالثة عشرة ثم في السادسة عشرة ثم في الثامنة عشرة، وذلك ترتيب بهر يحوج عند المنجمين، وقد تعلموا هذه الصفة من اليهود والنصارى فأنهم يفعلون هكذا لأجل أعيادهم، فالشهر الزائد هو الكبس وسمي بالنسيء لأنه المؤخر والزائد مؤخر عن مكانه، وهذا التفسير يطابق ما روي أنه  خطب في حجة الوداع وكان في جملة ما خطب به: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه وعاد الحج في ذي الحجة وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية.

وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة في نفس الأمر فكانت حجة أبي بكر قبلها وفي ذي القعدة التي سموها ذا الحجة.

وإنمالزم العتب عليهم في هذا التفسير لأنهم إذا حكموا على بعض السنين بأنها ثلاثة عشر شهراً كان مخالفاً لحكم الله بأن عدّة الشهور اثنا عشر شهراً أي لا أزيد ولا أنقص وإليه الإشارة بقوله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ على هذا التفسير.

ويلزمهم أيضاً ما لزمهم في التفسير الأول من تغيير الأشهر الحرم عن أماكنها، فيجوز أن تكون الإشارة إلى المجموع.

ومعنى قوله ﴿ يحلونه عاماً ﴾ أي يحلون النسيء في عام الكبس ويحرمونه عاماً أي في غير سنة الكبس.

ومعنى قوله ﴿ ليواطؤا عدّة ما حرم الله ﴾ ما روي أنه كان يقوم في الموسم منهم خطيب ويقول: أنا أنسىء لكم في هذه السنة شهراً وكذا أفعل في كل سنين أقبلت حتى يأتي حجكم وقت الإدراك فينسىء المحرم ويجعله كبيساً.

ثم إنه متى انتهت النوبة إلى الشهر الحرام فتكرر حرم عليهم واحداً برأيه وعلى وفق مصلحتهم، وأحل الآخر وباقي في الآية قد مر في تفسير مثله مراراً والله  أعلم.

التأويل: ﴿ قاتلوا ﴾ النفوس ﴿ الذين لا يؤمنون بالله ﴾ بتعبده ﴿ ولا باليوم الآخر ﴾ أي لا يعملون للآخرة ﴿ ولا يحرمون ما حرم الله ﴾ من حب الدنيا فإنها رأس كل خطيئة ﴿ وحرم ﴾ ﴿ رسوله ﴾ على نفسه ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ أي لا يطلبون الحق ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ من النفوس الملهمة بالواردات الربانية ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ وهي معاملتها على خلاف طبعها ﴿ عن يد ﴾ عن حكم صاحب قوة وهو الشارع (وقالت يهود النفس أن عزير) القلب ﴿ ابن الله ﴾ وذلك إذا انعكس عن مرآه القلب آثار أنوار الواردات إلى النفس المظلمة فتنورت، كما أن اليهود لما سمعت التوراة والعلوم التي هم عنها بمعزل من عزير قالوا إنه ابن الله (وقالت نصارى) القلوب إن مسيح الروح ابن الله، وذلك أن الروح ربما يتجلى للقلب في صفة الربوبية والخلافة مقترناً بصفة إبداع الحق وبتشريف إضافة ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ ﴿ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ﴾ وهم النفوس الكافرة الذين ﴿ اتخذوا أحبارهم ﴾ أي قلوبهم ﴿ ورهبانهم ﴾ أي أرواحهم ﴿ أرباباً ﴾ والمسيح ابن مريم وهو الخفي وذلك أن الخفي هو أول مظهر للفيض الإلهي الذي منه التربية ثم الروح ثم القلب ثم النفس ثم القالب.

فالنفس من قصر نظرها ترى التربية من القالب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى التربية من القلب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى الكل من الحق فإن رؤية ذلك من شأن القلب كقوله ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ ﴿ يريدون ﴾ أي النفوس ﴿ أن يطفئوا نور الله ﴾ الذي رش على الأرواح في بدء الخلق ﴿ بأفواههم ﴾ أي بأفواه استيفاء الشهوات واللذات الجسمانيات ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ وهو النور المرشش بالهداية إلى الله وطلب الحق ﴿ ليظهره ﴾ في طلب الحق على طلب غيره ﴿ إن كثيراً ﴾ من أحبار القلوب ورهبان الأرواح ﴿ ليأكلون ﴾ أي يتمتعون بحظوظ النفس وهواها ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ حرصاً وطمعاً في الاستمتاع بحظوظ النفوس ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ ليقطعوا مسافة البعد عن الله بقدمى ترك الدنيا وقمع الهوى ﴿ يحمى عليها في نار جهنم ﴾ الحرص ﴿ فتكوى بها ﴾ جباه القلوب والأرواح لأنهم امتنعوا بذلك عن التوجه إلى الحق ﴿ وجنوبهم ﴾ حيث لا تتجافى جنوبهم عن مضاجع المكونات ﴿ وظهورهم ﴾ حيث لم يقضوا حق التواضع والخشوع فيقال لهم ﴿ هذا ﴾ الذي أصابكم من ألم الحرمان وعذاب القطيعة بسبب ﴿ ما كنزتم ﴾ ﴿ فذوقوا ﴾ الآن ألم كي نار الحرص لأنكم لم تذوقوه في الدنيا حيث كنتم في منام الغفلة ﴿ منها أربعة حرم ﴾ فيه إشارة إلى أن الطالب المضطر إلى تحصيل قوت نفسه وعياله يجب أن يجعل أوقات عمره أثلاثاً: ثلثاً لطلب المعاش وترتيب مصالح الدنيا، وثلثاً للطاعات التي ينتفع بها في الآخرة، وثلثاً من ذلك حرام أن يقع في خاطره غير المولى.

ومن استغنى عن الموانع فيحرم عليه صرف لحظة في غير طلب الحق وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ وفيه تنبيه على أن من لم يكن هكذا كان في سلوكه اعوجاج.

ثم ذكر أن من شأن النفوس المشركة أنها إن أقبلت على طاعة أخرتها عن وقتها وهو النسيء الموجب لازدياد كفرها لأنها قد خالفت الشرع من حيث تركها الطاعة باختيارها، ومن حيث إنها اعتقدت أن ذلك التأخير مما لا بأس به.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً  أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً  ﴾ ، أخبر أن السماوات تكاد تتفطر، وتنشق الأرض وتخر الجبال؛ لعظيم ما قالوا في الله -  - من البهتان والفرية عليه أن له ولداً، ثم بين الذي ذكر ذلك فقال: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ : فذكر الآية، وأخبر - والله أعلم - أنهم قالوا في الله ما قالوا لوجوه: أحدها: دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأن هؤلاء المتأخرين لم يقولوا هذا، ولكن إنما قال ذلك أوائلهم، لكن كتموا ذلك، فأخبر رسول الله  أن أوائلهم قالوا ذلك، وهم كانوا يكتمون عن رسول الله  ذلك؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله.

والثاني: يخبر رسوله سفه أوائلهم، ويصبره على سفه هؤلاء؛ ليصبر على سفههم وأذاهم.

والثالث: يخبر أنهم مشبهة؛ لأنهم نسبوا المخلوق إليه، وقالوا: إن فلاناً ابنه؛ لما رأوا منه أشياء، فلولا أنهم عرفوا الله بمثل معرفتهم المخلوق وإلا ما قالوا ذلك، ولا اعتقدوا من التشبيه، وغير ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ .

أى: ذلك قول قالوه بلا حجة ولا برهان كان لهم في ذلك.

أو قالوا ذلك بأفواههم على غير شبه اعترضت لهم تحملهم على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ .

يحتمل هذا أن قد كان قبل هؤلاء من قد قال مثل قول هؤلاء [ ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ من الشرك أو الكفر أو غير ذلك من الكذب والافتراء على الله، كقوله: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ بالكفر وكقوله]: ﴿ كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ  ﴾ ، ليس أن يحيي الموتى كلهم إحياء كما أحيا ذلك القتيل بضرب بعض من البقرة، ولكن يحييهم إحياء، [فعلى] ذلك قوله: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ ] في الكفر نفسه.

ويحتمل: ضاهى قول النصارى قول اليهود، والمضاهاة: المشابهة والإشباه.

وقوله [أيضاً]: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ ، أي: يشبه النصارى بقولهم لعيسى إنه ابن الله قول اليهود من قبل: عزير ابن الله؛ فضاهى النصارى في عيسى اليهود قبلهم في عزير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ .

هذه الكلمة كلمة اللعن، تستعمل عند مناكير القول والفعل من غير حصول المنفعة.

وقوله: ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ يحتمل: من أين يؤفكون ويفترون على الله على غير شبهة اعترضت لهم.

ويحتمل: ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ ، أي: كيف يؤفكون بلا منفعة تحصل لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً  ﴾ .

قيل: الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد.

وقيل: الأحبار هم أصحاب الصوامع مع اليهود، والرهبان: من النصارى.

وقوله: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ يحتمل أن يكون هذا في السفهاء والأتباع، وقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ  ﴾ : في العلماء منهم والرؤساء، فاتخذ الأتباع أولئك أرباباً يتبعونهم في جميع ما يدعونهم إليه، يأتمرون بهم في جميع أوامرهم ونواهيهم؛ لا أنهم عبدوهم، ولكن ذكر أرباباً لما ذكرنا من اتباعهم وانتظارهم إياهم فيما يدعونهم إليه ويأمرونهم؛ كقوله: ﴿ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ  ﴾ ، وقول إبراهيم لأبيه: ﴿ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان وطاعته، ولكن نسب العبادة إليه؛ لما يجيبونه في كل ما يدعوهم إليه ويأمرهم به؛ فعلى ذلك هذا.

ويحتمل ما روي في الخبر - إن ثبت - أنهم لم يعبدوهم، ولكن هم أحلوا لهم أشياء حرمها [الله] عليهم فاستحلوها، أو حرموا عليهم أشياء أحل الله ذلك لهم، فحرموا ذلك فقيل: اتخذوهم أرباباً - والله أعلم - يخرج هذا في الأحبار والرهبان على التمثيل، أي: اتخذوهم في الطاعة لهم والاتباع لأمرهم؛ كأنهم اتخذوهم أرباباً، لا على التحقيق، وهو ما ذكر من عبادتهم الشيطان، لا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكن صاروا بالطاعة للشيطان والاتباع لأمره كأنهم عبدوه.

وأما في المسيح فهو على التحقيق؛ لأنهم قالوا: ابن إله، وقالوا: ابن [الإله] إله؛ فهو يخرج في المسيح على التحقيق، وفي الأحبار والرهبان على التمثيل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً ﴾ .

يحتمل: إلا ليوحدوا إلهاً واحداً الذي لا إله إلا هو.

ويحتمل: أي: ما أمروا أن يعبدوا آلهة [على ما] يعبدون من الأصنام والأوثان، ولكن أمروا أن يعبدوا إلهاً واحداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ ﴾ .

قيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : ذكر الله وتوحيده.

وقيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : القرآن.

وقيل: ﴿ نُورَ ٱللَّهِ ﴾ : هو الإسلام.

فإذا كان النور هو الذكر والتوحيد فهو - والله أعلم - أنهم لم يكونوا يعرفون ذكر الله، ولا يذكرونه، إنما كانوا يعرفون ذكر الأصنام، وإياها يذكرون، وبحق القرابة والرحم يتناصرون فيما بينهم، فلما أن بعث الله رسوله محمداً بذكر الله وتوحيده، وأمر بالتناصر بحق الدين، أرادوا أن يطفئوا ذلك النور.

ومن قال: أراد بنور الله القرآن، أرادوا إطفاءه؛ كقوله: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ، و ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  ﴾ و ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ ونحوه، أرادوا إطفاءه بنحو ما ذكرنا ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ، وقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ...

﴾ الآية [النحل: 103].

ومن قال: نور الله هو الدين؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ...

﴾ النور: 35] في حرف أبي: (مثل نور المؤمن)، ومثله - أرادوا إطفاء هذا النور؛ لتسلم لهم المنافع التي كانت [لهم].

وقوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ ﴾ يحتمل وجهين: ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ ، أي: يجتهدون أن يطفئوه، فما يقدرون على إطفائه.

ويحتمل: ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ ، أي: يحتالون أن يطفئوه بأسباب يتكلفونها ويحتالونها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ .

بالحجج والبراهين، أو بالنشر والإظهار، وقد أتمه؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ .

وقد كره الكافرون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ : هدى يهديهم إلى ما به تكون جميع المحاسن والخيرات محاسن وخيرات؛ لأن المحاسن والخيرات إنما تقوم بالإيمان، وبه ينتفع بها، بعثه لذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ : وهو القرآن، يهديهم، ويبين لهم المحاسن من المساوئ، والحسنات من السيئات، وهو هدى يهديهم إلى ذلك.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ \[وهو دين الحق\].

أي: الإيمان الذي به تصير المحاسن محاسن، والخيرات خيرات - هو دين الحق.

ويحتمل قوله: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ [أي: أرسله بالهدى وبدين الحق.

ويحتمل قوله: ودين الحق] أي: دين الله؛ كقوله: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: [يحتمل]: ليظهر رسوله على أهل الدين كله بالحجج والآيات، فقد أظهره بحمد الله على الأديان كلها بالحجج والبراهين، حتى لم يتعرض أحد في شبه ذلك فضلاً أن يتعرض في إبطاله.

ويحتمل: ليظهره على أهل الدين كله بالقهر والغلبة والإذلال، فقد كان، حق خضعوا له كلهم وذلوا، حتى لم يبق في جزيرة العرب مشرك ولا كافر إلا خضع له، وصار أهل الكتاب ذليلين صاغرين في أيدي المسلمين.

فإن كان المراد من قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ ، فهو بالحجج والبراهين كلها.

وإن كان أراد به الدين أن يظهره على الأديان كلها فبعد لم يكن، ويكون - إن شاء الله  - هو الظاهر على الأديان كلها يوم القيامة.

وقوله - عز جل -: ﴿ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .

ولم يقل: على الأديان كلها؛ فالدين يتناول الأديان كلها؛ كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ  ﴾ يدخل فيه كل إنسان.

وجائز أن تكون أدياناً مختلفة فهو واحد؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، وهو دين الشيطان، فسماه بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ ﴾ .

أما الأحبار والرهبان فقد ذكرناهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ ﴾ .

لأنهم كانوا يأكلون أموالهم بما يحرفون كتاب الله ويبدلونه؛ كقوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ الآية [آل عمران: 78]، فهم إنما حرفوا ذلك وبدلوه؛ لتسلم لهم تلك الأموال، فذلك أكل بباطل؛ لأنهم خافوا ذهاب تلك المنافع والأموال إذا أسلموا، فيجوز أن يكون إنما سماهم أرباباً في الآية الأولى؛ لما أنهم جعلوا أموالهم أموالاً لأنفسهم، وأنفسهم عبيداً لهم، فهم كالأرباب لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا صلة ما قال: ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: أخذوا أموالهم لصد الناس عن سبيل الله، وكنزوها، ولم ينفقوها في سبيل الله، إنما أنفقوها لصد الناس عن سبيله.

ومن الناس من حمل الآية في منع الزكاة.

روي في الأخبار عن رسول الله  وعن بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - أن كل مال أديت الزكاة عنه فهو ليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ الزكاة [عنه] فهو كنز، وإن كان على وجه الأرض.

ومن أصحابنا من استدل بلزوم ضمّ الفضة والذهب بعضه إلى بعض في الزكاة بهذه الآية؛ لأنه ذكر الذهب والفضة جميعاً، وألحق الوعيد بترك الإنفاق من الفضة بقوله: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، فلولا أن الضم واجب ويكون المؤدى عن أحدهما مؤدى عن الآخر، وإلا لم يكن لذلك معنى.

ثم في متعارف الناس أنهم يؤدون من الفضة عن الذهب؛ لأن الذهب أعز عندهم، والفضة دونه.

ثم إن كانت الآية في الكفرة فهي في القبول؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ  ﴾ وذلك على القبول، لا في الأداء نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ...

﴾ الآية.

جعل الله تعذيب الكفرة في الآخرة بالأسباب التي منعتهم عن طاعة الله، ودعتهم إلى مخالفة أمره، ويجمع بينهما في النار؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ  ﴾ وقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ  ﴾ ونحو ذلك؛ فعلى ذلك ما كنزوا يحمى عليها، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، يعذبهم بها؛ لما منعتهم تلك الأموال من طاعته، ودعتهم إلى صدّ الناس عن سبيل الله؛ يجعل عذابهم في الآخرة بها.

ويحتمل قوله: ﴿ جِبَاهُهُمْ ﴾ : كناية عن التقديم إلى الآخرة، أي: لم يقدموها ولم ينفقوها في سبيل الله.

وقوله: ﴿ وَجُنوبُهُمْ ﴾ : لما أخذوها مما يحل ومما لا يحل من كل جهة.

وقوله: ﴿ وَظُهُورُهُمْ ﴾ : لما أنفقوها في الصد عن سبيل الله.

ويحتمل ذكر هذا إحاطة العذاب بهم من كل الجهات؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ  ﴾ ، أي: يحيط العذاب بهم؛ فعلى ذلك هذا - والله أعلم - كقوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ ، أي: يحيط بهم حتى لا يقدروا على دفعه عن وجوههم.

وقوله: ﴿ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية.

روي عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها، إلا جعلت له يوم القيامة صفائح، ثم أحمي عليها في نار جهنم، يكوى بها جنبه وجبهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها، إلا أتى بها يوم القيامة تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها" ثم ذكر فيه ما ذكر في الأول، قالوا: "يا رسول الله، فصاحب الخيل؟

قال: هي لثلاث: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر؛ فأما من ربطها عدة في سبيل الله، فإنه لو أنه طول لها في مرج خصب أو في روضة، كتب الله له عدد ما أكلت حسنات، وعدد أرواثها حسنات، ولو انقطع طولها ذلك فاستنت شرفاً أو شرفين، وكتب الله له عدد آثارها حسنات، ولو مرت بنهر عجاج لا يريد السقي به فشربت، كتب الله له عدد ما شربت حسنات.

ومن ارتبطها فخراً وعزّاً على المسلمين، كان له وزر إلى يوم القيامة؛ ومن ارتبطها تغنياً وتعففاً ثم لم ينس حق الله في رقابها وظهورها، كانت له ستراً من النار يوم القيامة" فإن ثبت هذا الخبر عن رسول الله  ففيه دلالة وجوب الزكاة في الخيل، وهو حجة لأبي حنيفة؛ لأنه قال: "ثم لم ينس حق الله في رقابها"، والحق الذي في رقابها هو الزكاة، والذي في ظهورها هو الجهاد عليها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يوم القيامة يوقد على ما جمعوه ومنعوا حقه في نار جهنم، فإذا اشتدت حرارتها وُضِعَت على جباههم وعلى جنوبهم وعلى ظهورهم، ويقال لهم على سبيل التوبيخ: هذه هي أموالكم التي جمعتموها ولم تؤدوا الحقوق الواجبة فيها، فذوقوا وبال ما كنتم تجمعونه ولا تؤدون حقوقه، وعاقبة ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.37540"

مزيد من التفاسير لسورة التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله